{"pages":[{"id":1,"text":"كتاب الإيمان من\rفتح الباري\rشرح صحيح البخاري\rللحافظ زين الدين أبي الفرج ابن رجب الحنبلي\rفصل (1) .\rقال البخاري : الإيمان قول وفعل .\rقال زين الدين ابن رجب رحمه الله .\rوأكثر العلماء قالوا : هو قول وعمل . وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث . وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا .\rوقال الأوزراعي : كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة . وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة : الفضيل بن عياض ، ووكيع بن الجراح .\rوممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل : الحسن ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد(2) ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وأبي ثور وغيرهم حتى قال كثير منهم : إن الرقبة المؤمنة لا تجزىء في الكفارة حتى يؤخذ منها الإقرار وهو الصلاة والصيام ، منهم الشعبي ، والنخعي ، وأحمد في رواية . وخالف في ذلك طوائف من علماء أهل الكوفة والبصرة وغيرهم ، وأخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا : الإيمان : المعرفة مع القول .\rوحدث بعدهم من يقول : الإيمان : المعرفة خاصة ، ومن يقول : الإيمان : القول خاصة .\rوالبخاري عبر عنه بأنه : قول وفعل . والفعل : من الناس من يقول : هو مرادف للعمل . ومنهم من يقول : هو أعم من العمل . فمن هؤلاء من قال : الفعل يدخل فيه القول وعمل الخوارج ، والعمل لا يدخل فيه القول على الإطلاق . ويشهد لهذا : قول عبيد بن عمير : ليس الإيمان بالتمني ، ولكن الإيمان قول يفعل ، وعمل يعمل . خرجه الخلال(3) .\rومنهم من قال : العمل : ما يحتاج إلى علاج ومشقة ، والفعل : أعم من ذلك . ومنهم من قال : العمل : ما يحصل منه تأثير في المعمول كعمل الطين آجرا ، والفعل أعم من ذلك . ومنهم من قال: العمل أشرف من الفعل ، فلا يطلق العمل إلا على ما فيه شرف ورفعة بخلاف الفعل ، فإن مقلوب عمل : لمع ، ومعناه ظهر وأشرف .\r\r__________\r(1) اعتاد بن رجب - رحمه الله تعالى - في \" كتاب الإيمان \" أن يضع كلمة \"فصل \" بدلا من \" باب\" وأحيانا يذكر \" فصل \" ولا يذكر اسم \"الترجمة \" ، مثل ذلك : باب (4) \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده \" ، وباب (6) \" إطعام الطعام من الإيمان \" وباب (7) \" من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه \" ، وغير ذلك من الأمثلة ، وأحيانا يذكر كلمة \" فصل \" ويعقبها بكلمة \"باب\" ويذكر الترجمة كاملة مثل باب (113) ، وأحيانا يذكر الترجمة داخل الشرح راجع باب (15) ، لذلك وجب التنبيه . .\r(2) راجع جل هذه الأقوال في \" الشريعة \" للآجري (ص : 120-132) .\r(3) في \" السنة \" (1212) وفيه ابن لهيعة .","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"وهذا فيه نظر ، فإن عمل السيئات يسمى أعمالا كما قال تعالي { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } [ النساء : 123] وقال { مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } [ غافر: 40] ولو قيل عكس هذا لكان متوجها ، فإن الله تعالى إنما ( 177- أ / ف) يضيف إلى نفسه الفعل كقوله تعالى { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا } [ إبراهيم : 45] ، { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد } [ الفجر : 6] { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } ، { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } [ الحج : 18] .\rوإنما أضاف العمل إلى يديه كما قال { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا } [ يس : 71] وليس المراد هنا الصفة الذاتية - بغير إشكال - وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم عليه السلام . واشتق سبحانه لنفسه أسماء من الفعل دون العمل ، قال تعالى { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } [ هود : 107] .\rثم قال البخاري - رحمه الله : ويزيد وينقص . قال الله عز وجل { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ } [ الفتح: 4 ] { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } [ الكهف : 13] ، { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } [ مريم : 76] ، { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ } [ محمد : 17] ، { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } [ المدثر : 31] ، وقوله عز وجل { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } [ التوبة : 124] وقوله { فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً } [ آل عمران : 173] ، وقوله { وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } [ الأحزاب: 22] .","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء . وقد روى هذا الكلام عن طائفة من الصحابة كأبي الدرداء وأبي هريرة ، وابن عباس (1) وغيرهم من الصحابة . وروي معناه عن علي ، وابن مسعود - أيضا - ، وعن مجاهد ، وغيره من التابعين . وتوقف بعضهم في نقصه ، فقال : يزيد ولا يقال: ينقص (2) وروي ذلك عن مالك ، والمشهور عنه كقول الجماعة(3) . وعن ابن المبارك قال : الإيمان يتفاضل(4) . ، وهو معنى الزيادة والنقص . وقد تلا البخاري الآيات التي ذكر فيها زيادة الإيمان وقد استدل بها على زيادة الإيمان أئمة السلف قديما ، منهم : عطاء بن أبي رباح فمن بعده . وتلا البخاري - أيضا - الآيات التي ذكر فيها زيادة الهدى ، فإن المراد بالهدى هنا : فعل الطاعات كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم وبالإيمان بما أنزل إلى محمد و إلى من قبله باليقين بالآخرة ثم قال { أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ } [ البقرة : 5 ] ، فسمى ذلك كله هدى ، فمن زادت طاعته فقد زاد هداه .\rولما كان الإيمان يدخل فيه المعرفة بالقلب والقول والعمل كله كانت زيادته بزيادة الأعمال ونقصانه بنقصانها . وقد صرح بذلك كثير من السلف فقالوا : يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . فأما زيادة الإيمان بزيادة القول ونقصانه بنقصانه : فهو كالعمل بالجوارح - أيضا - ، فإن من زاد ذكره لله وتلاوته لكتابه زاد إيمانه ، ومن ترك الذكر الواجب بلسانه نقص إيمانه .\rو أما المعرفة بالقلب : فهل تزيد وتنقص ؟ على قولين : أحدهما : أنها لا تزيد ولا تنقص . قال يعقوب بن بختان(5) : سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن المعرفة والقول : يزيد وينقص ؟ قال : لا ، قد جئنا بالقول والمعرفة وبقي العمل . ذكره أبو الخلال في كتاب \" السنة (6) \" ومراده بالقول : التلفظ بالشهادتين خاصة . وهذا قول طوائف من الفقهاء والمتكلمين . و القول الثاني : أن المعرفة تزيد وتنقص .\rقال المروذي : قلت لأحمد في معرفة الله بالقلب تتفاضل فيه ؟ قال : نعم ، قلت : ويزيد ؟ قال : نعم .\rذكره الخلال عنه (7) ، وأبو بكر عبد العزيز في كتاب \"السنة \" - أيضا - ، عنه وهو الذي ذكره القاضي أبو يعلي من أصحابنا في كتاب \" الإيمان ، وكذلك ذكره أبو عبد الله بن حامد . وحكى القاضي - في \" المعتمد \" - وابن عقيل في المسألة روايتان (8) عن أحمد ، وتأولا رواية أنه لا يزيد ولا ينقص . وتفسر زيادة المعرفة بمعنيين :\rأحدهما : زيادة المعرفة بتفاصيل أسماء الله وصفاته وأفعاله وأسماء الملائكة والنبيين والكتب المنزلة عليهم وتفاصيل اليوم الآخر . وهذا ظاهر لا يقبل نزاعا .\r\r__________\r(1) \" الشريعة \" ( ص : 111) .\r(2) انظر \" السنة \" للخلال 976- 979 .\r(3) \" السنة \" للخلال : (1014) ، و\"الشريعة \" (ص:118) .\r(4) السنة \" للخلال _ (1018) .\r(5) هو يعقوب بن إسحاق بن بختان . له ترجمة في : طبقات الحنابلة \" (1/415) .\r(6) 1007) .\r(7) في \" السنة \" ، (1004) .\r(8) كذا ، والجادة \" روايتين \"","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"والثاني : زيادة المعرفة بالوحدانية بزيادة معرفة أدلتها (177- ب/ف) ، فإن أدلتها لا تحصر ، إذ كل ذرة من الكون فيها دلالة على وجود الخالق ووحدانيته ، فمن كثرت معرفته بهذه الأدلة زادت معرفته على من ليس كذلك . وكذلك المعرفة بالنبوات واليوم الآخر والقدر وغير ذلك من الغيب الذي يجب الإيمان به ، ومن هنا فرق النبي صلي الله عليه وسلم بين مقام الإيمان ومقام الإحسان ، وجعل مقام الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه ، والمراد : أن ينور قلبه بنور الإيمان حتى يصير الغيب عنده مشهودا بقلبه كالعيان (1).\rوقد ذكر محمد بن نصر المروزي في \" كتابه \" أن التصديق يتفاوت وحكاه عن الحسن ، والعلماء (2) وهذا يشعر إجماع عنده .\rومما يدل على ذلك أيضا _ : ما روى ابن وهب : أنا عبد الرحمن بن ميسرة ، عن أبي هانيء الخولاني ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق ، فسلوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم \" .\rخرجه الحاكم (3) ، وقال : صحيح الإسناد (4) .\rثم قال البخاري رحمه الله : والحب في الله والبغض في الله من الإيمان .\rو هذا يدل عليه : قول النبي صلي الله عليه وسلم \" ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان(5) وذكر منهن:\" أن يحب المرء لا يحبه إلا لله \" . وإذا كان الحب في الله والبغض في الله زاد الإيمان بزيادة ذلك ونقص بنقصانه.\rقال البخاري : وكتب عمر بن عبد العزيز إلي عدي بن عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع (6) وحدودا وسننا، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص . هذا الأثر : خرجه أبو بكر الخلال في كتاب \" السنة \" (7) من رواية جرير بن حازم : حدثني عيسى بن عاصم ، عن عدي بن عدي - وهو يومئذ أمير(8) على أرمينية - قال : كتب إلي عمر بن عبد العزيز : سلام عليك أما بعد ، فإن للإيمان شرائع وحدودا وسننا ، من استكملها استكمل الإيمان ، فإن أعش فيكم أبينها لكم حتى تعملوا بها - إن شاء الله ، وإن مت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص .\r\r__________\r(1) وسيحيل المصنف - رحمه الله تعالى - على هذا الوضع ( ص : 90،172) عند شرحه للحديث رقم : 020) ، (44) .\r(2) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2/760-761) .\r(3) \" المستدرك \" (1/4) .\r(4) عبارة الحاكم عقب الحديث : \" هذا حديث لم يخرج في الصحيحين ورواته مصريون ثقات ... \"\r(5) سيأتي ( 16)\r(6) وضع في \" ف\" علامتي لحق بعد كلمتي \" شرائع \" ، و: \" حدودا \" ، وفي الهامش : \"وسننا \" والموافق لـ \" اليونينية \" وضعها بعد \" حدودا \" كما أثبتناه .\r(7) 1162) ، وكذا (1553) ، وانظر \" المصنف \" لابن أبي شيبة (11/48-49) .\r(8) طمس حرف الألف من كلمة \" أمير \" في \"ف\".","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"قال البخاري : وقال إبراهيم عليه السلام (1) { وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }\rوقد فسرها سعيد بن جبير بالازدياد من الإيمان ، فإنه قال له : { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [ البقرة : 260] فطلب زيادة في إيمانه ، فإنه طلب أن ينتقل من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين وهي أعلى وأكمل .\rو في \" المسند \" \" (2) عن ابن عباس ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" ليس الخبر كالمعاينة \" .\rقال البخاري : وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة.\rهذا الأثر : رواه سفيان الثوري والأعمش ومسعر - كلهم - ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل : اجلس نؤمن ساعة - يعني نذكر الله (3) .\rوقد روي مثله عن طائفة من الصحابة ، فروى زبيد ، عن زر بن حبيش قال : كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه : هلموا نزداد إيمانا ، فيذكرون الله . وروى أبو جعفر الخطمي ، عن أبيه ، عن جده عمير بن حبيب بن حماسة \" (4) - وهو من الصحابة - أنه قال : إن الإيمان يزيد وينقص ، قالوا : وما زيادته ونقصانه ؟ قال : إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه (5) .\rفزيادة الإيمان بالذكر من وجهين :\rأحدهما : أنه يجدد من الإيمان والتصديق (178-أ/ف) في القلب ما درس منه بالغفلة كما قال بن مسعود : الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع . و في \" المسند \" (6) عن أبي هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" جددوا إيمانكم \" قالوا : كيف نجدد إيماننا ؟ قال : \" قولوا : لا إله إلا الله \" .\r\r__________\r(1) في رواية الأصيلي كما في فرع اليونينية \" : صلى الله عليه وسلم قاله القسطلاني في \" إرشاد السماري\" (1/88).\r(2) \" المسند \" (1/271) .\r(3) أخرجه ابن ابي شيبة في \" مصنفه \" (11/25-26) ، من طريق الأعمش ، عن جامع ، به ، وأبو عبيد في كتابه \" الإيمان \" (رقم /20) من طريق سفيان ، عن جامع ، به ، والخلال في \" السنة \" (1121) من طريق الأعمش ، ومسعر ، عن جامع به .\r(4) كذا في \" ف\" بالحاء المهملة ، ولم يعجم السين ولم يضع عليها علامة الإهمال فلعله أراد \" حماشة \" وفي كلا الحالتين خطأ وصوابه : \" خماشة \" بضم الخاء المعجمة ، كذلك قال ابن ماكولا في \" إكماله \" (3/192) وقال : \" ومن قال فيه : حماشة - بحاء مهملة - فقد غلط \" ، وذكره بالمعجمة : الدار قطني في \" والمؤتلف والمختلف\"، (2/922) ، وجاء في \" التاريخ الكبير \"( 06/531) بالمعجمة ، وفي \" الجرح \" (6/375) بالمهملة ، وقال : ويقال : \" ابن خباشة \" (كذا ) ، وذكر الخلاف في اسمه: ذهبي العصر الشيخ المعلمي في تعليقه على \" الإكمال \" (6/284-285) ، ثم قال : \" .. هذا والمراجع مختلفة في حباشة وخماشة ولا أرى داعيا لبيان ذلك \" ووقع في \" الإكمال \" في ضبط \" خماشة \" قال : بضم الخاء والميم .\r(5) ابن أبي شيبة في \" مصنفه \" (11/139) وابن سعد (4/381) وذكر الاختلاف في اسمه .\r(6) 2/359) .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"والثاني : أن الذكر نفسه من خصال الإيمان ، فيزداد الإيمان بكثرة الذكر ، فإن جمهور أهل السنة على أن الطاعات كلها من الإيمان فرضها ونفلها ، وإنما أخرج النوافل من الإيمان قليل منهم .\rقال البخاري : وقال ابن مسعود : اليقين : الإيمان كله .\rهذا الأثر : رواه الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن علقمة ، عن ابن مسعود (1) . واليقين : هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال ، فيوجب قوة التصديق حتى ينفي الريب ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به، وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله . وكذا قال الشعبي - أيضا .\rوهذا مما يتعلق به من يقول : إن الإيمان مجرد التصديق (2) ، حيث جعل اليقين : الإيمان كله ، فحصره في اليقين ، ولكن لم يرد ابن مسعود أن ينفي الأعمال من الإيمان ، إنما مراده : أن اليقين هو أصل الإيمان كله ، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة فنشأ ذلك كله عن اليقين .\rقال الحسن البصري : ما طلبت الجنة إلا باليقين ولا هرب من النار إلا باليقين ، ولا أديت الفرائض إلا باليقين ، ولا صبر على الحق إلا باليقين (3) . وقال سفيان الثوري : لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقا إلى الجنة وخوفا من النار (4) .\rويذكر عن لقمان قال : العمل لا يستطاع إلا باليقين ، ومن يضعف يقينه يضعف عمله (5). قال عبد الله بن عكيم : سمعت ابن مسعود يقول في دعائه : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفهما .\rقال البخاري : وقال ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر .\rقال زين الدين ابن رجب : هذا الأثر لم أقف عليه إلى الآن في غير كتاب البخاري (6) ، وقد روي معناه مرفوعا. وموقوفا على أبي الدرداء . فخرج الترمذي ، وابن ماجه من حديث عطية السعدي ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس \" (7) وفي إسناده بعض مقال . وروى ابن ابي الدنيا بإسناد منقطع ، عن أبي الدرداء قال : تمام التقوى : أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما ، حجابا بينه وبين الحرام (8).\r\r__________\r(1) أخرجه البيهقي في \" الزهد \" (ص/361) مرفوعا ، ثم أورد الموقوف : وقال : \" هذا هو الصواب موقوف \" وأخرجه الخطيب مرفوعا في \" التاريخ \" (13/226) ، \" وأشار\" في \" الحلية \" )5/34) إلي إعلاله ورجح الحافظ وقفه في \" التغليق \" (2/21-22) .\r(2) أشار إلى هذا الموضع وما قبله (ص94) عند شرحه للحديث رقم : (22) .\r(3) \" اليقين \" لابن أبي الدنيا (ص: 102) .\r(4) \" الحلية \" (7/17) .\r(5) \" اليقين \" لابن أبي الدنيا (ص: 116) .\r(6) وكذا قال الحافظ في \" تغيلق التعليق \" (2/24) .\r(7) الترمذي (2451) ، وابن ماجه (4215) .\r(8) انظره في \" الزهد \" لابن المبارك (ص:19) من زوائد نعيم ، وراجع \" توضيح المشتبه \" (3/442) .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"و إنما ذكر البخاري هذا الأثر في الباب ، لأن خصال التقوى هي خصال الإيمان ، وقد صح عن مجاهد أن أبا ذر سأل النبي صلي الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ : { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } [ البقرة : 177] إلى آخر الآية .\rوهذا مرسل . وقد روي من وجه آخر ، وفيه انقطاع - أيضا . قال البخاري : وقال مجاهد : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } : أوصيناك وإياه يا محمد (1) دينا واحدا (2) .\rروى ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } [ الشورى : 13] قال : وصاك به وأنبياءه كلهم دينا واحدا (3).\rومعنى ذلك : أن دين الأنبياء كلهم دين واحد وهو الإسلام العام المشتمل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وعلى توحيد الله وإخلاص الدين له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال تعالى : { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } [ البينة : 4 ، 5 ] .\rوالدين : هو الإسلام - كما صرح به في مواضع أخر - ، وإذا أطلق الإسلام دخل فيه الإيمان وبالعكس . وقد استدل على أن الأعمال تدخل في الإيمان بهذه الآية ، وهي قوله : { وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } طوائف من الأئمة ، منهم الشافعي ، وأحمد (4) ، والحميدي (5) ، وقال الشافعي : ليس عليهم أحج من هذه الآية (6) .\rواستدل الأوزاعي (7) بقوله تعالى { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } إلى قوله { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا } ( الشورى : 13) ، وقال : الدين : الإيمان والعمل ، واستدل بقوله تعالى { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } ( التوبة : 11) . وقد ذكر الخلال في كتاب \" السنة \" أقوال هؤلاء الأئمة بألفاظهم بالأسانيد إليهم .\r\r__________\r(1) في \" اليونينية \" : \" يا محمد وإياه \" .\r(2) نقل ابن حجر في \" الفتح \" (2/48) عن شيخه البلقيني أنه قال : \" وقع في أصل \" الصحيح \" في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قل من تعرض لبيانه ، وذلك أن لفظه : وقال مجاهد : شرع لكم: أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا . والصواب أوصاك يا محمد وأنبياءه . كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وابن المنذر في \" تفاسيرهم \" ، وبه يستقيم الكلام \" ا.هـ ورد على هذا الزعم القسطلاني في \" إرشاد الساري \" (1/89) فراجعه . وراجع رد العيني - كعادته - على الحافظ في \" العمدة \" (1/132) وأخيرا \" انتقاص الاعتراض \" للحافظ (1/20 -21) .\r(3) أخرجه الطبري في \" تفسيره \" (25/10) .\r(4) \" السنة \" للخلال (1036) .\r(5) \" السنة \" للخلال (1027) .\r(6) \" السنة \" للخلال (1038) .\r(7) \" السنة \" للخلال (1025) .","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"قال البخاري : وقال ابن عباس : { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } [ المائدة : 48] سبيلا وسنة .\rوهذا من رواية أبي إسحاق ، عن التيمي ، وعن ابن عباس شرعة ومنهاجا : سبيلا وسنة (1).\rومعنى قول ابن عباس : أن المنهاج هو السنة ، وهو الطريق الواسعة المسلوكة المداوم عليها ، والشرعة : هي السبيل والطريق الموصل إليها ، فهي كالمدخل إليها كمشرعة الماء وهي المكان الذي يورد الماء منه ، ويقال : شرع فلان في كذا إذا ابتدأ فيه ، وأنهج البلاء في الثوب إذا اتسع فيه . وبذلك فرق طائفة من المفسرين وأهل اللغة بين الشريعة والمنهاج ، منهم الزجاج وغيره .\r1-فصل (2)\rقال الله تعالى (3) { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ } [ الفرقان : 77] قال البخاري : ومعنى الدعاء في اللغة الإيمان .\rاعلم أن أصل الدعاء في اللغة : الطلب ، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله ، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله عز وجل والابتهال إليه كقول الداعي : اللهم اغفر لي ، اللهم ارحمني ، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان .\rوفي \" السنن الأربعة\" عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" إن الدعاء هو العبادة \" (4) ثم قرأ : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [ غافر : 60 ].\rفما استجلب العبد من الله ما يحب واستدفع منه ما يكره بأعظم من اشتغاله بطاعة الله وعبادته وذكره وهو حقيقة الإيمان ، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا .\rوفي الترمذي \" عن أبي سعيد عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" يقول الرب عز وجل : من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين \" (5) . وقال بعض التابعين : لو أطعتم الله ما عصاكم ، يعني : ما منعكم شيئا تطلبونه منه . وكان سفيان يقول : الدعاء ترك الذنوب - يعني : الاشتغال بالطاعة عن المعصية . وأما قوله تعالى { مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ } [ الفرقان : 77 ] فيه للمفسرين قولان : أحدهما : أن المراد : لولا دعاؤكم إياه ، فيكون الدعاء بمعنى الطاعة - كما ذكرنا .\r\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في \" تفسيره : (1/187) ، والطبري في \" تفسيره \" (6/175) - من طريق سفيان وغيره عن أبي إسحاق .\r(2) باب \" دعاؤكم إيمانكم \" .\r(3) في \" اليونينية \" : \" لقوله عز وجل \" .\r(4) أبو داود (1479) ، والنسائي في \" الكبرى (6/450) ، والترمذي (2969، 3247، 3372) ، وابن ماجه (3828) من طريق ذر ، عن يسيع ، عن النعمان به ، وقد تفرد به ذر كما نص عليه الترمذي وغيره ، واستشكل البخاري سماع يسيع من النعمان في \" التاريخ \" (8/425) .\r(5) الترمذي (2926) ، وانظره في \" الموضوعات \" (3/166) ، و \" للآلي \" (2/343) .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"والثاني : لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته كما في قوله تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56] . أي : لأدعوهم إلى عبادتي . (179-أ /ف) .\rوإنما اختلف المفسرون في ذلك ، لأن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى .\rفصل\rخرج البخاري من حديث :\r8- عكرمة بن خالد عن ابن عمر ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" بني الإسلام على خمس : شهادة ألا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان \" . وهذا الحديث دل على أن الإسلام مبني على خمس أركان ، وهذا يدل على أن البخاري يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان .\rومعنى قوله صلي الله عليه وسلم \" بني الإسلام على خمس \" : أن الإسلام مثله كبنيان ، وهذه الخمس : دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان . وقد روي في لفظ :\" بني الإسلام على خمس دعائم \" . خرجه محمد بن نصر المروزي (1).\rوإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه ، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده . وأما هذه الخمس ، فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها وكذلك (إن ) (2) زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان ، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما . وأما زوال الأربع البواقي : فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك ؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها فيزول بترك الصلاة دون غيرها ؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة .\rوفي ذلمك اختلاف مشهور ، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد (3) وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة .\rوحكاه إسحاق بن راهويه (4) إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال : لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة . وكذلك قال سفيان بن عيينه : المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، وليسا سواء ، لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال : معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر : هو كفر . وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي صلي الله عليه وسلم ولم يعملوا بشرائعه . وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال : الصلاة فريضة ولا أصلي ، فقالا : هو كافر . وكذا قال الإمام أحمد .\r\r__________\r(1) في \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 1/ 419) .\r(2) ما بين المعقوفين طمس في \"ف \" ولم يظهر منه إلا حرف \" ن \" ولعلها كما أثبتناها .\r(3) راجع \" المسائل والرسائل عن الإمام أحمد في العقيدة \" (2/36، 48 ،51) .\r(4) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2/929- 931) .","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ونقل حرب عن إسحاق قال : غلت المرجئة حتى صار من قولهم : إن قوما يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره ، يرجى أمره إلى الله بعد ، إذ هو مقر ، فهؤلاء الذين لا شك فيهم - يعني في أنهم مرجئة . وظاهر هذا : أنه يكفر بترك هذه الفرائض .\rوروى يعقوب الأشعري ، عن ليث ، عن سعيد بن جبير قال : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ، ومن أفطر يوما في رمضان (179-ب/ف ) فقد كفر ، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر ، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر(1).\rويروى عن الحكم بن عتيبة نحوه ، وحكى رواية عن أحمد - اختارها أبو بكر من أصحابه -، وعن عبد الملك بن حبيب المالكي مثله ، وهو قول أبي بكر الحميدي (2).\rوروي عن ابن عباس التكفير ببعض هذه الأركان دون بعض ، فروى مؤمل ، عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس - ولا أحسبه إلا رفعه - قال : \" عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، وصوم رمضان ، من ترك منها واحدة فهو بها كافر حلال الدم ، وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ، وتجده كثير المال لا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه (3) . ورواه قتيبة عن حماد بن زيد فوقفه واختصره ولم يتمه . ورواه سعيد بن زيد - أخو حماد - عن عمرو بن مالك ورفعه ، وقال : \" من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله \" ولم يزد على ذلك .\rوالأظهر : وقفه على ابن عباس ، فقد جعل ابن عباس ترك هذه الأركان كفرا ، لكن بعضها كفرا يبيح الدم وبعضها لا يبيحه ، وهذا يدل على أن الكفر بعضه ينقل عن الملة وبعضه لا ينقل .\rوأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي (4) وغيره عنهم . وممن قال بذلك : ابن المبارك ، وأحمد - في المشهور عنه - ، وإسحاق ، وحكى عليه إجماع أهل العلم - كما سبق - وقال أيوب : ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه . وقال عبد الله بن شقيق : كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة .\rخرجه الترمذي (5) .\rوقد روي عن علي وسعد وابن مسعود وغيرهم قالوا : من ترك الصلاة فقد كفر . وقال عمر : لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (6) .\r\r__________\r(1) \" تعظيم قدر الصلاة \" (2/889) ، اخرج الجزء الخاص بالصلاة .\r(2) راجع آخر \" المسند \" له (2/ 547) .\r(3) أبو يعلى في \" مسنده \" (4/ 236) .\r(4) \" تعظيم قدر الصلاة \" ، (2/ 925-936) .\r(5) 2622).\r(6) أخرجه ابن أبي شيبة في \" مصنفه \" ( 11/25) ، وعبد الرزاق (3/125) ، والآجري في \" الشريعة \" (34) والمروزي في \" تعظيم قدر الصلاة \" (2/892) . انظر \"علل الدار قطني \" (2/209-212) .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وفي صحيح مسلم \" عن جابر عن النبي صلي الله عليه وسلم قال \" \" بين الرجل وبين الشرك والكفر : ترك الصلاة \" (1).\rوخرج النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث بريدة ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال \" العهد الذي بيننا وبينهم : الصلاة ، فمن تركها فقد كفر \" (2) .وصححه الترمذي وغيره . و من خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملة كما في قوله تعالى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [ المائدة : 44] .\rفأما بقية خصال الإسلام والإيمان فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة . وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع .\rقال حذيفة : الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والحج سهم ، ورمضان سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له . وروي مرفوعا، والموقوف أصح (3).\rفسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمسة ودعائمه إذا زال منها شيء نقص البنيان ولم ينهدم أصل البنيان بذلك النقص .\r\r__________\r(1) مسلم ( 82) ، ولم يخرج البخاري هذا المتن لِلَّهِ .\r(2) النسائي (1/231) ، والترمذي (2621) ، وابن ماجه (1079) .\r(3) رواه أبو إسحاق واختلف عنه ، فرواه حبيب بن حبيب ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، واستنكره عليه أبو حاتم وأبو زرعة كما في \" العلل \" (2/146) وابن عدي في \"الكامل \" ( 2/415) والبيهقي في \" شعب الإيمان \" (6/95) وغيرهم . وحبيب هذا قال فيه أبو زرعة : \" واهي الحديث \" كما في \" الجرح \" (3/309) ورواه يزيد بن عطاء ، عن أبي إسحاق ، عن صلة ، عن حذيفة مرفوعا. واستنكروا عليه رفعه إذ خالفه شعبة فرواه موقوفا عند الطاليسي (413) والبزار في \" مسنده \" (7/330) وغيرهما ، وقال أبو داود الطياليسي : \" وذكروا أن غير شعبة يرفعه \" ا.هـ وقد صحح الوقف كل من : أبي حاتم وأبي ذرعة الرازيان في \" العلل \" (2/146) والبزار في \" مسنده \" وقال : \" لا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء ، عن أبي إسحاق \" ا.هـ . وقد استغرب الدار قطني في \" الأفراد \" الرفع وقال : \" رفعه يزيد بن عطاء ، عن أبي إسحاق ، وتفرد برفعه \" ا.هـ . من أطراف الغرائب \" ( 1994) بتحقيقنا وفي العلل \" ( 3/171) - له - أورده موقوفا عن أصحاب أبي إسحاق وقال : \" وهو الأصوب \" أ.هـ . وكذا جزم البيهقي في \" الشعب \" بقوله : \" ورواية شعبة أصح \" أ . هـ . وقد ذكر المصنف في \" جامع العلوم والحكم \" ( 1/74) : أن الموقوف أصح \" أ.هـ وهو الصواب حيث تابعه شعبة على الوقف : سفيان الثوري كما عند عبد الرازق في \" مصنفه \" (3/125) وابن أبي شيبة (11/7) ، وهما أثبت أصحاب أبي إسحاق . هذا وقد روي - أيضا - من طريق حبيب ، عن أخيه حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق ، قال الدار قطني في \" الأفراد \" : \" ومن قال فيه عن حبيب ، عن أخيه حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق فقد وهم وهما قبيحا ،وأخطأ خطأ عظيما أزهـ \" أطراف الغرائب \" (275بتحقيقنا ـ 0 وانظره في \" العلل \" (2/ 146) .","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وقد ضرب الله ورسوله مثل الإيمان (180-أ /ف) والإسلام بالنخلة . قال الله تعالى : { ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهاَ } [ إبراهيم : 23-24] .\rفالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد وهي أساس الإسلام ، وهي جارة على لسان المؤمن وثبوت أصلها هو ثبوت التصديق بها في قلب المؤمن ، وارتفاع فرعها في السماء هو علو هذه الكلمة وبسوقها وأنها تحرق (1) الحجب ولا تتناهى دون العرش ، وإتيانها أكلها كل حين : هو ما يرفع بسببها للمؤمن كل حين من القول الطيب والعمل الصالح، فهو ثمرتها . وجعل النبي صلي الله عليه وسلم مثل المؤمن أو المسلم كمثل النخلة (2).\rوقال طاوس : مثل ( الإسلام ) (3) كشجرة أصلها الشهادة ، وساقها كذا وكذا ، وورقها كذا وكذا، وثمرها : الورع ، ولا خير في شجرة لا ثمر لها ، ولا خير في إنسان لا ورع فيه (4). ومعلوم أن ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها ، ولكن يقال : هي شجرة ناقصة ، وغيرها أكمل منها ، فإن قطع أصلها وسقطت لم تبق شجرة ، وإنما تصير حطبا ، فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه مع بقاء أركان بنيانه لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلية ، وإن كان قد سلب الاسم عنه لنقصه بخلاف ما انهدمت أركانه وبنيانه فإنه يزول مسماه بالكلية ، والله أعلم\r2-فصل\rفي (5) أمور الإيمان\rقال البخاري :\rوقول الله عز وجل { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } إلى قوله { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [ البقرة : 177] وأمور الإيمان : خصاله وشعبه المتعددة .\rواستدل البخاري بقوله تعالى { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى (6) الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [ البقرة : 177] .\rوقد سأل أبو ذر النبي صلي الله عليه وسلم عن الإيمان ، فتلا عليه هذه الآية (7).\r\r__________\r(1) كذا في \" ف \" بالمهملة ولعلها \" تخرق \" بالمعجمة .\r(2) إشارة إلى حديث ابن عمر الذي خرجه البخاري ( فتح : 61) .\r(3) سقطت كلمة \" الإسلام \" من \" ف \" فأثبتناها من الرواية .\r(4) أخرجه عبد الرازق في : مصنفه \" (11/161) .\r(5) كلمة \" في \" ليست في \" اليونينية \" .\r(6) في \" ف \" : \" أنا \" .\r(7) تق دم إعلاله (ص 17) .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وهذا يدل على أن الخصال المذكورة فيها هي خصال الإيمان المطلق ، فإذا أطلق الإيمان دخل فيه كل ما ذكر في هذه الآية ، كما سأل السائل عن الإيمان ، فتلا عليه النبي صلي الله عليه وسلم هذه الآية .\rوإذا قرن الإيمان بالعمل فقد يكون من باب عطف الخاص على العام ، وقد يكون المراد بالإيمان - حينئذ- : التصديق بالقلب ، وبالعمل : عمل الجوارح كما ذكر في هذه الآية الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، ثم عطف عليه أعمال الجوارح .\rوخرج البخاري من حديث :\r9- سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة (1) ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان \" .\rوخرجه مسلم من هذا الوجه ، ولفظه : \" بضع وسبعون \" (2) وخرجه مسلم - أيضا - من رواية جرير ، عن سهيل ، عن عبد الله بن دينار (180-ب / ف) ، وبه قال في حديثه : \" بضع وسبعون - أو بضع وستون \" (3) - بالشك - ، وهذا الشك من سهيل ، كذا جاء مصرحا به في \" صحيح ابن حبان \" (4) وغيره . وخرجه مسلم - أيضا _ من حديث ابن الهاد ، عن عبد الله بن دينار ، به وقال في حديثه : \" الإيمان سبعون - أو اثنان وسبعون - بابا\" (5) . ورواه ابن عجلان ، عن عبد الله بن دينار وقال : \" ستون 0 أو سبعون \" . وروي عنه أنه قال في حديثه: \" ستون أو سبعون \" أو بضع واحد من العددين (6) . وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه بهذا اللفظ - أيضا (7) .\rوروي عنه بلفظ آخر وهو : \" الإيمان تسعة - أو سبعة _ وسبعون شعبة \" . وخرجه الترمذي من رواية عمارة بن غزية وقال فيه : \" الإيمان أربعة وسبعون بابا \" (8) . وقد روي عن عمارة بن غزية ، عن سهيل عن أبيه (9) . وسهيل لم يسمع من أبيه ، وإنما رواه عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح (10) . فمدار الحديث على عبد الله بن دينار ، لا يصح عن غيره .\r\r__________\r(1) زاد في \" اليونينية \" : \" رضي الله عنه \" .\r(2) مسلم (35/57) . وراجع الإختلاف في ألفاظه في \" صيانة صحيح مسلم \" لابن الصلاح (ص : 196) .\r(3) مسلم ( 35 / 58) .\r(4) الإحسان : 1 /407) .\r(5) بهذا الطريق أخرجه ابن منده في \" الإيمان \" (1/296) ، ولم نجده في مسلم من المطبوع ، ولا عزاه في \" التحفة \" إليه من هذا الطريق ، فإن لم يكن في بعض نسخ \" صحيح مسلم \" فلعله وهم من المصنف - رحمه الله تعالى\r(6) أخرجه ابن أبي شيبة في \" الإيمان \" - تحقيق الشيخ الألباني - برقم (67) ، ومن طريق ابن ماجة (57) .\r(7) أخرجه ابن منده في \" الإيمان \" (1/296) ورواه صفوان بن سليم ، عن ابن دينار ، به . انظر \" أطراف الغرائب \" (5816) لابن طاهر بتحقيقنا .\r(8) الترمذي ( 2614) .\r(9) ذكره الدار قطني في \" العلل \" (8/ 197) .\r(10) قال ابن منده في \" الإيمان \" (1/ 298) : \" وسهيل سمعه من عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح \" ا .هـ .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وقد ذكر العقيلي أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات : أثبات : كمالك وشعبة وسفيان بن عيينه ومشايخ : كسهيل ويزيد بن الهاد وابن عجلان ، قال : وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب ، وقال : إن هذا الحديث لم يتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار ، ولا تابع عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح عليه أحد ، والطبقة الثالثة : الضعفاء ، فيرون عن عبد الله بن دينار المناكير ، إلا أن الحمل فيها عليهم (1) .\rقلت : فد رواه عن عبد الله بن دينار : سليمان بن بلال ، وهو ثقة ثبت ، وقد خرج حديثه في \" الصحيحين \". وأما الاختلاف في لفظ الحديث : فالأظهر أنه من الرواة كما جاء التصريح في بعضه بأنه شك من سهيل بن أبي صالح . وزعم بعض الناس أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان ، فكلما نزلت خصلة منها ضمها إلى ما تقدم وزادها عليها . وفي ذلك نظر .\rوقد ورد في بعض روايات \" صحيح مسلم \" عد بعض هذه الخصال ، ولفظه : \" أعلاها : قول لا إله إلا الله ، وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان \" (2) . فأشار إلى أن خصال الإيمان منها قول باللسان ، ومنها ما هو عمل بالجوارح ومنها ما هو قائم بالقلب ، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال .\r\r__________\r(1) العقيلي ( 2/ 668- 669) . هذا وقد نقل المصنف - رحمه الله - كلام العقيلي هذا في كتابه \" شرح العلل \" (2/669-670) ، وقال لبعده : \" وقول العقيلي : لم يتابع عليه يشبه كلام القطان وأحمد والبرديجي الذي سبق ذكره في أن الحديث إذا لم يتابع روايه عليه فإنه يتوقف فيه ، أو يكون منكرا \" أ.هـ وللكلام تتمة ، فراجعه ، فإنه مهم .\r(2) مسلم (35 /58) .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وقد انتدب لعدها طائفة من العلماء كالحليمي (1) والبيهقي وابن شاهين وغيرهم ، فذكروا أن كل ما ورد تسميته إيمانا في الكتاب والسنة من الأقوال والأعمال وبلغ بها بعضهم سبع وسبعين ، وبعضهم تسعا وسبعين . و في القطع على أن ذلك هو مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الخصال عسر (2) كذا قاله ابن الصلاح وهو كما قال . وتبويب البخاري على خصال الإيمان والإسلام والدين من أوله إلى آخره وما خرج فيه من الأحاديث وما (181-أ/ف) استشهد به من الآيات والآثار الموقوفة إذا عدت خصاله وأضيف إليه أضداد ما ذكره في أبواب خصال النفاق والكفر بلغ ذلك فوق السبعين - أيضا - والله أعلم . وقد تكلم الراغب في كتاب \" الذريعة \" (3) له على حصرها في هذا العدد ذكره ابن عبد البر (4) وغيره . فإن قيل : فأهل الحديث والسنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان ، سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال ، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل ، هذا قول الجمهور الأعظم منهم وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين ، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة ، بل هي غير منحصرة . قيل : يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة :\rأحدها : أن يقال : إن عد خصال الإيمان عند قول النبي صلى الله عليه وسلم كان منحصرا في هذا العدد ثم حدثت زيادة فيه بعد ذلك حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي صلي الله عليه وسلم .\rوالثاني : أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصر في بضع وسبعين نوعا ، وإن كان أفراد كل نوع تتعد كثيرا ، وربما كان بعضها لا ينحصر . وهذا أشبه . وإن كان الموقوف على ذلك يعسر أو يتعذر .\r\r__________\r(1) هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي ، ولد في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ومات في شهر ربيع الأول ، سنة ثلاث وأربعمائة له كتاب في شعب الإيمان سماه \" المنهاج \" وهو مطبوع في ثلاث مجلدات وقال الذهبي : وللحافظ أبي بكر البيهقي اعتناء بكلام الحليمي ولا سيما في كتاب \" شعب الإيمان \" . وقال ابن الصلاح في \" صيانة صحيح مسلم \" (ص : 196) : \" وقد صنفت في ذلك مصنفات من أغزرها فوائد \" كتاب المنهاج \" لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى . وكان من رفعاء أئمة المسلمين \" انتهى ، وله ترجمة حافلة في \" طبقات الشافعية \" للسبكي (4/333-343) . وله ترجمة في \" السير \" (17/231-233).\r(2) في \" ف \" : \" عشر \" بالشين المعجمة ، والصواب ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في \" صيانة صحيح مسلم \" لابن الصلاح ( ص : 196) .\r(3) ص : 217-220) .\r(4) \" التمهيد \" ( 6/ 42) وما بعده .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"والثالث : أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد ، لا على وجه الحصر كما في قوله تعالى { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ } [ التوبة : 80 ] والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد (1) ، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك كأنه يقول : هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه . و هذا ذكره أهل الحديث من المتقدمين ، وفيه نظر .\rوالرابع : أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها . قال ابن حامد من أصحابنا . والبضع في اللغة : من الثلاث إلى التسع ، هذا هو المشهور ، ومن قال : ما بين اثنين إلى عشر فالظاهر إنما أراد ذلك ولم يدخل الاثنين والعشر في العدد . وقيل من أربع إلى تسع . وقيل : مابين الثلاث والعشر . والظاهر أنه هو الذي قبله باعتبار إخراج الثلاث والعشر منه . وكذا قال بعضهم : ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة، وعلى هذا فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر ، والله أعلم . (2) .\r3-فصل (3)\rخرج البخاري من حديث :\r10- الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو (4) عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر : من هجر ما نهى الله عنه \"\rخرجه من رواية شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي عن عبد الله . ثم قال : وقال معاوية : حدثنا داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلي الله عليه وسلم وقال عبد الأعلى ، عن (181- ب/ف ) داود ، عن عامر ، عن عبد الله (5) .\r\r__________\r(1) \" مشارق الأنوار \" (2/205).\r(2) وقد ذكر نحو هذا الكلام (7/202) تحت الحديث (799) .\r(3) لم يذكر اسم الباب وهو \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده \" .\r(4) زاد في اليونينية \" : \" رضي الله عنهما \" .\r(5) زاد في اليونينية \" : \" عن النبي صلى الله عليه وسلم .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"مقصود البخاري بهذا : أن شعبة روى الحديث معنعنا إسناده كله . وداود بن أبي هند عن الشعبي واختلف عليه فيه ، فقال عبد الأعلى : عن داود كذلك ، وقال أبو معاوية : عن داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله ، فذكر في حديثه تصريح الشعبي بالسماع له من عبد الله بن عمرو . وإنما احتاج إلى هذا ، لأن البخاري لا يرى أن الإسناد يتصل بدون ثبوت لقي الرواة بعضهم لبعض وخصوصا إذا روى بعض أهل بلد عن بعض أهل بلد ناء عنه ، فإن أئمة أهل الحديث مازالوا يستدلون على عدم السماع بتباعد الرواة ، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء وما أشبه ذلك (1) . وهذا الحديث قد رواه الشعبي - وهو من أهل الكوفة - ، عن عبد الله بن عمرو - وهو حجازي - نزل مصر ولم يسكن العراق ، فاحتاج أن يذكر ما يدل على سماعه منه ، وقد كان عبد الله بن عمرو قدم مع معاوية الكوفة عام الجماعة فسمع أهل الكوفة كأبي وائل ، وزر بن حبيش ، والشعبي . وإنما خرج مسلم هذا الحديث من رواية المصريين ، عن عبد الله بن عمرو : من رواية يزيد بن حبيب ، عن أبي الخير سمع عبد الله بن عمرو يقول : أن رجلا سأل النبي صلي الله عليه وسلم : أي المسلمين خير ؟ قال : \" من سلم المسلمون من لسانه ويده \" (2) . وهذا اللفظ يخالف لفظ رواية البخاري .\rوأما رواية \" المسلم \" فيقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام ، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب ، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة ، فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد ، فأذى اليد : الفعل ، وأذى اللسان القول .\rوالظاهر : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وصف بهذا في هذا الحديث لأن السائل كان مسلما قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله عز وجل ، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام ، فبين له النبي صلي الله عليه وسلم ما جهله .\rويشبه هذا : أن النبي صلي الله عليه وسلم لما خطب في حجة الوداع وبين للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأتبع ذلك بقوله : \" سأخبركم من المسلم : من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن : من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم \" . خرجه ابن حبان في \" صحيحه \" من حديث فضالة بن عبيد (3) .\rوكان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يجمع لنم قدم عليه يريد الإسلام بين ذكر حق الله وحق العباد ، كما في \" مسند الإمام أحمد \" عن عمرو بن عبسة قال : قال رجل : يا رسول الله لِلَّهِ ما الإسلام ؟ قال : \" أن تسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك \" (4) .\r\r__________\r(1) واقرأ ما سطره المصنف - عليه رحمة الله - في كتابه الحافل \" \" شرح علل الترمذي \" (2/592-596) في هذه المسألة . وقد أجاد كعادته ، ولا عجب .\r(2) مسلم (40) .\r(3) ابن حبان ( الإحسان : 11/203-204) باختلاف اللفظ .\r(4) \" المسند \" (4/114) .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وفيه - أيضا - ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال له : أسألك بوجه الله بم بعثك الله ربنا إلينا ؟ قال : \" بالإسلام قال قلت : وما آية الإسلام ؟ ( 128 - أ / ف ) قال : \" أن تقول : أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وكل مسلم على مسلم محرم \" ، وذكر الحديث وقال فيه : قلت : يا رسول الله لِلَّهِ هذا ديننا ؟ قال : \" هذا دينكم \" (1) . وخرجه النسائي بمعناه (2) . وقوله\" والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه \" . فأصل الهجرة : هجران الشر ومباعدته لطلب (3) الخير ومحبته والرغبة(4) فيه.\rوالهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام رغبة في تعلم الإسلام والعمل به ، وإذا كان كذلك فأصل الهجرة : أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي ، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام ، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة ، بل الهجرة التامة الكاملة : هجران ما نهى الله عنه ، ومن جملة ذلك : هجران بلد الشرك مع القدرة عليه .\r4- فصل (5)\rخرج البخاري من حديث :\r11- بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده (6) أبي بردة عن أبيه أبي موسى (7) قالوا : يا رسول الله لِلَّهِ أي الإسلام أفضل ؟ قال : \" من سلم المسلمون من لسانه ويده \" .\r\r__________\r(1) \" المسند \" (5/5) .\r(2) النسائي (5/ 4-5 ، 82-83) .\r(3) في \" ف \" تشتبه بـ \" طالب \" والصواب ما اثبتناه .\r(4) في \" ف \" : \" والزغبة \" - بالزاي .\r(5) لم يذكر اسم الباب و هو : \" أي الإسلام أفضل ؟ \" .\r(6) \" جده \" ليست في \" اليونينية \" .\r(7) في \" اليونينية \" : \" عن أبي موسى رضي الله عنه \"","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"وخرجه مسلم (1) - أيضا - ، وخرج - أيضا - من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي المسلمين خير ؟ قال : \" من سلم المسلمون من لسانه ويده \" - كما تقدم ذكره (2) . فعلى هذه الرواية : أي المسلمين خير ؟ وفي رواية أبي موسى : أي الإسلام أفضل ؟ . قال ابن رجب : والذي ظهر لي في الفرق بين \" خير \" أن لفظ \" أفضل \" إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل ، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختص به ، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل واختص عنه بفضل زائد فهو ذاك . وأما لفظه \" خير \" فتستعمل في شيئين : في كل منهما نوع من الخير أرجح مما في الآخر سواء كان لزيادة عليه في ذاته أو في نفعه أو غير ذلك ، وإن اختلف جنساهما فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة خير ، فيقال مثلا : النفع المتعدي خير من النفع القاصر ، وإن كان جنسهما مختلفا ويقال : زيد أفضل من عمرو ، إذا اشتركوا في علم أو دين ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة . وإن استعمل في النوع الأول لفظة \" أفضل \" مع اختلاف الجنسين ، فقد يكون المراد : أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر وأزيد منه ، فقد وقع الاشتراك في الثواب وامتاز أحدهما بزيادة منه - وحينئذ - فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره ممن ليس كذلك ، لاشتراكهما في الإتيان بحقوق الله في الإسلام من الشهادتين و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين ، فصار هذا الإسلام أفضل من ذاك . و أما المسلم : فيقال : هذا أفضل من ذاك لأن إسلامه أفضل من إسلامه ويقال : هو خير من ذاك لترجيح خيره على خير غيره وزيادته عليه .\r6 - فصل (3)\rخرج البخاري ومسلم من حديث :\r12- يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : ( 182- ب /ف ) \" تطعم (4) الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف \" .\rوخرجه مسلم أيضا (5) . جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خير الإسلام : إطعام الطعام وإفشاء السلام . وفي \" المسند \" (6) عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : \" لين الكلام وإطعام الطعام \" .\rومراده : الإسلام التام الكامل . وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان . وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان - أيضا - فضلا .\r\r__________\r(1) مسلم (40) .\r(2) الحديث الماضي .\r(3) باب \" إطعام الطعام من الإسلام \" وقد عزا إليه تحت شرحه الحديث رقم : (28) .\r(4) في \" ف \" تحرفت الضمة التي على كلمة \" تطعم \" كأمها \"واو \" .\r(5) برقم (39) .\r(6) 4/385) بمعناه .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [ آل عمران : 134] فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى .\rوجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ، لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل وهو أكمل الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ، فمن أتى بفرائض الإسلام ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل - أيضا - ، وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ، فإن إطعام الطعام والسلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .\rوقد زعم الحكيمي (1) وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه وفي وقت دون وقت أو لشخص دون شخص ، ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد : إنه من خير الأشياء ، لا خير مطلقا . وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر ، ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له : يا خير البرية ، فقال : \" ذاك إبراهيم \" (2) . وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع . ولكن هذا يقرب من قول من تأول \" أفضل \" بمعنى \" فاضل \" وقال : إن \" أفعل \" لا تقتضي المشاركة . وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه وحكى عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل . وقوله \" وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف \" هذا أفضل أنواع إفشاء السلام . وفي \" المسند \" عن ابن مسعود مرفوعا : \" إن من أشراط الساعة \" السلام بالمعرفة \" (3) .\rويخرج من عموم ذلك : من لا يجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .\r7-فصل (4)\rخرج البخاري ومسلم (5) من حديث :\r13- قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \" (6)\r\r__________\r(1) كذا في \" ف \" ، ولعل صوابها \" الحليمى \" صاحب كتاب \" المنهاج في شعب الإيمان \" وقد مرت ترجمته (ص 33) . تحت حديث (9) .\r(2) أخرجه ابن أبي شيبة (11/518) ، وعنه مسلم (2369) وغيره ، وانظر \" أطراف الغرائب \" (969) بتحقيقنا .\r(3) \" المسند \" (1/405- 406).\r(4) باب \" من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه \" .\r(5) برقم (45) .\r(6) راجع شرح هذا الحديث في \" جامع العلوم والحكم \" (1/302) - طبعتنا - فقد أوعب هناك - رحمه الله تعالى .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"لما نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته ، فإن الإيمان لا ينفي إلا بانتفاء بعض واجباته ، كما قال : \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\"(1). الحديث\rوإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد ، وذلك واجب كما قال النبي (183-أ/ ف ) صلى الله عليه وسلم : \" لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا \" (2) ، فالمؤمن أخو المؤمن يحب له ما يحب لنفسه ويحزنه ما يحزنه كما قال صلى الله عليه وسلم :\r\" مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر \" (3) فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة من دين أو غيره أحب أن يكون لأخيه نظيرها من غير أن تزول عنه كما قال ابن عباس : إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم . وقال الشافعي : وددت أن الناس كلهم تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي منه شيء . فأما حب التفرد عن الناس بفعل ديني أو دنيوي : فهو مذموم ، قال الله تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا } ( القصص : 83) ، وقد قال علي وغيره : هو أن لا يحب أن يكون نعله خيرا من نعل غيره ولا ثوبه خيرا من ثوبه (4) وفي الحديث المشهور في \" السنن \" : \" من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار (5) . وأما الحديث الذي فيه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أحب الجمال ، وما أحب أن يفوقني أحد بشراك أو بشسع نعلي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم \" ليس ذلك من الكبر\" (6) ، فإنما فيه أنه أحب أن لا يعلو عليه أحد ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس ، بل يصدق هذا أن يكون مساويا لأعلاهم فما حصل بذلك محبة العلو عليه والانفراد عنهم ، فإن حصل لأحد فضيلة خصصه الله بها عن غيره فأخبر بها على وجه الشكر ، لا على وجه الفخر كان حسنا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \" أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول شافع ولا فخر \" (7) . وقال ابن مسعود : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته .\r8-فصل (8)\r\r__________\r(1) البخاري ( فتح : 2475) ، ومسلم (57) ، من حديث أبي هريرة ، وراجع \" علل الدار قطني \" (9/342) .\r(2) مسلم (54) وفي الرواية \" لا تدخلون \" .\r(3) البخاري (فتح : 6011) ، ومسلم (2586) ، من حديث النعمان بن بشير .\r(4) راجع ابن جرير في \" تفسير ه \" ( 20 /79) .\r(5) أخرجه أبو داود (3664) عن أبي هريرة ، والنسائي في \" الكبرى \" (3/457) ، والترمذي أ.هـ \" الضعفاء \" ( 3/ 467) ، وراجع \" جامع بيان العلم وفضله \" (1/669) .\r(6) مسلم (91) .\r(7) مسلم (2278) بهذا اللفظ . وهو عند البخاري بغير هذا اللفظ .\r(8) باب \" حب الرسول من الإيمان .","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"خرج البخاري ومسلم (1) من حديث :\r14- أبي هريرة (2) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده \" .\rوخرج البخاري ومسلم (3) - أيضا - من حديث :\r15- أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين \" .\rمحبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل ، وقد قرنها الله بها ، وتوعد من قدم عليها شيء من الأمور المحبوبة طبعا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك ، فقال تعالى : { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ } [ التوبة : 24] .\rو لما قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال : \" لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك \" فقال عمر : والله أنت الآن أحب إلي من نفسي ، قال : \" الآن يا عمر \" . (4) فيجب تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم (183- ب /ف ) على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكين ، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة ، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } [ آل عمران : 31 ] وسئل بعضهم عن المحبة ، فقال : الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق : أنه إذا تعارض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أوامره وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة ، فإن قدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي : كان دليلا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء ، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا : دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه . وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس ، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله عز وجل . هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات . فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة ، فإن بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض ، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها\r9-فصل (5)\rخرج البخاري ومسلم (6) من حديث :\r\r__________\r(1) هذا الحديث من أفراد البخاري . ( الفتح : 1/58) .\r(2) زاد في \" اليونينية \" : \" رضي الله عنه \" .\r(3) مسلم (44) .\r(4) الفتح : 6632) .\r(5) باب \" حلاوة الإيمان \" .\r(6) برقم (43 / 67) .","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"16- أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار \" . وقد خرجه مسلم وعنده في رواية : \" فقد وجد طعم الإيمان (1) ، وجاء في رواية : \" وجد طعم الإيمان وحلاوته \" .\rفهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان ، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه ، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم ، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام و الشراب غذاء الأبدان وقوتها ، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك ، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه ، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته ، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان ، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي . ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن \" (2) ، لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي .\rسئل وهيب بن الورد : هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله ؟ قال : لا ، ولا من هم بالمعصية . وقال ذو النون : كما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب . فمن جمع هذه الخصال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث (184 - أ /ف ) فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه :\rأحدها : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . ومحبة الله تنشأ تارة من معرفته ، وكمال معرفته : تحصل من معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله الباهرة والتفكير في مصنوعاته وما فيها من الإتقان والحكم والعجائب ، فإن ذلك كله يدل على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته .\rوتارة ينشأ (3) من مطالعة النعم ، وفي حديث ابن عباس المرفوع : \" أحبوا الله لما يغدوكم (4) من نعمه وأحبوني لحب الله \" . خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه (5) . وقال بعض السلف : من عرف الله أحبه ، ومن أحبه أطاعه فإن المحبة تقتضي الطاعة كما قال بعض العارفين : الموافقة في جميع الأحوال ، ثم أنشد : ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا\rومحبة الله على درجتين :\r\r__________\r(1) مسلم _43 / 68) .\r(2) ر البخاري ( فتح : 2475) ، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة . وسبق ( ص 45) .\r(3) كذا في \" ف \" ولعل الصواب \" تنشأ \" بالمثناة الفوقية .\r(4) كذا في الترمذي ، وفي \" التحفة \" و\" العارضة \" : يغدوكم \" بالذال المعجمة .\r(5) الترمذي (3789) ، وانظر \" التحفة \" (5 /148) .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"إحداهما : فرض ، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة والانتهاء عن زواجره المحرمة والصبر على مقدوراته المؤلمة ، فهذا القدر لابد منه في محبة الله ، ومن لم تكن محبته على هذا الوجه فهو كاذب في دعوى محبة الله ، كما قال بعض العارفين : من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب ، فمن وقع في ارتكاب شيء من المحرمات أو أخل بشيء من فعل الواجبات فلتقصره في محبة الله حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله ، فإن محبة الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه . وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه لنقص محبته الواجبة في القلوب وتقديم هوى النفس على محبته وبذلك ينقص الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم : \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن \" (1) الحديث .\rوالدرجة الثانية من المحبة - وهي فضل مستحب -: أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات ، والرضى بالأقضية المؤلمات ، كما قال عامر بن عبد قيس : أحببت الله حبا هون علي كل مصيبة ورضاني بكل بلية ، فما أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت ، ولا على ما أمسيت (2) . و قال عمر بن عبد العزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر ، ولما مات ولده الصالح قال : إن الله أحب قبضه ، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة تخالف محبة الله . وقال بعض التابعين في مرضه : أحبه إلي أحبه إليه . وأما محبة الرسول : فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به ، وينشأ ذلك في معرفة مرسله وعظمته - كما سبق - ، فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته ، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله ، كما قال تعالى : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } [ آل عمران : 31] ومحبة الرسول على درجتين - أيضا : إحداهما : فرض ، وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات والرضى بذلك ، وأن لا يجد في نفسه حرجا مما جاء به ويسلم له تسليما ، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ولا يطلب شيئا من الخير إلا مما جاء به .\rالدرجة الثانية : فضل مندوب إليه ، وهي : ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه ، وفي أخلاقه الباطنة من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه وتعلق قلبه به دائما وصدق الالتجاء إليه والتوكل والاعتماد عليه ، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ودوام لهج القلب واللسان بذكره والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر .\r\r__________\r(1) البخاري (فتح : 2475) ، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة .\r(2) أخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" (2 / 89- 90) بنحوه .","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وفي الجملة : فكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولا وعملا وحالا وهم الصديقون من أمته الذين رأسهم : أبو بكر - خليفته بعده - وهم أعلى أهل الجنة درجة بعد النبيين كما قال صلى الله عليه وسلم : \" إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون (1) الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم \" قالوا \" : يا رسول الله لِلَّهِ تلك منازل الأنبياء ما يبلغها غيرهم ، قال : \" إي والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين \" . خرجاه في \" الصحيحين \" من حديث أبي سعيد (2) .\rالخصلة الثانية : أن يحب المرء لا يحبه إلا لله . والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته . وفي \" المسند \" (3) عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الإيمان ، فقال : أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله \" . وفيه - أيضا - عن عمرو بن الجموح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله ، فإذا أحب لله ، وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله \" (4) وفيه : عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أوثق عرى الإيمان : أن تحب في الله وتبغض في الله (5) وخرج الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أفضل الأعمال : الحب في الله والبغض في الله\"(6). ومن حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان \" (7) . وخرجه أحمد ، والترمذي من حديث معاذ بن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد أحمد في رواية \" وأنكح لله \" (8) .\r\r__________\r(1) في \"ف \" : يتراءون \" وما أثبتناه هو الموافق للرواية .\r(2) فتح : 6555 ) ، ومسلم (2831/11) .\r(3) 5/247) ، \" ووقع الحديث في المطبوع في مسند معاذ بن جبل ، من رواية سهل بن معاذ ، عن أبيه - وهو معاذ بن أنس الجهني - ، عن معاذ بن جبل ، فجعله من مسند معاذ ابن جبل ، وهو وهم ، والصواب أنه من مسند معاذ بن أنس الجهني \" قاله زهير بن ناصر الناصر محقق \" أطراف المسند \" (5/284) فجزاه الله خيرا ..\r(4) \" المسند \" (33/430) .\r(5) \" المسند \" ( 1 /286) ..\r(6) أحمد (5/146)، وأبو داود (4599) .\r(7) أبو داود (4681) .\r(8) أحمد (3 / 437، 440) ، والترمذي (2521) .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها ، لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله له ، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله وموالاته له ومعاداته له ، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه ، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال ، وكراهة ما يكرهه من ذلك ، وكذلك من الأشخاص ، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض ، فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل ، ومن أبغضه لله أهانه بالعدل ، ولهذا وصف الله المحبين له بأنهم { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 185- أ /ف ) أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ } [ المائدة : 54] . وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : \" أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يبلغني إلى حبك \" (1) فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم . وسئل بعض العارفين : بما تنال المحبة ؟ قال : بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ، وأصله الموافقة .\rالخصلة الثالثة : أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار . فإن علامة محبة الله ورسوله : محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه الله ورسوله - كما سبق - فإذا رسخ الإيمان في القلب وتحقق به ووجد حلاوته وطعمه أحبه وأحب ثباته ودوامه والزيادة منه وكره مفارقته وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار ، قال الله تعالى { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } [ الحجرات : 7] . والمؤمن يحب الإيمان أشد من حب الماء البارد في شدة الحر للظمآن ، ويكره الخروج منه أشد من كراهة التحريق بالنيران ، كما في \" المسند \" عن أبي رزين العقيلي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال : \" أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ، وأن تحرق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله ، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ(2)\rوفي \" المسند \" - أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى معاذ بن جبل فقال له فيما وصاه به : \" لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت \" (3) .\r\r__________\r(1) أخرجه ابو نعيم في \" الحلية \" (1/226) وفيه عبد الله بن ربيعة الدمشقي ، وهومجهول ، وأخرجه الترمذي (3490) من طريقه - أيضا - فجعله من قول داود عليه السلام . ورواه أحمد في \" الزهد \" (ص 89) من طريق مالك قال : قال داود . وقال المصنف في \" جامع العلوم \" ( 2 /367) : ويروى أن داود عليه السلام كا يقول ... \" فذكره .\r(2) \" المسند \" ( 4/ 11-12) .\r(3) \" المسند \" ( 5/238) .","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"وفي \" سنن ابن ماجة \" (1) أن النبي صلى الله عليه وسلم وصي أبا الدرداء وغيره - أيضا . وقد أخبر الله عن أصحاب الأخدود بما أخبر به وقد كانوا فتنوا المؤمنين والمؤمنات وحرقوهم بالنار ليرتدوا عن الإيمان ، فاختاروا الإيمان على النار . وفي \" الصحيح \" عن النبي صلى الله عليه وسلم \" أن امرأة منهم أتى به ومعها صبي لها يرضع فكأنها تقاعست أن تلقي نفسها في النار من أجل الصبي فقال لها الصبي : يا أمه لِلَّهِ اصبري فإنك على الحق \" (2) . وألقي أبو مسلم الخولاني في النار على امتناعه أن يشهد للأسود بالنبوة فصارت عليه بردا وسلاما . وعرض على عبد الله بن حذافة أن يتنصر فأمر ملك الروم بإلقائه في قدر عظيمة مملوءة ماء تغلي عليه فبكى وقال : لم أبك جزعا من الموت ، لكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله ، لوددت أنه كان لي مكان كل شعرة مني نفسا يفعل بها ذلك في الله عز وجل . هذا مع أن التقية في ذلك باللسان جائزة مع طمأنينة القلب بالإيمان كما قال تعالى { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } [ النحل : 106] . ولكن الأفضل الصبر وعدم التقية في ذلك . فإذا وجد القلب حلاوة الإيمان أحس بمرارة الكفر والفسوق والعصيان ولهذا قال يوسف عليه السلام : { رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [ يوسف \" 33] . سئل ذو النون : متى أحب ربي ؟ قال : إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر . وقال ( 185- ب /ف ) بشر بن السري : ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يبغضه حبيبك . واعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ويتباعد منه جهده ويعزم على أن لا يلابس شيئا من جهده لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله . فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك - خصوصا لمن اعتاده ثم تاب منه - فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته ، ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى ، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه وأن من عصى هواه كان محمودا عند الله عز وجل .\rوسئل عمر عن قوم يشتهون المعاصي ولا يعملون بها ، قال : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } (3) [ الحجرات : 3 ] . وقد ترتاض النفس بعد ذلك وتألف التقوى حتى تتبدل طبيعتها وتكره ما كانت مائلة إليه وتصير (4) التقوى لها طبيعة ثابتة . وهل هذا أفضل من الأول أم الأول أفضل ؟\r\r__________\r(1) برقم (4034) .\r(2) مسلم ( 3005 ) .\r(3) \"مسند الفاروق \" لابن كثير (2/605) من طريق مجاهد قال : كتب إلى عمر . ومجاهد لم يدرك عمر وانظر \" المراسيل \" ( ص : 204) وقال ابن كثير : فيه انقطاع ، وعزاه لأحمد في \" الزهد \" .\r(4) في \" ف \" بالمثناة التحتانية والصواب بالفوقية كما اثبتناه .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"هذا وقد يخرج على اختلاف العلماء فيمن عمل طاعة ونفسه تأباها وهو يجاهدها ، وآخر عملها ونفسه طائعة مختارة لها أيهما أفضل ؟ وفيه قولان مشهوران للعلماء والصوفية . والأظهر : أن الثاني أفضل . وفي كلام الإمام أحمد ما يدل على خلافه . وفي \" مسند الإمام أحمد \" : حدثنا يحي بن سعيد ، عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : \" أسلم \" قال : أجدني كارها قال : \" ، إن كنت كارها \" (1) وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب عنه وكراهته له ، لكن إذا دخل في الإسلام واعتاده وألفه : دخل حبه قلبه ووجد حلاوته . وخرج مسلم حديث أنس المتقدم ، ولفظه : \" ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه \" (2) .\rويستشكل من هذا اللفظ أنه يقتضي (3) وجود محبة الأمرين - أعني : الإلقاء في النار والرجوع إلى الكفر - ، وترجع محبة الأول على الثاني ، ووقع مثله في القرآن في قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام - { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } [ يوسف : 33 ] ومثله قول علي رضي الله عنه : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه (4) . ويجاب عن ذلك : بأن من خير بين أمرين مكروهين فاختار أحدهما على الآخر لشدة كراهته لما رغب عنه فإنه يقال : إنه محب لما اختاره مريد له وإن كان لا يحبه ولا يختاره لنفسه ، بل لدفع ما عنده أشد كراهة وأعظم ضررا . ومن هنا ورد ما ورد من حب الموت في الفتنة والتخلص منها . وقيل لعطاء السليمي : لو أججت نار وقيل : من دخلها نجا من جهنم هل كنت تدخله ؟ فقال : بل كنت أخشى أن تخرج نفسي فرحا بها قبل وصولي إليها (5) ويشبه هذا حال المكره على فعل بضرب أو سجن أو تهديد أو بقتل ونحو ذلك إذا فعله افتداء لنفسه مما أكره عليه هل هو مختار له أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور بين الأصوليين .\r\r__________\r(1) المسند ( 3 /181) .\r(2) مسلم ( 43/68 ) .\r(3) في \" ف \" بالفوقية والصواب ما أثبتناه .\r(4) البخاري ( فتح : 3611) ، ومسلم ( 1066 / 154 ) .\r(5) أخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" ( 6 / 215) ، وذكره الذهبي في \" السير \" ( 6/ 87) .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"والتحقيق : أنه مختار له ، لا لنفسه ، بل للافتداء به من المكروه الأعظم ، فهو مختار له من وجه دون وجه ، وهذا بخلاف فعل المؤمن الطاعات خوفا من الله ، فإنه ليس فعله كفعل ( 186 - أ / ف ) المكره ، لأن المؤمن يجب عليه أن يأتي بالطاعة خوفا من عقاب الله ورجاء لثوابه وحبا له ، فبذلك يفارق حال المكره . ومن هنا تظهر المسألة التي تفر منها الفقهاء وهي : إذا قال رجل لامرأته : إن كنت تحبيني (1) أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق ، فقالت : أنا أحبه ، فقال كثير منهم من أصحابنا وغيرهم : إنها تطلق لأنها قد تختار ذلك وتحبه افتداء به من معاشرة زوجها لشدة بغضها له وجهلا منها بتصور عذاب جهنم فتكون صادقة فيما أخبرت به . و من هذا : الحديث الذي فيه أن الكافر يقول من شدة ما يجد في الموقف يوم القيامة : رب أرحني حتى ولو إلى النار . فظهر بهذا : أن من خير بين مكروهين فاختار أخفهما دفعا لأعظمهما أنه يكون محبا لما اختاره مختارا له من وجه دون وجه . وأما ما يقتضيه لفظ الحديث من كونه محبا للآخر : فهذا - أولا - غير لازم على قول الكوفيين الذين لا يرون أن \" أفعل \" التفضيل يلزم منه المشاركة مطلقا ، فيجوز عندهم أن يقال : الثلج أبرد من النار ، وأما على قول البصريين فإنه قد ورد في كثير من نصوص الكتاب والسنة ما تمتنع فيه المشاركة وتأولوا فيه \" أفعل \" بـ \" فاعل \" فكذلك تتأول هنا . ومما بقي مما يتعلق بلفظ هذا الحديث : أن قوله صلى الله عليه وسلم : \" أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما \" يدل على أنه يجوز الجمع بين اسم الله واسم غيره من المخلوقين في كلمة واحدة . وفي \" سنن أبي داود \" عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته : \" من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا (2) .\rو قال ابن مسعود - لما قضي في بروع (3) - : إن يكون صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان من الخطأ . وقد اختلف الناس في جواز مثل هذا التركيب في الكلام على أقوال :\r\r__________\r(1) كذا ، والصواب الموافق للسياق \" تحبي \" .\r(2) أبو داود ( 1097) .\r(3) بروع بنت واشق : مترجمة في أسد الغابة ( 7/ 37) وغيره وذكرها الأمير - بحق - ابن ماكولا في \" إكماله \" (1/243) غير أنه لم يجودها - على غير عادته . و قال الهندي في \" المغني \" (ص : 36) \" بكسر موحدة عند أهل الحديث ، وفتحها عند أهل اللغة ، وسكون راء ، وفتح واو ، و إهمال عين \" أ . هـ . وراجع \" لسان العرب \" ، و \" المنتخب من علل الخلال \" لابن قدامة ( 220) .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"أحدهما : أنه لا يجوز . و الثاني : أنه لا يجوز في كلام الله عز وجل دون غيره . والثالث : أنه ممتنع مطلقا . واحتجوا بحديث عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم \" بئس الخطيب أنت ، قل : ومن يعص الله ورسوله \" . خرجه مسلم . و قد قيل : إن قوله : \" قل : ومن يعص الله ورسوله \" مدرجة في الحديث (1) وإنما أنكر عليه وقفه في قوله : \" و من يعصهما\". وقد ذكر هذا الاختلاف ابن عطية في \" تفسيره \" وغيره .\rو فيه قول آخر : أنه يمتنع في واو الجمع أو ألف التثنية المتصلين بالأفعال نحو : يفعلون ، وتفعلان ، كقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } ( الأحزاب : 56) ، وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو يعلي في كتابه \" أحكام القرآن \"(2) . و من منع ذلك : أجاب بأن في الكلام حذفا تقديره : إن الله يصلي وملائكته يصلون، والله أعلم .\r10 - فصل (3)\rخرج البخاري ومسلم (4) من حديث :\r17- أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" آية الإيمان : حب الأنصار ، وآية النفاق : بغض الأنصار \" .\r\r__________\r(1) مسلم (870) من طريق و كيع ، عن سفيان ، وخالفه القطان عند أبي داود ( 4981) وابن مهد عند أحمد (4/ 397) ، وغيرهما ، عن سفيان ، فلم يذكروا : \" قل : ومن يعص الله ورسوله \" في آخر الحديث ولم يختلفوا في تقديم القطان في سفيان . ويقول أحمد : \" وكيع أكثر خطأ من عبد الرحمن \" راجع \" شرح العلل \" للمصنف ( 2 / 722) .\r(2) ذكره ابن أبي يعلي في ترجمة أبي يعلي من \" طبقات الحنابلة \" ( 2/ 205) .\r(3) باب \" علامة الإيمان حب الأنصار \" .\r(4) 76) .","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"هذا المعنى يرجع إلى ما تقدم من حب المرء لا يحبه إلا لله (1) من علامات وجود حلاوة الإيمان وأن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان ، وأنه أفضل ( 186- ب / ف ) الإيمان ، فالأنصار نصروا الله ورسوله فمحبتهم من تمام حب الله ورسوله . وخرج الإمام أحمد من حديث سعيد بن زيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار \" (2) وخرج الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من أحب الأنصار فبحبي أحبهم ، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم \" (3) وفي صحيح مسلم \" عن أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر \" (4) وفي \" المسند \" عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق \" . (5) وكذلك حب المهاجرين - الذين هم أفضل من الأنصار - من الإيمان . وفي \" صحيح مسلم \" ، عن علي قال : إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلي : لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق (6) وفي \" المسند \" والترمذي ، عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم \" (7) وفي بعض نسخ كتاب الترمذي ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي \" (8) .\rوفي \" المسند \" وكتاب النسائي ، وابن ماجه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن والحسين : \" من أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني \" (9) . فمحبة أولياء الله وأحبابه عموما من الإيمان، وهي من أعلى مراتبه ، وبغضهم محرم فهو من خصال النفاق ، لأنه مما لا يتظاهر به غالبا ، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه فهو شر ممن كتمه وأخفاه .\r\r__________\r(1) في \" ف \" : \" الله \" .\r(2) \" المسند \" ( 6/ 382) وهو في \" المسند \" ليس في مسند سعيد بن زيد ، بل في مسند جدة رباح بن عبد الرحمن واسمها \" أسماء \" وهي بنت سعيد بن زيد ، وروت هذا الحديث عنه ، فلينتبه لذلك .\r(3) الطبراني في \" الأوسط \" (999) .\r(4) مسلم عن أبي سعيد (77) ، وعن أبي هريرة (76) .\r(5) \" المسند \" ( 3/70) .\r(6) مسلم (78) .\r(7) المسند \" ( 5/54، 55، 57) .\r(8) الترمذي في \" جامعه \" ( 3789) .\r(9) \" المسند \" ( 2/288 ، 440، 531) ، والنسائي في \" الكبرى \" ( 5 / 49) ، وابن ماجه ( 143 ) .","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"و من كان له مزية في الدين لصحبته النبي صلى الله عليه وسلم أو لقرابته أو نصرته فله مزيد خصوصية في محبته وبغضه . و من كان من أهل السوابق في الإسلام كالمهاجرين الأولين فهو أعظم حقا مثل علي رضي الله عنه . وقد روي أن المنافقين إنما كانوا يعرفون ببغض علي رضي الله عنه ، ومن هو أفضل من علي كأبي بكر وعمر ، فهو (1) أولى بذلك ، ولذلك قيل : إن حبهما من فرائض الدين ، وقيل : إنه يرجى على حبهما ما يرجى على التوحيد من الأجر .\r11 - فصل (2)\rقال البخاري :\r18 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب عن الزهري : أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت (3) - وكان شهد بدرا ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وحوله عصابة من أصحابه - : \" بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف ، فمن وفي منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب [ به ] (4) في الدنيا فهو كفارة ، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه \" فبايعناه على ذلك .\rهذا الحديث سمعه أبو إدريس ، عن عقبة بن عامر ، عن عبادة ، وزيادة عقبة في إسناده : وهم . وقد خرج البخاري الحديث في \" ذكر بيعة العقبة \" (5) وفي \" تفسير سورة الممتحنة \" (6) من كتابه هذا ، وفيه التصريح بأن أبا إدريس أخبره به عبادة وسمعه منه ( 187- أ/ ف ) .\r\r__________\r(1) كذا في \" ف \" ، والصواب : \" فهما \" :يعني : أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .\r(2) وهو بدون ترجمة ، وكذا قال الحافظ في \" الفتح \" ( 1/64) .\r(3) زاد في \" اليونينية \" : \" رضي الله عنه \" .\r(4) ما بين المعقوفين ليس في \" اليونينية \" . وقال القسطلاني إثر كلمة : \" فعوقب \" : \" أي : به - كما رواه أحمد - أي : بسببه \" أ . هـ .\r(5) فتح : 3892) .\r(6) فتح : 4894) .","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وكان عبادة قد شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة حيث بايعت الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ، لكن هذه البيعة المذكورة في هذا الحديث كانت ليلة العقبة أم لا ؟ هذا وقع فيه تردد ، فرواه ابن إسحاق ، عن الزهري وذكر في روايته أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة . وروى ابن إسحاق - أيضا - ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله ، عن الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ولا نزني ، الحديث (1) . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن إسحاق هكذا(2). وكذا رواه الواقدي عن يزيد بن حبيب . وخرجاه في \" الصحيحين \" من حديث الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن الصنابحي ، عن عبادة قال : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بايعنا على أن لا نشرك بالله شيئا فذكر الحديث (3) . وليس هذا بالصريح في أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة . ولفظ مسلم بهذه الرواية (4) : عن عبادة بن الصامت قال : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : بايعناه على أن لا نشرك ، الحديث . وهذا اللفظ قد يشعر بأن هذه البيعة غير (5) بيعة النقباء .\rوخرجه مسلم ، من وجه آخر من رواية أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن عبادة قال : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء أن لا نشرك بالله شيئا (6) .\r\r__________\r(1) ابن هشام ( 2/41 ) وذكر إسناد ابن إسحاق ، ووقع في الإسناد هناك : \" عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرثد بن عبد الله \" خطأ .\r(2) في \" المسند \" ( 5 / 323) .\r(3) فتح : 3893) ، ومسلم ( 1709 / 44) .\r(4) مسلم ( 1709/ 44) وراجع \" علل \" ابن عمار الشهيد ( ص / 102) .\r(5) في \" ف \" : \" عن \" والصواب ما أثبتناه .\r(6) مسلم ( 1709 / 43) .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"هذا قد يشعر بتقدم أخذه على النساء على أخذه عليهم . وخرج مسلم حديث عبادة من رواية أبي إدريس ، عنه وقال في حديثه : فتلا علينا آية النساء أن لا نشرك بالله شيئا ، الآية (1) . وخرجه البخاري في \" تفسير الممتحنة \" من رواية ابن عيينه ، عن الزهري وقال فيه : وقرأ آية النساء ، وأكثر لفظ سفيان : وقرأ الآية ، ثم قال : تابعه عبد الرزاق ، عن معمر في الآية (2) . وكذا خرجه الإمام أحمد والترمذي وعندهما : فقرأ عليهم الآية ، زاد الإمام أحمد: التي أخذت على النساء { إذا جاءك المؤمنات } (3) [ الممتحنة : 12] . وهذا تصريح بأن هذه البيعة كانت بالمدينة، لأن بيعة النساء مدنية . وروى هذا الحديث سفيان بن حسين ، عن الزهري ، وقال في حديثه : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : \" أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ ثم تلا هذه الآية } قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } [ الأنعام : 151] حتى فرغ من الثلاث آيات . خرجه الهيثم بن كليب في \" مسنده \" وسفيان بن حسين ليس بقوي ، خصوصا في حديث الزهري ، وقد خالف سائر الثقات من أصحابه في هذا (4) .\rوقد روى عبادة بن الصامت أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ينازعوا الأمر أهله ،أن يقولوا بالحق (5) .فهذه صفة أخرى غير صفة البيعة المذكورة في الأحاديث المتقدمة .\rوهذه البيعة الثانية مخرجة في \" الصحيحين \" من غير وجه عن عبادة . وقد خرجها الإمام أحمد (6) من رواية ابن إسحاق : حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه عن جده عبادة - وكان أحد النقباء - قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب . وكان عبادة من الاثنى عشر ( 187- ب / ف ) نقيبا الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الأولى على بيعة النساء على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ، وذكر الحديث . و هذه الرواية تدل على أن هذه البيعة هي بيعة الحرب وأن بيعة النساء كانت في العقبة الأولى قبل أن يفرض (7) الحرب ، فهذا قد يشعر بأن هذه البيعة كانت بالمدينة بعد فرض الحرب . وفي هذا نظر . وقد خرجه الهيثم بن كليب في \" مسنده \" من رواية ابن إدريس ، عن ابن إسحاق ويحي بن سعيد وعبيد الله بن عمر ، عن عبادة بن الوليد أن أباه حدثه ، عن جده قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الآخرة على السمع والطاعة، فذكره .\r\r__________\r(1) مسلم ( 1709 /42) .\r(2) فتح : 4894) .\r(3) أحمد ( 5 / 314) ، والترمذي ( 1439) .\r(4) راجع \" شرح العلل \" للمصنف ( 2 / 808) و \" التمهيد \" ( 3/311) فقد ذكر نحوه .\r(5) البخاري ( فتح : 7199) ، ومسلم ( 1709 / 41) ، وراجع \" أطراف الغرائب \" ( 4181) بتحقيقنا .\r(6) المسند ( 5 / 323) .\r(7) كذا في \" ف \" والصواب بالفوقية .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وخرجه ابن سعد من وجه آخر ، عن عبادة بن الوليد مرسلا (1) . وخرج الإمام أحمد من وجه آخر ، عن عبادة أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم هذه البيعة على السمع والطاعة ، الحديث وقال فيه : وعلى أن ننصر النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب ، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا (2) . وهذا يدل على أن هذه البيعة كانت قبل الهجرة وذلك ليلة العقبة .\rوخرج - أيضا (3) - هذا المعنى من حديث جابر بن عبد الله أن هذه البيعة كانت للسبعين بشعب العقبة وهي البيعة الثانية ، وتكون سميت هذه البيعة الثانية ، بيعة الحرب ، لأن فيها البيعة على منع النبي صلى الله عليه وسلم وذلك يقتضي القتال دونه ، فهذا هو المراد بالحرب وقد شهد عبادة البيعتين معا . ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع أصحابه على بيعة النساء قبل نزول أية مبايعتهن ، ثم نزلت الآية بموافقة ذلك .\rو في المسند (4) عن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جمع النساء فبايعهن على هذه الآية إلى قوله { ولا يعصينك في معروف } [ الممتحنة : 12] .\rوهذا قبل نزول سورة الممتحنة ، فإنها إنما أنزلت قبل الفتح بيسير والله أعلم بحقيقة ذلك كله . وأما ما بايعهم عليه : فقد اتفقت روايات حديث عبادة من طرقه الثلاث عن أنهم بايعوه على أن لا يشركوا بالله ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا . و في بعض الروايات : لا يقتلوا أولادهم - كما في لفظ الآية - ، وفي بعضها : لا يقتلوا النفس التي حرم الله . وهذه رواية الصنابحي ، عن عبادة . ثم إن من الرواة من اقتصر علي هذه الأربع ولم يزد عليها . ومنهم من ذكر خصلة خامسة بعد الأربع ، ولكن لم يذكرها باللفظ الذي في الآية ، ثم اختلفوا في لفظها : فمنهم من قال : \" ولا تنتهب \" - وهي رواية الصنابحي ، عن عبادة المخرجة في \" الصحيحين \" ومنهم من قال \" ولا يعضه - بعضنا بعضا \" وهي رواية أبي الأشعث عن عبادة - ، خرجها مسلم . ومنهم من قال : \" ولا يغتب بعضنا بعضا \" - وهي رواية الإمام أحمد (5) . و أما الخصلة السادسة : فمنهم من لم يذكرها بالكلية - وهي رواية أبي الأشعث التي خرجها مسلم . ومنهم من ذكرها وسماها المعصية فقال : \" ولا نعصي \" - كما في رواية الصنابحي - وفي رواية أبي إدريس : \" ولا تعصوا في معروف \" . فأما الشرك والسرقة (6) والزنا والقتل : فواضح ، وتخصيص قتل الأولاد بالذكر في بعض الروايات موافق لما ورد في القرآن في مواضع ( 188- أ / ف ) وليس له مفهوم ، وإنما خصص بالذكر للحاجة إليه ، فإن ذلك كان معتادا بين أهل الجاهلية .\r\r__________\r(1) ابن سعد في \" طبقاته \" ( 1 / 221) .\r(2) \" المسند \" ( 5 / 325) .\r(3) \" المسند \" ( 3 / 322 - 323 ، 339 - 340) .\r(4) 5/ 85) ، ( 6 / 408 - 409) .\r(5) سبق تخريج كل هذه الروايات تحت نفس الحديث .\r(6) في \" ف \" تشتبه بـ \" فالسرقة \" .","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وأما الإتيان ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم - على ما جاء في رواية البخاري - : فهذا يدل على أن هذا البهتان ليس مما يختص به النساء . وقد اختلف المفسرون في البهتان المذكور في آية بيعة النساء : فأكثرهم فسروه بإلحاق المرأة بزوجها ولدا من غيره ، رواه علي بن أبي طلحة (1) ، عن ابن عباس ، وقاله مقاتل بن حيان (2) وغيره. واختلفوا في معنى قوله : \" بين أيديهم وأرجلهن \" : فقيل لأن الولد إذا ولدته أمه سقط بين يديها ورجليها . وقيل : بل أراد بما تفتريه بين يديها : أن تأخذ لقيطا فتلحقه بزوجها ، وبما تفتريه بين رجليها : أن تلده من زنا ثم تلحقه بزوجها .\rومن المفسرين من فسر البهتان المفترى بالسحر ، ومنهم من فسره بالمشي بالنميمة والسعي في الفساد ، ومنهم من فسره بالقذف والرمي بالباطل . وقيل : البهتان المفترى يشمل ذلك كله وما كان في معناه ، ورجحه ابن عطية(3) وغيره . وهو الأظهر ، فيدخل فيه كذب المرأة فيما اؤتمنت عليه من حمل وحي وغير ذلك . ومن هؤلاء من قال: أراد بما بين يديها : حفظ لسانها وفمها ووجهها عما لا يحل لها ، وبما بين رجليها : حفظ فرجها ، فيحرم عليها الافتراء ببهتان في ذلك كله . ولو قيل : إن من الافتراء ببهتان بين يديها خيانة الزوج في ماله الذي في بيتها لم يبعد ذلك .\rوقد دل مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم الرجال على أن لا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم : أن ذلك لا يختص بالنساء ، وجميع ما فسر به البهتان في حق النساء يدخل فيه الرجال - أيضا - ، فيدخل فيه استلحاق الرجل ولد غيره سواء كان لاحقا غيره أو غير لاحق كولد الزنا ، ويدخل فيه الكذب والغيبة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : \" إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته \" خرجه مسلم (4) وكذلك القذف ، وقد سمى الله قذف عائشة بهتانا عظيما . وكذلك النميمة من البهتان . وفي رواية أبي الأشعث ، عن عبادة : \" ولا يعضه بعضكم بعضا \" (5) ، فالعضيهة : النميمة . وفي \" صحيح مسلم \" عن ابن مسعود مرفوعا:\" ألا أنبئكم ما العضيهة (6) ؟ هي النميمة القالة بين الناس \" (7) .\r\r__________\r(1) في \" صحيفته \" عن ابن عباس ( 488) . وسيأتي الكلام على هذه الصحيفة فيما بعد .\r(2) 1 ) ذكره ابن كثير في \" تفسيره \" ( 8 / 126) .\r(3) في تفسيره \" المحرر الوجيز \" ( 15 / 497) .\r(4) 3 ) مسلم ( 2589) .\r(5) مسلم ( 1709 / 43)\r(6) في الرواية \" العضة \" .\r(7) مسلم ( 2606) . .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وروى إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : كنا نسمي العضيهة : السحر ، وهو اليوم : قيل وقال . وفسر إسحاق بن راهويه العضيهة في حديث عبادة بن الصامت قال : \" لا يبهت بعضكم بعضا \" ، نقله عنه محمد بن نصر (1). وذكر أهل اللغة أن العضيهة : الشتيمة ، والعضيهة : البهتان ، والعاضهة ، والمستعضهة : الساحرة المستسحرة (2) . وفي رواية الصنابحي : \" ولا ننتهب \" والنهبة من البهتان ، فإن المنتهب يبهت الناس بانتهابه منه ما يرفعون عليه أبصارهم فيه . فكل ما بهت صاحبه وحيره وأدهشه من قول أو فعل لم يكن في حسابه فهو بهتان ، فأخذ المال بالنهيى أو بالدعاوى الكاذبة : بهتان ، وقد قال تعالى : { وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِينا } [ النساء 20 ] .\rوفي المسند ، والترمذي ( 188- ب / ف ) ، والنسائي ، عن صفوان ابن عسال أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن التسع آيات البينات التي أوتيها موسى فقال : لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف ، وعليكم اليهود خاصة أن لا تعدوا في السبت (3) .\rفلم يذكر في هذا الحديث البهتان المفترى بلفظه ، ولكن ذكر مما فسر به البهتان المذكور في القرآن عدة خصال : السحر ، والمشي ببريء على السلطان ، وقذف المحصنات . وهذا يشعر بدخول ذلك كله في اسم البهتان . وكذلك الأحاديث التي ذكر فيها عدد الكبائر ذكر في بعضها القذف ، وفي بعضها قول الزور أو شهادة الزور ، وفي بعضها اليمين الغموس والسحر ، وهذا كله من البهتان المفترى . وأما الخصلة السادسة : فهي المعصية ، وتشمل جميع أنواع المعاصي ، فهو من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهو قريب من معنى قوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ النور : 56] ، وقوله تعالى { ولا يعصينك في معروف } [ الممتحنة : 12] . وفي بعض ألفاظ حديث عبادة : \" ولا تعصوا في معروف \" ، وفي بعضها \" ولا تعصوني في معروف \" ، وقد خرجها البخاري في موضع آخر (4) . وكل هذا إشارة إلى أن الطاعة لا تكون إلا في معروف ، فلا يطاع مخلوق إلا في معروف ولا يطاع في معصية الخالق .\r\r__________\r(1) في \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 613) .\r(2) انظر \" غريب أبي عبيد \" ( 3 / 181) ، \" الفائق \" ( 2 / 445) ، وغريب ابن الجوزي \" ( 2 / 104 ).\r(3) \" المسند \" ( 4/ 239) ، والترمذي ( 2733) ، والنسائي في \" الكبرى \" ( 2/ 306) .\r(4) وقد سبق هذا كله في أول شرحه على الحديث .","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وقد استنبط هذا المعنى من هذه الآية طائفة من السلف ، فلو كان لأحد من البشر أن يطاع بكل حال لكان ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما خصت طاعته بالمعروف - مع أنه لا يأمر إلا بما هو معروف - دل على أن الطاعة في الأصل لله وحده ، والرسول مبلغ عنه وواسطة بينه وبين عباده ، ولهذا قال تعالى : { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه } [ النساء : 80] . فدخل في هذه الخصلة السادسة الانتهاء عن جميع المعاصي . ويدخل فيها - أيضا - القيام بجميع الطاعات على رأي من يرى أن النهي عن شيء أمر بضده .\rفلما تمت هذه البيعة على هذه الخصال ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم حكم من وفى بها وحكم من لم يف بها عند الله عز وجل . فأما من وفى بها فأخبر أن أجره على الله - كذا رواية أبي إدريس وأبي الأشعث ، عن عبادة ، وفي رواية الصنابحي ، عنه : فالجنة إن فعلنا ذلك . وقد قال الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح : 10] . وفسر الأجر العظيم بالجنة ، كذا قاله قتادة (1) . وغيره من السلف . ولا ريب أن من اجتنب الشرك والكبائر والمعاصي كلها فله الجنة ، وعلى ذلك وقعت هذه البيعة ، وإن اختصر ذلك بعض الرواة فأسقط بعض هذه الخصال . وأما من لم يوف بها ، بل نكث بعض ما التزم بالبيعة تركه لله عز وجل . والمراد : ما عدا الشرك من الكبائر ، فقسمه إلى قسمين :\rأحدهما : أن يعاقب في الدنيا ، فأخبر ( 189- أ/ف ) أن ذلك كفارة له ، وفي رواية : \" فهو طهور له \" ، وفي رواية \" طهور له أو كفارة \" - بالشك - ، ورواه بعضهم : \" طهور وكفارة \" - بالجمع . وقد خرجها البخاري في موضع آخر في \" صحيحه \" (2) .\r\r__________\r(1) انظر \" تفسير الطبري \" ( 26 / 48) .\r(2) 6801 و 7468 - فتح ) .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وروى ابن اسحاق ، عن الزهري حديث أبي إدريس ، عن عبادة وقال فيه : \" فأقيم عليه الحد فهو كفارة له\"(1). وفي رواية أبي الأشعث ، عن عبادة : \" ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارة \" خرجه مسلم (2) . وهذا صريح في أن إقامة الحدود كفارات لأهلها . وقد صرح بذلك سفيان الثوري ، ونص على ذلك أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار ، عنه (3) . و قال الشافعي : لم أسمع في هذا الباب أن الحد كفارة أحسن من حديث عبادة(4) . وإنما قال هذا ، لأنه قد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، عن علي ، وجرير ، وخزيمة بن ثابت ،وعبد الله بن عمرو ، وغيرهم ، وفي أسانيد كلها مقال ، وحديث عبادة صحيح وثابت . وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" ما أدري ما الحدود طهارة لأهلها أم لا ؟ \" وذكر كلاما آخر . خرجه الحاكم . وخرج أبو داود بعض الحديث (5) . وقد رواه هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن الزهري مرسلا . قال البخاري في \" تاريخه \" : المرسل أصح ، قال : ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عنه أن الحدود كفارة (6) . انتهى . وقد خرجه البيهقي من رواية آدم بن أبي أياس ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعا - أيضا (7) . وخرجه البزار من وجه آخر فيه ضعف ، عن المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعا - أيضا (8) . وعلى تقدير صحته ، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلمه ثم علمه فأخبر به جزما . فإن كان الأمر كذلك ، فحديث عبادة إذن - لم يكن ليلة العقبة بلا تردد ، لأن حديث أبي هريرة متأخر عن الهجرة ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم علم - حينئذ - أن الحدود كفارة ، فلا يجوز أن يكون قد أخبر قبل الهجرة بخلاف ذلك . وقد اختلف العلماء : هل إقامة الحد بمجرده كفارة للذنب من غير توبة أم لا ؟ على قولين :\rأحدهما : أن إقامة الحد كفارة للذنب بمجرده كفارة (9) . وهو مروي عن علي بن أبي طالب ، وابنه الحسن ، وعن مجاهد ، وزيد بن أسلم ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد ، واختيار ابن جرير وغيره من المفسرين (10) .\r\r__________\r(1) مسلم ( 1709 / 41) .\r(2) 1709/ 43) .\r(3) \" طبقات الحنابلة \" ( 1 / 245) .\r(4) \" الأم \" ( 6 / 138) .\r(5) الحاكم ( 1 / 36 ) ، وأبو داود ( 4674) .\r(6) \" التاريخ الكبير \" ( 1 / 153) وقال المصنف في \" جامع العلوم \" ( 1 / 448 ) أعله البخاري وقال : لا يثبت ، وإنما هو من مراسيل الزهري - وهي ضعيفة - وغلط عبد الرزاق فوصله \" وانظر \" أطراف الغرائب \" ( 5204 ) بتحقيقنا .\r(7) السنن الكبرى \" ( 8 / 329) .\r(8) البزار ( كشف : 2 / 212 - 213) .\r(9) كأن كلمة \" كفارة \" الثانية زائدة ، والجملة بغيرها مستقيمة ، ويظهر ذلك من السياق بعده ولعله انتقال نظر . .\r(10) ابن جرير في \" تفسيره \" ( 6 / 169- 170) .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"والثاني : أنه ليس بكفارة بمجرده ، فلابد من توبة . وهو مروي عن صفوان بن سليم وغيره ، ورجحه ابن حزم(1) . وطائفة من متأخري المفسرين كالبغوي وأبي عبد الله بن تيمية وغيرهما . واستدلوا بقوله تعالى في المحاربين : { ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ } [ المائدة : 33 ] .\rوقد يجاب عن هذا : بأن عقوبة الدنيا والآخرة لا يلزم اجتماعها ، فقد دل الدليل على أن عقوبة الدنيا تسقط عقوبة الآخرة . وأما استثناء الذين تابوا فإنما استثناهم من عقوبة الدنيا خاصة ، ولهذا خصهم بما قبل القدرة ، وعقوبة الآخرة تندفع بالتوبة قبل القدرة وبعدها . ويدل على أن الحد يطهر الذنب : قول ماعز للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أصبت حدا فطهرني . وكذلك قالت له الغامدية (2) ولم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فدل على أن الحد طهارة لصاحبه . ويدخل ( 189 - ب / ف ) في قول النبي صلى الله عليه وسلم : \" من أصاب شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته \" : العقوبتان القدرية من الأمراض والأسقام . والأحاديث في تكفير الذنوب بالمصائب كثيرة جدا . وهذه المصائب يحصل بها للنفوس من الألم نظير الألم الحاصل بإقامة الحد وربما زاد على ذلك كثيرا . وقد يقال في دخول هذه العقوبات القدرية في لفظ حديث عبادة نظر ، لأنه قابل من عوقب في الدنيا ستر الله عليه ، وهذه المصائب لا تنافي الستر ، والله أعلم .\rوالقسم الثاني : أن لا يعاقب في الدنيا بذنبه ، بل ستر عليه ذنبه ويعافى من عقوبته . فهذا أمره إلى الله في الآخرة إن شاء عفا عنه ، وهذا موافق لقول الله عز وجل { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48]. وفي ذلك رد على الخوارج والمعتزلة في قوله : إن الله يخلده في النار إذا لم يتب . وهذا المستور في الدنيا له حالتان :\rإحداهما : أن يموت غير تائب ، فهذا في مشيئة الله - كما ذكرنا .\rوالثانية : أن يتوب من ذنبه .\r\r__________\r(1) راجع \" المحلي \" ( 11 / 124) .\r(2) انظر ( الفتح : 6824 ) ، ومسلم ( 1695) .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"فقال طائفة : إنه تحت المشيئة - أيضا - ، واستدلوا بالآية المذكورة وحديث عبادة . والأكثرون على أن التائب من الذنب مغفور له وأنه كمن لا ذنب له كما قال تعالى { إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [ الفرقان : 70] وقال : { أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } [ آل عمران : 136] . فيكون التائب - حينئذ - ممن شاء الله أن يغفر له . واستدل بعضهم - وهو ابن حزم (1) - بحديث عبادة هذا : على أن من أذنب ذنبا فإن الأفضل له أن يأتي الإمام فيعترف عنده ليقيم عليه الحد حتى يكفر عنه ولا يبقى تحت المشيئة في الخطر ، وهذا مبني على قوله : إن التائب في المشيئة . والصحيح : أن التائب توبة نصوحا مغفور له جزما ، لكن المؤمن يتهم توبتة ولا يجزم بصحتها ولا بقبولها ، فلا يزال خائفا من ذنبه وجلا .ثم إن هذا القائل لا يرى أن الحد بمجرده كفارة ، وإنما الكفارة التوبة ، فكيف لا يقتصر على الكفارة ؟ بل يكشف ستر الله عليه ليقام عليه ما لا يكفر عنه .\rوجمهور العلماء على أن من تاب من ذنب فالأصل أن يستر على نفسه ولا يقر به عند أحد ، بل يتوب منه فيما بينه وبين الله عز وجل . روي ذلك عن أبي بكر ، وعمر ، وابن مسعود ، وغيرهم ، ونص عليه الشافعي (2) . ومن أصحابه وأصحابنا من قال : إن كان غير معروف بين الناس بالفجور فكذلك ، وإن كان معلنا بالفجور مشتهرا به فالأولى أن يقر بذنبه عند الإمام ليطهره منه .\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ : \" إذا أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبة إن سرا فسرا وإن علانية فعلانية \" (3) . وفي إسناده مقال . وهو إنما هو يدل (4) على إظهار التوبة ، وذلك لا يلزم منه طلب إقامة الحد .وقد وردت أحاديث تدل على أن من ستر الله عليه في الدنيا فإن الله يستر عليه في الآخرة ، كحديث ابن عمر في النجوى ، وقد خرجه البخاري في \" التفسير \" (5) . وخرج الترمذي ، وابن ماجه عن علي مرفوعا : \" من أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه فالله أكرم ( 190 - أ / ف ) أن يعود في شيء قد عفا عنه \" (6) .\rوفي \" المسند \" (7) عن عائشة مرفوعا : \" لا يستر الله على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة \" وروي مثله ذلك عن علي ، وابن مسعود من قولهما . وقد يحمل ذلك كله على التائب من ذنبه جمعا بين هذه النصوص وبين حديث عبادة هذا . وأصح هذه الأحاديث المذكورة ها هنا : حديث بن عمرو النجوي ، وليس فيه تصريح بأن ذلك عام لكل من ستر عليه ذنبه ، والله تعالى أعلم . وقد قيل : إن البيعة سميت بيعة لأن صاحبها باع نفسه لله.\r\r__________\r(1) \" المحلي \" ( 11 / 149- 151) .\r(2) \" الأم \" ( 6 / 138) .\r(3) يراجع \" الكنز \" ( 4 / 220) .\r(4) في \" ف \" بالمثناة بالفوقية والصواب ما أثبتناه . .\r(5) فتح : 4685) .\r(6) الترمذي ( 2626) ، وابن ماجه ( 2604) .\r(7) 6 / 145 ، 160) .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"والتحقيق : أن البيع والمبايعة مأخوذان من مد الباع لأن المتبايعين (1) للسلعة كل منهما يمد باعه للآخر ويعاقده عليها ، وكذلك من بايع الإمام ونحوه فإنه يمد باعه إليه ويعاهده ويعاقده على ما يبايعه عليه . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه عند دخولهم في الإسلام على التزام أحكامه ، وكان أحيانا يبايعهم على ذلك بعد إسلامهم تجديدا للعهد وتذكيرا بالمقام عليه . وفي \" الصحيحين \" عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى النساء في يوم عيد وتلا عليهن هذه الآية : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا } الآية [ الممتحنة : 12 ] وقال : \" أنتن على ذلك ؟ \" فقالت امرأة منهن : نعم (2) . وفي صحيح مسلم \" عن عوف بن مالك قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : \" ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ \" - ومنا حديث عهد ببيعة - فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فقال : \" ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ \" قلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، ثم قال : \" ألا تبايعون رسول الله ؟ \" فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فعلى ما نبايعك ؟ فقال : \" أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا \" - وأسر كلمة خفية - : \" ولا تسألوا الناس شيئا \" (3) . وحديث عبادة المذكور هاهنا في البيعة : قد سبق أنه كان ليلة العقبة الأولى فيكون بيعة لهم على الإسلام والتزام أحكامه وشرائعه .\r\r__________\r(1) في \" ف \" \" المتبابعين \" بالموحدة والصواب ما أثبتناه .\r(2) البخاري ( 979) ، ومسلم ( 884 ) .\r(3) مسلم ( 1043) .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وقد ذكر طائفة من العلماء - منهم القاضي أبو يعلي في كتاب \" أحكام القرآن \" من أصحابنا - أن البيعة على الإسلام كانت من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم واستدلوا بأن الأمر بالبيعة في القرآن يخص الرسول بالخطاب بها وحده كما قال تعالى \" { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا } [ الممتحنة : 12] . ولما كان الامتحان وجه الخطاب إلى المؤمنين عموما فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } [ الممتحنة : 10] فدل على أنه يعم المؤمنين ، وكذلك قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10] ، وهذا أمر يخص به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشركه فيه غيره . ولكن قد روى عثمان أنه كان بايع على الإسلام . قال الإمام أحمد : حدثنا مسكين بن بكير قال : ثنا ثابت بن عجلان ، عن سليم أبي (1) عامر أن وفد الحمراء أتوا عثمان بن عفان يبايعونه على الإسلام وعلى من ورائهم فبايعهم على أن لا يشركوا بالله شيئا وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويدعوا عيد المجوس فلما قالوا بايعهم . وقد بايع عبد الله بن حنظلة الناس يوم الحرة ( 190- ب / ف ) على الموت ، فذكر ذلك لعبد الله بن زيد الأنصاري فقال : لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه البخاري في الجهاد(2) وإنما أنكر البيعة على الموت لا أصل المبايعة . وقال أبو إسحاق الفزاري : قلت للأوزاعي : لو أن إمامنا أتاه عدو كثير فخاف على من معه فقال لأصحابه : تعالوا نتبايع على أن لا نفر ، فبايعوا على ذلك ؟ . قال : ما أحسن هذا . قلت : فلو أن قوما فعلوا ذلك بينهم دون الإمام ؟ قال : لو فعلوا ذلك بينهم شبه العقد في غير بيعة (3) .\rفصل\rقال البخاري :\r13- باب (4)\rقول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله ، وأن المعرفة فعل القلب لقوله تعالى { وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } . [ البقرة : 225] .\rمراده بهذا التبويب : أن المعرفة بالقلب التي هي أصل الإيمان فعل للعبد وكسب له ، واستدل بقوله تعالى { بِمَاكَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ البقرة : 225 ] فجعل للقلوب كسبا كما جعل للجوارح الظاهرة (5) كسبا .\rوالمعرفة مركبة من تصور وتصديق ، فهي تتضمن علما وعملا وهو تصديق القلب ، فإن التصور قد يشترك فيه المؤمن والكافر ، والتصديق يختص به المؤمن ، فهو عمل قلبه وكسبه .\r\r__________\r(1) كذا \" ف \" ، والصواب : \" سليم بن عامر \" من رجال التهذيب .\r(2) فتح : 2959) .\r(3) \" السيرة \" للفزاري ( ص 199) .\r(4) سقط من الترتيب باب ( 12) وسيأتي بعد باب ( 16) .\r(5) في \" ف \" : \" الطاهرة \" بالمهملة وما أثبتناه هو الموافق للسياق .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"وأصل هذا : أن المعرفة مكتسبة تدرك بالأدلة ، وهذا قول أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم ورجحه ابن جرير الطبري ، وروى بإسناده عن الفضيل ابن عياض أنه قال : أهل السنة يقولون : الإيمان والقول والعمل . وقالت طائفة : إنها اضطرارية لا كسب فيها . وهو قول بعض أصحابنا وطوائف من المتكلمين والصوفية وغيرهم . وخرج البخاري في هذا الباب : حديث :\r20- هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله ، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول : \" إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا \" .\rكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بما يطيقون من الأعمال ، وكانوا لشدة حرصهم على الطاعات يريدون الاجتهاد في العمل ، فربما اعتذروا عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق واستعماله له في نفسه أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له وهم غير مضمون لهم المغفرة ، فهم يحتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم يغضب من ذلك ويخبرهم أنه أتقاهم وأعلمهم به . فكونه أتقاهم لله يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل ، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله وإنما زاد علمه بالله لمعنيين :\rأحدهما : زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته وكبريائه وما يستحقه من الجلال والإكرام والإعظام .\rوالثاني : أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين ، فإنه رآه إما بعين بصره أو بعين بصيرته ، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما : رآه بفؤاده مرتين ، وعلمهم به مستند إلى علم يقين ، وبين المرتين [ تباين ] (1) ، ولهذا سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يرقيه من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين بالنسبة إلى رؤية إحياء الموتى - وقد سبق التنبيه على ذلك والكلام في تفاصيل المعرفة التامة بالقلب (2) - فلما زادت معرفة الرسول ( 191- أ / ف ) بربه زادت خشيته له وتقواه ، فإن العلم التام يستلزم الخشية كما قال تعالى { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } [ فاطر : 28 ] فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى ، ،إنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله . وقد خرج البخاري في آخر \" صحيحه \" عن مسروق قال : قالت عائشة : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ثم قال : \" ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ؟ لِلَّهِ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية \" (3) .\r\r__________\r(1) ما بين المعقوفين سقط من \" ف \" بمقدار كلمة ولم يظهر منها سوى \" ين \" ولعل الصواب ما أثبتناه .\r(2) عند شرحه تحت ترجمة هذا الباب . وراجع تفصيله عند شرحه لترجمة الباب الأول من \" كتاب الإيمان \" ( ص 10 - 11 ) عند شرحه لقول البخاري : \" ويزيد وينقص \" .\r(3) فتح : ( 6101) .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وفي \" صحيح مسلم \" عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله لِلَّهِ إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم \" فقال الرجل : يا رسول الله لِلَّهِ إنك لست مثلنا ، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : \" إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي \" (1) . وفي حديث أنس أن ثلاث رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أصوم الدهر ولا أفطر ،وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : \" أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ لِلَّهِ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني \" . وقد خرجاه في \" الصحيحين \" بمعناه (2) .\r\r__________\r(1) مسلم ( 1110) .\r(2) فتح : 5063 ) ، ومسلم ( 1401) .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة ؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد فإذا عوتب على ذلك وذكرت له المغفرة أخبر أنه يفعل ذلك شكرا ؛ كما في \" الصحيحين \" عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تتفطر قدماه فيقال له : تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : \" أفلا أكون عبدا شكورا \" (1) . وقد يواصل في الصيام وينهاهم ويقول :\" إني لست كهيئتكم ؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني \" (2) ، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش ؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدى وأفضله ، وهذا خطأ عظيم ؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : \" خير الهدى هدى محمد \" (3) . ويقتضي - أيضا - هذا الخطأ : أن الاقتداء به في العمل ليس هو أفضل ؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك ، وهذا خطأ عظيم جدا ؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها ، قال تعالى { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } [ آل عمران : 31] . فلهذا كان صلى الله عليه وسلم يغضب من ذلك غضبا شديدا لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته والاقتداء به . وفي رواية للإمام أحمد : \" والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا \" (4) . وقوله في الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب \" إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا \" فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل ، وهو ممنوع عند أكثر النحاة ( 191 - ب / ف ) إلا للضرورة كقول الشاعر : \" ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير \" . وإنما يجوز اختيارا إذا لم يتأت (5) الإتيان بالمتصل مثل أن يبتدأ بالضمير قبل عامله نحو : إياك نعبد ؛ فإنه لا يبتدأ بضمير متصل أو يقع بعد نحو إلا إياه . فأما قول الشاعر : \" أن لا يجاوزنا إلاك \" ، فشاذ . وأما قوله : \" وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي \" ، فهو عندهم متأول على أن فيه معنى الاستثناء ، كأنه قال : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا .\rولكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة ، ويكون حينئذ قوله : \" إنما يدافع عن أحسابهم أنا \" : شاهدا له غير محتاج إلى تأويل ، والله أعلم .\r14- فصل (6)\rتقدم عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان \"\r\r__________\r(1) فتح : 1130) ، ومسلم ( 2820) .\r(2) فتح : 1964) ، ومسلم ( 1105) عن عائشة . .\r(3) أخرجه مسلم ( 867) .\r(4) \" المسند \" ( 6 / 61) .\r(5) في \" ف \" بتأت \" بالموحدة ، والموافق للسياق ما أثبتناه .\r(6) وهو : باب \" من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار من الإيمان \" وتقدم الكلام على هذا الباب تحت باب : (9) حديث : (16) \" وهي عادة البخاري في التبويب على ما يستفاد من المتن مع أنه غاير الإسناد هنا إلى أنس \" قاله ابن حجر ( الفتح : 1 / 72) تحت حديث ( 21) .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وقد تقدم من رواية أبي قلابة ، عن أنس ، وزاد في رواية قتادة : \" ومن كره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه \" . وقوله \" بعد إذ أنقذه الله منه \" لا يستلزم أنه كان واقعا فيه فإن كل من أدخل الله الإسلام في قلبه فقد أنقذه الله من الكفر وإن لم يكن قد وقع في الكفر قبل ذلك ؛ وهذا كما قال شعيب عليه السلام { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّه } [ الأعراف : 89] وقال تعالى { وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا } [ آل عمران : 103 ] وقال تعالى { اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ } [ البقرة : 257] .\rوالمراد : أنه ينجيهم من الشرك ويدخلهم في الإيمان ؛ وكثير منهم لم يكن داخلا في الشرك قط .\r15- فصل (1)\rخرج البخاري ومسلم (2) من حديث :\r22-عمرو بن يحي المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد (3) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ثم يقول الله عز وجل : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة - شك : مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في حميل (4) السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية \" . قال البخاري : و (5) قال وهيب : حدثنا عمرو \" الحياة \" وقال : \" خردل من خير \" . قد قيل : إن الرواية الصحيحة : \" الحيا \" هو : المطر ، قاله الخطابي (6) وغيره (7) . هذا الحديث نص في أن الإيمان في القلوب يتفاضل ، فإن أريد به مجرد التصديق ففي تفاضله خلاف سبق ذكره (8) ، إن أريد به ما في القلوب من أعمال الإيمان كالخشية والرجاء والحب والتوكل ، ونحو ذلك فهو متفاضل بغير نزاع . وقد بوب البخاري على هذا الحديث : \" باب تفاوت (9) أهل الإيمان في الأعمال \" فقد يكون مراده الأعمال القائمة بالقلب كما بوب على أن المعرفة فعل القلب . وقد يكون مراده أن أعمال الجوارح تتفاوت بحسب تفاوت إيمان القلوب فإنهما متلازمان .\r\r__________\r(1) باب \" تفاضل أهل الإيمان في الأعمال \" .\r(2) برقم ( 184) .\r(3) زاد في \" اليونينية \" : \" الخدري رضي الله عنه \" .\r(4) في \" اليونينية \" : \" جانب \" ، وراجع \" عمدة القاري \" ( 1 / 194) .\r(5) \" قال البخاري و \" ليس في \" اليونينية \" .\r(6) في \" أعلام الحديث \" ( 1 / 156) .\r(7) الزمخشري في \" الفائق \" ( 1 / 211) .\r(8) ص 15) عند شرحه لترجمة الباب الأول .\r(9) في \" اليونينية \" : \" تفاضل \" .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وقد ذكر البخاري أن وهيبا خالف مالكا في هذا الحديث وقال : \" مثقال حبة (1) من خير \" . وفي الباب - أيضا - من حديث أنس بمعنى حديث أبي سعيد ، وفي لفظه اختلاف كالاختلاف في حديث أبي سعيد . وقد خرجه البخاري في موضع آخر وفيه زيادة : \" من قال لا إله إلا الله \" (2) . وهذا يستدل به على أن الإيمان يفوق معنى (3) كلمة التوحيد والإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه (4) الغرماء بمظالمهم ؛ بل يبقى ( 192- أ / ف ) على صاحبه ؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة ، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين ، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح ، وقد قال ابن عيينه وغيره : إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء - أيضا . وأما الحبة بكسر الحاء فهي أصول النبات والعشب وقد قيل : أنها تنزل مع المطر من السماء ، كذا قاله كعب غيره . وقد ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب \" المطر \" وذكر فيه آثارا عن الأعراب .\rوحميل السيل : محمولة ؛ فإن السيل يحمل من الغثاء ونحوه ما ينبت منه العشب ، وشبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا - أو الحياة - بنبات هذه الحبة لمعنيين : أحدهما : سرعة نباتها . والثاني : أنها صفراء ملتوية ثم تستوي وتحسن ، فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتا ضعيفا ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه . وقد جعل الله نبات أجساد بني آدم كنبات الأرض ، قال الله تعالى { وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا } [ نوح : 17 ] وحياتهم من الماء ، فنشأتهم الأولى في بطون أمهاتهم من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ، ونشأتهم الثانية من قبورهم (5) من الماء الذي ينزل من تحت العرش ، فينبتون فيه كنبات البقل حتى تتكامل أجسادهم ، ونبات من يدخل النار ثم يخرج منها من ماء نهر الحياة - أو الحيا .\r\r__________\r(1) في رواية وهيب : \" خردل \" .\r(2) فتح 7437) .\r(3) قوله : \" يفوق معنى \" عسر علينا قراءتها في \" ف \" ولعلها هكذا .\r(4) غير واضحة في \" ف \" ولعلها هكذا لما سيأتي بعد .\r(5) في \" ف \" : \" قبورهم \" - بالمثناة التحتانية ، والمثبت هو الصواب .","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"وفي \" صحيح مسلم \" عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ؛ ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال : بخطاياهم - ، فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل : يا أهل الجنة لِلَّهِ أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل (1) . وظاهر هذا : أنهم يموتون بمفارقة أرواحهم لأجسادهم [ و ] (2) يحيون بإعادتها ، ويكون ذلك قبل ذبح الموت . ويشهد له : ما خرجه البزار في \" مسنده \" من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إن أدنى أهل الجنة منزلة أو نصيبا : قوم يخرجهم الله من النار فيرتاح لهم الرب عز وجل أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئا فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل ، حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم قالوا : ربنا لِلَّهِ فالذي (3) أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار ، فتصرف وجوههم عن النار (4) . ثم خرج البخاري حديث :\r23- أبي سعيد ، عن النبي (5) صلى الله عليه وسلم قال : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص ، فمنها (6) ما يبلغ الثدي ، ومنها مايبلغ (7) دون ذلك ، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره \" قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : \" الدين \"\rوهذا الحديث نص في أن الدين يتفاضل ؛ وقد استدل عليه بقوله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ]وأشار البخاري إلى ذلك في موضع آخر . ويدل عليه - أيضا - قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء \" ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم ( 192- ب / ف ) من إحداكن \" (8) . وفسر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها ؛ فدل على دخول الصوم والصلاة في اسم الدين . وقد صرح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم .\rفمن قال : الإسلام والإيمان واحد فالدين عنده مرادف لهما ، وهو اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي (9) وغيرهما من أهل الحديث .\rو من فرق بينهما ، فاختلفوا في ذلك ؛ فمنهم من قال : إن الدين أعم منهما ، فإنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان ، كما دل عليه حديث جبريل ، وقد أشار البخاري إلى هذا - فيما بعد - ؛ لكنه من لا يفرق بين الإسلام والإيمان .\r\r__________\r(1) مسلم ( 185/ 307 ) .\r(2) ساقط من \" ف \" والسياق يقتضيه فأثبتناه .\r(3) في الرواية : \" كالذي \" .\r(4) \" البحر الزخار \" في مسند أبي هريرة ، عنه أبو أمامة بن سهل من المخطوط ، \" وكشف الأستار \" ( 4 / 211) .\r(5) في \" اليونينية \" عن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله \"\r(6) في \" اليونينية \" : \" منها \" ..\r(7) كلمة \" يبلغ \" ليست في \" اليونينية \" .\r(8) أخرجه البخاري ( 304 ) ، ومسلم ( 80) من حديث أبي سعيد الخدري .\r(9) في \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 531) .","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"و من قال : الإيمان : التصديق ، والإسلام : الأعمال ، فأكثرهم جعل الدين هو الإسلام وأدخل فيه الأعمال . وإنما أخرج الأعمال من مسمى الدين : بعض المرجئة .\rومن قال : الإسلام : الشهادتان ، والإيمان : العمل - كالزهري ، وأحمد في رواية وهي التي نصرها القاضي أبو يعلي - جعل الدين هو الإيمان بعينه ، وأجاب عن قوله تعالي { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } [ آل عمران : 19 ] أن بعض الدين الإسلام . وهذا بعيد .\rوأما من قال : إن كلا من الإسلام والإيمان إذا أطلق مجردا دخل الآخر فيه ، وإنما يفرق بينهما عند الجمع بينهما ، وهو الأظهر ؛ فالدين هو مسمى كل واحد منهما عند إطلاقه ، وأما عند اقترانه بالآخر : فالدين أخص باسم الإسلام ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد وكذلك الدين يقال : : دانه يدينه إذا قهره ، ودان له إذا استسلم له وخضع وانقاد ؛ ولهذا سمى الله الإسلام دينا فقال : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } { آل : عمران 19] ، وقال : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } [ آل عمران : 85] ، وقال : { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] .\rوإنما فسر القمص في المنام : الدين ؛ لأن الدين والإسلام والتقوى كل هذه توصف بأنها لباس ، قال تعالى { وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ } [ الأعراف : 26 ] ، وقال أبو الدرداء : الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة وينزعه أخرى ، وفي الحديث : \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ينزع منه سربال الإيمان \" (1) .\rوقال النابغة :\rالحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا\rوقال أبو العتاهية :\rإذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا\rفهذه كلها كسوة الباطن وهو الروح وهو زينة لها ، كما في حديث عمار : \" اللهم زينا بزينة الإيمان \" (2) .كما أن الرياش زينة للجسد وكسوة له ، قال تعالى { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ } [ الأعراف : 26] . ومن هنا قال مجاهد والشعبي وقتادة والضحاك والنخعي والزهري وغيرهم في قوله تعالى { وثيابك فطهر } [ المدثر : 4 ] إن المعنى : طهر نفسك من الذنوب .\r\r__________\r(1) سبق ( ص 45) ، وهو متفق عليه دون قوله : \" ينزع منه سربال الإيمان . وانظر \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 1 / 492 ، 496) .\r(2) \" المسند \" ( 4 / 264) ، والنسائي في \" المجتبى \" ( 3 /54- 55 ) .","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وقال سعيد بن جبير : وقلبك ونيتك (1) فطهر . وقريب منه : قول من قال : وعملك فأصلح (2) . روى عن مجاهد وأبي روق والضحاك . وعن الحسن والقرظي (3) قالا : خلقك حسنه . فكنى بالثياب عن الأعمال ( 193- أ / ف ) وهي (4) الدين والتقوى والإيمان والإسلام ، وتطهيره : إصلاحه وتخليصه من المفسدات له ، وبذلك تحصل طهارة النفس والقلب والنية ، وبه يحصل حسن الخلق ؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة وديدنا وخلقا ، قال تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم } [ القلم : 4] . وفسره ابن عباس بالدين (5) .\r16- فصل (6)\rخرج البخاري ومسلم (7) من حديث :\r23-ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل (8) وهو يعظ أخاه في الحياء فقال (9) : \" دعه ؛ فإن الحياء من الإيمان \" .\rهذا المعنى مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة ، وقد سبق حديث أبي هريرة : \" الحياء شعبة من الإيمان \" (10) . والحياء نوعان :\rأحدهما : غريزي ، وهو خلق يمنحه الله العبد ويجبله عليه فيكفه عن ارتكاب القبائح والرزائل ، ويحثه على فعل الجميل وهو من أعلى مواهب الله للعبد ، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثر ما يؤثره الإيمان من فعل الجميل والكف عن القبيح ، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان ' فهو وسيلة إليه كما قال عمر : من استحيى اختفى ، ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقي .\rوقال بعض التابعين تركت الذنوب حياء أربعين سنة ، ثم أدركني الورع . وقال ابن سمعون (11) : رأيت المعاصي نذالة ؛ فتركتها مروءة فاستحالت ديانة (12) .\rوالنوع الثاني : أن يكون مكتسبا ، إما من مقام الإيمان كحياء العبد من مقامه بين يدي الله يوم القيامة فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه ، أو من مقام الإحسان ، كحياء العبد من اطلاع الله عليه وقربه منه ، فهذا من أعلى خصال الإيمان .\r\r__________\r(1) في \" ف \" بدون نقاط تماما والمثبت أولى وهو الموافق لما في \" تفسير ابن كثير \" ( 8 / 289) .\r(2) راجع \" الدر المنثور \" ( 6 / 281) فقد أتى بمعظم هذه التفسيرات .\r(3) في \" ف \" بدون نقط ، والصواب ما أثبتناه ، وهو : محمد بن كعب بن سليم ، وقال الذهبي في \" السير \" ( 5 / 67) \" كان من أئمة التفسير \" .\r(4) كلمة \" هي \" مكررة في \" ف\" .\r(5) أخرجه ابن جرير في \" تفسيره \" ( 29 / 12) ، وابن المنذر وابن حاتم وابن مردويه . قاله السيوطي في \" الدر المنثور \" ( 6 / 251) .\r(6) باب \" الحياء من الإيمان \" .\r(7) مسلم ( 36) .\r(8) زاد في \" اليونينية \" : \" من الأنصار \" .\r(9) زاد في \" اليونينية \" : \" رسول الله صلى الله عليه وسلم .\r(10) حديث رقم (9) ، باب (3) \" أمور الدين \" .\r(11) هو محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس البغدادي وسمعون : وهو لقب جده إسماعيل . راجع \" طبقات الحنابلة \" ( 2 / 155- 162 ) ، ،\" تاريخ بغداد \" ( 1 / 274- 277)، و \" السير \" ( 16 / 505- 511) .\r(12) \" طبقات الحنابلة \" _ 2 / 156) ، ذكر هذا القول .","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وفي حديث مرسل : \" استحيي من الله كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك \" ، وروى موصولا (1) . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا ، فقال : \" الله أحق أن يستحيي منه (2) . وفي حديث ابن مسعود المرفوع : \" الاستحياء من الله : أن تحفظ (3) الرأس وما وعي والبطن وما حوى وأن تذكر (4) الموت والبلى ، ومن أراد ترك الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء \" . خرجه الترمذي وغيره (5) . وخرج البخاري في \" تفسيره \" (6) عن ابن عباس في قوله تعالى { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْه } [ هود : 5 ] أنها نزلت في قوم كانوا يجامعون نساءهم ويتخلون فيستحيون من الله فنزلت الآية .\rوكان الصديق يقول : استحيوا من الله ؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياء من ربي عز وجل (7) . وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله عز وجل (8) .\rقال بعض السلف : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحيي منه على قدر قربه منك . وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه ، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان .\rفصل\rقال البخاري :\r12- باب (9)\rمن الدين الفرار من الفتن\r\r__________\r(1) أخرجه الطبراني في \" الكبير \" ( 8 / 229 ) ، من طريق أبي عبد الملك علي بن يزيد الألهاني ، عن القاسم ، عن أبي أمامة مرفوعا . وقال ابن معين : علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة : هي ضعاف كلها . وانظر \" جامع العلوم \" ( 1 / 106 ) .\r(2) علقه البخاري في كتاب \" الغسل \" باب ( 20 ) \" من اغتسل عريانا وحده في الخلوة \" قبل حديث ( 278) ، وأخرجه أبو داود ( 4017) والترمذي ( 2794) ، وأحمد ( 5 / 4 ) والحاكم في \" مستدركه \" ( 4 / 179) .\r(3) في \" ف \" بنقط الفاء فقط ، وما أثبتناه من الرواية .\r(4) في الرواية : \" ولتذكر \" .\r(5) الترمذي ( 2458) ، وأحمد ( 1 / 387) من طريق الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود . والصباح ضعيف ، واستنكروا عليه هذا الحديث ، وصوبوا وقفه على ابن مسعود وانظر \" جامع العلوم \" ( 1 / 288 ) .\r(6) فتح : 4681) .\r(7) \" الزهد \" لابن المبارك _ ص : 107 ) وانظره في \" علل الدار قطني \" ( 1 / 186) .\r(8) أخرجه أحمد في \" الزهد \" ( ص : 247 ) ، ومن طريقه أبو نعيم في \" الحلية \" ( 1 / 260) .\r(9) هذا الباب لم يأت في ترتيبه فجاء بين الباب ( 16 ) والباب ( 18 ) وعليه فيكون سقط من الترتيب والنسخة \" ف \" : الباب ( 17) وحديثه رقم ( 25) .","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"19- حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري (1) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن \" (2) .\rبوب البخاري على أن الفرار ( 193- ب / ف ) من الفتن من الدين ؛ وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفر بدينه من الفتن ؛ لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال دل على أن هذا الفعل من خصال الإسلام والإسلام هو الدين . وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرجه في أول \" الجهاد \" من رواية الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله لِلَّهِ أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله \" قالوا : ثم من ؟ قال : \" مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره \" (3) . وليس في هذا الحديث ذكر الفتن . وخرجه أبو داود (4) ، وعنده : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ . فذكره . وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشر من الإيمان . وفي \" المسند \" و \" جامع الترمذي \" ، عن طاوس ، عن أم مالك البهزية قالت : قال رسول الله : \" خير الناس في الفتنة : رجل معتزل في ماله ، يعبد ربه ويؤدي حقه ، ورجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله \" (5) .\rوروي عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الحاكم (6) . وروي عن طاوس مرسلا . وخرج الحاكم - أيضا - من حديث أبي هريرة مرفوعا : \" أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم أنجى الناس منها: صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمها ، ورجل من وراء الدروب بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه \" (7) . وقد وقفه بعضهم .\rفهذه الروايات المقيدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة . وحديث أبي سعيد الذي خرجه البخاري هنا لم يخرجه مسلم . وقد روي عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد ؛ وهو وهم . وروي عن يحيي بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن نهار العبدي ، عن أبي سعيد ؛ وذكر \" نهار \" في إسناده : وهم . قاله الدار قطني (8) . فقوله صلى الله عليه وسلم \" يوشك \" تقريب منه للفتنة ، وقد وقع ذلك في زمن عثمان كما أخبر به صلى الله عليه وسلم وهذا من جملة أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم .\r\r__________\r(1) زاد في \" اليونينية \" : \" أنه \" قبل كلمة \" قال \" .\r(2) أشار المصنف - رحمه الله - ( 5 / 220) عند شرحه الحديث رقم ( 609 ) أنه استوفى الكلام فيما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم : عند شرحه لحديث هذا الباب .\r(3) فتح : 2786) .\r(4) 2485) .\r(5) \" المسند \" ( 6 / 419 ) ، والترمذي ( 2177) .\r(6) 4 / 446 ، 464) .\r(7) الحاكم ( 2 / 93) .\r(8) في \" علله \" ، ( 4 / ق2 - ب 3 - أ ) .","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"وإنما كان الغنم خير مال المسلم - حينئذ - ؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم يأكل من لحومها ونتاجها ويشرب من ألبانها ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره ، وهي ترعى الكلأ في الجبال وترد المياه ؛ وهذه المنافع والمرافق لا توجد في غير الغنم ؛ ولهذا قال : \" يتبع بها شعف الجبال \" وهي رءوسها وأعاليها ؛ فإنها تعصم من لجأ إليها من عدو . و\" مواقع القطر \" لأنه يجد فيها الكلأ والماء فيشرب منها ويسقي غنمه وترعى غنمه من الكلأ . وفي \" مسند البزار \" ، عن مخول البهزي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \" سيأتي على الناس زمان فيه غنم بين السجدتين (1) تأكل من الشجر وترد الماء ، يأكل صاحبها من رسلها ويشرب من ألبانها ويلبس من أشعارها - أو قال من أصوافها _ ، والفتن ترتكس بين جراثيم العرب \" (2) . وروي هذا المعنى عن عبادة بن الصامت من قوله . وواحد الجراثيم : جرثومة ؛ وهي أصل الشيء . وفي هذا دلالة 'على أن من خرج من الأمصار فإنه يخرج معه بزاد وما يقتات منه .\rوقوله : ( 194 - أ / ف ) \" يفر بدينه من الفتن \" يعني : يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن ؛ فإن من خالط الفتن ، وأهل القتال على الملك لم يسلم دينه من الإثم إما بقتل معصوم أو أخذ مال معصوم أو المساعدة على ذلك بقول و نحوه وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر أو معصية حسن الفرار منه . وقد مدح الله من فر بدينه خشية الفتنة عليه فقال - حكاية عن أصحاب الكهف _ { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ } [ الكهف : 16] . وروى عروة ، عن كرز الخزاعي قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي : هل لهذا الإسلام من منتهى ؟ قال : \" من يرد الله به خيرا من عرب أو عجم أدخله عليه \" قال : ثم ماذا ؟ قال : \" تقع فتن كالظلل \" قال : كلا يا نبي الله ، قال : \" بلى ، والذي نفسي بيده لتعودون فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض وخير الناس يومئذ : رجل يتقي ربه ويدع الناس من شره \" (3) .\rالأساود : جمع أسود ، وهو أخبث الحيات وأعظمها .\rوالصب : جمع صبوب ، على أن أصله : صبب كرسول ورسل ، ثم خفف كرسل ؛ وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ ، ويروى \" صي \" على وزن حبلى \"\r\r__________\r(1) رسمها في \" ف \" بدون نقط ولعلها هكذا ، وفي \" مسند أبي يعلي \" ( 3 / 138 ) : \" المسجدين \" .\r(2) كشف : ( 1358) مختصرا وليس فيه محل الشاهد ، وفي إسناده محمد بن سليمان بن مسمول ، قال فيه أبو حاتم : \" ليس بالقوي ضعيف الحديث كان الحميدي يتكلم فيه \" الجرح \" ( 7/ 267) وقد أخرجه مطولا بمحل الشاهد : أبو يعلى ( 3 / 137) بنفس الإسناد ، وأخرجه الطبراني في \" الأوسط \" ( 7542) وفيه سليمان الشاذكوني ، قال ابن معين في رواية ابن الجنيد : \" يكذب ويضع الحديث \" أ . هـ .\r(3) أحمد ( 3 / 477 ) ، وابن حبان ( الإحسان : 13 / 287) .","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وفي \"الصحيحين \" عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له الفتن فقال له : فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك ؟ قال : \" تلزم جماعة المسلمين وإمامهم \" قال : فإن لم يكن جماعة ولا إمام ؟ قال : \" فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك \" (1) . وقد اعتزل جماعة من أصحابه في الفتن في البوادي . وقال الإمام أحمد : إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء ، فأما إذا لم يكن فتنة فالأمصار خير . فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه ، كما في الترمذي و \" صحيح الحاكم \" ، عن أبي هريرة قال : مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينه من ماء عذب فأعجبه طيبه وحسنه فقال : لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأمره فقال : \" لا تفعل ؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما \" (2) .\rوخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة \" (3) . وذكر باقيه بمعناه . وخرج داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله لِلَّهِ ايذن لي بالسياحة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" إن سياحة أمتي : الجهاد في سبيل الله \" (4) . وفي \" المسند \" عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" عليك بالجهاد ؛ فإنه رهبانية الإسلام \" (5) . وفي مراسيل طاوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" لا رهبانية في الإسلام ولا سياحة \" . وفي المعنى مراسيل أخر متعددة .\r\r__________\r(1) فتح : 7084) ، ومسلم ( 1847) .\r(2) . الترمذي ( 1650) ، والحاكم ( 2 / 68) ، وقال الترمذي : \" حديث حسن \"\r(3) أحمد ( 5 / 266) .\r(4) أبو داود ( 2486) .\r(5) \" المسند \" ( 3 / 82) .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"قال الإمام أحمد : ليست السياحة من الإسلام في شيئ ولا من فعل النبيين ولا الصالحين . والسياحة على هذا الوجه قد ( 194 - ب / ف ) فعلها طوائف ممن ينسب على عبادة واجتهاد بغير علم ، ومنهم من رجع لما عرف ذلك . وقد كان في زمن ابن مسعود من المتعبدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة وبنوا مسجدا يتعبدون فيه ، منهم : عمرو بن هتبة ، ومفضل العجلي ، فخرج إليهم ابن مسعود وردهم على الكوفة وهدم مسجدهم وقال : إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد أو تكونوا متمسكين بذنب الضلالة . وإسناده هذا صحيح عن الشعبي أنه حكى ذلك . وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلا في فلاة رزقه لا يدري من أين يأتيه فقال له : إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا ؛ إنما أمرت بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز ، فقبل منه وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كله. خرج حكايته ابن أبي الدنيا . وروي نحو هذه الحكاية - أيضا - ، عن أبي غالب صاحب أبي أمامة الباهلي . خرجها حميد بن زنجوية . وكذلك سكنى البوادي لتنمية المواشي والأموال - كما جرى لثعلبة في ماله - فمذموم - أيضا .\rوفي \" سنن ابن ماجه \" ، عن أبي هريرة مرفوعا : \" ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها (1) حتى يطبع على قلبه \" (2) . وخرجه الخلال من حديث جابر بمعناه (3) - أيضا . وخرج حميد بن زنجويه من رواية ابن لهيعه : ثنا عمر (4) مولى غفرة أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاري يقول : قال حارثة بن النعمان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" يخرج الرجل في حاشية القرية في غنيمة يشهد الصلوات ويؤب إلى أهله إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى ملأ من هذه ، فيرتفع حتى لا يشهد من الصلوات إلا الجمعة حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كل أمن هذه فيرتفع حتى لا يشهد جمعة ولا يدري متى الجمعة حتى يطبع الله على قلبه \" . وخرجه الإمام أحمد بمعناه (5) .\r\r__________\r(1) \" وتجيء الجمعة فلا يشهدها \" في \" السنن \" كررها ثلاثا .\r(2) ابن ماجه ( 1127) وسيأتي كلام المصنف على هذا الحديث عند شرحه لترجمة الحديث رقم ( 902) .\r(3) وسيأتي ذكر المصنف له بلفظه والكلام عليه عند شرحه لترجمة الحديث رقم : ( 902 ) من \" كتاب الجمعة \" الباب : ( 15) .\r(4) هكذا في \" ف \" : عمر \" وهو الصواب ، وأقحم فوق الراء ما يشتبه بحرف الواو ، أو الضمة ، والأخيرة ليست من عادته .\r(5) \" المسند \" ( 5 / 433- 434) .","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وفي \" سنن أبي داود \" والترمذي وغيرهما ، عن أبي هريرة (1) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" من سكن البادية جفا \" . وقال ابن مسعود في الذي يعود أعرابيا بعد هجرته : إنه ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.\rوفي \" الصحيحين \" (2) أن سلمة بن الأكوع قال : أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في البدو .وفي رواية للبخاري أن سلمة لما قتل عثمان خرج إلى الربزة فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة (3) . وفي \" المسند \" أن سلمة قدم المدينة فقيل له : ارتددت عن هجرتك يا سلمة ؟ فقال : معاذ الله إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" ابدوا يا أسلم ، فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب \" فقالوا : يا رسول الله لِلَّهِ إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا ، قال : \" أنتم مهاجرون حيث ما كنتم \" (4) .\r\r__________\r(1) أبو داود ( 2860) ، وقال بمعنى حديث مسدد - يعني حديث ابن عباس الذي قبله - وزاد فيه التنفير من لزوم السلطان وقال المزي في \" التحفة \" ( 11 / 103 ) : \" هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد ، وأبي بكر بن داسة ، عن أبي داود ، ولم يذكر أبو القاسم \" . ولم يعز المزي هذا الحديث للترمذي من مسند أبي هريرة ، واقتصر على أبي داود ، وعزاه للترمذي وأبي داود من مسند ابن عباس . وقال الترمذي عقب حديث ابن عباس ( 2256) : \" وفي الباب عن أبي هريرة \" ولم يخرجه ، فإن لم يكن في بعض نسخ الترمذي - وما أكثرها - فهو وهم . وعزاه المصنف في جزء : \" شرح حديث ماذئبان جائعان \" ( ص : 41) بتحقيقنا على أبي داود وأحمد فحسب ، ولم يذكر الترمذي ، ولعله الصواب . وحديث ابن عباس : اخرجه أبو داود ( 2859) ، والترمذي ( 2256) ، وذكره البخاري في \" الكنى \" ( ص : 70) - في ترجمة أبي موسى - وأبو نعيم في \" الحلية \" ( 4 / 72) وقال الترمذي عقبة - كما في \" التحفة \" ( 5 / 266) و \" تفسير ابن كثير \" ( 4 / 140) : \" حسن غريب \" ، والذي في المطبوع : \" حسن صحيح غريب \" وأبو موسى راوي الحديث قال ابن القطان مجهول ، ونبه الحافظ في \" التهذيب \" ( 1 / 261) و ( 12/ 252) على أنه غير أبي موسى إسرائيل بن موسى ، وقال : فرق بينهما غير واحد . وحديث أبي هريرة : أخرجه أبو داود ( 286) ، وأحمد ( 2 / 371، 440) وغيرهما . وفيه اختلاف على أبي هريرة ذكرناه في \" أطراف الغرائب \" ( 1422) بتحقيقنا . .\r(2) فتح : 7087) ، ومسلم ( 1862) .\r(3) فتح : 8087) .\r(4) \" المسند \" ( 4 / 55) .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"وفي الطبراني ، عن ابن عمر أنه قيل له : يا أبا عبد الرحمن لِلَّهِ قد أعشبت القفار فلو ابتعت أعنزا فتنزهت تصح ، فقال : لم يؤذن لأحد منا في البداء غير أسلم \" (1) . وأسلم : هي : قبيلة سلمة بن الأكوع .\rوقد ترخص كثير من الصحابة من المهاجرين وغيرهم في سكنى البادية ، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ، فإنهما لزما منزلهما بالعقيق فلم يكونا يأتيان المدينة ( 195- أ / ف ) في جمع ولا غيرها حتى لحقا بالله عز وجل . خرجه بن أبي الدنيا في كتاب \" العزلة \" . وكان أبو هريرة ينزل بالشجرة وهي ذو الحليفة . وفي \" صحيح البخاري \" ، عن عطاء قال : ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة بثبير فقالت لنا : انقطعت الهجرة منذ (2) فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم مكة (3) . وفي رواية له : قال : فسألنا عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه على الله ورسوله مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ؛ ولكن جهاد ونية \" (4) . وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو ، لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح . وكان أنس بن مالك يسكن بقصره خارج البصرة ، وكان ربما شهد الجمعة وربما لم يشهدها . وقد نص أحمد على كراهة المقام بقرية لا يقام فيها الجمعة وإن أقيمت فيها الجماعة . وقد يحمل ذلك على من كان بمصر جامع يجمع فيه، ثم تركه وأقام بمكان لا جمعة فيه . وفي كلامه إيماء إليه - أيضا . وقد يحمل كلامه على كراهة التنزيه دون التحريم. فأما المقام بقرية لا جمعة فيها ولا جماعة فمكروه .\r\r__________\r(1) \" الأوسط \" ( 7533) ، وتفرد به أبو مريم عبد الغفار بن القاسم ، قال فيه أبن معين في رواية الدري ( 3 / 366) : \" ليس بشيء \" ومسلم بن جرهد الراوي عن ابن عمر لم نجد من ترجمه ، ولم يرو عن ابن عمر حديثا غير هذا كما نص عليه الطبراني .\r(2) في الرواية : \" مذ \" .\r(3) فتح : 3080) .\r(4) فتح : 3900) .","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن أبي طلحة : أين ينزل ؟ فقال : بقرية دون حمص ، فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \" ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن ولا يقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ؛ فإن الذئب يأكل القاصية \" . خرجه النسائي (1) . وغيره وخرجه أحمد وأبو داود مختصرا (2) . وفي رواية لأحمد : \" فعليك بالمدائن ويحك يا معدان \" (3) . وفي \" المسند \" - أيضا - ، عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ، يأخذ الشاة القاصية والناحية ؛ فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد \" (4) . فنهى عن سكنى الشعاب - وهي البوادي - وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامة الناس ومساجدهم وجماعتهم . وقد روي عن قتادة أنه فسر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضلة المخالفة لطريق الهدي المستقيم . خرجه أبو موسى المديني عنه بإسناده . وفي هذا بعد ؛ وإنما فسر بهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : \" من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (5) . ؛ فإن الأوزاعي فسره بالبدعة يخرج إليها الرجل من الجماعة . فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه: فقد ورد فيه رخصة : ففي \" سنن أبي داود \" عن المقدام بن شريح ، عن أبيه أنه قال أنه سأل عائشة : هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدو ؟ فقالت : نعم إلى هذه التلاع ، ولقد بدا مرة فأتى بناقة مخرمة فقال : \" اركبيها يا عائشة وارفقي ؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع منه إلا شانه \" (6) . وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله (7) . وورد النهي عنه ؛ ففي \" المسند \" عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" هلاك أمتي في اللبن \" قيل : يا رسول الله لِلَّهِ ما اللبن ؟ قال : تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع وتبدون \" (8) . وفي إسناده : ابن لهيعة . وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها وهي مدة طويلة يدعون فيها الجمع والجماعات .\rوعن أبي عبد الله الجدلي قال : فضل أهل الأمصار على ( 195- ب / ف ) أهل (9) القرى كفضل الرجال على النساء ، وفضل أهل القرى على أهل الكفور (10) كفضل الأحياء على الأموات ، وسكان الكفور كسكان القبور ، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب . خرجه حميد بن زنجويه ، وروى في إسناده عن مكحول معنى أوله .\r\r__________\r(1) في \" المجتبى \" ( 2 / 106 - 107) .\r(2) أحمد ( 5/ 196) ، ( 6/ 446) وابو داود ( 547) .\r(3) \" المسند \" ( 6 / 445 - 446 ) .\r(4) \" المسند \" ( 5 / 232- 233، 243) .\r(5) أخرجه بهذا اللفظ : أبو داود ( 4758) .\r(6) أبو داود ( 2478، 4808 ) .\r(7) مسلم ( 2594) .\r(8) \" المسند \" ( 4 / 155) بلفظ \" هلاك أمتي بالكتاب واللبن \" .\r(9) كلمة \" أهل \" مكررة في \" ف \" .\r(10) كتب فوقها في \" ف \" : \" الكفور جمع كفر وهو ما بعد من لأرض عن الناس ولا يمر به أحد \" .","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"ونص أحمد - في رواية مهنا - على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنزها لما به من ترك الجماعة ؛ إلا أن يخرج لعلة ، يعني : إنه إذا خرج تداويا لعله به جاز ، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين لما اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها (1) .\rقال أبو بكر الأثرم : النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية والإقامة بها ، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز . انتهى .\rوقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن . قال الجريري : كان الناس يبدون ها هنا في الثمار - ثمار قصيرة - ، و ذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره . وكان علقمة يتبدا إلى ظهر النجف (2) . وقال النخعي : كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية . يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي . وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة .\rفروى أبو نعيم بإسناده ، عن أبي حرملة قال : اشتكى سعيد بن المسيب عينه فقيل له : يا أبا محمد لِلَّهِ لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة ووجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك ، فقال سعيد : وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة (3) ؟ وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن ؛ لكنه حد القليل باليوم ونحوه ؛ وفيه نظر .\rوفي \" مراسيل أبي داود \" من رواية معمر ، عن موسى بن شيبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية \" (4) . وروى حميد بن زنجوية بإسناده ، عن خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم قال : بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلة كتب عليها الجفا . و عن معاوية بن قرة قال : البداوة شهران فما زاد فهو تعرب (5) .\rفصل\rقال البخاري :\r18- باب (6)\rمن قال : إن الإيمان هو العمل ؛ لقول الله تعالى { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الزخرف: 72] . وقال عدة من أهل العلم في قوله عز وجل { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الحجر : 92] : عن قول لا إله إلا الله . وقال { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ } [ الصافات : 61] .\rثم خرج حديث :\r26- أبي هريرة أن النبي (7) صلى الله عليه وسلم سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : \" إيمان بالله ورسوله \" قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله \" قيل : ثم ماذا ؟ قال : \" حج مبرور \" .\r\r__________\r(1) إشارة إلى حديث البخاري ( فتح : 4192) .\r(2) ابن أبي شيبة في \" مصنفه \" ( 12 / 335) .\r(3) \" الحلية \" ( 2 / 162) .\r(4) \" مراسيل أبي داود \" 0 ص / 235) .\r(5) أخرجه ابن أبي شيبة ( 12 / 336 ) ، وفيه كلمة \" حرب \" مكان كلمة \" تعرب \" .\r(6) سقط من \" ف \" الباب ( 17 ) .\r(7) في \" اليونينية \" : \" رسول الله \" .","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"مقصود البخاري بهذا الباب : أن الإيمان كله عمل ؛ مناقضة لقول من قال : إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية ؛ فإن الإيمان أصله تصديق بالقلب ، وقد سبق ما قرره البخاري أن تصديق القلب كسب له وعمل ، ويتبع هذا التصديق قول اللسان .\rو مقصود البخاري هاهنا : أن يسمى عملا - أيضا - ، ،أما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل، ولا حاجة إلى تقرير ذلك ؛ فإنه لا يخالف فيه أحد ، فصار الإيمان كله - على ما قرره - عملا .\rو المقصود بهذا الباب : تقرير أن قول اللسان : عمله ؛ واستدل لذلك بقوله تعالى { وَتِلْك َ(1) الْجَنَّةُ الَّتِي( 196- أ / ف) أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الزخرف : 72] وقوله { { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ } [ الصافات : 61] . و معلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان ، وبها يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة - كما سبق ذكره . وفي \" المسند \" ، عن معاذ بن جبل مرفوعا :\" مفتاح الجنة : لا إله إلا الله \" (2) . وحكى البخاري عن عدة من أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الحجر : 92]: عن قول لا إله إلا الله ؛ ففسروا العمل بقول كلمة التوحيد .\rوممن روي عنه هذا التفسير : ابن عمر ، ومجاهد (3) . ورواه ليث بن أبي سليم ، عن بشير بن نهيك ، عن أنس موقوفا (4) . روي عنه مرفوعا - أيضا - خرجه الترمذي وغربه (5) . وقال الدار قطني : ليث غير قوي ، ورفعه غير صحيح (6). وقد خالف في ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا وغيرهم كأبي عبد الله بن بطة ، وحملوا العمل في هذه الآيات على أعمال الجوارح ؛ واستدلوا بذلك على دخول الأعمال في الإيمان .\rوأما حديث أبي هريرة : فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل لأنه جعله أفضل الأعمال ، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما ؛ ولهذا ورد في حديث : \" بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله \" (7) وفي رواية ذكر الإيمان بالله ورسوله \" بدل الشهادتين \" ؛ فدل على أن المراد بهما واحد ؛ ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان \" الجهاد \" ثم \" الحج \" ، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق ؛ لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق ، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما ، فإذا سمى الشهادتين عملا دل على أن قول اللسان عمل .\r\r__________\r(1) كتبها في \" ف \" : \" تلكم \" وأصلحها .\r(2) \" المسند \" ( 5 / 242) .\r(3) أخرج أثر ابن عمر ومجاهد : ابن جرير الطبري في \" تفسيره \" ( 14/46) .\r(4) رواه ابن جرير في \" تفسيره \" ( 14/ 46) .\r(5) الترمذي ( 3126) ، وأخرجه مرفوعا - أيضا - ابن جرير في \" تفسيره \" ( 14/ 46) .\r(6) الدار قطني في \" علله \" ( 4 /ق 33- ب ) .\r(7) سبق وهو حديث رقم (8) .","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"وقد كان طائفة من المرجئة يقولون : الإيمان قول وعمل - موافقة لأهل الحديث - ، ثم يفسرون العمل بالقول ويقولون : هو عمل اللسان . وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول عن شبابه بن سوار وأنكره عليه وقال : هو أخبث قول ما سمعت أن أحدا قال به ولا بلغني . يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف (1) . لعل مراده إنكار تفسير قول أهل السنة :الإيمان قول وعمل بهذا التفسير ؛ فإنه بدعة وفيه عي وتكرير ؛ إذ العمل على هذا القول بعينه ، ولا يكون مراده إنكار أن القول يسمى عملا .\rولكن روي عنه ما يدل على إنكار دخول الأقوال في اسم الأعمال ، فإنه قال في رواية أبي طالب - في رجل طلق امرأته واحدة ونوى ثلاثا ، قال بعضهم : له نيته ، ويحتج بقوله : \" الأعمال بالنيات \" قال أحمد : ما يشبه هذا بالعمل ؛ إنما هذا لفظ كلام المرجئة يقولون : القول هو عمل . لا يحكم عليه بالنية ولا هو من العمل . وهذا ظاهر في إنكار تسمية القول عملا بكل حال وأنه لا يدخل تحت قوله \" الأعمال بالنيات \" . وكذلك ذكر أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب \" السنة \" . وهذا على إطلاقه لا يصح ؛ فإن كنايات الطلاق كلها أقوال ويعتبر لها النية ، وكذلك ألفاظ الإيمان والنذور أقوال ويعتبر لها النية وألفاظ عقود البيع ( 196- ب /ف ) والنكاح وغيرهما أقوال ويؤثر فيها النية عند أحمد ، كما تؤثر النية [ في ] (2) بطلان نكاح التحليل وعقود التحليل على الربا . و قد نص أحمد على أن من أعتق أمته وجعل عتقها صداقها أنه يعتبر له النية ، فإن أراد نكاحها بذلك وعتقها انعقدا بهذا القول. وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفرا . و هذا كله يدل على أن الأقوال تدخل في الأعمال ويعتبر لها النية . ومسألة الطلاق المذكورة فيها عن أحمد روايتان - أيضا .\rوقد خرج أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب \" الطلاق \" له بدخول القول في العمل ، وأن الأقوال تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم \" الأعمال بالنيات \"\rوأبو عبيد محله من معرفة لغة العرب المحل الذي لا يجهله عالم . وقد اختلف الناس لو حلف لا يعمل عملا أو لا يفعل فعلا فقال قولا هل يحنث أم لا ؟ وكذا لو حلف ليفعلن أو ليعملن هل يبر بالقول أم لا ؟\rو قد حكى القاضي أبو يعلي في ذلك اختلافا بين الفقهاء ، وذكر هو في كتاب \" الأيمان \" له أنه لا يبر ولا يحنث بذلك . و أخذه من رواية أبي طالب ، عن أحمد - التي سبق ذكرها - واستدل له بأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف ، والقول لا يسمى عملا في العرف ؛ ولهذا يعطف القول على العمل كثيرا فيدل على تغايرهما عرفا واستعمالا.\rو من الناس من قال : القول يدخل في مسمى الفعل ولا يدخل في مسمى العمل . وهو الذب ذكره ابن الخشاب النحوي (3) وغيره .\r\r__________\r(1) \" السنة \" للخلال ( 982) ، وذكره ابن تيمية في \" مجموع الفتاوى \" ( 7 / 255) ، وابن حجر في \" تهذيبه \" ( 4/ 302) .\r(2) كلمة \" في \" ليست \" ف \" وهي لازمة في السياق .\r(3) ترجمة السيوطي في \" بغية الوعاة \" ( 2/ 29) .","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وقد ورد تسمية القول فعلا في القرآن في قوله تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } [ الأنعام : 112] .\rفصل\rقال البخاري :\r19- باب\rإذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله عز وجل { قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } [ الحجرات : 14] . فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله (1) { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } [ آل عمران : 19 ] وقوله { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } (2) [ آل عمران : 85] .\rمعنى هذا الكلام : أن الإسلام يطلق باعتبارين :\rأحدهما : باعتبار الإسلام الحقيقي وهو دين الإسلام الذي قال الله فيه { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } وقال { { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } .\rوالثاني : باعتبار الاستسلام ظاهرا مع عدم إسلام الباطن إذا وقع خوفا كإسلام المنافقين ، واستدل بقوله تعالى { قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } وحمله عل الاستسلام خوفا وتقية .وهذا مروي عن طائفة من السلف ، منهم مجاهد ، وابن زيد ، ومقاتل بن حيان وغيرهم (3) . وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي (4) - كما رجحه البخاري - ؛ لأنهما لا يفارقان بين الإسلام والإيمان ، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر . وهو اختيار ابن عبد البر ، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود .\rوأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية ( 197 - أ / ف ) على الفرق بينهما ويقول : نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام كما نفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي . وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس ، وقتادة ، والنخعي ، وروي عن ابن زيد معناه - أيضا - ، وهو قول الزهري ، وحماد بن زيد ، وأحمد ، ورجحه ابن جرير وغيره (5) .\rواستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان . وكذا قال قتادة في هذه الآية قال : \" قولوا أسلمنا \" : شهادة أن لا إله إلا الله ، وهو دين الله ،والإسلام درجة الإيمان تحقيق في القلب و والهجرة في الإيمان درجة ، والجهاد درجة ، والقتل في سبيل الله درجة . خرجه ابن أبي حاتم .\r\r__________\r(1) زاد في \" اليونينية \" : \" جل ذكره \" .\r(2) مابين المعقوفين ليس في \" اليونينية \" ، وهو ثابت في بعض نسخ الصحيح ، وإليه أشار في \" اليونينية \" .\r(3) راجع \" تفسير الطبري \" ( 26/ 90) .\r(4) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2/ 510) .\r(5) راجع \" تفسير الطبري \" ( 26/ 90) ، و \" تفسير ابن كثير \" ( 7 / 367) و \" والدر المنثور \" ( 6 /100) .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"فجعل قتادة الإسلام الكلمة ، وهي أصل الدين ، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب ، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم ، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم ، ويدل عليه : { وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } [ الحجرات : 14 ] .\rواختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما . فقالت طائفة : الإسلام : كلمة الشهادتين ، والإيمان العمل . وهذا مروي عن الزهري (1) وابن أبي ذئب (2) ، وهو رواية عن أحمد (3) ، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه . ويشبه هذا : قول ابن زيد في تفسير هذه الآية قال : لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم فرد الله عليهم وقال : { لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } فقال : الإسلام إقرار ، والإيمان تصديق (4) . وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث . وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد وقال : الصحيح : أن مذهبه : أن الإسلام قول وعمل ورواية واحدة ؛ ولكن لا يدخل كل الأعمال في الإسلام كما يدخل في الإيمان، وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة ، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام . كذا قال ، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا . والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا . وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص ، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة .\rهذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي ، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار ، وطعن فيه (5) ، وروي عن حماد ابن زيد نحو هذا - أيضا . وحكى رواية عن أحمد - أيضا - ؛ فإنه قال في رواية الشالنجي (6) في مرتكب الكبائر : يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام . ونقل حنبل عن أحمد معناه (7) . وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره ، و هي اختيار أبي عبد الله بن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب . و قالت طائفة : الفرق بين الإسلام والإيمان : أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب فهو علم القلب وعمله ، والإسلام: الخضوع والاستسلام والانقياد ؛ فهو عمل القلب والجوارح . وهذا قول كثير من العلماء ، وقد حكاه أبو الفضيل التميمي عن أصحاب أحمد ، وهو قول طوائف من المتكلمين ( 197- ب/ ف ) ؛ لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام .\r\r__________\r(1) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2/ 507) .\r(2) \" السنة \" للخلال ( 1076) .\r(3) راجع \" المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة \" ( 1 / 108 )\r(4) انظر تفسير الطبري ( 26/ 90) .\r(5) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 575) .\r(6) هو : إسماعيل بن سعيد ، مترجم في \" طبقات الحنابلة \" ( 1/104) .\r(7) \" السنة \" للخلال ( 1080) .","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها الإسلام - كما سبق - فلهذا قال كثير من العلماء : إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران ، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه ، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ .\rوبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن السلام والإيمان ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان المنفرد بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل . وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة ، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه (1) ، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص والله أعلم .\rوالقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن : الحسن ، وابن سيرين ، وشريك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيي بن معين ، ومؤمل ابن إهاب ، وحكى عن مالك - أيضا - ، وقد سبق حكايته عن قتادة ، وداود بن أبي هند ، والزهري ، وابن أبي ذئب ، وحماد بن زيد ، وأحمد (2) ، وأبي خيثمة وكذلك (3) حكاه أبو بكر بن السمعاني عن أهل السنة والجماعة جملة .\rفحكاية ابن نصر (4) وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد ؛ بل قد قيل : إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق ، والله أعلم .\rوخرج البخاري في هذا الباب حديث :\r27- الزهري ، عن (5) عامر بن سعد ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا وسعد جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا هو أعجبهم إلي فقلت : ما لك يا رسول الله (6) عن فلان ؟ لِلَّهِ فوالله إني لأراه مؤمنا ، فقال : \" أو مسلما \" فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه (7) فقلت يا رسول الله (8) لِلَّهِ مالك عن فلان ؟ فوالله إني لأراه مؤمنا ، قال (9) : \" أو مسلما \" فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : \" يا سعد لِلَّهِ إني لأعطي الرجل وغيره أعجب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار \"\rخرجه من طريق شعيب ، عن الزهري ثم قال : رواه يونس وصالح وابن معمر وابن أخي الزهري ، عن الزهري(10) .\r\r__________\r(1) انظره في \" تعظيم قدر الصلاة \" ، ( 2/ 528) .\r(2) راجع معظم هذه الأقوال في \" السنة \" للخلال ( 1073 - 1083) ، و\" تعظيم قدر الصلاة\" ( 2 / 506-517) .\r(3) في \" ف \" : \" فكذلك \" ، وما أثبتناه موافق للسياق .\r(4) تعظيم قدر الصلاة \" ، ( 2/ 531) .\r(5) في \" اليونينية \" : \" أخبرني \" .\r(6) في \" اليونينية \" : \" يا رسول الله مالك \" .\r(7) زاد في \" اليونينية \" : \" فعدت لمقالتي \" .\r(8) \" يا رسول الله \" ليس في \" اليونينية \" .\r(9) في \" اليونينية \" : \" فقال \" .\r(10) راجع \" أطراف الغرائب \" : ( 501) بتحقيقنا ، وقال هناك : \" صحيح من حديث معمر ، عن الزهري ، وغريب من حديث المعتمر ، عن عبد الرزاق ، عنه ، تفرد به : صالح بن حاتم ابن وردان \" . أ . هـ .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"وقد رواه ابن أبي ذئب - أيضا - ، عن الزهري كذلك . ورواه العباس الخلال (1) ، عن الوليد بن مسلم ، عن ابن وهب . ورشدين بن سعد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخطئا في ذلك . نقله ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه (2) . فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقا ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى عنه الإيمان وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي ، وهو - أيضا - قول محمد بن نصر المروزي (3) . وهذا غاية البعد ، وآخر الحديث يرد على ذلك ، وهو : قول النبي صلى الله عليه وسلم : \" إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه \" فإن هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله إلى إيمانه كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم ويمنع المهاجرين والأنصار .\rوزعم علي بن المديني في كتاب \" العلل \" له أن هذا باب المزاح من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا ، فأوهم سعدا أنه ليس بمؤمن ؛ بل مسلم وهما بمعنى واحد كما يقول ( 198- أ/ ف ) لرجل يمازحه وهو يدعى أنه أخ لرجل فيقول : إنما أنت ابن أبيه أو ابن أمه ، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد. وهذا تعسف شديد .\rوالظاهر - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر سعدا عن الشهادة بالإيمان ؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه ، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال : \" إن كنت مادحا لا محالة فقل : أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا \" (4) ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه كما في \" المسند \" عن أنس مرفوعا : \" الإسلام علانية ، والإيمان في القلب \" (5) .\r\r__________\r(1) هو العباس بن الوليد بن صبح ، له ترجمة في \" تاريخ دمشق \" لابن عساكر .\r(2) في \" علله \" : ( 2 / 155) .\r(3) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 510) .\r(4) البخاري ( فتح : 2662) .\r(5) \" المسند \" ( 3 / 134) ، من طريق علي بن مسعدة ، عن قتادة ، عن أنس ، وعلي فيه توثيق وقال البخاري في \" التاريخ \" : \" فيه نظر \" . وليس من أصحاب قتادة ، وقتادة مدلس ، وقد عنعن .","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن ، وقالوا : هو صفة مدح ، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها ؛ وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره ، فأما حديث : \" إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان \" : فقد خرجه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد مرفوعا (1). وقال أحمد : هو حديث منكر ، و دراج له مناكير (2) ، والله أعلم .\rوهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه فرق بين الإسلام والإيمان .\rوأما على قول الأكثرين بالتفريق بينهما : فإنما ينبغي أن يذكر في هذا الباب قوله عز وجل { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } [ آل عمران : 83] فإن الجمهور على أنه أراد استسلام الخلق كلهم له وخضوعهم فأما المؤمن فيستسلم ويخضع طوعا ، وأما الكافر فإنه يضطر إلى الاستسلام عند الشدائد ونزول البلاء به كرها ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلك كله كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن .\rوالحديث الذي يطابق الباب على اختيار المفرقين بين الإسلام والإيمان : قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر قرينه من الجن : \" ولكن الله أعانني عليه فأسلم \" (3) . وقد روي بضم الميم وفتحها ؛ فمن رواه بضمها قال : المراد: أي أنا أسلم من شره ، ومن رواه بفتحها ، فمنهم من فسره بأنه أسلم من كفره فصار مسلما . وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرجها البزار في \" مسنده \" (4)بإسناد فيه ضعف .\rومنهم من فسره بأنه استسلم وخضع وانقاد كرها ، وهو تفسير ابن عيينه وغيره ، فيطابق على هذا ترجمة الباب، والله أعلم\r20- فصل (5)\rقال البخاري :\rقال عمار : ثلاث من جمعهن جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإقتار.\rهذا الأثر معروف من رواية أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن عمار ، رواه عنه الثوري وشعبة وإسرائيل وغيرهم .\r\r__________\r(1) . \" المسند \" ( 3 / 68، 76) ، والترمذي ( 3093) ، وابن ماجه ( 802) وابن عدي في \" الكامل \" ( 3/ 114) . وأحاديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد فيها ضعف . قاله أحمد .\r(2) \" العلل ومعرفة الرجال \" ( 3 / 116) ولدراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد غرائب ، انظر بعضها في \" أطراف الغرائب \" 0 4881- 4883) بتحقيقنا ، و\" الكامل \" لابن عدي ( 3 / 113) وإنكار الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث مع إخراجه له في \" المسند \" يدل على أن مجرد إخراج الحديث في مصنف لم يشترط صاحبه الصحة لا يعني رضى الإمام عنه .\r(3) مسلم ( 2815) .\r(4) كشف : 2438 - 2439 ) ، و \" التاريخ \" للبخاري ( 4/ 239) .\r(5) باب \" إفشاء السلام من الإسلام \" .","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وروي عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق مرفوعا . خرجه البزار وغيره (1) ، ورفعه وهم ، قال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان ، وتردد أبو حاتم هل الخطأ منسوب فيه إلى عبد الرزاق أو معمر (2) ، ومعمر ليس بالحافظ لحديث العراقيين كما ذكر ابن معين وغيره (3) . وقد روي مرفوعا من وجهين آخرين ولا يثبت واحد منهما (4) . وإنما ذكر البخاري قول عمار في باب \" إفشاء السلام من الإسلام \" لأنه لا يفرق بين الإسلام والإيمان - كما تقدم.\rثم خرج البخاري حديث :\r28- عبد الله بن عمرو قال : سئل النبي (5) صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير ؟ قال : \" أن (6) تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف \" .\rوقد خرجه - فيما مضى - وبوب عليه باب \" إطعام الطعام من الإسلام \" (7) وقول عمار فيه زيادة على هذا الحديث بذكر الإنصاف من النفس ، وهو من أعز الخصال ، ومعناه : ( 198 - ب / ف ) أن يعرف الإنسان الحق على نفسه ويوفيه من غير طلب .\rوفيه - أيضا - : زيادة الإنفاق من الإقتار ؛ ويشهد لفضله : قوله تعالى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة } [ الحشر : 9 ] وقوله { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء } [ آل عمران : 134] .\rوفي \" المسند \" من حديث علي ابن أبي طالب أن ثلاثة تصدقوا : رجل كان له ألف درهم فتصدق بمائة ، وآخر كان له مائة فتصدق بعشرة ، وآخر كان له عشرة فتصدق بدرهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم \" أنتم في الأجر سواء \" (8) .\r\r__________\r(1) \" البحر الزخار \" ( 4 / 232) من طريق الحسن بن عبد الله الكوفي . وابن الأعرابي من طريق محمد بن الصباح الصغاني ( 4 / 70) والبغوي في \" شرح السنة \" من طريق أحمد بن كعب الواسطي ( فتح : 1 / 82) ثلاثتهم عن عبد الرزاق به مرفوعا . وأوقفه عنه الدبري كما في \" المصنف \" ( 10 / 386) وأحمد بن منصور الرمادي كما في \" التغليق \" ( 2 / 38 ) وذكر أن من رفعه روى عن عبد الرزاق بآخره\r(2) \" علل الرازي \" ( 2 / 145) .\r(3) \" شرح علل الترمذي \" للمصنف ( 2 / 774 ) .\r(4) \" تغليق التعليق \" ( 2 / 40 ) .\r(5) في \" اليونينية \" : \" أن رجلا سأل رسول الله \" .\r(6) \" أن \" ليست في \" اليونينية \" ..\r(7) الباب رقم : ( 6) ، والحديث رقم : ( 12 ) .\r(8) \" المسند \" ( 1 / 96، 114 - 115 ) .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"يعني أن كلا منهم تصدق بعشر ماله ، فاعتبر الباقي بعد الصدقة ؛ فمن تصدق بدرهم وبقي له بعده كثير ليس كمن تصدق بدرهم وبقي له بعده درهم آخر أو درهمان . وروى مسدد : حدثنا أبو قدامة ثنا صفوان ابن عيسى : ثنا محمد بن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" سبق درهم مائة ألف درهم \" قالوا : يا رسول الله لِلَّهِ وكيف يسبق درهم مائة ألف درهم ؟ قال : \" رجل له درهمان فأخذ أجودهما فتصدق به ، ورجل له مال كثير فأخرج منه عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها \" (1) .\r21- فصل (2)\rخرج البخاري ومسلم (3) من حديث :\r29- مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (4): \" أريت النار فرأيت (5) أكثر أهلها النساء بكفرهن \" قيل أيكفرون (6) ؟ قال : \" يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط \"\rوقال البخاري : كفر دون كفر (7) . والكفر قد يطلق ويراد به الكفر الذي لا ينقل عن الملة مثل كفران العشير ونحوه عند إطلاق الكفر (8) .\rفأما إن ورد الكفر مقيدا بشيء فلا إشكال في ذلك كقوله تعالى { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ } [ النحل : 112] . وإنما المراد هاهنا : أنه قد يرد إطلاق الكفر ثم يفسر بكفر غير ناقل عن الملة ، وهذا كما قال ابن عباس في قوله تعالى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون } [ المائدة : 44 ] قال : ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ؛ إنه ليس بكفر ينقل عن الملة { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون } كفر دون كفر . خرجه الحاكم (9) وقال : صحيح الإسناد .\r\r__________\r(1) . النسائي في \" الكبرى \" ( 2 / 32) ، ورواه أيضا عن الليث بن سعد ، عن ابن عجلان ، من سعيد المقبري والقعقاع بن حكيم ، عن أبي هريرة ، ويشبه أن يكون القول قول الليث ، والقعقاع لم يلق أبا هريرة أشار إليه البخاري في \" التاريخ \" ( 7 / 188 ) ونص عليه المزي في \" التهذيب \" ( 23 / 623) وحديث ابن عجلان ، عن المقبري ، تكلم فيه القطان كما في شرح علل الترمذي ( 2 / 670)\r(2) باب \" كفران العشير \" .\r(3) مسلم ( 907 ) .\r(4) \" قال \" ليست في \" اليونينية \" .\r(5) كلمة \" فرأيت \" ليست في \" اليونينية \" ونبه عليها القسطلاني وغيره .\r(6) في \" اليونينية \" : \" أيكفرون بالله \" .\r(7) جعل المصنف قول البخاري عقب الحديث ، وهو في \" اليونينية \" وغيرها في ترجمة الباب قبل الحديث ، وصنع مثله في الحديث رقم ( 40 ) .\r(8) وقد أحال هذا الباب من \" كتاب الإيمان \" عند شرحه لحديث ( 1038 ) .\r(9) في \" ا لمستدرك \" ( 2 / 313 ) .","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"وعنه في هذه الآية قال : هو به كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وكذا قال عطاء وغيره : كفر دون كفر . وقال النخعي : الكفران كفران : كفر بالله وكفر بالمنعم (1) . واستدل البخاري لذلك بحديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا ، وهو قطعة من حديث طويل خرجه في \" أبواب الكسوف \" (2) ، فإنه النبي صلى الله عليه وسلم أطلق على النساء الكفر فسئل عنه فسره بكفر العشير .\rوحديث أبي سعيد (3) في هذا المعنى يشبه حديث ابن عباس . وقد خرج هذا المعنى من حديث ابن عمر ، وأبي هريرة - أيضا - وفي المعنى - أيضا - حديث ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر \" وقد خرجه البخاري (4) في موضع آخر . و كذلك قوله صلى الله عليه وسلم : \" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (5) . وقوله من قال لأخيه : ياكافر ، فقد باء بها أحدهما \" (6) . و للعلماء في هذه الأحاديث وما أشبهها مسالك متعددة : منهم : من حملها على من فعل ذلك مستحلا لذلك .\rوقد حمل مالك حديث : \" من قال لأخيه : يا كافر \" على الحرورية المعتقدين لكفر المسلمين بالذنوب . نقله عنه أشهب (7) وكذلك حمل ( 199 - أ / ف ) إسحاق بن راهوية حديث \" من أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد كفر \" (8) على المستحل لذلك . نقله عنه حرب وإسحاق الكوسج . ومنهم من يحملها على التغليظ والكفر الذي لا ينقل عن الملة - كما تقدم عن ابن عباس وعطاء . ونقل إسماعيل الشالنجي عن أحمد - وذكر له قول ابن عباس المتقدم وسأله : ما هذا الكفر ؟ - قال أحمد : هو كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض ، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف (9) فيه .\rقال محمد بن نصر المروزي (10) : . واختلف من قال من أهل الحديث أن مرتكب الكبائر مسلم وليس بمؤمن هل يسمى كافرا كفرا لا ينقل عن الملة كما قال عطاء : كفر دون كفر ، وقال ابن عباس وطاوس : كفر لا ينقل عن الملة (11) ؟ على قولين لهم . قال : وهما مذهبان في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أهل الحديث . قلت : قد أنكر أحمد في رواية المروذي ما روي عن عبد الله بن عمرو أن شارب الخمر يسمى كافرا ولم يثبته عنه ؛ مع أنه قد روي عنه من وجوه كثيرة وبعضها إسناده حسن ، وروي عنه مرفوعا (12) .\r\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال في \" تفسير ابن كثير \" ( 3 / 111) .\r(2) فتح : 1052) .\r(3) سيأتي برقم ( 304) .\r(4) أخرجه مسلم برقم ( 132/ 79، 80) .\r(5) فتح : ( 48) .\r(6) البخاري ( فتح : 121 ) ، ومسلم ( 65) .\r(7) فتح : 6103) ، ومسلم ( 60 ) .\r(8) \" التمهيد \" ( 17 / 15 ) .\r(9) أبو داود ( 3904 ) ، والترمذي ( 135) .\r(10) في \" ف \" : \" تختلف \" كذا ، والموافق للسياق ما أثبتناه . .\r(11) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 527) .\r(12) سبق وهو في \" المستدرك \" ( 2 / 313) .","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"وكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جواز إطلاق كفر النعمة على أهل الكبائر ، ونصب الخلاف في ذلك مع الزيدية من الشيعة ، والإباضية من الخوارج . ورواية إسماعيل الشالنجي عن أحمد قد توافق ذلك . فمن هنا حكى محمد بن نصر عن أحمد في ذلك مذهبين (1) .\rوالذي ذكره القاضي أبو عبد الله بن حامد شيخ القاضي أبو يعلى عن أحمد جواز إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة ، وقد حكاه عن أحمد (2) .\rوقد روي عن جابر بن عبد الله أنه سئل : هل كنتم تسمون شيئا من الذنوب : الكفر أو الشرك ؟ قال : معاذ الله ؛ ولكنا نقول مذنبين . خرجه محمد بن نصر (3) وغيره . وكان عمار ينهى أن يقال لأهل الشام الذين قاتلوهم بصفين : كفروا وقال : قولوا فسقوا . قولوا ظلموا . وهذا قول ابن مبارك وغيره من الأئمة . وقد ذكر بعض الناس أن الإيمان قسمان :\rأحدهما : إيمان بالله ، وهو الإقرار والتصديق به .\rوالثاني : إيمان لله ، وهو الطاعة والانقياد لأوامره .\rفنقيض الإيمان الأول : الكفر ، ونقيض الإيمان الثاني : الفسق ؛ وقد يسمى كفرا ؛ ولكن لا ينقل عن الملة .\rوقد وردت نصوص اختلف العلماء في حملها عل الكفر الناقل عن الملة أو على غيره مثل الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة ، وتردد إسحاق بن راهوية فيما ورد في إتيان المرأة في دبرها أنه كفر هل هو مخرج عن الدين بالكلية أم لا ؟\rومن العلماء من يتوقى الكلام في هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير مع اعتقادهم أن المعاصي لا تخرج عن الملة .\r\r__________\r(1) أخرجه النسائي في \" المجتبى \" ( 8 / 316) .\r(2) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 527) .\r(3) راجع \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2/ 526 - 527 ) ، تعظيم قدر الصلاة ( 2 / 875 - 876 ) .","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وحكاه ابن حامد في رواية عن أحمد ، ذكر صالح بن أحمد وأبو الحارث أن أحمد سئل عن حديث أبي بكر الصديق \" كفر بالله تبري من نسب وإن دق ، وكفر بالله ادعاء إلى نسب لا يعلم \" (1) قال أحدهما : قال أحمد : قد روي هذا عن أبي بكر ، والله أعلم ، وقال الآخر : قال ما أعلم ، قد كتبناها هكذا . قال أبو الحارث : قيل لأحمد : حديث أبي هريرة \" من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر \" (2) فقال : قد روي هذا . ولم يزد على هذا الكلام . وكذا قال الزهري لما سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ليس منا من لطم الخدود \" وما أشبهه من الحديث فقال : من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم (3) .\rونقل عبدوس بن ( 199 - ب / ف ) مالك العطار أنه ذكر هذه الأحاديث التي ورد فيها لفظ الكفر فقال : نسلمها وإن لم نعرف تفسيرها ولا نتكلم فيه ولا نفسرها إلا بما جاءت (4) .\rومنهم من فرق بين إطلاق لفظ الكفر فجوزه في جميع أنواع الكفر سواء كان ناقلا عن الملة أو لم يكن وبين إطلاق اسم الكافر ، فمنعه إلا في الكفر الناقل عن الملة ؛ لأن اسم الفاعل لا يشتق من الفعل الكامل ، ولذلك قال في اسم المؤمن : لا يقال إلا للكامل الإيمان ، فلا يستحقه من كان مرتكبا للكبائر حال ارتكابه وإن كان يقال : قد آمن ، ومعه إيمانه . وهذا اختيار ابن قتيبة . وقريب منه : قول من قال : إن أهل الكتاب يقال : إنهم أشركوا وفيهم شرك كما قال تعالى { سبحانه عما يشركون } [ التوبة : 31] ولا يدخلون في اسم المشركين عند الإطلاق ؛ بل يفرق بينهم وبين المشركين كما في قوله تعالى { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِين } [ البينة : 1 ] فلا يدخل الكتابية في قوله تعالى { َ وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] وقد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره . وكذلك كره أكثر السلف أن يقول الإنسان : أنا مؤمن ، حتى يقول : إن شاء الله ، وأباحوا أن يقول: آمنت بالله .\rوهذا القول حسن ، لولا ما تأوله ابن عباس وغيره في قوله تعالى { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون } [ المائدة : 44 ] ، والله أعلم .\r\r__________\r(1) أخرجه البزار في \" البحر الزخار \" ( 1 / 139، 168 - 169) وقال : \" وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أبي بكر ، عنه \" وقال في موضع آخر : \" .... فتركناه لذلك إذ لم يصح عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكره الدار قطني في \" العلل \" ( 1 / 254-255) ، (261 ، 263 ) وقال : \" والموقوف أشبه بالصواب \" . وقال في موضع آخر ( 1 / 263) : \" والصواب قول من رواه عن الأعمش موقوفا \" وأخرجه الخطيب في \" التاريخ \" ( 3 / 144)\r(2) وراجع \" أطراف الغرائب \" ( 5107 ) بتحقيقنا .\r(3) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 1 / 487) ، و \" السير \" ( 5 / 346) .\r(4) \" طبقات الحنابلة \" ( 1 / 245) .","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"23فصل (1)\rخرج البخاري ومسلم (2) من حديث :\r32- ابن مسعود قال : لما نزلت { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم } [ الأنعام : 82] قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أينا لم يظلم نفسه (3) ، فأنزل الله { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13]\rمعنى هذا : أن الظلم يختلف : فيه ظلم ، ينقل عن الملة كقوله تعالى { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ البقرة : 254 ] فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وأعظم ذلك : أن يوضع المخلوق في مقام الخالق ويجعل شريكا له في الربوبية وفي الإلهية سبحانه وتعالى عما يشركون . وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يراد به الكفار كقوله تعالى { وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون } الآيات [ إبراهيم : 42] ، وقوله { وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيل } الآيات [ الشورى : 44 ] ومثل هذا كثير .\rويراد بالظلم : ما لا ينقل عن الملة ، كقوله تعالى { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات } [ فاطر : 32] وقوله { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون } [ البقرة : 229 ] .\rوحديث ابن مسعود هذا صريح في أن المراد بقوله تعالى { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم } أن الظلم هو الشرك ، وجاء في بعض رواياته زيادة : قال \" إنما هو الشرك \" (4) .\r\r__________\r(1) ترجم البخاري له بـ \" باب ظلم دون ظلم \" . وقد سقط قبل هذا الباب بابان ( 22 ) : \" المعاصي من أمر الجاهلية \" ، وباب : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } الآية ، وعليه فقد سقط حديث ( 30 و 31)\r(2) 124) .\r(3) كلمة \" نفسه \" ليست في \" اليونينية \" ، وذكرها القسطلاني ، وأشار العيني ( 1 / 246) إلى أنها في بعض النسخ .\r(4) فتح : 3429) .","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"وروى حمادة بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ ، فدخل ذات يوم فقرأ فأتى على هذه الآية { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم } إلى آخر الآية فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى أبي ابن كعب فقال : يا أبا المنذر لِلَّهِ أتيت قبل على هذه الآية { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم } وقد ترى أنا نظلم ونفعل ، فقال : يا أمير المؤمنين لِلَّهِ إن هذا ليس بذلك ، يقول الله تعالى { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } . -، إنما ذلك الشرك . خرجه محمد بن نصر المروزي (1). وخرجه - أيضا - من طريق حماد بن زيد ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب أن عمر أتى على هذه الآية ، فذكره (2) . وحماد بن سلمه مقدم على حماد بن زيد في علي بن زيد خاصة (3) . وروي - أيضا - بإسناده ، عن سفيان ، عن ( 200 - أ/ف) ابن جريج ، عن عطاء قال : كفر دون كفر وظلم دون ظلم ، وفسوق دون فسق (4) .\rيعني : أن الفسق قد يكون ناقلا عن الملة كما قال في حق إبليس { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه } [ الكهف : 50 ] وقال { وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ } [ السجدة : 20 ] .\r\r__________\r(1) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 524 - 525) .\r(2) . \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 525 )\r(3) وراجع ما نقله المصنف - رحمه الله - في \" شرح العلل \" ( 1 / 414 ) ، ( 2 / 690، 781 ) .\r(4) \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 522 ) .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"وقد لا يكون الفسق ناقلا عن الملة كقوله تعالى { وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } [ البقرة : 282 ] ، وقوله في الذين يرمون المحصنات { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [ النور : 4 ] وقوله : { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَج } [ البقرة : 197] ، وفسرت الصحابة الفسوق في الحج بالمعاصي كلها ، ومنهم من خصها بما ينهى عنه في الإحرام خاصة . وكذلك الشرك : منه ما ينقل عن الملة ، واستعماله في ذلك كثير في الكتاب والسنة . ومنه : ما لا ينقل ، كما جاء في الحديث : \" من حلف بغير الله فقد أشرك \" ِ (1) ، وفي الحديث : \" الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل \" (2) ، وسمي الرياء : شركا . وتأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون } [ يوسف : 106 ] قال : إن أحدهم يشرك حتى يشرك بكلبه : لولا الكلب لسرقنا الليلة ، قال تعالى : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [ الكهف : 110] .\rوقد روي أنها نزلت في الرياء في العمل . وقيل للحسن : يشرك بالله ؟ قال : لا ؛ ولكن أشرك بذلك العمل عملا يريد به الله والناس ، فذلك يرد عليه .\r29- فصل (3)\rخرج الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة و عن ابن عباس قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأديان أحب على الله ؟ قال : : الحنيفية السمحة \" (4) . وخرجه الطبراني ولفظه : أي الإسلام أفضل ؟ (5) . وخرجه البزار في \" مسنده ولفظه : أي الإسلام - أو أي الإيمان - أفضل ؟ (6) . وهذا الإسناد ليس على شرط البخاري ؛ لأنه لا يحتج بابن إسحاق ولا بروايات داود بن الحصين ، عن عكرمة فإنها مناكير عند ابن المديني ، والبخاري لا يخالف في ذلك وإن كان قد خرج لهما منفردين .\r\r__________\r(1) أخرجه الترمذي ( 1535 ) من حديث ابن عمر .\r(2) أخرجه أبو يعلى في \" مسنده \" ( 1 / 60 ) ، وأبو نعيم في \" الحلية \" ( 7 / 112 ) من حديث أبي بكر الصديق .\r(3) . كذا وهو ليس بابا من \" أبواب الإيمان \" عند البخاري ، وليس من عادته في شرحه ، وهو شرح لبعض ترجمة الباب ( 29 ) من كتاب الإيمان باب \" الدين يسر \" وبذلك يكون قد سقط عدة أبواب وهي :-\r1-باب : ( 24) \" علامة المنافق \" وفيه حديثان : ( 33 34) .\r2-باب : ( 25) \" قيام ليلة القدر من الإيمان \" وفيه حديث : (35) .\r3-باب : ( 26) \" الجهاد من الإيمان \" وفيه حديث : ( 36) .\r4-باب : (27) \" تطوع قيام رمضان من الإيمان \" وفيه حديث : ( 37 ) .\rباب : ( 28 ) \" صوم رمضان احتسابا من الإيمان \" وفيه حديث : ( 38) وأخيرا بعض شرحه على ترجمة الباب الذي نحن بصدده - كما نبهنا عليه سلفا .\r(4) \" المسند \" ( 1 / 236) .\r(5) \" المعجم الكبير \" ( 11 / 227) ، و \" الأوسط \" ( 1006 ) .\r(6) البزار ( كشف : / 1 / 58) .","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وخرج البزار هذا الحديث من وجه آخر ؛ لكن إسناده لا يصح (1) . وخرجه الطبراني من وجه ثالث ، ولا يصح إسناده - أيضا (2) .\rوخرج الإمام أحمد من حديث ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم زفن (3) الحبشة في المسجد : \" لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ؛ إني أرسلت بحنيفية سمحة \" (4) .\rوخرج - أيضا - من رواية معان بن رفاعة ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة \" (5) .إسناده ضعيف .\rوخرج البخاري من حديث :\r39- معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة \" .\rوهذا الحديث تفرد به البخاري ، وتفرد بالتخريج لمعن الغفاري . ومعنى الحديث : النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة مالا يحتمله إلا بكلفة شديدة ، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم \" لن يشاد الدين أحد إلا غلبه \" يعني : أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة فمن شاد الدين غلبه وقطعه (6) .\rوفي \" مسند الإمام أحمد \" ( 200- ب / ف ) عن محجن بن الأدرع قال : أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي قال : \" أتقوله صادقا \" ؟ قلت : يا نبي الله لِلَّهِ هذا فلان وهذا من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة ، قال : \" لا تسمعه فتهلكه - مرتين أو ثلاث - إنكم أمة أريد بكم اليسر\"(7) . وفي رواية له : \" إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره \" (8) .وفي رواية له - أيضا - قال : \" إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة \" . وخرجه حميد بن زنجويه وزاد : \" اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا ، الغدوة والروحة وشيء من الدلجة \" وخرجه ابن مردويه وعنده : قال : \" إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بها العسر \" (9) .\r\r__________\r(1) البزار ( كشف : 1 / 58 - 59 ) .\r(2) الطبراني في \" الكبير ( 11 / 227 ) .\r(3) كتب فوقها في \" ف \" علامة تعليق وقال في الهامش : \" أي لعبوا ورقصوا \" .\r(4) \" المسند \" ( 6 / 116 ، 233 ) .\r(5) \" المسند \" ( 5 / 266 ) وسبق أن تكلمنا على هذا الإسناد ( ص 103) .\r(6) أحال المصنف ( ص 165) تحت شرحه للحديث رقم : ( 43) إلى شرحه على هذا الحديث . وقد تكلم هناك بما يفيد في هذا الباب .\r(7) \" المسند \" ( 5 / 32) .\r(8) \" المسند \" ( 4 / 338 ) .\r(9) أشار لذلك السيوطي في \" الدر المنثور \" ( 1 / 192 ) .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وفي \" المسند \" -أيضا - ، عن بريدة قال : خرجت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فلحقته فإذا بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود فقال لي : \" أتراه يرائي ؟\" قلت : الله ورسوله أعلم قال : فترك يده من يدي ثم جمع بين يديه يصوبهما ويرفعهما ويقول \" عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ، عليكم هديا قاصدا ؛ فإنه من يشاد (1) هذا الدين يغلبه \" (2) .\rوفي \" المسند \" - أيضا - ، عن عاصم بن هلال ، عن غاضرة بن عروة الفقيمي ، عن أبيه : كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج فصلى ، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : علينا حرج في كذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن دين الله في يسر \" - قالها ثلاثا (3) . وفي المعنى أحاديث أخر . وقوله صلى الله عليه وسلم: سددوا وقاربوا وأبشروا \" . التسديد : هو إصابة الغرض المقصود ، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض المرمى إليه ولم يخطه . والمقاربة : أن يقارب الغرض وإن لم يصبه ؛ لكن يكون مجتهدا على الإصابة فيصيب تارة ويقارب تارة أخرى ، أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة كما قال تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن : 16] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم \"(4) .\rوفي \" المسند \" و \" سنن أبي داود \" ، عن الحكم بن حزن الكلفي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر يوم الجمعة : \" أيها الناس لِلَّهِ إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما أمرتكم ؛ ولكن سددوا وأبشروا \" (5) . وقيل : أراد التسديد : العمل بالسداد - وهو القصد والتوسط في العبادة - فلا يقصر فيما أمر به و ولا يتحمل منها مالا يطيقه .\rقال النضر بن شميل : السداد : القصد في الدين والسبيل ، وكذلك المقاربة المراد بهما : التوسط بين التفريط والإفراط ، فهما كلمتان بمعنى واحد .\rوقيل : بل المراد بالتسديد : التوسط في الطاعات بالنسبة إلى الواجبات والمندوبات ، وبالمقاربة : الاقتصار على الواجبات . وقيل فيهما غير ذلك . وقوله \" أبشروا \" يعني : أن من قصد المراد فليبشر . وخرج البخاري في موضع آخر من \" صحيحه \" من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" سددوا وقاربوا وأبشروا \" (6) . وقوله\" واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة \" يعني أن هذه الأوقات الثلاثة أوقات العمل والسير إلى الله ، وهي / أول النهار وآخره ، وآخر الليل . فالغدوة : أول النهار ، والروحة آخره ، والدلجة : سير آخر الليل .\r\r__________\r(1) في \" ف \" : \" يشاذ \" بالذال المعجمة .\r(2) \" المسند \" ( 5 / 350 ، 361 ) .\r(3) \" المسند \" ( 5 / 69 ) .\r(4) متق عليه من حديث أبي هريرة ( فتح : 7288) ، ومسلم ( 1336 ) .\r(5) \" المسند \" ( 4 / 212 ) ، وأبو داود ( 1096 ) .\r(6) فتح : 6467) .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وفي \" سنن أبي داود \" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" إذا سافرتم فعليكم بالدلجة ، فإن الأرض تطوى بالليل \" (1) . فسير آخر الليل محمود في سير الدنيا بالأبدان وفي سير القلوب إلى الله بالأعمال .\rوخرج البخاري ( 201 - أ / ف هذا الحديث في أواخر كتابه ، وزاد فيه : \" والقصد القصد تبلغوا \" (2) ، يعني أن من دام على سيره إلى الله في هذه الأوقات الثلاثة مع الاقتصاد بلغ ، ومن لم يقتصد ؛ بل بالغ واجتهد فربما انقطع في الطريق ولم يبلغ .\rوقد جاء في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا : \" إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ؛ فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى \" (3).\rوالمنبت : هو المنقطع في سفره قبل وصوله ، فلا سفر قطع ولا ظهره الذي يسير عليه أبقى حتى يمكنه السير عليه بعد ذلك ؛ بل هو كالمنقطع في المفاوز ، فهو إلى الهلاك أقرب ، ولو أنه رفق براحلته واقتصد في سيره عليها لقطعت به سفره وبلغ إلى المنزل .\rكما قال الحسن : نفوسكم مطاياكم ؛ فأصلحوا مطاياكم تبلغكم إلى ربكم عز وجل ، والله أعلم\r31- فصل (4)\rخرج البخاري من حديث :\r41- زيد بن أسلم ، عن (5) عطاء بن يسار ، عن أبي(6) سعيد الخدري (7) أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : \" إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها (8) ، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسيئة بمثلها ؛ إلا أن يتجاوز الله عنها \"\rوخرج البخاري - أيضا - من حديث :\r42- همام بن منبه ، عن أبي هريرة عن النبي (9) صلى الله عليه وسلم قال \" إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها \" .\r\r__________\r(1) أبو داود ( 2571 ) .\r(2) فتح : 6463) .\r(3) أخرجه ابن المبارك في \" الزهد \" ( ص : 469 ) ، والبيهقي ( 3 / 19 ) . .\r(4) باب \" حسن إسلام المرء \" . وتأخر عن الترتيب : الباب (30) ، فجاء بعد الباب ( 33) ..\r(5) في \" اليونينية \" : \" أن \" بدلا من : \" عن \" .\r(6) قوله : عن أبي \" جاءت في \" اليونينية \" : \" أخبره أن أبا \" .\r(7) زاد في \" اليونينية \" في هذا الموضع : \" أخبره \" .\r(8) في \" اليونينية \" : \" زلفها \" وأشار القسطلاني إلى أنها في بعض النسخ .\r(9) قوله : \" عن النبي \" جاءت في \" اليونينية \" : قال : قال رسول الله \" .","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"إحسان الإسلام تفسر بمعنيين : أحدهما : بإكمال واجتناب محرماته . ومنه الحديث المشهور المروي في \" السنن\":\" من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (1) فكمال حسن إسلامه - حينئذ - بترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه. ومنه حديث ابن مسعود الذي خرجاه في\" الصحيحين \" أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أنؤاخذ بأعمالنا في الجاهلية ؟ فقال : \" من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\" (2) . فإن المراد بإحسانه في الإسلام : فعل واجباته والانتهاء عن محرماته ، وبالإساءة في الإسلام : ارتكاب بعض محظوراته التي كانت ترتكب في الجاهلية .\rوفي حديث ابن مسعود هذا حديث أبي سعيد - الذي علقه البخاري هنا في أول الباب (3) - دليل على أن الإسلام إنما يكفر ما كان قبله من الكفر ولواحقه التي اجتنبها المسلم بإسلامه ، فأما الذنوب التي فعلها في الجاهلية إذا أصر عليها في الإسلام فإنه يؤاخذ بها ، فإنه إذا أصر عليها في الإسلام لم يكن تائبا منها فلا يكفر عنه بدون التوبة منها .\rو قد ذكر ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا كأبي بكر بن عبد العزيز ابن جعفر وغيره ، وهو قول طوائف من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وهو اختيار الحليمي . ثم وجدته منصوصا عن الإمام أحمد ؛ فنقل الميموني في \" مسائله \" عن أحمد قال : بلغني عن أبي حنيفة أنه كان يقول : لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية ، والنبي النبي صلى الله عليه وسلم يقول في غير حديث : \" إنه يؤاخذ \" ، يعني : حديث شقيق ، عن ابن مسعود : أزاد (4) \" إذا أحسنت في الإسلام \" . انتهى\rوكذلك حكى الجوزجاني عن أهل الرأي أنهم قالوا : إن من أسلم وهو مصر على الكبائر ، كفر ( 201 - ب / ف ) الإسلام كبائره كلها ، ثم أنكر عليهم وجعله من جملة أقوال المرجئة . وخالف في ذلك آخرون ، وقالوا : بل يغفر له في الإسلام كل ما سبق منه في الجاهلية من كفر وذنب وإن أصر عليها في الإسلام . وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم كابن حامد والقاضي وغيرهما واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم \" الإسلام يهدم ما كان قبله \" . خرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص (5) .\rوأجاب الأولون عنه : بأن المراد أنه يهدم ما كان قبله مما ينافيه الإسلام من كفر وشرك ولواحق ذلك مما يكون الإسلام توبة منه وإقلاعا عنه جميعا بينه وبين الحديثين المتقدمين . واستدلوا بقوله تعالى { قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } [ الأنفال : 38 ] .\r\r__________\r(1) الترمذي ( 2317 ) ، وابن ماجه ( 3976 ) ، وراجع \" علل ابن أبي حاتم \" ( 2/ 132) ، \" وعلل الدار قطني ) ( 8 / 25 - 28 ) وقد تكلم المصنف عليه بتوسع في بيان أن الصواب فيه الإرسال ، في كتابه الحفيل \" جامع العلوم والحكم \" ( 1 / 285) - طبعتنا .\r(2) فتح : 6921) ، ومسلم ( 120) .\r(3) قال : قال مالك ، عن زيد .\r(4) في \" ف \" كأنها بالراء المهملة ، ولعل ما أثبتناه أولى .\r(5) مسلم ( 121 ) .","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وأجاب الأولون بأن المراد : يغفر لهم ما سلف مما انتهوا عنه . وتأول بعض أهل القول الثاني حديث ابن مسعود على أن إساءته في الإسلام ارتداده عنه إلى الكفر ، فيؤاخذ بكفره الأول والثاني . ومنهم من حمله على إسلام المنافق . وهذا بعيد جدا . ومتى ارتد عن الإسلام أو كان منافقا فلم يبق معه الإسلام حتى يسيء فيه . والاختلاف في هذه المسألة مبني على أصول :\rأحدها : قول جمهور أهل السنة والجماعة ، والخلاف فيه عن الإمام احمد لا يثبت . وقد تأول ما روي عنه في ذلك المحققون من أصحابه كابن شاقلا والقاضي في كتاب \" المعتمد \" وابن عقيل في \" فصوله \" . وأما المعتزلة : فخالفوا في ذلك ، وقال من قال منهم كالجبائي (1) بناء على هذا : إن الكافر لا يصح إسلامه مع إصراره على كبيرة كان عليها في حال كفره . وهذا قول باطل لم يوافقهم عليه أحد من العلماء .\rالأصل الثاني : أن التوبة هل من شرط صحتها إصلاح العمل بعدها أم لا ؟ وفي ذلك اختلاف بين العلماء ، وقد ذكره ابن حامد من أصحابنا وأشار إلى بناء الخلاف في هذه المسألة على ذلك ، والصحيح عنده وعند كثير من العلماء : أن ذلك ليس بشرط .\rوالأصل الثالث : أن بعض الذنوب قد يعفى عنها بشرط اجتناب غيرها ، فإن لم يحصل الشرط لم يحصل ما علق به . وهذا مأخذ أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا ، وجعل من هذا الباب أن الصغائر إنما تكفر باجتناب الكبائر ، فإن لم يجتنب الكبائر وقعت المؤاخذة بالصغائر والكبائر . وهذا فيه خلاف يذكر في موضع آخر إن شاء الله . وجعل منه أن النظرة الأولى يعفى عنها بشرط عدم المعاودة ، فإن أعاد النظرة أخذ بالأولى والثانية .\rوالأصل الرابع : أن التوبة من الذنب هي الندم عليه بشرط الإقلاع عنه والعزم على عدم العود إليه ،فالكافر إذا أسلم وهو مصر على ذنب آخر صحت توبته مما تاب منه وهو الكفر دون الذنب الذي لم يتب منه ؛ بل هو مصر عليه .\rوخرج النسائي حديث مالك الذي علقه البخاري هنا ، وزاد في أوله : \" كتب الله كل حسنة كان أزلفها \" (2). وهذا يشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام لما قال له : أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية ، هل لي منها من شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أسلمت على ما أسلفت من خير \" خرجه مسلم (3) .\rوكلاهما يدل على أن الكافر إذا عمل حسنة في حال كفره ثم أسلم فإنه يثاب عليها ويكون إسلامه المتأخر كافيا له في حصول الثواب على حسناته السابقة منه قبل إسلامه ( 202- أ / ف ) .\r\r__________\r(1) هو أبو علي بن محمد بن عبد الوهاب البصري ، مات بالبصرة سنة ثلاث وثلاثمائة ، وكان من شيوخ المعتزلة ، ترجم له الذهبي في \" السير \" ( 14 / 183 - 184 ) .\r(2) النسائي في \" المجتبى \" ( 8 / 105 ، 106 ) ، وفي \" الكبرى \" ( 6 / 530) .\r(3) 123) .","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"ورجح هذا القول ابن بطال والقرظي وغيرهما . وهو مقتضى قول من قال : إنه يعاقب بما أصر عليه من سيئاته إذا أسلم - كما سبق وحكى مثله عن إبراهيم الحربي . ويدل عليه - أيضا - : أن عائشة لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان وما كان يصنعه من المعروف هل ينفعه ذلك ؟ فقال : \" إنه لم يقل يوما قط : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين \" (1) . و هذا يدل على أنه لو قال ذلك يوما من الدهر - ولو قبل موته بلحظة لنفعه ذلك . ومما يستدل به - أيضا - : قول النبي صلى الله عليه وسلم في مؤمن أهل الكتاب إذا أسلم : \" إنه يؤتى أجره مرتين(2) ؛ مع أنه لو وافى على عمله بكتابه الأول لكان حابطا ، وهذا هو اللائق بكرم الله وجوده وفضله . وخالف في ذلك طوائف من المتكلمين وغيرهم وقالوا : الأعمال في حال الكفر حابطة لا ثواب لها بكل حال ، وتأولوا هذه النصوص الصحيحة بتأويلات مستكرهة مستبعدة ، ولذلك (3) من كان له عمل صالح فعمل سيئة أحبطته ثم تاب ؛ فإنه يعود إليه ثواب ما حبط من عمله بالسيئات .\rوقد ورد في هذا آثار عن السلف ، قال ابن مسعود : عبد الله رجل سبعين سنة ثم أصاب فاحشة فأحبط الله عمله ، ثم أصابته زمانه وأقعد فرأى رجلا يتصدق على مساكين فجاء إليه فأخذ منه رغيفا فتصدق به على مسكين فغفر الله له ورد عليه عمل سبعين سنة . خرجه ابن المبارك في كتاب : البر والصلة \"\rبل عود العمل هاهنا بالتوبة أولى ؛ لأن العمل الأول كان مقبولا ، وإنما طرأ عليه ما يحبطه بخلاف عمل الكافر قبل إسلامه . ومن كان مسلما وعمل صالحا في إسلامه ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام ، ففي حبوط عمله الأول بالردة خلاف مشهور ، ولا يبعد أن يقال : إنه إليه بإسلامه الثاني على تقدير حبوطه ، والله أعلم .\rوقد وردت نصوص أخر تدل على أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه فإنه تبدل سيئاته في حال كفره حسنات ، وهذا أبلغ مما قبله ، ويدل على أن التائب من ذنب تبدل سيئاته قبل التوبة بالتوبة حسنات كما دلت عليه الآية في سورة الفرقان ، وفي ذلك كلام يطول ذكره هاهنا .\r\r__________\r(1) ´المسند \" ( 6 / 120 ) .\r(2) فتح : 97 ) ومسلم ( 154 ) ، من حديث أبو موسى .\r(3) كذا في \" ف \" ، ولعل الصواب : \" وكذلك \" .","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"ولا يستبعد إثابة المسلم في الآخرة بما عمل قبل إسلامه من الحسنات ؛ فإنه لابد أن يثاب عليها في الدنيا . وفي إثابته عليها في الآخرة بتحقيق العذاب نزاع مشهور . فإذا لم يكن بد من إثابته فلا يستنكر أن يثاب عليها بعد إسلامه في الآخرة ؛ لأن المانع من إثابته عليها في الآخرة هو الكفر ، وقد زال . وقد يستدل (1) لهذا - أيضا - بقول الله عز وجل في قصة أسارى بدر { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى (2) إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } [ الأنفال : 70] وقد كان العباس بن عبد المطلب - وهو من جملة هؤلاء الأسارى - يقول : أما أنا فقد آتاني الله خيرا مما أخذ مني ووعدني المغفرة (3) . فهذه الآية تدل على أن الكافر إذا أصيب بمصيبة في حال كفره ثم أسلم فإنه يثاب على مصيبته ، فلأن يثاب على ما سلف منه من أعماله الصالحة أولى ؛ فإن المصائب يثاب على الصبر عليها والرضى بها ، وأما نفس المصيبة ( 202 - ب / ف ) فقد قيل : إنه يثاب عليها ، وقيل : إنه لا يثاب عليها ؛ وإنما يكفر عنه ذنوبه . وهذا هو المنقول عن كثير من الصحابة .\rوالمعنى الثاني - مما يفسر به إحسان الإسلام - : أن تقع طاعات المسلم على أكمل وجوهها وأتمها بحيث يستحضر العامل في حال عمله قرب الله منه واطلاعه عليه فيعمل له على المراقبة والمشاهدة لربه بقلبه . وهذا هو الذي فسر النبي صلى الله عليه وسلم به الإحسان في حديث سؤال جبريل عليه السلام .\rوقد دل حديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة المذكوران على أن مضاعفة الحسنات للمسلم بحسب حسن إسلامه.\rوخرج ابن أبي حاتم(4) من رواية عطية العوفي ، عن ابن عمر قال : نزلت { مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } [ الأنعام : 160 ] في الأعراب فقال رجل : يا أبا عبد الرحمن لِلَّهِ فما للمهاجرين ؟ قال : ما هو أكثر ثم تلا قوله { وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } [ النساء : 40 ] . ويشهد لهذا المعنى : ما ذكره الله عز وجل في حق أزواج نبيه فقال { يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة } إلى قوله { وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ } [ الأحزاب: 30 - 32] فدل على أن من عظمت منزلته ودرجته عند الله فإن عمله يضاعف له أجره .\r\r__________\r(1) في \" ف\" بالمثناه الفوقية والموافق للسياق ما أثبتناه .\r(2) وهي قراءة أبي عمرو ، وانفرد بها دون السبعة . قال أبو عطية في \" تفسيره \" ( 8 / 117 ) .\r(3) أخرج هذا الأثر : ابن جرير في \" تفسيره \" ( 10 / 35 )\r(4) راجع \" الدر المنثور \" فقد عزاه إليه ( 3 / 64 ) .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"وقد تأول بعض السلف من بني هاشم دخول آل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى لدخول أزواجه ؛ فلذلك (1) من حسن إسلامه بتحقيق إيمانه وعمله الصالح فإنه يضاعف له أجر عمله بحسب حسن إسلامه وتحقيق إيمانه وتقواه والله أعلم .\rويشهد لذلك : أن الله ضاعف لهذه الأمة لكونها خير أمة أخرجت للناس أجرها مرتين ، قال الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } [ الحديد : 28 ] .\rوفي الحديث الصحيح : \" إن أهل التوراة عملوا إلى نصف النهار على قيراط قيراط ، وعمل أهل الإنجيل إلى العصر على قيراط قيراط ، وعملتم أنتم من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا ؟ لِلَّهِ فقال الله : هل ظلمتكم من أجوركم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء (2) .\rوأما من أحسن عمله وأتقنه وعمله على الحضور والمراقبة ، فلا ريب أنه يتضاعف بذلك أجره وثوابه في هذا العمل بخصوصه على من عمل ذلك العمل بعينه على وجه السهو والغفلة . ولهذا روي في حديث عمار المرفوع : \" إن الرجل ينصرف من صلاته وما كتب له إلا نصفها ، إلا ثلثها ، إلا ربعها ، حتى بلغ العشر (3) ؛ فليس ثواب من كتب له عشر عمله كثواب من كتب له نصف ولا ثواب من كتب له نصف عمله كثواب من كتب له عمله كله، والله أعلم\r32- فصل (4)\rخرج البخاري ومسلم (5) من حديث :\r43- عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة فقال : \" من هذه \" فقالت (6) : فلانة - تذكر من صلاتها - فقال(7) : \" مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا \" . وكان أحب الدين إليه : مادام عليه صاحبه .\r\r__________\r(1) كذا في \" ف \" ، ولعل الصواب : \" وكذلك \" .\r(2) فتح : 557 ) .\r(3) أخرجه أحمد في \" مسنده \" ( 4 / 321) ، وأبو داود ( 796 ) ، وغيرهما ؛ وهذا الحديث اختلف فيه اختلافا كثيرا على عمار ، انظره في ترجمة عمار من \" التاريخ الكبير \" ( 7 / 25- 26 ) ، والبزار في \" مسنده \" ( 4 / 251- 252 ) ، والبيهقي ( 2 / 281 ) ، وذكر ابن المديني طرفا من هذا الخلاف - نقله عن المزي في \" تهذيبه \" ( 15 / 393 ) ، ويروي عن أبي هريرة وهو أحد أوجه الخلاف فيه .\r(4) هو باب \" أحب الدين على الله أدومه \" .\r(5) 785 / 221 ) .\r(6) في \" اليونينية \" : قالت \" وكذا في \" إرشاد الساري \" ولم يحك غيرها القسطلاني .\r(7) في \" اليونينية \" : \" قال \" ولم ينبه القسطلاني على غيرها .","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها : الحولاء بنت تويت (1) ( 203 - أ / ف ) وأن عائشة قالت عنها : زعموا أنها لا تنام الليل \" (2) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم \" مه \" زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل وأمر لها بالكف عما قالته في حقها ؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها ؛ حيث كانت المرأة حاضرة ، ويحتمل - وهو الأظهر وعليه يدل سياق الحديث - أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ينهى عن ذكره على وجه التمدح به والثناء به على فاعله ، وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم : \" الدين يسر \" (3) .\rفإن المراد بهذا الحديث : الاقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه ، وأن أحب العمل إلى الله مادام صاحبه عليه وإن قل . وقد روي ذلك في حديث آخر . وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كان عمله ديمة ، وكان إذا عمل عملا أثبته . وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه ، كما قال لعبد الله بن عمرو \" لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل \" (4) . وقوله \" إن الله لا يمل حتى تملوا \" (5) . وفي رواية : \" لا يسأم حتى تسأموا \" (6) . الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه ، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل ؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله ، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم .\rكما قال الحسن : إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء فتقول له الملائكة : ما شأنك يا فلان ؟ فيقول : إن صاحبي فتر ، قال الحسن : أمدوهم - رحمكم الله - بالنفقة . وأيضا - فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه ؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته ، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه .\r\r__________\r(1) وضبط \" تويت \" بمثناتين فوق أوله وآخره ، الأولى مضمومة ، وهي الحولاء بنت تويت بن حبيب ، صحابية ، راجع \" الإكمال \" ( 1 / 375 ) ، و \" توضيح المشتبه \" ، ( 1 / 673 ) .\r(2) مسلم ( 785 / 220 ) .\r(3) سبق ( ص 149 ) تحت حديث ( 39 ) .\r(4) مسلم ( 1159 / 185 ) .\r(5) مسلم ( 785/ 221 ) .\r(6) مسلم ( 785 / 220 ) .","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وقد صح هذا المعنى في الدعاء وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي ، فيدع الدعاء ، فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب وإن قطعه واستحسر منع إجابته وسمي هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته ، كما قال تعالى { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له . هذا أظهر ماقيل في هذا . ويشهد له : أنه قد روي من حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل \" . خرجه بقي بن مخلد ؛ وفي إسناده : موسى بن عبيدة . وقد قيل : إن \" حتى \" هاهنا بمعنى واو العطف ؛ ولكن لا يصح دعوى كون \" حتى \" عاطفة ؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل ، هذا هو المعروف عند النحويين ، وخالف فيه بعضهم . وقيل : إن \" حتى \" فيه بمعنى \" حين \" ، وهذا غير معروف . وزعم ابن قتيبة أن المعنى : \" لا يمل إذا مللتم \" ، وزعم أن هذا الاستعمال معروف في كلام العرب ، وقد يقال : إن \" حتى \" بمعنى لام التعليل ، وأن المراد أن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل . وفيه بعد - أيضا . ولو كان كذلك لقال : حتى لا تملوا ، ويكون التعليل - حينئذ - بإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء ، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا ( 203 - ب / ف ) لمدوامتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم .\rو قد يقال : إنما يدل هذا الكلام عل نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية . و من يقول : إنه لا مفهوم لها فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية . ومن يقول ذلك بالمفهوم فإنه يقول : متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام . وقد دلت الأدلة عل انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى ، ومن جملة ذلك : لحوق السآمة والملل له .\rولكن بعض (1) أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق ؛ بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما يعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره . فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .\rفصل (2)\rقال البخاري :\r33- باب\rزيادة الإيمان ونقصانه . وقول الله تعالى { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } [ الكهف : 13] ، { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } [ المدثر : 31 ] وقال { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص .\rاستدل البخاري على زيادة الإيمان ونقصانه بقول الله عز وجل { وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } وفي زيادة الهدى إيمان آخر كقوله تعالى { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } [ مريم : 76] ، ويفسر هذا الهدى بما في القلوب من الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك .\r\r__________\r(1) اشتبهت في \" ف \" بـ \" نقض \" .\r(2) جمع هنا بين كلمة \" فصل \" و \" باب \" وذكر ترجمة الباب كاملة وقد نبهنا على ذلك في أوائل \" كتاب الإيمان \" .","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"ويفسر بزيادة ما يترتب على ذلك من الأعمال الصالحة ، إما القائمة بالقلوب كالخشية لله ومحبته ورجائه والرضا بقضائه والتوكل عليه ونحو ذلك ، أو المفعولة بالجوارح كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك ، وكل ذلك داخل في مسمى الإيمان عند السلف وأهل الحديث ومن وافقهم - كما سبق ذكره .\rواستدل - أيضا - بقوله تعالى { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } [ المدثر : 31 ] وفي معنى هذه الآية قوله تعالى { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } [ الأنفال : 2 ] وقوله { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } [ التوبة : 124] . ويفسر الإيمان في هذه الآيات بمثل ما فسر به الهدى في الآيات المتقدمة . واستدل - أيضا - بقول الله عز وجل { { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] فدل على أن الدين ذو أجزاء يكمل بكمالها وينقص بفوات بعضها ، وهذه الآية نزلت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وقد قيل : إنه لم ينزل بعدها حلال ولا حرام - كما قال السدي (1) وغيره\rوكذا قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : بعث الله نبيه بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا بها زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد ، ثم أكمل الله لهم دينهم فقال { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } (2) [ المائدة : 3 ] .\rومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يحجوا حجة الفرض إلا ذلك العام ، فلما حجوا حجة الإسلام كمل لهم الدين بتكميلهم أركان الإسلام - حينئذ - ولم يكن الدين قبل ذلك ناقصا كنقص من ترك شيئا من واجبات دينه ؛ بل كان الدين في كل زمان كاملا بالنسبة إلى ذلك الزمان بما فيه من الشرائع والأحكام ما لم يكن قبل ذلك ، كما يقال : إن شريعة الإسلام أكمل من شريعة موسى وعيسى ، وإن القرآن أكمل من التوراة ( 204 - أ / ف ) والإنجيل ، وهذا كما سمى النبي صلى الله عليه وسلم النساء ناقصات دين وفسر نقصان دينهن بترك الصلاة والصيام في زمن حيضهن مع أنها قائمة في تلك الحال بما وجب عليها من غير الصلاة ؛ ولكن نقصان دينها بالنسبة إلى من هي طاهرة تصلي وتصوم . وهذا مبني على أن الدين هو الإسلام بكماله - كما تقدم ذكره - والبخاري عنده أن الإسلام والإيمان واحد - كما تقدم ذكره .\r\r__________\r(1) ذكره ابن جرير في \" تفسيره \" ( 6 / 51 ) .\r(2) راجع \" صحيفته \" عن ابن عباس ( ص : 170 ) ، والطبري في \" تفسيره \" ( 6 / 52 ) ، ورواية علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس متكلم فيها ؛ فإنه لم يسمع عن ابن عباس ، قاله أبو حاتم .","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"وقد احتج سفيان بن عيينة وأبو عبيد وغيرهما بهذه الآية على تفاضل الإيمان (1) ، قال أبو عبيد : قد أخبر الله أنه أكمل الدين في حجة الوداع في آخر الإسلام ، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة في أول نزول الوحي ، قال : وقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال : الإيمان ليس هو مجموع الدين ؛ ولكن الدين ثلاثة أجزاء ، فالإيمان جزء ، والفرائض جزء ، والنوافل جزء . قال أبو عبيد : وهذا غير ما نطق به الكتاب ؛ فإن الله أخبر أن الإسلام هو الدين برمته ، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين . انتهى .\rفالمرجئة عندنهم : الإيمان : التصديق ، ولا يدخل فيه الأعمال ، وأما الدين : فأكثرهم أدخل الأعمال في مسماه، وبعضهم خالف في ذلك - أيضا - ، والآية نص في رد ذلك ، والله أعلم .\rثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين : أحدهما : حديث :\r44- هشام الدستوائي : ثنا قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي فلبه (2) وزن برة من خير ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير \".\rخرجه عن مسلم بن إبراهيم ، عن هشام به ، ثم قال : قال أبان : ثنا قتادة : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم \" من إيمان \" مكان \" خير \" (3) ففي هذه الرواية التي ذكرها تعليقا صريحا بتفاوت الإيمان الذي في القلوب - وأيضا - فيها التصريح بسماع قتادة له من أنس ، فزال ما كان يتوهم من تدليس قتادة . وقد خرج البخاري هذه اللفظة في حديث أنس في أواخر كتابه مسنده من رواية معبد بن هلال العنزي ، عن أنس (4) . وخرج حديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى - فبما تقدم من كتابه (5) - باختلاف لفظ الخير والإيمان كاختلاف حديث أنس .\rوالحديث نص في تفاوت الإيمان الذي في القلوب ، وقد سبق القول في تفاوت المعرفة وتفاضلها - فيما تقدم (6).\rالحديث الثاني الذي خرجه في هذا الباب : حديث :\r\r__________\r(1) راجع \" مراسيل \" ابنه ( ص 140) ، ورواية معاوية بن صالح عنه لا يعتمد عليها . راجع \" الصحيفة \" ( ص : 44 ) .\r(2) حدث هنا سقط في متن الحديث وهو في \" اليونينية \" : \" وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه \" .\r(3) في \" اليونينية \" : \" من خير \" ووضع فوق قوله \" من \" رمز ( ص ) وهو للأصيلي ، وكذا نبه القسطلاني وقال : وللأصيلي : \" من خير \" ..\r(4) فتح : ( 751 ) .\r(5) حديث ( 22 ) .\r(6) ص 10 - 11 ) عند شرحه لترجمة الباب لأول من \" كتاب الإيمان \" عند شرحه لقول البخاري : ويزيد وينقص \" .","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"45- طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين لِلَّهِ آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية ؟ قال : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [ المائدة : 3 ] ، فقال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة يوم الجمعة .\rوقد خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (1) من وجه آخر عن عمر ، وزاد فيه أنه قال : وكلاهما بحمد الله لنا عيد .\rوخرج الترمذي ، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي فقال : لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا ، فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين : يوم جمعة ويوم عرفة (2) . ( 204 - ب / ف )\rفهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا ؛ إنما تكون بالشرع والاتباع ، فهذه الآية لما تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين :\rأحدهما : أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة .\rوالثاني : أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم ، وقد قيل : أنه يوم الحج الأكبر .\rوقد جاء تسمية عيدا من حديث مرفوع خرجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب \" (3) .\rوقد أشكل وجهه على كثير من العلماء ؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام ، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين ، وحمله بعضهم على أهل الموقف وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر ، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها ؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم . هذا قول جمهور العلماء .\rوقال عطاء : إنما هي أعياد لأهل الموسم ، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها . وقول الجمهور أصح . ولكن الأيام التي يحدث فيها حوادث من نعم الله على عباده لو صامها بعض الناس شكرا من غير اتخاذها عيدا كان حسنا استدلالا بصيام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء لما أخبره اليهود بصيام موسى له شكرا ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن صيام يوم الاثنين ، قال : \" ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه \" (4) .\r\r__________\r(1) 6 / 53 - 54 ) .\r(2) الترمذي ( 3044 ) .\r(3) أخرجه أبو داود ( 2419 ) ، والنسائي في \" المجتبى \" ( 5 / 252 ) ، والترمذي ( 773 ) .\r(4) مسلم ( 1162 / 198 ) ، وأشار البخاري في \" التاريخ \" ( 5 / 198 ) إلى انقطاعه .","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"فأما الأعياد التي يجتمع عليه الناس فلا يتجاوز بها شرعه الله لرسوله وشرعه الرسول لأمته . والأعياد : هي مواسم الفرح والسرور ؛ وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته ، كما قال تعالى { قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } [ يونس : 58 ] فشرع لهم عيدين في سنة وعيدا في كل أسبوع ، فأما عيدا السنة :\rفأحدهما : تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام ، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار ، فشرع لهم عيدا بعد إكمال صيامهم وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد (1) شكرا لذلك .\rوالعيد الثاني : أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار ، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه ، فجعل الله عقب ذلك عيدا ؛ بل هو العيد الأكبر ، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ويقضوا فيه تفثهم ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت العتيق ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد ؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة ، لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام ، بخلاف الصيام ويكون شكر (2) عند أهل الأمصار : الصلاة والنحر ، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر ؛ ولهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر كما شرع ذلك لإبراهيم خليله عليه السلام عند أمره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم .\r\r__________\r(1) تشتبه في \" ف \" بـ \" العبد \" والصواب ما أثبتناه .\r(2) كذا في \" ف \" ، ولعل الصواب : \" شكره \" .","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"وأما ( 205 0 أ / ف ) عيد الأسبوع : فهو يوم الجمعة ، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة ؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات ، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها - وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق وفيه خلق آدم وأدخل الجنة - عيدا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة ، وشرع لهم الخطبة تذكيرا بنعم الله عليهم وحثا لهم على شكرها ، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام . وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر . خرجه الإمام أحمد في \" مسنده \" (1) ، وقال مجاهد وغيره . وروي أنه حج المساكين (2) ، وروي عن علي أنه يوم نسك المسلمين . وقال ابن المسيب : الجمعة أحب إلي من حج التطوع . وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي ؛ فالمبكر في أول ساعة كالمهدي بدنة ، ثم كالمهدي بقرة ، ثم كالمهدي كبشا ، ثم كالمهدي دجاجة . ثم كالمهدي بيضة . ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة . وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيهما وأنه يتجلى فيهم لأهل الجنة عموما يشارك الرجال فيها النساء . فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا والآخرة عموما .\rوأما خواص المؤمنين : فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين . وروي عن الحرم (3) : كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد . ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيا . وقد خرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا (4) .\rولهذا المعنى - والله أعلم - لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤية في حديث جرير ابن عبد الله البجلي (5) أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ؛ فإن هذين الوقتين وقت رؤية خواص أهل الجنة ربهم ، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتها وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما .\rفتبين بهذا : أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام ؛ فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج ؛ فأما الزكاة : فليس لها زمان معين تكمل فيه ، وأما الشهادتان : فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما ، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما . وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت ؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد ، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة ، والله أعلم .\r30 - فصل (6)\rخرج البخاري ومسلم (7) من حديث :\r\r__________\r(1) 3 / 430 ) عن أبي لبابة .\r(2) انظر \" الضعيفة \" للألباني ( 191 ) .\r(3) كذا .\r(4) الترمذي ( 3330 ) ، واستغرب رفعه ، وانظر \" علل الدار قطني \" ( 4 / ق 63 - أ ، ب ) .\r(5) البخاري ( فتح : 554 ) ، ومسلم ( 633 / 211 ) .\r(6) باب \" الصلاة من الإيمان \" ، كما سينبه المصنف - رحمه الله - بعد الحديث وقد ذكر المصنف هذا الباب متأخرا عن مكانه بعد باب ( 33 ) .\r(7) 525 ) .","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"40- أبي إسحاق ، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : أخواله - من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه (1) أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود (2) أعجبهم إذ كان يصلي ( 205 - ب / ف ) قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولى وجهته قبل البيت أنكروا ذلك . قال زهير : ثنا أبو إسحاق ، عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم } [ البقرة : 143] ْ قال البخاري : يعني صلاتكم (3) .\rوبوب على هذا الحديث : باب \" الصلاة من الإيمان \" (4) . والأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم نسب ؛ فإنهم أجداده وأخواله من جهة جد أبيه هاشم بن عبد مناف ؛ فإنه تزوج بالمدينة امرأة من بني عدي بن النجار يقال لها سلمى ، فولدت له ابنه عبد المطلب وفي رأسه شيبة فسمي شيبة ، وذكر ابن قتيبة أن اسمه عامر .\rوالصحيح أن اسمه شيبة ؛ وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب بن عبد مناف قدم به من المدينة على مكة فقالت قريش : هذا عبد المطلب . فقال : ويحكم ؛ إنما هو ابن أخي شيبة بن عمرو ، وهاشم اسمه عمرو . ففي حديث البراء هذا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : أخواله - من الأنصار ، وظاهره يدل على أنه نزل على بني النجار ؛ لأنهم هم أخواله وأجداده ؛ وإنما أراد البراء جنس الأنصار دون خصوص بني النجار . وقد خرج البخاري في كتاب \"الصلاة \" (5) و\" أبواب الهجرة \" (6) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى ملإ بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم ، قال : وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وذكر الحديث .\r\r__________\r(1) زاد في \" اليونينية \" كلمة : \" صلى \" ولم ينبه القسطلاني ، ولا الحافظ ، ولا العيني على سقوطها من إحدى النسخ .\r(2) زاد في \" اليونينية \" كلمة \" قد \" وهي كالتي قبلها .\r(3) قول البخاري يعد الحديث حقه أن يكون قبل الحديث مع الترجمة كما في \" اليونينية \" وغيرها ، وصنع مثله في الحديث رقم ( 29 ) .\r(4) وسيأتي ( 3 / 88 ) الإحالة إلى هذا الباب تحت حديث ( 399 ) في كتاب الصلاة .\r(5) برقم : ( 428 ) .\r(6) فتح : 3932 ) .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"وخرج - أيضا - معنى ذلك من حديث الزهري ، عن عروة بن الزبير . وأما ما ذكر البراء في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة قبل بيت المقدس ست عشر أو سبعة عشر شهرا (1) : فهذا شك منه في مقدار المدة . وروي عن ابن عباس أن مدة صلاته بالمدينة غلي بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا . خرجه أبو داود (2) . وخرج - أيضا - من حديث معاذ أن مدة ذلك كان ثلاثة عشر شهرا (3) .\r\r__________\r(1) في \" ف \" : \" شهر \" وما أثبتناه هو الصواب .\r(2) لم نجده في المطبوع من \" سنن أبي داود \" بعد بحث في مظانه وذكره الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" ( 2 / 13 ) ، وعزاه غير واحد - كابن كثير ، والحافظ وغيرهما - للإمام أحمد قي \" المسند \" ( 1 / 325 ) وهو في \" صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس \" ( ص : 89- 90 ) .\r(3) أبو داود ( 507 ) .","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"وروي كثير بن عبد الله المزني - وهو ضعيف - ، عن أبيه ، عن جده عمرو بن عوف قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سبعة شهرا (1) . وقال سعيد بن المسيب : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة عشر شهرا ، ثم حولت القبلة بعد ذلك قبل المسجد الحرام قبل بدر بشهرين . ورواه بعضهم عن سعيد ، عن سعد بن أبي وقاص . والحفاظ يرون أنه لا يصح ذكر سعد بن أبي وقاص فيه (2) . وقيل عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث : ستة عشر شهرا (3) . وكذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة ابن زيد وغيرهم أن مدة صلاته إلى بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا. وقال الواقدي : الثبت عندنا أن القبلة حولت إلى الكعبة يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشرة شهرا (4) . وعن السدي : أن ذلك كان على رأس ثمانية عشر شهرا (5) . و قيل : كان بعد خمسة عشر شهرا ونصف . ولا خلاف أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة ؛ لكن اختلفوا ( 206 - أ / ف ) في أي شهر كان ؟ فقيل : في رجب - كما تقدم . وحكي ذلك عن الجمهور (6) ، منهم ابن إسحاق (7) . وقيل في يوم الثلاثاء نصف شعبان . وحكي عن قتادة ، واختاره محمد بن حبيب الهاشمي وغيره وقيل : بل كان في جمادي الأول (8) . وحكي عن إبراهيم الحربي ، ورواه الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك . وقوله \" وكان يعجبه \" يعني : النبي صلى الله عليه وسلم - \" أن تكون قبلته قبل البيت \" - يعني الكعبة - هذا يشهد له قول الله تعالى { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [ البقرة : 144] .\rو روى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة - وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء فأنزل الله { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء } الآية(9) [ البقرة : 144 ]\r\r__________\r(1) أخرجه ابن سعد في \" الطبقات \" ( 1 / 242 ) والبزار \" كشف \" ( 1 / 210) ، والطبراني في \" الكبير\" ( 17 / 12 ) .\r(2) راجع \" علل الدار قطني \" ( 4 / 365 ) .\r(3) راجع \" تفسير الطبري \" ( 2 / 13 ) .\r(4) راجع \" تاريخ الطبري \" ( 2 / 416 ) .\r(5) راجع \" سيرة ابن هشام \" ( 2 / 243 ) .\r(6) \" الطبقات الكبرى \" لابن سعد ( 1 / 242 ).\r(7) راجع \" سيرة ابن هشام \" ( 2 / 243 ) .\r(8) راجع \" المنتظم \" لابن الجوزي ( 3 / 93 ) .\r(9) راجع \" صحيفة علي بن أبي طلحة \" عنه ( ص : 90 ) ، وقد سبق ( ص 169 ) الكلام عليها وأنها متكلم فيها .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"قال مجاهد : إنما كان يجب أن يحول إلى الكعبة ؛ لأن يهود قالوا : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا (1) ؟ لِلَّهِ . وقال ابن زيد : لما نزلت { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } [ البقرة : 115 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله - لبيت المقدس - لو أنا استقبلناه \" فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا ، فبلغه أن اليهود تقول : والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورفع وجهه إلى السماء ، فنزلت هذه الآية { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء } (2) . ويشهد لهذا : ما في حديث البراء : \" وكانت اليهود قد أعجبتهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب - يعني من غير اليهود، وهم النصارى - فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك \" .\rوقد اختلف الناس هل كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل هجرته يصلي إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة ؟ . فروى عن ابن عباس : إنه كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه . خرجه الإمام أحمد (3) . وقال ابن جريج : صلى أول ما صلى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة ، فصلت الأنصار قبل قدومه صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ثلاث حجج وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا ، ثم وجهه الله إلى البيت الحرام . وقال قتادة : صلت الأنصار قبل قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة نحو بيت المقدس حولين . واستدل من قال : إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا فدل على أنه لم يصل إليه غير هذه المدة (4) . لكن يقال : إنه إنما أراد بعد الهجرة . ويدل عليه - أيضا - : أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم أول ما فرضت الصلاة عند باب البيت ، والمصلي عند باب البيت لا يستقبل بيت المقدس إلا أن ينحرف عن الكعبة بالكلية ويجعلها عن شماله . ولم ينقل هذا أحد [ ..... ](5) . وهؤلاء منهم من قال : ذلك كان باجتهاد منه لا بوحي - كما تقدم عن ابن زيد . وكذا قال أبو العالية : إنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب . وفي \" صحيح الحاكم \" (6) عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } [ البقرة : 115 ] فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 206 - ب /ف ) فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق فقال الله تعالى { سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا } [ البقرة : 142 ] يعنون : بيت المقدس ، فنسخها الله وصرفه إلى البيت العتيق .\r\r__________\r(1) أخرجها ابن جرير في \" تفسيره \" ، ( 2 / 13 ) .\r(2) أخرجها ابن جرير في \" تفسيره \" ، ( 2 / 13 ) .\r(3) في \" مسنده \" ، ( 1 / 325 ) .\r(4) الكلام هكذا لا يستقيم ولعل هناك سقطا ، ولم نستطع تقديره .\r(5) بياض بقدر كلمتين .\r(6) 2 / 267 - 268 ) .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"وقال : صحيح على شرطهما . وليس كما قال ؛ فإن عطاء هذا هو الخراساني ، ولم يلق ابن عباس ؛ كذا وقع مصرحا بنسبته في كتاب \" الناسخ والمنسوخ \" لأبي عبيد ، ولابن أبي داود وغيرهما . وقول البراء \" وكان أول صلاة صلاها العصر \" يعني إلي الكعبة بعد الهجرة . وقد روي عن عمارة بن أوس - وكان قد صلى القبلتين - قال : كنا في إحدى صلاتي العشي ونحن نصلي على بيت المقدس وقد قضينا بعض الصلاة إذ نادى مناد بالباب : إن القبلة قد حولت ، فأشهد على إمامنا أنه تحرف . خرجه الأثرم وغيره (1) .\rوخرج الأثرم وابن أبي حاتم من حديث تويلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثه فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو البيت الحرام(2) .\rوقد روي أن هذه الصلاة كانت صلاة الفجر ؛ ففي \" الصحيحين \" عن ابن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم على الشام فاستداروا إلى الكعبة (3) .\rوخرج مسلم معناه من حديث أنس - أيضا (4) . وقد قيل في الجمع بين هذه الأحاديث : إن التحويل كان في صلاة العصر ولم يبلغ أهل قباء إلا في صلاة الصبح . وفيه نظر . وقيل : إن تلك الصلاة كانت الظهر . وقد خرجه النسائي في \" تفسيره \" من حديث أبي سعيد بن المعلى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (5) . وروي عن مجاهد . وحديث البراء يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العصر كلها إلى الكعبة وأن الذين صلوا إلى بيت المقدس ثم استداروا إلى الكعبة هم قوم كانوا في مسجد لهم وراء إمام لهم .\r\r__________\r(1) راجع \" الإصابة \" ( 4 / 577 ) .\r(2) أخرج هذا الحديث الطبراني في \" الكبير \" ( 24 / 207 ) مع اختلاف في اللفظ . راجع \" الإصابة \" ( 7 / 546 )\r(3) فتح : 403 ) ، ومسلم ( 526 ) .\r(4) مسلم ( 527 ) .\r(5) النسائي في \" الكبرى \" ( 6 / 291 ) .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"وفي حديث ابن عمر : أنهم أهل مسجد قباء ، وفي حديث تويلة : مسجد بني حارثة . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن صلى معه هم الذين استداروا في صلاتهم وأن الكعبة حولت في أثناء صلاتهم . وقد روي نحوه عن مجاهد وغيره . وقد ذكر ابن سعد في كتابه قال : يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام واستدار إليه ودار معه المسلمون (1) . ويقال : بل زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت لهم طعاما وكانت الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعتين ، ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب ، فسمي المسجد القبلتين (2) .\rوحكي عن الواقدي أنه قال : هذا الثبت عندنا . وروى أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين ، عن زياد بن علاقة ، عن عمارة بن رويبة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي حين صرفت القبلة فدار النبي صلى الله عليه وسلم ودرنا معه في ركعتين . خرجه ابن أبي داود . وأبو مالك : ضعيف جدا . والصواب : رواية قيس بن الربيع ، عن زياد بن ( 207 - أ / ف ) علاقة عن عمارة بن أوس ، وقد سبق لفظه (3).\rوروى عثمان بن سعد قال : ثنا أنس بن مالك قال : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس وهو يصلي الظهر وانصرف بوجهه إلى القبلة . خرجه البزار(4) . وغيره . وعثمان هذا متكلم فيه (5) . وخرج الطبراني من رواية عمارة بن زاذان ، عن ثابت ، عن أنس . قال : صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة وهم في الصلاة فانحرفوا في ركوعهم (6) .\rوعمارة ليس بالقوي (7) . وخالف حماد بن سلمة ؛ فروى عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء } الآية [ البقرة : 144 ] فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر فنادى : ألا إن القبلة قد حولت ، فمالوا - كما هم - نحو القبلة . خرجه مسلم (8) وهذا هو الصحيح .\rفإن كان التحويل قد وقع في أثناء الصلاة وقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم على ما مضى من صلاته إلى بيت المقدس استدل بذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي(9) في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه وبنى على ما مضى من صلاته . فيدخل في ذلك الأمة إذا عتقت في صلاتها وهي مكشوفة الرأس والسترة قريبة ، والمتيمم إذا وجد الماء في صلاته قريبا وقدر على الطهارة به ،والمرض إذا صلى بعض صلاته قاعدا ثم قدر على القيام .\r\r__________\r(1) \" الطبقات الكبرى \" لابن سعد ( 1 / 241-242) .\r(2) ابن سعد ( 1/ 242 )\r(3) ص 185 )\r(4) كشف ( 1 / 212 ).\r(5) راجع \" الجرح \" ( 6 / 153 )\r(6) الطبراني في \" الصغير \" ( 398 ) .\r(7) رجع \" الجرح \" ( 6 / 365 - 366 ) ، والكامل \" ( 5/ 80 ) .\r(8) 527 ) .\r(9) في \" ف \" : \" للمصلي \" وما أثبتناه موافق للسياق .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وإن كان التحويل وقع قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ؛ ولكن لم يبلغ غيرهم إلا في أثناء صلاتهم فبنوا ، استدل به على أن من دخل في صلاته باجتهاد سائغ إلى جهة ثم تبين له الخطأ في أثناء الصلاة أنه ينتقل ويبني . ويستدل به على أن حكم الخطاب لا يتعلق بالمكلف قبل بلوغه إياه ، ويستدل به - على التقديرين - على قبول خبر الواحد الثقة في أمور الديانات مع إمكان السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم بغير واسطة ، فمع تعذر ذلك أولى وأحرى . وما يقال من أن هذا يلزم منه نسخ المتواتر - وهو الصلاة إلى بيت المقدس - بخبر الواحد ، فالتحقيق في جوابه : أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن ؛ فنداء صحابي في الطرق والأسواق بحيث يسمعه المسلمون كلهم بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها موجود لا يتداخل من سمعه شك فيه أنه صادق فيما يقوله وينادي به ، والله أعلم .\rوقول البراء : أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم يدر ما يقول فيهم فأنزل لله { وما كان الله ليضيع إيمانكم } [ البقرة : 143] : فهذا خرجه مسلم من طريق إسرائيل (1) ، عن أبي إسحاق ، عن البراء - أيضا.\rورواه شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء موقوفا في قوله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم إلى بيت المقدس (2) .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث سماك عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم على الكعبة قالوا : يا رسول الله لِلَّهِ كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون على بيت المقدس ؟ فأنزل الله عز وجل { وما كان الله ليضيع إيمانكم } الآية (3) . قال عبيد الله بن موسى : هذا الحديث يخبرك أن الصلاة من الإيمان . وهذا هو الذي بوب عليه البخاري في هذا الموضع ؛ ولأجله ساق حديث البراء فيه . وكذلك استدل ابن عيينه وغيره من العلماء على أن الصلاة من الإيمان (4) . وممن روي عنه أنه فسر هذه الآية بالصلاة إلى بيت المقدس : ابن عباس - من رواية العوفي - ، عنه ، وسعيد بن المسيب ، وابن زيد ، والسدي ، وغيرهم (5) .\r\r__________\r(1) عند مسلم ( 525 ) من طريق أبي الأحوص ، عن أبي إسحاق .\r(2) أخرجه الطبري في \" تفسيره \" ( 2 / 11 ) .\r(3) أخرجه أحمد في \" مسنده \" ، ( 1 / 347 ) ، وأبو داود ( 4680 ) ، والترمذي ( 2964 ) ، ورواية سماك ، عن عكرمة مشهورة بالإضطراب . .\r(4) راجع \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 1 / 344 ) .\r(5) ابن جرير ( 2/ 11 - 12 ) ، والمروزي في \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 1 / 341 - 344 ) .","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"وقال قتادة ، والربيع بن أنس : نزلت هذه الآية لما ( 207 - ب / ف ) قال قوم من المسلمين : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟(1) . وهذا يدل على أن المراد بها الصلاة - أيضا _ ؛ لأنها هي التي تختص بالقبلة من بين الأعمال . ولم يذكر أكثر المفسرين في هذا خلافا وأن المراد بالإيمان هاهنا الصلاة ؛ فإنها علم الإيمان وأعظم خصاله البدنية . وروى ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة - أو سعيد بن جبير - ؛ عن ابن عباس { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : أي القبلة الأولى ، وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى الآخرة أي : ليعطينكم أجرهما جميعا ، إن الله بالناس لرءوف رحيم (2) .\rوعن الحسن في هذه الآية قال : ما كان الله ليضيع محمدا صلى الله عليه وسلم وانصرافكم معه حيث انصرف ؛ إن الله بالناس لرءوف رحيم . وهذا القول يدل على أن المراد بالإيمان التصديق مع الانقياد والاتباع المتعلق بالقبلتين معا فيدخل في ذلك الصلاة - أيضا .\rفصل (3)\rقال البخاري :\r36- باب (4)\rخوف المؤمن (5) أن يحبط عمله وهو لا يشعر . وقال إبراهيم التميمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل . ويذكر عن الحسن : ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق . وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون } [ آل عمران : 135 ] .\rمراد البخاري بهذا الباب : الرد عل المرجئة بأن المؤمن يقطع لنفسه بكمال الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وأنه لا يخاف على نفسه النفاق العملي مادام مؤمنا . فذكر عن إبراهيم التيمي أنه قال : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . وهذا معروف عنه ، وخرجه جعفر الفريابي بإسناد صحيح عنه ولفظه : \" ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون كذابا \" (6) .\r\r__________\r(1) أخرجهما ابن جرير في \" تفسيره \" ( 2 / 11 -12 ) .\r(2) محمد بن أبي أحمد : مجهول .\r(3) هكذا في \" ف \" كتب : \" فصل \" وبعده : \" قال البخاري \" ، : وبعده \" باب \" .\r(4) سقط قبل هذا الباب بابان : باب ( 34 ) \" الزكاة في الإسلام \" ، وباب ( 35 ) \" اتباع الجنائز من الإيمان \" وفيهما حديثان ( 46 ، 47 ) .\r(5) سقط بعد كلمة \" المؤمن \" حرف \" من \" ولم ينبه القسطلاني في \" إرشاد الساري \" على سقوطها ؛ بينما وضع عليها في \" اليونينية \" علامة تفيد أنها غير موجودة عند ابن عساكر و \" عط \" وهي من الرموز التي لم يتبين صاحبها ، راجع لذلك مقدمة طبعة الشعب . وقال العيني في \" العمدة \" ( 1 / 314 ) : \" وليس في بعض النسخ كلمة \" من \" .\r(6) \" صفة المنافق \" للفريابي ( ص : 129 ) ، و \" الزهد \" لأحمد ( ص : 427 ) ، و \" التاريخ الكبير \" للبخاري ( 1 / 334- 335 ) .","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"ومعناه : أن المؤمن يصف الإيمان بقوله ، وعمله نقص عن وصفه ، فيخشى على نفسه أن يكون عمله مكذبا لقوله ، كما روي عن حذيفة أنه قال : المنافق : الذي يصف الإسلام ولا يعمل به . وعن عمر قال : إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم ، قالوا : وكيف يكون المنافق عليما ؟ قال : يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال بالمنكر(1) . وقال الجعد أبو عثمان : قلت لأبي رجاء العطاردي : هل أدركت من أدركت من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق قال : نعم ، إني أدركت بحمد الله منهم صدرا حسنا ، نعم شديدا نعم شديدا (2) . وكان قد أدرك عمر .\rوممن كان يتعوذ من النفاق من الصحابة : حذيفة ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصاري (3) . وأما التابعون : فكثير ، قال ابن سيرين : ما علي شيء أخوف من هذه الآية { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة 8 ] . وقال أيوب : كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي . وقال معاوية بن قرة: كان عمر يخشاه وآمنه أنا (4) ؟ . وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدا . وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم . قال زيد بن الزرقاء ، عن سفيان الثوري : خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث :\rنقول الإيمان قول وعمل ، وهو يقولون : الإيمان قول ولا عمل\rونقول : الإيمان يزيد وينقص ، وهم يقولون : لا يزيد ولا ينقص .\rونحن نقول : النفاق ، وهم يقولون : لا نفاق (5) .\rوقال أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي : قد خاف عمر على نفسه النفاق ( 208 - أ / ف ) قال (6) : فقلت للأوزاعي : إنهم يقولون : إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حين سأل حذيفة ؛ لكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت ، قال : هذا قول أهل البدع .\rوقال الإمام أحمد - في رواية هانيء وسئل : ما يقول فيمن لا يخاف النفاق على نفسه ؟ ، - فقال : ومن يأمن على نفسه النفاق ؟ (7) .\rوأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره أن النفاق أصغر وأكبر ؛ فالنفاق الأصغر : هو نفاق العمل وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم ؛ وهو باب النفاق الأكبر ، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر : في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية ، كما قال تعالى { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] وقال { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّة [ الأنعام : 110 ] .\r\r__________\r(1) انظر \" صفة المنافق \" للفريابي ( ص : 68 ) .\r(2) اخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" ( 2 / 307 ) ، و الفريابي في \" صفة المنافق \" ( ص : 118 ) .\r(3) راجع \" صفة المنافق \" فقد أخرج هذه الآثار ( ص : 113 - 122 ) .\r(4) أخرجه الفريابي في \" صفة المنافق \" ، ( ص : 120 ) .\r(5) أخرجه الفريابي في \" صفة المنافق ( ص : 127 ) .\r(6) كلمة \" قال \" تكررت في \" ف \" .\r(7) مسائل ابن هانيء \" ( 2 / 176 ) .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"والأثر الذي ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة : هو معروف عنه من رواية الصلت بن دينار عنه (1) . وفي الصلت ضعف . وفي بعض الروايات : عنه ، عن ابن أبي مليكة قال : أدركت زيادة على خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات أحد منهم إلا وهو يخاف النفاق على نفسه . وأما الأثر الذي ذكره عن الحسن : فقال : ويذكر عن الحسن قال : ما خاف إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق ، فهذا مشهور عن الحسن ، صحيح عنه . والعجب من قوله في هذا : ويذكر ، وفي قوله في الذي قبله : وقال ابن أبي مليكة - جزما (2) .\rقال الإمام أحمد في كتاب \" الإيمان \" له : حدثنا مؤمل قال : سمعت حماد بن زيد قال : ثنا أيوب قال : سمعت الحسن يقول : والله ما أصبح على وجه الأرض مؤمن ولا أمسى على وجهها مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما أمن النفاق إلا منافق .\rحدثنا روح بن عبادة قال : ثنا هشام قال : سمعت الحسن يقول : والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا يخاف النفاق ولا أمنه إلا منافق . وروى جعفر الفريابي في كتاب \" صفة المنافق \" من حديث جعفر بن سليمان ، عن معلى بن زياد قال : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . قال : وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق (3) .\rوعن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هم غير النفاق(4) .\rوالروايات في هذا المعنى عن الحسن كثيرة . وقول البخاري بعد ذلك : \" وما يحذر من الإصرار عل النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى { وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون } [ آل عمران : 135 ] : فمراده أن الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة يخشى منها أن يعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكلية وبالوصول إلى النفاق الخالص وإلى سوء الخاتمة ، نعوذ بالله من ذلك ، كما يقال : إن المعاصي بريد الكفر .\r\r__________\r(1) أخرجه البخاري في \" تاريخه الكبير \" ( 5 / 137 ) من طريق ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، به .\r(2) . قال الحافظ ابن حجر في \" الفتح \" ( 1 / 111 ) : \" وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه ، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ رحمه الله ، وهي : أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد ؛ بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى به - أيضا - لما علم من الخلاف في ذلك ، فهنا كذلك \" أ . هـ وقال القسطلاني في \" إرشاد الساري \" ( 1 / 136 ) \" .... وأتى بـ \" يذكر \" الدالة على التمريض نع صحة هذا الأثر ؛ لأن عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى ؛ لا أنه ضعيف \" أ . هـ\r(3) أخرجه الفريابي في \" صفة المنافق \" ( ص : 121 ) .\r(4) المصدر السابق ( ص : 119 ) .","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"وفي \" مسند الإمام أحمد \" (1) من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ك \" ويل لأقماع القول ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون \" .\rوأقماع القول : الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه .\rوقد وصف الله أهل النار بالإصرار على الكبائر فقال وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ } [ الواقعة : 46 ] والمراد بالحنث : الذنب الموقع في الحنث وهو الإثم . وتبويب البخاري لهذا الباب يناسب ( 208 - ب / ف ) أن يذكر فيه حبوط الأعمال الصالحة ببعض الذنوب كما قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ } [ الحجرات : 2 ] قال الإمام أحمد حدثنا الحسن بن موسى قال : ثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : ما يرى هؤلاء أن أعمالا تحبط أعمالا ، والله عز وجل يقول { لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ } إلى قوله { أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ } . ومما يدل على هذا - أيضا - قول الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى } الآية [ البقرة : 264 ]، وقال { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَاب } الآية [ البقرة : 266] . وفي صحيح البخاري \" أن عمر سأل الناس عنها فقالوا : الله أعلم فقال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل ، قال عمر : لأي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل ، قال عمر : لرجل غني (2) يعمل بطاعة الله ثم يبعث الله إليه الشيطان فيعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله .\rوقال عطاء الخراساني : هو الرجل يختم له بشرك أو عمل كبيرة فيحبط عمله كله . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" من ترك صلاة العصر حبط عمله \" (3) . وفي \" الصحيح \" - أيضا - أن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان فقال الله : \" من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ، قد غفرت لفلان وأحبطت عملك \" (4) . وقالت عائشة : أبلغي زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب .\rوهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات ، ثم تعود بالتوبة منها .\r\r__________\r(1) 2 / 165 ، 219 ) ، وأخرجه - أيضا - البخاري في \" الأدب \" ( 380 ) ، والخطيب في \" التاريخ \" ، ( 8 / 265 - 266 ) .\r(2) في \" ف \" : \" يعني \" ، والمثبت من البخاري ( فتح : ( 4538 )\r(3) فتح : 553 ) .\r(4) مسلم ( 2621 ) .","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وخرج ابن أبي حاتم في \" تفسيره \" من رواية أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل صالح ، فأنزل الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم } [ محمد : 33 ] فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال ْ (1) .\rوبإسناده ، عن الحسن في قوله { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم } قال : بالمعاصي . وعن معمر ، عن الزهري في قوله تعالى { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم } قال الكبائر . وبإسناده ، عن قتادة في هذه الآية قال : من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سيء فليفعل ولا قوة إلا بالله ؛ فإن الخير ينسخ الشر ، وإن الشر ينسخ الخير ، وإن ملاك الأعمال: خواتيمها (2) .\rوعن السدي قال في هذه الآية يقول : لا تعصوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمركم به من القتال فتبطل حسناتكم . وعن مقاتل بن حيان قال : بلغنا أنها نزلت فشقت على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يؤمئذ يرون أنه ليس شيء من حسناتهم إلا هي مقبولة ، فلمت نزلت هذه الآية قال أبو بكر : ما هذا الذي يبطل أعمالنا . فبلغني - والله أعلم - أنهم ذكروا الكبائر التي وجبت لأهلها النار حتى جاءت الآية الأخرى { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِه شيءِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] ، فقال ابن عمر : لما كانت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك ورددنا إلى الله عز وجل ، وكنا نخاف على من ركب الكبائر والفواحش أنها تهلكه (3) .\rوالآثار عن السلف في حبوط الأعمال بالكبيرة كثيرة جدا يطول استقصاؤها . حتى قال حذيفة قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة . وخرجه البزار عنه مرفوعا (4) . ( 209- أ / ف ) . وعن عطاء قال : إن الرجل ليتكلم في غضبه بكلمة يهدم بها عمل ستين سنة أو سبعين سنة . وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد ، عنه : ما يؤمن أحدكم أن ينظر النظرة فيحبط عمله . وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارج والمعتزلة خاصة ، فقد أبطل فيما قال ولم يقف عل أقوال السلف الصالح في ذلك . نعم المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمان وخلدوا بها في النار . وهذا هو القول الباطل الذي تفردوا به في ذلك .ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين:\rأحدهما : حديث :\r48-شعبة ، عن زبيد قال : سألت أبا وائل عن المرجئة فقال : حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر \" .\r\r__________\r(1) راجع \" الدر المنثور \" ( 6 / 67 ) فقد عزاه إليه .\r(2) أخرجه ابن جرير في \" تفسيره \" ، ( 26/ 39 ) .\r(3) راجع تفسير ابن كثير \" ( 7 / 305 ) .\r(4) \" البحر الزخار \" ( 7 / 331 ) .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"فهذا الحديث رد به أبو وائل على المرجئة الذين لا يدخون الأعمال في الإيمان ؛ فإن الحديث يدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وهو قتال المسلمين ، فدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وبعضها يسمى إيمانا . وقد اتهم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث . وأما أبو وائل فليس بمتهم ؛ بل هو الثقة العدل المأمون ، وقد رواه معه عن ابن مسعود - أيضا - : أبو عمر الشيباني ، وأبو الأحوص (1) وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود (2)؛ لكن فيهم من وقفه . ورواه - أيضا - عن النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص (3) ، وغيره . ومثل هذا الحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم : \" لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض \" (4) .وقد سبق القول في تسمية بعض الأعمال كفرا وإيمانا مستوفى في مواضع .\rقال أبو الفرج زين الدين بن رجب . وقد ظهر لي في القرآن شاهد لتسمية القتال كفرا ، وهو قوله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفدُوهُم ْ(5) وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض } [ البقرة : 83-85] .\r\r__________\r(1) ذكره الدار قطني في \" علله \" من طريق أبي ألأحوص ، عن عبد الله ( 5 / 324 - 325 ) وقال : \" والموقوف عن أبي الأحوص أصح \" ومن طريق أبي عمرو الشيباني سعد بن أياس ، عنه ( 5 / 335 ) وقال : \" ورفعه صحيح \" .\r(2) الترمذي ( 2634 ) ، والنسائي ( 7 / 121 ) ، ورواية عبد الرحمن ، عن أبيه تكلموا في اتصالها . .\r(3) النسائي في \" المجتبى \" ، ( 7 / 121 ) وفي إسناده اختلاف . انظره مع ترجيح الصواب فيه عند البخاري في \" التاريخ \" ( 1 / 88 - 89 ) ، والدار القطني في \" العلل \" ( 4 / 357 - 358 ) وراجع \" التحفة \" ( 3 / 306) مع \" النكت الظراف \" .\r(4) أخرجه البخاري ( فتح : 121 ) ، ومسلم ( 65) .\r(5) كذا ، وهي قراءة ، وعند حفص وغيره : \" تفادوهم \" .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"والمعنى : أن الله حرم على أهل الكتاب أن يقتل بعضهم بعضا أو يخرج بعضهم بعضا من داره ، كان اليهود حلفاء الأوس والخزرج بالمدينة ، فكان إذا وقع بين الأوس أوالخزرج وبين اليهود قتال ساعد كل فريق من اليهود بحلافه من الأوس والخزرج على أعدائهم فقتلوهم معهم وأخرجوهم معهم من ديارهم بعد أن حرم عليهم ذلك في كتابهم وأقروا به وشهدوا به ، ثم بعد أن يوسر أولئك اليهود يفدوهم هؤلاء الذين قاتلوهم امتثالا لما أمروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم ، فسمى الله عز وجل فعلهم للافتداء لإخوانهم إيمانا بالكتاب وسمى قتلهم وإخراجهم من ديارهم كفرا بالكتاب ؛ فدلت هذه الآية عل أن القتال و الإخراج من الديار إذا كان محرما يسمى كفرا ، وعل أن فعل بعض الطاعات يسمى إيمانا ؛ لأنه سمى افتداءهم للأسارى إيمانا ؛ وهذا حسن جدا ، ولم أر أحدا من المفسرين تعرض له ، ولله الحمد والمنة .\rالحديث الثاني :\r49-عبادة بن الصامت أن النبي (1) صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين ، فقال : \" إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحى فلان وفلان ( 209 - ب /ف ) فرفعت فعسى(2) أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع والتسع والخمس \" .\r50-إنما خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب لذكر التلاحي .\rوالتلاحي : قد فسر بالسباب ، وفسر بالاختصام والمماراة من دون سباب . ويؤيد هذا : أنه جاء في رواية في \" صحيح مسلم \" : \" فجاء رجلان يحتقان \"(3) - أي : يطلب كل واحد منهما حقه من الآخر ويخاصمه في ذلك . فمن فسره بالسباب احتمل عنده إدخال البخاري للحديث في هذا الباب أن السباب تعجل عقوبته حتى يحرم المسلمون بسببه معرفة بعض ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم .وإنما رجا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك خيرا ؛ لأن إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله ، أو أوتاره في طلبها ، فيكون سببا لشدة الاجتهاد وكثرته . ولكن بيان الليلة ومعرفتهم إياها بعينها له مزية على إبهامها ، فرفع ذلك بسبب التلاحي ؛ فدل هذا الحديث على أن الذنوب قد تكون سببا لخفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدين .\rوقال ابن سيرين : ما اختلف في الأهل (4) حتى قتل عثمان . فكلما أحدث الناس ذنوبا أوجب ذلك خفاء بعض أمور دينهم عليهم ، وقد يكون في خفائه رخصة لمن ارتكبه وهو غير عالم بالنهي عنه ، إذ لو علمه ثم ارتكبه لاستحق العقوبة .\r\r__________\r(1) في \" اليونينية \" : \" رسول الله \" .\r(2) في \" اليونينية \" : \" وعسى \" .\r(3) مسلم ( 1167 / 217 ) .\r(4) كذا ، ولعله \" الأهلة \"","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"ومن فسر التلاحي بالاختصام قال : مراد البخاري بإدخاله هذا الحديث في هذا الباب : أن التلاحي من غير سباب ليس بفسوق ولا يترتب عليه حكم الفسوق ؛ لأنه كان سببا لما هو خير للمسلمين . وهذا هو الذي أشار إليه الإسماعيلي ؛ وفيه نظر ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون مراد البخاري : أن السباب ليس بمخرج عن الإسلام من كونه فسوقا ؛ ولهذا قال في الحديث : \" فتلاحى رجلان من المسلمين \" ، فسماههما مسلمين مع تلاحيهما .\rوفي \" مسند البزار \" من حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إن أول شيء نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان : شرب الخمر ، وملاحاة الرجال \" (1) . وفي إسناده عمروبن واقد الشامي وهو ضعيف جدا . وإنما حرمت الخمر بعد الهجرة بمدة . ولكن رواه الأوزاعي ، عن عروة بن رويم مرسلا . خرجه أبو داود في \" مراسيله\"(2).\rفصل (3)\rقال البخاري :\r37- باب\rسؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له ثم قال : \" جاء جبريل (4) يعلمكم دينكم \" ، فجعل ذلك كله دينا ، وما بين النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس من الإيمان . وقول الله تعالى { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه } ُ.\rتبويب البخاري هاهنا واستدلاله وتقريره يدل عل أنه يرى أن مسمى الإيمان والإسلام واحد ؛ فإنه قرر النبي صلى الله عليه وسلم أجاب جبريل عن سؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان وعلم الساعة ، ثم قال : \" هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم \" فجعله كله دينا ، والدين هو الإسلام لقوله تعالى { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْه } [ آل عمران : 85 ] وكذلك قوله { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } [ آل عمران : 19 ]وأكد ذلك بأن في حديث وفد عبد القيس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فأجابهم بما أجاب به جبريل عن سؤاله عن الإسلام(5) ؛ فدل على أن الإسلام والإيمان واحد . وهذا قول محمد بن نصر المروزي (6) ( 210- أ / ف ) وابن عبد البر وغيرهما .\r\r__________\r(1) \" كشف \" ( 3 / 351 ) ، و الطبراني في \" الكبير \" ( 20 / 83 )\r(2) ص : 344 ) .\r(3) كتب في \" ف \" كلمة \" فصل \" واتبعها : \" قال البخاري \" : \" باب \"\r(4) زاد في \" اليونينية \" : \" عليه السلام \" ، وكذا القسطلاني في \" إرشاد الساري \" ولم ينبه على سقوطها في إحدى النسخ .\r(5) فتح : 53 ) .\r(6) في \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 2 / 531 ) .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وأما من فرق بين الإسلام والإيمان - وهم أكثر العلماء من السلف ومن بعدهم - حتى قيل : إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف فأظهر الأجوبة عما ذكره البخاري : أن الإسلام والإيمان تختلف دلالته بالإفراد والاقتران ؛ فإن أفرد أحدهما دخل فيه الآخر و فلذلك فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان المسئول عنه مفردا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام في حديث جبريل الذي قرن فيه الإسلام بالإيمان . وإن اقترنا كان هذا له معنى وهذا له معنى . وبكل حال : فالأعمال داخلة في مسمى الإيمان ، لا يختلفون في ذلك . وممن ذكر هذا التفصيل : الخطابي(1) ، وأبو بكر الإسماعيلي ، وحكاه الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة ، وحكى أبو بكر ابن السمعاني عن أهل السنة والجماعة التفريق بين الإسلام والإيمان وممن روي عنه التفريق بينهما من السلف : الحسن ، وابن سيرين ، وقتادة ، وداود بن أبي هند ، وأبو جعفر محمد بن علي ، والزهري ، وحماد بن زيد ، وشريك ، وابن أبي ذئب ، وابن مهدي ، وأحمد ، وأبو خيثمة ، ويحيى بن معين ، وغيرهم - على اختلاف بينهم في صفة التفريق . وروي التسوية بينهما عن الثوري من وجه فيه نظر . وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مستوفى بما فيه كفاية ، والله أعلم .\rثم خرج البخاري حديث (2) :\r50- أبي زرعة ' عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان يوما بارزا (3) للناس فأتاه رجل فقال : ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث \" قال : ما الإسلام ؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به ، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان \" قال : ما الإحسان؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه ؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك \" قال : متى الساعة ؟ قال : \" ما المسئول عنها (4) بأعلم من السائل ، وسأخبرك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربها ، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله \" ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَام } ِ (5) الآية [ لقمان : 34] ثم أدبر فقال \" ردوه \" فلم يروا شيئا فقال \": \" هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم .\r\r__________\r(1) راجع \" أعلام الحديث \" ( 1 / 142 - 145 ) .\r(2) الحديث الآتي أشار إليه المصنف تحت ترجمة الباب : ( 29 ) الحديث ( 1039 ) .\r(3) في \" اليونينية \" : \" قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما \" .\r(4) في \" ف \" : \" منها \" ، والمثبت من \" اليونينية \" .\r(5) قوله : \" الغيث ويعلم ما في الأرحام \" ليس في \" اليونينية \" ، و \" ينزل \" عند الأصلي وحده . وانظر شرح هذه الكلمة ( ص 215 ) .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"\" قال البخاري (1) : جعل ذلك كله من الإيمان . فمراده بهذا الكلام : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى جميع ما ذكره في هذا السؤال دينا ، والدين هو الإسلام ، كما أخبر الله بذلك . وقد أجاب وفد عبد القيس عن سؤالهم عن الإيمان بما أجاب به جبريل عن سؤال عن الإسلام ؛ فدل علي أن الإيمان هو الإسلام وأنه يدخل في مسماه ما يدخل في مسمى الإسلام . هذا تقرير ما ذكره البخاري هاهنا .\rوأما المفرقون بين الإسلام والإيمان : فقد تقدم أن المختار عندهم في ذلك : أن الإسلام والإيمان إذا قرن بينهما كان لكل منهما معنى فإذا أفرد أحدهما دخل فيه ما يدخل في الآخر . والتحقيق في التفريق بينهما عند اقترانهما : ما دل عليه هذا الحديث المذكور هاهنا ؛ وهو أن الإيمان هو الاعتقادات القائمة بالقلوب ، وأصله : الإيمان بالأصول الخمسة التي ذكرها الله في قوله تعالى { آمَنَ الرَّسُول ُ( 210 - ب / ف ) بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير } [ البقرة : 285] ، فذكر الله في هذه الآية الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والمصير إليه - وهو اليوم الآخر - وهو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام في سؤاله عن الإيمان المقرون بالإسلام وفي بعض ألفاظه زيادة ونقص . وفي رواية البخاري هذه ذكر الإيمان بلقاء الله والإيمان بالبعث .\r\r__________\r(1) في \" اليونينية \" : \" أبو عبد الله \" .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"فأما الإيمان بالبعث : فهو الإيمان بأن الله يبعث من في القبور . والإيمان بلقاء الله معناه : الإيمان بوقوف العباد بين يدي الله عز وجل للمحاسبة بأعمالهم والجزاء بها . وخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ولفظه : \" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره \"(1) . وخرجه ابن حبان ، وزاد فيه : \" وتؤمن بالجنة والنار والميزان \" (2) . وأما الإسلام المقرون بالإيمان : ففسره بالأعمال الظاهرة من الأقوال والأعمال وهي : الشهادتان ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان . وزاد مسلم في رواية من حديث عمر : \" وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا \" . وزاد ابن حبان : \" وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء \". وفي رواية البخاري هذه : \" أن تعبد الله ولا تشرك به \" . والمراد : الإقرار بتوحيده باللسان . وقد يراد به مع ذلك : فعل جميع أنواع العبادات بالجوارح . وأما الإحسان : ففسره بنفوذ (3) . البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان ، فهذه أعلى درجات الإيمان ومراتبه . ويتفاوت المؤمنون والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتا كثيرا بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك هاهنا بقوله : \" أن تعبد الله كأنك تراه ؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك \" . قيل : المراد : أن نهاية مقام الإحسان : أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه فيكون مستحضرا ببصيرته وفكرته لهذا المقام فإن عجز عنه وشق عليه انتقل إلى مقام آخر وهو أن يعبد الله على أن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته ولا يخفى عليه شيء من أمره .\rوقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه ، منهم : ابن عمر ، وأبو ذر، ووصى معاذا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من أهله (4) . قال بعض السلف : من عمل لله على المشاهدة فهو عارف ، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص . فهذان مقامان : أحدهما : مقام المراقبة ، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله فيراقبه في حركاته وسكناته وسره وعلانيته ، فهذا مقام المراقبين المخلصين ، وهو أدنى مقام الإحسان .\r\r__________\r(1) مسلم ( 8 ) .\r(2) \" الإحسان \" ( 1 / 397 ) .\r(3) في \" ف \" بالدال المهملة والصواب ما أثبتناه ..\r(4) وانظر ( ص 103 ) تحت الحديث ( 24 ) ..","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"والثاني : أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة فيصير كأنه يرى الله ويشاهده ، وهذا نهاية مقام الإحسان ، وهو مقام العارفين . وحديث حارثه هو من هذا المعنى ؛ فإنه قال : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وإلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \" عرفت فالزم : عبد نور الله الإيمان في قلبه \" . وهو حديث مرسل ، وقد روي مسندا ( 211- أ / ف ) بإسناد ضعيف (1) . وكذلك قول ابن عمر لعروة لما خطب إليه ابنته في الطواف فلم يرد عليه ثم لقيه فاعتذر إليه وقال : كنا في الطواف تتخايل الله بين أعيننا . ومنه الأثر الذي ذكره الفضيل بن عياض : يقول الله : ما أنا مطلع على أحبائي إذا جهنم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم ، ومثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة وكلموني على حضوري .\r\r__________\r(1) قال المصنف في كتابه \" جامع العلوم والحكم \" ( 1/ 105 - 106 ) طبعتنا - على هذا الحديث : \" قد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلا ، والمرسل أصح \" أ . هـ وأخرج هذا الحديث موصولا : الطبراني في \" الكبير \" ( 3 / 266 ) ، والبيهقي في \" الشعب \" : ( 7 / 263 ) . وأخرجه ابن المبارك في \" الزهد \" ( ص : 106 ) والبيهقي في \" الشعب \" ( 7 / 363 ) من طريق جعفر بن برقان ، وابن المبارك من طريق صالح بن مسمار وقال عنه ابن حبان في \" الثقات \" ( 6 / 465 ) : \" يروي المراسيل \" - كلاهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال البيهقي : \" هذا منقطع \" وقال ابن المبارك عقيب هذا الحديث : \" ولا أعلم صالح بن مسمار أسند إلا حديثا واحدا \" ورواه ابن حبان في \" المجروحين \" ( 1 / 150 ) موصولا ؛ ولا يصح وروي نحوه من حديث أنس ، تفرد به : يوسف بن عطية الصفار ، أخرجه البيهقي في \" الشعب \" ( 7 / 362 ) ، والعقيلي في \" الضعفاء \" ( 4 / 455 ) وقال بعده : \" ليس هذا الحديث إسناد يثبت \" أ . هـ ، والبزار ( كشف : 1 / 26 ) ، وقال بعده : \" تفرد به : يوسف ، وهو لين الحديث \" أ . هـ ، وراجع \" أطراف الغرائب \" ( 714 ، 764 ، 857 ) بتحقيقنا . .","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وبهذا فسر المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى { وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض } [ الروم : 27 ] ومثله قوله تعالى { الله نور السموات والأرض مثل نوره كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ توقَدُ (1) مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم } [ النور : 35] ، قال ابن كعب وغيره من السلف : مثل نوره في قلب المؤمن . ٌفمن وصل إلى هذا المقام فقد وصل إلى نهاية الإحسان وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان فعرف ربه وأنس به في خلوته وتنعم بذكره ومناجاته ودعائه حتى ربما استوحش من خلقه ، كما قال بعضهم : عجبت للخليقة كيف أنست بسواك ؟! بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك . وقيل لآخر : أما تستوحش ؟! قال : كيف استوحش وهو يقول : أنا جليس من ذكرني (2) ؟ وقيل لآخر : أما تستوحش وحدك ؟ قال : ويستوحش مع الله أحد ؟ لِلَّهِ وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول : من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه ، ومن لم يأنس بك فلا أنس . وقال الفضيل : طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه (3) .\rوقال معروف لرجل : توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك (4) . وقال ذو النون : علامة المحبين لله : أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه ، ثم قال : إذا سكن القلب حب الله أنس بالله ؛ لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا غيره . وقوله صلى الله عليه وسلم \" اعبد الله كأنك تراه \" إشارة إلى أن العابد يتخيل ذلك في عبادته ، لا أنه يراه حقيقة لا ببصره ولا بقلبه . وأما من زعم أن القلوب تصل في الدنيا إلى رؤية الله عيانا كما تراه الأبصار في الآخرة - كما يزعم ذلك من يزعمه من الصوفية - فهو زعم باطل ؛ فإن هذا المقام هو الذي قال من قال من الصحابة كأبي ذر وابن عباس وغيرهما ، وروي عن عائشة - أيضا - أنه حصل للنبي صلى الله عليه وسلم مرتين . وروي في ذلك أحاديث مرفوعة - أيضا .\r\r__________\r(1) كذا بالمثناة الفوقية ، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن : بفتح التاء والواو وشد القاف وضم الدال - أي : الزجاجة ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ، عن عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى : \" توقد \" - بضم التاء - أي : الزجاجة ، وقرأ عاصم : \" يوقد \" . أ هـ من \" المحرر الوجيز \" لابن عطية ( 11 / 306 ) .\r(2) هو قول محمد بن النضر ، أخرجه البيهقي في \" الشعب \" ( 1 / 458 ) .\r(3) \" الحلية ( 8 / 108 ) .\r(4) \" الحلية ( 8 / 360 ) .","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"وكذا قال جماعة من التابعين : إنه يراه بقلبه ، منهم الحسن ، وأبو العالية ، ومجاهد و وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، وإبراهيم التيمي وغيرهم . فلو كان هؤلاء لا يعتقدون أن رؤية القلب مشتركة بين الأنبياء وغيرهم لم يكن في تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مزية له لا سيما وإنما قالوا : إنها حصلت له مرتين ؛ فإن هؤلاء الصوفية يزعمون أن رؤية القلب تصير حالا ومقاما دائما أو غالبا لهم ، ومن هنا ينشأ تفضيل الأولياء على الأنبياء ، ويتفرع على ذلك أنواع من الضلالات والمحالات والجهالات ، والله يهدي من يشاء إلى سراط مستقيم .\rفهذه المقامات الثلاث \" الإسلام والإيمان والإحسان يشملها اسم الدين ، فمن استقام على الإسلام إلى موته عصمه الإسلام من الخلود في النار وإن دخلها بذنوبه ، ومن استقام ( 211 - ب / ف ) على الإحسان إلى الموت وصل على الله عز وجل ، وقال تعالى { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وزيادة } [ يونس : 26 ] وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالنظر إلى وجه الله . خرجه مسلم من حديث صهيب (1) .\rوأما قول جبريل : \" أخبرني عن الساعة \" فقال : \" ما المسئول عنها بأعلم من السائل \" فمعناه : إن الناس كلهم في وقت الساعة سواء ، وكلهم غير عالمين به على الحقيقة ؛ ولهذا قال : \" في خمس لا يعلمهن إلا الله \" ثم تلا { إن الله عنده علم الساعة } [ لقمان : 34 ] وهذه مفاتيح الغيب الذي لا يعلمها إلا الله . وقد جاء عن ابن مسعود أن نبينا أوتي علم كل شيء سوى هذه الخمس (2) .\rوروي ذلك مرفوعا من حديث ابن عمر (3) . وكلاهما في \" مسند الإمام أحمد \" . وذكر عند عمرو بن العاص العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكره بعض من حضره فقال عمرو : : إنما الغيب خمس ، ثم تلا هذه الآية قال : وما سوى ذلك يعلمه قوم ويجهله قوم . خرجه حميد بن زنجوية .\r\r__________\r(1) مسلم ( 181 ) ، وانظر \" الكامل \" ( 2 / 260 ) لابن عدي ، و \" التتبع \" ( ص : 210 ) للدار قطني ، وراجع \" جامع العلوم والحكم \" ( 1 / 103 - 104 ) طبعتنا .\r(2) \" المسند \" ( 1 / 386 ) .\r(3) \" المسند \" ( 2 / 85 - 86 ) .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"وقد زعم بعضهم - كالقرطبي (1) - أن هذه الخمس لا سبيل لمخلوق على علم بها قاطع ، وأما الظن بشيء منها بأمارة قد يخطيء ويصيب فليس ذلك بممتنع ولا نفيه مراد من هذه النصوص . وقوله : \" وسأخبرك عن أشراطها \" لما كان العلم بوقت الساعة المسئول عنه غير ممكن انتقل منه إلى ذكر أشراطها وهي علامتها الدالة على اقترانها ، وهذا كما سأله الأعرابي : متى الساعة ؟ فقال : \" ما أعددت لها ؟ \" فأعرض عن الجواب عن الساعة إلى ذكر الاستعداد لها ؛ لأنه هو المأمور به وهو الذي يعني السائل وغيره وينبغي الاهتمام به . وأما جبريل : فالظاهر - والله أعلم - أنه أراد بسؤاله عن الساعة إظهار انفراد الله بعلمها دون خلقه حتى ينقطع السؤال عنها ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا يسأل عنها حتى نزلت { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا } [ النازعات : 42-44 ] ونزلت { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } [ الأعراف : 187 ] .\rوفي رواية عمر بن الخطاب لهذا الحديث : إن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم \" أخبرني عن أمارتها \" ، وقد ذكر لها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث علامتين :\rإحداهما : أن تلد الأمة ربها ، والمقصود بالرب : السيد . واختلف في معنى ذلك ، فقيل : المراد أن يكثر فتوح البلاد الكفر والسبي فيكثر السراري فتلد الإماء الأولاد من سادتهن ، وولد السيد بمنزلة السيد فتصير الأمة ولدت ربها بهذا الاعتبار . ومن هؤلاء من قال : أريد أن الملوك يتخذون السراري فتلد الإماء الملوك وهم كالأرباب للناس . ومنهم من قال : إن العجم تلد العرب ، والعرب كالأرباب للعجم قاله وكيع بن الجراح . وعلى هذا القول قد استدل بالحديث من يرى بيع أمهات الأولاد ومن يمنعه .\r\r__________\r(1) راجع \" التفسير \" ( 4 / 2438 ) .","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"أما من يرى بيعهن : فاستدل بقوله : \" تلد الأمة ربها \" على أن ولد أم الولد رب لها فيدل على أن أمه رقيقة تنتقل إلى ملكه بوفاة أبيه فيرثها فتعتق عليه فيكون حينئذ ربها حقيقة وتكون قبل انتقالها إلى ولدها رقيقة حكمها كأحكام الفيء (1) من البيع وغيره ، ولولا ذلك لم تورث . ومن منع بيعهن : قال : قد جعل ولد الأمة ربها، وهذا يدل على أنه ربها ( 212- أ / ف ) بكل حال سواء مات الأب أو كان حيا ، فيدل على أن عتقها مضاف إلى الولد فكان الولد هو الذي أعتق أمه حيث كان هو سبب عتقها ، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مارية لما ولدت إبراهيم \" أعتقها ولدها \" (2) وممن استدل بهذا على منع بيعهن : الإمام أحمد . وقيل : المراد بقوله \" تلد الأمة ربها \" كثرة الفتوح في بلاد الكفار ، وجلب الرقيق حتى تجلب المرأة من بلد الكفر صغيرة فتعتق في بلد الإسلام ، ثم تجلب أمها بعدها فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بكونها أمها ، وقد وقع ذلك في الإسلام . وهذا القول مثل الذي قبله في أن أشراط الساعة كثرة الفتوح وجلب الرقيق من بلاد الكفر .\rوقيل : المراد بقوله\" أن تلد الأمة ربها \" أن يكثر العقوق من الأولاد حتى يعامل الولد أمه معاملة أمته بالسب والإهانة ، ويشهد لهذا : أنه جاء في رواية \" أن تلد المرأة ربها \" فلم يخص بالأمة .\rوقيل : المراد بقوله \" أن تلد الأمة ربها \" أن يكثر الجهل ويقل العلم حتى تباع أمهات الأولاد ولهن أولاد فربما تداولها أيدي الملاك وتطاولت المدد حتى يشتريها بعض أولادها ويستخدمها جاهلا بأنها أمه ، وفي هذا القول نظر وبعد . وعلى هذا القول والذي قبله : فالذي من أشراط الساعة هو كثرة الجهل وقلة العلم وفساد الأعمال بظهور العقوق والاستهانة بببيع ما لا يجوز بيعه .\rوقيل : بل أراد بولادة الأمة ربها أنه يكثر عدول الناس عند النكاح إلى التسري فقط ، والله أعلم .\rوالعلامة الثانية : أن يتطاول رعاة الإبل البهم في البنيان . والبهم هما بضم الباء ، وهو جمع بهيم ، ثم قيل : إن المراد به المجهول الذي لا يعرف . قاله الخطابي (3) . فعلى هذا تكون الرواية \" البهم \" - بضم الميم - صفة الرعاة .\r\r__________\r(1) في \" ف \" \" تشبه \" بـ \" الغبن \" والله اعلم .\r(2) هذا الحديث اخرجه ابن ماجه ( 2516) ، من طريق : الحسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس به مرفوعا . وأورد البخاري هذا الحديث في ترجمة الحسين من \" التاريخ \" ( 2 / 388 ) وقال : \" ولم يصح \" وأعقبه بأن فتيا ابن عباس على خلاف هذا . واستنكره ابن عدي - أيضا - بإيراده هذا الحديث الضعيف في ترجمة الحسين من \" الكامل \" ( 2 / 350 ) وضعف ابن عبد البر في \" التمهيد \" ( 3 / 138 ) الأحاديث في هذا المعنى . وأعل البيهقي في \" السنن \" ( 10 / 346 ) حديث ابن عباس ، وجعل الصواب فيه من قول عمر . وانظر \" أطراف الغرائب \" ( 2580 ) بتحقيقنا . .\r(3) \" أعلام الحديث \" ( 1 / 182 ) .","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وقيل : بل المراد به : الذي لاشيء لهم ، كما قال : \" يحشر الناس يوم القيامة حفاة بهما \" . وقيل : إن \" البهم \" - بكسر الميم - صفة للإبل ، وأن الإبل هي السود وتطاولهم في البنيان : هو بمصيرهم مملوكا ذا ثروة وأموال . وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فقال : \" هم العريب \" (1) . وهذا وقع في زمن بني أمية حيث كانوا يستعملون الأعراب الحفاة على الناس ويستعينون بهم على أعمالهم ، ثم لما انتقل الملك عن العرب إلى غيرهم انتقل إلى من كان ببلاده كذلك . وفي هذا إشاره إلى أن من أشراط الساعة فساد ولاة الأمور بجهلهم وجفائهم ، ويشهد لهذا: الحديث الآخر : \" إذا وكل الأمر على غير أهله فانتظر الساعة \" (2) . والتطاول في البنيان من أشراط الساعة - أيضا.\rوقد خرج البخاري (3) . و مسلم من رواية أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان \" ، وقد كان بناء النبي صلى الله عليه وسلم للمساجد والبيوت قصيرا .\rوقد روي عن الحسن قال : لما بنى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد قال : \" ابنوه عريشا كعريش موسى \" قيل للحسين : وما عريش موسى ؟ قال : إذا رفع يده بلغ العريش - يعني السقف (4) . و عن الحسن قال : كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدي . وروي عن ( 212 - ب / ف ) عن عمر أنه كتب إلى أهل البصرة ينهاهم أن لا يرفع أحد بناءه فوق سبع أذرع (5) .\rقال عمار بن أبي عمار : إذا رفع الرجل بناءه فوق سبع أذرع ناداه مناد : يا أفسق الفاسقين لِلَّهِ إلى أين ؟ لِلَّهِ وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا : \" كل بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثر من هذا فهو وبال (6) . وفي \" سنن أبي داود \" عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قبة مشرفة فقال : \" ما هذه ؟ \" فقالوا \" لفلان ، فجاء صاحبها فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه فعل ذلك مرارا حتى هدمها الرجل (7) .\r\r__________\r(1) أخرجه محمد بن نصر في \" تعظيم قدر الصلاة \" ( 1 / 375 ) . وعنده : \" العرب \" بدلا من \" العريب \"\r(2) أخرجه البخاري ( فتح : 59 ، 6496 ) من حديث أبي هريرة . .\r(3) فتح : 7121 ) ، وليس عند مسلم ، لذلك أشار إليه في \" جامع العلوم والحكم \" ( 1 / 121 ) - طبعتنا - أنه في البخاري فقط . .\r(4) أخرجه البيهقي في \" دلائل النبوة \" ( 2 / 541 ، 542 ) ، ومن طريقه ابن كثير في \" البداية \" ( 3 / 215 ) ، وقال : \" هذا مرسل \" .\r(5) وأحال المصنف ( 3 / 323 ) عند شرحه للحديث ) ( 450 ) على هذا الموضع . .\r(6) الطبراني في \" أوسطه \" ( 3081 ) .\r(7) أبو داود ( 5237 ) ، وانظر الخلاف في إسناده عند البخاري في \" التاريخ \" ( 1 / 87 ) ، و \" علل الرازي \" ( 2 / 102 ) ، و \" شعب الإيمان \" للبيهقي ( 7 / 390 - 391 ) .","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وفي \" سنن ابن ماجه \" عن ابن عباس مرفوعا : \" أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها والنصارى بيعها (1) . فهذا الحديث قد اشتمل على أصول الدين ومهماته وقواعده ويدخل فيه الإعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة ، فجميع علوم الشريعة ترجع إليه من أصول الإيمان والإعتقادات ومن شرائع الإسلام العملية بالقلوب والجوارح ومن علوم الإحسان ونفوذ البصائر في الملكوت . وقد قيل : إنه يصلح أن يسمى \" أم السنة \" لرجوعها كلها إليه كما تسمى الفاتحة \" أم الكتاب \" و \" أم القرآن \" لمرجعه إليها (2) .\rثم خرج البخاري بعد هذا : حديث (3) :\r51- ابن عباس : أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له : سألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم ، وسألتك : هل يرتد أحد منهم لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حيت تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد .\rومقصود بإيراد هذه الجملة من حديث هرقل : أن الإيمان يزيد حتى يتم ، وأن الدين هو الإيمان ؛ فإنه سأله : هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه ؟ ثم أجاب بأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد .\rوالبشاشة : الفرح والاستبشار ، ومنه حديث : \" لا يوطن أحد المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به كما يتبشش أهل الغائب بغائبهم \" (4) . فدل على أن الإسلام والدين واحد ؛ ولك لم يرد بزيادة الإيمان هنا إلا زيادة أهله ، وبتمامه قوة أهله وتمكنهم من إظهاره والدعوة إليه .\rوكلام هرقل - وإن كان لا يحتج به في مثل هذه المسائل العظيمة من أصول الديانات التي وقع الاضطراب فيها - فإن ابن عباس روى هذا الكلام مقررا له مستحسنا وتلقاه عنه التابعون ، وعن التابعين أتباعهم كالزهري . فالاستدلال إنما بتداول الصحابة ومن بعدهم لهذا الكلام وروايته واستحسانه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .\r39- فصل (5)\rخرج البخاري ومسلم (6) من حديث :\r\r__________\r(1) ابن ماجه ( 740 ) .\r(2) راجع شرحه علل هذا الحديث في \" جامع العلوم والحكم \" وهو الحديث الثاني فقد ذكر أشياء لم يذكرها هاهنا ، ولكل شرح مزية .\r(3) هذا الحديث تحت باب ( 38 ) .\r(4) أخرجه أبو داود الطيالسي ( 2334 ) ، والإمام أحمد ( 2 / 328 ، 453 ) وغيرهما وفيه اختلاف سندا ومتنا على سعيد المقبري ، وقد سود الحافظ الدار قطني في \" علله \" ( 3ب / ق 63 - أ ، ب ) الخلاف في إسناده فانظره .\r(5) باب ( 39 ) \" فضل من استبرأ لدينه \" ، وقد ذكر المصنف اسم الباب في أثناء الشرح .\r(6) مسلم ( 1599 ) .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"51-النعمان بن بشير قال (1) : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : \" الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (2) كالراعي (3) يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (4) ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله (5) محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب \"\rهذا الحديث حديث عظيم ؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها وقد قيل : إنه ثلث العلم أو ربعه . وهو حديث ( 213 - أ / ف ) صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير ، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص والمعنى واحد أو متقارب .\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر ، وعمار بن ياسر ، وجابر ، وابن مسعود، وابن عباس (6) ؛ وحديث النعمان أصح أحاديث الباب .\rومعنى الحديث : أن الله أنزل كتابه وبين فيه حلاله وحرامه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لأمته ما خفي من دلالة الكتاب على التحليل و التحريم ، فصرح بتحريم أشياء غير مصرح بها في الكتاب وإن كانت عامتها مستنبطة من الكتاب وراجعة إليه فصار الحلال والحرام على قسمين :\rأحدهما : ما هو واضح لا خفاء به على عموم الأمة ؛ لاستفاضته بينهم وانتشاره فيهم ولا يكاد إلا على من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام ؛ فهذا هو الحلال البين والحرام البين . ومنه : ما تحليله وتحريمه لعينه كالطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والخبائث من ذلك كله ومنه : ما تحليله وتحريمه من جهة كسبه كالبيع والنكاح والهبة والهدية وكالربا والقمار والزنا والسرقة والغصب والخيانة وغير ذلك .\r\r__________\r(1) في \" اليونينية \" : \" يقول \" .\r(2) قوله : \" وقع في الحرام \" ليس في \" اليونينية \" ، وراجع كلام الحافظ في \" الفتح \" ( 1 / 128 ) ، والعيني في \" العمدة \" ( 1 / 346 ) .\r(3) في اليونينية \" : \" كراعي \" ، وراجع كلام الحافظ في \" الفتح \" ( 1 / 128 ) .\r(4) في \" اليونينية \" : \" أن يوقعه \" ولم يشر القسطلاني في \" إرشاد الساري \" على وجود خلاف في النسخ .\r(5) زاد في \" اليونينية \" : \" في أرضه \" وهي في رواية غير المستملي ، قاله القسطلاني في \" إرشاد الساري \" ، وأشار إليها المصنف في أثناء شرح الحديث .\r(6) حديث ابن عمر : خرجه الطبراني في \" الأوسط \" ( 2868 ) وفي ط الصغير \" ( 1 / 51 ) وانظر \" العلل \" للرازي ( 2/ 132 ، 142 ) ، و \" الضعفاء \" للعقيلي ( 2 / 252 ) . وحديث عمار بن ياسر : أخرجه الطبراني في \" الأوسط \" ( 1735 ) ، وأبو نعيم في \" الحلية \" ( 9 / 236 ) ، والعقيلي في \" الضعفاء \" ( 4 / 161 ) . وحديث ابن عباس : أخرجه الطبراني في \" الكبير \" ( 10 / 333 ) وحديث جابر : أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" ( 9 / 70 ) وحديث ابن مسعود : لم نجده .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"القسم الثاني : ما لم ينتشر تحريمه وتحليله في عموم الأمة ؛ لخفاء دلالة النص عليه ووقوع تنازع العلماء فيه ونحو ذلك ، فيشتبه على كثير من الناس هل هو من الحلال أو من الحرام ؟ وأما خواص أهل العلم الراسخون فيه فلا يشتبه عليهم ؛ بل عندهم من العلم الذي اختصوا به عن أكثر الناس ما يستدلون به على حل ذلك أو حرمته ، فهؤلاء لا يكون ذلك مشتبها عليهم لوضوح حكمه عندهم\rأما من لم يصل إلى ما وصلوا إليه فهو مشتبه عليه ؛ فهذا الذي اشتبه عليه إن اتقى ما اشتبه عليه حله وحرمه واجتنبه فقد استبرأ لدينه وعرضه ، بمعنى أنه طلب لهما البراءة مما يشينهما ، وهذا معنى الحديث الآخر : \" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك \" (1) . وهذا هو الورع ، وبه يحصل كمال التقوى ، كما في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه : \" لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس (2) . وأنواع الشبه تختلف بقوة قربها م الحرام وبعدها عنه . وقد يقع الاشتباه في الشيء من جهة اشتباه وجود أسباب حله وحرمته ، كما يشك الإنسان فيه هل هو ملكه أم لا ؟ وما يشك في زوال ملكه عنه . وهذا قد يرجع فيه إلى الأصل فيبني عليه ، وقد يرجع في كثير منه إلى الظاهر إذا قوي على الأصل ويقع التردد عند تساوي الأمرين . وقد يقع الاشتباه لاختلاط الحلال بالحرام في الأطعمة والأشربة من المائعات (3) . وغيرها من المكيلات ، والموزونات والنقود .\rفكل هذه الأنواع من كان عنده فيها علم يدله على حكم الله ورسوله فيها فتبعه فهو المصيب ، ومن اشتبهت عليه فإن اتقاها واجتنبها فقد فعل الأولى واستبرأ لدينه وعرضه فسلم من تبعتها في الدنيا والآخرة ، ومن اشتبهت عليه فلم يتقها ؛ بل وقع فيها فمثله كمثل راع يرعى حول الحمى فإنه يوشك أن يواقعه . وفي رواية : \" ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه \" .\rومعنى هذا : أن من وقع في الشبهات كان جديرا بأن يقع في الحرام بالتدريج ؛ فإنه يسامح نفسه في الوقوع في الأمور المشتبهة ( 213 - ب / ف ) فتدعوه نفسه إلى مواقعة الحرام بعده ؛ ولهذا جاء في رواية : \" ومن خالط الريبة يوشك أن يجسر \" (4) يعني : يجسر على الوقوع في الحرام الذي لا ريب فيه .\r\r__________\r(1) راجع \" علل ابن أبي حاتم \" ( 2 / 137 ) من حديث ابن عمر ، وقال الخليلي في \" الإرشاد \" ( 1 / 416 - 417 ) : \" الصحيح فيه عن ابن عمر قوله \" . و\" الكامل \" لابن عدي ( 1/ 203 ) من حديث أنس ، والحديث عند الترمذي ، والحاكم ، وابن حبان .\r(2) أخرجه الترمذي ( 2451 ) ، وابن ماجه ( 4215 ) من حديث عطية الساعدي ، قال الحافظ في \" الإصابة\" ( 5 / 276 ) : \" ذكره بعضهم في الصحابة ، وهو غلط \" أ . هـ .\r(3) في \" ف \" تشتبه بـ \" المانعات \" والموافق للسياق ما أثبتناه .\r(4) أخرجه أبو داود ( 3329 ) ، والنسائي في \" المجتبى \" ( 7 / 241 - 242 ) ، ( 8 / 327 ) .","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"ومن هنا كان السلف يحبون أن يجعلوا بينهم وبين الحرام حاجزا من الحلال يكون وقاية بينهم وبين الحرام ، فإن اضطروا واقعوا ذلك الحلال ولم يتعدوه ، وأما من وقع في المشتبه فإنه لا يبقى له إلا الوقوع في الحرام المحض فيوشك أن يتجرأ عليه ويجسر . وقوله : \" ألا وإن لكل ملك حمى ، وإن حمى الله في الأرض محارمه \" ، وفي رواية : \" ألا وإن حمى الله محارمه \" (1) : ضرب مثل لمحارم الله بالحمى الذي يحميه الملك من الأرض ويمنع الناس من الدخول إليه ، فمن تباعد عنه فقد توقى سخط الملك وعقوبته ، ومن رعى بقرب الحمى فقد تعرض لمساخط الملك وعقوبته ؛ لأنه ربما دعته نفسه إلى الولوج في أطراف الحمى ؛ وفي هذا دليل على سد الذرائع والوسائل إلى المحرمات كما يحرم الخلوة بالأجنبية وكما يحرم شرب قليل ما يسكر كثيره وكما ينهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خشية الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، وكما يمنع من تحرك القبلة شهوته في صيامه من القبلة ، وكما يؤمر من يباشر امرأته في حال حيضها أن يباشرها من فوق إزار ما بين سرتها وركبتها ، وكما يضمن من سيب دابته نهارا بقرب زرع غيره فتفسده ، أو أرسل كلبه للصيد في الحل بقرب الحرم فصاد فيه فإنه يضمن في الصورتين على الأصح .\rوفي الحديث دليل على صحة القياس وتمثيل الأحكام وتشبيهها . وفيه دليل على أن المصيب من المجتهدين في مسائل الاشتباه واحد ؛ لأنه جعل المشتبهات لا يعلمها كثير من الناس مع كون بعضهم في طلب حكمها مجتهدين فدل على أن من يعلمها هو المصيب العالم بها دون غيره ممن هي مشتبهة عليه وإن كان قد يجتهد في طلب حكمها ويصير إلى ما أداه إليه اجتهادة وطلبه .\rثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده ، فإذا صلح القلب صلحت إرادته وصلحت جميع الجوارح فلم تنبعث إلى طاعة الله واجتناب سخطه فقنعت بالحلال عن الحرام . وإذا فسد القلب فسدت إرادته ، ففسدت الجوارح كلها وانبعث في معاصي الله عز وجل وما فيه سخطه ولم تقنع بالحلال ؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق ، فالقلب الصالح هو القلب السليم الذي لا ينفع يوم القيامة عند الله غيره ، وهو أن يكون سليما عن جميع ما يكرهه الله من إرادة ما يكرهه الله ويسخطه ولا يكون فيه سوى محبة الله وإرادته ومحبته ما يحبه الله وإرادة ذلك وكراهة ما يكرهه الله والنفور عنه .\rوالقلب الفاسد : هو القلب الذي فيه الميل على الأهواء المضلة والشهوات المحرمة ، وليس فيه من خشية الله ما يكف الجوارح عن اتباع هوى النفس ؛ فالقلب ملك الجوارح وسلطانها ، والجوارح جنوده ورعيته المطيعة له المنقادة لأمره ، فإذا صلح الملك صلحت رعاياه وجنوده المطيعة له المنقادة لأوامره ، وإذا فسد الملك فسدت جنوده ورعاياه المطيعة له المنقادة لأوامره و نواهيه .\r\r__________\r(1) راجع التعليق على الحديث في بدايته في الفرق بينها وبين \" اليونينية \" .","part":1,"page":118},{"id":120,"text":"وقد بوب البخاري على هذا ( 214 - أ / ف ) الحديث : باب \" فضل من استبرأ لدينه \" . والمقصود من إدخاله هذا الحديث في هذا الباب : أن من اتقى الأمور المشتبهة عليه التي لا تتبين له أحلال هي أو حرام ؟ فإنه مستبرىء لدينه بمعنى : أنه طالب له البراء والنزاهة مما يدنسه ويشينه ؛ ويلزم من ذلك أن من لم يتق الشبهات فهو معرض دينه للدنس والشين والقدح ، فصار بهذا الاعتبار الدين تارة يكون نقيا نزها بريا ، وتارة يكون دنسا متلوثا . والدين يوصف تارة بالقوة والصلابة ، وتارة بالرقة والضعف ، كما يوصف بالنقص تارة وبالكمال تارة أخرى ، ويوصف الإسلام تارة بأنه حسن وتارة بأنه غير حسن ، والإيمان يوصف بالقوة تارة وبالضعف أخرى .\rهذا كله إذا أخذ الدين والإسلام والإيمان بالنسبة إلى شخص شخص ، فأما إذا نظر إليه بالنسبة إلى نفسه من حيث هو هو (1) فإنه يوصف بالنزاهة . قال أبو هريرة : الإيمان نزه ، فإن زنا فارقه الإيمان ، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان . خرجه الإمام أحمد في كتاب \" الإيمان \"\rومن كلام يحيى بن معاذ : الإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك (2).\r\r__________\r(1) كتب في \" ف \" فوق \" هو \" الثانية علامة \" صح \" ، حتى يدفع إيهام التكرار .\r(2) إلى هن انتهى ما بأيدينا من كتاب الإيمان ، وراجع شرح المصنف على هذا الحديث في كتابه \" جامع العلوم والحكم\" الحديث السادس ، فقد تكلم في شرحه بما لا يدع لمتعقب كلاما ، فجزاه الله خير الجزاء .","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rقالَ البخاري -رحمه الله تعالى - :\r5\rكِتَابُ الغُسْلِ\rوقول الله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } [المائدة:6 ] إلى قوله : { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة: 6 ].\rوقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } [النساء:43 ] ، إلى قوله : { عَفُوّاً غَفُوراً } [النساء :43 ] .\rصدر البخاري -رحمه الله- (( كتاب الغسل )) بهاتين الآيتين ؛ لأن غسل الجنابة مذكور فيهما .\rأما قوله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } ، فأمر للجنب إذا قام إلى الصلاة أن يتطهر .\rوتطهر الجنب هوَ غسله ، كما في تطهر الحائض إذا انقطع دمها ؛ ولهذا قالَ تعالى : { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ } [البقرة: 222 ] .\rوالمراد بتطهرهن : اغتسالهن عندَ جمهور العلماء ، فلا يباح وطؤها حتى تغتسل ، وسيأتي تفسير الآية في (( كتاب الحيض )) -إن شاء الله تعالى .\rوأما قوله تعالى : { لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } [النساء: 43 ] ، فنهي عن قربان الجنب الصلاة حتى يغتسل ، فصرح هنا بالغسل ، وهو تفسير التطهير المذكور في آية المائدة.\rوهل المراد : نهي الجنب عن قربان الصلاة حتى يغتسل ، إلا أن يكون مسافراً\r-وهو عابر السبيل - فيعدم الماء ، فيصلى بالتيمم ؟ أو المراد : نهي الجنب عن قربان موضع الصلاة -وهو المسجد- إلا عابر سبيل فيهِ ، غير جالس فيهِ ، ولا لابث ؟ هذا مما اختلف فيهِ المفسرون من السلف .\rوبكل حال ؛ فالآية تدل على أن الجنب ما لم يغتسل منهي عن الصلاة ، أو دخول المسجد ، وأن استباحة ذَلِكَ يتوقف على الغسل ، فيستدل به على وجوب الغسل على الجنب إذا أراد الصلاة ، أو دخول المسجد .\r\r* * *","part":2,"page":1},{"id":122,"text":"1-بَابُ\rالْوُضُوء قَبْلَ الغُسْلِ\rخرج في حديثين :\rالحديث الأول :\r248- حديث : مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا أغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء ، فيخلل بها أصول شعره ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ، ثم يفيض الماء على جلده كله .\rغسل اليدين [ 00 0 ] قبل الوضوء شبه غسلهما للمتوضيء قبل إدخالهما في الإناء .\rوروى هذا الحديث وكيع، عن هشام ، وقال في حديثه : (( يغسل يديه ثلاثاً )).\rخرجه مسلم من طريقه كذلك .\rواستحسن أحمد هذه الزيادة من وكيع .\rوقال أبو الفضل ابن عمار : ليست عندنا بمحفوظة .\rقلت : تابعه -أيضا- على ذكر الثلاث في غسل الكفين : مبارك بن فضالة ، عن هشام .\rخرج حديثه ابن جرير الطبري .\rومبارك ، ليس بالحافظ .\rوكذلك رواها ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة .\rوقد رويت -أيضا- من حديث أبي سلمة ، عن عائشة ، وسيأتي حديثه .\rوقد روي ، أنه غسلهما قبل الاستنجاء ، ثم استنجى ، ثم دلكهما بالأرض ، ثم غسلهما قبل الوضوء مرتين أو ثلاثاً ، وسيأتي ذَلِكَ فيما بعد -إن شاء الله تعالى .\rوقول عائشة : (( ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة )) يدل على أنه توضأ وضوءاً كاملاً ، قبل غسل رأسه وجسده .\rوروى أبو معاوية الضرير هذا الحديث ، عن هشام ، وزاد في آخر الحديث :\r(( ثم غسل رجليه )) .\rخرجه مسلم .\rوتابعه عليها محمد بن [ كناسة ] ، عن هشام .\rخرج حديثه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في (( كتاب الشافعي )) [ 00 ] .\rوذكر أبو الفظل ابن عمار : أن هذه الزيادة ليست بمحفوظة .\rقلت : ويدل على أنها غير محفوظة عن هشام : أن أيوب روى هذا الحديث عن هشام ، وقال فيهِ : (( فقلت لهشام : يغسل رجليه بعد ذَلِكَ ؟ فقالَ : وضوءه للصلاة ، وضوءه للصلاة .\rأي : أن وضوءه في الأول كاف .\rذكره ابن عبد البر .\rوهذا يدل على أن هشاما فهم من الحديث أن وضوءه قبل الغسل كانَ كاملا بغسل الرجلين ، فلذلك لم يحتج إلى إعادة غسلهما .\rوقد روى حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يغسل يديه ثلاثاً ، ثم يأخذ بيمينه فيصب على شماله ، فيغسل فرجه حتى ينقيه ، ثم يغسل يده غسلا حسنا ، ثم يمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً ، ويغسل وجهه ثلاثاً ، وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثاً ، ثم يغتسل ، فإذا خرج غسل قدميه .\rخرجه الإمام أحمد ، عن عفان ، عن حماد .\rوخرجه ابن جرير الطبري ، من طريق حجاج بن منهال ، عن حماد ، به .\rوفي روايته : ثم يغسل جسده غسلاً ، فإذا خرج من مغتسله غسل رجليه .","part":2,"page":2},{"id":123,"text":"وخرجه الطبراني في (( الأوسط )) من طريق مؤمل ، عن حماد ، عن عطاء ابن السائب وعلي بن زيد ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا اغتسل من جنابة غسل كفيه ثلاثاً قبل أن يغمسهما في الإناء ، ثم يأخذ الماء بيمينه فيصبه على شماله ، ثم يغسل فرجه ، ثم يمتضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً ، ثم يغسل وجهه ثلاثاً ، ويغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ، ثم يصب على رأسه الماء واحداً واحداً ، فإذا خرج من مغتسله غسل قدميه .\rوخرجه النسائي بمعناه ، ولم يذكر غسل رجليه في الآخر ، وعنده : أنه صب على رأسه ثلاثاً .\rوفي رواية لهُ : (( ملء كفيه )) .\rوروى الإمام أحمد : ثنا هشيم : أنا خالد ، عن رجل من أهل الكوفة ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من مغتسله حيث يغتسل من الجنابة يغسل قدميه .\rوروى الأوزاعي ، قالَ: حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة -وحدثني عمرو بن سعد ، عن نافع مولى ابن عمر - ، أن عمر سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغسل من الجنابة .\rقالَ الأوزاعي : واتفقت الأحاديث على هذا ، يبدأ فيفرغ على يده اليمنى مرتين أو ثلاثاً ، ثم يدخل يده اليمنى في الإناء ، فيصب بها على فرجه ، ويده اليسرى على\rفرجه ، فيغسل ما هنالك حتى ينقيه ، ثم يضع اليسرى على التراب إن شاء ، ثم يصب على يده اليسرى حتى ينقيها ، ثم يغسل يديه ثلاثا ويستنشق ويمضمض ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ، حتى إذا بلغ رأسه لم يمسحه ، وأفرغ عليهِ الماء ، وهكذا كانَ\r[ غسل ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيما ذكر لنا .\rخرجه النسائي .\rوهذا مما رواه الأوزاعي بالمعنى الذي فهمه من حديث عائشة وحديث عمر ، وليس هوَ لفظ حديثهما ، ولكنه إلى لفظ حديث عمر أقرب ؛ فإن حديث عمر روي بمعنى مقارب لما قاله الأوزاعي من غير طريقه .\rخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة ، عن عاصم بن عمرو البجلي ، عن رجل حدثه ، أنهم سألوا عمر عن غسل الجنابة ، وعن صلاة التطوع في البيت ، وعما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض ؟ فقالَ : لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحد منذ سألت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( صلاة الرجل في بيته تطوعا نور ، فمن شاء نور\rبيته )) ، وقال -في الغسل من الجنابة - : (( يغسل فرجه ، ثم يتوضأ ، ثم يفيض على رأسه ثلاثاً )) ، وقال -في الحائض - : (( ما فوق الإزار )) .\rوخرجه الإسماعيلي في (( مسند عمر )) ، من طريق أخرى ، عن عاصم .\rوفي بعض رواياته : (( توضأ وضوءك للصلاة ، ثم أفض الماء على رأسك ، ثم على جسدك ، ثم تنح من مغتسلك فاغسل رجليك ))\rوفي رواية لهُ : عن عاصم ، عن عمير مولى عمر ، أن نفراً سألوا عمر - فذكر الحديث ، وقال في حديثه - : (( وأما الغسل فتفرغ بشمالك على يمينك ، ثم تدخل يدك في الإناء ، ثم تغسل فرجك وما أصابك ، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات ، تدلك رأسك كل مرة ، ثم تغسل سائر جسدك )) .","part":2,"page":3},{"id":124,"text":"ورواه ابن أبي ليلى ، عن عاصم بن عمر البجلي ، عن عمر بن شرحبيل وهو : أبو ميسرة - ، عن عمر -وقد ذكر الحديث ، وقال فيهِ - : (( وأما الغسل من الجنابة ، فصب بيمينك على شمالك واغسلها واغسل فرجك ، وتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم أفض على رأسك وجسدك ، ثم تحول فاغسل قدميك )) .\rخرجه الإسماعيلي .\rوقد فهم الأوزاعي من حديث عمر وعائشة ، أن الوضوء يكون ثلاثاً ثلاثاً إلى مسح الرأس ، ولا يمسح الرأس ، بل يصب عليهِ الماء ثلاث مرات ، فيكتفي بغسله للجنابة عن مسحه ، ثم يصب الماء على سائر جسده ، ويغسل رجليه .\rفأما القول باستحباب تثليث الوضوء قبل غسل الجنابة ، فقد نص عليهِ سفيان الثوري وإسحاق بن رهوايه وأصحابنا ، ولم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثاً ، وعلى تثليث صب الماء على الرأس .\rوأما القول بأنه لا يمسح رأسه ، بل يصب عليهِ الماء صباً ، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة ، فهذا قد روي صريحاً عن ابن عمر .\rونص عليهِ إسحاق بن راهويه - : نقله عنه حرب .\rونقله أبو داود ، عن أحمد .\rونقل عنه ، قالَ : لا يغسل رجليه قبل الغسل .\rوروي عن ابن عمر ، أنه قالَ : توضأ وضوءك للصلاة ، إلا رجليك . وظاهر هذا : أنه يمسح رأسه ، ولا يغسل رجليه ، وهو قول الثوري وغيره من العلماء .\rوالاكتفاء بغسل الرأس عن مسحه يدل على أن غسل الرأس في الوضوء يجزىء عن مسحه ، لكنه في الوضوء المفرد مكروه ، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه .\rوذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يكمل وضوءه كله ، بمسح رأسه ، وغسل قدميه قبل الغسل ، وهو المشهور عندَ أصحابنا ، وهو قول الخلال وصحابه أبي بكر ، وهو قول مالك والشافعي في أشهر قوليه ؛ لظاهر حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا .\rوقالوا : حديث عائشة ، حكاية عن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الدائم في غسله للجنابة ، وأما ميمونة التي روت تأخير غسل رجليه ، فإنها حكت غسلة في واقعة عين ، ولكن قد تبين أنه روي عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة في تأخير غسل القدمين ، ولم يأت عنها ولا عن غيرها التصريح بمسح الرأس في الوضوء .\rونص أحمد -في رواية جماعة- على أنه مخير بين تكميل الوضوء أولاً ، وبين تأخير غسل الرجلين إلى أن يكمل الغسل .\rوحكي للشافعي في تكميل الوضوء أولاً قبل الغسل قولان :\rنقل عنه البويطي : تأخير غسل الرجلين .\rوالأصح عندَ أصحابه : التكميل .\rوقال سفيان الثوري : يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً إلى أن ينتهي إلى رأسه ، فيمسحه مرة ، ثم يفيض عيه ثلاثاً ، ويبالغ بالماء اصول الشعر ، وغسل لحيته وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، ثم يفرغ على سائر جسده من الماء ، ثم يتنحى عن مكانه ، فيغسل قدميه .\rهكذا حكى أصحابه عنه في كتبهم .\rوالذين قالوا : يكمل وضوءه قبل الغسل ، قالوا : لا يعيد غسل قدميه بعده .\rقاله إبراهيم النخعي ومسلم بن يسار وهشام بن عروة وأبو الأسود يتيم عروة ، ونص عليهِ أحمد .\rومن أصحابنا من قالَ : يستحب إعادة غسل قدميه إذا انتقل من مكانه ، تطهيراً لهما وتنظيفاً .\rوحكى الترمذي في (( كتابه )) ذَلِكَ عن أهل العلم .","part":2,"page":4},{"id":125,"text":"وفيه نظر .\rوقد كانَ الشعبي إذا خرج من الحمام يخوض ماء الحمام ، ولا يغسل قدميه .\rوروى ابن أبي شيبة ، عن الأسود بن عامر ، عن حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت :كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما يغتسل يخرج من الكنيف ، يغسل قدميه .\rوخرجه عنه بقي بن مخلد في (( مسنده )) .\rوهو مختصر من حديث صفة الغسل الذي سبق ذكره .\rوذكر الكنيف فيهِ غريب .\r\rالحديث الثاني :\r249- من رواية : الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - وضوءه للصلاة ، غير رجليه ، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ، ثم أفاض عليهِ الماء ، ثم نحى رجليه فغسلهما ، هذه غسله من الجنابة .\rخرجه عن الفريابي ، عن الثوري ، عن الأعمش ، هكذا .\rوفيه : التصريح بأنه لم يغسل رجليه في أول وضوئه ، بل أخر غسل رجليه حتى فرغ من غسله .\rوخرجه فيما سيأتي -إن شاء الله تعالى- من حديث ابن عيينة ، عن الأعمش ، وقال في حديثه : (( فتوضأ وضوءه للصلاة ن فلما فرغ من غسله غسل رجليه )) .\rوهذه الرواية تحتمل أن يكون أعاد غسل رجليه لما أصابهما من التراب ، حيث كانَ يغتسل على الأرض في مكان غير مبلط ولا مقير ، لكن رواية سفيان صريحة باستثناء غسل رجليه في أول الوضوء .\rوخرجه -أيضاً- من طريق حفص بن غياث ، عن الأعمش ، وفي حديثه : (( ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه وأفاض الماء على رأسه ، ثم تنحى فغسل قدميه )) .\rوهذه الرواية تدل على أنه لم يمسح رأسه ، ولا غسل قدميه أولاً في الوضوء ، بل أفاض الماء على رأسه عندَ مسحه .\rوخرجه -أيضاً- من طريق عبد الواحد ، عن الأعمش ، وفي حديثه : (( ثم غسل رأسه ثلاثاً ، ثم أفرغ على جسده ، ثُمَّ تنحى من مقامه فغسل رجليه )) .\rوخرجه من طريق أبي عوانة والفضل بن موسى وأبي حمزة ، عن الأعمش ،\rكذلك ، إلا أنه لم يذكر التثليث في غسل رأسه .\rوقد رواه وكيع ، عن الأعمش ، فذكر في حديثه : أنه غسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً .\rخرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه .\rوقوله في هذه الرواية : (( هذا غسله من الجنابة )) ، مما يشعر بأنه ليس من تمام حديث ميمونة .\rوقد رواه زائدة ، عن الأعمش ، وذكر فيهِ : أن غسل الجنابة إنما هوَ من قول سالم بن أبي الجعد .\rخرجه من طريقه ابن جرير الطبري والإسماعيلي في (( صحيحه )) .\rوقد خرج البخاري الحديث في موضع آخر ، من رواية سفيان الثوري ، عن الأعمش ، بأبسط من هذا السياق ، وفيه : عن ميمونة ، قالت : (( سترت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يغتسل من الجنابة )) - فذكر الحديث .\rوخرجه -أيضاً- من رواية ابن عيينة ، عن الأعمش ، ولفظه : (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل من الجنابة ، فغسل فرجه )) - ، وذكر الحديث .\rومن رواية الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، وفي حديثه : (( وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - وضوءاً للجنابة ، فأكفأ بيمينه على شماله )) -وذكر الحديث .","part":2,"page":5},{"id":126,"text":"وفي هذين الحديثين : دليل على استحباب الوضوء قبل الاغتسال من الجنابة ، وأنه لا يؤخر كله إلى بعد كمال الغسل .\rوقد روي عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يتوضأ بعد الغسل .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حسن صحيح .\rوسئل ابن عمر عن الوضوء بعد الغسل ؟ فقالَ : وأي وضوء أعم من الغسل .\rوخرجه الطبراني والحاكم ، عنه مرفوعاً . ووقفه أصح .\rوعن جابر بن عبد الله ، قالَ : يكفيك الغسل .\rوروي إنكاره عن ابن مسعود -أيضاً .\rوروي عن أصحاب ابن مسعود : علقمة وغيره .\rوعن سعيد بن جبير والنخعي :\rوروي عن حذيفة من وجه منقطع إنكار الوضوء مع الغسل .\rوكذا روي عن الشعبي ، أنه كانَ لا يرى الوضوء في الغسل من الجنابة .\rولكن قد صحت السنة -بالوضوء قبل الغسل .\rوأما الوضوء بعد الغسل ، فلم يصح فيهِ شيء .\rوروي الرخصة فيهِ عن علي - رضي الله عنه - .\rوأنكر صحة ذَلِكَ عنه : النخعي .\rونقل يعقوب بن بختان ، عن أحمد في الحائض : أنها إن شاءت أخرت الوضوء عن الغسل ، وإن شاءت بدأت به .\rولعل هذا يختص بغسل الحيض .\rوكذا قالَ أصحاب الشافعي : إن الجنب مخير ، إن شاء توضأ قبل الغسل ، وإن شاء بعده .\rوأما إن نسي الوضوء قبل الغسل ، فإنه يتوضأ بعد الغسل - : نص عليهِ أحمد ومالك وغير واحد .\rواصل هذا : أن الجمع بين الوضوء والغسل هوَ السنة عندَ الجمهور ، لكن الأفضل : أن يتوضأ قبل الغسل ، ثم يغتسل على ما سبق من صفة الوضوء مع الغسل .\rفإن اغتسل ولم يتوضأ ، فهل يرتفع حدثاه بذلك ، أم لا يرتفع إلا حدثه الأكبر خاصة ، ويبقى حدثه الأصغر ، فلا يستبيح الصلاة بدون تجديد الوضوء ؟\rهذا فيهِ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد .\rأشهرهما : أنه يرتفع حدثاه بذلك ، إذا نوى بغسله رفع الحدثين جميعاً .\rوالثانية : لا يرتفع حدثه الأصغر بدون الوضوء .\rوحكي عن مالك وأبي ثور وداود .\rفإذا اغتسل ولم يتوضأ ارتفع حدثه الأكبر ، ولم يرتفع الأصغر حتى يتوضأ .\rومن حكى عن أبي ثور وداود : أن الحدث الأكبر لا يرتفع بدون الوضوء مع الغسل ، فالظاهر : أنه غالط عليهما .\rوقد حكى ابن جرير وابن عبد البر وغيرهما الإجماع على خلاف ذلك . ومذهب الشافعي : أنه يرتفع حدثاه بنية رفع الحدث الأكبر خاصة ، ولا يحتاج إلى نية رفع الحدث الأصغر .\rوذهب إسحاق وطائفة من أصحابنا ، كأبي بكر عبد العزيز بن جعفر : إلى أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بالغسل وحده ، حتى يأتي فيهِ بخصائص الوضوء ، من الترتيب والمولاة .\rوأما المضمضمة والاستنشاق ، فقد ذكرنا حكهما في الوضوء فيما سبق .\rوأما في الغسل ، فهما واجبان فيهِ عندَ أبي حنيفة ، والثوري ، وأحمد -في المشهور عنه .\rوعنه : يجب الاستنشاق وحده .\rواختلف أصحابنا : هل يجب المبالغة فيهما في الغسل ، إذا قلنا : لا يجب ذَلِكَ في الوضوء ، أم لا ؟ على وجهين .\rومذهب مالك والشافعي: أن المضمضمة والاستنشاق سنة في الغسل كالوضوء .\r* * *","part":2,"page":6},{"id":127,"text":"2- بَابُ\rغُسْلِ الرَّجلِ مَعَ امرَأَتِهِ\rخرج فيهِ :\r250- حديث : الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كنت اغتسل أنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، من قدح ، يقال لهُ : الفرق .\rهذا الحديث ، قد ذكرناه فيما سبق في (( باب : الوضوء بالمد )) ، وتكلمنا عليهِ بما فيهِ كفاية ، فأغنى ذَلِكَ عن إعادته هاهنا .\rوذكرنا حكم اغتسال الرجل مع امرأته في (( باب : وضوء الرجل مع المرأة )) .\r\r* * *","part":2,"page":7},{"id":128,"text":"3-بَابُ\rالغُسْلِ بِالصَّاعِ ونَحْوه\rخرج فيهِ ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r251- من رواية : عبد الصمد ، عن شعبة ، حدثني أبو بكر بن حفص ، قالَ: سمعت أبا سلمة يقول : دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة -رضي الله عنها- فسألها أخوها عن غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدعت بإناء نحو من صاع ، فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب .\rقالَ أبو عبد الله: وقال يزيد بن هارون وبهز والجدي ، عن شعبة : قدر الصاع.\rهذا الحديث ، خرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون ، عن شعبة -مختصراً - وفي حديثه : (( قدر صاع )) - كما أشار إليه البخاري .\rوخرجه مسلم من طريق معاذ العنبري ، عن شعبة ، وفي حديثه : (( قدر\rصاع )) -أيضاً .\rولفظه : عن أبي سلمة ، قالَ : دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة ، فسألها عن غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجنابة ، فدعت بإناء قدر الصاع ، فاغتسلت ، وبيننا وبينها ستر ، وأفرغت على رأسها ثلاثاً . قالَ : وكان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذن من رءوسهن حتى يكون كالوفرة .\rوالمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب : أن عائشة لما سئلت عن غسل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - دعت بإناء قدر الصاع ، فاغتسلت به - وفي رواية : (( نحو الصاع )) - ، وهذا مما يدل على أن تقدير ماء الغسل ليس هوَ على وجه التحديد ، بل على التقريب ، وقد سبق التنبيه عليهِ .\rقالَ القرطبي : ظاهر هذا الحديث أنهما -يعني : أبا سلمة وأخا عائشة- أدركا عملها في رأسها وأعلى جسدها ، مما يحل لذي المحرم أن يطلع عليهِ من ذوات محارمه ، وأبو سلمة ابن أخيها نسباً ، والآخر أخوها من الرضاعة ، وتحققا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد ، ولولا ذَلِكَ لاكتفت بتعليمهما بالقول ، ولم تحتج إلى ذَلِكَ الفعل .\rقالَ : وإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على رؤيته شعرها ، وهذا لم يختلف في جوازه لذي المحرم ، إلا ما يحكى عن ابن عباس ، من كراهة ذَلِكَ . انتهى .\rوقوله : (( إن أبا سلمة كانَ ابن أخيها نسباً )) ، غلط ظاهر ؛ لأن أبا سلمة هوَ ابن عبد الرحمان بن أبي بكر هوَ القاسم .\rوالظاهر : أن أبا سلمة كانَ إذ ذاك صغيراً دون البلوغ ، والآخر كانَ أخاها من الرضاعة .\rوقد اختلف العلماء : فيما يباح للمحرم أن ينظره من محارمه من النساء :\rهل هوَ ما يظهر غالباً في البيوت ، كالرأس واليدين والذراعيين والساقين والوجه والرقبة والشعر ؟ أو ما ليس بعورة ، وهو الوجه والكفان ؟ أو الوجه فقط ؟\rأو لهُ النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة ؟\rوفي ذَلِكَ خلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره .\rوكذلك اختلفوا : في الصبي المميز ، إذا كانَ ذا شهوة : هل هوَ من كالمحرم ؟\rأو كالأجنبي البالغ ؟\rوفيه روايتان عن أحمد .","part":2,"page":8},{"id":129,"text":"وقد روى هذا الحديث ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان ، قالَ : دخلت على عائشة ، فقلت لها : كيف غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجنابة ؟ فقالت : أدخل معك يا ابن أخي رجلاً من بني أبي القعيس - من بني أخيها من الرضاعة - ، فأخبر أبا سلمة بما تصنع ، فأخذت إناء فأكفأته ثلاث مرات على يدها ، قبل أن تدخل يدها فيهِ ، فقالَ : صبت على يدها من الإناء يا أبا سلمة ثلاث مرات قبل أن تدخل يدها . فقالت : صدق ، ثم مضمضت واستنثرت ، فقالَ : هي تمضمض وتستنثر . فقالت : صدق ، ثم غسلت وجهها ثلاث مرات ، ثُمَّ حفنت على رأسها ثلاث حفنات ، ثم قالت بيدها في الإناء جميعاً ، ثم نضحت على كتفيها ومنكبيها ،كل ذَلِكَ تقول إذا أخبر ابن أبي القعيس ما تصنع: صدق.\rخرجه بقي بن مخلد وابن جرير الطبري .\rوهذا سياق غريب جداً .\rوأسامة بن زيد الليثي ، ليس بالقوي .\rوهذه الرواية تدل على أن ابن أخيها من الرضاعة اطلع على غسلها ، وهذا يتوجه على قول من أباح للمحرم أن ينظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة ، وهو قول ضعيف شاذ .\rورواية (( الصحيحين )) تخالف ذَلِكَ ، وتدل على أن أبا سلمة وأخا عائشة كانا جميعاً من وراء حجاب .\rوروى الإمام أحمد : ثنا إسماعيل - هوَ : ابن علية - : نا يونس ، عن الحسن ، قالَ : قالَ : رجل : قلت لعائشة : ما كانَ يقضي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسله من الجنابة ؟ قالَ : فدعت بإناء ؛ حزره صاعاً بصاعكم هذا .\rوهذا الإسناد فيهِ انقطاع .\rوقوله : (( بصاعكم هذا )) ، ربما أشعر بأنه الصاع الذي زيد فيهِ في زمن بني أمية ، كما سبق ذكر ذَلِكَ في (( باب : الوضوء بالمد )) .\rهذا يشهد لحديث مجاهد ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يغتسل بنحو ثمانية أرطال -وفي رواية : أو تسعة ، أو عشرة - ، وقد سبق ذكره -أيضاً .\rالحديث الثاني :\r252-خرجه من رواية : أبي إسحاق : نا أبو جعفر ، أنه كانَ عندَ جابر بن\rعبد الله ، هوَ وأبوه ، وعنده قوم ، فسألوه عن الغسل ، فقالَ : يكفيك صاع .\rفقالَ رجل : ما يكفيني . فقالَ جابر : كانَ يكفي من هوَ أوفى منك شعراً وخيراً منك . ثم أمنا في ثوب واحد .\r(( أبو جعفر )) ، هوَ : محمد بن علي بن حسين .\rوأبوه : علي بن حسين زين العابدين .\rوفي هذا : دلالة على أن سادات أهل البيت كانوا يطلبون العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كما كانَ يطلبه غيرهم ، فدل ذَلِكَ كذب ما تزعمه الشيعة ، أنهم غير محتاجين إلى أخذ العلم عن غيرهم ، وأنهم مختصون بعلم ، يحتاج الناس كلهم إليه ، ولا يحتاجون هم إلى أحد ، وقد كذبهم في ذَلِكَ جعفر بن محمد وغيره من علماء أهل البيت - رضي الله عنهم - .","part":2,"page":9},{"id":130,"text":"وخرج النسائي هذا الحديث ، بهذا الإسناد ، ولفظه : عن أبي جعفر ، قالَ : تمارينا في الغسل عندَ جابر بن عبد الله ، فقالَ جابر : يكفي من الغسل من الجنابة صاع من الماء . قلنا : ما يكفي صاع ، ولا بد صاعان ، فقالَ جابر : قد كانَ يكفي من كانَ خيراً منكم ، وأكثر شعراً .\rومراده بذلك : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد روي يزيد بن أبي زياد ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بالصاع ، ويتوضأ بالمد .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rوفي رواية لأحمد : قالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( يجزىء من الوضوء المد ، ومن الجنابة\rالصاع )) . فقالَ رجل : ما يكفيني . قالَ : قد كفى من هوَ خير منك وأكثر شعراً\r[ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] .\rوخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه )) والحاكم من رواية حصين ، عن سالم ، عن جابر - نحوه .\rففي رواية سالم رفع أول الحديث ، مع أنه روي أوله موقوفاً -أيضاً- من حديثه ، كما في رواية أبي جعفر.\rولعل وقف أوله أشبه ، وأما آخره فمرفوع .\rوقد قيل : إن هذا الرجل الذي قالَ لجابر : (( ما يكفيني )) هوَ الحسن بن محمد ابن الحنفية ، وهو أول من تكلم بالإرجاء .\rوقيل : إنه كانَ يميل إلى بعض مذاهب الإباضية في كثرة ىاستعمال الماء في الطهارة .\rوالذي في (( صحيح مسلم )) من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة صب على رأسه ثلاث حفنات من ماء . فقالَ لهُ الحسن بن محمد : إن شعري كثير ؟ قالَ جابر . فقلت لهُ : يا بن أخي ، كانَ شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من شعرك ، وأطيب .\rفليس في هذه الرواية ذكر الصاع ، بل ذكر الثلاث حفنات .\rوقد خرجه البخاري من طريق معمر بن سام ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر -بمعناه .\rفقد تبين بهذا : أن الذي استقبل الثلاث حثيات في الغسل هوَ محمد بن الحسن ابن الحنيفة ، وأما الذي استقبل الصاع ، فيحتمل أنه هوَ ، وأنه غيره والله أعلم .\rالحديث الثالث :\rقالَ البخاري :\r253- نا أبو نعيم : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن جابر بن زيد ، عن ابن\rعباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد .\rقالَ أبو عبد الله : كانَ ابن عيينة يقول -أخيراً - : (( عن ابن عباس ، عن\rميمونة )) .\rوالصحيح : ما روى أبو نعيم .\rهذا الذي ذكره البخاري -رحمه الله - : أن الصحيح ما رواه أبو نعيم عن ابن عيينة ، بإسقاط ميمونة من هذا الإسناد فيهِ نظر ، وقد خالفه أكثر الحفاظ في ذَلِكَ .\rوخرجه مسلم عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة -جميعاً - ، عن ابن عيينة ، عن عمرو ، عن أبي الشعثاء ، عن ابن عباس ، قالَ : أخبرتني ميمونة ، أنها كانت تغتسل هي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إناء واحد .\rوخرجه الترمذي عن ابن أبي عمر ، عن سفيان كذلك ، وعنده : (( من إناء واحد )) .\rوكذلك رواه الإمامان : الشافعي وأحمد ، عن ابن عيينة .","part":2,"page":10},{"id":131,"text":"وذكر الإسماعيلي في (( صحيحه )) ممن رواه عن ابن عيينة كذلك : المقدمي ، وابنا أبي شيبة ، وعباس النرسي ، وإسحاق الطالقاني ، وأبو خيثمة ، وسريج بن يونس ، وابن منيع ، والمخزومي ، عبد الجبار ، وابن البزاز ، وأبوهمام ، وأبو موسى الأنصاري ، وابن وكيع ، والأحمسي .\rقالَ : وهكذا يقول ابن مهدي -أيضاً - ، عن ابن عيينة .\rقالَ : وهذا أولى ؛ لأن ابن عباس لا يطلع على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهله يغتسلان ، فالحديث راجع إلى ميمونة .\rوذكر الدارقطني في (( العلل )) : أن ابن عيينة رواه عن عمرو ، وقال فيهِ :\r(( عن ميمونة )) ، ولم يذكر أن ابن عيينة اختلف عليهِ في ذَلِكَ .\rوهذا كله مما يبين أن رواية أبي نعيم التي صححها البخاري وهم .\rوإنما ذكر الدارقطني : أن ابن جريج خالف ابن عيينة ، فرواه عن عمرو ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يغتسل بفضل ميمونة .\rقالَ : وقول ابن جريج أشبه .\rكذا قالَ ؛ وحديث ابن جريج هذا خرجه مسلم من طريقه ، قالَ : أخبرني عمرو بن دينار ، قالَ : أكثر علمي ، والذي يخطر على بالي أن ابا الشعثاء أخبرني ، أن ابن عباس أخبره : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يغتسل بفضل ميمونة .\rوهذا لا يرجح على رواية ابن عيينة ؛ لأن ذكر أبي الشعثاء في إسناده مشكوك\rفيهِ ، ولو قدر أنه محفوظ فلفظ الحديث مخالف للفظ حديث ابن عيينة ؛ فإن حديث ابن عيينة فيهِ اغتسالهما من إناء واحد ، وحديث ابن جريج فيهِ اغتساله - صلى الله عليه وسلم - بفضل ميمونة ، وهما حديثان مختلفان .\rوهذا الحديث لا يدخل في هذا الباب ، إنما يدخل في (( باب : غسل الرجل مع امرأته )) ، وقد بوب البخاري على ذَلِكَ فيما سبق ، وخرج فيهِ حديث عائشة ، وخرج -أيضا- فيهِ حديث عائشة من وجه آخر عنها ، يأتي ، وحديث أنس .\rوخرج حديث أم سلمة في ذَلِكَ في (( كتاب : الحيض )) .\rولكن حديث عائشة المتقدم ، فيهِ أنهما كانا يغتسلان من إناء واحد ، من قدح ، يقال لهُ : الفرق ، وتقدم تفسير (( الفرق )) ، وأنه ستة عشر رطلاً .\rوهذا يدل على جواز الزيادة على الصاع في الغسل .\rوقد سبق وحه الجمع بين هذا الحديث ، وحديث الغسل بالصاع .\r\r* * *","part":2,"page":11},{"id":132,"text":"4-بَابُ\rمَنْ أفَاضَ عَلَى رَأسِهِ ثَلاثَاً\rخرج فيهِ ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r254- من رواية : أبي إسحاق : حدثني سليمان بن صرد ، قالَ : حدثني جبير بن مطعم ، قالَ : قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً ))- وأشار بيديه كلتيهما .\rوخرجه مسلم ، ولفظه : تماروا في الغسل عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ بعض القوم : أما أنا ، فإني أغسل كذا وكذا ، فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أما أنا ، فإني أفيض على رأسي ثلاث أكف )) .\rوفي لفظ آخر -خرجه الإمام أحمد - : فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أما أنا ، فآخذ ملء كفي من الماء ثلاثاً ، فأصب على رأسي ، ثم أفيض بعد على سائر جسدي )) .\rوقد أسقط بعضهم من إسناد هذا الحديث : (( جبير بن مطعم )) ، وجعله من مسند سليمان بن صرد .\rوزاد بعضهم في إسناده : (( نافع بن جبير بن مطعم )) ، بين سليمان وجبير .\rوكلاهما وهم - : ذكره الدارقطني وغيره .\rالحديث الثاني :\r255- من طريق : شعبة ، عن مخول بن راشد ، عن محمد بن علي ، عن جابر ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يفرغ على رأسه ثلاثاً .\rالحديث الثالث :\rقالَ البخاري :\r256- نا أبو نعيم : نا معمر بن يحيى بن سام : حدثني أبو جعفر : قالَ لي جابر : أتاني ابن عمك -يعرض بالحسن بن محمد ابن الحنفية - ، قالَ : كيف الغسل من\rالجنابة ؟ فقلت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ ثلاث أكف ، فيفيضها على رأسه ، ثم يفيض على سائر جسده ، فقالَ لي الحسن : إني رجل كثير الشعر ، فقلت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر منك شعراً .\rوقد خرجه مسلم من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، بمعناه ، وقد تقدم لفظه .\rوخرج مسلم -أيضاً- من حديث أبي سفيان ، عن جابر ، أن وفد ثقيف سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن أرضنا أرض باردة ، فكيف بالغسل ؟ فقالَ : (( أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثاً )) .\rوقد سبق عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كانَ يصب على رأسه ثلاثاً ، من حديث عائشة وميمونة -أيضاً .\rوقد روي ، أنه - صلى الله عليه وسلم - كانَ يبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم ألأيسر .\rخرجه البخاري من حديث القاسم ، عن عائشة ، قالَت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفيه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، فقالَ بهما على وسط رأسه .\rوخرجه مسلم ، وعنده : فأخذ بكفيه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، ثم أخذ بكفيه ، فقالَ بهما على رأسه .\rوالظاهر : - والله أعلم - : أنه كانَ يعم رأسه بكل مرة ، ولكن يبدأ في الأولى بجهة اليمين ، وفي الثانية بجهة اليسار ، ثم يصب الثالثة على الوسطى .\rوقد زعم بعضهم ، أنه لم يكنَ يعم رأسه بكل مرة ، بل كانَ يفرغ واحدة على شقه الأيمن ، وواحدة على شقه الأيسر ، ويجعل الثالثة للوسط من غير تعميم للرأس بكل واحدة .","part":2,"page":12},{"id":133,"text":"هكذا ذكره القرطبي وغيره ممن لا يستحب التثليث في الغسل ، وهو خلاف الظاهر .\rوقد روي من حديث عمر -مرفوعاً - ، أنه يدلك رأسه في كل مرة ، وقد ذكرناه فيما تقدم .\rوقد ذكره البخاري فيما بعد : (( باب : من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل )) .\rوخرج فيهِ حديث صفية بنت شيبة ، عن عائشة ، قالت : كنا إذا أصاب أحدنا جنابة أخذت بيدها ثلاثاً فوق رأسها ، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن ، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر .\rوخرجه أبو داود ، ولفظه : كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة أخذت ثلاث حفنات هكذا -تعني : بكفيها جميعاً - ، فصب على رأسها ، وأخذت بيد واحدة فتصبها على هذا الشق ، والأخرى على الشق الآخر .\rوظاهر هذا : أن المرأة يستحب لها بعد أن تصب على رأسها ثلاثاً أن تأخذ حفنة بيدها ، فتصبها على شق رأسها الأيمن ، ثم تأخذ حفنة أخرى فتصبها على شقه الأيسر ، فيصير على رأسها خمس حفنات .\rوقد روي هذا صريحاً عن عائشة من وجه آخر ، من رواية صدقة بن سعيد الحنفي : نا جميع بن عمير -أحد بني تيم الله بن ثعلبة - ، قالَ : دخلت مع أمي وخالتي على عائشة ، فسألتها إحداهما : كيف كنتم تصنعون عندَ الغسل ؟ فقالت عائشة : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يفيض على رأسه ثلاث مرات ، ونحن نفيض على رؤسنا خمساً من أجل الضفر .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوجميع ، قالَ البخاري : فيهِ نظر . [ و ] قالَ أبو حاتم الرازي : هوَ من عتق الشيعة ، محله الصدق ، صالح الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابعه عليهِ أحد .\rوذكره ابن حبان في (( كتاب الثقات )) ، ثم ذكره في (( كتاب الضعفاء )) ، ونسبه إلى الكذب .\rوصدقة بن سعيد ، قالَ البخاري : عنده عجائب . وقال أبو حاتم : شيخ ، وقال الساجي :\rليس بشيء . وذكره ابن حبان في (( الثقات )) .\rوقد تابعه العلاء بن صالح ، فرواه عن جميع ، ولكن قالَ : جميع بن كثير ، عن عائشة ، فوقفه ولم يرفعه .\rخرجه عنه أبو نعيم الفضل بن دكين في (( كتاب الصلاة )) .\rوقال الدارقطني : المرفوع أشبه .\rوقد روي ما يخالف هذا ، وأن المرأة تفرغ على رأسها ثلاثاً من غير زيادة :\rففي (( صحيح مسلم )) ، عن أم سلمة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه لغسل الجنابة ؟ فقالَ : (( لا ، إنما يكفيك ن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ، ثم تفيضن عليك الماء فتطهرين )) .\rوفيه -أيضاً - ، عن أبي الزبير ، عن عبيد بن عمير ، قالَ : بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن ، فقالت : يا عجباً لابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن! أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟!\rلقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات .\rوخرجه النسائي ، وعنده : فأفيض على رأسي ثلاث إفراغات ، ولا أنقض لي شعراً .","part":2,"page":13},{"id":134,"text":"وفي (( سنن أبي داود )) ، عن ثوبان ، أنهم استفتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغسل من الجنابة ، فقالَ : (( أما الرجل فلينشر رأسه ، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر ، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه ، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها )) .\rوأكثر العلماء على أن المرأة لا تنقض رأسها لغسلها من الجنابة ، وروي عن طائفة يسيرة ، أنها تنقضه ، منهم : عبد الله بن عمرو بن العاص ، والنخعي ، وأبو بكر بن أبي شيبة .\rوهذا إذا وصل الماء إلى بواطن الشعر ، فإن لم يصل إلى دواخله بدون النقض ففي وجوب نقضه ؛ لغسل باطن الشعر قولان :\rأحدهما : أنه واجب ، وهو قول حماد ومالك والشافعي وأكثر أصحابنا ، وهو رواية عن أبي حنيفة .\rوروي عن ابن عباس ، قالَ : لو اغتسل إنسان من الجنابة ، فبقيت شعرة لم يصبها الماء ، لم يزل جنباً حتى يصيبها الماء .\rخرجه أبو نعيم الفضل : ثنا مندل ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد ابن جبير ، عنه .\rومندل ، فيهِ ضعف .\rوالثاني : لا يجب ، وحكي عن مالك ، وأبي حنيفة ، والخرقي من أصحابنا ، ورجحه صاحب (( المغني )) منهم .\rوهؤلاء حعلوا الشعر كالمنفصل عن البدن ، ولم يوجبوا سوى إيصال الماء إلى بشرة الرأس خاصة .\rوفرقت طائفة بين الرجال والنساء ، فأوجبوا النقض على الرجل دون المرأة ؛ لحديث ثوبان - : حكاه القرطبي وغيره .\rوهذا هوَ الصحيح من مذهب أبي حنيفة ، وأن الرجل يجب عليهِ نقض شعره بخلاف المرأة .\rلكن قالوا : إن كانَ شعر المرأة غير مضفور وجب غسله ، كما يجب غسل شعر لحية الرجل .\rونقل مهنا ، أحمد ، أن المرأة في غسل الجنابة كالرجل .\rوظاهر هذا : يدل على أن حكمهما في نقض الشعر سواء ، وفي عدد حثيات المرأة على رأسها كالرجال سواء ، لا تزيد على ثلاث .\r\r* * *","part":2,"page":14},{"id":135,"text":"5-بَابُ\rالغُسْلِ مَرَّةً وَاحدَةً\r257- نا موسى بن إسماعيل : نا عبد الواحد ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قالَ : قالت ميمونة : وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ماء للغسل ، فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً ، ثُمَّ أفرغ على شماله ، فغسل مذاكيره ، ثم مسح [ يده ] بالأرض واستنشق ، وغسل وجهه ويديه ، ثم أفاض على جسده ، ثم تحول من مكانه ، فغسل قدميه.\rمراده بهذا الحديث في هذا الباب : أن ميمونة حكت غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم تذكر في غسل شيء من أعضائه عدداً ؛ إلا في غسل يديه في ابتداء الغسل- مع شك الراوي : هل كانَ غسلهما مرتين أو ثلاثاً ، وهذا الشك هو من الأعمش كما سيأتي بيانه في رواية أخرى ، إن شاء الله تعالى - ، واطلقت الغسل في الباقي ، فظاهره : أنه لم يكرر غسل شيء من جسده بعد ذَلِكَ ، لا في الوضوء ولا في الغسل بعده .\rولكن قد خرج البخاري هذا الحديث -فيما بعد - ، عن محمد بن محبوب ، عن عبد الواحد ، عن الأعمش ، به ، وقال فيهِ- بعد غسل وجهه ويديه - : (( ثم غسل رأسه ثلاثاً ، ثم أفرغ على جسده )) .\rوخرجه في مواضع أخر ، من طرق أخرى ، عن الأعمش ، وذكر فيها : غسل رأسه- ولم يذكر عدداً .\rوقد تقدم : أن وكيعاً رواه عن الأعمش ، وذكر فيهِ : غسل وجهه ويديه ثلاثاً ، وأفاض على رأسه ثلاثاً .\rوخرجه عنه الإمام أحمد .\rوقد روى مسلم في (( صحيحه )) من حديث عيسى بن يونس ، عن الأعمش في هذا الحديث ، أنه أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه .\rوعلى هذه الروايات : إنما ينبغي أن يدخل هذا الحديث في الباب الماضي .\rوقد أختلف العلماء في استحباب غسل البدن كله في الغسل من الجنابة ثلاثاً :\rفمنهم : من استحبه ، وهو قول إسحاق بن راهويه وكثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة .\rوروى وكيع في (( كتابه )) ، عن أبي مكين ، عن أبي صالح مولى أم هانيء ، عن أم هانىء ، قالت : إذا اغتسلت من الجنابة فاغسل كل عضو ثلاثاً .\rأبو صالح ، هوَ باذان ، وهو ضعيف جداً .\rورواه سمويه الحافظ : نا أحمد بن يحيى بن زيد بن كيسان : نا يزيد بن ذريع ، عن أبي مكين ، عن أبي صالح : حدثتني أم هانيء ، قالت : قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أغتسل أحدكم فليغسل كل عضو منه ثلاث مرات )) - يعني : الجنابة .\rورواية وكيع للموقوف أصح .\rوروى الفضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، أن رجلاً سأله عن الغسل من الجنابة ، فقالَ : ثلاثاً . فقالَ الرجل : إن شعري كثير ، فقالَ : رسول الله كانَ أكثر شعراً منك وأطيب .\rخرجه الإمام أحمد وابن ماجه .\rوعطية ، هوَ العوفي ، فيهِ ضعف مشهور .\r[ ولعله أراد الثلاث في ] غسل الرأس ؛ ولهذا قالَ لهُ السائل : إن شعري كثير .\rوقد خرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في (( كتاب الصلاة )) لهُ ، عن فضيل ابن مرزوق ، عن عطية ، قالَ : سأل رجل أبا سعيد الخدري : كم يكفي لغسل رأسه ؟ قالَ : ثلاث حفنات -وجمع يديه- وذكر بقية الحديث .","part":2,"page":15},{"id":136,"text":"ومما يستدل به تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة : ما خرجه أبو داود ، من رواية حماد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، في صفة غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : وأفرغ على رأسه ثلاثاً ، ، فإذا فضلت فضلة صبها عليهِ .\rوالمراد : بعد الفراغ من غسل بقية جسده ، وإلا لم يكن لقولها : (( فإذا فضلت فضلة )) معنى .\rوروى وهيب هذا الحديث ، عن هشام ، وقال فيهِ : (( ثم أفاض الماء على\rجسده ، فإن بقي في الإناء شيء أفرغه عليهِ )) .\rورواه -أيضاً- مبارك بن فضالة ، عن هشام -بنحوه .\rخرجهما ابن جرير الطبري .\rوقالت طائفة : لا يستحب تكرار غسل الجسد في غسل الجنابة ، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي ، وصرح به المارودي من الشافعية ، وأصحاب مالك .\rوحكى الإمام أحمد ، أن ابن عباس كانَ يغتسل من الجنابة سبع مرار .\rوقال : هوَ من حديث شعبة -يعني : مولى ابن عباس - ، مشهور عنه .\rقالَ : وأما حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه كانَ يحفن على رأسه ثلاثاً .\rوهذا الحديث خرجه أبو داود من رواية ابن أبي ذئب ، عن شعبة -وهو : مولى ابن عباس - ، أن ابن عباس كانَ إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرات ، ثم يغسل فرجه ، فنسي مرة كم أفرغ ، فسألني : [ كم أفرغت ] ؟ قلت : لا أدري ، فقالَ : لا أم لك ، وما يمنعك أن تدري ؟ ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يفيض على جلده الماء ، ويقول : هكذا كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتطهر .\rوليس في هذه الرواية التسبيع في سوى غسل يده اليسرى قبل الاستنجاء .\rويتحمل أن المراد به : التسبيع في غسل الفرج خاصة ، وهو الأظهر .\rوشعبة مولى ابن عباس ، قالَ مالك : ليس بثقة ، وقال -مرة - : لا يشبه القراء ، وقال أحمد ويحيى : لابأس به ، وقال يحيى -مرة - : لايكتب حديثه ، وقال النسائي والجوزجاني : ليس بالقوي في الحديث ، وقال ابن عدي : لم أر له حديثاً منكراً جداً فأحكم لهُ بالضعف ، وأرجو أنه لا بأس به .\rونقل حرب عن إسحاق ، أنه قالَ في غسل الجنابة : يغسل فرجه ثلاثاً ، وإن احتاج إلى الاستنجاء غسل مقعدته ثلاثاً إلى السبع ، ولا يزيد على ذَلِكَ، إلا أن لا ينقي .\rوظاهر هذه الأحاديث : يدل على أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بإفاضة الماء على جسده من غير ذَلِكَ .\rوجمهور العلماء على أن التدلك في الطهارة غير واجب ، خلافاً لمالك في المشهور عنه .\r\r* * *","part":2,"page":16},{"id":137,"text":"6-بَابُ\rمَنْ بَدَأ بِالحِلابِ أو الطَّيب عنْدَ الغُسْلِ\r258 - حدثني محمد بن المثنى : نا أبو عاصم ، عن حنظلة ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب ، فأخذ بكفيه ، فبدأ بشق رأسه الأيمن ، ثم الأيسر ، فقالَ بهما على وسط رأسه .\r(( حنظلة )) ، هوَ : ابن أبي سفيان .\rوظاهر تبويب البخاري على هذا الحديث : يدل على أنه فهم منه أن الحلاب نوع من الطيب ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يستعمل شيئاً من الطيب في رأسه في غسل الجنابة .\rوقد أنكر العلماء ذَلِكَ على البخاري -رحمه الله - ، ونسبوه فيهِ إلى الوهم ، منهم : الخطابي والإسماعيلي وغير واحد .\rوقالوا : إنما الحلاب إناء يحلب فيهِ ، ويقال لهُ : المحلب -أيضاً .\rوالمراد : أنه كانَ يغتسل من مد نحو الإناء الذي يحلب فيهِ اللبن من المواشي ، وهو معنى الحديث الآخر : أنه نحو الصاع .\rويشهد لذلك : أنه روي في بعض طرق هذا الحديث ، أن القاسم سئل : كم يكفي من غسل الجنابة ، فحدث بهذه الحديث . وإنما كانَ السؤال عن قدر ماء الغسل ، لا عن الطيب عندَ الغسل .\rذكره الإسماعيلي في (( صحيحه )) .\rوذكر- أيضاً- حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرب إليه حلاب فيهِ لبن ، فشرب منه- يعني : يوم عرفة .\rوزعم بعضهم : أنه (( الجلاب )) -بالجيم - ، وأن المراد به : ماء الورد .\rوهو أيضاً- تصحيف ، وخطأ ممن لا يعرف الحديث .\rوزعم آخرون : أن ((الحلاب)) -بالحاء - وعاء للطيب . ولا أصل لذلك .\rوخرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه في (( كتاب الشافي )) ، في هذا الحديث ، من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد ، عن حنظلة ، عن القاسم ، عن عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يغتسل في حلاب قدر هذا- وأرانا أبو عاصم قدر الحلاب بيده ، فإذا هوَ كقدر كوز يسع ثمانية أرطال - ، ثم يصب على شق رأسه الأيسر ، ثم يأخذ بكفيه فيصب وسط رأسه .\r* * *","part":2,"page":17},{"id":138,"text":"7- بَابُ\rالْمَضْمَضَةِ وَالاِستْنْشاقِ في الْجَنَابةِ\r259- حدثنا عمر بن حفص : ثنا أبي : حدثني الأعمش : حدثني سالم ، عن كريب ، عن ابن عباس ، قالَ : ثنا ميمونة ، قالت : صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً ، فأفرغ يمينه على يساره فغسلهما ، ثم غسل فرجه ، ثم قالَ بيده على الأرض فمسحها بالتراب ، ثم غسلها ، ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ، وأفاض على رأسه ، ثم تنحى فغسل قدميه ، ثم أتي بمنديل ، فلم ينفض بها .\rالمضمضمة والاستنشاق في غسل الجنابة ، مذكور في حديث ميمونة ، وفي حديث عائشة -أيضاً - ، كما سبق - ، أنه مضمض ثلاثاً ، واستنشق ثلاثاً .\rوقد أشرنا -فيما تقدم- إلى الاختلاف في وجوب المضمضة [ . . . ] والاستنشاق في غسل الجنابة .\rفمن أوجبهما في الوضوء ، أو أوجب الاستنشاق وحده في الوضوء ، فإيجابه لهُ في غسل الجنابة أولى ، إلا رواية رويت عن الإمام أحمد ، أنها في الوضوء أوكد ؛ [ . . . ..] الأمر بالاستنشاق في الوضوء ، دون الغسل .\rوهذا ؛ بعيد ؛ فإن الغسل [ . . . ] غسل مواضع الوضوء ، وزيادة ، فما وجب في الوضوء ، فهوَ واجب في الغسل بطريق الأولى .\rوأما من لم يوجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء ، فاختلفوا في إيجابهما في غسل الجنابة :\rفأوجبهما الكوفيون ، منهم : الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان .\rوقال مالك والشافعي : هما مسنونان في الوضوء والغسل سواء .\rواستدل من أوجبهما في الغسل بأن غسل الجنابة يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف ، مع استتاره بالشعر ، فإيجاب إيصال الماء فيهِ إلى باطن الفم والأنف ، مع ظهوره ، أولى بالوجوب .\rوروى وكيع ، عن أبي حنيفة ، عن عثمان بن راشد ، عن عائشة بنت عجرد ، قالت : سألت ابن عباس عن الجنب يغتسل ، فينسى المضمضة والاستنشاق حتى يصلي ؟ قالَ : يتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة .\rوخرجه الدارقطني من طريق سفيان ، عن عثمان ، عن عائشة ، عن ابن عباس ، قالَ : يعيد في الجنابة ، ولا يعيد في الوضوء .\rوعائشة بنت عجرد ، قيل : إنها غير معروفة .\rوأنكر الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة التفرقة بين الغسل والوضوء في المضمضة والاستنشاق .\rوقالوا : ما وجب غسله من الوجه في الوضوء ، وجب في الغسل ، وما لا فلا .\rوفرقوا بين باطن الفم ، والأنف ، وما تحت الشعور ، بأن ما تحت الشعور ستره\r[ طارىء ] ، بخلاف باطن الفم والأنف ، فإن سترهما بأصل الخلقة .\rوأما غسل باطن العين في الجنابة ، فكان ابن عمر يفعله .\rوفي وجوبه عن أحمد روايتان ، وأصحهما : لا يجب ؛ لمشقته ، وخوف الضرر\rمنه .\r\r* * *","part":2,"page":18},{"id":139,"text":"8- بَابُ\rمَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ ليكُونَ أنقَى\r260- ثنا عبد الله بن الزبير الحميدي : ثنا سفيان : ثنا الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن ميمونة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل من الجنابة ، فغسل فرجه بيده ، ثم دلك بها على الحائط ، ثم غسلها ، ثم توضأ وضوءه للصلاة ، فلما فرغ من غسله غسل رجليه .\rهذا الحديث قد سبق بألفاظ أخر .\rوقد خرجه في الباب الماضي ، ولفظه : (( ثم غسل فرجه ، ثم قالَ بيده على الأرض ، فمسحها بالتراب )) .\rوقد خرجه -فيما بعد- من حديث أبي عوانة ، عن الأعمش وقال في حديثه : (( ثم دلك يده بالأرض ، أو بالحائط )) .\rوخرجه -أيضاً- من رواية الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، وفي حديثه : (( ثم ضرب يده بالأرض -أو الحائط- مرتين أو ثلاثاً )) .\rوخرجه مسلم من حديث عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، وعنده : (( ثم ضرب بشماله الأرض ، فدلكها دلكاً شديداً )) .\rفقد تضمن هذا الحديث : أن المستنجي يدلك يده بالتراب ، ثم يغسلها .\rوقد روي مثل هذا في حديث عائشة -أيضاً .\rخرجه أبو داود من حديث الأسود ، عنها .\rوخرج -أيضاً- من رواية الشعبي ، قالَ : قالت عائشة : لئن شئتم لأرينكم أثر يد رسول الله في الحائط ، حيث كانَ يغتسل من الجنابة .\rوفي رواية للنسائي ، من حديث عطاء بن السائب ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل يده اليسرى بعد غسل فرجه .\rلكن شك راويها فيها .\rوقد روي نحو ذَلِكَ في الاستنجاء قبل الوضوء في غير غسل الجنابة -أيضاً - وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استنجى بالماء ثم دلك يده بالأرض .\rوقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث إبراهيم بن جرير البجلي ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة .\rوخرجه ابن ماجه -أيضاً- والنسائي من حديث إبراهيم بن جرير ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال النسائي : هوَ أشبه بالصواب .\rوإبراهيم بن جرير ، لم يسمع من أبيه شيئاً - : قاله ابن معين وغيره .\rوهذا السياق الذي خرجه البخاري في هذا الباب مختصراً ، والسياق الذي خرجه في هذا الباب الذي قبله أتم منه ، وفيه : أنه - صلى الله عليه وسلم - غسل يديه ، ثم غسل فرجه ، ثم مسح يده بالتراب ، ثم غسلها .\rفاقتضى ذَلِكَ : استحباب غسل اليدين قبل الاستنجاء ، ثم غسل اليد اليسرى\rبعد .\rوقال الثوري وإسحاق : إذا اغتسل من الجنابة غسل كفيه ثلاثاً ، ثم غسل\rفرجه ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم يديه ثلاثاً ، ثم يتوضأ .\rوليس هذا في حديث ميمونة ، ولا في حديث عائشة ، إلا في رواية الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، وعن عمرو بن سعد ، عن نافع ، عن عمر ، وقد سبق لفظها ، وهي مروية بالمعنى كما تقدم .\rوروي عن ابن عمر من قوله ، في صفة غسل الجنابة ، أنه يغسل يديه ثلاثاً ، ثم يغسل فرجه ، ثم يضرب بيده على الحائط ، ثم يغسلها ، ثم يتوضأ .\rخرجه إبراهيم بن مسلم في (( كتاب الطهور )) .","part":2,"page":19},{"id":140,"text":"ونص الإمام أحمد : على أن المستنجي يغسل يديه قبل الاستنجاء ، ثم إذا\rاستنجى ، فإنه يغسل يديه ويتوضأ .\rولعل هذا لا يحتاج إليه قبل الاستنجاء إذا كانَ يريد أن يدخل يديه في الإناء ، ليصب على فرجه منه ، فإذا كانَ الماء في مثل الإداوة ونحوها يصب منه على فرجه ، فلا حاجة لهُ إلى غسله يديه قبل الاستنجاء .\rونص أحمد في إعادة غسل اليدين ثلاثاً بعد الاستنجاء إنما هوَ في الوضوء من غير الجنابة ، فإن الوضوء من الحدث الأصغر ينتقض بمس الفرج ، فلذلك لا [ . . . ] فيهِ على غسل اليدين قبله ، وأما غسل الجنابة ، فإذا غسل كفيه ثلاثاً ، ثم غسل فرجه لم يحتج إلى إعادة غسل يديه بعده ؛ لأن مس الفرج لا يؤثر في غسل الجنابة ، فإنه من حين نوى وسمى وغسل كفيه ثلاثاً [ قد بدأ ] غسل الجنابة ، ولذلك لا يحتاج إلى إعادة غسل فرجه عندَ غسل جسده ، بل يكتفى بغسله أولاً .\rوقد نقل جعفر بن محمد ، عن أحمد ، في الجنب يتوضأ قبل أن ينام ، ثم يقوم ، يغتسل ولا يتوضأ ، فرأى أن ذَلِكَ يجزئه .\rولعل مراده : يجزئه غسل أعضاء الوضوء أولاً ، عن غسلها في الجنابة ثانياً .\rويحتمل أن مراده : أن الغسل وحده يجزىء بلا وضوء ، ويرتفع به الحدثان .\rوقد روي عن ابن سيرين ، في الجنب يحدث بين ظهراني غسله من االجنابة .\rقالَ : الغسل من الجنابة ، والوضوء من الحدث .\rوعن الحسن ، في الجنب يغسل بعض جسده ، ثم يبول ؟ قالَ : يغسل ما بقي من جسده .\rخرجه الخلال في (( الجامع )) من طريق حنبل .\rقالَ حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : يبدأ فيتوضأ وضوءه للصلاة ثم يغتسل ؛ لأن الغسل ياتي على طهارة الوضوء ، وهذا حدث يوجب الوضوء .\rوظاهر كلام أحمد وابن سيرين : أنه يعيد الوضوء والغسل ؛ لياتي بسنة الغسل بكاملها ، وتقديم الوضوء على الغسل ، وليس ذَلِكَ على الوجوب .\rوروي -أيضاً - عن ابن عمر ، بإسناد فيهِ ضعف ، أنه يعيد الغسل .\rخرجه ابن أبي شيبة .\rوأما الحسن ، فمراده : أن ما مضى من الغسل لم يبطل بالبول ، وأنه إذا أكمله فقد ارتفع حدث الجنابة ، ولكن لا يصلي حتى يتوضأ .\rوكذا قالَ سفيان الثوري : يتم غسله ، ثم يعيد الوضوء .\rوحكى ابن المنذر مثل هذا عن عطاء وعمرو بن دينار .\rقالَ : وهو يشبه مذهب الشافعي .\rوحكى عن الحسن ، أنه يستأنف الغسل .\rوهذا خلاف ما رواه الخلال ، بإسناده عنه .\rوما ذكره أنه يشبه مذهب الشافعي ، قد قيل : إن الشافعي نص عليهِ في\r(( الأم )) .\rولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف ، وإنما أمر من أمر بإعادة الغسل استحباباً ؛ ليقع الوضوء قبل الغسل ، كما استحب أحمد للحائض إذا اغتسلت بالماء وحده ، ثم وجدت السدر ، أن تعيد الغسل بماء وسدر ؛ لتاتي بالغسل على الوجه الكامل .\rفإن قيل : هذا يلزم منه استحباب تجديد الغسل .\rقلنا : إنما أعيد لنقص وقع في الأول ، فاستحب إعادته على وجه الكمال .","part":2,"page":20},{"id":141,"text":"قالَ أصحابنا : وإذا غسل بعض جسده ، ناوياً به رفع الحدثين ، ارتفع حدثهما ، فإذا انتقض وضوؤه ، وأعاده لزمه الترتيب والموالاة فيما أرتفع عنه حدث الجنابة خاصة ، وما لم يرتفع عنه حدث الجنابة من أعضاء الوضوء ، لا يلزم فيهِ ترتيب ولا موالاة ، بل يرتفع حدثه تبعاً لحدث الجنابة .\r\r* * *","part":2,"page":21},{"id":142,"text":"9-بَابُ\rهَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ في الإنَاء قَبْل أنْ يَغْسِلَهَا\rإذا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدهِ قَذَرٌ غَيْر الجَنَابةِ ؟\rوأدخل ابن عمر والبراء بن عازب يده في الطهور ، ولم يغسلها ، ثم توضأ.\rولم ير ابن عمر وابن عباس بأساً بما ينتضح من غسل الجنابة .\rاشار البخاري -هاهنا- إلى مسألتين :\rإحداهما :\rأن الجنب إذا أدخل يده في الماء قبل غسلها ، وليس على يده نجاسة ، فإنه لا ينجس الماء ، فإن المؤمن لا ينجس .\rوقد ذكر ، عن ابن عمر والبراء بن عازب ، أنهما أدخلا أيديهما في الطهور ، من غير غسل ، ثم توضأ .\rوهذا في الوضوء .\rوقد سبق ذكره في الكلام على حديث عثمان بن عفان في صفة الوضوء ، وعلى الكلام على حديث : (( إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها )) .\rوروى وكيع ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، قالَ : رأيت البراء بن عازب بال ، فأدخل يده في مطهرة المسجد - يعني : قبل أن يغسلها .\rوعن سفيان ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي ، قالَ : كانَ الرجال على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب ، والنساء وهن حيض ، لا يرون بذلك بأساً .\rورخص فيهِ ابن المسيب وغيره .\rواختلف كلام أحمد في ذَلِكَ :\rفقالَ مرة ، في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء إذا كانَ نظيفتين لا بأس به ونقل عنه ابنه عبد الله في الجنب يدخل يده في الإناء ، ولم يمسها أذى ، ولم ينم ؟ قالَ : إن لم ينم فأرجوا ان لا يكون به باس ، وإن نام غسلها .\rيشير إلى أنه إن كانَ قائما من النوم ، فإنه لا يرخص لهُ في ترك غسلها ، فجعل القائم من النوم أشد من الجنب .\rونقل عنه كراهة ذَلِكَ :\rنقل عنه صالح وابن منصور ، في الجنب والحائض ، يغمس يده في الإناء ؟ قالَ :\rكنت لا أرى به بأساً ، ثم حدثت عن شعبة ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر، فكأني تهيبته .\rونقل عنه صالح -أيضاً- في جنب أدخل يده في الماء ، ينظر حره من برده : إن كانَ أصبعاً رجوت أن لا يكون به بأس ، وإن كانَ اليد أجمع فكأنه كرهه .\rونقل عنه صالح -أيضاً- في جنب يدخل الحمام ، ليس معه أحد ، ولا ماء يصب به على يده ؟ ترى لهُ أن يأخذ بفمه ؟ قالَ : لا ، يده وفمه واحد .\rوروى رقية ، عن الزبيدي ، عن علي بن أبي طلحة ، في الجنب يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ؟ قالَ : يهريق أعلاه .\rوخرج أبو عبيد بإسناده ، عن النخعي ، قالَ : إذا غمس الجنب يده في إناء صغير [ فأهرقه ] ، وإن كانَ كبيراً فلا بأس به .\rوهذا قد يرجع إلى القول بنجاسة بدن الجنب ، وهو قول شاذ ، ترده السنة الصحيحة .\rوقد روي عن أحمد ، في جنب اغتسل في ماء يسير [ . . . ] .\rولم ينقل عنه في المحدث يتوضأ في ماء يسير، وإن كانَ أصحابنا قد سووا بينهما .\rوروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يكره فضل الحائض والجنب .\rوروى أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ لا يرى بسؤر المرأة بأساً ، إلا أن تكون حائضاً أو جنباً .","part":2,"page":22},{"id":143,"text":"وروي عن معاذة ، عن عائشة ، أنها كانت تكره سؤر الحائض ، وأن يتوضأ به .\rوروي عن أحمد ، كراهة سؤر الحائض إذا [ . . ] بالماء .\rوفي (( مسند بقي بن مخلد )) من رواية سويد بن عبد العزيز الدمشقي ، عن\rنوح بن ذكوان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : وضعت\rلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماء ، وأدخلت يدي فيهِ ، فلم يتوضا منه .\rوهذا منكر ، لا يصح .\rوسويد ونوح ، ضعيفان .\rفأما إن أدخل الجنب يده في الماء ، بعد أن نوى الغسل ، فاعترف منه ، وكان الماء قليلاً ، فإن نوى الاغتراف من الماء لم يضره ، وإن نوى غسل يده من الجنابة في الماء صار الماء مستعملاً .\rوإن أطلق النية ، ففيه قولان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء ، أشهرهما -عندهم - : أنه يصير مستعملاً ، وهو قول الشافعية .\rوالصحيح : أنه لا يصير بذلك مستعملاً .\rوعليه يدل حديث عائشة وميمونة ، واغتسال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه من إناء واحد ، فإنه لو كانَ يصير الماء مستعملاً بغمس اليد في الماء ، بدون نية الاغتراف ، لوجب بيانه للأمة بياناً عاماً ، فإن هذا مما تدعو الضرورة إليه ، فإن عامة الناس لا يستحضرون نية الاغتراف ، وأكثرهم لا يعلمون حكم ذَلِكَ ، بل قد روي عن النبي واصحابه ما يدل على خلاف ذَلِكَ ، وأن الماء لا يجنب باغتراف الجنب منه .\rوروى سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ : اغتسل بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من جفنة ، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضأ ، فقالت : يا رسول الله ، إني كنت جنباً ، قالَ : (( إن الماء لا يجنب )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي -وقال : حسن صحيح - ، وابن خزيمة في (( صحيحه )) والحاكم وصححه .\rوأعله الإمام أحمد ، بأنه روي عنى عكرمة - مرسلاً .\rوقد صح عن ابن عباس ، أنه سئل عن الجنب يغتسل من ماء الحمام فقالَ : الماء لا يجنب .\rوصح عنه ، أنه قالَ : الماء لا يجنب .\rوكذلك صح عن عائشة من رواية شعبة ، عن يزيد الرشك ، عن معاذة ، قالت : سألت عائشة عن الغسل من الجنابة ؟ فقالت : إن الماء لا ينجسه شيء ؛ كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد .\rوخرجه ابن خزيمة في (( صحيحة )) ، ولفظه : إن عائشة قالت : الماء طهور ، لا يجنب الماء شيء ؛ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإناء الواحد . قالت : أبدؤه فأفرغ على يديه ، من قبل أن يغمسهما في الإناء .\rوروى المقدام بن شريج ، عن أبيه ، أنه سأل عائشة عن غسل الجنابة ؟ فقالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد . قالَ شريح : كيف يكون ؟ قالت عائشة : إنه ليس على الماء جنابة -مرتين أو ثلاثة .\rخرجه [ . . . ] وبقي بن مخلد في (( مسنده )) .\rوخرجه إسحاق بن رهواية في (( مسنده )) ، وعنده : فقالت : إن الماء لا\rينجس .\rوقد رفع بعضهم آخر الحديث ، وهو قوله : (( الماء لا ينجس )) ، فجعله من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":2,"page":23},{"id":144,"text":"خرجه الطبراني والقاضي إسماعيل وابن عدي وغيرهم -مرفوعاً .\rوالصحيح : أنه موقوف على عائشة .\rالمسألة الثانية :\rما ينتضح من بدن الجنب في الماء الذي يغتسل منه .\rوقد ذكر البخاري ، عن ابن عمر وابن عباس ، أنهما لم يريا به بأساً .\rوروى وكيع في (( كتابه )) ، عن سفيان ، عن العلاء بن المسيب ، عن رجل ، عن ابن عباس ، أنه لم يكن يرى به بأساً .\rوكذلك رخص فيهِ أكثر السلف ، منهم : ابن سيرين والحسن والنخعي وأبو جعفر .\rقالَ النخعي : أو تجد من ذَلِكَ بداً ؟\rوعن الحسن- نحوه .\rورخص فيهِ -أيضاً- مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوقد سبق بسط ذَلِكَ في ذكر الماء المستعمل ، وأنه ليس بنجس .\rويدل على ذَلِكَ : أن إغتسال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع بعض أزواجه من الإناء الواحد لا يسلم من إصابة رشاش الماء المتقاطر منهما [ للماء ] ، ولو كانَ ذَلِكَ نجساً لوجب بيانه والأمر بالتحرز منه ، فإن هذا مما تعم به البلوى ، ولا يكاد يسلم الناس منه .\rوكلام أحمد يدل على أن ما ينضح من الماء عندَ الغسل والوضوء على البدن أو الثوب في الماء لا بأس به .\rفإن توضأ في طشت ، ثم صبه فأصاب ثوبه منه ، فإنه يستحب لهُ غسله والتنزه عنه ؛ فإن هذا لا يشق التحرز عنه، وهو ماء [ قذر ] ، قد أخرج الذنوب والخطايا ، واختلف في نجاسته .\rثم خرج البخاري في هذا الباب أربعة أحاديث :\rالحديث الأول :\r261- من حديث : أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، تختلف أيدينا فيهِ .\rوخرجه مسلم في (( صحيحه )) وزاد فيهِ : (( من الجنابة )) .\rوهذا الحديث : يستدل به على جواز إدخال الجنب يده فبل كمال غسله في الماء الذي يغتسل منه ، وعلى أن ما نضح من الماء الغسل في الإناء ، الغسل منه لا يضره .\r\rالحديث الثاني :\r262- من حديث : حماد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة غسل يده .\rوهذا مختصر من حديث عائشة الذي خرجه في أول (( كتاب : الغسل )) .\rوإنما قصد الإشارة إلي ذكر طرق الحديث ؛ لأنه يستدل به على أن الجنب إذا اغتسل بالاغتراف من الإناء بعد نية الاغتسال ، فلا يمكن حمله على أنه غسل يده في الإناء من غير إفراغ .\rفإنه قد خرجه مسلم من حديث زائدة ، عن هشام ، ولفظه : كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخل يده في الإناء ، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة .\rوقد خرج أبو داود حديث حماد بن زيد ، عن هشام ، الذي اختصره البخاري هاهنا ، ولفظه : يبدأ فيفرغ على يديه .\rوفي رواية أخرى لهُ : غسل يديه ، فصب الإناء على يده اليمنى .\rالحديث الثالث :\r263- نا أبو الوليد : ثنا شعبة ، عن أبي بكر بن حفص ، عن عروة، عن عائشة، قالت : كنت اغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، من الجنابة .\rوهذا يستدل به كما يستدل بالحديث الأول .\rالحديث الرابع :","part":2,"page":24},{"id":145,"text":"264- نا أبو الوليد : نا شعبة ، عن عبد الله بن عبد الله بن جبر : سمعت أنس بن مالك يقول : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد .\rزاد مسلم ووهيب ، عن شعبة : من الجنابة .\rوهذا دلالته كدلالة الذي قبله -أيضاً .\rو (( عبد الله بن عبد الله بن جبر )) ، هوَ الذي روى عن أنس حديث الوضوء بالمد ، وقد سبق شرح [ حاله ] هناك مبوسطاً .\r\r* * *","part":2,"page":25},{"id":146,"text":"10-بَابُ\rتَفرِيق الْوُضُوِءِ وَالْغُسلِ\rويذكر عن ابن عمر ، أنه غسل قدميه بعدما جف وضوؤه .\rهذا الأثر ، حكاه الإمام أحمد عن ابن عمر ، أنه توضأ ، ثم غسل رجليه في مكان آخر .\rوقال ابن المنذر : ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق ، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ، ثم دعي لجنازة ، فمسح على خفيه ، ثم صلى عليها .\rوهذا الأثر ، رواه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه توضأ في السوق ، فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ، ثم دعي إلى جنازة ، فدخل المسجد ، ثم مسح على خفيه بعد ما جف وضوؤه .\rقالَ البيهقي : هذا صحيح عن ابن عمر ، مشهور بهذا اللفظ .\rوقد اختلف العلماء في تفريق الوضوء والغسل : هل يصح معه الوضوء والغسل ، أم لا ؟ على ثلاثة أقوال :\rأحدها : أنه جائز ، وهو ظاهر تبويب البخاري هاهنا ، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والشافعي وإسحاق - في رواية - ، ورواية عن أحمد -أيضاً .\rوالثاني : أنه لا يجوز ، وتجنب الإعادة بذلك في الوضوء والغسل، وهو قول\rمالك ، وحكي رواية عن أحمد ، وهي غريبة عنه .\rوالثالث : أنه يجب في الوضوء دون الغسل ، وهو ظاهر مذهب أحمد .\rوممن قالَ : إنه إذا جف وضوؤه يعيد : قتادة وربيعة والأوزاعي والليث والشافعي -في القديم -وإسحاق-في رواية .\rوقال النخعي : لا بأس أن يفرق غسله من الجنابة .\rوكذا روي عن أبن المسيب ، وعلي بن حسين .\rوروي عن الحسن - فيمن أخر غسل رجليه في الوضوء حتى جف - : إن كانَ في عمل الوضوء غسل رجليه ، وإلاّ استأنف .\rوفرق أحمد بين الوضوء والغسل ، بأن الله أمر في الوضوء بغسل أعضاء معدودة ، معطوف بعضها على بعض ، فوجب غسلها مرتبا متواليا ، كما يجب الترتيب والموالاة في ركعات الصلاة ، وأشواط الطواف ، بخلاف غسل الجنابة ، فإنه أمر فيهِ بالتطهر ، وهو حاصل بغسل البدن على أي وجه كانَ .\rواستدل لإعادة الوضوء ، بأن عمر رأى رجلاً على ظهر قدمه لمعة لم يغسلها ، فأمره بإعادة الوضوء .\rوقد اختلف ألفاظ الرواية عن عمر في ذَلِكَ : ففي بعضها ، أنه أمر بغسل ما تركه ، وفي بعضها ، أمره بإعادة الوضوء .\rوفي الباب أحاديث مرفوعة -أيضاً-بهذا المعنى :\rمن أجودها : حديث رواه بقية ، عن بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء ، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة .\rخرجه أبو داود .\rوقال أحمد : إسناده جيد .\rوأما الغسل ، فروي في حديث مرسل ، عن العلاء بن زياد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -\rاغتسل ، ثم رأى لمعة لم يصبها الماء ، فعصر عليها شعره .\rوأخذ به أحمد -في إحدى الروايتين عنه .\rوروي عن ابن مسعود ، قالَ : الجنب ما أصاب الماء من جسده فقد طهر وحمله أبو عبيد على أنه إذا فرق غسله وقطع أجزأه .\rوروي عن علي وابن مسعود وجماعة من السلف ، في الجنب إذا غسل رأسه بالخطمي ، أنه يجزئه من غسل الجنابة ، وليس عليهِ إعادة غسله .\rوهذا يدل على جواز تأخير غسل الجسد عن غسل الرأس في الغسل .","part":2,"page":26},{"id":147,"text":"وخرج أبو داود من حديث شريك ، عن قيس بن وهب ، عن رجل من بني سواءة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كانَ يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب ،يجتزيء بذلك ، ولا يصب عليهِ الماء .\rيعني : أنه لا يعيد منه غسل بقية جسده .\rخرج البخاري في هذا الباب :\r265-حديث ميمونة : قالت : وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ماء يغتسل به ، فأفرغ على يديه ، فغسلهما مرتين أو ثلاثاً ، ثم أفرغ بيمينيه على شماله فغسل مذاكيره ، ثم دلك يده بالأرض ، ثم تمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ويديه ، ثم غسل رأسه ثلاثاً ، ثم أفرغ على جسده ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه .\rخرجه من حديث عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، بإسناده المتقدم .\rووجه الاستدلال به على جواز تفريق الوضوء : أنه - صلى الله عليه وسلم - فصل بين تطهير رأسه وقدميه بالإفراغ على جسده ، ثم بالتنحي من مقامه .\rوللإمام أحمد -ومن وافقه- جوابان :\rأحدهما : أن هذا تفريق يسير لا يضر ، فإن المعتبر عندهم في التفريق المبطل أن يؤخر غسل بعض الأعضاء حتى يجف غسل ما قبله .\rومنهم من اعتبر لهُ طول الفصل عرفاً .\rوهما روايتان عن أحمد ، أشهرهما : اعتبار الجفاف .\rوهذا التأخير لم يكن طويلاً ، ولا حصل معه جفاف ما قبله ، فلا يضر .\rوقد روي عن مالك ، أنه إذا أخر غسل رجليه حتى يكمل غسله ، أنه يعيد الوضوء .\rولعله أراد مع طول الفصل . والله سبحانه وتعالى اعلم .\rوالثاني : أن هذا التفريق كانَ في غسل الجنابة ، وعند أحمد لا يعتبر الموالاة للغسل ، بخلاف الوضوء .\rفإن قيل : إنما وقع التفريق في الوضوء الذي ضمن الغسل .\rقيل : أعضاء الجنب ما دام عليها الجنابة ، فإنه لا يعتبر لتطهرها موالاة في وضوء ولا غسل .\rهذا ظاهر مذهب أحمد الذي عليهِ عامة أصحابه .\rوإنما اعتبر الموالاة للوضوء في غسل الجنابة أبو بكر ابن جعفر وطائفة يسيرة من أصحابه ، وهو المذهب عندَ الخلال ، وسيأتي القول في ذَلِكَ مبسوطاً -إن شاء الله تعالى .\rوفي تفريق الغسل صريحاً حديث لا يصح إسناده .\rخرجه الدارقطني في (( الأفراد )) والإسماعيلي في (( جمع حديث مسعر )) ، من طريق إسماعيل بن يحيى التميمي ، عن مسعر عن حميد بن سعد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان ، عن أبيه ، قالَ : قالَ رجل : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إن أهلي تغار إذا وطئت جواري ، قالَ : (( ولم تعلمهم ذَلِكَ ؟ )) ، قالَ : من قبل الغسل : قالَ : (( إذا كانَ ذَلِكَ منك فاغسل رأسك عندَ أهلك، فإذا حضرت الصلاة فاغسل سائر جسدك )).\rإسماعيل بن يحيى ، ضعيف جدا ً .\rقالَ : الإسماعيلي : حميد بن سعد مجهول، وأحاديث إسماعيل بن يحيى موضوعة .\rوفيه حديث آخر :\rرواه جعفر بن محمد الفريابي : نا إسحاق بن موسى : نا عاصم بن عبد العزيز : نا محمد بن زيد بن قنفذ التيمي ، عن جابر بن سيلان ، عن ابن مسعود ، أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يغتسل من الجنابة ، فيخطىء الماء بعض جسده ؟ فقالَ : النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( يغسل ذَلِكَ المكان ، ثم يصلي )) .","part":2,"page":27},{"id":148,"text":"رجاله كلهم مشهورون ، خلا جابر بن سيلان ، وقد خرج لهُ أبو داود ، ولم نعلم فيهِ جرحاً ، ولا أنه روى عنه سوى محمد بن زيد .\r\r* * *","part":2,"page":28},{"id":149,"text":"11-بَابُ\rمَنْ أفَرَغَ بِيمِيِنه علَىَ شِمالِهِ في الْغُسلْ\rخرج فيهِ :\r266 -حديث ميمونة : قالت : وضعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسلاُ وسترته ، فصب على يده ، فغسلها مرة أو مرتين- ثم قالَ سليمان : لا أدري : أذكر الثالثة أم لا ؟ - ثُمَّ أفرغ بيمينه على شماله ، فغسل فرجه ، ثُمَّ دلك يده بالأرض - أو بالحائط - ، ثُمَّ تمضمض واستنشق ، وغسل وجهه ويديه ، وغسل رأسه ، ثم صب على جسده ، ثم تنحى فغسل قدميه ، فناولته خرقة ، فقالَ بيده هكذا ، ولم يردها .\rخرجه من حديث أبي عوانة ، عن الأعمش ، بالإسناد المتقدم .\rومقصوده منه : قولها : (( ثم أفرغ بيمينه على شماله ، فغسل فرجه )) .\rوقد خرجه البخاري -فيما بعد- من طريق أبي حمزة السكري ، عن الأعمش ، ولفظه : (( وصب على يديه فغسلهما ، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه )) .\rوهذه الرواية : تصرح بانه غسل يديه جميعاً قبل إدخال يده اليمنى في الإناء .\rوقد سبق من رواية عبد الواحد وغيره ، عن الأعمش بنحو هذا اللفظ -أيضاً .\rوسبق -أيضاً- الحديث من رواية حفص بن غياث ، عن الأعمش ، ولفظه : قالت ميمونة : صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً ، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ، ثم غسل فرجه .\rوالمراد : أنه تناول الإناء بيمينه ، فصبه على يساره ، ثم غسلهما معاً .\rوفي رواية لأبي داود ، من رواية عبد الله بن داود ، عن الأعمش : فأكفأ الإناء على يده اليمنى ، فغسلها مرتين أو ثلاثاً ، ثم صب على فرجه ، فغسل فرجه بشماله .\rوهذه الرواية : توهم أنه صب من الإناء على يده اليمنى فقط .\rوهذه الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب فيها : (( فصب على يده فغسلها مرتين أو ثلاثاً )) ، وهي توهم أنه صب على اليمنى فقط ، ولم يغسل اليسرى حتى غسل فرجه بها ، ثم دلكها بالتراب ، ثم غسلها .\rوقد سبق من حديث عمر نحو ذَلِكَ -أيضاً .\rوحديث عائشة صريح في أنه - صلى الله عليه وسلم - غسل يديه جميعاً قبل إدخال يده اليمنى في الإناء ، ثم أدخلها فأفرغ بها على شماله ، ثم غسل فرجه .\rوقد قالَ الإمام أحمد : الغسل من الجنابة على حديث عائشة .\rونقل حنبل عنه ، أنه يبدأ فيفيض الإناء على يده اليمنى ، فيصب [ منه ] ثلاث مرات ، ثم يغمس يده في الإناء ، فيصب على يده اليسرى ، فيغسلهما جميعاً ، ثم يغسل فرجه فينقيه ، ثم يتوضأ .\rونقل عنه -مرة أخرى - ، أنه قالَ : يبدأ فيغسل كفيه ثلاثاً .\rوهذا يوافق رواية الأكثرين عنه .\rفهذا كله في غسل اليدين وفي غسل الفرج .\rفأما بقية الغسل ، فإن غسل أعضاء الوضوء فيهِ كغسلها في الوضوء من الحدث الأصغر ، على ما سبق في موضعه .\rوأما غسل الرأس ، فإنه يحثي عليهِ ثلاث حثيات باليدين جميعاً .\rوقد جاء التصريح بذلك في روايات متعددة ، سبق ذكرها .\rوأما صب الماء على بقية الجسد ، ففي بعض ألفاظ حديث عائشة ما يدل على أنه بالكفين معاً ، وقد سبق ذكره -أيضاً .","part":2,"page":29},{"id":150,"text":"واما محل الإناء من المتوضيء والمغتسل ، فقالَ طائفة من الفقهاء من أصحابنا والشافعية وغيرهم : إن كانَ واسعاً يمكن الاغتراف منه ، كانَ من جهة اليمين ، ويغرف منه باليمين ، وإن كانَ ضيقاً لا يمكن الاغتراف منه ، وإنما يصب به صباً وضع من جهة الشمال .\rوخرج الطبراني ، بإسناد فيهِ جهالة ، عن أنس ، أنه أراهم الوضوء ، فأخذ ركوة فوضعها عن يساره ، وصب على يده اليمنى منها ثلاثاً -وذكر بقية الوضوء - ، ثم قالَ : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ .\r* * *","part":2,"page":30},{"id":151,"text":"12-بَابُ\rإِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَاوَدَ ، وَمَنْ دار عَلَى نِسائِهِ\rفي غُسلٍ واحِدٍ\rخرج فيهِ حديثين :\rأحدهما :\r267- من رواية : شعبة ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه قالَ : ذكرته لعائشة ، فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمان ، كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيطوف على نسائه ، ثم يصبح محرماً ، ينضخ طيباً .\rالذي ذكر لعائشة ، هوَ : أن ابن عمر كره الطيب عندَ الإحرام ، فردت مقالته بهذه الرواية .\rقالَ الإسماعيلي في (( صحيحه )) : قول عائشة : (( يطوف على\rنسائه )) ، ينظر : هل أردت به الجماع ، أو تجديد العهد بهن للخروج ، وذلك أنه لو كانَ معنى الطواف عليهن للوقاع لاحتاج إلى الغسل ، ولا يكاد الطيب يبقى بعد إنقاء الغسل ، لا سيما وهي تقول : (( ينضخ طيباً )) ، بالحاء أو الخاء ، وهو بالخاء معجمة أشبه ؛ لأنه أخف من النضح ، كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء من الطيب . انتهى ما ذكره .\rوما ذكره من احتمال طوافه عليهن للتوديع فبعيد جداً ، أو غير صحيح ؛ فإن عائشة إنما أخبرت عن حجة الوداع ، وقد جاء مصرحاً عنها في رواية خرجها مسلم ، أنها طيبته في حجة الوداع ، وحجة الوداع كانَ أزواجه كلهن معه\rفيها ، فلم يكن يحتاج إلى وداعهن .\rووجه استدلال البخاري بالحديث على أن تكرار الجماع بغسل واحد :\rأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو اغتسل من كل واحدة من نسائه لكان قد اغتسل تسع مرات ، فيبعد حينئذ أن يبقى للطيب أثر ، فلما أخبرت أنه أصبح ينضخ طيباً ، استدل بذلك على أنه اكتفى بغسل واحد .\rواستبعاد الإسماعيلي بقاء أثر الطيب بعد الغسل الواحد ليس بشيء ، فقد اخبرت عائشة أنها نظرت إلى الطيب في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم بعد ثلاث .\rوفي رواية ، عنها : في رأسه ولحيته .\rوقد كانَ - صلى الله عليه وسلم - يوضأ في هذه المدة ، بل كانت عادته الوضوء لكل صلاة ، ومع هذا فلم يذهب اثره من شعره ، وهذا يدل على أنه كانَ طيباً كثيراً لهُ جرم يبقى مدة .\rالحديث الثاني :\r268- من رواية : هشام ، عن قتادة : ثنا أنس بن مالك ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار ، وهن إحدى عشرة .\rقلت لأنس : أو كانَ يطيقه ؟ قالَ : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين .\rوقال سعيد ، عن قتادة : إن أنساً حدثهم : تسع نسوة .\rووجه الاستدلال من هذا الحديث : أن أنساً ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يدور على إحدى عشرة امرأة في ساعة واحدة من الليل والنهار ، وهذا يدل على أنه لم يغتسل عندَ كل واحدة ؛ فإن الساعة الواحدة لا تتسع للوطء إحدى عشرة مرة ، مع غسل إحدى عشرة مرة .\rوقد ذكر البخاري اختلاف هشام وسعيد بن أبي عروبة على قتادة في عدد النسوة : فذكر هشام : أنهن إحدي عشرة ، وذكر سعيد : أنهن تسع .\rوحديث سعيد ، قد خرجه البخاري -فيما بعد - ، وسيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى .\rوقد روى هذا الحديث معمر ، عن قتادة ، وذكر فيهِ: أن ذلك كانَ بغسل واحد .","part":2,"page":31},{"id":152,"text":"خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه ، من رواية سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يطوف على نسائه في غسل واحد .\rوقال الترمذي : حسن صحيح .\rوإنما لم يخرج البخاري هذا ؛ لأن رواية معمر ، عن قتادة ليست بالقوية .\rقالَ ابن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : قالَ معمر : جلست إلى قتادة وأنا صغير ، فلم أحفظ عنه الأسانيد .\rقالَ الدارقطني في (( العلل )) : معمر سيء الحفظ لحديث قتادة .\rوقد روى هذا الحديث ابن عيينة ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس، وهو وهم.\rورواه مصعب بن المقدام ، عن الثوري ، عن معمر ، عن حميد، عن أنس .\rخرجه الطبراني .\rوهو وهم .\rورواه ضمرة ، عن الثوري ، عن معمر ، عن حميد ، عن أنس .\rوأخطأ في قوله : (( عن حميد )) - : قاله أبو زرعة .\rوقد توبع عليهِ معمر من وجوه غير قوية :\rفرويناه من طريق سفيان ، عن محمد بن حجادة ، عن قتادة ، عن أنس .\rورواه مسلمة بن علي الخشني -وهو ضعيف -، عن سعيد بن بشير، عن قتادة ، عن أنس ، قالَ : ربما طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليلة الواحدة على ثنتي عشرة امرأة ، لا يمس في ذَلِكَ شيئاً من الماء .\rورواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن أنس ، قالَ : وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً ، فاغتسل من جميع نسائه في الليلة .\rخرجه ابن ماجه .\rونقل الترمذي في (( كتاب العلل )) ، عن البخاري، أنه ضعفه من أجل صالح .\rوخرجه أبو داود والنسائي ، من رواية إسماعيل بن علية : نا حميد عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد .\rوخرجه مسلم في (( صحيحه ))، من رواية مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يطوف على نسائه بغسل واحد.\rوتابعه بقية بن الوليد ، فرواه ، عن شعبة -أيضاً .\rخرجه من طريقه الإمام أحمد .\rولم يرض البخاري هذا الحديث ، من أجل مسكن بن بكير ؛ فإنه ليس بذاك .\rقالَ الأثرم : قلت لأحمد : نظرت في حديث مسكين ، عن شعبة ، فإذا فيها خطأ . قالَ : أحمد من أين كانَ يضبط هوَ عن شعبة ؟!\rقالَ البرديجي : لا يلتفت إلى رواية الفرد عن شعبة ، ممن ليس لهُ حفظ ولا تقدم في الحديث من أهل الإتقان .\rوقد روي الأمر بالوضوء للمعاودة من رواية عاصم الأحول ، عن أبي المتوكل ، عن أبي سعيد الخدري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( إذا أتى أحدكم أهله ، ثم أراد أن يعود ، فليتوضأ )) .\rخرجه مسلم .\rوفي رواية : (( فليتوضأ بينهما وضوءاً )) .\rوخرجه ابن خريمة والحاكم في (( صحيحيهما )) ، بزيادة في آخره ، وهي : (( فإنه أنشط للعود )) .\rوخرجه ابن خزيمة -أيضاً- بلفظ آخر ، وهو : (( إذا أراد أحدكم أن يعود فليتوضأ وضوءه للصلاة )) - يعني : الذي يجامع ، ثم يعود قبل أن يغتسل .\rوفي إسناده بعض اختلاف .\rوقال الشافعي : روي فيهِ حديث ، وإن كانَ مما لا يثبت مثله .","part":2,"page":32},{"id":153,"text":"واستحب أكثر العلماء الوضوء للمعاودة ، وهو مروي عن عمر وغيره ، وليس بواجب عندَ الأكثرين ، وأوجبه قليل من أهل الظاهر ونحوهم .\rومن العلماء من أنكر الوضوء ، وحمل الوضوء في هذا الحديث على التنظيف وغسل الفرج .\rوقد قالَ إسحاق :غسل الفرج لابد منه .\rوالأكثرون على أن المعاودة من غير وضوء لا تكره ، وهو قول الحسن ومالك وأحمد وإسحاق .\rوقد روي الاغتسال للمعاودة من حديث أبي رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على نسائه جميعاً في يوم واحد ، واغتسل عندَ كل واحدة منهن غسلاً .\rفقلت : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ألا تجعله غسلاً واحداً ؟ قالَ : (( إن هذا أزكى واطهر وأطيب )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .\rوفي إسناده بعض من لا يعرف حاله .\rقالَ أبو داود : حديث أنس أصح من هذا .\rيعني : حديثه في الغسل الواحد .\rوفي هذا الباب أحاديث أخر ، أسانيدها ضعيفة .\r\r* * *","part":2,"page":33},{"id":154,"text":"13-بَابُ\rغَسْلِ الْمَذْيِ ، والْوُضُوءِ مِنْهُ\r269 - حدثنا أبو الوليد : ثنا زائدة ، عن أبي حصين ، عن أبي عبد الرحمان ، عن علي ، قالَ : كنت رجلاً مذاء ، فأمرت رجلاً أن يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكان ابنته - ، فسأله فقالَ : (( توضأ ، واغسل ذكرك )) .\rوقد خرجه البخاري -فيما سبق- في آخر (( العلم )) -مختصراً - ، من حديث محمد ابن الحنفية ، عن أبيه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في باب : من استحي ، فأمر غيره أن يسأل )) .\rوقد استنبط البخاري منه -ها هنا- حكمين :\rأحدهما :\rغسل المذي ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( اغسل ذكرك )) .\rوقد اختلف العلماء في معنى الأمر بغسل الذكر من المذي : هل المراد غسل ما أصاب الذكر منه كالبول ، أو غسل جميع الذكر ؟\rوفيه : قولان ، وهما روايتان عن مالك والإمام أحمد .\rوحكي عنه رواية ثالثة ، بوجوب غسل الذكر كله مع الأنثيين .\rوقد روي في حديث علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( يغسل ذكره وأنثييه\rويتوضأ )) ، من وجوه قد تكلم فيها .\rواختار هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، وذكر أن الحديث صح بذلك .\rولو استجمر منه بحجر أجزأه كالبول - : ذكره اصحابنا .\rوهذا -على قولنا : يجب غسل ما أصحاب الذكر منه-ظاهر .\rفأما إن قلنا يجب غسل الذكر جميعه ، أو الذكر مع الأنثيين ، فلا ينبغي أن يجزىء منه الاستجمار .\rوعنده الشافعية : أن المذي : هل يجزيء فيهِ الاستجمار ؟ فيهِ قولان :\rبناء على أن الخارج النادر : هل يجزيء الاستجمار كالمعتاد ؟ ، على قولين للشافعي ، أصحهما : الجواز .\rلكنهم لا يوجبون زيادة على غسل ما أصاب الذكر منه ، وهو قول أبي حنيفة وغيره .\rوقال سعيد بن جبير -في المذي - : يغسل الحشفة منه ثلاثاً .\rفأما إن أصاب المذي غير الفرج من البدن أو الثوب ، فالجمهور على أنه نجس يجب غسله كالبول .\rوعن أحمد رواية : أنه يعفى عن يسيره كالدم .\rوعنه رواية ثالثة : أن نجاسته مخففة ، يجزىء نضحه بالماء ، كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام ؛ لعموم البلوى به ، ومشقة الاحتراز منه .\rوفيه حديث ، من رواية سهل بن حنيف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه سئل عما أصاب الثوب من المذي ؟ قالَ : (( تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابك )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حسن صحيح ، ولا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق .\rوقال الإمام أحمد - في رواية الأثرم - : لا اعلم شيئاً يخالفه .\rونقل عنه غيره ، أنه قالَ : لم يروه إلا ابن إسحاق ، وأنا أتيهيبه .\rوقال -مرة - : إن كانَ ثابتاً أجزأه النضح .\rوعن أحمد رواية : أن المذي طاهر كالمني .\rوهي اختيار أبي حفص البرمكي من أصحابنا ، أوجب مع ذَلِكَ نضحه تعبداً .\rومن الأصحاب من قالَ : إذا قلنا بطهارته، لم يجب غسل ما أصاب الثوب منه .\rوهل يجب الاستنجاء منه ؟ على وجهين ، كالمني .\rوهذا بعيد ، وهو مخالف للأمر بغسله .\rوالحكم الثاني :\rوجوب الوضوء منه .","part":2,"page":34},{"id":155,"text":"وقد أجمع العلماء على أن المذي يوجب الوضوء ، ما لم يكن سلساً دائماً ؛ فإنه يصير حينئذ كسلس البول ، ودم الاستحاضة .\rومالك لا يوجب الوضوء منه حينئذ .\rوخالفه جمهور العلماء .\rوأما إذا خرج على الوجه المعتاد ، فإنه يوجب الوضوء باتفاقهم ، لا يوجب الغسل - أيضاً- بالاتفاق .\rوقد حكي عن ابن عمر فيهِ اختلاف .\rوالصحيح عنه ، كقول جمهور العلماء ، أنه يكفي منه الوضوء .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ -في المذي-: ((توضأ، وانضح فرجك )).\rخرجه مسلم وغيره .\rفمن العلماء من حمل نضح الفرج على غسله ، بما في اللفظ الآخر :\r(( توضأ واغسل ذكرك )) .\rومنهم من حمله على نضح الفرج بعد الضوء منه ؛ لتفتير الشهوة ، ودفع الوسواس .\rوقد ورد في رواية التصريح بهذا المعنى ، لكن في إسناده ضعف .\rوعلى هذا ؛ فالأمر بالنضح محمول على الاستحباب .\r\r* * *","part":2,"page":35},{"id":156,"text":"14-بَابُ\rمَنْ تَطَيَّبَ ثُمَ اغْتَسَلَ وبَقَي أثَرُ الطَّيبِ\rخرج فيهِ حديثين :\rأحدهما :\r270- حديث : إبراهيم بن محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، قالَ : سألت عائشة- وذكرت لها قول ابن عمر : ما أحب أن اصبح محرماً انضخ طيباً - ، فقالت عائشة : أنا طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم طاف في نسائه ، ثم اصبح محرماً .\rالثاني :\r271- حديث : إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كأني أنظر إلى وبيص الطيب ، في مفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو محرم .\rقالَ الإسماعيلي : في الحديث الأول : عامة من حدثنا قاله بالحاء غير معجمة -يعني : (( ينضح طيباً )) - ، قالَ : والقول في (( يطوف )) ما قدمناه .\rقلت : الصواب : أن معنى طوافه للنساء جماعهن، كما سبق .\rفالحديث حينئذ : يدل على أن من اغتسل من الجنابة ، وبقي على جسده أثر طيب ونحوه ، مما لا يمنع وصول الماء إلى ما تحته ، أنه لا يضره ، وأن غسله صحيح .\rو (( بيص الطيب )) : بريق لونه ولمعانه .\rقالَ الخطابي : يقال وبص وبيصاً وبص بمعنى واحد .\rوهذا يدل على بقاء أجزاء من الطيب ، فيستدل بذلك على أنه لا يمنع صحة الغسل ، إذا وصل الماء معه إلى البشرة ، وهو مقصود البخاري بهذا الباب .\rوعلى أنه لا يمنع المحرم من استدامته في الإحرام ، ويأتي ذكر ذَلِكَ في موضعه من (( الحج )) -إن شاء الله تعالى .\rويحتمل أن يكون هذا الطيب الذي يبص على شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في رواية : (( أنه كانَ في مفارقه )) ، وفي رواية : (( في رأسه ولحيته )) .\rفيستدل على أن الشعر لا يجب غسله في جنابة ولا غيرها ، كما ذهب إليه طوائف من العلماء ، كما سبق ذكره .\r\r* * *","part":2,"page":36},{"id":157,"text":"15-بَابُ\rتَخْليلِ الشَّعر حَتىَ إذا ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أرْوى بشَرتَهُ أفَاضَ عليهِ\r272- ثنا عبدان : ثنا عبد الله -هوَ ابن المبارك - : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة ، غسل يديه ، وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم اغتسل ، ثم يخلل بيده شعره ، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليهِ الماء ثلاث مرات ، ثم يغسل سائر جسده .\r273- وقالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد ، نغترف ، منه جميعاً .\rما ذكر في هذه الرواية ، أنه توضأ ، ثم اغتسل ، ثم يخلل بيده شعره ، إلى\rآخره ، وهو من باب عطف التفصيل على الإجمال ؛ فإن ما ذكره من التخليل وما بعده هوَ تفصيل للاغتسال الذي ذكر مجملاً .\rوالحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ قبل أن بفيض الماء على رأسه ثلاثاً يخلل شعره بيده بالماء ، حتى يظن أنه قد أروى بشرته ، وهذا مما ذكر في حديث عائشة دون حديث ميمونة .\rوقد خرجه البخاري في أول (( كتاب : الغسل )) ، من حديث مالك ، عن هشام ، وفي حديثه : (( توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء ، فيخلل بها أصول الشعر ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه )) .\rوهذا يصرح بالمعنى الذي ذكرناه .\rوخرجه مسلم ، من طريق أبي معاوية ، عن هشام ، وفي حديثه :\r(( توضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء ، فيدخل أصابعه في أصول الشعر ، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات )) .\rوكذلك روى حماد بن زيد ، عن هشام ، هذا الحديث ، وقال فيهِ - بعد ذكر الوضوء - : (( ثم يدخل يده في الإناء ، فيخلل شعره ، حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة ، أو أنقى البشرة ، افرغ على رأسه ثلاثاً )) .\rخرجه أبو داود .\rوخرجه الإمام أحمد ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن هشام ، به بنحوه ، وفي حديثه : (( ثم يخلل اصول شعر رأسه ، حتى إذا ظن أنه قد استبرا البشرة ، اغترف ثلاث غرفات ، فصبهن على رأسه )) .\rوخرجه النسائي ، من حديث سفيان ، عن هشام ، ولفظ حديثه : (( إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يشرب رأسه ، ثم يحثي عليهِ ثلاثاً ثلاثاً )) .\rوروى أيوب وعبيد الله بن عمر هذا الحديث ، عن هشام ، وذكر أن تخليل شعره كانَ مرتين .\rوروي عن أيوب ، قالَ : مرتين أو ثلاثاً .\rورواه حماد بن سلمة ، عن هشام ، ولفظ حديثه : (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يتوضأ من الجنابة ، ثم يدخل يده اليمنى في الماء ، ثم يخلل به شق رأسه الأيمن ، فيتبع بها أصول الشعر ، ثم يفعل بشة رأسه الأيسر كذلك ، حتى تستبرىء البشرة ، ثم يصب على رأسه\rثلاثاً )) .\rورواه شريك ، عن هشام ، وذكر أن تخليل شعره كانَ بعد الإفراغ عليهِ ثلاثاً .\rوشريك ، سيء الحفظ ، لا يقبل تفرده بما يخالف الحفاظ .\rوتابعه سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، عن هشام .\rوسفيان هذا ، ليس ممن يلتفت إلى قوله .\rوكذلك رواه ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة .","part":2,"page":37},{"id":158,"text":"وابن لهيعة ، لا يقبل تفرده فيما يخالف الحفاظ .\rوفي الجملة ؛ فهذا ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه خلل شعره بالماء ، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء على شعر راسه .\rفكان التخليل أولاً لغسل بشرة الرأس ، وصب الماء ثلاثاً بعده لغسل الشعر ، هذا هوَ الذي يدل عليهِ مجموع ألفاظ هذا الحديث .\rوقال القرطبي : إنما فعل ذَلِكَ ليسهل دخول الماء إلى أصول الشعر .\rوقيل [ ليتأسى ] بذلك [ حتى ] لا يجد بعده من صب الماء الكثير [ . . . ] .\rقلت : قول عائشة : (( حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليهِ الماء ثلاث مرات )) ، يرد هذا [ كله ] ، ويبين أن التخليل كانَ لغسل بشرة الرأس ، وتبويب البخاري يشهد لذَلِكَ -أيضاً .\rوهذه سنة عظيمة من سنن غسل الجنابة ، ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لم ينتبه لها أكثر الفقهاء ، مع توسعهم للقول في سنن الغسل وأدائه .\rولم أر من صرح به منهم ، إلا صاحب (( المغني )) من أصحابنا ، وأخذه من عموم قول أحمد :\rالغسل على حديث عائشة .\rوكذلك ذكره صاحب (( المهذب )) من الشافعية ، قالَ -بعد ذكر الوضوء - :\rثم يدخل أصابعه العشر في الماء ، فيغترف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه ولحيته ، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات .\rوفي هذا زيادة على ما في حديث عائشة ، وهو تخليل اللحية .\rومذهب الشافعي : وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية ، وإن كانت كثيفة ، في الجنابة دون الوضوء .\rوعن مالك في وجوب ذَلِكَ في الغسل روايتان .\rوأما أصحابنا فيجب ذَلِكَ عندهم - في المشهور .\rولهم وجه ضعيف ، أنه لا يجب .\rوحكي مثله عن المزني .\rوكلام أكثرهم ، يدل على أن المغتسل يتوضأ ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثاً ، ويخلل أصول الشعر مع ذَلِكَ .\rوقد وجد في كلام الأئمة ، كسفيان وأحمد وإسحاق ، ما يدل على ذَلِكَ .\rواتباع السنة الصحيحة التي ليس لها معارض أولى .\rوقد روى قتادة ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا أراد أن يغتسل من جنابة توضأ وضوءه للصلاة ، ثم صب على رأسه ثلاث مرار ، يخلل باصابعه أصول الشعر .\rخرجه الإمام أحمد .\rوهذه الرواية تشهد لما قاله أكثر الفقهاء : إنه يصب الماء على رأسه ، ثم يخلله\rبأصابعه .\rولكن رواية هشام ، عن أبيه ، المتفق على صحتها ، مقدمة على رواية قتادة .\rوليس في ترك ذكر هذا في حديث ميمونة ما يوجب تركه ؛ لأن ميمونة حكت غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في قضية معينة ، وعائشة حكت ما كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله إذا اغتسل من الجنابة ، فالأخذ بروايتها متعين ، والله أعلم .\r\r* * *","part":2,"page":38},{"id":159,"text":"16-بَابُ\rمَنْ توضَأ في الْجَنَابِةِ ، ثُمَّ غَسَلَ سائرَ جَسَدهِ\rوَلَمْ يعدْ غَسلْ مَواضِع الْوضُوءِ منْهُ مَرَّة أخرى\r\rخرج فيهِ :\r274- حديث ميمونة : قالت : وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوءاً للجنابة ، فكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثاً ، ثم غسل فرجه ، ثم ضرب يده بالأرض -أو الحائط- مرتين أو ثلاثاً ، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ، ثم افاض على راسه الماء ، ثم غسل جسده ، ثم تنحى فغسل رجليه ، قالت : فأتيته بخرقة فلم يردها ، فجعل ينفض الماء بيده .\rخرجه من طريق الفضل بن موسى ، عن الأعمش ، بإسناده المتقدم .\rووجه دلالة الحديث على ما بوب عليهِ : أنه - صلى الله عليه وسلم - غسل وجهه وذراعيه ، ثم أفاض على راسه الماء ، ثم غسل جسده ، ولم يعد غسل وجهه وذراعيه ، وإنما غسل رجليه اخيراً ؛ لأنه لم يكن غسلهما أولاً .\rوقد خرج مسلم هذا الحديث ، من رواية عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، وفي حديثه : (( ثُمَّ توضأ وضوءه للصلاة ، ثُمَّ أفرغ على راسه ثلاث حفنات ملء كفه ، ثُمَّ غسل سائر جسده )) .\rوقوله : (( غسل سائر جسده )) يدل على أنه لم يعد غسل ما كانَ غسله منه قبل ذَلِكَ ؛ لأن : (( سائر )) إنما تستعمل بمعنى : (( الباقي )) ، لا بمعنى :\r(( الكل )) ، على الأصح الأشهر عندَ أهل اللغة .\rوكذلك خرج مسلم حديث عائشة ، من حديث أبي معاوية ، عنة هشام ابن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة -فذكرت الحديث ، وفي آخره - : (( ثم أفاض على سائر جسده )) .\rوهو -أيضاَ - : دليل على أنه لم يعد غسل ما مضى غسله منه .\rوالعجب من البخاري -رحمه الله - ، كيف ذكر في تبويبه (( من توضأ للجنابة ثم غسل سائر جسده )) ، ولم يسق الحديث بهذا اللفظ ، وإنما تتم الدلالة به .\rومقصوده بهذا الباب : أن الجنب إذا توضأ ، فإنه يجب عليهِ غسل بقية بدنه ، ولا يلزمه إعادة غسل ما غسله من أعضاء الوضوء .\rوالجنب حالتان :\rإحداهما : أنه لا يلزمه سوى الغسل ، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر - على قول من يقول : إن الجنابة المجردة لا توجب سوى الغسل ، كما هوَ قول الشافعي وابن حامد من أصحابنا - ، فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل .\rفإن بدأ بأعضاء الوضوء ، فغسلهما ، لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه ، بغير\rتردد .\rوينوي بوضوئه الغسل ، لا رفع الحدث الأصغر - : صرح به الشافعية ، وهو ظاهر .\rالحالة الثانية : أن يجتمع عليهِ حدث أصغر وجنابة ، إما بأن يحدث ، ثم يجنب ، أو على قول من يقول : إن الجنابة بمجردها تنقض الوضوء وتوجب الغسل ، كما هوَ ظاهر مذهب أحمد وغيره .\rفهذه المسألة قد سبقت الإشارة إليها والاختلاف فيها .\rوأكثر العلماء على تداخل الوضوء والغسل قي الجملة .\rقالَ الحسن : إذا اغتمس في النهر ، وهو جنب ، أجزأه عن الجنابة والحدث .\rفعلى هذا ؛ إذا غسل اعضاء الوضوء مرة ، لم يحتج إلى إعادة غسلها .\rقالَ : أحمد العمل عندي في غسل الجنابة ، أن يبدأ الرجل بمواضع الوضوء ،ثم يغسل بعد ذَلِكَ سائر جسده .","part":2,"page":39},{"id":160,"text":"ولكن على هذا التقدير ، ينوي بوضوئه رفع الحدثين عن أعضاء الوضوء .\rفإن نوى رفع الحدث الأصغر وحده ، احتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل .\rثم إن المشهور عن أحمد -عندَ اصحابه كالخرقي ومن تابعه - : أن الغسل والوضوء لا يتداخلان ، إلا بأن ينويهما ، كالحج والعمرة في القرآن ، وهو وجه\rالشافعية .\rوعلى هذا ؛ فينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر ، صرح به ابن أبي موسى من أصحابنا .\rويلزم من ذَلِكَ وجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل مرة أخرى .\rفإن نوى بالوضوء رفع الحدثين معاً ، لم يلزمه إعادة غسلهما مرة أخرى .\rوالمنصوص عن الشافعي ، أنهما يتداخلان بدون نية ، نص على ذَلِكَ في\r(( الأم )) ، وحكاه أبو حفص البرمكي رواية عن احمد ، كما لو كانا من جنس واحد عندَ أكثر العلماء .\rفعلى هذا ، يجزىء الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر خاصة .\rوإن نوى بالوضوء رفع الحدث الأصغر ، كانَ أفضل - : قاله بعض الشافعية .\rولكن ينبغي أن يقولوا بوجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى في\rالغسل .\rوعلى هذا التقدير ، فإن رفع الحدث الأصغر لا يندرج فيهِ الأكبر ، بخلاف عكسه .\rوعن أحمد رواية ، أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بدون الإتيان بالوضوء ، وحكي مثله عن مالك وأبي ثور وداود ، وهو وجه الشافعية ؛ لأن سببهما مختلف ، فلم يتداخلا كحد الزنا وحد السرقة .\rوعلى هذا فيجب غسل اعضاء الوضوء مرتين [ ... ] : مرة للوضوء ، ومرة في الغسل ، وينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر ، وبالغسل رفع الحدث الأكبر .\rوقالت طائف : إن غسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية ارتفع عنهما الحدثان ، وإذا نوى رفعهما ، فلا يجب عليهِ إلا غسل باقي بدنه للجنابة ، وإن لم يغسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية لم يرتفع عنها سوى حدث الجنابة ، وعليه ان ياتي بالوضوء على وجهه ؛ ليرفع الحدث الأصغر .\rوحكي هذا عن إسحاق بن راهويه ، وهو قول أبي بكر بن جعفر ، ومن اتبعه من أصحابنا .\rواعتبروا -أيضاً - : أن يمسح رأسه .\rوقد سبق نص أحمد ، على أنه لا يحتاج إلى مسح رأسه ، بل يكفيه صب الماء\rعليهِ .\rوهو يدل على أن خصائص الوضوء عنده كلها غير معتبرة في وضوء غسل\rالجنابة .\rوهو -أيضاً- وجه لأصحاب الشافعي ، لكنهم لا يعتبرون الموالاة ولا نية الحدث الأصغر ، على الصحيح عندهم .\rوعندنا ؛ هما معتبران ، على الصحيح .\rوزعم أبو بكر الخلال : أن هذا القول هوَ مذهب أحمد ، ووهم من حكى عنه خلافه فإن حنبلاً نقل عن أحمد ، في جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق ، لم يحركه ، فصلى ، ثم ذكر ؟ قالَ : يغسل موضعه ، ويعيد الصلاة .\rقالَ الخلال : هذا وهم من حنبل لا شك فيهِ ، لأن أحمد عنده أن من لم يحرك خاتمه الضيق في الوضوء وصلى ، أنه يعيد الوضوء والصلاة .\rقالَ أبو بكر ابن جعفر في كتاب (( الشافي )) : هذا يدل على أنه لا بد في غسل الجنابة من الوضوء .","part":2,"page":40},{"id":161,"text":"قلت : إنما قالَ أحمد : (( يعيد الوضوء والصلاة )) في المحدث حدثا أصغر ، فأما الجنب فإن المنصوص عن أحمد ، أنه إذا انغمس في ماء وتمضمض، واستنشق ، أنه يجزئه ، بخلاف من يريد الوضوء ، فإنه يلزمه الترتيب والمسح .\rولكن الخلال تأول كلامه ، على أن الجنب يجزئه انغماسه في الماء من غسل الجنابة واما عن الوضوء فلا يجزئه حتى يرتب ، كالمحدث الحدث الأصغر بانفراده .\rونقول : إن قول أحمد : (( إذا انغمس وأراد الوضوء لا يجزئه )) عام فيمن أراد الوضوء وهو جنب أو محدث .\rوالذي عليهِ عامة الأصحاب ، كالخرقي وابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى وأصحابه خلاف [ ذَلِكَ ] ، وأن أحمد إنما أراد المحدث حدثاً أصغر .\rورواية حنبل هذه صريحة في هذا المعنى، وقول الخلال : (( إنها وهم بغير شك ))، غير مقبول . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r\r* * *","part":2,"page":41},{"id":162,"text":"17-بَابُ\rإذا ذَكَر في المْسْجِدِ أنهُ جنُبُ يخرجُ كَمَا هُو ولا يَتَيَمَّمُ\r275 - حدثنا عبد الله بن محمد : ثنا عثمان بن عمر : ثنا يونس ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قالَ : أقيمت الصلاة ، وعدلت الصفوف قياماً ، فخرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما قام مصلاه ، ذكر أنه جنب ، فقالَ لنا : (( مكانكم )) ، ثم رجع فاغتسل ، ثم خرج إلينا ، ورأسه يقطر ، فكبر ، فصلينا معه .\rتابعه : عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري .\rورواه الأوزاعي ، عن الزهري .\rقد خرجه البخاري في (( كتاب الصلاة )) من حديث الأوزاعي ، وفيه - أيضاً - : أنه كانَ جنباً .\rوخرجه -أيضاً- من رواية صالح بن كيسان ، عن الزهري ، ولم يذكر :\rأنه كانَ جنباً ؛ لكن رجوعه إليهم ، ورأسه يقطر ماء يدل على ذَلِكَ .\rوقد استدل البخاري بهذا الحديث على أن من ذكر في المسجد أنه جنب فإنه يخرج منه ليغسل ، ولا يلزمه التيمم لمشية للخروج .\rومثله من كانَ نائماً فاحتلم في المسجد ، فإنه يخرج منه ليغتسل ، ولا يلزمه أن يتيمم للخروج .\rوقد نص على هذه الصور أحمد في رواية حرب .\rواستدل طائفة بأن الصحابة كانوا ينامون في المسجد -يعني : أنه لم يكن يخلو من احتلام بعضهم فيهِ - ، ولم ينقل عن أحمد منهم أنه تيمم ، ولا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أحداً منهم بذلك ، مع علمه بنومهم ، وأنه لا يكاد يخلو من محتلم منهم فيهِ .\rوقد كانَ ابن عمر شاباً عزباً ، ينام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوأصل هذه المسألة : أن الجنب : هل يباح لهُ المرور في المسجد من غير تيمم ، أم لا ؟ وفي المسألة قولان :\rأحدهما -وهو قول الأكثرين - : إنه يباح لهُ ذَلِكَ ، وهو قول أكثر السلف ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم .\rوقد تأول طائفة من الصحابة قول الله - عز وجل - : { لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } [النساء: 43 ] ، بأن المراد : النهي عن قربان موضع الصَّلاة -وهو المسجد- في حال الجنابة ، إلا\rأن يكون عابر سبيل ، وهو المجتاز به من غير لبث فيهِ .\rوقد روي ذَلِكَ عن ابن مسعود وابن عباس وأنس - رضي الله عنهم - .\rوفي (( المسند )) ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سد أبواب المسجد غير باب\rعلي . قالَ : فيدخل المسجد جنباً ، وهو طريقه ليس لهُ طريق غيره .\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن العوام ، أن علياً كانَ يمر في المسجد ، وهو جنب .\rوبإسناده ، عن جابر ، قالَ : كانَ احدنا يمشي في المسجد وهو جنب مجتازاً .\rوخرجه -أيضاً- سعيد بن منصور وابن خزيمة في (( صحيحه )) .\rوعن زيد بن أسلم ، قالَ : كانَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشون في المسجد ، وهم جنب .\rخرجه ابن المنذر وغيره .\rولا يجوز العبور إلا لحاجة ، في اصح الوجهين لأصحابنا ، وهو قول أكثر\rالسلف ، منهم : عكرمة ومسروق والنخعي .","part":2,"page":42},{"id":163,"text":"وقرب الطريق حاجة ، في احد الوجهين لأصحابنا ، وهو قول الحسن .\rوفي الآخر : ليس بحاجة ، وهو وجه للشافعية ، والصحيح -عندهم - :\rأنه يجوز المرور لحاجة وغيرها .\rوالقول الثاني : لا يجوز للجنب المرور في المسجد ، فأن اضطر إليه تيمم ، وهو قول الثوري وابي حنيفة وإسحاق ورواية عن مالك .\rوقد روي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : (( لا أحل المسجد لحائض ولا جنب )) .\rخرجه أبو داود من حديث عائشة ، وابن ماجه من حديث أم سلمة وفي إسنادهما\rضعف .\rوعلى تقدير صحة ذَلِكَ ، فهوَ محمول على اللبث في المسجد ؛ جمعاً بين\rالدليلين .\rوأهل هذه المقالة منهم من قالَ : إذا ذكر في المسجد أنه جنب أو احتلم في المسجد ، فإنه يتيمم لخروجه ، كما قاله بعض الحنفية .\rوحديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري هنا حجة عليهِ .\r\r* * *","part":2,"page":43},{"id":164,"text":"18-بَابُ\rنَفْضِ الْيَدَينِ من الْغُسلِ من الْجَنابَةِ\rخرج فيهِ :\r276- حديث ميمونة : قالت : وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً ، فسترته بثوب ، وصب على يديه فغسلهما ، ثم صب بيمينه على شماله ، فغسل فرجه ، وضرب بيده الأرض فمسحها ، ثم غسلها ، فتمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه ، ثم صب على راسه ، وأفاض على جسده ، ثم تنحى فغسل قدميه ،فناولته ثوباً ، فلم يأخذه ، فانطلق وهو ينفض يديه .\rخرجه من طريق أبي حمزة السكري ، عن الأعمش ، بإسناده المتقدم .\rهذه الرواية مصرحة بأنه نفض يديه .\rوفي رواية سبقت قبل ذَلِكَ : (( جعل ينقض الماء بيده )) .\rفأما نفض الماء عن بدنه بيده ، فقد دل هذا الحديث الصحيح عليهِ ، فلا ينبغي أن يكون في عدم كراهته خلاف .\rوأما نفض اليد بالماء ، فقد كرهه طائفة من أصحابنا والشافعية ، ولم يكرهه آخرون من الطائفتين ، وهو الصحيح .\rورواية البخاري المخرجة في هذا الباب تدل عليهِ .\rوفي (( سنن أبي داود )) ، من حديث هشام بن سعد : حدثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ، فأخذ قبضة من ماء ، فنفض يده ، ثم مسح رأسه وأذنيه .\rواستدل من كره ذَلِكَ ، بما روى البختري بن عبيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء ، ولا تنفضوا أيديكم ؛ فإنها مراوح الشيطان )) .\rخرجه إسحاق بن راهويه وبقي بن مخلد وأبو يعلى الموصلي في (( مسانيدهم )) .\rقالَ ابن أبي حاتم : سألت أبي عن هذا الحديث ؟ فقالَ : حديث منكر ، والبختري ضعيف الحديث ، وأبوه مجهول .\rواستدل بعضهم ، برد النبي - صلى الله عليه وسلم - الثوب على ميمونة ، على كراهة التنشيف ، ولا دلالة فيهِ على الكراهة ، بل على أن التنشيف ليس مستحباً ، ولا أن فعله هوَ أولى ، لا دلالة للحديث على أكثر من ذَلِكَ ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره من العلماء .\rوأكثر العلماء على أن التنشيف من الغسل والوضوء غير مكروه .\rوقد روي فعله عن جماعة من الصحابة ، منهم : عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم -، وعن خلق من التابعين، وهو قول الشعبي والثوري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد -في المشهور عنه - وإسحاق وغيرهم .\rوهو المشهور عندَ الشافعية ، وليس للشافعي في المسألة نص .\rوكرهه طائفة من التابعين ، وهو قول الحسن بن صالح وابن مهدي ، ورواية عن أحمد ، وأنكرها الخلال ولم يثبتها .\rوكرهه ابن عباس ، في الوضوء دون الغسل .\rوعمدة من كرهه : أنه أثر عبادة على البدن ، فكره إزالته ، كخلوف فم\rالصائم .\rوالخلوف ، مختلف فيهِ -أيضاً .\rوكان مكحول يتنشف بطرف ثوبه ، ويرد المنديل ، ويقول :إن فضل الوضوء بركة ، فأريد أن يكون ذَلِكَ في ثيابي .\rخرجه حرب الكرماني .\r\r* * *","part":2,"page":44},{"id":165,"text":"19- بَابُ\rمن بَدأ بِشِق رأسِهِ الأيمَنِ في الْغُسْلِ\rخرج فيهِ :\r277- من حديث : صفية بنت شيبة ، عن عائشة ، قالت : كنا إذا أصاب إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثاً فوق رأسها ، ثم تأخذ بيدها على سقها الأيمن ، وبيدها الأخرى على شقها الأيسر .\rقد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدم ، وذكرنا أن ظاهره يدل على أن المرأة تفرغ على رأسها خمساً .\rوقد ذكرنا فيما سبق في (( باب : من افرغ على رأسه ثلاثاً )) ، وفي (( باب :\rتخليل الشعر )) أحاديث مرفوعة ، تدل على البداءة بجانب الرأس الأيمن في الصب عليهِ ، وفي تخليله بالماء قبل الإفراغ عليهِ ثلاثاً .\rوقد روي من حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في غسل الجنابة والحيض بالبداءة بشق الرأس الأيمن ، وسيأتي في غسل الحيض -إن شاء الله تعالى .\rوالبداءة بشق الرأس الأيمن مستحبة ، وليست واجبة .\rروى الحارث ، عن علي ، قالَ : لا يضرك بأي جانبي رأسك بدأت .\rخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في (( كتاب الصلاة )) .\rوكذلك البداءة بجانب البدن الأيمن ، فليس فيهِ حديث صريح ، وإنما يؤخذ من عموم قول عائشة : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحب التيمن في طهوره .\rومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في غسل ابنته لما ماتت - : (( ابدأن بميامنها ، ومواضع الوضوء منها )) . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r\r* * *","part":2,"page":45},{"id":166,"text":"20-بَابُ\rمن أغتسل عرياناً وحده في خلوة\rومن تستر ، والتستر فضل\rوقال بهز ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( الله أحق أن يستتر منه من الناس )) .\rحديث بهز ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قالَ : (( احفظ عورتك إلا من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك )) . قالَ : الرجل يكون مع الرجل ؟ قالَ (( قالَ (( إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل )) . قالَ : فالرجل يكون خالياً ؟ قالَ : (( فالله أحق أن تستحي منه )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي - وهذا لفظه .\rقالَ : حديث حسن .\rوصححه الحاكم وغيره .\rخرج البخاري فيهِ :\r278- من حديث : معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( كانَ بنو إسرائيل يغتسلون عراة ، ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى\r- عليه السلام - يغتسل وحده ، فقالوا : والله ، ما يمنع موسى أن يغتسل معنا ، إلا أنه آدر ، فذهب مرة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ففر الحجر بثوبه ، فخرج موسى في إثره ، يقول : ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر ، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى ، فقالوا :\rوالله ، ما بموسى بأس ، وأخذ ثوبه ، فطفق بالحجر ضرباً )) .\rقالَ أبو هريرة : والله ، إنه لندب بالحجر -ستة أو سبعة- ضرباً بالحجر .\r279- وعن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( بينا أيوب - عليه السلام -يغتسل عرياناً فخر عليهِ جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربه : يا أيوب ، الم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قالَ : بلى وعزتك ، ولكن لا غني بي عن بركتك )) .\rورواه إبراهيم ، عن موسى بن عقبة ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن\rيسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( بيننا أيوب - عليه السلام - يغتسل عرياناً )) .","part":2,"page":46},{"id":167,"text":"وخرج البخاري في (( أخبار الأنبياء )) من (( صحيحه )) هذا قصة موسى - عليه السلام - ، من وجه آخر ، من رواية عوف ، عن ابن سيرين والحسن وخلاس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن موسى - عليه السلام - كانَ رجلاً حيياً ستيراً ، لا يرى من جلده شيء ، استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستر هذا الستر إلا من عيب بجلده ، إما برص وإما أدرة وإما آفة ، وإن الله أراد أن يبرئه ، فخلا يوماً وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ، ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه ، وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملإبني إسرائيل ، فرأوه عرياناً ، أحسن ما خلق الله ، وأبرأه الله مما\rيقولون ، وقام الحجر ، فأخذ ثوبه فلبسه ، وطفق بالحجر ضرباً -ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً - ، فلذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً } [الأحزاب:69 ] .\r(( الأدرة )) : انتفاخ الخصية .\rو (( الندب )) : الأثر الباقي في الحجر ، من ضرب موسى - عليه السلام - لهُ .\rقالَ الخطابي : وفيه من الفقه : جواز الاطلاع على عورات البالغين ؛ لإقامة حق واجب كالختان ونحوه .\rقلت : هذا فيهِ نظر ؛ فإن موسى - عليه السلام - لم يقصد التعري عندَ بني إسرائيل ؛ لينظروا إليه ، وإنما قدر الله لهُ ذَلِكَ حتَّى يبرئه عندهم مما آذوه به . وقد يقال : إن الله لا يقدر لنبيه ما ليس بجائز في شرعه .\rوأما الاستدلال به على جواز الاغتسال في الخلوة عرياناً ، فهوَ مبني على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا ، ما لم يأت شرعنا بخلافه .\rوقد استدل بهذا على الجواز الغسل في الخلوة عرياناً إسحاق بن راهويه\r-أيضاً - ، وذكر أنه كانَ شرع من قبلنا ، إلا أنه لم يرد شرعنا بخلافه .\rوقد يمنع هذا من يقول : قد ورد شرعنا بالتستر في الخلوة -أيضاً - ، وسيأتي بيان ذَلِكَ في الباب الآتي -إن شاء الله تعالى .\rوقد روى حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إن موسى بن عمران - عليه السلام - كانَ إذا اراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه ، حتى يواري عورته في الماء )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوعلي بن زيد ، هوَ : ابن جدعان ، متكلم فيهِ .\rوكذا القول في الاحتجاج بحديث أيوب - عليه السلام - عرياناً .\rوأما الطريق الذي ذكره البخاري تعليقاً لحديث اغتسال أيوب - عليه السلام - فخرجه الإمام .\r* * *","part":2,"page":47},{"id":168,"text":"21-بَابُ\rالتستر في الغسل عند الناس\rخرج فيهِ حديثين :\rأحدهما :\r280- من رواية : مالك ، عَن أبي النضر مولى عمر بنِ عبيد الله ، أن أبا مرة مولى أم هانىء أخبره ، أنَّهُ سمع أم هانىء تقول : ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة تستره ، فقال : (( من هَذهِ ؟ )) فقلت : أنا أم هانىء .\rهَذا الحديث يستدل بهِ لَما بوب عليهِ ، وَهوَ : التستر عند الناس ؛ لأن ابنة الرجل وغيرها من محارمه لا تنظر إلى العورة ، فهي كالرجل معَ الرجل ، وقد كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أحياناً يستره رجل فيغتسل ، وقد روي أن أبا ذر ستره لما اغتسل ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - قام فستر أبا ذر لما اغتسل .\rخرجه الإمام أحمد .\rوروي -أيضاً- عَن حذيفة مثله .\rخرجه ابن أبي عاصم في (( كِتابِ الصيام )) .\rوخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي السمح ، قالَ : كنت أخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكان إذا أراد أن يغتسل قالَ : (( ولني )) . فأوليه قفاي ، وأنشر الثوب فأستره بهِ .\rوإسناده حسن .\rالحديث الثاني :\r281- حديث : ميمونة ، قالت : سترت النبي - صلى الله عليه وسلم - وَهوَ يغتسل من الجنابة ، فغسل يديه ، ثُمَّ صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه ، ثُمَّ مسح بيده على الحائط أو الأرض ، ثُمَّ توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ، ثُمَّ افاض على جسده الماء ، ثُمَّ تنحى فغسل قدميه .\rخرجه من طريق ابن المبارك ، عَن سفيان ، عَن الأعمش ، بإسناده المتقدم .\rثُمَّ قالَ :\rتابعه : أبو عوانة وابن فضيل في الستر .\rيعني : عَن الأعمش ، فَقد خرجه فيما مضى من طريق أبي حمزة السكري ، عَن الأعمش ، وخرج -أيضاً- حديث أبي عوانة فيما مضى .\rوخرج مسلم من حديث زائدة ، عَن الأعمش ، بهذا الإسناد ، عَن ميمونة ، قالت : وضعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ماء وسترته ، فاغتسل .\rفهذا الحديث مما يستدل بهِ على التستر في الاغتسال في الخلوة ؛ لأن اغتسال الرجل معَ زوجته كاغتساله خالياً .\rويدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يستتر عند اغتساله معَ أهله : ما خرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عائشة ، قالت : ما رأيت فرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط .\rلكن ؛ في إسناده من لا يعرف .\rوخرج البزاز من حديث مسلم الملائي ، عَن مجاهد ، عَن ابن عباس قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل من وراء الحجرات ، وما رئي عورته قط ومسلم الملائي ، فيهِ ضعف .\rوخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي من حديث يعلى بنِ أمية عَن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، أنَّهُ رأى رجلاً يغتسل بالبراز ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليهِ ، فقالَ : (( إن الله حيي ستير ، فإذا أراد أحدكم أن يغتسل فليتوار بشيء )) .\rوقد قيل : إن في إسناده انقطاعاً ، ووصله بعض الثقات ، وأنكر وصله أحمد وأبو زرعة .","part":2,"page":48},{"id":169,"text":"وخرج أبو داود في (( مراسيله )) من حديث الزهري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( لا تغتسلوا في الصحراء ، إلا أن تجدوا متوارى ؟، فإن لَم تجدوا متوارى فليخط أحدكم خطاً كالدار ، ثُمَّ يسمي الله ، ويغتسل فيها )) .\rوخرجه الطبراني متصلاً عَن الزهري ، عَن أبي سلمة ، عَن أبي هريرة ولا يصح وصله .\rولا يصح وصله .\rوفي الباب أحاديث أخر .\rفالمغتسل في الخلوة إن كانَ معه من يباح لَهُ النظر إلى عورته كزوجته أو أمته ، فقالَ أصحابنا وغيرهم : لا يجب عليهِ التستر ؛ لحديث بهز بنِ حكيم المذكور في الباب الماضي ، والأفضل التستر ؛ لحديث ميمونة .\rوهذا مبني على القول بجواز نظر أحد الزوجين إلى فرج الآخر ، وفيه اختلاف مشهور .\rومن أصحاب من جزم بكراهته كصاحب (( المغني )) ، وحكى أبو الحسن الآمدي رواية عَن أحمد بتحريمه .\rوبكل حال ؛ فالاستتار أولى ، وعليه يدل حديث ميمونة ، وحديث عائشة : ما نظرت إلى فرجه قط .\rوأكثر العلماء على أنَّهُ غير محرم ، منهُم : مجاهد ، ومكحول ، والأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق وغيرهم .\rوروى بقية بنِ الوليد : حدثني عتبة بنِ أبي حكيم : حدثني سليمان بنِ موسى ، وسألته عَن الرجل ينظر إلى فرج امرأته ، فقالَ سليمان : سألت عطاء عَن ذَلِكَ ، فقالَ : حدثتني عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - في هَذا البيت ، وبيننا وبينها حجاب ، قالت : كنت أنا وحبي نغتسل من إناء واحد ، تختلف فيهِ أكفنا . قالَ : وأشارت إلى إناء في البيت ، قدر الفرق ، ستة أقساط .\rخرجه حرب الكرماني وابن عدي .\rوخرجه بقي بن مخلد من طريق صدقة بنِ خالد : نا عتبة بنِ أبي حكيم -فذكره بنحوه .\rوسليمان بنِ موسى ، مختلف في أمره .\rوإن لَم يكن معه أحد ، فحكى أكثر أصحابنا في كراهته روايتين عَن أحمد ؛ لأنه كشف لغرض صحيح ، فَهوَ كالكشف للتخلي ونحوه .\rومنهم : من حكى في جواز كشف العورة خالياً روايتين عَن أحمد .\rوقالوا : ظاهر كلام أحمد تحريمه ؛ فإن الكشف وإن جاز للحاجة ، فإنه يتقدر بقدرها ، ولا حاجة إلى التكشف للغسل معَ إمكان الاستتار، ولا إلى القيام عرياناً معَ إمكان القعود والتضام .\rوروي عَن أبي موسى الأشعري ، قالَ : إني لأغتسل في البيت المظلم ، فأحني ظهري إذا أخذت ثوبي حياء من ربي عز وجل .\rوعنه ، قالَ : ما أقمت صلبي في غسل منذ أسلمت .\rخرجهما ابن أبي شيبة وغيره .\rوظاهر كلام ابن بطة من أصحابنا يدل على وجوب التستر في الغسل في الخلوة ، فإن لَم يجد ما يتستر بهِ ، وجب أن يتضام ما استطاع .\rونقل حرب عَن أحمد ، في الرجل يدخل الماء بغير إزار ، فكرهه كراهية شديدة .\rقيل لَهُ : كل المياه ؟ قالَ : نعم قيل لَهُ : فإذا دخل الماء يحل إزاره ؟ قالَ : لا .\rوممن كانَ لا يدخل الماء إلا بمئزر : ابن عمر ، والحسن ، والحسين ، وقالا : إن للماء سكاناً . وكذلك قالَ ابن أبي ليلى .\rوقال عمرو بنِ ميمون : لا يدخل أحد الفرات إلا بإزار ، ولا الحمام إلا بإزار ، إلا تستحيون مما استحى منهُ أبوكم آدم ؟","part":2,"page":49},{"id":170,"text":"وقد روي مرفوعاً من رواية حماد بنِ شعيب ، عَن أبي الزبير ، عَن جابر : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل الماء إلا بمئزر .\rخرجه العقيلي وغيره .\rوأنكره الإمام أحمد ؛ لأجل حماد بنِ شعيب .\rوقد تابعه عليهِ الحسن بن بشر ، فرواه عَن زهير ، عَن أبي الزبير -أيضاً .\rخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه )) .\rوالحسن ، مختلف فيهِ ، وقد خرج لَهُ البخاري في (( صحيحه )) .\rوقال أحمد : روى عَن زهير مناكير .\r\r* * *","part":2,"page":50},{"id":171,"text":"22-باب\rإذا احتلمت المرأة\r282 - حدثنا عبد الله بنِ يوسف : أنا مالك ، عَن هشام بنِ عروة ، عَن أبيه ، عَن زبيب بنت أبي سلمة ، عَن أم سلمة ، أنها قالت : جاءت أم سليم إمرأة أبي طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول ؟ إن الله لا يستحي من الحق ، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( نعم ، إذا رأت الماء )) .\rوقد خرجه البخاري في آخر (( كِتابِ العلم )) في (( باب الحياء في العلم )) بزيادة في آخره ، واقتصر في هَذا الباب على ما يحتاج إليه فيهِ .\rوقد خرجه مسلم من حديث عائشة ، وأنس ، ومن حديثه عَن أمه .\rأم سليم ، وله طرق متعددة .\rوهذا الحديث : نص على أن المرأة إذا إذا رأت حلماً في منامها ، ورأت الماء في اليقضة أن عليها الغسل .\rوإلى هَذا ذهب جمهور العلماء ، ولا يعرف فيهِ خلاف ، إلا عَن النخعي وَهوَ شذوذ .\rولعل النخعي أنكر وقوع ذَلِكَ من المرأة كَما أنكرته أم سلمة على أم سليم ، حتى قالَ لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( تربت يمينك ، وبم يشبهها ولدها ؟ )) .\rفبين - صلى الله عليه وسلم - أن للمرأة ماء كما للرجل ، وأنها إذا رأت الماء في نومها باحتلام ، فإنه يجب عليها الغسل منهُ . وفي ذَلِكَ تنبيه على أن الرجل كذلك ، وأنه إذا رأى حلماً ورأى الماء ، أنَّهُ يلزمه الغسل . وهذا مما لا اختلاف فيهِ بين العلماء .\rوقد روى الإمام أحمد وابن ماجه من حديث علي بنِ زيد بنِ جدعان ، عَن سعيد بنِ المسيب ، عَن خولة بنت حكيم ، أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عَن المرأة ترى في منامها مايرى الرجل ؟ فقالَ : (( ليسَ عليها غسل حتَّى تنزل ، كَما أن الرجل ليسَ عليهِ غسل حتَّى ينزل )) .\rوقد روي عَن ابن المسيب مرسلاً .\rولو رأى الرجل والمرأة بللاً ولم يذكر احتلاماً ، فإن كانت أوصاف المني موجودة فيهِ لزم الغسل ، وإن احتمل أن يكون منياً وأن يكون مذياً وغير ذَلِكَ ففيه قولان :\rأحدهما : عليهِ الغسل ،حكاه الترمذي في (( كتابه )) عَن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والتابعين ، وعن سفيان ، وأحمد .\rوممن روي عَنهُ أنه قالَ : يغتسل : ابن عباس ، وعطاء ، والشعبي ، والنخعي .\rوَهوَ قول أبي حنيفة ، وظاهر مذهب أحمد ، إلا أنَّهُ استثنى من ذَلِكَ أن يكون ثُمَّ سبب يقتضي خروج غير المني ، مثل أن يكون قَد سبق منهُ ملاعبته لأهله ، أو فكر قبل نومه ، أو يكون بهِ إبردة فخرج منهُ بلل بسببها ، فلم يوجب الغسل في هَذهِ الصور ؛ لأن إحالة البلل الخارج على السبب الموجود المعلوم أولى من إحالته على سبب موهوم .\rفإن لَم يوجد شيء من هَذهِ الأسباب لزمه الغسل ؛ لأن خروج المني من النائم بالاحتلام هوَ الأغلب ، فيحال البلل عند لشك عليهِ دونَ المذي وغيره ؛ لأن خروج ذَلِكَ في النوم أندر ، ولأن ذمته قَد اشتغلت بطهارة قطعاً ، ولا يتيقن ، بل ولا يغلب على الظن صحة صلاته بدون الإتيان بطهارة الوضوء والغسل ، فلزمه ذَلِكَ .","part":2,"page":51},{"id":172,"text":"والقول الثاني : لا غسل عليهِ بذلك حتى يتيقن أنَّهُ مني ، وَهوَ قول مجاهد ،\rوقتادة ، والحكم ، وحماد ، ومالك ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبي يوسف ، لأن الأصل الطهارة ، فلا يجب الغسل بالشك .\rوالقول الأول أصح .\rولا يشبه هَذا من تيقن الطهارة وشك في الحدث ؛ فإن ذاك لَم يتيقن شيئاً موجباً لطهارة في ذمته ، بل هوَ مستصحب للطهارة المتيقنة ، ولم يتيقن اشتغال ذمته بشيء ، وهذا قَد تيقن أن ذمته اشتغلت بطهارة ، فلا تبرأ ذمته بدون الإتيان بالوضوء والغسل .\rورجح هَذا القول طائفة من محققي الشافعية -أيضاً .\rوأما إن رأى الرجل والمرأة احتلاماً ، ولم ير بللاً ، فلا غسل عليهِ ، كَما دل عليهِ هَذا الحديث الصحيح ، وحكاه الترمذي عَن عامة أهل العلم ، وحكاه ابن المنذر إجماعاً عَن كل من يحفظ عَنهُ من أهل العلم .\rوحكى ابن أبي موسى من أصحابنا رواية عَن أحمد : أنَّهُ إذا رأى في منامه احتلاماً ووجد لذة الإنزال في منامه ، ولم يجد بللاً عند استيقاظه ، أنَّهُ يلزمه الغسل ، وبناه على قول الإمام أحمد المشهور عَنهُ : إن المني إذا انتقل من محله ، ولم يخرج ، فإنه يجب الغسل بانتقاله .\rوفي هَذا نظر ؛ فإنه قَد لا يتحقق انتقاله بمجرد وجود اللذة في النوم .\rوقد ورد في هَذا الحديث صريح ، خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي من حديث عبد الله بن عمر ، عَن أخيه عبيد الله ، عَن القاسم ، عَن عائشة ، قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً ؟ قالَ : (( يغتسل ))، وعن الرجل يرى أنَّهُ قَد احتلم ولم يجد بللاً ؟\rقالَ : (( لا غسل عليهِ )) . قالت أم سليم : يا رسول الله ، هل على المرأةترى ذَلِكَ غسل ؟ قالَ : (( نعم ، إنما النساء شقائق الرجال )) .\rوليس عندَ ابن ماجه : (( قالت أم سليم )) -إلى أخره .\rوقد استنكر أحمد هَذا الحديث في رواية مهنا ، وقال في رواية الفضل ابن زياد : أذهب إليه .\rقالَ الترمذي : إنما روى هَذا عبد الله بنِ عمر ، وقد تكلم فيهِ يحيى القطان من قبل حفظه .\rقلت : وقد روي معناه -أيضاً - من حديث كعب بنِ مالك . خرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان )) ، وإسناده لا يصح . والله أعلم .\r\r* * *","part":2,"page":52},{"id":173,"text":"23 - باب\rعرق الجنب ، وأن المسلم لا ينجس\r283- حدثنا علي بنِ عبد الله : نا يحيى : نا حميد : نا بكر ، عَن أبي رافع ، عَن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه في بعض طريق المدينة وَهوَ جنب ، فانخنست منهُ ، فذهب فاغتسل ثُمَّ جَاءَ ، فقال: (( أين كنت يا أبا هريرة ؟ )) قالَ : كنت جنباً ، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة . فقالَ : (( سبحان الله ! إن المؤمن لا ينجس )) .\rقولُهُ : (( انخنست )) ، أي : تواريت ، واختفيت منهُ ، وتأخرت عَنهُ ، ومنه :\rالوسواس الخناس وَهوَ الشيطان ، إذا غفل العبد عَن ذكر الله وسوس لَهُ ، فإذا ذكر الله خنس وتأخر .\rومنه سميت النجوم خنساً ، قالَ تعالى : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ } [التكوير:15 ]، وانخناسها : رجوعها وتواريها تحت ضوء الشمس ، وقيل : اختفاؤها بالنهار .\rوفيه : دليل على أن الجنب لَهُ أن يذهب في حوائجه ويجالس أهل العلم والفضل ، وأنه ليسَ بنجس ، وإذا لَم يكن نجساً ففضلاته الطاهرة باقية على طهارتها ، كالدمع والعرق والريق ، وهذا كله مجمع عليهِ بين العلماء ، ولا نعلم بينهم فيهِ اختلافاً .\rقالَ الإمام أحمد : عائشة وابن عباس يقولان : لا بأس بعرق الحائض والجنب .\rوقال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر .\rوثبت : عَن عمر وابن عباس وعائشة ، أنهم قالوا ذَلِكَ ، ثُمَّ سمى جماعة ممن قالَ به بعدهم ، وقال : ولا أحفظ عَن غيرهم خلافهم .\rقلت : وقد سبق خلاف في كراهة سؤر الحائض والجنب ، وفي كراهة الماء الذِي أدخلا فيهِ أيديهما ، ولعل من كره ذَلِكَ لَم يكرهه لنجاسة أبدانهما عنده . والله أعلم .\rوقد روى وكيع ، عَن مسعر ، عَن حماد ، في الجنب يغتسل ثُمَّ يستدفىء بامرأته قبل أن تغتسل ؟ قالَ : لا يستدفىء بها حتَّى يجف .\r\r* * *","part":2,"page":53},{"id":174,"text":"24-باب\rالجنب يخرج ويمشي في السوق [ وغيره ]\rوقال عطاء : يحتجم الجنب ، ويقلم أظفاره ، ويحلق رأسه ، وإن لَم يتوضأ .\rحاصل هَذا : ان الجنب لَهُ تاخير غسل الجنابة ما لَم يضق عليهِ وقت الصلاة ، وله أن ينصرف في حوائجه ، ويخرج من بيته ، ويمشي في الأسواق ، ويدخل إلى بيوت أهله وغيرهم لقضاء حوائجه .\rوما حكاه عَن عطاء ، معناه : أن الجنب لا يكره لَهُ الأخذ من شعره وظفره في حال جنابته ، ولا أن يخرج دمه بحجامة وغيرها .\rوقال الإمام أحمد في الجنب يحتجم ، ويأخذ من شعره وأظفاره ، أو يختضب :\rلا بأس بهِ .\rقالَ : ولا بأس أن يطلي بالنورة ، كانَ عطاء يقول : لا بأس بهِ .\rوقال : لا بأس أن تختضب الحائض .\rوقال إسحاق بنِ راهوايه : خضاب المرأة في أيام حيضها لا باس بهِ ، سنة ماضية من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهن من أهل العلم .\rوروى أيوب ، عَن معاذة ، أن أمراة سألت عائشة : أتختضب الحائض ؟\rفقالت : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نختضب ، فلم يكن ينهانا عَنهُ .\rخرجه ابن ماجه .\rولا نعلم في هَذا خلافاً إلا ما ذكره بعض أصحابنا وَهوَ أبو الفرج الشيرازي ، أن الجنب يكره لَهُ الأخذ من شعره واظفاره ، وذكر فيهِ حديثاً مرفوعاً .\rوهذا المرفوع خرجه الإسماعيلي في (( مسند علي )) بإسناد ضعيف جداً عَن علي - مرفوعاً - : (( لا يقلمن أحد ظفراً ، ولا يقص شعراً ، إلا وَهوَ طاهر ، ومن اطلى وَهوَ جنب كانَ [ علته ] عليهِ )) ، وذكر كلاماً ، قيل لَهُ : لَم يا رسول الله ؟\rقالَ : (( لأنه لا ينبغي أن يلقي الشعر إلا وَهوَ طاهر )) .\rوهذا منكر جداً ، بل الظاهر أنَّهُ موضوع . والله أعلم .\rوخرج البخاري في هَذا الباب حديثين :\rأحدهما :\rقالَ :\r284- نا عبد الأعلى بنِ حماد : نا يزيد بنِ زريع : نا سعيد ، عَن قتادة ، أن أنس بنِ مالك حدثهم ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يطوف على نسائه في الليلة الواحدة ، وله يومئذٍ تسع نسوة .\rقَد ذكر بعض هَذا الحديث تعليقاً فيما سبق .\rوإنما تتم دلالة الحديث على مراده إذا كانَ يطوف عليهن بغسل واحد ، وقد تقدم أن ذَلِكَ روي عَن أنس من وجوه متعددة ، وإن لَم يخرجها البخاري .\rالحديث الثاني :\r285- حدثنا عياش : نا عبد الأعلى : نا حميد ، عَن بكر ، عَن أبي رافع ، عَن أبي هريرة ، قالَ : لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا جنب ، فأخذ بيدي ، فمشيت معه حتى\rقعد ، فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت ، ثُمَّ جئت وَهوَ قاعد ، فقالَ : (( أين كنت يا أبا هريرة ؟ )) فقلت لَهُ ، فقالَ : (( سبحان الله ! إن المؤمن لا ينجس )) .\rوفي هَذهِ الرواية زيادة على الرواية السابقة ، وهي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد\rأبي هريرة [ . . .] .\rوَهوَ يمشي معه حتى قعدا . وهذا استدل بهِ على استحباب المصفاحة ، وعلى جواز مصافحة الجنب ، وقد يكون في يده عرق .\rوفي المعنى -أيضاً- عَن حذيفة :","part":2,"page":54},{"id":175,"text":"خرجه مسلم من طريق أبي وائل ، عَن حذيفة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه وَهوَ جنب فحاد عَنهُ فاغتسل ، ثُمَّ جَاءَ فقالَ : كنت جنباً ، فقالَ : (( إن المسلم لا ينجس )) .\rوخرجه أبو داود ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه ، فأهوى إليه ، فقالَ : إني جنب ، قالَ : (( إن المؤمن لا ينجس )) .\rوخرجه النسائي وابن حبان في (( صحيحه )) من طريق أبي بردة ، عَن حذيفة ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لقي الرجل من أصحابه مسحه ودعا [ لَهُ ] .\rقالَ : فرأيته يوماً بكرة فحدت عَنهُ ، ثُمَّ أتيته حين ارتفع النهار ، فقالَ : (( إني رأيتك فحدت عني ؟ )) فقلت : إني كنت جنباً ، فخشيت أن تمسني ، فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن المسلم لا ينجس )) .\r\r* * *","part":2,"page":55},{"id":176,"text":"25-باب\rكينونة الجنب في البيت إذا توضأ\rخرج فيهِ حديثين :\rأحدهما :\rقالَ :\r286- نا أبو نعيم : نا هشام وشيبان ، عَن يحيى ، عَن أبي سلمة ، قالَ : سألت عائشة : أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرقد وهو جنب ؟ قالت : نعم ، ويتوضأ .\rوالثاني :\rقالَ :\r278- ثنا قتيبة : نا الليث ، عَن نافع ، عَن ابن عمر ، أن عمر بنِ الخطاب سأل\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - : أيرقد أحدنا وَهوَ جنب ؟ قالَ (( نعم ، إذا توضأ أحدكم فليرقد وَهوَ\rجنب )) .\rومراد البخاري بهذين الحديثين في هَذا الباب : الاستدلال على جوا تأخير الغسل من الجنابة لغير الضرورة ، وإن الجنب كانَ في بيته ، وإن نام في بيته وَهوَ جنب ، ولكنه إذا أراد النوم فإنه يستحب أن يتوضأ ، وقد أفرد باباً بعد هَذا .\rويتعلق بهذا : حكم أكل الجنب ، وقد وردت فيهِ أحاديث لَم يخرجها البخاري :\rفخرج مسلم من حديث شعبة ، عَن الحكم ، عَن إبراهيم ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانَ جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ .\rوخرجه وكيع في (( كتابه )) -وعنه الإمام أحمد - ، وزاد : (( أو يشرب )) .\rوقد تكلم في لفظة : (( الأكل )) :\rقالَ الإمام أحمد : قالَ يحيى بنِ سعيد : رجع شعبة عَن قولُهُ : ((يأكل )) ، قالَ أحمد : وذلك لأنه ليسَ أحد يقوله غيره ، إنما هوَ في النوم . انتهى .\rوقد رواه -أيضاً- ميمون أبو حمزة ، عَن إبراهيم ، بهذا الإسناد ، وزاد :\r(( وضوءه للصلاة )) .\rخرجه الطبراني .\rأبو حمزة هَذا ، ضعيف جداً .\rوروى ابن المبارك ، عَن يونس ، عَن الزهري ، عَن أبي سلمة ، عَن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -\rكانَ إذا أراد أن ينام وَهوَ جنب توضأ وضوءه للصلاة ، وإذا أراد أن يأكل وَهوَ جنب غسل يديه .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوفي رواية لَهُ : إذا أراد أن يأكل أو يشرب .\rوخرج ابن ماجه آخره .\rورواه الأوزاعي ، عَن يونس ، عَن الزهري كذلك .\rورواه عيسى بنِ يونس ، عَن يونس ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة .\rخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه )) .\rورواه صالح بنِ أبي الأخضر ، عَن الزهري ، عَن أبي سلمة أو غيره -بالشك- عَن عائشة .\rخرجه الإمام أحمد .\rورواه ابن وهب ، عَن يونس ، فجعل ذكر الأكل من قول عائشة ، ولم يرفعه .\rوأعله أبو داود وغيره بذلك .\rوضعف أحمد حديث صالح بنِ أبي الأخضر .\rوخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي من حديث عطاء الخرساني عَن يحيى بنِ يعمر ، عَن عمار بنِ ياسر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة .\rوحسنه الترمذي .\rوإسناده منقطع ؛ فإن يحيى بن يعمر لَم يسمع من عمار بن ياسر - : قاله ابن معين ، [ و ] أبو داود ، والدارقطني وغيرهم .\rوروى شرحبيل بنِ سعد ، عن جابر ، قالَ سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عَن الجنب :\rهل ينام أو يأكل أو يشرب ؟ قالَ (( نعم ، إذا توضأ وضوءه للصلاة )) .","part":2,"page":56},{"id":177,"text":"خرجه ابن ماجه وابن خزيمة في (( صحيحه )) .\rوشرحبيل ، ضعفه يحيى وغيره .\rوروي عَن شريك ، عَن عبد الله بنِ محمد بنِ عقيل ، عَن جابر ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، في الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب ، فليتوضأ وضوءه للصلاة .\rخرجه ابن عدي وغيره .\rوفي الباب أحاديث أخر ضعيفة .\rوقد اختلف العلماء في الجنب إذا أراد الأكل :\rفقالت طائفة منهم: يتوضأ ، منهُم : علي ، وابن عمر ، وابن سيرين ، وأبو جعفر محمد بنِ علي ، والنخعي ، ورخص في الشرب بغير وضوء دونَ الأكل .\rواستحباب الوضوء للأكل قول الشَافِعي ، وأحمد في رواية ، وقال معَ هَذا : لا يكره تركه .\rوقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : يكره تركه .\rوقالت طائفة : المستحب للجنب إذا أراد الأكل أن يغسل كفيه- ومنهم من قالَ : ويمضمض - ، وروي هَذا عَن ابن المسيب ، ومجاهد ، والزهري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، وَهوَ رواية عَن أحمد ، وزعم الخلال أن أحمد رجع إليها أخيراً .\rوأنكرت طائفة الوضوء وغسل اليد للأكل ، روي عَن مالك ، وقال : لا يغسل يده إلاّ أن يكون فيها قذر .\rومما يتعلق بذلك : جلوس الجنب في المسجد إذا توضأ ، وهو قول أحمد ، وإسحاق .\rقالَ عطاء بنِ يسار : رأيت رجالاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلسون في المسجد وهم مجنبون ، إذا توضئوا وضوء الصلاة .\rخرجه سعيد بنِ منصور والأثرم .\rوعن زيد بنِ أسلم ، قالَ : كانَ الرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يجنب ، ثُمَّ يتوضأ ، ثُمَّ يدخل المسجد فيجلس فيهِ .\rوقال أكثر الفقهاء : لا يجوز للجنب الجلوس في المسجد بوضوء ولا غيره ، حتى يغتسل ، إلا أن يضطر إلى ذَلِكَ ، وَهوَ قول أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وحكي رواية عَن أحمد ، ورجحها بعض أصحابنا .\rومتى اضطر إلى ذَلِكَ للخوف على نفسه أو ماله فله اللبث فيهِ .\rوهل يلزمه التيمم لذلك ؟ فيهِ قولان :\rأحدهما : لا يلزمه ذَلِكَ ، وَهوَ منصوص أحمد ، وقول أكثر أصحابه ؛ لأنه ملجأ إلى ذَلِكَ .\rوالثاني : يلزمه التيمم ، وَهوَ قول الشافعية ، واختاره صاحب (( المغني ))\rمِن أصحابنا .\rورخصت طائفة للجنب في الجلوس في المسجد والمقام فيهِ بكل حال بدون\rوضوء ، وَهوَ قول داود [ والمزني ] وابن المنذر .\r\r* * *","part":2,"page":57},{"id":178,"text":"27 -باب\rالجنب يتوضأ ، ثُمَّ ينام\rخرج فيهِ مِن حديث عائشة ، وابن عمر .\rفأما حديث عائشة :\r288- فخرجه مِن طريق : عبيد الله بنِ أبي جعفر ، عَن محمد بنِ عبد الرحمن\r-وَهوَ : أبو الأسود يتيم عروة - ، عَن عروة ، عَن عائشة ، قالت :\rكانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام وَهوَ جنب غسل فرجه ، وتوضأ للصلاة .\rوقد خرجه في الباب الماضي مِن حديث يحيى بنِ أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، عَن عائشة .\rولم يخرج حديث الزهري في هَذا ، وقد خرجه مسلم ، مِن حديث الليث . عَن الزهري ، عَن أبي سلمة ، عَن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا أراد أن ينام وَهوَ جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام .\rوإنما لَم يخرجه لاختلاف وقع في إسناده على الزهري ، فإنه روي : عَنهُ ،\rعَن أبي سلمة . وروي : عَنهُ ، عَن عروة . وروي : عَنهُ ، عنهما . وروي :\rعَنهُ ، عَن أحدهما -بالشك . وروي : عَنهُ ، عمن حدثه عَن عائشة- غير مسمى. وأما حديث ابن عمر ، فخرجه مِن طريقين :\rأحدهما :\r289- مِن رواية : جويرية ، عَن نافع ، عَن عبد الله ، قالَ : استفتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - : أينام أحدنا وَهوَ جنب ؟ قالَ : (( نعم ، إذا توضأ )) .\rوقد خرجه في الباب الماضي مِن حديث الليث ، عَن نافع .\rوخرجه -أيضاً- في [ . . . ] مِن حديث ابن جريج ، فزاد في آخره :\r(( حتى يغتسل إذا شاء )) .\rالثاني :\r290- حديث : مالك ، عَن عبد الله بنِ دينار ، عَن ابن عمر قالَ : ذكر عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنَّهُ تصيبه الجنابة مِن الليل ، فقالَ لهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( توضأ ، واغسل ذكرك ، ثُمَّ نم )) .\rورواه ابن عيينة ، عَن عبد الله بنِ دينار ، عَن ابن عمر ، عَن عمر ، أنَّهُ سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم -\r: أينام أحدنا وَهوَ جنب ؟ قالَ : (( نعم ، ويتوضأ إن شاء )) .\rخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه )) مِن طريق أحمد بن عبدة ، عَن سفيان .\rورواه بشر بنِ مطر ، عَن ابن عيينة ، عَن عبد الله بنِ دينار ، عَن ابن عمر ، أن عمر سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أينام أحدنا وَهوَ جنب ؟ فقالَ : (( ليتوضأ ، ولينم ، وليطعم إن شاء )) .\rوكذا رواه الحميدي ، عَن سفيان .\rوهذه الزيادات لا تعرف إلا عَن ابن عيينة .\rورواه سفيان الثوري ، عَن عبد الله بنِ دينار ، وقال في حديثه : (( ويتوضأ وضوءه للصلاة )) .\rوقد ذهب أكثر العلماء إلى هَذهِ الأحاديث ، وقالوا : أن الجنب إذا أراد النوم غسل ذكره وتوضأ .\rوممن أمر بذلك : علي ، وابن عمر ، وعائشة ، وشداد بنِ أوس ، وأبو سعيد الخدري ، وابن عباس ، وَهوَ قول الحسن ، وعطاء ، وابن المبارك ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق وغيرهم مِن العلماء ، وكرهوا تركه معَ القدرة عليهِ .\rومنهم مِن قالَ : هوَ واجب ويأثم بتركه . وَهوَ رواية عَن مالك ، واختارها ابن حبيب مِن أصحابه ، وَهوَ قول طائفة مِن أهل الظاهر .","part":2,"page":58},{"id":179,"text":"ونقل مثنى الأنباري عَن أحمد ، في الجنب ينام مِن غير أن يتوضأ : هل ترى عليهِ شيئاً ؟ قالَ : فلم يعجبه ، وقال : يستغفر الله .\rوهذا يشعر بأنَّهُ ذنب يستغفر منهُ .\rونص على أنَّهُ يتوضأ وضوء الصلاة كاملاً ، واحتج بحديث عائشة : (( توضأ وضوءه للصلاة )) .\rوروي عَن ابن عمر ، أنَّهُ كانَ يتوضأ وضوء الصلاة سوى غسل رجليه .\rوروي عَنهُ ، أنَّهُ كانَ يغسل يديه ووجهه .\rوعن سفيان الثوري رواية ، أنَّهُ يغسل كفيه ثُمَّ ينام .\rوحكى ابن عبد البر عَن طائفة مِن العلماء ، أنهم حملوا الوضوء عند النوم للجنب على غسل الأذى والفرج وغسل اليدين .\rوهذا ترده رواية : (( توضأ وضوءه للصلاة )) .\rوروي عَن عائشة : أنَّهُ يتوضأ أو يتيمم : قالَ ابن أبي شيبة : نا عثام بنِ علي ، عَن هشام ، عن أبيه ، عَن عائشة ، في الرجل تصيبه جنابة مِن الليل ، فيريد أن ينام ؟ قالت : يتوضأ ، أو يتيمم .\rوروي مرفوعاً ؛ خرجه الطبراني مِن طريق عمار بنِ نصر أبي ياسر : نا بقية بنِ الوليد ، عَن إسماعيل بنِ عياش ، عَن هشام بنِ عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت: كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا واقع بعض أهله ، فكسل أن يقوم ، ضرب يده على الحائط ، فتيمم .\rوهذا المرفوع لا يثبت ، وإسماعيل بنِ عياش رواياته عَن الحجازيين ضعيفة ، وعمار بنِ نصر ضعيف ، ورواية عثام الموقوفة أصح .\rولا فرق في نوم الجنب بين نوم الليل والنهار ، حكاه إسحاق بنِ راهويه عَن بعض العلماء ، ولم يمسه .\rواختلفوا : هل المرأة في ذَلِكَ كالرجل ، أم لا ؟\rفقالت طائفة : هما سواء ، وَهوَ قول الليث ، وحكي رواية عَن أحمد ، وقد نص على التسوية بينهما في الوضوء للأكل .\rوالثاني : أن الكراهة تخص بالرجل دونَ المرأة ، وَهوَ المنصوص عَن أحمد .\rولعله يستدل بأن عائشة لَم تذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يأمرها بالوضوء ، وإنما أخبرت عَن وضوئه لنفسه .\rوقد دلت هَذهِ الأحاديث المذكورة في هَذا الباب : على أن وضوء الجنب يخفف جنابته .\rولو نوى بوضوئه رفع الحدثين ارتفع عَن أعضاء وضوئه حدثاه جميعاً ، بناء على أن الغسل لا يشترط لَهُ موالاة ، وَهوَ قول الجمهور ، خلافاً لمالك ، كَما سبق ذكره .\rوإن نوى بوضوئه رفع الحدث الأصغر ارتفع وحده ، ولم يرتفع معه شيء مِن الجنابة .\rوإن نوى النوم ، فهل يرتفع حدثه الأصغر ؟ يتخرج على الخلاف فيمن نوى طهارة مستحبة ، فهل يرتفع حدثه أم لا ؟\rعلى قول مِن قالَ : إن الضوء للنوم واجب ، لا يجوز النوم بدونه ؛ فإنه يرتفع الحدث حينئذٍ بغير تردد .\rوَهوَ كَما لو نوى الجنب بوضوئه اللبث في المسجد ؛ فإنه يرتفع بذلك حدثه الأصغر عند أصحابنا .\rوقد ورد في الجنب : (( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيهِ جنب )) ، كذلك روي عَن علي ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والحاكم وصححه .","part":2,"page":59},{"id":180,"text":"وورد : (( إن الملائكة لا تشهد جنازة الجنب إذا مات )) ، [ خرجه ] مِن حديث يحيى بنِ يعمر ، عَن عمار ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ، ولا المتضمخ بزعفران ، ولا الجنب )) .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود .\rوفي آخر الحديث : الرخصة لَهُ إذا أراد النوم ، أو الأكل ، أن يتوضأ ، وهذا يدل على أن الوضوء يخفف أمره .\rوخرج أبو داود مِن حديث الحسن ، عَن عمار بنِ ياسر ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ :\r(( ثلاثة لا تقربهم الملائكة : جيفة الكافر ، والمتضمخ بالخلوق ، والجنب ، إلا أن\rيتوضأ )) .\rوخرجه بقي بنِ مخلد في (( مسنده )) ، ولفظه : (( ثلاثة لا تقربهم الملائكة بخير : جيفة الكافر ، والمتضمخ بالخلوق ، والجنب ، إلا أن يبدو لَهُ أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة )) .\rويحيى بنِ يعمر ، والحسن لَم يسمع مِن عمار .\rوخرجه الطبراني ، ولفظه : (( إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر بخير ، ولا جنباً حتى يغتسل أو يتوضأ وضوءه للصلاة ، ولا [ متضمخاً ] بصفرة )) .\rوروى وكيع في (( كتابه )) عَن هشام بنِ عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت :\rإذا أراد أحدكم أن يرقد وَهوَ جنب فليتوضأ ؛ فإن أحدكم لا يدري لعله أن يصاب في منامه .\rورخص آخرون في نوم الجنب مِن غير وضوء ، مِنهُم : سعيد بنِ المسيب ،\rوربيعة ، وأبو حنيفة ، وسفيان الثوري ، والحسن بنِ حي ، ووكيع .\rوروى أبو حنيفة ، عَن حماد ، عَن إبراهيم ، قالَ : كانوا ينامون وهم جنب- يعني : قبل الوضوء .\rوقد ورد حديث يدل على الرخصة ، مِن رواية أبي إسحاق ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ينام وَهوَ جنب ، ولا يمس ماء .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، والترمذي .\rوقال : قَد روى غير واحد عَن الأسود ، عَن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كانَ يتوضأ قبل أن ينام -يعني : جنباً .\rقالَ : وهذا أصح مِن حديث أبي إسحاق ، عَن الأسود .\rقالَ : ويرون أن هَذا غلط مِن أبي إسحاق .\rوقد تقدم حديث الحكم ، عَن إبراهيم ، عَن الأسود ، عَن عائشة بخلاف هَذا .\rخرجه مسلم .\rوكذلك رواه حجاج بنِ أرطاة، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود ، عَن أبيه عَن عائشة.\rخرج حديثه الإمام أحمد ، ولفظه : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يجنب مِن الليل ، ثُمَّ يتوضأ وضوءه للصلاة حتى يصبح ، ولا يمس ماء .\rوخرجه بقي بنِ مخلد مِن طريق أبي إسحاق ، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود ، عَن أبيه ، قالَ : سألت عائشة : كيف كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع إذا أراد أن ينام وهو\rجنب ؟ قالت : يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثُمَّ ينام .\rوهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث مِن السلف على إنكاره على أبي إسحاق ، مِنهُم : إسماعيل بنِ أبي خالد ، وشعبة ، ويزيد بن هارون ، وأحمد بنِ حنبل ، وأبو بكر بنِ أبي شيبة ، ومسلم بنِ حجاج ، وأبو بكر الأثرم ، والجوزاني ، والترمذي ،\rوالدارقطني .","part":2,"page":60},{"id":181,"text":"وحكى ابن عبد البر عَن سفيان الثوري ، أنَّهُ قالَ : هوَ خطأ .\rوعزاه إلى ((كِتابِ أبي داود )) ، والموجود في (( كتابه )) هَذا الكلام عَن يزيد بن هارون ، لا عَن سفيان .\rوقال أحمد بنِ صالح المصري الحافظ : لا يحل أن يروي هَذا الحديث .\rيعني : أنَّهُ خطأ مقطوع بهِ ، فلا تحل روايته مِن دونَ بيان علته .\rوأما الفقهاء المتأخرون ، فكثير مِنهُم نظر إلى ثقة رجاله ، فظن صحته ، وهؤلاء يظنون أن كل حديث رواة ثقة فَهوَ صحيح ، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث .\rووافقهم طائفة مِن المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي .\rثُمَّ اختلفوا في الجمع بينه وبين حديث النخعي ، عَن الأسود ، عَن عائشة في الوضوء ، ولهم في ذَلِكَ مسالك :\rأحدها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا أراد النوم وَهوَ جنب توضأ في غالب أوقاته لفيضلة الوضوء ، وكان تارة يترك الوضوء لبيان الجواز ، وأن الوضوء غير واجب ، وأن النوم بدونه غير محرم ، وهذا سلكه طوائف مِن الفقهاء مِن اصحابنا وأصحاب الشَافِعي وغيرهم .\rوالثاني : أن حديث أبي إسحاق أريد بهِ : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ ينام ولا يمس ماء للغسل ، فهو موافق لحديث إبراهيم عن الأسود في المعنى ، وهذا مسلك أبي العباس بنِ سريج والطحاوي وغيرهما .\rوحديث حجاج ، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود ، عَن أبيه يشهد لهذا التأويل ، كَما تقدم لفظه .\rوالثالث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا أصابته الجنابة مِن أول الليل توضأ ثُمَّ نام نومه الطويل المعتاد مِن الليل ، وإن أصابته الجنابة مِن آخر الليل بعد قضاء ورده مِن الصلاة هجع هجعة خفيفة للاستراحة ، ثُمَّ قام فاغتسل لصلاة الفجر ، وهذا مسلك طائفة مِن العلماء ، وسلكه الطحاوي -أيضاً - ، وأشار إليه ابن عبد البر وغيره .\rوقد روى زهير وإسرائيل، عَن أبي إسحاق هَذا الحديث بسياق مطول ، وفيه : أن نومه مِن غير أن يمس ماء ، إنما كانَ في آخر الليل إذا قضى صلاته ، ثُم كانَ لَهُ حاجة إلى\rأهله .\rخرجه الطحاوي مِن طريق زهير ، عَن أبي إسحاق ، ولفظه حديثه : كانَ\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام أول الليل ويحيى آخره ، ثُمَّ إن كانَ لَهُ حاجة قضى حاجته ، ثُمَّ ينام قبل أن يمس ماء ، وإن نام جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة .\rوهذه زيادة غريبة .\rوقد خرجه الإمام أحمد بسياق مطول ، مِن طريق زهير ، بدون هَذهِ الزيادة في آخره .\rوخرجه مسلم في (( صحيحه )) -أيضاً- مِن طريق زهير ، إلا أنَّهُ أسقط منهُ لفظة : (( قبل أن يمس الماء )) ، فلم يذكرها ؛ لأنه ذكر في (( كِتابِ التمييز )) لَهُ ، أنها وهم مِن أبي إسحاق .\rوقد روي عَن أبي إسحاق ما يخالف هَذهِ الرواية : فروى سفيان ، عَن أبي\rإسحاق ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصيب أهله مِن أول الليل ، ثُمَّ ينام ولا يمس ماء ، فإذا استيقظ مِن آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل .\rخرجه الإمام أحمد .","part":2,"page":61},{"id":182,"text":"وخرج الطبراني مِن طريق حمزة الزيات ، عَن أبي إسحاق ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يجامع نسائه ، ثُمَّ لا يمس ماء ، فإن أصبح فأراد أن يعاود عاود ، وإن لَم يرد اغتسل ..\rورواه شريك ، عَن أبي إسحاق ، فذكر في حديثه : أنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصيب أهله ، ثُمَّ يعود ولا يمس ماء - ولم يذكر النوم .\rوهذا كله يدل على أن أبا إسحاق اضطرب في هَذا الحديث ، ولم يقم لفظه كَما ينبغي ، بل ساقه بسياقات مختلفة متهافتة .\rوروى محمد بنِ عمرو ، عَن أبي سلمة ، عَن عائشة ، أنَّهُ سألها : هل كانَ\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام وَهوَ جنب ؟ قالت : نعم ، ولكنه كانَ لا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة ، ويغسل فرجه .\rخرجه بقي بنِ مخلد في (( مسنده )) .\rوهذا يدل على أنها لَم ترو نومه مِن غير وضوء في حال الجنابة بحال .\r\r* * *","part":2,"page":62},{"id":183,"text":"28-باب\rإذا التقى الختانان\r291 -حدثنا معاذ بنِ فضالة : ثنا هشام .\rوحدثنا أبو نعيم ، عَن هشام ، عَن قتادة ، عَن الحسن ، عَن أبي رافع ، عَن أبي هريرة ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إذا جلس بين شعبها الأربع ، ثُمَّ جهدها ، فَقد وجب الغسل )) .\rتابعه : عمرو ، عَن شعبة -مثله .\rوقال موسى : نا أبان : نا قتادة : أنا الحسن -مثله .\r(( هشام )) : الراوي عَن قتادة ، هوَ الدستوائي .\rوقد خرجه مسلم مِن حديثه -أيضاً .\rوخرجه -أيضاً- مِن طريق شعبة ، عَن قتادة بهِ ، وفي حديثه : (( ثُمَّ اجتهد )) .\rوخرج النسائي مِن حديث خالد ، عَن شعبة ، عَن قتادة ، قالَ : سمعت الحسن يحدث -فذكره .\rوهذه الرواية فيها تصريح قتادة بسماع الحديث مِن الحسن ، كالرواية التي ذكرها البخاري -تعليقاً - عَن موسى - وَهوَ : ابن إسماعيل - ، عَن أبان .\rومراده بذلك : أنَّهُ أمن بذلك تدليس وقتادة ، وثبت سماعه لهذا الحديث مِن الحسن .\rوخرجه مسلم مِن طريق مطر الوراق ، عَن الحسن ، وزاد فيهِ : (( وإن لَم\rينْزل )) .\rوخرجه الإمام أحمد ، عَن عفان ، عَن همام وأبان ، عَن قتادة ، ولفظ حديثه :\r(( إذا جلس بين شعبها الأربع ، فأجهد نفسه ، فَقد وجب الغسل ، أنزل أو لم ينزل )) .\rوخرجه البيهقي مِن طريق سعيد بنِ أبي عروبة ، عَن قتادة ، ولفظ حديثه : (( إذا التقى الختانان وجب الغسل ، أنزل أو لَم ينزل )) .\rوذكر الدارقطني في (( العلل )) الاختلاف على الحسن في إسناده هَذا الحديث ، في ذكر (( أبي رافع )) وإسقاطه منهُ ، ورواية الحسن لَهُ عَن أبي هريرة بغير واسطة ، وفي وقفه على أبي هريرة ورفعه ، ثُمَّ قالَ : الصحيح : حديث الحسن ، عَن أبي رافع ، عَن أبي هريرة عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rذكر عَن موسى بنِ هارون ، أنَّهُ قالَ : سمع الحسن مِن أبي هريرة ، إلا أنَّهُ لَم يسمع منهُ عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا قعد بين شعبها الأربع )) ، بينهما أبو رافع . انتهى .\rوما ذكره مِن سماع الحسن مِن أبي هريرة ، مختلف فيهِ . وقد صح روايته لهذا الحديث عَن أبي رافع ، عَن أبي هريرة .\rولم يخرج البخاري حديث عائشة في هَذا الباب ، وقد خرجه مسلم مِن رواية هشام بنِ حسان ، عَن حميد بنِ هلال ، عَن أبي بردة ، عَن أبي موسى ، أنَّهُ سأل عائشة : عما يوجب الغسل ؟ فقالت : على الخبير سقطت ، قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا جلس بين شعبها الأربع ، ومس الختان الختان ، فَقد وجب الغسل )) .\rكذا خرجه مِن طريق الأنصاري ، عَن هشام . وخرجه مِن طريق عبد الأعلى ، عَن هشام ، عَن حميد ، قالَ : ولا أعلمه إلا عَن أبي بردة ، عَن أبي موسى ، فتردد في وصل إسناده .\rوقد عجب أحمد مِن هَذا الحديث ، وأن يكون حميد بنِ هلال حدث بهِ بهذا الإسناد .\rوقال الدارقطني : صحيح غريب ، تفرد بهِ : هشام بنِ حسان ، عَن حميد .","part":2,"page":63},{"id":184,"text":"وخرج الإمام أحمد والترمذي مِن حديث علي بنِ زيد بنِ جدعان ، عَن سعيد بنِ المسيب ، عَن عائشة ، قالت : قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل )) .\rوعلي بنِ زيد ، فيهِ مقالَ مشهور ، وقد اختلف عليهِ في رفعه ووقفه .\rورواه يحيى بنِ سعيد الأنصاري ، عَن سعيد بنِ المسيب ، أن أبا موسى دخل على عائشة ، فحدثته بذلك ، ولم ترفعه .\rوخرج مسلم مِن طريق ابن وهب عَن عياض بنِ عبد الله ، عَن أبي الزبير ، عَن جابر بنِ عبد الله ، عَن أم كلثوم ، عَن عائشة ، أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عَن الرجل يجامع ثُمَّ يكسل ، هل عليهما الغسل ؟ - وعائشة جالسة- فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إني لأفعل ذَلِكَ أنا وهذه ، ثُمَّ نغتسل )) .\rوأم كلثوم ، هي بنت الصديق أخت عائشة -رضي الله عَنهُم .\rقالَ الدارقطني : لَم يختلف عَن أبي الزبير في رفع هَذا الحديث .\rقلت : رواه عَنهُ عياض بنِ عبد الله وابن لهيعة وأشعث ، وكلهم رفعوه .\rوخرجه الإمام أحمد مِن حديث أشعث وابن لهيعة كذلك .\rقالَ الدارقطني : وكذلك رواه قتادة ، عَن أم كلثوم ، عَن عائشة .\rوحديث قتادة ، خرجه بقي بنِ مخلد ، ولفظ حديثه : عَن عائشة ، أنها ونبي الله - صلى الله عليه وسلم - فعلا ذَلِكَ ، فلم ينزل الماء ، فاغتسل ، وأمرها أن تغتسل .\rولكن في سماع قتادة مِن أم كلثوم نظر ؛ ولأجله ترك مسلم تخريج الحديث مِن طريقه . والله أعلم .\rوعند قتادة فيهِ إسناد آخر : رواه عَن عبد الله بنِ رباح ، عَن عائشة ، مع الاختلاف عليهِ في رفعه ووقفه . وقيل : عَن قتادة ، قالَ : ذكر لنا أن عبد الله ابن رباح سأل عائشة ، فدل على أنَّهُ لَم يسمعه منهُ .\rورواه ثابت البناني ، عَن عبد الله بن رباح . وقيل : عَنهُ ، عَن عبد الرحمن ابن رباح ، عَن عبد العزيز بنِ النعمان ، عَن عائشة ، معَ الاختلاف عليهِ في رفعه ووقفه.\rوأنكر أحمد رفعه ، وقال : عبد العزيز بنِ النعمان لا يعرف . وقال البخاري : لا أعلم لَهُ سماعاً مِن عائشة . وذكر ابن معين : أن رواية ثابت بإدخال (( عبد العزيز بنِ النعمان )) في إسناده أصح مِن رواية قتادة بإسقاطه .\rوخرج الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن حبان في (( صحيحه )) مِن حديث الأوزاعي ، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل ، فعلته أنا ورسول اله - صلى الله عليه وسلم - ، فاغتسلنا .\rوقال الترمذي : حسن صحيح .\rوصححه غير واحد مِن الحفاظ .\rوقال البخاري : هوَ خطأ ، وإنما يرويه الأوزاعي ، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم - مرسلاً .\rورد قولُهُ بكثرة مِن رواه عَن الأوزاعي مِن أصحابه موصولاً .\rوأعله الإمام أحمد : بأنَّهُ روي عَن الأوزاعي موقوفاً ، قالَ أحمد :","part":2,"page":64},{"id":185,"text":"والمرفوع في آخر الحديث إنما كانَ الأوزاعي يرويه عَن يحيى بنِ أبي كثير ، أنَّهُ بلغه عَن عائشة ، وكذا رواه أيوب ، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة موقوفاً ، لَم يرفعه .\rوذكر أبو زرعة الدمشقي هَذا عَن أحمد ، ثُمَّ قالَ أبو زرعة : رأيت أبا مسهر\r[ على ] هَذا الحديث على يحيى بنِ معين ، فقبله يحيى ، ولم ينكره . وقد روي عَن عائشة مِن طرق أخرى متعددة مرفوعاً .\rوخرجه البزار مِن طريق ابن أبي فديك : نا الضحاك بنِ عثمان ، عَن عبد الله ابن عبيد بنِ عمير ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( إذا التقى\rالختانان وجب الغسل )) .\rوإسناده كلهم ثقات مشهورون .\rوقد صح ذَلِكَ عَن عائشة مِن قولها غير مرفوع مِن طرق كثيرة جداً ، وفي بعضها اختلاف في رفعه ووقفه .\rولعل عائشة كانت تارة تفتي بذلك ، وتارة تذكر دليله ، وَهوَ ما عندها عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهِ ، كم أن المفتي أحياناً يذكر الحكم مِن غير دليل وأحيانا يذكره مع دليله ، والله أعلم .\rوالجلوس بين شعبها الأربع قيل : المراد يدي المرأة ورجليها ، وقيل غير ذَلِكَ مما يرغب عَن ذكره .\rو(( جهدها )) : هوَ عبارة عَن الاجتهاد في إيلاج الحشفة في الفرج ، وَهوَ المراد\r- أيضاً- مِن التقاء الختانين .\rقالَ الشَافِعي : معنى التقاء الختانين : أن تغيب الحشفة في الفرج يصير الختان الذِي خلف الحشفة حذو ختان المرأة .\rوقال أحمد : التقاء الختانين : المدورة -يعني : الحشفة - ، فإذا غابت فالختان بعدها .\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجه مِن رواية حجاج بنِ أرطأة ، عَن عمرو بنِ\rشعيب ، عَن أبيه ، عَن جده ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فَقد وجب الغسل )) .\rوحجاج ، مدلس . وقيل : أن أكثر رواياته عَن عمرو بنِ شعيب سمعها مِن العرزمي ودلسها .\rوالعرزمي ، ضعيف .\rوقد روي -أيضاً - هَذا الحديث عَن العرزمي ، عَن عمرو .\rوروي مِن وجه ضعيف ، عَن أبي حنيفة ، عَن عمرو ، بهِ ، وزاد في روايته : (( أنزل أو لَم ينزل )) .\rخرجه الطبراني .\rوقوله : (( إذا التقى الختانان )) استند بهِ الإمام أحمد على أن المرأة تختتن\rكالرجل .\rوختان المرأة مشروع بغير خلاف ، وفي وجوبه عَن أحمد روايتان ، على قولُهُ بوجبه على الرجال .\r\r* * *","part":2,"page":65},{"id":186,"text":"29-باب\rغسل ما يصيب مِن فرج المرأة\r292-حدثنا أبو معمر : نا عبد الوارث ، عَن الحسين المعلم : قالَ يحيى : وأخبرني أبو سلمة ، أن عطاء بنِ يسار أخبره ، أن زيد بنِ خالد الجهني أخبره ، أنَّهُ سأل عثمان بنِ عفان ، فقالَ : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن ؟ فقالَ : عثمان : يتوضأ كَما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره . وقال عثمان : سمعته مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألت عَن ذَلِكَ علي بنِ أبي طالب ، والزبير بنِ العوام ، وطلحة بنِ عبيد الله ، وأبي بنِ كعب ، فأمروه بذلك .\rوأخبرني أبو سلمة ، أن عروة بنِ الزبير أخبره : أن أبا أيوب أخبره ، أنَّهُ سمع ذَلِكَ مِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\r293- حدثنا مسدد : نا يحيى ، عَن هشام بنِ عروة ، قالَ : أخبرني أبي ، قالَ : أخبرني أبو أيوب ، قالَ : أخبرني أبي بنِ كعب ، أنَّهُ قالَ : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جامع الرجل [ المرأة ] فلم ينزل ؟ قالَ : (( يغسل ما مس المرأة منهُ ، ثُمَّ يتوضأ\rويصلي )) .\rقالَ أبو عبد الله : الغسل أحوط ، وذلك الأخير ، إنما بينا لاختلافهم .\rالذِي وقع في الرواية الأولى عَن أبي سلمة ، عَن عروة ، أن أبا أيوب أخبره ، أنَّهُ سمع ذَلِكَ مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهم ، نبه عليهِ الدارقطني وغيره ، تدل عليهِ الرواية الثانية ، عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه : أخبرني أبو أيوب ، قالَ : أخبرني أبي بنِ كعب ، عَن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - .\rوقد روى عبد الرحمن بنِ سعاد ، عَن أبي أيوب ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ :\r(( الماء مِن الماء )) .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه ، وليس فيهِ تصريح أبي أيوب بسماعه مِن\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد خرج البخاري فيما تقدم في ذكر نواقض الوضوء : حديث ذكوان أبي\rصالح ، عَن أبي سعيد ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إذا أعجلت -أو أقحطت - فلا غسل عليك )) .\rوخرج -أيضاً - : حديث يحيى بنِ أبي كثير الذِي خرجه هنا مِن طريق شيبان ، عَن يحيى ، إلى قولُهُ في آخر الحديث : (( وأبي بنِ كعب ، فأمروه بذلك )) ، ولم يذكر ما بعده ، ولعله تركه لما وقع فيهِ مِن الوهم الذِي ذكرناه .\rوعند البخاري في كلتا الروايتين : أن علياً والزبير وطلحة وأبي بنِ كعب أفتوا بذلك ، ولم يرفعوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد وقع في رواية غيره : أنهم رفعوه -أيضاً- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد قالَ علي بنِ المديني في هَذا الحديث : إنه شاذ .\rوقال ابن عبد البر : هوَ منكر ؛ لَم يتابع عليهِ يحيى بن أبي كثير .\rوقد صح عَن أكثر مِن ذكر عَنهُ مِن الصحابة : أنَّهُ لا غسل بدون الإنزال- خلاف ذَلِكَ .\rقالَ علي بنِ المديني : قَد روي عَن علي وعثمان وأبي بنِ كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هَذا الحديث .","part":2,"page":66},{"id":187,"text":"قالَ الدارقطني : رواه زيد بنِ أسلم ، عَن عطاء بنِ يسار ، عَن زيد بنِ خالد : أنَّهُ سأل خمسة أو أربعة مِن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمروه بذلك ، ولم يرفعه .\rيشير إلى أن زيد بنِ أسلم يخالف أبا سلمة في رفعه ، ولم يرفع منهُ شيئاً .\rوقد كانَ قوم مِن الأنصار قديماً يقولون : (( إن الماء مِن الماء )) ، ثُمَّ استقر الأمر على أنَّهُ إذا التقى الختانان وجب الغسل ، ورجع أكثر مِن كان يخالف في ذَلِكَ عَنهُ .\rوأما المهاجرون ، فَقد صح عَنهُم أنهم قالوا : (( إذا التقى الختانان وجب\rالغسل )) ، مِنهُم : عمر ، وعثمان ، وعلي ، فدل على أن عثمان وعلياً علموا أن (( الماء مِن الماء )) نسخ ، وإلا فكيف يروي عثمان أو غيره عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ، ثُمَّ يرجع عَن القول بهِ ؟\rوفي ((صحيح مسلم )) عَن أبي موسى ، قالَ : اختلف في ذَلِكَ رهط مِن المهاجرين والأنصار ، فقالَ الأنصاريون : لا يجب الغسل إلا مِن الدفق أو مِن الماء ،\rفقالَ المهاجرون : بل إذا خالط فَقد وجب الغسل . قالَ : قالَ أبو موسى : فأنا أشفيكم مِن ذَلِكَ ، وذكر قيامه إلى عائشة وما روته لهُ عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كَما سبق ذكره .\rوروى وكيع ، عَن القاسم بنِ الفضل ، عَن أبي جعفر محمد بنِ علي ، قالَ :\rقالَ المهاجرون : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل ، وقال الأنصار : الماء مِن الماء .\rوروى ابن أبي شيبة ، عَن حفص بنِ غياث ، عَن حجاج ، عَن أبي جعفر ، قالَ :\rأجمع المهاجرون : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن ما أوجب الحدين :\rالجلد والرجم ، أوجب الغسل .\rوروى إبراهيم بنِ مسلم الخوارزمي في (( كِتابِ الطهور )) عَن ابن نمير ، عَن يحيى بنِ سعيد ، عَن سعيد بنِ الميسب ، قالَ : كانَ أبو بكر وعمر يأمران بالغسل -يعني : مِن الإكسال .\rوروى مالك عَن ابن شهاب ، عَن سعيد بنِ المسيب ، قالَ : إن عمر وعثمان وعائشة كانوا يقولون : إذا مس الختان الختان فَقد وجب الغسل .\rوروى عبد الرزاق عَن معمر ، عَن الزهري ، عَن سعيد بنِ المسيب ، قالَ : كانَ عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون يقولون : إذا مس الختان الختان فَقد وجب الغسل .\rوروى وكيع ، عَن محمد بنِ قيس الأسدي ، عَن علي بنِ ربيعة ، عَن علي ، قالَ : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل .\rوروى ابن أبي شيبة والأثرم بإسنادهما ، عَن عاصم ، عَن زر ، عَن علي ، قالَ : إذا التقى الختانان وجب الغسل .\rوقد روي ، عَن علي مِن وجوه متعددة .\rفهؤلاء الخلفاء الراشدون -رضي الله عَنهُم- قَد أجمعوا على ذَلِكَ ، معَ أن بعضهم\rروى عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه ، فلولا أنهم علموا أن ما خالف ذَلِكَ منسوخ لما خالفوا ما سمعوا مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ووافقهم على ذَلِكَ أكابر الصحابة ، مِنهُم :\rابنِ مسعود ، وابن عمر ، وأبو ذر ، وأبو هريرة ، ومعاذ بنِ جبل فقيه الأنصار ، وأبو هريرة ، وعائشة أم المؤمنين ، وهي أعلم الناس بهذا ، وإليها مرجع الناس كلهم .","part":2,"page":67},{"id":188,"text":"وقد صح عنها ، أنها افتت بذلك ، وأمرت بهِ ، وأن الصحابة الذين سمعوا منها رجعوا إلى قولها في ذَلِكَ ؛ فإنها لا تقول مثل هَذا إلا عَن علم عندها فيهِ عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لا سيما وقد علمت اختلاف الصحابة في ذَلِكَ .\rوجمع عمر الناس كلهم على قولها ، فلو كانَ قولها رأياً مجرداً عَن رواية لما استجازت رد روايات غيرها مِن الصحابة برأيها .\rوقد روي عنها مِن وجوه كثيرة ، وبعضها صحيح ، كَما تقدم ، أنها روته عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً أو فعلاً .\rفما بقي بعد ذَلِكَ سوى العناد والتعنت ، ونعوذ بالله مِن مخالفة ما أجمع عليهِ الخلفاء الراشدون ، وجمع عليهِ عمر كلمة المسلمين ، وأفتت بهِ عائشة أم المؤمنين ، أفقه نساء هَذهِ الأمة ، وهي أعلم بمستند هَذهِ المسألة مِن الخلق أجمعين .\rفروى مالك عَن يحيى بنِ سعيد ، عَن سعيد بنِ المسيب ، أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين ، فقالَ لها : فقالَ لها : لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر إني لأعظم أن استقبلك بهِ ، قالت : ما هو ؟ ما كنت سائلاً عَنهُ أمك\rفسلني عَنهُ .\rقالَ لها : الرجل يصيب أهله ثُمَّ يكسل ولا ينزل ؟ فقالت : إذا جاوز الختان الختان فَقد وجب الغسل . فقالَ أبو موسى : لا أسأل عَن هَذا أحداً بعدك .\rورواه حماد بنِ زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهما ، عَن يحيى بنِ سعيد ، بنحوه .\rوسمى عبد الوهاب في روايته مِن قالَ : لا يجب الغسل بذلك : أبي ابن كعب ، وأبا أيوب ، وزيد بنِ ثابت ، وسمى مِمن يأمر بالغسل : عمر وعثمان .\rوروى ابن إسحاق ، عَن يزيد بنِ أبي حبيب ، عَن معمر عبد الله بنِ أبي حيية ، عَن عبيد بنِ رفاعة بنِ رافع ، عَن أبيه رفاعة ، قالَ : كنت عند عمر ، فقيل لَهُ : إن زيد\rبنِ ثابت يفتي برأيه في الذِي يجامع ولا ينزل ، فدعاه ، فقالَ : أي عدو نفسه ، قَد بلغت أن تفتي الناس في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيك ! قالَ : ما فعلت ، ولكن حدثني\rعمومتي ، عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالَ : أي عمومتك ؟ قالَ : أبي بنِ كعب ، وأبو أيوب ، ورفاعة بنِ رافع . قالَ : فالتفت عمر إلي ، فقلت : كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : فسألتم عَنهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : كنا نفعله على عهده ، قالَ : فجمع الناس ، وأصفق الناس على أن الماء لا يكون إلا مِن الماء ، إلا رجلين : علي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل ، قالا : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل .\rفقالَ علي : يا أمير المؤمنين ، إن أعلم الناس بهذا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأرسل إلى حفصة ، فقالت : لا علم لي ، فأرسل إلى عائشة ، فقالت : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل . قالَ : فتحطم عمر -يعني : تغيظ - ، ثُمَّ قالَ : لا يبلغني أن أحداً فعله ولم يغتسل إلا انهكته عقوبة .","part":2,"page":68},{"id":189,"text":"خرجه الإمام أحمد وبقي بن مخلد في (( مسنديهما )) ، ومسلم في (( كِتابِ التفصيل )) وَهوَ (( كِتابِ الناسخ والمنسوخ )) لَهُ .\rثُمَّ خرجه مِن طريق عبد الله بنِ صالح ، عَن الليث : حدثني يزيد بنِ أبي حبيب ، عَن معمر بنِ أبي حيية ، عَن عبيد بنِ رفاعة ، أن زيد بنِ ثابت كانَ يقول - فذكره بنحوه ، ولم يقل : (( عَن أبيه )) .\rومعمر بنِ أبي حيية ، ويقال : ابن أبي حبيبة ، وثقه ابن معين وغيره .\rوعبيد بنِ رفاعة ، ذكره ابن حبان في (( ثقاته )) .\rوهذه الرواية يستفاد منها أمور :\rمنها : أن كثيراً مِن الأنصار كانَ يقلد بعضهم بعضاً في هَذهِ المسألة ، ولم يسمع ذَلِكَ مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قليل مِنهُم .\rومنها : أنَّهُ لَم يظهر في ذَلِكَ المجلس شيء مِن روايات الأنصار الصريحة عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما ظهر التمسك بفعل كانوا يفعلونه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسأله عمر : هل علم بهِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فلم يكن لَهُم جواب ، وهذا مما يدل على أن تلك الروايات التصريحية\rحصل الوهم في نقلها مِن بعض الرواة .\rومنها : أن المهاجرين الذين روي أنهم كانوا يخالفون في ذَلِكَ ويروون عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه كعثمان رجعوا عما سمعوه منهُ ، وكذلك الأنصار -أيضاً - ، ورأسهم : أبي بنِ كعب رجع ، وأخبر أن ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذَلِكَ كانَ رخصة في أول الأمر ثُمَّ نسخ وزال ، وهذا يدل على أنَّهُ تبين لَهُم نسخ ما كانوا سمعوه بياناً شافياً ، بحيث لَم يبق فيهِ لبس ولا شك .\rوقد ذكر الشَافِعي : أنَّهُ اتفق هوَ ومن ناظره في هَذهِ المسألة على أن هَذا أقوى مما يستدل بهِ عليها .\rويدل على رجوع أبي وغيره مِن الأنصار : ما روى الزهري ، عَن سهل بنِ\rسعد ، عَن أبي بنِ كعب ، قالَ : إنما كانَ الماء مِن الماء رخصة في أول الإسلام ، ثُمَّ نهي عنها .\rخرجه الترمذي ، وقال : حسن صحيح ، وخرجه ابن ماجه مختصراً .\rوخرجه الإمام أحمد ولفظه : إن الفتيا التي كانوا يقولون : الماء مِن الماء ، رخصة كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص بها في أول الإسلام ، ثُمَّ أمرنا بالغسل بعد .\rوخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه )) مِن طريق معمر ، عَن الزهري ، قالَ :\rأخبرني سهل بنِ سعد ، قالَ : إنما كانَ قول الأنصار : الماء مِن الماء رخصة في أول الإسلام ، ثُمَّ أمرنا بالغسل .\rولم يذكر في إسناده : (( أبياً )) ، وصرح فيهِ بسماع الزهري .\rوقيل : إنه وهم في ذَلِكَ ؛ فإن الزهري لَم يسمعه مِن سهل ، فَقد خرجه أبو داود وابن خزيمة -أيضاً - مِن طريق عمرو بن الحارث ، عَن الزهري ، قالَ : حدثني بعض مِن أرضى ، عَن سهل ، عَن أبي - فذكره .\rورجح هَذهِ الرواية : الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما .\rورجح آخرون : سماع الزهري لهُ من سهل ، مِنهُم : ابن حبان .","part":2,"page":69},{"id":190,"text":"ووقع في بعض نسخ (( سنن أبي داود )) ما يدل عليهِ ؛ فإنه لم يذكر أحد مِن أصحاب الزهري بين الزهري وسهل رجلاً [ غير ] عمرو بنِ الحارث ، فلا يقضي لَهُ على سائر أصحاب الزهري .\rوقد خرجه ابن شاهين مِن طريق ابن المبارك ، عَن يونس ، عَن الزهري ، قالَ : حدثني سهل بنِ سعد ، عَن أبي بنِ كعب - فذكره ، بهِ .\rوبتقدير أن يكون ذَلِكَ محفوظاً ؛ فَقد اخبر الزهري أن هَذا الذِي حدثه يرضاه ، وتوثيق الزهري كاف في قبول خبره .\rوقد قيل : أنَّهُ أبو حازم الزاهد ، وَهوَ ثقة جليل ، فقد خرج أبو داود وابن خزيمة مِن رواية أبي غسان محمد بنِ مطرف ، عَن أبي حازم ، عَن سهل بنِ سعد ، قالَ : حدثني أبي بن كعب - فذكره .\rقالَ البيهقي : هَذا إسناد صحيح موصول .\rوقد ذكر ابن أبي حاتم ، عَن أبيه ، أن بعضهم ذكر أنه لا يعرف لَهُ أصلاً .\rوفي ذَلِكَ نظر .\rوقد روي عَن أبي بنِ كعب مِن وجوه أخر :\rروى شعبة ، عَن سيف بنِ وهب ، عَن أبي حرب بنِ أبي الأسود ، عَن عميرة بنِ يثربي ، عَن أبي كعب ، قالَ إذا التقى ملتقاهما فَقد وجب الغسل .\rخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في (( تاريخه)) .\rوروى مالك ، عَن يحيى بنِ سعيد ، عَن عبد الله بنِ كعب مولى عثمان ، أن محمود بنِ لبيد سأل زيد بنِ ثابت عَن الرجل يصيب أهله ثُمَّ يكسل ولا ينزل ؟ فقالَ : زيد يغتسل ، فقالَ لَهُ محمود بن لبيد : إن أبي بن كعب - كانَ لا يرى الغسل ؟ فقالَ لَهُ زيد : إن أبياً نزع عَن ذَلِكَ قبل أن يموت .\rوقال الشَافِعي : أنا إبراهيم بن محمد ، عَن خارجة بن زيد ، عَن أبيه ، عَن أبي بن كعب ، أنَّهُ كانَ يقول : ليسَ على مِن لَم ينزل غسل ، ثُمَّ نزع عَن ذَلِكَ أبي قبل أن يموت .\rوقد روي ، عَن عائشة ما يدل على النسخ : مِن رواية الحسين بنِ عمران : حدثني الزهري ، قالَ : سألت عروة عَن الذِي يجامع ولا ينزل ؟ قالَ : نول الناس أن يأخذوا بالآخر مِن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حدثتني عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يفعل ذَلِكَ ولا يغتسل ، وذلك قبل فتح مكة ، ثُمَّ اغتسل بعد ذَلِكَ ، وأمر الناس بالغسل .\rخرجه ابن حبان في (( صحيحه )) و الدارقطني .\rوالحسين بنِ عمران ، ذكره ابن حبان في (( ثقاته )) ، وقال الدارقطني : لا بأس بهِ ، وقال البخاري : لا يتابع على حديثه .\rوقال العقيلي بعد تخريجه لهذا الحديث : الحديث ثابت عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغسل لالتقاء الختانين ، ولا يحفظ هذا اللفظ إلا في هَذا الحديث .\rوالقول بأن (( الماء مِن الماء )) نسخ بالأمر بالغسل مِن التقاء الختانين هوَ المشهور عند العلماء مِن الفقهاء والمحدثين ، وقد قرره الشافعي ، وأحمد ، ومسلم بنِ الحجاج ، والترمذي ، وأبو حاتم الرازي وغيرهم مِن الأئمة .\rوقد روي معنى ذَلِكَ عَن سعيد بنِ المسيب وغيره مِن السلف .\rوقد قيل : إن (( الماء مِن الماء )) إنما كانَ في الاحتلام .\rوقد روي عَن ابن عباس هَذا التأويل .\rخرجه الترمذي مِن وجه فيهِ مقال .","part":2,"page":70},{"id":191,"text":"وروي -أيضاً- عَن عكرمة ، وذهب إليه طائفة .\rوهذا التأويل إن احتمل في قولُهُ : (( الماء مِن الماء )) فلا يحتمل في قولُهُ : (( إذا أعجلت -أو أقحطت- فلا غسل عليك )) ، وفي قولُهُ : (( يغسل ما مس المرأة منهُ ، ويتوضأ ، ويصلي )) .\rوقال طائفة مِن العلماء : لما اختلفت الأحاديث في هَذا وجب الأخذ بأحاديث الغسل مِن التقاء الختانين ، لما فيها مِن الزيادة التي لَم يثبت لها معارض ، ولم تبرأ الذمة بدون الاغتسال ؛ لأنه قَد تحقق أن التقاء الختانين موجب لطهارة، ووقع التردد : هل يكفي الوضوء أو لا يكفي دونَ غسل البدن كله ؟ فوجب الأخذ بالغسل ؛ لأنه لا يتيقن براءة الذمة بدونه .\rوهذا معنى قول البخاري : الغسل أحوط .\rولذلك قالَ أحمد -في رواية ابن القاسم - : الأمر عندي في الجماع أن آخذ بالاحتياط فيهِ ، ولا أقول : الماء مِن الماء .\rوسلك بعضهم مسلكاً أخر ، وَهوَ : أن المجماع وإن لَم ينزل يسمى جنباً ومجامعاً وواطئاً ، ويترتب جميع أحكام الوطء عليهِ ، والغسل مِن جملة الأحكام .\rوهذا معنى قول مِن قالَ مِن السلف : أنوجب المهر والحد ولا نوجب الغسل ؟\rوهذا القول هوَ الذِي استقر عليهِ عمل المسلمين .\rوقد خالف فيهِ شرذمة مِن المتقدمين ، مِنهُم : أبو سلمة ، وعروة ، وهشام ابن عروة ، والأعمش ، وابن عيينة ،وحكي عَن الزهري وداود .\rوقال ابن عبد البر : اختلف أصحاب داود في هَذهِ المسألة .\rوقال ابن المنذر : لا أعلم اليوم بين أهل العلم في ذَلِكَ اختلافاً .\rوذهب إليه طائفة مِن أهل الحديث ، مِنهُم : بقي بنِ مخلد الأندلسي ، وقد نسبه بعضهم إلى البخاري وليس في كلامه ما يصرح بهِ ، وحكاه الشَافِعي عَن بعض أهل الحديث مِن أهل ناحيتهم وغيرهم ، وذكر مناظرته لَهُم .\rوقد كانَ بعض الناس قي زمن الإمام أحمد ينسب ذَلِكَ إليه ، فكان أحمد ينكر ذَلِكَ ، ويقول : ما أحفظ أني قلت بهِ قط ، وقيل لَهُ : بلغنا أنك تقوله ؟ فقالَ : الله المستعان ، وقال -أيضاً - : مِن يكذب علي في هَذا أكثر مِن ذاك .\rوأحمد مِن أبعد الناس عَن هَذهِ المقالة ، فظاهر كلامه يدل على أن الخلاف فيها غير سائغ ، فإنه نص على أنَّهُ لو فعل ذَلِكَ مرة أنَّهُ يعيد الصلاة التي صلاها بغير غسل مِن التقاء الختانين ، ونص على أنَّهُ لا يصلى خلف مِن يقول : (( الماء مِن الماء )) ، معَ قولُهُ : إنه يصلي خلف مِن يحتجم ولا يتوضأ ، ومن يمس ذكره ولا يتوضأ متأولاً ، فدل على أن القول بأن ((الماء مِن الماء )) لا مساغ للخلاف فيهِ .\rوكذلك ذكر ابن أبي موسى وغيره مِن الأصحاب .\rوحمل أبو بكر عبد العزيز كلام أحمد على أنه لَم يكن متأولاً ، وهذا لا يصح ؛ لأن القول بأن (( الماء مِن الماء )) لا يكون بغير تأويل . والله أعلم .\rوقد سبق عَن عمر ، أنَّهُ قالَ : لا أوتى بأحد فعله إلا أنهكته عقوبة .","part":2,"page":71},{"id":192,"text":"وقد روي عَنهُ مِن وجه آخر ، رواه ابن أبي شيبة ، عَن ابن إدريس ، عَن\rالشيباني ، عَن بكير بنِ الأخنس ، عَن سعيد بنِ المسيب ، قالَ : قالَ عمر : لا أوتي برجل فعله -يعني : جامع ولم يغتسل ؛ يعني : وَهوَ لَم ينزل- إلا أنهكته عقوبة .\rوخرجه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في (( كِتابِ الطهور )) عَن أسباط بن\rمحمد ، عَن الشيباني ، بهِ .\rوفي رواية أن سعيد بنِ المسيب قالَ : سمعت عمر بنِ الخطاب على المنبر يقول : لا أجد أحداً جامع امرأته ولم يغتسل ، أنزل أو لَم ينْزل ، إلا عاقبته .\rوقد قالَ عمر هَذا بمحضر مِن المهاجرين والأنصار ، ولم يخالف فيهِ أحد .\rوالظاهر : أن جميع مِن كانَ يخالف فيهِ مِن الأنصار رجع عَنهُ ، ورأسهم : أبي بنِ كعب ، وزيد بنِ ثابت ، ومِن المهاجرين عثمان بنِ عفان .\rوفي رجوع أبي بنِ كعب وعثمان بنِ عفان معَ سماعها مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذَلِكَ : دليل على أنَّهُ ظهر لهما أن ما سمعاه زال حكمه ، واستقر العمل على غيره .\rوعامة مِن روي عَنهُ : (( إن الماء مِن الماء )) روي عَنهُ خلاف ذَلِكَ ، والغسل مِن التقاء الختانين ، مِنهُم : عثمان ، وعلي ، سعد بنِ أبي وقاص ، وابن مسعود ، وابن\rعباس ، وزيد بنِ ثابت ، وأبي بنِ كعب ، ورافع بنِ خديج .\rوهذا يدل على رجوعهم عما قالوه في ذَلِكَ ؛ فإن القول بنسخ (( الماء مِن الماء )) مشهور بين العلماء ، ولم يقل أحد مِنهُم بالعكس .\rوقد روت عائشة وأبو هريرة عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - الغسل بالتقاء الختانين .\rوقد روى ذَلِكَ -أيضاً- مِن رواية عبد الله بنِ عمرو ، ورافع بنِ خديج ، ومعاذ بنِ جبل ، وابن عمر ، وأبي أمامة وغيرهم ، إلا أن في أسانيدها ضعفاً .\rوفي حديث رافع التصريح بنسخ الرخصة -أيضاً .\rأعلم ؛ أن هَذا الضعف إنما هوَ في الطرق التي وصلت إلينا منها هَذهِ الأخبار ، فأما المجمع الذِي جمع عمر فيهِ المهاجرين والأنصار ، ورجع فيهِ أعيان مِن كانَ سمع مِن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الرخصة ، فأنهم لَم يرجعوا إلا لأمرٍ ظهر لَهُم في ذَلِكَ الجمع وبعده ، وعلموه\rوتيقنوه ، وإن كانت تفاصيله لَم تنقل إلينا ، واستقر مِن حينئذ العمل على الغسل مِن التقاء الختانين ، ولم يصح عَن أحد مِن الصحابة بعد ذَلِكَ إظهار الفتيا بخلافه ، فوجب اتباع سبيل المؤمنين ، والأخذ بما جمع عليهِ الأمة أمير المؤمنين ، والرجوع إلى مِن رجعت إليه الصحابة في العلم بهذه المسألة ،وهي أم المؤمنين .\rوالمخالف يشغب بذكر الأحاديث التي رجع عنها رواتها ، ويقول : هي صحيحة\rالأسانيد ، وربما يقول : هي أصح إسناداً مِن الأحاديث المخالفة لها .\rومن هنا : كره طوائف مِن العلماء ذكر مثل هَذهِ الأحاديث والتحديث بها ؛ لأنها\rتورث الشبهة في نفوس كثير مِن الناس .","part":2,"page":72},{"id":193,"text":"وخرج الإسماعيلي في (( صحيحه )) مِن حديث زيد بنِ أخزم ، قالَ : سمعت يحيى -يعني : القطان- وسئل عَن حديث هشام بنِ عروة : حديث أبي أيوب : (( الماء مِن\rالماء )) ؟ - فقالَ : نهاني عَنهُ عبد الرحمن - يعني : ابن مهدي .\rولهذا المعنى - والله أعلم- لَم يخرج مالك في (( الموطإ )) شيئأً مِن هَذهِ\rالأحاديث ، وهي أسانيد حجازية على شرطه .\rوالمقصود بهذا : أن المسائل التي اجتمعت كلمة المسلمين عليها مِن زمن الصحابة ، وقل المخالف فيها وندر ، ولم يجسر على إظهارها لإنكار المسلمين عليهِ ، [ كلها ] يجب على المؤمن الأخذ بما اتفق المسلمون على العمل بهِ ظاهراً ؛ فإن هَذهِ الأمة لا يظهر أهل باطلها على أهل حقها ، كَما أنها لا تجتمع على ضلالة ، كَما روي ذَلِكَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه أبو داود وغيره .\rفهذه المسائل قَد كفى المسلم أمرها ، ولم يبق فيها إلا اتباع ما جمع عليهِ الخلفاء الراشدون أولي العلم والعدل والكمال ، دونَ الاشتغال فيها بالبحث والجدال وكثرة القيل والقال ؛ فإن هَذا كله لَم يكن يخفى عمن سلف ، ولا يظن ذَلِكَ بهم سوى أهل الجهل والضلال .\rوالله المسئول العصمة والتوفيق .\r\r* * *","part":2,"page":73},{"id":194,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r6\rكِتابِ الحيض\rوقول الله عز وجل : { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } [البقرة :222 ]إلى قولُهُ : { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة :222 ] .\rخرج مسلم في (( صحيحه )) مِن حديث حماد بنِ سلمة : نا ثابت ، عَن أنس ، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لَم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت ، فسأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله عز وجل : { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } [البقرة:222 ] إلى آخر الآية ، فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )) -وذكر بقية الحديث .\rفقوله عز وجل : { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ } ، أي : عَن حكمه والمباشرة\rفيهِ .\rو(( المحيض )) ، قيل : إنَّهُ مصدر كالحيض ، وقيل : بل هوَ اسم للحيض ، فيكون اسم مصدر .\rوقوله تعالى : { قُلْ هُوَ أَذىً } [البقرة :222 ] ، فسر الأذى بالدم النجس وبما فيهِ مِن القذر والنتن وخروجه مِن مخرج البول ، وكل ذَلِكَ يؤذي .\rقالَ الخطابي : الأذى هوَ المكروه الذِي ليسَ بشديد جداً ؛ كقوله : { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذى } [آل عمران :111 ] ، وقوله : { إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ } [النساء : 102 ] ، قالَ : والمراد : أذى يعتزل منها موضعه لا غيره ، ولا يتعدى ذَلِكَ إلى سائر بدنها ، فلا يجتنبن ولا يخرجن مِن البيوت كفعل المجوس وبعض أهل الكِتابِ ، فالمراد : أن الأذى بهن لا يبلغ الحد الذِي يجاوزونه إليه ، وإنما يجتنب منهن موضع الأذى ، فإذا تطهرن حل غشيانهن .\rوقوله تعالى : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض } [البقرة :222 ] ، قَد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - باعتزال النكاح ، وسيأتي فيما بعد -إن شاء الله تعالى- ذكر ما يحرم مِن مباشرة الحائض وما يحل منهُ في الباب الذِي يختص المباشرة مِن الكِتابِ .\rوقد قيل : بأن المراد بالمحيض هاهنا : مكان الحيض ، وهو الفرج ، ونص على ذَلِكَ الإمام أحمد ، وحكاه الماوردي عَن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وجمهور المفسرين ، وحكى الإجماع على أن المراد بالمحيض المذكور في أول الآية : الدم .\rوقد خالف في ذَلِكَ ابن أبي موسى مِن أصحابنا في (( شرح الخرقي )) ، فزعم أن مذهب أحمد أنَّهُ الفرج -أيضاً - ، وفيه بعد .\rوجمهور أصحاب الشَافِعي على أن المراد بالمحيض في الآية الدم ، في الموضعين .\rوقوله : { وَلا تَقْرَبُوهُنّ } [ البقرة: 222 ] ، نهي بعد الأمر باعتزالهن في المحيض عَن قربانهن فيهِ ، والمراد بهِ : الجماع -أيضاً - ، وفيه تأكيد لتحريم الوطء في الحيض .","part":2,"page":74},{"id":195,"text":"وقوله : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } [البقرة: 222 ] فيهِ قراءتان { يَطْهُرْنَ } [البقرة :\r222 ] -بسكون الطاء وضم الهاء - ، و { يَطْهُرْنَ } [البقرة: 222 ] بفتح الطاء وتشديد الهاء .\rوقد قيل : إن القراءة الأولى أريد بها انقطاع الدم ، والقراءة الثانية أريد بها التطهر بالماء .\rوممن فسر الأولى بانقطاع الدم ابن عباس ومجاهد وغيرهما .\rوابن جرير وغيره : يشيرون إلى حكاية الإجماع على ذَلِكَ .\rومنع غيره الإجماع ، وقال : كل مِن القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء ، وأن يراد بها انقطاع الدم ، وزوال أذاه .\rوفي ذَلِكَ نظر ، فإن قراءة التشديد تدل على نسبة فعل التطهير إليها ، فكيف يراد بذلك مجرد انقطاع الدم ولا صنع لها فيهِ .\rوقوله : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } [البقرة: 222 ]غاية النهي عَن قربانهن ، فيدل بمفهومه على أن ما بعد التطهير يزول النهي .\rفعلى قراءة التشديد المفسرة بالاغتسال إنما يزول النهي بالتطهر بالماء ، وعلى قراءة التخفيف يدل على زوال النهي بمجرد انقطاع الدم .\rواستدل بذلك فرقة قليلة على إباحة الوطء بمجرد انقطاع الدم ، وَهوَ قول أبي حنيفة ، وأصحابه ، إذا انقطع الدم لأكثر الحيض ، أو لدونه ، ومضى عليها وقت صلاة ، أو كانت غير ومخاطبة بالصلاة كالذمية .\rوحكي عَن طائفة إطلاق الإباحة ، مِنهُم : ابن كثير وابن عبد الحكم ، وفي نقله عنهما نظر .\rوالجمهور على أنه لا يباح بدون الاغتسال ، وقالوا : الآية ، وإن دلت بمفهومها على الإباحة بالانقطاع إلا أن الإتيان مشروط لَهُ شرط آخر وَهوَ التطهر ، والمراد بهِ : التطهر بالماء ؛ بقولِهِ : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ } [البقرة:222] ، فدل على أنَّهُ لا يكفي مجرد التطهر ، وأن الإتيان متوقف على التطهر ، أو على الطهر والتطهر بعده ، وفسر الجمهور التطهر بالاغتسال ، كَما في قولُهُ : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } [المائدة:6 ] .\rوحكي عَن طائفة مِن السلف : أن الوضوء كاف بعد انقطاع الدم ، منهُم : مجاهد ، وعكرمة ، وطاوس ، على اختلاف عَنهُم في ذَلِكَ .\rقالَ ابن المنذر : روينا بإسناد فيهِ مقال عن عطاء وطاوس ومجاهد ، أنهم قالوا : إذا أدرك الزوج الشبق أمرها أن تتوضأ ، ثُمَّ أصاب منها إن شاء .\rوأصح مِن ذَلِكَ عَن عطاء ومجاهد موافقة القول الأول -يعني : المنع منهُ وكراهته بدون الغسل - ، قالَ : ولا يثبت عَن طاوس خلاف ذَلِكَ . قالَ : وإذا بطل أن يثبت عَن هؤلاء قول ثان كانَ القول الأول كالإجماع . انتهى .\rولذلك ضعف القاضي إسماعيل المالكي الرواية بذلك عَن طاوس وعطاء ؛ لأنها مِن رواية ليث بن أبي سليم عنهما ، وَهوَ ضعيف .\rوحكي عَن بعض السلف أن التطهر غسل الفرج خاصة ، رواه ابن جريج وليث عَن عطاء ، ورواه معمر عَن قتادة ، وحكاه بعض أصحابنا عَن الأوزاعي ، ولا أظنه يصح عَنهُ ، وقاله قوم مِن أهل الظاهر .\rوالصحيح الذِي عليهِ جمهور العلماء : أن تطهر الحائض كتطهر الجنب ، وَهوَ الاغتسال .","part":2,"page":75},{"id":196,"text":"ولو عدمت الماء ، فهل يباح وطؤها بالتيمم ؟ فيهِ قولان :\rأحدهما : يباح بالتيمم ، وَهوَ مذهبنا ، ومذهب الشَافِعي وإسحاق والجمهور ، وقول يحيى بن بكير مِن المالكية ، والقاضي إسماعيل مِنهُم -أيضاً .\rوقال مكحول ومالك : لا يباح وطؤها بدون الاغتسال بالماء .\rوقوله : { فَأْتُوهُنّ } [البقرة:222 ] إباحة ، وقوله : { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه } [البقرة: 222 ] أي : باعتزالهن ، وَهوَ الفرج ، أو ما بين السرة والركبة ، على ما فيهِ مِن الاختلاف كَما سيأتي ، روي هَذا عَن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة .\rوقيل : المراد : مِن الفرج دونَ الدبر ، رواه علي بنِ أبي طلحة عَن ابن عباس .\rوروى أبان بنِ صالح ، عن مجاهد ، عنة ابن عباس ، قالَ : { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ\rالله } [البقرة: 222 ] أن تعتزلوهن . ورواه عكرمة ، عَن ابن عباس -أيضاً .\rوقيل : المراد مِن قبل التطهر لا مِن قبل الحيض ، وروي عَن ابن عباس -أيضاً - ، وغيره .\rو(( التوابون )) : الرجاعون إلى طاعة الله مِن مخالفته .\rو(( المتطهرون )) : فسره عطاء وغيره : بالتطهر بالماء ، ومجاهد وغيره : بالتطهر مِن الذنوب .\rوعن مجاهد ، أنَّهُ فسره : بالتطهر مِن أدبار النساء .\rويشهد لَهُ قول قوم لوط : { إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } [الأعراف: 82 ] .\r* * *","part":2,"page":76},{"id":197,"text":"1-باب\rكيف كانَ بدء الحيض ؟\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم )) .\rوقال بعضهم : كانَ أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل .\rقالَ أبو عبد الله : وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر .\rأما مِن قالَ : أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل : فَقد روي ذَلِكَ عَن حماد بنِ سلمة ، عَن هشام بنِ عروة ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : إنما سلطت الحيضة على نساء بني إسرائيل ؛ لأنهن كن اتخذن أرجلاً مِن خشب يتطاولن بها في المساجد .\rوأما ما رجحه البخاري مِن أن الحيض لَم يزل في النساء منذ خلقهن الله ، فَهوَ المروي عَن جمهور السلف :\rقالَ عمرو بنِ محمد العنقزي : نا عباد بنِ العوام ، عَن سفيان بنِ حسين ، عَن يعلى بنِ مسلم ، عَن سعيد بنِ جبير ، عَن ابن عباس ، قالَ : لما أكل آدم مِن الشجرة التي نهي عنها ، قالَ الله لَهُ : (( ما حملك على أن عصيتني ؟)) قالَ : ربِّ ، زينته لي حواء ، قالَ : (( فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرها ، ولا تضع إلا كرهاً ، ودميتها في الشهر مرتين )) ، فلما سمعت حواء ذَلِكَ رنت ، فقالَ لها : عليك الرنة وعلى بناتك .\rوروى ابن جرير في (( تفسيره )) : نا يونس : نا ابن وهب ، عَن عبد الرحمن بن زيد بنِ أسلم ، في قولُهُ : { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } [البقرة :25 ] ، قالَ : المطهرة : التي لا تحيض ، قالَ : وكذلك خلقت حواء عليها السلام حتى عصت ، فلما عصت قالَ الله تعالى : (( إني خلقتك مطهرة ، وسأدميك كَما أدميت هَذهِ الشجرة )) .\rوقد استدل البخاري لذلك بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم )) ، وَهوَ استلال ظاهر حسن ، ونظيره : استدلال الحسن على إبطال قول مِن قالَ : أول مِن رأى الشيب إبراهيم - عليه السلام - ، بعموم قول الله عز وجل : { اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } [الروم : 54 ] .\r294- حدثنا علي بنِ عبد الله المديني : نا سفيان ، قالَ : سمعت عبد الرحمن بنِ القاسم ، قالَ : سمعت القاسم يقول : سمعت عائشة تقول : خرجنا لا نرى إلا الحج ، فلما كنت بسرف حضت ، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي ، فقالَ : (( مالك ! أنفست ؟ )) قلت : نعم . قالَ : (( إن هَذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فاقضي ما يقضي الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت )) . قالت : وضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن نسائه بالبقر .\rهَذا إسناد شريف جداً ؛ لجلالة رواته ، وتصريحهم كلهم بسماع بعضهم مِن بعض ، فلهذا صدر بهِ البخاري (( كِتابِ : الحيض )) .\rوفيه اللفظة التي استدل بها البخاري على أن الحيض لازم للنساء منذ خلقهن الله ، وأنه لَم يحدث في بني إسرائيل ، كَما تقدم .","part":2,"page":77},{"id":198,"text":"وقد رويت هَذهِ اللفظة -أيضاً - عَن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ ذَلِكَ لعائشة في الحج - بمعنى حديث عائشة .\rخرجه مسلم في (( صحيحه )) .\rورويت -أيضاً- عَن أم سلمة ، مِن رواية محمد بنِ عمرو : نا أبو سلمة ، عَن أم سلمة ، قالت : كنت معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في لحافه ، فوجدت ما تجد النساء مِن الحيضة ، فانسللت مِن اللحاف ، فقالَ : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أنفست ؟ )) قلت : وجدت ما تجد النساء مِن الحيضة ، قالَ : (( ذاك ما كتب الله على بنات آدم )) . قالت : فانسللت فأصلحت مِن شأني ، ثُمَّ رجعت ، فقالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( تعالي فادخلي معي في اللحاف )) . قالت : فدخلت معه .\rخرجه [ . . . . . . ] ابن ماجه .\rومعنى : (( كتب الله على بنات آدم )) : أنَّهُ قضى بهِ عليهن وألزمهن إياه ، فهن متعبدات بالصبر عليهِ .\rوجاء في رواية للإمام أحمد مِن رواية الأوزاعي ، عَن أبي عبيد ، عَن عائشة ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، في هَذا الحديث : أن عائشة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لا أحسب النساء خلقن إلا للشر ، قالَ : (( لا ، ولكنه شيء ابتلي بهِ نساء بني آدم )) .\rولفظ : (( الكتابة )) يدل على اللزوم والثبوت ، إمَّا شرعاً كقوله تعالى :\r{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } [ البقرة:183 ] ، أو قدراً كقوله : { كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي } [المجادلة: 21 ] .\rوهذا الحديث مِن هَذا القبيل .\r\r* * *","part":2,"page":78},{"id":199,"text":"2 - باب\rغسل الحائض رأس زوجها وترجيله\r295- نا عبد الله بنِ يوسف : نا مالك ، عَن هشام بنِ عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كنت أرجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا حائض .\r296- حدثنا إبراهيم بنِ موسى : نا هشام بنِ يوسف ، أن ابن جريج أخبرهم : أنا هشام ، عَن عروة ، أنَّهُ سئل : أتخدمني الحائض أو تدنو مني المرأة وهي جنب ؟\rفقالَ عروة : كل ذَلِكَ علي هين ، وكل ذَلِكَ تخدمني ، وليس على أحد في ذَلِكَ بأس ؛ أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ مجاور في المسجد ، يدني لها رأسه وهي في حجرتها ، فترجله وهي حائض .\rهَذا الحديث يدل على طهارة بدن الحائض ، وعلى مباشرتها بيدها لرأس الرجل بالدهن والتسريح ، وَهوَ معنى ترجيل الرأس المذكور في هَذا الحديث .\rوقد روى تميم بنِ سلمة ، عَن عروة هَذا الحديث ، ولفظه : (( فأغسله وأنا حائض )) .\rوكذلك روى لفظة : (( الغسل )) إبراهيم ، عَن الأسود ، عَن عائشة .\rولو كانت يدها نجسة لمنعت مِن دهن رأس الرجل وغسله .\rوقد ألحق عروة الجنب بالحائض ، وَهوَ كَما قالَ ، بل الجنب أولى بالطهارة ؛ فإنه أخف حدثاً .\rوقد كانَ ان عباس يكره ترجيل الحائض رأسه ، ختى نهته خالته ميمونة عَن ذَلِكَ : قالَ الإمام أحمد : ثنا سفيان ، عَن منبوذ ، عَن أمه ، قالت : كنت عند ميمونة ، فأتاها ابن عباس ، فقالت : يابني ! مالك شعثاً رأسك ؟ قالَ : أم عمار مرجلتي حائض ، قالت : أي بني ! وأين الحيضة مِن اليد ؟ كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخل على أحدانا وهي حائض ، فيضع رأسه في حجرها ، فيقرأ القرآن وهي حائض ، ثُمَّ تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض، أي بني ! وأين الحيضة مِن اليد ؟\rواستدل جماعة مِن الفقهاء بترجيل الحائض رأس الحي وغسله على جواز غسلها للميت ، مِنهُم : أبو ثور ، وله في ذَلِكَ حكاية معروفة ، إذ سئل عَن هَذهِ المسألة جماعة مِن أهل الحديث فلم يهتدوا للجواب ، فأجاب أبو ثور بالجواز ، واستدل بهذا الحديث ، وبحديث : (( إن حيضتك ليست بيدك )) .\rوحكي عَن أحمد -أيضاً- نظير هَذهِ الحكاية بإسناد فيهِ بعض مِن لايعرف .\rوممن رخص في تغسيل الحائض والجنب للميت : عطاء والثوري .\rورخص الحسن للجنب أن يغسل الميت ، وحكى الإمام أحمد عَنهُ ، أنَّهُ قالَ في الحائض : لا تغسل الميت ، وعن علقمة أنَّهُ قالَ : تغسله .\rوفي (( كِتابِ عبد الرزاق )) ، عَن علقمة ، أن الحائض لا تغسل الميت .\rواختلفت الرواية عَن أحمد فيهِ ، فروي عَنهُ أنَّهُ قالَ : لا بأس بذلك .\rوروي عَنهُ أنَّهُ رخص دونَ الحائض إلا للضرورة .\rوقد تقدم عَنهُ رواية أخرى بالرخصة للحائض مطلقاً ، وأن في إسنادها نظراً .\rوكره علقمة والنخعي والثوري وأحمد أن يحضر الجنب والحائض عند الميت عند خروج روحه ؛ لما روي مِن امتناع الملائكة مِن دخول البيت الذِي فيهِ الجنب .","part":2,"page":79},{"id":200,"text":"وفي الجملة ؛ فبدن الحائض طاهر ، وعرقها وسؤرها كالجنب ، وحكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد مِن العلماء .\rوسئل حماد : هل تغسل الحائض ثوبها مِن عرقها ؟ فقالَ : إنما يفعل ذَلِكَ المجوس .\rوحكى بعض الفقهاء عَن عبيدة السلماني : أن الحائض لا تقرب الرجل ولا تمس منهُ شيئاً ، قالَ بعضهم : ولا أظنه يصح عَنهُ .\rوحكى بعضهم عَن أبي يوسف : أن بدن الحائض نجس ، وأنها إذا أصابت ماء قليلاً نجسته ، وقال بعضهم - أيضاً - : لا يصح هَذا عَن أبي يوسف .\rولكن أبو حنيفة وأصحابه يقولون : على بدن الجنب ، وأعضاء المحدث نجاسة حكمية ، تنتقل إلى الماء الذِي يرتفع بهِ حدثه فيصير نجساً .\rوهذا إنما يقولونه في الحائض إذا انقطع دمها وأصابها الماء ، فإنه ينجس ويرتفع حدثها بذلك وإن لَم تنو رفع الحدث بهِ ، على أصلهم المعروف : أن النية لا تشرط للطهارة بالماء .\r\r* * *","part":2,"page":80},{"id":201,"text":"3- باب\rقراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض\rوكان أبو وائل يرسل خادمه وهي حائض إلى أبي رزين ؛ لتأتيه بالمصحف فتمسكه بعلاقته .\r297- حدثنا أبو نعيم الفضل بنِ دكين : سمع زهيراً ، عَن منصور بنِ صفية ، أن أمه حدثته ، أن عائشة حدثتها ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يتكيء في حجري وأنا حائض ، ثُمَّ يقرأ القرآن .\rهَذا إسناد كله مصرح فيهِ بالتحديث والسماع ، إلا في رواية زهير ، - وَهوَ ابن معاوية -، عَن منصور بنِ صفية بنت شيبة .\rومراد البخاري بهذا الباب : أن قرب القاريء مِن الحائض ومن موضع حيضها لا يمنعه مِن القراءة ؛ فإنه لَم يكن للحيض تأثير في منع القراءة لَم يكن في إخبار عائشةبقراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن وَهوَ متكيء في حجرها في حال الحيض معنى ، فإنها أرادت أن قرب فم القاريء للقرآن مِن محل الحيض لا يمنعه القراءة .\rوقد زعم بعضهم : أن في الحديث دلالة على أن الحيض نفسه غير مانع مِن\rالقراءة ، ولا يصح ذَلِكَ ، إنما مراد عائشة : أن قرب الطاهر مِن الحائض لا يمنع مِن القراءة .\rوقد صرحت ميمونة أم المؤمنين بهذا المعنى ، كَما خرجه الإمام أحمد مِن حديث ابن جريج : أخبرني منبوذ ، أن أمه أخبرته ، أنها بينا هي جالسة عند ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ دخل عليها ابن عباس ، فقالت : مالك شعثاً ؟ قالَ : أم عمار مرجلتي حائض . فقالت : أي بني ! وأين الحيضة مِن اليد ؟ لقد كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يدخل على إحدانا وهي متكئة حائض ، قَد علم أنها حائض ، فيتكىء عليها فيتلو القرآن وَهوَ متكىء عليها ، أو يدخل عليها قاعدة وهي حائض ، فيتكىء في حجرها فيتلوا القرآن وَهوَ متكىء في حجرها ، وتقوم وهي حائض فتبسط لَهُ خمرة في مصلاه- وفي رواية : فتبسط خمرته -فيصلي عليها في بيتي ، أي بني ! وأين الحيضة مِن اليد ؟\rوخرجه النسائي مختصراً ، ولم يذكر قصة ابن عباس .\rقالَ القرطبي : ويؤخذ مِن هَذا الحديث جواز استناد المريض للحائض في صلاته إذا كانت أثوابها طاهرة . قالَ : وَهوَ أحد القولين عندنا .\rوفي (( تهذيب المدونة )) في صلاة المريض : ولا يستند بحائض ولا جنب .\rوقد ألحق البخاري بذلك إمساك الحائض بعلاقة المصحف وحمله كذلك ، وقد حكاه عن أبي وائل .\rوقد اختلف الفقهاء في حمل المُحدِث المصحف بعلاقة : هل هوَ جائز ، أم لا ؟ وفيه قولان مشهوران :\rوممن رخص في ذَلِكَ : عطاء والحسن والأوزاعي والثوري ، وكرهه مالك ، وحرمه اصحاب الشَافِعي ، وعن أحمد روايتان ، ومن أصحابنا مِن جزم بجوازه مِن غير خلاف حكاه .\rوأصل هَذهِ المسألة : منع المحدث مِن مس المصحف ، وسواء كانَ حدثه حدثاً أكبر ، وَهوَ مِن يجب عليهِ الغسل ، أو أصغر ، وَهوَ مِن يجب عليهِ الوضوء .\rهَذا قول جماهير العلماء ، وروي ذَلِكَ عَن علي وسعد وابن عمر وسلمان ، ولا يعرف لَهُم مخالف مِن الصحابة ، وفيه أحاديث عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - متصلة ومرسلة .\rوخالف في ذَلِكَ أهل الظاهر .","part":2,"page":81},{"id":202,"text":"وأجاز الحكم وحماد للمحدث مسه بظهر الكف دونَ بطنه .\rوعن الحسن ، قالَ : لابأس أن يأخذ المصحف غير المتوضىء فيضعه مِن مكان إلى\rمكان .\rوعن سعيد بنِ جبير ، أنَّهُ بال ، ثُمَّ غسل وجهه ويديه ، ثُمَّ أخذ المصحف فقرأ فيهِ .\rرواهما عبد الرزاق .\rوعن الشعبي ، قالَ : مس المصحف مالم تكن جنباً .\rذكره وكيع .\rوأما الاستدلال بقولِهِ عز وجل : { لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ } [ الواقعة : 79 ] ففيه كلام ليسَ هَذا موضعه . والله أعلم .\rوإن عدم الماء وتيمم ، فله مس المصحف عندنا الشافعية والأكثرين ، خلافاً للأوزاعي .\rوفي الحديث : دلالة على جواز قراءة القرآن متكئاً ، ومضطجعاً ، وعلى جنبه ، ويدخل ذَلِكَ في قول الله عز وجل : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } [ آل عمران : 191 ] .\r\r* * *","part":2,"page":82},{"id":203,"text":"4 - باب\rمِن سمى النفاس حيضاً\r298- حدثنا المكي بنِ إبراهيم : نا هشام ، عَن يحيى بنِ أبي كثير ، عَن أبي\rسلمة ، أن زينب بنت أم سلمة حدثته ، أن أم سلمة حدثتها ، قالت : بينا أنا معَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مضطجعة في خميصة إذ حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتي ، فقالَ :\r(( أنفست ؟ )) فقلت : نعم ، فدعاني فانضطجعت معه في الخميلة .\rمكي بنِ إبراهيم : أكبر شيخ للبخاري ، وَهوَ في طبقة مالك ، ويروي عَن هشام بنِ عروة وغيره مِن الأكابر .\rوقد أسقط بعض الرواة مِن إسناد هَذا الحديث (( زينب بنت أبي سلمة )) ، وجعله عَن أبي سلمة ، عَن أم سلمة ، والصواب : ذكر (( زينب )) فيهِ .\rوقد تقدم حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وهي في الحج وهي تبكي ، فقالَ : (( مالك ؟ أنفست ؟ )) قالت : نعم .\rظاهر حديث أم سلمة وعائشة يدل على الحيض يسمى نفاساً . وقد بوب البخاري على عكس ذَلِكَ ، وأن النفاس يسمى حيضاً ، وكأن مراده : إذا سمي الحيض نفاساً فَقد ثبت لأحدهما اسم الآخر ، فيسمى كل واحد مِنهُما باسم الآخر ، ويثبت لأحدهما أحكام الآخر .\rولا شك أن النفاس يمنع ما يمنع مِنه الحيض ويوجب ما يوجب الحيض إلا في الاعتداد بهِ ؛ فإنها لا تعتد بهِ المطلقة قرءاً ، ولا تستبرأ بهِ الأمة .\rوقد حكى ابن جرير وغيره الإجماع على أن حكم النفساء حكم الحائض في الجملة .\rوقد اعتمد ابن حزم على هَذا الحديث في ان الحائض والنفاس مدتهما واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض ، وَهوَ قول لَم يسبق إليه ، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقاً لما خفي علي أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه .\rوقريب مِن هَذا : ما نقل حرب في (( مسائله )) ، قالَ : قلت لإسحاق : رجل قالَ لأمراته : إذا حضت فأنت طالق ، فولدت ، هل يكون دم النفاس حيضاً ؟ قالَ : تطلق ؛ لأن دم النفاس حيض ، إلا أن يقصد حين يحلف قصد الحيض ، وذكر حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لها في الحج : (( مالك أنفست ؟ )) انتهى .\rوهذا يرده : أنَّهُ لو كانَ دم النفاس حيضاً لاعتدت بهِ المطلقة قرءاً ، ولا قائل بذلك ، بل قَد حكى أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما الإجماع على خلافه .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - (( أنفست )) ، قالَ القرطبي : قيدناه بضم النون وبفتحها ، قالَ الهروي وغيره : نفست المرأة ونفست إذا ولدت - يعني : بالوجهين : فتح النون وضمها - ، قالَ : وإذا حاضت [ قيل ] : نفست بفتح النون لا غير .\rفعلى هَذا يكون ضم النون هنا خطأ ؛ فإن المراد بهِ الحيض قطعاً ، لكن حكى أبو حاتم عَن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة ، وذكر ذَلِكَ غير واحد .\rفعلى هَذا تصح الروايتان ، وأصل ذَلِكَ كله من خروج الدم وَهوَ المسمى :\rنفساً . انتهى .","part":2,"page":83},{"id":204,"text":"وقال الخطابي : ترجم أبو عبد الله هَذا الباب بقولِهِ : (( مِن سمى النفاس\rحيضاً )) ، والذي ظنه مِن ذَلِكَ وهم . قالَ : وأصل هَذهِ الكلمة مِن النفس ، وَهوَ الدم ، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل مِن الحيض والنفاس ، فقالوا : نفست المرأة - بفتح النون وكسر الفاء -إذا حاضت ، ونفست-بضم النون وكسر الفاء ، على وزن الفعل المجهول، فهي نفساء - إذا ولدت . انتهى .\rومراده : أن الرواية في هَذا الحديث هي بفتح النون ليسَ إلا ، وأن ذَلِكَ لا يراد بهِ الحيض .\rوعلى ما ذكره القرطبي ، أن الرواية في الحديث جاءت بوجهين ، وأن الأصمعي حكى في الحيض والولادة وجهين ، لا يحكم على البخاري بالوهم .\rثُمَّ قالَ الخطابي : الحيضة -بكسر الحاء - : التحيض ، كالقعدة والجلسة ، أي : الحالة التي تلزمها الحائض مِن اجتناب الأمور وتوقيها .\rيشير إلى قول أم سلمة : (( فأخذت ثياب حيضتي )) ، أنها بكسر الحاء .\rوأنكر غيره ذَلِكَ ، وقال : إنما الرواية بفتح الحاء ، والمراد : ثياب الحيض .\rقالَ الخطابي : والخميصة : كساء أسود ، وربما كانَ لَهُ علم ، أو فيهِ خطوط . والخميلة : ثوب مِن صوف لَهُ خمل .\rوروى ابن لهيعة : نا يزيد بنِ أبي حبيب ، عَن موسى بنِ سعد بنِ زيد بنِ ثابت ، عَن خبيب بنِ عبد الله بنِ الزبير ، عَن عائشة ، قالت : طرقتني الحيضة مِن الليل وأنا إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتأخرت ، فقالَ : (( مالك ! أنفست ؟ )) قلت : لا ، ولكن حضت ، قالَ : (( فشدي عليك إزارك ، ثُمَّ عودي )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوَهوَ غريب جداً .\r* * *","part":2,"page":84},{"id":205,"text":"5 - باب\rمباشرة الحائض\rخرج فيهِ : عَن عائشة ، وميمونة .\rفأما حديث عائشة ، فَمِن طريقين :\rأحدهما :\rقالَ :\r299 ، 300 ، 301 - نا قبيصة : نا سفيان ، عَن منصور ، عَن إبراهيم ، عَن الأسود ، عَن عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن إناء واحد ، كلانا جنب ، وكان يأمرني فأتزر ، فيباشرني وأنا حائض ، وكان يخرج رأسه إلي وَهوَ\rمعتكف ، فأغسله وانا حائض .\rوالثاني :\rقالَ :\r302 - نا إسماعيل بنِ خليل : أنا علي بنِ مسهر : أنا أبو إسحاق - هوَ : الشيباني - ، عَن عبد الرحمن بنِ الأسود ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضاَ فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ، ثُمَّ يباشرها . قالت : وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملك إربه ؟\rتابعه: خالد وجرير ، عَن الشيباني .\rوحديث جرير عَن الشيباني ، خرجه أبو داود ، ولفظه : كانَ يأمرنا في فوح حيضتنا أن نتزر ، ثُمَّ يباشرنا - والباقي مثله .\rوخرجه ابن ماجه مِن طريق ابن إسحاق عَن الشيباني - أيضاً .\rوإنما ذكر البخاري المتابعة على هَذا الإسناد ؛ لأن مِن أصحاب الشيباني مِن رواه عَنهُ ، عَن عبد الله بن شداد ، عَن عائشة .\rوليس بصحيح ؛ فإن الشيباني عنده لهذا الحديث إسنادان عَن عائشة وميمونة :\rفحديث عائشة : رواه عَن عبد الرحمن بن الأسود ، عَن أبيه ، عَن عائشة .\rوحديث ميمونة : رواه عَن عبد الله بنِ شداد ، عَن ميمونة .\rفَمِن رواه : عَن الشيباني ، عَن عبد الله بنِ شداد ، عَن عائشة ، فَقد وهم فهذا حديث عائشة .\rوأما حديث ميمونة :\rفقالَ :\r303 - نا أبو النعمان : نا عبد الواحد : نا الشيباني : نا عبد الله بنِ شداد ، قالَ : سمعت ميمونة قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يباشر امرأة مِن نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض .\rرواه سفيان ، عَن الشيباني .\rوإنما ذكر متابعة سفيان ؛ ليبين أن الصحيح : عَن الشيباني ، عَن عبد الله بن\rشداد ، عَن ميمونة ؛ لا عَن عائشة ، وأن سفيان - وَهوَ : الثوري - رواه عَن الشيباني كذلك .\rوقد خرجه الإمام أحمد ، عَن ابن مهدي ، عَن سفيان كذلك ، ولفظ حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يباشرها وهي حائض ، فوق الإزار .\rوكذلك خرجه مسلم في (( صحيحه )) من طريق عبد الواحد بنِ زياد ، عَن الشيباني بهذا الإسناد ، ولفظه: كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض .\rوخرجه مسلم - أيضاً- مِن طريق ابن وهب : أخبرني مخرمة ، عَن أبيه - وَهوَ : بكير بنِ الأشج - ، عَن كريب مولى ابن عباس ، عَن ميمونة ، قالت :\rكانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينضجع معي وأنا حائض ، وبيني وبينه ثوب .","part":2,"page":85},{"id":206,"text":"ورواه الزهري عَن حبيب مولى عروة ، عن ندبة مولاة ميمونة ، عَن ميمونة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر المرأة مِن نسائه وهي حائض ، إذا كانَ عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين - أو الركبتين - محتجزة .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان في (( صحيحه )) .\rوفي الباب أحاديث أخر متعددة ، وقد تقدم في الباب الماضي حديث أم سلمة في المعنى .\rوقد دلت هَذهِ الأحاديث على جواز نوم الرجل معَ المرأة في حال حيضها ، وجواز مباشرته لها ، واستمتاعه بها مِن فوق الإزار .\rوالإزار : هوَ مابين السرة والركبة ، وفي الرواية الأخيرة عَن ميمونة الشك :\rهل كانَ الإزار يبلغ إلى الركبتين ، أو إلى أنصاف الفخذين .\rوقد روي أن الإزار كانَ يبلغ إلى أنصاف الفخذين ، جزماً مِن غير شك :\rخرجه ابن ماجه مِن حد يث أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنها سئلت : كيف كنت تصنعين معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحيض ؟ قالت : كانت إحدانا في فورها ، أول ما تحيض تشد عليها إزاراً إلى أنصاف فخذيها ، ثُمَّ تضطجع معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوإسناده حسن ، وفي إسناده : ابن إسحاق .\rوفي هَذا الحديث - معَ حديث عائشة الثاني الذِي خرجه البخاري هاهنا - :\rدلالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانَ يامر الحائض بالاتزار في أول حيضتها ، وَهوَ فور الحيضة وفوحها ، فإن الدم حينئذ يفور لكثرته ، فكلما طالت مدته قل ، وهذا مما يستدل بهِ على أن الأمر بشد الإزار لَم يكن لتحريم الاستمتاع بما تحت الإزار ، بل خشية مِن إصابة الدم والتلوث بهِ ، ومبالغة في التحرز مِن إصابته .\rوقد روى محمد بنِ بكار بنِ بلال : نا سعيد بنِ بشير ، عَن قتادة ، عَن الحسن ، عَن أمه ، عَن أم سلمة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتقي سورة الدم ثلاثاً ، ثُمَّ يباشر بعد ذَلِكَ .\rوهذا الإسناد وإن كانَ فيهِ لين ، إلا أن الأحاديث الصحيحة تعضده وتشهد لَهُ .\rوفي (( سنن أبي داود )) مِن حديث عكرمة ، عَن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد مِن الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً .\rوإسناده جيد .\rوَهوَ محمول على ما بعد الثلاث إذا ذهبت سورة الدم وحدته وفوره ، فكان حينئذ يكتفي بستر الفرج وحده بثوب ، ثُمَّ يباشر .\rوقد روي عَن الأوزاعي ، عَن عبدة بنِ أبي لبابة ، عَن أم سلمة ، قالت : كنت معَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في لحافه فنفست ، فقالَ : (( مالك ! أنفست ؟ )) قلت : نعم ، فأمرني أن أضع على قبلي ثوباً .\rخرجه أبو بكر ابن جعفر في (( كِتابِ الشافي )) .\rوعبدة ، لَم يسمع مِن أم سلمة - : قاله أبو حاتم الرازي .\rوسنذكر في (( الصيام )) - إن شاء الله تعالى - الأحاديث الواردة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يلقي على فرج المرأة في صيامه ثوباً ، ثُمَّ يباشرها .","part":2,"page":86},{"id":207,"text":"فظهر بهذا : أن الاستمتاع ببدن الحائض كله جائز ، لا منع فيهِ سوى الوطء في الفرج ، وأنه يستحب أن يكون ذَلِكَ مِن فوق الإزار ، خصوصاً في أول الحيض وفورته ، وإن اكتفى بستر الفرج وحده جاز ، وإن استمتع بها بغير ستر بالكلية جاز- أيضاً .\rوقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( اصنعوا كل شيء غير النكاح )) .\rخرجه مسلم .\rوأما الأحاديث التي رويت عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنَّهُ سئل عما يحل مِن الحائض ؟\rفقالَ : (( فوق الإزار )) .\rفَقد رويت مِن وجوه متعددة لا تخلو أسانيدها مِن لين ، وليس رواتها مِن المبرزين في الحفظ ، ولعل بعضهم روى ذَلِكَ بالمعنى الذِي فهمه مِن مباشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - للحائض مِن فوق الإزار .\rوقد قيل : إن الإزار كناية عَن الفرج ، ونقل ذَلِكَ عن اللغة ، وأنشدوا فيهِ شعراً .\rقالَ : وكيع : الإزار عندنا : الخرقة التي على الفرج .\rوقد اختلف العلماء فيما يجوز الاستمتاع بهِ مِن الحائض في حال حيضها :\rفقالت طائفة : لا يحرم منها سوى الإيلاج في فرجها ، ويجوز ما عدا ذَلِكَ ، وحكي ذَلِكَ عَن جمهور العلماء ، وروي عَن ابن عباس ، وعائشة ، وأم سلمة ، وَهوَ قول الثوري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وَهوَ أحد قولي الشَافِعي ، ومحمد بنِ الحسن وأبي ثور ، وابن المنذر ، وداود ، وطائفة مِن أصحاب مالك والشافعي .\rواحتج أحمد بأن عائشة أفتت بإباحة ما دونَ الفرج مِن الحائض ، وهي أعلم الناس بهذه المسألة ، فيتعين الرجوع فيها إلى قولها ، كَما رجع إليها في الغسل مِن إلتقاء الختانين على ما سبق ، وكذا في المباشرة للصائم ، وقد حكى البخاري عنها في\r(( الصوم )) أنها قالت : يحرم عليهِ - تعني : الصائم - فرجها .\rوقالت طائفة : يحرم الاستمتاع مِن الحائض بما بين السرة والركبة ، إلا مِن فوق الإزار ، وَهوَ المشهور عَن مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي .\rوحكي رواية عَن أحمد ، ولم [ يثبتها ] الخلال وأكثر الأصحاب ، وقالوا : إنما أراد أحمد أن الأفضل مباشرتها مِن فوق الإزار .\rوقالت طائفة : إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عَن الفرج ؛ لضعف شهوة أو شدة ورع جاز ، وإلا فلا ، وَهوَ قول طائفة مِن الشَافِعية .\rوَهوَ حسن ، وفي كلام عائشة - رضي الله عنها- ما يشهد لَهُ ؛ فإنها قالت : وأيكم يملك إربه كَما كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملك إربه ؟ .\rويشهد لهذا : مباشرة المرأة في حال الصيام ؛ فإنه يفرق فيها بين مِن يخاف على نفسه ومن يأمن ، وقد قالت عائشة - أيضاً- : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل ويباشر وَهوَ صائم ، وكان أملككم لإربه .\rوقد رويت هَذهِ اللفظة بكسر الهمزة وسكون الراء ، ورويت بفتح الهمزة والراء .\rوأنكر الخطابي الرواية الأولى ، وجوزها غيره .","part":2,"page":87},{"id":208,"text":"والإرب -بالسكون - : العضو ، وَهوَ كناية هنا عَن الفرج ، والإرب - بالفتح- الحاجة ، والمراد بالحاجة : شهوة النكاح ، وقيل : بل الإرب - بالسكون- يراد بهِ\rالعضو ، ويراد بهِ الحاجة - أيضاً - ، وكذلك هوَ في (( الصحاح )) .\rقالَ أبو عبيد : يروى هَذا الحديث : لإربه - يعني : بالسكون - قالَ : وَهوَ في كلام العرب لأربه - يعني : بالتحريك - ، قالَ : والإرب : الحاجة ، قالَ : وفيه ثلاث لغات : أرب ، وإربة ، وإرب ، في غير هَذا : العضو . انتهى .\rوعلى قول مِن جوز الاستمتاع بما دونَ الفرج، ويجوز عندهم الوطء دونَ الفرج ، والاستمتاع بالفرج نفسه مِن غير إيلاج فيهِ ، ولو كانَ على بعض الجسد شيء مِن دم الحيض لَم يحرم الاستمتاع بهِ ، وليس فيهِ خلاف إلا وجه شاذ للشافعية .\rلكن صرح ابن أبي موسى مِن أصحابنا في (( شرح الخرقي )) بكراهة الوطء فيما هوَ متلوث بدم الحيض مِن غير تحريم .\rوأما ما فوق السرة وتحت الركبة فيجوز الاستمتاع بهِ ، وكثير مِن العلماء حكى الإجماع على ذَلِكَ .\rومنهم مِن حكى عَن عبيدة السلماني خلافه ، ولا يصح عَنهُ .\rإنما الصحيح عَن عبيدة : ما رواه وكيع في (( كتابه )) ، عن ابن عون ، عَن ابن سيرين ، قالَ : سألت عبيدة : ما للرجل مِن امرأته إذا كانت حائضاً ؟ قالَ : الفراش واحد ، واللحاف شتى ، فإن لَم يجد بداً رد عليها مِن طرف ثوبه .\rوهذا إنما يدل على أن الأولى أن لا ينام معها متجردة في لحاف واحد حتَّى يسترها بشيء مِن ثيابه ، وهذا لا خلاف فيهِ .\rوقد روي عَن ابن عباس ، أنَّهُ كانَ يعتزل فراشه امرأته في حال الحيض ، وأنكرت عليهِ ذَلِكَ خالته ميمونة - رضي الله عنهما- ، فرجع عَن ذَلِكَ :\rففي (( مسند الإمام أحمد )) مِن حديث ابن إسحاق ، [ عَن ] الزهري ، عَن عروة ، عَن ندبة ، قالت : أرسلتني ميمونة بنت الحارث إلى امرأة عبد الله ابن عباس - وكانت بينهما قرابة - ، فرأيت فراشها معتزلاً عَن فراشه ، فظننت أن ذَلِكَ لهجران ، فسألتها ، فقالت : لا ، ولكني حائض ، فإذا حضت لم يقرب فراشي ، فأتيت ميمونة ، فذكرت ذَلِكَ لها ، فردتني إلى ابن عباس ، فقالت : أرغبة عَن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! لقد كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام معَ المرأة مِن نسائه الحائض ، ما بينهما إلاّ ثوب ، ما يجاوز الركبتين .\rثُمَّ خرجه مِن طريق ليث : حدثني ابن شهاب ، عَن حبيب مولى عروة ، عَن ندبة -فذكر الحديث .\rوهذا هوَ الصحيح ، وقول ابن إسحاق : (( عَن عروة )) خطأ ، إنما هوَ :\rحبيب مولى عروة ، وَهوَ ثقة ، خرج لَهُ مسلم .\rوقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانَ ينام معَ الحائض حيث لَم يكن لَهُم سوى فراش واحد ، فلما وسع عليهم اعتزل نساءه في حال الحيض .","part":2,"page":88},{"id":209,"text":"خرجه الإمام أحمد مِن رواية ابن لهيعة ، عَن يزيد بنِ أبي حبيب ، عَن سويد بنِ قيس ، عَن ابن قريط الصدفي ، قالَ : قل لعائشة : أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضاجعك وأنت\rحائض ؟ قالت : نعم ، إذا شددت عليّ إزاري ، ولم يكن لنا إذ ذاك إلا فراش واحد ، فلما رزقني الله فراشاً آخر اعتزلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوابن لهيعة ، لا يقبل تفرده بما يخالف الثقات .\rولكن تابعه غيره :\rفرواه ابن وهب ، عَن عمرو بنِ الحارث ، عَن ابنِ أبي حبيب ، عَن سويد ابن قيس ، عَن ابن قرظ- أو قرط - الصدفي ، أنَّهُ سأل عائشة - فذكره بمعناه .\rخرجه بقي بنِ مخلد في (( مسنده )) .\rوابن قرظ - أو قرط - الصدفي ، ليسَ بالمشهور ، فلا تعارض روايته عَن عاشة رواية الأسود بنِ يزيد النخعي .\rوقد تابع الأسود على روايته كذلك عَن عائشة : عمرو بنِ شرحبيل - أو عمرو بنِ ميمون - على اختلاف فيهِ - ، وأبو سلمة وعبد الله بنِ أبي قيس ، وشريح بنِ المقدام ، وجميع بنِ عمير ، وخلاس وغيرهم .\rوروايات هؤلاء عَن عائشة أولى مِن روايات ابن قريط .\rوتعارض رواية ابن قريط برواية أخرى تشبهها ، خرجها أبو داود مِن حديث\rعبد الرحمن بنِ زياد ، عَن عمارة بنِ غراب ، أن عمة لَهُ حدثته : أنها سألت عائشة ، قالت : إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد ؟ قالت : أخبرك بما صنع\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، دخل فمضى إلى مسجده - تعني : مسجد بيته - ، فلم ينصرف حتى غلبتني عيني ، وأوجعه البرد ، فقالَ : (( ادني )) ، فقلت : إني حائض ، قالَ : (( وإن ، اكشفي عَن فخذيك )) ، فكشفت فخذي فوضع خده وصدره على فخذي ، وحنيت عليهِ حتى دفىء ونام .\rوفي ((سنن أبي داود )) عَن أبي اليمان كثير بنِ يمان ، عَن أم ذرة ، عَن عائشة ، قالت : كنت إذا حضت نزلت عَن المثال إلى الحصير ، فلن نقرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ندن منهُ حتى نطهر .\rأبو اليمان وأم ذرة ، ليسا بمشهورين ، فلا يقبل تفردهما بما يخالف رواية الثقات الحفاظ الأثبات .\rوخرجه بقي بنِ مخلد ، عَن الحماني : ثنا عبد العزيز ، عَن أبي [ اليمان ] الرحال ، عَن أم ذرة ، عَن عائشة ، قالت : كنت إذا حضت لَم أدن مِن فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أطهر .\rالحماني ، متكلم فيهِ .\rوقد روى جعفر بنِ الزبير ، عَن القاسم ، عَن أبي أمامة ، قالَ : قالَ عمر : كنا نضاجع النساء في المحيض ، وفي الفرش واللحف قلة ، فأما إذ وسع الله الفرش واللحف فاعتزلوهن كَما أمر الله عز وجل .\rخرجه القاضي إسماعيل .\rوهذا لا يثبت ، وجعفر بنِ الزبير متروك الحديث .\rوروى أبو نعيم الفضل بنِ دكين : نا أبو هلال : حدثني شيبة الراسبي ، قالَ : سألت سالماً عَن الرجل يضاجع امرأته وهي حائض ؟ قالَ : أمَّا نحن آل عمر ، فنهجرهن إذا كن حيضاً .\rإسناد ضعيف .\rوالاعتزال الذِي أمر الله بهِ : هوَ اجتناب جماعهن ، كَما فسره بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .","part":2,"page":89},{"id":210,"text":"وقال عكرمة : كانَ أهل الجاهلية يصنعون في الحيض نحواً مِن صنيع المجوس ، فذكروا ذَلِكَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلت : { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً }\r[ البقرة : 222 ] الآية ، فلم يزد الأمر فيهن إلا شدة ، فنزلت : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } [البقرة : 222 ] : أن تعتزلوا .\rأخرجه القاضي إسماعيل ، بإسناد صحيح .\rوَهوَ يدل على أن أول الأمر باعتزالهن فهم كثير مِن الناس منهُ الاعتزال في البيوت والفرش كَما كانوا يصنعون أولاً ، حتى نزل آخر الآية : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ\rاللهُ } ، ففهم مِن ذَلِكَ أن الله أمر باعتزالهن في الوطء خاصة .\rوفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ بقولِهِ : (( اصنعوا كل شيء غير النكاح )) ، وبفعله معَ أزواجه ؛ حيث كانَ يباشرهن في المحيض .\r\r* * *","part":2,"page":90},{"id":211,"text":"6 - باب\rترك الحائض الصوم\r304- حدثنا سعيد بنِ أبي مريم : نا محمد بنِ جعفر : أخبرني زيد - هوَ : ابن أسلم -، عَن عياض بنِ عبد الله ، عَن أبي سعيد الخدري ، قالَ : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أضحى أو فطر إلى المصلى ، فمر على النساء ، فقالَ : (( يا معشر النساء تصدقن ، فإني أريتكن أكثر أهل النار )) فقلن : وبم يارسول الله ؟ قالَ : (( تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير ، ما رأيت مِن ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم مِن إحداكن )) . قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟ قالَ : (( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ )) قلن : بلى ، قالَ : (( فذلك مِن نقصان عقلها ، أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم ؟ )) قلن : بلى ، قالَ : (( فذلكن [ مِن ] نقصان دينها )) .\rقَد سبق هَذا الحديث في (( كِتابِ : الإيمان )) ، استدل بهِ البخاري هناك على أن الصلاة والصيام مِن الدين ، واستدل بهِ هنا على أن الحائض لا تصوم .\rولم يبوب على ترك الصلاة ؛ لأنه بوب على أنها لا تقتضي الصلاة باباً مفرداً ، يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوقد أجمعت الأمة على أن الحائض لا تصوم في أيام حيضها ، وأن صومها غير صحيح ولا معتد بهِ ، وأن عليها قضاء الصوم إذا طهرت .\rواختلف المتكلمون في أصول الفقه : هل هي مكلفة بالصوم في حال حيضها ، أم لا تؤمر بهِ إلا بعد طهرها ؟\rوقال كثير مِن الفقهاء : أنَّهُ لا تظهر لهذا الاختلاف فائدة .\rوقد تظهر لَهُ فائدة ، وهي : أن الحائض إذا ماتت قبل انقطاع دمها ، فهل يجب أن يطعم عنها لكل يوم أفطرت فيهِ ؟ وكذا المريض والمسافر إذا ماتا قبل زوال عذرهما ، على قول مِن أوجب الإطعام عَن الميت مطلقاً وإن مات قبل التمكن مِن الصوم .\rوإذا انقطع دم الحائض ؛ فالجمهور على أن حكمها حكم الجنب ؛ يصح\rصومها ، والمخالف في صوم الجنب يخالف في الحائض بطريق الأولى .\rومن الناس مِن قالَ في الحائض : لا يصح صيامها حتى تغتسل ؛ وإن صح صوم الجنب . وحكي عَن الأوزاعي ، والحسن بنِ صالح ، والعنبري ، وعبد الملك بنِ الماجشون\rوغيرهم .\rوقد حكاه بعض أصحابنا المتأخرين وجهاً في الحائض إذا انقطع دمها : أنَّهُ لا يصح صومها ، ولم يحك مثله في الجنب .\rووجه الفرق : أن حدث الحيض مانع مِن صحة الصيام ؛ بخلاف الجنابة ، فإنه لو احتلم الصائم لَم يبطل صيامه ، ولو طرأ الحيض في أثناء النهار بطل الصوم .\r\r* * *","part":2,"page":91},{"id":212,"text":"7 - باب\rتقضي الحائض المناسك كلها إلاّ الطواف بالبيت\rوقال إبراهيم : لا بأس أن تقرأ الآية .\rولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً .\rوكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه .\rوقالت أم عطية : كنا نؤمر أن يخرج الحيض ؛ فيكبرن بتكبيرهم ويدعون .\rقالَ ابن عباس : أخبرني أبو سفيان ، أن هرقل دعا بكتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأه ، فإذا فيهِ : (( بسم الله الرحمن الرحيم : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ } [ آل عمران : 64 ] .\rوقال عطاء ، عنِ جابر : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك غير الطواف\rبالبيت ، ولا تصلي .\rوقال الحكم : إني لأذبح وأنا جنب .\rوقال الله تعالى: { وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } [ الأنعام : 121 ].\r305 - حدثنا أبو نعيم : نا عبد العزيز بنِ أبي سلمة ، عَن عبد الرحمن بنِ\rالقاسم ، [ عَن القاسم ] ، عَن عائشة ، قالت : خرجنا معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نذكر إلا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت ، فد خل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي ، فقالَ : (( ما يبكيك ؟ ))\rفقلت : لوددت والله أني لَم أحج العام ، قالَ : (( لعلك نفست ؟ )) قلت :\rنعم ، قالَ : (( فإن ذَلِكَ شيء كتبه الله على بنات آدم ، فافعلي ما يفعل الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري )) .\rمقصود البخاري بهذا الباب : أن الحيض لا يمنع شيئاً مِن مناسك الحج غير الطواف بالبيت والصلاة عقيبه وأن ما عدا ذَلِكَ مِن المواقف والذكر والدعاء لا يمنع الحيض شيئاً منهُ ، فتفعله الحائض كله ، فدخل في ذَلِكَ الوقوف بعرفة ، والمزدلفة ، ورمي الجمار، وذكر الله عز وجل ودعاؤه في هَذهِ المواطن ، وكل هَذا متفق على جوازه.\rولم يدخل في ذَلِكَ السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه تابع للطواف لا يفعل إلا بعده، ولم تكن عائشة طافت قبل حيضها ، فلوا كانت قَد طافت فبل حيضها لدخل فيهِ السعي - أيضاً .\rوهذا كله متفق عليهِ بيِن العلماء إلا خلافاً شاذاً في الذكر ، وقد ذكرناه فيما سبق في (( أبواب الوضوء )) ، وإلا السعي بين الصفا والمروة ؛ فإن للعلماء فيهِ اختلافاً : هل يفعل معَ الحيض ، أم لا ؟\rوالجمهور : على جوازه معَ الحيض ، ومنع منهُ طائفة من السلف ؛ لكن مِنهُم مِن علل ذَلِكَ بمنع تقدم السعي للطواف ، فلو كانت طافت ثُمَّ حاضت لزال المنع حينئذ على هَذا التعليل ، وحكي المنع رواية عَن أحمد ، وحكي عَن ابن عمر .\rومنع إسحاق الجنب مِن السعي دونَ الحائض ؛ لأن الجنب لا عذر لَهُ في تأخير الغسل ؛ بخلاف الحائض .\rوقد روى يحيى بنِ يحيى الأندلسي حديث عائشة الذِي خرجه البخاري هاهنا : عَن مالك ، عَن عبد الرحمن بنِ القاسم ، وقال فيهِ : (( غير أن لا تطوفي بالبيت ، ولا بالصفا والمروة ، حتى تطهري )) .\rوزيادة (( الصفا والمروة )) وهم على مالك ، لَم يذكره عَنهُ أحد غير يحيى - : قاله ابن عبد البر .","part":2,"page":92},{"id":213,"text":"وفي (( صحيح مسلم )) ، عَن أبي الزبير ، عَن جابر ، وذكر قصة عائشة في حيضها في الحج ، وقال في آخره : فقالَ لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( اغتسلي ، ثُمَّ أهلي بالحج )) ، ففعلت ، ووقفت المواقف ، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة ، والصفا والمروة .\rوخرج البخاري في (( الحج )) من حديث عطاء ، عن جابر ، قالَ : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك كلها ، غير أنها لم تطف بالبيت ، فلما طهرت طافت بالبيت .\rوهذا هوَ الذِي علقه البخاري هاهنا ، وزاد فيهِ : (( ولا تصلي )) .\rوهذه اللفظة خرجها الإمام أحمد مِن رواية أبي الزبير ، فذكر الحديث ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لها : (( اغتسلي ، واهلي بالحج ، ثُمَّ حجي واصنعي ما يصنع الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي )) . قالت : ففعلت ذَلِكَ ، فلما طهرت قالَ : (( طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة )) .\rوأما طواف الحائض بالبيت ، فالجمهور على تحريمه ، ورخص فيهِ طائفة مِن المالكية إذا لَم تحتبس لها الرفقة أن تطوف للأفاضة حينئذ ، وسنذكر ذَلِكَ في موضعه مِن (( الحج )) إن شاء الله تعالى .\rوأما حديث أم عطية في إخراج الحيض في العيدين ، فَقد خرجه البخاري في مواضع متعددة مِن (( كتابه )) مبسوطاً ، وفيه دليل على جواز الذكر والدعاء للحائض .\rوأما ما ذكره - تعليقاً - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يذكر الله على كل أحيانه :\rفخرجه مسلم (( صحيحه )) مِن حديث البهي ، عَن عروة ، عَن عائشة .\rوذكر الترمذي في (( علله )) أنَّهُ سأل البخاري عَنهُ، فقالَ : هوَ حديث صحيح .\rوذكر ابن أبي حاتم ، عَن أبي زرعة ، أنَّهُ قالَ : لَم يرو إلا مِن هَذا الوجه ، وليس هوَ بذاك .\rوفيه : دليل على أن الذكر لا يمنع منهُ حدث ولا جنابة ، وليس فيهِ دليل على جواز قراءة القرآن للجنب ؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد بهِ القرآن .\rواستدلاله بقوله تعالى : { وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ } فَهوَ دليل على جواز التسمية للحائض والجنب ؛ فإنهما غير ممنوعين مِن التذكية .\rقالَ ابن المنذر : لا أعلم أحداً منع مِن ذَلِكَ . قالَ : وأجمع أهل العلم على أن لهما أن يذكرا الله ويسبحانه .\rفلم يبق مما ذكره البخاري في هَذا الباب سوى قراءة القرآن ، وظاهر كلامه أن الحائض لا تمنع مِن القراءة .\rواستدل [ بكتابة] النبي - صلى الله عليه وسلم - البسملة معَ آية مِن القرآن إلى هرقل .\rوذكر عن النخعي ، أن الحائض تقرأ الآية ، وعن ابن عباس أنه لم ير بالقرآن للجنب بأساً .\rأما ابن عباس ، فقد حكى عنه جواز القرآن للجنب غير واحد .\rقالَ ابن المنذر : روينا عن ابن عباس أنه كانَ يقرأ وردهُ وهو جنب ، ورخّص عكرمة وابن المسيب في قراءته . وقال ابن المسيب : أليس في جوفه ؟ انتهى .\rوكذا قالَ نافع بن جبير بن مطعم في قراءة القرآن على غير طهارة : لا بأس به ، أليس القرآن في جوفه ؟\rوممن رأى الرخصة في قراءة القرآن للجنب قسامة بن زهير ، والحكم ، وربيعة ، وداود .","part":2,"page":93},{"id":214,"text":"وروى -أيضاً - عن معاذ بن جبل ، وانه قالَ : ما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء من ذَلِكَ .\rخرجه ابن جرير بإسناد ساقط لا يصح ، والظاهر أنه مما وضعه محمد بن سعيد المصلوب ، وأسقط اسمه من الإسناد ؛ فقد وجدنا أحاديث متعددة بهذا الإسناد ، وهي من موضوعات المصلوب .\rوحكي جواز القراءة للجنب والحائض عن طائفة من أهل الحديث ، منهم : ابن المنذر ، والطحاوي .\rوأما من رخص للجنب في قراءة الآية ، فقد حكاه البخاري عن النخعي في الحائض .\rوفي (( كتاب ابن أبي شيبة )) عن النخعي : أن الحائض والجنب لا يتم الآية .\rوروى أبو حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم في الجنب : لا بأس أن يقرأ الآية . قال أبو حنيفة : والحائض مثله .\rوحكى رواية عن أحمد بجواز قراءة الآية ، وهي مخرجة من كلامه ، ليست منصوصة عنه ، وفي صحة تخريجها نظر .\rوروي عن طائفة الرخصة في قراءة الآية والآيتين ، روي عن سعيد بن جبير\rوعبد الله بن مغفل ، وعكرمة .\rوروي عن عكرمة : لا بأس للجنب أن يقرأ ؛ ما لم يقرأ السورة .\rومنهم من رخص في قراءة ما دون الآية، وهو مروي عن جابر بن زيد، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، والثوري ، ورواية عن أحمد ، وإسحاق ، وحكي عن الطحاوي .\rومنع الأكثرون الحائض والجنب من القراءة بكل حال ، قليلاً كانَ أو كثيراً ، وهذا مروي عن اكثر الصحابة ، روي عن عمر ، وروي عنه أنه قالَ : لو أن جنباً قرأ القرآن لضربته .\rوعن علي ، قالَ : لا يقرأ ولا حرفاً .\rوعن ابن مسعود ، وسليمان ، وابن عمر .\rوروي عن جابرٍ ، قالَ البيهقي : وليس بقوي .\rوروي عن ابن عباس بإسناد لا يصح .\rوهو قول أكثر التابعين ، ومذهب الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق -في احدى الروايتين عنهما - ، وأبي ثور وغيرهم .\rوهو قول مالكٍ في الجنب ، إلا أنه رخص لهُ في قراءة آيتين وثلاث عندَ المنام للتعوذ .\rورخص الأوزاعي لهُ في تلاوة آيات الدعاء والتعوذ ، تعوذاً لا قراءة .\rوهذا أصح الوجهين للشافعية -أيضاً .\rوقال سعيد بن عبد العزيز : رخص للحائض والجنب في قراءة آيتين عندَ الركوب والنزول : { سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا } الآية [ الزخرف: 13 ] ، و { رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً } [ المؤمنون: 29 ] الآية .\rوعن مالك في الحائض روايتان إحداهما : هي كالجنب ، والثانية : أنها تقرأ .\rوهو قول محمد بن مسلمة ؛ لأن مدة الحيض تطول ، فيخشى عليها النسيان ، وهي غير قادرة على الغسل ، بخلاف الجنب .\rوحكى أبو ثور ذَلِكَ عن الشافعي ، وأنكره أصحاب الشافعي عنه .\rوعكس ذَلِكَ آخرون ، منهم : عطاء ، قالَ : الحائض أشد شأناً من الجنب ، الحائض لا تقرأ شيئاً من القرآن ، والجنب يقرأ الآية .\rخرجه ابن جرير بإسناده عنه .\rووجه هذا : أن حدثَ الحيض أشد من حدث الجنابة ؛ فإنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة ، وهي الوطء والصوم ، وما قيل من خشية النسيان فإنه يندفع بتذكر القرآن بالقلب ، وهو غير ممنوع به .","part":2,"page":94},{"id":215,"text":"وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة ، إلا أن أسانيدها غير\rقوية ، كذا قالَ الإمام أحمد في قراءة الحائض ، وكأنه يشير إلى أن الرواية في الجنب\rأقوى ، وهو كذلك .\rوأقوى ما في الجنب : حديث عبد الله بن سلمة ، عن علي ، قالَ : كانَ\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ، ويأكل معنا اللحم ، ولم يكن يحجبه -أو يحجزه- عن القرآن شيء ، ليس الجنابة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وخرجه الترمذي بمعناه ، وقال : حسن صحيح ، وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في (( صحيحيهما )) والحاكم ، وقال صحيح الإسناد .\rوتكلم فيهِ الشافعي وغيره ؛ فإن عبد الله بن سلمة هذا رواه بعدما كبر ، قالَ شعبة عنه : كانَ يحدثنا ، فكنا نعرف وننكر ,، وقال البخاري : لا يتابع في حديثه ، ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به .\rوالاعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة ، ويعضده : قول عائشة وميمونة في قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن في حجرهما في حال الحيض ؛ فإن يدل على أن للحيض تأثيراً في منع القراءة .\rوأما الاستدلال المجيزين بحديث عائشة : (( اصنعي ما يصنع الحاج ، غير أن لا تطوفي )) فلا دلالة لهم فيهِ ؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتَّى تدخل في عموم هذا الكلام ، وإنما تدخل الأذكار والأدعية .\rوأما الاستدلال بحديث الكتاب إلى هرقل ، فلا دلالة فيهِ ؛ لأنه إنما كتب ما تدعو الضرورة إليه للتبليغ ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ في شرح حديث هرقل في أول الكتاب .\rوقد اختلف العلماء في تمكين الكافر من تلاوة القرآن ، فرخص فيهِ الحسن وأبو حنيفة وغيرهما ، ومنهم من منع منه ، وهو قول أبي عبيد وغيره .\rواختلف أصحابنا في ذَلِكَ ، فمنهم من منعه مطلقاً ، ومنهم من رخص فيهِ\rمطلقاً ، ومنهم من جوزه إذا رجي من حال الكافر الاستهداء والاستبصار ، ومنعه إذا لم يرج ذَلِكَ .\rوالمنقول عن أحمد أنه كرهه .\rوقال أصحاب الشافعي : إن لم يرج له الاستهداء بالقراءة منع منها ، وإن رجي لهُ ذَلِكَ لم يمنع ، على أصح الوجهين .\r\r* * *","part":2,"page":95},{"id":216,"text":"8-باب\rالاستِحَاضَةِ\r306 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ! إني لا أطهرُ ؛ أفأدع الصلاة ؟ ، فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما ذَلِكَ عرق ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصَّلاة ، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلّي )) .\rهذا الحديث خرجه البخاري في مواضع متعددة من (( كتاب الحيض )) ، وفي بعضها : أنها قالت : (( إني أستحاض فلا أطهر )) ، وفي بعضها : (( إذا أدبرَتْ فاغتسلي وصلي )) ، وفي بعضها : (( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضينَ فيها ، ثُمَّ اغتسلي وصلي )) .\rوكل هذه الألفاظ من رواية هشام ، عن أبيه ، عن عائشة .\rوخرج -أيضاً- من رواية ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عروة - وعن\rعمرة - ، عن عائشة : أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذَلِكَ ، فأمرها أن تغتسل ، فقالَ : (( هذا عرق )) ، فكانت تغتسل لكل صلاة .\rالمستحاضة : هي من اختلط دم حيضها بدم غير الحيض ، هوَ دم فاسد غير طبيعي ، بل عارض لمرض ، فدم الحيض هوَ دم جبلةٍ وطبيعةٍ ، يرخيه الرحم بعد البلوغ في أوقات معتادة ، وسمي حيضاً لأنه يسيل ، ويقال : حاض الوادي إذا سال .\rوقد فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين دم الحيض والاستحاضة بأن دم الاستحاضة عرق ، وهذا يدل على أن دم الحيض ليس دم عرق ؛ فإنه دم طبيعي ، يرخيه الرحم فيخرج من قعره ، ودم الاستحاضة يخرج من عرق ينفجر ، [ ومنه ] الذي يسيل في أدنى الرحم دون قعره .\rوفي (( سنن أبي داود )) من حديث أسماء بنت عميس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ : (( هذا من الشيطان )) يعني : دم الاستحاضة .\rوخرج النسائي من حديث عمرة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ في المستحاضة : (( ليست بالحيضة ، ولكنها ركضة من الرحم )) .\rومن حديث القاسم ، عن عائشة : أن امرأة مستحاضة على عهد النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قيل لها : إنه عرق عاندٌ .\rوفي حديثه حمنة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ : (( إنما هوَ ركضةٌ من الشيطان )) .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي .\rوفي حديث عثمان بن سعد ، عن ابن أبي مليكةَ ، عن فاطمة بنت أبي حبيشٍ ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( إنما هوَ عرق انقطع ، أو داءٌ عرض ، أو ركضةٌ من الشيطان )) .\rوروى أبو عبيد في (( غريبه )) : نا حجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن عمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن المستحاضة ؟ فقالَ : ذَلِكَ العاذل يغذو .\rقالَ أبو عبيد : (( العاذل )) : اسم العرق الذي يخرج منه دم الاستحاضة .\rوقوله : (( يغذو )) - يعني : يسيل .\rقالَ : ونا أبو النضر ، عن شعبة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : إنه عرق عاند ، أو ركضة من الشيطان .","part":2,"page":96},{"id":217,"text":"قالَ : وقوله : (( عاند )) -يعني : أنه عندَ وبغي كالإنسان يعاند عن القصد فهذا العرق في كثرة ما يخرج من الدم بمنزلته . والركضة : الدفعة .\rوقد اختلف العلماء في تفسير الاستحاضة ، على حسب اختلافهم في حد أكثر الحيض .\rفمن قالَ : لهُ حد محدود ، قالَ : المستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض ، وهذا قول الأكثرين منهم .\rوقد أشار البخاري إلى الاختلاف في ذَلِكَ -فيما بعد - ، ويأتي الكلام فيهِ في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rومن قالَ : ليس لأكثره حد محدود ، وإنما يرجع إلى عادة المرأة ، فإنه يرى أن عادتها إذا زاد الدم عليها مدة طويلة كانَ ذَلِكَ استحاضة .\rوقد ذكر أبو داود في (( سننه )) ، قالَ : روى يونس ، عن الحسن في الحائض إذا مد بها الدم : تمسك بعد حيضها يوماً أو يومين ، فهي مستحاضة .\rوقال التيمي ، عن قتادة : إذا زاد على أيام حيضتها خمسة أيام فلتصل .\rقالَ التيمي : فجعلت أُنقص حتى بلغت يومين ، فقالَ : إذا كانَ يومين فهوَ من حيضها .\rوسئل عنه ابن سيرين ، فقالَ : النساء أعلم بذلك .\rوقد ذكر البخاري قول ابن سيرين هذا فيما بعد تعليقاً ، ويأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rروى حرب الكرماني : ثنا إسحاق -هوَ : ابن راهويه - : ثنا عبد الأعلى ، عن يونس ، عن الحسن ، في امرأة كانَ أقراؤها سبعة أيام قبل أن تتزوج ، فلما تزوجت ارتفعت إلى خمسة عشر أو ثلاثة عشر ؟ قالَ : تنظر تلك الأيام التي كانت تحيضها قبل أن تتزوج ، فإذا مضت اغتسلت كل يوم عندَ صلاة الظهر إلى مثلها ، وتوضأت عندَ كل صلاة ، وتتنظف ، وتصلي .\rقالَ : ونا إسحاق : نا المعتمر بن سليمان، عن أبيه ، قالَ : قلت لمحمد ابن سيرين : المرأة تحيض فتزيد على ذَلِكَ خمسة أيام ؟ قالَ : تصلي ، قلت : يومين ؟ قالَ : ذَلِكَ من حيضتها .\rوروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، في المرأة تمكث في حيضها سبعة أيام ثم ترى بعد السبعة دماً ؟ قالَ : إن شاءت استظهرت بيوم ، ثم تغتسل وتصلي .\rومذهب أحمد وأصحابه : أن الحائض إذا كانَ لها عادةٌ مستمرة فإنها تجلس أيام عادتها .\rوهل تثبت عنده العادة بمرتين ، أو ثلاث مرار ؟ على روايتين عنه .\rفإن لم يكن لها عادة ، مثل أن تكون مبتدأةً ، فإنها لا تزيد على أن تقعد أقل الحيض عنده ، وهو يوم وليلة ، ثم تغتسل وتصلي حتى تثبت لها عادة بمرتين أو ثلاث فتنتقل إليها . هذا هوَ الصحيح عنده .\rوكذلك إذا كانت معتادة ، فزادت عادتها ، فإنها تغتسل عندَ انقضاء عادتها وتصلي ، فإن انقطع لأكثر الحيض فما دونه على قدر واحد مرتين أو ثلاثاً - ، على اختلاف الروايتين عنه - صار عادة بائنة منتقلة ، وانتقلت إليه .\rوتمسك لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المستحاضة بأن تدع الصلاة في الأيام التي كانت تحيض فيها ، وهذا رد إلى العادة المعتادة المستمرة .\rوأما مذهب مالك فيمن لها عادة فزادت عليها ، فعنه فيها روايتان :\rإحداهما : تجلس ما تراه من أول مرة ؛ ما لم يزد على أكثر الحيض ، وهو خمسة عشر يوماً .","part":2,"page":97},{"id":218,"text":"والثانية : أنها تستطهر على عادتها بثلاثة أيام ، ما لم تجاوز خمسة عشر يوماً ، تغتسل وتصلي ، وهي التي رجع إليها مالك ، وعليها المصريون من أصحابه ، وهي قول الليث بن سعد .\rوإذا استحيضت هذه فإنها تستطهر على أكثر أيام عادتها ما لم تجاوز خمسة عشر -أيضاً - ، وفيه عنه خلاف يأتي ذكره فيما بعد .\rومذهب الشافعي وأبي حنيفة : أنها تجلس ما تراه من الدم ما لم يجاوز أكثر الحيض ، سواء اتفقت عادتها ، أو اختلفت ، ولا عبرة بالعادة فيما يمكن أن يكون\rحيضاً .\rوأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهب عنك قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي )) - وفي رواية : (( فإذا أدبرت )) . فقد اختلف العلماء في تأويله :\rفتأوله الأكثرون ، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد على أن المراد به اعتبار تميز الدم ، وأن هذه المستحاضة كانَ دمها متميزاً ، بعضه أسود وبعضه غير ذَلِكَ ، فردها إلى زمن دم الحيض وهو الأسود الثخين ، فإذا أقبل ذَلِكَ الدم تركت الصلاة ، فإذا أدبر وجاء دم غيره فإنها تغتسل وتصلي .\rوقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى من طريق محمد بن أبي عدي ، عن محمد بن عمرو عن علقمة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن فاطمة بنت أبي حبيش ، أنها كانت تستحاض ، فقالَ لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا كانَ دم الحيضة ، فإنه دم أسود يعرف ، فإذا كانَ ذَلِكَ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كانَ الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هوَ عرق )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في\r(( صحيحيهما )) والحاكم .\rوقال : صحيح على شرط مسلم .\rوقال الدارقطني : رواته كلهم ثقات .\rوقد تكلم فيهِ آخرون :\rقالَ النسائي : روى هذا الحديث غير واحد ، فلم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن عدي .\rوقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن هذا الحديث ؟ فقالَ : لم يتابع محمد ابن عمرو على هذه الرواية ، وهو منكر .\rوأيضاً ؛ فقد اختلف على ابن أبي عدي في إسناده ، فقيل : عنه كما ذكرنا . وقيل عنه في إسناده : عن عروة ، عن عائشة .\rوقيل : إن روايته عن عروة ، عن فاطمة أصح ؛ لأنها في كتابه كذلك .\rوقد اختلف في سماع عروة من فاطمة .\rوفي (( سنن أبي داود )) من رواية سهيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن أسماء بنت عميس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ في أمر فاطمة بنت أبي حبيش : (( لتجلس في مركن ، فإذا رأت صفرةً فوق الماء فلتغتسل )) .\rوفي إسناده اختلاف : وقد قيل : إن الصحيح فيهِ : عن عروة ، عن فاطمة .\rوفي بعض ألفاظه : (( فأمرها أن تقعد أيامها التي كانت تقعد ، ثم تغتسل )) .\rوالأظهر -والله اعلم - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ردها إلى العادة لا إلى التمييز ؛ لقوله : (( فإذا ذهب عنك قدرها )) ، كذا في رواية مالك ، عن هشام ، وهي التي خرجها البخاري في هذا الباب .\rوقد تأويلها بعض المالكية على أنها كانت مميزة ، لكن يزيد دم تمييزها على أكثر الحيض ، فتجلس منه قدر العادة .\rوقال بعضهم : المراد بقدرها : ذهاب دمها وانقضاؤها .","part":2,"page":98},{"id":219,"text":"وتأوله بعضهم : على أن المراد بذهاب قدرها : الاستطهار بعد مدتها بثلاثة أيام على ما يراه مالك .\rوكل هذه تأويلات بعيدةٌ ، تخالف ظاهر اللفظ .\rوفي رواية أبي أسامة ، عن هشام : (( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي )) .\rوقد خرجها البخاري فيما بعد .\rوهذه الرواية صريحة في ردها إلى العادة دون التمييز .\rوخرج مسلم من حديث عراك بن مالك ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أم حبيبة سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدم ؟ فقالَ لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي وصلي )) .\rوفي رواية : أنها شكت إليه الدم .\rوروى مالك ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أن امرأةً كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ : (( لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر [ قبل أن يصيبها الذي أصابها ، فلتترك الصلاة قدر ذَلِكَ من الشهر ] ، فإذا خلفت ذَلِكَ فلتغتسل ، ثم لتستثفر بثوب ، ثم لتصل )) .\rوخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوخرجه الإمام أحمد والنسائي -أيضاً- وابن ماجه من حديث عبيد الله بن\rعمر ، عن نافع -بنحوه .\rوخرجه أبو داود -أيضاً- من رواية الليث ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ، أن رجلاً أخبره عن أم سلمة .\rومن طريق أبي ضمرة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن سليمان ، عن رجل من الأنصار ، أن امرأة كانت تُهراق الدماء -فذكره بمعناه .\rفتبين بهذا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة .\rوروى أيوب ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ : (( إنه ليس بالحيضة ، ولكنه عرق )) ، وأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ، أو حيضها ، ثم تغتسل ،فإن غلبها الدم استثفرت بثوب وصلت .\rفهذه الرواية تشهد لما ذكرناه من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رد فاطمة إلى العادة .\rوكذلك روى المنذر بن المغيرة ، عن عروة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته : أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكت إليه الدم ؟ فقالَ لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما ذَلِكَ\rعرقٌ ، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي ، فإذا مر قرؤك فتطهري ، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ متعددة أنه أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل .\rوهذه النصوص كلها تدل على الرجوع إلى العادة المعتادة لها قبل الاستحاضة .\rوالمستحاضة لها أربعة أحوال :\rالحالة الأولى : أن تكون مميزة ، وهي التي دمها مميز ، بعضه أسود وبعضه أحمر أو أصفر .\rوالحالة الثانية : أن تكون معتادة ، وهي التي لها عادة معلومة من الشهر تعرفها .\rوالحالة الثالثة : أن تجتمع لها عادة وتمييز ، وتختلفان .","part":2,"page":99},{"id":220,"text":"والحالة الرابعة : أن لا تكون لها عادة ولا تمييز ، مثل أن يكون دمها كله لونه\rواحد ، وليس لها عادة : إما بأن تكون قد استحيضت وهي مبتدأة ، أو كانت لها عادة ونسيتها .\rوقد اختلف العلماء في حكم ذَلِكَ : فذهب الشافعي وأحمد إلى اعتبار التمييز والعادة معاً ، فإن انفرد أحدهما عملت به ، بغير خلاف عنهما .\rوإن اجتمعا واختلفا ، ففيه قولان :\rأحدهما : تقدم التمييز على العادة ، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد اختارها الخرقي .\rوالثاني : تقدم العادة على التمييز ، وهو المشهور عن أحمد ، وعليه أكثر\rأصحابه ، وهو قول إسحاق والإصطخري وابن خيران من الشافعية .\rوهو قول الأوزاعي ، حتى إنه قدم رجوعها إلى عادة نسائها على تمييز الدم .\rوذهب مالك إلى أن لا اعتبار بالعادة ، وأن العمل على التمييز وحده ، فإن لم يكن لها تمييز فإنها لا تترك الصلاة أصلاً ، بل تصلي أبداً ، ويلزمها الغسل لكل صلاة في الوقت لاحتمال انقطاع الحيضة فيهِ .\rومذهب أبي حنيفة وسفيان: أن الاعتبار بالعادة وحدها دون التمييز ، فإن لم يكن لها عادة فإنها تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي .\rوأما من لا عادة لها و لا تمييز ، فإذا كانت ناسيةً ، فذهب أبو حنيفة إلى أنها تقعد العادة ، تجلس أقل الحيض ثم تغتسل وتصلي .\rومذهب مالك : أنها تقعد التمييز أبداً ، وتغتسل ، كما تقدم .\rوللشافعي فيها ثلاث أقوال : أحدهما : أنها تجلس أقل الحيض . والثاني : تجلس غالبه : ستاً أو سبعاً . والثالث -وهو الصحيح عندَ أصحابه -كقول مالك : أنها لا تجلس شيئاً ، بل تغتسل لكل صلاة وتصلي .\rومذهب أحمد : أن الناسية لعادتها تجلس غالب عادات النساء : ستاً أو سبعاً من كل شهر ، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ، هذا هوَ المشهور عنه .\rوحكي عنه رواية : أنها تجلس أقل الحيض ، ثم تغتسل وتصلي . ورواية ثالثة : أنها تجلس عادة نسائها وأقاربها ، ثم تغتسل وتصلي .\rوأما المبتدأة إذا استحيضت ، فإذا كانت مميزة ، فإنها تُرد إلى تمييزها عندَ الشافعي وأحمد وإسحاق .\rوإن لم يكن لها تمييز ، فعن أحمد فيها أربع روايات : إحداهن : تجلس أقل\rالحيض . والثانية : أكثره . والثالثة : غالبه ، وهو ست أو سبع . والرابعة : عادة\rنسائها .\rوللشافعي قولان : أحدهما : تجلس أقله ، والثاني : غالبه .\rوقال أبو حنيفة : تجلس أكثر الحيض ، بخلاف قوله في الناسية .\rوعن مالك روايات : إحداهن : تجلس أكثر الحيض . والثانية : تجلس عادة لداتها وأقرانها . والثالثة : تجلس عادتهن وتستطهر بعدها بثلاث .\rوحكي عنه رواية أخرى : أنها لا تجلس شيئاً أصلاً .\rهذا في أول شهر ، فأما ما بعده فلا تجلس فيهِ أصلاً ، بل تغتسل وتصلي أبداً ، إذا لم يكن لها التمييز .\rوقال عطاء والأوزاعي والثوري - في المشهور عنه -: تجلس عادة نسائها\rوأقاربها ، فإن لم يكن لها أقارب جلست غالب حيض النساء : ستاً أو سبعاً .","part":2,"page":100},{"id":221,"text":"وقد ورد حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في رد المستحاضة إلى غالب حيض الحُيض : من رواية حمنة بنت جحش ، قالت : كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - استفتيه -فذكرت الحديث ، إلى أن قالت- قالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما ذَلِكَ من الشيطان ، فتحيضي ستة أيام ، أو سبعة أيام في علم الله - عز وجل -، ثم اغتسلي )) - وذكر الحديث .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه .\rوفي رواية لأبي داود : (( وكذلك فافعلي في كل شهر ، كما تحيض النساء ، وكما يطهرن )) .\rوقال الترمذي : حسن صحيح . قالَ : وسألت محمداً - يعني : البخاري -\rعنه ، فقالَ : هوَ حديث حسن ، وكذا قالَ أحمد بن حنبل : هوَ حسن صحيح -: هذا ما ذكره الترمذي .\rونقل حرب ، عن أحمد ، [ أنه ] قالَ : نذهب إليه ، ما أحسنه من حديث .\rواحتج به إسحاق وأبو عبيد ، وأخذا به .\rوضعفه أبو حاتم الرازي والدارقطني وابن منْده ، ونقل الاتفاق على تضعيفه من جهة عبد الله بن محمد بن عقيل ؛ فإنه تفرد بروايته .\rوالمعروف عن الإمام أحمد أنه ضعفه ولم يأخذ به ، وقال : ليس بشيء . وقال -مرة- : ليس عندي بذلك ، وحديث فاطمة أصح منه وأقوى إسناداً . وقال -مرة- : في نفسي منه شيء .\rولكن ذكر أبو بكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بحديث حمنة والأخذ به . والله أعلم .\rوقد اختلف الناس في حمنة : هل كانت مبتدأة ، أو كانت معتادة ناسية لعادتها ، أو معتادةً ذاكرةً لعادتها ؟\rفمنهم من قالَ : كانت مبتدأةً ، ورجحه الخطابي وطائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم ، وضعفه الإمام أحمد بأن حمنة كانت امرأةً كبيرة ، لم تكن صغيرة .\rومنهم من قالَ : كانت ناسيةً لعادتها ولا تمييز لها ، وعلى هذا حمله الإمام أحمد على رواية أخذه بالحديث ، وأصحابه الذين أخذوا به كأبي بكر الخلال وصاحبه أبي بكر ابن جعفر .\rومنهم : من حمله على أنها كانت معتادةً عالمة بالعادة ، وهو اختيار الشافعي في (( الأم )) .\rواختلف أصحابه نعلى هذا : كيف ردها إلى ست أو سبع ؟\rفمنهم من قالَ : إنما ردها إلى ما تذكره من عادتها من الست أو السبع .\rومنهم من قالَ : كانت عادتها في الشهور مختلفة ، ففي بعضها كانت تحيض\rستاً ، وفي بعضها سبعاً ، فردها إلى عادتها في ذَلِكَ .\rوقد حمل طائفة من أصحابنا حديث حمنة على مثل ذَلِكَ ، بناءً على أن المبتدأةً والناسية لا تجلسان أكثر من أقل الحيض ، ولكن المنصوص عن أحمد -وهو قول أبي بكر وغيره- : إنا لا نقول : إن الناسية تجلس أقل الحيض إلا لتضعيفنا إسناد حديث حمنة ، لا لتأويله .\rوممن رجح تأويله ابن أبي موسى في (( شرح الخرقي )) ، وقال : نحمله على أن الست كانت عادتها ، وشكت في اليوم السابع ، فردها إلى عادتها المتيقنة ، وردها في اليوم المشكوك فيهِ إلى التحري فيهِ والاجتهاد .","part":2,"page":101},{"id":222,"text":"وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( فإذا أدبرت )) ، أو (( فإذا ذهب قدرها -فاغسلي عنك الدم وصلي )) . وفي رواية أخرى : (( فاغتسلي وصلي )) ,، فإنه يجمع بين الروايتين ويؤخذ بهما في وجوب غسل الدم والاغتسال عندَ ذهاب الحيض .\rوقد جاء ذَلِكَ مصرحاً به في رواية خرجها النسائي من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن سعيد ، عن هشام ، عن أبيه ، عن فاطمة بنت قيس من [ بني ] أسد قريش ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ لها : (( اغتسلي ، واغسلي عنك الدم ، وصلي )) .\rقالَ الطبراني : فاطمة بنت قيس هذه هي بنت أبي حبيش ، واسمه : قيس . قالَ : وليست فاطمة بنت قيس الفهرية التي روت قصة طلاقها .\rوقال الدارقطني في (( علله )) . وهم الأوزاعي في قوله : (( بنت قيس )) ، إنما هي بنت أبي حبيش .\rوكذلك رواه أبو معاوية ، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لفاطمة : (( فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، ثم اغتسلي )) .\rورواه حماد بن سلمة، عن هشام، وقال فيهِ : (( فاغسلي عنك الدم ، وتطهري ، وصلي )) .\rوالغسل عندَ انقضاء حيض المستحاضة المحكوم به لا بد منه ، كما لو طهرت من الحيض .\rوقد تعلق بعض الناس بظاهر الرواية المشهورة في حديث فاطمة : (( اغسلي عنك الدم وصلي )) ، وقال : لا غُسل عليها ، إنما عليها أن تغسل الدم وتصلي .\rوقد حكى الأثرم هذا القول للإمام أحمد ،ولم يسم من قاله .فإنكره الإمام أحمد ، وقال : الغسل لا بد منه .\rوفسر سفيان الثوري قوله : (( اغسلي عنك الدم )) : أنها إذا اغتسلت عندَ فراغ حيضها المحكوم بأنه حيضها ، ثم رأت دماً ، فإنها تغسل الدم [ وتصلي ] ؛ فإنه دم استحاضة لا يمنع الصلاة ,، وإنما تغسله وتتحفظ منه فقط .\rففي حديث عائشة الأمر بغسل الدم ، وفي حديث أم سلمة الأمر بالاستثفار بثوب . والمراد به : التلجم بالثوب والتحفظ به .\rوقد اختلف العلماء : هل يجب الغسل عليها لكل صلاة ؟ على قولين ، وأكثر العلماء : على أن ذَلِكَ ليس بواجب . وربما تذكر المسألة مستوفاةً فيما بعد -إن شاء الله تعالى .\rوكذلك اختلفوا : هل يجب عليها غسل الدم والتحفظ والتلجم عندَ كل صلاة ؟ وفيه قولان ، هما روايتان عن أحمد .\rوربما يرجع هذا الاختلاف إلى الاختلاف المشهور : في أن الأمر المطلق : هل يقتضي التكرار ، أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور .\rلكن الأصح هنا : أنه لا يقتضي التكرار لكل صلاة ؛ فإن الأمر الاغتسال ، وغسل الدم إنما هوَ معلق بانقضاء الحيضة وإدبارها ، فإذا قيل : إنه يقتضي التكرار لم يقتضه إلا عندَ إدبار كل حيضة فقط .\rوقوله : (( وصلي )) أمر بالصلاة بعد إدبار الحيضة حيث نهاها عن الصلاة في وقت إقبالها ، والأمر بعد الحظر يعيد الأمر إلى ما كانَ عليهِ ، عندَ كثير من الفقهاء : وقد كانت الصلاة عليها واجبة قبل الحيض ، فكذلك بعدها .","part":2,"page":102},{"id":223,"text":"وأما على قول من يقول : لا يقتضي غير الإباحة ، فقد يقال : إن هذا الأمر اقتضى إطلاق الصلاة والإذن فيها بعد حظرها ، فصارت الصلاة مباحة بعد حظرها ، فإن كانت نافلة فهي غير محظورة ، وإن كانت مفروضة اكتفي في الاستدلال على فرضيتها بالأدلة العامة الدالة على افتراض الصلاة على كل مسلم .\rوإنما خرج من ذَلِكَ حال الحيض بمثل هذا الحديث وشبهه ، وإطلاقه - صلى الله عليه وسلم - دليل على أنها في حكم الطاهرات في جميع العبادات التي يمنع منها الحيض .\rهذا قول جمهور العلماء ، وشذ منهم من قالَ باختصاص الإذن بالصلاة خاصةً . وسنذكره فيما بعد -إن شاء الله تعالى .\rوقد زاد قوم من الرواة في حديث عائشة : الأمر بالوضوء ، منهم : حماد ابن\rزيد ، عن هشام . خرجه النسائي من طريقه ، وقال فيهِ : (( فاغسلي عنك الدم ، وتوضئي ؛ إنما ذَلِكَ عرق )) .\rقالَ النسائي : لا نعلم أحداً ذكر في هذا الحديث : (( وتوضئي )) غير حماد بن زيد .\rوقد خرج مسلم حديثه هذا ،وقال : في حديث حماد بن زيد زيادة حرفٍ ، تركنا ذكره - يعني : قوله : (( توضئي )) .\rقالَ البيهقي : هذه الرواية غير محفوظة .\rوفي رواية أخرى عن حماد بن زيد في هذا الحديث : (( فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم ، وتوضئي )) .\rفقيل لحماد : فالغسل ؟ قالَ : ومن يشك أن في ذَلِكَ غسلاً واحداً بعد الحيضة .\rوقال حماد : قالَ أيوب : أرأيت لو خرج من جيبها دمٌ ، أتغتسل ؟ !\rيشير أيوب إلى إنها : لا تغتسل لكل صلاة .\rقالَ ابن عبد البر : جود حماد بن زيد لفظه .\rيعني : بذكر الوضوء ، وهذا يدل على أنه رآه محفوظاً ، وليس كَما قالَ وقد رويت لفظة (( الوضوء )) مِن طريق حماد بنِ سلمة ، عَن هشام .\rخرجه الطحاوي مِن طريق حجاج بنِ منهال ، عَن حماد .\rورواه عفان ، عَن حماد ، ولفظة : (( فاغسلي عنك الدم ، ثُمَّ تطهري وصلي )) .\rقالَ هشام : كانَ عروة يقول : (( الغسل )) الأول ، ثُمَّ قالَ بعد : (( والطهر )) وكذلك رويت مِن طريق أبي معاوية ، عَن هشام .\rخرجه الترمذي عَن هناد ، عَنهُ .\rوقال : قالَ أبو معاوية في حديثه : وقال : (( توضئي لكل صلاة ، حتى يجيء ذَلِكَ الوقت )) .\rوالصواب : أن هَذا مِن قول عروة ، كذلك خرجه البخاري في (( كِتابِ : الوضوء )) عَن محمد بنِ سلام ، عَن أبي معاوية ، عَن هشام فذكر الحديث ، وقال في آخره : قالَ : وقال أبي : (( ثُمَّ توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت )) .\rوكذلك رواه يعقوب الدورقي ، عَن أبي معاوية ، وفي حديثه : (( فإذا أدبرت فاغسلي الدم ، ثُمَّ اغتسلي )) . قالَ هشام : قالَ أبي : (( ثُمَّ توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذَلِكَ الوقت )) .\rوخرجه إسحاق بن راهويه ، عن أبي معاوية ، وقال في حديثه : قالَ هشام : قالَ أبي : (( وتوضئي لكل صلاة حتَّى يجيء ذَلِكَ الوقت )) .\rوكذلك روى الحديث عيسى بنِ يونس ، عَن هشام ، -وقال في آخر الحديث : وقال هشام : (( تتوضأ لكل صلاة )) .","part":2,"page":103},{"id":224,"text":"وذكر الدارقطني في (( العلل )) : أن لفظة : (( توضئي لكل صلاة )) رواها\r-أيضاً - عَن هشام : أبو حنيفة وأبو حمزة السكري ومحمد بنِ عجلان ويحيى بن سليم .\rقلت : وكذلك رواه أبو عوانة ، عَن هشام ، ولفظ حديثه : (( المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ، وتغتسل غسلاً واحداً ، وتتوضأ لكل صلاة )) .\rقلت : والصواب : أن لفظة (( الوضوء )) مدرجة في الحديث مِن قول عروة .\rوكذلك روى مالك ، عَن هشام ، عَن أبيه ، أنه قالَ : (( ليسَ على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلاً واحداً ، ثُمَّ تتوضأ بعد ذَلِكَ لكل صلاة )) .\rقالَ مالك : والأمر عندنا على حديث هشام ، عَن أبيه ، وَهوَ أحب ما سمعت إلي .\rقالَ ابن عبد البر : والوضوء عليها عند مالك على الاستحباب دونَ الوجوب . قالَ وقد احتج بعض أصحابنا على سقوط الوضوء بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( فإذا ذهب قدرها فاغتسلي وصلي )) ، ولم يذكر وضوءاً .\rقالَ : وممن قالَ بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب : ربيعة ، وعكرمة ، ومالك ، وأيوب ، وطائفة .\rقالَ : وأما الأحاديث المرفوعة في الغسل لكل صلاة ، فكلها مضطربة ، لا تجب بمثلها حجة . انتهى .\rوأحاديث الأمر بالغسل لكل صلاة كلها معلولة ، وربما تأتي الإشارة إليها في موضع آخر - إن شاء الله تعالى .\rوإنما المراد هنا : أحاديث الوضوء لكل صلاة ، وقد رويت مِن وجوه متعددة ، وهي مضطربة -أيضا- ومعللة ، تقدم بعضها .\rومن أشهرها : رواية الأعمش ، عَن حبيب بنِ أبي ثابت ، عَن عروة ، عَن عائشة ، قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ، فقالت : يا رسول الله ، إني امرأة استحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قالَ : (( لا ، اجتنبي الصلاة أيام محيضك ، ثُمَّ اغتسلي وتوضئي لكل صلاة ، ثُمَّ صلي ، وإن قطر الدم على الحصير )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .\rوقال أبو داود : هوَ حديث ضعيف لا يصح ، قالَ : ليسَ بصحيح ، وَهوَ خطأ مِن الأعمش .\rوقال الدارقطني : لا يصح .\rوقد روي موقوفاً على عائشة ، وَهوَ أصح عند الأكثرين .\rورى هشيم : نا أبو بشر ، عَن عكرمة ؛ أن أم حبيبة بنت حجش استحيضت ، فأرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تنظر أيام أقرائها ، ثُمَّ تغتسل وتصلي ، فإن رأت شيئاً مِن ذَلِكَ توضأت وصلت .\rخرجه أبو داود .\rوالظاهر : أنَّهُ مرسل ، وقد يكون آخره موقوفاً على عكرمة ، مِن قولُهُ والله أعلم .\rوقد روي الأمر للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة عَن جماعة مِن الصحابة ، مِنهُم : علي ، ومعاذ ، وابن عباس ، وعائشة ، وَهوَ قول سعيد بنِ المسيب ، وعروة ، وأبي\rجعفر ، ومذهب اكثر العلماء ، كالثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد وغيرهم .\rلكن ؛ مِنهُم مِن يوجب عليها الوضوء لكل فريضة كالشافعي .\rومنهم مِن يرى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة ، وتصلي بها ما شاءت مِن فرائض ونوافل حتَّى يخرج الوقت ، وَهوَ قول أبي حنيفة ، والمشهور عَن أحمد ، وَهوَ -أيضاً- قول الأوزاعي والليث وإسحاق .","part":2,"page":104},{"id":225,"text":"وقد سبق ذكر قول مِن لَم يوجب الوضوء بالكلية لأجل دم الاستحاضة ، كمالك وغيره .\rوهكذا الاختلاف في كل مِن بهِ حدث دائم لا ينقطع ، كمن بهِ رعاف دائم أو سلس البول ، أو [ الريح ] ، ونحو ذَلِكَ .\rوعن مالك رواية بوجوب الوضوء ، كقول الجمهور .\r\r* * *","part":2,"page":105},{"id":226,"text":"9- باب\rغسل دم المحيض\rخرج فيهِ حديثين :\rأحدهما :\r307 - حديث : مالك ، عَن هشام ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء ، قالت : سألت امرأة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله ، أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم مِن الحيضة ، كيف تصنع ؟ فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أصاب ثوب إحداكن الدم مِن الحيضة فلتقرصه ، [ ثُمَّ ] لتنضحه بماء ، ثُمَّ لتصلي فيهِ )) .\rوقد تقدم تخريجه لهذا الحديث في أواخر (( كِتابِ : الوضوء )) مِن حديث يحيى القطان ، عَن هشام بمعناه ، في (( باب : غسل الدم )) ، وتقدم الكلام عليهِ هناك بما فيهِ كفاية .\rوالثاني :\r308 - حديث : ابن القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانت إحدانا تحيض ثُمَّ تقرص الدم مِن ثوبها عند طهرها وتنضح على سائره ، ثُمَّ تصلي فيهِ .\rوقد ذكرناه -أيضاً- في الباب المشار إليهِ ، وذكرنا ما فيهِ مِن الفوائد .\r\r* * *","part":2,"page":106},{"id":227,"text":"10 - باب\rاعتكاف المستحاضة\rخرج فيهِ حديث عكرمة ، عَن عائشة مِن ثلاثة طرق :\rأحدها :\rقال :\r309- نا إسحاق بنِ شاهين : نا خالد بنِ عبد الله ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف معه بعض نسائه ، وهي مستحاضة ترى الدم وربما وضعت الطست تحتها مِن الدم . وزعم أن عائشة رأت ماء العصفر ، فقالت ؟: كأن هَذا شيء كانت فلانة تجده .\rخالد بنِ عبد الله ، هوَ : الطحان الواسطي . وشيخه : خالد ، هوَ :الحذاء .\rوالثاني :\rقالَ :\r310- ثنا قتيبة : نا يزيد بنِ زريع ، عَن خالد -يعني : الحذّاء- ، عَن عكرمة ، عَن عائشة ، قالت : اعتكف معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة مِن أزواجه ، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها ، وهي تصلي .\rوالثالث :\rقالَ :\r311- نا مسدد : نا معتمر ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، عَن عائشة ، أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة .\rوهذه الروية ليسَ فيها تصريح برفعه ، فإنه ليسَ فيها أن ذَلِكَ كانَ في زمن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، ولا أنَّهُ كانَ معها .\rوفي إسناده اختلاف أيضاً ؛ فإن عبد الوهاب الثقفي [ رواه ] ، عَن خالد ، عَن عكرمة ، أن عائشة قالت .\r[ وهذه ] الرواية تشعر بأنَّهُ لَم يسمعه منها .\rوروي عَن معتمر ، عَن خالد ، عَن عكرمة عَن ابن عباس ، وهو وهم -: قاله الدارقطني .\rوهذا الحديث : يدل على أن المستحاضة مِن أهل العبادات كالطاهرة ، فكما أنها تصلي فإنها تصوم ، وتعتكف ، وتجلس في المسجد ، وتقرأ القرآن ، وتمس المصحف ، وتطوف بالبيت ؛ فإن اعتكاف النبي - صلى الله عليه وسلم - غالبه كانَ في شهر رمضان ، فلو كانت المستحاضة كالحائض لا تصوم لَم تعتكف ، لا سيما على رأي مِن يقول : إن الاعتكاف لا يصح بغير صوم ، وقد حكى إسحاق بن راهويه إجماع المسلمين على ذَلِكَ .\rوروى عبد الرزاق ، عَن ابن جريج ، عَن الثوري ، عَن جابر ، عَن أبي جعفر ، قالَ : جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : إني استحضت في غير قرئي ؟ قالَ : (( فاحتشي كرسفاً ، وصومي ، وصلي ، واقضي ما عليك )) .\rوهذا مرسل .\rوفيه خلاف شاذ :\rروى عبد الرزاق ، عَن الثوري ، عَن منصور ، عَن إبراهيم ، قالَ : المستحاضة لا تصوم ، ولا يأتيها زوجها ، ولا تمس المصحف .\rوعن معمر ، عَن أيوب ، قالَ : سئل سليمان بنِ يسار : أيصيب المستحاضة\rزوجها ؟ قالَ : إنما سمعنا بالرخصة لها في الصلاة .\rونقل صالح بنِ أحمد ، عَن أبيه في المستحاضة : لا تطوف بالبيت ، إلا أن تطول بها الاستحاضة .\rقالَ أبو حفص العكبري : لعلها غلط مِن الراوي ، فإن الصحيح عَن أحمد أن المستحاضة بمنزلة الطاهرة تطوف بالبيت .\rقالَ في رواية الميموني : المستحاضة أحكامها أحكام الطاهرة في عدتها وصلاتها وحجها وجميع أمرها .\rونقل عَنهُ ابن منصور : تطوف بالبيت .","part":2,"page":107},{"id":228,"text":"وأما ما وقع في رواية صالح : أنها لا تطوف إلا أن يطول بها . فلعله اشتبه على الراوي الطواف بالوطء ؛ فإن ابن منصور نقل عَن أحمد ذَلِكَ في الوطء ، وصالح وابن منصور متفقان في نقل المسائل عَن أحمد في الغالب .\rولكن قَد روي عَن ابن عمر ما يشعر بمنع المستحاضة مِن الطواف ، فروى عبد الرزاق ، عَن معمر ، عَن واصل مولى ابن عيينة . عَن رجل سأل ابن عمر عَن امرأة تطاول بها الدم ، فأرادت تنفر ، وأرادت تشرب دواء ليقطع عنها الدم ؟ قالَ : لا بأس\rبهِ . ونعت ابن عمر لها ماء الأراك .\rوقال ابن جريج ، عَن عطاء : أنَّهُ لَم ير بهِ بأساً .\rقالَ معمر : وسمعت [ ابن ] أبي نجيح يسأل عَن ذَلِكَ ، فلم ير بهِ بأساً .\rفظاهر هَذا : أن المستحاضة معَ تطاول الدم بها لا تطوف حتى ينقطع عنها الدم ، معَ أنَّهُ يُمكن حمله على تطاول دم الحيض ومجاوزته للعادة ، أو على أن الأولى للمستحاضة أن لا تطوف حتى ينقطع دمها . وجمهور العلماء على جواز ذَلِكَ .\rوقد خرجه عبد الرزاق في موضع آخر مِن (( كتابه )) ، وقال فيهِ : إن ابن عمر سئل عَن امرأة تطاول بها دم الحيضة .\rوممن رخص للمستحاضة في الطواف بالبيت : ابن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وسعيد بنِ المسيب ، وعطاء ، وسعيد بنِ جبير وغيرهم .\rقالَ سعيد بنِ المسيب : تقضي المناسك كلها .\rوَهوَ قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وجمهور العلماء .\rوفي حديث عائشة في اعتكاف المستحاضة : ما يدل على أن دم الاستحاضة يتميز عَن دم الحيض بلونه وصفرته ، وقد يتعلق بذلك مِن يقول باعتبار التمييز ، كَما تقدم .\r\r* * *","part":2,"page":108},{"id":229,"text":"11- باب\rهل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟\r312- حدثنا أبو نعيم : نا إبراهيم بن نافع ، عَن ابن أبي نجيح ، عَن مجاهد ، قالَ : قالت عائشة : ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ ، فإذا أصابه شيء مِن الدم قالت بريقها ، فمصعته بظفرها .\rوقد خرجه أبو داود ، عَن محمد بنِ كثير : نا إبراهيم -يعني : ابن نافع- ، قالَ : سمعت الحسن يذكر عَن مجاهد ، قالَ : قالت عائشة : ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد فيهِ\rتحيض ، فإن أصابه شيء مِن دم بلته بريقها ، ثُمَّ قصعته بريقها .\rفخالف في إسناده : حيث جعل : (( الحسن )) -وَهوَ : ابن مسلم- بدل : (( ابن أبي نجيح )) ، وفي متنه : حيث قالَ : (( قصعته )) بالقاف .\rوكذا خرجه الإسماعيلي مِن حديث أبي حذيفة ، عن إبراهيم ، إلا أنَّهُ قالَ :\r(( قصعته بظفرها )) .\rوكأنه يشير إلى أن هَذهِ الرواية أصح مِن رواية البخاري .\rقالَ الخطابي : مصعته بظرفها ، أي : بالغت في حكه . وأصل المصع : الضرب الشديد .\rقالَ : وروي (( قصعته )) أي : دلكته بالظفر ، وعالجته بهِ ، ومنه قصع القملة .\rوقد سبق الحديث الذِي خرجه البخاري مِن رواية عمرو بنِ الحارث ، عَن\rعبد الرحمن بنِ القاسم .، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانت إحدانا تحيض ، ثُمَّ تقرص الدم مِن ثوبها عند طهرها ، فتغسله ، وتنضح على سائره ، ثُمَّ تصلي فيهِ .\rولكن ؛ هَذا فيهِ غسل الدم .\rورواه الأوزاعي ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، أنها أفتت بذلك ، ولم يذكر حكاية فعلها مِن قبل .\rوخرج أبو داود مِن رواية ابن عيينة ، عَن ابن أبي نجيح ، [ عَن عطاء ] ، عَن\rعائشة ، قالت : قَد كانَ يكون لإحدانا الدرع ، فيهِ تحيض ، وفيه تصيبها الجنابة ، ثُمَّ ترى فيهِ قطرة مِن دم فتقصعه بريقها .\rفهذا -أيضاً- فيهِ ذكر القصع بالريق كحديث مجاهد ، عَن عائشة ، ولكن فيهِ أن ذَلِكَ كانت تفعله بالقطرة مِن الدم ، فيحمل ذَلِكَ على أنها كانت ترى ذَلِكَ يسيراً فيعفى عَن أثره ، ويحتمل أنها كانت ترى الريق مطهراً ، فيكون فيهِ دلالة على طهارة النجاسة بغير الماء .\rوروى محمد بنِ سعد في (( طبقاته )) : أنا الواقدي : ثنا ابن أبي ذئب ، عَن صفية بنت زياد ، قالت : رأتني ميمونة وأنا أغسل ثوبي مِن الحيضة ، فقالت : ما كنا نفعل\rهَذا ، إنما كنا نحته حتاً .\rالواقدي ، ضعيف .\rويحمل [ على ] أنَّهُ كانَ دماً يسيراً .\rوروى أبو نعيم الفضل بنِ دكين في (( كِتابِ الصلاة )) : نا حبيب بنِ أبي\r[ . . . ] ، قالَ : حدثتني أختي ، عَن أم جرير ، أنها كانت في نسوة عند عائشة ، فقالت إحداهن : [ يا ] أم المؤمنين ، المرأة تحيض في الثوب ثُمَّ تطهر ، أتصلي فيهِ ؟ قالت : إن رأت دماً فلتغسلهُ ، وإن [ لَم ] تر دماً فلتنضحه سبع مرات بالماء ، ثُمَّ لتصلي فيهِ .\rإسناد مجهول .","part":2,"page":109},{"id":230,"text":"وخرج أبو داود بإسناد فيهِ جهالة - أيضاً- ، عَن عائشة ، أنها قالت -في الحائض يصيب ثوبها الدم : تغسله ، فإن لَم يذهب أثره فلتغيره بشيء مِن صفرة . قالت : ولقد كنت أحيض عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حيض جميعاً ، لا أغسل لي ثوباً .\rوبإسنادٍ فيهِ جهالة - أيضاً- عَن أم سلمة ، قالت : قَد كانَ يصيبنا الحيض عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتلبث إحدانا أيام حيضها ، ثُمَّ تطهر ، فتطهر الثوب الذِي كانت تلبث فيهِ ، فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيهِ ، وإن لَم يكن أصابه شيء تركناه ، ولم يمنعنا ذَلِكَ أن نصلي فيهِ .\rوخرج الطبراني مِن حديث أم سلمة ، قالت : كانت إحدانا تحيض في الثوب ، فإذا كانَ يوم طهرها غسلت ما أصابه ، ثُمَّ صلت فيهِ ، وإن إحداكن اليوم تفرغ خادمها ليغسل ثيابها يوم طهرها .\rوفي إسناده : المنهال بنِ خليفة ، ضعفوه .\rوخرجه وكيع عَنهُ في (( كتابه )) .\rوروى وكيع - أيضاً- عَن سفيان ، عَن أبي هاشم ، عَن سعيد بنِ جبير ، قالَ : إن كانَ بعض أمهات المؤمنين لتقرص الدم مِن ثوبها بريقها .\rوعن أبي العوام الباهلي ، عَن عطاء ، قالَ : لقد كانت المرأة وما لها إلا الثوب الواحد ، فيهِ تحيض ، وفيه تصلي .\rوعن الفضل بنِ دلهم ، قالَ : سألت الحسن عَن المرأة تحيض في الثوب فتعرق فيهِ ؟ قالَ : لا بأس ، إلا أن ترى دماً تغسله .\rفأما ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود مِن حديث ابن لهيعة ، عَن يزيد بنِ أبي حبيب ، عَن عيسى بنِ طلحة ، عَن أبي هريرة ، أن خولة بنت يسار أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله ، ليسَ لي إلا ثوب واحد ، وأنا أحيض فيهِ ، فكيف أصنع ؟ قالَ : (( إذا طهرت فاغسليه ، ثُمَّ صلي فيهِ )) . فقالت : فإن لَم يخرج الدم ؟ قالَ : (( يكفيك الماء ، ولا يضرك أثره )) .\rفابن لهيعة ، ولا يحتج برواياته في مخالفة روايات الثقات .\rوقد اضطرب في إسناده : فرواه : تارة كذلك . وتارة رواه : عَن عبيد الله ابن أبي جعفر ، عَن موسى بنِ طلحة ، عَن أبي هريرة .\rوخرجه الإمام أحمد مِن هَذا الوجه -أيضاً .\rوهذا يدل على أنَّهُ لَم يحفظه .\rوقد يحمل على أنَّهُ أمرها بغسل دم الحيض منهُ .\rوقد حكى بعض أصحابنا في كراهة الصلاة في ثوب الحائض والمرضع روايتين عَن أحمد .\rوقد روي عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي في [ لحف ] نسائه .\rوخرجه النسائي والترمذي وصححه .\rوخرجه أبو داود ، وعنده : لا يصلي في شعرنا أو لحفنا -بالشك .\rوفي رواية للإمام أحمد : لا يصلي في شعرنا -مِن غير شك .\rو (( الشعار )) : هوَ الثوب الذِي يلبس على الجسد .\rوقد أنكره الإمام أحمد إنكاراً شديداً .\rوفي إسناده اختلاف على ابن سيرين .\rوقد روي عَنهُ ، أنَّهُ قالَ : سمعته منذ زمان ، ولا أدري ممن سمعته ، ولا أدري أسمعه مِن ثبت أو لا ؟ فاسألوا عَنهُ .\rذكره أبو داود في (( سننه )) ، والبخاري في (( تاريخه )) .","part":2,"page":110},{"id":231,"text":"وقال أبو بكر الأثرم : أحاديث الرخصة أكثر وأشهر . قالَ : ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصَّلاة فيها على النساء .\rوهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف ، إنما الخلاف في الرجال .\rوالأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة :\rففي (( صحيح مسلم )) ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي مِن الليل وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض ، على مرط ، وعليه بعضه .\rوخرج النسائي ، عَن عائشة ، قالت : كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ نبيت ] في الشعار الواحد ، وأنا حائض طامث ، فإن أصابه مني شيء غسلت ما أصابه ، لَم يعده إلى غيره ، ثُمَّ صلى فيهِ .\rوخرج أبو داود وابن ماجه ، عَن ميمونة ، قالت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلي وعليه مرط ، وعلى بعض أزواجه منهُ ، وهي حائض ، وَهوَ يصلي ،وَهوَ عليهِ .\rوخرج الإمام أحمد مِن حديث حذيفة ، قالَ : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وعليه طرف لحاف ، وعلى عائشة طرفه ، وهي حائض لا تصلي .\rقالَ أبو عبيد في (( غريبة )) : الناس على هَذا -يعني : على عدم كراهته .\rواعلم ؛ أن الصَّلاة في ثوب الحائض ليست كراهته مِن أجل عرقها ؛ [ فإن ] عرق الحائض طاهر ، نص عليهِ أحمد وغيره مِن الأئمة ، ولا يعرف فيهِ [ خلاف ] -: قاله أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما ، حتى قالَ حماد : إنما يغسل الثوب مِن عرق الحائض المجوس .\rوروى محمد بنِ عبد الله الأنصاري ، عَن هشام بنِ حسان ، عَن حفصة بنت\rسيرين ، قالت : سألت امرأة عائشة ، قالت : يكون علي الثوب أعرق فيهِ أيام تحيضي ، أصلي فيهِ ؟ قالت : نعم . قالت : وربما أصابه مِن دم المحيض ؟ قالت : فاغسليه . قالت : فإن لَم يذهب أثره ؟ قالت : فلطخيه بشيء مِن زعفران .\rوإنما كره مِن كره ذَلِكَ لاحتمال أن يكون أصابه شيء مِن دم الحيض لَم يطهر -: كذا قاله أبو عبيد وغيره .\rوالصواب : أنَّهُ لا تكره الصلاة فيهِ ، وأنه يغسل ما رئي فيهِ مِن الدم وينضح ، ما لَم ير فيهِ شيء ، ثُمَّ تصلي فيهِ ، كَما دلت عليهِ هَذهِ السنن والآثار .\rقالَ سفيان الثوري : الحائض لا تغسل ثوبها الذي حاضت فيهِ ، إلا أن ترى دماً فتغسله .\rوأما نضح ما لَم تر فيهِ دماً ,، فَهوَ مبني على أن النضح تطهير لما شك في نجاسته ، وهذا قول مالك وجماعة مِن أهل العلم ، وفيه خلاف سبق ذكره مستوفى في (( أبواب الوضوء )) .\r* * *","part":2,"page":111},{"id":232,"text":"12- باب\rالطيب للمرأة عند غسلها مِن المحيض\r313 - حدثنا عبد الله بنِ عبد الوهاب : نا حماد بنِ زيد ، عَن أيوب ، عَن حفصة بنت سيرين ، عَن أم عطية ، قالت : كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ، ولا نكتحل ، ولا نتطيب ، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً ، إلا ثوب عصب . وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا مِن محيضها في نبذة مِن كست أظفار . وكنا ننهى عَن اتباع الجنائز .\rوروى هشام بنِ حسان ، عَن حفصة ، عَن أم عطية ، عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rحديث أم عطية ، قَد أسنده البخاري في هَذا الباب وغيره مِن حديث أيوب ، عَن حفصة ، عَن أم عطية .\rولفظ أيوب : (( كنا ننهى ، ورخص لنا )) .\rوالصحابي إذا قالَ : (( أُمرنا )) أو (( نُهينا )) ، فإنه يكون في حكم المرفوع عند الأكثرين .\rوأما رواية هشام بنِ حسان ، عَن حفصة ، عَن أم عطية ، التي صرح فيها بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث وذكر الحديث بتمامه ، وفيه ذكر الطيب عند طهرها ، فذكرها البخاري هاهنا تعليقاً ، وعلقها - أيضاً- في موضع آخر مِن (( كتابه )) ، فقالَ : (( وقال الأنصاري : ثنا هشام )) -فذكره .\rوأسندها مسلم في (( صحيحه )) ، ولفظه : (( ولا تمس طيباً ، إلا إذا طهرت نبذة مِن قسط أو أظفار )) .\rولكن أسند البخاري حديث هشام في (( كتابه )) هَذا - أيضاً-، بدون هَذهِ الزيادة.\rقالَ الخطابي : النبذة ، القطعة اليسيرة ، والكست : القسط -والقاف تبدل بالكاف- يريد : أنها تتطهر بذلك وتتطيب بهِ . انتهى.\rوالقسط والأظفار : نوعان مِن الطيب معروفان .\rوفي رواية مسلم : (( ظفار )) .\rوفي رواية البخاري : (( كست أظفاره )) .\rوقيل : إن صوابه : (( كسط ظفار )) .\rو(( ظفار )) مبني على الكسر على وزن : حذام -: ساحل مِن سواحل عدن\rباليمن .\r\r* * *","part":2,"page":112},{"id":233,"text":"13- باب\rدلك المرأة نفسها إذا تطهرت مِن المحيض\rوكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم ؟\r314 - حدثنا يحيى : ثنا ابن عيينة : عَن منصور بن صفية ، عَن أمه ، عَن عائشة ، أن امرأة سألت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - عَن غسلها مِن المحيض ، فأمرها كيف تغتسل ، قالَ : (( خذي فرصة مِن مسك فتطهري بها )) . قالت : كيف أتطهر بها ؟ قالَ : (( تطهري بها )) . قالت : كيف ؟ قالَ : (( سبحان الله ، تطهري )) ، فاجتذبها إلي ، فقلت : تتبعي بها أثر الدم .\r\r* * *","part":2,"page":113},{"id":234,"text":"14-باب\rغسل المحيض\r315 - حدثنا مسلم : ثنا وهيب : ثنا منصور ، عَن أمه ، عَن عائشة ، أن امرأة مِن الأنصار قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف أغتسل مِن المحيض ؟ قالَ : (( خذي فرصة ممسكة وتوضئي )) - ثلاثاً- ، ثُمَّ إن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - استحيا وأعرض بوجهه - أو قالَ : (( توضئي\rبها )) ، فأخذتها فجذبتها ، فأخبرتها بما يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rبوب البخاري في هذين البابين على ثلاثة أشياء :\rأحدها : دلك المرأة نفسها ، عند غسل المحيض .\rوالثاني : أخذها الفرصة الممسكة .\rوالثالث : صفة غسل المحيض .\rوخرج في الباب حديث منصور بنِ صفية بنت شيبة ، عَن أمه ، [ وليس ] في حديثه سوى ذكر الفرصة الممسكة . ولكنه أشار إلى أن [ الحكمين ] الآخرين قَد رويا في حديث صفية ، عَن عائشة مِن وجه [ آخر ] ، لكن ليسَ هوَ على شرطه ، فخرج الحديث الأول بالإسناد الذي على شرطه ، ونبه بذلك على الباقي .\rوهذا الذِي لَم يخرجه ، قَد خرجه مسلم في (( صحيحه )) مِن حديث شعبة ، عَن إبراهيم بنِ المهاجر ، قالَ : سمعت صفية تحدث عَن عائشة ، أن أسماء سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عَن غسل المحيض . قالَ : (( تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور ، ثُمَّ تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً ، حتَّى تبلغ شئون رأسها ، ثُمَّ تصب عليهِ الماء ، ثُمَّ تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها )) قالت أسماء : وكيف أتطهر بها ؟ فقالَ :\r(( سبحان الله ، تطهري بها )) . فقالت عائشة - كأنها تخفي ذَلِكَ- : تتبعين بها أثر\rالدم . وسألته عَن غسل الجنابة . فقالَ : (( تأخذ ماءً فتطهر بهِ ، فتحسن الطهور - أو تبلغ الطهور - ، ثُمَّ تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها ، ثُمَّ تفيض عليهِ الماء )) . فقالت عائشة : نعم النساء نساء الأنصار ، لَم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدِّين .\rوفي رواية لَهُ -أيضاً - : قالَ : (( سبحان الله ، تطهري بها )) ، واستتر .\rوخرجه مسلم -أيضاً- من طريق أبي الأحوص ، عَن إبراهيم بنِ مهاجر ، وفي حديثه : قالَ : دخلت أسماء بنت شكل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره ، ولم يذكر فيهِ غسل الجنابة .\rوخرجه أبو داود . مِن طريق أبي الأحوص ، ولفظه : (( تأخذ ماءها وسدرتها فتوضأ ، وتغسل رأسها وتدلكه )) - وذكر الحديث ، و زاد فيهِ : (( الوضوء )) .\rورواه أبو داود الطيالسي ، عَن قيس بنِ الربيع ، عَن إبراهيم بنِ المهاجر ، عَن\rصفية ، عَن عائشة ، قالت : أتت فلانة بنت فلان الأنصارية ، فقالت : يا رسول الله ، كيف الغسل مِن الجنابة ، فقالَ : (( تبدأ إحداكن فتوضأ ، فتبدأ بشق رأسها الأيمن ، ثُمَّ الأيسر حتى تنقي شئون رأسها )) . ثُمَّ قالَ : (( أتدرون ما شئون الرأس ؟ )) قالت : البشرة . قالَ : (( صدقت ، ثُمَّ تفيض على بقية جسدها )) .","part":2,"page":114},{"id":235,"text":"قالت : يا رسول الله ، فكيف الغسل مِن المحيض ؟ قالَ : (( تأخذ إحداكن سدرتها وماءها ، فتطهر فتحسن الطهور ، ثُمَّ تبدأ بشق رأسها الأيمن ، ثُمَّ الأيسر حتى تنقي شئون رأسها ، ثُمَّ تفيض على سائر جسدها ، ثُمَّ تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها )) . قالت : يا رسول الله ، كيف أتطهر بها ؟ فقلت : سبحان الله ، تتبعي بها آثار الدم .\rوإبراهيم بن المهاجر ، لَم يخرج لَهُ البخاري .\rو(( الفرصة )) - بكسر الفاء ، وسكون الراء ، وبالصاد المهملة - ، وهي القطعة .\rقالَ أبو عبيد : هي القطعة من الصوف أو القطن أو غيره ، مأخوذ مِن فرصت الشيء : أي قطعته .\rو(( المسك )) : هوَ الطيب المعروف .\rهَذا هوَ الصحيح الذِي عليهِ الجمهور ، والمراد : أن هَذهِ القطعة يكون فيها شيء مِن مسك ، كَما في الرواية الثانية : (( فرصة ممسكة )) .\rوزعم ابن قتيبة والخطابي أن الرواية : (( مسك )) بفتح الميم ، والمراد بهِ : الجلد الذِي عليهِ صوف ، وأنه أمرها أن تدلك بهِ مواضع الدم .\rولعل البخاري ذهب إلى مثل ذَلِكَ ، ولذلك بوب عليهِ : (( دلك المرأة نفسها إذا تطهرت مِن المحيض )) ، ويعضد ذَلِكَ : أنَّهُ في (( كِتابِ الزينة والترجل )) قالَ : (( باب : ما يذكر في المسك )) ، ولم يذكر فيه إلا حديث : (( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله مِن ريح المسك )) . ولذلك - والله أعلم - لَم يخرج البخاري هَذا الحديث في\r(( باب : الطيب للمرأة عند غسل الحيض )) .\rوالصحيح الذِي عليهِ جمهور الأئمة العلماء بالحديث والفقه : أن غسل المحيض يستحب فيهِ استعمال المسك ، بخلاف غسل الجنابة ، والنفاس كالحيض في ذلك ، وقد نص على ذَلِكَ الشَافِعي وأحمد ، وهما أعلم بالسنة واللغة وبألفاظ الحديث ورواياته مِن مثل ابن قتيبة والخطابي ومن حذا حذوهما ممن يفسر اللفظ بمحتملات اللغة البعيدة .\rومعلوم أن ذكر المسك في غسل الجنابة لَم يرو في غير هَذا الحديث ، فعلم أنهم فسروا فيهِ بالطيب .\rوزعم الخطابي : أن قولُهُ : (( خذي فرصة مِن مسك )) : يدل على أن الفرصة نفسها هي المسك . قالَ : وهذا إنما يصح إذا كانت مِن جلد ، أمَّا لو كانت قطعة مِن صوف أو قطن لَم تكن مِن مسك .\rوهذا ليسَ بشيء ؛ فإن المراد خذي نبذة يسيرة مِن مسك ، سواء كانت منفردة أو في شيء ، كَما في الرواية الثانية : (( خذي فرصة ممسكة )) .\rقالَ الإمام أحمد في رواية حنبل : يستحب للمرأة إذا هي خرجت مِن حيضها أن تمسك معَ القطنة شيئاً مِن المسك ، ليقطع عنها رائحة الدم وزفرته ، تتبع بهِ مجاري\rالدم .\rونقل عَنهُ -أيضاً- قالَ : يستحب للمرأة إذا طهرت مِن الحيض أن تمس طيباً ، وتمسكه معَ القطنة ، ليقطع عنها رائحة الدم وزفورته ؛ لأن دم الحيض دم لَهُ رائحة .\rوقال جعفر بن محمد : سألت أحمد عَن غسل الحائض ، فذهب إلى حديث إبراهيم بن المهاجر ، عَن صفية بنت شيبة ، وقال : تدلك شئون رأسها .","part":2,"page":115},{"id":236,"text":"وقال يعقوب بنِ بختان : سألت أحمد عَن النفساء والحائض ، كم مرة يغتسلان ؟ قالَ : كَما تغسل الميتة . قالَ : و سألته عَن الحائض متى توضأ ؟ قالَ : إن شاءت توضأت إذا بدأت واغتسلت ، وإن شاءت اغتسلت ثُمَّ توضأت .\rوظاهر هَذا : أنها مخيرة بين تقديم الوضوء وتأخيره ؛ فإنه لَم يرد في السنة تقديمه كَما في غسل الجنابة ، وإنما ورد في حديث أبي الأحوص ، عَن إبراهيم ابن المهاجر : (( توضأ وتغسل رأسها وتدلكه )) - بالواو ، وهي لا تقتضي ترتيباً .\rفتحصل مِن هَذا : أن غسل الحيض والنفاس يفارق غسل الجنابة مِن وجوه :\rأحدها : أن الوضوء في غسل الحيض لا فرق بين تقديمه وتأخيره ، وغسل الجنابة السنة تقديم الوضوء فيهِ على الغسل .\rوالثاني : أن غسل الحيض يستحب أن يكون بماء وسدر ، ويتأكد استعمال السدر فيهِ ، بخلاف غسل الجنابة ؛ لحديث إبراهيم بن المهاجر .\rقالَ الميموني : قرأت على ابن حنبل : أيجزئ الحائض الغسل بالماء ؟ فأملى عليّ : إذا لم تجد إلاّ وحده اغتسلت به ، قالَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( ماءك وسدرتك )) ، وهو أكثر من غسل الجنابة . قلت : فإن كانت قد اغتسلت بالماء ، ثُمَّ وجدته ؟ قالَ : أحب إلي أن تعود ؛ لما قالَ .\rالثالث : أن غسل الحيض يستحب تكراره كغسل الميتة ، بخلاف غسل الجنابة ، وهذا ظاهر كلام أحمد ، ولا فرق في غسل الجنابة بين المرأة والرجل ، نص عليهِ أحمد في رواية مهنا .\rوالرابع : أن غسل الحيض يستحب أن يستعمل فيهِ شيء من الطيب ، وفي خرقة أو قطنة أو نحوهما ، يتبع به مجاري الدم .\rوقد علل أحمد ذَلِكَ بأنه يقطع زفورة الدم ، وهذا هوَ المأخذ الصحيح عندَ أصحاب الشافعي -أيضاً - .\rوشذ الماوردي ، فحكى في ذَلِكَ وجهين :\rأحدهما : أن المقصود بالطيب تطييب المحل ، ليكمل استمتاع الزوج بإثارة الشهوة ، وكمال اللذة .\rوالثاني : لكونه أسرع إلى علوق الولد .\rقال : فإن فقدت المسك - وقلنا بالأول- أتت بما يقوم مقامه في دفع الرائحة ، وإن قلنا بالثاني فما يسرع إلى العلوق كالقسط والأظفار ونحوهما .\rقالَ : واختلف الأصحاب في وقت استعماله ، فمن قالَ بالأول ، قالَ : بعد\rالغسل ، ومن قالَ بالثاني ، فَقَبْله .\rقالَ صاحب (( شرح المهذب )) : وهذا الوجه الثاني ليس بشيء ، وما يفرع عليهِ -أيضاً- ليس بشيء ، وهو خلاف ما عليهِ الجمهور ، والصواب : أن المقصود به تطييب المحل ، وأنها تستعمله بعد الغسل .\rثُمَّ ذكر حديث عائشة ، أن أسماء بنت شكل سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عَن غسل المحيض ، فقالَ : (( تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها ، فتظهر فتحسن الطهور ، ثُمَّ تصب على رأسها فتدلكه ، ثُمَّ تصب عليها الماء ، ثُمَّ تأخذ فرصة ممسكة فتظهر بها )) .\rخرجه مسلم .\rقالَ : وقد نصوا على استحبابه للزوجة وغيرها ، والبكر والثيب . والله أعلم .\rقالَ : واستعمال الطيب سنة متأكدة ، يكره تركه بلا عذر . انتهى .","part":2,"page":116},{"id":237,"text":"وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( خذي فرصة ممسكة فتطهري بها )) ، وفي رواية : (( توضئي\rبها )) يدل على أن المراد بهِ التنظيف والتطييب والتطهير ، وكذلك سماه : تطهيراً ، وتوضؤا ، والمراد : الوضوء اللغوي ، الذي هوَ النظافة .\rوقول عائشة : (( تتبعي بها مجاري الدم )) إشارة إلى إدخاله الفرج .\rواستحب بعض الشافعية استعمال الطيب في كل ما أصابه دم الحيض مِن [ الجسد ] -أيضاً-؛ لأن المقصود قطع رائحة الدم حيث كانَ.\rونص أحمد على أنَّهُ [ لا يجب ] غسل باطن الفرج مِن حيض ، و لا جنابة ، ولا استنجاء .\rقالَ جعفر بنِ محمد : قلت لأحمد : إذا اغتسلت مِن المحيض تدخل يدها ؟ قالَ : لا ، إلا ما ظهر ، [ ولم ] ير عليها أن تدخل أُصبعها ولا يدها في فرجها ، في غسل ولا وضوء .\rولأصحابنا وجه : بوجوب ذَلِكَ في الغسل والاستنجاء ، ومنهم مِن قالَ : إن كانت [ ثيباً ] وخرج البول بحدة ولم يسترسل لَم يجب سوى الاستنجاء في موضع خروج\rالبول ، وإن استرسل فدخل منهُ شيء الفرج وجب غسله .\rومذهب الشَافِعي : أن الثيب يجب [ عليها ] إيصال الماء إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة ؛ لأنه صار حكم الظاهر ، نص على ذَلِكَ الشَافِعي ، وشبهه بما بين الأصابع ، وعليه جمهور أصحابه ، وما وراء ذَلِكَ على ذَلِكَ فَهوَ عندهم في حكم الباطن على الصحيح .\rولهم وجه آخر : أنَّهُ يجب عليها إيصال الماء إلى داخل فرجها ، بناء على القول بنجاسته .\rووجه آخر : أنَّهُ يجب في غسل الحيض والنفاس ؛ لإزالة النجاسة ، ولا يجب في الجنابة .\rومنهم مِن قالَ : لا يجب إيصاله إلى شيء مِن داخل الفرج بالكلية ، كَما لا يجب إيصاله إلى داخل الفم عندهم .\rوالخامس : أن غسل الحيض تنقض فيهِ شعرها إذا كانَ مضفوراً ، بخلاف غسل الجنابة عند أحمد ، وهوَ قول طاوس والحسن .\rوسيأتي ذكر ذَلِكَ مستوفي - إن شاء الله تعالى .\r\r* * *","part":2,"page":117},{"id":238,"text":"15-باب\rامتشاط المرأة عند غسلها مِن المحيض\rخرج فيهِ :\r316- حديث : الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة ، قالت : أهللت معَ\rرسول الله- صلى الله عليه وسلم -?[ بعمرة ] في حجة الوداع ، فكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي . فزعمت أنها حاضت ولم تطهر حتى دخلت ليلة عرفة ، فقالت : يا رسول الله ، هَذهِ ليلة يوم عرفة ، وإنما كنت تمتعت بعمرة ؟ فقالَ لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك )) . ففعلت ، فلما قضيت الحج أمر عبد الرحمن ليلة الحصبة ، فأعمرني مِن التنعيم مكان عمرتي التي نسكت .\r\r* * *","part":2,"page":118},{"id":239,"text":"16-باب\rنقض المرأة شعرها عند غسل المحيض\rخرج فيهِ :\r317- حديث : هشام ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : خرجنا موافين لهلال ذي الحجة -فذكرت الحديث .\rوفيه :\rوكنت أنا ممن أهل بعمرة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت إلى النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ : (( دعي عمرتك ، وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهل بحج )) ففعلت - وذكرت بقية الحديث .\r[ هَذا الحديث ] قَد استنبط البخاري - رحمه الله - منهُ حكمين ، عقد لهما بابين :\rأحدهما : امتشاط المرأة عند غسلها مِن المحيض .\rوالثاني : نقضها شعرها عند غسلها مِن المحيض .\rوهذا الحديث لا دلالة فيهِ على واحد مِن الأمرين ؛ فإن غسل عائشة الذِي أمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بهِ لَم يكن مِن الحيض ، بل كانت مِن حائضاً ، وحيضها حينئذ موجود ، فإنه لو كانَ قَد انقطع حيضها لطافت للعمرة ، ولم تحتج إلى هَذا السؤال ، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج ، فَهوَ غسل للإحرام في حال الحيض ، كَما أمر أسماء بت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل .\rوقد ذكر ابن ماجه في (( كتابه )) : (( باب : الحائض كيف تغتسل )) ، ثُمَّ قالَ : حدثنا أبو بكر بنِ أبي شيبة وعلي بنِ محمد ، قالا : ثنا وكيع ، عَن هشام ابن عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لها - وكانت حائضاً - : (( انقضي شعرك\rواغتسلي )) .\rقالَ علي في حديثه : (( انقضي رأسك )) .\rوهذا -أيضاً- يوهم أنَّهُ قالَ لها ذَلِكَ في غسلها مِن الحيض ، وهذا مختصر مِن حديث عائشة الذِي خرجه البخاري .\rوقد ذكر هَذا الحديث المختصر للإمام أحمد ، عن وكيع ، فأنكره . قيل لَهُ : كأنه اختصره مِن حديث الحج ؟ قالَ : ويحل لَهُ أن يختصر ؟ ! - : نقله عَنهُ المروذي .\rونقل عَنهُ إسحاق بن هانئ ، أنَّهُ قالَ : هَذا باطل .\rقَالَ أبو بكر الخلال : إ نما أ نكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى ،لا أصل اختصار الحديث 0قَالَ :وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى -: هذا معنى ما قاله الخلال .\rوقد تبين برواية ابن ماجه أن الطنافسي رواه عن وكيع ،كما رواه ابن أبي شيبة عنه ، ورواه -أيضا- إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ((كتاب الطهور)) له عن وكيع -أيضا- ، فلعل وكيعا اختصره . والله أعلم .\rوقد يحمل مراد البخاري - رحمه الله - على وجه صحيح ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أ مر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للاحرام : لأن غَسَلَ الإحرام لايتكرر ، فلا يشق نقض الشعر فيه ، وغسل الحيض والنفا س يوجد فيه هذا المعنى ، بخلاف غسل الجنابة ، فإنه يتكرر فيشق النقض فيه ، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر .\rوقد تكلم بعض العلماء في لفظة : (( أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة بنقص رأسها وامتشاطها )) ، وقالوا : هي وهم من هشام ، وكذلك قالوا في روايته : أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لها : (( دعي العمرة )) .\rولكن ؛ قد : رواهما - أيضا - ، الزهري ، عن عروة .","part":2,"page":119},{"id":240,"text":"ولهشام في هذا الحديث وهم آخر ،وهو أنه قَالَ : (( ولم يكن هدي ولا صيام ولا صدقة )) ، وقد ثبت عن عائشة أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن نسائه البقر ،فإنها إن كانت قد صارت قارنة فالقارن عليهِ هدي ،وإن كانت قد رفضت عمرتها لزمها دم لذلك، عندَ من يقول به .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن جابر ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة أن تغتسل وتهل\rبالحج .\rولم يذكر نقض الشعر ولا تسريحه ، فإن عائشة كانت محرمة بعمرة كما رواه عروة عنها ، وإن كانَ القاسم قد روى عنها أنها كانت محرمة بحجة ، إلا أن رواية عروة أصح ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره .\rوقد قيل : إنها أحرمت من الميقات بحجة ،ثُمَّ فسخت ذَلكَ إلى عمرة لما أمروا بالفسخ ، ثُمَّ حاضت بعد ذَلكَ قبل دخول مكة .\rوفي هذا نظر ؛ فإنه روي مايدل على أنها كانت أحرمت بعمرة من الميقات ، والحائض إذا كانت محرمة بعمرة ، ولم تقدر على طواف العمرة قبل يوم عرفة ، وخشيت فوات إداك الحج فإنها تحرم بالحج مع العمرة ، وتبقى قارنة عندَ أكثر العلماء ، كمالك والشافعي ، وأحمد ، ويكفيها عندهم طوا ف واحد وسعي واحد لما بعد التعريف للحج والعمرة .\rوقد روى ذَلكَ جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، في قصة عائشة صريحا .\rخرجه مسلم 0 وتأولوا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة : (( دعي عمرتك )) على أنه أراد : اتركيها بحالها ، وأدخلي عليها إحرام الحج .\rوقال أحمد : من رواه (( انقضي عمرتك )) فقد أخطأ ، ورواه بالمعنى الذي\rفهمه .\rوقال أبو حنيفة والكوفيون : ترفض العمرة ، ثُمَّ تحرم بالحج ، ثُمَّ تقضي العمرة بعد الحج ، وتأولوا حديث عائشة على ذَلكَ .\rوقالت طائفة : إنما أمرها أن تنقض رأسها وتمتشط ؛ لأن المعتمر إذا دخل الحرم حل لهُ كل شيء إلا النساء ، كالحاج إذا رمى الجمرة .\rوقد روي هذا عن عائشة ، ولعلها أخذته من روايتها هذه ، وهو قول عائشة بنت طلحة ، وعطاء .\rوقد أخذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميموني عنه ،وهي رواية غريبة عنه .\rووهم الخطابي في هذا الحديث حيث قَالَ : أشبه الأمور : ماذهب إليه أحمد بن حنبل : وهو أنه فسخ عليها عمرتها ؛ لأن مذهبه أن فسخ الحج عام غير خاص .\rوهذا وهم على أحمد ؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبل أن يقف بعرفة ، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد ، وإنما يقوله الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فوات الحج ، وتأولوا حديث عائشة عليهِ .\rوالعجب ممن جوز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل ، ومنع من فسخ الحج إلى العمرة ، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل التأويل ؛ بمجرد دعوى النسخ أو الاختصاص ، ولم يثبت حديث واحد يدل على شيء من ذَلكَ ، وسيأتي القول في هذا مستوفى في موضعه من (( الحج )) - إن شاء الله تعالى .\rفإن المقصود هنا : هو نقض الشعر وتسريحه عند الغسل من الحيض ، وممن أمر به في الحيض دون الجنابة : طاوس والحسن ، وهو قول وكيع وأحمد .","part":2,"page":120},{"id":241,"text":"واختلف أصحابنا : هل ذَلكَ واجب ، أو مستحب ؟ على وجهين ، وظاهر كلام الخرقي وجوبه .\rوقد ورد حديث صريح بالنقض في غَسَلَ الحيض دون الجنابة من رواية سلمة بن صبيح ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قَالَ : قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها ، وغسلته بخطمي وأشنان ، وإذا اغتسلت من جنابة صبت رأسها الماء وعصرته )) .\rخرجه الطبراني ، وأبو عبد الله مجمد بن عبد الواحد المقدسي في (( صحيحه )) المسمى (( بالمختارة )) .\rوخرجه الدارقطني في (( الأفراد )) وعنده : (( مسلم بن صبيح )) ، وقال : تفرد به عن حماد .\rوكذا ذكره أبو بكر الخطيب ، وقال : هو مسلم بن صبيح ، بصري يكنى أبا عثمان ، وكذا ذكره ابن ماكولا وغيره ، ومع هذا فليس بالمشهور .\rوأما مانقله مهنا عن أحمد ، أن المرأة لاتنقض شعرها من الجنابة ، بل تفيض عليه الماء ؛ لحديث أم سلمة ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، والحائض تنقضه .\rقَالَ مهنا : قلت لهُ : كيف تنقضه من الحيضة ولا تنقضه من الجنابة ؟ فقال : حديث أسماء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( تنقضه )) .\rقلت : من أسماء ؟ قَالَ : أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما- .\rفهذا لعله وهم من مهنا ، أو ممن روى عنه ، ولا يعرف لأسماء بنت أبي بكر في هذا الباب حديث بالكلية ، إنما حديثها في غَسَلَ دم الحيض من الثوب ، وقد تقدم .\rولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غَسَلَ الحيض ، وليس فيه أنه أمرها بالنقص ، بل أمرها بدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها ، ولم يأمرها بنقضه .\rوفي الحديث : أنها سألته عن غَسَلَ الجنابة ، فأمرها بمثل ذَلكَ ، غير أنه لم يقل : (( دلكا شديدا )) .\rوقد خرجه مسلم ، كما تقدم .\rوأسماء هذه ، وقع في (( صحيح مسلم )) أنها : (( بنت شكل )) ، وذكر أبو بكر الخطيب أنها أسماء بنت يزيد بن السكن ، وخرج الحديث من رواية يوسف القاضي ، من طريق شعبة ، عن إبراهيم بن المهاجر بالإسناد الذي خرجه مسلم ، وفيه : أن أسماء بنت يزيد سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن غَسَلَ الحيض - فذكره .\rوأكثر العلماء على التسوية بين غَسَلَ الجنابة والحيض ، وأنه لا ينقض الشعر في واحد منهما .\rوفي (( صحيح مسلم )) من حديث أم سلمة ، قالت : قلت : يارسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه للحيضة والجنابة ؟ قَالَ : (( لا )) .\rوهذه اللفظة - أعني : لفظة ((الحيضة ))- تفرد بها عبد الرزاق ، عن الثوري ، وكأنها غير محفوظة ، فقد رواه غير واحد ، عن الثوري ، فلم يذكروها .\rوقد رويت - أيضا - هذه اللفظة من حديث سالم الخياط ، عن الحسن ، عن أم سلمة .\rوسالم ضعيف ، والحسن لم يسمع من أم سلمة .\rوروى أبو بكر الحنفي ، عن سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر - مرفوعا :\r(( لايضر المرأة الحائض والجنب أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شئون رأسها )) .\rتفرد به : الحنفي ، ورفعه منكر .\rوقد روي عن أبي الزبير ، عن جابر موقوفا ، وهو أصح .","part":2,"page":121},{"id":242,"text":"وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، قَالَ : كن نساء ابن عمر يغتسلن من الحيض والجنابة ، فما ينقضن شعورهن ، ولكن يبلغن بالماء أصول الشعر .\rهذا كله إذا وصل الماء إلى غضون الشعر المضفور ، فإن لم يصل بدونه وجب نقضه عند الأكثرين ، وهو قول مالك والشافعي ، والمشهور عندَ أصحابنا ورواية عن أبي حنيفة ، وهو قول أبي خيثمة ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، ويحيى بن يحيى ، والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث ، واستدلوا بالأحاديث الواردة في الأمر بحل الشعر ، وقد تكلم في أسانيدها .\rوقالت طائفة : لا يجب ذَلكَ ، وحكي عن مالك ، وهو قول طائفة من\rأصحابنا ، منهم : صاحب ((المغني )) ، وذكر أنه ظاهر كلام الخرقي ، وأن الشعر حكمه حكم المنفصل عن الجسد ، لا حكم المتصل به .\rولأصحابنا وجه : أنه يفرق بين غَسَلَ الحيض والجنابة ، فيجب غَسَلَ الشعر في غَسَلَ الحيض خاصة .\rوالصحيح من مذهب الحنفية : أن الشعر إذا كان مضفورا لا يلزم المرأة نقضه في جنابة ولاحيض ؛ لمشقة نقضه ، بخلاف الرجل ؛ فإنه يلزمه نقضه ، وإن كان محلولا وجب غسله وإيصال الماء إلى بواطنه ، كشعر اللحية .\rوخرج الطبراني من رواية عمر بن هارون ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سالم خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن يجعلن رءوسهن أربع قرون ، فإن اغتسلن جمعنهن على أوساط رءوسهن )) .\rعمر بن هارون ، ضعيف .\rوفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة بالغسل للإحرام وهي حائض دليل على أن الاغسال المستحبة تفعل مع الحيض ؛ كأغسال الحج المستحبة ، ويدخل ذَلكَ في قوله لها :\r(( اصنعي ما يصنع الحاج )) .\rولو كان على الحائض غَسَلَ جنابة ، إما قبل الحيض أو في حال الحيض ، فهل يستحب لها الاغتسال في حال حيضها للجنابة ؟ فيهِ روايتان عن أحمد .\rواختلف السلف في ذَلكَ :\rفقال النخعي وغيره : تغتسل .\rوقال عطاء : لاتغتسل ؛ الحيض أكبر .\rقَالَ أحمد : ثُمَّ رجع عن ذَلكَ ، وقال : تغتسل .\rوأما الوضوء فلا يشرع للحائض في حال حيضها ما لم ينقطع دمها ، فتصير كالجنب ، ونص أحمد على أنها لو توضأت وهي حائض يجز لها الجلوس في المسجد ؛ بخلاف الجنب ، وفيه وجه : يجوز إذا أمنت تلويثه .\rونص الشافعي على أنه لايشرع لها الوضوء عند النوم والأكل ، وهو قول أصحابنا ، واختلف أصحاب مالك في ذَلكَ .\rوأما وضوؤها عند كل صلاة ، وجلوسها قدر الصَّلاة للذكر ، ففيه خلاف ، نذكره في موضع آخر - إن شاء الله تعالى .\r\r* * *","part":2,"page":122},{"id":243,"text":"17 -باب\rمخلقة وغير مخلقة\r318 -حدثنا مسدد : ثنا حماد ، عن عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إن الله - عز وجل - وكل بالرحم ملكا ، يقول : يارب نطفة ، يارب\rعلقة ، يارب مضغة ، فإذا أراد أن يقضي الله خلقه قَالَ : أذكر أم أنثى ؟ أشقي أم\rسعيد ؟ فما الرزق ؟فما الأجل ؟ فيكتب في بطن أمه )) .\rاختلف السلف في تأويل قول الله - عز وجل - : { ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } [الحج :5 ] : فقال مجاهد : هي المضغة التي تسقطها المرأة ؛ منها ما هوَ مخلق فيهِ تصوير وتخطيط ، ومنها ماليس بمخلق ولا تصوير فيهِ ، أرى الله تعالى ذَلكَ عباده ليبين لهم أصل ما خلقوا منه ، والذي يقره في الأرحام هوَ الذي يتم خلقه ويولد .\rوقالت طائفة : المخلقة هي التي يتم خلقها ، وغير مخلقة هي التي تسقط قبل أن تكون مضغة .\rروى الشعبي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، قَالَ : النطفة إذا استقرت في الرحم حملها ملك بكفه ، وقال : أي رب ، مخلقة أم غير مخلقة ؟ فإن قيل : غير مخلقة لم تكن نسمة ، وقذفتها الأرحام ، وإن قيل : مخلقة ، قَالَ : أي رب ، أذكر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ ما الأجل ؟ ما الأثر ؟ وبأي أرض تموت ؟ قَالَ : فيقال للنطفة : من ربك ؟ فتقول : الله ، فيقال : من رازقك ؟ فتقول : الله عز وجل : اذهب إلى الكتاب ، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة .\rقَالَ : فتخلق ، فتعيش في أجلها ، وتأكل رزقها ، وتطأ في أثرها ، حتى إذا جاء أجلها ماتت ، فدفنت في ذَلكَ ، ثُمَّ تلا الشعبي : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ } إلى قوله : { مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } [الحج : 5]، فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع ، فكانت نسمة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما ، وإن كانت مخلقة نكست نسمة .\rخرجه ابن أبي حاتم وغيره ، وآخره هو من قول الشعبي .\rوقد يستأنس بهذا من يقول : إن الحامل لا تحيض ولا ترى دم الحيض في حال حملها ، وأنها لا ترى إلا دم النفاس خاصة ، وفي ذَلكَ نظر .\rوقد قيل : إن هذا هو مراد البخاري بتبويبه هذا .\rوقد روي عن الحسن في قول الله - عز وجل - : { إِنَّا خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ\rأَمْشَاجٍ } [الإنسان : 2] ، أن النطفة مشجت - أي : خلطت بدم الحيض -، فإذا حملت المرأة ارتفع حيضها .\rوحديث أنس الذي خرجه البخاري يدل على أنه لا يخلق إلا بعد أن يكون\rمضغة ، وليس فيه ذكر مدة ذَلكَ ، وذكر المدة في حديث ابن مسعود - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر - ، قَالَ : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - : (( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثُمَّ يكون علقة مثل ذَلكَ ، ثُمَّ يكون مضغة مثل ذَلكَ ، ثُمَّ يبعث إليه الملك ، فيؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد ، ثُمَّ ينفخ فيه الروح )) - وذكر الحديث .","part":2,"page":123},{"id":244,"text":"وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود موقوفا عليه ، وعن ابن عباس ، وغيرهما من الصحابة .\rوقد أخذ كثير من العلماء بظاهر حديث ابن مسعود ، وقالوا : أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يوما ؛ لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة ، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة .\rقَالَ الإمام أحمد : ثنا هشيم : أبنا داود ، عن الشعبي ، قَالَ : إذا نكس السقط في الخلق الرابع وكان مخلقا عتقت به الأمة ، وانقضت به العدة .\rقَالَ أحمد : إذا تبين الخلق فهو نفاس ، وتعتق به إذا تبين .\rقَالَ :ولا يصلى على السقط إلا بعد أربعة أشهر 0 قيل له : فإن كان أقل من أربعة ؟ قَالَ : لا ، هوَ في الأربعة يتبين خلقه 0وقال :العلقة : هي دم لا يتبين فيها الخلق .\rوقال أصحابنا أصحاب الشافعي -بناء على أن الخلق لا يكون إلا في المضغة -: أقل ما يتبين فيهِ خلق الولد أحد وثمانون يوما ، في أول الأربعين الثالثة التي يكون فيها مضغة ، فإن أسقطت مضغة مخلقة انقضت بها العدة وعتقت بها أم الولد ، ولو كانَ التخليق خفيا لا يشهد به إلا من يعرفه من النساء فكذلك .\rفإن كانت مضغة لا تخليق فيها ففي انقضاء العدة وعتق الأمة به روايتان عن\rأحمد .\rوهل يعتبر للمضغة المخلقة أن يكون وضعها بعد تمام أربعة أشهر ؟ فيهِ قولان ، أشهرهما : لا يعتبر ذَلِكَ ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو المشهور عن أحمد ، حتَّى قالَ : إذا تبين خلقه ليس فيهِ اختلاف ، أنها تعتق بذلك .\rوروي عنه ما يدل على اعتبار مضي الأربعة أشهر ، وعنه رواية أخرى في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها ، ومن أصحابنا من طرد ذَلكَ في انقضاء العدة بها\r- أيضا -، وهذه االرواية قول النخعي ، وحكي قولاً للشافعي .\rوهذا يدل على أنه يمكن التخليق في العلقة ، وقد روي ما يدل عليه ، والأطباء تعترف بذلك .\rفأما الصَّلاة على السقط : فالمشهور عن أحمد أنه لا يصلى عليه حتّى ينفخ فيه الروح ، ليكون ميتا بمفارقة الروح له ، وذلك بعد مضي أربعة أشهر ، وهو قول ابن المسيب ، وأحد أقوال الشافعي ، وإسحاق .\rوإذا ألقت ما يتبين فيه خلق الإنسان فهي نفساء ، ويلزمها الغسل ، فإن لم يتبين فيه الإنسان وكان مضغة فلا نفاس لها ، ولا غَسَلَ عليها في المشهور عن أحمد ،وعنه رواية :أنها نفساء -: نقلها عنه الحسن بن ثواب ، ولم يشترط شيئا ؛ لا المضغة مظنة تبين التخلق والتصوير غالبا . وإن ألقت علقة فلا نفاس لها فيهِ ، ولأصحابنا وجه ضعيف : أنها نفساء ، بناء على القول بانقضاء العدة به .\rومذهب الشافعية والحنفية : أن الاعتبار في النفاس بما تنقضي به العدة ، وتصير به الأمة أم ولد ، فحيث وجد ذَلكَ فالنفاس موجود ، وإلا فلا ، والاعتبار عندهم في ذَلكَ كله بما يتبين فيه خلق الإنسان .\rوقال إسحاق : إذا استتم الخلق فهو نفاس -: نقله عنه حرب .\r\r* * *","part":2,"page":124},{"id":245,"text":"18 - باب\rكيف تهل الحائض بالحج والعمرة ؟\rخرج فيه :\r319 - حديث : ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ،قالت : خرجنا مع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع .\rفذكرت الحديث ، إلى أن قالت :\rفحضت ، فلم أزل حائضا حتّى كان يوم عرفة ، ولم أهلل إلاّ بعمرة ، فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنقض رأسي ، وأمتشط ، وأهل بحج ، وأترك العمرة ، ففعلت ذَلكَ حتّى قضيت حجي ، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم .\rفيه : دليل على أن الحائض إذا أرادت الإحرام فإنها تغتسل له ، ثُمَّ تهل بما تريد أن تحرم به من حج أو عمرة . والإهلال : التلبية .\rوخرج مسلم من حديث جابر ، النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : قَالَ لعائشة لما حاضت : (( اغتسلي ، ثُمَّ أهلي بالحج )) .\rومن حديث جابر -أيضا -، قَالَ : خرجنا مع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - حتّى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :كيف أصنع ؟ قَالَ : (( اغتسلي واستثفري بثوب ، وأحرمي )) .\rومن حديث عائشة ، قالت : نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر [يأمرها ]أن تغتسل وتهل .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من رواية خصيف ، عن عكرمة ومجاهد وعطاء ، عن ابن عباس - يرفع الحديث إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إن النفساء والحائض تغتسل وتحرم ، فتقضي المناسك كلها ، غير أن لا تطوف بالبيت حتّى تطهر )) .\rوقال الترمذي : حديث حسن .\rوهذا قول جماعة أهل العلم ، لا يعلم بينهم اختلاف فيه : أن الحائض يجوز أن تحرم بالحج والعمرة ، وتفعل مايفعله الطاهر ، سوى الطواف بالبيت ، كما سبق .\rولكن ؛ منهم من كره لها أن تبتدئ الإحرام من غير حاجة إليه ، فكره الضحاك وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري : أن تحرم في حال دمها قبل الميقات ؛ لأنه لا حاجة لها إلى ذَلكَ ، فإذا وصلت إلى الميقات ،ولم تطهر فإحرامها حينئذ ضرورة .\rوكره عطاء لمن كانت بمكة وهي حائض : أن تخرج إلى الميقات ، فتهل بعمرة ، وقال : لا تخرج حتّى تطهر .\rوهو محمول على المقيمة بمكة ، التي يمكنها تأخير الإحرام إلى حال طهرها .\r* * *","part":2,"page":125},{"id":246,"text":"19-باب\rإقبال المحيض وإدباره\rوكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة ، فتقول : لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء - تريد بذلك : الطهر من الحيضة .\rوبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى الطهر ، فقالت : ما كان النساء يصنعن هذا ، وعابت عليهن .\rهذان الأثران ، خرجهما مالك في (( المؤطا )) ، فروى عن علقمة بن أبي\rعلقمة ، عن أمه مولاة عائشة ، أنها قالت : كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة من دم الحيضة ، يسألنها عن الصَّلاة ، فتقول : لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء - تريد بذلك : الطهر من الحيضة .\rوروى - أيضاً - عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته ، عن ابنة زيد بن ثابت ، أنه بلغها أن نساءكن يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى الطهر ، فكانت تعيب ذَلكَ عليهن ، وتقول : ما كان النساء يصنعن هذا .\rوإنما كان نساء الصدر الأول يصنعن هذا لشدة اهتمامهن بالصلاة ، وأمور الدين - رضي الله عنهن -.\rقَالَ ابن عبد البر : إنما أنكرت بنت زيد بن ثابت على النساء افتقاد أحوالهن في غير وقت الصَّلاة وما قاربها ؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة ، وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة ، فإن كن قد طهرن تأهبن للغسل ، لما عليهن من الصَّلاة . انتهى .\rوفيما قاله نظر ، فإن جوف الليل وقت لصلاة العشاء ، فإذا طهرت فيه الحائض لزمها صلاة العشاء وصلاة المغرب - أيضاً - عند كثير من العلماء .\rوإنما أنكرت بنت زيد - والله أعلم - النظر في لون الدم ، وأن مدة العادة تحكم بأن جميع ما يرى فيها دم حيض ؛ وإن اختلفت ألوانه .\rوهذا المعنى أقرب إلى إدخال البخاري له في هذا الباب ، وإلى إدخال مالك له في (( الموطإ )) في (( باب : طهر الحيض )) ؛ وسياقهما له بعد قول عائشة الذي صدر به البخاري هذا الباب .\rو(( الدرجة )) : قد رويت بضم الدال المشددة وسكون الراء ، فتكون تأنيث\r(( درج )) ، ورويت بكسر الدال وفتح الراء ، فتكون جمع (( درج )) كما تجمع\r(( خرج وترس )) على (( خرجة وترسة )) .\r(( الدرج )) : المراد به هنا : خرق تلف وفيها قطن ، وهو الكرسف ، فتدخله المرأة الحائض في فرجها ؛ لتنظر ما يخرج على القطن ، فإذا خرج عليه دم أحمر أو أسود علمت المرأة أن دم حيضها باق ، وإن خرج عليه صفرة فقد أفتت عائشة - رضى الله عنها - بأنه حيض - أيضاً - ، وأن الحائض لا ينقطع حيضها حتّى ترى القصة البيضاء .\rو(( القصة )) - بفتح القاف - : أصلها القطعة من الجص الأبيض ، وأرادت عائشة بذلك أن القطنة تخرج بيضاء ، ليس فيها شيء من الصفرة ، ولا الكدرة ، فيكون ذَلكَ علامة نقائها وطهرها .\rوقالت طائفة : بل القصة البيضاء عبارة عن ماء أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض ، فلا تطهرن بدونه .\rوقيل : إنه يشبه الخيط الأبيض ، وهذا قول مالك وغيره .\rوروى الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن عبد الرحمن بن\rذؤيب ، عن عائشة ، قالت : الطهر أن ترى المرأة بعد الدم ماء أبيض قطعا .","part":2,"page":126},{"id":247,"text":"خرجه حرب الكرماني .\rوحكى الخطابي ، عن ابن وهب ، أنه قَالَ في تفسير القصة البيضاء : رأيت القطن الأبيض ، كأنه هو .\rوعن ابن أبي سلمة ، قَالَ : إذا كان ذَلكَ نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون ،فتطهر بذلك ، فيما بلغنا .\rوعن مالك ، قَالَ : سألت النساء عن القصة البيضاء ، فإذا ذاك أمر معروف عند النساء ، يرينه عند الطهر .\rوهذا المحكي عن مالك يوافق القول الثاني الذي ذكرناه ، وأن القصة البيضاء عبارة عن شيء أبيض يخرج في آخر دم الحيض 0 وقال ابن عبد البر : اختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطهر ، ففي (( المدونة )) : قَالَ مالك : إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتّى تراها ، وإن كانت ممن لاتراها فطهرها الجفوف ، وذلك أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة ، وبه قَالَ عيسى بن دينار ، قَالَ : القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف .\rوفي (( المجموعة )) : قَالَ مالك : إذا رأت الجفوف وهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتّى تراها ، إلا أن يطول ذَلكَ بها .\rوقال ابن حبيب : تطهر بالجفوف ، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء .\rقَالَ ابن حبيب : والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء .\rقَالَ : فمن كان طهرها القصة البيضاء ورأت الجفوف فقد طهرت .\rقَالَ : ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء حتّى ترى الجفوف .\rقَالَ : وذلك أن أول الحيض دم ، ثُمَّ صفرة ، ثُمَّ ترية ، ثُمَّ كدرة ، ثُمَّ يكون ريقاً كالفضة ، ثُمَّ ينقطع ، فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض . قَالَ : والجفوف أبرأ وأوعب ، وليس بعد الجفوف انتظار . انتهى ما ذكره ابن عبد البر -\rرحمه الله .\rوفي (( تهذيب المدونة )) : تغتسل إن رأت القصة البيضاء ، فإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف .\rقَالَ ابن القاسم : والجفوف أن تدخل الخرقة ، فتخرجها جافة 0 قَالَ أبو عبيد : الترية : الشيء الخفي اليسير ، وهو أقل من الصفرة والكدرة ، ولا تكون الترية إلا بعد اغتسال ، فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترية . انتهى .\rواختلف قول الإمام أحمد في تفسير القصة البيضاء :\rفنقل الأكثرون عنه : أنه شيء أبيض يتبع الحيضة ، ليس بصفرة ولا كدرة ، فهو علامة الطهر ، وحكاه أحمد عن الشافعي .\rونقل حنبل ، عن أحمد : أن القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم ، وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض .\rوأرسلت امرأة إلي عمرة بنت عبد الرحمن بدرجٍ فيهِ كرسفة قطن ، فيها كالصفرة، تسألها : هل ترى إذا لَم تر المرأة مِن الحيضة إلا هَذا أن قَد طهرت ؟ فقالت : لا ، حتى ترى البياض خالصاً .\rوروى الأثرم بإسناده ، عَن ابن الزبير ، أنَّهُ قالَ على المنبر : يا معشر النساء ، إذا رأت إحداكن القصة البيضاء فَهوَ الطهر .\rوقال مكحول : لا تغتسل المرأة مِن الحيض إذا طهرت حتى ترى طهراً أبيض .\rوقد حكى أبو عبيد القولين في تفسير القصة البيضاء .","part":2,"page":127},{"id":248,"text":"ودل قول عائشة - رضي الله عنها - هَذا على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض ، وأن مِن لها أيام معتادة تحيض فيها فرأت فيها صفرة أو كدرة ، فإن ذَلِكَ يكون حيضاً معتبراً .\rوهذا قول جمهور العلماء ، حتى إن مِنهُم مِن نقله إجماعاً ، مِنهُم : عبد الرحمن بنِ مهدي وإسحاق بنِ راهويه ، ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دونَ الكدرة .\rولكن ذهب طائفة قليلة ، مِنهُم : الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية إلى أنه لا يكون ذَلِكَ حيضاً حتى يتقدمه في مدة العادة دم .\rواشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض .\rومنهم مِن اشترط أن يلحقه دم - أيضاً .\rومنهم مِن اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض .\rوقال أبو يوسف : الصفرة حيض ، والكدرة ليسَ حيضاً ، إلا أن يتقدمها دم .\rوحكي عَن داود أن الصفرة والكدرة لا تكون حيضاً بكل حال .\rفأما ما زاد على أيام العادة ، واتصل بها ، وكان صفرة أو كدرة ، فهل يكون حيضاً ، أم لا؟ فيهِ قولان :\rأحدهما : أنَّهُ حيض ، وَهوَ أشهر الروايتين عَن مالك ، والمشهور عَن الشَافِعي\r-أيضاً - ، وعليه أكثر أصحابه ، وقول الحكم وأبي حنيفة وإسحاق .\rوالثاني : أنه ليسَ بحيض ، وَهوَ رواية عَن مالك ، وقول الثوري والإصطخري وغيره مِن الشافعية .\rوأما الإمام أحمد ، فإنه يرى أن الزائد على العادة لا يلتفت إليه أول مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثاً على اختلاف عَنهُ ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ .\rفإن زاد على العادة بصفرة أو كدرة وتكرر ثلاثاً ، فهل يكون حيضاً ، أم لا ؟ فيهِ عَنهُ روايتان .\rوقد روي عَن عائشة ، أنها لا تلتفت إلى الزائد على العادة مِن الصفرة والكدرة .\rخرجه حرب والبيهقي مِن رواية سليمان بنِ موسى ، عَن عطاء ، عَن عائشة ، قالت : إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عَن الصلاة حتى تراه أبيض كالفضة ؛ فإذا رأت ذَلِكَ فلتغتسل ولتصل ؛ فإذا رأت بعد ذَلِكَ صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل ، فإذا رأت دماً أحمر فلتغتسل ولتصل .\rوروي عَن أسماء بنت أبي بكر ما يشعر بخلاف ذَلِكَ ، فروى البيهقي وغيره مِن رواية ابن إسحاق ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء ، قالت : كنا في حجرها معَ بنات أخيها ، فكانت إحدانا تطهر ، ثُمَّ تصلي ، ثُمَّ تنتكس بالصفرة اليسيرة ، فنسألها ، فتقول : اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذَلِكَ ، حتى ترين البياض خالصاً .\rوقد حمله بعض أصحابنا على أن الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد الطهر وانقطاع الدم فإنها لا تكون حيضاً ولو تكررت ، على الصحيح عندهم ، بخلاف ما إذا رأت ذَلِكَ متصلاً بالدم وتكرر .\rفهذا كله في حق المعتادة .\rفأما المبتدأة ، فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة ، فقالت طائفة مِن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعه ، وأكثر أصحاب الشَافِعي : إنه يكون حيضاً ؛ لأن زمن الدم للمبتدأة كزمن العادة للمعتادة .","part":2,"page":128},{"id":249,"text":"وقالت طائفة مِن أصحابنا : لا يكون حيضاً ، وقالوا : إنه ظاهر كلام أحمد ، وَهوَ قول طائفة مِن الشافعية -أيضاً - ، وحكاه الخطابي عَن عائشة وعطاء وأكثر\rالفقهاء ؛ لأنه اجتمع فيهِ فَقد العادة ولون الدم المعتاد ، فقويت جهة فساده ، وعلى هَذا فينبغي أنَّهُ إن تكرر ذَلِكَ ثلاثاً أن يكون حيضاً ، إن قلنا : إن المتكرر بعد العادة حيض ، وقد يفرق بينهما بأن المتكرر بعد العادة قَد سبقه دم بخلاف هَذا .\rوقد ذهب طائفة مِن أصحابنا ، مِنهُم : ابن حامد وابن عقيل إلى أن المبتدأة إذا رأت أول مرةٍ دماً أحمر فليس بدم حيض حتى يكون أسود ، وَهوَ قول بعض الشافعية -أيضاً-؛ للحديث المروي عَن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قالَ - في دم الحيض - : (( إنه أسود\rيعرف )) .\rوهذا ينتقض عليهم بالمعتادة ؛ فإنها إذا كانت عادتها أسود ثُمَّ رأت في مدة العادة دماً أحمر فإنه حيض بغير خلاف .\rثُمَّ خرج البخاري في هَذا الباب :\r320-مِن حديث : سفيان -هوَ : ابن عيينة - ، عَن هشام ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض ، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ :\r(( ذَلِكَ عرق ، وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي )) .\rوقد سبق هَذا الحديث ، وذكرنا اختلاف العلماء في معناه ، وأنه هل المراد بإقبال الحيضة وإدبارها : إقبال الدم الأسود وإدباره ، أم المراد : إقبال وقت عادتها وإدبارها ؟ وأن أكثر الأئمة حملوا الحديث على الأول ، وَهوَ اعتبار التمييز في الدم .\rوالمميزة ترجع إلى ما تراه مِن أغلظ الدماء وأفحشها لوناً ، فتجلس مدة الدم الأسود دونَ الأحمر ، والأحمر دونَ الأصفر .\rولا يعتبر للتمييز تكرر على أصح الوجهين لأصحابنا ، لكن يشترط عندهم أن لا ينقص عَن أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره ، وأن يكون بين الدمين أقل مدة الطهر ، وَهوَ قول الشافعية -أيضاً .\rوحكي عَن أحمد رواية أخرى : أنه لا يعتبر أن لا يجاوز أكثر الحيض ، فعلى هَذهِ الرواية تجلس منهُ قدر الأكثر خاصةً .\rوأما على تفسير إقبال الحيضة وإدبارها بإقبال العادة وإدبارها ، فتجلس ما تراه مِن الدم في أيام عادتها خاصة ، على أي صفة كانَ ، ولا تزيد على ذَلِكَ ، فإذا انقضت مدة عادتها فهي طاهر ، تغتسل وتصلي .\r\r* * *\r\r20 -باب\rلا تقضي الحائضُ الصلاةَ\rوقال جابر بنِ عبد الله وأبو سعيد ، عَن النبي- صلى الله عليه وسلم - : (( تدع الصلاة )) .\rحديث أبي سعيد المشار إليه ، قَد خرجه بتمامه في (( باب : ترك الحائض\rالصوم )) ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أليس إذا حاضت لَم تصل ولم تصم ؟ )) قلن :\rبلى . قالَ : (( فذلك مِن نقصان دينها )) [ .. .. .. .. .. .. .. ] .\rوحديث جابر المشار إليه [ .. .. .. .. .. .. ] .\rوقد سبق حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ للمستحاضة : (( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة )) .\rوقد أجمع العلماء على أن الحائض لا يجوز لها الصلاة في حال حيضها ، فرضاً ولا نفلاً .","part":2,"page":129},{"id":250,"text":"وقد استحب لها طائفة مِن السلف أن تتوضأ في وقت كل صلاة مفروضة ، وتستقبل القبلة ، وتذكر الله - عز وجل - بمقدار تلك الصلاة ، مِنهُم : الحسن وعطاء وأبو جعفر محمد بنِ علي ، وَهوَ قول إسحاق .\rوروي عَن عقبة بنِ عامر ، أنه كانَ يأمر الحائض بذلك ، وأن تجلس بفناء مسجدها .\rخرجه الجوزجاني .\rوقال مكحول : كانَ ذَلِكَ مِن هدي نساء المسلمين في أيام حيضهن .\rوأنكر ذَلِكَ أكثر العلماء :\rوقال أبو قلابة : قَد سألنا عَن هَذا فما وجدنا لَهُ أصلاٍ .\rخرجه حرب الكرماني .\rوقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرف هَذا ، ولكننا نكرهه .\rقالَ ابن عبد البر : على هَذا القول جماعة الفقهاء وعامة العلماء في الأمصار .\rوممن قالَ : ليسَ ذَلِكَ على الحائض : الأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك ، وكذلك قالَ أحمد ، قالَ : ليسَ عليها ذَلِكَ ، ولا بأس أن تسبح وتهلل وتكبر .\rوبه قالَ أبو خيثمة ، وسليمان بنِ داود الهاشمي ، وأبو ثور ، وأصحاب الشَافِعي ، وزادوا : أنه يحرم عليها الوضوء إذا قصدت بهِ العبادة ورفع الحدث ، وإنما يجوز لها أن تغتسل أغسال الحج ؛ لأنه لا يراد بها رفع الحدث ، بل النظافة .\rوقد روى يحيى بنِ صاعد : ثنا عبد الجبار بنِ العلاء : ثنا أيوب بنِ سويد الرملي : ثنا عتبة بنِ أبي حكيم ، عَن أبي سفيان طلحة بنِ نافع ، حدثني عبد الله بنِ عباس ، أنه بات عندَ النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم - في ليلة ميمونة بنت الحارث ، فقام النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم - فأسبغ الوضوء ، [ وأقل ] هراقة الماء ، وقام فافتتح الصَّلاة ، فقمت فتوضأت ، وقمت عَن يساره ، فأخذ بأذني فأقامني عَن يمينه ، وكانت ميمونة حائضاً ، فقامت فتوضأت ، ثُمَّ قعدت خلفه تذكر\rالله - عز وجل - .\rخرجه الطبراني في (( مسند الشاميين )) وغيره .\rوهذا غريب جداً .\rوأيوب بنِ سويد الرملي ، ضعيف .\rخرج البخاري في هَذا الباب :\r321- حديث : قتادة : حدثتني معاذة ، أن امرأة قالت لعائشة : أتجزي إحدانا صلاتها إذا هي طهرت ؟ فقالت : أحرورية أنت ؟ كنا نحيض معَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يأمرنا بهِ - أو قالت : فلا نفعلهُ .\rقولها : (( أتجزي )) ، هوَ بفتح التاء ، و (( صلاتها )) بفتح التاء ، والمعنى : أتقضي صلاتها إذا طهرت مِن حيضها .\rوقول عائشة : (( أحرورية أنت ؟ )) - تعني : أنت مِن أهل حروراء ، وهم الخوارج ؛ فإنه قَد قيل : إن بعضهم كانَ يأمر بذلك ، وقيل : إنها أرادت أن هَذا مِن جنس تنطع الحرورية ، وتعمقهم في الدين حتى خرجوا منهُ .\rثُمَّ ذكرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يأمرهن بذلك إذا حضن - أو لا يفعلنه - شك الراوي أي اللفظتين قالت .\rومعناهما متقارب ؛ فإن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن ، فإنما يكون ذَلِكَ بإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذَلِكَ ، وأمره بهِ ، فإن مثل هَذا لا يخفى عليهِ ، ولو كانَ القضاء واجباً عليهن لَم يهمل ذَلِكَ ، وَهوَ لا يغفل عَن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة .","part":2,"page":130},{"id":251,"text":"وقد خرج هَذا الحديث مسلم في (( صحيحه )) بلفظ : (( ثُمَّ لا نؤمر بالقضاء )) - مِن غير تردد ، وخرجه بلفظ آخر ، وَهوَ : (( كانَ يصيبنا ذَلِكَ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة )) .\rوقد حكى غير واحد مِن الأئمة إجماع العلماء على أن الحائض لا تقضي الصلاة ، وأنهم لَم يختلفوا في ذَلِكَ ، مِنهُم : الزهري ، والإمام أحمد ، وإسحاق بنِ راهويه ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن المنذر وغيرهم .\rوقال عطاء وعكرمة : قضاء الحائض الصلاة بدعة .\rوقال الزهري : أجمع الناس على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، وقال : وليس في كل شيء نجد الإسناد .\rوقد حكي عَن بعض الخوارج : أن الحائض تقضي الصلاة ، وعن بعضهم : أنها تصلي في حال حيضها .\rولكن في (( سنن أبي داود )) بإسناد فيهِ لين ، أن سمرة بنِ جندب كانَ يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض .\rوقد ذكر البخاري في (( الصيام )) مِن (( كتابه )) هَذا عَن أبي الزناد ، أنه قالَ : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرَأي ، فلا يجد المسلمون بداً مِن اتباعها ؛ مِن ذَلِكَ أن الحائض تقضي الصوم دونَ الصلاة .\rوهذا يدل على أن هَذا مما لا يدرك بالرأي ، ولا يهتدي الرَأي إلى وجه الفرق\rفيهِ .\rوقد فرق كثير مِن الفقهاء مِن أصحابنا وأصحاب الشافعي بين قضاء الصوم والصلاة ، بأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات ، والحيض لا يخلو منهُ كل شهر - غالباً - ، فلو أمرت الحائض بقضاء الصلاة معَ أمرها بأداء الصلاة في أيام طهرها لشق ذَلِكَ عليها ، بخلاف الصيام ؛ فإنه إنما يجيء مرةً واحدةً في السنة ، فلا يشق قضاؤه .\rومنهم مِن قالَ : جنس الصلاة يتكرر في كل يوم مِن أيام الطهر ، فيغني ذَلِكَ عَن قضاء ما تركته منها في الحيض ، بخلاف صيام رمضان ؛ فإنه شهر واحد في السنة لا يتكرر فيها ، فإذا طهرت الحائض أمرت بقضاء ما تركته أيام حيضها ؛ لتأتي بتمام عدته المفروضة في السنة ، كَما يؤمر بذلك مِن أفطر لسفر أو مرض .\rوإنما يسقط عَن الحائض قضاء الصلاة التي استغرق حيضها وقتها ، ولم تكن مجموعة إلى ما قبلها أو بعدها ، فإن لَم يستغرق حيضها وقت الصلاة ، بل طهرت في آخر الوقت ، أو حاضت بعد مضي أوله ، ففي لزوم قضائها لها خلاف ، يأتي ذكره في (( كِتابِ الصلاة )) - إن شاء الله تعالى .\rوكذلك لو طهرت في آخر وقت صلاة تجمع إلى ما قبلها ؛ مثل أن تطهر في آخر وقت العصر أو العشاء ، فهل يلزمها قضاء الظهر والمغرب ؟ فيهِ -أيضاً - اختلاف ، يذكر في (( الصلاة )) - إن شاء الله تعالى .\rوإن حاضت في أول وقت صلاة تجمع إلى ما بعدها ، ففي لزوم القضاء لما بعد الصلاة التي حاضت في وقتها اختلاف -أيضاً - ، والقول بوجوب القضاء هنا أبعد مِن التي قبلها .\r\r* * *\r\r21 - باب\rالنومِ معَ الحائضِ وهي في ثيابها\rخرج فيهِ :","part":2,"page":131},{"id":252,"text":"322- حديث : يحيى بنِ أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، حدثته أن أم سلمة قالت : حضت وأنا معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخميلة ، فانسللت ، فخرجت منها ، فأخذت ثياب حيضتي ، فلبستها ، فقالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r(( أنفست ؟ )) قلت : نعم ، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة .\rقالت : وحدثتني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقبلها وَهوَ صائم ، وكنت أغتسل أنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - مِن إناء واحد مِن الجنابة .\rأول هَذا الحديث قَد خرجه البخاري فيما تقدم في (( باب : مِن سمى النفاس حيضاً )) ، وسبق الكلام هناك على شرحه وضبط مشكل ألفاظه .\rوإنما أعاده هنا ؛ لأنه استنبط منهُ جواز نوم الرجل معَ امرأته وهي حائض في ثياب حيضها في لحاف واحد ، وقد سبق القول في ذَلِكَ مستوفى في (( باب : مباشرة الحائض )) .\rويختص هَذا الباب : بأن ثياب الحائض وإن كانت مختصةً بحال حيضها فلا يجب اتقاؤها والتنزه عَن ملابستها ، وأنه لا تنجس ما أصابها مِن جسد الرجل أو ثيابه ، ولا يغسل مِن ذَلِكَ شيئاً ما لَم ير فيه دماً ، وقد سبق هَذا المعنى مبسوطاً في (( باب : هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ )) .\rوذكرنا فيهِ حديث عائشة ، قالت : كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعار الواحد ، وأنا حائض طامث ، فإن أصابه مني شيء غسل ما أصابه ، لم يعده إلى غيره ، ثُمَّ صلى فيهِ .\rخرجه النسائي .\rوأما باقي هَذا الحديث ، فَقد تقدم الكلام على اغتسال النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعض أزواجه مِن إناء واحد مِن الجنابة في موضعه مِن الكِتابِ ، ويأتي الكلام على القبلة للصائم مِن موضعها مِن (( الصيام )) - إن شاء الله تعالى .\r\r* * *\r\r22 - باب\rمنِ اتخذَ ثيابَ الحيضِ سوى ثيابِ الطهرِ\rخرج فيهِ :\r323 - حديث : أم سلمة -بالإسناد المتقدم- ؛ قالت : بينا أنا معَ النبي - صلى الله عليه وسلم - مضطجعة في خميلة حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتي ، فقالَ : (( أنفست ؟ )) فقلت : نعم . فدعاني ، فاضطجعت معه في الخميلة .\rقَد سبق حديث عائشة ، قالت : (( ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض\rفيهِ )) . وقد خرجه البخاري في (( باب : هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ )) . وسبق هناك أحاديث متعددة بهذا المعنى .\rوظاهر حديث أم سلمة هَذا : يدل على أنَّهُ كانَ لها ثياب لحيضها غير ثياب طهرها ، فيكون هَذا كله جائزاً غير ممنوع منهُ ولا مكروه ، فلا يكره أن تحيض المرأة وتطهر في ثوب واحد وتصلي فيهِ ، ولا أن تتخذ لحيضها ثياباً غير ثياب طهرها ، ولا يعد ذَلِكَ سرفاً ولا وسواساً .","part":2,"page":132},{"id":253,"text":"ويحتمل أن يجمع بين الحديثين بأن يكون المراد بثياب الحيضة في حديث أم سلمة : الإزار التي كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر الحائض في فور حيضها أن تأتزر بهِ ، ثُمَّ يباشرها وهي حائض ، كَما روت ذَلِكَ عائشة وميمونة ، وقد سبق حديثهما في (( باب : مباشرة الحائض )) ، فيجمع بذلك بين حديث عائشة : (( ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ )) ، وبين حديثها الآخر في أمرها بالاتزار في فور الحيض .\r\r* * *\r\r23-باب\rشهودِ الحائضِ العيدينِ ودعوةَ المسلمينَ ويعتزلنَ المصلى\r324- حدثنا محمد بنِ سلام : ثنا عبد الوهاب ، عَن أيوب ، عَن حفصة ، قالت : كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين ، فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف ، فحدثت عَن أختها - وكان زوج أختها غزا معَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ثنتي عشرة ، وكانت أختي معه في ست - ، قالت : كنا نداوي الكلمى ، ونقوم على المرضى ، فسألت أختي النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعلى إحدانا بأس إذا لَم يكن لها جلباب أن لا تخرج ؟ قالَ : (( لتلبسها صاحبتها مِن جلبابها ولتشهد الخير ودعوة المسلمين )) . فلما قدمت أم عطية سألتها : أسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : بأبا ، نعم - وكانت لا تذكره إلا قالت : بأبي -سمعته يقول : (( يخرج العواتق وذوات الخدور -أو العواتق ذوات الخدور- والحيض ، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ، ويعتزل الحيض المصلى )) .\rقالت حفصة : فقلت : الحيض ؟ فقالت : أليس تشهد عرفة وكذا وكذا ؟\r(( حفصة )) ، هي : بنت سيرين أخت محمد وإخوته .\rو (( العواتق )) : جمع عاتق ، وهي البكر البالغ التي لَم تزوج .\rو (( الجلباب )) : هي الملاءة المغطية للبدن كله ، تلبس فوق الثياب ، وتسميها العامة : الإزار ، ومنه قول الله - عز وجل - : { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } .\rوفي الحديث : أمر للنساء بشهود العيدين ، معللاً بما فيهِ مِن شهود الخير ودعوة المسلمين ، ويأتي استيفاء الكلام على ذَلِكَ في موضعه مِن (( الصلاة )) -إن شاء الله\rتعالى .\rوإنما المقصود هنا : شهود الحيض ، وقد استنكرت ذَلِكَ حفصة بنت سيرين ، فأجابتها أم عطية بأن الحائض تشهد عرفة وكذا وكذا ، كأنها تعني : مجامع الحج مِن الوقوف بالمزدلفة ، ورمي الجمار وغير ذَلِكَ ، فإنها تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت ، كَما سبق ، فكذلك تشهد مجمع العيدين وهي حائض ؛ لأنها مِن أهل الدعاء والذكر ، فلها أن تفعل ذَلِكَ بنفسها ، وتشهد مجامع المسلمين المشتملة عليهِ .\rوأما أمر الحائض باعتزال المصلى ، فَقد قيل : بأن مصلى العيدين مسجد ، فلا يجوز للحائض المكث فيهِ ، وَهوَ ظاهر كلام بعض أصحابنا ، مِنهُم : ابن أبي موسى في\r(( شرح الخرقي )) ، وَهوَ -أيضاً- أحد الوجهين للشافعية ، والصحيح عندهم : أنَّهُ ليسَ بمسجد ، فللجنب والحائض المكث فيهِ .\rوأجابوا عَن حديث الأمر باعتزال الحيض للمصلى : بأن المراد أن يتسع على غيرهن ، ويتميزن .","part":2,"page":133},{"id":254,"text":"وفي هَذا نظر ؛ فإن تميز الحائض عَن غيرها مِن النساء في مجلس وغيره ليسَ بمشروع ، وإنما المشروع تميز النساء عَن الرجال جملة ؛ فإن اختلاطهن بالرجال يخشى منهُ وقوع المفاسد .\rوقد قيل : إن المصلى يكون لَهُ حكم المساجد في يوم العيدين خاصةً ، في حال اجتماع الناس فيهِ دونَ غيره مِن الأوقات .\rوفي ذَلِكَ -أيضاً- نظر ، والله أعلم .\rوالأظهر : أن أمر الحيض باعتزال المصلى إنما هوَ حال الصلاة ؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن ، ثُمَّ يختلطن بهن في سماع الخطبة .\rوقد صرح أصحابنا : بأن مصلى العيد ليسَ حكمه حكم المسجد ، ولا في يوم العيد ، حتى قالوا : لو وصل إلى المصلى يوم العيد والإمام يخطب فيهِ بعد الصلاة ؛ فإنه يجلس مِن غير صلاة ؛ لأنه لا تحية لَهُ .\rواختلفوا : لو كانَ يخطب في المسجد : هل يصلي التحية ؟ على وجهين .\rوقول أم عطية : (( بأبا )) هوَ بفتح الباء الثانية ، وقد زعم بعضهم أن حديث أم عطية لَم يرد إلا كذلك .\rوهما لغتان : (( بأبي )) بكسر الباء ، و (( بأبا )) بفتح الباء .\rوالمراد : تفدية النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبيها .\r\r* * *\r\r24 - باب\rإذا حاضتْ في شهرٍ ثلاثَ حيضٍ ، وما يصدقُ النساءُ\rفي الحيضِ والحملِ فيها يمكنُ منَ الحيضِ\rلقول الله تعالى : { وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنّ }\r[ البقرة: 228] .\rويذكر عَن علي وشريح : إن جاءت ببينة مِن بطانة أهلها - ممن يرضى دينه - أنها حاضت ثلاثاً في شهر ؛ صدقت .\rوقال عطاء : أقراؤها كانت .\rوبه قالَ إبراهيم .\rوقال عطاء : الحيض يوم إلى خمسة عشر .\rوقال المعتمر ، عَن أبيه : سألت ابن سيرين عَن المرأة ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام ؟ قالَ : النساء أعلم بذلك .\rأمَّا قول الله - عز وجل - : { وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنّ }\r[ البقرة: 228] ، فإنه يدل على أن المرأة مؤتمنة على الإخبار بما في رحمها ، ومصدقة فيهِ إذا ادعت مِن ذَلِكَ ممكناً .\rروى الأعمش ، عَن مسلم ، عَن مسروق ، عَن أبي بنِ كعب ، قالَ : إن مِن الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها .\rوقد اختلف المفسرون مِن السلف فَمِن بعدهم في المراد بقولِهِ تعالى : { مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنّ } ، ففسره قوم بالحمل ، وفسره قوم بالحيض .\rوقال آخرون : كل منهما مراد ، واللفظ صالح لهما جميعاً . وهذا هوَ المروي عَن أكثر السلف ، مِنهُم : ابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، والضحاك .\rوأما ما ذكره عَن علي وشريح :","part":2,"page":134},{"id":255,"text":"فقالَ حرب الكرماني : ثنا إسحاق -هوَ : ابن راهويه - : ثنا عيسى بنِ يونس ، عَن إسماعيل بنِ أبي خالد ، عَن الشعبي ، أن امرأة جاءت إلى علي بنِ أبي طالب ، فقالت : إني طلقت ، فحضت في شهر ثلاث حيض ؟ فقالَ علي لشريح : قل فيها ، فقالَ : أقول فيها وأنت شاهد ! قالَ : قل فيها، قالَ : إن جاءت ببطانة مِن أهلها ممن يرضى دينهن وأمانتهن فقلن : إنها حاضت ثلاث حيض طهرت عند كل حيضة ؛ صدقت . فقالَ علي : قالون . قالَ عيسى : بالرومية : أصبت .\rقالَ حرب : وثنا إسحاق : أبنا محمد بن بكر : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عَن قتادة ، عَن عزرة ، عَن الحسن العرني ، أن امرأة طلقها زوجها ، فحاضت في خمس وثلاثين ليلة ثلاث حيض ، فرفعت إلى شريح فلم يدر ما يقول فيها ، ولم يقل شيئاً ، فرفعت إلى علي بن أبي طالب ، فقالَ : سلوا عنها جاراتها ، فإن كانَ هكذا حيضها فَقد انقضت عدتها ، وإلا فأشهر ثلاث .\rوهذا الإسناد فيهِ انقطاع ؛ فإن الحسن العرني لَم يدرك علياً - : قاله أبو حاتم الرازي .\rوأما الإسناد الذِي قبله ، فإن الشعبي رأى علياً يرجم شراحة ووصفه . قالَ يعقوب بنِ شيبة : لكنه لَم يصحح سماعه منهُ .\rوأما ما ذكره البخاري عَن عطاء والنخعي :\rفروى ابن المبارك ، عَن ابن لهيعة ، عَن خالد بنِ يزيد ، عَن عطاء ، في امرأة طلقت ، فتتابعت لها ثلاث حيض في شهر : هل [ حلت ] ؟ قالَ : أقراؤها ما كانت .\rوروي نحوه عَن النخعي ، كَما حكاه البخاري ، وحكاه عَنهُ إسحاق بن\rراهويه .\rفهؤلاء كلهم يقولون : إن المرأة قَد تنقضي عدتها بثلاثة أقراء في شهر واحد ، وَهوَ قول كثير مِن العلماء ، مِنهُم : مالك ، وأحمد ، وإسحاق وغيرهم .\rوهذا ينبني على أصلين :\rأحدهما : الاختلاف في الأقراء : هل هي الأطهار ، أو الحيض ؟ وفيه قولان مشهوران .\rومذهب مالك والشافعي : أنها الأطهار ، ومذهب أحمد -الصحيح عَنهُ - ، وإسحاق : أنها الحيض ، وستأتي المسألة مستوفاةً في موضع آخر مِن الكِتابِ - إن شاء الله تعالى .\rوالثاني : الاختلاف في مدة أقل الحيض وأقل الطهر بين الحيضتين .\rفأما أقل الحيض : فمذهب الشَافِعي وأحمد -المشهور عَنهُ- وإسحاق : أنَّهُ يوم وليلة .\rوأما أقل الطهر بين الحيضتين : فمذهب الشافعي وأحمد -في رواية عَنهُ - : أنَّهُ خمسة عشر يوماً ، وَهوَ قول كثير مِن أصحاب مالك .\rوالمشهور عَن أحمد : أن أقله ثلاثة عشر يوماً .\rوعند إسحاق : أقله عشرة أيام - : نقله عَنهُ حرب .\rوَهوَ رواية ابن القاسم ، عَن مالك .\rواختلفت الرواية عَن مالك في ذَلِكَ .\rفعلى قول مِن قالَ : الأقراء الحيض ، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً ، فيمكن انقضاء العدة بثلاثة قروء في تسعة وعشرين يوماً .\rوعلى قول مِن قالَ : الأقراء الحيض ، وأقل الطهر خمسة عشر فلا تنقضي العدة في أقل مِن ثلاثة وثلاثين يوماً .\rوأما على قول مِن يقول : الأقراء الأطهار : فإن قيل : بأن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر ؛ فأقل ما تنقضي فيهِ العدة بالأقراء ثمانية وعشرون يوماً .","part":2,"page":135},{"id":256,"text":"وإن قيل : أقل الطهر خمسة عشر ؛ فاثنان وثلاثون يوماً .\rفأما مالك وأصحابه ، فقالَ ابن القاسم : سألت مالكاً ، إذا قالت : قَد حضت ثلاث حيض في شهر ؟ قالَ : تسأل النساء عَن ذَلِكَ ، فإن كن يحضن كذلك ويطهرن\rلَهُ ؛ كانت مصدقة .\rوهذا هوَ مذهب مالك المذكور في (( المدونة )) ، واختاره الأبهري مِن أصحابه ، وبناه على أن الحيض لا حد لأقله ، بل أقله دفقة وأقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر .\rومن المالكية مِن قالَ : يقبل في أربعين يوماً ، فاعتبر أقل الطهر وخمسة أيام مِن كل حيضة . ومنهم مِن قالَ : تنقضي في ستة وثلاثين يوماً ، فاعتبر أقل الطهر وثلاثة أيام للحيضة .\rفلم يعتبر هَذا ولا الذِي قبله الحيض ولا أكثره .\rوقد ينبني الذِي نقله ابن القاسم ، عَن مالك ، على قولُهُ : إنه لا حد لأقل الطهر بين الحيضتين ، بل هوَ على ما تعرف المرأة مِن عادتها .\rوَهوَ رواية منصوصة عَن أحمد ، اختارها أبو حفص البرمكي مِن أصحابنا ، وأورد على نفسه : أنَّهُ يلزم على هَذا أنها إذا ادعت انقضاء العدة في أربعة أيام قبل منها : فأجاب : أنَّهُ لا بد مِن الأقراء الكاملة ، وأقل ما يُمكن في شهر .\rكذا قالَ .\rونقل الأثرم عَن أحمد ، أنَّهُ لا توقيت في الطهر بين الحيضتين ، إلا في موضع واحد : إذا ادعت انقضاء عدتها في شهر ؛ فإنها تكلف البينة .\rونقل ابن عبد البر : أن الشَافِعي قالَ : أقل الطهر خمسة عشر ، إلا أن يعلم طهر امرأة أقل مِن خمسة عشر ، فيكون القول قولها .\rومذهب أبي حنيفة : لا تصدق في دعوى انقضاء العدة في أقل مِن ستين يوماً ، واختلف عَنهُ في تعليل ذَلِكَ :\rفنقل عَنهُ أبو يوسف : أنها تبدأ بطهر كامل خمسة عشر يوماً ، وتجعل كل حيضة خمسة أيام، والأقراء عندهم : الحيض .\rونقل عَنهُ الحسن بنِ زياد : أنَّهُ اعتبر أكثر الحيض -وَهوَ عشرة أيام عندهم- وأقل الطهر -وَهوَ خمسة عشر- وبدأ بالحيض .\rوقال صاحباه أبو يوسف ومحمد : لا تصدق إلا في كمال تسعة وثلاثين يوماً ، بناء على أقل الحيض ، وَهوَ عندهم ثلاثة ، وأقل الطهر ، وَهوَ خمسة عشر .\rوقال سفيان الثوري : لا تصدق في أقل مِن أربعين يوماً ، وَهوَ أقل ما تحيض فيهِ النساء وتطهر . وهذا كقول أبي يوسف ومحمد .\rوعن الحسن بنِ صالح : لا تصدق في أقل مِن خمسة وأربعين يوماً - : نقله عَنهُ الطحاوي .\rوقال حرب الكرماني : ثنا إسحاق : ثنا أبي ، قالَ : سألت ابن المبارك فقالَ : أرأيت قول سفيان : تصدق المرأة في انقضاء عدتها في شهر ، كيف هَذا ؟ وما معناه ؟ فقالَ : جعل ثلاثاً حيضاً ، وعشراً طهراً ، وثلاثاً حيضاً ، كذا قالَ .\rوقد ذكر بعض أصحاب سفيان في مصنف لَهُ على مذهبه رواية ابن المبارك هَذهِ عَن سفيان : أنها لا تصدق في أقل مِن تسعة وثلاثين يوماً ، وعزاها إلى الطحاوي ، ووجهها بأن أقل الحيض ثلاثة أيام وأقل الطهر خمسة عشر . قالَ : ورواية المعافى والفريابي عَن سفيان ، أنها لا تصدق في أقل مِن أربعين يوماً . قالَ : وهما بمعنى واحد .","part":2,"page":136},{"id":257,"text":"وأما إسحاق بنِ راهويه ، فإنه حمل المروي عَن علي في ذَلِكَ على أنَّهُ جعل الطهر عشرة أيام، والحيض ثلاثة ، لكن إسحاق لا يرى أن أقل الحيض ثلاث .\rولم يذكر أكثر هؤلاء أن قبول دعواها يحتاج إلى بينة ، وَهوَ قول الخرقي مِن أصحابنا .\rوالمنصوص عَن أحمد : أن دعوى انقضاء العدة في شهر لا تقبل بدون بينة ، تشهد بهِ مِن النساء ، ودعوى انقضائها في زيادة على شهر تقبل بدون بينة ؛ لأن المرأة مؤتمنة على حيضها كَما قالَ أبي بن كعب وغيره ، وإنما اعتبرنا البينة في دعواها في الشهر خاصة للمروي عَن علي بن أبي طالب ، كَما تقدم .\rومن أصحابنا مِن قالَ : إن ادعته في ثلاثة وثلاثين يوماً قبل بغير بينة ؛ لأن أقل الطهر المتفق عليهِ خمسة عشر يوماً ، وإنما يحتاج إلى بينة إذا ادعته في تسعة وعشرين ؛ لأنه يُمكن ؛ فإن أقل الطهر ثلاثة عشر في رواية .\rومنهم مِن قالَ : إنما يقبل ذَلِكَ بغير بينة في حق مِن ليسَ لها عادة مستقرة ، فأما مِن لها عادة منتظمة فلا تصدق إلا ببينة على الأصح ، كذا قاله صاحب (( الترغيب )) .\rوقال ابن عقيل في (( فنونه )) : ولا تقبل معَ فساد النساء وكثرة كذبهن دعوى انقضاء العدة في أربعين ولا خمسين [ يوماً ] ، إلا ببينة تشهد أن هَذهِ عادتها ، أو أنها رأت الحيض على هَذا المقدار، وتكرر ثلاثاً .\rوقال إسحاق وأبو عبيد : لا تصدق في أقل مِن ثلاثة أشهر ، إلا أن تكون لها عادة معلومة قَد عرفها بطانة أهلها المرتضى دينهن وأمانتهن فيعمل بها حينئذ ، ومتى لَم يكن كذلك فَقد وقعت الريبة ، فيحتاط وتعدل الأقراء بالشهور ، كَما في حق الآيسة والصغيرة .\rوأما ما حكاه البخاري عَن عطاء ، أن الحيض يوم إلى خمسة عشر ، فهذا معروف عَن عطاء .\rوقد اختلف العلماء في أقل الحيض وأكثره :\rفأما أقله :\rفمنهم مِن قالَ : يوم ، كَما روي عَن عطاء . ومنهم مِن قالَ : يوم وليلة ، وروي -أيضاً- عَن عطاء .\rوروي -أيضاً- مثل هذين القولين عَن الأوزاعي والشافعي وأحمد ، فقالَ كثير مِن أصحابهم : إنهما قولان لَهُم ، ومن أصحابنا وأصحاب الشَافِعي مِن قالَ : إنما مراد الشَافِعي [ وأحمد ] يوم معَ ليلته ؛ فإن العرب تذكر اليوم كثيراً ويريدون : معَ ليلته . وممن قالَ : أقله يوم وليلة : إسحاق وأبو ثور .\rوقالت طائفة : لا حد لأقله ، بل هوَ على ما تعرفه المرأة مِن نفسها ، وَهوَ المشهور عَن مالك ، وقول أبي داود وعلي بنِ المديني ، وروي عَن الأوزاعي -أيضاً .\rونقل ابن جرير الطبري عَن الربيع ، عَن الشَافِعي ، أن الحيض يكون يوماً\r[ وأقل ] وأكثر . قالَ الربيع : وآخر قولي الشَافِعي : أن أقله يوم وليلة .\rوقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : أقله ثلاثة أيام .\rوروي ذَلِكَ عَن ابن مسعود وأنس مِن قولهما ، وروي - مرفوعاً - مِن طرق ، والمرفوع كله باطل لا يصح ، وكذلك الموقوف طرقه واهية ، وقد طعن فيها غير واحد مِن أئمة الحفاظ .\rوقالت طائفة : أقله خمسة أيام ، وروي عَن مالك .","part":2,"page":137},{"id":258,"text":"ولم يصح عند أكثر الأئمة في هَذا الباب توقيت مرفوع ولا موقوف ، وإنما رجعوا فيهِ إلى ما حكي مِن عادات النساء خاصة ، وعلى مثل ذَلِكَ اعتمد الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوأما أكثر الحيض .\rفقالَ عطاء : هوَ خمسة عشر يوماً . وحكي مثله عَن شريك والحسن بنِ صالح ، وَهوَ قول مالك والشافعي وأحمد -في المشهور عَنهُ- وإسحاق وداود وأبي ثور وغيرهم .\rومن أصحابنا والشافعية مِن قالَ : خمسة عشر يوماً بلياليها ، قالَ بعض الشافعية : وهذا القيد لا بد مِنه ، لتدخل الليلة الأولى ، والاعتماد في ذَلِكَ على ما حكي مِن حيض بعض النساء خاصة .\rوأما الرواية عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنَّهُ قالَ في نقصان دين النساء : (( تمكث شطر عمرها لا تصلي )) فإنه لا يصح ، وقد طعن فيهِ ابن منده والبيهقي وغيرهما مِن الأئمة .\rوقالت طائفة : أكثره سبعة عشر ، حكي عَن عبد الرحمن بنِ مهدي وعبد الله بن نافع صاحب مالك .\rوَهوَ رواية عَن أحمد واختارها أبو بكر عبد العزيز ، ومن أصحابنا -كأبي حفص البرمكي- مِن قالَ : لا يصح عَن أحمد ، إنما حكى ذَلِكَ أحمد عَن غيره ولم يوافقه .\rوحكي عَن بعضهم : أكثره ثلاثة عشر ، وحكي عَن سعيد بنِ جبير .\rوقال سفيان وأبو حنيفة وأصحابه : أكثره عشرة أيام ، واعتمدوا في ذَلِكَ على أحاديث مرفوعه وآثار موقوفة عَن أنس وابن مسعود وغيرهما كَما سبق .\rوالأحاديث المرفوعة باطلة ، وكذلك الموقوفة على الصحابة - : قاله الإمام أحمد في رواية الميموني وغيره .\rوقد روي -أيضاً- عَن الحسن وخالد بنِ معدان ، وأنكره الإمام أحمد عَن خالد .\rوروي عَن الحسن : أكثره خمسة عشر .\rوحكي عَن طائفة : [ أن ] أكثره سبعة أيام :\r[ قالَ مكحول : وقت الحائض سبعة أيام ] .\rوعن الضحاك ، قالَ : تقعد سبعة أيام ، ثُمَّ تغتسل وتصلي .\rوعن الأوزاعي في المبتدأة : تمكث [ أعلى ] أقراء النساء سبعة أيام ، ثُمَّ تغتسل وتصلي كَما تفعل المستحاضة .\rوحكى الحسن بنِ ثواب ، عَن أحمد ، قالَ : عامة الحيض ستة أيام إلى سبعة .\r[ قيل لَهُ : فإن امرأة مِن آل أنس كانت تحيض خمسة عشر ؟ قالَ : قَد كانَ ذَلِكَ ، وأدنى الحيض : يوم ، وأقصاه - عندنا - : ستة أيام إلى سبعة ] ، ثُمَّ ذكر حديث : (( تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً )) .\rوكلام أحمد ومن ذكرنا معه في هَذا إنما مرادهم بهِ - والله أعلم - أن السبعة غالب الحيض وأكثر عادات النساء ؛ لا أنَّهُ أقصى حيض النساء كلهن .\rوقالت طائفة : لا حد لأكثر الحيض ، وإنما هوَ على حسب ما تعرفه كل امرأة مِن عادة نفسها ، فلو كانت المرأة لا تحيض في السنة إلا مرة واحدة وتحيض شهرين متتابعين فَهوَ حيض صحيح ، وري نَحوَ ذَلِكَ عَن ميمون بن مهران والأوزاعي ، ونقله حرب عَن إسحاق وعلي بن المديني .\rويشبه هَذا : ما قاله ابن سيرين : النساء أعلم بذلك ، كَما حكاه البخاري عَنهُ - تعليقاً - مِن رواية معتمر بنِ سليمان ، عَن أبيه ، أنه سأل ابن سيرين عَن امرأة ترى الدم بعد قرئها بخمسة أيام؟ قالَ : النساء أعلم بذلك .","part":2,"page":138},{"id":259,"text":"ومراد ابن سرين -والله أعلم - : أن المرأة أعلم بحيضها واستحاضتها ، فما اعتادته حيضاً وتبين لها أنَّهُ حيض جعلته حيضاً ، وما لَم تعتده ولم يتبين لها أنَّهُ حيض فَهوَ استحاضة .\rوقد ذكر طائفة مِن أعيان أصحاب الشَافِعي : أن مِن لها عادة مستمرة على حيض وطهر أقل مِن يوم وليلة وأكثر مِن خمسة عشر أنها تعمل بعادتها في ذَلِكَ ، مِنهُم : أبو إسحاق الإسفراييني والقاضي حسين والدارمي وأبو عمرو بنِ الصلاح ، وذكر أنه نص الشَافِعي - : نقله عَنهُ صاحب (( التقريب )) .\rوما نقله ابن جرير عَن الربيع ، عَن الشَافِعي ، كَما تقدم ، يشهد لَهُ - أيضاً .\rخرج البخاري في هَذا الباب حديثاً ، فقالَ :\r325- ثنا أحمد بنِ أبي رجاء : ثنا أبو أسامة ، قالَ : سمعت هشام بنِ عروة ، قالَ : أخبرني أبي ، عَن عائشة ، أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : إني أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قالَ : (( لا ، إن ذَلِكَ عرق ، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثُمَّ اغتسلي وصلي )) .\rهَذا الحديث استدل بهِ مِن ذهب إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها إلى قدر الأيام التي كانت تحيضها ، والأيام جمع ، وأقل الجمع ثلاثة .\rوأجاب مِن خالفهم عَنهُ بجوابين :\rأحدهما : أن المراد بالأيام : الأوقات ، لأن اليوم قَد يعبر بهِ عَن الوقت قل أو\rكثر ، كَما قالَ تعالى : { أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } [ هود: 8 ] ، والمراد : وقت مجيء العذاب ، وقد يكون ليلاً ويكون نهاراً ، وقد يستمر وقد لا يستمر ، ويقال : يوم الجمل ، ويوم صفين ، وكل منهما كانَ عدة أيام .\rوالثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد امرأة واحدةً إلى عادتها ، والظاهر : أن عادتها كانت أياماً متعددة في الشهر ، إمَّا ستة أيام أو سبعة ، فليس فيهِ دليل على أن كل حيض امرأة يكون كذلك .\rواستدل الإمام أحمد بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم - : (( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها )) على أن الحيض قَد يكون أكثر مِن عشرة أيام ؛ لأنه لو كانَ الزائد على العشرة استحاضة لبين لها ذَلِكَ .\rولكن قَد يُقال : في الزيادة على الخمس عشرة كذلك -أيضاً .\rوالظاهر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يعلم أن حيض هَذهِ المرأة أقل مِن ذَلِكَ ، فلذلك ردها إلى أيامها .\r\r* * *\r\r25-باب\rالصفرةِ والكدرةِ في غيرِ أيام الحيضِ\r326- حدثنا قتيبة : ثنا إسماعيل ، عَن أيوب ، عَن محمد ، عَن أم عطية : كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً .\rكذا رواه ابن علية ومعمر ، عَن أيوب .\rورواه وهيب ، [ عَن أيوب ] ، عَن حفصة بنت سيرين ، عَن أم عطية .\rوزعم محمد بنِ يحيى الذهلي أن قول وهيب أصح . وفيه نظر .\rوقد خرج أبو داود مِن طريق حماد بنِ سلمة ، عَن قتادة ، عَن أم الهذيل - وهي : حفصة بنت سيرين - ، عَن أم عطية -وكانت بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً .","part":2,"page":139},{"id":260,"text":"ثُمَّ قالَ : ثنا مسدد : ثنا إسماعيل : أبنا أيوب ، عَن محمد بنِ سيرين ، عَن أم عطية - مثله .\rوظاهر هَذا السياق : يدل على أن رواية أيوب ، عَن محمد مثل رواية قتادة ، عَن أم الهذيل ، وأن فيها هَذهِ اللفظة : (( بعد الطهر )) .\rمعَ أن شعبة كانَ يقول : (( مثله )) ليسَ بحديث ، يشير إلى أنَّهُ قَد يقع التساهل في لفظه .\rوخالفه سفيان ، فقالَ : هوَ حديث .\rوخرج الدارقطني مِن رواية هشام بنِ حسان ، عَن حفصة ، عَن أم عطية ، قالت : كنا لا نرى الترية بعد الطهر شيئاً - وهي الصفرة والكدرة .\rوروى وكيع ، عَن أبي بكر الهذلي ، عَن معاذة ، عَن عائشة ، قالت : ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئاً .\rوأبو بكر الهذلي ، ضعيف .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه مِن رواية أبي سلمة ، أن أم بكر\rأخبرته ، عَن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر : (( إنما هوَ عرق - أو عروق )) .\rوأم بكر -ويقال : أم أبي بكر - ، لَم يرو عنها غير هَذا الحديث ، وليست بمشهورة .\rوقد بوب البخاري على حديث أم عطية : (( الصفرة والكدرة في غير أيام\rالحيض )) ، ولم يخرج الحديث بزيادة : (( بعد الطهر )) كَما خرجه أبو داود .\rولم يتفرد بهِ حماد بنِ سلمة ، عَن قتادة ، بل قَد رواه حرب في (( مسائله )) ، عَن الإمام أحمد ، عَن غندر ، عَن شعبة ، عَن قتادة - بمثله .\rوقد روي حديث أم عطية بلفظ آخر ، وَهوَ : (( كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة بعد الغسل شيئاً )) .\rخرجه الدارمي في (( مسنده )) .\rوقد سبق ذكر الصفرة والكدرة في (( باب : إقبال المحيض وإدباره )) ، وأن الصفرة والكدرة لهما ثلاثة أحوال :\rحال : تكون في مدة عادة المعتادة ، فتكون حيضاً عند جمهور العلماء ، سواء سبقها دم أم لا .\rوحال : تكون بعد انقضاء العادة ، فإن اتصلت بالعادة ولم يفصل بينهما طهر ، وكانت في مدة أيام الحيض -أعني : الأيام التي يحكم بأنها حيض ، وهي : الخمسة عشر ، أو السبعة عشر ، أو العشرة عند قوم - ، فهل تكون حيضاً بمجرد اتصالها بالعادة ، أم لا تكون حيضاً حتى تتكرر ثلاثاً أو مرتين ، أم لا تكون حيضاً وإن تكررت ؟ فيهِ ثلاثة أقوال للعلماء :\rالأول : ظاهر مذهب مالك والشافعي . والثاني : رواية عَن أحمد . والثالث : قول أبي حنيفة والثوري ، وأحمد في رواية .\rوإن انقطع الدم عند تمام العادة ، ثُمَّ رأت بعده صفرة أو كدرة في مدة الحيض ، فالصحيح عند أصحابنا : أنَّهُ لا يكون حيضاً ، وإن تكرر .\rوقد قالَ أكثر السلف : إنها إذا رأت صفرة أو كدرة بعد الغسل أو بعد الطهر فإنها تصلي ، وممن روي ذَلِكَ عَنهُ : عائشة ، وسعيد بنِ المسيب ، وعطاء ، والحسن ، وإبراهيم النخعي ، ومحمد ابن الحنيفة وغيرهم .\rوحديث أم عطية يدل على ذَلِكَ .\rوحال : ترى الصفرة والكدرة بعد أكثر الحيض ، فهذا لا إشكال في أنَّهُ ليسَ بحيض .\r\r* * *\r\r26-باب\rعرقِ الاستحاضةِ\rخرج فيهِ :","part":2,"page":140},{"id":261,"text":"327- حديث : ابن أبي ذئب ، عَن ابن شهاب ، عَن عروة - وعن عمرة - ، عَن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أن أم حبيبة استحيضت سبع سنينَ ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن ذَلِكَ ، فأمرها أن تغتسل ، فقالَ : (( هَذا عرق )) ، فكانت تغتسل لكل صلاة .\rهَذا الحديث اختلف في إسناده على الزهري : فروي عَنهُ عن عروة ، عن عائشة . وروي عنه ، عن عمرة ، عن عائشة . وروي عنه ، عن عروة وعمرة ، عَن عائشة كَما في هَذهِ الرواية ، ورواية الزهري لَهُ عنهما صحيح - : قاله الدارقطني .\rواختلف -أيضاً- في اسم المستحاضة :\rفقالَ الأكثرون في روايتهم : أم حبيبة ، ومنهم مِن قالَ : أم حبيبة بنت جحش .\rوقد خرجه مسلم مِن طرق ، عَن الزهري كذلك .\rوفي رواية لَهُ : عَن عمرو بنِ الحارث ، عَن الزهري ، عَن عروة وعمرة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنينَ - وذكر الحديث .\rولمسلم -أيضاً- مِن حديث عراك بنِ مالك ، عَن عروة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف شكت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الدم ، فقالَ لها : (( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثُمَّ اغتسلي )) ، فكانت تغتسل عند كل صلاة .\rورواه أبو داود الطيالسي عَن ابن أبي ذئب ، عَن الزهري ، وقال في حديثه : إن زينب بنت جحش استحيضت .\rووهم في قولُهُ : (( زينب )) - : ذكر ذَلِكَ الدراقطني في (( علله )) .\rوذكر أبو داود في (( سننه )) أن أبا الوليد الطيالسي رواه ، عَن سليمان بنِ\rكثير ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش - فذكره .\rوكذلك خرجه مسلم مِن رواية ابن عيينة ، عَن الزهري ، عَن عمرة ، عَن\rعائشة ، أن زينب بنت جحش كانت تستحاض سبع سنينَ - فذكره .\rوقد رواه مالك في (( الموطإ )) عَن هشام بنِ عروة ، عَن أبيه ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف ، وكانت تستحاض ، وكانت تغتسل وتصلي .\rولم يرفع هشام شيئاً مِن الحديث .\rوذكر ابن عبد البر: أن مالكاً وهم في قولُهُ : (( زينب )) ، وإنما هي : أم حبيبة .\rوقد رواه الليث بنِ سعد ، عَن هشام ، فقالَ فيهِ : إن أم حبيبة بنت جحش .\rوكذلك رواه يحيى بنِ سعيد ، عَن عروة وعمرة ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، أن أم حبيبة - وذكر الحديث .\rوروى ابن عيينة ، عَن الزهري ، عَن عمرة ، عَن عائشة ، أن حبيبة بنت جحش استحيضت -فذكره .\rوقال : كذا حفظت أنا في الحديث : والناس يقولون : أم حبيبة .\rخرجه حرب الكرماني في (( مسائله )) عَن الحميدي ، عَنهُ .\rوقد روي عبد الله بنِ محمد بنِ عقيل ، عَن إبراهيم بنِ محمد بنِ طلحة ، عَن عمه عمران بنِ طلحة ، عَن أمة حمنة بنت جحش ، قالت : كنت استحاض حيضة [ كبيرة ] شديدة ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أستفتيه ، فوجدته في بيت أخي زينب -وذكرت حديثاً طويلاً .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي .","part":2,"page":141},{"id":262,"text":"وقال : حسن صحيح .\rوحكى عَن البخاري أنه حسنه ، وعن الإمام أحمد أنه قالَ : هوَ حسن صحيح .\rوقد اختلف قول الإمام أحمد فيهِ ، فقيل عَنهُ أكثر أصحابه أنَّهُ ضعفه ، وقيل : إنه رجع إلى تقويته والأخذ بهِ - : قاله أبو بكر الخلال .\rوقد رواه جماعة عَن ابن عقيل كَما ذكرناه ، وخالفهم ابن جريجٍ ، فرواه عَنهُ ، وقال فيهِ : عَن حبيبة بنت جحش .\rذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله وقال : خالف الناس - يشير إلى أنها\rحمنة ، ليست حبيبة .\rوقد خرجه ابن ماجه مِن طريق ابن جريج ، عَن ابن عقيل ، إلا أن في روايته :\r(( عَن أم حبيبة بنت جحش )) .\rوحاصل الأمر : أن بنات جحش ثلاث :\rزينب بنت جحش أم المؤمنين ، كانت زوج زيد بنِ حارثة ، فطلقها فتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي التي ذكرها الله سبحانه في سورة الأحزاب .\rوحمنة بنت جحش ، هي التي خاضت في الإفك ، وكانت تحت طلحة بنِ\rعبيد الله .\rوأم حبيبة ، وكانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف ، ويقال فيها - أيضاً - : أم حبيب - : قاله الإمام أحمد في رواية ابنه صالح ، وأكثر الناس يسميها : أم حبيبة .\rوقال طائفة مِن المحققين : إنما هي أم حبيب ، واسمها حبيبة ، ففي (( تاريخ )) المفضل الغلابي - والظاهر أنه عَن يحيى بنِ معين ؛ لأنه في سياق كلام حكاه عَنهُ - ، قالَ : المستحاضة حبيبة بنت جحش ، وكانت تحت عبد الرحمن ابن عوف ، وهي أخت حمنة .\r[ وكذا ذكر الزبير بنِ بكار في كِتابِ [ .. .. ] (( الأنساب )) ، إلا أنه لَم يكنها ، وكذا قالَ أبو بكر بنِ أبي داود ] .\rوحكى الدارقطني في (( علله )) عَن إبراهيم الحربي ، أنه قالَ : الصحيح أن المستحاضة أم حبيب ، واسمها حبيبة بنت جحش ، وهي أخت حمنة ، ومن قالَ فيهِ : أم حبيبة أو زينب فَقد وهم .\rقالَ الدارقطني : وقول إبراهيم صحيح ، وكان مِن أعلم الناس بهذا الشأن .\rوقال ابن سعد في (( طبقاته )) : هي أم حبيب بنت جحش ، واسمها : حبيبة . قالَ : وبعض أهل الحديث يقلب اسمها ، فيقول : أم حبيبة .\rوحكى عَن الواقدي ، أنه قالَ : بعضهم يغلط ، فيروي أن المستحاضة حمنة بنت جحش ، ويظن أن كنيتها أم حبيبة ، والأمر على ما ذكرنا ، هي أم حبيب حبيبة بنت جحش ، وكانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف ، ولم تلد لَهُ شيئاً .\rوحكى البيهقي في (( كِتابِ المعرفة )) ، عَن ابن المديني ، أنه قالَ : أم حبيبة هي حمنة . وعن يحيى بنِ معين ، أنها غيرها .\rثُمَّ قالَ البيهقي : حديث ابن عقيل يدل على أنها غيرها ، كَما قالَ يحيى .\rقلت : رواية ابن عقيل ، عَن ابن إبراهيم بنِ محمد بنِ طلحة ، عَن عمه عمران بن طلحة ، عَن أمه حمنة صريح في أنها حمنة لا تحتمل غير ذَلِكَ ؛ لأن حمنة هي زوج طلحة بنِ عبيد الله ، وولدت لَهُ عمران ، وَهوَ رواي هَذا الحديث عَن أمه ، [ وأما أختها حبيب فلم يكن لها ولد بالكلية - : قاله الزبير بنِ بكار وغيره ] ، وحينئذ فيحتمل أن تكون حمنة استحيضت ، وأختها حبيبة استحيضت - أيضاً .","part":2,"page":142},{"id":263,"text":"وقد حكى ابن عبد البر هَذا قولاً ، قالَ : وقيل : إنهن كلهن استحضن -يعني : زينب ، وأم حبيب ، وحمنة .\rوعلى ما ذكره الأولون ، فالمستحاضة هي أم حبيب حبيبة خاصة دونَ أختيها .\rوذكر أبو الوليد بنِ الصفار الأندلسي -وكان مِن أعيان علماء الأندلس -في شرح (( الموطإ )) لَهُ : أن كلا مِن الأخوات الثلاث تسمى زينب ، وأن حمنة لقب .\rقالَ القرطبي : وإذا صح هَذا فَقد صح قول مِن سمى المستحاضة زينب .\rقلت : وفي هَذا بعد ، وَهوَ مخالف لقول الأئمة المعتبرين ، كَما سبق . والله أعلم .\rووقع في متن حديث عائشة اختلاف ثالث ، وَهوَ أهم مما قلبه ، وذلك أنَّهُ اختلف في غسلها لكل صلاة ، فَمِن الرواة : مِن ذكر أنها كانت تغتسل لكل صلاة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يأمرهم بذلك . ومنهم : مِن ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بذلك .\rفأما الذين لَم يرفعوه : فهم الثقات الحفاظ :\rوقد خرجه البخاري هاهنا مِن حديث ابن أبي ذئب ، مِن الزهري ، وفي حديثه : (( فكانت تغتسل لكل صلاة )) .\rوخرجه مسلم مِن طريق الليث ، عَن ابن شهاب ، عَن عروة ، عَن عائشة ، وفي حديثه : قالَ الليث : لَم يذكر ابن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ، ولكنه شيء فعلته هي .\rوخرجه -أيضاً - مِن رواية عراك بنِ مالك ، عَن عروة ، عَن عائشة ، وفي حديثه : (( فكانت تغتسل عند كل صلاة )) .\rوأما الذين رفعوه : فرواه ابن إسحاق ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمرها بالغسل لكل صلاة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rقالَ : ورواه أبو الوليد الطيالسي ، ولم أسمعه منهُ ، عَن سليمان بنِ كثير ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش ، فقالَ لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( اغتسلي لكل صلاة )) .\rوابن إسحاق وسليمان بنِ كثير ، في روايتهما عَن الزهري اضطراب كثير ، فلا يحكم بروايتهما عَنهُ معَ مخالفة حفاظ أصحابه .\rوروى يزيد بنِ عبد الله بنِ الهاد ، عَن أبي بكر - هوَ : ابن حزم - ، عَن عمرة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بنِ عوف ، وأنها استحيضت فلا تطهر ، فذكر شأنها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ : (( ليست بالحيضة ، ولكنها ركضة مِن الرحم ، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لَهُ ، فلتترك الصلاة ، ثُمَّ لتنظر ما بعد ذَلِكَ فلتغتسل [ عند ] كل صلاة ، ولتصل )) .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي .\rوَهوَ مخالف لرواية الزهري ، عَن عمرة ، كَما سبق ، ورواية الزهري أصح .\rوقال الإمام أحمد : كل مِن روى عَن عائشة : الأقراء الحيض ، فَقد أخطأ . قالَ : وعائشة تقول : الأقراء الأطهار .\rوكذا قالَ الشَافِعي في رواية الربيع ، وأشار إلى أن رواية الزهري أصح مِن هَذهِ الرواية .\rوحكى الحاكم عَن بعض مشايخه : أن حديث ابن الهاد غير محفوظ .","part":2,"page":143},{"id":264,"text":"وقد روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أم حبيبة بالغسل لكل صلاة - : يحيى بنِ أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، عَن زينب بنت أبي سلمة .\rخرجه أبو داود .\rوقد اختلف في إسناده على يحيى ، والصحيح : عَنهُ ، عَن أبي سلمة -مرسلاً - : قاله أبو حاتم ، معَ أن رواية زينب بنت أبي سلمة مرسلة -أيضاً - ، وقيل : عَنهُ ، عَن أبي سلمة ، عَن أم حبيبة ، ولا يصح .\rورواه الأوزاعي ، عَن يحيى ، عَن أبي سلمة مرسلاً ، وجعل المستحاضة زينب بنت أبي سلمة ، وَهوَ وهم فاحش ؛ فإن زينب حينئذ كانت صغيرة .\rوقد روي عَن طائفة مِن الصحابة والتابعين أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة ، ومنهم مِن حمل ذَلِكَ على الوجوب .\rوقد روي عَن ابن عباس أنه قالَ : لا أجد لها إلا ذَلِكَ .\rومنهم مِن حمله على الاستحباب ، وقد حكي الوجوب رواية عَن أحمد ، والمشهور عَنهُ الاستحباب كقول الأكثرين .\rوقد تعلق بعضهم للوجوب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تغتسل وتصلي ، وهذا يعم كل صلاة ؛ فإنه كالنهي أن تصلي حتى تغتسل ، وقد فهمت المأمورة ذَلِكَ ، فكانت تغتسل لكل صلاة ، وهي أفهم لما أمرت بهِ .\rويجاب عَن ذَلِكَ ، بأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرها أن تغتسل إذا ذهبت أيام حيضتها ، فلا يدخل في ذَلِكَ غير الغسل عند فراغ حيضتها ، وأما ما فعلته فَقد تكون فعلته احتياطاً وتبرعاً بذلك - : كذلك قاله الليث بنِ سعد وابن عيينة والشافعي وغيرهم مِن الأئمة .\rويدل على أن أمرها بالغسل لَم يعم كل صلاة : أن عائشة روت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تغتسل، وقالت عائشة : (( فكانت تغتسل لكل صلاة )) ، فدل على أن عائشة فهمت مِن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ما فعلته المستحاضة ، وعائشة راوية الحديث ، وهي أفقه وأفهم مِن غيرها مِن النساء .\rوقد ذهب مالك والشافعي -في أشهر قوليه - في المتحيرة - وهي : المستحاضة التي نسيت وقتها وعددها ولا تمييز لها - أنها تغتسل لكل صلاة وتصلي أبداً .\rواختلف أصحاب الشَافِعي : هل تقضي أم لا ؟ على وجهين لَهُم ، واختار ابن سريج مِنهُم : أنها تصلي كل يوم وليلة عشر صلوات بست اغتسالات وأربعة وضوآت ، ليسقط الفرض عنها بيقين .\rوفي هَذا حرج عظيم ، وعسر شديد ، والكتاب ناطق بانتفائه عَن هَذهِ الأمة ، فكيف تكلف بهِ امرأة ضعيفة مبتلاة ، معَ أن دين الله يسر - وليس بعسر .\rوذهبت طائفة : إلى أن المستحاضة تغتسل كل يوم غسلاً واحد ، وروي عَن أحمد ما يدل على وجوبه . وعند أحمد وإسحاق : لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل\rواحد ، وفي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ مخرجة ] في (( السنن )) .\rوأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( هَذا عرق )) ، وتبويب البخاري هاهنا على هَذهِ اللفظة ، فَقد سبق الكلام على معناه مستوفى في (( باب : الاستحاضة )) .","part":2,"page":144},{"id":265,"text":"وليس في حديث الزهري الذِي خرجه البخاري في هَذا الباب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام حيضها ، كَما في حديث هشام بنِ عروة وعراك بنِ\rمالك ، عَن عروة ، لكن في حديث هشام : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر فاطمة بنت أبي حبيش ، وفي حديث عراك : أمر أم حبيبة بنت جحش .\rوقد ذكر الأوزاعي ، عَن الزهري في حديثه هَذا ، أنه - صلى الله عليه وسلم - قالَ لأم حبيبة : (( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي )) ، وتفرد بذلك .\rوكذلك روى ابن عيينة ، عَن الزهري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ، وَهوَ وهم منهُ -أيضاً - : قاله الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما ورواه محمد بنِ عمرو ، عَن الزهري ، وزاد فيهِ : (( إذا كانَ دم الحيض ، فإنه أسود يعرف )) ، وقيل : إنه وهم منهُ -أيضاً - ، لكنه جعله عَن عروة ، عَن فاطمة بنت أبي حبيش .\rورواه سهيل ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن أسماء بنت عميس ، وزاد فيهِ هَذا المعنى -أيضاً .\rوقد سبق ذكر ذَلِكَ في (( باب : الاستحاضة )) .\rوالمحفوظ عَن الزهري في هَذا الحديث : ما رواه عَنهُ أصحابه الحفاظ ، وليس فيهِ شيء مِن ذَلِكَ . والله [ سبحانه وتعالى ] أعلم .\r* * *\r27-باب\rالمرأةِ تحيضُ بعدَ الإفاضةِ\rخرج فيهِ حديثين :\rأحدهما :\r328- مِن حديث : عمرة ، عَن عائشة ، أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن صفية قَد حاضت ، فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لعلها تحبسنا ، ألم تكن طافت معكن ؟ )) قالوا : بلى . قالَ : (( فاخرجي )) .\rوالثاني :\r329- مِن حديث : طاوس ، عَن ابن عباس ، قالَ : رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت .\r330- وكان ابن عمر يقول في أول أمره : إنها لا تنفر ، ثُمَّ سمعته يقول : تنفر ؛ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لهن .\rقَد سبق أن الحائض ممنوعة مِن الطواف في حال حيضها ، فإن حاضت قبل طواف الإفاضة فإنها لا تنفر حتى تطوف للإفاضة ، وإن طافت طواف الإفاضة ، ثُمَّ حاضت ، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها تنفر ، كَما دلت عليهِ هَذهِ الأحاديث الثلاثة - أعني : حديث عائشة ، وابن عمر ، وابن عباس .\rوقد روي عَن عمر ، وابنه عبد الله ، وزيد بنِ ثابت ، أنهم قالوا : لا تنفر حتى تطهر ، وتطوف للوداع . ووافق جماعة مِن الأنصار زيد بنِ ثابت في قولُهُ هَذا ، وتركوا قول ابن عباس .\rفأما ابن عمر : فَقد صح عَنهُ برواية طاوس هَذهِ أنه رجع عَن ذَلِكَ .\rوأما زيد : ففي (( صحيح مسلم )) عَن طاوس -أيضاً - ، أنه قالَ : كنت معَ ابن عباس إذ قالَ زيد بنِ ثابت : أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون عهدها بالبيت ؟ فقالَ لَهُ ابن عباس : إمَّا لا ، فسل فلانة الأنصارية ، هل أمرها بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك ، وَهوَ يقول : ما أراك إلا قَد صدقت .","part":2,"page":145},{"id":266,"text":"وأما عمر : فَقد روي - أيضاً - أنه رجع عما قاله في ذَلِكَ ، فروى عبد الرزاق ، أبنا محمد بنِ راشد ، عَن سليمان بنِ موسى ، عَن نافع ، قالَ : رد عمر نساء مِن ثنية هرشي ، وذلك أنهن أفضن يوم النحر ، ثُمَّ حضن فنفرن ، فردهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت ، قالَ : ثُمَّ بلغ عمر بعد ذَلِكَ حديث [ غير ] ما صنع ، فترك عمر صنيعه الأول .\rقالَ : وأبنا محمد بنِ راشد : أخبرني عبدة بنِ أبي لبابة ، عَن هشام بنِ يحيى المخزومي ، أن رجلاً مِن ثقيف أتى عمر بنِ الخطاب ، فسأله عَن امرأة زارت يوم\rالنحر ، ثُمَّ حاضت ؟ قالَ : فلا تنفر حتى تطهر ، فيكون آخر عهدها بالبيت ، فقالَ الرجل : فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر في مثل هَذهِ المرأة بغير ما أفتيت ، فضربه عمر بالدرة ، وقال : ولم تستفتني في شيء قَد أفتى فيهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ !\rوخرج الإسماعيلي في (( مسند عمر )) مِن طريق هشام بنِ عمار : ثنا صدقة : ثنا الشعيثي ، عَن زفر بنِ وثيمة ، أن رجلاً مِن ثقيف أتى عمر ، فقالَ : امرأة منا حاضت ، وقد أفاضت يوم النحر؟ فقالَ : ليكن آخر عهدها بالبيت . فقالَ : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتى امرأة منا أن تصدر ، فحمل عمر عليهِ ، فضربه ، وقال : تستفتيني في شيء قَد أفتى فيهِ\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ !\rوقد روي على وجه آخر ، خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية الوليد بن عبد الرحمن ، عن الحارث بن عبد الله بن أوس ، قالَ : أتيت عمر بن الخطاب ، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ، ثم تحيض ؟ فقالَ : ليكن آخر عهدها\rبالبيت . قالَ الحارث : كذلك أفتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ عمر : أربت عن يديك ، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكيما أخالف .\rوالوليد هذا ، ليس بالمشهور .\rوخرجه الإمام أحمد والترمذي من طريق آخر ، عن الحارث بن عبد الله بن\rأوس ، قالَ : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت )) . فقالَ لهُ عمر : خررت من يديك ، سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تخبرنا به .\rوفي إسناده : حجاج بن أرطاة ، وقد اختلف عليهِ في إسناده .\rوهذه الرواية تدل على أن الحارث بن أوس لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحائض بخصوصها إذا كانت قد أفاضت : أنها تحتبس لطواف الوداع ، إنما سمع لفظاً عاماً ، وقد صح الإذن للحائض إذا كانت قد طافت للإفاضة أن تنفر ، فيخص من ذَلِكَ العموم ، وعلى هذا عمل العلماء كافة من الصحابة فمن بعدهم .\rوقد روى عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن أبي فروة ، أنه سمع القاسم بن محمد يقول : رحم الله عمر ، كل أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قد أمروها بالخروج . يقول : إذا كانت أفاضت .","part":2,"page":146},{"id":267,"text":"وروى بإسناده عن سعد بن أبي وقاص ، أنه ذكر لهُ قول عمر : لا تنفر حتى تطهر ليكون آخر عهدها بالبيت ، فقالَ : ما يجعلها حراماً بعد إذ حلت ، إذا كانت قد طافت يوم النحر فقد حلت ، فلتنفر .\rيشير سعد إلى أن من طاف طواف الإفاضة فقد حل الحل كله ، فلا يكون محتبساً بعد حله، وإنما يبقى عليهِ بقايا من توابع المناسك ، كالرمي والمبيت بمنى وطواف الوداع ، فما أمكن الحائض فعله من ذَلِكَ كالرمي والمبيت فعلته ، وما تعذر فعله عليها كالطواف سقط عنها ، ولم يجز إلزامها بالاحتباس لهُ .\rوكل من خالف في ذَلِكَ فإنما تمسك بعموم قد صح تخصيصه بنصوص صحيحة خاصة بالحائض ، ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحائض بخصوصها نهي أن تنفر .\rوحديث الرجل الثقفي الذي حدث عمر بما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - قد روي على ثلاثة أوجه كما سبق ، وأسانيده ليس بالقوية ، فلا يكون معارضاً لأحاديث الرخصة للحائض في النفر ؛ فإنها خاصة، وأسانيدها في غاية الصحة والثبوت .\r\r* * *\r\r28-باب\rإذا رأتِ المستحاضةُ الطهرَ\rقالَ ابن عباس : تغتسل وتصلي ، ولو ساعة ، ويأتيها زوجها إذا صلت ؛ الصلاة أعظم .\rهذا الأثر ، ذكره أبو داود تعليقاً ، فقالَ : روى أنس بن سيرين ، عن ابن عباس في المستحاضة ، قالَ : إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي ، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي .\rوقد ذكره الإمام أحمد واستحسنه ، واستدل به وذهب إليه .\rوقال في رواية الأثرم وغيره : ثنا إسماعيل - هوَ : ابن علية - : ثنا خالد الحذاء ، عن أنس بن سيرين ، قالَ : استحيضت امرأة من آل أنس ، فأمروني ، فسألت ابن عباس ، فقالَ : أما ما رأت الدم البحراني فإنها لا تصلي ، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل .\rقالَ أحمد : ما أحسنه .\rوالدم البحراني : قيل : هوَ الأحمر الذي يضرب إلى سواد .\rوروي عن عائشة ، أنها قالت : دم الحيض بحراني أسود .\rخرجه البخاري في (( تاريخه )) .\rوقيل : البحراني هوَ الغليط الواسع الذي يخرج من قعر الرحم ، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته .\rوقول ابن عباس : (( إذا رأت الطهر ساعة من نهار فلتغتسل ولتصل )) ، محمول على غير المستحاضة ؛ فإن المستحاضة تصلي إذا جاوزت أيام حيضها ، سواء انقطع دمها أو لم ينقطع ، وإذا اغتسلت عندَ انقضاء حيضها وصلت ، ثم انقطع دمها بعد ذَلِكَ ؛ فلا غسل عليها عندَ انقطاعه ، وإنما يصح حمل هذا على الدم الجاري في أيام الحيض ، وأنه إذا انقطع ساعة فهي طاهر تغتسل وتصلي ، وسواء كانَ بعد تمام عادة الحيض أو قبل تمام العادة .\rوقد ذهب الإمام أحمد إلى قول ابن عباس في هذا ، واستدل به ، وعليه أكثر أصحابنا . ومنهم من اشترط مع ذَلِكَ : أن ترى علامة الطهر مع ذَلِكَ ، وهو القصة البيضاء ، كما سبق ذكرها .\rوعن أحمد : لا يكون الطهر في خلال دم الحيض أقل من يوم ، وصحح ذَلِكَ بعض الأصحاب ؛ فإن دم الحيض لا يستمر جريانه ، بل ينقطع تارة ويجري تارة ، فإذا كانَ مدة انقطاعه يوماً فأكثر فهوَ طهر صحيح ، وإلا فلا .","part":2,"page":147},{"id":268,"text":"وحكى الطحاوي الإجماع على أن انقطاع الدم ساعة ونحوها لا عبرة به ، وأنه كالدم المتصل ، وليس كما ادعاه .\rومن العلماء : من ذهب إلى أن مدة النقاء في أثناء خلال الدم وإن طالت ، إذا عاد الدم بعد ذَلِكَ في مدة الحيض يكون حيضاً ، لا تصلي فيهِ ولا تصوم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، والثوري ، وأحد قولي الشافعي ، وروي ابن منصور عن أحمد نحوه .\rوتعرف المسألة بمسألة التلفيق ، ولها فروع وتفاصيل كثيرة جداً .\rوحينئذ ؛ ففي تبويب البخاري : (( المستحاضة إذا رأت الطهر )) نظر ، بل الأولى أن يقال : (( الحائض إذا رأت الطهر ساعة )) .\rوإنما اعتمد على لفظ الرواية عن ابن عباس ، ولعل ابن عباس أراد أن المستحاضة إذا كانت مميزة جلست زمن دمها الأسود ، فإذا انقطع الأسود ولو ساعة فإنه زمن طهرها ، فتغتسل وتصلي حينئذ .\rوقد حمله إسحاق بن راهويه على مثل هذا ، فقالَ في رواية حرب - في استدلاله على اعتبار التمييز للمستحاضة بحديث : (( إذا كانَ دم الحيض ، فإنه أسود يعرف )) ، الحديث - ، قالَ : وكذلك روي عن ابن عباس ، أنه قالَ لامرأة مستحاضة : أما ما دامت ترى الدم البحراني فلتدع الصلاة ، فإذا جاوزت ذَلِكَ اغتسلت وصلت .\rوكذلك وقع في كلام الإمام أحمد في رواية الشالنجي حمل كلام ابن عباس على مثل هذا ، وهو يرجع إلى أن المستحاضة تعمل بالتمييز ، فتجلس زمن الدم الأسود ، فإذا انقطع عنها ورأت حمرةً أو صفرةً أو كدرةً فإن ذَلِكَ طهرها ، فتغتسل حينئذ وتصلي . والله أعلم .\rوأما ما ذكر البخاري ، أنه يأتيها زوجها إذا صلت ؛ الصلاة أعظم ، فظاهر سياق حكايته يقتضي أن ذَلِكَ من تمام كلام ابن عباس ، ولم نقف على إسناد ذَلِكَ عن ابن عباس ، وليس هوَ من تمام رواية أنس بن سيرين في سؤاله لابن عباس عن المستحاضة من آل أنس .\rوقد روي عن ابن عباس من وجه آخر الرخصة في وطء المستحاضة من رواية ابن المبارك ، عن أجلح ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ في المستحاضة : لا بأس أن يجامعها زوجها .\rويحتمل أن يكون البخاري ذكر هذا الكلام من عندَ نفسه بعد حكايته لما قبله عن ابن عباس .\rوهذا الكلام إنما يعرف عن سعيد بن جبير :\rروى وكيع ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس ، قالَ : سألت سعيد بن جبير عن المستحاضة يجامعها زوجها ؟ قالَ : لا بأس به ؛ الصلاة أعظم من الجماع .\rوممن رخص في ذَلِكَ : ابن المسيب والحسن وعطاء وبكر المزني وعكرمة وقتادة ومكحول ، وهو قول الأوزاعي والثوري والليث وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور ، ورواية عن أحمد .\rوقد تقدم أن أم حبيبة لما استحيضت كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وحمنة كانت تحت طلحة ، وقد سألتا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم الاستحاضة فلم يذكر لهما تحريم الجماع ، ولو كانَ حراماً لبينه .\rوفي (( سنن أبي داود )) عن عكرمة ، عن حمنة بنت جحش ، أنها كانت تستحاض وكان زوجها يجامعها . قالَ : وكانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها ؛ ولأن لها حكم الطاهرات في الصلاة والصوم وسائر العبادات ، فكذلك في الوطء .","part":2,"page":148},{"id":269,"text":"وقالت طائفة : لا توطأ المستحاضة ، وروي ذَلِكَ عن عائشة ، من رواية سفيان ، عن غيلان -هوَ : ابن جامع - ، عن عبد الملك بن مسيرة ، عن الشعبي ، عن قمير-امرأة مسروق - ، عن عائشة ، أنها كرهت أن يجامعها زوجها .\rخرجه وكيع في (( كتابه )) ، عن سفيان ، به .\rورواه [ شعبة ] ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن الشعبي ، واختلف عليهِ فيهِ ، فوقفه بعض أصحاب شعبة ، عنه على الشعبي ، وأسنده بعضهم عنه إلى عائشة كما رواه غيلان - : ذكر ذَلِكَ الإمام أحمد ، ولم يجعل ذَلِكَ علة في وصله إلى عائشة ، كما فعل البيهقي وغيره .\rوممن نهى عن وطء المستحاضة : ابن سيرين ، والشعبي ، والنخعي ، والحكم ، وسليمان بن يسار ، ومنصور ، والزهري ، وروي -أيضاً- عن الحسن ، وهو المشهور عن الإمام أحمد ، إلا أنه رخص فيهِ إذا خشي الزوج على نفسه العنت .\rوبدون خوف العنت ، فهل النهي عنه للتحريم أو للكراهة ؟ حكى أصحابنا فيهِ روايتين عن أحمد ، ونقل ابن منصور وصالح عنه : لا يأتيها زوجها ، إلا أن يطول .\rولعله أراد أنه إذا طالت مدة الاستحاضة شق على الزوج حينئذ ترك الوطء ، فيصير وطؤه من خوف العنت ؛ فإن العنت يفسر بالمشقة والشدة .\rوقد قالَ أحمد في رواية حرب : المستحاضة لا يغشاها زوجها إلا أن لا يصبر . وقال في رواية علي بن سعيد : لا يأتيها زوجها إلا أن يغلب ويجيء أمر شديد ،\rلا يصبر .\rوقال أبو حفص البرمكي : معنى قول أحمد : (( لا يأتيها زوجها إلا أن يطول )) ، ليس مراده أنه يباح إذا طال ويمنع منه إذا قصر ، ولكن أراد : إذا طال علمت أيام حيضها من استحاضتها يقيناً ، وهذا لا تعلمه إذا قصر ذَلِكَ .\rوكذلك روى حرب عن إسحاق بن راهويه ، قالَ : الذي نختار في غشيان المستحاضة : إذا عرفت أيام أقرائها ثم استحيضت ولم يختلط عليها حيضها ، أن يجامعها زوجها ، وتصلي وتصوم ، وإذا اختلط عليها دم حيضها من استحاضتها ، فأخذت بالاحتياط في الصلاة بقول العلماء ، وتحرت أوقات [ حيضها ] من استحاضتها ولم تستيقن بذلك أن لا يغشاها زوجها حتى تكون على يقين من استحاضتها .\rفهذا قول ثالث في وطء المستحاضة ، وهو : إن تيقنت استحاضتها بتميزها من حيضها جاز وطؤها فيها ، وإن لم تكن على يقين من ذَلِكَ لم توطأ ؛ لاحتمال وطئها في حال حيضها .\rومذهب الشافعي وأصحابه : أن المتحيرة الناسية لعادتها ولا تميز لها تغتسل لكل صلاة ، وتصلي أبداً ، ولا يأتيها زوجها ؛ لاحتمال مصادفته الحيض .\rونقض أصحابنا ذَلِكَ عليهم في المعتادة ، والمبتدأة بعد الشهر الأول ؛ فإن زيادة الحيض ونقصه ، وتقدمه وتأخره ممكن -أيضاً .\rواستدل من نهى عن وطء المستحاضة مطلقاً بقول الله عز وجل : { وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } [ البقرة: 222] ودم الاستحاضة أذى ؛ ولهذا حرم الوطء في الدبر ؛ لأنه محل الأذى .\rوروى حرب بإسناد جيد ، عن مرثد بن عبد الله اليزني ، قالَ : سمعت عقبة بن عامر يقول : والله ، لا أجامع امرأتي في اليوم الذي تطهر فيهِ حتى يصير لها يوم .","part":2,"page":149},{"id":270,"text":"وهذا محمول على التنزه والاحتياط خشية عود دم الحيض . والله أعلم .\rواختلفوا في الحائض المعتادة : إذا طهرت لدون عادتها : هل يكره وطؤها أم لا ؟ على قولين :\rأحدهما : يكره ، وهو قول أبي حنيفة ، والأوزاعي ، وأحمد في رواية ،\rوإسحاق ؛ لأن عود الدم لا يؤمن .\rوالثاني : لا يكره ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد .\rثم خرج البخاري في هذا الباب :\r331- حديث : هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي )) .\rوقد سبق هذا الحديث والكلام عليهِ .\rوإنما خرجه هاهنا ؛ لأنه يرى أن إقبال الحيض وإدباره المراد به التميز ، فإقبال الحيضة : إقبال الدم الأسود . وإدباره : انفصال الأسود وانتقاله إلى غيره ، فيكون ذَلِكَ موافقاً لما أفتى به ابن عباس، على ما حمل كلامه عليهِ أحمد وإسحاق ، كما سبق . والله أعلم .\r\r* * *\r\r29-باب\rالصلاةِ على النفساءِ وسنتها\rخرج فيهِ :\r332- من حديث : شعبة ، عن حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، عن سمرة ابن جندب ، أن امرأة ماتت في بطن ، فصلى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام وسطها .\rلم يخرج البخاري في أحكام النفساء سوى هذا الحديث ، كأنه لم يصح عنده في أحكام النفاس حديث على شرطه .\rوليس في هذا الحديث سوى الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها .\rوقد اعترض الإسماعيلي على البخاري في ذَلِكَ ، وقال : ليس في الحديث إلا أنها ماتت في بطن ، والمراد : أنها ماتت مبطونة ، فلا مدخل للحديث في النفاس بالكلية .\rوهذا الذي قاله غير صحيح ؛ فإنه قد خرجه البخاري في (( الجنائز )) ، ولفظه : (( صلى على امرأة ماتت في نفاسها ، فقام وسطها )) .\rوخرجه مسلم كذلك -أيضاً .\rويؤخذ من هذا الحديث : أن [ دم ] النفاس وإن كانَ يمنع النفساء ، من الصلاة فلا يمنع من الصلاة عليها إذا ماتت فيهِ ، وكذلك دم الحيض ، فإنه يصلى على الحائض والنفساء إذا ماتتا في دمهما ، كما يصلى على الجنب إذا مات ، وكل منهم يغسل ويصلى عليهِ ، إلا أن يكون شهيداً في معركة .\rفإن استشهد في معركة وكان عليهِ غسل جنابة أو حيض أو نفاس ، فهل يغسل أم لا ؟ فيهِ روايتان عن أحمد ، أشهرهما : أنه يغسل .\rوعلى هذا : فلو استشهدت من هي حائض أو نفساء في دمها قبل انقطاعه ، ففي غسلها وجهان ، بناهما الأصحاب على أن الموجب لغسل الحيض والنفاس : هل هوَ خروج الدم ، أو انقطاعه ؟\rولو خرج البخاري هاهنا حديث : أمر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأسماء بنت عميس لما نفست بمحمد بن أبي بكر بالشجرة أن تغتسل وتهل ، لكان حسناً ؛ فإنه يدل على أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج .\rوقد خرجه مسلم من حديث جابر وعائشة ، إلا أن حديث جابر ليس هوَ على شرط البخاري .\rودم النفاس حكمه حكم دم الحيض فيما يحرمه ويسقطه ، وقد حكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد من العلماء ، منهم : ابن جرير وغيره .\rواختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره :\rأما أقله :","part":2,"page":150},{"id":271,"text":"فأكثرهم على أنه لا حد لهُ ، وأنها لو ولدت ورأت قطرة من دم كانت نفاساً ، وهو قول عطاء ، والشعبي ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، وأبي ثور ، ومحمد بن الحسن وغيرهم ، وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف .\rوعن أبي حنيفة رواية : أقله خمسة وعشرون يوماً . وعن أبي يوسف ، أقله أحد عشر يوماً . وعن الثوري رواية : أقله ثلاثة أيام ، كالحيض عنده ، وحكي عن أحمد رواية كذلك : أن أقله ثلاثة أيام ، وحكي عنه رواية : أن أقله يوم . وعن المزني : أقله اربعة أيام . وعن الحسن : أقله عشرون يوماً .\rوأما أكثره :\rفأكثر العلماء على أن أكثره أربعون يوماً ، وحكاه بعضهم إجماعاً من الصحابة .\rقالَ إسحاق : هوَ السنة المجمع عليها . قالَ : ولا يصح في مذهب من جعله إلى شهرين سنة، إلا عن بعض التابعين .\rقالَ الطحاوي : لم يقل بالستين أحد من الصحابة ، إنما قاله بعض من بعدهم .\rوكذا ذكر ابن عبد البر وغير واحد .\rوممن روي عنه توقيته بالأربعين من الصحابة : عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وأنس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة .\rوممن ذهب إلى هذا : الثوري ، وابن المبارك ، والليث ، والأوزاعي في رواية ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والمزني ، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الحديث ، وحكاه الترمذي عن الشافعي ، وهو غريب عنه .\rوحكى الترمذي عن الحسن : أن أكثره خمسون يوماً . وعن عطاء والشعبي : أكثره ستون يوماً .\rوقد اختلف فيهِ عن عطاء والحسن ، وروي عنهما : أكثره أربعون يوماً .\rوممن قالَ بالستين : الشعبي ، والعنبري ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وحكي رواية عن أحمد .\rوحكى الليث عن بعض العلماء : أن أكثره سبعون يوماً .\rوقيل : لا حد لأكثره ، وإنما يرجع إلى عادات النساء ، وحكي عن الأوزاعي ، وهو رواية عن مالك ، ونقل ابن القاسم أن مالكاً رجع إلى ذَلِكَ .\rوحكي عن ربيعة : أكثره ثلاثة أشهر .\rوقيل : أكثره من الغلام ثلاثون يوماً ، ومن الجارية أربعون يوماً - : قاله مكحول ، وسعيد بن عبد العزيز ، وحكاه الأوزاعي عن أهل دمشق .\rوقيل : أكثره من الغلام خمسة وثلاثون يوماً ، ومن الجارية أربعون - : رواه الخشني عن الأوزاعي .\rوحكي عن الضحاك : أكثره أربع عشرة ليلة .\rوفي الباب أحاديث مرفوعة فيها ضعف .\rومن أجودها : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث مسة الأزدية ، عن أم سلمة ، قالت : كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يوماً .\rوخرجه أبو داود بلفظ آخر ، وهو : (( كانت المرأة من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - تقعد في النفاس أربعين ليلة ، لا يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقضاء صلاة النفاس )) .\rوصححه الحاكم ، وفي متنه نكارة ؛ فإن نساء النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يلد منهن أحد بعد فرض الصَّلاة؛ فإن خديجة -عليها السلام- ماتت قبل أن تفرض الصلاة .\rومتى انقطع الدم قبل بلوغ أكثره فهي طاهرة ، تصوم وتصلي .\rوهل يكره وطؤها ، أم لا ؟ فيهِ قولان :","part":2,"page":151},{"id":272,"text":"أحدهما : أنه يكره ، وهو مروي عن طائفة من الصحابة ، وأن النفساء لا توطأ إلا بعد الأربعين ، وإن انقطع دمها قبل ذَلِكَ ، منهم : علي ، وابن عباس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة ، وهو ظاهر مذهب أحمد ، وروي-أيضاً - عن مالك ، وسعيد بن عبد العزيز .\rوحكي عن أحمد تحريمه .\rوقال آخرون : لا يكره ذَلِكَ ، وهو قول الأوزاعي ، والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد .\rوعن أبي حنيفة : لا يكره ، إلا أن ينقطع دمها لدون عادتها ، فلا توطأ حتى تذهب أيام عادتها .\rوقال إسحاق : يكره احتياطا ، إلا أن ينقطع لعادة كانت لها فلا يكره ؛ لأن احتمال عوده حينئذ بعيد جداً ، فهي كحائض انقطع دمها لعادتها لدون أكثر الحيض .\r\r* * *\r\r30-باب\rخرج فيهِ :\r333- من حديث : سليمان الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، قالَ : سمعت خالتي ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنها كانت تكون حائضاً لا تصلي ، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يصلي على خمرتة ، إذا سجد أصابني بعض ثوبه .\rفي هذا الحديث دلالة على طهارة ثياب الحائض التي تلبسها في حال حيضها ، وأن المصلي إذا أصابه شيء من ثيابها في تلك الحال لم تفسد صلاته . وقد سبق هذا المعنى مستوفى في (( باب : هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ )) .\rوالظاهر : أن مراد ميمونة في هذا الحديث مسجد بيت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كانَ يصلي فيهِ من بيته ؛ لأن ميمونة لا تفترش إلا بحذاء هذا المسجد ، ولم ترد -والله أعلم - مسجد المدينة .\rوتأتي باقي فوائد الحديث في (( كتاب الصلاة )) - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوقد خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث منبوذ ، عن أمه ، عن ميمونة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع رأسه في حجر إحدانا يتلو القرآن ، وهي حائض ، وتقوم إحدانا بخمرته ، إلى المسجد فتبسطها وهي حائض .\rوالظاهر : حمله -أيضاً- على مسجد البيت .\rويشهد لهُ : أن الإمام أحمد خرجه بلفظ آخر ، عن ميمونة ، قالت : كانت إحدانا تقوم وهي حائض فتبسط لهُ خمرةً في مصلاه ، فيصلي عليها في بيتي .\rوكذلك : ما خرجه مسلم من حديث عائشة ، قالت : قالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ناوليني الخمرة من المسجد )) . قلت : إني حائض ؟ قالَ : (( إن حيضتك ليست في يدك )) .\rومساجد البيوت لا يثبت لها أحكام المساجد عندَ جمهور العلماء ، فلا يمنع الجنب والحائض منها ، خلافاً لإسحاق في ذَلِكَ .\rومن حمل حديث ميمونة وعائشة على مسجد المدينة ، استدل بحديثهما : على أن الحائض لها أن تمر في المسجد لحاجة إذا أمنت تلويثه . وحكي ذَلِكَ عن طائفة من السلف ، منهم : ابن المسيب ، وعطاء ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وزيد بن أسلم ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، وهو قول الشافعي وأحمد .\rواختلف أصحابنا : هل يباح لها الدخول لأخذ شيء ووضعه ، أم لا يباح إلا للأخذ خاصة؟ على وجهين .\rونص أحمد : على أنه لا يباح إلا للأخذ خاصة في رواية حنبل .\rوقال إسحاق : هما سواء .","part":2,"page":152},{"id":273,"text":"وحديث ميمونة فيهِ الدخول لبسط الخمرة ، وهو دخول لوضع .\rوكل من منع الجنب من المرور في المسجد لغير ضرورة منع منه الحائض ،\rوأولى ، وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ومالك ، وإسحاق .\rومنهم : من أباحه للجنب دون الحائض ، كالأوزاعي ، ومالك في رواية ؛ لأن حدث الحيض أفحش من الجنابة وأغلظ ، وحكى ابن عقيل وجهاً لأصحابنا بمثل ذَلِكَ . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r\r* * *","part":2,"page":153},{"id":275,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r7 - كتاب التيمم\r1- باب\rقول الله - عز وجل -: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } [المائدة :6]\rخرج فيه حديثين :\rالحديث الأول:\rقال :\r334- ثنا عبدا لله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض إسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - أنقطع عقد لي ، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر ، فقالوا :إلا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس معهم ماء . فجاء أبو بَكْر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع رأسه عَلَى فخذي قَدْ نام ، فَقَالَ : حبست رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس مَعَهُ ماء قَالَتْ عَائِشَة : فعاتبني أبو بَكْر ، وَقَالَ مَا شاء الله أن يَقُول ، وجعل يطعنني بيده فِي خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان\rرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى فخذي ، فنام حَتَّى أصبح عَلَى غير ماء ، فانزل الله آية التيمم ، فتيمموا ، فقال أسيد بن الحضير: ماهي بأول بركتكم ياال أبي بكر، قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته .\rقيل : إن الرواية هنا : (( فقام حتّى أصبح )) . ورواه في التفسير بلفظ : (( فنام حتّى أصبح )) وهو لفظ مسلم ، وكذا في (( الموطأ )) .\rهذا السياق سياق عبد الرحمان بن القاسم لهذا الحديث عن أبيه ، عن عائشة . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة فخالف في بعض ألفاظه ومعانيه مما لا\rيضر . وقد خرجه البخاري في موضع أخر وفي بعض ألفاظه اختلاف على عروة -\rأيضا .\rومما خالف فيه : أنه ذكر أن عائشة استعارت قلادة من أسماء فسقطت، وان النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل رجلين في طلبها وليس معهما ماء فنزلت أية التيمم .\rوفي رواية : أنهما صليا بغير وضوء .\rوهذا يمكن الجميع بينه وبين حديث القاسم ، عن عائشة بان القلادة لما سقطت ظنوا أنها سقطت في المنزل الماضي ، فأرسلوا في طلبها وأقاموا في منزلهم وباتوا فيه ، وفقد الجميع الماء حتى تعذر عليهم الوضوء .\rوفي حديث هشام : أن ذلك كان ليلة الابواء . وفي رواية عنه : أن ذلك المكان كان يقال له : الصلصل .\rوروى ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال ، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر ، انسلت قلادة لي من عنقي فوقعت - وذكر بقية الحديث . خرجه الأمام أحمد .","part":3,"page":1},{"id":276,"text":"وقد روي هذا الحديث من حديث عمار بن ياسر -أيضا- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر، وقال : حبست الناس وليس معهم ماء ، فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فتيمم المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث .\rخرجه الإمام أحمد أبو داود - وهذه لفظه - والنسائي وابن ماجه ، وفي إسناده اختلاف .\rوالآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت أية المائدة ؛ فإن البخاري خرج هَذَا الحَدِيْث فِي التفسير من ((كتابه)) هَذَا من حَدِيْث ابن وهب، عَن عَمْرِو، عَن عَبْد الرحمان بْن الْقَاسِم، وَقَالَ فِي حديثه : فَنَزَلت : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } هذه الآية [المائدة:6].\rوهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست، وقيل: سنة خمس، وهو الذي ذكره أبن سعد عن جماعة من العلماء ، قالوا : وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك.\rوقد ذكر الشافعي: أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق ، وقال : أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم .\rفإن قيل: فقد ذكر غير واحد، منهم: ابن عبد البر : أنه يحتمل أن يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء ؛ فإنها نزلت قبل سورة المائدة بيقين، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القران ، حتى قيل: إنها نزلت كلها أو غالبها في حجة الوداع، وأية النساء نزولها متقدم.\rوفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنها نزلت فيه لما ضربه رجل قد سكر بلحي بعير، ففزر أنفه.\rوفي (( سنن أبي داود )) والنسائي وأبن ماجه، عن علي ، أن رجلا صلى وقد شرب الخمر، فخلط في قراءته، فنزلت أية النساء.\rفقد تبين بهذا: أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر حرمت بعد غزوة أحد، ويقال: إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد أحد بيسير وآية النساء فيها ذكر التيمم، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما توقفوا حينئذ في التيمم، ولا انتظروا نزول آية أخرى فيه .\rقيل : هذا لا يصح ؛ لوجوه :\rأحدها : سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها، وهذا غير السبب الذي أتففت الروايات عليه في قصة عائشة، فدلّ على أن قصة عائشة نزل بسببها آية غير آية النساء، وليس سوى آية المائدة.\rوالثاني : أن آية النساء لم تحرم الخمر مطلقاً بل عند حضور الصلاة ، وهذا كان قبل أحد ، وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغير بخلاف ، وليس في قصتها ما يناسب النهي عن قربان الصلاة مع السكر حتى تصدر به الآية .","part":3,"page":2},{"id":277,"text":"وأما تصدير الآية بذكر الوضوء فلم يكن لأصل مشروعيته؛ فإن الوضوء كان شرع قبل ذَلكَ بكثير، كما سبق تقريره في أول (كتاب الضوء)، وإنما كان تمهيداً للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه ، ولهذا قالت عائشة : فنزلت آية التيمم، ولم تقل: آية الوضوء .\rوالثالث : أنه قد ورد التصريح بذلك في ((صحيح البخاري)) كما ذكرناه .\rوأما توقفهم في التيمم حتى نزلت أية المائدة مع سبق نزول التيمم في سورة النساء، فالظاهر- والله أعلم - أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة، لان فقدهم للماء أنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه مع أمكان سيرهم جميعا إلى مكان فيه ماء، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرا في طلب الماء، فلا يباح معه التيمم، فنزلت أية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال، وأن هذه الصورة داخلة في عموم أية النساء.\rولا يستبعد هذا، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة دون الإسفار المباحة، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله، ويدل ذلك على جواز التيمم في سفر التجارة وما أشبهه من الإسفار المباحة، وهذا مما يستأنس به من يقول: أن الرخص لا تستباح في سفر المعصية.\rوأما دعوى نزول سورة المائدة كلها في حجة الوداع فلا تصح ؛ فإن فيها آيات نزلت قبل ذلك بكثير، وقد صح أن المقداد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، فدل هذا على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر. والله أعلم.\rوقد ذكر الله تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحد ، فقال فيهما: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } [المائدة:6].\rفقوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } ذكر شيئين مبيحين للتيمم: أحدهما: المرض، والمراد به عند جمهور العلماء : ما كان استعمال الماء معه يخشى منه الضرر.\rوالثاني: السفر، واختلفوا: هل هو شرط للتيمم مع (عدم) الماء، أم وقع ذكره لكونه مظنة عدم الماء غالباً، فإن عدم الماء في الحضر قليل أو نادر، كما قال الجمهور في ذكر السفر في آية الرهن، أنة إنما ذكر السفر لأنه مظنة عدم الكاتب، وليس بشرط للرهن.\rوالجمهور: على أن السفر ليس بشرط للرهن ولا للتيمم مع عدم الماء ، وأنه يجوز الرهن في الحضر، والتيمم مع عدم الماء في الحضر.\rوقالت الظاهرية: السفر شرط في الرهن والتيمم.\rوعن أحمد رواية باشتراط السفر للتيمم خاصة، وحكي رواية عن أبي حنيفة، وعن طائفة من أصحاب مالك .","part":3,"page":3},{"id":278,"text":"وعلى هذا : فلا فرق بين السفر الطويل والقصير على الأصح عندهم وقوله :\r{ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ } [المائدة: 6] .\rقد قيل أن ((أو)) هنا بمعنى الواو، كما يقول الكوفيون ومن وافقهم ؛ فإنه لما ذكر السببين المبيحين للتيمم ، وهما التضرر باستعماله بالمرض ومظنة فقده بالسفر ذكر مَا يستباح مِنْهُ الصَّلاة بالتيمم وَهُوَ الحدث ، فإن التيمم يبيح الصَّلاة من الحدث الموجود ولا يرفعه عند كثير من العلماء، وهو مذهب الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد وأصحابه ، ولهذا قالوا يجب عليه أن ينوي ما يستبيحه من العبادات وما يستبيح فعل العبادات منه من الأحداث .\rوقالت طائفة : بل التيمم يرفع الحدث رفعاً مؤقتاً بعدم القدرة على استعمال الماء، وربما أستدل بعضهم بهذه الآية ، وقالوا: إنما أمر الله بالتيمم مع وجود الحدث ، ولو كان التيمم واجباً لكل صلاة أو لوقت كل صلاة - كما يقوله من يقول : أن التيمم لا يرفع الحدث ، على اختلاف بينهم في ذلك - لما كان لذكر الحدث معنى .\rوالأظهر - والله أعلم -: أن (( أو)) هاهنا ليست بمعنى الواو، بل هي على بابها، وأريد بها : التقسيم والتنويع ، وأن التيمم يباح في هذه الحالات الثلاث ، واثنتان منهما مظنتان ، وهما : المرض والسفر ، فالمرض مظنة التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة عدم الماء ، فإن وجدت الحقيقة في هاتين المظنتين جاز التيمم، وألا فلا.\rثم ذكر قسماً ثالثاً، وهو وجود الحقيقة نفسها، فذكر أن من كان محدثاً ولم يجد ماءً فليتيمم ، وهذا يشمل المسافر وغيره ، ففي هذا دليلٌ على أن التيمم يجوز لمن لم يجد الماء ، مسافراً كان أو غير مسافر . واللهُ أعلم .\rوقد ذكر سبحانه حدثين :\rأحدهما : الحدث الأصغر، وهو المجيء من الغائط ، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجة والتخلي، ويلتحق به كل ما كان في معناه ، كخروج الريح أو النجاسات من البدن عند من يرى ذَلكَ .\rوالثاني : ملامسة النساء ، واختلفوا : هل المراد بها الجماع خاصة ، فيكون حينئذ قد أمر بالتيمم من الحدث الأصغر والأكبر، وفي ذلك رد على من خالف في التيمم للجنابة كما سيأتي ذكره - أشاء الله تعالى -، أو المراد بالملامسة مقدمات الجماع من القبلة والمباشرة لشهوة، أو مطلق التقاء البشرتين، وعلى هذين القولين فلم يذكر في الآية غير التيمم من الحدث الأصغر.\rوقوله تعالى: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } متعلق بمن أحدث، سواءٌ كان على سفر أو لم يكن، كما سبق تقريره، دون المرض، لان المريض لا يشترط لتيممه فقد الماء، هذا هو الذي عمل به الأمة سلفا وخلفا.\rوحكي عن عطاء والحسن: أن فقد الماء شرطٌ للتيمم مع المرض - أيضا- فلا يباح للمريض أن يتيمم مع وجود الماء وأن خشي التلف.\rوهذا بعيد الصحة عنهما، فإنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له.\rوقوله: { فَتَيَمَّمُوا } أصل التيمم في اللغة القصد، ثم صار علما على هذه الطهارة المخصوصة.","part":3,"page":4},{"id":279,"text":"وقوله : { صَعِيداً } اختلفوا في المراد بالصعيد، فمنهم من فسره بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها، ومنهم: من فسره بالتراب خاصة.\rوقوله: { طَيِّباً } فسره من قال: الصعيد: ما تصاعد على وجه الأرض، بالطاهر. ومن فسره بالتراب، قال: المراد بالصعيد التراب المنبت، كقوله تعالى: { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ } [الأعراف:58] وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه.\rوقول ابن عباس : الصعيد الطيب تراب الحرث.\rوقوله : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه } . كقوله في الوضوء { وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ } .\rوقد ذكرنا فيما سبق في ((أبواب الوضوء)) أن كثيراً من العلماء أوجبوا استيعاب مسح الرأس بالماء، وخالف فيه آخرون، وأكثرهم وافقوا هاهنا، وقالوا: يجب استيعاب الوجه والكفين بالتيمم، ومنهم من قال: يجزئ أكثرهما، ومنهم من قال: يجزئ مسح بعضهما كالرأس - أيضا.\rوقول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لعمار: ((إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك )) يرد ذلك ويبين أن المأمور به مسح جميعهما.\rوسيأتي الكلام على حد اليدين المأمور بمسحهما - إن شاء الله تعالى.\rوقوله تعالى: { مِنْهُ } يستدل به من قَالَ : لا تيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد، فإن قوله : { مِنْهُ } يقتضي أن يكون الممسوح به الوجه واليدان بعض الصعيد، ولا يمكن ذلك إلا فيما له غبار يعلق باليد حتى يقع المسح به ، ومن خالف في ذلك جعل (( من )) هاهنا لأبعد الغاية، لا للتبعيض وهو يأباه سياق الكلام . والله تعالى أعلم .\rالحديث الثاني:\r335 - من طريق: هشيم: أبنا سيارٌ: ثنا يزيد الفقير: أبنا جابر بن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصَّلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)).\rهشيم : مدلس ، وقد صرح هنا بالسماع من سيار، وهو : أبو الحكم ، وصرح سيار بالسماع من يزيد الفقير، و صرح يزيد بالسماع من جابر، فهذا إسناد جليل متصل.\rوهذه الخمس اختص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأنبياء ، وليس في الحديث أنه لم يختص بغيرها، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر، وقد دلت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه - صلى الله عليه وسلم - خص عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس، وسنشير إلى بعض ذلك - إنشاء الله تعالى.","part":3,"page":5},{"id":280,"text":"فأما ((الرعب)): فهو ما يقذفه الله في قلوب أعداءه المشركين من الرعب، كما قال تعالى: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ } [ آل عمران:151] وقال في قصة يوم بدر: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } [الأنفال:12].\rوفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، أنه قال عام غزوة تبوك: (( لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي: إما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ، ونصرت على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا )) - وذكر بقية الحديث.\rوقوله: (( أعطيت الليلة خمسا))، لم يرد أنه لم يعطها قبل تلك الليلة، فإن عامتها كان موجودا قبل ذاك، كنصره بالرعب، وتيممه بالتراب، فإن التيمم شرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال، ولعله أراد أنه أعلم بأن هذه الخمس الخصال اختص بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة. والله أعلم.\rوروينا بإسناد فيه ضعف عن السائب بن يزيد ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( فضلت على الناس بخمس )) - ذكر منها- (( ونصرت بالرعب شهرا من إمامي وشهرا من خلفي )) .\rوأما جعل الأرض له مسجدا وطهورا : فقد ورد مفسرا في حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ؛ إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم )) - وذكر بقية الحديث. خرجه الإمام أحمد.\rوفي ((مسند البزار)) من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء: جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه)) - وذكر الحديث.\rوقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بان الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهي عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها، كما نهى عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة والحمام، وسيأتي ذلك مستوفى في مواضع أخر - أن شاء الله تعالى.\rوفي ذكره التيمم في الأرض من خصائصه ما يشعر أن الطهارة بالماء ليست مما اختص به عن الأنبياء ، وقد سبق في (( كتاب : الوضوء ))ذكر ذَلكَ .\rواستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا )) من يقول : أن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل والنورة والزرنيخ والجص وغير ذلك، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما .","part":3,"page":6},{"id":281,"text":"واستدل من قَالَ : لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض - كما يقوله الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه - بما في ((صحيح مسلم)) عن حذيفة، عن النَّبيّ ، قَالَ : ((فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء )) ، وذكر خصلة أخرى .\rفخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك.\rوقد خرج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري هاهنا ، وعنده : (( وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا )) .\rوهذا يدل على اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة، والطيبة: هي الأرض القابلة للإنبات، كما في قوله تعالى : { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ } [الأعراف:58].\rوروينا من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت وحٌميد ، عن أنس ، قَالَ :\rرسول الله : (( جُعلت لي كل ُ أرضٍ طيبةً مسجداً وطهوراً )) .\rولكن قد دلت نصوص أٌخرُ على عموم كون الأرض مسجداً ، فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة .\rوفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( أُعطيتُ أربعاً لم يُعطهن ِّأحد من أنبياء الله : أُعطيت مفاتيح الأرض ، وسُمَّيتُ أحمد ، وجُعل التراب لي طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم )) .\rوقد ظن بعضهم: أن هذا من باب المطلق والمقيد، وهو غلط، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور ، خلافاً لما حكي عن أبي ثور ، إلا أن يكون له مفهوم فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم ، والتراب والتربة لقب ، مختلف في ثبوت المفهوم له ، والأكثر ون يأبون ذَلكَ .\rلكن أقوى ما أستدل به : حديث حذيفة الذي خرجه مسلم ، فإنه جعل الأرض كلها مسجداً وخص الطهورية بالتربة ، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان\rالاختصاص ، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له ، بل كان زيادة في اللفظ ونقصاً في المعنى ، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد خرجه ابن خزيمة في (( صحيحة )) ، ولفظه : (( وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء )) .\rومعنى قوله : (( طهوراً )) : أي مطهراً ، كما قَالَ : (( الماء طهور لا ينجسه شيء )).\rوفيه دليل لمن قَالَ : إن التيمم يرفع الحدث كالماء رفعا مؤقتا ، ودليل على أن الطهور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء ؛ فإن طهارة الأرض مما لم تختص به هذه الأمة ، بل اشتركت فيه الأمم كلها ، وإنما اختصت هذه الأمة بالتطهر بالتراب ، فالطهور هو المطهر .\rوالتحقيق: أن ((طهورا)) ليس معدولا عن طاهر، ولأن ((طاهرا)) لازم و((طهورا)) متعد، وإنما الطهور اسم لما يتطهر به، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك.","part":3,"page":7},{"id":282,"text":"وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصة، فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم ، وفي حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ :\r(( وأحلت لي الغنائم أكلها ، وكان من قبلي يعظمون أكلها ، كانوا يحرقونها )) .\rوفي (( الصحيحين )) عن أبي هُريرةَ ، قَالَ : (( غزا نبي من الأنبياء ؛ فجمع الغنائم ، فجاءت نار لتأكلها فلم تطعمها ، فقال : أن فيكم غلولا ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فلزقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ، فوضعوها ، فجاءت النار فأكلتها ، ثُمَّ أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا )) .\rوفي الترمذي عن أبي هُريرةَ ، عن النَّبيّ ، قَالَ : (( لم تحل الغنائم لأحد سود الرؤوس قبلكم ، كانت تنزل نار فتأكلها )) .\rوفي كتاب (( السيرة )) لسليمان التيمي : أن من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كل نفس من إنسان أو دابة .\rوفي صحة هذا نظر ، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم ، إنما كان يحرم عليهم ما تأكله النار .\rوقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : الإمام أحمد إلى أن الغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمة من حيوان أو مصحف .\rوورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع أخر - أن شاء الله تعالى .\rوقد قال طائفة من العلماء: أن المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح، واستدلوا بأن إبراهيم - عليه السلام - كانت له هاجر أمة ، والإماء إنما يكتسبن من المغانم، ذكر هذا ابن عقيل وغيره .\rوفي هذا نظر؛ فإن هاجر وهبها الجبار لسارة، فوهبتها لإبراهيم ، ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما تملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم .\rوقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هدية فله أن يتملكها منه ، ويختص بها دون غيره من المسلمين .\rوقال القاضي إسماعيل المالكي : إنما اختصت هذه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم ، فأما الأرض فإنها فيء ، وكانت مباحة لمن قبلنا ، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون .\rوهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيئا ، سواء أخذت بقتال أو غيره ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد في المشهور عنه.\rومن الناس من يقول : إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال . قالوا : وهاجر كانت فيئا لا غنيمة ؛ لان الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره .\rوقد قَالَ طائفة من العلماء : أن ما وهبه الحربي لمسلم يكون فيئا .\rوزعم بعضهم : أن المحرم على من كان قبلنا كان من خمس الغنيمة خاصة ، كانت النار تأكله ، ويقسم أربعة أخماس بين الغانمين ، وهذا بعيد جدا .","part":3,"page":8},{"id":283,"text":"واستدلوا : بما خرجه البزار من رواية سالم أبي حماد ، عن السدي ، عن عكرمة ، عن أبي عباس ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي )) - فذكر الحديث ، وقال فيه : (( وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله ، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي )) .\rوسالم هذا : قال فيه أبو حاتم الرازي : مجهول .\rوأما الشفاعة التي اختص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - من بين الأنبياء ، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار ؛ فإن هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون - أيضا -، كما تواترت بذلك النصوص ، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع :\rأحدها : شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم .\rوالثاني : شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة .\rوالثالث : شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل : أن هذه يختص هو\rبها .\rوالرابع : كثرة من يشفع له من أمته ؛ فإنه وفر شفاعته وأدخرها إلى يوم القيامة .\rوقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث ، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ ، قَالَ : (( أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن نبي كان قبلي ))- فذكر الحديث ، إلى أن قَالَ : (( والخامسة هي ما هي : قيل لي سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله )).\rوخرج - أيضا - من حديث أبي موسى ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد كان قبلي )) - فذكره ، وقال في آخره : (( وأعطيت الشفاعة، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعته، وإني أخرت شفاعتي، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا )).\rوفيه - أيضا - من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: (( لم يكن نبي إلا له دعوة ينجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأنا سيد ولد ادم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي )).\rوخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد، عن النبي، قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، ولواء الحمد بيدي ولا فخر)).\rوفي (( الصحيحين )) عن أبي هُريرةَ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) .\rوفي ((صحيح مسلم)) عن جابر، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : ((لكل نبي دعوة قد دعا بها أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) .\rوفيه - أيضا - نحوه من حديث أنس ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .","part":3,"page":9},{"id":284,"text":"وفي حديث عبد الرحمان بن أبي عقيل : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطاها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا ، وإن الله أعطاني دعوة ، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) .\rخرجه البزار وغيره.\rوفي ((المسند)) عن عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إن الله أيقظني فقال : إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسالة أعطيتها إياه ، فسل يا محمد تعط ؟ فقلت : مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة )) ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، وما الشفاعة التي اختبأت عندك ؟ قال : (( أقول : يارب ، شفاعتي التي اختبأت عندك ، فيقول الرب تبارك وتعالى : نعم ، فيخرج ربي تبارك وتعالى بقية أمتي من النار، فينبذهم في الجنة )) .\rوالمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم -: أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته ، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا ، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان - عليه السلام - ، واختص النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة .\rوقد ذكر بعضهم : شفاعة خامسة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي : شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين ، كما شفع لعمه أبي طالب ، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها - صلى الله عليه وسلم - .\rوزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي : شفاعته في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب . وسيأتي ما يدل عليه - أن شاء الله تعالى .\rوأما بعثته إلى الناس عامة ، فهذا مما اختص به - صلى الله عليه وسلم - عن الأنبياء .\rوفي (( المسند )) من حديث أبي ذر ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي )) - فذكر منها -: (( وبعثت إلى كل أحمر وأسود )) .\rوفيه - أيضا - من حديث ابن عباس، عن النبي، قال: (( أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخرا، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود )).\rوفي (( مسند البزار )) من حديث ابن عباس ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : ((أعطيت خمسا لم يعطها نبي )) - فذكر منها - : (( وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه ، وبعثت إلى الجن والأنس )) - وذكر الحديث .\rوقال : لفظ : (( الجن والأنس )) لا نعلمه إلا في هذا الحديث ، بهذا الإسناد .\rقلت : وقد سبق أن في إسناده سالما أبا حماد ، وأن أبا حاتم قَالَ : هو مجهول .","part":3,"page":10},{"id":285,"text":"ولكن روي ذكر الجن في حديث آخر ، ذكره ابن أبي حاتم في (( تفسيره )) تعليقا ، وفي إسناده رجل لم يسم ، عن عبادة بن الصامت ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خرج عليهم فقال : (( أن جبريل قال لي : أخرج فأخبر بنعمة الله التي أنعم بها عليك ، وفضيلته التي فضلت بها ، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود ، وأمرني أن أنذر الجن ، وآتاني كتابه وأنا أمي ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر ، وذكر اسمي في الأذان ، وأمدني بالملائكة ، وآتاني النصر ، وجعل الرعب أمامي ، وآتاني الكوثر ، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة ، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعين مقنعي رؤسهم ، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس ، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب ، وآتاني السلطان والملك ، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة ، فليس فوقي إلا الملائكة الذين يحملون العرش ، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا )) .\rوفي (( صحيح مسلم )) ، عن أبي هُريرةَ ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( فضلت على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون )) .\rوقوله : (( إلى الخلق كافة )) يدخل فيه الجن بلا ريب .\rوفي (( صحيح ابن خزيمة )) عن حذيفة ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( فضلت على الناس بثلاث )) - فذكر الثالثة ، قَالَ : (( وأعطيت هذه الآيات من أخر سورة البقرة من كنْز تحت العرش ، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي )) .\rوهذه الخصلة الثالثة لم تسم في (( صحيح مسلم )) ، بل فيهِ : (( وذكر خصلة أخرى )) كما تقدم .\rومن تأمل هذه النصوص علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء لا تنحصر في خمس ، وأنه إنما ذكر مرة ستا ومرة خمسا ومرة أربعا ومرة ثلاثا بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":11},{"id":286,"text":"2- باب\rإذا لم يجد ماء ولا ترابا\rخرج فيه :\r336- حديث : هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فوجدها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله تعالى آية التيمم. فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا .\rقد سبق : أن رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة لهذا الحديث تخالف رواية عبد الرحمان بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ؛ فإن عبد الرحمان ذكر في روايته : أن عقدا لعائشة انقطع ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام على التماسه ، وأنه نام حتّى أصبح على غير ماء ، فنزلت آية التيمم .\rوأما عروة ، فذكر في روايته : أن قلادة لأسماء استعارتها عائشة فهلكت - يعني : أنهم فقدوها -، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا فشكوا ذلك إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلت آية التيمم .\rوفي حديث ابن القاسم ، عن أبيه : أنهم بعثوا البعير، فوجدوا العقد تحته .\rوفي حديث ابن عروة، عن أبيه: أن الذين أرسلهم في طلبها وجدوها.\rفزعم بعض الناس أن عائشة كان لها عقد انقطع وقلادة فقدت ، فأرسل في طلب القلادة وأقاموا على التماس العقد ، وفي هذا نظر . والله أعلم .\rورجحت طائفة رواية مالك ، عن ابن القاسم ، عن أبيه على رواية هشام ، عن أبيه ، ومنهم : القاضي إسماعيل المالكي ، وقال : بلغني عن يحيى القطان أنه كان ينكر أشياء حدث بها هشام في آخر عمره لما ساء حفظة .\rوقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام ، عن أبيه على أن من لم يجد ماء ولا ترابا أنه يصلي على حسب حاله، فإنهم صلوا بغير وضوء ، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك ، وشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمرهم بإعادة الصَّلاة .\rوزعم بعضهم : أن رواية القاسم ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو ولا من معه ، وهذا في غاية الضعف .\rوقد قررنا في ما تقدم : أن آية سورة النساء التي فيها ذكر التيمم كان نزولها سابقا لهذه القصة ، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لضنهم أن من فوت الماء لطلب مال له لا رخصة له في التيمم ، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك.\rوالظاهر : أن الجميع صلوا بالتيمم ولكن حصل لهم شك في ذلك ، فزال ذلك عنهم بنزول آية المائدة . والله أعلم .\rواختلف العلماء في حكم من لم يجد ماءا ولا ترابا على أربعة أقوال :\rأحدها : أنه يصلي بحسب حاله ، ولا قضاء عليه ، وهو قول مالك وأحمد في رواية عنهما ، وأبي ثور والمزني وغيرهم ، وحكي قولا قديما للشافعي.","part":3,"page":12},{"id":287,"text":"وعليه بوب البخاري ، واستدل بحديث عائشة الذي خرجه هاهنا؛ فإنهم شكو ذَلكَ إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يذكر أنه أمرهم بقضاء صلاتهم ؛ ولأن الطهارة شرط ، فإذا عجز عنها سقطت عنه ، كاستقبال القبلة وستر العورة .\rوالثاني : يصلي ويعيد ، وهو قول مالك في رواية ، والشافعي ، وأحمد في رواية عنه نقلها عنه أكثر أصحابه .\rوالثالث : لا يصلي ويعيد صلاته ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ، وهو قول قديم للشافعي .\rواستدلوا : بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) .\rويجاب عنه : بان ذلك مع القدرة ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )) ، ولا خلاف أنه لو عدم الماء وصلى بالتيمم قبلت صلاته .\rوالرابع : أنه لا يصلى ولا إعادة عليه ، وهو رواية عن مالك ، وقول بعض الظاهرية ، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور .\rوهو أردأ الأقوال وأضعفها ، ويرده قول الله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن:16] ، وقول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).\rوليس هذا كالحائض ؛ فإن الحائض ليست من أهل الطهارة ، ولا يصح منها لو فعلتها ، وهذا من أهلها وهو عاجز عنها .\rوأما قول أسيد بن حضير لعائشة - رضي الله عنها -: (( جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين خيرا )).\rفيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك ، وقد تقدم أن بعض أهل السير ذكر أن هذه القصة كانت هي وقصة الإفك في سفرة واحدة ، وهذا يشكل عليه قول أسيد بن حضير هذا؛ فإن الفرج الذي حصل من قضية الإفك إنما وقع بعد قدومهم المدينة بمدة ، وظاهر سياق حديث عائشة يدل على أن أسيد بن حضير قَالَ ذَلكَ عقيب نزول آية التيمم .\rوقد زعم بعضهم : أن هذا قاله أسيد بن حضير بعد نزول الآيات في قصة\rالإفك ، وبعد نزول آية التيمم ، وهو مخالف لظاهر هذه الرواية . والله أعلم .\rوقد استحب الثوري وأحمد : حمل التراب للمسافر كما يستحب له حمل الماء للطهارة ، ومن المتأخرين من أنكره ، وقال : هو بدعة .\r\r* * *","part":3,"page":13},{"id":288,"text":"3ـ باب\rالتيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة\rوبه قال عطاء .\rوقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله : تيمم .\rوأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف ، فحضرت العصر بمربد النعم ، فصلى ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ، فلم يعد .\rهذه الآثار الثلاثة التي علقها البخاري تشتمل على ثلاثة مسائل :\rالمسألة الأولى :\rأن من عدم الماء في الحضر فله أن يتيمم ويصلي ، وقد حكاه عن عطاء ، وهو قول جمهور العلماء .\rوقد سبقت الإشارة إلى الاختلاف في هذه المسألة ، وان السفر هل هو شرط لجواز التيمم أم كان ذكره في القران لان السفر مظنة عدم الماء غالبا ؟ والأكثرون على الثاني ، فلو لم يجد الماء في الحضر تيمم وصلى .\rواختلفوا: هل يعيد إذا وجد الماء أم لا ؟ فقال الليث وأبو حنيفة والشافعي :\rيعيد ، وهو وجه لأصحابنا .\rومنهم من فرق بين أن تقصر مدة عدم الماء في الحضر فيعيد ، وبين أن تطول فلا يعيد ، والصحيح من المذهب : أنه لا يعيد ، وهو قول مالك والثوري وإسحاق والمزني وغيرهم .\rوذهبت طائفة إلى أنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر ، وهو رواية عن أبي\rحنيفة ، ورواية عن أحمد اختاره الخلال والخرقي وحكي عن زفر وداود .\rومن أصحابنا من قال : إن كان يرجو حصول الماء قريبا لم يصلي حتى يجده ، وإن فات الوقت .\rالمسألة الثانية :\rأن المريض إذا كان يجد الماء ، ولكن ليس عنده من يناوله إياه ، فإنه يتيمم\rويصلي ، حكاه عن الحسن ، وهو -أيضا- قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأكثر\rالعلماء .\rوعن الشافعي : يعيد ، وحكي رواية عن أحمد ، وظاهر كلامه أنه لا يعيد ، وهو المشهور عند أصحابنا .\rولأصحابنا وجه : أنه إن رجا أن يجد من يناوله الماء بعد الوقت قريبا لم يصل بالتيمم ، وأخر حتى يجيء من يناوله .\rوالصحيح : الأول ، وأنه يصلي بالتيمم في الوقت ، ولا يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء بعده ، كما لا يؤخر المسافر الصلاة إذا رجا الوصول إلى الماء بعد الوقت عقيبه .\rوخرج ابن أبي حاتم من رواية قيس ، عن خصيف ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } [النساء:43] ، قَالَ : نزلت في رجل من الأنصار ، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ، ولم يكن له خادم فيناوله ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .\rالمسألة الثالثة:\rأنه يجوز التيمم بقرب المصر إذا لم يجد الماء ، وان كان يصل إلى المصر في الوقت ، هذا هو المروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - ، وقد احتج به الإمام أحمد ، وقال : كان ابن عمر يتيمم قبل أن يدخل المدينة ، وهو يرى بيوت المدينة .\rوهذا الأثر مشهور عن ابن عمر من رواية نافع عنه ، وقد رفعه بعضهم ، خرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعا . قال البيهقي : وهو غير محفوظ .\rولفظ المرفوع : أن ابن عمر قَالَ : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بموضع يقال له : مربد النعم ، وهو يرى بيوت المدينة .","part":3,"page":14},{"id":289,"text":"وخرج الأثرم من طريق أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه اقبل من أرضه التي بالجرف ، حتى إذا كان بمربد النعم حضرت الصلاة صلاة العصر ، فتيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة .\rوقد روى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر أقبل من الجرف حتى كان بالمربد تيمم وصلى العصر ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصَّلاة .\r(( الجرف )): بضم الجيم والراء -: موضع بينه وبين المدينة ثلاثة أميال .\rو(( المربد )) : مكان بقرب المدينة .\rورواه سفيان الثوري ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أنه تيمم على راس ميل أو ميلين من المدينة ، فصلى العصر ، ثم قدم والشمس مرتفعة ، فلم يعد .\rخرجه حرب الكرماني .\rورواه -أيضا- مالك ، عن نافع ، قَالَ : أقبلت مع ابن عمر من الجرف حتى إذا بلغ المربد تيمم ، ثم صلى .\rورواه العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه تيمم وصلى ثم دخل المدينة في وقت ، فلم يعد ، ورواه أبو معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قَالَ : اقبلنا من الغابة ، حتى إذا كنا بمربد النعم جاءت الصلاة ، فتيمم ، وصلى العصر ، ثم دخل المدينة .\rوهذا المروي عن ابن عمر يؤخذ منه عدة مسائل :\rمنها : أنه تجوز الصلاة بالتيمم في أول وقت للمسافر ، وان علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت ، وهذا قول أكثر العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعا ، واستدل أحمد لذلك بحديث ابن عمر هذا. وحكي عن الشافعي قول : أنه لا يجوز .\rومنها : أن المسافر سفرا قصيرا له أن يتيمم فيه كالسفر الطويل ، وهو قول جمهور العلماء -أيضا- ، وحكي فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي ، ومن أصحابه من لم يثبته عنه ، وقال: إنما حكاه الشافعي عن غيره ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا -أيضا.\rوقد تقدم : أن عدم الماء في الحضر يبيح التيمم عند الأكثرين ، لكن منهم من أوجب الإعادة فيه ، فمن قال: يعيد إذا تيمم في الحضر ، وقال : لا يتيمم إلا في سفر طويل جعل حكم السفر القصير حكم الحضر في الإعادة إذا صلى فيه بالتيمم .\rوحكى ابن عبد البر ، عن محمد بن مسلمة المالكي ، أنه حمل ما فعله ابن عمر على أنه خاف فوت الوقت ، وهذا يدل على أنه يرى أن الحاضر إذا كان عادما للماء لم يتيمم ، إلا أن يخاف فوت الوقت .\rوسئل ابن المبارك : عن الراعي تكون الماشية منه على الميلين والثلاثة ؟ فذكر عن سعيد بن المسيب ، قَالَ : يتيمم ويصلي .\rوقال أبو داود : قلت لأحمد : الرجل يخرج على الميلين والثلاثة والأكثر ، فتحضره الصلاة ، أيتيمم ؟ قَالَ : إذا خاف يتيمم . قيل له فيعيد ؟ قال : لا .\rقال : حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه -: فرجل من المدينة على فرسخ ، وليس في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس له ماء ، أيتيمم ويصلي ؟ فقل : نعم . قلت : يعيد ؟ قال : لا ، وانأ أرى في الحضر التيمم .\rقَالَ : وسألته عن رجل في الصيد ، وليس هو في سفر ، فحضرت الصلاة ، ولم يكن معه ماء ، فتيمم وصلى ؟ قال: إن كان في معصية يعيد ، وان كان للكسب على عياله لا يعيد.","part":3,"page":15},{"id":290,"text":"وروى حرب بإسناده عن الزهري ، في رجل ينتجع الكلأ فلا يجد الماء ؟ قال: لا نرى أن يقيم بالأرض ليس فيها ماء. قال الوليد بن مسلم ذكرته لبعض المشيخة ، فقال: سمعت أن معاذ بن جبل ذكر ذلك له ، فقال: لو لم يكن لهم ذلك لم يكن لنا أن نتركهم وذلك.\rوالمنصوص عن أحمد في الحطاب ونحوه : لا يرخص لهم في ترك حمل ماء\rالوضوء ، وإنه إذا لم يكن معهم ماء فلا يتيممون ، وحمله القاضي على أن السفر القصير لا تيمم فيه.\rوأجاز طائفة من أصحابنا لمن عدم الماء في الحضر في التيمم في أخر الوقت ، وإنهم لا يكلفون طلب الماء مع فوت الوقت مع بعد الماء في الحضر ، وأوجب القاضي في ((خلافه)) طلب الماء على الحاضر ، وان أدركه بعد الوقت.\rوقال صاحب (( المغني )) : من فارق موضع الماء إلى مكان قريب لحرث ونحوه ، فحضرت الصلاة ، ولا ماء معه ، وان رجع إليه فاته غرضه؛ فإنه يتيمم ويصلي ، ولا إعادة عليه ، إلا أن يكون مكان الماء ومكان الحاجة من عمل واحد ، ففي الإعادة وجهان.\rوقد سبق ذكر هذه المسألة في (( باب : التماس الماء إذا حانت الصَّلاة )) في\r(( كتاب : الوضوء )) .\rومنها : أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فإنه لا إعادة عليه ، هذا قول جمهور العلماء ، وحكي عن طائفة من السلف وجوب الإعادة.\rولو وجده بعد الوقت ، فأجمعوا على أن لا إعادة علية -: حكاه ابن المنذر\rوغيره .\rوفي (( المسند )) و (( سنن أبي داود )) والنسائي من رواية عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، قَالَ : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ، فتيمما صعيداً طيباً وصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد : (( أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك )) ، وقال للذي توضأ وأعاد: (( لك الأجر مرتين )) .\rوقال أبو داود : ذكر أبي سعيد في إسناده وهم ليس بمحفوظ ، بل هو مرسل .\rواستحب الأوزاعي الإعادة بالوضوء في الوقت من غير إيجاب. ونقله حرب ، عن أحمد .\rوقال القاضي أبو يعلي : يجوز ولا يستحب ، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد؛ فإنه قَالَ في رواية صالح : أن أعاد لم يضره.\rوقال الخلال : العمل من قول أبي عبد الله على أنه لا يعيد .\rوقال الحسن : أن شاء أعاد ، وإن شاء لم يعد .\rوصرح أصحاب الشافعي بأن الإعادة غير مستحبة .\rوهذا الحديث قد يستدل به على استحباب الإعادة ؛ لقوله : (( لك الأجر\rمرتين )) . وقد يقال : إصابة السنة أفضل من ذَلكَ .\rوقد ذكرنا في (( كتاب : العلم )) في شرح حديث : (( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين )) أنه ليس كل من له أجره مرتين يكون أفضل من غيره .\rومنها : أنه لا يجب طلب الماء لمن عدمه في غير موضعه الذي هو فيه ، وقد أخذ بذلك إسحاق ، واستنبطه من فعل ابن عمر هذا .\rقال البخاري - رحمه الله-:","part":3,"page":16},{"id":291,"text":"337 - ثنا يحيى بن بُكير: ثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، قال: سمعت عُميراً مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ، فقال أبو الجهيم: أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - من نحو بئر جمل ، فلقيه رجلٌ فسلم عليه ، فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام ، حتى أقبل على الجدار ، فمسح بوجهه ويديه ، ثم رد عليه السلام .\rهذا الحديث ذكره مسلم في (( صحيحه )) تعليقاً عن الليث بهذا الإسناد ، وكذا رواه ابن إسحاق ، عن الأعرج.\rورواه إبراهيم بن أبي يحيى ، عن أبي الحويرث عبد الرحمان بن معاوية ، عن الأعرج ، عن ابن الصمة ، وزاد ، أنه مسح وجهه وذراعيه ، وأسقط من إسناده\r((عُميراً )).\rورواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد ، عنه ، وقال في حديثه - أيضا ً-:\r(( فمسح بوجهه وذراعيه )).\rوأبو صالح تغير بآخرة ، وقد اختلف عليه في لفضه ، ورواية يحيى بن بُكير أصح .\rقال الخطابي: حديث أبي الجهيم في مسح الذراعين لا يصح.\rيعني : لا يصح رواية من روى فيه مسح الذراعين.\rوقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء ، ولكن التيمم هنا لم يكن لما تجب له الطهارة ، بل لما يستحب له ، وقد تقدم ذكر هذا في(( كتاب: الوضوء )) في غير موضع منه ، وذكرنا أن عمر كان يتيمم في الحضر لذكر الله عز وجل ، وهو من رواية علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قَالَ : رأيت عمر بال ثم أتى الحائط فتمسح به ، ثم قال: هذا للذكر والتسبيح حتى تلقى الماء .\rخرّجه ابن جرير الطبري .\rوهذا يدل على أنه إنما تيمم بمكان ليس فيه ماء ، وذكرنا فيما تقدم أن من السلف من كان يتيمم لرواية الحديث ونحو ذلك ، وعن أبي العالية أنه تيمم لرد السلام.\rوفي المسند عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج فيهريق الماء ، فيتيمم بالتراب ، فأقول : يا رسول الله ، الماء منك قريب ، فيقول : (( ما يدريني ، لعلي لا\rأبلغه )).\rوذكرنا -أيضاً - أن طائفة من أعيان الشافعية كأبي المعالي الجويني - وصاحبه أبي حامد صرحوا بأن من تيمم في الحضر ، ثم قرأ القرآن وذكر الله كان جائزاً ، استدلالاً بهذا الحديث .\rورد ذلك بعض متأخر يهم ، وقال: لم يكن تيمم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، إنما كان ظاهراً حيث لا يوجد الماء ، ولكن كان بقرب المدينة ، فإن في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد أقبل من نحو بئر جمل ، وهي خارج المدينة.\rوقد روى هذا الحديث عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو حديث أبي الجهيم.\rخرجه أبو داود من حديث ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى حاجته ثم أقبل في سكة من سكك المدينة ، فسلم عليه رجل ، فمسح وجهه وذراعيه ، ثم رد عليه السلام.\rخرجه أبو داود وغيره.","part":3,"page":17},{"id":292,"text":"ورفعه منكر عند أئمة الحفاظ ، وإنما هو موقوف عندهم -: كذا قاله الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والبخاري والعقيلي والأثرم.\rوتفرد برفعه محمد بن ثابت العبدي ، عن نافع. والعبدي ضعيف.\rوذكر الأثرم أبي الوليد ، أنه سأل محمد بن ثاب هذا : من الذي يقول النبي وابن عمر ؟ فقال لا أدري .\rففي هذا الحديث : أن تيمم النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بعض سكك المدينة.\rوسيأتي في (( باب : الشعر في المسجد )) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم على جدار المسجد ، ثم دخل المسجد.\rوقال بعض أصحابنا : يجوز التيمم لرد السلام في الحضر ، إذا خشي فوته؛ لان الطهارة لرده مشروعة ندبا لا وجوبا؛ فإنه يجوز الرد مع الحدث لكن يفوت فعله بالطهارة؛ لأنه على الفور.\rواستدل بعضهم بهذا الحديث : على جواز التيمم في الحضر إذا خاف فوت صلاة الجنازة ، كما هو قول كثير من العلماء ، ومذهب أبي حنيفة ، وأحمد في رواية عنه ، وذكر أحمد أنه قول أكثر العلماء : ابن عباس ومن بعده - وذكر الحسن والنخعي وجماعة.\rومن منع من ذلك كمالك والشافعي وأحمد - في الرواية الأخرى -؛ فإنهم قد يفرقون بأن الطهارة بالماء لصلاة الجنازة شرط ، فلا يسقط مع القدرة عليه خشية\rالفوات ، بخلاف الطهارة لرد السلام ونحوه من الذكر ، فأنها ليست بشرط فخف أمرها.\rوقد أجاب بهذا طائفة من الفقهاء من الشافعية ، منهم: الماوردي وأبو الطيب الطبري ونصر المقدسي وغيرهم . وهذا موافق لما تقدم حكايته عن أبي المعالي والغزالي.\rوالعجب أن صاحب (( شرح المهذب )) حكى ذلك كله في موضعين من\r(( كتابه )) ، وقال فيما حكاه عن أبي المعالي والغزالي : لا نعرف أحدا وافقهما ، وهذا الذي حكاه عن الماوردي وغيره يدل على الموافقة .\r\r* * *","part":3,"page":18},{"id":293,"text":"4- باب\rهل ينفخ فيهما ؟\r338- حدثنا آدم: ثنا شعبة: ثنا الحكم ، عن ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه ، قَالَ: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ، فقال: إني أجنبت ، فلم أجد الماء ؟ فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت فصليت ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r(( إنما كان يكفيك هكذا )) ، فضرب بكفيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه.\rوقد خرجه فيما بعد من وجه أخر ، وفيه: ((ثم نفضها)) بدل ((نفخ فيهما)).\rوفي رواية لمسلم في ((صحيحه)) أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)).\rواستدل بهذا بعض من ذهب إلى أنه لا يشرط في المتيمم به أن يكون له غبار يعلق باليد ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة والثوري وغيرهم؛ لان نفخ التراب من اليدين ونفضهما منه قد يزيل ما علق باليد منه أو يخففه حتّى لا يبقى منه ما يعم الوجه والكفين غباره ، فلو كان المسح بالغبار شرطا لكان ترك النفخ أولى .\rوأجاب عن ذلك بعض من يرى اشتراط الغبار الممسوح به ، كأصحاب الشافعي وأحمد : بأن النفخ يدل على أنه علق باليد من التراب ما يخفف منه بالنفخ ، وقد قال لعمار : (( إنما يكفيك هكذا )) ، فدل على أنه لا بد في التيمم من تراب يعلق باليد .\rوأجاب بعضهم : بأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما ذكر النفخ لعمار لا لكون النفخ سنة ، بل ليبين له أن المبالغة في التيمم بالتمعك الذي فعله بالتراب ليس بسنة ، وأنه يكفي من ذلك أدنى ما يمكن أن يمسح به الوجه والكفان من غباره .\rوقد اختلف العلماء في نفخ اليدين من الغبار في التيمم : فمنهم من استحبه ، ومنهم من كرهه .\rوروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى ، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ، ولا ينفض يديه من التراب .\rوكره النفض حماد وغيره ، واستحبه الحسن ويحيى ابن أبي كثير.\rواختلفت الرواية عن أحمد في ذَلكَ : فروي عنه أنه لم يذهب إلى النفخ . وروي عنه أنه قَالَ : أن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل .\rونقل عنه الميموني قَالَ : لا ينفخهما . ثم قَالَ : ومن الناس من ينفضهما ، ولست أنفضهما ، وكأني للنفخ أكره .\rونقل عنه حنبل أنه ذكر حديث عمار هذا ، وقال : اذهب إليه . قيل له : ينفخ فيهما ؟ قَالَ : ينفخ فيهما ويمسحهما .\rقال الخلال : العمل من مذهبه : على أنه يجوز فعل ذلك كله: النفخ والنفض ، ويجوز تركه.\rوقال غيره من أصحابنا : أن كان التراب خفيفا كره النفخ ؛ لأنه ينقص به كمال التعميم بالطهور ، وإن كان كثيرا ففي كراهته روايتان ، والصحيح: لا يكره؛ لأنه تخفيف لا يكره ابتداء ، فكذلك دواما .\rوللشافعي في تخفيف التراب بالنفخ ونحوه قولان : أحدهما : يستحب. والثاني : لا . وقيل : أن القديم استحبابه والجديد عدم استحبابه.","part":3,"page":19},{"id":294,"text":"واختلف أصحابه في ذلك على طريقين: فمنهم من قال: له قولان مطلقا. ومنهم من قال: هما منزلان على حالين ، فإن كان التراب كثيرا نفخ ، وألا لم ينفخ.\rونقل حرب ، عن إسحاق ، قال: أن لزق بالكفين تراب كثير نفخهما ، وان لم يلزق بهما تراب كثير أجزاه أن لا ينفخ.\rقال حرب: ووصف لنا إسحاق التيمم ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه الثانية ولم ينفخهما ، ثم مسح ظهور الكفين: اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى.\rوروى بإسناده ، عن عمار ، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ثم نفخ يده ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل . وقال عمار : هذا التيمم .\rوبإسناده : عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه وصف التيمم فمسح ظهر يديه وذراعيه من لدن أصابعه إلى مرفقيه ، ثم من بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه مرتين ينفضهما .\rورواية الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر المتقدمة أصح من هذه .\rوذكر بعض المالكية : أن جواز نفض اليدين من التراب في التيمم قول مالك والشافعي دون استقصاء لما فيهما ، لكن لخشية ما يضر به من ذلك من تلويث وجهه ، أو شيء يؤذيه .\rوقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ضرب بيديه الأرض للتيمم نفخ فيهما . واختلفوا في ذلك ، فكان الشعبي يقول : ينفضهما . وقال مالك : نفضا خفيفا . وقال الشافعي : لا باس أن ينفض إذا بقي في يده غبار . وقال إسحاق نحوا من قول الشافعي . وقال أحمد : لا يضره فعل أو لم يفعل . وقال أصحاب الرأي : ينفضهما . وكان ابن عمر لا ينفض يديه .\rقال ابن المنذر : قول أحمد حسن .\r\r* * *","part":3,"page":20},{"id":295,"text":"5- باب\rالتيمم للوجه والكفين\r339- حدثنا حجاج : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن سعيد بن\rعبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه : قال عمار - بهذا .\rوضرب شعبة بيديه الأرض ، ثم أدناهما من فيه ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه .\rقال النضر : أبنا شعبة ، عن الحكم : سمعت ذرا ، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى - قال الحكم : وقد سمعته من ابن عبد الرحمان - ، عن أبيه : قال عمار .\r340- حدثنا سليمان بن حرب : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه ، أنه شهد عمر ، وقال له عمار :كنا في سرية فأجنبنا . وقال : تفل فيهما .\r341- حدثنا محمد بن كثير : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن\rعبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه ، قال : قال عمار لعمر : تمعكت فأتيت النبي ، فقال : ((يكفيك الوجه والكفين)) .\r342- حدثنا مسلم : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى ، عن عبد الرحمان : شهدت عمر ، فقال له عمار - وساق الحديث .\r343- حدثنا محمد بن بشار : ثنا غندر : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه : قال عمار : فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده الأرض ، فمسح وجهه وكفيه .\rحديث عمار في التيمم ، خرجه البخاري في ((كتابه)) من طريقين :\rأحدهما : من طريق أبي وائل ، عن أبي موسى ، عن عمار ، وسيأتي .\rوالأخر : من رواية عبد الرحمان بن أبزى ، عن عمار .\rولم يخرجه من هذا الطريق إلا من رواية شعبة ، عن الحكم ، عن ذر الهمداني ، عن سعيد بن عبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار .\rوقد ساق لفظه بتمامه في الباب الماضي ، وأحال في هذا الباب على ما قبله ، بقوله : ((قال عمار بهذا)) - يعني : بما سبق من سياق الحديث في الباب الماضي .\rووصف شعبة التيمم المذكور في الحديث بفعله .\rوكرر البخاري في هذا الباب طرقه إلى شعبة ، وبعضها تعليق؛ لما في ذلك من زيادة فائدة :\rففي رواية سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم ، عن شعبة : تصريح عبد الرحمان بن أبزى بسماع هذا الحديث من عمار ، ومخاطبته لعمر ، وهذه فائدة جليلة .\rوفي رواية سليمان بن حرب ، عن شعبة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفل في يديه لما ضرب بهما الأرض ، والمراد بالتفل هنا : النفخ ، كما في سائر الروايات .\rوفي رواية النضر بن شميل : أن الحكم سمع الحديث من ذر ، عن سعيد ابن عبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه ، وسمعه - أيضا - من ابن عبد الرحمان ابن أبزى ، عن أبيه ، كما سمعه من ذر ، عنه .\rوذكر البيهقي وغيره : أن ابن أبزى هو سعيد - أيضا .\rوقد ذكر البخاري رواية النضير تعليقا ، وأسندها مسلم عن إسحاق بن منصور ، عنه .\rواتفقت رواياتهم على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح وجهه وكفيه . وفي رواية محمد بن كثير، عن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار : (( يكفيك الوجه والكفين )) .","part":3,"page":21},{"id":296,"text":"وخرجه مسلم من طريق يحيى القطان ، عن شعبة ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار : (( إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك )) .\rقال الحكم : وحدثنيه ابن عبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه بمثل حديث ذر . قال : وحدثني سلمة ، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم . انتهى .\rوقد كان عند شعبة لهذا الحديث إسناد آخر ، رواه عن سلمه بن كهيل ، عن\rذر . كما خرجه مسلم من رواية القطان ، عن شعبة ، ولكن البخاري لم يخرجه عن شعبة من هذا الوجه لأمرين :\rأحدهما : أن سفيان الثوري والأعمش روياه عن سلمة بن كهيل ؛ فخالفا شعبة في إسناده ، على اختلاف عليهما فيه .\rوالثاني : أن سلمة شك : هل ذكر في الحديث مسح الكفين ، أو الذراعين ؟ وكان - أحيانا - يحدث سلمة به ، ويقول : (( إلى المرفقين )) ، فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر ، فقال سلمة : لا ادري ، أذكر الذراعين ، أم لا ؟\rخرج ذَلِكَ أبو داود والنسائي وغيرهما .\rولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد الإسناد من رواية الحكم وسلمة ، وسكت عن اللفظ؛ فإنه مختلف .\rوقد خرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي في (( أحكام القرآن )) له عن حفص بن عمر ، عن شعبة ، عن الحكم - بإسناد- ، وقال فيه : (( إنما كان يكفيك هكذا )) ، وضرب بيديه الأرض واحدة ، فمسح بهما كفيه ووجهه .\rوكذا خرجه أبو بكر الأثرم عن أبي الوليد الطيالسي ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، وعنده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب بكفيه الأرض ضربة واحدة ، ثم نفخها ، ومسح بهما وجهه وكفيه .\rوقد خرجه النسائي من رواية خالد ، عن شعبة ، وعنده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له :\r(( إنما كان يكفيك )) ، وضرب شعبة بكفيه ضربة نفخ فيهما ، ثم دلك أحداهما بالأخرى ، ثم مسح بهما وجهه .\rوفي هذه الرواية تأخير مسح الوجه ، لكنه من تفسير شعبة ، والظاهر أن شعبة كان أحيانا يحدث بالحديث بلفظه ، وأحيانا يفسره بفعله .\rوقد اجمع العلماء على أن مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة؛ فإن الله تعالى يقول : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } [المائدة :6]\rولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك :\rفأما الوجه :\rفمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء : أنه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب ، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه ، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة ، أم لا ، هذا هو الصحيح .\rوفي مذهبنا ومذهب الشافعي وجه أخر : أنه يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها ، ولا يجب عند أصحابنا إيصال الماء إلى باطن الفم والأنف ، وان وجب عندهم المضمضة والاستنشاق في الوضوء .","part":3,"page":22},{"id":297,"text":"وعن أبي حنيفة روايات ، إحداها : كقول الشافعي وأحمد . والثانية : أن ترك قدر درهم يجزئه ، وان ترك دونه أجزأه . والثالثة : أن ترك دون ربع الوجه أجزأه ، وإلا فلا . والرابعة : أن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه ، وإلا فلا . وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر .\rوحكى ابن المنذر ، عن سليمان بن داود الهاشمي : أن مسح التيمم حكمه حكم مسح الرأس في الوضوء يجزئ فيه البعض .\rوكلام الإمام أحمد يدل على حكاية الإجماع على خلاف ذلك .\rقال : الجوزجاني : ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، قال : سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعض وجهه في التيمم ؟ قال : يعيد الصلاة . فقلت له : فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم ؟ فقال : لم يبلغنا أن أحدا ترك ذَلكَ من تيممه .\rقَالَ الشالنجي : وقال أبو أيوب -يعني : سليمان بن داود الهاشمي- : يجزئه في التيمم أن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس؛ إذا ترك منه بعضا أجزأه .\rقال الجوزجاني : فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى ـ يعني : النيسابوري ـ ، فقال : المسح في التيمم كما يمسح الرأس ، لا يتعمد لترك شئ من ذلك ، فإن بقي شئ منه لم يعد ، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء .\rقال الجوزجاني : لم نسمع أحدا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتبع في الوضوء بالتخليل ، فأحسن الأقاويل منها ما ذكره يحيى بن يحيى : أن لا يتعمد ترك شئ من ذلك ، فإن بقي شئ لم يعد . انتهى .\rوظاهر هذا : يدل على أن مذهب سليمان بن داود ويحيى بن يحيى والجوزجاني : أنه إذا ترك شئ من وجهه ويديه في التيمم لم يعد الصلاة . ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه قال تضرب بكفيك على الأرض ثم تمسح بهما وجهك ، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية ، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ثم تضرب مرة أخرى بكفيك .\rومراد إسحاق : أنه لا يشترط وصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه ، كما يقوله من يقوله من الشافعية وغيرهم ، حتى نص الشافعي : أنه لو بقي من محل الفرض شئ لا يدركه الطرف لم يصح التيمم .\rواستشكل أبو المعالي الجويني تحقق وصول التراب إلى اليدين إلى المرفقين بضربة واحدة ، وقال : الذي يجب اعتقاده أن الواجب استيعاب المحل بالمسح باليد المغبرة من غير ربط الفكر بانبساط الغبار على جميع المحل . قال : وهذا شئ اظهر به ، ولم أرَ منه بدا .\rوحكى ابن عطية في (( تفسيره )) عن محمد بن مسلمة من المالكية : أنه لا يجب أن يتبع الوجه بالتراب كما يتبع بالماء وجعله كالخف ومابين الأصابع في اليدين ـ يعني : في التيمم .\rوحكى في وجوب تخليل الأصابع وتحريك الخاتم قولين لأصحابهم : بالوجوب ، والاستحباب .\rوحكى ابن حزم في وجوب تخليل اللحية بالتراب اختلافا .\rوأما اليدان :\rفأكثر العلماء على وجوب مسح الكفين : ظاهرهما وباطنهما بالتراب إلى الكوعين ، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعاب ذلك بالمسح .","part":3,"page":23},{"id":298,"text":"وحكى ابن عطية عن الشعبي : أنه يمسح الكفين فقط؛ لحديث عمار ، وانه لم يوجب إيصال التراب إلى الكوعين ، وهذا لا يصح . والله أعلم .\rوإنما المراد بحديث عمار ، وبما قاله الشعبي وغيره من مسح الكفين :\rمسحهما إلى الكوعين ، وقد جاء ذلك مقيدا ، رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن الحكم : سمع ذر بن عبد الله ، عن ابن عبد الرحمان بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : (( إنما كان يجزئك )) وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده الأرض إلى التراب ، ثم قال : (( هكذا )) ، فنفخ فيهما ، ومسح وجهه ويديه إلى المفصل وليس فيه الذراعان .\rوروى إبراهيم بن طهمان ، عن حصين ، عن أبي مالك ، عن عمار بن ياسر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : (( إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ، ثم تنفخ فيهما ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرصغين )) .\rخرجه الدارقطني ، وقال : لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ووقفه شعبته وزائدة وغيرهما .\rيعني أنهم رووه عن حصين عن أبي مالك ، عن عمار موقوفا ، والموقوف اصح ـ : قاله أبو حاتم الرازي .\rوأبو مالك ، قال الدارقطني : في سماعه من عمار نظر؛ فإن سلمة بن كهيل رواه عن أبي مالك ، عن ابن أبزى ، عن عمار .\rوقال أبو حاتم : يحتمل أنه سمع منه .\rوأبو مالك ، هو : الغفاري ، سأل أبو زرعة : ما أسمه ؟ فقال : لا يسمى .\rوقال البيهقي أسمه حبيب بن صهبان .\rوفيما قاله نظر؛ فإن حبيب بن صهبان هو : أبو مالك الكاهلي الأسدي ، وأم الغفاري فأسمه : غزوان - : قاله ابن معين . وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم ، ووقع في بعض نسخ البخاري ، غير أن البخاري متوقف غير جازم لان حبيب بن صهبان يكنى : أبا حاتم ، ولا أن أبا مالك الغفاري اسمه : غزوان .\rوروي حديث عمار على وجه أخر : فروى الأعمش ، عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمان بن أبزى ، عن عمار ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : (( أنما كان يكفيك هكذا )) ، ثم ضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب أحداهما على الأخرى ، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين ، ضربة واحدة .\rخرجه أبو داود .\rوخرجه - أيضا - من طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل ، عن أبي مالك ، عن عبد الرحمان بن أبزى ، قال :كنت عند عمر ، فقال عمار : قال النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم - : (( إنما كان يكفيك أن تقول هكذا )) ، وضرب بيديه إلى الأرض ، ثم نفخهما ، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع .\rوخرجه النسائي من طريق سفيان ، عن سلمة ، عن أبي مالك - وعن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبزى ـ ، عن عبد الرحمان بن أبزى ، قال : كنا عند عمر ـ فذكر الحديث ، وفيه : ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه .\rوقد رواه عن سلمة بن كهيل : شعبة ، وسفيان ، والأعمش ، واختلف عنهم في إسناده .","part":3,"page":24},{"id":299,"text":"وقد تقدم : أن في رواية شعبة أن سلمة شك : هل ذكر فيه الذراعين ، أو الكفين خاصة ، وهذا يدل على أن ذكر الذراعين أو بعضهما لم يحفظه سلمه ، إنما شك فيه ، لكنه حفظ الكفين وتيقنهما ، كما حفظه غيره .\rوعلى تقدير أن يكون ذكر بعض الذراعين محفوظا فقد يحمل على الاحتياط لدخول الكوعين ، أو يكون من باب المبالغة وإطالة التحجيل ، كما فعله أبو هريرة في الوضوء ، وقد صرح الشافعية باستحبابه في التيمم - أيضا .\rوقد روي عن قتادة ، قال : حدثني محدث عن الشعبي ، عن عبد الرحمان بن أبزى ، عن عمار بن ياسر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إلى المرفقين )) .\rخرجه أبو داود .\rوهذا الإسناد مجهول لا يثبت .\rوالصحيح : عن قتادة ، عن عزرة ، عن سعيد بن عبد الرحمان ، عن أبيه ، عن عمار ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالتيمم للوجه والكفين .\rخرجه الترمذي وصححه .\rوخرجه أبو داود ، ولفظه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بالتيمم : ضربة واحدة للوجه\rوالكفين .\rوقد روي عن عمار ، أنهم تيمموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المناكب والآباط : من رواية الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن ابن عمار ، قال : نزلت رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فقام المسلمون مع النبي ، فضربوا بأيديهم الأرض ، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ، ومن بطون أيديهم إلى الآباط .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوقد اختلف في إسناده على الزهري :\rفقيل : عنه ، كما ذكرنا .\rوقيل : عنه ، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة ، عن أبيه ، عن عمار ، كذا رواه عنه : مالك وابن عيينة ، وصحح قولهما أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان .\rوقيل : عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبدالله ، عن عمار ـ مرسلا .\rوهذا حديث منكر جدا ، لم يزل العلماء ينكرونه ، وقد أنكره الزهري راويه ، وقال : هو لا يعتبر به الناس ـ : ذكره الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما .\rوروي عن الزهري ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : لم اسمعه إلا من عبيد الله . وروي عنه ، أنه قال : لا ادري ماهو ؟! .\rوروي عن مكحول ، أنه كان يغضب إذا حدث الزهري بهذا الحديث . وعن ابن عيينة ، أنه امتنع أن يحدث به ، وقال : ليس العمل عليه .\rوسأل الإمام أحمد عنه ، فقال : ليس بشئ . وقال ـ أيضا ـ : اختلفوا في إسناده ، وكان الزهري يهابه . وقال : ما أرى العمل عليه .\rوعلى تقدير صحته ، ففي الجواب عنه وجهان :","part":3,"page":25},{"id":300,"text":"أحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم أصحابه التيمم على هذه الصفة ، وإنما فعلوه عند نزول الآية ؛ لظنهم أن اليد المطلقة تشمل اليدين والذراعين والمنكبين والعضدين ، ففعلوا ذلك احتياطا كما تمعك عمار بالأرض للجنابة ، وضن أن تيمم الجنب يعم البدن كله كالغسل ، ثم بين النبي - صلى الله عليه وسلم - التيمم بفعله وقوله : (( التيمم للوجه والكفين )) ، فرجع الصحابة كلهم إلى بيانه - صلى الله عليه وسلم - ، ومنهم عمار راوي الحديث ؛ فإنه أفتى أن التيمم ضربة للوجه والكفين كما رواه حصين ، عن أبي مالك ، عنه ، كما سبق .\rوهذا الجواب ذكره إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة .\rوالثاني : ما قاله الشافعي ، وانه أن كان ذلك بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهو منسوخ ؛ لان عمارا اخبر أن هذا أول تيمم كان حين نزلت أية التيمم ، فكل تيمم كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعده مخالف له ، فهو له ناسخ .\rوكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيره من العلماء .\rوقد حكى غير واحد من العلماء عن الزهري ، أنه كان يذهب إلى هذا الحديث الذي رواه .\rوروي عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، أن الزهري قال : التيمم إلى الآباط . قال سعيد : ولا يعجبنا هذا .\rقلت : قد سبق عن الزهري أنه أنكر هذا القول ، واخبر أن الناس لا يعتبرون به ، فالظاهر أن رجع عنه لما علم إجماع العلماء على مخالفته . والله أعلم .\rوذهب كثير من العلماء إلى أنه ينتهي المسح لليدين بالتراب إلى المرفقين :\rهذا مروي عن ابن عمر وجابر - رضي الله عنهم - وروي -أيضا- سالم بن عبد الله والشعبي ، والحسن ، والنخعي ، وقتادة ، وسفيان ، وابن المبارك ، والليث ، ومالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة وأصحابه .\rواستدل بعضهم : بالأحاديث المرفوعة المروية في ذلك ، ولا يثبت منها شيء ، كما سبق الإشارة إلى ذلك .\rواستدلوا - أيضا- : بان الله تعالى أمر بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين ، ثم ذكر في التيمم مسح الوجه واليدين ، فينصرف إطلاقهما في التيمم إلى تقييدهما في\rالوضوء ، لا سيما وذلك في آية واحدة ، فهو أولى من حمل المطلق على المقيد في آيتين .\rوأجاب من خالفهم : بان المطلق إنما يحمل على المقيد في قضية واحدة ، والوضوء والتيمم طهارتان مختلفتان ، فلا يصح حمل مطلق أحدهما على مقيد الأخر .\rويدل على ذلك : أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عند نزول أية التيمم لم يفهموا حمل المطلق على المقيد فيها ، بل تيمموا إلى المناكب والآباط ، وهم أعلم الناس بلغة العرب ، ثم بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن التيمم للوجه والكفين ، وهو - أيضا - ينافي حمل المطلق على المقيد فيها .\rوذهب آخرون : إلى أن التيمم يمسح فيه الكفان خاصة .\rوالثاني :بن المنذر لأهل هذه المقالة قولين : أحدهما يمسح الكفين إلى الرسغين ، وحكاه عن علي . والثاني : يمسح الكفين مطلقا . قال :هو قول عطاء ، ومكحول ، والشعبي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .","part":3,"page":26},{"id":301,"text":"قال : وبهذا نقول للثابت عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال (( التيمم ضربة للوجه\rوالكفين )) .\rقلت : هذا يوهم أن من قال بسمح الوجه والكفين ، أنه لا ينتهي مسحهما إلى الكوعين ، وهذا كما حكاه ابن عطية عن الشعبي ، كما سبق عنه ، وليس هذا قول الأئمة المشهورين .\rوقد روى داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن التيمم ، فقال : أن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } [ المائدة :6 ] ، وقال في التيمم : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } [المائدة 6] ، وقال : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [المائدة 38] ، فكانت السنة في القطع الكفين ، إنما هو ، الوجه والكفين - يعني : التيمم .\rخرجه الترمذي ، وقال حسن صحيح غريب .\rوروى الحكم بن أبان ، عن عكرمة هذا المعنى -أيضاً .\rوكذلك استدل بهذا الدليل مكحول وأحمد وغيرهما من الأئمة ، وقالوا : أن القطع يكون من الرسغ ، فكذلك التيمم .\rوالرسغ : هو مفصل الكف ، وله طرفان ، هما عظمان ، فالذي يلي الإبهام\rكوع ، والذي يلي الخنصر كرسوع .\rومضمون هذا الاستدلال : أن اليد إذا أطلقت انصرفت إلى الرسغ ، وان قيدت بموضع تقيدت به ، فلما قيدت بالمرفقين في الوضوء وجب غسل الذراعين إلى المرفقين ، ولما أطلقت في التيمم وجب إيصال التراب الرسغ ، كما تقطع يد السارق ويد المحارب منه .\rوكذلك قال الأوزاعي : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوعين .\rوكذلك نص إسحاق على أن التيمم يبلغ إلى الرسغ ، وخطأ من قال : لا يجزئ ذلك . وقال الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المعروف المشهور الذي يرويه الثقة عن الثقة بالأخبار الصحيحة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم عمار بن ياسر التيمم للوجه والكفين . قال : وعلى ذلك كان علي بن أبي طالب ، وعبدالله بن عباس ، والشعبي ، معطاء ، ومجاهد ، ومكحول وغيرهم ، فلا يجوز لأحد أن يدعي على هؤلاء أنهم لم يعرفوا التيمم . قال : ولو قالوا الذراعين : أحب إلينا اختيارا لكان أشبه .\rوروى حرب بإسناده ، عن زائدة ، عن حصين بن عبد الرحمان ، عن أبي مالك ، عن عمار ، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ، ثم نفخ يده ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل .\rوبإسناده : عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : التيمم ضربتين : ضربة للوجه ، وضربة للكفين .\rقَالَ : وثنا أحمد بن حنبل : ثنا سليمان بن حيان : أبنا حجاج ، عن عطاء\rوالحكم ، عن إبراهيم ، قَالَ : التيمم ضربتان للكفين والوجه .\rقال : وثنا محمود بن خالد : ثنا الوليد بن مسلم ، عن حامد وسعيد بن\rبشير ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين .\rقال الوليد : وأبنا الأوزاعي ، عن عطاء أنه كان يقول في التيمم : مسحة واحدة للوجه ، ثم ضربة أخرى لكفيه . وبه يأخذ الأوزاعي .","part":3,"page":27},{"id":302,"text":"وروى حرب بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : سالت الشعبي عن\rالتيمم ؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم قرن أحداهما بالأخرى ، ثم مسح وجهه وكفيه .\rقال حرب : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ، يبدأ بوجه ثم يمسح كفيه أحداهما بالأخرى . قيل له : صح حديث عمار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ؟ قال : نعم ، قد صح .\rوالقول بان الواجب في التيمم مسح الكفين فقط : رواية عن مالك ، وقول قديم للشافعي ، قال في القديم - فيما حكاه البيهقي في (( كتاب المعرفة)) - : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوجه والكفين ، ولو اعلمه ثابتاً لم أعده . قَالَ : فإنه ثبت عن عمار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الوجه والكفين ، ولم يثبت إلى المرفقين ، فما يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى ، وبهذا الحديث كان يفتي سعد بن سالم . انتهى .\rومن العلماء من قال : الواجب مسح اليدين إلى الكوعين ، ويستحب مسحهما إلى المرفقين ، ولعله مراد كثير من السلف - أيضا -؛ فإن منهم من روي عنه : إلى الكوعين . وروي عنه : إلى المرفقين ، كالشعبي وغيره ، فدل على أن الكل عندهم\rجائز .\rوهو - أيضا - رواية عن مالك ، وقول وكيع ، وإسحاق ، وطائفة من\rأصحابنا ، وحكوه رواية عن أحمد ، المنصوص عنه يدل على أن ذلك جائز ، لا أنه\rأفضل .\rوسيأتي ذكر الضربة الواحدة و والضربتين فيما بعد - أن شاء الله تعالى -؛ فإن البخاري افرد لذلك باباً .\r\r* * *","part":3,"page":28},{"id":303,"text":"6- باب\rالصعيد الطيب وضوء المسلم ، يكفيه من الماء\rوقال الحسن : يجزئه التيمم ما لم يحدث .\rوأم ابن عباس وهو متيمم .\rوقال يحيى بن سعيد : لا باس بالصلاة على السبخة والتيمم بها أو عليها .\rما بوب عليه البخاري من أن الصعيد الطيب وضوء المسلم : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن إسناده ليس على شرط البخاري ، وقد خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي من حديث أبي قلابة ، عن عمر ابن بجدان ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :(( الصعيد الطيب وضوء المسلم )) - وفي رواية : (( طهور المسلم - وان لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته ، فإن ذلك خير )) .\rوقال الترمذي : حسن صحيح .\rوخرجه ابن حبان في(( صحيحه)) ، والدارقطني ، وصححه ، والحاكم .\rوتكلم فيه بعضهم ؛ لاختلاف وقع في تسمية شيخ أبي قلابة ؛ ولأن عمرو ابن بجدان غير معروف - : قاله الإمام أحمد وغيره .\rوقد روى هذا - أيضا - من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الطبراني والبزار .\rولكن الصحيح عن ابن سيرين مرسلا - : قاله الدارقطني وغيره .\rوأما ما حكاه عن الحسن ، أنه يجزئه التيمم ما لم يحدث ، فهذا قول كثير من العلماء ، وحكاه ابن المنذر عن ابن المسيب ، والحسن ، والزهري ، والثوري ، وأصحاب الرأي ، ويزيد بن هارون . قال : وروي ذلك عن ابن عباس ، وأبي جعفر .\rوحكاه غير ابن المنذر - أيضا - عن عطاء ، والنخعي والحسن بن صالح ، والليث بن سعيد ، وهو رواية عن أحمد ، وقول أهل الظاهر .\rواستدل لهذه المقالة بحديث : (( الصعيد الطيب طهور المسلم )) ، كما أشار إليه البخاري ، وأشار إليه الإمام أحمد - أيضا .\rوالمخالفون يقولون : المراد أنه في حكم الوضوء والطهور في استباحة ما يستباح بالطهور بالماء لا في رفع الحدث ، بدليل قوله : (( فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك )) ، ولو كان الحدث قد ارتفع لم يقيد بوجود الماء .\rوقد طرد أبو سلمة بن عبد الرحمان قوله في أنه يرفع الحدث ، فقال : يصلي به ، وإن وجد الماء قبل الصلاة ، ولا ينتقض تيممه إلا بحدث جديد . وكذا قال في الجنب إذا لم تيمم ثم وجد الماء : لا غسل عليه .\rوهذا شذوذ عن العلماء ، ويرده قوله : (( فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك )) ، ومن العجب أن أبا سلمة ممن يقول : أن من يصلي بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت أنه يعيد الصلاة ، وهذا تناقض فاحش .\rوذهب أكثر العلماء إلى أنه يتيمم لكل صلاة ، روي ذلك عن علي وابن عمر واستدل أحمد بقولهما ، وعن عمرو بن العاص ، وابن عباس في رواية عنه .\rوروي الحسن بن عماره ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة والحدة ، ثم يتيمم للصلاة الأخرى .\rوهذا في حكم المرفوع ، إلا أن الحسن بن عمارة ضعيف جداً .","part":3,"page":29},{"id":304,"text":"وهو قول الشعبي ، وقتادة ، والنخعي ، ومكحول ، وشريك ، ويحيى بن سعيد ، وربيعة ، وحكي عن الليث - أيضا - ، وهو مالك ، والشافعي ، وأحمد في ظاهر\rمذهبه ، وإسحاق ، وأبي ثور وغيرهم .\rوقال إسحاق : هذا هو السنة .\rوبناه ربيعة ويحيى بن سعيد ومالك وأحمد على وجوب طلب الماء لكل صلاة ، وقد سبقت الإشارة إلى هذا المسالة في (( كتاب : الوضوء )) .\rثم اختلف القائلون بالتيمم لكل صلاة على ثلاثة أقوال :\rأحدها : أنه يجب التيمم لكل صلاة مفروضة ، وسواء فعلت كل مفروضة في وقتها أو جمع بين فريضتين في وقت واحد ، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق ، ورواية عن أحمد .\rوالثاني : أنه يجب التيمم في وقت كل صلاة مفروضة ، ثم يصلي بذلك التيمم ما شاء ، ويقضي به فوائت ، ويجمع به فرائض ، ويصلي به حتى يخرج ذلك الوقت ،\rوهذا ، وهذا هو المشهور عن أحمد ، وقول أبي ثور والمزني .\rوالثالث : أنه يتيمم لكل صلاة فرضاً كانت أو نفلا ، حكي عن شريك ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا .\rومذهب مالك : لا يصلي نافلة مكتوبة بتيمم ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة بعد ومكتوبة ، قال : وان صلى ركعتي الفجر بتيمم واحد أعاد التيمم لصلاة\rالفجر .\rوقد ذهب طائفة ممن يرى أن التيمم يصلي به ما لم يحدث إلى أنه يرفع الحدث رفعا مؤقتا بوجود الماء ، وهو قول طائفة من أصحابنا والحنفية والظاهرية ، ووافقهم طائفة ممن يرى أن لا يصلى فريضتان من الشافعية كابن سريج ، ومن المالكية ، وقالا : أنه ظاهر قول مالك في (( الموطإ )) .\rولهذا قيل : أن النزاع في المسالة عند هؤلاء لفظي لا معنوي ، وإنما يكون النزاع فيها معنويا مع أبي سلمة بن عبد الرحمان كما سبق حكاية قوله والله أعلم .\rوأما ما حكاه عن ابن عباس أنه أم وهو متيمم ، فالمراد : أنه أم المتوضئين وهو متيمم ، وقد حكاه الإمام أحمد عن ابن عباس أيضا ، واحتج به .\rوقد خرجه سعيد بن منصور : ثنا جرير بن عبد الحميد ، عن أشعث بن\rإسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، قال ، كان ابن عباس في نفر من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، منهم ، : عمار بن ياسر ، وكانوا يقدمونه يصلي بهم لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وصلى بهم ذات يوم ، فاخبرهم أنه صلى بهم وهو جنب متيمم .\rورخص في ذلك سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، والزهري ، وحماد ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وأبو ثور ، وهو رواية عن الأوزاعي .\rوكره ذلك آخرون :\rروى أبو إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : لا يؤم المتيمم المتوضئ .\rوكرهه النخعي ، والحسن بن حي ، والأوزاعي في رواية ، ويحيى بن سعيد ، وربيعة ، ومحمد بن الحسن .\rوعن الأوزاعي رواية ، أنه لا يؤمهم إلا أن يكون أميرا ، وان كانوا متيممين فله أن يؤمهم ، كذلك قال الأوزاعي وربيعة ويحيى بن سعيد .\rوهذا لا احسب فيه خلافا ، وكلام ابن المنذر يدل على أنه محل خلاف - أيضا - وفية نظر.","part":3,"page":30},{"id":305,"text":"وفي المنع من إمامة المتيمم للمتوضئين حديثان مرفوعان من رواية عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله ، وإسنادهما لا يصح .\rوفي الجواز حديث : صلاة عمرو بن العاص بأصحابه وهو جنب ، فتيمم من البرد وصلى بهم وذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ذكره البخاري فيما بعد - تعليقا - وسنذكره في موضعه - أن شاء الله .\rوذكر البخاري لهذه المسألة في هذا الباب قد يشعر بأن مأخذ جواز ذلك عنده أن التيمم يرفع الحدث .\rوقد قال الزهري : يؤم المتيمم المتوضئين ؛ لأن الله طهره .\rوقال الأوزاعي - في رواية أبي إسحاق الفزاري ، عنه - : يؤمهم ، ما زادته . فريضة الله ورخصته إلا طهورا .\rوأكثر العلماء لم يبنوا جواز إمامته على رفع حدثه ، ولهذا أجاز ذلك كثير ممن يقول : أن التيمم لا يرفع الحدث كمالك والشافعي وأحمد ، لكن الإمام أحمد ذكر أن ما فعله ابن عباس يستدل به على أن طهارة التيمم كطهارة الماء يصلي بها ما لم يحدث . ولكن يختلف مذهبه في صحة ائتمام المتوضئ والمغتسل بالتيمم ؛ فإن المتيمم يصلي بطهارة شرعية قائمة مقام الطهارة بالماء في الحكم ، فهو كائتمام الغاسل لرجليه بالماسح لخفيه ، بخلاف من لم يجد ماء ولا ترابا فإنه لا يأتم به متوضئ ولا متيمم ، ولا يأتم به إلا من هو مثله ؛ لأنه لم يأت بطهارة شرعية بالكلية .\rوالمانعون من ائتمام المتوضئ بالمتيمم ألحقوه بائتمام القارئ بالأمي الذي لا يقرا الفاتحة إذا صلى بتسبيح وذكر ، وبصلاة القائم خلف القاعد ؛ فإن كلا منهما أتى ببدل ، ولا يصح أن يأتي به إلا من هو مثله .\rويجاب عن ذلك : بأن الأمي مخل بركن القيام الأعظم وهو القراءة ، والقرآن مقصود لذاته في الصلاة بخلاف الطهارة ؛ فإنها لا تراد لذاتها بل لغيرها ، وهو استباحة الصلاة بها ، والتيمم يبيح الصلاة كطهارة الماء .\rوأما ائتمام القائم بالقاعد فقد أجاز جماعة من العلماء ، وأجاز أحمد في صورة خاصة ، فإن القاعد قد أتى ببدل القيام وهو الجلوس ، واتى بركن القيام الأعظم وهو القراءة .\rوأما ما حكاه عن يحيى بن سعيد ، أنه لا بأس بالتيمم بالسبخة والصلاة عليها :\rفالأرض السبخة هي المالحة التي لا تنبت ، وأكثر العلماء على جواز التيمم بها ، وقد تيمم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجدار خارج المدينة ، وأرض المدينة سبخة ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم .\rوقال إسحاق : لا تيمم بالسباخ لأنها لا تنبت ، وقد فسر ابن عباس الصعيد الطيب بأرض الحرث ، والسباخ ليست كذلك .\rواختلف قول الإمام أحمد فيه ، فقال - في رواية - : لا يعجبني التيمم بها . وقال - مرة - : أن لم يجد فلا بأس . وقال - مرة - : أن تيمم منها يجزئه ، وأرض الحرث أحب إلي . وقال - مرة - : أن اضطر إليها أجزأه ، وإن لم يضطر فلينظر الموضع الطيب - يعني : تراب الحرث - قال - مرة - : من الناس من يتوقى ذلك ، وذلك أن السبخة تشبه الملح .","part":3,"page":31},{"id":306,"text":"واستدل بقول ابن عباس : (( أطيب الصعيد أرض الحرث )) . ولكن هذا يدل على أن غير أرض الحرث تسمى صعيدا- أيضا- ، لكن أرض الحرث أطيب منها .\rقال أبو بكر الخلال : السباخ ليس هي عند أبي عبد الله كأرض الحرث ، إلا أنه سهل بها إذا اضطر إليها ، وإنما سهل بها إذا كان لها غبار ، فأما أن كانت قحلة كالملح فلا يتيمم بها أصلا .\rوأما الصلاة في السباخ ، فقال أحمد - مرة - : تجزئه ، وقال - مرة - : ما سمعت فيها شيئاً.\rوقال حرب : قلت لأحمد : هل بلغك أن أحدا كره الصلاة في الأرض السبخة ؟ قال : لا .\rقال حرب : ثنا عبد الوهاب بن الضحاك : حدثني إسماعيل بن عياش ، قال : سمعت أناسا من أهل العلم يكرهون الصلاة في السباخ ، ورخص جماعة من أهل العلم في الصلاة في السباخ .\rعبد الوهاب هذا ، لا يعتمد عليه .\rوخرج البخاري في هذا الباب حديث عمران بن حصين بطوله ، فقال :","part":3,"page":32},{"id":307,"text":"344- حدثنا مسدد بن مسرهد : ثنا يحيى بن سعيد : ثنا عوف : ثنا أبو رجاء ، عن عمران بن حصين ، قال : كنا في سفر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنا أسرينا ، حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها ، فما أيقظنا إلا حر الشمس ، فكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء ، فنسي عوف - ، ثم عمر بن الخطاب الرابع ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه ، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلا جليدا - فكبر ورفع صوته بالتكبير ، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ لصوته النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم ، فقال : (( لا ضير - أو : لا يضير - ، ارتحلوا )) ، فارتحلوا فسار غير بعيد . ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ، ونودي بالصلاة ، فصلى بالناس ، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم ، فقال : ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟)) قال : أصابتني جنابة ، ولا ماء ، قال : (( عليك بالصعيد ؛ فإنه يكفيك )) ، ثم سار النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاشتكى الناس إليه من العطش ، فنزل فدعا فلانا - كان يسميه أبو رجاء ، نسيه عوف - ، ودعا عليا ، فقال : ((أذهبا فابتغيا الماء)) فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها ، فقالا لها : أين الماء ؟ قالت : عهدي بالماء أمس هذه الساعة ، ونفرنا خلوفا ، فقالا لها : انطلقي إذا ، قالت : إلى أين ؟ قالا : إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : الذي يقال له الصابئ ؟ قالا : هو الذي تعنين ، فانطلقي ، فجاءا بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحدثاه الحديث ، قال : فاستنزلوها عن بعيرها ، ودعا النبي- صلى الله عليه وسلم - بإناء ، ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - ، وأوكأ أفواهمها ، وأطلق العزالي ، ونودي في الناس : اسقوا واستقوا ، فسقى من سقى ، واستقى من شاء ، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء ، قال : ((اذهب فأفرغه عليك)) . وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها ، وايم الله ، لقد اقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((اجمعوا لها)) ، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة ، حتى جمعوا لها طعاما فجعلوه في ثوب ، وحملوها على بعيرها ، ووضعوا الثوب بين يديها . قال لها : ((تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا ، ولكن الله هو الذي أسقانا)) ، فأتت أهلها وقد احتبست عنهم ، قالوا : ما حبسك يا فلانة ؟ قالت : العجب ! لقيني رجلان ، فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له : الصابئ ، ففعل كذا وكذا ، فو الله ، أنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء - والأرض - ، أو أنه لرسول الله حقا ، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه ،","part":3,"page":33},{"id":308,"text":"فقالت يوما لقومها : ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدا ، فهل لكم في الإسلام ؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام .\rقَالَ أبو عبد الله : صبأ : خرج من دين إلى غيره .\rوقال أبو العالية : الصابئون : فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور .\rفوائد هذا الحديث كثيرة جدا ، ونحن نشير إلى مهماتها إشارة لطيفة - أن شاء الله تعالى :\rفأما قوله : ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام لم يوقظه أحد حتى يكون هو يستيقظ ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه)) ، فالمراد : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوحى إليه في نومه كما يوحى إليه في يقظته ، ورؤيا الأنبياء وحي ، ولهذا كانت تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فكانوا يخشون أن يقطعوا عليه الوحي إليه بإيقاظه .\rولا تنافي بين نومه حتى طلعت الشمس وبين يقظة قلبه ؛ فإن عينيه تنامان ، والشمس إنما تدرك بحاسة البصر لا بالقلب .\rوقد يكون الله - عز وجل - أنامه حتى يسن لأمته قضاء الصلاة بعد فوات وقتها بفعله ، فإن ذلك آكد من تعليمه له بالقول ، وقد ورد التصريح بهذا من حديث ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى بهم الصبح ذلك اليوم بعد طلوع الشمس وانصرف قال : ((أن الله - عز وجل - لو شاء أن لا تناموا عنها لم تناموا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم)) . خرجه الإمام أحمد وغيره .\rوهذا يشبه ما ذكره مالك في (( الموطإ )) أنه بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ((إنما أنسى لأسن)) .\rوقوله : ((ما أيقظنا إلاّ حر الشمس )) ، يدل على أن الشمس كانت قد ارتفعت وزال وقت النهي عن الصلاة ، لأن حرها لا يكاد يوجد ألا بعد ذلك ، ففي هذا دليل على أن ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع من القضاء في وقت النهي عن الصلاة ، بل كان تباعدا عن المكان الذي حضرهم فيه الشيطان ، كما جاء التصريح به في حديث آخر .\rولكن في صحيح مسلم في هذا الحديث - أعني : حديث عمران بن حصين ، أنهم ناموا حتى بزغت الشمس وان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال : ((ارتحلوا)) فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة .\rكذا خرجه من رواية سلم بن زرير ، عن أبي رجاء ، وفي سياقه بعض مخالفة لرواية عوف ، عن أبي رجاء التي خرجها البخاري ، وفيه : أنه كان أول من استيقظ أبو بكر - رضي الله عنه .\rوقوله : (( فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوضوء فتوضأ )) يدل على أن من معه ماء وكان في مفازة فإنه يتوضأ منه ، ولا يتيمم ويحبسه خشية أن يبتلى هو أو أحد من رفقته\rبعطش .\rويدل على هذا : أن عمران ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى بهم وسار شكى الناس إليه العطش .\rوفي رواية سلم المشار إليها : قال عمران : ثم عجلني في ركب بين يديه ، نطلب الماء وقد عطشنا عطشا شديدا - وذكر الحديث ، وهذا محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخش على نفسه عطشا ، فإن من خاف على نفسه العطش ومعه ماء يسير فإنه يتيمم ويدعه لشربه .","part":3,"page":34},{"id":309,"text":"وقد روى عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إذا كنت مسافرا وأنت جنب أو أنت على غير وضوء فخفت أن توضأت أن تموت من العطش فلا توضأ ، واحبسه لنفسك .\rخرجه الأثرم .\rوخرجه الدارقطني من طريق عطاء بن السائب ، عن زاذان ، عن علي ، في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش ، قال : يتيمم ولا\rيغتسل .\rقال الإمام أحمد : عدة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبسون الماء لشفاههم ويتيممون . ونص على أنه لو رأى قوما عطاشا ومعه إداوة من ماء ، أنه يسقيهم الماء ويتيمم .\rواختلف أصحابنا : هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب ؟ على وجهين ، أصحهما : أنه للوجوب ، وهو قول الشافعية .\rفهذا الحديث محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخف على نفسه عطشا ، ولم يجد قوما عطاشا في الحال ، فلذلك توضأ بالماء ولم يتيمم . ويدل على أنه لا يحبس الماء لخوف عطش يحدث لرفقته .\rولم ينص أحمد على حبس الماء خشية عطش يحدث لرفقته ، وإنما قال أصحابه متابعة لأصحاب الشافعي ، وقالوا : هل حبس الماء لعطش غيره المتوقع واجب أو مستحب ؟ فيه وجهان ، قالوا : وظاهر كلام أحمد أنه مستحب غير واجب ؟ لان حاجة الغير هنا متوقعة وحاجته للطهارة حاضرة ، وقد ترجحت بكونه مالكا ، ولهذا قدمنا نفقة الخادم على نفقة الوالدين ، وان كانت حاجتهما إلى النفقة اشد من حاجة نفسه إلى الخدمة ، تقديما لنفسه على غيره .\rقلت : وحديث عمران يدل على أنه لا يستحب - أيضا - بل يقدم الوضوء على عطش الرفيق المتوقع ، فإنه لو كان ذلك أفضل من الوضوء لحبس النبي - صلى الله عليه وسلم - الماء وتيمم ، فإنه كان معه خلق من أصحابه ، وكان الماء معهم قليلا جدا ولهذا شكوا إليه العطش عقيب ذلك عند اشتداد حر الشمس وارتفاع النهار ، وكان الماء منهم بعيدا .\rوقد أشار إلى هذا المعنى الذي ذكرناه أبو المعالي الجويني من الشافعية ، وخالف أصحابه فيما ذكروه من حبس الماء لعطش رفقته المتوقع ، وهذا هو الذي دلت عليه هذه السنة الصحيحة ، والله أعلم .\rوفي الحديث : دليل على أن الفوائت يؤذن لها وتصلى جماعة .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - للذي لم يصل مع القوم : ((ما منعك أن تصلي مع القوم ؟)) قَالَ : أصابتني جنابة ولا ماء . قَالَ : (( عليك بالصعيد ، فإنه يكفيك )) فيه دليل على التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر ، ودليل على أن عادم الماء يكفيه الصعيد من الماء .\rولهذه الكلمة خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب ، وجعله دليلا له على إقامة التيمم مقام الطهارة بالماء عند عدم الماء ، فيؤخذ من هذا أنه يصلي به كما يصلي بالماء ، كما هو اختيار البخاري ومن قال بقوله من العلماء .\rوفية دليل على أنه لا يجب طلب الماء إذا غلب على الظن عدمه أو قطع بذلك ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بالتيمم ، ولم يأمره بطلب ، ولا بسؤال رفقته .","part":3,"page":35},{"id":310,"text":"وقد ذهب ابن حامد من أصحابنا إلى أنه لا يلزمه سؤال رفقته ، وان قلنا : يلزمه الطلب ، وأنه إنما يلزمه طلبه في رحله ما قرب منه إذا احتمل وجود الماء ، والمنصوص عن أحمد : أن عليه أن يطلبه في رفقته .\rوفي رواية مسلم المشار إليها فيما تقدم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجل : (( يا فلان ما منعك أن تصلي معنا ؟ )) قال : يا نبي الله ، أصابتني جنابة . فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتيمم بالصعيد ، فصلى .\rوفي الحديث - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه الماء أعطاه ماء وأمره أن يغتسل به ، وهذا مثل قوله في حديث أبي ذر : (( فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك )) ، وفيه رد على أبي سلمة في قوله : أنه لا غسل عليه ، كما سبق .\rوقول تلك المرآة : (( ونفرنا خلوف )) .\rقال الخطابي : النفر الرجال ، والخلوف الذين خرجوا للاستقاء ، وخلفوا النساء والأثقال ، يقال : أخلف الرجل واستخلف إذا استقى الماء .\rقال : ويقال لكل من خرج من دين إلى دين آخر : صابئ - بالهمز ، وأما : صبا يصبو بلا همز فمعناه : مال .\rقال : والعزالي جمع عزلاء ، وهي عروة المزادة ، يخرج منها الماء بسعة .\rوقال غيره : العزلاء : فم المزادة الأسفل ، وتجمع على عزالى وعزالي - بكسر اللام وفتحها - كالصحاري والعذاري .\rقال : والصرم : النفر النازلون على ماء ، وتجمع على أصرام ، فأما الصرمة - بالهاء - فالقطعة من الإبل نحو الثلاثين عددا .\rقال : وقوله : (( ما رزئناك )) ، أي : ما نقصناك ، ولا أخذنا منك شيئا .\rقلت : وفي الحديث معجزة عظيمة ، وعلم من أعلام نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - بتكثير الماء القليل ببركته ، وإرواء العطاش منه ، واستعمالهم وأخذهم منه في قربهم ، من غير أن ينقص الماء المأخوذ منه شيئا ، ولذلك قال المرآة : ((ما رزئناك من مائك شيئا ، وإنما سقانا الله - عز وجل - )) .\rوفي رواية مسلم المشار إليها في هذا الحديث : ((فأمر براويتها فأنيخت ، فمج في العزلاوين العلياوين ، ثم بعث براويتها فشربنا ، ونحن أربعون رجلا عطاش حتى روينا ، وملأنا كل قربة معنا وإداوة ، وغسلنا صاحبنا ، غير أنا لم نسق بعيرا وهي تكاد تنضرج من الماء)) - يعني : المزادتين - وذكر بقية الحديث .\rوإنما لم يستأذن المرآة أولا في الشرب من مائها والأخذ منه ، لأن انتفاعهم إنما كان بالماء الذي أمده الله بالبركة ، لم يكن من نفس مائها ، ولذلك قال : ((ما رزئناك من مائك شيئا ، وإنما سقانا الله )) .\rونظير هذا : أن جابرا صنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما يسيرا في عام الخندق ، وجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فساره بذلك ، وقال له : تعال أنت في نفر معك ، فصاح النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((يا أهل\rالخندق ، أن جابرا قد صنع لكم سورا ، فحيهلا بكم)) ، ثم جاء بهم جميعا ، فأكلوا حتى شبعوا ، والطعام بحاله .","part":3,"page":36},{"id":311,"text":"فإن أكل أهل الخندق إنما كان مما حصلت فيه البركة بسبب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكان - صلى الله عليه وسلم - هو الداعي لأهل الخندق كلهم إلى الطعام في الحقيقة ، فلذلك لم يحتج في استئذان جابر في ذلك .\rوهذا بخلاف ما جرى لأبي شعيب اللحام لما دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وجلساءه ، فلما قاموا تبعهم رجل لم يكن معهم حين دعوا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحب المنزل : ((أنه اتبعنا رجل لم يكن معنا حين دعوتنا ، فإن أذنت له دخل)) فأذن له فدخل .\rوقد خرجاه في (( الصحيحين )) بمعناه من حديث أبي مسعود ، فإن ذلك اليوم لم يحصل فيه ما حصل في طعام جابر وماء المرآة المشركة - والله - سبحانه وتعالى - أعلم - ، فإن غالب ما كان يقع منه - صلى الله عليه وسلم - تكثير الطعام والشراب في أوقات الحاجة العامة إليه .\rوفي حديث عمران - أيضا - دليل على جواز استعمال ماء المشركين الذين في قربهم ونحوها من أوعية الماء المعدة له ، وقد سبق الكلام على ذلك في (( كتاب\rالوضوء )) .\r\r* * *","part":3,"page":37},{"id":312,"text":"7- باب\rإذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت\rأو خاف العطش تيمم\rويذكر :أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم ، وتلا : { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [النساء :29] ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف ،\rحديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود من رواية يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي انس ، عن عبد الرحمان بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت أن اغتسلت أن اهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ((يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب!)) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ، وقلت : إني سمعت الله يقول : { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [النساء :29] ،فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل شيئا .\rوخرجه - أيضا - من طريق عمرو بن الحارث وغيره ، عن يزيد بن أبي الحبيب ، عن عمران ، عن عبد الرحمان بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية - فذكر الحديث بنحوه ، وقال فيه : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم - وذكر باقيه بنحوه ، ولم يذكر التيمم .\rوفي هذه الرواية زيادة : ((أبي قيس)) في إسناده ، وظاهرها الإرسال .\rوخرجه الإمام أحمد والحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ،وليس كما قال ، وقال أحمد : ليس إسناده بمتصل .\rوروى أبو إسحاق الفزاري في ((كتاب السير)) عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثا وامر عليهم عمرو بن العاص ، فلما اقبلوا سألهم عنه ، فأثنوا خيرا ، إلا أنه صلى بنا جنبا ، فسأله ، فقال : أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد ، وقد قال الله تعالى : { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [النساء :29] ، فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوهذا مرسل .\rوقد ذكره أبو داود في ((سننه)) تعليقا مختصرا ، وذكر فيه : أنه تيمم .\rوأكثر العلماء : على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم\rويصلي ، جنبا كان أو محدثا .\rواختلفوا هل يعيد ، أم لا ؟\rفمنهم من قال : لا إعادة عليه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والحسن بن صالح ، وأحمد في رواية .\rومنهم من قال : عليه الإعادة بكل حال سواء كان مسافرا أو حاضرا ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد .\rومنهم من قال : أن كان مسافرا لم يعد ، وإن كان حاضرا أعاد ، وهو قول آخر للشافعي ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي يوسف ومحمد .\rوحكى ابن عبد البر عن أبي يوسف وزفر : أنه لا يجوز للمريض في الحضر التيمم بحال .\rوذكر أبو بكر الخلال من أصحابنا : أنه لا يجوز التيمم في الحضر لشدة البرد ، وهو مخالف لنص أحمد وسائر أصحابه .","part":3,"page":38},{"id":313,"text":"وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن وعطاء : أنه إذا وجد الماء اغتسل به وأن\rمات ؛ لأنه واجد للماء ، إنما أمر بالتيمم من لم يجد الماء .\rونقل أبو إسحاق الفزاري في ((كتاب السير)) عن سفيان نحو ذلك ، وانه لا يتيمم لمجرد خوف البرد ، وإنما يتيمم لمرض مخوف ، أو لعدم الماء .\rوينبغي أن يحمل كلام هؤلاء على ما إذا لم يخش الموت ، بل أمكنه استعمال الماء المسخن وإن حصل له به بعض الضرر . وقد روي هذا المعنى صريحا عن الحسن\r- أيضا - ، وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم ، وحكوا أن سفيان ذكر أن الناس اجمعوا على ذلك .\rوقد سبق الكلام في تفسير الآية ، وان الله تعالى أذن في التيمم للمريض وللمسافر ولمن لم يجد الماء من أهل الأحداث مطلقا ، فمن لم يجد الماء فالرخصة له محققة .\rوأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم ، فإن وجدت الحقيقة فيهما جاز التيمم ، فالمرض مظنة لخشية التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة لعدم الماء ، فإن وجد في المرض خشية التضرر وفي السفر عدم الماء جاز التيمم ، وإلا فلا .\rوأما من قال من الظاهرية ونحوهم : أن مطلق المرض يبيح التيمم سواء تضرر باستعمال الماء أو لم يتضرر ، فقوله ساقط يخالف الإجماع قبله ، وكان يلزمه أن يبيح التيمم في السفر مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده .\rوقول البخاري : ((إذا خاف على نفسه المرض أو الموت)) يشير إلى الرخصة في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرض ، ولا يشترط خوف الموت خاصة ، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، واحد قولي الشافعي .\rوالقول الثاني : لا يجوز التيمم إلا إذا خاف التلف ، إما تلف النفس أو تلف عضو منه ، وحكي رواية عن أحمد ، وفي صحتها عنه نظر .\rوالحنيفية السمحة أوسع من ذلك ، وخوف الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه ؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته أو التلف ، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم .\rولو كان في الغزو وهو يجد الماء لكنه يخشى على نفسه من العدو أن اشتغل بالطهارة ، ففيه عن أحمد روايتان :\rإحداهما : يتيمم ويصلي ، اختارها أبو بكر عبد العزيز .\rوالثانية : يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء ، كما أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات يوم الخندق .\rولو احتاجت المرآة إلى الوضوء وكان الماء عنده فساق تخاف منهم على نفسها ، فقال أحمد : لا يلزمها الوضوء . وتوقف مرة في ذلك .\rوأما إذا خاف العطش على نفسه ، فإنه يحبس الماء ويتيمم ، وقد سبق قول علي وابن عباس في ذلك ، وحكاية أحمد له عن عدة من الصحابة . وقد ذكر ابن المنذر أنه إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم ، وسمى منهم جماعة كثيرة .\rوقد سال قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته)) .","part":3,"page":39},{"id":314,"text":"وسؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه ، وأقرهم - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، ولم يردهم عن اعتقادهم .\rخرج البخاري في هذا الباب حديث عمار من رواية أبي موسى الأشعري ، عنه ، فقال :\r345- ثنا بشر بن خالد : ثنا محمد- هو : غندر - ، عن شعبة ، عن سليمان ، عن أبي وائل : قال أبو موسى لعبد الله بن مسعود : إذا لم تجد الماء لا تصلي؟ قال عبدالله : لو رخصت لهم في هذا ، كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا - يعني : تيمم - وصلى . قال : قلت فأين قول عمار لعمر؟ قال : إني لم أرى عمر قنع بقول عمار .\r346- حدثنا عمر بن حفص : ثنا أبي ، عن الأعمش ، قال : سمعت شقيق ابن سلمة قال : كنت عند عبد الله وأبي موسى ، فقال له أبو موسى : أرأيت يا أبا\rعبد الرحمان ، إذا أجنب الرجل فلم يجد ماء كيف يصنع؟ فقال عبد الله : لا يصلي حتّى يجد الماء . فقال أبو موسى : فكيف تصنع بقول عمار حين قَالَ له النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : ((كان يكفيك)) ؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع منه بذلك؟ فقال أبو موسى : دعنا من قول عمار ، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبدالله ما يقول . فقال : لو أنا رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم . فقلت لشقيق : فإنما كره\rعبد الله لهذا؟ قال : نعم .\rكان عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود يقولان : أن التيمم إنما يجوز عن الحدث الأصغر ، وأما عن الجنابة فلا يجوز ، وقالا : لا يصلي الجنب حتى يجد الماء ولو عدمه شهرا .\rوروي ذلك عن طائفة من أصحاب ابن مسعود وأتباعهم كالأسود وأبي عطية والنخعي .\rوقد روي عن عمر وابن مسعود أنهما رجعا عن ذلك ، ووافقا بقية الصحابة ، فإن عمر وكل الأمر في ذلك إلى عمار ، وقال له : نوليك ما توليت ، وابن مسعود رجع عن قوله في التيمم - : قاله الضحاك ، واتبعت الأمة في ذلك قول الصحابة دون عمر وابن مسعود . وقد خالفهما علي وعمار وأبو موسى الأشعري وجابر بن عبدالله وابن عباس .\rوقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الجنب إذا لم يجد الماء بأن يتيمم ويصلي ، في\rحديث عمران بن حصين المتقدم ، وحديث عمار ، وروي - أيضا - من حديث أبي ذر وغيره .\rوشبهة المانعين : أن الله تعالى قال : { وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } [النساء :43] ، وقال : { ) وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا } [المائدة :6] - يعني به :\rالغسل - ، ثم ذكر التيمم عند فقد الماء بعد ذكره الأحداث الناقضة للوضوء ، فدل على أنه إنما رخص في التيمم عند عدم الماء لمن وجدت منه هذه الأحداث ، وبقي الجنب مأمورا بالغسل بكل حال .\rوهذا مردود ؛ لوجهين :\rأحدهما : أن آية الوضوء افتتحت بذكر الوضوء ، ثم بغسل الجنابة ، ثم أمر بعد ذلك بالتيمم عند عدم الماء ، فعاد إلى الحدثين معا ، وان قيل : أنه يعود إلى أحدهما ، فعوده إلى غسل الجنابة أولى ؛ لأنه أقربهما ، فأما عوده إلى أبعدهما وهو- وضوء الصلاة - فممتنع .","part":3,"page":40},{"id":315,"text":"وأما آية سورة النساء ، فليس فيها سوى ذكر الجنابة ، وليس للوضوء فيها ذكر ، فكيف يعود التيمم إلى غير مذكور فيها ، ولا يعود إلى المذكور ؟\rوالثاني : أن كلتا الآيتين : أمر الله بالتيمم من جاء من الغائط ، ولمس النساء أو لم يجد الماء ، ولمس النساء إما أن يراد به الجماع خاصة ، كما قاله ابن عباس وغيره ، أو أنه يدخل فيه الجماع وما دونه من الملامسة لشهوة ، كما يقوله غيره ، فأما أن يخص به ما دون الجماع ففيه بعد .\rولما أورد أبو موسى على ابن مسعود الآية تحير ولم يدر ما يقول ، وهذا يدل على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى .\rوفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الجنب العادم للماء أن يتيمم ويصلي دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - فهم دخول الجنب في الآية ، وليس بعد هذا شيء .\rورد ابن مسعود تيمم الجنب ؛ لأنه ذريعة إلى التيمم عند البرد لم يوافق عليه ؛ لان النصوص لا ترد بسد الذرائع ، وأيضا ، فيقال : أن كان البرد يخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق .\rوقد روى شعبة ، أن مخارقا حدثهم ، عن طارق ، أن رجلا أجنب فلم يصل ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، فقال له : ((أصبت)) . وأجنب رجل آخر فتيمم وصلى ، فأتاه - صلى الله عليه وسلم - ، فقال له نحوا مما قال للآخر - يعني : ((أصبت)) .\rخرجه النسائي ، وهو مرسل .\rوقد يحمل هذا على أن الأول سأله قبل نزول آية التيمم ، والآخر سأله بعد\rنزولها .\rوروى أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى ، عن أبيه ، أن عمارا قال لعمر : أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في سرية فأجنبنا ولم نجد الماء ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت بالتراب وصليت ، فلما قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرنا ذلك له ، فقال (( أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة ، وأما أنت يا عمار فلم يكن لك أن تتمعك كما تتمعك الدابة ، إنما كان يجزيك )) ـ وضر ب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى الأرض إلى التراب ، ثُمَّ قَالَ- : (( هكذا )) ، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل ، وليس فيه الذراعان .\r\r* * *","part":3,"page":41},{"id":316,"text":"8- باب\rالتيمم ضربة\r347- حدثنا محمد بن سلام : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت جالسا مع عبد الله أبي موسى الأشعري ، فقال له أبو موسى : لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا ، أما كان يتيمم ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً } [المائدة : 6 ] ؟ فقال عبد الله : لو رخص لهم هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد . قلت : وإنما كرهتم هذا لذا ؟ قال : نعم . فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر بن الخطاب : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة ، فأجنبت ، فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا )) وضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله ، أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بهما وجهه . قال عبد الله : ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار ؟\rزاد يعلي ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت مع عبدالله وأبي موسى ، فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثني أنا وأنت ، فأجنبت فتمعكت بالصعيد ، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه فقال : ((إنما كان يكفيك هكذا)) ، ومسح وجهه وكفيه واحدة؟\rمحمد بن سلام ، هو : البيكندي ، وقد اختلفوا في ضبط ((سلام)) : هل هو بالتخفيف أو بالتشديد؟ والتخفيف أكثر فيه واشهر ، ولأبي محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزء منفرد .\rثم ظهر لي أن التشديد فيه أصح ، فإن الذين رجحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رويت عن محمد بن سلام ، أنه قال : أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام ، وقد أفردت لذلك جزءا ، وذكرت فيه أن هذه الحكاية لا تصح ، وفي إسنادها متهم\rبالكذب .\rوقد خرج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير كلهم ، عن أبي معاوية بهذا الإسناد والمتن ، إلا أن لفظه : فقال : ((إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا )) ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه .\rوخرجه - أيضا - من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، ولفظ حديثه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا)) ، وضرب بيديه إلى الأرض ، فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه .\rوخرج القاضي إسماعيل المالكي حديث أبي معاوية ، عن ابن نمير ، عنه ، ولفظه : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ، ثم تنفضهما ، ثم تمسح يمينك على شمالك وشمالك على يمينك ، ثم تمسح وجهك)) .\rوخرج حديث عبد الواحد بن زياد ، عن محمد بن أبي بكر المقدمي ، عنه ، ولفظ حديثه : (( إنما كان يكفيك أن تقول هكذا )) ، وضرب بكفيه إلى الأرض مرة واحدة ، ثم مسح إحداهما بالأخرى ، ومسح وجهه .","part":3,"page":42},{"id":317,"text":"وأما رواية يعلى ، عن الأعمش التي علقها البخاري ، فخرجها الإمام أحمد في ((المسند)) عن يعلى - وهو : ابن عبيد الطنافسي - كذلك .\rوروى الإمام أحمد - أيضا - عن عفان : ثنا عبد الواحد ، عن الأعمش بهذا الحديث ، وفيه : وضرب بكفيه إلى الأرض ،ثم مسح كفيه جميعا ، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة .\rقال عفان : وأنكره يحيى بن سعيد ، فسألت حفص بن غياث ، فقال : كان الأعمش يحدثنا به عن سلمة بن كهيل ، وذكر : أبا وائل .\rوقال الإمام أحمد في رواية الأثرم : أن كان ما روى أبو معاوية حقا : روى عن الأعمش ، عن شقيق القصة . فقال - أيضا - : ضربة للوجه والكفين ، وتابعه عبد الواحد .\rقال أبو عبد الله - يعني : أحمد - : فهذان جميعا قد اتفقا عليه ، يقولان : ضربة للوجه والكفين .\rوإنما أنكر يحيى بن سعيد هذه اللفظة ، وتوقف فيها الإمام أحمد لان شعبة وحفص بن غياث وابن عيينة وغيرهم رووه : عن الأعمش ، ولم يذكروا الضربة الواحدة ، ولا صفة التيمم في حديثه عن شقيق ، عن أبي موسى ، كما ساق ذلك البخاري في الباب الماضي .\rثم ذكر أحمد أن أبا معاوية وعبد الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة ، فزالت نكارة التفرد ، وقد تبين أن يعلى تابعهما - أيضا .\rوقد كان الأعمش يروي هذا الحديث عن سلمة بن كهيل ، عن ابن أبزى ، عن عمار على اختلاف عليه في إسناده ، وذكر فيه : صفة التيمم بضربة واحدة ، ولكنه ذكر أنه زاد على مسح الكفين بعض الذراعين ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم في (( باب : التيمم للوجه والكفين )) ، وذكرنا أن سلمة بن كهيل شك في الزيادة على الكفين ، وانه رواه عنه سفيان وشعبة والأعمش مع اختلاف عليهم في بعض الإسناد والمتن ، فربما علل ذكر الضربة الواحدة بأنه كان عند الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، وحمل عليه حديث أبي وائل ، كما قد يفهم ذلك من قول حفص بن غياث الذي ذكره عنه عفان ، إلا أن الأئمة اعتمدوا على رواية أبي معاوية وعبد الواحد ويعلى ، عن الأعمش ، عن شقيق وحده للضربة الواحدة ، وأبو معاوية مقدم في حديث الأعمش ، يرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه .\rوقد رويت الضربة الواحدة عن عمار من طريق قتادة ، عن عزرة ، عن ابن\rأبزى ، عن أبيه ، عن عمار - أيضا - ، وقد تقدم ذكره - أيضا . وحديث شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى المتفق على تخريجه في ((الصحيحين)) كما تقدم يدل عليه - أيضا .\rوقد اتفق الأئمة على صحة حديث عمار ، وتلقيه بالقبول .\rقال إسحاق بن هانئ : سئل أحمد عن التيمم ؟ قال : ضربة واحدة للوجه والكفين ، قيل له : ليس في قلبك شيء من حديث عمار؟ قَالَ : لا .\rوفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية :\rأحدهما : ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين ، فإنه قال : ((ثم مسح وجهه)) ، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية ، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه .","part":3,"page":43},{"id":318,"text":"وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، ولفظ حديثه : (( إنما كان يكفيك أن تقول هكذا )) وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه ، ثم نفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ، على كفيه ووجهه .\rوخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن أبي معاوية ، ولفظه : ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا)) فضرب بيده على الأرض فنفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ، ثم مسح وجهه .\rفاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه ، وعطفه : هل هو بالواو ، أو بلفظ : ((ثم)) ؟\rوقد قال الإمام أحمد في رواية بن عَبدةَ : رواية أبي معاوية ، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط .\rوالثاني : أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود : إنما كرهتم هذا لهذا ، فقال ابن مسعود : نعم . وقد صرح بهذا في رواية أبي داود ، عن الأنباري المشار إليها ، وإنما روى أصحاب الأعمش ، منهم : حفص بن غياث ، ويعلى بن عبيد ، وعبد الواحد بن زياد أن السائل هو الأعمش ، والمسئول هو شقيق أبو وائل .\rوقد ذكرنا فيما تقدم مسح الوجه واليدين في التيمم ، وهل الممسوح الكفان خاصة ، أم الكفان والذراعان إلى المرفقين ، أم إلى المناكب والآباط ؟\rوالكلام هنا في عدد الضرب الممسوح به :\rفمن قَالَ : إنه يمسح الوجه والكفين ، قال أكثرهم : يمسح ذلك بضربة واحدة اتباعا لحديث عمار ، وهذا هو المروري عن علي وعمار وابن عباس ، وعن الشعبي وعطاء ويحيى بن كثير وقتادة وعكرمة ومكحول والأوزاعي ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وداود -وهو قول عامة أهل الحديث - : قاله الخطابي وغيره .\rوقال ابن المنذر : بهذا نقول ؛ للثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( التيمم ضربة للوجه والكفين )) .\rوحكى عن طائفة منهم أنه يمسح وجهه بضربة ، وكفيه إلى الرسغين بضربة\rأخرى . قال ابن المنذر : يروي هذا عن علي ، وحكاه غيره عن عطاء والنخعي والأوزاعي في رواية عنهما ، والشافعي في القديم .\rونقل حرب ، عن إسحاق : أن هذا هو المستحب ، ويجزئ ضربة واحدة . وروي حرب بإسناده ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة للكفين .\rوبإسناده : عن عطاء والاوزاعي مثله .\rوأما من قال : أن التيمم يبلغ إلى المرفقين ، فأكثرهم قالوا : يتيمم بضربتين :ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، هذا هو الصحيح عن ابن عمر وعن جابر بن عبد الله ، وهو قول أكثر العلماء القائلين بذلك ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم .\rواختلفوا : هل ذلك على الوجوب ، أم على الاستحباب ؟\rفقالت طائفة : هو على الوجوب ، لا يجزئ دونه ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي في ظاهر مذهبه ، ورواية عن مالك .","part":3,"page":44},{"id":319,"text":"وقالت طائفة : بل هو على الاستحباب ، ويجزئ ضربتان : إحداهما للوجه والأخرى للكفين ، وهو رواية عن مالك ، واختاره القاضي أبو يعلي من أصحابنا ، غير أن المجزئ عنده ضربة واحد للوجه والكفين ، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد . وأنكر الخلال والأكثرون ثبوتها عنه .\rوقال الخلال : إنما أجاز ذلك أحمد لمن تأول الأحاديث بفعلة ، إلا أن الأحاديث في ذلك عنه ضعاف جداً في الضربتين .\rوأجاز إسحاق أن يتيمم بضربتين :ضربة للوجه وضربة إلى المرفقين ، إذا كان يرى الاقتصار على الكفين جائزاً ، فإن اعتقد أنه لا يجزئ فقد أخطأ .\rوهذا يدل على أن الخلاف في الإجزاء عنده غير سائغ .\rوقال طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي : الواجب عنده إيصال التراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين ، سواء حصل ذلك بضربة أو ضربتين ، ولا يجب عنده تعدد الضرب ، وخالفهم غيرهم من أصحاب الشافعي في ذلك .\rوروى داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قَالَ : التيمم ضربة للوجه واليدين إلى المرفقين .\rخرجه حرب الكرماني .\rوروى ابن إسحاق ، عن نافع ، قال : رايت ابن عمر يضرب بيده في الأرض ، فيمسح بها وجهه ، ثم يضرب يده فيمسح بها ذراعيه .\rوعن ابن عون ، قال : قلت للحسن : ارني كيف التيمم ؟ فضرب بيديه على الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم ضرب بكفيه الأرض ، ثم مسح بهما على ذراعيه .\rوعن داود ، عن الشعبي ، قال : التيمم ضربة للوجه والذراعين .\rخرج ذلك كله القاضي إسماعيل المالكي .\rوكذلك وصف سفيان الثوري التيمم .\rوظاهر هذا يدل على الكفين لا يمسحان بانفرادهما ، بل يكفي ما أصابهما عند ضربهما بالأرض ، فإنه لا بد أن يتطاير الغبار على ظاهرهما وباطنهما .\rوقد قال عكرمة في المتيمم : يضرب بكفيه على الأرض فيحركها ثم يمسح بوجهه وكفيه .\rوهذا يرجع إلى أنه لا يجب الترتيب كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى .\rوحكي عن ابن سيرين ، أنه تيمم بثلاث ضربات : ضربة للوجه ، وضربة\rللكفين ، وضربة للذراعين إلى المرفقين .\rوحكي عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي ، أنه يتيمم بضربتين ، يمسح بكل ضربة وجهه ويديه إلى المرفقين .\rقال ابن عبد البر : ما علمت أحداً من أهل العلم قال ذلك غيرهما .\rوللشافعية وجه ضعيف . أنه يستحب ضربة للوجه وضربتان لليدين ، لكل يد ضربة ، ولهم وجه ضعيف - أيضا - ، أنه يشرع تكرار المسح في التيمم كالوضوء .\rوقال حرب : ثنا محمود بن خالد : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عمرو الأوزاعي : صف التيمم؟ فوضع كفيه على الأرض وضعا رفيقا ، ثم رفعهما ، ثم أمر إحداهما على الأخرى مسحا رفيقا ، ثم أمر بهما على وجهه ، ثم على كفيه .\rقال : وثنا المسيب بن واضح : ثنا أبو إسحاق ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : سألت الشعبي عن التيمم؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب إحداهما بالأخرى ، ثم مسح وجهه وكفيه .\rوظاهر هذا يقتضي أنه يمسح أولا إحدى كفيه بالأخرى ، ثم يمسح وجهه ، ثم يمسح كفيه .","part":3,"page":45},{"id":320,"text":"وفي بعض ألفاظ حديث عمار المذكورة في هذا الباب ما قد يشعر بهذا القول ، ولا يبقى حينئذ إشكال في رواية أبي معاوية ، عن الأعمش ؛ لأنه يكون قد مسح كفيه مرة قبل وجهه ومرة بعده ، وهذا غريب جدا ، وعند التأمل لا يدل حديث عمار على ذلك ؛ فإن لفظ رواية البخاري أنه مسح بالضربة ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، وهذا إنما يدل على أنه مسح ظهر كفه ببطن الأخرى .\rوفي رواية مسلم : (( مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه )) ، فهذه تدل على أنه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما .\rوفي رواية أبي داود والنسائي : (( أنه مسح بشماله على يمينه وبيمينه على\rشماله )) ، وهذا يدل على أنه مسح كل واحدة بالأخرى .\rوالمنصوص عن أحمد ، وهو مذهب الشافعي وغيره ، أنه يجب الترتيب في التيمم كما يجب في الوضوء ، فيمسح وجهه أولا ، ثم يمسح كفيه .\rومن أصحابنا المتأخرين من قال : لا يجب الترتيب في التيمم خاصة ؛ لأنهم قالوا في صفة التيمم : أنه يمسح وجهه بباطن أصابعه وظاهر كفيه براحتيه ، ويدلك كل راحة بالأخرى ويخلل الأصابع . قالوا : فيقع مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه ، وهذا يخل بالترتيب .\rوهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد ، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي وأبي بكر وغيرهما .\rقال المروذي : قلت لأبي عبد الله : أرني كيف التيمم؟ فضرب بيده باطن كفيه ، ثم مسح وجهه وكفيه بعضهما على بعض ضربة واحدة . وقال : هكذا .\rوهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه ، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع ، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع ومن كلام من قال من السلف : أن التيمم ضربة للوجه والكفين .\rوما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل .\rوهذا ضعيف ؛ لان التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان :\rأحدهما : أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء ؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثا ، وهذا لم يرفع الحدث على ظاهر المذهب .\rوعلى الوجه الثاني : أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل ، فالمستعمل هو ما علق بالوجه أو تناثر منه ، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما يبقى في الإناء بعد الاستعمال منه ، وليس بمستعمل ، ويجوز التيمم به ، صرح به طائفة من أصحابنا والشافعية .\rونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه وصف لهم التيمم ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيده الثانية ولم ينفخهما ، ثم مسح ظهور الكفين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى ، ولم يذكر أنه مسح بطون كفيه اكتفاء بمرور التراب عليهما بالضرب بهما على الأرض ، وهذا في التيمم بالضربتين ظاهر ، ولا يتأتى مثله في الضربة الواحدة ؛ لأنه يخل بالترتيب .","part":3,"page":46},{"id":321,"text":"وقد صرح العراقيون من أصحاب الشافعي : بأنه يسقط فرض الراحتين وما بين الأصابع حين يضرب اليدين على التراب ، ثم أوردوا على ذلك أنه لو سقط فرضهما بذلك لصار التراب الذي عليهما مستعملا ، فكيف يجوز مسح الذراعين به ولا يجوز نقل الماء الذي غسل به أحدى اليدين إلى الأخرى ، إلا على وجه ضعيف لهم؟\rوأجابوا عن ذلك بوجهين :\rأحدهما : أن اليدين كعضو واحد ، ولا يصير التراب والماء مستعملا إلا\rبانفصاله ، ولم ينفصل التراب ، بخلاف الماء فإنه ينفصل فيصير مستعملا .\rوالثاني : أن هذا يحتاج إليه في التيمم لضرورة ، حيث لم يمكن أن ييمم الذراع بكفها ، فافتقر إلى الكف الأخرى فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه ، وعلى قول هؤلاء لا يجب بعد ذلك مسح إحدى الراحتين بالأخرى ، بل هو مستحب .\rومن أصحابهم من حكى في وجوبه وجهين . وقال البغوي منهم : أن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسح الراحتين حصل له ؛ وإلا فلا . وهذا يدل على أنه لا يحصل بضربهما بالأرض .\rومن أعيان أصحابنا المتأخرين من حكى قولا لم يسم قائله ، ورجحه في التيمم بضربة واحدة : أنه يمسح بباطن يديه وجهه ، ثم يمسح بهما ظاهر كفيه خاصة . قال : لان باطنهما يصيبه التراب حين يضرب بهما الأرض وحين يمسح بهما الوجه وظهر\rالكفين ، فلو مسح إحداهما بالأخرى لتكرر مسحهما ثلاث مرات ، وتكرار مسح التيمم غير مشروع بخلاف الوضوء ، وهو - أيضا - ينافي أن يكون التيمم بضربة واحدة .\rوهذا الذي قاله فيه نظر ؛ فإن تكرار المسح بتراب ضربة واحدة لا تتعدد به الضربات كتكرار مسح الرأس بماء واحد ؛ فإنه لا يكون تكرارا ، وقد سبق ذلك في الوضوء ، وإنما لم يشرع تكرار التيمم إذا وقع الأول موقعه ، وما أصاب باطن الكفين من التراب قبل مسح الوجه غير معتد به عند من يوجب الترتيب ، فلا يكون ذلك تكرارا - أيضا .\rوقد تقدم أن حديث عمار يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح بعد الضرب ظاهر كفيه وباطنهما .\rوإنما يجب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر . فأما الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي :\rأحدهما : أنه واجب - أيضا -؛ لأن صفة التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغسل والوضوء ، وأيضا ؛ فإن البدن كله في غسل الجنابة كالعضو الواحد ، وفي التيمم عضوان متغايران ، فيلزم الترتيب بينهما كأعضاء الوضوء .\rوالثاني : لا يجب ؛ لأن التيمم عن الجنابة يلتحق بالغسل ولا ترتيب فيه ، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في توجيه رواية أبي معاوية ، عن الأعمش التي خرجها البخاري بتقديم الكفين على الوجه ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما علم عمارا ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة .\rوقد حكى بعضهم عن الأعمش : أنه كان يذهب إلى تقديم مسح الكفين على الوجه في التيمم مطلقا ، فإن صح هذا عنه دل على أن ما روى عنه أبو معاوية محفوظ عن الأعمش ، وان أبا معاوية حَفِظَ عنه ولم يهم فيه ، كما قاله الإمام أحمد . والله أعلم .","part":3,"page":47},{"id":322,"text":"ويحتمل أن الأعمش فسر هذا التفسير من عنده كما فسره شعبة - أيضا - من عنده كذلك بتقديم دلك اليدين على الوجه ، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي ، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبة والأعمش ؛ فإن كثيرا منهم لم يكن يفرق بين مدلول العطف بـ (( ثُمَّ )) وبالواو . والله تعالى أعلم .\r... ... ...\r* * *","part":3,"page":48},{"id":323,"text":"9- باب\r348- حدثنا عبدان : أبنا عبد الله : ثنا عوف ، عن أبي رجاء : ثنا عمران بن حصين الخزاعي ، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم ، فقال :\r((يا فلان ، ما منعك أن تصلي في القوم ؟ )) ، قَالَ : أصابتني جنابة ، ولا ماء . قَالَ : ((عليك بالصعيد ؛ فإنه يكفيك)) .\rقد سبق هذا الحديث بطوله من رواية يحيى القطان ، عن عوف ، واختصره هنا من رواية ابن المبارك ، عن عوف ، وختم به (( كتاب التيمم )) ؛ فإن فيه دلالة على تيمم الجنب إذا لم يجد الماء ، وعلى أن من كان في مكان يقطع أو يغلب على الظن أنه لا ماء فيه ، أو مع رفقة يعلم أنه لا ماء معهم ؛ فإنه لا يجب عليه طلب الماء ، بل له أن يتيمم ويصلي من غير طلب ، وقد استوفينا شرح ذلك كله مع شرح جميع الحديث فيما سبق . والله أعلم .\rوقد روى هذا الحديث البخاري عن إسماعيل بن مسلم ، عن أبي رجاء ، عن عمران - فذكر الحديث ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر هذا الرجل أن يتيمم ، فتيمم ، وقال : ثم وجد الماء فلم يأمره بالإعادة .\rوإسماعيل بن مسلم ، ضعيف الحديث .\r\r* * *","part":3,"page":49},{"id":324,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r8\rكتاب الصلاة\r1- باب\rكيف فرضت الصلاة في الإسراء\rوقال ابن عباس ؛ حدثني أبو سفيان في حديث هرقل ، فقال : يأمرنا - يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة والصدق والعفاف .\rحديث أبي سفيان هذا قد خرجه البخاري بتمامه في أول كتابه ، وهو يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أهم ما يأمر به أمته الصلاة ، كما يأمرهم بالصدق والعفاف ، واشتهر ذلك حتى شاع بين الملل المخالفين له في دينه ، فإن أبا سفيان كان حين قال ذلك مشركا ، وكان هرقل نصرانيا ، ولم يزل - صلى الله عليه وسلم - منذ بعث يأمر بالصدق والعفاف ، ولم يزل يصلي - أيضا - قبل أن تفرض الصلاة .\rوأول ما أنزل عليه سورة : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق:1] وفي أخرها : { أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى } إلى قوله: { كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } [العلق:9-19] .\rوقد نزلت هذه الآيات بسبب قول أبي جهل : لئن رأيت محمدا ساجدا عند البيت لأطأن على عنقه .\rوقد ورد من حديث عفيف الكندي ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بمكة حين زالت الشمس ومعه علي وخديجة ، وان العباس قال له : ليس على هذا الدين احد غيرهم .\rوقد خرجه الإمام أحمد والنسائي في خصائص علي .\rوقد طعن في إسناده البخاري في ((تاريخه)) والعقيلي وغير واحد .\rوقد خرج الترمذي من حديث أنس ، قال : بعث النبي- صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين ، وصلى علي يوم الثلاثاء.\rوإسناده ضعيف .\rوقد خرجه الحاكم من حديث بريدة ، وصححه .\rوفيه دليل على أن الصلاة شرعت من ابتداء النبوة ، لكن الصلوات الخمس لم تفرض قبل الإسراء بغير خلاف .\rوروى الربيع ، عن الشافعي ، قال : سمعت ممن أثق بخبره وعلمه يذكر أن الله تعالى انزل فرضا في الصلاة ، ثم نسخه بفرض غيره ، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس .\rقال الشافعي : كأنه يعني قول الله - عز وجل - : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً - نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً - أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } [المزمل:1-4] ثم نسخه في السورة معه بقوله : { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ } الآية إلى قوله { فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } [المزمل :20] فنسخ قيام الليل ، أو نصفه ، أو اقل ، أو أكثر بما تيسر .\rقال الشافعي : ويقال نسخ ما وصف في المزمل بقول الله - عز وجل - : { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } ودلوك الشمس : زوالها { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } العتمة { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } الصبح { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ } [الإسراء:78-79] فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة ، وان الفرائض فيما ذكر من ليل أو نهار .","part":3,"page":50},{"id":325,"text":"قال : ويقال في قول الله - عز وجل - : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } المغرب والعشاء\r{ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } الصبح { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً } العصر\r{ وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [الروم:17-18] الظهر . انتهى .\rوقد روي عن طائفة من السلف تفسير هاتين الآيتين بنحو ما قاله الشافعي ، فكل أية منهما متضمنة لذكر الصلوات الخمس ، ولكنهما نزلتا بمكة بعد الإسراء .\rوالله أعلم .\rوقد اجمع العلماء على أن الصلوات الخمس إنما فرضت ليلة الإسراء ، واختلفوا في وقت الإسراء :\rفقيل : كان بعد البعثة بخمسة عشر شهرا ، وهذا القول بعيد جدا .\rوقيل : أنه كان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهو اشهر .\rوقيل : قبل الهجرة بسنة واحدة .\rوقيل : قبلها بستة اشهر .\rوقيل : كان بعد البعثة بخمس سنين ، ورجحه بعضهم ، قال : لأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة ، ولا خلاف إنها توفيت قبل الهجرة بمدة ، قيل بثلاث سنين، وقيل : بخمس ، وقد اجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء .\rقلت : حكايته الإجماع على صلاة خديجة معه بعد فرض الصلاة غلط محض ، ولم يقل هذا أحد ممن يعتد بقوله .\rوقد خرج أبو يعلى الموصلي والطبراني من حديث إسماعيل بن مجالد ، عن أبيه ، عن الشعبي ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن خديجة ؛ فإنها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام ؟ فقال : ((أبصرتها على نهر من انهار الجنة ، في بيت من قصب ، لا لغو فيه ولا نصب)) .\rوروى الزبير بن بكار ، بإسناد ضعيف ، عن يونس عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة .\rوقد فرق بعضهم بين الإسراء والمعراج ، فجعل المعراج إلى السماوات كما ذكره الله في سورة النجم ، وجعل الإسراء إلى بيت المقدس خاصة ، كما ذكره الله في سورة\r{ سُبْحانَ } وزعم أنهما كانا في ليلتين مختلفتين ، وان الصلوات فرضت ليلة المعراج لا ليلة الإسراء .\rوهذا هو الذي ذكره محمد بن سعد في طبقاته عن الواقدي بأسانيد له متعددة ، وذكر أن المعراج إلى السماء كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا من المسجد الحرام ، وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس ، ونزل جبريل فصلى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات في مواقيتها ، وان الإسراء إلى بيت المقدس كان ليلة سبع عشرة ربيع الأول قبل الهجرة بسنة ، من شعب أبي طالب .\rوما بوب عليه البخاري أن الصلوات فرضت في الإسراء يدل على أن الإسراء عنده والمعراج واحد . والله أعلم .\rوخرج في هذا الباب حديثين :\rالحديث الأول : حديث المعراج بطوله : فقال :","part":3,"page":51},{"id":326,"text":"349- ثنا يحيى بن بكير : ثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك ، قال : كان أبو ذر يحدث ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل - عليه السلام - ففرج صدري ، ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فأفرغه في صدري ، ثم أطبقه ، ثم اخذ بيدي فعرج إلى السماء ، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء : افتح ، قال : من هذا ؟ قَالَ : جبريل ، قَالَ : هَلْ معك احد ؟ قال : نعم ، معي محمد . فقال : أرسل إليه ؟ قال : نعم ، فلما فتح علونا السماء الدنيا ، فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة ، وعلى يساره اسودة ، إذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح . قلت لجبريل : من هذا ؟ قال : هذا ادم ، وهذه الاسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة ، والاسودة التي عن شماله أهل النار ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى . حتى عرج بي إلى السماء الثانية ، فقال لخازنها :\rافتح ، فقال له خازنها مثل ما قال الأول ، ففتح )) .\rقال أنس : فذكر أنه وجد في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم ، غير أنه ذكر أنه وجد ادم في السماء الدنيا ، وإبراهيم في السماء السادسة .\rقال أنس : ((فلما مر جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بإدريس قال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ، فقلت : من هذا ؟ قَالَ : هَذَا إدريس ، ثُمَّ مررت بموسى عَلِيهِ السلام ، فَقَالَ : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ، قُلتُ : من هَذَا ؟ قال : هذا موسى ، ثم مررت بعيسى عليه السلام ، فقال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، قلت : من هذا ؟ قال : عيسى ، ثم مررت بإبراهيم عليه السلام ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ، قلت : من هذا ؟ قال : هذا إبراهيم )) .\rقال ابن شهاب : فأخبرني ابن حزم ، أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى اسمع فيه صريف الأقلام)) .\rقال ابن حزم وانس بن مالك : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ففرض الله على أمتي خمسين صلاة ، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى ، فقال : ما فرض الله لك على أمتك ؟ قلت : فرض خمسين صلاة ، قال : فارجع إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ، فراجعني فوضع شطرها ، فرجعت إلى موسى ، قلت : وضع شطرها ، قال : راجع ربك ، فإن أمتك لا تطيق ، فراجعت فوضع شطرها ، فرجعت إليه ، فقال : ارجع إلى ربك ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فراجعته ، فقال : هي خمس ، وهي خمسون ، لا يبدل القول لدي ، فرجعت إلى موسى ، فقال : أرجع إلى ربك ، فقلت : استحييت من ربي ، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى ، وغشيها ألوان لا ادري ما هي ، ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك)) .","part":3,"page":52},{"id":327,"text":"هذا الحديث رواه جماعة عن يونس ، عن الزهري ، عن أبي ذر وانس . وخالفهم أبو ضمرة أنس بن عياض ، فرواه عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس ، عن أبي بن كعب ، وهو وهم منه -: قاله الدارقطني ، وأشار إليه أبو زرعة وأبو حاتم .\rوقد اختلف في إسناد هذا الحديث على أنس ، فالزهري رواه عنه ، عن أبي ذر ، وجعل ذكر الصلوات منه عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورواه قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، وقد خرج حديثه البخاري في موضع أخر .\rورواه شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بسياق مطول جدا .\rوقد خرج حديثه البخاري في أخر كتابه ، وفيه ألفاظ استنكرت على شريك، وتفرد بها .\rوقد رواه ثابت ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا - بدون سياق شريك .\rوقد خرج حديثه مسلم في صحيحه.\rوقال الدار قطني : يشبه أن تكون الأقاويل كلها صحاحا ؛ لأن رواتها ثقات .\rقال : ويشبه أن يكون أنس سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واستثبته من أبي ذر ومالك أبن صعصعة .\rوقال أبو حاتم الرازي : أرجو أن يكون قول الزهري وقتادة عن أنس صحيحين . وقال -مرة - : قول الزهري أصح ، قال : ولا أعدل به أحدا .\rوشق صدره - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج وغسله من طست من ذهب من ماء زمزم وملؤه إيمانا وحكمة مما تطابقت عليه أحاديث المعراج .\rوروى ، ثابت عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه ، ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني : ظئره - ، فقالوا : أن محمد قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون . قال أنس : وقد كنت أرى اثر ذلك المخيط في صدره - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه مسلم .\rوليس في هذا الحديث أنه حشي إيمانا وحكمة ، وقد روي هذا الحديث من رواية أبي ذر وعتبة بن عبد السلمي ، وفي روايتهما : أنه ملئ سكينة ، وروي ـ أيضا ـ من حديث أبي ذر ، وفيه أنه أدخل قلبه الرأفة والرحمة .\rفهذا الشرح فهذا الشرح كان في حال صغره ، وهو غير الشرح المذكور في ليلة المعراج ، ومن تأمل ألفاظ الأحاديث الواردة في شرح صدره وملئه إيمانا وحكمة أو سكينة أو رأفة ورحمة ظهر له من ذلك أنه وضع في قلبه جسم محسوس مشاهد ، نشأ عنه ما كان في قلبه من هذه المعاني ، والله سبحانه قادر على أن يخلق من المعاني أجساما محسوسة مشاهدة ، كما يجعل الموت في صورة كبش أملح يذبح .\rوفي حديث الزهري ، عن أنس ، عن أبي ذر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ثم أخذ\rبيدي ، فعرج بي إلى السماء )) .\rوفي حديث قتادة وغيره ، عن أنس ، أنه أركبه البراق ، وهي زيادة صحيحة لم يذكرها الزهري في حديثه .","part":3,"page":53},{"id":328,"text":"وقول خازن السماء : (( أرسل إليه ؟ )) الأظهر ـ والله أعلم ـ أنه أستفهم : هل أرسل الله إليه يستدعيه إلى السماء ، ولم يرد إرساله إلى أهل الأرض ، فإن ذلك كان قبل هذه الليلة بمدة طويلة ، والظاهر أنه لا يخفى مثل ذلك على أهل السماء وخزنتها ، لا سيما مع حراستها بالشهب ومنع الشياطين من استراق السمع منها .\rوقيل أن اخل السماء لم يعلموا بإرساله إلى أهل الأرض حتى صعد إليهم ، ويشهد لهذا : أن في حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس في صفة الإسراء ، قال : (( ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها ، فنادى أهل السماء : من هذا ؟ فَقَالَ :\rجبريل . فقال : ومن معك ؟ قال : معي محمد . قال : وقد بعث ؟ قال : نعم ، فقالوا : مرحبا به وأهلا ، فيستبشر به أهل السماء ، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم )) ـ وذكر الحديث بطوله .\rوقد خرجه البخاري في آخر كتابه هذا .\r((والأسودة )) : جمع سواد ، وهو الشخص ، يقال : سواد وأسودة ، مثل قراح وأقرحة ، وتجمع : أسودة على أساود ، فهو جمع الجمع . (( والنسم )) : جمع نسمة ، وهي النفس .\rوالمراد بذلك : أرواح بني أدم ، وأن أهل الجنة على يمين ادم وأهل النار على يساره .\rقال بعضهم : ولا يناقض هذا ما ورد : أن أرواح المؤمنين في الجنة ، أو في الصور الذي ينفخ فيه ، أو في القبور ، وأرواح الكافرين في سجين ؛ لأن هذا في أحوال مختلفة وأوقات متغايرة وفي هذا الجواب نظر .\rومنهم من قال : إنما رأى في السماء الدنيا عن يمين آدم وشماله نسم بنيه الذين لم يولدوا بعد ولم تخلق أجسادهم ، فأما أرواح الموتى التي فارقت أجسادها بالموت فليست في السماء الدنيا ، بل أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في سجين ، وقد قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ } [ الأعراف : 40] .\rوقد جاء في حديث البراء بن عازب وأبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أن روح الكافر إذا خرجت لم تفتح لها أبواب السماء ، فتطرح طرحا )) ، وقرأ : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [الحج : 31 ].\rوالأظهر ـ والله أعلم ـ : أن آدم - عليه السلام - في السماء الدنيا ينظر إلى نسم بنيه عن يمينه وشماله ، ونسم بنيه مستقرة في مستقرها ، فنسم المؤمنين في الجنة ونسم الكافرين في النار ، وليست عند آدم في السماء الدنيا .","part":3,"page":54},{"id":329,"text":"ويدل على هذا : ما خرجه البزار وابن جرير والخلال وغيرهم من رواية أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية أو غيره ، عن أبي هريرة ، فذكر فذكر حديث الإسراء بطوله ، وفيه : أنه لما دخل إلى سماء الدنيا فإذا هو برجل تام الخلق ، لم ينقص من خلقه شئ كما ينتقص من خلق الناس ، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة ، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة ، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر ، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن ، فقال جبريل : هذا أبوك آدم ، وهذا الباب الذي عن يمينه الجنة ، فإذا نظر من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر ، والباب الذي عن شماله باب جهنم ، إذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن - وذكر الحديث بطوله .\rومما يوضح هذا المعنى : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في صلاة الكسوف الجنة والنار وهو في الأرض ، وليست الجنة في الأرض ، وروي : أنه رأى ليلة أسري به الجنة والنار ـ أيضا ـ ، وليست النار في السماء ، وإنما رآهما وهو في السماء تارة ، ورآهما وهو في الأرض أخرى .\rوكذلك رؤية آدم وهو في السماء الدنيا نسم بنيه المستقرة في الجنة وفي النار ، وليست الجنة والنار عند آدم في سماء الدنيا .\rوقد بسطنا الكلام على هذه المسألة وهي مستقر أرواح الموتى في\r(( كتاب أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور )) . ولله الحمد .\rوفي حَدِيْث الزُّهْرِيّ ، عَن أنس ، عَن أبي ذر ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - رأى فِي السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى ، ولم يثبت كَيْفَ منازلهم ، إلا أنه وجد آدم فِي السماء الدنيا ، وإبراهيم فِي السماء السادسة ، وهذا -والله أعلم - مما لم يحفظه الزهري جيدا .\rوفي رواية قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه رأى في السماء الدنيا آدم ، وفي السماء الثانية يحيى وعيسى ، وهما ابنا الخالة ، وفي السماء الثالثة يوسف ، وفي الرابعة إدريس ، وفي الخامسة هارون ، وفي السادسة موسى ، وفي السابعة إبراهيم عليهم السلام .\rوفي حديث شريك بن أبي نمر ، عن أنس ، وقد خرجه البخاري في آخر صحيحه هذا : أنه رأى آدم في السماء الدنيا ، وإدريس في الثانية ، وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة ـ قال الراوي : لم أحفظ اسمه ـ ، وإبراهيم فِي السادسة ، وموسى فِي السابعة بتفضيل كلام الله - عز وجل - .\rوهذا يوافق مَا فِي حَدِيْث الزُّهْرِيّ ، عَن أنس ، أن إبراهيم عَلِيهِ السلام فِي السماء السادسة ، وفيه - أيضا - : أنه مر بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بإبراهيم ، وهذا يشعر برفع عيسى على موسى ، وهذا كله إنما جاء من عدم ضبط منازلهم كما صرح به في الحديث نفسه.\rوفي حديث حماد بن سلمة عن ثابت ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة الإسراء ، أنه رأى آدم في الأولى ، ويحيى وعيسى في الثانية ، ويوسف في الثالثة ، وإدريس في\rالرابعة ، وهارون في الخامسة ، وموسى في السادسة ، وإبراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور .\rوقد خرجه مسلم بطوله .","part":3,"page":55},{"id":330,"text":"والذي رآه في السماء من الأنبياء عليهم السلام إنما هو أرواحهم ، إلا عيسى- عليه السلام - فإنه رفع بجسده إلى السماء .\rوقد قال طائفة من السلف : أن جميع الرسل لا يتركون بعد موتهم في الأرض أكثر من أربعين يوما ، ثم ترفع جثثهم إلى السماء ، روي ذلك عن ابن المسيب ، وعن عمر بن عبد العزيز ، وأنه قال : وأخبرني بذلك غير واحد ممن أدركته ، فعلى هذا يكون المرئي في السماء أشخاصهم كما كانوا في الأرض .\rوقول ابن شهاب : (( أخبرني ابن حزم )) ، الظاهر : أنه أبو بكر بن عمرو ابن حزم .\r(( أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري )) أبو حبة بالباء الموحدة عند قوم ، وعند آخرين هو بالنون ، وقيل : هما إخوان ، أحدوهما ابوحبة بالباء ، والثاني ، أبو حنة\rبالنون ، والله أعلم .\rوقوله (( حتى ظهرت لمستوى )) أي : صعدت لمصعد وارتقيت لمرتقى .\rو (( صريف الأقلام )) : صوت ما تكتبة الملائكة بأقلامها من أقضية الله تعالى ووحية ، أو ما ينسخونه من اللوح المحفوظ ، أو ما شاء الله من ذلك .\rويقال : أن صريف القلم : هو تصويته في رجوعه إلى ورائه ، مثل كتابته لحرف\r( كـ ) ، وصريره : هو تصويته في مجيئه إلى بين يديه ، مثل كتابته لحرف ( ن ) وما أشبه ذلك .\rوقوله : ((ففرض الله على أمتي خمسين صلاة)) ، وفي رواية شريك بن أبي نمر ، عن أنس : ((ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة)) .\rوقد تفرد شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث ، وهي مما انكرت عليه فيه .\rوقوله : ((فرجعت بذلك حتى مررت بموسى)) ، وذكر مراجعته له وأمره بالرجوع إلى ربه ليخفف عن أمته - استدل بهذا من رجح رواية من روى أن موسى كان في السماء السابعة ، كما في رواية الزهري وشريك ، عن أنس ، قال : لأنه لو كان إبراهيم في السابعة لكانت ألمراجعه بينه وبين إبراهيم .\rومن رجح أن موسى في السماء السادسة ، كما في رواية قتادة عن أنس ، قال : إنما وقعت المراجعة من موسى - عليه السلام - ؛ لأنه كان له امة عظيمة ، عالجهم اشد المعالجة ، وكان عليهم في دينهم آصار وأثقال ، فلهذا تفرد بمخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك دون إبراهيم - عليه السلام - .","part":3,"page":56},{"id":331,"text":"وفي رواية شريك بن أبي نمر ، عن أنس التي خرجها البخاري في أخر صحيحه هذا : ((أن موسى - عليه السلام - قال له : ((أن أمتك لا تستطيع ذلك ؛ فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم ، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك ، فأشار إليه جبريل أن نعم أن شئت ، فعلى به إلى الجبار سبحانه وتعالى ، فقال وهو في مكانه : يارب ، خفف\rعنا ؟ فإن أمتي لا تستطيع هَذَا ، فوضع عَنْهُ عَشَرَ صلوات ، ثُمَّ رجع إلى موسى فاحتبسه فَلَمْ يزل موسى يردده إلى ربه حَتَّى صارت إلى خمس صلوات ، ثُمَّ احتبسه موسى عِنْدَ الخمس ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، والله لَقَدْ راودت بني إسرائيل قومي عَلَى أدنى من هذه فضعفوا وتركوه ، وأمتك اضعف أجساداً وقلوباً وأبدانا وأبصاراً وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك ، كل ذَلِكَ يلتفت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل ليشير عَلِيهِ ، ولا يكره ذَلِكَ جبريل ، فرفعه عِنْدَ الخامسة ، فَقَالَ : يارب ، أن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا ، فقال الجبار - عز وجل - : يا محمد ، قال لبيك وسعديك ، قال : أنه لا يبدل القول لدي ، كما فرضته عليك في أم الكتاب ، فكل حسنة بعشر أمثالها ، وهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك ، فرجع إلى موسى ، فقال : كيف فعلت ؟ فقال : خفف عنا ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها ، قال موسى : قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ، فارجع إلى ربك فليخفف عنك - أيضا - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا موسى ، قد - والله - استحييت من ربي ، مما اختلف إليه . قال : فاهبط بسم الله ، قال : فاستيقظ وهو في المسجد الحرام)) .\rوهذه اللفظة مما تفرد بها شريك ، وقد تعلق بها من قال : أن الإسراء كان مناما ، وأجاب عنها قوم - على تقدير أن تكون محفوظة -: بان المراد باستيقاظه رجوعه إلى حال بشريته المعهودة منه في الأرض ، فإنه لما كان في السماء كان في طور أخر غير طور أهل الدنيا ، فلم يستفق من تلك الحال التي كان عليها ، ولم يرجع إلى حاله المعهودة إلا وهوفي المسجد الحرام .\rوفي حديث شريك عن أنس : أنه لم يزل يحط عنه عشر صلوات إلى أن صارت خمسا ، وكذا في حديث قتادة عن أنس : أنه حط عنه عشرا عشرا ، ثم حط عنه خمسا ، فصارت خمس صلوات .\rوفي حديث ثابت ، عن أنس : أنه حط عنه خمس صلوات، ولم يزل يرده موسى، قال : ((فلم أزل بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال :يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة ، لكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة ، قال : فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ، فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فسله التخفيف)) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((فقلت : قد رجعت إلى ربي عز وجل حتى استحييت منه)) .","part":3,"page":57},{"id":332,"text":"وفي حديث قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( قلت : سلمت ، فنودي أني قد أمضيت فريضتي ، وخففت عن عبادي ، وأجزي الحسنة\rعشرا )) .\rوفي رواية شريك ، عن أنس المتقدمة : أن موسى قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بعد أن صارت خمسا : ((قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه)) .\rوهو يدل على أن الصلوات الخمس لم تفرض على بني إسرائيل ، وقد قيل: أن من قبلنا كانت عليهم صلاتان كل يوم وليلة .\rوقد روي عن ابن مسعود ، أن الصلوات الخمس مما خص الله به هذه الأمة .\rففي صحيح مسلم عن ابن مسعود ، قال : لما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة ، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض\rمنها ، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، قال : فراش من ذهب ، قال : فأعطي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لم يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات .\rوخرجه الترمذي بمعناه ، وعنده : ((فأعطاه ثلاثا لم يعطهن نبيا كان قبله)).\rوقد يعارض هذا ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن\rعباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( أمني جبريل عند البيت مرتين )) ، فذكر أنه صلى به الصلوات الخمس أول يوم في أول وقت ، وفي اليوم الثاني في أخر وقت إلا المغرب ، قال : (( ثم التفت إلي جبريل فقال : يا محمد ، هذا وقت الأنبياء من قبلك ، والوقت ما بين هذين )) .\rوإن صح هذا فيحمل على أن الأنبياء كانت تصلي هذه الصلوات دون أممهم .\rويدل عليه : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((اعتموا بهذه الصلاة - يعني : صلاة العشاء - ، فإنكم قد فضلتم بها على سائر\rالأمم ، ولم تصلها امة قبلكم)) .\rوقول ابن مسعود : ((أن سدرة المنتهى في السماء السادسة)) يعارضه حديث أنس المرفوع من طرقه كلها ؛ فإنه يدل على أنها في السماء السابعة أو فوق السماء السابعة ، والمرفوع أولى من الموقوف .\rوفي حديث الزهري ، عن أنس ، في سدرة المنتهى : (( غشيها ألوان ، لا ادري ما هِيَ )) .\rوفي حديث قتادة ، عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ثم رفعت إلى سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، فقال : هذه سدرة المنتهى )) .\rفي حديث ثابت ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، قال : فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت ، فما احد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها )) .\rخرجه مسلم .","part":3,"page":58},{"id":333,"text":"وروى مسدد : ثنا يحيى ، عن حميد ، عن أنس ، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال :\r(( انتهيت إلى سدرة المنتهى ، فإذا نبقها مثل الجرار ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتة أو نحو ذلك)) .\rوخرجه الإمام أحمد ، وعنده : ((تحولت ياقوتا وزمردا)) .\rوخرج الترمذي من حديث أسماء بنت أبي بكر ، قالت : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر سدرة المنتهى ، قال : ((يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة سنة ، أو يستظل بظلها مائة راكب ، فيها فراش الذهب ، كأن ثمرها القلال)) .\rوخرجه الجوزجاني وغيره بزيادة في آخرة ، وهي : ((فقلنا يا رسول الله ، فماذا رأيت عندها ؟ قَالَ : ((فماء مفضض)) .\rوفي حَدِيْث أبي جَعْفَر الرَّازِي ، عَن الربيع بْن أنس ، عَن أبي العالية أو غيره ، عَن أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فذكر حَدِيْث الإسراء بطوله ، وفيه : ((ثُمَّ انتهى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى السدرة ، فَقِيلَ لَهُ : هذه السدرة ينتهي إليها كل احد خلا من أمتك عَلَى سنتك ، فإذا هِيَ شجرة يخرج من أصلها انهار من ماء غير آسن وانهار من لبن لَمْ يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين ، وانهار من عسل مصفى ، وهي شجرة يسير الراكب فِي ظلها سبعين عاما لا يقطعها ، والورقة مِنْهَا مغطية للأمة كلها . قَالَ : فغشيها نور الخلاق - عز وجل - ، وغشيها الملائكة أمثال الغربان حِينَ تقع عَلَى الشجر من حب الله- عز وجل - )) - وذكر بقية الحديث .\rخرجه البزار في ((مسنده)) وابن جرير في ((تفسيره)) والبيهقي في ((البعث والنشور)) وغيرهم ، وفي إسناده بعض اختلاف ، وروي موقوفا غير مرفوع .\rوفي هذا تفسير لما تقدم من أنه غشيها فراش من ذهب ، فإن الفراش مثل الجراد ونحوه ، مما يطير ويقع على الشجر .\rوقوله : ((ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ)) ، اختلفت النسخ في هذه اللفظة :\rففي بعضها : ((جنابذ)) ، والمراد بها : القباب ، وكأنها شبهت - والله أعلم- بجنابذ الورد قبل تفتحها .\rوقد ثبت في حديث أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة ، طولها في السماء ستون ميلا)) .\rوفي بعض النسخ : ((حبائل)) بالحاء المهملة واللام ، وفي بعضها : ((جبايل)) بالجيم واللام .\rوقد قال الأكثرون : أن ذلك كله تصحيف وغلط .\rوزعم بعضهم : أن حبائل - بالحاء المهملة واللام - جمع حبال ، وان حبالا جمع حبل ، والحبل : ما استطال من الرمل المرتفع كهيئة الجبال ، فيكون المراد بذلك : أن في الجنة تلالا من لؤلؤ .\rوالصحيح : ((جنابذ)) . والله أعلم .\rوقوله : ((وإذا ترابها المسك)) ، والمراد - والله أعلم - : أن رائحة ترابها رائحة المسك ، وأما لونه فمشرق مبهج كالزعفران ، يدل عليه : ما في حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((الجنة ملاطها المسك ، وتربتها الزعفران)) .\rخرجه الإمام أحمد والترمذي ، وابن حبان في صحيحه .","part":3,"page":59},{"id":334,"text":"والملاط : التراب الذي يختلط بالماء ، فيصير كالطين ، فلونه لون الزعفران في بهجته وإشراقه .\rوريحه كريح المسك ، وطعمه كطعم الخبز ، يؤكل .\rيدل على ذلك : ما في ((صحيح مسلم)) عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن صائد : ((ما تربة الجنة؟)) قال : در مكة بيضاء مسك يا أبا القاسم، قال : ((صدقت)) .\rوفي ((المسند)) عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لليهود : ((إني سائلهم عن تربة الجنة ، وهي در مكة بيضاء)) ، فسألهم ، فقالوا : هي خبزة يا أبا القاسم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((الخبز من الدرمك)) .\rوهذا يدل على أن لونها بيضاء ، وقد يكون منها ما هو ابيض ومنها ماهو اصفر كالزعفران . والله أعلم .\rالحديث الثاني :\r350- حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة ابن الزبير ، عن عائشة ، قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر .\rتريد عائشة - رضي الله عنها -: أن الله تعالى لما فرض على رسوله الصلوات الخمس ليلة الإسراء ، ثم نزل إلى الأرض وصلى به جبريل - عليه السلام - عند البيت ، لم تكن صلاته حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، ثم أقرت صلاة السفر على تلك الحال ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين ، ومرادها : الصلاة الرباعية خاصة .\rويدل عليه : ما خرجه البخاري في ((الهجرة)) من حديث معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ، ثم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففرضت أربعاً ، وتركت صلاة السفر على الأول .\rكذا خرجه من رواية يزيد بن زريع ، عن معمر ، وقال : تابعه عبد الرزاق ، عن معمر .\rوخرجه البيهقي من رواية عبد الرزاق عن معمر ، ولفظه : ((فرضت الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ركعتين ركعتين ، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعاً ، وأقرت صلاة السفر ركعتين)) .\rوقال : هذا التقييد تفرد به معمر عن الزهري ، وسائر الثقات أطلقوه - يعني : لم يذكروا الأربع . انتهى .\rوفي تقييدها الزيادة بالأربع دليل على أنه إنما زيد في الحضر الرباعية خاصة .\rوقد ورد ذلك صريحا عنها في رواية أخرى خرجها الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق ، قال : حدثني صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان أول ما افترض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ركعتان ركعتان ، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا ، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعاً في الحضر ، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر .\rوخرج الإمام أحمد - أيضا - عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عائشة ، قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، إلا المغرب فرضت ثلاثا ؛ لأنها وتر . قَالَتْ : وكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا\rالمغرب ، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب ؛ فإنها وتر ، والصبح ؛ لأنه يطول فيها القراءة .","part":3,"page":60},{"id":335,"text":"وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد : كان أول ما افترض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ركعتان ، إلا المغرب ؛ فإنها كانت ثلاثا ، ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا في الحضر، فأقر الصلاة على فرضها الأول في السفر.\rوخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) من طريق محبوب بن الحسن ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة ولفظه : فرض صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين ، فلما أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة زيد في صلاة الحضر ، وتركت صلاة الفجر، لطول القراءة ، وصلاة المغرب ؛ لأنها وتر النهار .\rوخرجه البيهقي من وجه أخر عن داود كذلك .\rوهذه الرواية إسنادها متصل ، وهي تدل على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعاً تأخرالى ما بعد الهجرة إلى المدينة .\rوكذلك روى أبو داود الطيالسي : ثنا حبيب بن يزيد الانماطي : ثنا عمرو ابن هرم ، عن جابر بن زيد ، قال : قالت عائشة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بمكة ركعتين - تعني : الفرائض - ، فلما قدم إلى المدينة وفرضت عليه الصلاة أربعاً وثلاثا صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكة تماما للسفر .\rوخرج الطبراني هذا المعنى - أيضا - بإسناد ضعيف عن سلمان الفارسي- رضي الله عنه -.\rوخرج الإسماعيلي في ((مسند عمر)) من رواية إسماعيل بن عياش ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم وأرطاة بن المنذر ، عن حكيم بن عمير ، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد : أما بعد ، فإنما كانت الصلاة أول الإسلام ركعتين ، فقال الناس : إنا قد امرنا أن نسبح أدبار السجود ونصلي بعد كل صلاة ركعتين ، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تطوعهم صلاها أربعاً ، وأمرهُ الله بذلك ، فكان يسلم بين كل ركعتين ، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل يرى أنه قد أتم الصلاة ، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ويعلن بالثانية، فافعلوا ذلك .\rهذا إسناد ضَعِيف منقطع ، ومتن منكر .\rوقد عارض هذا كله : ما روي أن جبريل أم النبي - صلى الله عليه وسلم - عند البيت أول ما فرضت الصلاة ، وصلى به أربعاً .","part":3,"page":61},{"id":336,"text":"فخرج الدارقطني من طريق جرير بن حازم ، عن قتادة عن أنس ، أن جبريل أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة حين زالت الشمس ، فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم ، فقام جبريل أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقام الناس خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة ، يأتم الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويأتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجبريل عليه السلام ، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيها بالقراءة ، يأتم المسلمون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويأتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجبريل ، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات ، يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة ، ثم أمهله حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات ، يجهر في الأوليين ولا يجهر الأُخريين بالقراءة ، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة .\rثم خرجه من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه مرسلاً .\rوهذا المرسل اصح ، وروايات جرير بن حازم عن قتادة خاصة فيها منكرات كثيرة ، لا يتابع عليها ، ذكر ذلك أئمة الحفاظ : منهم أحمد وابن معين وغيروهما . ومراسيل الحسن . فيها ضعف عند الاكثرين ، وفيه نكارة في متنه في ذكر التاذين\rللصلاة ؛ والأذان لَمْ يكن بمكة ، إنما شرع بالمدينة .\rخرجه البيهقي من طريق شيبان ، عَن قتادة ، قَالَ : حدّث الْحَسَن - فذكره مرسلا ، وذكر أنه نودي لهم : : (( الصلاة جامعة )) .\rوخرجه أبو داود (( في مراسيله )) من رواية سعيد عن قتادة عن الحسن .\rوروى البيهقي باسنادة من حديث يحيى بن سعيد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن أبي مسعود ، قال : أتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : قم فصل ؛ وذلك دلوك الشمس ، فقام فصلى الظهر أربعاً - وذكر عدد الصلوات كلها تامة في اليومين .\rثم قال : أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يسمعه من أبي مسعود\rالأنصاري ، إنما هو بلاغ بلغه .\rوقد نقل إسحاق بن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، قال : كل صلاة صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة كانت ركعتين ركعتين ، إلا المغرب ثلاثا ، ثم هاجر إلى المدينة ، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين ، إلا الفجر والمغرب ، تركهما على حالهما . قال : وصلى جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة عند المقام مرتين .\rوممن قال : أن الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين : الشعبي ، والحسن في رواية ، وابن إسحاق .\rوقالت طائفة : فرضت الصلاة اول ما فرضت أربعاً ، إلا المغرب والصبح ، كذلك قال نافع بن جبير بن مطعم ، والحسن في رواية ، وابن جريج ، وهو اختيار إبراهيم الحربي ، ورجحه ابن عبد البر ، وتمسكوا بما لا حجة لهم فيه ، ولا يعارض حديث عائشة .\rوفي حديث عائشة فوائد كثيرة تتعلق بقصر الصلاة في السفر ، تذكر في أبواب قصر المسافر - أن شاء الله تعالى .\r\r* * *","part":3,"page":62},{"id":337,"text":"2- باب\rوجوب الصلاة في الثياب\rوقول الله - عز وجل - { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف:31]\rومن صلى ملتحفا في ثوب واحد\rويذكر عن سلمة بن الأكوع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( يزره ولو بشوكة )) . وفي إسناده نظر .\rومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يطوف بالبيت عريان .\rأما قوله تعالى : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } فإنها نزلت بسبب طواف المشركين بالبيت عراة ، وقد صح هذا عن ابن عباس ، واجمع عليه المفسرون من السلف بعده .\rوقد ذكر الله هذه الآية عقب ذكره قصة ادم عليه السلام ، وما جرى له ولزوجه مع الشيطان حتى أخرجهما من الجنة ، ونزع عنهما لباسهما حتى بدت عوراتهما ، فقال الله تعالى : { يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ } [الأعراف:27] .\rثم قال : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } [الأعراف:28] .\rوالمراد بالفاحشة هنا : نزع ثيابهم عند الطواف بالبيت ، وطوافهم عراة كما كان عادة أهل الجاهلية .\rثم قال بعد ذلك : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } .\rوالمراد بذلك : أن يستروا عوراتهم عند المساجد ، فدخل في ذلك الطواف والصلاة والاعتكاف وغير ذلك .\rوقال طائفة من العلماء : أن الآية تدل على اخذ الزينة عند المساجد ، وذلك قدر زائد على ستر العورة ، وإن كان ستر العورة داخلا فيه وهو سبب نزول الآيات ، فإن كشف العورة فاحشة من الفواحش ، وسترها من الزينة ، ولكنه يشمل مع ذلك لبس ما يتجمل به ويتزين به عند مناجاة الله وذكره ودعائه والطواف ببيته ؛ ولهذا قَالَ تعالى عقب ذَلِكَ : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [الأعراف:32].\rوروى موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه ، فإن الله أحق من تزين له)).\rخرجه الطبراني وغيره .\rوقد روى جماعة هذا الحديث عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن عمر - بالشك في ذلك .\rخرجه البزاز وغيره .\rوخرجه أبو داود. كذلك بالشك ، ولم يذكر فيه (( فإن الله أحق من تزين له)) .","part":3,"page":63},{"id":338,"text":"وروي ذكر التزين من قول ابن عمر، فروي عن أيوب ، عن نافع ، قال : رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد ، قال : الم أكسك ثوبين ؟ قلت : نعم ، قال : فلو أرسلتك في حاجة كنت تذهب هكذا ؟ : قلت : لا . قال : فالله أحق أن تزين له .\rأخرجه الحاكم وغيره .\rوالمحفوظ في هذا الحديث رواية من رواه بالشك في رفعه -: قاله الدارقطني .\rوممن أمر بالصلاة في ثوبين : عمر ، وابن مسعود ، وقال ابن مسعود : إذ وسع الله فهو أزكى .\rواستدل من قال : أن المأمور به من الزينة أكثر من ستر العورة التي يجب سترها عن الأبصار بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء ، وبان من صلى عاريا خاليا لا تصح صلاته ، وبان المرآة الحرة لا تصح صلاتها بدون خمار ، مع أنه يباح لها وضع خمارها عند محارمها، فدل على أن الواجب في الصلاة أمر زائد على ستر العورة التي يجب سترها عن النظر .\rوأما الصلاة في ثوب واحد ملتحفا به ، ففيه عدة أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ وقد خرج البخاري بعضها ، وستأتي في موضعها - أن شاء الله .\rوأما حديث سلمة بن الأكوع الذي علقه البخاري ، وقال : في إسناده نظر ؛ فهو من رواية موسى بن إبراهيم ، عن سلمة بن الأكوع ، قال : قلت : يا رسول الله ؛ إني رجل أصيد ، أفأصلي في القميص الواحد ؟ قَالَ : ((نَعَمْ ، زره ولو بشوكة)) .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان فِي (( صحيحه )) ، والحاكم وصححه .\rواستدل به طائفة من فقهاء أهل الحديث على كراهة الصلاة في قميص محلول الإزار ، منهم : إسحاق بن راهويه ، وسليمان بن داود الهاشمي ، والجوزجاني وغيرهم .\rوقال الإمام أحمد فيمن صلى في قميص ليس عليه غيره : يزره ويشده . وقال - أيضا - : ينبغي أن يزره .\rوقد روى هذا الحديث عن موسى بن إبراهيم : الدراوردي - ومن طريقه خرجه أبو داود - وعطاف بن خالد - ومن طريقه خرجه الإمام أحمد والنسائي .\rوموسى هذا ، زعم ابن القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث\rالتيمي ، وذكر ذلك عن البرقاني ، وأنه نقله عن أبي داود ، فلزم من ذلك أمران يضعفان إسناده : أحدهما ضعف موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي ؛ فإنه متفق عليه . والثاني : انقطاعه ؛ فإن موسى هذا لم يرو عن سلمة ، إنما يروي عن أبيه ، عن سلمة .\rوذكر أن الطحاوي رواه عن ابن أبي داود ، عن ابن أبي قتيلة ، عن الدراوردي ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن سلمة . قال : فحديث أبي داود علي هذا منقطع .\rهذا مضمون ما ذكره ابن القطان ، وزعم أن هذا هو النظر الذي أشار إليه البخاري بقوله : في إسناده نظر .","part":3,"page":64},{"id":339,"text":"والصحيح : أن موسى هذا هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، نص على ذلك علي بن المديني -: نقله عنه القاضي إسماعيل في كتاب ((أحكام القرآن)) ، وكذا نقله المفضل الغلابي في ((تاريخه)) عن مصعب الزبيري ، وكذا ذكره أبو بكر الخلال في كتاب ((العلل)) ، وصرح به - أيضا - من المتأخرين عبد الحق الإشبيلي وغيره ، ولذلك خرج هذا الحديث ابن حبان في ((صحيحه)) ؛ فإنه لا يخرج فيه لموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي شيئا ؛ للاتفاق على ضعفه .\rوقد فرق بين الرجلين يحيى بن معين - أيضا -، ففي ((تاريخ الغلابي)) عن يحيى بن معين : موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي يضعف ، جاء بأحاديث منكرات .\rثم بعد ذلك بقليل ، قال : موسى بن إبراهيم المديني ، يروي عن سلمة بن\rالأكوع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة في القميص الواحد : ((زره ولو بشوكة))- ثبت .\rوفي ((تاريخ مضر بن محمد)) ، عن ابن معين نحو هذا الكلام - أيضا - ، إلا أنه قال في الذي روى حديث الصلاة في القميص : ليس به بأس ، ولم يقل: ثبت .\rوكذلك أبو حاتم الرازي ، صرح بالفرق بين الرجلين .\rقال ابن أبي حاتم في ((كتابه)) : موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، روى عن سلمة بن الأكوع ، وعن أبيه عن أنس ، روى عنه عطاف بن خالد ، وعبد الرحمان بن أبي الموالي ، وعبد العزيز ابن محمد ، سمعت أبي يقول ذلك ، وسمعته يقول : موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي خلاف هذا ، ذاك شيخ ضعيف الحديث . انتهى .\rوتضعيفه التيمي دون هذا يدل على أن هذا ليس بضعيف .\rوكذا فرق بينهما علي بن ألمديني ، فيما نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة في ((سؤالاته له)) ، وقال في التيمي : ضعيف ، ضعيف ، وقال في الذي يروي عن سلمة : كان صالحا وسطا .\rوكذلك فرق بينهما ابن حبان ، وذكر موسى بن إبراهيم هذا في ((ثقاته)) .\rوكذلك صرح بنسبه أبو حاتم الرازي ، فيما نقله عنه ابنه في كلامه على ((أوهام تاريخ البخاري)) .\rوقد ورد التصريح بنسبة موسى هذا في روايات متعددة :\rفروى الشافعي : أنا عطاف بن خالد والدراوردي ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة ، عن سلمة بن الاكوع ، قال: قلت يا رسول الله ، أنا نكون في الصيد ، فيصلي احدنا في القميص الواحد ؟ قال : (( نعم ، وليزره ، ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة )) .\rوروى الإمام أحمد في (( المسند : ثنا هاشم بن القاسم : ثنا عطاف ، عن موسى بن أبي ربيعة ، قال : سمعت بن الاكوع - فذكر الحديث .\rورواه الاثرم في (( سننه )) : ثنا هشام بن بهرام : ثنا عطاف ، عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن أبي بيعة المخزومي ، أن سلمة بن الاكوع كان إذا قدم المدينة نزل على ابنه إبراهيم في داره ، قال : فسمعتة يقول : قلت : يا رسول الله ، أني أكون في الصيد ، وليس علي إلاّ قميص واحد ، أفأصلي فيه ؟ قال (( نعم ، وزره وان لم تجد إلا شوكه)) .","part":3,"page":65},{"id":340,"text":"وكذلك رواه علي بن المديني ، عن الدراوردي : أخبرني موسى بن عبد الرحمان ، أنه سمع سلمة بن الاكوع - فذكره .\rففي هذه الروايات التصريح بنسبته وبسماعه من سلمة .\rوأما رواية ابن أبي قتيله ، عن الدراوردي فلا يلتفت إليها ؛ فإن الشافعي وعلي بن المديني وقتيبة بن سعيد وغيرهم رووه عن الدراوردي على صواب ، ولم يكن ابن أبي قتيلة من أهل الحديث ، بل كان يعيبهم ويطعن عليهم ، وقد ذكر عند الإمام أحمد أنه قال : أهل الحديث قوم سوء ! فقال أحمد : زنديق ! زنديق ! زنديق ! .\rوقد روه أبو أويس ، عن موسى بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن سلمة - أيضا .\rذكره البخاري في ((تاريخه ))عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن أبيه - قال البيهقي : والأول أصح .\rيعني : رواية من لم يذكر في اسنادة : (( عن أبيه )) .\rوذكر البخاري في(( تاريخه )) : موسى بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة ، سمع سلمة بن الأكوع ، روى عنه عطاف بن خالد .\rوروى عبد الرحمان بن أبي الموالي ، عن موسى بن إبراهيم بن أبي ربيعة عن أبيه ، عن أنس ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في ثوب واحد ملتحفاُ فيه .\rوهذا الحديث خرجه الإمام أحمد ، عن أبي عامر العقدي ، عن ابن أبي الموالي . فهذا هو النظر الذي أشار البخاري إلى إسناده في (( صحيحه ))، وهو الاختلاف فِي إسناد الحَدِيْث على موسى بن إبراهيم .\rوفي كونه علة مؤثرة نظر ؛ فإن لفظ الحديثين مختلف جدا ، فهما حديثان مختلفان إسناداً ومتنا .\rنعم ؛ لرواية ابن أبي الموالي ، عن موسى ، عن أبيه ، عن أنس علة مؤثرة ، وهي أن عبد الله بن عكرمة رواه عن إبراهيم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن أبي ربيعة - وهو : والد موسى - ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد خرج حديثه الإمام أحمد .\rولعل هذة الرواية أشبه ؛ فإن متن هذا الحديث معروف عن جابر بن عبد الله ، لا عن أنس .\rلكن نقل ابن أبي حاتم ، عن أبيه في كلام جاء على (( أوهام تاريخ البخاري )) : أن رواية موسى عن أبيه عن أنس ، ورواية إبراهيم والد موسى عن جابر من غير رواية ابنه موسى .\rوهذا يدل على أن الإسنادين محفوظان .\rوأما حديث الصلاة في القميص وزره بالشوكة ، فلا يعرف إلا بهذا الإسناد عن سلمة ، فلا يعلل بحديث غيره . والله أعلم .\rوأما قوله : (( من صلى في الثوب الذي يجامع فية إذا لم ير فيه أذى )) ، فهذا فيه غير حديث ، لكنها ليست على شرطه :\rفروى يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ، عن معاوية بن حديج ، عن معاوية بن أبي سفيان ، أنه سال أخته أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه ؟ قالت : نعم ، إذا لم ير فيه أذى .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .\rوخرج الإمام أحمد من رواية ضمرة بن حبيب ، أن محمد بن أبي سفيان الثقفي حدثه ، أنه سمع أم حبيبة تقول : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وعلي وعليه ثوب واحد ، فيه كان ما كان .","part":3,"page":66},{"id":341,"text":"وروى الأوزاعي ، عن يعيش بن الوليد ، عن معاوية بن أبي سفيان ، قال : دخلت على أم حبيبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ، فقلت : إلا أراه يصلي كما أرى ؟ قالتا : نعم ، وهو الثوب الذي كان فيه ما كان .\rخرجه أبو يعلى الموصلي .\rويعيش ثقة ، إلا أني لا أظنه أدرك معاوية .\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن سمرة قال : سال رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي ؟ قالَ:((نعم ، إلا أن ترى شيئا فتغسله)) .\rوقال أبو حاتم الرازي والدارقطني : الصواب وقفه على جابر بن سمرة .\rوقال عبد الله ابن الإمام أحمد : هذا الحديث لا يرفع عن جابر بن سمرة .\rيشير إلى أن من رفعه فقد وهم .\rوخرج ابن ماجه من رواية الحسن بن يحيى ألخشني : ثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي الدر داء ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأسه يقطر ماء ، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحا به ، قد خالف بين طرفيه ، فلما انصرف قال له عمر بن الخطاب : يا رسول الله، تصلي بنا في ثوب واحد ؟ قَالَ :\r(( نعم ، اصلي فيه ، وفيه)) - أي : قد جامعت فيه .\rوالخشني هذا ، قال ابن معين فيه : ليس بشيء .\rوأما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا يطوف بالبيت عريان ؛ فهو حديث صحيح ، وقد خرجه البخاري في موضع أخر من حديث أبي هريرة ، وسيأتي قريبا - أن شاء الله .\rوهو من أحسن ما يستدل به على النهي عن الصلاة عريانا ؛ لأن الطواف يشبه بالصلاة ، فالمشبه به أولى .\rوقد روي عن ابن عباس - مرفوعا ، وموقوفا -: ((الطواف بالبيت صلاة)) .\rخرج البخاري في هذا الباب حديث أم عطية :\rفقال :\r351- ثنا موسى بن إسماعيل : ثنا يزيد بن إبراهيم ، عن محمد ، عن أم عطية ، قالت : امرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات الخدور ، يشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ، ويعتزل الحيض عن المصلى . قالت امرأة : يا رسول الله ، إحدانا ليس لها جلباب ؟ قَالَ : (( لتلبسها صاحبتها من جلبابها )) .\rوقال عبد الله بن رجاء : ثنا عمران : ثنا محمد بن سيرين : حدثتنا أم عطية: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا .\rوإنما ذكر رواية عمران عن ابن سيرين وإن لم تكن على شرطه ؛ لأن فيها التصريح بسماع ابن سيرين له من أم عطية له من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن من الرواة من رواه عن ابن سيرين ، عن أخته ، عن أم عطية ، والصحيح : رواية ابن سيرين ، عن أم عطية -: قاله الدارقطني وغيره ؛ فلذلك أشار البخاري إلى رواية عمران المصرحة بذلك .\rو(( الجلباب )) : قال ابن مسعود ومجاهد وغيروهما : هو الرداء ، ومعنى ذلك : أنه للمرآة كالرداء للرجل ، يستر أعلاها ، إلا أنه يقنعها فوق رأسها ، كما يضع الرجل رداءه على منكبيه .","part":3,"page":67},{"id":342,"text":"وقد فسر عبيدة السلماني قول الله - عز وجل - : { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ } [الأحزاب:59] بأنها تدنيه من فوق رأسها ، فلا تظهر إلا عينها ، وهذا كان بعد نزول الحجاب ، وقد كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب ، ويرى من المرآة وجهها وكفاها ، وكان ذلك ما ظهر منها من الزينة في قوله - عز وجل - : { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور:31] .\rثم أمرت بستر وجهها وكفيها ، وكان الأمر بذلك مختصا بالحرائر دون الإماء ، ولهذا قال تعالى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } [الأحزاب:59] ، يعني : حتى تعرف الحرة فلا يتعرض لها الفساق ، فصارت المرآة الحرة لا تخرج بين الناس إلا بالجلباب ، فلهذا سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر النساء بالخروج في العيدين ، وقيل له: المرآة منا ليس لها جلباب ؟ فقال : ((لتلبسها صاحبتها من جلبابها)) - يعني تعيرها جلبابا تخرج فيه .\rوإذا علم هذا المعنى ، ففي إدخال هذا الحديث في ((باب : اللباس في الصلاة)) نظر؟ فإن الجلباب إنما أمر به للخروج بين الناس ؛ لا للصلاة ، ويدل عليه : أن الأمر بالخروج دخل فيه الحيض وغيرهن ، وقد تكون فاقدة الجلباب حائضا ، فعلم أن الأمر بإعارة الجلباب إنما هو للخروج بين الرجال، وليس من باب اخذ الزينة للصلاة ؛ فإن المرآة تصلي في بيتها بغير جلباب بغير خلاف ، وإنما تؤمر بالخمار ، كما روي عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ((لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار)) .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي ، وحسنه .\rوفي إسناده اختلاف ، وقد روي موقوفا على عائشة ومرسلا ؛ ولذلك لم يخرجه البخاري ومسلم ؛ وخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في ((صحيحيهما)) .\rوفي رواية لها : ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار)) .\rوقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم ، أن المراة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها .\rوقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم أن على المرأة الحرة البالغ أن تخمر رأسها إذا صلت ، وأنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة . قال : وأجمعوا أن لها أن تصلي وهي مكشوفة الوجه .\rواختلفوا فيما عليها أن تغطي في الصلاة :\rفقالت طائفة : عليها أن تغطي ما سوى وجهها وكفيها ، وهو قول الاوزاعي ، والشافعي ، وأبي ثور .\rوقال أحمد : إذا صلت تغطي كل شيء منها ولا يرى منها شيء ، ولا ظفرها .\rوقال أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام : كل شيء من المراة عورة ، حتى ظفرها .\rقلت : قد تقدم أن كشف وجهها في الصلاة جائز بالإجماع ، والخلاف في\rالكفين ، وفيه عن أحمد روايتان .\rوقال الحسن : إذا بلغت المحيض فصلت ولم توار أذنيها فلا صلاة لها .\rوعند أبي حنيفة : لا يجب عليها ستر اليدين ولا القدمين .","part":3,"page":68},{"id":343,"text":"وأما الوجه ، فقد ذكر ابن المنذر وغيره الإجماع على جواز كشفه في الصلاة ، وهذا يدل على أن اخذ المراة الجلباب في صلاة العيدين ليس هو لأجل الصلاة ، بل هو للخروج بين الرجال ، ولو كانت المراة حائضا لا تصلي فإنها لا تخرج بدون جلباب .\r\r* * *","part":3,"page":69},{"id":344,"text":"3- باب\rعقد الإزار على القفا في الصلاة\rوقال أبو حازم ، عن سهل : صلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على عواتقهم .\rحديث سهل بن سعد هذا قد خرجه البخاري بإسناده، وسيأتي قريبا - أن شاء الله تعالى.\rوأسند في هذا الباب حديث جابر من طريقين :\rأحدهما :\r352- من طريق : واقد بن محمد ، عن محمد بن المنكدر، قال : صلى جابر في إزار ، قد عقده من قبل قفاه ، وثيابه موضوعة على المشجب ، فقال له قائل : تصلي في إزار واحد ؟ قال : إنما صنعت ذلك ليراني أحمق مثلك ، وأينا كان له ثوبان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟!\rوالثاني :\r353- من طريق : عبد الرحمان بن أبي الموالي ، عن محمد بن المنكدر ، قال: رأيت جابرا يصلي في ثوب واحد ، وقال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب .\rليس في هذا الباب حديث مرفوع صريح في الصلاة في إزار واحد معقود على القفا ؛ وإنما في الرواية الأولى ذلك من فعل جابر ، وفي حديث سهل من فعل الصحابة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو شبيه بالمرفوع .\rوالمرفوع في الباب : هو الصلاة في ثوب واحد ، من غير بيان كيفية لبسه.\rوقد خرج البخاري فيما بعد هذا الباب من رواية ابن أبي الموالى- أيضا -عن ابن المنكدر، قال : دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب ملتحفاً به، ورداؤه موضوع ، فلما أنصرف قلنا : يا أبا عَبْد الله ، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال : نعم : أحببتُ أن يراني الجهال مثلكم ، رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي هكذا .\rوهذا يدل على أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في إزار بغير رداء ، ورواية واقد بن محمد عن ابن المنكدر التي خرجها البخاري في هذا الباب صريحة في أن جابرا عقد إزاره من قبل قفاه ، فظهر من كلا الروايتين أن جابرا صلى في إزار عقده من قفاه ، وانه اخبر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي كذلك .\rويؤخذ هذا - أيضا - من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الرجل في ثوب واحد ، ليس على عاتقه منه شيء .\rوقد خرجه البخاري فيما بعد ، وسيأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى .\rقال الخطابي : يريد أن لا يتزر به في وسطه ، ويشد طرفيه على حقويه ، ولكن يتزر به ويرفع طرفيه ، فيخالف بينهما ، ويشد عقده على عاتقيه ، فيكون بمنزلة الإزار والرداء .\rوقال الميموني : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يصلي الفرض وعليه إزار واحد متوشحا به ، وقد عقد طرفيه في قفاه .\rقال القاضي أبو يعلى : هذا محمول على أنه كان صغيرا لم يمكنه أن يخالف بين طرفيه ، فعقده من ورائه .\rيشير إلى أن الارتداء بالثوب أفضل من الاتزار به ، وسيأتي بيان ذلك في الباب الآتي - أن شاء الله تعالى .\rوخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوب متوشحا ، فلم ينل طرفاه ، فعقده .\r\r* * *","part":3,"page":70},{"id":345,"text":"4- باب\rالصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به\rوقال الزهري في حديثه : الملتحف : المتوشح ، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وهو الاشتمال على منكبيه .\rوقالت أم هانئ : التحف النبي - صلى الله عليه وسلم - بثوب ، وخالف بين طرفيه على عاتقيه .\rحديث أم هانئ قد خرجه البخاري في هذا الباب ، وإنما مراده هنا : تفسير الالتحاف المذكور فيه ، وقد حكى عن الزهري أنه فسره بالتوشح ، وذكر أن التوشح والالتحاف والاشتمال بالثوب المأمور به في الصلاة : هو أن يطرح الثوب على منكبيه ، ويرد طرفيه على عاتقيه ، فإن لم يردهما فهو السدل المنهي عنه ، كما سنذكره - أن شاء الله تعالى .\rوقد فسر يعقوب بن السكيت التوشح ، فقال : هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى ، ثم يعقدهما على صدره .\rوفرق الأخفش بين التوشح والاشتمال ، فقال : التوشح : هو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى ، فيلقيه على منكبه الأيمن ، ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر .\rقال : والاشتمال : أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه إلى قدميه ، يرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر .\rخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\rحديث عمر بن أبي سلمة ، وخرجه من طرق :\rفخرجه أولا :\r354- عن عبيد الله بن موسى : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عمر بن أبي سلمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه .\rوبدأ بهذه الطريق لعلوها ؛ فإنه رواه عن عبيد الله بن موسى - وهو : العبسي الكوفي - ، عن هشام بن عروة سمعه منه .\rوقد قيل : أنه لم يرو عنه في ((كتابه)) بغير واسطة غير هذا الحديث ، وهذا\rوهم ؛ فإنه روى عنه - أيضا - بغير واسطة أول حديث في ((كتاب الإيمان)) ، وهو حديث : ((بني الإسلام على خمس)) .\rثم قال :\r355- ثنا محمد بن المثنى : ثنا يحيى ، عن هشام ، قال : حدثني أبي ، عن عمر ابن أبي سلمة ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه .\rويحيى هو : القطان ، وفي هذه الرواية : زيادة تصريح هشام بسماعه له من أبيه ، ورؤية عمر بن أبي سلمة لذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rثم قال :\r356- ثنا عبيد بن إسماعيل: ثنا أبو إسامة، عن هشام، عن أبيه، أن عمر بن أبي سلمة أخبره ، قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد مشتملا به في بيت أم سلمة، واضعا طرفيه على عاتقيه.\rففي هذه الرواية: تصريح عروة بسماعه له من عمر بن أبي سلمة، وفيه- أيضا -: رؤية عمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي كذلك، وفيه تسمية ذلك اشتمالا، وتفسيره بوضع طرفي الثوب على عاتقيه .\rوفي رواية خرجها مسلم في ((صحيحه)) : ((متوشحا به))","part":3,"page":71},{"id":346,"text":"وأظن البخاري من هذه الوجوه الثلاثة عن هشام ليبين أن من رواه : عن هشام ، عن أبيه ، عن عَبْد الله بن عَبْد الله بن أبي أمية المخزومي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد وهم ؛ فإن إسحاق رواه ، عن هشام كذلك .\rخرجه من طريقه الإمام أحمد .\rوخرجه -أيضا- من طريق أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة كذلك ، وهو وهم - أيضا .\rوممن جزم بأنه وهم : علي بن المديني ، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان .\rوممن رواه عن هشام ، عن أبيه ، عن عمر بن أبي سلمة : شعبة ، ومالك ، وحماد بن زيد وغيرهم .\rالحديث الثاني :\r357- ثنا إسماعيل بن أبي أويس : حدثني مالك ، عن أبي النظر مولى عمر بن عبيد الله ، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب اخبره ، أنه سمع أم هانئ قالت : ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره . قالت : فسلمت عليه ، فقال : (( من هذه ؟ )) قلت : أنا أم هانئ بنت أبي طالب . فقال : ((مرحبا بأم هانئ )) ، فلما فرغ من غسله قام ، فصلى ثمان ركعات ملتحفا فِي ثوب واحد ، فلما انصرف قلت : يا رسول الله ، زعم ابن أبي ، أنه قاتل رجلا قد أجرته : فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ )) . قالت : وذلك ضحى .\rوخرجه مسلم من رواية جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن أبي مرة ، عن أم هانئ ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيتها عام الفتح ثمان ركعات ، في ثوب واحد ، قد خالف بين طرفيه .\rوأول الحديث قد سبق في ((كتاب الغسل)) ، ويأتي الكلام على باقيه في ((صلاة الضحى )) وفي (( الجهاد )) في (( أمان المرأة )) - أن شاء الله تعالى .\rالحديث الثالث :\r358- ثنا عبدالله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن\rالمسيب ، عن أبي هريرة ، أن سائلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في ثوب واحد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أو لكلكم ثوبان ؟ )) .\rوقد رواه ابن عيينة والأوزاعي عن الزهري ، كما رواه مالك .\rورواه يونس وعقيل عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة .\rقال أبو حاتم الرازي : كلاهما صحيح .\rورواه الأوزاعي ، [و] في روايته : قال : (( ليتوشح به ، ثم ليصل فِيهِ )) .\rوقيل : أنه تفرد بهذه اللفظة عن الزهري .\rوقوله : (( أو لكلكم ثوبان ؟ )) إشارة إلى أن منهم من لا يجد سوى ثوب\rواحد ، فلو لَمْ يصل احد فِي ثوب واحد لشق ذَلِكَ عَلَى بعض النَّاس أو كثير منهم ، والحرج مرفوع عَن هذه الأمة بقوله : { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ } [المائدة:6] ، وقوله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج:78] .\rفدلت أحاديث هذا الباب كلها على أنه يجوز أن يصلي الرجل في ثوب واحد ، يشتمل به على منكبيه ، ويخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وهو أفضل من الاتزار به ، وعقده على قفاه ، فإنه إنما يتزر به ويعقد عند ضيقه .","part":3,"page":72},{"id":347,"text":"هذا قول أصحابنا والشافعية وغيرهم ، وسيأتي من حديث جابر التصريح بهذا المعنى .\rوكان كثير من الصحابة يصلي كذلك ويأمر به ، منهم : علي ، وجابر ، وخالد بن الوليد .\rوقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على خلاف ذلك ، وان الاتزار بالثوب الواحد في الصلاة أولى من الاشتمال .\rوروى وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن عبد الله بن واقد قال : صليت إلى جنب ابن عمر وأنا متوشح ، فأمرني بالأزرة .\rوعن عون بن صالح ، عن حيان البارقي ، قال : قال ابن عمر : لا تلبب كتلبب اليهود - يعني : في التوشح .\rوفي ((سنن أبي داود)) من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أو قال عمر - : ((إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما ، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر ، ولا يشتمل اشتمال اليهود)) .\rوقد سبق أنه حديث مختلف في رفعه وفي وقفه على عمر بن الخطاب ، وقد روي موقوفا على ابن عمر من قوله .\rوفي رواية مرفوعة خرجها الحاكم وصححها : (( إذا لم يجد أحدكم إلا ثوبا واحدا فليشده على حقويه ، ولا يشتمل اشتمال اليهود )).\rقال الأثرم في هذا الحديث : ليس كل احد يرفعه ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه خلافه - يشير إلى الالتحاف والاتشاح بالثوب ، كما تقدم .\rوإن صح حديث ابن عمر فهو محمول على ما إذا لم يرده على عطفيه ، فإن ذلك هو السدل المكروه ، وبذلك فسر السدل الإمام أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة .\rوممن كره السدل في الصلاة : علي ، وابن مسعود ، قال أحمد : صح عن علي أنه كرهه ، وجعله من فعل اليهود ، واختلفوا فيه عن ابن عمر .\rوفي كراهته أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال .\rوعن أحمد ، أنه لا يكره ، إلا إذا لم يكن تحته قميص .\rوكان الحسن وابن سيرين يسدلان على قميصهما ، ورخص النخعي في السدل على القميص ، وكرهه على الإزار ، وحكي نحوه عن أحمد .\rوفسر آخرون السدل بما ذكرنا ، وزادوا : أن يكون مسبلا تحت الكعبين ، وهذا هو المروي عن الشافعي ، وهو الذي ذكره أكثر أصحابه ، وبعض أصحابنا ، وقاله الخطابي وغيره ، وجعلوا حكمه حكم إسبال الإزار تحت الكعبين : أن كان خيلاء حرم ذلك ، وإن لم يكن خيلاء ففيه الاختلاف المشهور .\rوالصحيح : أن ذلك ليس بشرط في السدل ، وان الاختلاف في كراهة السدل إذا لم يعطف أحد طرفي ثوبه على الآخر وإن لم يكن مسبلا . والله أعلم.\rقال يزيد بن أبي حكيم : رايت سفيان الثوري يصلي مرخيا رداءه في الأرض ، قد اشتمله وكشف عن بطنه وصدره ، غير أنه زر طرفي الثوب ، ممسكا عليها عند موضع الأزرة ، فسأله : أسدل هذا ؟ قال : لا ، حتى يرخيه ولا يمسكه .\rوكذلك روى إسحاق بن منصور ، أنه رأى أحمد يصلي سادلا ، وطرفا ثوبه\rبيده ، فإذا قام من الركوع خلى عنهما .\r* * *","part":3,"page":73},{"id":348,"text":"5- باب\rإذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه\rخرج فيه حديثين :\rأحدهما :\rقال :\r359- ثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ، ليس على عاتقه شيء)) .\rهكذا الرواية : ((لا يصلي)) بالياء ، فيكون إخبارا عن الحكم الشرعي ، أو إخبارا يراد به النهي ، كما قيل مثله في قول الله تعالى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [البقرة:233] .\rوالثاني :\rقال :\r360- ثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، سمعته - أو كنت سألته - قال : سمعت أبا هريرة يقول : أشهد أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه)) .\rفي هذه الرواية تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع لهذا من عكرمة ، فزال بذلك ما كان يخشى من تدليسه ، والتصريح بسماع عكرمة له من أبي هريرة .\rوالحديث الأول : نهي لمن صلى في ثوب واحد أن يجرد عاتقيه ، والثاني:أمر لمن صلى في ثوب واحد أن يخالف بين طرفية ويضعهما على عاتقيه .\rوقد اجمع العلماء على استحباب ذلك وأنه الأفضل ، بل كرهوا للمصلي أن يجرد عاتقيه في الصلاة .\rقال النخعي : كان الرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يجد رداء يصلي فيه وضع على عاتقيه عقالا ثم صلى .\rوقال النخعي - أيضا - : كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصلاة .\rخرجهما ابن أبي شيبة في (( كتابه )) .\rوقد سبق قول ابن عمر - وروي عنه مرفوعا - : (( إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبه ؛ فإن الله أحق أن يتزين له )) .\rوفي رواية عنه : (( إذا صلى أحدكم فليتزر وليرتد)) .\rولو صلى مكشوف المنكبين ، فقال أكثر الفقهاء : لا إعادة عليه ، وحكي رواية عن أحمد .\rوقال أبو جعفر محمد بن علي : عليه الإعادة لارتكابه النهي .\rوالمشهور من مذهب أحمد : أنه أن صلى الفريضة كذلك أعاد ، وفي إعادة النفل عنه روايتان .\rوقد قيل : أن الشافعي نص على وجوبه في الصلاة ، وحكى بعض المالكية عن أبي الفرج من أصحابهم : أن ستر جميع الجسد في الصلاة لازم ، وفي صحة هذا نظر .\rونص أحمد على أنه لو ستر احد منكبيه وأعرى الآخر صحت صلاته ؛ لأنه لم يرتكب النهي ، فإن النهي هو إعراء عاتقيه ، ولم يوجد ذلك .\rوقال القاضي أبو يعلي : يجب ستر جميع منكبيه كالعورة . وقال في موضع : يجزئ ستر بعضهما ، ولا يجب سترهما بما لا يصف البشرة ، كالعورة .\rولأصحابنا وجه : أنه يجزئ أن يضع على عاتقيه ولو حبلا أو خيطا وان لم يستره به .\rولهم وجه آخر : أنه كان ذلك يسمى لباسا أجزأه ، وإلا فلا .\rوقد سبق أن من ألصحابه من كان يضع على عاتقيه عقالا ثم يصلي .\rوقال النخعي : تقليد السيف في الصلاة بمنزلة الرداء . وكان سعيد بن جبير\rيفعله . وعن الحسن قال : السيوف أردية الغزاة .\rوروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه صلى بالناس في قوس ليس عليه رداء غيرهما .","part":3,"page":74},{"id":349,"text":"وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا مندل ، عن الأحوص بن حكيم ، عن مكحول ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس في قوس .\rوقال النخعي : كان يكره القوس .\r\rوقال الثوري : القوس والسيف بمنزلة الرداء . وعن الأوزاعي نحوه .\r\r* * *","part":3,"page":75},{"id":350,"text":"6- باب\rإذا كان الثوب ضيقاً\rفيه حديثان :\rأحدهما :\r361- ثنا يحيى بن صالح : ثنا فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، قال : سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد ؟ فَقَالَ : خرجت مَعَ رَسُول الله فِي بعض أسفاره ، فجئت ليلة لبعض أمري فوجدته يصلي ، وعلي ثوب واحد فاشتملت بِهِ وصليت إلى جانبه فلما انصرف قَالَ : (( مَا السرى يَا جابر ؟ )) فأخبرته بحاجتي ، فلما فرغت قال : (( ما هذا الاشتمال الذي رايت ؟ )) قلت : كان ثوب - يعني : ضاق - قال : (( فإن كان واسعا فالتحف به ، وإن كان ضيقا فاتزر به )) .\rقوله : (( ما السرى يا جابر )) يدل على أن هذا السير كان فِي آخر الليل ، وهو السرى، وفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من جابر أنه جاء في ذلك الوقت لحاجة له ، ولذلك قال له ذلك.\rوأما إنكاره عليه الاشتمال بالثوب الواحد ، فقال الخطابي : الاشتمال الذي أنكره أن يدير الثوب على بدنه كله ، لا يخرج منه يده .\rقلت : قد خرج هذا الحديث مسلم وأبو داود وغيرهما بسياق يدل على بطلان هذا التفسير ، من رواية عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن جابر ، فذكر حديثا طويلا ، وفيه : قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة ، فقام يصلي ، وكانت علي بردة ذهبت أخالف بين طرفيها ، فلم يبلغ لي ، وكانت لها ذباذب فنكستها ، ثم خالفت بين طرفيها ، ثم تواقصت عليها لا تسقط ، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ، فجاء جبار بن صخر فقام عن يساره ، فأخذنا بيديه جميعا حتى أقامنا خلفه . قال : وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمقني وأنا لا أشعر ، ثم فطنت به ، فأشار إلي أن أتزر بها فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((يا جابر)) قلت : لبيك\rيا رسول الله ، قال : ((إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه ، وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك)) .\rفهذا السياق يدل على أن بردة جابر كانت ضيقة، لا تتسع للاتزار بها والارتداء ، ولذلك تواقص عليها لئلا تسقط .\rقال الخطابي في (( المعالم )) : معناه : أنه ثنى عنقه ليمسك الثوب به ، كأنه يحكي خلقة الأوقص من الناس - يعني : مائل العنق .\rوقد استدل بهذا الحديث من قال : أن الصلاة بإزار واحد مع إعراء المنكبين صحيحة ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر جابرا أن يتزر ويصلي لما عجز عن ستر عورته ومنكبيه بالبردة التي عليه لضيقها .\rوممن استدل بذلك الشافعي وأصحابه ومن وافقهم .\rوقد روى شرحبيل بن سعد ، عَن جابر ، قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : ((إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ، ثم صل على غير رداء )) .\rخرجه الإمام أحمد ، وشرحبيل هذا مختلف في أمره .\rوأجاب أصحابنا عن ذلك من وجهين :\rأحدهما : ما أجاب به أبو بكر الأثرم : أن ذلك محمول على حالة العجز عن ستر المنكبين ، والنهي عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما .","part":3,"page":76},{"id":351,"text":"وهذا - أيضا- قول إسحاق ، قال : أن أعرى منكبيه في الصلاة من ضرورة فجائز -: نقله عنه حرب .\rوالثاني : أن حديث جابر هذا محمول على صلاة النافلة ، وحديث أبي هريرة محمول على صلاة الفرض ، وهذا جواب أبي بكر عبد العزيز بن جعفر .\rويشهد له : أن في رواية البخاري أن ذلك كان ليلا ؛ وقوله : ((ما السرى يا جابر ؟ )) يدل على أنه كان من أخر الليل ، فيحتمل أن تكون تلك صلاة الليل ، أو صلاة الوتر . والله أعلم .\rوقال حنبل : قيل لأبي عبدالله - يعني : أحمد -: الرجل يكون عليه الثوب اللطيف لا يبلغ أن يعقده ، ترى أن يتزر به ويصلي ؟ قال : لا أرى ذلك مجزئا عنه ، وأن كان الثوب لطيفا صلى قاعدا وعقده من ورائه ، على ما فعل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثوب الواحد .\rوهذه رواية مشكلة جدا ، ولم يروها عن أحمد غير حنبل ، وهو ثقة إلا أنه يهم أحيانا ، وقد اختلف متقدمو الأصحاب فيما تفرد به حنبل عن أحمد : هل تثبت به رواية عنه أم لا ؟\rولكن اعتمد الأصحاب على هذه الرواية ، ثم اختلفوا في معناها : فقال القاضي أبو يعلى ومن اتبعه : من وجد ما يستر به منكبيه أو عورته ولا يكفي إلا أحدهما فإنه يستر عورته ، ويصلي جالسا ؛ لأن الجلوس بدل عن القيام ، ويحصل به ستر العورة ، فيستر بالثوب اللطيف منكبيه حيث لم يكن له بدل .\rوقال طائفة من أصحابنا : إذا كان الثوب يستر منكبيه وعجيزته سترهما ، وصلى قاعدا لحصول ستر المنكبين وستر العورة ، فإن لم يحوهما اتزر به ، وصلى قائما .\rوهؤلاء ، منهم : من اعتبر ستر عجزه خاصة ، فيكون قبله مستترا بالجلوس . وهذا إنما يصح على قولنا : أن العورة الفرجان خاصة ، فأما على المذهب المشهور : أن العورة ما بين السرة والركبة فقد حصل كشف معظم العورة ، وستر ذلك آكد من ستر المنكبين .\rومنهم : من اعتبر ستر جميع عورته مع المنكبين ، فأسقط القيام لذلك ، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى ، وهو اقرب .\rوقياس المذهب : أنه لا يلزمه ذلك في هذه الحال ، بل يخير بينه وبين ستر عورته وحدها وصلاته قائما ، كما يخير العاري بين أن يصلي قاعدا مراعاة لستر بعض عورته بالجلوس وبين أن يصلي قائما مراعاة لركن القيام .\rولأصحابنا وجه آخر : أنه يلزمه أن يستر عورته ويصلي قائما كقول جمهور العلماء ، ورجحه صاحب ((المغني)) ؛ لأن القيام وستر العورة واجبان بالإجماع ، بخلاف ستر المنكبين .\rوعليه يدل : حديث جابر المخرج في هذا الباب ، وحديث سهل بن سعد كما سيأتي - أن شاء الله تعالى -، وإليه أشار أحمد في رواية حنبل بقوله : ((وعقده من ورائه على ما فعل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - )) ، لكن حديث سهل ليس فيه أنهم كانوا يصلون\rجلوسا .\rوقول الأثرم وإسحاق بن راهويه : أنه يفرق في ستر المنكبين بين القادر والعاجز ، فيجب مع القدرة ويسقط عند العجز أشبه الأقاويل في المسألة ، وعليه يدل تبويب البخاري . والله أعلم .\rالحديث الثاني :","part":3,"page":77},{"id":352,"text":"362- حدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن سفيان : ثنا أبو حازم سلمة بن دينار ، عن سهل ، قال : كان رجال يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة\rالصبيان . وقال للنساء : ((لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا)) .\rفي هذا الحديث من الفقه : أن الإزار الضيق يعقد على القفا إذا أمكن ليحصل به ستر بعض المنكبين مع العورة ، ولهذا استدل به الإمام أحمد في رواية حنبل كما سبق .\rوفيه : أن صفوف النساء كانت خلف الرجال .\rوفيه : أن من انكشف من عورته يسير في صلاة لم تبطل صلاته .\rوقد استدل بذلك طائفة من الفقهاء ، وتوقف فيه الإمام أحمد ، وقال : ليس هو بالبين .\rيشير إلى أنه لم يذكر فيه انكشاف العورة حقيقة ، إنما فيه خشية ذلك ؛ وإنما ذكر حديث عمرو بن سلمة الجرمي أنه كان يصلي بقومه في بردة له صغيرة فكان إذا سجد تقلصت عنه فيبدو بعض عورته حتى قالت عجوز من ورائه : ألا تغطون عنا است قارئكم .\rوقد خرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) هذا .\rومذهب أحمد : أنه إذا انكشفت العورة كلها أو كثير منها ، ثم سترها في زمن يسير لم تبطل الصلاة ؛ وكذلك أن انكشفت منها شيء يسير ، وهو ما لا يستفحش في النظر ولو طال زمنه ، وإن كان كثيرا وطالت مدة انكشافه بطلت الصلاة .\rوكذا قال الثوري : لو انكشفت عورته في صلاته لم يعد- ومراده : إذا عاد سترها في الحال.\rومذهب الشافعي: أنه يعيد الصلاة بانكشافها بكل حال،وعن أحمد ما يدل عليه .\rوعن أبي حنيفة وأصحابه : أن انكشف من المغلظة دون قدر الدرهم فلا إعادة ، ومن المخففة أن انكشف دون ربعها فكذلك ، ويعيد فيما زاد على ذلك .\rولا فرق بين العمد والسهو في ذلك عند الأكثرين .\rوقال إسحاق : أن لم يعلم بذلك إلا بعد انقضاء صلاته لم يعد .\rوهو الصحيح عند أصحاب مالك - أيضا .\rوحكي عن طائفة من المالكية : أن من صلى عاريا فإنه يعيد في الوقت ولا يعيده بعده . وقالوا : ليس ستر العورة من فرائض الصلاة كالوضوء ، بل هو سنة .\rوالمنصوص عن مالك : أن الحرة إذا صلت بادية الشعر أو الصدر أو ظهور القدمين أعادت في الوقت خاصة .\r* * *","part":3,"page":78},{"id":353,"text":"7- باب\rالصلاة في الجبة الشامية\rوقال الحسن في ثياب تنسجها المجوس : لم ير بها بأسا .\rوقال معمر : رأيت الزهري يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول.\rوصلى علي - رضي الله عنه - في ثوب غير مقصور .\rالمقصود بهذا الباب : جواز الصلاة في الثياب التي ينسجها الكفار ، وسواء نسجوها في بلادهم وجلبت منها ، أو نسجت في بلاد المسلمين .\rروى أبو إسحاق الفزاري ، عن زائدة ومخلد ، عن هشام ، عن الحسن ، أنه قال في الثياب التي تنسجها المجوس فيؤتى بها قبل أن تغسل : لا بأس بالصلاة فيها .\rوروى سعيد بن منصور : ثنا حماد بن زيد ، عن مطر الوراق ، عن الحسن ، أنه كان لا يرى بأسا أن يصلي في السابري والدستوائي ونحو ذلك قبل أن تغسل .\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن الربيع بن صبيح ، عن الحسن ، قال : لا بأس مما يعمل المجوس من الثياب .\rوعن علي بن صالح ، عن عطاء أبي محمد ، قال : رايت على علي قميصا من هذه الكرابيس ، لبيسا غير غسيل .\rورواه عبدالله بن الإمام أحمد في ((كتاب العلل)) : ثنا أبي : ثنا محمد بن ربيعة : ثنا علي بن صالح : حدثني عطاء أبو محمد قال :رأيت عليا اشترى ثوبا سنبلانيا فلبسه ، ولم يغسله ، وصلى فيه .\rوروى أبو بكر الخلال بإسناده ، عن ابن سيرين ، قال : ذكر عند عمر الثياب اليمانية ، أنها تصبغ بالبول ؟ فقال : نهانا الله عن التعمق والتكلف .\rوروى الإمام أحمد ، عن هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، أن عمر بن الخطاب أراد أن ينهى عن حلل الحبرة ؛ لأنها تصبغ بالبول ، فقال له أبي : ليس ذاك لك ، قد لبسهن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولبسناهن في عهده .\rوروى ابن أبي عاصم في ((كتاب اللباس)) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي - وفيه ضعف - عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، قال : خطب عمر الناس ، فقال : أنه بلغني أن هذه البرود اليمانية التي تلبسونها تصبغ بالبول ؛ بول العجائز العتق ، فلو نهينا الناس عنها ؟ فقام عبد الرحمان بن عوف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتنطلق إلى شيء لبسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فتحرمه؟! إنها تغسل بالماء ، فكف عُمَر عَن ذَلِكَ .\rوقد روي عَن الْحَسَن أنه كَانَ إذا سئل عَن البرود إذا صبغت بالبول ، فهل ترى بلبسها بأسا ؟ حدث بحديث عمر مع أبي بن كعب كما تقدم .\rوقال حنبل : كان أبو عبدالله - يعني : أحمد - يصبغ له يهودي جبة فليبسها ، ولا يحدث فيها حدثا من غسل ولا غيره . فقلت له ، فقال : ولم تسأل عما لا تعلم ؟! لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك .\rقال حنبل : وسئل أبو عبدالله عن يهود يصبغون بالبول ؟ فقال : المسلم والكافر في هذا سواء ، ولا تسال عن هذا ولا تبحث عنه وقال : إذا علمت أنه لا محالة يصبغ من البول وصح عندك فلا تصل فيه حتى تغسله .\rوقال يعقوب بن بختان : سئل أحمد عن الثواب يصبغه اليهودي؟ قال : ويستطيع غير هذا ؟! - كأنه لم ير به بأسا .\rوقال المروذي : سمعت أبا عبدالله يسأل عن الثوب يعمله اليهودي والنصراني ، تصلي فيه ؟ قال : نعم ، القصار يقصر الثياب ، ونحن نصلي فيها .","part":3,"page":79},{"id":354,"text":"وكل هذا يدل على أن ما صنعه الكفار من الثياب فإنه يجوز الصلاة فيه من غير غسل ، ما لم تحقق فيه نجاسة ، ولا يكتفى في ذلك بمجرد القول فيه حتى يصح ، وأنه لا ينبغي البحث عن ذلك والسؤال عنه .\rوحكى ابن المنذر هذا القول عن مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ، فلم يحك عن احد فيه خلافا ، وهو قول الثوري وإسحاق -: نقله عنه حرب . ومن أصحابنا من قال لا نعلم في هذا خلافا . ومنهم من نفى الخلاف فيه في المذهب. ومن الأصحاب من حكى فيه خلافا عن أحمد .\rونقل أبو داود أن أحمد سئل عن الثوب النسيج يصلى فيه قبل أن يغسل ؟ قال : نعم ، إلا أن ينسجه مشرك أو مجوسي .\rوقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : قرأت على أبي عَبْد الله - يعني : أحمد - : ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، قال : كان محمد بن سيرين يختار إذا اخذ الثوب من النساج أن لا يلبسه حتى يغسله . قال أبو عبد الله : إليه اذهب . أو قال : أحب إلي أن لا يصلي فيه حتى يغسله .\rوحمل أبو بكر عبد العزيز بن جعفر هذه الرواية على أن الثوب نسجه مشرك وثني أو مجوسي ، كما رواه أبو داود ، فإن كان كتابيا صلى فيه بغير غسل ، على ما رواه المروذي . قال : وإن صلى فيما نسجه وثني أو مجوسي من غير غسل فلا يتبين لي\rالإعادة ؛ لأن الأصل طهارته .\rوقال ابن أبي موسى : اختلف قول أحمد في الثوب ينسجه يهودي أو نصراني : هل يصلي فيه مسلم قبل أن يغسله أم لا ؟ على روايتين ، فأما الثوب الذي ينسجه مجوسي فلا يصلى فيه حتى يغسل قولا واحدا .\rوهذا كله فيما ينسجه الكفار من الثياب ، ولم يلبسوه ، فأما ما لبسوه من ثيابهم ، فاختلف العلماء في الصلاة فيه قبل غسله :\rفمنهم : من رخص في ذلك . قال الحسن : لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ورواية عن أحمد . قال الثوري : وغسلها أحب إلي .\rومنهم : من كره ذلك ، من غير تحريم ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد .\rوكره أبو حنيفة وأصحابه ما ولي عوراتهم ، كالإزار والسراويل. وقال الشافعي : أنا لذلك أشد كراهة .\rوقالت طائفة : لا يصلى في شيء من ثيابهم حتى يغسل ، وهو قول إسحاق ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول مالك - أيضا - ، وقال : إذا صلى فيه يعيد ما دام في الوقت .\rوفرقت طائفة بين من تباح ذبيحته ومن لا تباح :\rقال أحمد - في رواية حنبل - في الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني : إذا لم يجد غيره غسله وصلى فيه، وثوب المجوسي لا يصلى فيه، فإن غسله وبالغ في غسله فأرجو ؛ هؤلاء لا يجتنبون البول، واليهود والنصارى كأنهم اقرب إلى الطهارة من المجوس .\rوفرقت طائفة بين ما يلي عوراتهم وما لا يلي العورات :\rقال أحمد - في رواية حنبل - : لا بأس بالصلاة في ثوب اليهودي والنصراني ، إلا ما يلي جلده ، فأما إذا كان فوق ثيابه فلا بأس به .\rوقال عَبْد الله بن أحمد : سمعت أبي قال : كل ثوب يلبسه يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كان مثل الإزار والسراويل فلا يعجبني أن يصلى فيه ؛ وذلك أنهم لا يتنزهون من البول .","part":3,"page":80},{"id":355,"text":"ونقل بكر بن محمد ، عن أبيه ، عن أحمد ، فيمن صلى في سراويل يهودي أو نصراني أو مجوسي : أحب إلي أن يعيد صلاته كلها .\rونقل حرب ، عن أحمد ، قال : لا يصلى في شيء من ثياب أهل الكتاب التي تلي جلده : القميص والسراويل وغير ذلك .\rقال ابن أبي موسى : لا تستعمل ثياب المجوسي حتى تغسل ، ولا ما سفل من ثياب أهل الكتاب كالسراويل ، وما لصق بأبدانهم حتى يغسل .\rوالمسألة : ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر ، فالأصل الطهارة ، والظاهر أنه لا يسلم من النجاسة ، وقد يقوى ذلك الظاهر في حق من لا تباح ذبائحه؛ فإن ذبائحهم ميتة ، وما ولي عوراتهم ؛ فإن سلامته من النجاسة بعيد جدا ، خصوصا في حق من يتدين بالنجاسة .\rخرج البخاري في هذا الباب :\r363- حديث : الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن مغيرة بن شعبة ، قال كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال : ((يا مغيرة ، خذ الإداوة)) ، فأخذتها ، فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توارى عني فقضى حاجته وعليه جبة شامية ، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت ، فأخرج يده من أسفلها ، فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة ، ومسح على خفيه ، ثم صلى .\rوقد سبق هذا الحديث في ((كتاب الطهارة)) من وجوه أخر عن المغيرة ، وخرجه في ((كتاب اللباس)) من طريق الشعبي، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه ، وفي حديثه : ((وعليه جبة من صوف)).\rوفيه من الفقه : جواز الصلاة فيما يجلب من بلاد المشركين من ثيابهم . وجواز الصلاة في الصوف ، وجواز الوضوء فيما هو ضيق الكمين وإن لم يتمكن من إخراج يديه منه عند الوضوء ، إذا أخرج يديه من أسفله .\rوخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، من حديث علي بن زيد بن جدعان ، عن أنس ، أن ملك الروم أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - مستقة من سندس ، فلبسها .\rوعلي بن زيد ، مختلف في أمره ، وليس بالحافظ جدا .\rقال الأصمعي : المساتق : فراء طوال الأكمام ، واحدتها : مستقة.\rوالمستقة : بفتح القاف . وتضم - أيضا .\rقال الخطابي:يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس؛ لأن نفس الفرو لا يكون سندسا .\rقلت : بل الظاهر أن غشاء الفرو كان حريرا ، ويدل عليه : ما رواه سالم بن نوح ، عن عمر بن عامر ، عن قتادة ، عن أنس : أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبة سندس ، فلبسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فعجب الناس منها ، ثم أهداها إلى عمر ، فقال : يا رسول الله ، تكرهها وألبسها ؟ قال : ((يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها فتصيب بها مالا)) . وذلك قبل أن ينهى عن الحرير .\rوخرجه البزار وغيره ، وخرجه مسلم مختصرا .\rوهذا - والله أعلم - هو فروج الحرير الذي قال عقبة بن عامر : أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فروج حرير فلبسه ، ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا ، كالكاره له ، ثم قال : ((لا ينبغي هذا للمتقين)).\rوقد خرجه البخاري في موضع آخر .","part":3,"page":81},{"id":356,"text":"وخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قال : لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما قباء من ديباج أهدي له ، ثم أوشك أن نزعه ، ثم أرسل به إلى عمر - وذكر بقية الحديث .\r\r* * *","part":3,"page":82},{"id":357,"text":"8- باب\rكراهية التعري في الصلاة وغيرها\r364- حدثنا مطر بن الفضل : ثنا روح : ثنا زكريا بن إسحاق : ثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابر بن عبدالله يحدث ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره ، فقال له العباس عمه : يا بن أخي ، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة . قال : فحله ، فجعله على منكبيه ، فسقط مغشيا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانا .\rهذا الإسناد مصرح فيه بالسماع من أوله إلى آخره ، وقد قيل : أنه من مراسيل الصحابة ؛ فإن جابرا لم يحضر هذه القصة ، وإنما سمعها من غيره ، إما من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من بعض أكابر أصحابه ، فإن كان سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو متصل .\rوقد اختلفوا في قول الصحابي: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كذا)) ، هل يحمل على الاتصال ، أم لا ؟\rوالتحقيق : أنه أن حكى قصة أدركها بسنه ، ويمكن أن يكون شهدها حملت على الاتصال ، وإن حكى ما لم يدرك زمنه فهو مرسل لذلك. والله أعلم .\rوبناء الكعبة حين نقل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قريش الحجارة لم يدركه جابر ، فإن ذلك كان قبل البعثة بمدة ، وقد قيل : أن عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حينئذ خمس عشرة سنة .\rقال معمر ، عن الزهري : كان ذلك حين بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - الحلم .\rوأما سقوطه مغشيا عليه ، فقيل: من شدة حيائه - صلى الله عليه وسلم - من تعريه ؛ فإنه كان مجبولا على أجمل الأخلاق وأكملها منذ نشأ ، ومن أعظمها شدة الحياء .\rوقيل : بل كان لا مر شاهده وراءه ، أو لنداء سمعه عن التعري .\rوقد خرج البخاري هذا الحديث في (( باب : بنيان الكعبة )) من(( كتاب : بدء الخلق )) من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، وفيه : قال . فخر إلى الأرض ، وطمحت عيناه إلى السماء ، ثم أفاق ، فقال : (( إزاري ، إزاري )) ، فشد عليه إزاره .\rوقد روى الأزرقي في (( كتاب : أخبار مكة )) . ثنا جدي : ثنا مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، قال : جلس رجال من قريش في المسجد الحرام ، فيهم حويطب بن عبد العزى ومخرمة بن نوفل ، فتذاكروا بنيان قريش الكعبة - فذكر حديثا طويلا في ذلك - ، وفيه : فنقلوا الحجارة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي ، ينقل معهم الحجارة على رقبته ، فبينا هو ينقلها إذ انكشف نمرة كانت عليه ، فنودي : يا محمد ، عورتك ، وذلك أول ما نودي -والله أعلم - ، فما رئيت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عورة بعد ذلك ، ولبج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفزع حين نودي ، فأخذ العباس بن عبد المطلب فضمه إليه ، وقال : لو جعلت لنا بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة ، فقال : (( ما أصابني هذا إلا من التعري )) فشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إزاره ، وجعل ينقل معهم - وذكر بقية الحديث .","part":3,"page":83},{"id":358,"text":"وقال - أيضا - : ثنا جدي وإبراهيم بن محمد الشافعي ، قالا : ثنا ابن خالد ، عن ابن خثيم ، قال : كان رسول الله غلاما حيث هدمت الكعبة ، فكان ينقل الحجارة ، فوضع على ظهره إزاره يتقي به فلبج به ، فاخذ العباس فضمه إليه ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : (( إني نهيت أن أتعرى )) .\rيقال : لبج بفلان ، ولبط به ، إذا صرع ، وهو معنى ما في حديث جابر :\r(( فسقط مغشيا عليه )) .\rوروى الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق : ابنا معمر ، عن ابن خثيم ، عن أبي\rالطفيل ، وذكر بناء الكعبة في الجاهلية ، قال : فهدمتها قريش ، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي ، تحملها قريش على رقابها ، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا . فبينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة ، فضاقت عليه النمرة ، فذهب يضع النمرة على عاتقه فترى عورته من صغر النمرة ،، فنودي : يا محمد ، خمر عورتك ، فلم ير عريانا بعد\rذلك .\rوروى ابن سعد بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : أول شئ رأى النبي- صلى الله عليه وسلم - من النبوة أن قيل له : استتر ، وهو غلام ، فما رئيت عورته من يومئذ .\r... ويروى بإسناد أجود منه، عن السماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( نهيت أن امشي عريانا )) ،[قلت : اكتمها الناس مخافة أن يقولوا: مجنون] .\r... وبعض رواته لم يذكر في إسناده : (( العباس )) . وخرج البزار من حديث مسلم الملائي - وفيه ضعف - ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يغتسل من وراء الحجرات ، وما رئي عورته قط .\r... وقال لا نعلم روي من وجه متصل بإسناد أحسن من هذا .\r... وفي (( صحيح مسلم )) عن المسور بن مخرمة ، قال : أقبلت بحجر أحمله ثقيل ، وعلي إزار ، فانحل إزاري ومعي الحجر ، فلم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضع ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : ((ارجع إلى ثوبك فخذه ، ولا تمشوا عراة )) .\r... وفي (( مسند الإمام أحمد )) بإسناد جيد ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء ، أنه مر وصاحب له بأيمن وفتية من قريش قد خلعوا أزرهم ، فجعلوها مخاريق يجتلدون بها وهم عراة، قال : فلما مررنا بهم قالوا : أن هؤلاء لقسيسون ، فدعوهم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، خرج عليهم ، فلما أبصروه تبددوا ، فرجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم - مغضبا حتى دخل ، وكنت أنا وراء الحجرة ، فاسمعه يقول : (( سبحان الله ، لا من الله استحيوا ، ولا من رسوله استتروا )) ، وأم ايمن عنده تقول : أستغفر لهم يا رسول الله ، فبلأي ما أستغفر لهم .\rوقوله :فبلأي : أي بشدة ، ومنه اللأواء ، والمعنى : أنه أستغفر لهم بعد شدة امتناعه من ذَلِكَ .","part":3,"page":84},{"id":359,"text":"... وخرج الأمام أحمد وأبو داود والنسائي وأبن ماجه والترمذي ـ وحسنه ـ من حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قلت : يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي منهن وما نذر ؟ قال : ((أحفظ عورتك إلا من زوجتك ، وما ملكت يمينك )) ، فقال : الرجل يكون مع الرجل ؟ قال : (( أن استطعت أن لا يراها أحد فأفعل )) ، قلت : فالرجل يكون خاليا ؟ قال : (( فالله أحق أن يستحيا منه )) .\r... وقد ذكره البخاري في موضع آخر من (( كتابه )) هذا تعليق مختصر ، فقال : وقال بهز ، عن أبيه ، عن جده .\r... وقد اجمع العلماء على وجوب ستر العورة بين الناس عن أبصار الناظرين ، واختلفوا في وجوب سترها في الخلوة ، على قولين ، هما وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، ويجوز كشفها للحاجة إليه بقدرها بغير خلاف ، وقد سبق في (( كتاب : الغسل )) ذكر بعض ذلك .\r\r* * *","part":3,"page":85},{"id":360,"text":"9- باب\rالصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء\r... خرج فيه حديثين :\r... الحديث الأول\r... 365 ـ حدثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد ، فقال : (( أو كلكم يجد ثوبين ؟ )) ثم سأل رجل عمر ، فقال : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . قال : وأحسبه قال : في تبان ورداء .\r... قد تقدم حديث أبي هريرة هذا من وجه آخر عنه ، وذكرنا أن قوله : (( أو لكلكم ثوبان ؟ )) ، (( أو كلكم يجد ثوبين ؟ )) إشارة إلى أنه لو لم تشرع الصلاة في ثوب واحد لشق على كثير منهم ؛ فإنه كَانَ فقيرا لا يجد ثوبين .\rوفيه إشارة -أيضا- إلى أن الصلاة في الثوب الواحد إنما شرعت لقلة الثياب حينئذ، فلما كثرت الثياب ، ووسع الله على المسلمين ، بفتح البلاد عليهم وانتقال ملك فارس والروم إليهم أمر عمر - رضي الله عنه - حينئذ بالصلاة في ثوبين ثوبين ؛ لزوال المعنى الذي كان لأجله شرعت الصلاة في ثوب واحد .\rوكل ما يلبس على البدن فهو ثوب ، سواء كان شاملا له أو لبعضه ، وسواء كان مخيطا أو غير مخيط ، فالإزار ثوب ، والقميص ثوب ، والقباء ثوب ، والسراويل ثوب ، والتبان ثوب ، فلهذا قال عمر : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ـ والإزار : مَا يشده عَلَى وسطه ، والرداء مَا يلقيه عَلَى منكبيه ـ في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . وشك الراوي : هل قال في تبان\rورداء ؟ .\rوالتبان والرداء : بمنزلة السراويل والرداء .\rفكل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر ـ رضي الله عنه ـ صلاة في ثوبين ثوبين .\rوقد روى الجريري ، عن أبي نظرة ، قال : قال أبي بن كعب : الصلاة في الثوب الواحد سنة ، كما نفعله مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعاب علينا ـ فقال أبن مسعود : إنما كان ذاك إذ كان في الثياب قلة ، فأما إذا وسع الله فالصلاة في الثوبين أزكى .\rخرجه عبد الله أبن الإمام أحمد في (( المسند )) ، وفيه انقطاع .\rوخرجه الدارقطني في (( علله )) من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نظرة ، عن أبي سعيد ، فصار متصلا . وذكر أنه روي عن داود ، عن أبي نظرة ، عن جابر .\rوروى وكيع في (( كتابه )) عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : أختلف عَبْد الله بن مسعود وأبي بن كعب في الصلاة في الثوب الواحد ، فقال أبي : في ثوب ، وقال أبن مسعود : في ثوبين ، فبلغ ذلك عمر ، فقال : القول ما قال أبي ، وإن لم يأل أبن مسعود عن الخير .\rوهذا منقطع أيضا .","part":3,"page":86},{"id":361,"text":"وروى أبن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سعيد ، قال : قال :\r[ .. .. ] كنا نصلي في ثوب واحد ، حتى جاء الله بالثياب ، فقال : صلوا في ثوبين ، فقال أبي بن كعب : ليس هذا في شئ ، قد كنا نصلي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الثوب الواحد ، ولنا ثوبان ، قيل لعمر بن الخطاب : ألا تقضي بين هذين ـ وَهُوَ جالس ـ ؟ قل أنا مع أبي .\r... وظاهر كلام أبي بن كعب أن الصلاة في ثوب واحد أفضل ، وكذلك كان يفعله جابر بن عبد الله وغيره .\r... ويحتمل : أنهم أرادوا بذلك بيان الجواز لئلا يتوهم متوهم أنه لا تجوز الصلاة في ثوب واحد ،ويدل على هذا الاحتمال : أن عمر قد صح عنه الأمر بالصلاة في ثوبين - كما خرجه عنة البخاري - فعلم أنه أراد تارة بيان الجائز ، وتارة بيان الأفضل .\r... وأكثر العلماء على استحباب الصلاة في ثوبين ، وقد تقدم عن ابن عمر وغيره ، وهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : مالك،والثوري ، والشافعي ،واحمد .\rويتأكد استحبابه عند مالك وأحمد في حق الإمام أكثر من غيره ، وظاهر كلام أحمد : كراهته للإمام دون المنفرد ، وكره مالك ذلك لأئمة المساجد إلا من يؤم في سفر أو في بيته ، فإن ذلك من زينة الصلاة المأمور بها ، والإمام هو المنظور إليه ، فيتأكد استحباب الزينة في حقه .\r... ويدل على هذا : أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثوب الواحد ، إنما كان تارة في بيته كما في حديث عمر بن أبي سلمة ، وتارة في السفر كما في حديث جابر .\r... وقد روي عن طائفة من السلف تفضيل بعض أنواع الثوبين على بعض : فقال أبو مالك : الصلاة في الإزار والقباء أحب إلي من الصلاة في القميص والإزار.\r... وعن النخعي ، قال : الصلاة في التبان والرداء أحب إلي من الصلاة في القميص والرداء .\r... والظاهر: أنه فضل التبان والسراويل على الإزار ؛ لأنه يواري العورة عن الأرض، فقد روي عنه : أنه كره أن يفضي بفرجه إلى الأرض في الصلاة .\r... وأما أن يصلي في ثوب واحد ، فقال الشافعي وأصحابنا : أفضل ذلك القميص ، ثم الرداء ، ثم الإزار ، ثم السراويل .\r... ومن أصحاب الشافعي من قال : السراويل أولى من الإزار ؛ لأنه أستر ، وهذا مقتضى كلام النخعي كما سبق .\r... واستدل من رجح الإزار: بأنه يتجافى عنه ولا يصف الأعضاء بخلاف السراويل .\r... وسئل الإمام أحمد : السراويل أحب إليك أم الميازر ؟ فقال : السراويل محدث لكنه استر . وقال : أيضا - الأزر كانت لباس القوم ، والسراويل أستر .\r... قال : والحديث : ((من لم يجد الإزار فليلبس السراويل)) ، وهذا دليل أن القوم قد لبسوا السراويلات .\r... وقد سبق حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص ، وانه يزره ولو بشوكة .\r... وفي ((سنن أبي داود)) عن جابر ، أنه أم في قميص ليس عليه رداء ، فلما انصرف قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في قميص .","part":3,"page":87},{"id":362,"text":"... وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا إسرائيل ، عن عبد الأعلى: ثنا شيخ ، قال : أمنا الحسن - أو الحسين - بن علي - رضي الله عنهم - في قميص خفيف ، ليس عليه إزار ولا رداء ، فلما صلى قال : هذه السنة - أو من السنة - ، وإنما فعلته لتنظروا أن عندنا الثياب .\r... وإذا صلى في قميص فإنه ينبغي أن يزره ، وقد تقدم قول من كره الصلاة في قميص غير مزرور استدلالا بحديث سلمة بن الأكوع ، فإن لم يزر القميص فإن كان تحته إزار أو سراويل صحت صلاته لاستتار عورته .\r... وقد روي ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يصلي إلا وهو متزر، وربما اتزر تحت قميصه وفوقه في السفر .\rوإن لم يكن عليه إزار ولا سراويل ، فإن كان له لحيه كبيرة تستر جيبه بحيث لا يرى منه عورته صحت صلاته -: نص عليه أحمد في رواية الأثرم ، وهو قول داود\rالطائي ، وأصح الوجهين للشافعية.\r... وإن لم يكن كذلك ، بل كان يرى عورة نفسه من جيبه لم تصح صلاته ، عند الشافعي وأحمد ، وتصح عند مالك وأبي حنيفة وأبي ثور ، كما لو رئيت عورته من أسفل ذيله .\r... وقد رخص في الصلاة في قميص غير مزرر : سالم بن عبد الله بن عمر وغيره من السلف .\r... وقال مالك : هو استر من الذي يصلي متوشحا بثوب .\r... وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد عمن صلى ولم يزر عليه ، ولم يحتزم؟ فقال: جائز ، فقلت له : أنه لو نظر إلى فرجه رآه ، فقال : لا يمكن أن يرى ذاك .\rوقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي -: يزر عليه ، فإن لم يفعل وكان إذا ركع لا يستتر فرجه عن النظر أعاد الصلاة .\r... وقال أبو خيثمة : نأمره أن يزر عليه ، ولا أرى عليه إعادة ؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال للنساء : ((لا ترفعن رءوسكن قبل الرجال)) من ضيق الأزر ، وحديث عمرو بن سلمة : ((غطوا عنا أست قارئكم)) .\r... قال الجوزاني : والقول في ذلك على ما قاله أبو خيثمة لما احتج به ، ثم قال : ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود : ثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((يا معشر النساء ، إذا سجد الرجال فاخفضن أبصاركن ، لا ترين عورات الرجال)) من ضيق الأزر .\r... وروى الطبراني بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي محتبيا ، محلل الأزرار .\r... الحديث الثاني :\r... 366- حدثنا عاصم بن علي : ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قال : سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما يلبس المحرم ؟ فقال : ((لا يلبس القميص ، ولا السراويل ، ولا البرنس ، ولا ثوبا مسه زعفران أو ورس ، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين )) .\r... وعن نافع ، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .\r... القائل : ((عن نافع)) هو ابن أبي ذئب ، وقد سبق الحديث عنه بالوجهين - أيضا - في آخر ((كتاب العلم)) .","part":3,"page":88},{"id":363,"text":"... والمقصود من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أنه يدل على أن لبس ما ذكر فيه من اللباس كان متعارفا بينهم ، وقد عده النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهى المحرم عن لبسه ، ففيه إقرار لغير المحرم على لباسه، وقد سبق من كلام الإمام أحمد : استدلاله به على لباس السراويل .\r... وإذا أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته على لبس هذه الثياب في غير الإحرام ، فهو إقرار لهم على الصلاة فيها ، ولو كان ينهى عن الصلاة في شيء منها ليبين لهم ذلك .\r... وقد ورد النهي عن الصلاة في السراويل في حديث رواه الحسين بن وردان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي في السراويل .\r... خرجه الطبراني والعقيلي ، وقال : لا يتابع حسين عليه ، ولا يعرف إلا به .\r... ولو صح لحمل على الاقتصار على السراويل في الصلاة مع تجريد المنكبين ، يدل على ذلك : ما رواه أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي ، عن عبد عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلى في لحاف لا يتوشح به ، والآخر أن تصلي في سراويل ليس عليك رداء .\r... خرجه أبو داود .\r... وخرجه الطبراني والعقيلي ، ولفضه : نهى أن يصلي الرجل في السراويل الواحد ، ليس عليه شيء غيره .\r... وخرجه ابن عدي ، ولفظه : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ملبسين : أحدهما : المصلي في ثوب واحد لا يتوشح به ، وأما الأخر : أن يصلي في سراويل ليس عليه رداء .\r... وأبو المنيب ، وثقه ابن معين وغيره . وقال البخاري : عنده مناكير ، وقال ابن عدي : عندي أنه لا بأس به . وقال العقيلي في هذا الحديث -: لا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به .\r... وقد روى عن عمر ، أنه كتب إلى بعض جنوده : إذا رجعتم من غزاتكم هذه فألقوا السراويل والأقبية ، والبسوا الأزر والأردية .\r... وهو محمول على أن لباس العرب المعهود بينهم أفضل من لباس العجم ، فخشي على من رجع من بلاد العجم أن يستمروا على لباس العجم ، فربما هجر لباس العرب بالكلية . ولهذا روي عنه أنه قال : إياكم وزي الأعاجم ، ويدل على هذا : أنه قد رخص في الصلاة في السراويل والأقبية ، كما خرجه البخاري عنه .\r\r* * *","part":3,"page":89},{"id":364,"text":"10- باب\rما يستر من العورة\r... خرج فيه ثلاثة أحاديث :\r... الحديث الأول :\r... 367- من رواية : الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اشتمال الصماء ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء .\r... الحديث الثاني :\r... 368- من رواية : أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين : عن اللماس والنباذ ، وان يشتمل الصماء ، وان يحتبي الرجل في ثوب واحد .\r... قد تضمن الحديثان - معا - النهي عن لبستين ، وسواء في ذلك حال الصلاة وغيرها .\rوقد روى سفيان الثوري ، عن أبي الزناد - حديث أبي هريرة ، وقال فيه : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبستين في الصلاة - وذكر الحديث - إحداهما : اشتمال الصماء ، ولم يذكر تفسيرها .\r... وقد خرجه في ((كتاب : اللباس)) من رواية الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبي سعيد بسياق مطول ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبستين : اشتمال الصماء ، والصماء : أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه ، فيبدو احد شقيه ليس عليه ثوب . واللبسة الأخرى : احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء .\r... وهذا التفسير ، الظاهر أنه من قول الزهري أدرج في الحديث .\r... وعند الزهري فيه إسناد آخر : رواه عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد ، وقد خرجه البخاري في موضع آخر ، وذكر جماعة ممن رواه عن الزهري كذلك .\r... وخرج - أيضا - في ((اللباس)) من رواية مالك ، عن أبي الزناد، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبستين : أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء وإن يشتمل بالثوب الواحد ليس على احد شقيه .\r... وقد روى حديث أبي سعيد : جعفر بن برقان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبستين : الصماء ، وهو أن يلتحف الرجل في الثوب الواحد ، ثم يرفع جانبه على منكبه ليس عليه ثوب غيره ، أو يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس بينه وبين السماء شيء - يعني : سترا .\r... خرجه النسائي .\r... وهذا لم يسمعه جعفر من الزهري ، بل بلغه عنه ، وقد أنكره عليه جماعة من الأئمة ، وقالوا : رواياته عن الزهري ضعيفة جدا .\r... وهذا قول رابع عن الزهري في إسناده ، إلا أنه لا يصح .\r... وروي تفسيره - أيضا - من حديث أبي هريرة :\r... خرجه أبو داود وغيره من رواية أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : نهى\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبستين : أن يحتبي الرجل مفضيا بفرجه إلى السماء ، ويلبس ثوبه واحد جانبيه خارج ، ويلقي ثوبه على عاتقه .\r... وخرجه النسائي من وجه آخر عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يلبس الرجل الثوب الواحد فيشتمل به ويطرح جانبيه على منكبيه ، أو يحتبي بالثوب الواحد .","part":3,"page":90},{"id":365,"text":"... ويروى من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، قال : وان يشتمل الصماء على احد شقيه .\r... ويروى من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشتمل بالثوب ، ثم يرفعه على منكبه .\r... وخرجه البخاري مختصرا ، إلا أنه قال : ((نهي)) ولم يصرح برفعه .\r... وروى معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه نهى أن يشتمل في إزاره إذا ما صلى ، إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه .\r... وخرج النسائي من حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه نهى أن يلبس ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه فيضعه على منكبه ، فتلك تدعى الصماء .\r... وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج : اخبرني عمرو بن دينار ، عن عطاء ابن مينا، أنه سمعه يحدث عن أبي هريرة ، قال : نهى عن لبستين وبيعتين - فذكر الحديث - ، قال : وأما اللبسة الأخرى فإن يلقي داخلة إزاره وخارجته على أحد عاتقيه ، ويبرز صفحة شقه .\r... قال : ابن جريج : قلت لعمرو : أن جمع بين طرفي الثوب على شقه الأيمن ؟ قال : ما رأيتهم إلا يكرهون ذلك .\r... فحاصل ما دلت عليه الأحاديث في لبسه الصماء : هو أن يلببس ثوبا واحدا - وهو الرداء - فيشتمل به على بدنه من غير إزار ، ثم يضع طرفيه على احد منكبيه ، ويبقى منكبه الآخر وشقه مكشوفا ، فتبدو عورته منه ، وبذلك فسر الصماء أكثر\rالعلماء ، ومنهم : سفيان الثوري ، وابن وهب ، وأحمد ، وأبو عبيد ، وأكثر العلماء .\r... قال الأمام أحمد : هو الاضطباع بالثوب إذا لم يكن عليه غيره .\r... وإنما سن الاضطباع للمحرم لأن عليه إزارا . فلو كان على المصلي إزار وقميص جاز له الاضطباع بردائه في ظاهر مذهب الإمام أحمد ، وروي عنه أنه يكره ذلك ، وإن كان عليه غيره .\r... وقال ابن وهب : وقد كان مالك أجازها على ثوب ، ثم كرهها .\r... ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : اشتمال الصماء : أن يلتحف بثوب ، ثم يخرج إحدى يديه من تحت صدره .\r... قال أبو عبيد : قال الأصمعي : اشتمال الصماء عند العرب : أن يشمل الرجل بثوبه ، فيجلل به جسده كله ، ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده ، وربما اضطبع فيه على تلك الحال .\r... قال أبو عبيد : كأنه ذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه، وأن يتقيه بيده فلا يقدر على ذلك .\r... قال : وأما تفسير الفقهاء ؛ فإنهم يقولون : هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ، ثم يرفعه من احد جانبيه ، فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه .\r... قال أبو عبيد : والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا ، وذلك اصح معنى في الكلام . انتهى .\r... وجعل الخطابي : اشتمال الصماء : أن يشتمل بثوب يجلل به بدنه، ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر .\r... فإن لم يرفعه على عاتقه فهو اشتمال اليهود الذي جاء النهي عنه في حديث ابن عمر ، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشتمل بالثوب ويخالف بين طرفيه ، فهو مخالف لهما جميعا .","part":3,"page":91},{"id":366,"text":"... وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغة حسن\rجدا ؛ فإن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ يتكلم بكلام من كلام العرب يستعمله فِي معنى هُوَ أخص من استعمال العرب ، أو أعم مِنْهُ ، ويتلقى ذَلِكَ عَنْهُ حملة شريعته من الصَّحَابَة ، ثُمَّ يتلقاه عنهم التابعون ، ويتلقاه عنهم أئمة العلماء ، فلا يجوز تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إلا بما قاله هؤلاء أئمة العلماء الذين تلقوا العلم عمن قبلهم ، ولا يجوز الإعراض عن ذلك والاعتماد على تفسير من يفسر ذلك اللفظ بمجرد ما يفهمه من لغة العرب ؛ وهذا أمر مهم جدا ، ومن أهمله وقع في تحريف كثير من نصوص السنة ، وحملها على غير محاملها . والله الموفق .\r... ولو صلى وهو مشتمل الصماء، ولم تبد عورته لم تبطل صلاته عند أكثر العلماء، ومنهم من قال ببطلانها ، وهو وجه لأصحابنا .\r... واللبسة الثانية : أن يحتبي بثوب ليس عليه غيره .\r... الاحتباء : استفعال من الحبوة - بضم الحاء وكسرها -، والحبوة : أن يقعد على إليتيه ، وينصب ساقيه ، ويحتوي عليهما بثوب ، أو نحوه ، أو بيده .\r... وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتبي في جلوسه بيده ، وقد خرج ذلك البخاري في ((الأدب)) .\r... وورد في ((سنن أبي داود)) أن جلوس النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كذلك .\r... وهذه الهيئة أخشع هيئات الجلوس ؛ وقد سبق ذكر ذَلِكَ فِي ((كِتَاب : العلم)) فِي (( الجلوس عِنْدَ العالم )) .\r... وإنما نهى عن الاحتباء بثوب واحد ، فإذا كان على الرجل ثوب واحد فاحتبى به كذلك بدت عورته ، وهذا منهي عنه في الصلاة وغيرها ، فإن كان في الصلاة كان مبطلا لها على ما سبق ذكره في كشف العورة في الصلاة ، وإن كان في غيرها وكان بين الناس فهو محرم ، وإن كان في خلوة انبنى على جواز كشف العورة في الخلوة، وفيه خلاف سبق ذكره .\r... وإن فعل ذلك وعليه سراويل أو قميص لم يحرم ؛ فإن النهي عن الاحتباء ورد مقيدا في ثوب واحد ، وورد معللا بكشف العورة .\r... ففي رواية البخاري - أيضا - من حديث أبي هريرة : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحتبي بالثوب الواحد ، ليس على فرجه منه شيء بينه وبين السماء .\r... وفي ((صحيح مسلم)) عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يشتمل الصماء ، وان يحتبي في ثوب واحد ، كاشفا عن فرجه .\r... قال عمرو بن دينار : إنهم يرون أنه إذا خمر فرجه فلا بأس - يعني : بالاحتباء .\r... ومن أصحابنا من قال : حكي عن أحمد المنع من هذا الاحتباء مطلقا ، وإن كان عليه ثوب غيره . وهذا بعيد .\r... وأما الملامسة والمنابذة ، فأتي ذكرها في موضعها من ((البيوع)) - إن شاء الله تعالى .","part":3,"page":92},{"id":367,"text":"... ومقصود البخاري بهذه الأحاديث : أن كشف الفرج منهي عنه ، وإن ستره مأمور به ، وهذا يقوي ما يميل إليه ، وهو : أن العورة الفرجان خاصة ؛ لكن النهي عَن اشتمال الصماء ليس فِيهِ تصريح بالتعليل بكشف الفرج خاصة ، فإنه ينكشف بلباس الصماء جانب الرجل كله ، فيدخل فيه : الورك والفخذ - أيضا - والله أعلم .\r... الحديث الثالث :\r... 369- خرجه من رواية : ابن أخي ابن شهاب ، عن عمه ، قال : أخبرني حميد بن عبد الرحمان بن عوف ، عن أبي هريرة ، قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر ، نؤذن بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .\r... قال حميد بن عبد الرحمان ، ثم أردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا ، فأمره أن يؤذن بـ\r((براءةً)) .\r... قال أبو هريرة : فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر : لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .\r... ليس في حديث أبي هريرة هذا تصريح برفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد روي عنه من وجه آخر بنحو هذا السياق - أيضا - ، وروي الحديث - أيضا - من حديث علي بن أبي طالب بلفظ يدل على رفعه.\r... خرجه الإمام أحمد والترمذي .\r... وقد روي حديث علي مرفوعا صريحا ؛ وروي - أيضا - مرفوعا من حديث ابن عباس بإسناد فيه ضعف .\r... وبكل حال ؛ فإنما نودي بذلك بمنى يوم النحر فِي حجة الصديق - رضي الله عنه - بأمر\rرسول الله بذلك ، هذا أمر لا يرتاب فيه وإن لم يصرح بذلك في كثير من الروايات .\r... وقد كانت عادة أهل الجاهلية الطواف بالبيت عراة ، فأبطل الله ذلك ونهى عنه .\r... وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس ، قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانه ، وتقول :\rفما بدا منه فلا أحله\r... ... اليوم يبدو بعضه أو كله\r\rقال : فنزلت : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف:31] .\rفإن كان البخاري خرج هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن سبب النهي عن التعري في الطواف كان كشف فروجهم ، فنهوا عن ذلك خاصة ، ففيه نظر ؛ لأن ابن عباس إنما حكى هذا عن طواف النساء، والمرأة كلها عورة بالنسبة إلى الصلاة سوى وجهها ، وفي كفيها خلاف سبق ذكره .\r* * *","part":3,"page":93},{"id":368,"text":"11- باب\rالصلاة بغير رداء\r370- حدثنا عبد العزيز بن عبد الله : حدثني ابن أبي الموالي ، عن محمد بن المنكدر ، قال : دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحف به ، ورداؤه موضوع ، فلما انصرف قلنا : يا أبا عبد الله ، تصلي ورداؤك موضوع ؟ قال : نعم ، أحببت أن يراني الجهال مثلكم ؛ رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي كذا .\rوقد سبق هذا الحديث بلفظ آخر .\rوهذه الرواية تبين أن جابرا التحف بالثوب فصار له إزارا ورداء ، وهذا يرجع إلى الصلاة في ثوب واحد ، كما سبق ، ولكن مع ستر المنكب .\rوقد اجمع العلماء على صحة صلاة من صلى في ثوب واحد وستر منكبيه .\rقال ابن المنذر : لا أعلم أحدا أوجب على من صلى في ثوب واحد الإعادة .\rوحكى الخطابي عن بعض العلماء أنه كان لا يجيز شهادة من صلى بغير رداء .\rوالظاهر : أنه إنما رد شهادته إذا أعرى منكبيه في الصلاة .\rفأما من صلى في ثوب واحد مشتملا به ، وعطف طرفيه على منكبيه فلا كراهة في فعله ، ولا يرد شهادته بذلك أحد . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":94},{"id":369,"text":"12- باب\rما يذكر في الفخذ\rقال أبو عبد الله :\rويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم -: ((الفخذ عورة)) .\rوقال أنس : حسر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فخذه .\rوحديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط ، حتى يخرج من اختلافهم .\rوقال أبو موسى : غطى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركبتيه حين دخل عثمان .\rوقال زيد بن ثابت : أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي ، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي .\rأشار البخاري - رحمه الله - في هذا الباب إلى اختلاف العلماء في أن الفخذ : هل هي عورة ، أم ليست بعورة ؟ وأشار إلى أطراف كثير من الأحاديث التي يستدل بها على وجوب ستر الفخذ ، وعدم وجوبه ، ذكر ذلك تعليقا ، ولم يسند غير حديث أنس المستدل به على أن الفخذ لا يجب سترها وليست عورة ، وذكر أنه أسند من حديث جرهد - يعني : أصح إسنادا - ؛ وان حديث جرهد أحوط ؛ لما في الأخذ به من الخروج من اختلاف العلماء .\rفأما الأحاديث التي علقها في أن الفخذ عورة ، فثلاثة : حديث ابن عباس ، وجرهد ، ومحمد بن جحش .\rفحديث ابن عباس : من رواية أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على رجل وفخذه خارجة ، فقال: (( غط فخذك ؛ فإن فخذ الرَّجُلُ من عورته )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوخرجه الترمذي - مختصرا - ، ولفظه : ((الفخذ عورة)) ، وقال : حديث\rحسن . انتهى .\rوأبو يحيى القتات ، اسمه : عبد الرحمان بن دينار ، ضعفه أحمد ويحيى والأكثرون .\rوقد قيل : أن حبيب بن أبي ثابت تابعه على هذا الحديث ، ولا يصح ذلك .\rوحديث جرهد : من رواية مالك ، عن أبي النضر ، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد ، عن أبيه ، قال : كان جرهد من أصحاب الصفة ، قال : جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا وفخذي منكشفة ، فقال : ((أما علمت أن الفخذ عورة ؟)) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rوكذا خرجه مالك في ((الموطإ)) ، ورواه بعضهم ، عن مالك ، فقال : عن أبي النضر ، عن زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد ، عن أبيه ، عن جده .\rوخرجه الترمذي من طريق ابن عيينة ، عن أبي النضر ، عن زرعة بن مسلم بن جرهد ، عن جده جرهد ، قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه ، فقال : (( إن الفخذ عورة )) .\rوقال هذا حديث حسن ، وما أرى إسناده بمتصل - يشير إلى أن زرعة لم يسمع من جده .\rوقول ابن عيينة : زرعة بن مسلم بن جرهد وهم منه -: قال البخاري في ((تاريخه)) ، وإنما هو : زرعة بن عبد الرحمان ، وهو ثقة ؛ وثقه النسائي وغيره .\rوخرجه الترمذي - أيضا - من رواية معمر ، عن أبي الزناد ، قال : أخبرني ابن جرهد ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر به وهو كاشف عن فخذه ، فقال له : ((غط فخذك ؛ فإنها من العورة)) .\rوقال : حديث حسن .\rوفي إسناده اختلاف كثير على أبي الزناد ، قد ذكره الدارقطني .","part":3,"page":95},{"id":370,"text":"واختلف عليه في تسمية شيخه : فقيل : هو زرعة بن عبد الرحمان بن جرهد . وقيل : زرعة بن جرهد . وقيل : عبد الرحمان بن جرهد . وقيل : جرهد بن جرهد .\rوخرجه الترمذي - أيضا - من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عبد الله بن جرهد ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((الفخذ عورة)) .\rوقال : حسن غريب . انتهى .\rوابن عقيل ، مختلف في أمره ، والأسانيد قبله لا تخلو من انقطاع .\rوحديث محمد بن جحش : من رواية العلا بن عبد الرحمان ، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش ، عن محمد بن جحش - ختن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه مر بمعمر وهو بفناء المسجد ، محتبيا كاشفا عن طرف فخذه ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (( خمر فخذك يا معمر ؛ فإن الفخذ عورة )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوأبو كثير هذا ، لا يعرف إلا في هذا الإسناد .\rوفي الباب - أيضا - : عن علي ، من طريق ابن جريج ، عن حبيب بن ثابت ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تكشف فخذك ، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت )) .\rخرجه أبو داود وابن ماجه.\rوقال أبو داود : فيه نكارة .\rوله علتان :\rإحداهما : أن ابن جريج لم يسمعه من حبيب ، ومن قال فيه : ((عن ابن جريج : أخبرني حبيب )) فقد وهم - : قال بن المديني .\rوفي رواية أبي داود (( عن ابن جريج ، قال : أخبرت عن حبيب ))، وهو الصحيح.\rقال ابن المديني : رايته في كتب ابن جريج : اخبرني إسماعيل بن مسلم ، عن حبيب - : نقله عنه يعقوب بن شيبة .\rونقل ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه ، قال : لم يسمع ابن جريج هذا الحديث من حبيب ، إنما من حديث عمرو بن خالد الواسطي ، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان ، عن عمرو بن خالد ، عن حبيب .\rالعلة الثانية : أن حبيب بن أبي ثابت لم تثبت له رواية عن عاصم بالسماع منه -: قاله أبو حاتم الرازي والدارقطني .\rوقال ابن المديني : لا تصح عندي روايته عنه .\rوأما أحاديث الرخصة : فحديث أنس في حسر الإزار ، قد أسنده في هذا الباب .\rوحديث أبي موسى ، قد خرجه البخاري في (( المناقب )) من (( كتابه)) هذا ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قاعدا في مكان فيه ماء ، قد انكشف عن ركبتيه - أو\rركبته -، فلما دخل عثمان غطاها .\rوهذا إنما فيه أن الركبة ليست عورة ، وليس فيه ذكر الفخذ .\rوخرجه -أيضا- من وجه آخر ، عن أبي موسى ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بئر أريس ، وجلس على القف، وكشف عن ساقيه ، ودلاهما في البئر .\rوهذا لا دلالة فيه بحال .\rوقد خرجه الطبراني من حديث الدراوردي ، عن شريك بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دلى رجليه في البئر ، وكشف عن فخذيه ، وذكر أن أبا بكر وعمر وعثمان جلسوا معه ، وفعلوا كفعله ، وكشفوا عن أفخاذهم .","part":3,"page":96},{"id":371,"text":"وهذا الإسناد وهم ، إنما رواه شريك ، عن ابن المسيب ، عن ابن موسى باللفظ الذكور قبله ، كذلك هو مخرج في ( الصحيحين ) من رواية شريك .\rوحديث زيد ابن ثابت : قد خرجه البخاري في (( التفسير )) بتمامه ، وفيه دليل على أنه يجوز مس فخذ غيره من وراء حائل ، ولو كان عورة لم يجز مسه من وراء حائل ولا غيره كالفرجين ، وقد خرج أبو داود حديث زيد بن ثابت من طريق آخر ، بسياق مخالف لسياق البخاري ، وفيه : أن زيد قال : كنت أكتب إلى جنب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فغشيته السكينة ، فوقعت فخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فخذي ، فما وجدت ثقل شئ أثقل من فخذ رسول الله ـ وذكر الحديث .\rوهذه الرواية تدل على أن ذلك لم يكن عن اختيار من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما كان في حال غشيه عند نزول الوحي عليه .\rوقد خرج البخاري في هذا الباب .\r371 ـ من حديث : عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا خيبر ، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس ، فركب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، وركب أبو طلحة ، وأنا رديف أبي طلحة ، فأجرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زقاق خيبر ، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم حسر الإزار عن فخذه ، حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ـ\rوذكر بقية الحديث في فتح خيبر ، وقصة صفية ، وعتقها ، وتزويجها ، والدخول عليها ووليمتها ، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه ـ إن شاء الله تعالى .\rومراد البخاري بهذا : الاستدلال به على أن الفخذ ليست عورة ، وذلك من وجهين :\rأحدهما : أن ركبة أنس مست فخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ينكر ذلك ، وهذا يدل على أن الفخذ لا ينكر مسها ، ولو كانت عورة لم يجز ذلك.\rوالثاني : حسر الإزار عن فخذ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نظر أنس إلى بياض فخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسواء كان ذلك عن قصد من النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعمد له ـ عَلَى رِوَايَة من رواه : (( حسر الإزار )) ، -بنصب الراء- ، أو كَانَ من شدة الجري عَن غير وتعمد - عَلَى رِوَايَة من رواه : (( حُسِر الإزار )) ، بضم الراء - فإن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - استدام ذَلِكَ ، ولم يرد الإزار\rعليه ؛ فإنه لو فعل لنقله أنس .\rوأيضا ، فقد تقدم حديث جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعد ما شد عليه إزاره حين كان ينقل حجارة الكعبة لم تر له عورة بعدها .\rوروي عن عائشة ، أنها قالت : ما رأيت منه ذلك - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد خرجه الإمام أحمد .\rولو كان الفخذ عورة لصان الله نبيه عن أن يطلع عليه أحد .\rوفي ((صحيح مسلم )) عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه -أو ساقيه -، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ، فتحدث ، ثم استأذن عمر -وذكرت الحديث .","part":3,"page":97},{"id":372,"text":"وهذه الرواية ليس فيها جزم بكشف الفخذ ، بل وقع التردد من الراوي : هل كشف فخذيه أو ساقيه ؟ فلا يستدل بذلك .\rووقع الحديث في (( مسند الإمام أحمد )) وغيره ، وفيه : (( أنه كان كاشفا عن فخذه )) ، من غير شك ، وفي ألفاظ الحديث اضطراب .\rواختلف العلماء في الفخذ : هل هي عورة ، أم لا ؟\rفقال أكثرهم : هي عورة ، روي ذلك عن عطاء ، وهو قول مالك ، والثوري ، وأبي حنيفة ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد في المشهور عنه .\rوقالت طائفة : ليست الفخذ عورة ، وهو قول ابن أبي ذئب ، وداود ، وابن جرير والطبري ، وأبي سعيد الإصطخري من الشافعية ، وحكاه بعضهم رواية عن مالك ، وهو رواية عن أحمد رجحها طائفة من متأخري أصحابه ، وحكاه بعضهم عن عطاء ، وفي صحته نظر .\rوحكي عن طائفة : أن الفخذ في المساجد عورة ، وفي الحمام ونحوه مما جرت العادة بكشفها فيه ليست عورة ، وحكي عن عطاء والأوزاعي ، ورجحه ابن قتيبة\rوهذا كله في حكم النظر إليها .\rفأما الصلاة : فمن متأخري أصحابنا من أنكر أن يكون في صحة الصلاة مع كشفها عن أحمد خلاف ، قال : لأن أحمد لا يصحح الصلاة مع كشف المنكبين ، فالفخذ أولى .\rقال : ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف ؛ فإن الصلاة مأمور فيها بأخذ الزينة ، فلا يكتفى فيها بستر العورة .\rوالمنصوص عن أحمد يخالف هذا :\rقال مهنا : سألت أحمد عن رجل صلى في ثوب ليس بصفيق ؟ قال : أن بدت عورته يعيد ، وإن كان الفخذ فلا . قلت لأحمد : وما العورة ؟ قالَ : الفرج والدبر .\r\rوقد حكى المهلب بن أبي صفرة المالكي في (( شرح البخاري )) : الإجماع على أن من صلى مكشوف الفخذ لا يعيد صلاته . وهو خطأ .\r\r* * *","part":3,"page":98},{"id":373,"text":"13 ـ باب\rفي كم تصلي المرأة من الثياب\rوقال عكرمة : لو وارت جسدها في ثوب جاز .\rيريد عكرمة : أن الواجب عليها في الصلاة ستر جميع جسدها ، فلو وارته كله بثوب واحد جاز ، ومراده بجسدها : بدنها ورأسها ، فلهذا قال كثير من الصحابة ، ومن بعدهم : تصلي المرأة في درع وخمار ـ إشارة منهم : إلى أنه يجب عليها ستر رأسها وجسدها .\rفإن سترت جسدها بثوب ورأسها بثوب جاز ، ولم تكره صلاتها ، وهو أدنى الكمال في لباسها ، وإن التحفت بثوب واحد خمرت به رأسها وجسدها صحت\rصلاتها ، لكنه خلاف الأولى .\rقال رباح بن أبي معروف: كان عطاء لا يرى أن تصلي المرأة في الثوب الواحد، إلا من ضرورة .\rوروى عمر بن ذر ، عن عطاء في المرأة لا يكون له إلا الثوب الواحد ، قال : تتزر به .\rومعنى : (( تتزر به )) : تلتحف به ، وتشتمل على رأسها وبدنها.\rقال سفيان الثوري : أن صلت في ملحفة واسعة تغطي جميع بدنها أجزأها .\rقال : وأكره أن تصلي في درع واحد ، فإن صلت كذلك فقد أساءت ، وتجزئها صلاتها .\r... وقال إسحاق : أن صلت في ملحفة واحدة غطت كل شئ من بدنها جازت صلاتها .\r... والأفضل أن تصلي المرأة في ثلاث أثواب عند جمهور العلماء .\r... قال حرب الكرماني : ثنا إسحاق -هو : ابن راهويه- : ثنا المعتمر - هو : ابن سليمان -، قال : سمعت أبي يحدث عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن عمر بن الخطاب ، قال : تصلي المرأة في ثلاثة أثواب إذا قدرت : درع ، وخمار ، وإزار .\r... حدثنا إسحاق : ثنا عبد الله بن نمير ، عن عبد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : تصلي المرأة في الدرع والخمار والملحفة .\r... فأما (( الدرع )) : فهو ما تلبسه على بدنها .\rقال أبو طالب: قيل لأحمد : الدرع القميص ؟ قال : يشبه القميص ، لكنه سابغ يغطي رجليها.\r... وأما ((الخمار )) :فهو ما تختمر به رأسها .\r... وقد سبق حديث: (( لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار)) .\r... وأما (( الإزار )) : فاختلف تفسيره :\r... فقالت طائفة : هو مثل إزار الرجل الذي يأتزر به في وسطه ، وهذا قول إسحاق -: نقله عنه حرب ، وهو ظاهر كلام أحمد - أيضا .\r... وقال إسحاق : أن تسرولت بدل الإزار جاز ، وأن لم تتزر بل التحفت بملحفة فوق درعها بدل الإزار جاز .\r... وروي الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة )) : ثنا أبو هلال ، عن محمد بن سيرين ، قال : كانوا يستحبون أن تصلي المرأة في درع وخمار وحقو .\r... وقال ابن عبد البر : روي عن عبيدة ، أن المرأة تصلي في الدرع والخمار\rوالحقو ، رواة ابن سيرين عنه ، وقال به ، وقال : الأنصار تسمى الإزار : الحقو .\r... وروى مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن امرأة استفتت عائشة ، فقالت : أن المنطق يشق علي ، أفأصلي في درع وخمار ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، إذا كَانَ الدرع سابغا .\r... قال : والمنطق هنا :الحقو ، وهو الإزار والسراويل .","part":3,"page":99},{"id":374,"text":"... والقول الثاني : أن المراد بالإزار : الجلباب ، وهو الملحفة السابغة التي يغطي بها الرأس والثياب ، وهذا قول الشافعي وأصحابنا ، وقد سبق عن ابن عمر ما يدل عليه .\r... وقال النخعي : تصلي المرأة في الدرع والملحفة السابغة ، تقنع بها رأسها .\r... وخرج أبو داود من حديث عبد الرحمان بن عبد الله بن دينار ، عن محمد ابن زيد بن قنفذ ، عن أمه ، عن أم سلمة ، أنها سالت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار ؟ قال : (( إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها )).\r... وخرجه - أيضا - من طريق مالك ، عن محمد بن زيد ،عن أمه، عن أم سلمة - موقوفا -، وذكر جماعة تابعوا مالكا على وقفه .\r... وذكر الدارقطني أن وقفه هو الصواب .\r... خرج البخاري في هذا الباب :\r... 372 - من حديث : الزهري ،عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر ، فيشهد معه نساء من المؤمنات ، متلفعات في مروطهن ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ، ما يعرفهن احد .\r... قال الخطابي (( التلفع بالثوب )) : الاشتمال به ، ولفعه الشيب : شمله ، و (( المروط )) : الأردية الواسعة ، واحدها : مرط .\r... وقال عبيد : المروط : الأكسية تكون من صوف ، وتكون من خز ، يؤتزر بها .\r... وقال هشام ، عن الحسن :كانت لأزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أكسية تسمى المروط ، غير واسعة - والله - ولا لينة .\r... والمراد بهذا الحديث : أن النساء كن إذا شهدن صلاة الفجر في المسجد غطين رؤوسهن ، وثيابهن فوق دروعهن وخمرهن،وهذا نظير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهن إذا شهدن العيدين بالجلباب ، كما تقدم.\rوقد روي عن ابن عمر وابن سيرين ونافع : أن المرأة تصلي في أربعة أثواب-:حكاه ابن المنذر .\r... وقال ابن عبد البر : قال مجاهد : لا تصلي المرأة في اقل من أربعة أثواب .\r... قال : وهذا لم يقله غيره فيما علمت .\r... قال : والأربعة الأثواب : الخمار ، والدروع ، والملحفة ، والإزار . انتهى .\rولعل هذا إذا صلين مع الرجال في المساجد ونحوها ، فأما في بيوتهن فيكفيهن دون ذلك . والله أعلم .\r... وبقية فوائد هذا الحديث تأتي في موضع أخر - إن شاء الله تعالى .\r\r* * *","part":3,"page":100},{"id":375,"text":"14- باب\rإذا صلى في ثوب له أعلام ، ونظر إلى علمها\r373- حدثنا أحمد بن يونس : ثنا إبراهيم بن سعد : ثنا ابن شهاب ، عن\rعروة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في خميصة لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها نظرة ، فلما انصرف قال: (( اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي )) .\rوقال هشام بن عروة ، عن أبيه ،عن عائشة : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( كنت انظر إلى علمها وأنا في الصلاة ، فأخاف أن تفتنني )) .\rهذا الذي علقه عن هشام بن عروة . خرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث وكيع ، عن هشام ، ولكن لفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت له خميصة لها علم ، فكان يتشاغل بها في الصلاة ، فأعطاها أبا جهم ، وأخذ كساء له أنبجانيا .\rورواه أبو معاوية عن هشام - أيضا - ، ولفظ حديثه : قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خميصة ، فأعطاها أبا جهم ، وأخذ أنبجانية له ، قالوا : يا رسول الله ، أن الخميصة هي خير من الأنبجانية ؟ فقال : ((إني كنت انظر إلي علمها في الصلاة )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوخرجه أبو داود بمعناه من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام .\rورواه مالك ، عن هشام ، عن أبيه - مرسلا.\rوذكر ابن عبد البر : أن الأنبجاني مذكر في رواية الزهري ، وإنما أنثه مالك في روايته .\rقلت : وكذا في رواية إبراهيم بن سعد التي خرجها البخاري هنا .\rقال : وإنما هو كساء أنبجاني ، والأنبجاني لا يونث ، إلا أن يكون أراد الخميصة أو الشملة .\rقال : وقال ثعلب : يقال : أنبجانية - بكسر الباء وفتحها- لكل ما كثف\rوالتف . قالوا : شاة أنبجانية : أي كثيرة الصوف ملتفة .\rقال ابن عبد البر : وقال ابن قتيبة : إنما هو كساء منبجاني - بالميم - ؛ لأنه منسوب إلى منبج . قَالَ : وفتحت باؤه في النسب ؛ لأنه خرج مخرج منظراني\rومنجراني . قال : وعن ابن قتيبة يقول : جائز أن يقال : أنبجاني كما جاء في الحديث ؛ لأن رواته عرب فصحاء ، ومن الأنساب ما لا يجري على قياس ، وإنما هو مسموع ، هذا لو صح أنه منسوب إلى منبج . انتهى .\rوفي الحديث : دليل على أن نظر المصلي إلى ما يلهيه عن صلاته لا يفسد صلاته ، ولا يلزمه إعادتها إذا كان ذلك قليلا ، ولهذا قالت عائشة : فنظر إلى أعلامها نظرة .\rوأما إذا كثر شغل قلبه عن صلاته ، وحدث نفسه بغيرها ، فمن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم من أوجب عليه الإعادة بذلك .\rثم منهم من علل ذلك : بأن عمل النفس إذا كثر في الصلاة أبطلها، كعمل\rالبدن . وحكي ذلك عن ابن حامد .\rومنهم من علل : بوجوب الخشوع في الصلاة ، فإذا فقد في أكثر الصلاة أبطلها .\rوجمهور العلماء : على أنه لا تبطل بذلك الصلاة ، وحكاه بعضهم إجماعا ، وسيأتي ذكر ذلك في موضع آخر - أن شاء الله تعالى .\rواستدل الشافعي بهذا الحديث على أن مجرد الاشتغال عن صلاته بنظر إلى شيء أو فكر فيه ، إذا لم يوجب له ذلك الشك في عدد الركعات لا يسجد له للسهو .","part":3,"page":101},{"id":376,"text":"وفي الحديث : دليل على استحباب التباعد عن الأسباب الملهية عن الصلاة ، ولهذا أخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الخميصة عنه بالكلية . فينبغي لمن ألهاه شيء من الدنيا عن صلاته أن يخرجه عن ملكه .\rوقد ذكر مالك في (( الموطإ )) عن عبد الله بن أبي بكر ، أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له ، فطار دبسي ، فانطلق يتردد يلتمس مخرجها ، فلم يجده لالتفاف النخل ، فأعجبه ذلك فأتبعه بصره ساعة ، ثم رجع فإذا هو لا يدري كم صلى ، فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له ، فقال : يا رسول الله ، هو صدقة لله عز وجل ، فضعه حيث أراك الله .\rوذكر مالك - أيضا - عن عبد الله بن أبي بكر ، أن رجلا من الأنصار كان يصلي في حائط له بالقف في زمن الثمر ، والنخل قد ذللت ، وهي مطوقة بثمرها ، فنظر إلى ذلك فأعجبه ما رأى من ثمرها ، ثم رجع إلى الصلاة ، فإذا هو لا يدري كم صلى ، فقال : لقد أصابتني في مالي هذا فتنة ، فأتى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، فذكر ذلك له ، فقال له : أنه صدقة ، فاجعله في سبيل الخير؛ فباعه عثمان بخمسين ألفا فكان اسم ذلك : المال الخمسين .\rو(( الخميصة )) : كساء رفيع يلبسه أشراف العرب ، وقد يكون له علم ، وقد لا يكون ، وقد يكون أبيض وأحمر وأسود وأصفر . و(( الأنبجاني )) : كساء غليظ بغير علم : ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره .\rوقال الخطابي : الخميصة : كساء أسود ، والأنبجانية : كساء له زئبر .\rوقال أبو عبيد : الخمائص : ثياب من خز أو صوف معلم ، وهي سود ، كانت من لباس الناس .\rوإنما خص بها أبا جهم بن حذيفة ؛ لأنه كان أهداها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فردها إليه ، وطلب منه عوضا عنها كساء له غليظا ؛ تطييبا لقلبه ، حتى لا يحصل له انكسار برد هديته عليه ، ولذلك أعلمه بسبب الرد .\rوفيه تحذير له من أن يشتغل بها أو بغيرها عن صلاته . هذا هو الذي ذكره ابن عبد البر .\rويدل على ذلك : ما خرجه مالك في (( الموطإ )) عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن عائشة ، قالت : أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خميصة شامية لها علم ، فشهد فيها الصلاة ، فلما انصرف قال : ((ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم ؛ فإني نظرت إلى علمها في الصلاة ، فكاد يفتنني)) .\rوخرجه الإمام أحمد من طريق مالك .\rولفظ : (( الفتنة )) إنما يعرف في هذا الحديث من هذا الوجه ، فأما من رواية هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، - كما علقه البخاري - فغير معروف .\rوقد روي عن معمر ، عن الزهري ،عن عروة ،عن عائشة هذا الحديث ، وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:(( فإني كنت إذا رأيت علمها ذكرت الدنيا )) .\rوروي نعيم بن حماد ، عن ابن عيينة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكره الخميصة في\rنفسها ، وإنما أخرجها عن ملكة لما كانت سبب شغله عن صلاته ؛ كما اخرج أبو طالحة ماله الذي ألهاه عن صلاته .\rوهذا يؤيد ما ذكرناه من قبل .","part":3,"page":102},{"id":377,"text":"واعلم ؛أن الصلاة في الثوب الحسن غير مكروه ، إلا أن يخشى منه الإلتهاء عن الصلاة أو حدوث الكبر ، وقد كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم ، يقوم بها الليل ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يلبس حللا من حلل اليمن ، وبرودا حسنة ، ولم ينقل عنه أنه كان يتجنب الصلاة فيها ، وإنما ترك هذه الخميصة لما وقع له من تلك النظرة إلى علمها ، وقد قال الله عز وجل : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف:31] ، وقد سبق قول ابن عمر :الله أحق أن يتزين له .\rوخرج أبو داود في (( مراسيله)) من حديث عبيدالله بن عتبة ، قال : كان\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم -إذا قام إلى الصلاة - مما تعجبه : الثياب النقية الريح الطيبة .\rولم يزل علماء السلف يلبسون الثياب الحسنة ، ولا يعدون ذلك كبراً .\rوقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حيناً ونعله حسناً ؟ فقال :(( ليس ذلك من الكبر ، أن الله جميل يحب الجمال )) .\rوقال جرير بن حازم : رأيت على الحسن طيلساناً كردياً حسناً ، وخميصة أصبهانية جيدة ، ذات أعلام خضر وخمر ، أزرتها من إبريسم ، وكان يرتدي ببرد له يمان أسود مصلب ، وبرد عدني وقباء من برد حبرة ، وعمامة سوداء .\rوقال حرب : سألت إسحاق عن الصلاة في المنديل ، وأريته منديلاً له أعلام خضر وخطوط ؟ فقال : جائز .\r\r* * *","part":3,"page":103},{"id":378,"text":"15- باب\rأن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟\rوما ينهي من ذلك\rخرج فيه :\r374- حديث : عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((أميطي عنا قرامك هذا ؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي)) .\r((القرام)) : قيل : أنه ثوب من صوف ، فيه ألوان من العهون ، ويتخذ سترا ، أو كلة .\rوقال الخطابي : هو ستر رقيق . قال : ويشبه أن تكون عائشة سترت به موضعا كان عورة من بيتها ؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ستر الجدر .\rقلت : حديث النهي عن ستر الجدر إسناده ضعيف .\rولكن خرج مسلم من حديث عائشة ، أنها أخذت نمطا فسترته على الباب ، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى النمط ، فعرفت الكراهة في وجهه ، فجذبه حتى هتكه أو قطعه ، وقال : ((أن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)) .\rوفي ((مسند الإمام أحمد)) ، عنها في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ((أتسترين الجدر يا عائشة ؟)) قالت : فطرحته ، فقطعته مرفقتين ، فقد رأيته متكئا على إحداهما ، وفيها صورة .\rوخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان في بيتي ثوب فيه تصاوير ، فجعلته إلى سهوة في البيت ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إليه ، ثم قال : ((يا عائشة أخريه\rعني)) ، فنزعته ، فجعلته وسائد .\rوفي ((الصحيحين)) ، عنها ، قالت : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هتكه ، وقال : ((أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله عز وجل)) . قالت : فجعلناه وسادة أو وسادتين .\rوفي ((صحيح مسلم)) عنها ، قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((حولي هذا ؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا)) .\rفهذه ثلاث علل قد علل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - كراهة الستر .\rويشهد للتعليل الثالث : حديث سعيد بن جمهان ، عن سفينة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى بيت فاطمة ، فأخذ بعضادتي الباب ، وإذا قرام قد ضرب في ناحية البيت ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع ، فتبعه علي ، فقال : ما رجعك يا رسول الله ؟ قال : ((أنه ليس لي ولا لنبي أن يدخل بيتا مزوقا)) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .\rويشبه هذا ما خرجه النسائي من حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما ولبسه ، وقال : ((شغلني هذا عنكم اليوم ، له نظرة ولكم نظرة)) ، ثم ألقاه .\rوخرج الترمذي في ((كتاب العلل)) بإسناد فيه ضعف ، عن ابن عمر ، أن\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل خاتمه في يمينه ، ثم أنه نظر إليه وهو يصلي ويده على فخذه ، فنزعه ولم يلبسه .\rوقد روي هذا الحديث عن طاوس مرسلا ، وفيه : أن هذا الخاتم كان من ذهب .","part":3,"page":104},{"id":379,"text":"وهذا إنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله امتثالا لما أمره الله به ؛ أن لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا ، فكان يتباعد عنها بكل وجه ، ولهذا قال : ((مالي وللدنيا ، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ، ثم راح وتركها)) .\rفكان حاله كله في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال مسافر ، يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا ، ولا يلتفت إلى فضولها الفانية الشاغلة عن الآخرة ، وخصوصا في حال عباداته ومناجاته لله ، ووقوفه بين يديه واشتغاله بذكره ، فإن ذلك كان هو قرة عينه . فكان تلمح شيء من متاع الحياة الدنيا وزينتها الفانية في تلك الحال ؛ فإنه ذلك الصفاء ، فلذلك كان تباعده عنه غاية المباعدة. وهذا هو المعنى المشار إليه بقوله : ((فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي)) .\rوفيه : دليل على أن المصلي لا ينبغي أن يترك بين يديه ما يشغله النظر إليه عن صلاته .\rوفي ((سنن أبي داود)) ، عن عثمان بن طلحة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين ؛ فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي)) .\rوخرجه الإمام أحمد من حديث أم عثمان بنت سفيان ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له في هذا الحديث : ((أنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين)) .\rوالمراد بالقرنين : قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل عليه السلام؛ فإنه ما كانا في الكعبة إلى أن أحرقا عند حريق البيت في زمن ابن الزبير .\rوفي الحديث : دليل على جواز الصلاة في الكعبة .\rوقد نص أحمد على كراهة أن يكون في القبلة شيء معلق من مصحف أو غيره .\rوروي عن النخعي ، قال : كانوا يكرهون ذلك .\rوعن مجاهد ، قال : لم يكن ابن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه : سيفا ولا مصحفا .\rونص أحمد على كراهة الكتابة في القبلة لهذا المعنى ، وكذا مذهب مالك .\rوقد ذكر البخاري تعليقا عن عمر ، أنه أمر ببناء المسجد ، وقال: أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . وسيأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى .\rويستدل بحديث عائشة هذا على كراهة الصلاة إلى التصاوير المنصوبة ؛ فإن في ذلك مشابهة للنصارى وعباد الأصنام المصلين لها ، ولا يترك في المسجد صورة في بناء .\rسئل الحسن عن ساجة في المسجد فيها تصاوير ؟ قال : انجروه .\rوتكره الصلاة في الكنائس التي فيها صور عند كثير من العلماء، وهو مروي عن عمر وابن عباس ، وقول مالك وأحمد وغيرهما .\rوأما الصلاة في ثوب فيه تصاوير ففيه قولان للعلماء ، بناء على أنه : هل يجوز لبس ذلك أم لا ؟\rفرخص في لبسه جماعة ، منهم أحمد في رواية الشالنجي ، وكذلك قال أبو\rخيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه : ((إلا رقما في ثوب)) .\rوقد خرجه البخاري في ((كتاب : اللباس)) من حديث أبي طلحة.\rوخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، والترمذي وصححه من حديث أبي أيوب وسهل بن حنيف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":3,"page":105},{"id":380,"text":"وكان كثير من السلف يلبس خاتما عليه صورة حيوان منقوشة في فصه .\rوقالت طائفة : يكره ذلك ، وهو قول مالك والثوري ، وطائفة من أصحابنا .\rوقالت طائفة : يحرم لبسه ، وهو رواية عن أحمد ، أختارها القاضي أبو يعلى\rوغيره .\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمران بن حطان ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرى في ثوب تصاوير إلا\rنقضه .\rوقد خرجه البخاري في ((كتابه)) هذا عن طريق هشام ، عن يحيى ، ولفظه : لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه .\rوظاهر تبويب البخاري يدل على كراهة الصلاة فيه استدلالا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي)) . ولكن هذا لا ينافي فيما فيه تصاوير في موضع لا يقع بصره عليه في الصلاة .\rوصرح أصحابنا بكراهة استصحابه في الصلاة ، وسواء قلنا : يجوز لبسه أو لا .\rومذهب مالك : أنه لا يلبس خاتم فيه تماثيل ، ولا يصلى به ، ويلبس ثوب فيه تصاوير .\rوأما الصلاة على بساط فيه تصاوير، فرخص فيه أكثر العلماء ، ونص عليه أحمد وإسحاق ؛ لأنهم أجازوا استعمال ما يوطأ عليه من الصور .\rوكره ذلك طائفة قليلة ، ومنهم : الجوزجاني ، وروى عن الزهري .\rوذكر ابن أبي عاصم في ((كتاب اللباس)) له : ((باب : من قال : لا بأس بالصلاة على البساط إذا كان فيه صور : حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم : ثنا روح بن عبادة : ثنا شعبة ، عن الشيباني، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الخمرة ، وفيها تصاوير)) .\rوهذا الحديث مخرج في ((الصحيحين)) من حديث شعبة بدون هذه الزيادة .\rوسيأتي بسط هذه المسائل في موضعها من الكتاب - أن شاء الله تعالى .\rوقد بوب البخاري في ((كتاب: اللباس)) على ((كراهة الصلاة في التصاوير)) ، وأعاد فيه حديث عائشة الذي خرجه هاهنا ، وظاهر ذلك يدل على أنه يكره الصلاة في ثوب فيه صورة ، وعلى بساط عليه صورة ؛ فإن ذلك كله يعرض للمصلي في صلاته .\rوبوب هناك - أيضا - على الرخصة فيما يوطأ من الصورة ، وعلى كراهة ذلك - أيضا - ، فأشار إلى الاختلاف فيه .\r\r* * *","part":3,"page":106},{"id":381,"text":"16- باب\rمن صلى في فروج من حرير ثم نزعه\r375- حثنا عبد الله بن يوسف : ثنا الليث ، عن يزيد ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، قال : أهدي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فروج حرير، فلبسه فصلى فيه ، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا ، كالكاره له ، وقال : ((لا ينبغي هذا للمتقين)) .\r((يزيد )) ، هو : ابن أبي حبيب ، و((أبو الخير)) ، هو : مرثد بن عبد الله\rاليزني ، وهما مصريا جليلان .\rو((الفروج)) : قباء له فرج من ورائه ، هكذا قال أبو عبيد وغيره .\rوقال يحيى بن بكير : سألت الليث بن سعد عن الفروج ؟ فقال : هو القباء .\rوفي الحديث : دليل على جواز لبس الأقبية ، والصلاة فيها ، وهو قول أكثر أهل العلم .\rوسئل عطاء : عن القباء يصلي فيه الرجل وحده ؟ فقال : أن القباء مفروج ، ولكن ليأتزر عليه إزارا تحته .\rقال حرب : سئل أحمد عن الصلاة في الدراج ؟ فقال : وما بأسه؟ قيل : أنه ذكر عن ابن المبارك ووكيع أنه ما كرهاه ، فرخص فيه ، وقال : ما أنفعه من ثوب .\rوممن كره لبس الدراج : إسحاق - : نقله عنه ابن منصور .\rواستدل الخطابي وغيره بهذا الحديث على صحة الصلاة في الحرير مع كراهته .\rوهذا غير صحيح ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما لبسه وصلى فيه قبل تحريمه ، وهذا أمر لا شك فيه ، فكيف يستدل به على صحة الصلاة بعد تحريمه ؟!\rوقد استدل إسحاق لصحة الصلاة في الحرير بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص للزبير وعبد الرحمان في قمص الحرير للحكة .\rوهذا- أيضا - لا يصح ؛ فإنه من رخص له في الحرير أبيح له لبسه والصلاة فيه كالنساء ، وإنما اختلف الناس في صلاة الرجال في الحرير بعد تحريمه .\rوأكثر أهل العلم على أن الصلاة فيه تجزئ ، وتبرأ بها الذمة ، ولا يلزم إعادتها .\rوعن أحمد في ذلك روايتان .\rومذهب أهل الظاهر : أن الصلاة فيه غير مجزئة ، وتلزم الإعادة ، وهو اختيار كثير من أصحابنا ، وهو قول إسحاق ، إذا كان عالما بالنهي عنه .\rوقال ابن القاسم صاحب مالك : يعيد ما دام في الوقت .\rوكذا الخلاف في الصلاة في ثوب مغصوب ، أو مشترى بعين مال حرام .\rوفي ((المسند)) : من حديث ابن عمر - مرفوعا - : ((من اشترى ثوبا بعشرة دراهم ، وفيه درهم حرام ، لم تقبل له صلاة ما دام عليه)) .\rوقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي طالب ، وقال: هذا ليس\rبشيء ، ليس له إسناد .\rيشير إلى ضعف إسناده ؛ فإنه من رواية بقية ، عن يزيد بن عبد الله الجهني عن هاشم الأوقص ، عن نافع .\rوقال أحمد - في رواية مهنا - : لا أعرف يزيد بن عبد الله ، ولا هاشما\rالأوقص .\rوقد أشتد نكير عبد الرحمان بن مهدي لقول من قال : أن من اشترى ثوبا بدراهم فيها شيء حرام وصلى فيه أنه يعيد صلاته، وقال : هو قول خبيث ، ما سمعت بأخبث منه ، نسأل الله السلامة.\rذكره عنه الحافظ أبو نعيم في ((الحلية)) بإسناده .","part":3,"page":107},{"id":382,"text":"وعبد الرحمان بن مهدي من أعيان علماء أهل الحديث وفقهائهم المطلعين على أقوال السلف ، وقد عد هذا القول من البدع ، فدل على أنه لا يعرف بذلك قائل من السلف .\rوأكثر العلماء على أن العبادات لا تبطل بارتكاب ما نهي عنه ، إذا كان النهي غير مختص بتلك العبادة ، وإنما تبطل بما يختص النهي بها .\rفالصلاة تبطل بالإخلال بالطهارة فيها ، وحمل النجاسة ، وكشف العورة ولو في الخلوة ، ولا تبطل بالنظر إلى المحرمات فيها ، ولا باختلاس مال الغير فيها ، ونحو ذلك مما لا يختص النهي عنه بالصلاة .\rوكذلك الصيام ، إنما يبطل بالأكل والشرب والجماع ونحو ذلك ، دون ما لا يختص النهي عنه بالصيام ، كقول الزور ، والعمل به عند جمهور العلماء .\rوكذلك الاعتكاف ، لا يبطل إلا بما نهي عنه لخصوص الاعتكاف وهو الجماع ، أو ما نهي عنه لحق المساجد كالسكر عند طائفة منهم . ولا يبطل بسائر المعاصي عند الأكثرين ، وأن خالف في ذلك طائفة منهم .\rوكذلك الحج ، إنما يبطل بارتكاب بعض ما نهي عنه فيه وهو الرفث، دون الفسوق والجدال . والله أعلم .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه علل كراهة لبس الحرير في صلاته، بأنه نظر إليه فألهاه عن صلاته .\rخرجه ابن وهب في ((مسنده)) عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية حدير ابن كريب، أن أكيدر أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - حلة حرير ، فشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها الصلاة ، فسها ، فصلى الظهر سبع ركعات ، فلما انصرف نزعها ، وقال : ((إني نظرت إليها ، فألهتني عن صلاتي)) .\rوهذا مرسل .\r* * *","part":3,"page":108},{"id":383,"text":"17- باب\rالصلاة في الثوب الأحمر\r376- حدثنا محمد بن عرعرة : حدثني عمر بن أبي زائدة ، عن عون بن أبي\rجحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم ، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء ، فمن أصاب منه شيئا تمسح به ، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها ، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلة حمراء مشمرا ، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة .\rهذا الحديث قد خرجه في مواضع متعددة ، مختصرا وتاما ، وقد سبق في ((أبواب الوضوء)) بعضه ، ويأتي في مواضع متفرقة - أيضا .\rوالمقصود منه هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج في حلة حمراء مشمرا وصلى بالناس ، فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر .\rقال أبو عبيد : الخلة : برود اليمن من مواضع مختلفة منها . قال: والحلة إزار ورداء ، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين . انتهى .\rوكذلك فسر سفيان الثوري الحلة الحمراء في هذا الحديث ببرد الحبرة - : حكاه عنه عبد الرزاق ، وهو في ((مسند الإمام أحمد)) وكتاب الترمذي .\rوحينئذ ؛ فالحلة الحمراء التي لبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت بردا مخططا فيه خطط\rحمر ، ولم يكن كله أحمر .\rوقد بوب البخاري في ((كتاب : اللباس)) : ((باب : الثوب الأحمر)) ، ثم خرج فيه من حديث البراء بن عازب ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في حلة حمراء .\rوالقول في هذا الحديث كالقول في حديث أبي جحيفة .\rثم قال : (( باب : الميثرة الحمراء)) ، وخرج فيه من حديث البراء، قال : نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر .\r((المياثر)) : مراكب ،سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها ، وكانت من زي العجم.\rوقد قيل : أنها كانت من ديباج أو حرير -: قاله أبو عبيد وغيره .\rوفسر يزيد بن أبي زياد المثيرة بجلود السباع .\rوقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه نهى عن مياثر النمور .\rوفي الصلاة في الثوب الأحمر حديث آخر :\rخرجه الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس يوم العيد بردة حمراء .\rورواه حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلبس بردة الأحمر في العيدين والجمعة .\rكذا رواه حفص بن غياث ، عن حجاج .\rوخالفه هشيم ، فرواه عن حجاج ، عن أبي جعفر - مرسلا - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس يوم الجمعة بردة الأحمر ، ويعتم يوم العيدين .\rخرجه ابن سعد من هذين الوجهين .\rوالمرسل أشبه .\rوقد اختلف العلماء في لبس الأحمر :","part":3,"page":109},{"id":384,"text":"فرخص فيه ابن المسيب ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وعلي بن حسين ، وابنه أبو جعفر .\rوروي عن علي بن أبي طالب ، أنه كان يلبس بردا أحمر .\rوفي ((صحيح مسلم)) ، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له : بلغني انك تحرم مياثر الأرجوان ، فقال : هذه مثيرتي أرجوان .\rوالأرجوان : الشديد الحمرة .\rوكرهت طائفة الثياب الحمر ، منهم : طاوس ، ومجاهد ، وعطاء .\rوروي عن الحسن وابن سيرين ، قالا : هو زينة آل قارون .\rوهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي ، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته .\rوروى عن عطاء وطاوس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة .\rوروي عن عائشة ، أنها كانت تلبس درعا أحمر .\rوفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة ، خرجها أبو داود وغيره ، يطول ذكرها هاهنا ، وربما تذكر في موضع آخر - أن شاء الله تعالى .\rومنهم من رخص فيما حمرته خفيفة ، وكره الشديد الحمرة ، وروي ذلك عن مالك وأحمد ، ورجحه كثير من أصحابنا .\rوفي ((صحيح مسلم)) ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس المعصفر .\rوخرجه النسائي ، وزاد فيه : المفدم .\rوالمفدم : المشبع بالعصفر .\rوفي ((صحيح مسلم)) - أيضا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي ثوبين معصفرين ، فقال : ((إن هذه من ثياب الكفار ، فلا تلبسها)) .\rوقد اختلف في لبس المعصفر :\rفكرهه طائفة ، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس ، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد .\rورخصوا فيه للنساء .\rوحكى ابن عبد البر الاجماع على جوازه لهن .\rوفي الرخصة لهن فيه حديث مرفوع .\rخرجه أبو داود .\rوهذا قد يخالف رواية المروذي عن أحمد بكراهة الأحمر للنساء، كما تقدم ، لكن تلك مقيدة بإرادة الزينة به ، فقد تكون الرخصة محمولة على من لم يرد به الزينة .\rوهذا القول روي عن ابن عباس ، أنه يكره المعصفر للتزين به ، ويرخص فيما امتهن منه .\rورخص طائفة في المعصفر مطلقا للرجال والنساء ، روي عن أنس ، وعن أبي وائل ، وعروة ، وموسى بن طلحة ، والشعبي ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي وغيرهم ، وهو قول الشافعي .\rوكرهت طائفة المشبع منه - وهو المفدم - دون التخفيف ، روي عن عطاء وطاوس ومجاهد .\rوحكي عن مالك وأحمد - أيضا - ؛ فإنه قال في المصبوغ بالدم : أن كانت حمرته تشبه المعصفر أكرهه ، وقال : لا بأس بالمورد ، وما كان خفيفا .\rوحكى الترمذي في ((كتابه)) هذا القول عن أهل الحديث : أنهم كرهوا لبس المعصفر ، ورأوا : أن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به ، إذا لم يكن معصفرا .\rوقد روي عن علي وابن عمر الرخصة في المصبوغ بالمشق - وهو المغرة - ، وقالا : إنما هو مدر أو تراب .\rوفي كراهة المصبوغ بالمغرة : حديث خرجه أبو داود ، في إسناده مقال .\rومن الناس من قال : يكره المعصفر خاصة ، دون سائر ألوان الحمرة . وقال : لم يصح في غيره نهي .","part":3,"page":110},{"id":385,"text":"ومنهم من حمل أحاديث الرخصة على الجواز ، وأحاديث النهي على كراهة التنزيه ، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري .\rوزعم الخطابي أن المكروه من الأحمر ما صبغ من الثياب بعد نسجه ، فأما ما صبغ غزله ثم نسج - كعصب اليمن - فغير داخل في النهي .\rوكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صبغ قبل نسجه وبعده ، واستحسن لبس ما صبغ غزله ، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة .\rواختلف القائلون بكراهة الأحمر، فيما إذا كان في الثوب شيء من حمرة :هل يكره أم لا؟\rفروي عن ابن عمر ، أنه اشترى عمامة واعتم بها ، فرأى فيها خيطا أحمر ، فردها .\rوكذلك روى المروذي عن أحمد ، أنه أمره أن يشتري له تكة لا تكون فيها\rحمرة .\rوخرج أبو داود من حديث رافع بن خديج ، قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ألا أرى الحمرة قد علتكم ؟)) فقمنا سراعا ، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها .\rوفي إسناده رجل لا يعرف .\rوخرج الطبراني وغيره من حديث إسحاق بن راهويه ، قال : قلت لأبي قرة : أذكر ابن جريج ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد الله بن سرجس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوما وعليه نمرة ، فقال لرجل من أصحابه : ((أعطني نمرتك ، وخذ نمرتي)) ، فقال : يا رسول الله ، نمرتك أجود من نمرتي . قال : (( اجل ؛ ولكن فيها خيط احمر ، فخشيت أن انظر ، إليه فيفتنني )) - ؟ فأقر به أبو قرة ، وقال نعم .\rوهذا غريب .\rورخص فيه آخرون . روي عن الحسن ، وقد سبق .\rونص عيه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسود عليه علم أحمر ، قال : لا بأس به .\rويستدل لهذا . بحديث لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - حلة حمراء وبردا أحمر ؛ فإن المراد بالحلة البرد المخطط بحمرة ، كما قاله سفيان الثوري وغيره .\r\r* * *","part":3,"page":111},{"id":386,"text":"18- باب\rالصلاة في المنبر والسطوح والخشب\rولم ير الحسن بأسا أن يصلي على الجمد والقناطر ، وأن جرى تحتها بول ، أو فوقها أو أمامها ،إذا كان بينهما سترة .\rوصلى أبو هريرة على ظهر المسجد بصلاة الأمام .\rوصلى ابن عمر على الثلج .\rمقصود البخاري بهذا الباب : أنه تجوز الصلاة على ما علا على وجه الأرض ، سواء كان موضوعا عليها وضعا ، كمنبر وسرير من خشب أو غيره ، أو كان مبنيا عليها . كسطح المسجد وغرفة مبنية عليه أو على غيره ، وكذلك ما علا على وجه الأرض مما يذوب ، كالثلج والجليد .\rفهذه ثلاثة مسائل :\rالأولى :\rالصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها ، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه ، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء .\rقال أبو طالب : سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع ؟ قال : نعم ، إذا كان يمكنه مثل السطح .\rوقال حرب : سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب؟ قال : لا بأس به .\rوروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، أنه لم ير بأسا بالصلاة على الأسرة وأشباهها .\rوليس في هذا اختلاف بين العلماء ، إلا خلاف شاذ قديم .\rروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن إسماعيل بن سميع ، عن علي بن كثير ، قال : رأى عمار رجلا يصلي على رابية ، فمده من خلفه ، فقال : هاهنا صل في القرار .\rولعل هذا المصلي كان إماما لقوم يصلون تحته ، وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله تعالى .\rالمسألة الثانية :\rالصلاة فيما بني على وجه الأرض كغرفة في المسجد ، أو فوق سطح\rالمسجد ، وكله جائز لا كراهة فيه بغير خلاف ، إلا في مواضع يسيرة اختلف فيها ؛ وقد أشار البخاري إلى بعضها : فمنها : صلاة المأموم فوق سطح المسجد بصلاة الإمام في أسفل المسجد ، وقد حكى عن أبي هريرة أنه فعله .\rوحكى ابن المنذر فعل ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله . قال : وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ، وحكي عن مالك : أنه أن صلى الجمعة على سطح المسجد أعادها ظهرا .\rومذهب مالك : أن الجمعة لا تصلى فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام . وفي سائر الصلوات عنه روايتان : الجواز ، والكراهة ، وهي آخر الروايتين عنه .\rوممن يرى جواز ذلك : الثوري وأحمد وإسحاق .\rوروي سفيان ، عن يونس بن عبيد ، عن عبد ربه ، قال : رأيت أنس بن مالك صلى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام .\rواحتج أحمد بهذا .\rوروى ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، قال : رأيت أبا هريرة يصلي على سطح المسجد بصلاة الإمام .\rواشترط الإمام أحمد أن يكون ذلك بقرب الإمام ، أو يسمع قراءته - : نقله عنه حنبل ، ولم يشترط غير ذلك .\rواشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى والقاضي - : إيصال الصفوف دون قرب الإمام .\rوقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب ، في الرجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام : أن كان بينهما طريق أو نهر فلا . قيل له : فأنس صلى يوم الجمعة في سطح ؟ فقال : يوم جمعة لا يكون طريق الناس .","part":3,"page":112},{"id":387,"text":"يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئ الطرقات بالمصلين ، فتتصل الصفوف .\rقال أبو طالب: فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم؟ فقال أحمد ذاك تطوع.\rففرق أحمد بين الفريضة والنافلة في إيصال الصفوف .\rونقل حرب ، عن أحمد خلاف ذلك ، في أمرآة تصلي فوق بيت ، وبينها وبين الإمام طريق ، فقال : أرجو أن لا يكون به بأس . وذكر أن أنس ابن مالك كان يفعل ذلك .\rونقل صالح بن أحمد،عن أبيه ، أن ذلك يجوز يوم الجمعة ، إذا ضاق المكان ، كما فعل أنس .\rوظاهر هذه الرواية : أنه لا يجوز لغير ضرورة .\rوالمذهب المنشور عنه : جوازه مطلقا ، كما تقدم .\rوذكر أبو بكر الرازي : أن المشهور عند أصحابهم - يعني : أصحاب أبي حنيفة - أنه يكره ارتفاع المأموم على الإمام ، والإمام على المأموم ، خلافا لما قاله الطحاوي من التفريق بينهما .\rومنها : إذا بني على قنطرة مسجد أو غيره ، فإنه تجوز الصلاة إليه ، حكاه عن الحسن ، وخالفه غيره في ذلك .\rروى حرب بإسناده ، عن همام : سئل قتادة عن المسجد يكون على القنطرة ؟ فكرهه . قال همام : فذكرت ذلك لمطر ، فقال : كان الحسن لا يرى به بأسا .\rقال حرب : وقلت لأحمد : المسجد يبنى على القنطرة ؟ فكرهه ، وذكر : أراه عن ابن مسعود كراهته .\rونقل المروذي عن أحمد، قال : كره ابن مسعود أن يصلى في المسجد الذي بنى على القنطرة .\rقال : وقلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد - : ترى أن أصلي في المسجد بني على ساباط ؟ قال : لا ؛ هذا طريق المسلمين .\rوأصل هذه المسألة : أن طريق المسلمين لا يبنى فيه مسجد ولا غيره عند الإمام أحمد . وهواء الطريق حكمه عنده حكم أسفله ، فلا يجوز عنده إحداث ساباط على الطريق ، ولا البناء عليه . والنهر الذي تجري فيه السفن حكمه عنده كحكم الطريق ، لا يجوز البناء عليه .\rورخص آخرون في بناء المساجد في الطريق الواسع ، إذا لم يضر بالمارة .\rومنهم من اشترط لذلك إذن الإمام ، وحكي رواية عن أحمد - أيضا .\rقال الشالنجي : سألت أحمد : هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامة ؟ قال : لا بأس بذلك ، إذا لم يضيق الطريق .\rقال : وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : لا بأس بذلك ، إلا أن يكون في الثغر مخافة العدو . وبه قال أبو خيثمة.\rوالبخاري يميل إلى الجواز ، وقد ذكره في ((أبواب : المساجد))، وفي ((البيوع)) ، واستدل بحديث الهجرة ، وأن أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكة مسجدا يقرأ فيه القران . وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوأما ما حكاه أحمد ، عن ابن مسعود ، فروى وكيع وحرب بإسنادهما ، عن ابن سيرين ، أنه رأى مسجدا فوق قنطرة تحتها قذر، فقال : كان ابن مسعود يكره الصلاة في مثل هذا .\rوهذه الكراهة : يحتمل أن تكون لكون القنطرة طريقا للناس ، فلا يبنى عليها ، كما قاله الإمام أحمد ، ويحتمل أن تكون لكون القذر تحت هذا المسجد ؛ فإن في جواز الصلاة في علو الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالحش ونحوه لأصحابنا وجهين .","part":3,"page":113},{"id":388,"text":"ولو صلى على سرير قوائمه على نجاسة صحت صلاته ، وأن تحرك بحركته ، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي .\rوحكي عن الحنفية ، أنه أن تحرك بحركته لم تصح ، وإلا صحت .\rوقد حكى البخاري عن الحسن ، أنه يصلي على القناطر وأن جرى تحتها بول ، أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترة .\rفأما أن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفا ، واما أن كان أمامها أو فوقها ، وبينهما سترة فقد رخص فيه الحسن ، كما حكاه عنه .\rوعن أحمد في الصلاة إلى الحش من غير حائل روايتان : إحداهما : تصح مع الكراهة . والثانية : لا تصح ، وهي اختيار ابن حامد وغيره .\rولا يكفي حائط المسجد ، ولا يكون حائلا - : نص عليه أحمد .\rومن الأصحاب من تأول قوله على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام المصلى ، فإن لم يكن كذلك كفى حائط المسجد .\rونقل حرب عن إسحاق ، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كنيف ، إلا أن يكون للكنيف حائط من قصب أو خشب غير حائط المسجد ، وأن صلى فيه أعاد وأن كان للكنيف سترة من لبود ، فلا يصلي في المسجد من ورائه ، وأن كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس .\rونقل أبو طالب ، عن أحمد : إذا كان الكنيف أسفل من المسجد بذراع ونصف فلا بأس .\rورخصت طائفة في الصلاة إلى الحش إذا كان بينهما سترة .\rوقال الأوزاعي ، في رجل يصلي وبين يديه حش ، ودونه جدار من قصب ، وهو يصلي نحوه : لا أعلم به بأسا .\rوقال الليث بن سعد : كتب إلي عبد الله بن نافع مولى ابن عمر : أما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض ، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره ، وقد حدثني نافع ، أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت مربدا لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يذهبن فيه ، ثم ابتاعته حفصه زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - منهن ، فاتخذته دارا .\rولكن ؛ عبد الله بن نافع منكر الحديث ـ : قَالَ البخاري وغيره .\rوالعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل، واستدل بما استدل به ، ولا دلالة فيه ، كما سيأتي في موضعه ـ أن شاء الله تعالى .\rوعند الشافعي وأصحابه : تكره الصلاة على مدفن النجاسة ، وتصح .\rومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة ـ أيضا .\rوحكي عن ابن حبيب المالكي ، أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته ، إلا أن تكون بعيدة جدا .\rالمسألة الثالثة :\rإذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد ، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد .\rومعناه : إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه .\rوقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء ؛ فإنه يصير قرارا متمكنا\rكالأرض ، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة .\rوحكى البخاري عن ابن عمر ، أنه صلى على الثلج .\rونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه .","part":3,"page":114},{"id":389,"text":"ونقل عنه حرب ، قال : يبسط عليه ثوباً ويصلي . قلت :فإن لم يكن معه إلا الثوب الذي على جسده ؟ قال : أن أمكنه السجود عليه سجد ، وإلا أومأ.قال وإذا كان الثلج باردا فإنه عذر ، وسهل فيه .\rقَالَ : وسمعت إسحاق - يعني : ابن راهويه - يقول :إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك ، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك ،أو أدخلهما كميك ، ثم اسجد كذلك .\rقال : وسمعته - مرة أخرى - يقول : أن كنت في ردغة أو ماء أو الثلج ، لا تستطيع أن تسجد ، فاومئ إيماء ، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما . انتهى .\rوأنس إنما صلى على راحلته في الطين ، لا على الأرض .\rوحاصل الأمر : أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر ، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه ، وأجزأه أن يومئ .\rولأصحابنا وجه آخر : أنه يلزمه السجود عليه بكل حال ، ولا يجزئه الإيماء .\rوالثلج نوعان : تارة يكون متجلدا صلبا، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم ، وتارة يكون رخوا لا تستقر الأعضاء عليه ، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما .\rومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذر ، صرح بذلك طائفة من أصحابنا ، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطاً ، واستدلوا بأنه لو علق بساطا في الهواء وصلى عليه لم يجزئه ، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء .\rوللشافعية في ذلك وجهان :\rأصحابنا عندهم : أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته ، ولا تصح صلاة بدون ذلك .\rوالثاني : لا يجب ذلك .\rولهم -أيضا - في الصلاة على الأرجوحة ، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان ، أصحهما : الصحة .\rوروى عبد الرحمان بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى التوأمة ، قال : سمعت ابن عباس يقول : سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء من أمر الصلاة ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض ، حتى تجد حجم الأرض )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوفي إسناده لين .\rوروى حرب الكرماني : ثنا إسحاق - هو : ابن راهويه- : ثنا سويد بن\rعبد العزيز ، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة ، عن داود بن حصين ، عن نافع ، عن ابن\rعمر ، قال : أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب ، فبسط بساطا ثم صلى\rعليه ، وقال : أن الثلج لا يتيمم به ، ولا يصلي عليه .\rواحتج إسحاق بهذا الحديث .\rوإسناده ضعيف ؛ فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان .\rوقد روى أبو عبيد في (( كتاب الطهور )) بإسناد آخر ، وفيه ضعف -أيضا- : أن عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام ، فقال : أن الثلج لا يتيمم به .\rولم يذكر الصلاة .\rواختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء : هل يومي بالسجود ، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء ؟ على روايتين عنه .\rوقال القاضي أبو يعلى في بعض كتبه : لم يوجب أحمد السجود على الماء ؛ لأنه ليس بقرار ، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومي في الماء إلى قرب الأرض ، وإن غاص وجهه في الماء .\rوهذا الذي قاله بعيد جدا .","part":3,"page":115},{"id":390,"text":"وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حاليين : فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد ، وألا أومأ .\rوقال أبو بكر الخلال : قول أحمد : يومئ ، يريد بالركوع. وقوله : يسجد على متن الماء ، في السجود .\rفلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافا .\rولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه ، وإنما عليه أن يومئ ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافاً ، بل قال ابن أبي موسى: لا يلزمه ذلك - قولا واحدا .\rومنهم من خرج فيه وجها آخر : بوجوب السجود على الطين إذا قلنا : لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته ، بل تلزمه الصلاة بالأرض ، وهو رواية عن أحمد واختارها ابن أبي موسى .\rوفرق ابن أبي موسى بين المسألتين ، ووجه الفرق : أن المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار الأرض دون امتناع السجود بالأرض ، ولأن في السجود على الطين ضررا ؛ فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه ، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه ، فلا يلزمه ، بخلاف السجود على متن الماء .\rوممن قال : يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين : أبو الشعثاء وعمارة بن\rغزية .\rوفيه حديث مرفوع :\rخرجه الطبراني وابن عدي من طريق محمد بن فضاء ، عن أبيه ، عن علقمة بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا لم يقدر أحدكم على الأرض ، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماءا)) .\rوفي رواية لابن عدي : ((أو في ماء أو في ثلج)) .\rومحمد بن فضاء ، ضعيف ؛ ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما .\rومذهب مالك : أنه يصلي في الطين بالأرض ، ولا يصلي على الراحلة .\rواختلفت الرواية عنه في السجود في الطين:فروي عنه: أنه يسجد عليه . وروي عنه أنه يومئ.\rوحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين : فالحال التي يسجد عليه : إذا كان خفيفا ، كما سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في اعتكافه في الماء والطين ، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين . والحال التي يومئ : إذا كان كثيرا ، يغرق فيه المصلي .\rونص أحمد على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ ، ولم يسجد عليه .\rوكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد .\rخرج البخاري في هذا الباب حديثين :\rالحديث الأول :\rقال :\r377- ثنا علي بن عبد الله : ثنا سفيان : ثنا أبو حازم : سألوا سهل بن سعد : من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما بقي في الناس أعلم به مني، هو من أثل الغابة ، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين عمل ووضع ، فاستقبل القبلة ، كبر وقام الناس خلفه فقرأ ، وركع وركع الناس خلفه ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقري فسجد على الأرض ، ثم عاد إلى المنبر ، ثم قرأ ، ثم ركع ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقري حتى سجد بالأرض ، فهذا شانه .","part":3,"page":116},{"id":391,"text":"قال أبو عبد الله : قال علي بن عبد الله المديني : سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث ، قال : فإنما أردت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أعلى من الناس، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث . قال: فقلت : أن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا\rكثيرا ، فلم تسمعه منه ؟ قال : لا .\rهذا الحديث بتمامه مشهور عن ابن عيينة بهذا الإسناد ، رواه عنه الشافعي وغيره ، ولم يسمع منه الإمام أحمد إلا : ((كان من أثل الغابة)) - يعني : منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد خرج هذا القدر منه عن سفيان في ((مسنده)) . وكان سفيان يختصر الحديث أحيانا .\rوإنما خرج أحمد بتمامه في ((مسنده)) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم ، عن\rأبيه ، عن سهل بن سعد ، وقال في آخر الحديث : فلما انصرف قال : ((يا أيها الناس ، إنما فعلت هذا لتأتموا بي ، وتعلموا صلاتي)) .\rوقد خرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) ، ومسلم - أيضا - من حديث يعقوب بن عبد الرحمان ، عن أبي حازم ، بهذه الزيادة .\rومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث هنا : الاستدلال على جواز الصلاة على ما يوضع على الأرض من منبر وما أشبهه كالسرير وغيره .\rوما ذكره البخاري عن علي بن المديني ، أن أحمد بن حنبل سأله عن هذا\rالحديث ، وقال :إنما أردت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أعلى من الناس، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث.\rفهذا غريب عن الإمام أحمد ، لا يعرف عنه إلا من هذا الوجه ، وقد اعتمد عليه ابن حزم وغيره ، فنقلوا عن أحمد : الرخصة في علو الإمام على المأموم .\rوهذا خلاف مذهبه المعروف عنه ، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم ، وذكره الخرقي ومن بعده ، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان ، عن أحمد ، أنه قال : لا يكون الإمام موضعه أرفع من موضع من خلفه ، ولكن لا بأس أن يكون من خلفه ارفع .\rوممن كره أن يكون موقف الإمام أعلى من المأموم : النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي .\rوقد روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه أنه كرهه ، ونهى عنه .\rوخرج أبو داود من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه ، فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك - أو ينهى عن ذلك - ؟ قال : قد ذكرت حين مددتني .\rومن رواية ابن جريج : أخبرني أبو خالد ، عن عدي بن ثابت ، قال : حدثني رجل ، أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن ، فأقيمت الصلاة ، فتقدم عمار بن ياسر ، وقام على دكان يصلي ، والناس أسفل ، فتقدم حذيفة ، فأخذ على يديه ، فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة ، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة : ألم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مقام ارفع من مقامهم)) - أو نحو هذا ؟ قال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي .\rورخص طائفة في ارتفاع الإمام على المأمومين .\rوروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أم الناس فوق كنيسة وهم تحتها .\rوروي نحوه عن سحنون .","part":3,"page":117},{"id":392,"text":"وأما مذهب الشافعي ، فإنه قال : أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع ، ليراه من وراءه ، فيقتدوا بركوعه وسجوده . قال : وإذا كان الإمام علم الناس مرة أحببت أن يصلي مستويا مع المأمومين ؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على المنبر إلا مرة .\rوكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازه إذا أراد تعليمهم ، واختاره ابن المنذر ، وقال : إذا لم يرد التعليم فهو مكروه ؛ لحديث ابن مسعود .\rومن أصحابنا من حكى رواية عن أحمد كذلك .\rوالذين كرهوا ذلك مطلقا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر :\rفمنهم من قال : قد يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه ، ولا يكون ذلك مكروها في حقه في تلك الحال ، ويكره لغيره بكل حال .\rوهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره ، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه .\rومنهم من قال : المكروه أن يقوم الإمام على مكان مرتفع على المأمومين ارتفاعا كذراع ونحوه ، فإنه يحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به وهو مكروه ، فأما الارتفاع اليسير فغير مكروه ، ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان وقوفه على درجة المنبر الأولى ، فلا يكون ذلك ارتفاعا كثيرا .\rوتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا .\rوقياس المذهب : أنه يرجع فيه إلى العرف .\rوذكر الطحاوي - من الحنفية - أنه مقدر بما زاد على قامة الإنسان .\rواستغرب ذلك أبو بكر الرازي .\rواختلف القائلون بكراهة ذلك : هل تبطل به الصلاة ، أم لا ؟\rفقال أكثرهم : تكره الصلاة ، ولا تبطل .\rوقد تقدم أن الصحابة بنوا على الصلاة خلف من أمهم مرتفعا عليهم ، ولم يستأنفوا الصلاة .\rوقالت طائفة : تبطل الصلاة بذلك ، وهو قول مالك وابن حامد من أصحابنا ، وحكي عن الأوزاعي نحوه .\rواختلف أصحابنا : هل النهي متوجه إلى الإمام ، أن يعلو على من خلفه ، أم النهي متوجه إلى المأموم ، أن يقوم أسفل من إمامه ؟ على وجهين :\rأحدهما : أن النهي للإمام .\rفإن قلنا : أن هذا النهي يبطل الصلاة ، بطلت صلاة الإمام .\rوهل تبطل صلاة من خلفه أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى\rبإمام ، صلاته فاسدة .\rوالثاني : أن النهي متوجه إلى المأمومين خاصة .\rفعلى هذا ؛ أن كان الإمام في العلو وحده ، وقلنا : هذا النهي يبطل الصلاة ، بطلت صلاة المأمومين وصلاة الإمام ؛ لأنه صار منفردا ، وقد نوى الإمامة ، وهذا مبطل عند أصحابنا .\rوأن كان معه في العلو أحد صحت صلاته وصلاة من معه ، وفي صلاة من أسفل منهم الخلاف السابق .\rوأعلم ؛ أنه لم يقع في ((صحيح البخاري)) حكاية قول لأحمد في غير هذه\rالمسألة ، وهو خلاف مذهبه المعروف في كتب أصحابه ، ولم أعلم أحدا منهم حكى ذلك عن أحمد ، إلا أن القاضي أبا يعلى حكاه في ((كتاب الجامع الصغير)) له وجها . والله أعلم .","part":3,"page":118},{"id":393,"text":"وفي قول سهل بن سعد : ((لم يبق أعلم بالمنبر مني)) : دليل على أن من اختص بعلم ، فإنه لا يكره له أن ينبه على اختصاصه به ؛ ليؤخذ عنه ، وتتوفر الهمم على حفظه وضبطه عنه ، وقد سبق في ((كتاب : العلم)) شيء من ذلك .\rوبقية فوائد الحديث تذكر في مواضع أخر - أن شاء الله تعالى .\rالحديث الثاني :\rقال :\r378- ثنا محمد بن عبد الرحيم : ثنا يزيد بن هارون : أبنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سقط عن فرس فجحشت ساقه - أو كتفه - وآلى من نسائه شهرا ، فجلس في مشربة له درجها من جذوع النخل ، فأتاه أصحابه يعودونه ، فصلى بهم جالسا وهم قيام ، فلما سلم قال : ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر\rفكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وأن صلى قائما فصلوا قياما)) . ونزل لتسع وعشرين ، فقالوا : يا رسول الله ، انك آليت شهرا ؟ فقال : ((أن الشهر تسع وعشرون)) .\rقال الخطابي : ((الجحش)) : الخدش ، أو أكبر منه . و((المشربة)) : شبه الغرفة المرتفعة عن وجه الأرض .\rوضبط غيره : ((راءها)) بالفتح والضم .\rومقصود البخاري بتخريج الحديث هاهنا : أنه تجوز الصلاة في الغرف والعلالي .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتزل في هذه المشربة شهرا لهجره لنسائه ، ولم يدخل إلى نسائه حتى فرغ الشهر ، ولم ينقل : هل كان برئ مما أصابه قبل الشهر ، أم لا ؟ والله أعلم بذلك .\rوفي الحديث : دليل على أن المريض الذي يشق عليه حضور المسجد له الصلاة في بيته ، مع قرب بيته من المسجد .\rوفيه : أن المريض يصلي بمن دخل عليه للعيادة جماعة ؛ لتحصيل فضل الجماعة .\rوقد يستدل بذلك على أن شهود المسجد للجماعة غير واجب على الأعيان ، كما هو رواية عن أحمد ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرهم بإعادة صلاتهم في المسجد ، بل اكتفى منهم بصلاتهم معه في مشربته .\rوأما صلاة القائم خلف الجالس ، فقد بوب البخاري عليها في موضع آخر ، ويأتي الكلام عليها فيه أن شاء الله تعالى - ، وكذلك بقية فوائد الحديث .\r19- باب\rإذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد\r379- حدثنا مسدد ، عن خالد : ثنا سليمان الشيباني ، عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض ، وربما أصابني ثوبه إذا سجد . قالت : وكان يصلي على الخمرة .\rقد سبق هذا الحديث في ((أبواب الحيض)) ، والاستدلال به على طهارة ثياب الحائض ، وأنه تجوز الصلاة فيها مل لم ير فيها نجاسة.\rويستدل به - أيضا - على أن المصلي إذا حاذته امرأة وكانت إلى جانبه ، فإن صلاته لا تفسد بذلك ، إذا كانت المرآة في غير صلاة .\rوقد نص على ذلك سفيان الثوري وأحمد وإسحاق ، ولا نعلم فيه خلافا .\rوإنما اختلفوا فيما إذا كانا جميعا في صلاة واحدة ، وليس بينهما سترة :\rفقال مالك والشافعي وأبو ثور وأكثر أصحابنا : لا تبطل بذلك صلاة واحد منهما مع الكراهة للرجل في مصافتها ، وفي التأخير عنها .","part":3,"page":119},{"id":394,"text":"وقالت طائفة : تبطل صلاة من يليها ومن خلفها بحيالها ، وهو قول أبي حنيفة والثوري ، وطائفة من أصحابنا ، منهم : أبو بكر عبد العزيز ، وأبو حفص البرمكي ، وزاد : أنه تبطل صلاتها - أيضا .\rومن أصحابنا من خص البطلان بمن يليها دون من خلفها ، ولا وجه له ، ونص أحمد يدل على خلافه .\rقال حرب : قلت لأحمد : الرجل يصلي وامرأة بحياله قائمة تصلي ، أو بين\rيديه ؟ فقال : أن كانت بحياله فهو أسهل من أن تكون بين يديه . قلت : أيعيد الصلاة ؟ قال : ما أدري . وقال : أن كانت المرآة في غير الصلاة فإنه لا بأس ؛ قد كانت عائشة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال إسحاق : تفسد صلاة المرآة دون الرجل ؛لأنها هي المنهية عن مصافة الرجل وعن أن تتقدم بين يديه ، فتختص صلاتها بالبطلان ، لعصيانها بالمخالفة دونه .\rوهذا ينبغي تقييده بما إذا كان هو يصلي قبل صلاتها ، ثم دخلت في الصلاة\rبعده .\rوقد قال محمد بن نصر : ثنا حسان بن إبراهيم ، في رجل صلى وركز بين يديه نشابة - أو لم يركز - ، ثم جاءت امرأة فصلت أمامه والنشابة بينهما : هل تفسد\rصلاته ؟ : فقالَ : قَالَ سفيان : أن لم يركز فسدت صلاته. قلت : أرأيت أن ركز بعدما رآها تصلي أمامه: هل تفسد صلاته ؟ قالَ : لا .\rوقال الأوزاعي في امرأة تصلي بصلاة زوجها : تقوم خلفه؛ فإن ضاق مكانهما قامت عن يمينه، وجعلا بينهما سترة ، فإن كانا في بيت فصلت امرأة في ناحية وصلى زوجها في ناحية بينهما عرض البيت وطوله فلا يفسد ذلك عليه صلاته .\rوقال سفيان : أن كانت المرآة تصلي غير صلاة الرجل تفسد عليه صلاته .\rوروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا هشام بن سعد : حدثني صالح بن جبير الأردني ، عن رجل ، قال : جئت عمر بن الخطاب ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، لي بيت فتكلف امرأتي فلا يسعنا إلا أن تقوم حذائي ؟ قال : أجعل بينك وبينها ثوبا ، ثم صل ما شئت .\rأبنا إسرائيل: حدثنا ثوير، قال: سألت مجاهدا، قلت: اصلي وامرأتي إلى جنبي ؟ قالَ : لا بأس .\rوقد ضعف الشافعي المروي عن عمر في هذا ، وقال : لا يعرف .\rوخرجه البيهقي من طريق برد بن سنان ، عن عبادة بن نسي ، عن غضيف بن الحارث ، قال : سالت عمر بن الخطاب ، قلت : إنا نبدو فنكون في الأبنية ، فإن خرجت قررت ، وأن خرجت امرأتي قرت ؟ فقال عمر : أقطع بينك وبينها ثوبا ، ثم ليصل كل واحد منكما .\rوخرجه الإسماعيلي في (( مسند عمر )) من رواية صفوان بن عمرو : ثنا عبد الرحمان بن جبير بن نفير ، عن الحارث بن معاوية الكندي ، أنه سال عمر ، قال : ربما كنت أنا والمرأة في ضيق ، فتحضر الصلاة ، فإن صليت أنا وهي كانت تجاهي ، وأن صلت خلفي خرجت من البناء ؟ قال : استر بينك وبينها بثوب ، ثم تصلي وراءك أن شئت.\r\r* * *\r\r20 - باب\rالصلاة على الحصير\rوصلى جابر بن عبد الله وأبو سعيد في السفينة قياما .\rوقال الحسن : تصلي قائما، ما لم تشق على صاحبك ، تدور معها ، وإلا\rفقاعدا .","part":3,"page":120},{"id":395,"text":"إنما افتتح هذا الباب بذكر الصلاة في السفينة ؛ لأن المصلي في السفينة لا يمكنه الصلاة على التراب ، ولا على وجه الأرض ، وإنما يصلي على خشب السفينة ، أو ما فوقه من البسط أو الحصير أو الأمتعة والأحمال التي فيها .\rولهذا المعنى - والله أعلم - روي عن مسروق ومحمد بن سيرين ، أنهما كانا يحملان معهما في السفينة لبنة أو آجرة يسجدان عليها ، والظاهر : أنهما فعلا ذلك لكراهتهما السجود على غير أجزاء الأرض ، أو أن يكون اختارا السجود على اللبنة على الإيماء ، كما اختار قوم من العلماء للمريض أن يسجد على وسادة ونحوها ولا يومئ .\rوروى حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين ، أن أنس بن مالك صلى بهم في سفينة على بساط .\rوقال حرب : قلت لأحمد في الصلاة في السفينة : يسجدون على الأحمال والثياب ونحو ذلك ؟ فسهل فيه .\rقال : وقال إسحاق : يصلي فيها قائما على البسط .\rوروى ابن أبي شيبة : ثنا مروان بن معاوية ، عن حميد ، عن عبد الله ابن أبي عتبة مولى أنس ، قال : سافرت مع أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله - قال حميد : وناس قد سماهم - ، فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائما ، ونصلي خلفه قياما و ولو شئنا لأرفينا وخرجنا .\rورواه الأثرم عن ابن أبي شيبة ، وذكر أن أحمد احتج به .\rوقد رواه عن حميد : معاذ بن معاذ وسفيان الثوري ، وقال : أراه ذكر منهم : أبا هريرة .\rوروى الأثرم : ثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا عبد الله بن مروان ، قال: سألت\rالحسن ، قلت : أسافر ، فكيف الصلاة في السفينة ؟ قال : قائما ، ما لم يشق على أصحابك . قلت : أنها عواقيل ؟ قال : أدرها كما تدور ، فإذا استقبلت القبلة فصله .\rوأكثر العلماء على أن المصلي في السفينة يلزمه أن يصلي قائما إذا قدر على ذلك من غير ضرر ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد .\rوقالت طائفة : لا يلزمه القيام ، وله أن يصلي قاعدا بكل حال إذا كانت\rسائرة ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .\rوروي عن أنس ، أنه صلى بهم في السفينة قاعدا .\rوعن مجاهد ، قال : كنا مع جنادة بن أبي أمية في البحر ، فكنا نصلي قعودا .\rوهذه قضايا أعيان ، يحتمل فعلوا ذلك للخوف على أنفسهم ، أو لضرر يحصل لهم بالقيام .\rوقد روي في هذا حديث مرفوع عن جعفر بن برقان ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر جعفر بن أبي طالب وأصحابه أن يصلوا في السفينة قياما ، إلا أن يخافوا الغرق .\rوقد رواه عن جعفر بن برقان : عبد الله بن داود الخريبي ، ولم يسمعه منه ، بل قال : ثناه رجل من أهل الكوفة من ثقيف ، عن جعفر بن برقان .\rواختلف عليه بعد ذلك في إسناده .\rفقيل : عنه ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقيل : عنه ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقيل : عنه ، عن ابن عمر ، عن جعفر بن أبي طالب .\rورواه حسين بن علوان ، عن جعفر بن برقان ، عن ميمون ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":3,"page":121},{"id":396,"text":"وحسين ، متروك الحديث .\rورواه - أيضا - أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا جعفر بن برقان ، عن ميمون ابن مهران ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه من طريقه الدارقطني والبيهقي .\rوهذا منكر ، وفي صحته عن أبي نعيم نظر .\rوقد خرجه الدارقطني من رواية بشر بن فافا ، عنه .\rوهذا رجل لا يعرف حاله بالكلية ، وقد وصفه بالجهالة جماعة ، منهم عبد الحق الأشبيلي وابن الجوزي .\rوخرجه الحاكم والبيهقي من طريق ابن أبي الحنين ، عن أبي نعيم .\rوزعم الحاكم أنه على شرط الشيخين ، وما أبعده من ذلك ، ولو كان مقاربا لشرط البخاري فضلا عن أن يكون على شرطه لذكره تعليقا، ولم يقتصر على ما روى عن الصحابة خاصة.\rوقال البيهقي : هو حسن . والله أعلم .\rوقول الحسن : يدورون كلما دارت - يعني : أنهم يصلون إلى القبلة ، فكلما انحرفت السفينة عن القبلة داروا معها .\rوهذا مع القدرة ، فإذا عجزوا عن ذلك للخوف على أنفسهم فإنه يكفيهم الاستقبال في أول الصلاة ، نص عليه مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة . والله أعلم .\rثم قال البخاري - رحمه الله - :\r380- ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، أن جدته مليكة دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته له ، فأكل منه ، ثم قال : ((قوموا فلأصلي لكم)) . قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ، فنضحته بالماء ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصففت أنا واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا ، فصلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ثم انصرف .\r((مليكة)) : قال كثير من الناس : هي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، قالوا : والضمير في قوله : ((أن جدته)) إليه يعود ، لا إلى أنس .\rوقد روى هذا الحديث عبد الرزاق ، عن مالك ، وقال : يعني : جدة إسحاق .\rوهذا تفسير من بعض رواة الحديث .\rوقد ذكر ابن عبد البر وغيره : أنها هي أم سليم أم أنس بن مالك؛ فإن أبا طلحة تزوجها بعد أبي أنس ، فولدت له عبد الله .\rوقيل : بل مليكة أختها أم حرام زوجة عبادة ، وسماها جدته لأنها أخت جدته ، على حد قوله تعالى حاكيا عن بني يعقوب ، أنهم قالوا لأبيهم : { نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } [البقرة:133] ، فإن إسماعيل عمه ، والعم صنو الأب.\rوظاهر سياق الحديث : يدل على أن مليكة جدة أنس ، وهذا هو الأظهر . والله أعلم .\rوروي صريحا من رواية مقدم بن يحيى ، عن عمه القاسم ، عن عبيد الله بن\rعمر ، عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس ، قال : أرسلت جدتي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واسمها : مليكة - ، فجاءنا ، فحضرت الصلاة - وذكر الحديث .\rخرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)).\rوقد ذكر ابن سعد : أن مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار ، هي أم حرام وسليم وأم سليم وأم حرام ، أولاد ملحان .","part":3,"page":122},{"id":397,"text":"فتبين بهذا أن مليكة جدة أنس حقيقة ، ولا يمنع من هذا أنه لم يذكرها في أسماء الصحابيات كثير ممن جمع في أسماء الصحابة ؛ لأن هذا الحديث الصحيح يشهد بذلك ، والاعتماد عليه أقوى من الاعتماد على قول مثل ابن إسحاق والواقدي .\rويعضد صحة هذا : أن أحدا ممن يعتمد على قوله لم يسم أم سليم: مليكة ، وقول أنس : ((فقمت إلى حصير لنا)) يدل على أن هذا البيت كان بيت أم سليم أم\rأنس .\rوقد رواه ابن عيينة ، عن إسحاق بن عبد الله مختصرا ، وصرح فيه بأن العجوز التي صلت وراءهم هي أم سليم أم أنس ، وهذا يدل على أنها هي التي دعت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى طعامها .\rوخرجه النسائي من طريق يحيى بن سعيد ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس ، أن أم سليم سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيها ويصلي في بيتها فتتخذه مصلى ، فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء ، فصلى عليه وصلوا معه .\rوقوله : (( قد اسود من طول ما لبس)) يدل على أن لبس كل شيء بحسبه ، فلبس الحصير هو بسطه واستعماله في الجلوس عليه .\rواستدل بذلك من حرم الجلوس على الحرير وافتراشه ؛لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له ، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير .\rوزعم ابن عبد البر : أن هذا يؤخذ منه أن من حلف لا يلبس ثوبا ، وليس له نية ولا ليمينه سبب ، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب ؛ لأن ذلك يسمى لباسا .\rوهذا الذي قاله فيه نظر ؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه ، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويفترش ، أو أطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئا.\rفجلس على حصير ، أو حلف لا يلبس حصيرا فجلس عليه .\rولو تعلق الحنث بما يسمى لباسا بوجه ما ، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه ؛ قال تعالى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ } [البقرة:187 ] وقال : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً } [ النبأ:10] .\rوكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس ؛ قَالَ تعالى : { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } [النحل :112].\rولا نعلم خلافا أنه لو حلف لا يجلس على بساط ، فجلس على الأرض لم\rيحنث ، وقد سماها الله بساطا ، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء ، وقد سمى الله السماء سقفا ، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس .\rفإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف ، والأيمان إنما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز . والله أعلم .\rوإنما قال أصحابنا : لو حلف ليرين امرأته عارية لابسة أنه يبرأ برؤيتها في الليل عارية ؛لأن جمعه بين عريها ولبسها قرينة تدل على أنه لم يرد لبسها لثيابها ؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها .\rوأما نضح الحصير : فاختلف في معناه :","part":3,"page":123},{"id":398,"text":"فقيل : هو تطهير له ، وإزالة لما يتوهم فيه من إصابة النجاسة له مع كثرة استعماله وطول عهده في بيته يتربى فيه أولاد صغار .\rوعلى هذا؛ فقيل : أن النضح هو الغسل ، وقيل : بل هو الرش .\rوهذا يستدل به على تطهير ما شك في نجاسته بالنضح ، وقد سبق ذكر ذلك في ((كتاب : الوضوء)) ، وأن عمر وغيره فعلوه ، وأن من الناس من خالف فيه ،وقال : لا يزيده النضح إلا شراً .\rوقيل : بل النضح هو تنظيف له من الوسخ ، وتلين له .\rوعلى هذا ؛ فالمراد بالنضح فيه بالرش على ظاهر اللفظ .\rوهو الأظهر . والله أعلم .\rويشهد لذلك : ما خرجه مسلم من حديث أبي التياح ، عن أنس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقا ، فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا ، قال : فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ، ثم ينضح ، ثم يؤم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقوم خلفه ، فيصلي بنا . قال : وكان بساطهم من جريد النخل .\rوخرج - أيضا - من رواية الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : ثنا أبو سعيد الخدري ، أنه دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فوجده يصلي على حصير يسجد عليه .\rوهذه الصلاة كانت تطوعا ؛ يدل على ذَلكَ : ما خرجه مسلم من حديث\rثابت ، عن أنس ، قَالَ : دخل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - علينا ، وما هوَ إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي ، فقالَ : (( قوموا ، فلأصلي بكم )) ، في غير وقت الصلاة ، فصلى بنا .\rوخرجه أبو داود ، وعنده : فصلى بنا ركعتين تطوعا .\rوإنما خرجه البخاري في هذا الباب لأجل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحصير ، وقد خرجه في موضع آخر من (( كتابه )) هذا ، ولفظه : فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rيعني على الحصير الذي نضح .\rوقد تبين برواية أبي التياح ، عن أنس ، أنه كان من جريد النخل ، وقد سمي في بعض الروايات بساطا ؛ لأنه يبسط .\rوخرج أبو داود من رواية قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزور أم سليم فتدركه الصلاة احيانا فيصلي على بساط لها ، وهو حصير ننضحه بالماء .\rوقد خرج البخاري -أيضا- في موضع آخر من (( كتابه )) هذا من حديث أنس بن سيرين ، عن أنس ، أن رجلا من الأنصار قال : يا رسول الله ، أني لا أستطيع الصلاة معك -وكان رجلا ضخما -، فصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما ، فدعاه إلى منزله فبسط له\rحصيرا ، ونضح طرف الحصير، فصلى عليه ركعتين .\rفدلت هذه الأحاديث على جواز الصَّلاة على الحصير .\rوفي حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم التصريح بأنه سجد عليه .\rوكذلك روى من حديث أنس .\rخرجه الإمام أحمد من رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سليم على الحصير قديم قد تغير من القدم . قال : ونضحه بشيء من الماء ، فسجد عليه .","part":3,"page":124},{"id":399,"text":"وأكثر أهل العلم على جواز الصلاة على الحصير والسجود عليه ، وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض .\rوممن روي عنه أنه صلى على الحصير : ابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وجابر ، وأبو ذر .\rوقال النخعي : كانوا يصلون على الحصير والبوري .\rوقال مجاهد : لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت .\rومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض ، ويضع كفيه عليها .\rوالسجود على الأرض أفضل عنده ، وعند كثير من العلماء .\rوكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض .\rوروي عن أبي بكر الصديق ، أنه رأى قوما يصلون على بسط ، فقال لهم : أفضوا إلى الأرض .\rوفي إسناده نظر .\rوروي عن ابن عمر ، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض . ونحوه عن علي بن الحسين .\rوقال النخعي في السجود على الحصير : الأرض أحب إلي .\rوعنه ، أنه قال : لا بأس أن يصلي الحصير ، لكن لا يسجد عليهِ .\rونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : مضت السنة من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على الخمرة والبساط ، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض . قال : وأن سجد الرجل على الأرض فهو أحب إلي ، وأن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا .\rوأكثر صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت على الأرض ، يدل على ذلك : أنه لما وكف المسجد وكان على عريش فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح ، وانصرف واثر الماء والطين على جبهته وأنفه .\rوخرج أبو داود من رواية شريح بن هانئ ، عن عائشة ، قالت : لقد مطرنا مرة بالليل ، فطرحنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - نطعا ، فكأني أنظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه ، وما رأيته متقياً الأرض بشيء من ثيابه قط .\rوخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتقي الأرض\rبشيء ، إلا مرة ؛ فإنه أصابه مطر فجلس على طرف بناء ، فكأني أنظر إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه.\rوخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهما ، وعندهم : أن شريحا قَالَ : سالت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت الحديث .\rوفي رواية لابن جرير : أن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على شيء قط ، إلا أنه أصابنا مطر ذات ليلة ، فاجتر نطعا ، فصلى عليه .\rوخرجه الطبراني ، ولفظه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى لا يضع تحت قدميه\rشيئا ، إلا إنا مطرنا يوما فوضع تحت قدميه نطعا .\rوهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع ، عن المقدام بن شريح عن أبيه .","part":3,"page":125},{"id":400,"text":"وخرج بقي بن مخلد في ((مسنده)) من رواية يزيد بن المقدام بن شريح ، عن\rأبيه ، عن جده ، قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين ، إن أناسا يصلون على هذه الحصر ، ولم أسمع الله يذكرها في القران ، إلا في مكان واحد : { لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } [الإسراء :\r8] ، أفكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الحصير ؟ قالت : لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الحصير .\rوهذا غريب جداً .\rويزيد بن المقدام ، قال أبو حاتم : يكتب حديثه.\rوخرج الإمام أحمد : ثنا عثمان بن عمر : ثنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن ، عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على خمرة ، فقال : (( يا عائشة ، ارفعي حصيرك ، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس )) .\rوهذا غريب جدا .\rولكنه اختلف فيه على يونس :\rفرواه مفضل بن فضاله ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على الخمرة ، يسجد لها .\rورواه شبيب بن سعيد ، عن يونس ، عن الزهري - مرسلاً .\rورواه ابن وهب في (( مسنده )) عن يونس ، عن الزهري ، قال : لم أزل اسمع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على الخمرة - وعن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الخمرة ويسجد لها .\rفرواه بالوجهين جميعاً .\rوأما رواية عثمان بن عمر ، عن يونس ، فالظاهر أنها غير محفوظة ، ولا تعرف تلك الزيادة إلا فيها .\r\r* * *\r\r21- باب\rالصلاة على الخمرة\r381- حدثنا أبو الوليد : ابنا شعبة : ثنا سليمان الشيباني ، عن عبد الله بن\rشداد ، عن ميمونة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الخمرة .\r(( الخمرة )) : الحصير ، كذا جاء تفسيره في بعض روايات هذا الحديث ، وكذا فسره الإمام أحمد وغيره .\rوقال أبو عبيد : الخمرة شيء منسوج يعمل من سعف النخل ، ويرمل بالخيوط ، وهو صغير على قدر ما يسجد عليه المصلي أو فويق ذلك ، فإن عظم حتى يكفي الرجل لجسده كله في الصلاة أو مضطجعا أو أكثر من ذلك ، فهو حينئذ حصير ، وليس\rبخمرة .\rوقد سبق في الباب الماضي من رواية أخرى : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على\rالخمرة ، ويسجد عليها .\rوقد روى صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخمرة من روايات عدة من الصحابة من طرق كثيرة ، ولم يخرج في (( الصحيحين )) سوى حديث ميمونة ، ولم يخرج في بقية الكتب الستة سوى حديث لابن عباس ، خرجه الترمذي ، وأسانيدها كلها لا تخلو من مقال .\rوقد كان ابن عمر من الصحابة يصلون على الخمرة ، وإنما يكره ذلك من يكره السجود على غير الأرض .\rوقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يصلى على الخمرة ، ويؤتى بتراب حر ، فيوضع عليها في موضع سجوده ، فيسجد عليه .\r\r* * *","part":3,"page":126},{"id":401,"text":"22- باب\rالصلاة على الفراش\rوصلى أنس على فراشه .\rوقال أنس : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسجد أحدنا على ثوبه .\rحديث أنس المرفوع ، قد خرجه البخاري بإسناده في الباب الأتي، ويأتي في موضعه مع الكلام عليه - أن شاء الله .\rوحديثه الموقوف ، خرجه ابن أبي شيبة : ثنا ابن المبارك ، عن حميد ، عن أنس أنه كان يصلي على فراشه .\rثنا حفص ، عن ليث ، عن طاوس ، أنه كان يصلي على الفراش الذي مرض عليه .\rوأصل هذه المسائل : أنه تجوز الصلاة على غير جنس ما ينبت من الأرض كالصوف والجلود ، ورخص في الصلاة على ذلك أكثر أهل العلم .\rوقد روي معناه عن عمر ، وعلي ، وأبي الدرداء ، وابن عباس ، وأنس .\rوروي عن ابن مسعود وضعف الرواية في ذلك عنه الإمام أحمد .\rوهو قول أكثر العلماء بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد .\rوقال ابن المنذر : كرهت طائفة السجود إلا على الأرض ، كان جابر بن زيد يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض .\rوقال مالك في الصلاة على بساط الصوف والشعر : إذا وضع المصلي جبهته ويديه على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأسا . انتهى .\rومذهب مالك - فيما ذكره صاحب ((تهذيب المدونة)) - : أنه يكره السجود على الطنافس وثياب الصوف والكتان والقطن وبسط الشعر والأدم وأحلاس الدواب ، ولا يضع كفيه عليها ، ولكن يقوم عليها ويجلس ويسجد على الأرض ، ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض ، ويضع كفيه عليها . انتهى .\rوقال مجاهد : لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت .\rوقول مجاهد وجابر بن زيد الذي حكاه ابن المنذر قد يدخل فيه القطن والكتان : لأنهما مما ينبت من الأرض .\rوقال المروذي : كان أبو عبد الله - يعني : أحمد لا يرى السجود على ثوب ولا خرقة ، إلا من حر أو برد .\rقال القاضي أبو يعلى : يحتمل أن يكون أراد بذلك ثوبا متصلا به، ويحتمل أن يكون أراد به منفصلا عنه ؛ ليحصل تتريب وجهه في سجوده .\rقلت : والأول اظهر ؛ لأن نصوصه بجواز الصلاة على البسط ونحوه متكاثرة .\rخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r382- ثنا إسماعيل - هو : ابن أبي أويس - : ثنا مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتها ، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح .","part":3,"page":127},{"id":402,"text":"وجه الاستدلال بهذا الحديث على جواز الصلاة على الفراش : أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تنام على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ينام هو وعائشة عليه ، وكان يقوم فيصلي من الليل وهي نائمة معترضة بين يديه على الفراش ، وكانت رجلاها في قبلته ، فإذا أراد أن يسجد غمزها فقبضت رجلها ليسجد في موضع ، وهذا يدل على أنه كان يسجد على طرف الفراش الذي كانت نائمة عليه ، وكانت رجلاها عليه . والله أعلم .\rمع أنه يحتمل أن تكون رجلاها خرجت عن الفراش حتى صارت على الأرض في موضع سجوده .\rويدل على ذلك: ما رواه عبيد الله بن عمر ، عن القاسم ، أن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فتقع رجلي بين يديه - أو بحذائه- ، فيضربها فاقبضها .\rالحديث الثاني :\rقال :\r383- ثنا يحيى بن بكير :[ ثنا الليث] ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني عروة ، أن عائشة أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة .\rالظاهر : أنه إنما خرج هذا الحديث بهذا اللفظ في هذا الباب ؛ لأنه فهم منه أن قوله : (( على فراش أهله )) يتعلق بقولها : (( كان يصلي )) ، وأن المراد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على فراش أهله وعائشة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة ، فيكون في الكلام تقديم وتأخير .\rوقد خرجه في ((أبواب : المرور بين يدي المصلي)) من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه : اخبرني عروة ، أن عائشة قالت لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم فيصلي من الليل ، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله .\rوخرجه - أيضا - من طريق هشام ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه .\rوخرجه أبو داود من هذا الوجه ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة بينه وبين القبلة ، راقدة على الفراش الذي يرقد عليه .\rوكل هذه الألفاظ تبين أن المراد : أن نومها كان على الفراش ، لا أن صلاته - صلى الله عليه وسلم - كانت على الفراش .\rالحديث الثالث :\rقال :\r384- ثنا عبد الله بن يوسف : ثنا الليث ، عن يزيد - هو : ابن أبي حبيب - ، عن عراك ، عن عروة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه .\rهذا مرسل من هذا الوجه .\rودلالة لفظه كدلالة الذي قبله .\rوقد روي حديث هشام ، عن أبيه بلفظ يدل على ما فهمه البخاري ، فرواه أبو العباس السراج الحافظ : ثنا هناد بن السري : ثنا أبو معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل على الفراش الذي ينام عليه وأن بينه وبين القبلة .","part":3,"page":128},{"id":403,"text":"وهذا من تغيير بعض الرواة بالمعنى الذي فهمه من الحديث ؛ لاتفاق الحفاظ من أصحاب عروة على غير هذا اللفظ ، وليس أبو معاوية بالحافظ المتقن لحديث هشام بن عروة ، إنما هو متقن لحديث الأعمش .\r* * *\r23- باب\rالسجود على الثوب في شدة الحر\rوقال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ، ويداه في كمه .\rروى ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن الحسن ، أن أصحاب\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم ، ويسجد الرجل منهم على عمامته .\rفقد تضمن ما قاله الحسن في هذا مسألتين :\rإحداهما :\rسجود المصلي ويداه في كمه ، أو في ثوبه ، وقد حكى عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه.\rوروى أبو نعيم ووكيع في (( كتابيهما )) عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كانوا يصلون في برانسهم ومساتقهم وطيالستهم ، لا يخرجون أيديهم .\rوروى وكيع ، عن الأعمش ، عن محارب -أبو وبرة- ، قَالَ : كان ابن عمر يلتحف بالملحفة ، ثُمَّ يسجد فيها ، لا يخرج يديه .\rوالصحيح عن ابن عمر : ما رواه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا سجد يضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه . قال : ولقد رايته في يوم شديد البرد ويخرج يديه من تحت برنس له .\rوممن كان يسجد ويداه في ثوبه لا يخرجهما : سعيد بن جبير ، وعلقمة ، ومسروق ، والأسود .\rوحكى ابن المنذر ، عن عمر الرخصة في السجود على الثوب في الحر ، وعن عطاء وطاوس . قال : ورخص فيه للحر والبرد النخعي والشعبي ، وبه قال مالك والأوزاعي واحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، ورخص الشافعي في وضع اليدين على الثوب في الحر والبرد . انتهى .\rونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق : لا يسجد ويداه في ثوبه، إلا من برد أو علة ، وكذا نقل غير واحد عن أحمد : أنه لا يفعل ذلك إلا من علة ، ولا يفعله من غير علة .\rوروى عنه جماعة من أصحابه : أنه لا باس بذلك ، ولم يقيده بالعلة ، فيحتمل أن يكون ذلك رواية عنه بعدم الكراهة مطلقا ، ويحتمل أن تحمل رواياته المطلقة على رواياته المقيدة ، وكلام أكثر أصحابنا يدل على ذلك ، وفيه نظر .\rوبكل حال ؛ فيجرئ السجود وأن لم يباشر الأرض بيديه رواية واحدة ، ولا يصح عن أحمد خلاف ذلك البتة ، وإنما اصل نقل الخلاف في ذلك عن أحمد مأخوذ من كتب مجهولة لا يعرف أصحابها ، فلا يعتمد عليها .\rومذهب مالك : أنه أن كان حر أو برد جاز له أن يبسط ثوبا يسجد عليه ، ويجعل عليه كفيه ، مع قوله : يكره السجود على الثياب من غير عذر ، كما سبق .\rوللشافعي قولان في وجوب السجود على الكفين .\rوعلى قوله بالوجوب ، فهل يجب كشفهما أو يجوز السجود عليهما وهما في\rكمه ؟ على قولين له - أيضا - ، أصحهما : أنه يجوز .\rوعلى القول الآخر ، فإنما يجب كشف أدنى جزء منهما ، لا كشف جميعهما .\rالمسألة الثانية :\rسجود الرجل على كور عمامته وعلى قلنسوته ، وقد حكى الحسن عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه .","part":3,"page":129},{"id":404,"text":"وممن روي عنه أنه كان يسجد على كور عمامته : عبد الله بن أبي أوفى ، لكن من وجه فيه ضعف .\rوروى عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يسجد على كور عمامته .\rوقد خالفه من هو أحفظ منه كما سيأتي .\rوروي عن عبد الله بن يزيد الأنصاري ومسروق وشريح السجود على كور العمامة والبرنس .\rورخص فيه ابن المسيب والحسن ومكحول والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق .\rوكان عبد الرحمان بن يزيد يسجد على كور عمامة له غليظة ، تحول بينه وبين الأرض .\rوقد روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يفعله ، من وجوه كلها باطلة ، لا يصح منها شيء - : قاله البيهقي وغيره .\rوروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عنه ، من وجوه مرسلة ، وفيها ضعف - أيضا .\rوروي عن علي ، قال : إذا صلى أحدكم فليحسر العمامة عن جبهته .\rوكان عبادة بن الصامت يفعله .\rوروى أيوب ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يسجد على كور العمامة .\rوروى عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يحسر عن جبهته كور العمامة إذا سجد ، ويخرج يديه ، ويقول : أن اليدين تسجدان مع الوجه .\rوكره ابن سيرين السجود على كور العمامة .\rوعن عمر بن عبد العزيز ما يدل على ذلك .\rوقال النخعي وميمون بن مهران : أبرز جبيني أحب إلي .\rوقال عورة : يمكن جبهته من الأرض .\rوقال مالك : من صلى على كور العمامة كرهته ، ولا يعيد ، وأحب إلي أن يرفع عن بعض جبهته حتى تمس الأرض بذلك - : نقله صاحب ((تهذيب المدونة)) .\rومذهب الشافعي : لا يجزئه أن يسجد على كور عمامته ، ولا على طرف ثوبه وما هو متصل به ، حتى يكشف عن بعض محل سجوده فيباشر به المصلي .\rوكره أحمد السجود على كور العمامة ، إلا لعلة من حر أو برد يؤذيه ، فلم يكرهه كذلك .\rوقال - في رواية صالح - : لا باس بالسجود على كور العمامة ، وأعجب إلي أن يبرز جبهته ويسجد عليها .\rوقال - في رواية أبي داود - : لا يسجد على كور العمامة ، ولا على القلنسوة . قيل له : فمن صلى هكذا يعيد ؟ قال : لا ، ولكن لا يسجد عليها .\rولم يذكر القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير)) وغيره من كتبه في صحة صلاته على كور العمامة ونحوها خلافا .\rوحكى ابن أبي موسى رواية أخرى : أنه إذا سجد على كور عمامته لغير حر ولا برد أنه لا يجزئه .\rولم نجد بذلك نصا عنه صريحا بالإعادة ، إنما النص عنه بكراهته والنهي عنه .\rوقد نقل أبو داود النهي عنه مع الإجزاء .\rونهى أحمد ابنه عبد الله عن سجوده في الصلاة على كمه ، ولم يأمره بالإعادة .\rوأما من نقل رواية عن أحمد بالإعادة مطلقا بذلك فلا يصح نقله .\rوقول ابن أبي موسى : أن سجد على قلنسوته لم يجزئه - قولا واحدا - ، لا يصح ، ورواية أبي داود عن أحمد ترده .\rولو كان جبينه جريحا وعصبه بعصابة ، جاز السجود عليها عند الشافعي ، ولا إعادة عليه ، ومن أصحابه من حكى وجها ضعيفا بالإعادة .","part":3,"page":130},{"id":405,"text":"ولم يرخص عبيدة السلماني في السجود على العصابة للجرح ، وهذا حرج شديد تأباه السمحة .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r385- ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك - هو : الطيالسي - : ثنا بشر بن المفضل : ثنا غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود .\rوقد خرجه في موضع آخر من ((كتابه)) من طريق ابن المبارك، عن خالد بن\rعبد الرحمان - وهو : ابن بكير السلمي البصري - : حدثني غالب القطان ، عن بكر المزني ، عن أنس، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالظهر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر .\rوقد خرجه مسلم من طريق بشر بن المفضل ، عن غالب ، ولفظه : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شدة الحر ، فإذا لم يستطع احدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه .\rوخرجه البخاري في أواخر ((الصلاة)) كذلك .\rوقد خرجه الترمذي من طريق خالد بن عبد الرحمان ، وقال : حسن صحيح .\rوإنما ذكرت هذا ؛ لأن العقيلي قال : حديث أنس في هذا : فيه لين ، ولعله ظن تفرد خالد به ، وقد قال هو في خالد : يخالف في حديثه ، وقد تبين أنه تابعه بشر بن المفضل على جلالته وحفظه .\rوقد أدخل بعض الرواة في إسناد هذا الحديث : ((الحسن البصري)) بين بكر وأنس ، وهو وهم - : قاله الدارقطني .\rومن تأول هذا الحديث على أنهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم ، فقد أبعد ، ولم يكن أكثر الصحابة - أو كثير منهم - يجد ثوبين يصلي فيهما ، فكانوا يصلون في ثوب واحد كما سبق ، فكيف كانوا يجدون ثيابا كثيرة يصلون في بعضها ويتقون الأرض ببعضها ؟!\rوقد روي عن أنس حديث يخالف هذا :\rخرجه أبو بكر ابن أبي داود في ((كتاب الصلاة)) له : ثنا محمد بن عامر الأصبهاني : حدثني أبي : ثنا يعقوب ، عن عنبسة ، عن عثمان الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرمضاء فإذا كان في ثوب أحدنا فضلة فجعلها تحت قدميه ولم يجعل تحت جبينه ؛ لأن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت خفيفة في إتمام .\rوقال : سنة تفرد بها أهل البصرة .\rقلت : يشير إلى تفرد عثمان الطويل به عن أنس ، وهما بصريان، وعثمان هذا قد روى عنه شعبة وغيره ، وقال أبو حاتم فيه : هو شيخ .\rوأما من قبل عثمان فهم ثقات مشهورون ، فعنبسة هو : ابن سعيد قاضي الري ، أصله كوفي ، ثقة مشهور ، وثقه أحمد ويحيى . ويعقوب هو : القمي ، ثقة مشهور - أيضا - وعامر هو : ابن إبراهيم الأصبهاني ، ثقة مشهور من أعيان أهل أصبهان ، وكذلك ابنه محمد بن عامر .\rولكن إسناد حديث بكر أصح ، ورواته أشهر ؛ ولذلك خرج في ((الصحيح)) دون هذا . والله أعلم .\rواستدل بعض من لم ير السجود على الثوب بما روى أبو إسحاق، عن سعيد بن وهب ، عن خباب ، قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في الرمضاء ، فلم يشكنا .\rخرجه مسلم .","part":3,"page":131},{"id":406,"text":"وفي رواية له - أيضا - : أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكونا إليه حر الرمضاء ، فلم يشكنا .\rقالوا : والمراد بذلك أنهم شكوا إليه مشقة السجود على الحصى في شدة الحر ، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم ، فلم يجبهم إلى ما سألوا ، ولا أزال شكواهم .\rواستدلوا على ذلك : بما روى محمد بن جحادة ، عن سليمان بن أبي هند ، عن خباب ، قال : شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شدة الحر في جباهنا وأكفنا ، فلم يشكنا .\rويجاب عن ذلك : بأن حديث خباب اختلف في إسناده على أبي إسحاق : فروي عنه ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب . وروي عنه، عن حارثة بن مضرب ، عن\rخباب .\rوقد قيل : إنهما من مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لم يرو عنهم غيره ، وفي إسناده اختلاف كثير ؛ ولذلك لم يخرجه البخاري.\rوأما معنى الحديث : فقد فسره جمهور العلماء بأنهم شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في شدة الحر، وطلبوا منه الإبراد بها ، فلم يجبهم ، وبهذا فسره رواة الحديث ، منهم : أبو إسحاق وشريك .\rوقد خرجه البزار في ((مسنده)) ، وزاد فيه : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهجير .\rوخرجه ابن المنذر ، وزاد في آخره : وقال : ((إذا زالت الشمس فصلوا)) .\rوأما رواية من زاد فيه : ((في جباهنا واكفنا)) ، فهي منقطعة .\rحكى إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين ، أنه قال : هي مرسلة .\rيعني : أن سليمان بن أبي هند لم يسمع من خباب .\rوعلى تقدير صحتها ، فقد يكون شكوا إليه ما يلقونه من شدة حر الحصى في سجودهم ، وأنه لا يقيهم منه ثوب ونحوه .\rوأيضا ؛ فلو كانوا قد طلبوا منه السجود على ثوب يقيهم حر الرمضاء لأمرهم بالسجود على ثوب منفصل ؛ فإن ذلك لا يكره عند الشافعي ولا عند غيره ؛ لشدة الحر كما سبق .\rفإن قيل : فحمله على هذا ترده أحاديث الأمر بالإبراد بالظهر في شدة الحر .\rقيل : عنه جوابان :\rأحدهما : أن ذلك كان قبل أن يشرع الإبراد بها ، ثم نسخ ، وقد روي من حديث المغيرة ما يدل على ذلك .\rوالثاني : أن شدة الحر في الصيف لا تزول في المدينة إلا بتأخر الظهر إلى آخر وقتها ، وهو الذي طلبوه ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وإنما أمرهم بالإبراد اليسير ، ولا تزول به شدة حر الحصى .\rوقد قيل : أنهم إنما شكوا إليه أنهم كانوا يعذبون في الله بمكة في حر الرمضاء قبل الهجرة ، وطلبوا منه أن يدعو لهم ويستنصر ، فأمرهم بالصبر في الله .\rوقد روى قيس ابن أبي حازم ، عن خباب هذا المعنى صريحا ، وبهذا فسره علي بن المديني وغيره .\rوالصحيح : الأول . والله أعلم .\r* * *","part":3,"page":132},{"id":407,"text":"24- باب\rالصلاة في النعال\r386-ثنا آدم بن أبي إياس : ثنا شعبة : ابنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي ، قال : سالت أنس بن مالك : أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في نعليه ؟ قال : نعم .\rلم يخرج في (( الصحيحين )) من أحاديث الصلاة في النعلين غير حديث سعيد ابن يزيد ، عن أنس هذا ، وتفرد به البخاري من طريق شعبة ، عنه .\rوقد رواه سلم بن قتيبة ، عن شعبة ، عن سعيد وأبي عمران الجوني - كلاهما - ، عن أنس .\rوأنكر ذلك على سلم يحيى القطان .\rوقال الدارقطني : وهم في ذلك .\rوالصلاة في النعلين جائزة ، لا اختلاف بين العلماء في ذلك ،\rوقد قال أحمد : لا بأس أن يصلي في نعليه إذا كانتا طاهرتين .\rوليس مراده : إذا تحقق طهارتهما ، بل مراده : إذا لم تتحقق نجاستهما .\rيدل على ذلك : أن ابن مسعود قال : كنا لا نتوضأ من موطئ .\rخرجه أبو داود .\rوخرجه ابن ماجه ، ولفظه : أُمرنا أن لا نكفت شعرا ولا ثوبا ، ولا نتوضأ من موطئ .\rوخرجه وكيع في (( كتابه )) ، ولفظه: لقد رايتنا وما نتوضأ من موطئ ، إلا أن يكون رطبا فنغسل أثره .\rوروي عن ابن عمر ، أنه قال : امرنا أن لا نتوضأ من موطئ .\rخرجه الدارقطني في ((العلل)) . وذكر أن بعضهم لم يرفعه ، وجعله من فعل ابن عمر.\rوالمراد بذلك : أن من مشى حافيا على الأرض النجسة اليابسة أو خاض طين\rالمطر ، فإنه يصلي ولا يغسل رجليه .\rوقد ذكر مالك وغيره أن الناس لم يزالوا على ذلك .\rوذكره ابن المنذر إجماعا من أهل العلم ، إلا عن عطاء ، فإنه قال : يغسل\rرجليه . قال : ويشبه أن يكون هذا منه استحبابا لا إيجابا .\rقال : وبقول جل أهل العلم نقول .\rوهذا يبين أن جمهور العلماء لا يرون غسل ما يصيب الرجل من الأرض ، مما لا تتحقق نجاسته ، ولا التنزه عنه في الصلاة .\rوقد روي الأمر بالصلاة في النعلين ، ما خرجه أبو داود وابن حبان في\r(( صحيحه )) من حديث شداد بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ، ولا في خفافهم )) .\rوروى عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس ، قال : لم يخلع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعله في الصلاة إلا مرة ، فخلع القوم نعالهم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لم خلعتم نعالكم ؟ )) قالوا رأيناك خلعت فخلعنا ، قال : (( أن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً )) .\rقال البيهقي : تفرد عبد الله بن المثنى ، ولا بأس بإسناده .\rقلت : عبد الله بن المثنى ، يخرج له البخاري كما تقدم .\rوهذا يدل على أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - المستمرة الصلاة في نعليه ، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيا .\rوقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة ، قال لهُ : أبالوادي المقدس أنت ؟!\rوكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة .","part":3,"page":133},{"id":408,"text":"وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة ، ونسبه إلى أنه أحدث - يريد : أنه ابتدع .\rوكان النخعي وأبو جعفر محمد بن على إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما وصليا فيها .\rوأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال ، منهم : أبو هريرة وغيره.\rوقال الشافعي - ونقلوه عنه - : أن خلع النعلين في الصلاة أفضل ؛ لما فيه من مباشرة المصلي بأطراف القدمين إذا سجد عليهما .\rووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلي وغيره من أصحابنا .\rولم يعللوا ذلك باحتمال إصابة النجاسة ، مع حكايتهم الخلاف في طين الشوارع : هل هو نجس أو طاهر يعفى عن يسيره ؟ فحكى أصحاب الشافعي له في ذَلكَ قولين ، وكذلك حكى الخلاف في مذهب أحمد بعض أصحابنا .\rوالصحيح عند محققيهم : أن المذهب طهارته ، وعليه تدل أحوال السلف الصالح وأقوالهم ، كما تقدم عنهم في ترك غسل القدمين من الخوض في الطين ، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة .\rقال الجوزجاني : لم ير المسلمون بطين المطر بأسا .\rوقد صرح كثير من السلف بأنه طاهر ولو خالطه بول ، منهم : سعيد بن جبير وبكر المزني وغيرهما .\rوالتحرز من النجاسات إنما يشرع على وجه لا يفضي إلى مخالفة ما كان عليه السلف الصالح ، فكيف يشرع مع مخالفتهم ومخالفة السنن الصحيحة ؟!\rوقد اختلف العلماء : في نجاسة أسفل النعل ونحوه : هل تطهر بدلكها بالأرض ، أم لا تطهر بدون غسل ، أم يفرق بين أن يكون بول ادمي أو عذرته فلا بد من غسلها وبين غيرها من النجاسات فتطهر بالدلك ؟ على ثلاثة أقوال .\rوقد حكى عن أحمد ثلاثة روايات كذلك .\rوالقول بطهارتها بالدلك كثير من أصحابنا ، وهو قول قديم للشافعي ، وقول ابن أبي شيبة ويحيى بن يحيى النيسابوري .\rوقال ابن حامد من أصحابنا : تطهر بذلك .\rوالقول بالفرق بين البول والعذرة قول أبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي .\rوفي هذا الباب أحاديث متعددة .\rوأجودها حديث أبي نعامة السعدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه ، وليصل فيه )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان ((صحيحيهما )) والحاكم .\rوقال : صحيح على شرط مسلم .\rيشير إلى أن أبا نعامة وأبا نضرة خرج لهما مسلم ، وقد رواه جماعة عن أبي نعامة بهذا الإسناد .\rورواه أيوب ، واختلف عليه فيه ، فروي عنه كذلك ، وروي عنه مرسلاً ، وهو أشهر عن أيوب .\rقال الدارقطني : الصحيح : عن أيوب سمعه من أبي نعامة ، ولم يحفظ إسناده فأرسله ، والقول : قول من قال : عن أبي سعيد .\rوقال أبو حاتم الرازي : المتصل أشبه . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":134},{"id":409,"text":"25- باب\rالصلاة في الخفاف\r387- حدثنا آدم : ثنا شعبة ، عن الأعمش ، قال : سمعت إبراهيم يحدث عن همام بن الحارث ، قال : رأيت جرير بن عبد الله ، بال، ثم توضأ ومسح على خفيه ، ثم قام فصلى ، فسئل ، فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع مثل هذا .\rقال إبراهيم ، فكان يعجبهم ؛ لأن جريرا كانَ من آخر من أسلم .\r388- حدثنا إسحاق بن نصر : ثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن المغيرة بن شعبة ، قالَ : وضأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمسح على خفيه\rوصلى .\rقد تقدم حديث جرير والمغيرة في المسح على الخفين بغير هذين الإسنادين .\rوإنما المقصود هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على خفيه ثم صلى وهما عليه .\rوقد صرح القائلون باستحباب خلع النعلين في الصلاة : أنه إذا كان قد مسح على الخفين ثم أراد الصلاة فإنه لو نزعهما لانتقضت طهارته عندهم ، كما سبق ذكره في أبواب نقض الوضوء ، فلذلك كان الأولى له أن يصلي في خفيه .\rوليس لنا موضع يكره أن يصلي فيه في النعلين والخفين إلا الكعبة ؛ فإنه يكره لمن دخلها أن يلبس خفيه أو نعليه - : نص عليه عطاء ومجاهد واحمد ، وقال : لا أعلم أحدا رخص فيه .\rوفي كثير من نسخ البخاري هاهنا بابان :\rأحدهما : ((باب : إذا لم يتم السجود)) .\rوالثاني : ((باب : يبدي ضبعيه ويجافي في السجود)) .\rوقد أعادهما على وجههما في ((صفة الصلاة)) عند ((أبواب السجود)) وهو الأليق بهما ، فنؤخرهما إلى ذلك المكان - أن شاء الله تعالى .\rوقد انتهى ذكر أبواب اللباس في الصلاة، ويشرع بعده في أبواب استقبال القبلة .\r* * *\r28- باب\rفضل استقبال القبلة\rيستقبل بأطراف رجليه القبلة - : قاله أبو حميد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rحديث أبي حميد هذا ، خرجه البخاري بإسناده بتمامه في ((أبواب صفة الصلاة)) ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد استقبل بأطراف رجليه القبلة .\rوخرج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث عائشة ، قالت : فقدت النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الفراش ، فالتمسته ، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في السجود ، ناصبا\rقدميه ، مستقبلا بأطراف أصابعه القبلة .\rوخرجه مسلم ، ولفظه : ((وهو في المسجد ، وهما منصوبتان)).\rوقال ابن جريج : عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، ما رأيت مصليا كهيئة عبد الله بن عمر ، أشد استقبالا للكعبة بوجهه وكفيه وقدمه .\rوروى نافع ، عن ابن عمر ، قال : إذا سجد أحدكم فليستقبل بيديه القبلة ؛ فإنهما يسجدان مع الوجه .\rوروي عنه ، قال : كان ابن عمر إذا صلى استقبل القبلة بكل شيء ، حتى\rبنعليه .\rوروى سالم عن ابن عمر ، أنه كره أن يعدل كفيه عن القبلة .\rوروى المسعودي ، عن عثمان الثقفي ، أن عائشة رأت رجلا مائلا كفيه عن القبلة ، فقالت : اعدلهما إلى القبلة .","part":3,"page":135},{"id":410,"text":"وروى حارثة بن محمد - وفيه ضعف - ، عن عمرة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد وضع يديه وجاه القبلة .\rخرجه ابن ماجه .\rواستحب ذلك كثير من السلف ، منهم : سالم والقاسم بن محمد والحسن وابن سيرين .\rوقال حفص بن عاصم : هو من السنة .\rقال الأثرم : تفقدت أبا عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - في صلاته ، فرأيته يفتخ أصابع رجله اليمنى فيستقبل بها القبلة ويجعل بطون أصابع رجله اليمنى مما يلي الأرض .\rقال : والفتخ - يعني : بالخاء المعجمة - هو أن يكسر أصابعه فيثنيها حتى تكون أطرافها مواجهة للقبلة ، ولو لم يفعل ذلك كانت أطرافها إلى غير القبلة .\rوفي حديث أبي حميد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد فتخ أصابع رجليه .\rخرجه أبو داود والترمذي .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r391- حدثنا عمرو بن عباس : ثنا ابن مهدي : ثنا منصور بن سعد عن ميمون بن سياه ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا تخفروا الله في ذمته)) .\r392- وحدثنا نعيم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ، إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل)) .\r393- وقال علي بن عبد الله : ثنا خالد بن الحارث ، ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم العبد وماله ؟ فقال : من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم .\rوقال ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rهذا الحديث قد خرجه البخاري من طريقين :\rأحدهما : من رواية منصور بن سعد ، عن ميمون بن سياه ، عن أنس مرفوعا .\rوميمون بن سياه ، بصري اختلف فيه ، فضعفه ابن معين ، ووثقه أبو حاتم الرازي .\rوالثاني : من رواية حميد ، عن أنس - تعليقا - من ثلاثة أوجه ، عنه . وفي بعض النسخ أسنده .\rمن أحدها : عن نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن حميد ، عن أنس ، ورفعه .\rوالثاني : علقه عن ابن المديني ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، أن ميمون بن سياه سأل أنسا - فذكره ، ولم يرفعه ، جعله من قول أنس .\rوالثالث : علقه ، عن ابن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب : ثنا حميد : ثنا أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وصرح فيه بسماع حميد له من أنس ، ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومقصود البخاري بهذا : تصحيح رواية حميد ، عن أنس المرفوعة.","part":3,"page":136},{"id":411,"text":"وقد نازعه في ذلك الإسماعيلي ، وقال : إنما سمعه حميد من ميمون بن سياه ، عن أنس . قال : ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله : ((ثنا حميد : ثنا أنس)) ؛ فإن عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه ؛ لا يطوونه طي أهل العراق .\rيشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم ، ولا يكون الإسناد متصلا بالسماع .\rوقد ذكر أبو حاتم الرازي عن أصحاب بقية بن الوليد أنهم يصنعون ذلك كثيرا .\rثم استدل الإسماعيلي على ما قاله بما خرجه من طريق عبيد الله بن معاذ : ثنا أبي : ثنا حميد ، عن ميمون بن سياه ، قال : سألت أنسا : ما يحرم دم المسلم وماله ؟ قال : من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - الحديث .\rقال : وما ذكره عن علي بن المديني عن خالد بن الحارث فهو يثبت ما جاء به معاذ بن معاذ ؛ لأن ميمون هوَ الذي سأل ، وحميد منه سمع . والله أعلم . انتهى ما\rذكره .\rورواية معاذ بن معاذ ، عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفة .\rوقد ذكر الدارقطني في ((العلل)) أنها هي الصواب ، بعد أن ذكر أن ابن المبارك ويحيى بن أيوب ومحمد بن عيسى بن سميع رووه عن حميد ، عن أنس مرفوعا .\rقال : وذكر هذا الحديث لعلي بن المديني ، عن ابن المبارك . فقال : أخاف أن يكون هذا وهما ، لعله : حميد ، عن الحسن - مرسلا .\rقال الدارقطني : وليس كذلك ؛ لأن معاذ بن معاذ من الأثبات . وقد رواه كما ذكرنا - يعني : عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس موقوفا .\rوقد خرجه أبو داود في ((سننه)) من طريق يحيى بن أيوب كما أشار إليه\rالبخاري .\rوخرجه أبو داود - أيضا - والترمذي والنسائي من طريق ابن المبارك وحسنه الترمذي وصححه وغربه ، وذكر متابعة يحيى بن أيوب له .\rوخرجه النسائي -أيضا- من طريق محمد بن عيسى بن سميع : ثنا حميد عن أنس ورفعه .\rومن طريق محمد بن عبد الله الأنصاري : ثنا حميد ، قال : سأل ميمون بن سياه أنسا ، فقال : يا أبا حمزة ، ما يحرم دم المسلم وماله - فذكره موقوفا ، ولم يرفعه .\rوهذه مثل رواية خالد بن الحارث التي ذكرها البخاري ، عن ابن المديني ، عنه ، وقد جعلا ميمون بن سياه سائلا لأنس ، ولم يذكرا أن حميدا رواه عن ميمون ، ولعل قولهما أشبه .\rوتابعهما معاذ بن معاذ على وقفه ، إلا أنه جعله : ((عن حميد ، عن ميمون ، عن أنس)) ، وهو الصحيح عند الإسماعيلي والدارقطني كما سبق .\rوأما رفعه مع وصله ، فقد حكى الدارقطني عن ابن المديني أنه أنكره .\rوكذا نقل ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، أنه قال : لا يسنده إلا ثلاثة أنفس : ابن المبارك ويحيى بن أيوب وابن سميع .\rيشير إلى أن غيرهم يقفه ولا يرفعه ، كذا قال .\rوقد رواه أبو خالد الأحمر ، عن حميد ، عن أنس - مرفوعا .\rخرج حديثه الطبراني وابن جرير الطبري .","part":3,"page":137},{"id":412,"text":"وروى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى المنذر بن ساوى : ((أما بعد ؛ فإن من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله والرسول)) .\rخرجه أبو عبيد .\rوهو مرسل .\rوقد دل هذا الحديث على أن الدم لا يعصم بمجرد الشهادتين ، حتى يقوم بحقوقهما ، وآكد حقوقهما الصلاة ؛ فلذلك خصها بالذكر . وفي حديث آخر أضاف إلى الصلاة الزكاة .\rوذكر استقبال القبلة إشارة إلى أنه لا بد من الإتيان بصلاة المسلمين المشروعة في كتابهم المنزل على نبيهم وهي الصلاة إلى الكعبة ، وإلا فمن صلى إلى بيت المقدس بعد نسخه كاليهود أو إلى المشرق كالنصارى فليس بمسلم ، ولو شهد بشهادة التوحيد .\rوفي هذا دليل على عظم موقع استقبال القبلة من الصلاة ؛ فإنه لم يذكر من شرائط الصلاة غيرها ، كالطهارة وغيرها .\rوذكره أكل ذبيحة المسلمين ، فيه إشارة إلى أنه لا بد من التزام جميع شرائع الإسلام الظاهرة ، ومن أعظمها أكل ذبيحة المسلمين ، وموافقتهم في ذبيحتهم ، فمن امتنع من ذلك فليس بمسلم .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتحن أحيانا من يدخل في الإسلام ، وقد كان يرى في دينه الأول الامتناع من أكل بعض ذبيحة المسلمين ، بإطعامه مما كان يمتنع من أكله ؛ ليتحقق بذلك إسلامه .\rفروي أنه عرض على قوم - كانوا يمتنعون في جاهليتهم من أكل القلب ، ثم دخلوا في الإسلام - أكل القلب ، وقال لهم : ((أن إسلامكم لا يتم إلا بأكله)) .\rفلو أسلم يهودي ، وأقام ممتنعا من أكل ذبائح المسلمين ، كان ذلك دليلا على عدم دخول الإسلام في قلبه ، وهذا الحديث يدل على أنه لا يصير بذلك مسلما .\rويشهد لذلك : قول عمر فيمن أسلم من أهل الأمصار وقدر على الحج ولم\rيحج ، أنه هم بضرب الجزية عليهم ، وقال : ما هم بمسلمين .\rوحكي عن الحسن بن صالح ، أن المسلم إذا أسلم بدار الحرب ، وأقام بها مع قدرته على الخروج ، فهو كالمشرك في دمه وماله ، وأنه أن لحق المسلم بدار الحرب وأقام بها صار مرتدا بذلك .\rوقوله : ((فذلك المسلم ، له ذمة الله ورسوله)) . الذمة : العهد ، وهو إشارة إلى ما عهده الله ورسوله إلى المسلمين بالكف عن دم المسلم وماله .\rوقوله : ((فلا تخفروا الله في ذمته)) ، أي : لا تغدروا بمن له عهد من الله\rورسوله ، فلا تفوا له بالضمان ، بل أوفوا له بالعهد .\rوهو مأخوذ من قولهم : أخفرت فلانا ، إذا غدرت به ، ويقولون : خفرته ، إذا حميته .\r* * *\r\r29- باب\rقبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق\rوليس في المشرق ولا في المغرب قبلة ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ، ولكن شرقوا أو غربوا)) .","part":3,"page":138},{"id":413,"text":"مقصوده بهذا الباب : أن أهل المدينة ومن كان قريبا من مسامتهم كأهل الشام والعراق ، فإن قبلتهم ما بين المشرق والمغرب من جهة الكعبة ، وأن المشرق والمغرب ليس قبلة لهم ، وما بينهما فهو لهم قبلة ، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاهم عن استقبال القبلة بغائط أو بول ، وأمرهم أن يشرقوا أو يغربوا ، فدل على أن الشرق والغرب ليس لهم قبلة ، وما بينهما فهو لهم قبلة .\rوقد روى عن ابن عمر وسعيد بن جبير، أنهما قالا : ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المشرق .\rوكذا قال الإمام أحمد : ما بين المشرق والمغرب قبلة لنا نحن أهل المشرق ، ليس هي لأهل الشام ولا أهل اليمن .\rومراده بعض أطراف الشام .\rوهذا هو مراد عمر بقوله : ما بين المشرق والمغرب قبلة .\rوقد روي مرفوعا ، إلا أنه ليس على شرط البخاري .\rوقد قال أحمد : ليس له إسناد .\rيعني أن في أسانيده ضعفا .\rوقال مرة : ليس بالقوي . قال : وهو عن عمر صحيح .\rوأقوى ما ورد فيه مسندا : حديث عبد الله بن جعفر المخرمي ، عن عثمان ابن محمد الأخنسي ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) .\rخرجه الترمذي .\rوقال حديث حسن صحيح .\rوالأخنسي ، وثقه ابن معين وغيره . والمخرمي ، خرج له مسلم، وقال ابن المديني : روى مناكير .\rوخرجه ابن ماجه والترمذي - أيضا - من طريق أبي معشر نجيح السندي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوأبو معشر، ضعيف الحديث .\rوتابعه عليه : علي بن ظبيان ، فرواه عن محمد بن عمرو ، كما رواه .\rخرجه ابن عدي .\rوعلي بن ظبيان ، ضعيف - أيضا .\rوفيه حديث مرسل :\rرواه الإمام أحمد - في رواية ابنه صالح - ، عن أبي سعيد مولى بني هاشم : حدثني سليمان بن بلال ، قال : قال عمرو بن أبي عمرو: عن المطلب بن حنطب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة ، إذا وجهت وجهك نحو البيت الحرام)) .\rوروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة .\rوهذا هو الذي قال فيه أحمد : أنه صحيح عن عمر .\rوقد رواه يحيى القطان وغير واحد ، عن عبيد الله .\rورواه حماد بن مسعدة ، عن عبيد الله ، وزاد فيه : ((إلا عند البيت)) .\rوروي عن ابن نمير وحماد بن سلمة ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورفعه غير صحيح عند الدارقطني وغيره من الحفاظ .\rوأما الحاكم فصححه ، وقال : على شرطهما وليس كما قال .\rوكذلك رواه محمد بن عبد الرحمان بن مجبر ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا .\rوابن المجبر ، مختلف في أمره .\rوقال أبو زرعة : هو وهم ، والحديث حديث ابن عمر موقوف .\rوروي هذا المعنى - أيضا - عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - ، ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك .","part":3,"page":139},{"id":414,"text":"وكذلك قال إبراهيم وسعيد بن جبير : ما بين المشرق والمغرب قبلة ، زاد سعيد بن جبير : لأهل المشرق .\rوقال مجاهد فيمن مال عن القبلة : لا يضره ؛ ما بين المشرق والمغرب قبلة .\rوقال الحسن فيمن التفت في صلاته : أن استدبر القبلة بطلت صلاته ، وأن التفت عن يمينه أو شماله مضت صلاته .\rوروي عن حميد بن عبد الرحمان ، أنه أعاد صلاة صلاها في مسجد قيل له : إن في قبلته تياسرا .\rومذهب مالك : أنه أن علم في الصلاة أنه استدبر القبلة أو شرق أو غرب قطع وأبتدأ الصلاة ، وأن علم بذلك بعد الصلاة أعاد في الوقت ، وأن علم أنه انحرف يسيرا فلينحرف ال القبلة ويبني - : ذكره في ((تهذيب المدونة)) .\rومذهب أحمد : أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ، لم تختلف نصوصه في ذلك ، ولم يذكر المتقدمون من أصحابه فيه خلافا ، وإنما ذكره القاضي أبو يعلى ومن بعده وأخذوه من لفظ له محتمل ليس بنص ولا ظاهر ، والمحتمل يعرض على كلامه الصريح ، ويحمل عليه ، ولا يعد مخالفا له بمجرد احتمال بعيد ، ولكن الشافعي له قولان في المسألة ، وأما أحمد فلم يختلف قوله في ذلك ، وقد صرح بمخالفة الشافعي فيه .\rقال أحمد في رواية جعفر بن محمد : بين المشرق والمغرب قبلة، ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء ، إذا صلى بينهما فصلاته صحيحة جائزة ، إلا أنا نستحب أن يتوسط القبلة ، ويجعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره ، يكون وسطا بين ذلك ، وأن هو صلى فيما بينهما ، وكان إلى أحد الشقين أميل فصلاته تامة، إذا كان بين المشرق والمغرب ، ولم يخرج بينهما .\rونقل عنه جماعة كثيرون هذا المعنى .\rوروي عنه أنه سئل عن قوله : مابين المشرق والمغرب قبلة ، فأقام وجهه نحو القبلة ، ونحا بيده اليمنى إلى الشفق ، واليسرى إلى الفجر ، وقال : القبلة ما بين هذين .\rوقال في رواية الأثرم : إذا طلعت الشمس من المشرق فقد ثبت أنه مشرق ، وإذا غربت فقد ثبت أنه مغرب ، فما بين ذلك لأهل المشرق ، إذا كان متوجها إلى الكعبة .\rوقد أنكر أن يكون المراد مشرق الشتاء خاصة ، وقال : لا يبالي مغرب الشتاء ولا مغرب الصيف ، إذا صلى بينهما فصلاته جائزة .\rومراده : أن ما بين أقصى المشارق إلى أقصى المغارب في الشتاء والصيف فهو\rقبلة ، والمستحب أن يصلي وسطا من ذلك .\rولم يرد أحمد أنه في كل فصل من فصول العام يصلي وسطا بين مشرق الشمس ومغربها فيه حينئذ ؛ لأنه يلزم من ذَلكَ الانحراف إلى المشرق أو المغرب في بعض\rالأزمان .","part":3,"page":140},{"id":415,"text":"وإنما قَالَ أحمد هذا لأن الناس من فشر ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) بمشرق الشتاء ومغربه خاصة ، منهم : أبو خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي ؛ فإن الشتاء لهُ مشرق ومغرب ، والصيف كذلك ، ولهذا ثناهما الله تعالى في قوله : { رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } [الرحمن:17] ، وجمعهما في قوله : { بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } [المعارج:40] باعتبار مشارق الشتاء والصيف والخريف والربيع ؛ فإن لكل يوم من السنة مطلعا مشرقا خاصا ومغربا خاصا ، وأفردهما في قوله { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } [الشعراء :28] باعتبار الجنس .\rونقل الأثرم ، عن أحمد ، أنه قيل له : قبلة أهل بغداد على الجدي ؟ فجعل ينكر أمر الجدي ، فقال : أيش الجدي ؟ ولكن على حديث عمر : ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) .\rومراده : أن الاستدلال بالجدي وغيره من النجوم ، كالقطب ونحوه لم ينقل عن السلف ، وأنه لا يجب الاستدلال بذلك ولا مراعاته ، وإنما المنقول عنهم الاستدلال بالمشرق والمغرب .\rولم يرد أن الجدي لا دلالة له على القبلة ؛ فإنه قال في رواية أخرى عنه : الجدي يكون على قفاه - يعني : للمصلي - ، وكلامه يدل على أن الاستدلال على العين بما يستدل به من يستدل على العين غير مستحب .\rوقد تقدم نصه على أن من مال في صلاته إلى أحد الشقين ، ولم يخرج عما بين المشرق والمغرب فصلاته تامة ، وأن كان الأفضل أن يتوخى الوسط بينهما .\rويدل على ذلك : أن الصحابة - رضي الله عنهم - لما فتحوا الأمصار وضعوا قبل كثير منها على الجهة ، بحيث لا يطابق ذلك سمت العين على الوجه الذي يعرفه أهل الحساب ، وصلوا إليها ، وأجمع المسلمون بعدهم على الصلاة إليها ، وهذا يدل على أن تحرير حساب مسامة العين ليس هو الأفضل ، فضلا عن أن يكون واجبا .\rولهذا ؛ لما خالف في ذلك كثير من الفقهاء المتأخرين ، واستحبوا مراعاة العين أو أوجبوه ، واستدلوا على ذلك بالنجوم ونحوها رأوا أن كثيرا من قبل البلدان منحرفة عن القبلة ، فأوجب لهم ذلك الحيرة والشك في حال سلف الأمة من الصحابة ومن بعدهم .\rوقد أوجب بعضهم مراعاة ذلك وأمر بهدم كل قبلة موضوعة على خلافه ، كما ذكره حرب الكرماني ، وهذا يفضي إلى تضليل سلف الأمة ، والطعن في صلاتهم .\rواستحب بعضهم الاستدلال بعروض البلدان وأطوالها ومراعاة ذلك في\rالاستقبال ، وأن لم يوجبوه كما قاله يحيى بن آدم وغيره .\rوالصحيح : ما قاله الإمام أحمد : أن ذلك كله غير مستحب مراعاته .\rوبذلك يعلم أن من أوجب تعلم هذه الأدلة ، وقال : أنه فرض عين أو كفاية - ممن ينتسب إلى الإمام أحمد - فلا أصل لقوله ، وإنما تلقاه من قواعد قوم آخرين تقليدا\rلهم .\rويدل على ذلك من الأدلة الشرعية : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إنا أمة أمية ، لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا)) ، وخنس إبهامه في الثالثة ، ثم قال : ((صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة)) .","part":3,"page":141},{"id":416,"text":"فتبين أن ديننا لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب ، كما يفعله أهل الكتاب من ضبط عباداتهم بمسير الشمس وحسباناتها ، وأن ديننا في ميقات الصيام معلق بما يرى بالبصر وهو رؤية الهلال ، فإن غم أكملنا عدة الشهر ولم نحتج إلى حساب .\rوإنما علق بالشمس مقدار النهار الذي يجب الصيام فيه ، وهو متعلق بأمر مشاهد بالبصر - أيضا - ، فأوله طلوع الفجر الثاني ، وهو مبدأ ظهور الشمس على وجه الأرض ، وآخره غروب الشمس .\rكما علق بمسير الشمس أوقات الصلاة ، فصلاة الفجر أول وقتها طلوع هذا الفجر ، وآخره طلوع الشمس ، وأول وقت الظهر زوال الشمس ، وآخره مصير ظل كل شيء مثله ، وهو أول وقت العصر ، وآخره اصفرار الشمس أو غروبها ، وهو أول وقت المغرب ، وآخره غروب الشفق ، وهو أول وقت العشاء ، وآخره نصف الليل أو ثلثه ، ويمتد وقت أهل الأعذار إلى طلوع الفجر ، فهذا كله غير محتاج إلى حساب ولا كتاب .\rوكذلك القبلة ، لا تحتاج إلى حساب ولا كتاب ، وإنما تعرف في المدينة وما سامتها من الشام والعراق وخراسان بما بين المشرق والمغرب .\rولهذا روي عن عثمان بن عفان ، أنه قال : كيف يخطئ الرجل الصلاة - وما بين المشرق والمغرب قبلة - ما لم يتحيز المشرق عمدا .\rوقد اجتمعت الأمة على صحة الصف المستطيل مع البعد عن الكعبة ، مع العلم بأنه لا يمكن أن يكون كل واحد منهم مستقبلا لعينها بحيث أنه لو خرج من وسط وجهه خط مستقيم لوصل إلى الكعبة على الاستقامة ، فإن هذا لا يمكن إلا مع التقوس ولو شيئا يسيرا ، وكلما كثر البعد قل هذا التقوس لكن لابد منه .\rومن حكى عن الإمام أحمد رواية بوجوب التقوس لطرفي الصف الطويل فقد أخطأ ، وقال عليه ما لم يقله ، بل لو سمعه لبادر إلى إنكاره والتبري من قائله ، وهو خلاف عمل المسلمين في جميع الأمصار والأعصار .\rوأما قول الله - عز وجل -: { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [النحل:16] .\rوقول عمر : تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق .\rوروي عنه ، أنه قال : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ، ثم أمسكوا .\rفمراده - والله أعلم - : أنه يتعلم من النجوم الشرقية والغربية والمتوسطة ما يهتدى به إلى جهة القبلة بعد غروب الشمس ، وفي حالة غيبوبة القمر ، فيستدل بذلك على الشرق والغرب ، كما يستدل بالشمس والقمر عليهما ، ولم يرد - والله أعلم - تعلم ما زاد على ذلك، ولهذا أمر بالإمساك ؛ لما يؤدي إلى التوغل في ذلك إلى ما وقع فيه المتأخرون من إساءة الظن بالسلف الصالح .\rوقد اختلف في تعلم منازل القمر وأسماء النجوم المهتدى بها ، فرخص فيه النخعي ومجاهد وأحمد ، وكره قتادة وابن عيينة تعلم منازل القمر .\rوقال طاوس : رب ناظر في النجوم ، ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق .\rوروي ذلك عنه ، عن ابن عباس .\rقال البخاري - رحمه الله - :","part":3,"page":142},{"id":417,"text":"394- حدثنا علي بن عبد الله ، قال : ثنا سفيان : ثنا الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب الأنصاري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبرها ، ولكن شرقوا أو غربوا)) .\rقال أبو أيوب : فقدمنا الشام ، فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة ، فننحرف ، ونستغفر الله - عز وجل -.\rوعن الزهري ، عن عطاء : سمعت أبا أيوب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .\rقد تقدم هذا الحديث في ((كتاب : الوضوء)) من وجه آخر عن الزهري ، ولم يذكر فيه قول أبي أيوب ، والرواية التي ذكرها آخرا مصرحة بسماع عطاء بن يزيد له من أبي أيوب . وقد سبق الكلام على الاختلاف في إسناده في ((أبواب :الوضوء)) .\rوإنما ذكر هاهنا قول أبو أيوب ليدل على أن أبا أيوب - روي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قد فهم مما رواه أن القبلة المنهي عن استقبالها هي جهة ما بين المشرق والمغرب ، وأن الانحراف لا يخرج به عن استقبالها المنهي عنه ، فلذلك احتاج مع ذلك إلى\rالاستغفار .\rوإذا ثبت أن القبلة المنهي عن استقبالها واستدبارها عند التخلي هي مابين المشرق والمغرب ، فهي القبلة المأمور بأستقبالها في الصلاة - أيضاً .\rو((المراحيض)) ، قال الخطابي : هو جمع : مرحاض ، وهو المغتسل ، مأخوذ من رحضت الشيء إذا غسلته .\rقلت : لما كانت بيوت التخلي بالشام يستعمل فيها الماء عادةً سميت : مغتسلاً ، ولم يكن ذلك معتاداً في الحجاز ، فإنهم كانوا يستنجون بالأحجار ، فكانت المواضيع المعدة للتخلي بين البيوت تسمى عندهم : كنفاً .\rوالكنيف : السترة ، وكل ما يستر فهو كنيف ، ويسمى الترس كنيفاً لستره .\r\r* * *\r\r30 - باب\rقول الله - عز وجل - : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة:125 ]\rحديث عمر في سلب هذه الآية ، قد خرجه البخاري فيما بعد ، وسيأتي في موضعه قريبا - أن شاء الله تعالى .\rوخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r395-حدثنا الحميدي : ثنا سفيان : ثنا عمرو بن دينار ، قال : سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة ، ولم يطف بين الصفا والمروة ، أيأتي امرأته؟ فقال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فطاف بالبيت سبعا ، وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة ، وقد كان لكم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة .\r396-وسألنا جابر بن عبد الله ، فقال : لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا\rوالمروة .\rمقصوده من هذا الحديث هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اعتمر طاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ، وكذلك فعل في حجته - أيضا .\rوقد روى جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية عند صلاته خلف المقام : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة: 125].\rخرجه مسلم .","part":3,"page":143},{"id":418,"text":"وهذا كله يدل على أن المراد بمقام إبراهيم في الآية : مقامه المسمى بذلك عند البيت ، وهو الحجر الذي كان فيه اثر قدمه عليه السلام ، وهذا قول كثير من المفسرين .\rوقال كثير منهم : المراد بمقام إبراهيم : الحج كله .\rوبعضهم قال : الحرم كله .\rوبعضهم قال : الوقوف بعرفة ، ورمى الجمار والطواف ، وفسروا المصلى : بالدعاء ، وهو موضع الدعاء .\rوروي هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما .\rوقد يجمع بين القولين ، بأن يقال : الصلاة خلف المقام المعروف داخل فيما أمر به من الإقتداء بإبراهيم - عليه السلام - مما في أفعاله في مناسك الحج كلها واتخاذها مواضع للدعاء وذكر الله .\rكما قالت عائشة - وروي مرفوعا - : (( إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله )) .\rخرجه أبو داود والترمذي.\rفدلالة الآية على الصلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام لا تنافي دلالتها على الوقوف في جميع مواقفه في الحج لذكر الله ودعائه والابتهال إليه . والله أعلم .\rوبكل حال ؛ فالأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى لا يدخل فيه الصلاة إلى البيت إلا أن تكون الآية نزلت بعد الأمر باستقباله، وحديث عمر قد يشعر بذلك .\rفيكون حينئذ مما أمر به من اتخاذ مقام إبراهيم مصلى : استقبال البيت الذي بناه في الصلاة إليه ، كما كان إبراهيم يستقبله ، وخصوصا إذا كانت الصلاة عنده .\rوعلى هذا التقدير يظهر وجه تبويب البخاري على هذه الآية في ((أبواب استقبال القبلة )) ، وإلا ففيه قلق . والله أعلم .\rالحديث الثاني :\r397- حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن سيف ، قال : سمعت مجاهدا قال : أتي ابن عمر فقيل له : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة . فقال ابن عمر : فأقبلت والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج وأجد بلالاً قائما بين البابين ، فسأله بلالاً ، فقلت : أصلى النبي- صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ؟ قال : نعم ، ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت ، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين .\r((سيف )) : هو ابن أبي سليمان - ويقال : ابن سليمان - المكي مولى بني\rمخزوم .\rوقوله : (( قائما بين البابين )) ، هكذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها (( بين\rالناس )) ، ولعله أصح .\rوأن قيل : أن المراد قيامه في الموضع الذي هو بين البابين بعد فتحهما ـ الذي فعله ابن الزبير ـ اقتضى ذلك أن يكون واقفا في جوف الكعبة .\rوقد خرج النسائي هذا الحديث ، وفيه : (( أنه وجد بلالا واقفا على الباب )) .\rوهذا يدل على أنه لم يكن في الكعبة .\rوخرجه البخاري في ((المغازي)) ، وعنده : ((فوجد بلالا وراء الباب)) .\rوهذا يدل على أنه لم يكن في وسط البيت .\rوقوله : ((صلى ركعتين)) ، يخالف ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال نسيت أن أسأل بلالا كم صلى ؟ وقد خرجه البخاري في موضع آخر .","part":3,"page":144},{"id":419,"text":"والمقصود من هذا الحديث في هذا الباب: صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من الكعبة ركعتين في وجه الكعبة ، والمراد بوجه الكعبة: عند باب البيت .\rويأتي مزيد بيان لذلك فيما بعد -أن شاء الله تعالى .\rالحديث الثالث:\r398-ثنا إسحاق بن نصر : ثنا عبد الرزاق : ابنا ابن جريج ، عن عطاء ،قال : سمعت ابن عباس قال : لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت دعا في نواحيه كلها ، ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة ، وقال ((هذه القبلة)) .\rهكذا خرجه البخاري عن إسحاق بن نصر ، عن عبد الرزاق .\rوقد رواه أصحاب عبد الرزاق كلهم ، منهم : الإمام أحمد ، وإسحاق بن\rراهويه ، فجعلوه : عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد .\rوكذا رواه أصحاب ابن جريج وعنه ، منهم : محمد بن بكر البرساني ، وأبو عاصم ، ويحيى بن سعيد وغيرهم .\rفسقط من إسناد البخاري ذكر : (( أسامة بن زيد )) ، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي والبيهقي .\rلكن رواه همام ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، لم يذكر فيه: ((أسامة)) .\rوهذا مما كان ابن عباس يرسله احيانا، ويسنده احيانا.\rوكذلك خرجه البخاري في ((الحج)) من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، إلا أن رواية عبد الرزاق ، عن ابن جريج فيها ذكر ((أسامة)) ؛ فإسقاطه منها وهم .\rوقد تعارض ما نقله ابن عمر ، عن بلال ، وما نقله ابن عباس ، عن أسامة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة .\rوقد روي عن ابن عمر، عن أسامة وبلال وعثمان بن طلحة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الكعبة - أيضا - ، بخلاف رواية ابن عباس ، عن أسامة ، وهو في رواية لمسلم في ((صحيحه )) على اختلاف وقع في لفظه خارج ((الصحيح )) ؛ فإن من رواة الحديث من أسند الصلاة فيها إلى بلال دون صاحبيه اللذين كانا معه في الكعبة .\rوقد روي ذلك عن أسامة من وجهين آخرين .\rخرجهما الإمام أحمد في (( المسند )) .\rوقد اختلف الناس في الجمع بين إثبات صلاة النبي- صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ونفيها :\rفمنهم : من حمل الصلاة على الصلاة اللغوية ، وهي الدعاء ، وجمعوا بذلك بين حديثي أسامة وبلال ، لا سيما وقد روي عن أسامة إثبات الصلاة ونفيها .\rوالأكثرون حملوا الصلاة على الصلاة الشرعية ، وهو الأظهر .\rثم اختلفوا :\rفمنهم : من رجح حديث الإثبات على حديث النفي ، وقال : مع تعارض النفي والإثبات يقدم الإثبات ؛ لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي ، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء .\rوذكر الأزرقي في (( كتابه )) ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، قال بلغني أن الفضل بن عباس دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة ، فجاء وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يره فلذلك كان ينكر أنه صلى .\rوحديث الفضل في إنكاره الصلاة ، قد خرجه الإمام أحمد من رواية أخيه\rعبد الله ، عنه .","part":3,"page":145},{"id":420,"text":"ومنهم : من قال : المثبت للصلاة أراد به صلاته في عام الفتح ، والنافي لها أراد صلاته في حجة الوداع ، وهذا قول ابن حبان .\rوهو ضعيف جدا ؛ لوجهين :\rأحدهما : أن ابن عباس لم ينفي صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة في وقت دون وقت ، بل كان ينكر ذلك جملة ، وكان يكره الصلاة في الكعبة ، ويقول : لا يستدبر من البيت شيء .\rوالثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل الكعبة في حجة الوداع بالكلية حتى يقال أنه دخل ولم يصل ، وابن عباس قال : أنه دخل ودعا ولم يصل .\rوقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الكعبة :\rفكان ابن عباس يكره الصلاة فيها بكل حال :الفرض والنفل وهو قول طاوس ، وأصبغ من المالكية ، وابن جرير الطبري .\rوقالت طائفة : تجوز فيها صلاة الفرض والنفل ، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة ، والشافعي .\rوقالت طائفة : يصلي فيها النفل دون الفرض ، وهو قول عطاء ، ومالك ، وأحمد في ظاهر مذهبه .\rلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيها نفلا والنوافل يخفف فيها في استقبال القبلة دون\rالفرائض ، بدليل صحة النفل على الراحلة في السفر إلى غير القبلة ، واما الفرض فلا يجوز إلى القبلة مع القدرة ، فيشترط له استقبال جميع البيت ، وأن لا يكون مستدبرا لشيء\rمنه .\rوقال أحمد : إذا صلى فيها لا يصلي إلى أي جهة شاء ، بل يستقبل الجهة التي استقبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي تجاه الباب إذا دخل ، ويجعل الباب وراء ظهره .\rولم يرخص في الصلاة فيها إلا على هذا الوجه ، وحمل أصحابنا ذلك على الاستحباب ، وفيه نظر .\rوقوله : ((ركع ركعتين في قبل القبلة)) ، قبل - بضم الباء ، ويجوز\rإسكانها - ، والمراد به : وجه الكعبة ، كما في حديث ابن عمر المتقدم . وقد تقدم أن المراد به : عند باب البيت .\rوقد روي أنه المقام الذي أم فيه جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند فرض الصلاة .\rخرجه الأزرقي من حديث مسلم بن خالد ، عن عبد الرحمان بن الحارث ، عن حكيم بن حكيم ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين)) .\rوكذا خرجه ابن وهب في ((مسنده)) عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الرحمان بن الحارث ، به .\rوقد خرجه أبو داود والترمذي ، وعندهما : ((أمني جبريل عند البيت مرتين)) .\rوروى ابن جرير من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : البيت كله قبلة ، وقبلة البيت الباب .\rوروى الأزرقي بإسناده عن ابن أبي نجيح ، قال : قال عبد الله بن عمرو بن العاص : البيت كله قبلة ، وقبلته وجهه ، فإن أخطأك وجهه فقبلة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقبلته ما بين الميزاب إلى الركن الشامي الذي يلي المقام .\rوكأنه يريد أن هذه الجهة هي التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إليها وهو بالمدينة ، فإنها قبلة أهل المدينة .","part":3,"page":146},{"id":421,"text":"وروى - أيضا - بإسناده عن ابن جريج ، عن محمد بن عباد بن جعفر ، عن ابن السائب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفتح في وجهة الكعبة ، حذو الطرقة البيضاء ، ثم رفع يديه ، فقال : ((هذه القبلة)) .\rوخرج الإمام أحمد من طريق ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار ، أن ابن عباس كان يخبر ، أن الفضل بن عباس أخبره ، أنه دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في البيت حين دخل، ولكنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب البيت .\rوخرج النسائي من حديث عطاء ، عن أسامة ، أنه دخل هو والنبي - صلى الله عليه وسلم - البيت ، ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجهة الكعبة ، فقال : ((هذه القبلة ، هذه القبلة)) .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((هذه القبلة)) ، قال ابن جرير : مراده : أن الكعبة هي القبلة ، وأن قبلة الكعبة الباب .\rوقد صرح جماعة من العلماء ، منهم : سفيان الثوري بأن الصلاة إلى جهة الباب عند البيت أفضل من الصلاة إلى جهة أخرى ، وأن وقوف الإمام عند الباب أفضل .\rوقال الخطابي : يحتمل أنه أراد أنه قد استقر أمر هذه القبلة فلا ينسخ كما نسخ بيت المقدس ، ويحتمل أن يكون علمهم السنة في مقام الإمام واستقبال البيت من جهة الكعبة ، وأن كانت الصلاة من جهاتها جائزة ، ويحتمل أن يكون دل به على أن حكم من شاهد البيت وعاينه في استقباله حسا خلاف حكم من غاب عنه ، فيصلي إليه توخيا واستدلالا .\rوزعم غيره : أن مراده : أن القبلة هي الكعبة نفسها ، لا المسجد ولا الحرم ، وهذا قاله بعض من يرى أن الواجب على البعيد الاستدلال على العين .\rوقول الخطابي أصح من هذا . والله أعلم .\rوقد اختلف الناس في مقام إبراهيم الذي صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وراءه ركعتين في حجه وعمرته : هل كان عند باب البيت ؟ أم كان في مكانه الآن؟ على قولين :\rأحدهما : أنه كان في مكانه الآن ، وهذا قول ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وسفيان بن عيينة ، ولم يذكر الأزرقي غير هذا القول .\rوروى شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، قال : كان المقام إلى لزق البيت ، فقال عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو نحيته من البيت ليصلي الناس إليه ، ففعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فانزل الله - عز وجل - : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى } [البقرة :125] .\rوذكر موسى بن عقبة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخره في يوم الفتح إلى مكانه الآن ، وكان ملصقا بالبيت .\rفعلى هذا : يكون النبي قد صلى وراءه في موضعه الآن في حجته ، وأما في عمرة القضية فصلى وراءه عند البيت .\rوالقول الثاني : أنه كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ملصقا بالبيت ، وإنما أخره عمر إلى مكانه الآن ، هذا قول عروة بن الزبير ، رواه هشام بن عروة ، عن أبيه .\rوروي عنه ، عن أبيه ، عن عائشة .","part":3,"page":147},{"id":422,"text":"وروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، : سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من وضع المقام في موضعه الآن ، وإنما كان في قبل\rالكعبة .\rوعن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال : كان المقام إلى جنب البيت ، كانوا يخافون عليه ، من السيول ، وكان الناس يصلون خلفه ، فقال عمر للمطلب : هل تدري أين كان موضعه الأول؟ قال : نعم ، فوضعه موضعه الآن .\rوروي - أيضا - نحوه عن ابن عيينة ، خلاف قوله الأول .\rوقال مالك : كان المقام في عهد إبراهيم- عليه السلام - في مكانه الآن، وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل ، فكان كذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، فلما ولي عمر وحج رده إلى موضعه الذي هو فيه اليوم ، بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة كانت في خزائن الكعبة ، قيس بها حين أخر - : ذكر ذلك صاحب ((تهذيب المدونة)) .\rوذكر ابن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفتح ركعتي الطواف خلف المقام، وهو لاصق بالبيت.\rفعلى هذا ؛ يحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى في قبل الكعبة وقال : ((هذه القبلة)) أشار إلى المقام الذي أمر الله باتخاذه مصلى .\rوقد ورد هذا في رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل يوم الفتح الكعبة وأخرج مقام إبراهيم ، وكان في الكعبة فألزقه إلى حائط الكعبة ، ثم قال : ((أيها الناس ، هذه القبلة)).\rخرجه ابن مردويه .\rوالكلبي ، متروك لا يحتج به .\rوقد ذهب قوم إلى أنه يستحب صلاة ركعتي الطواف في قبل البيت حيث كان المقام عندهم .\rفروى عبد الرزاق ، عن جعفر ، عن عطاء بن السائب ، أنه رأى سالم بن\rعبد الله طاف مع هشام بن عبد الملك ، فلما فرغا من طوافهما ذهب هشام ليركع عند\rالمقام ، فأخذ سالم بيده ، وقال : هاهنا ، فانطلق به إلى قبل البيت ، فترك من كسوته ثلاث شقاق مما يلي الحجر ، ثم استقبل الرابعة ، ثم صلى إليها ، ثم قال : أن المقام كان هاهنا ليس بينه وبين البيت إلا مقدار أربع أذرع ، فلما كثر الناس وتضيقوا حمله عمر فجعله هاهنا في هذا المكان الذي هو فيه.\rوقد روي : أن الناس كانوا يصلون إلى جانب البيت ، وأن أول من صلى خلف المقام عمر في خلافته .\rروى الإمام أحمد في ((كتاب المناسك)) عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن\rهشام ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر- بعض خلافته - كانوا يصلون إلى صقع البيت ، حتى صلى عمر خلف المقام .\rوعن أبي معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف بالبيت صلى الركعتين إلى صقع البيت.\rقال أبو معاوية : يعني : حائط البيت . قال : وفعل ذلك أبو بكر ، ثم فعل ذلك عمر شطرا من خلافته ، ثم قال : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة :125] ، فصلى إلى المقام ، فصلى الناس بعده .","part":3,"page":148},{"id":423,"text":"وهذا يوهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل إلى المقام ، وهذا باطل يرده حديث ابن عمر وجابر كما تقدم ، وهذا يناقض ما قاله عروة : أن المقام كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ملصقا بالبيت ، فكيف يكون كذلك ثم يزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر صليا عند البيت ، ولم يصليا خلف المقام إلى أن صلى خلفه عمر ؟ فقد اضطرب قول عروة في هذا واختلف .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذا خطب بالمسجد الحرام عند باب الكعبة .\rوروي أنه خطب يوم الفتح على درج باب الكعبة .\rوفي ((المسند)) ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب وظهره إلى الملتزم .\rولم يكن بمكة منبر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد ذكر الأزرقي في ((كتابه)) عن جده ، عن عبد الرحمان بن حسن ، عن\rأبيه ، قال : أول من خطب بمكة على منبر معاوية بن أبي سفيان ، قدم به من الشام سنة حج في خلافته ، منبر صغير على ثلاث درجات ، وكانت الخلفاء والولاة قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم قياما في وجه الكعبة وفي الحجر .\r\r* * *\r\r31- باب\rالتوجه نحو القبلة حيث كان\rوقال أبو هريرة : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((استقبل القبلة وكبر)).\rمراده بهذا الباب : أن القبلة يجب التوجه إلى نحوها حيث كان المصلي من أقطار الأرض في حضر أو سفر ، كما دل عليه قوله تعالى : { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } [البقرة :150] .\rوحديث أبي هريرة الذي أشار إليه ، هو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسيء في صلاته لما علمه الصلاة : ((إذا قمت إلى صلاتك فاستقبل القبلة وكبر)) .\rوقد خرجه مسلم بهذا اللفظ .\rوخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r399- حدثنا عبد الله بن رجاء : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يتوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله - عز وجل - : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } [البقرة :144] ، فتوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - : { مَا وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [البقرة :142] ، فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل ، ثم خرج بعدما صلى ، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس ، فقال : هو يشهد أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه توجه نحو الكعبة ، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة .","part":3,"page":149},{"id":424,"text":"قد تقدم هذا الحديث في ((كتاب : الإيمان)) ، فإن البخاري خرجه في ((باب : الصلاة من الإيمان)) عن عمرو بن خالد ، عن زهير ، عن أبي إسحاق ، بأتم من هذا السياق ، واستوفينا الكلام على فوائده هنالك بما فيه كفاية .\rالحديث الثاني :\r400- حدثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا هشام : ثنا يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن\rعبد الرحمان ، عن جابر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على راحلته حيث توجهت به ، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة .\rمحمد بن عبد الرحمان ، هو : ابن ثوبان .\rوالمراد من هذا الحديث هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي المكتوبة إلا على الأرض مستقبل القبلة ، فأما صلاة الفريضة على الأرض فواجب لا يسقط إلا في صلاة شدة الخوف ، كما قال تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً } [البقرة :239] .\rوهل يسقط في الطين أو في المرض ؟ فيه قولان مشهوران للعلماء هما روايتان عن أحمد .\rوفي ذلك أحاديث وآثار يطول ذكرها ربما تذكر في موضع آخر - أن شاء الله تعالى .\rولو صلى قائما في محمل على ظهر دابة ، فهل تصح صلاته ؟ حكى أصحابنا في ذَلكَ روايتين عن أحمد ، وللشافعية وجهان ، ومنهم من فرق بين أن تكون الدابة واقفة فتصح ، وسائرة فلا تصح .\rوحكى بعض أصحابنا الخلاف - أيضا- في الصلاة في السفينة لمن قدر على الخروج منها إلى الأرض ، ولم يشق على أصحابه .\r... ولأصحابنا وجهان في صحة الصلاة على العجلة - أيضا .\rومن الشافعية من حكى الإجماع على صحة الصلاة في السفينة قائما ، ولكن حكى في الصلاة في الزورق الجاري وجهين ، ففرق بين السفينة والزورق ، وهو الصغير من السفن .\rولا فرق في الصلاة بين النساء والرجال .\rوخرج أبو داود من رواية النعمان بن المنذر ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سألت عائشة : هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب ؟ قالت : لم يرخص لهن في شدة ولا رخاء .\rوأما ما خرجه بقي بن مخلد في ((مسنده)) : ثنا أبو كريب : ثنا يونس : ثنا عنبسة بن الأزهر ، عن أبي خراش ، عن عائشة ، قالت : كنا إذا سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نؤمر إذا جاء وقت الصلاة أن نصلي على رواحلنا .\rفهو حديث لا يثبت ، وعنبسة بن الأزهر : قال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به . وأبو خراش : لا يعرف . ويونس ، هو : ابن بكير ، مختلف في أمره .\rوأما استقبال القبلة في صلاة الفريضة ، ففرض مع القدرة لا يسقط إلا في حال شدة الخوف - أيضا - ، ويأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى .\rوكذلك يسقط في حق من كان مربوطا إلى غير القبلة ، أو مريضا ليس عنده من يديره إلى القبلة فيصلي بحسب حاله .\rوفي إعادته خلاف . والصحيح عند أصحاب الشافعي : أن عليهم الإعادة ، والصحيح عند أصحابنا : أنه لا إعادة عليهم ، وعند المالكية : يعيد في الوقت إذا قدر ، ولا يعيد بعده .\rوأما حكم الصلاة النافلة على الراحلة ، فيأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى .","part":3,"page":150},{"id":425,"text":"الحديث الثالث :\r401- حدثنا عثمان : ثنا جرير : عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص - ، فلما سلم ، قيل : يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : ((وما ذاك؟)) قالوا : صليت كذا وكذا ، فثنى رجله ، واستقبل القبلة ، وسجد سجدتين ، ثم سلم ، فلما أقبل علينا بوجهه قال : ((أنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وإذا شك أحدكم فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم يسلم ، ثم يسجد سجدتين)) .\rالمقصود من هذا الحديث هاهنا : أن من سها في صلاته وسلم وهو ناس ، ثم ذكر بعد سلامه ، فإنه يسجد للسهو ويستقبل القبلة ، فإن سجود السهو من تمام الصلاة ، ولو كان بعد السلام فهو جزء من الصلاة ، فيشترط له استقبال القبلة كالصلاة .\rويؤخذ من ذلك : أنه لا يسجد للتلاوة ولا للشكر إلا إلى القبلة ، وهذا على قول من اعتبر الطهارة لذلك - وهم جمهور المسلمين - ظاهر ، وأما من لم يعتبر الطهارة له - كما سيأتي في موضعه - ، فإنه لا يوجب استقبال القبلة له - أيضا - وكذلك صلاة الجنازة .\rوقد حكي أن بعض المتقدمين كان يرى أنها دعاء ، فلا يشترط لها الوضوء ، فقيل له : فتفعل إلى غير القبلة ؟ فرجع عن قوله .\r\r* * *\r\rما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها\rفصلى إلى غير القبلة\rوقد سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ركعتي الظهر ، فأقبل على الناس بوجهه ، ثم أتم ما بقي .\rخرج فيه ثلاث أحاديث :\rالحديث الأول :\rقال :\r402- حدثنا عمرو بن عون : ثنا هشيم ، عن حميد ، عن انس ، قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة :125] ، وآية الحجاب ، قلت : يا رسول الله ، لو أمرت نسائك أن يحتجبن ؛ فإنه يكلمهن البر والفاجر ، فنزلت آية الحجاب ، واجتمع نساء النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه ، فقلت لهن : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنّ } [التحريم :5] ، فنزلت هذه الآية .\rوقال ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا -\rبهذا .\rهذا الحديث مشهور عن حميد ، عن انس ، وقد خرجه البخاري - أيضا - في ((التفسير)) من حديث يحيى بن سعيد ، عن حميد .\rورواه - أيضا - يزيد بن زريع وابن علية وابن أبي عدي وحماد بن سلمة\rوغيرهم ، عن حميد ، عن انس .\rوإنما ذكر البخاري رواية يحيى بن أيوب : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا ؛ ليبين به أن حميدا سمعه من انس ؛ فإن حميدا يروي عن انس كثيرا .\rوروي عن حماد بن سلمة، أنه قالَ : أكثر حديث حميد لم يسمعه من انس ، إنما سمعه من ثابت ، عنه .\rوروي عن شعبة ، أنه لم يسمع من انس إلا خمسة أحاديث .","part":3,"page":151},{"id":426,"text":"وروي عنه ، أنه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرين حديثا .\rوقد سبق القول في تسامح يحيى بن أيوب والمصريين والشاميين في لفظة : ((ثنا)) - : كما قاله الإسماعيلي .\rوقال علي بن المديني في هذا الحديث : هو من صحيح الحديث .\rولم يخرج مسلم هذا الحديث ، إنما خرج من رواية سعيد بن عامر ، عن\rجويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : وافقت ربي في ثلاث : في\rالحجاب ، وفي أسارى بدر ، وفي مقام إبراهيم .\rوقد أعله الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد - رحمه الله - بأنه روى عن سعيد بن عامر ، عن جويرية ، عن رجل ، عن نافع ، أن عمر قال : وافقت ربي في ثلاث . فدخل في إسناده رجل مجهول ، وصار منقطعا .\rوروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن ابن جريج ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : سمعت جابرا يحدث عن حجة الوداع ، قال : لما طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له عمر : هذا مقام إبراهيم ؟ قال : ((نعم)) ، قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ فأنزل الله { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة : 125 ] .\rوهذا غريب ، وهو يدل على أن هذا القول كان في حجة الوداع ، وأن الآية نزلت بعد ذلك ، وهو بعيد جدا ، وعبد الوهاب ليس بذاك المتقن .\rوقد خالفه الحفاظ ، فرووا في حديث حجة الوداع الطويل ، عن جعفر بن\rمحمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى إلى المقام ، وقرا : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [ البقرة :125] ثُمَّ صلى ركعتين ، والمقام بينه وبين البيت .\rوروى الوليد بن مسلم عن مالك ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : لما وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم ، قال له عمر : يا رسول الله ، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة : 125] ؟ قال : (( نعم )).\rقال الوليد : قلت لمالك : هكذا حدثك ؟ قال : نعم .\rوقد خرجه النسائي بمعناه .\rوالوليد ، كثير الخطأ - : قاله أبو حاتم وأبو داود وغيرهما .\rوذكر فتح مكة فيه غريب أو وهم ؛ فإن هذه قطعة من حديث جابر في حجة الوداع .\rوقد روي حديث انس ، عن عمر من وجه آخر :\rخرجه أبو داود الطيالسي : ثنا حماد بن سلمة : ثنا علي بن زيد ، عن انس ، قال : عمر : وافقت ربي في أربع - فذكر الخصال الثلاث المذكورة في حديث حميد ، إلا أنه قال في الحجاب : فأنزل الله : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } [الأحزاب : 53] ، قال : ونزلت هذه الآية : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ\rطِينٍ } [المؤمنون :12] ، فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزل :\r{ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } [المؤمنون:14] .\rوقول عمر : ((وافقت ربي في ثلاث)) ، ليس بصيغة حصر ، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع .","part":3,"page":152},{"id":427,"text":"ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله : النهي عن الصلاة على المنافقين .\rوقوله لليهود : من كان عدوا لجبريل ، فنزلت الآية .\rوقوله للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما اعتزل نساءه ووجد عليهن : يا رسول الله ، أن كنت\rطلقتهن ، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك . قال عمر : وقل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول ، فنزلت آية التخيير : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنّ } [التحريم:5] الآية .\rوقد خرج هذا الأخير مسلم من حديث ابن عباس ، عن عمر .\rوأما موافقته في النهي عن الصلاة على المنافقين ؛ فمخرج في ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس ، عن عمر - أيضا .\rوأما موافقته في قوله : { مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ } [البقرة:97] ، فرواه : أبو جعفر الرازي ، عن حصين بن عبد الرحمان ، عن ابن أبي ليلى ، عن عمر ورواه : داود ، عن الشعبي ، عن عمر ، وهما منقطعان .\rوقد روي موافقته في خصال آخر ، وقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة .\rوتخريج البخاري لهذا الحديث في هذا الباب : يدل على أنه فسر قوله تعالى :\r{ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة:125] بالأمر بالصلاة إلى البيت الذي بناه إبراهيم ، وهو الكعبة ، والأكثرون على خلاف ذلك ، كما سبق ذكره .\rالحديث الثاني :\rقال :\r403- حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن\rعبد الله بن عمر ، قال : بينا للناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ، فقال : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة .\rوقد تقدم في حديث البراء أن هذه القصة كانت في صلاة العصر ، وفي حديث ابن عمر أنها كانت في صلاة الصبح .\rوقد قيل : أن أهل قباء لم يبلغهم ذلك إلى الصبح ، ومن دونهم إلى المدينة بلغهم في العصر يوم النسخ .\rوفي هذا بعد ، وقد سبق ذكره في الكلام على حديث البراء في ((كتاب : الإيمان)) .\rومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن من صلى إلى غير القبلة لعذر ، مثل أن يظن أن القبلة في جهة فيصلي إليها ، ثم تبين له أن جهة القبلة غيرها ، إما في الصلاة أو بعد تمامها ، فإنه لا إعادة عليه ، وأن كان قد صلى إلى غير القبلة سهوا ، فإنه استند إلى ما يجوز له الإسناد إليه عند اشتباه القبلة ، وهو اجتهاده ، وعمل بما أداه اجتهاده إليه ، فلا يكون عليه إعادة .\rكما أن أهل قباء صلوا بعض صلاتهم إلى بيت المقدس ، مستصحبين ما أمروا به من استقبال بيت المقدس ، ثم تبين لهم أن الفرض تحول إلى الكعبة، فبنوا على صلاتهم وأتموها إلى الكعبة .","part":3,"page":153},{"id":428,"text":"وهذا هو قول جمهور العلماء ، منهم : ابن المسيب ، وعطاء ، والحسن ،\rوالشعبي ، والثوري ، وابن المبارك ، وأبو حنيفة ، والشافعي - في القديم - ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، حتى قال أبو بكر عبد العزيز : لا يختلف قوله في ذلك ، وهو قول إسحاق والمزني .\rوقال مالك والأوزاعي : يعيد في الوقت ، ولا يعيد بعده .\rقال ابن عبد البر : وهذا على الاستحباب دون الوجوب .\rوقال الشافعي - في الجديد - : يجب عليه أن يعيد .\rوعليه عامة أصحابه ، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية ، وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد .\rوفرقوا بين هذا وبين أهل قباء ، بأن أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على اجتهاد يحتمل الخطأ ، بل على نص تمسكوا به ، والناسخ له لم يبلغهم إلا في أثناء الصلاة .\rفإن قيل : أن النسخ لا يثبت في حقهم إلا بعد بلوغهم ، فلم يثبت في حقهم إلا في أثناء صلاتهم ، فلذلك بنوا على ما مضى منها .\rوأن قيل : يثبت في حقهم قبل ذلك ، فقد تمسكوا بنص لا يجوز لهم تركه ولا الاجتهاد في خلافه ، ولا يلزمهم البحث عن استمراره ، فلا ينسبون إلى تفريط ، بخلاف المجتهد المخطئ .\rويمكن أن يجاب عن ذلك : بأن أهل قباء قد صح أنهم بلغهم ذلك في صلاة الصبح ، وقد ثبت بحديث البراء أن القبلة حولت في العصر ، وبينهما زمان طويل ، في مثله تنتشر الحوادث المهمة الواقعة ، ولا سيما مثل هذه الحادثة المتعلقة بالصلاة ، فإذا لم ينسبوا ذلك إلى نوع التفريط ، فالمجتهد في طلب القبلة بما يسوغ له الاعتماد عليه أولى أن لا ينسب إلى تفريط وتقصير ، إذا استفرغ جهده في الاستدلال والطلب ، فإن ذلك يقع في الأسفار كثيرا ، فالأمر بالإعادة يشق بخلاف الأمر بإعادة صلاة واحدة .\rهذا حكم من خفيت عليه القبلة واجتهد في طلبها وأخطأ .\rفإن تعذر الاجتهاد لظلمة ونحوها أو فقدت الأمارات أو تعارضت ، وصلى بحسب حاله ، ففي الإعادة وجهان لأصحابنا ، أصحهما : لا يعيد ، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وغيرهما ، لأنه شرط عجز عنه فسقط كالطهارة والسترة ، وكذا الجاهل بأدلة القبلة ، إذا لم يجد من يسأله .\rومن أصحابنا من قال : لا إعادة عليه ، وجها واحدا .\rوهذا كله في السفر .\rفأما في الحضر فلو أخطأ فيه القبلة أعاد عند الثوري ، واحمد في ظاهر مذهبه .\rالحديث الثالث :\r404- حدثنا مسدد: ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمسا ، فقالوا : أزيد في الصلاة ؟ قال : ((وما ذاك؟)) قالوا : صليت خمسا ، فثنى رجليه ، فسجد سجدتين .\rقد بين البخاري في أول الباب وجه الاستدلال بحديث سجود السهو على أن السهو عن استقبال القبلة لا يبطل الصلاة ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين في الظهر وأقبل على الناس بوجهه ثم أتم ما بقي ، وهذا إشارة منه إلى حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين.","part":3,"page":154},{"id":429,"text":"وقد خرجه البخاري في ((أبواب سجود السهو)) ، لكن ليس عنده أنه أقبل على الناس بوجهه ، وإنما فيه : أنه قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها .\rوفي ((صحيح مسلم)) أنه أتى جذعا في قبلة المستجد فاستند إليها.\rوهذا يدل على أنه ولى ظهره إلى القبلة واستقبل الناس بوجهه ، إلا أن يكون استند إليها وظهره إلى الناس ووجهه إلى القبلة .\rوإنما يعرف لفظ : ((ثم أقبل على الناس بوجهه)) في حديث ابن مسعود الذي خرجه البخاري هاهنا .\rوقد خرجه النسائي من طريق شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، ولفظه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الظهر ، ثم أقبل عليهم بوجهه ، فقالوا : أحدث في الصلاة حدث ؟ قال : ((وما ذاك ؟)) فأخبروه بصنيعه ، فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ، ثم سلم .\rولكن هنا لم يكن قد بقي عليه غير سجدتي السهو ، على تقدير أن يكون زاد في الصلاة ؛ فإن إبراهيم شك : هل كان زاد فيها أو نقص ، كذا في ((صحيح مسلم)) التصريح بأن هذا الشك من إبراهيم .\rوفي صحيح مسلم - أيضا - ، عن عمران بن حصين ، قال : سلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في ثلاث ركعات من العصر ، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام رجل بسيط اليدين ، فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله ؟ فخرج مغضبا ، فصلى الركعة التي كان ترك ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم .\rودخوله الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية ؛ لأن الحجرة كانت عن يساره .\rومقصود البخاري : أن استدبار القبلة والانحراف عنها في الصَّلاة سهوا عن غير تعمد لا تبطل به الصَّلاة ، كما دل عليه حديث سجود السهو ، وقد نص عليه أحمد وغيره ، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة عن غير تعمد أنه لا تبطل صلاته بذلك ، ولا إعادة عليه ، والله أعلم .\rورواية النسائي لحديث ابن مسعود يستدل بها على أن من نسي سجود السهو حتى سلم ثم ذكر فإنه يسجد ، وأن كان قد صرف وجهه عن قبلته ، وهو قول\rالجمهور ، خلافا للحسن وابن سيرين في قولهما : لا يسجد حينئذ .\rوقصة ذي اليدين يستدل بها على أن كلام الناسي لا يبطل؛ كما هو قول الشافعي ، وأحمد في إحدى الروايات عنه .\rوعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانا يعفى عنه ، وهو رواية عن أحمد ، وقول للشافعي .\rواستدل به بعضهم : على أن من سلم من نقصان فإنه يبني على ما مضى من صلاته ، وأن طال الفصل ، وهو قول الأوزاعي وغيره .\rوسيأتي ذكر ذلك مفصلا في موضعه - أن شاء الله تعالى .\r\r* * *\r\r33- باب\rحك البزاق باليد من المسجد\rلما ذكر البخاري - رحمه الله - أبواب استقبال القبلة في الصلاة أتبعها بما تصان منه قبلة المصلي التي يصلي إليها ، من البصاق ونحوه .\rوخرج الحديث في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :","part":3,"page":155},{"id":430,"text":"405- حدثنا قتيبة : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في القبلة ، فشق ذلك عليه حتى رئي ذلك في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : (( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو أن ربه بينه وبين القبلة - ، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلة ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه )) و ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ، ثم رد بعضه على بعض ، فقال : (( أو يفعل هكذا )) .\rوخرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) من طريق زهير ، عن حميد .\rولم يخرجه مسلم ؛ لما تقدم من قول حماد بن سلمة : أكثر ما رواه حميد ، عن أنس لم يسمعه منه ، إنما سمعه من ثابت .\rوقد قال ذلك في هذا الحديث بخصوصه ، فذكر علي بن المديني ، قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : كان حماد بن سلمة يقول : حديث حميد عن انس ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - بزق في ثوبه ، ثم دلك بعضه ببعض ، إنما رواه حميد ، عن ثابت ، عن أبي حمزة . قال يحيى : ولم يقل شيئا ؛ هذا قد رواه قتادة عن أنس .\rفجعل يحيى القطان رواية قتادة عن أنس لهذا الحديث شاهدة لرواية حميد عن\rأنس ، وأن لم يصرح بسماعه منه ، واكتفى بذلك .\rوتبعه البخاري على ذلك ، وقد خرج حديث قتادة عن أنس فيما بعد.\rوقد أشار البخاري في ((كتاب : الوضوء )) في (( باب : البصاق والمخاط يصيب الثوب )) أن سعيد بن أبي مريم روى هذا الحديث ، عن يحيى بن أيوب وعن حميد : سمعت أنسا ، فذكره ، فصرح فيه بالسماع .\rوقد تقدم القول في قول يحيى بن أيوب: (( ثنا )) .\rوهذا الحديث دال على كراهة أن يبصق المصلي في قبلة التي يصلي إليها ، سواء كان في مسجد ، أو لا ، فإن كان مسجد تأكدت الكراهة بأن البزاق في المسجد\rخطيئة ، كما يأتي الحديث بذلك في بابه ، فإن كان في قبلة المسجد كان اشد كراهة .\rوقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المساجد في الدور : أن تنظف وتطيب ، وسنذكره في موضع آخر - أن شاء الله .\rوقد فسر قول الله - عز وجل - : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } [النور : 36] : ببنائها وتطهيرها وتنزيهها عما لا يليق بها .\rوفي الحديث : نهى المصلي أن يبزق وهو في الصلاة قبل قبلته بكل حال ، وليس فيه التصريح بالنهي عن أن يبزاق عن يمينه ، وورد التصريح به في أحاديث آخر ، وهو يفهم من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو في طرف ردائه .\rوذكر اليسار وتحت القدم بلفظه ، والبصاق في طرف ردائه بينه بفعله و فكان دليلا على طهارة البزاق ، وهو رد على من قال بنجاسته ، كما سبق ذكره في (( أبواب : الوضوء )) ودليلا على أن تلويث طرف الثوب بالبزاق لحاجة إليه ليس مما ينبغي استقذاره والتنزه منه ؛ فلهذا بينه بالفعل مع القول .\rوفي هذا الحديث : أنه حكه بيده ، فيحتمل أنه أراد أنه باشر ذلك بنفسه ، ولم يوله غيره من أصحابه ، وبهذا فسره الإسماعيلي ، ويحتمل أنه أراد أنه باشر حكه بيده من غير حائل حكه به .","part":3,"page":156},{"id":431,"text":"وتبويب البخاري يدل على هذا ؛ ولهذا بوب بعده : (( باب : حك المخاط بالحصى من المسجد )) .\rوقد روى عائد بن حبيب ، عن حميد ، عن انس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد ، فغضب حتى احمر وجهه ، فجاءته امرأة من الأنصار ، فحكتها ، وجعلت مكانها خلوقا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ما أحسن هذا )) .\rخرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في(( صحيحه)) .\rوقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - ذكر عائد بن حبيب ، فأحسن الثناء عليه . قلت له : روى عن حميد عن انس - فذكر له الحديث - ؟ فقال : قد روى الناس هذا على غير هذا الوجه .\rيشير إلى رواية حميد التي خرجها البخاري ؛ فإنها مخالفة لرواية عائد في حكه\rبيده ، وليس فيها ذكر الخلوق ، لكنها زيادة لم تنفها رواية البخاري ولم تثبتها .\rوصرح بعض أصحابنا بوجوب حك النخامة عن حائط المسجد ، وباستحباب تخليق موضعها .\rوإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة أو المسجد ، فإما من بصق إلى القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك . وقد سبق ذكره في (( باب : استقبال القبلة بالغائط والبول )) .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - (( أن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه ، أو أن ربه بينه وبين\rالقبلة )) يدل على قرب الله تعالى من المصلي في حال صلاته ، وقد تكاثرت النصوص بذلك ، قال تعالى : { وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } [العلق:19] .\rوفي ((صحيح مسلم)) ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء)) .\rوخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) من حديث الحارث الأشعري ، عن النبي ، قال : ((أن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس\rكلمات ، أن يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن)) - فذكر الحديث - ، وفيه : ((وآمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا)) .\rوصححه الترمذي .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه)) .\rوروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : إذا صلى أحدكم فلا يلتفت ؛ فإنه يناجي ربه ، أن ربه أمامه ، وإنه يناجيه .\rقال عطاء : وبلغنا أن الرب عز وجل يقول : ((يا بن آدم إلى من تلتفت ، أنا خير لك ممن تلتفت إليه)) .\rوقد رواه إبراهيم بن يزيد وعمر بن قيس ، عن عطاء ، عن أبي هريرة - مرفوعا كله .\rورواية ابن جريج أصح - : قاله العقيلي وغيره .\rوكأن مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - بذكر هذا : أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه ، وأنه بمرأى منه ومسمع ، وانه مناج له وانه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له .","part":3,"page":157},{"id":432,"text":"كما في((صحيح مسلم))، عن أبي هريرة ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - : ((أن العبد إذا قال : الحمد لله رب العالمين ، قال الله : حمدني عبدي)) - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها.\rفمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه ، وخشوعه له ، وتأدبه في وقوفه بين يديه ، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه ، ولا يعبث وهو واقف بين يديه ، ولا يبصق أمامه ، فيصير في عبادته في مقام الإحسان، يعبد الله كأنه\rيراه ، كما فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإحسان بذلك في سؤال جبريل - عليه السلام - له ، وقد سبق حديثه في ((كتاب : الإيمان)) .\rوخرج النسائي من حديث ابن عمر ، قال : أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي ، فقال : ((أعبد الله كأنك تراه)) .\rوقد كان ابن عمر قبل هذه الوصية وامتثلها ، فكان يستحضر في جميع أعماله وعباداته قرب الله منه واطلاعه عليه .\rوكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة ، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئا ، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم المدينة ، فاعتذر له عن سكوته عنه، بأنا كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا .\rوقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه ، وإجابته له ، فقال : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [البقرة:186] .\rوقد روي في سبب نزولها : أن أعرابيا قال : يا رسول الله ، أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله - عز وجل - : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [البقرة:\r186] .\rخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم .\rوروي عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : سأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أين ربنا ؟ فأنزل الله - عز وجل - : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [ البقرة:186] .\rوروى عبد بن حميد بإسناده ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قَالَ : نزلت هذه الآية : { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر:60] ، قالوا : كيف لنا به أن نلقاه حتى\rندعوه ؟ فأنزل الله عز وجل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [البقرة:186] ، فقالوا : صدق ربنا ، هو بكل مكان .\rوقد خرج البخاري في ((الدعوات)) حديث أبي موسى ، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا)) .\rوفي رواية : ((أنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم)) .","part":3,"page":158},{"id":433,"text":"ولم يكن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها ، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله ، وإطلاعه على عباده وإحاطته بهم ، وقربه من عابديه ، وإجابته لدعائهم ، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء ، ويعبدونه كأنهم يرونه .\rثم حدث بعدهم من قل ورعه ، وساء فهمه وقصده ، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره ، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر ، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان ، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة - رضي الله عنهم - ، وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه .\rوتعلقوا - أيضا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله ، مثل قوله تعالى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد:4] وقوله : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة: 7] ، فقال من قال من علماء السلف حينئذ : إنما أراد أنه معهم بعلمه ، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك ، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن .\rوممن قال : أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان ، وروي عنه أنه رواه عن\rعكرمة ، عن ابن عباس .\rوقاله الضحاك ، قال : الله فوق عرشه ، وعلمه بكل مكان.\rوروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري واحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف .\rوروى الإمام أحمد : ثنا عبد الله بن نافع ، قال : قال مالك: الله في السماء ، وعلمه بكل مكان .\rوروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضا .\rوقال الحسن في قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } [الإسراء:60] ، قال: علمه بالناس .\rوحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله :\r{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد:4] أن المراد علمه .\rوكل هذا قصدوا به رد قول من قال : أنه تعالى بذاته في كل مكان .\rوزعم بعض من تحذلق أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته ، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم ، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته ، لا صفة ذاته ، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى : { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } [طه:98] وقوله : { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً } [غافر:7] وقوله : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد:4] .","part":3,"page":159},{"id":434,"text":"وقال حرب : سألت إسحاق عن قوله : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة:7] ؟ قال : حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد ، وهو بائن من خلقه .\rوروى عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب مر بقاص ، وقد رفعوا أيديهم ، فقال : ويلكم ! أن ربكم أقرب مما ترفعون ، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد .\rوخرجه أبو نعيم ، وعنده : أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر .\rوخطب عمر بن عبد العزيز ، فذكر في خطبته : أن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد . وكان مجاهد حاضرا يسمع ، فأعجبه حسن كلام عمر .\rوهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم ، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية ، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه ؛ قالَ تعالى : { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } [النساء:108] ، ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم ، فهوَ سبحانه مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون . وقال لموسى وهارون : { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه:46] وقال موسى : { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء:62] وقال في حق محمد وصاحبه\r{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [التوبة:40] .\rولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في الغار : ((ما ظنك بأثنين الله ثالثهما)) .\rفهذه معية خاصة غير قوله : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة:7] الآية ، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه وإطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه . والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته ، فكذلك القرب .\rوليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم ، كما ظنه من ظنه من أهل\rالضلال ، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين ، كما أن الموصوف به { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى:11] .\rوهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه .\rوقد سئل عنه حماد بن زيد فقال : هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء .\rومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين .\rوقال حنبل : سألت أبا عبد الله : ينزل الله إلى سماء الدنيا ؟ قالَ : نعم . قلت : نزوله بعلمه أو بماذا ؟ قال : اسكت عن هذا ، مالك ولهذا ؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد ، إلا بما جاءت به الآثار ، وجاء به الكتاب ، قال الله : { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ } [النحل:74] ينزل كيف يشاء ، بعلمه وقدرته وعظمته ، أحاط بكل شيء علما ، لا يبلغ قدره واصف ، ولا ينأى عنه هرب هارب ، عز وجل .","part":3,"page":160},{"id":435,"text":"ومراده : أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين ، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء ، والمخلوقون لا يحيطون به علما ، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه ، أو أخبر به عنه رسوله .\rفلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص ، وما أشكل فهمه منها ، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه .\rالحديث الثاني :\r406- حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى بصاقا في جدار القبلة فحكه ، ثم أقبل على الناس ، فقال : ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه ؛ فإن الله قبل وجهه إذا صلى)) .\rالحديث الثالث :\r407- ثنا عبد الله بن يوسف : ثنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في جدار القبلة مخاطا - أو بصاقا ، أو نخامة - فحكه .\rقد ذكرنا في الكلام على حديث انس ما يكون شرحا لهذين الحديثين ، فلا حاجة إلى إعادته .\r\r* * *\r\r34- باب\rحك المخاط بالحصى من المسجد\rوقال ابن عباس : أن وطئت على قذر رطب فاغسله ، وأن كان يابسا فلا .\rروى وكيع في ((كتابه)) عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن يحيى بن وثاب ، قال : قلت لابن عباس : أتوضأ ثم أمشي إلى المسجد حافيا ؟ قال : صل ، لا بأس به ، إلا أن يصيبك نتن رطب فتغسله .\rقال : وثنا أصحابنا ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال : لقد رأيتنا وما نتوضأ من موطئ إلا أن يكون رطبا فنغسل أثره .\rومعنى هذا : أن من كان حافيا فوطئ على نجاسة يابسة لم تعلق برجله فإنه يصلي ولا يغسل رجليه ، وأن أصابه نجاسة رطبة غسلها .\rوروي هذا المعنى عن كثير من التابعين ، منهم : الحسن والشعبي وعطاء\rوالنخعي ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي واحمد ، ولا نعلم عن أحد من العلماء خلاف ذلك .\rوأما أن كان ماشيا في نعل أو خف فأصاب أسفله نجاسة ، فقد سبق ذكر الاختلاف في وجوب غسله والاكتفاء بمسحه ودلكه بالتراب .\rولعل البخاري إنما أدخل هذه المسألة في هذا الباب ؛ ليستدل بها على طهارة المخاط والنخامة والبصاق ؛ فإنه لو كان نجسا لوجب غسله من حائط المسجد ، ولم يكتف بمسحه بالحصى.\rقال البخاري - رحمه الله - :\r408،409- ثنا موسى بن إسماعيل : ثنا إبراهيم بن سعد: أبنا ابن شهاب ، عن حميد بن عبد الرحمان ، أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في جدار المسجد ، فتناول حصاة فحكها ، فقال : ((إذا تنخم أحدكم فلا يتخمن قبل\rوجهه ، ولا عن يمينه ، وليبصق عن يساره ، أو تحت قدمه اليسرى)) .\rوالظاهر : أن مراد البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أنه يجوز حك النخامة بحصاة من المسجد ؛ فإن الظاهر يدل على أنه تناول من المسجد حصاة وحك بها ما في قبلته .","part":3,"page":161},{"id":436,"text":"وقد يكون ذكره لقول ابن عباس في اليابس أنه لا يغسله من رجله ، ثم يدخل ويصلي به ؛ ليبين به : أن ما يصيب تراب المسجد وحصاه من اليابسات المستقذرة لا تجب صيانتها عنه ، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حك النخامة اليابسة بحصاة من حصى المسجد ، فكذلك ما يصيب الأرجل من اليابسات المستقذرة لا تصان المساجد عنه ، بل يدخل الحافي ، ويصلي بها في المساجد ، وكذلك المتنعل يصلي في نعليه - كما تقدم- ، وقد يكون فيهما طين أو غير ذلك من الأعيان المستقذرة ، ولا تستحب صيانة المساجد عن ذلك .\r\r* * *\r\r35- باب\rلا يبصق عن يمينه في الصلاة\rخرج فيه حديثين :\rالأول :\r410،411- حديث : أبي هريرة وأبي سعيد الذي خرجه في الباب الماضي ، خرجه من طريق عقيل ، عن الزهري ، ولفظه مثل لفظه ، إلا أنه قال :\r((في حائط المسجد))\rوالثاني :\rقال :\r412- ثنا حفص بن عمر : ثنا شعبة : أخبرني قتادة ، قال : سمعت أنسا ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يتفلن أحدكم بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن يساره ، أو تحت رجله)).\rوليس في لفظ الحديثين تخصيص ذلك بالصلاة ، كما بوب عليه ، ولكن هو في رواية أخرى لحديث أنس ذكرها في الباب الآتي .\rوقد يفهم من تبويب البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين بحال الصلاة ، وهو قول المالكية ، كما سنذكره فيما بعد - أن شاء الله .\rوالأكثرون على خلاف ذلك .\rقال معاذ : ما بصقت عن يميني منذ أسلمت .\rخرجه ابن سعد .\rوروي كراهته عن ابن مسعود وابن سيرين .\rقال أحمد في رواية مهنا : يكره أن يبزق الرجل عن يمينه في الصلاة ، وفي غير الصلاة ؛ لأن عن يمينه ملك الحسنات.\rيشير إلى حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبزق عن يمينه ؛ فإن عن يمينه ملكا)).\rوقد خرجه البخاري فيما بعد .\rوخرج أبي داود هذه اللفظة من حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن أبي أمامة ، قال : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاستفتح الصلاة ، فرأى نخامة في القبلة ، فخلع نعله ، ثم مشى إليها فحتها ، يفعل ذلك ثلاث مرات ، فلما قضى صلاته أقبل على الناس ، فقال : ((أن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يقوم بين يدي الله عز وجل مستقبل ربه تبارك وتعالى ، وملكه عن يمينه ، وقرينه عن يساره ، فلا يتفلن أحدكم بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن يساره ، وتحت قدمه اليسرى ، ثم ليعرك فليشدد عركه ، فإنما يعرك أذني الشيطان)) .\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال : المصلي لا يبزق في القبلة ، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه كاتب الحسنات ،ولكن عن شماله ، أو خلف ظهره .","part":3,"page":162},{"id":437,"text":"وقد قالَ كثير من السلف في قول الله عز وجل : { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } [ق: 17] : أن الذي عن اليمين كاتب الحسنات ، والذي عن الشمال كاتب السيئات ، منهم : الحسن ،والأحنف بن قيس ،ومجاهد ، وابن جريج ، والإمام أحمد .\rوزاد ابن جريج ، قال : أن قعد فأحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله ، وأن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه ، وأن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه .\rوعلى هذا، فقد يخلو اليمين عن الملك إذا مشى أو رقد .\rوحديث أبي أمامة فيه أن الذي على الشمال هو القرين .\rيريد به : الشيطان الموكل بالعبد ،كما في (( صحيح مسلم )) عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة )) . قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال :(( وإياي ،ولكن الله أعانني عليه ، فلا يأمرني إلا بخير )) .\rوقد ورد في حديث خرجه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري - مرفوعاً -: ((أن القرين هو كاتب السيئات )) .\rوإسناده شامي ضعيف .\r\r* * *\r\r36- باب\rليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى\rفيه حديثان :\rأحدهما :\r413- ثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا قتادة ، قال سمعت أنس بن مالك ،قالَ : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ((أن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ، ولكن عن يساره ، أو تحت قدمه)) .\rهذا مما صرح فيه بالسماع في جميع إسناده في هذه الرواية والتي قبلها ، وهو من صحيح حديث قتادة ، عن أنس .\rوالثاني\r414- ثنا عليّ : ثنا سفيان : ثنا الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي\rسعيد ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أبصر نخامة في قبلة المسجد ، فحكها بحصاة ، ثم نهى أن يبزق الرجل بين يديه ، أو عن يمينه ، ولكن عن يساره ، أو تحت قدمه اليسرى .\rوعن الزهري : سمع حميداً ،عن أبي سعيد - نحوه .\rليس في هذه الرواية ذكر : أبي هريرة ، كما في الروايتين المتقدمتين عن الزهري .\rوفي هذه الرواية : أن سفيان بن عيينة تارة ذكر سماع الزهري له من حميد ، وتارة عنعنه.\rوعلي شيخ البخاري ، هو : ابن المديني ، وكانت له عناية بذلك .\rوأما سماع حميد له من أبي هريرة وأبي سعيد ، فقد صرح به إبراهيم بن سعد في رواية عن الزهري ، وقد خرجه البخاري فيما تقدم .\rودل هذا الحديث - مع غيره من الأحاديث المتقدمة - : على أن المصلي يبزق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى .\rوقد خرج مسلم في(( صحيحه)) من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير ، عن أبيه ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فتنخع فدلكها بنعله اليسرى .\rوخرجه أبو داود ، وعنده : عن يزيد ، عن أخيه مطرف ،عن أبيه ، قال : أتيت رسول الله وهو يصلي ، فبزق تحت قدمه اليسرى .","part":3,"page":163},{"id":438,"text":"ورواه ابن المبارك عن الجريري ، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتنخم في المسجد ، ثم دلكه بنعله اليسرى .\rوخرجه الطبراني بإسناد ضعيف ، وفيه : أنه كان يصلي على البلاط .\rوالبلاط خارج المسجد .\rوروي إبراهيم بن طهمان ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان ، عن محمد بن أبي عاصم ، عمن رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وفي رجليه نعلان ، فبزق فمسح بساقه بنعله في التراب ، والمسجد يومئذ فيه التراب .\rوخرج أبو داود من حديث الفرج بن فضالة ، عن أبي سعيد ، قال : رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على البوري ، ثم مسحه برجله ، فقيل له : لم فعلت هذا ؟ قال : لأني رأيت رسول الله يفعله .\rوهذا يدل على جوازه في المسجد إذا غيبه ، وهو قول بعض أصحابنا ، ونص عليهِ أحمد في رواية أبي طالب ، قالَ : لا يبصق في المسجد تحت البارية ، فإنه يبقى تحت البارية ، وإذا كان حصى فلا باس به ؛ لأنه يواري البصاق .\rوروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن العطاء ، قال : لا بأس بالتنخم في الحجر إذا غيبه .\rيعني : حجر البيت .\rوفي ((تهذيب المدونة )) : ولا يبصق في المسجد فوق الحصير ويدلكه ولكن تحته ، ولا يبصق في حائط القبلة ، ولا في مسجد غير محصب إذا لم يقدر على دفن البصاق فيه ، وأن كان المسجد محصبا فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يمينه وعن يساره وتحت قدمه ويدفنه . انتهى .\rولعل هذا في غير الصَّلاة .\rوروى أبو عبيد بإسناد عن عمر ، أنه حصب المسجد ، وقال : هو أغفر\rللنخامة .\rوقال : معناه : أستر لها وأشد تغطية .\rقال أبو عبيد : فيه من الفقه الرخصة في البزاق في المسجد إذا دفن .\rوقالت طائفة : لا يفعل ذلك في المسجد ، بل خارج المسجد ، ولا يبزق في المسجد إلا في ثوبه ، أو يبزق في المسجد ويحذف بصاقه إلى خارج المسجد حتى يقع خارجاً منه .\rوهذا هو أكثر النصوص عن أحمد .\rوكان أحمد يبزق في المسجد في الصلاة ، ويعطف بوجهه حتى يلقيه خارج المسجد عن يساره - : نقله عنه أبو داود .\rوقال بكر بن محمد : قلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - : ما ترى في الرجل يبزق في المسجد ثم يدلكه برجله ؟ قال : هذا ليس هو في كل الحديث . قال : والمساجد قد طرح فيها بواري ليس كما كانت . قال : فأعجب إلي إذا أراد أن يبزق وهو يصلي أن يبزق عن يساره إذا كان البزاق يقع في غير المسجد ، يقع خارجا ، وإذا كان في مسجد ولا يمكنه أن يقع بزاقه خارجا أن يجعله في ثوبه .\rوقد ذكرنا فيما تقدم عن حذيفة ، أن المصلي له أن يبصق خلفه ، وهذا إنما يكون بالتفات شديد بوجهه عن القبلة .","part":3,"page":164},{"id":439,"text":"وقد روي هذا الحديث مرفوعا من حديث يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن طارق بن عبد الله المحاربي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا كنت في الصلاة ، فلا تبزق عن يمنيك ولا بين يديك ، ولكن خلفك أو تلقاء شمالك أو تحت قدمك اليسرى )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.\rوصححه ، وقال : العمل عليه عند أهل العلم .\rوبوب عليه النسائي : (( الرخصة للمصلي أن يبزق خلفه أو تلقاء شماله )) .\rوقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث ، وهي قوله : (( خلفك )) ، وقال : لم يقل ذَلِكَ وكيع ولا عبد الرزاق .\rقالَ الدارقطني : هي وهم من يحيى بن سعيد ، ولم يذكرها جماعة من الحفاظ من أصحاب سفيان ، وكذلك رواه أصحاب منصور عنه ، لم يقل أحد منهم : (( ابزق خلفك )) .\rوروى سليمان بن حرب عن شعبة ، عن القاسم بن مهران ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، : (( إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزق عن يمينه ولا عن\rيساره ، ولا عن بين يديه ، ولكن تحت قدمه اليسرى ، فإن لم يستطع ففي ثوبه )) .\rوأخطأ سليمان في قوله : (( ولا عن يساره )) ؛ فقد رواه أصحاب شعبة ، عنه ، وقالوا : (( ولكن عن يساره تحت قدمه )) - : ذكره ابن أبي حاتم .\rوقد خرجه مسلم في (( صحيحه )) كذلك .\rواستدل ابن عبد البر بحديث تنخم النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلا ته على أن النحنحة ونحوها لا تبطل الصلاة إذا كانت لعذر . قال : لأن للتنخم صوتا كالتنحنح ، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق .\rوقد أشار البخاري إلى ذلك في أواخر (( كتاب : الصلاة )) - أيضا - ، ويأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى .\r\r* * *\r\r37- باب\rكفارة البزاق في المسجد\r415- حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا قتادة : قال : سمعت أنس بن مالك ، قال : قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( البزاق في المسجد خطيئة ، وكفارتها دفنها )) .\rقوله :(( خطيئة )) ظاهرة يقتضي أنه معصية، وجعل كفارة هذه المعصية دفنها .\rوهذا يستدل به من يقول :إن البزاق لا يجوز في المسجد مع دفنه ، كما لا يجوز لاحد أن يعمل ذنبا ويتبعه بما يكفره من الحسنات الماحية .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن أبي ذر ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( عرضت عليَّ أعمال أمتي ، حسنها وسيئها ، فوجدت فِي محاسن أعمالها الأذى يماط عَن الطريق ، ووجدت فِي مساوىء أعمالها النخامة تكون فِي المسجد لا تدفن )) .","part":3,"page":165},{"id":440,"text":"وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في (( صحيحة )) من حديث السائب بن خلاد ، أن رجلا أم قوما فبزق في القبلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ : (( لا يصلي لكم )) ، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه ، وأخبروه بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( نعم )) . وحسبت أنه قال :\r(( إنك آذيت الله ورسوله )) .\rوخرج أبو داود وابن خزيمة وابن حبان في (( صحيحهما )) من حديث حذيفة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه )) .\rوخرج ابن خزيمة وابن حبان من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :\r(( يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه )) .\rوقال أبو هريرة : إن المسجد لينْزوي من النخامة كما تنْزوي الجلدة من النار .\rخرجه وكيع وابن أبي شيبة وغيروهما .\r\r* * *","part":3,"page":166},{"id":441,"text":"38-باب\rدفن النخامة في المسجد\r416- حدثنا إسحاق بن نصر : أبنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه : سمع أبا هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه ؛ فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ، ولا عن يمينه ؛ فإن عن يمينه ملكا ، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه ، فيدفنها )) .\rدفن النخامة في المسجد مأمور به ، وهو كفارة لها كما في الحديث قبله ، وقد ورد الأمر بالحفر لها والأبعاد فيه ، كما في(( مسند الإمام أحمد )) من حديث عبد الرحمن بن أبي حدرد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا بزق أحدكم في المسجد فليحفر فليبعد ، فإن يفعل فليبزق في ثوبه )) .\rوقد ورد تعليل ذلك بخشية إصابتها للمصلين ، ففي (( المسند )) عن سعد ابن أبي وقاص ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا تنخم أحدكم في المسجد فليبعدها ، لا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه )) .\rوقال علي بن المديني : هو حسن الإسناد .\rوهذا مما يدل على إن قرار المسجد وباطنه يجوز أن يجعل مدفنا للأقذار\rالطاهرة .\rوقد كان بعض الصحابة والتابعين يتفلى في المسجد ويقتل القمل ويدفنه في المسجد ، روي ذلك عن معاذ وأبي هريرة وأبي إمامة وأبي العالية .\rوهو مما يستدل به على طهارة دم القمل والبراغيث ونحوها .\rوحكى بعض أصحابنا في جواز دفنها في المسجد وجهين ، ولعلهما مبنيان على الخلاف في طهارة دمها ونجاسته .\rومذهب مالك : يكره قتلها في المسجد وإلقاؤها فيه .\rوفي المسند بإسناد فيه بعض من لا يعرف ، أن رجلا وجد في ثوبه قملة ، فأخذها ليطرحها في المسجد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تفعل ، ردها في ثوبك حتى تخرج من المسجد )) .\rوبإسناد تخر عن رجل من الأنصار ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا وجد أحدكم القملة فليصرها ، ولا يلقيها في المسجد)).\rوقد قيل : أنه مرسل .\rوكذلك خرجه أبو داود في مراسيله .\rوالذي قبله -أيضا - مرسل - : نص عليه الإمام أحمد ، وذكر أن بعضهم\rوصله ، وأخطأ في وصله . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":167},{"id":442,"text":"39- باب\rإذا بدره البصاق فليأخذ بطرف ثوبه\r417- حدثنا مالك بن إسماعيل : ثنا زهير : ثنا حُميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في القبلة فحكها بيده ، ورئي منه كراهية - أو رئي كراهية- لذلك وشدته عليه ، فقال : (( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - ، فلا يبزقن في قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه )) ، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ، ورد بعضه على بعض . قال : (( أو يفعل هكذا )) .\rومقصوده بتخريج هذا الحديث في هذا الباب : ذكر حكم البصاق في الثوب خاصة ، وقد بينه - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله ، كما سبق التنبيه على ذلك ، وأن فيه إشارة إلى أن تلويث الثوب للحاجة إليه مما ينبغي التنزه عنه، كما قد يأنف منه بعض أهل الكبر والأنفة.\rوالمصلي إن كان في المسجد فالأولى أن يبصق في ثوبه ويدلكه بعضه ببعض ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ليذهب أثره ، وهو أولى من البصاق في المسجد مع تغييبه ؛ للاختلاف في جوازه .\rوإن كان خارج المسجد ، فقالت طائفة من أصحابنا : الأولى أن يبصق عن يساره ؛ لما فيه من صيانة الثوب عن تلويثه بالمستقذرات .\rوخرج مسلم من حديث القاسم بن مهران ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، أن\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد ، فاقبل عَلَى الناس ، فقال :(( ما بال حدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه ؟ أيحب أن يُستقبل فيتنخع فِي وجهه ، فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عَن يساره تَحْت قدمه ، فإن لَمْ يجد فيتفل هكذا )) . ووصف الْقَاسِم : فتفل فِي ثوبه ، ثُمَّ مسح بعضه عَلَى بعض .\rوفي رِوَايَة لَهُ : قَالَ أبو هُرَيْرَةَ : كأني أنظر إلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد ثوبه بعضه عَلَى بعض .\rوهذا يستدل به على أن البصاق على الأرض حيث أمكن فهو أولى من البصاق في الثوب ؛ لأنه لم يأمر به إلا عند تعذر البصاق عن يساره ، وليس المراد أنه لا يجوز فعله إلا عند تعذر البصاق على الأرض ، بل المراد أنه لا حاجة إلى تلويث ثوبه بالبصاق مع القدرة على الاستغناء عنه .\rفهو كقوله تعالى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } [البقرة :283 ] ، وقوله: { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } [ البقرة : 282] ، وقوله تعالى : { فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } [الأحزاب : 5] .\rوقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزيد بن الحارثة : (( أنت أخونا ومولانا )) ، مع أنه كان يعلم أباه .\r\r* * *","part":3,"page":168},{"id":443,"text":"40- باب\rعظة الإمام الناس في إتمام الصلاة ، وذكر القبلة\r418- حدثنا عبدالله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((هل ترون قبلتي هاهنا ؟ فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم ؛ إني لأراكم من وراء ظهري)) .\r419- حدثنا يحيى بن صالح : ثنا فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن أنس بن مالك ، قالَ : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ، ثُمَّ رقي المنبر ، فقالَ في الصَّلاة وفي الركوع - : ((إني لأراكم من ورائي كما أراكم)) .\rوروى قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم من بعدي)) - وبما قال : ((من بعد ظهري - إذا ركعتم وسجدتم)) .\rخرجه البخاري في ((باب : الخشوع في الصلاة)) كما سيأتي من حديث شعبة .\rوخرجه مسلم من رواية شعبة وسعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة .\rوأظن أن البخاري عدل عنه هاهنا إلى حديث فليح عن هلال ؛ لأن قتادة لم يصرح فيه بالسماع ، وقد أكثر البخاري في ((كتابه)) هذا من تخريج حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي .\rوهو هلال بن أبي ميمونة . روى عنه مالك وغيره ، وقد ذكر البخاري في ((تاريخه)) أنه سمع أنسا ، ولم يذكر ابن أبي حاتم في ((كتابه)) أنه يروي عن أنس ، وذكر أنه سأل أباه عنه ، فقال : شيخ يكتب حديثه .\rوأما فليح بن سليمان ، فقال فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي : ليس بالقوي ، وضعفه ابن معين - أيضا - ، وقال : لا يحتج به . وحكي عن أبي كامل المظفر بن مدرك أنه كان يتقي حديثه ، وضعفه أبو زرعة الرازي ، وقال : هو واهي الحديث - : نقله عنه البرذعي ، وضعفه علي بن المديني - أيضا - نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة في ((سؤالاته له)) .\rوبكل حال ؛ فرواية شعبة عن قتادة عن أنس ، وإن لم يصرح بالسماع أقوى من رواية فليح عن هلال عن أنس . والله أعلم .\rوخرج مسلم - أيضا - من حديث المختار بن فلفل ، عن أنس ، قال : صلى بنا\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ، فلما قضى أقبل علينا بوجهه ، فقال : ((أيها الناس ، إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوع ، ولا بالسجود ، ولا بالقيام ولا بالانصراف ؛ فإني أراكم أمامي ومن خلفي)) . ثم قال : ((والذي نفس محمد بيده ، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)) . قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : ((رأيت الجنة والنار)) .\rوخرج - أيضا - من طريق الوليد بن كثير : حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم انصرف ، فقال : ((يا فلان إلا تحسن صلاتك ؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي ، فإنما يصلي لنفسه ، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي)) .","part":3,"page":169},{"id":444,"text":"دلت هذه الأحاديث على أن من رأى من يسيء صلاته فإنه يأمره بإحسان صلاته ويعظه ويبالغ في الوعظ ؛ فإن القلوب تستجيب إلى الحق بالموعظة الحسنة ما لا تستجيب بالعنف ، لا سيما إذا عم بالموعظة ولم يخص أحدا ، وإن خصمه فإنه يلين له القول .\rوقد قال الله تعالى لنبيه - عليه السلام - : { وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً } [النساء:63] وقال : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } [النحل:125] .\rوفي بعض هذه الروايات أنه خطب الناس على المنبر ، واتفقت الأحاديث كلها على أنه أمر بإقامة الركوع ، وفي بعضها : والسجود ، وفي بعضها : والخشوع ، وفي بعضها : أنه نهاهم عن مسابقته بالركوع والسجود والانصراف من المسجد بعد إتمام صلاته ، وهذا كما أمر المصلي الذي أساء في صلاته أن يعود إلى الصلاة ، وقال له : ((إنك لم تصل)) .\rقال ميمون بن مهران : مثل الذي يرى الرجل يسيء صلاته فلا ينهاه كمثل الذي يرى النائم تنهشه الحية ثم لا يوقظه .\rوعن يحيى بن أبي كثير نحوه .\rورأى ابن عمر رجلا لا يتم ركوعه وسجوده ، فقال له لما فرغ: يا بن أخي ، تحسب انك صليت ؟! إنك لم تصل ، فعد لصلاتك .\rوكان المسور بن مخرمة وغيره من الصحابة إذا رأوا من لا يتم صلاته أمروه بالإعادة ، ويقولون : لا يعصى الله ونحن ننظر ، ما استطعنا .\rقال النخعي : كانوا إذا رأوا الرجل لا يحسن الصلاة علموه .\rقال سفيان : أخشى أن لا يسعهم إلا ذلك .\rقال أبو خلاد : ما من قوم فيهم من يتهاون بالصلاة ولا يأخذون على يديه إلا كان أول عقوبتهم إن ينقص من أرزاقهم .\rورأى الإمام أحمد رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده ، فقال : يا هذا ، أقم صلبك في الركوع والسجود ، وأحسن صلاتك .\rوقيل له : الرجل يرى أهل المسجد يسيئون الصلاة ؟ قال : يأمرهم . قيل له : إنهم يكثرون ، وربما كان عامة أهل المسجد ؟ قال : يقول لهم . قيل له : يقول لهم مرتين أو ثلاثا فلا ينتهون ، يتركهم بعد ذلك ؟ قال : أرجو أن يسلم - أو كلمة نحوها .\rوقال حنبل : قيل لأبي عبدالله : ترى الرجل إذا رأي الرجل لا يتم ركوعه ولا سجوده ، ولا يقيم صلبه ، ترى إن يأمره بالإعادة أو يمسك عنه ؟ قال : إن كان يظن أنه يقبل منه أمره وقال له ووعظه حتى يحسن صلاته ؛ فإن الصلاة من تمام الدين .\rوقوله : ((إن كان يظن أنه يقبل منه)) ، يخرج على قوله : أنه لا يجب الأمر بالمعروف إلا لمن ظن أنه يقبل .\rوالمشهور عنه خلافه ، وانه يجب مطلقا مع القدرة .\rويجب الأمر بإتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب في الصلاة، وإن كان قد قال بعض الفقهاء : إن الصلاة صحيحة بدونه ؛ لأن الخلاف إذا كان مخالفا للسنن الصحيحة فلا يكون عذرا مسقطا للأمر بالمعروف .\rوأيضا ؛ فالخلاف إنما هو في براءة الذمة منها ، وقد اجمعوا على إنها صلاة ناقصة ، ومصليها مسيء غير محسن ، وجميع النصوص المذكورة في هذا الباب تدل على الأمر لمن لا يتم الركوع والسجود بإتمامها .","part":3,"page":170},{"id":445,"text":"وفي ((المسند)) و ((سنن ابن ماجه)) ، عن علي بن شيبان الحنفي - وكان أحد الوفد - ، قال : قدمنا على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلمح بمؤخر عينه إلى الرجل لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال : ((يا معشر المسلمين ، لا صلاة لامرئ لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود)) .\rومتى كان المسيء في صلاته جاهلا بما أساء فيه تعين الرفق في تعليمه ، كما رفق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذي قال له : والذي بعثك بالحق ، لا أحسن غير هذه الصلاة ، فعلمني ، فعلمه .\rوفي ((صحيح مسلم)) عن معاوية بن الحكم السلمي ، قال : بينا أنا أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : رحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم . فقلت : واثكل أمياه ! ما شأنكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يصمتونني ، لكني سكت ، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبي هو وأمي - ، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، فوالله ما كرهني ولا ضربني ولا شتمني ، ثم قال : ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) - أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : يا رسول الله ، إني حديث عهد بجاهلية ، وقد جاء الله بالإسلام - وذكر بقية حديث .\rفإن رأى من يفعل في صلاته مكروها لا يبطل الصلاة فأمره بتركه برفق كان حسنا .\rقال الأثرم : قلت لأبي عبدالله : رجل رأى رجلا مشمرا كميه في الصلاة ، أترى عليه أن يأمره ؟ قال : يستحب له إن يصلي غير كاف شعرا ولا ثوبا ، وليس هذا من المنكر الذي يغلظ ترك النهي عنه .\rوصلى أحمد يوما خلف رجل ، فكان إذا سجد جمع ثوبه بيديه ، فلما فرغ قال أحمد لرجل إلى جانبه - وخفض صوته - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يكف شعرا ولا ثوبا)) ، ففطن الإمام بذلك ، وعلم أنه أراده .\rورأى الفضيل بن عياض رجلا يفقع أصابعه في صلاته فزبره وانتهره فقال له الرجل : يا هذا ، ينبغي لمن يقوم لله عز وجل أن يكون ذليلا ، فبكى الفضيل ، وقال له : صدقت .\rوفي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سمرة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح ، حتى رأى أن قد عقلنا عنه ، ثم خرج علينا يوما ، فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف ، فقال : ((عباد الله ، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((إني لأراكم من وراء ظهري)) ، وفي رواية : ((من خلفي)) ، وفي رواية : ((من بعدي)) - والمراد به : من خلفي - : فيه تحذير لهم من التقصير في الصلاة وراءه ، فإنهم لو كانوا بين يديه لم يقصروا في الصلاة فكذا ينبغي أن يصلوا من خلفه ؛ فإنه يراهم .","part":3,"page":171},{"id":446,"text":"وفيه تنبيه على إن من كان يحسن صلاته لعلمه بنظر مخلوق إليه فإنه ينبغي أن يحسنها لعلمه بنظر الله إليه ؛ فإن المصلي يناجي ربه، وهو قريب منه ومطلع على سره وعلانيته .\rوقد روي حديث أبي هريرة بلفظ أخر ، فيه : الإشارة إلى هذا المعنى من رواية ابن إسحاق : حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما انصرف من صلاته رأى رجلا كان في أخر الصفوف ، فقال : ((أي فلان ، ألا تتقي الله عز وجل في صلاتك ، فلا تتم ركوعك وسجودك ، ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي ؟ وإنما يصلي لنفسه ، وإنما يناجي ربه عز وجل ، لا تظنون إني لا أراكم ، والله إني لأرى من خلفي منكم كما أرى من بين يدي)) .\rفقوله : ((ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي ، وإنما يصلي لنفسه)) ، يشير إلى أن نفع صلاته يعود إلى نفسه ، كما قال تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } [فصلت:46] ، فمن علم أنه يعمل لنفسه وانه ملاق عمله ، ثم قصر في عمله وأساء كان مسيئا في حق نفسه ، غير ناظر لها ولا ناصح .\rوقوله : ((وإنما يناجي ربه)) ، إشارة إلى أنه ينبغي إلى أنه ينبغي له أن يستحي من نظر الله إليه ، وإطلاعه عليه وقربه منه ، وهو قائم بين يديه يناجيه ، فلو استشعر هذا لأحسن صلاته غاية الإحسان ، وأتقنها غاية الإتقان ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : ((اعبد الله كأنك تراه)) .\rوفي القرآن الإشارة إلى هذا بقوله - عز وجل - : { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } [يونس:61] الآية .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تظنون أني لا أراكم ، والله إني لأرى من خلفي منكم)) ، توبيخ لمن قصر في صلاته حيث يظن أن مخلوقا لا يراه ، ثم يحسنها إذا ظن أنه يراه .\rومن هنا قال بعض العارفين : اتق الله أن يكون أهون الناظرين أليك .\rوروى إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبدالله بن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو فذلك استهانة استهان بها ربه - عز وجل - )) .\rوروي موقوفا .\rوروي بقية ، عن ورقاء بن عمر ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن أبي هريرة - مرفوعا - : ((إذا صلى العبد في العلانية فأحسن ، وصلى في السر فأحسن قال الله : هذا عبدي حقا)) .\rلعل بقية دلسه عن ضعيف .\rوقوله : ((إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي)) ، هو فضيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - خصه الله بها ، فكان ينظر ببصيرته كما ينظر ببصره ، فيرى من خلفه كما يرى من بين يديه .\rوقد فسره الإمام أحمد بذلك في رواية ابن هانئ ، وتأول عليه قوله تعالى :\r{ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } [الشعراء:219] .","part":3,"page":172},{"id":447,"text":"كما روى ابن أبي نجيج ، عن مجاهد في قوله : { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ - وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } [الشعراء:218،219] ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرى أصحابه في صلاته من خلفه ، كما يرى من بين يديه .\rوتأويل الآية على هذا القول : إن الله تعالى يرى نبيه - صلى الله عليه وسلم - حين يقوم إلى صلاته ، ويرى تقلب نظره إلى الساجدين معه في صلاته .\rوقال الأثرم : قلت لأحمد : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إني لأراكم من وراء ظهري)) ؟ قال : كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه . قلت : إن إنسانا قال لي : هو في ذلك مثل غيره، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام عن يمينه وشماله ، فأنكر ذلك إنكارا شديدا .\r\r* * *","part":3,"page":173},{"id":448,"text":"41- باب\rهل يقال : مسجد بني فلان\rابتدأ البخاري - رحمه الله - من هنا في ذكر المساجد وأحكامها ، فأول ما ذكره من ذلك : أنه يجوز نسبة المساجد إلى القبائل ؛ لعمارتهم إياها ، أو مجاورتهم لها .\rوقد كره ذَلِكَ بعض المتقدمين ، وتعلق بقوله تعالى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً } [الجن:18] .\rوالصحيح : أن الآية لم يرد بها ذلك ، وأنها نزلت في النهي عن أن يشرك بالله في المساجد في عبادته غيره ، كما يفعل أهل الكتاب في كنائسهم وبيعهم .\rوقيل : إن المراد بالمساجد الأرض كلها ؛ فإنها لهذه الأمة مساجد وهي كلها\rلله ، فنهى الله أن يسجد عليها لغيره .\rوقيل : إن المراد بالمساجد أعضاء السجود نفسها ، وهي لله ؛ فإنه هو خلقها وجمعها وألفها ، فمن شكره على هذه النعمة أن لا يسجد بها لغيره .\rوقد قيل : إن قوله تعالى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً } [الجن:18] يدل - أيضا - على أنه لا يجوز إضافة المساجد إلى مخلوق إضافة ملك واختصاص .\rوأخذ بعض أصحابنا من ذلك كالوزير ابن هبيرة : أنه لا يجوز نسبة شيء من المساجد إلى بعض طوائف المسلمين للاختصاص بها ، فيقال : هذه المساجد للطائفة الفلانية ، وهذه للطائفة الأخرى ، فإنها مشتركة بين المسلمين عموما .\rوذكر بعض المتأخرين من أصحابنا في صحة اشتراط ذلك في وقفها وجهين .\rوأما إضافة المسجد إلى ما يعرفه به فليس بداخل في ذلك ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضيف مسجده إلى نفسه ، فيقول : ((مسجدي هذا)) ، ويضيف مسجد قباء إليه ، ويضيف مسجد بيت المقدس إلى إيلياء ، وكل هذه إضافات للمساجد إلى غير الله لتعريف أسمائها ، وهذا غير داخل في النهي . والله أعلم .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r420- ثنا عبدالله بن يوسف : أبنا مالك ، عن نافع ، عن عبدالله بن عمر ، أن\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء ، وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، وأن عبدالله بن عمر كان ممن سابق بها .\rوجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه : أن فيه إضافة المسجد إلى بني زريق ، وهذا وإن كان من قول عبدالله بن عمر ليس مرفوعا، إلا أن تعريف المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة ، ولم يشتهر في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المسلمين شيء إلا وهو غير ممتنع ؛ لأنه لو كان محضورا لما أقر عليه ، خصوصا الأسماء ؛ فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغير أسماء كثيرة يكرهها من أسماء الأماكن والآدميين ، ولم يغير هذا الاسم للمسجد ، فدل على جوازه .","part":3,"page":174},{"id":449,"text":"ولقائل أن يقول : يجوز أن اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكلية ، فلا يبقى في الحديث دلالة ، وهذا كما قال أنس في حديث الاستسقاء : دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد قالوا : إنما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بزمن .\rوأحسن من هذا : الاستدلال بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في سواه)) - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر - ؛ فإن هذا تصريح من النبي - صلى الله عليه وسلم - بإضافة المسجد إلى نفسه ، وهو إضافة للمسجد إلى غير الله في التسمية ، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها . والله أعلم .\rوسائر ما يتعلق بالحديث من ألفاضه المختلفة وتفسير غريبها ، وما فيه من أحكام المسابقة ليس هذا موضعها ، وله موضع أخر يأتي فيه - إن شاء الله تعالى .\r\r* * *","part":3,"page":175},{"id":450,"text":"42- باب\rالقسمة وتعليق القنو في المسجد\rقال أبو عَبْد الله : القنو : العذق . والإثنان : قنوان . والجماعة: قنوان ، مثل : صنو وصنوان .\rالمقصود بهذا الباب : أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء وخمس الغنيمة وأموال الصدقة ونحوها من أموال الله التي تقسم بين مستحقيها .\rوقد ذكر القنو في تبويبه وفسره ولم يخرج حديثه .\rوحديثه قد خرجه الترمذي من طريق السدي ، عن أبي مالك ، عن البراء ، في قوله تعالى : { وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } [البقرة:267] ، قال : نزلت فينا معشر الأنصار ، كنا أصحاب نخل ، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته ، وقلته ، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين ، فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو ، فضربه بعصاه ، فسقط من البسر والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف ، وبالقنو قد انكسر\rفيعلقه ، فأنزل الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } [البقرة:267] .\rوخرجه ابن ماجه ، إلا أن عنده : عن السدي عن عدي بن ثابت، عن البراء .\rوحسنه الترمذي وغربه ، وفي بعض نسخه : صحيح .\rوخرجه الحاكم ، وقال : غريب ، صحيح على شرط مسلم .\rيشير إلى أنه خرج للسدي ، إلا أن السدي كان ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة في التفسير للحديث الواحد .\rوخرج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر للمسجد من كل حائط بقناء .\rومن حديث جابر ، قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كل جداد عشرة أوسق من التمر بعذق يعلق في المسجد للمساكين .\rومن حديث عوف بن مالك ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي يده عصى وأقناء معلقة في المسجد ، قنو منها حشف ، فطعن بالعصى في ذلك القنو ، ثم قال : (( لو شاء رب هذه الصدقة لتصدق بأطيب منها ، إن صاحب هذه الصدقة ليأكل الحشف يوم القيامة )) .\rوقد فسر البخاري القنو ، فقال : هو العذق .\rيعني : عذق النخلة الذي يكون فيه الرطب ، وهو واحد ، وتثنيته : قنوان - بكسر النون ، وجمعه - قنوان - بالتنوين ؛ قَالَ تعالى : { وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } [الأنعام:99] .\rوشبهه بصنو وصنوان ، فالصنو : الواحد مِمَّا لَهُ نظير يخرج مَعَهُ من أصله من النخل ، وتثنيته : صنوان ، وجمعه : صنوان . قَالَ تعالى : { وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } [الرعد:4] .\rومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( عم الرجل صنو أبيه )) .","part":3,"page":176},{"id":451,"text":"وما ينبغي إدخاله في هذا الباب : ما خرجه البخاري في ((الزكاة)) من رواية معن بن يزيد السلمي ، قال : كان أبي أخرج دنانير يتصدق بها ، فوضعها عند رجل في المسجد ، فجئت فأخذتها فأتيته بها ، فقال : والله ، ما إياك أردت ، فخاصمته إلى\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ((لك ما نويت يا زيد ولك ما أخذت يا معن)) .\rويتصل بهذا : التصدق في المسجد على السائل ، وهو جائز ، وقد كان الإمام أحمد يفعله ، ونص على جوازه ، وإن كان السؤال في المسجد مكروها .\rوقال أبو داود في ((سننه)) : ((باب : السؤال في المسجد)) ، ثم خرج من طريق مبارك بن فضالة ، عن ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أفيكم من أطعم اليوم مسكينا؟)) قال أبو بكر : دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل ، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن ، فأخذتها فدفعتها إليه .\rومنع منه أصحاب أبي حنيفة ، وغلظوا فيه حتى قال خلف بن أيوب منهم : لو كنت قاضيا لم أجز شهادة من تصدق على سائل في المسجد .\rومنهم من رخص فيه إذا كان السائل مضطرا ، ولم يحصل بسؤاله في المسجد ضرر .\rولأصحابنا وجه : يكره السؤال والتصدق في المساجد مطلقا .\rوفي ((صحيح مسلم)) عن جرير البجلي ، أن قوما جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم - أي : الحاجة - ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، ثم خطب فحث على الصدقة ، فجاء رجل بصرة من فضة كادت كفه تعجز عنها ، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب .\rوفي ((المسند)) و ((سنن)) أبي داود والنسائي ، عن أبي سعيد ، أن رجلا دخل المسجد في هيئة رثة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فحث النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصدقة ، فألقى الناس ثيابا - وذكر الحديث .\rخرج البخاري في هذا الباب حديثا واحدا ، علقه ها هنا وفي ((أبواب : قسم الفيء)) من أواخر ((كتاب : السير)) ، وعلق بعضه في ((باب : فكاك الأسير)) .\rفقال هاهنا :","part":3,"page":177},{"id":452,"text":"421- وقال إبراهيم - يعني : ابن طهمان - : عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمال من البحرين ، فقال: ((انثروه في المسجد)) - وكان أكثر مال أتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ، ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه ، فما كان يرى أحدا إلا أعطاه ، إذ جاءه العباس ، فقال : يا رسول الله ، أعطني ؛ فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا . فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((خذ)) ، فحثا في ثوبه ، ثم ذهب يقله فلم يستطع ، فقال : يا رسول الله ، مر بعضهم يرفعه إلي . قال : ((لا)) . قال : فارفعه أنت علي . قال : ((لا)) . قال : فنثر منه، ثم ذهب يقله . فقال : يا رسول الله ، مر بعضهم يرفعه علي . قال : ((لا)) . قال : فارفعه أنت علي . قال : ((لا)) . فنثر منه ، ثم احتمله ، فألقاه على كاهله ، ثم انطلق ، فما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعه بصره حتى خفي علينا ؛ عجبا من حرصه.فما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثم منها درهم .\rهذا المال كان من جزية أهل البحرين ، وهم مجوس هجر ، وكان قد قدم به أبو عبيدة بن الجراح ، وقد خرج حديثه البخاري في موضع آخر من حديث عمرو بن عوف الأنصاري .\rوفي هذا الحديث : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له بيت مال يضع فيه أموال الفيء ، إنما كان يضعه في المسجد ويقسمه من يومه ولا يحبسه .\rوفيه : دليل على أن مال الفيء لا يخمس ؛ فإنه لم يذكر فيه أنه أخرج خمسه ، وإنما ذكر أنه ما كان يرى أحدا إلا أعطاه .\rوفيه : دليل على أن مال الفيء مما يعطى منه الغني والفقير ؛ لأن العباس كان من أغنى قريش وأكثرهم مالا ، ولكنه أدعى المغرم وقد عرف سببه ، وهو مفاداة نفسه ، ومفاداة عقيل ابن عمه ، وكانا وقعا في أسارى بدر ، ففدى العباس نفسه وعقيلا .\rقيل : إنه فدى بثمانين أوقية ذهب . وقيل : بألف دينار .\rوفيه : بيان احتقار النبي - صلى الله عليه وسلم - للدنيا وإن كثرت ؛ فإنه لما خرج إلى الصلاة ومر بالمال لم يلتفت إليه .\rوقد روى حميد بن هلال ، أن ذلك المال كان بعثه العلاء بن الحضرمي من البحرين ، وكان ثمانين ألفا .\rوفيه : التعجب من حرص الحريص على المال والمستكثر منه .\rويصدق هذا : قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) .\rوكاهل الإنسان : ما بين كتفيه .\rوقد كان العباس - رضي الله عنه - عظيما جسيما شديد القوة ، فالظاهر أنه حمل مالا كثيرا ، ولم يمنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فدل على جواز قسمة الفيء بين أهله على غير التسوية .\rوفي حديث حميد بن هلال ، قال : لم يكن يومئذ عدد ولا وزن ، ما كان إلا قبضا .\rوفيه : جواز قسمة مال الفيء في المسجد ووضعه فيه ، وهو مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب .\r\r* * *","part":3,"page":178},{"id":453,"text":"43- باب\rمن دعي لطعام في المسجد ومن أجاب فيه\r422- حدثنا عبدالله بن يوسف : أنا مالك ، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة ، سمع أنسا ، قال : وجدت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد معه ناس ، فقمت ، فقال لي : ((آرسلك أبو طلحة؟)) قُلتُ : نَعَمْ . قَالَ : (( لطعام ؟ )) قلت : نعم . فقال لمن حوله : ((قوموا)) ، فانطلق وانطلقت بين أيديهم .\rهذا مختصر من حديث طويل فيه ذكر معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تكثيره للطعام القليل حتى شبع منه سبعون أو ثمانون رجلا .\rوقد خرج البخاري في موضع آخر من حديث أبي هريرة حديثا طويلا ، فيه : أنه دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بيته فوجد لبنا في قدح ، فأمره أن يدعو له أهل الصفة - وذكر الحديث بطوله .\rوالصفة كانت في مؤخر المسجد ، فكانوا يأوون إليها ويقيمون بها .\rفدلت هذه الأحاديث كلها على جواز أن يدعى من في المسجد إلى الطعام ، ويجيب إلى الدعوة إذا دعي فيه .\rوقد ورد الرخصة في الأكل في المسجد .\rوقد بوب ابن ماجه في ((كتابه)) : ((باب : الأكل في المسجد)) وخرج فيه : من رواية ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث : حدثني سليمان بن زياد الحضرمي ، أنه سمع عبدالله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول : كنا نأكل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الخبز واللحم .\rوهذا إسناد جيد ؛ وسليمان وثقة ابن معين . وقال أبو حاتم : صالح الحديث .\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي في (( الشمائل )) من رواية ابن لهيعة ، عن سلمان بن زياد ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء ، قال : أكلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما في المسجد ، لحما قد شوي .\rوروى الإمام أحمد : ثنا هارون بن معروف : ثنا مسلم ، عن عبد الله بن الحارث بن جزء ، قال كنا يوما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصفة ، فوضع لنا طعام فأكلنا .\rوروى - أيضا - عن وكيع : ثنا عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بفضيخ في مسجد الفضيخ ، فشربه ، فلذلك سمي .\rعبد الله بن نافع ، ضعفوه .\rوقد اختلف في جواز الأكل في المسجد وكراهته ، فأجازه طائفة من أصحابنا وغيرهم ؛ لهذا الحديث ؛ ولان الظاهر من حال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي اعتكافه أنه كَانَ يفطر فِي المسجد ؛ فإن عائشة قالت : كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ، إلا أن يقال : أن ذلك داخل في حاجة الإنسان .\rوالظاهر من أهل الصفة : أنهم كانوا يأكلون في المسجد ، وقد سبق حديث البراء بن عازب أنهم كانوا إذا جاعوا ضربوا القنو المعلق في المسجد للصدقة فأكلوا منه .\rوذهب طائفة إلى كراهته ؛ لأنه دناءة ، وحكي عن الشافعي ، وهو وجه لأصحابنا .\rومن قال بهذا أجاز للمعتكف أن يدخل بيته للأكل ، كما يدخل لقضاء حاجته.\rويعضد هذا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المساجد : (( إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن )) .\rخرجه مسلم .","part":3,"page":179},{"id":454,"text":"وقد تقدم في أواخر (( أبواب : الوضوء )) .\r\r* * *","part":3,"page":180},{"id":455,"text":"44- باب\rالقضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء\r423- حدثنا يحيى بن موسى : ثنا عبد الرزاق : ابنا ابن جريج : أخبرني ابن شهاب ، عن سهل بن سعد ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد .\rهذا مختصر من حديث سهل في قصة المتلاعنين .\rوكان غرض البخاري منه قول سهل : (( فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد )) ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي لا عن بينهما ، فدل ذلك على جواز الحكم في المسجد والتلاعن فيه بين الزوجين ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - حكم عليهما بالتلاعن ولاعن بينهما .\rولا خلاف نعلمه بين العلماء في جواز الملاعنة في المساجد بين الزوجين المسلمين ، وإنما اختلفوا : هل ذلك مستحب أو واجب أو مباح :\rفأوجبه الشافعي في قول له ، واستحبه في قوله الآخر ، وأكثر أصحابنا ، ومنهم من قال : هو جائز غير مستحب .\rوقال ابن عبد البر : لا يختلفون أن اللعان لا يكون إلا في المسجد الجامع ؛ لان النبي - صلى الله عليه وسلم - لاعن في مسجده .\rوأما القضاء في المسجد ، فقد بوب البخاري عليه في آخر (( صحيحه )) في (( كتاب : الأحكام )) ، فقال : ((باب : من قضى ولاعن في المسجد )) . ولاعن عمر عند منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمن عند المنبر . وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد . وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارج المسجد .\rثم خرج حديث سهل في اللعان .\rثم قال : (( باب : من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد فيقام )) . وقال عمر : أخرجاه من المسجد فاضرباه . ويذكر عن علي نحوه .\rثم خرج فيه من حديث أبي هريرة ، قال : أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد ، فناداه ، فقال : يا رسول الله ،إني زنيت ، فأعرض عنه ، فلما شهد على نفسه أربعا قال : (( ابك جنون ؟ )) قال : لا . قال : (( اذهبوا به فارجموه )) - وذكر الحديث .\rوذكر غيره ممن كان يقضي في المسجد : شريح ، والحسن ، والشعبي ، ومحارب بن دثار ،ويحيى بن يعمر ، وابن أبي ليلى ، وبه قال أبو حنيفة ومالك واحمد وإسحاق .\rقال أحمد : لم يزل الناس يقضون في المساجد .\rوقال مالك : هو من أمر الناس القديم .\rوكرهه الشافعي .\rوحكي عن عمر بن عبد العزيز ، ورواية عن أبي حنيفة .\rوقال سفيان الثوري : لا باس أن يقضي القاضي في المسجد ؛ كان شريح والقضاة يفعلون ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز كتب أن لا يقضي القاضي في المسجد.\rوكان الشعبي يقضي بين أهل الذمة والنساء إذا لم يصلين على باب داره .\rوأما إقامة الحد في المسجد ، ففي النهي عنه حديث خرجه الترمذي ، وفي إسناده مقال .\rوهو قول الجمهور ، وكان ابن أبي ليلى يقيم حد الجلد في المسجد","part":3,"page":181},{"id":456,"text":"ومذهب مالك : لا باس في المسجد بخفيف الأدب ، ولا باس بضرب الخصم فيه إذا تبين لدده - : نقله صاحب (( تهذيب المدونة )) .\r\r* * *","part":3,"page":182},{"id":457,"text":"45- باب\rإذا دخل بيتاً يصلي حيث شاء أو حيث أمر ؟\rولا يتجسس\r424- ثنا عبد الله بن مسلمة : ثنا إبراهيم بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن محمود بن الربيع ، عن عتبان بن مالك ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاه في منزله ، فقال : (( أين تحب أن اصلي لك من بيتك ؟ )) . قال : فأشرت له إلى مكان ، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وصففنا خلفه ، فصلى ركعتين .\rهذا مختصر من حديث طويل قد خرجه بتمامه في الباب الذي بعد هذا .\rومعنى تبويبه هاهنا : أن الداخل إلى بيت غيره : هل يصلي حيث شاء من\rالبيت ، أم حيث أمر ؟ وسقط حرف الاستفهام من الكلام .\rواستدل بهذا الحديث على أنه يصلي حيث أمر لا حيث شاء .\rوفي هذا نظر ؛ حيث شكا إليه أنه لا يقدر على حضور مسجد الجماعة ، وفي مثل هذه الحادثة ينبغي أن يرجع إلى اختيار صاحب البيت في مكان الصلاة ؛ لأنه أعلم بما يصلح من بيته لاتخاذه مسجدا ، والحق له في ذلك .\rوأما من دخل إلى بيت غيره على هذا الوجه ، وأراد لصلاة فيه فلا يتوقف على أمر صاحب البيت ، كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنس وأمه ولم يستاذنهما ، بل قال لهم : (( قوموا ، فلأصلي لكم )) . وقد سبق .\rولعل البخاري الحق الصلاة في بيت غيره إذا دخل إليه بالجلوس فيه ؛ فإنه إذا أمر بالجلوس في مكان معين منه فلا ينبغي له الجلوس في غيره ، لكن ذاك بعد الأمر ، فإن لم يوجد أمر فله الجلوس حيث شاء .\rقال سفيان الثوري : إذا دخلت فاجلس حيث يأمرك صاحب الدار ؛ فإن صاحب الدار اعرف بعورة داره ؛ بلغنا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومتى كان في البيت مسجد للصلاة فيه فالداخل إذا أراد الصلاة يصلي فيه بغير استئذان .\rوفي (( مسند الإمام أحمد)) عن جابر ، قال : قلت : يا رسول الله ، أن أبي ترك دينا ليهودي ، فقال : (( سنأتيك يوم السبت إن شاء الله )) . وذلك في زمن الثمر مع استجداد النخل ، فلما كان صبيحة يوم السبت جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما دخل علي في مالي دنى إلى الربيع فتوضأ منه ، ثم قال إلى المسجد فصلى ركعتين ، ثم دنوت به إلى خيمة لي فبسطت له : بجادا من شعر وطرحت خدية من قتب من شعر حشوها ليف ، فاتكا عليها ، فلم البث إلا قليلا حتى طلع أبو بكر - رضي الله عنه - ، فكأنه نظر إلى ما عمل النبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتوضأ وصلى ركعتين ، فلم البث إلا قليلا حتى جاء عمر - رضي الله عنه - ، فتوضأ وصلى ركعتين كأنه نظر إلى صاحبيه ، فدخلا ، فجلس أبو بكر عند رأسه ، وعمر عند رجليه - وذكر الحديث .\r\r* * *","part":3,"page":183},{"id":458,"text":"46-باب\rالمساجد في البيوت\rوصلى البراء بن عازب في مسجد في داره في جماعة .\rمساجد البيوت ، هي أماكن الصلاة منها ، وقد كان من عادة السلف أن يتخذوا في بيوتهم أماكن معدة للصلاة فيها .\rوقد قدمنا في آخر (( كتاب : الحيض )) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في مسجد بيت ميمونة ، وهي مضطجعة إلى جانبه ، وهي حائض .\rوروى جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أنه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤذنه بالصلاة ، فوجده يتسحر في مسجد بيته .\rخرجه الإمام أحمد .\rوروى محمد بن سعد : ابنا قبيصة : ابنا سفيان : عن أبيه ،قال : أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر.\rوبإسناد : عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، قال : أول من بنى مسجدا يصلي فيه عمار بن ياسر .\rوهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المسبلة ، فلا يجب صيانتها عن نجاسة ولا جنابة ولا حيض . هذا مذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء .\rومنع إسحاق من جلوس الجنب فيها والحائض - : نقله عنه حرب .\rوأجاز الاعتكاف فيها للمرآة خاصة طائفة من فقهاء الكوفيين ، منهم : النخعي والثوري وأبو حنيفة .\rوعنه وعن الثوري : أن المرأة لا يصح اعتكافها في غير مسجد بيتها .\rوقول الأكثرين أصح .\rوقد روي عن ابن عباس ، أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ؟ فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى الله البدع ، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة .\rخرجه حرب الكرماني .\rوروى عمرو بن دينار ، عن جابر ، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد بيتها ؟ قَالَ : لا يصلح ، لتعتكف فِي مسجد ؛ كما قال الله : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [القرة : 187] .\rخرجه الأثرم .\rوجابر هذا يحتمل أنه جابر بن عبد الله الصحابي ، ويحتمل أنه جابر بن زيد أبو الشعثاء التابعي .\rواعتكف أبو الأحوص صاحب ابن مسعود في مسجد بيته.\rورخص فيه الشعبي .\rوهؤلاء جعلوا مساجد البيوت حكمها حكم المساجد في الاعتكاف ، ولو كان هذا صحيحا لاعتكف أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في مساجد بيوتهن ، وإنما كن يعتكفن في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوأما إقامة الجماعة للصلوات في مساجد البيوت فلا يحصل بها فضيلة الصلاة في المساجد ، وإنما حكم ذلك حكم من صلى في بيته جماعة وترك المسجد .\rقال حرب : قلت لأحمد : فالقوم نحو العشرة يكونون في الدار ، فيجتمعون وعلى باب الدار مسجد ؟ قال : يخرجون إلى المسجد ، ولا يصلون في الدار ، وكأنه قال : إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذن فيه ويقام . انتهى .\rومتى كان المسجد يؤذن فيه ويقام ويجتمع فيه الناس عموما ، فقد صار مسجدا مسبلا ، وخرج عن ملك صاحبه بذلك عند الإمام أحمد ، وعامة العلماء ، ولو لم ينو جعله مسجدا مؤبدا .","part":3,"page":184},{"id":459,"text":"ونقل أبو طالب عن أحمد فيمن بنى مسجدا من داره ، أذن فيه وصلى مع الناس ، ونيته حين بناه وأخرجه أن يصلي فيه ، فإذا مات رد إلى الميراث ؟ فقال أحمد : إذا أذن فيه ودعا الناس إلى الصلاة فلا يرجع بشيء ، ونيته ليس بشيء .\rووجه هذا : أن الإذن للناس في الصلاة إذا ترتب عليه صلاة الناس ، فإنه يقوم مقام الوقف بالقول مع حيازة الموقوف عليه ، ورفع يد الواقف ، فيثبت الوقف بذلك ، ونية رجوعه إلى ورثته كنية توقيت الوقف ، والوقف لا يتوقت بل يتأبد ، وتلغو نيته توقيته .\rوقال حرب - أيضا - سمعت إسحاق يقول : الاعتكاف في كل مسجد خارج من البيت جائز ، وان كانت الدار عظيمة مما يجتمع أهل المحلة في مسجد تلك الدار ، ويدخلها غير أهل الدار لما جعل المسجد لله جاز الاعتكاف فيه - أيضا - ، فأما رجل جعل مسجدا لنفسه ، ولم يجعله للجماعة ترفقا بنفسه ، فإنه لا يكون فيه اعتكاف ، ولا فضل الجماعة - أيضا - ، إلا أن يكون به عذر ، ولا يمكنه أن يستقل إلى المسجد ، فحينئذ يكون له فضل الجماعة في ذلك المسجد ، فإن اعتكف فيه كان له اجر ، ولا يسمى معتكفا ؛ لان الاعتكاف إنما يكون في موضع بارز .\rوبكل حال ؛ فينبغي أن تحترم هذه البقاع المعدة للصلاة من البيوت ، وتنظف وتطهر .\rقال الثوري في المساجد التي تبنى في البيوت : ترفع ولا تشرف ، وتفرغ للصلاة، ولا تجعل فيها شيئا .\rوقد روي من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ببناء المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان فِي\r(( صحيحهما )) .\rخرجه الترمذي من وجه آخر مرسلا ، من غير ذكر : (( عائشة )) .\rوقال : هو أصح .\rوكذلك أنكر الإمام أحمد وصله .\rوقال الدارقطني : الصحيح المرسل .\rوخرجه الإمام أحمد - أيضا - من رواية ابن إسحاق : حدثني عمر بن عبد الله بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عمن حدثه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا ، وان نصلح صنعتها ونطهرها .\rوخرجه أبو داود بنحو هذا اللفظ من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد اختلف في تفسير (( الدور )) في هذه الأحاديث :\rفقيل : المراد بها البيوت ، وبذلك فسره الخطابي وغيره .\rوخرج ابن عدي حديث عائشة ، ولفظه : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتنظيف المساجد التي في البيوت .\rوقال أكثر المتقدمين : المراد بالدور هنا : القبائل ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((خير دور الأنصار دار بني عبد الأشهل ، ثم دار بني الحارث بن الخزرج ، ثم دار بني ساعده ، وفي كل دور الأنصار خير)) .\rوبهذا فسر الحديث سفيان الثوري ووكيع بن الجراح وغيرهما .\rوعلى هذا : فالمساجد المذكورة في الحديث هي المساجد المسبلة في القبائل والقرى ؛ دون مساجد الأمصار الجامعة .\rقال البخاري - رحمه الله - :","part":3,"page":185},{"id":460,"text":"425- ثنا سعيد بن عفير : ثنا الليث : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري ، أن عتبان بن مالك - وهو من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن شهد بدرا من الأنصار - ، أنه أتى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي ، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم ، لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم ، ووددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في\rبيتي ، فأتخذه مصلى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((سأفعل ، إن شاء الله)) . قال عتبان : فغدا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر حين ارتفع النهار ، فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذنت له، فلم يجلس حين دخل البيت ، ثم قال : ((أين تحب أن أصلي من بيتك)) قال : فأشرت له إلى ناحية من البيت ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر ، فقمنا خلفه ، فصففنا فصلى ركعتين ، ثم سلم . قال : وحبسناه على خزيرة صنعناها له . قال : فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد ، فاجتمعوا فقال قائل منهم : أين مالك بن الدخيشن - أو ابن\rالدخشن ؟ فقال بعضهم : ذلك منافق ، لا يحب الله ورسوله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال : لا إله إلا الله ، يريد بذلك وجه الله؟)) قال : الله ورسوله أعلم . قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((فإن الله قد حرم على النار من قال : لا إله إلا الله ، يبتغي بها وجه الله)).\rقال ابن شهاب : ثم سألت بعد ذلك الحصين بن محمد الأنصاري - وهو أحد بني سالم ، وهو من سراتهم - عن حديث محمود بن الربيع ، فصدقه بذلك .\rعتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف ، شهد بدرا وأحدا - كما في هذا الحديث - ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا ، وكان ذهب بصره في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان يؤم قومه وهو ضرير البصر وهو شيخ كبير إلى أن توفي في زمن معاوية .\rوالظاهر : أنه لما اشتكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن قد ذهب بصره بالكلية ، بل كان قد ساء بصره ، كذا وقع في ((صحيح مسلم)) من رواية الأوزاعي ، عن الزهري وهو معنى قوله في هذه الرواية : ((أنكرت بصري)) .\rولكن رواه مالك، عن الزهري ، وقال فيه : إن عتبان قال : ((وأنا رجل ضرير البصر)) .\rوقد خرجه البخاري في موضع آخر .\rوروى سليمان بن المغيرة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك: ثنا محمود بن الربيع ، عن عتبان بن مالك ، قال : أصابني في بصري بعض الشيء ، فبعثت إلى\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى ، ففعل .\rوهذا من روايات الأكابر عن الأصاغر - أعني : رواية أنس بن مالك ، عن محمود بن الربيع .","part":3,"page":186},{"id":461,"text":"ورواه حماد بن سلمة : ثنا ثابت ، عن أنس : حدثني عتبان بن مالك ، أنه\rعمي ، فأرسل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، تعال فخط لي مسجدا . فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث .\rولعل هذه الرواية أشبه ، وحماد بن سلمة مقدم في ثابت خاصة على غيره .\rوقد خرجه مسلم في أول ((صحيحه)) من هذين الوجهين .\rوروى هذا الحديث قتادة ، واختلف عليه فيه :\rفرواه شيبان ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر في إسناده : ((عتبان)) .\rوخالفه حجاج بن حجاج ، فرواه عن قتادة ، عن أبي بكر بن أنس ، عن محمود بن عمير بن سعد ، أن عتبان أصيب ببصره - فذكر الحديث .\rخرجه النسائي في ((كتاب اليوم والليلة)) من الطريقين .\rوقوله : ((محمود بن عمير بن سعد)) ، الظاهر أنه وهم ؛ فقد رواه علي بن زيد بن جدعان ، قال : حدثني أبو بكر بن أنس ، قال : قدم أبي الشام وافدا وأنا معه ، فلقينا محمود بن الربيع ، فحدث أبي حديثا عن عتبان بن مالك ، فلما قفلنا انصرفنا إلى المدينة ، فسألنا عنه ، فإذا هو حي ، فإذا بشيخ كبير أعمى ، فسألناه عن الحديث ، فقال : ذهب بصري على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث بطوله .\rخرجه الإمام أحمد .\rفتبين بهذه الرواية أن أبا بكر بن أنس سمعه من محمود بن الربيع عن عتبان ، ثم سمعه من عتبان .\rوقد اعتذر عتبان - أيضا - بأن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه الذي يصلي بهم فيه ، فطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيه في بيته فيصلي فيه ، حتى يتخذه مصلى .\rوفي هذا : استحباب اتخاذ آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواضع صلواته مصلى يصلى فيه .\rوقد ذكر ابن سعد ، عن الواقدي ، أن بيت عتبان الذي صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي فيه الناس بالمدينة إلى يومه ذاك .\rويشهد لهذا المعنى - أيضا - : قول عمر - صلى الله عليه وسلم - للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى ؟ فَنَزَلت : { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً } [البقرة:125].\rوقد نقل أحمد بن القاسم وسندي الخواتيمي ، عن الإمام أحمد ، أنه سئل عن إتيان هذه المساجد؟ فقال : أما على حديث ابن أم مكتوم : أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى ، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأثره ، فلا بأس أن يأتي الرجل المشاهد ، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا ، وأكثروا فيه.\rوفي رواية ابن القاسم : أن أحمد ذكر قبر الحسين ، وما يفعل الناس عنده - يعني : من الأمور المكروهة المحدثة .\rوهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يخشى منه الفتنة ، كما كره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده ، واعتقدوا أنه كاف لهم ، واطرحوا ما لا ينجيهم غيره ، وهو طاعة الله ورسوله .","part":3,"page":187},{"id":462,"text":"وقد رأى الحسن قوما يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين ، فقال : في عمله فتنافسوا .\rيشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه.\rوكذلك من يبالغ في تزيين المصحف وتحسينه، وهو مصر على مخالفة أوامره وارتكاب مناهيه.\rوقد روى عن عمر - رضي الله عنه - ما يدل على كراهة ذلك - أيضا - :\rفروي عن المعرور بن سويد ، قال : خرجنا مع عمر في حجة حجها ، فلما انصرف رأى الناس مسجدا فبادروه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : مسجد صلى فيه النبي\r- صلى الله عليه وسلم - . فقال : هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم ، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا ، من عرضت له فيه صلاة فليصل ، ومن لم تعرض له صلاة فليمض .\rوقال نافع : كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحتها بيعة الرضوان ، فيصلون عندها ، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها ، وأمر بها فقطعت .\rوقال ابن عبد البر : كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان ؛ وذلك - والله أعلم - مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى فِي مثل ذَلِكَ .\rذكره فِي ((الاستذكار)) فِي الكلام عَلَى حَدِيْث : ((اشتد غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .\rوقال : ذكر مالك [ .. .. ] بإثر هذا الحديث حديث عتبان بن مالك ؛ ليبين لك أن معنى هذا الحديث مخالف للذي قبله .\rقال : والتبرك والتأسي بأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيمان به وتصديق ، وحب في الله وفي رسوله .\rوفي الحديث : دليل على أن المطر والسيول عذر يبيح له التخلف عن الصلاة في المسجد .\rوقد روي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرخص له :\rقال الإمام أحمد : ثنا سفيان ، عن الزهري ، فسئل سفيان : عمن هو ؟ قال : هو محمود - إن شاء الله - ، أن عتبان بن مالك كان رجلا محجوب البصر ، وانه ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - التخلف عن الصلاة، فقال : ((هل تسمع النداء؟)) قال : نعم . فلم يرخص له .\rوكذا رواه محمد بن سعد ، عن سفيان .\rوهو يدل على أن سفيان شك في إسناده ، ولم يحفظه .\rوقال الشافعي : أبنا سفيان بن عيينة : سمعت الزهري يحدث ، عن محمود ابن الربيع ، عن عتبان بن مالك ، قال : قلت : يا رسول الله ، إني محجوب البصر ، وإن السيول تحول بيني وبين المسجد ، فهل لي من عذر ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((هل تسمع النداء؟)) قال : نعم . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا أجد لك من عذر إذا سمعت النداء)) . قال سفيان : وفيه قضية لم أحفظها .\rقال الشافعي : هكذا حدثنا سفيان ، وكان يتوقاه ، ويعرف أنه لم يضبطه .\rقال : وقد أوهم فيه - فيما نرى - ، والدلالة على ذلك : ما أبنا مالك ، عن ابن شهاب - ثم ذكر حديث عتبان المتقدم ، على ما رواه الجماعة عن الزهري .\rقال البيهقي : اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد إنما هو في قصة ابن أم مكتوم الأعمى .","part":3,"page":188},{"id":463,"text":"قلت : وقد اشتبهت القصتان على غير واحد ، وقد سبق عن الإمام أحمد أنه ذكر أن ابن أم مكتوم سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى ، وإنما هو عتبان بن مالك .\rوقد اشتبه على بعض الرواة محمود بن الربيع الراوي له عن عتبان ، فسماه محمود بن لبيد ، وهو - أيضا - وهم ، وقد وقع فيه بعض الرواة للحديث عن مالك .\rوقال يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن محمود بن الربيع - أو الربيع بين محمود - شك يزيد .\rوقد روي عن ابن عيينة بإسناد آخر : خرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ، من طريق عبيد الله بن محمد : ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة - إن شاء الله - ، عن عتبان بن مالك ، أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التخلف عن الصلاة ، فقال : ((أتسمع النداء؟)) قَالَ : نَعَمْ . فَلَمْ يرخص لَهُ .\rوهذا الإسناد غير محفوظ ، ولهذا شك فيه الراوي - إما عن سفيان أو غيره - ، وقال : ((إن شاء الله)) ، وإنما أراد حديث محمود بن الربيع .\rوأما ابن أم مكتوم ، فقد خرجه مسلم من رواية يزيد بن الأصم ، عن أبي\rهريرة ، قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى ، فقال : يا رسول الله ، أنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد . فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له فيصلي في بيته ، فرخص له ، فلما ولى دعاه ، فقال : ((هل تسمع النداء بالصلاة)) قال : نعم . قال : ((فأجب)) .\rوخرج الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث عيسى بن جارية ، عن جابر بن عبدالله ، قال : أتى ابن أم مكتوم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر ، وأنا أسمع ؟ قال : ((فإن سمعت الأذان فأجب ، ولو حبوا ، ولو زحفا)) .\rوعيسى بن جارية ، تكلم فيه .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم من حديث عاصم بن بهدلة ، عن أبي رزين ، عن ابن أم مكتوم ، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله ، إني رجل ضرير البصر ، شاسع الدار ، ولي قائد لا يلائمني ، فهل تجد لي رخصة أن اصلي في بيتي ؟ قال : ((هل تسمع النداء؟)) قال : نعم . قال : ((لا أجد لك رخصة)).\rوفي إسناده اختلاف على عاصم :\rوروي عنه ، عن أبي رزين مرسلا .\rورواه أبو سنان سعيد بن سنان ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي رزين ، عن أبي هريرة .\rوأبو سنان ، قال أحمد : ليس بالقوي .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة ، من حديث عبد الرحمن بن عابس ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن أم مكتوم ، أنه قال : يا رسول الله ، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((تسمع حي على الصلاة ، حي على الفلاح ؟)) قال: نعم . قال : ((فحيهلا)) .","part":3,"page":189},{"id":464,"text":"وخرج الإمام أحمد من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبدالله بن شداد ، عن ابن أم مكتوم ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى المسجد فرأى في القوم رقة ، فقال : ((إني لأهم أن أجعل للناس إماما ، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه)) . فقال ابن أم مكتوم ، يا رسول الله ، إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرا ، ولا أقدر على قائد كل ساعة ، أيسعني أن أصلي في بيتي ؟ قال : ((أتسمع الإقامة؟)) قال : نعم . قال : ((فأتها)) .\rوخرجه ابن خزيمة والحاكم من رواية أبي جعفر الرازي ، عن حصين ، به - بنحوه .\rوقد روي هذا الحديث من رواية البراء بن عازب وأبي أمامة وكعب بن عجرة . وفي أسانيدها ضعف . والله أعلم .\rوقد أشكل وجه الجمع بين حديث ابن أم مكتوم وحديث عتبان بن مالك ، حيث جعل لعتبان رخصة ، ولم يجعل لابن أم مكتوم رخصة:\rفمن الناس : من جمع بينهما بأن عتبان ذكر أن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه ، وهذا عذر واضح ؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد ، وابن أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك . وإنما ذكر مشقة المشي عليه . وفي هذا ضعف ؛ فإن السيول لا تدوم ، وقد رخص له في الصلاة في بيته بكل حال ، ولم يخصه بحالة وجود السيل ، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع ، وذلك يقوم مقام السيل المخوف .\rوقيل : إن ابن أم مكتوم كان قريبا من المسجد ، بخلاف عتبان ، ولهذا ورد في بعض طرق حديث ابن أم مكتوم : أنه كان يسمع الإقامة . ولكن في بعض الروايات أنه أخبر أن منزله شاسع كما تقدم .\rومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان، فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد .\rوقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره .\rيعني : أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم .\rوقيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته .\rواستدل بعض من نصر ذلك - وهو : البيهقي - بما خرجه في ((سننه)) من طريق أبي شهاب الحناط ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه ، عن ابن أم مكتوم ، قال : قلت : يا رسول الله ، إن لي قائدا لا يلائمني في هاتين الصلاتين ؟ قَالَ : (( أي\rالصلاتين ؟)) قلت : العشاء والصبح . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبوا)) .\rوحديث ابن أم مكتوم يدل على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة ، إذا كان قادرا على إتيانها ، وهو مذهب أصحابنا .\rولو لم يمكنه المجيء إلا بقائد ووجد قائدا متبرعا له ، فهل يجب عليه حضور المسجد ؟ على وجهين ، ذكرهما ابن حامد من أصحابنا .\rوهذا بناء على قول أحمد : إن حضور المسجد للجماعة فرض عين .\rوسيأتي ذكر ذلك مستوفى في موضعه - إن شاء الله تعالى .","part":3,"page":190},{"id":465,"text":"وقد يستدل بحديث عتبان على أن الجماعة في البيت تكفي من حضور المسجد خصوصا للأعذار .\rويحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيته مسجدا يؤذن فيه ، ويقيم ، ويصلي بجماعة أهل داره ومن قرب منه ، فتكون صلاته حينئذ في مسجد : إما مسجد جماعة ، أو مسجد بيت يجمع فيه ، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفردا ، فلم يأذن له ، وهذا اقرب ما جمع به بين الحديثين . والله أعلم .\rلكن في ((سنن البيهقي)) من حديث كعب بن عجرة ، أن رجلا أعمى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إني اسمع النداء ، ولعلي لا أجد قائدا ، أفأتخذ مسجدا في داري ؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((تسمع النداء؟)) قال : نعم . قال : ((فإذا سمعت النداء فاخرج)) .\rوفي إسناده اختلاف ، وقد قال أبو حاتم فيه : أنه منكر .\rومع هذا ؛ فلا دلالة فيه على أنه أراد أن يصلي في بيته جماعة ، إنما فيه أنه أراد أن يجعل في داره مسجدا لصلاته في نفسه .\rوفي حديث عتبان : دليل على جواز إمامة الأعمى ، وجواز الجماعة في صلاة التطوع - أحيانا - ،وجواز إمامة الزائر بإذن المزور في بيته .\rوقوله : ((وحسبناه على خزيرة صنعناها له)) يدل على أن الزائر وإن كان صاحب المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له ، فإنه يستحب له أن يضيفه ، وإن حبسه لذلك في بيته بعد انقضاء حاجته لم يضر ذلك ، بشرط ألا يكون على الزائر فيه مشقة .\r(( والخزيرة )) : مرقة تصنع من النخالة . وقيل : من الدقيق - أيضا - ، وقيل : أنه لا بد أن يكون معها شيء من دسم من شحم أو لحم . وخص بعضهم دسمها باللحم خاصة .\rوقوله : (( فثاب في البيت رجال)) - يعني جاءوا متواترين ، بعضهم في اثر بعض .\rوقوله : (( من أهل الدار )) - يعني : دار بني سالم بن عوف ، وهم قوم عتبان .\rوفي قوله النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تقل ذلك )) نهى أن يرمي احد بالنفاق لقرائن تظهر عليه ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجري على المنافقين أحكام المسلمين في الظاهر ، مع علمه بنفاق بعضهم ، فكيف بمسلم يرمي بذلك بمجرد قرينة؟\rوفيه : أن من رمى أحدا بنفاق ، وذكر سوء عمله ، فإنه ينبغي أن ترد غيبته ، ويذكر صالح عمله ؛ ولهذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أن لا اله إلا الله وان محمد عبده و رسوله ، لا يلتفت إلى قول من قال : إنما يقولها تقية ونفاقا .\rوإنما لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهجر مالك بن الدخشن ؛ لأنه لم يعرف عنده بما يخشى عليه من النفاق ، ولم يثبت ذلك ببينة ، وإنما رمي بذلك ، بخلاف الثلاثة الذين خلفوا ؛ فإنهم اعترفوا بما يخشى عليهم منه النفاق ؛ ولهذا عذر المعتذرين ووكلهم إلى الله ، وكان كثير منهم كاذبا .\rوقد سبق القول في معنى تحريم من قال : ((لا اله إلا الله)) على النار ، في أواخر ((كتاب: العلم)) .","part":3,"page":191},{"id":466,"text":"وقد شهد مالك بن الدخشم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بدرا واحدا والمشاهد كلها ، واختلفوا : هل شهد مع الأنصار بيعة العقبة ، أم لا ؟\rوقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه مع عاصم بن عدي لتحريق مسجد الضرار وهدمه .\rوقد روى أسد بن موسى : ثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في داره ، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واجتمع قومه ، وتغيب رجل منهم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أين فلان ؟)) فغمزه رجل منهم ، فقال : أنه ، وانه ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أليس قد شهد بدرا ؟)) قالوا : بلى. قال : ((فلعل الله قد اطلع إلى أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).\rوخرجه الطبراني من طريق حماد - أيضا - ، حديثه : أن رجلا من الأنصار عمي ، فبعث إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : اخطط لي في داري مسجدا لأصلي فيه . فجاء\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد اجتمع إليه قومه وتغيب رجل .\rوخرجه ابن ماجة أول الحديث فقط ، وخرج أبو داود آخره فقط من طريق حماد .\rولأنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث آخر في معنى حديث عتبان . خرجه البخاري في مواضع أخر ، وقد ذكرناه في (( باب : الصلاة على الحصير )) فيما تقدم .\r\r* * *","part":3,"page":192},{"id":467,"text":"47- باب\rالتيمن في دخول المسجد وغيره\rوكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى ، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى .\r426- حدثنا سليمان بن حرب : ثنا شعبة ، عن الأشعث بن سليم ، عن أبيه ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب التيمن ما استطاع في شانه كله ، في طهوره ، وترجله ، وتنعله .\rوقد سبق هذا الحديث في (( باب : التيمن في الوضوء والغسل )) وبسطنا القول عليه هناك ، أنه يدل على تقديم اليمنى في الأفعال الشريفة ، واليسرى فيما هو بخلاف ذلك ، فالدخول إلى المسجد من اشرف الأعمال ، فينبغي تقديم الرجل اليمنى فيه كتقديمها في الانتعال ، والخروج منه بالعكس ، فينبغي تأخير اليمنى فيه ، كتأخيرها في خلع النعلين.\rوأما ما ذكره عن ابن عمر تعليقا .\rوروى شداد أبو طلحة الراسبي ، عن معاوية بن قرة ، عن أنس بن مالك ، أنه كان يقول : من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى ، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى .\rخرجه الحاكم .\rوقال : صحيح على شرط مسلم .\rوخرجه البيهقي .\rوقال : تفرد أبو طلحة ، وليس بالقوي .\rوسئل الدارقطني عنه ، فقال : يعتبر به .\rوخرجه له مسلم .\rوروي عن أنس من وجه أخر أضعف من هذا،من فعله ، ولم يقل فيه : (( من السنة )) .\r\r* * *","part":3,"page":193},{"id":468,"text":"48- باب\rهل تنبش قبور مشركي الجاهلية ، ويتخذ مكانها مساجد\rلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لعن الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))\rوما يكره من الصلاة في القبور\rورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر ، فقال : القبر القبر ، ولم يأمره بالإعاده .\rمقصود البخاري بهذا الباب : كراهة الصلاة بين القبور واليها ، واستدل لذلك بان اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام ، بل من عمل اليهود ، وقد لعنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك .\rوقد خرج البخاري هذا الحديث فيما تقدم ، وسيأتي قريبا - أن شاء الله تعالى .\rوقد دل القران على مثل ما دل عليه هذا الحديث ، وهو قول الله عز وجل في قصة أصحاب الكهف : { قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً }\r[ الكهف : 12] ، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور ، وذلك يشعر بان مستند القهر والغلبة واتباع الهوى ، وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما انزل الله على رسله من الهدى .\rوإذا كرهت الصلاة إلى القبور وبينها ، فإن كانت القبور محترمة اجتنبت الصلاة فيها ، وأن كانت غير محترمة كقبور مشركي الجاهلية ونحوهم ممن لا عهد له ولا ذمة مع المسلمين فإنه يجوز نبشها ونقل ما يوجد فيها من عظامهم ، والصلاة في موضعها ؛ فإنها لم تبق مقبرة ولا بقي فيها قبور ، وقد نص الإمام أحمد على ذلك في رواية المروذي .\rوأما ما ذكره عن عمر- رضي الله عنه - ، فمن رواية سفيان ، عن حميد ، عن أنس ، قال : رأني عمر وأنا اصلي إلى قبر ، فجعل يشير إلي : القبر القبر .\rورواه إسماعيل بن جعفر عن حميد ، عن أنس ، حدثه أنه قام يصلي إلى قبر لا يشعر به ، فناداه عمر : القبر القبر. قال : فظننت أنه يقول : القمر ، فرفعت راسي ، فقال رجل : أنه يقول : القبر ، فتنحيت .\rوروي عن أنس ، عن عمر من وجوه أخر .\rوروى همام : ثنا قتادة ، أن أنسا مر على مقبرة وهم يبنون مسجدا ، فقال أنس : كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور.\rوقال أشعث : عن ابن سيرين : كانوا يكرهون الصلاة بين ظهراني القبور .\rخرج ذلك كله أبو بكر الأثرم .\rوقال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يسال عن الصلاة في المقبرة ؟ فكره الصلاة في المقبرة . فقيل له : المسجد يكون بين القبور ، أيصلي فيه ؟ فكره ذَلِكَ . قيل لَهُ : أنه مسجد وبينه وبين القبور حاجز ؟ فكره أن يصلي فيه الفرض ، ورخص أن يصلي فيه على الجنائز . وذكر حديث أبي مرثد الغنوي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا تصلوا إلى القبور )) ، وقال : إسناد جيد .\rوحديث أبي مرثد هذا : خرجه مسلم ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها )) .\rوروي عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :\r(( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، إلا المقبرة والحمام )) .","part":3,"page":194},{"id":469,"text":"خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم\rوصححه .\rوقد اختلف في إرساله ووصله بذكر (( أبي سعيد )) فيه ، ورجع كثير من الحفاظ إرساله : عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، ومنهم : الترمذي والدارقطني .\rوفي هذا الباب أحاديث أخر ، قد استوفيناها في (( في كتاب شرح الترمذي )) .\rوأما ما ذكره البخاري : أن عمر لم يأمر أنسا بالإعادة .\rفقد اختلف في الصلاة في المقبرة : هل تجب إعادتها ، أم لا ؟\rوأكثر العلماء على أنه لا تجب الإعادة بذلك ، وهو قول مالك ، والشافعي ، واحمد في رواية عنه .\rوالمشهور عن أحمد الذي عليه عامة أصحابه : أن عليه الإعادة ؛ لارتكاب النهي في الصلاة فيها .\rوهو قول أهل الظاهر - أو بعضهم - ، وجعلوا النهي هاهنا لمعنى يختص بالصلاة من جهة مكانها ، فهو كالنهي عن الصلاة المختص بها لزمانها كالصلاة في أوقات النهي ، وكالصيام المنهي عنه لأجل زمنه المختص به كصيام العيدين .\rحتى أن من أصحابنا من قال : متى قلنا : النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان ونحوها للتحريم ، فلا ينبغي أن يكون في بطلان الصلاة فيها خلاف عن أحمد ، وإنما الخلاف عنه في عدم البطلان مبني على القول بأنه مكروه كراهة تنزيه .\rوأكثر العلماء على أن الكراهة في ذلك كراهة تنزيه ، ومنهم من رخص فيه .\rقال ابن المنذر : اختلفوا في الصلاة في المقبرة ، فروينا عن علي وابن عباس\rوعبد الله بن عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة فيها . واختلف عن مالك فيه ، فحكى ابن القاسم عنه أنه قال : لا باس به ، وحكى أبو مصعب عنه أنه قال : لا أحب ذلك .\rقال ابن المنذر : ونحن نكره من ذلك ما كرهه أهل العلم استدلالا بالثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتخذوها قبورا)) ، ففي هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة .\rقلت : قد استدل البخاري بذلك - أيضا - وعقد له بابا مفردا ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rقال ابن المنذر : وقد قال نافع مولى ابن عمر: صليتا على عائشة وأم سلمه وسط البقيع ، والإمام يومئذ أبو هريرة ، وحضر ذلك ابن عمر .\rقلت : صلاة الجنازة مستثناة من النهي عند الإمام أحمد وغيره ، وقد سبق قول أحمد في ذلك . وقال أيضاً -: لا يصلي في مسجد بين المقابر إلا الجنائز ؛ لأن الجنائز هذه سنتها .\rيشير إلى فعل الصحابة - رضي الله عنهم - .\rقال ابن المنذر : وروينا أن واثلة بن الأسقع كان يصلي في المقبرة ،غير أنه لا يستتر بقبر .\rقلت : لأنه هو روى عن أبي مرثد حديث النهي عن الصلاة إلى القبور، فكان يخص النهي بحاله استقبال القبر خاصة .\rقال ابن المنذر : وصلى الحسن البصري قي المقابر .\rقلت : لعله صلى على جنازة ، فإنه روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية في المقابر .\rقال: وكره عمر بن الخطاب وأنس بن مالك الصلاة إلى المقابر . انتهى ما ذكره.\rواختلف القائلون بالكراهة في علة النهي :","part":3,"page":195},{"id":470,"text":"فقال الشافعي : علة ذلك النجاسة ، فإن تراب المقابر يختلط بصديد الموتى ولحومهم ، فإن كانت طاهرة صحت الصلاة فيها مع الكراهة .\rوقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثة أقسام : ما تكرر نبشها ، فلا تصح الصلاة فيها ، لاختلاط ترابها بالصديد . وجديدة لم تنبش ،فيصح الصلاة فيها مع الكراهة ؛ لأنها مدفن للنجاسة .\rوما شك في نبشها ، ففي صحة الصلاة فيها قولان .\rوأختلف أصحابنا في علة النهي [ عن الصلاة ] ، فمنهم من قال : هو مظنة النجاسة ، ومنهم من قال : هو تعبد لا يعقل .\rوقالو مع هذا : لا فرق بين أن تكون قديمة أو حديثة ، نبشت أو لم تنبش ، إذا تناولها اسم مقبرة .\rقالوا: فإن كان في بقعة قبر أو قبران فلا بأس بالصلاة فيها وما لم يصل إلى القبر.\rوأنكر آخرون التعليل بالنجاسة ، بناء على طهارة تراب المقابر بالاستحالة ، وعللوا : بان الصلاة في المقبرة والى القبور ، إنما نهى عنه سدا لذريعة الشرك ، فإن اصل الشرك وعبادة الأوثان كانت من تعظيم القبور ، وقد ذكر البخاري في (( صحيحه )) في (( تفسير سورة نوح )) عن ابن عباس معنى ذلك ، وسنذكره فيما بعد - أن شاء الله .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن جندب ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس يقول : (( أن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك )) .\rوهذا يعم كل القبور .\rوخرج الإمام أحمد وابن حبان في (( صحيحه )) من حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((أن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، ومن يتخذ القبور مساجد )) .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد والسرج )) .\rوقال الترمذي : حسن - وفي بعض النسخ : صحيح .\rوخرج ابن حبان فِي (( صحيحه)) والحاكم وصححه .\rواختلف في أبي صالح هذا ، من هو ؟\rفقيل : إنه السمان - : قاله الطبراني ، وفيه بعد . وقيل : إنه ميزان البصري ، وهو ثقة ؛ قاله ابن حبان. وقيل : إنه باذان مولى أم هاني - : قاله الإمام أحمد والجمهور .\rوقد اختلف في أمره :\rفوثقه العجلي . وقاله ابن معين : ليس به باس . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتاج به . وقال النسائي : ليس بثقة . وضعفه الإمام أحمد وقال : لم يصح عندي حديثه هذا .\rوقال مسلم في (( كتاب التفصيل )) : هذا الحديث ليس بثابت ، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه ، ولا يثبت له سماع من ابن عباس .\rوروي عن زيد بن ثابت ، أنه نهى أن يبنى عند قبر أبيه مسجد .\rخرجه حرب الكرماني .\rوقال أبو بكر الأثرم في كتاب (( الناسخ والمنسوخ )) : إنما كرهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب ؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد .","part":3,"page":196},{"id":471,"text":"ووجدنا في كتاب مصنف على مذهب سفيان الثوري : وإذا صلى الرجل وبين يديه ميت تنحى عنه . إنما كره الصلاة إلى القبور من اجل الميت ، فإن صلى إليها فلا باس .\rوفيه - أيضا- : قال سفيان : ويكره أن يصلي الرجل إلى القبور أو ما بين\rالقبور . ثم قال : ومن صلى إلى القبور فلا إعادة عليه .\rوفيه : قال : ولا تعجبني الصلاة على الجنازة في المقبرة .\rوهذا قول الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد ؛ لعموم النهي عن الصلاة في المقبرة .\rواستدل من رخص في صلاة الجنازة في المقبرة : بان الصلاة على القبر جائزة بالسنة الصحيحة ، فعلم أن الصلاة على الميت في القبور غير منهي عنها .\rخرج البخاري في هذا الباب حديثين :\rالحديث الأول :\rقال :\r427- ثنا محمد بن المثنى : ثنا يحيى ، عن هشام : اخبرني أبي ، عن عائشة ، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير ، فذكرتا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : (( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة )) .\rهذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين ، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى ، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد ، فتصوير صور الآدميين محرم ، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم كما دلت عليه النصوص أخر يأتي ذكر بعضها .\rوقد خرج البخاري في ((تفسير سورة نوح )) من ((كتابه)) هذا من حديث ابن جريج ، فقال : عطاء ، عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تعبد ، أما ود كانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع كانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبإ وأما يعوق فكانت لهمدان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع - : أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت.\rوقد ذكر الإسماعيلي : أن عطاء هذا هو الخرساني ، والخرساني لم يسمع من ابن عباس . والله أعلم .\rفإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم فلا شك في تحريمه ، سواء كانت صورا مجسدة كالأصنام أو على حائط ونحوه ، كما يفعله النصارى في كنائسهم ، والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها ، ولم يكن لها ظل ، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة .\rفتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين ؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام ، وهو من جنس عبادة الأوثان ، وهو الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة .","part":3,"page":197},{"id":472,"text":"وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتنزه بذلك والتلهي محرم ، وهو من الكبائر وفاعله من اشد الناس عذابا يوم القيامة ، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره ، والله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى:11] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى .\r\rالحديث الثاني :\r428- حدثنا مسدد : ثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس ، قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف ، فكأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته ، وأبو بكر ردفه ، وملأ بني النجار حوله ، حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ، ويصلي في مرابض الغنم ، وإنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملإ بني النجار ، فقال : ((يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا)) . قالوا : لا والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله- عز وجل - . قال أنس : فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، وفيه خرب ، وفيه نخل ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبور المشركين فنبشت ، ثم بالخرب فسويت ، ثم بنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد ، وجعلوا عضادتيه بالحجارة ، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - معهم وهو يقول :\rفاغفر للأنصار والمهاجره\r... ... اللهم لا خير إلا خير الآخرة\r\rأعلى المدينة : هو العوالي والعالية ، وهو قباء وما حوله ، وكانت قباء مسكن بني عمرو بن عوف.\rوقيل : إن كل ما كان من جهة نجد من المدينة ، من قراها وعمائرها إلى تهامة يسمى العالية ، وما كان دون ذلك يسمى السافلة.\rوبنو النجار كانوا أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد ذكرنا سبب ذلك في ((كتاب : الإيمان)) في ((باب : الصلاة من الإيمان)) .\rوكان مقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة ، وان يتخذ بها مسكنا يسكنه .\rوفي إردافه لأبي بكر في ذلك اليوم دليل على شرف أبي بكر واختصاصه به دون سائر أصحابه .\rوقوله : ((وملأ بني النجار حوله)) - يريد : رجالهم وشجعانهم وأشرافهم .\rوقوله : ((حتى ألقى بفناء أبي أيوب)) - أي : بفناء داره ، و((ألقى)) بالقاف ، ومعناه : أنه نزل به ، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى فيه رحله وما معه .\rوقد ذكر شرحبيل بن سعد وأهل السير : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كلما مر بدار من دور الأنصار كبني سالم وبني حارث بن الخزرج وبني عدي أخذوا بخطام راحلته ، وعرضوا عليه النزول بحيهم ، وهو يقول : ((خلوا سبيلها ؛ فإنها مأمورة)) ، حتى بركت بفناء دار أبي أيوب ، عند مسجده الذي بناه .","part":3,"page":198},{"id":473,"text":"وقول أنس : ((وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم)) ، موافق لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره)) . ولقوله لما سئل : أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال : ((المسجد الحرام)) . قيل له : ثم أي ؟ قال : ((ثم مسجد بيت المقدس)) . قيل : كم بينهما ؟ قال : ((أربعون سنة)) . ثم قال : ((الأرض لك مسجد ، فأينما أدركتك الصلاة فصل ؛ فإنه لك مسجد)) .\rوقوله : فأرسل إلى بني النجار ، فقال : ((ثامنوني بحائطكم)) - يعني : بيعوني إياه بثمنه .\rقال الخطابي : وفيه أن صاحب السلعة أحق بالسوم .\rفإنه طلب منهم أن يذكروا له الثمن ، ولم يقطع ثمنا من عنده .\rوالحائط : ما فيه شجر وعليه بنيان .\rوقوله : ((قالوا : والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله)) يدل على أنهم لم يأخذوا له ثمنا ، وقد ذكر الزهري وغيره خلاف ذلك .\rقال ابن سعد : أبنا الواقدي : حدثني معمر ، عن الزهري ، قال : بركت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موضع مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين ، وكان مربدا لسهل وسهيل : غلامين يتيمين من الأنصار ، وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغلامين ، فساومهما بالمربد ؛ ليتخذه مسجدا . فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله . فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ابتاعه منهما .\rقال الواقدي : وقال غير معمر ، عن الزهري : فابتاعه بعشرة دنانير . وقال معمر ، عن الزهري : وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك.\rوهذا إن صح يدل على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم .\rوحديث أنس اصح من رواية يرويها الواقدي عن معمر وغيره ، عن الزهري مرسلة ، فإن مراسيل الزهري لو صحت عنه من اضعف المراسيل ، فكيف إذا تفرد بها الواقدي ؟\rوقد روي عن الحسن ، أنهما وهباه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقبله :\rقال المفضل الجندي في ((فضائل المدينة)) له : ثنا محمد بن يحيى : ثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الحسن ، قال : كان مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مربدا لغلامين من الأنصار ، يقال لهما : سهل وسهيل ، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - أعجبه ، فكلم فيه عمهما - وكانا في حجره - أن يبتاعه منهما ، فأخبرهما عمهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراده ، فقالا : نحن نعطيه إياه . فأعطياه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فبناه .\rقال الحسن : فأدركت فيه أصول النخل غلابا - يعني : غلاظا - ، وكان\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة إلى جذع منها ، ويسند إليه ظهره ، ويصلي إليه .","part":3,"page":199},{"id":474,"text":"ثم قال الواقدي - في روايته عن معمر ، عن الزهري - : كان - يعني : ذلك المربد - جدارا مجدرا ، ليس عليه سقف ، وقبلته إلى بيت المقدس ، كان أسعد بن زرارة بناه ، فكان يصلي بأصحابه فيه ، ويجمع فيه بهم الجمعة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنخل الذي في الحديقة ، وبالغرقد الذي فيه أن يقطع ، وأمر باللبن فضرب ، وكان في المربد قبور جاهلية ، فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنبشت ، وأمر بالعظام أن تغيب ، وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب ، وأسسوا المسجد ، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك ، فهو مربع - ويقال : كان اقل من المائة - ، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاث أذرع على الأرض بالحجارة ، ثم بنوه باللبن ، وبناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه ، وهو يقول :\rفاغفر للأنصار والمهاجره\r... ... اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة\r\rوجعل يقول :\rهذا أبر - ربنا - ، وأطهر\r... ... هذا الحمال لا حمال خيبر\r\rوجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : بابا في مؤخره ، وبابا يقال له : باب الرحمة ، وهو باب الذي يدعى باب عاتكة ، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الباب الذي يلي آل عثمان ، وجعل طول الجدار بسطة وعمدة الجذوع ، وسقفه جريدا ، فقيل له : ألا نسقفه ؟ فقال : ((عريش كعريش موسى ، خشيبات وثمام ، الشأن أعجل من ذلك)) .\rوبنى بيوتا إلى جنبه باللبن ، وسقفها بجذوع النخل والجريد ، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد ، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان . انتهى .\rوذكر ابن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في منزل أبي أيوب سبعة أشهر.\rوهذا يدل على أن بعض حجره تم بناؤه بعد ذلك ، وانتقل إليها .\rوروى ابن سعد - أيضا - عن الواقدي : ثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال ، قال : مات أسعد بن زرارة في شوال ، على رأس تسعة أشهر من الهجرة ، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمئذ يبنى .\rوهذا يدل على أن بناء المسجد لم يتم إلا بعد تسعة أشهر من الهجرة .\rوأما قول أنس : ((فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، وفيه خرب ، وفيه نخل)) .\rلفظه : ((خرب)) رويت بالخاء المعجمة والباء الموحدة . ورويت : ((حرث)) بالحاء والثاء المثلثة .\rقال الإسماعيلي : من قال : ((حرث)) . فهو محتمل ؛ لأن ما حرث ولم يزرع أو زرع فرفع زرعه ، كانت الأخاديد والشقوق باقية في الأرض .\rيشير إلى أن ذلك يناسب قوله : ((فأمر بالحرث فسويت)) .\rقال : ومن قال : ((خرب)) فهو صحيح ؛ فهو جمع خربة أو خربة - بضم الخاء - وهو العيب ، كالجحر والشق ونحوه .\rقال : وأما ((الخرب)) فهو كقولك : مكان خرب - يعني : أنه يكون وصفا لمذكر .","part":3,"page":200},{"id":475,"text":"قال : والحديث خارج على تأنيث هذا الحرف ، فكأنه بالجمع أشبه .\rوقال الخطابي : روي ((خرب)) - يعني : بكسر الخاء وبفتح الراء - قال الليث : هي لغة تميم خرب ، والواحد خربة.\rقال : وسائر الناس يقولون : ((خرب)) - يعني : بفتح الخاء وكسر الراء - ، جمع خربة ، كما قيل : كلم جمع كلمة . ولعل الصواب ((الخرب)) مضمومة الخاء جمع خربة وهي الخروق التي في الأرض ، إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة .\rقال : ولعل الرواية : ((الجرف)) جمع الجرفة ، وهي جمع الجرف ، كما قيل : خرج وخرجه ، وترس وترسه .\rقال : وأبين منها - إن ساعدت الرواية - : ((حدب)) جمع حدبة ، لقوله : ((فسويت))، وإنما يسوى المكان المحدودب ، أو ما فيه خروق ، فأما الخرب فتبنى وتعمر. انتهى ما ذكره .\rوفيه تكلف شديد ، وتلاعب بهذه اللفظة بحسب ما يدخلها من الاحتمالات المستبعدة . والرواية التي رواها الحفاظ : ((خرب)) ، فإن كان مفردا ، فإنما أنث\rتسويته ؛ لأن التأنيث يعود إلى أماكنه ، والظاهر أنها كانت متعددة ، وإن كان\r((خرب)) ؛ - بالجمع - فتأنيثها واضح .\rومعنى تسوية الخرب : أن البناء الخراب المستهدم يصير في موضعه أماكن مرتفعة عن الأرض فتحتاج إلى أن تحفر وتسوى بالأرض ، وهذا أمر واضح ظاهر ، لا يحتاج إلى تكلف ولا تعسف.\rوأما ((النخل)) فقد اخبر أنس أنه قطع ، وصف قبلة للمسجد ، وأما ((قبور المشركين)) فنبشت ، وذكر أنهم بدءوا بنبش القبور، ثم بتسوية الخرب ، ثم بقطع النخل .\rوالمقصود من تخريج الحديث في هذا الباب : أن موضع المسجد كان فيه قبور للمشركين ، فنبشت قبورهم ، وأخرجت عظامهم منها ، وهذا يدل على أن المقبرة إذا نبشت وأخرج ما فيها من عظام الموتى لم تبق مقبرة ، وجازت الصلاة فيها .\rويدل على كراهة الصلاة في المقبرة ولو كانت قبور المشركين ؛ لما فيه من سد الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجد ، فإنه إذا تطاول العهد ، ولم تعرف الحال ، خشي من ذلك الفتنة.\rوقد يقال مع ذلك : إن في نبش عظام المشركين للصلاة في أماكنها تباعدا في الصلاة عن مواضع العذاب والغضب ، وهي مما يكره الصلاة فيها ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .\rوفي الحديث : دليل على طهارة الأرض بالاستحالة ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور ولا تطهيرها ، ولو فعل ذلك لما أهمل نقله ؛ للحاجة إليه .\rويدل عليه - أيضا - : أن الصحابة كانوا يخوضون الطين في الطرقات ولا يغسلون أرجلهم - كما تقدم عنهم- والنجاسات مشاهدة في الطرقات ، فلو لم تطهر بالاستحالة لما سومح في ذلك .\rوهذا قول طائفة من العلماء من السلف ، كأبي قلابة وغيره ، ورجحه بعض أصحابنا ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، والمشهور عنه : أن الأرض النجسة إذا جفت فإنه يصلى عليها ، ولا يتيمم بها. ومذهب مالك والشافعي واحمد وغيرهم : أنها نجسة بكل حال.","part":3,"page":201},{"id":476,"text":"وفي الحديث : دليل على أن قبور المشركين لا حرمة لها ، وأنه يجوز نبش عظامهم ، ونقلهم من الأرض للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك .\rواختلفوا في نبش قبورهم لطلب ما يدفن معهم من مال ، فرخص فيه كثير من العلماء . حكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والشافعي . قال وكرهه مالك ولم يحرمه ، وكان الناس يفعلون ذلك في أول الإسلام كثيرا .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بقبر أبي رغال ، فأخبرهم أن معه غصنا من\rذهب ، فنبشوه واستخرجوه منه .\rومن العلماء من كره ذلك ، منهم الأوزاعي ، وعلل بأنه يكره الدخول إلى مساكنهم ؛ خشية نزول العذاب ، فكيف بقبورهم ؟\rوكره بعض السلف نبش القبور العادية المجهولة ؛ خشية أن يصادف قبر نبي أو صالح ، وخصوصا بأرض الشام كالأردن .\rونص أحمد على أنه إذا غلب المسلمون على ارض الحرب فلا تنبش قبورهم .\rوهذا محمول على ما إذا كان النبش عبثا لغير مصلحة ، أو أن يخشى منه أن يفعل الكفار مثل ذلك بالمسلمين إذا غلبوا على أرضهم .\rوفي الحديث : دليل على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب شراء هذا المربد .\rوهذه المسألة على قسمين :\rأحدهما : أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه ونقله ، كأهل الحرب ، ومن دفن في مكان مغصوب ، فهذا لا شك في صحة البيع للأرض كلها، وينقل المدفون فيها ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنقل عظام المشركين من المربد .\rوالثاني : أن يكون المقبور محترما لا يجوز نبشه ، فلا يصح بيع موضع القبور خاصة .\rوهل يصح في الباقي ؟ يخرج على الخلاف المشهور في تفريق الصفقة .\rولو اشترى أرضا ، فوجد في بعضها عظام موتى ، ولم يعلم : هل هي مقبرة أم لا ؟ فقال ابن عقيل من أصحابنا وبعض الشافعية في زمنه : لا يصح البيع في محل الدفن ؛ لأن تلك البقعة إما أن تكون مسبلة ، وإما أن تكون ملكا للميت قد وصى بدفنه فيها ، فيكون أحق بها ، ولا ينقل إلى الورثة .\rوهذا الذي قالوه هو الأغلب ، وإلا فيحتمل أن يكون الدفن في أرض مغصوبة أو مغارة للدفن ، إلا أن هذا قليل أو نادر ، فلا يعول عليه . والله أعلم .\rوالمنصوص عن أحمد : أنه إذا دفن في بيت من داره فلا بأس ببيعه ، ما لم يجعل مقبرة مسبلة .\rوفي الحديث : دليل على جواز قطع النخل لمصلحة في قطعه ، وقد نص على جوازه أحمد : إذا كان في داره نخلة ضيقت عليه ، فلا بأس أن يقطعها .\rوكره جماعة قطع الشجر الذي يثمر ، منهم : الحسن والأوزاعي وإسحاق ، وكره أحمد قطع السدر خاصة لحديث مرسل ورد فيه ، وقال : قل إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا .\rورخص في قطعه آخرون . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":202},{"id":477,"text":"49- باب\rالصلاة في مرابض الغنم\r429- حدثنا سليمان بن حرب : ثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن أنس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في مرابض الغنم .\rثم سمعته بعد يقول : كان يصلي في مرابض الغنم ، قبل أن يبني المسجد .\rهذا مختصر من الحديث الذي قبله ، وإنما ترك الصلاة في مرابض الغنم بعد بناء المسجد ؛ لاستغنائه عنها بالمسجد لا لنسخ الصلاة فيها ، فإنه روي عنه أنه أذن في ذلك .\rففي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سمرة ، أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أصلي في مرابض الغنم؟ قال : ((نعم)) قال : أصلي في مبارك الإبل؟ قال : ((لا)) .\rوفيه أحاديث أخر ، يأتي بعضها - إن شاء الله تعالى .\rوقد روي الرخصة في ذلك عن ابن عمر ، وأبي ذر ، وأبي هريرة ، وجابر ابن سمرة ، وابن الزبير وغيرهم ، وهو قول العلماء بعدهم .\rقال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم ، إلا الشافعي ، فإنه قال : لا أكره الصلاة في مراح الغنم ، إذا كان سليما من أبوالها وأبعارها .\r* * *","part":3,"page":203},{"id":478,"text":"50- باب\rالصلاة في مواضع الإبل\r430- حدثنا صدقة بن الفضل : ثنا سليمان بن حيان : ثنا عبيد الله ، عن\rنافع ، قال : رايت ابن عمر يصلي إلى بعيره ، فقال : رايت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله .\rسليمان بن حيان ، هو : أبو خالد الأحمر .\rوقد خرج الشيخان هذا الحديث في (( صحيحيهما )) من طريقة ، ومن طريق المعتمر بن سليمان - أيضا - ، عن عبيد الله بن عمر .\rورواه - أيضا- شريك ، عن عبيد الله كذلك .\rوخالفهم ابن نمير ومحمد بن عبيد ، فروياه عن عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يفعل ذلك - ولم يرفعاه .\rوزعم الدارقطني : أنه صحيح .\rوتصرف الشيخين يشهد بخلاف ذلك ، وان الصحيح رفعه ؛ لان من رفعه فقد زاد ، وهم جماعة ثقات .\rوالحديث نص في جواز الصلاة إلى البعير .\rقال ابن المنذر : فعل ذلك ابن عمر وانس ، وبه قال مالك والاوزاعي .\rوقال أبو طالب : سالت أحمد : يصلي الرجل إلى بعيره ؟ قال : نعم ؛ النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ، وابن عمر .\rوكلام أحمد هذا يدل على صحة رفع الحديث عنده ، كما هي طريقة البخاري ومسلم .\rوممن روى عنه الاستتار ببعيره في الصلاة : سويد بن غفلة ، والأسود بن يزيد ، وعطاء ، والقاسم ، وسالم .\rوقال الحسن : لا بأس به .\rقال ابن عبد البر : لا أعلم فيه خلافا .\rونقل البويطي ، عن الشافعي : أنه لا يصلي إلى دابة .\rقال بعض أصحابه المتأخرين : لعل الشافعي لم يبلغه الحديث ، وقد وصانا باتباع الحديث إذا صح ، وقد صح هذا الحديث ، ولا معارض له .\rوتبويب البخاري : يدل على أن هذا الحديث يؤخذ منه يجوز الصلاة في مواضع الإبل وأعطانها ، وقد سبقه إلى ذلك بعض من تقدم .\rوقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن مسائل ، منها : الصلاة في أعطان الإبل ، فكتب له كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على راحلته ، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض احدهم ناقته بينه وبين القبلة ، فيصلي إليها ، وهي تبعر وتبول .\rوروى وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر - هو : الجعفي - ، عن عامر الشعبي ، عن جندب بن عامر السلمي ، أنه كان يصلي في أعطان الإبل ومرابض الغنم .\rورخص سفيان الثوري في الصلاة في أعطان الإبل ، وذكره بعض المصنفين على مذهبه ، وقال : رواه عنه القناد .\rوأكثر أهل العلم على كراهة الصلاة في أعطان الإبل .\rقال ابن المنذر : وممن روينا عنه أنه رأى الصلاة في مرابض الغنم ، ولا يصلي في أعطان الإبل : جابر بن سمرة ، وعبد الله بن عمر ، والحسن ، ومالك وإسحاق ، وأبو ثور . انتهى .\rوهو -أيضا- قول الشافعي وأحمد .\rوقد روى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق متعددة ، وقد سبق حديث جابر بن\rسمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، والأمر بالصلاة في مرابض\rالغنم .\rخرجه مسلم .","part":3,"page":204},{"id":479,"text":"وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في\r(( صحيحيهما )) من حديث ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل )) .\rوصححه الترمذي ، وإسناده كلهم ثقات، إلا أنه اختلف على ابن سيرين في رفعه ووقفه .\rقال الدارقطني : كانت عادة ابن سيرين أنه ربما توقف عن رفع الحديث توقيا .\rوخرجه الترمذي من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وذكر أنه اختلف في رفعه ووقفه - أيضا - ، في كتاب (( العلل )) عن البخاري : أن المعروف وقفه .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب ، قال : سئل\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في مبارك الإبل ؟ فقال : ((لا تصلوا في مبارك الإبل ؛ فإنها من الشياطين)) .\rوسئل عن الصلاة في مرابض الغنم ؟ فقال : ((صلوا فيها ؛ فإنها بركة)).\rقال ابن عبد البر : هو أحسن أحاديث الباب ، وأكثرها تواترا.\rوروى الحسن ، عن عبد الله بن مغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة في أعطان الإبل .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي وخرجه ابن ماجه وابن حبان في (( صحيحه )) ، ولفظهما : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فأنها خلقت من الشياطين )) .\rوفي رواية للإمام أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لاتصلوا في أعطان الإبل ؛ فإنها من الجن خلقت ، إلا ترون عيونها وهبتها ، إذا نفرت ، وصلوا في مرابد الغنم ؛ فإنها هي اقرب من الرحمة )) .\rوخرجه الشافعي بإسناد فيه ضعف ، ولفظه : (( إذا أدركتم الصلاة وانتم في مراح الغنم فصلوا فيها ؛ فأنها سكينة وبركة ، وإذا أدركتكم الصلاة وانتم فِي أعطان الإبل فاخرجوا مِنْهَا فصلوا ؛ فأنها جن من جن خلقت إلا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ\rبأنفها )) .\rوله طرق متعددة عن الحسن .\rقال ابن عبد البر : رواه عن الحسن خمسة عشر رجلا .\rوالحسن ، سمع من عبدالله بن المغفل - : قاله الإمام أحمد .\rوخرج مسلم حديثه عنه في ((صحيحه)) .\rوخرج الإمام أحمد - بإسناد جيد - ، عن عقبة بن عامر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل)) .\rوخرجه الطبراني من حديث عبدالله بن عمرو - مرفوعا - من رواية يونس ابن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عنه - مرفوعا .\rويونس وثقه غير واحد .\rلكن رواه مالك عن هشام ، عن أبيه ، عن رجل من المهاجرين ، أنه سأل عبدالله بن عمرو - فذكره ، ولم يرفعه .\rورواه عبدة ووكيع ، عن هشام : حدثني رجل من المهاجرين - فذكره ، ولم يذكر في الإسناد : ((عروة)) .\rقال مسلم في ((كتاب التمييز)) : وهو الصواب .\rواختلف القائلون بالكراهة : هل تصح الصلاة في أعطان الإبل ، أم لا ؟ فقال الأكثرون : تصح ، وهو رواية عن أحمد ، وأنه يعيد الصلاة استحبابا .","part":3,"page":205},{"id":480,"text":"والمشهور عن أحمد : أنها لا تصح ، وعليه الإعادة .\rوعنه رواية ثالثة : إن علم بالنهي لم تصح ، وألا صحت .\rوعلله أصحاب الشافعي بأنها تنفر ، فربما قطعت على المصلي صلاته .\rوهذا ضعيف ؛ لوجهين :\rأحدهما : أنه يبطل بالصلاة إلى البعير ، لكن في كلام الشافعي ما يدل على كراهته .\rوالثاني: أنه ينتقض بما إذا لم تكن الإبل في أعطانها ، فإن الكراهة لا تنتفي بذلك.\rوالمنصوص عن الشافعي : التعليل بما ورد به النص ، أنها خلقت من الشياطين .\rقال الشافعي : وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تصلوا في أعطان الإبل ؛ فأنها جن من جن خلقت)) دليل على أنه إنما نهى عنها ، كما قال حين نام عن الصلاة : ((اخرجوا بنا من هذا الوادي ، فإنه واد به شيطان)) . فكره أن يصلي قرب شيطان وكذا كره أن يصلي قرب الإبل ؛ لأنها خلقت من جن ، لا لنجاسة موضعها .\rوذكر أبو بكر الأثرم معنى هذا -أيضا-وأنه إنما كره الصلاة في معاطن الإبل ؛ لأنها خلقت من الشياطين .\rوقد فسر ابن قتيبة خلق الإبل من الشياطين بأنها خلقت من جنس خلقت منه الشياطين . قال : وورد في حديث آخر أنها خلقت من أعيان الشياطين ، يريد من نواحيها وجوانبها . قال : ولم تزل العرب تنسب جنسا من الإبل إلى الحوش ، فتقول : ناقة حوشية ، وهي أنفر الإبل وأصعبها ، ويزعمون أن للجن إبلا ببلاد الحوش ، وأنها ضربت في نعم الناس فنتجت منها هذه الحوشية ، فعلى هذا يجوز أن يراد أنها خلقت من نتاج نعم الجن ، لا من الجن نفسها . انتهى .\rويجوز أن خلقت في أصلها من نار ، كما خلقت الجن من نار ، ثم توالدت كما توالدت الجن . والله تعالى أعلم .\rوزعم الخطابي أنها نسبت إلى الشياطين لما فيها من النفار والشرود . قال : والعرب تسمي كل مارد شيطانا .\rوقال أبو عبيد : المراد : أنها في أخلاقها وطبائعها تشبه الشياطين .\rوقد ورد في حديث آخر : ((إن على ذروة كل بعير شيطانا)) مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في السفر على بعيره النوافل ، وهذا مما يستدل به من يقول : إن النهي عن الصلاة في الأعطان لا يمنع صحة الصلاة .\rواختلفوا في تفسير أعطان الإبل .\rفقال الشافعي : العطن : قرب البئر التي يستقى منها ، وتكون البئر في موضع ، والحوض قريبا منها ، فيصب فيه فيملأ ، فتسقى الإبل ثم تنحى عن البئر شيئا حتى تجد الواردة موضعا ، فذلك العطن . قال : وليس العطن مراحها الذي تبيت فيه .\rوكره أصحابه الصلاة في مأواها بالليل دون كراهة العطن.\rوقال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبدالله - : العطن : الذي تقيم في المكان تأوي إليه .\rوقال - في رواية ابنه صالح -: يعيد الصلاة إذا صلى في الموضع الذي تأوي إليه.\rوقال أبو بكر الخلال : العطن : الذي تأوي إليه بالليل والنهار .\rوقال أصحاب مالك : لا يصلي في أعطان الإبل التي في المناهل .","part":3,"page":206},{"id":481,"text":"... وهذا يشبه قول الشافعي ، وهو وجه لأصحابنا - أيضا - ، وأن العطن : هو موضع اجتماعها إذا صدرت عن المنهل ، وبذلك فسره كثير من أهل اللغة .\rوبكل حال ؛ فليس الموضع الذي تنزله في سيرها عطنا لها، ولا تكره الصلاة فيه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يعرض بعيره ويصلي إليه في أسفاره ، ولم يكن يدخل إلى أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها ، فلا تعارض حينئذ بين صلاته إلى بعيره ، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل ، كما توهمه البخاري ومن وافقه . والله أعلم .\rوأما مواضع البقر فغير منهي عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء ، ومنهم : عطاء ومالك وابن المنذر ، واستدل لَهُ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((أينما أدركتك الصلاة فصل ، فهو مسجد)) .\rوقد ورد فيه حديثان :\rأحدهما : خرجه ابن وهب في ((مسنده)) عن سعيد بن أبي أيوب ، عمن\rحدثه ، عن عبدالله بن مغفل صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلى في معاطن الإبل ، وأمر أن يصلى في مراح الغنم والبقر .\rوفي إسناده جهالة .\rوالثاني : من حديث ابن لهيعة ، عن حيي بن عبدالله ، أن أبا عبد الرحمان الحبلي حدثه ، عن عبدالله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر .\rخرجه الإمام أحمد .\rوهذا إسناد ضعيف . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":207},{"id":482,"text":"51- باب\rمن صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد ،\rفأراد به الله - عز وجل -\rوقال الزهري : اخبرني أنس : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( عرضت علي النار وأنا اصلي)) .\r431 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك عن زيد بن اسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عباس ، قال : انخسفت الشمس ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : (( أريت النار ، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع )) .\rحديث ابن عباس هذا قد خرجه بطوله في ((أبواب صلاة الكسوف)) وخرج فيها - أيضا- معناه من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- .\rوأما حديث أنس الذي علقه فهو قطعة من حديث طويل ، فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر عند الزوال ، ثم صعد المنبر فذكر الساعة ، ثم قال : ((من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل)) . وفي آخره : قال : ((عرضت علي الجنة والنار - آنفا - في عرض هذا الحائط ، فلم أر كالخير والشر)) .\rوقد خرجه البخاري بتمامه في ((باب : وقت الصلاة عند الزوال)) ، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - ، وخرج بعضه في ((كتاب : العلم)) فيما سبق .\rوخرجه - أيضا - بمعناه من حديث قتادة ، عن أنس في ((كتاب : الفتن)) .\rوليس في حديث الزهري وقتادة عن أنس أن عرض الجنة والنار عليه كان في الصلاة .\rوخرج - أيضا - في ((باب : رفع البصر إلى الإمام في الصلاة)) من حديث فليح : ثنا هلال بن علي ، عن أنس ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم رقي المنبر ، فأشار بيده قبل قبلة المسجد ، ثم قال : ((لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار ، فلم أر كاليوم في الخير والشر)) - ثلاثا .\rوخرج مسلم من حديث عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : انكسفت الشمس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر صلاته وخطبته بعد الصلاة ، وانه قال فيها : ((ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه ، لقد جيء بالنار ، وذلك حين رأيتموني تأخرت ؛ مخافة أن يصيبني من لفحها)) - وذكر الحديث .\rومقصود البخاري بهذا الباب : أن من صلى لله عز وجل ، وكان بين يديه شيء من جنس ما عبد من دون الله كنار وتنور وغير ذلك ، فإن صلاته صحيحة ، وظاهر كلامه أنه لا يكره ذلك - أيضا.\rواستدل بعرض النار على النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته ، وفي هذا الاستدلال نظر .\rقال الإسماعيلي : ليس ما أراه الله من النار حتى أطلعها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم ، ولا حكم ما أري ليخبرهم بما رآه كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائما موضوعا فجعله أمام مصلاه وقبلته . انتهى .\rفأشار إلى الفرق من وجوه :\rمنها : أن من كره الصلاة إلى نار أو تنور ، فإنما كره أن يتعمد المصلي ذلك ، وعرض النار على النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن كذلك .","part":3,"page":208},{"id":483,"text":"ومنها : أن المكروه استقبال نار الدنيا ؛ لأنها هي التي عبدت من دون الله عز وجل ، فأما نار جهنم فهي دار عقاب الكفار ، فليست كنار الدنيا .\rومنها : أن ما أري النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر الغيب لا يتعلق به أحكام أمور الدنيا .\rومن هنا قيل : إن جبريل لما شق قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغسله في طست من ذهب لم يجر على ذلك حكم استعمال أواني الذهب في الدنيا .\rوقد كره أكثر العلماء الصلاة إلى النار ، منهم : ابن سيرين ، كره الصلاة إلى تنور ، وقال : هو بيت نار .\rوقال سفيان : يكره أن يوضع السراج في قبلة المسجد .\rوقال إسحاق : السراج لا بأس به ، والكانون أكرهه - : نقله عنه حرب .\rوقال مهنا : سألت أحمد عن السراج والقنديل يكون في قبلة المسجد ؟ قال : أكرهه ، وأكره كل شيء ؛ حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف . وكان ابن عمر يكره أن يكون بينه وبين القبلة شيء .\rونقل الفرج بن الصباح البرزاطي عن أحمد ، قال : إذا كان التنور في قبلة لا يصلى إليه ؛ كان ابن سيرين يكره أن يصلي إلى التنور .\rووجه الكراهة : أن فيه تشبها بعباد النار في الصورة الظاهرة ، فكره ذلك ، وإن كان المصلي يصلي لله ، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها لمشابهة سجود المصلي فيه سجود عباد الشمس لها في الصورة ، وكما تكره الصلاة إلى صنم والى صورة مصورة .\rقال أحمد في رواية الميموني : لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك .\rوقد سبق ذكر كراهة الصلاة إلى الصور .\rوأما استثناء إسحاق من ذلك السراج ، فقد أشار حرب إلى الاستدلال له بما خرجه من طريق أسباط ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على حصير - وبين يديه مصباح - قال : فجاءت الفأرة ، فأخذت الفتيلة : فألقتها على الحصير ، وأحرقت منه قدر الدرهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إن الفويسقة لتضرم على أهل البيت)) .\rوقد خرجه أبو داود ، وليس عنده ذكر الصلاة على الحصير ، ولا أن بين يديه مصباحا .\rولو وضع بين يدي المصلي في صلاته نار لم تبطل صلاته ، ويزيلها عنه بحسب القدرة .\rوفي ((صحيح مسلم)) عن أبي الدرداء قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأم ، فسمعناه يقول : ((أعوذ بالله منك)) . ثم قال : ((ألعنك بلعنة الله)) - ثلاثا - وبسط يديه كأنه تناول شيئا ، فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله ، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك قبل ذلك ، ورأيناك بسطت يدك . قال : ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ؛ ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات ، ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة . فلم يستأخر - ثلاث مرات - ، ثم أردت آخذه ، والله ؛ لو لا دعوة أخينا سليمان - عليه السلام - لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة)) .","part":3,"page":209},{"id":484,"text":"وخرج الإمام أحمد من حديث سماك بن حرب ، سمع جابر بن سمرة يقول : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر ، فجعل يهوي بيده فسأله القوم حين انصرف ، فقال : ((إن الشيطان كان يلقي علي شرر النار ؛ ليفتنني عن الصلاة ، فتناولته ، فلو أخذته ما انفلت مني حتى يناط إلى سارية من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة)) .\r\r* * *","part":3,"page":210},{"id":485,"text":"52- باب\rكراهية الصلاة في المقابر\r432- حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتخذوها قبورا)) .\rقد سبق استدلال ابن المنذر بهذا الحديث - أيضا - على كراهة الصلاة في\rالمقبرة ، وكذلك الخطابي وغيره .\rووجه ذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بأن يصلوا في بيوتهم ، ولا يتخذوها قبورا بترك الصلاة فيها ، فدل على أن القبور ليس فيها صلاة ، وان البيت يكره إخلاءه عن الصلاة ، لما فيه من تشبيه بالمقابر الخالية عن الصلاة .\rولكن قد يقال : النهي عن تشبيه البيوت بالمقابر في إخلائها عن الصلاة إنما يراد منه أن المقابر تخلو عن الصلاة فيها في الواقع المشاهد ؛ فإنها ليست محلا لصلاة الأحياء عادة . ومن فيها من الأموات لا يقدرون على الصلاة ، فصارت خالية عن الصلاة عادة.\rوهذا إخبار بحسب الغالب ، وإلا فقد شوهد صلاة بعض الموتى في قبورهم ، ورئي ذلك في المنام واليقظة ، ولكنه نادر ، فنهى عن تشبيه بيوت الأحياء بمقابر الأموات في إخلائها عن الصلاة فيها لذلك .\rوقد قال الحسن : من أوى إلى فراشه طاهرا ، وذكر الله حتى تغلبه عيناه كان فراشه له مسجدا ، ومن أوى إلى فراش غير طاهر ، ولم يذكر الله كان فراشه له قبرا .\rيشير إلى أنه يصير كالقبر لخلوه عن الذكر، والنائم عن الذكر يصير له كالمسجد.\rوحينئذ فلا يبقى في الحديث تعرض لمنع الصلاة في المقابر شرعاً ، حيث كان المراد ذكر امتناع الصلاة فيها في الواقع .\rوقد قال بعضهم في قوله : (( ولا تتخذوها قبورا )) : أنه نهى عن الدفن في البيوت، وهذا بعيد جداً .\rقال الخطابي : لا معنى لقول من تأوله على النهى عن دفن الموتى في البيوت ، فقد دفن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته الذي كان يسكنه .\rوأكثر العلماء على جواز الدفن في البيوت ، ووصى يزيد بن عبدالله بن الشخير أن يدفن في داره ، فدفن فيها ، وشهد الحسن جنازته ، ولم ينكر ذلك أحد .\rقال أحمد : لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره ، ويوصي أن يدفن فيه إذا مات ، قد فعل ذلك عثمان بن عفان و عائشة وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهم .\rوقال - أيضا - : ما أحب أن يدفن في بيته ، يدفن في المقابر مع المسلمين .\rوقال فيمن وصى أن يدفن في داره : يدفن في المقابر مع المسلمين . وإن دفن في داره أضر بالورثة ، والمقابر مع المسلمين أعجب إلي .\rوتأوله بعض أصحابنا على أنه نقص من قيمة الدار بدفنه فيها أكثر من مقدار ثلث مال الموصي .\rوهذا بعيد جدا ، بل ظاهر هذه الرواية يدل على أن من وصى في دفنه بمكروه أو بما هو خلاف الأفضل أنه لا تنفذ وصيته بذلك .\r\r* * *","part":3,"page":211},{"id":486,"text":"53- باب\rالصلاة في موضع الخسف والعذاب\rويذكر أن علياً - رضوان الله عليه - كره الصلاة بخسف بابل .\rهذا مروي عن علي من وجوه :\rفروى وكيع عن سفيان ، عن عبدالله بن شريك العامري ، عن عبدالله بن أبي المحل ، عن علي أنه كره الصلاة في الخسوف .\rورواه غير وكيع ، فقال : عن عبدالله بن أبي المحل ، عن أبيه ، عن علي .\rقال عبدالله بن الإمام أحمد : سمعت أبي يسأل عن الأرض الخسف : أيصلى فيها ؟ فكره ذلك ، وقال : حديث علي - وذكر هَذَا الحديث .\rوروى يعقوب بن شيبة ، عن أبي النعيم : ثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي : حدثني حجر بن عنبس ، قال : خرجنا مع علي إلى الحرورية ، فلما وقع في أرض بابل قلنا : أمسيت يا أمير المؤمنين ، الصلاة ! الصلاة! قال : لم أكن أصلي في أرض قد خسف الله بها.\rوخرجه وكيع ، عن مغيرة بن أبي الحر ، به بنحوه .\rوهذا إسناد جيد ، والمغيرة بن أبي الحر وثقه ابن معين . وقال أبو حاتم : ليس به بأس . وحجر بن عنبس ، قال ابن معين : شيخ كوفي مشهور .\rوروي عن علي مرفوعا .\rخرجه أبو داود من طريق ابن وهب : ثنا ابن لهيعة ويحيى بن أزهر ، عن عمارة بن سعد المرادي ، عن أبي صالح الغفاري ، أن عليا مر ببابل وهو يسير ، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة ، فلما فرغ قال : إن حبي نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة .\rوخرجه - أيضا - من وجه آخر عن ابن وهب : أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاري ، عن علي ، بمعناه .\rوقال ابن عبد البر : هو إسناد ضعيف ، مجمع على ضعفه ، وهو منقطع غير متصل ، وعمارة بن سعد والحجاج وأبو صالح مجهولون .\rقلت : الموقوف أصح ، وضعف أبو الحسين ابن المنادي الجميع. والله أعلم .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r433- ثنا إسماعيل بن عبدالله : حدثني مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن\rعبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم ، لا يصيبكم ما أصابهم)) .\rهذا الحديث : نص في المنع من الدخول على مواضع العذاب ، إلا على أكمل حالات الخشوع والاعتبار ، وهو البكاء من خشية الله وخوف عقابه الذي نزل بمن كان في تلك البقعة ، وان الدخول على غير هذا الوجه يخشى منه إصابة العذاب الذي أصابهم .\rوفي هذا تحذير من الغفلة عن تدبر الآيات فمن رأى ما حل بالعصاة ولم يتنبه بذلك من غفلته ، ولم يتفكر في حالهم ، ويعتبر بهم فليحذر من حلول العقوبة به ، فإنها إنما حلت بالعصاة لغفلتهم عن التدبر وإهمالهم اليقظة والتذكر .\rوهذا يدل على أنه لا يجوز السكنى بمثل هذه الأرض ، ولا الإقامة بها ، وقد صرح بذلك طائفة من العلماء ، منهم : الخطابي وغيره ، ونص عليه أحمد .","part":3,"page":212},{"id":487,"text":"قال مهنا : سألت أحمد عمن نزل الحجر : أيشرب من مائها ويعجن به ؟ قال : لا ، إلا لضرورة ، ولا يقيم بها .\rوعلى هذا : فيتوجه أن من صلى بها لغير ضرورة ، ولم يكن في صلاته على حالة الخشوع والخشية التي رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدخول عليها أن لا تصح صلاته ، على قياس قول من قال : إن الصلاة في المقبرة وأعطان الإبل لا تصح ، إلا أن يفرق : بأن النهي هنا عن الدخول لا يخص الصلاة ، بخلاف النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان ، فيتخرج حينئذ الصلاة فيها على الصلاة في الأرض المغصوبة ، كما سبق ذكره .\rوأحمد - في رواية - مع جماعة من أهل الظاهر : يوجبون الإعادة على من صلى في أرض غصب ، وكذلك إسحاق - في رواية عنه - ، إذا كان عالما بالنهي .\rوأما الوضوء من مائها : فقد صرح طائفة من الظاهرية بأنه لا يصح ، ويتخرج على قواعد الإمام أحمد وأصحابه على الخلاف عندهم في الوضوء بالماء المغصوب .\rوقد ورد النهي عن الوضوء بخصوصه في حديث خرجه الطبراني في ((أوسطه)) من رواية ابن إسحاق : حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر واستقى الناس من بئرها ، ثم راح فيها ، فلما استقل أمر الناس ألا يشربوا من مائها ، ولا يتوضئوا منه ، وما كان من عجين عجن بشيء من مائها أن يعلف به ، ففعل الناس .\rوروى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي بكر بن حزم ، عن العباس بن سهل بن سعد - أو عن العباس بن سعد - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها ، فلما راحوا منها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس : ((لا تشربوا من مائها شيئا ، ولا تتوضئوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتم به فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئا)) .\rوهذا مرسل .\rوقد خرج البخاري حديث ابن عمر هذا في ((قصص الأنبياء)) من ((كتابه)) هذا من حديث عبدالله بن دينار ونافع وسالم ، عن ابن عمر . وفي رواية عبدالله ونافع : أنهم نزلوا الحجر . وفي حديث سالم : أنه مر بالحجر وتقنع بردائه ، وهو على الرحل .\rوخرج مسلم حديث سالم ، وفيه : ثم زجر فأسرع حتى خلفها .\rوحمل أبو الحسين ابن المنادي من متقدمي أصحابنا النهي عن دخولها وعن شرب مائها على الكراهة دون التحريم . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":213},{"id":488,"text":"54- باب\rالصلاة في البيعة\rوقال عمر : إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور .\rوكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل .\rروى حجاج بن منهال : ثنا ربيعة بن كلثوم ، عن نافع ، قال : قال عمر : إنا لا ينبغي لنا أن ندخل كنيسة فيها تصاوير.\rوروى وكيع في ((كتابه)) ، عن عبدالله بن نافع مولى ابن عمر ، عن أبيه ، عن أسلم مولى عمر ، قال : قال عمر : إنا لا ندخل كنائسكم التي فيها تصاوير .\rوعن سفيان ، عن خصيف ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تماثيل .\rوقال سفيان : لا بأس بالصلاة فيها إذا لم يكن فيها تمثال ، وإن وجد غيرها فهو أحب إلي .\rوكره مالك الصلاة في البيع والكنائس ؛ لنجاستها من أقدامهم ، ولما فيها من الصور ، وقال : لا ينزل بها إلا من ضرورة - : ذكره صاحب ((التهذيب)) .\rورخص أكثر أصحابنا في دخول ما ليس فيه صور منها ، والصلاة فيها . وكرهه بعضهم ، منهم : ابن عقيل ومنهم من حكى في الكراهة عن أحمد روايتين ، والمنصوص عن أحمد : كراهة دخولها في أعيادهم ومجامعهم فيها .\rويستدل للكراهة فيما فيه صور : بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ، وبأنه محل الشياطين ، فتكره الصلاة فيه كالحمام والحش .\rويدل على كراهته - أيضا - : خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من الوادي الذي ناموا فيه عن الصلاة ، وقال : ((إن هذا الوادي حضرنا فيه شيطان)) .\rوكره أصحاب الشافعي الصلاة فيها ، مع الصحة .\rوحكى ابن المنذر وغيره : الرخصة فيها عن طائفة من العلماء ، منهم : أبو موسى ، والحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وعمر بن عبد العزيز ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، واختاره ابن المنذر .\rوأكثر المنقول عن السلف في ذلك قضايا أعيان لا عموم لها ، فيمكن حملها على ما لم يكن فيه صور .\rوصرح كثير من أصحابنا بتحريم الدخول إلى بيت فيه صور على جدرانه ، وإن كان لا يقدر على إزالتها ، وسواء كان حماما أو غيره ، منهم : ابن بطة ، والقاضي وأبو يعلى .\rوذكر صاحب ((المغني)) أن ظاهر كلام أحمد أنه مكروه غير محرم ، وحكاه - أيضا - عن مالك ، وعن أكثر أصحاب الشافعي أنه محرم ، وذكر في أثناء كلامه : أن دخول البيع والكنائس جائز ، ولو كان فيها صور ، وجعله دليلا له ، وهو يشعر بأنه محل إجماع .\rولعل الفرق : أن صور البيع والكنائس تقر ولا يلزم إزالتها ، كما يقر أصل البيع والكنائس ، وبخلاف الصور في بيوت المسلمين ؛ فإنه يجب إزالتها ومحوها .\rقال البخاري :\r434- ثنا محمد : ثنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن أم سلمة ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة ، يقال لها : مارية ، فذكرت له ما رأت فيها من الصور ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله )) .","part":3,"page":214},{"id":489,"text":"(( محمد )) : شيخ البخاري ، شيخ البخاري ، الظاهر أنه : ابن سلام البيكندي. وشيخه ، هُوَ : عبدة بْن سُلَيْمَان الكلابي .\rوهذا الحَدِيْث : يدل على تحريم التصوير في المساجد المبنيه على القبور ، والصور التي في البيع والكنائس في معناها ؛ لأنها صور مصورة على صور أنبيائهم وصالحيهم للتبرك بها - في زعمهم - ، وكنائسهم وبيعهم منها ما هو على القبور أكابرهم ، ومنها ما هو على أسمائهم ، فالكل ملتحق بما بنى على القبور في المعنى ، فلهذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام عند ذكر الكنائس ، وما فيها من الصور ، وكفى بذلك ذما للكنائس المصور فيها ، وأنها بيوت ينزل على أهلها الغضب والسخط ، فلا ينبغي للمسلم أن يصلي فيها .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا تجتمع قبلتان في ارض )) .\rوقال طاووس : لا ينبغي لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب . وفسره أبو عبيد وغيره : بأنه لا ينبغي الجمع بين المساجد والكنائس في ارض واحدة .\rفالجمع بين فعل الصلاة التي وضعت لأجلها المساجد ، بين الكفر المفعول في الكنائس في بقعة واحدة أولى بالنهي عنه ، فكما أنهم لا يمكنون من فعل عباداتهم في المساجد ، فكذا لا ينبغي للمسلمين أن يصلوا صلواتهم في معابد الكفار التي هي موضع كفرهم .\rفإن قيل : فقد روي ما يدل على جواز إقرارهم على أن يصلوا صلواتهم في مساجد المسلمين ، وإذا جاز الإقرار على ذلك جاز للمسلمين أن يصلوا في بيعهم وكنائسهم بطريق الأولى :\rفروى ابن إسحاق ، قال حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : قدموا على\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم -المدينة - يعني : وفد نجران - ، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات : جنب وأردية ، قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم ، وقد حانت صلاتهم ، فقاموا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلون ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( دعوهم )) ، فصلوا إلى المشرق .\rقيل : هذا منقطع ضعيف ، لا يحتاج بمثله ، ولو صح فإنه يحمل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تألفهم بذلك في ذلك الوقت استجلابا لقلوبهم ، وخشية لنفورهم عن الإسلام ، ولما زالت الحاجة إلى مثل ذلك لم يجز الإقرار على مثله .\rولهذا شرط عليهم عمر - رضي الله عنه - عند عقد الذمة إخفاء دينهم ، ومن جملة إلا يرفعوا أصواتهم في الصلاة ، ولا القراءة في صلاتهم فيما يحضره المسلمون .\r\r* * *","part":3,"page":215},{"id":490,"text":"55- باب\r435، 436 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، أن عائشة ، وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بِهَا كشفها عن وجهه ، فقال - وهو كذلك - : ((لعنة الله على اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) - يحذر ما صنعوا .\r437- حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((قاتل الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .\rوقد خرج البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) من حديث عروة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي لم يقم منه : ((لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) . قالت : ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكنه خشي - أو خشي - أن يتخذ مسجدا.\rوخرج الإمام أحمد من حديث سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .\rوروى مالك في ((الموطإ)) عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((اللهم ، لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .\rورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني : حدثنا عمر بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه من طريقه البزار .\rوعمر هذا ، هو : ابن صهبان ، جاء منسوبا في بعض نسخ ((مسند البزار)) ، وظن ابن عبد البر أنه : عمر بن محمد العمري ، والظاهر أنه وهم .\rوقد روي نحوه من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، بإسناد فيه نظر .\rقال ابن عَبْد البر : الوثن الصنم . يقول : لا تجعل قبري صنما يصلى إليه ، ويسجد نحوه ، ويعبد ، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلوا في قبور أنبيائهم ، واتخذوها قبلة ومسجدا ، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها ، وذلك الشرك الأكبر ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه ، وانه مما لا يرضاه ؛ خشية عليهم من امتثال طرقهم ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار ، وكان يخاف على أمته اتباعهم ، ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - على جهة التعيير والتوبيخ : ((لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل ، حتى إن أحدهم لو دخل حجر ضب لدخلتموه)) . انتهى .\rويؤيد ما ذكره : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحذر من ذلك في مرض موته ، كما في حديث عائشة وابن عباس، وسبق حديث جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك قبل موته بخمس .","part":3,"page":216},{"id":491,"text":"وفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث أبي عبيده بن الجراح ، قال : آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .\rوقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وانه قال ذلك في مرض موته من حديث علي ، وأسامة بن زيد ، وكعب بن مالك وغيرهم .\rوخرج الإمام أحمد حديث أسامة بن زيد ، ولفظه : قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أدخل علي أصحابي)) . فدخلوا عليه ، فكشف القناع ، ثم قال : ((لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .\rوخرج حديث عائشة من رواية ابن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، وقال في آخر حديثه : ((يحرم ذلك على أمته)) .\rوقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى :\rقال الشافعي - رحمه الله - : وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا ، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده .\rوقال صاحب ((التنبيه)) من أصحابه : أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوجها إليه فحرام .\rقال القرطبي : بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأعلوا حيطان تربته ، وسدوا الداخل إليها ، وجعلوها محدقة بقبره - صلى الله عليه وسلم - ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره . ولهذا المعنى قالت عائشة : ولو لا ذلك لأبرز قبره .\r\r* * *\r\r56- باب\rقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا))\r438- حدثنا محمد بن سنان : ثنا هشيم : ثنا سيار - وهو أبو الحكم - : ثنا يزيد الفقير : ثنا جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي)).\rفذكر الحديث ، وفيه :\r((وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)) .\rوذكر بقية الحديث .\rوقد خرجه بتمامه في أول ((التيمم)) من هذا الوجه ، ومن وجه آخر ، وسبق الكلام عليه هنالك مستوفى .\rوذكرنا : أن قوله : ((جعلت لي الأرض مسجدا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)) قد استدل بعمومه بعض الناس على الصلاة في المقابر والأعطان والحمام وغير ذلك مما اختلف في الصلاة فيه ، وإن من العلماء من منع دلالته على ذلك ، وقال : إنما خرج الكلام لبيان أن هذه الأمة خصت عن الأمم بأنهم يصلون في غير المساجد المبنية للصلاة فيها ، فيصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض ، في مسجد مبني وغير مبني ، فالأرض كلها لهم مسجد ما بني للصلاة فيه وما لم يبن ، وهذا لا يمنع أن ينهى عن الصلاة في أماكن خاصة من الأرض ؛ لمعنى يختص بها غير كونها غير مسجد مبني للصلاة فيه .","part":3,"page":217},{"id":492,"text":"وقد خرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي)) - فذكر منها : ((وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم)) .\rوهذا يرجع إلى العموم إذا سيق لمعنى خاص عم ما سيق له من ذلك المعنى دون غيره مما لم يسق الكلام له ، ومن الناس من يأخذ بعموم اللفظ ، والأظهر الأول . والله أعلم .\rوليس هذا كتخصيص العموم بسببه الخاص ، فإن الشارع قد يريد بيان حكم عام يدخل فيه السبب وغيره ، بخلاف ما إذا ظهر أنه لم يرد من العموم إلا معنى خاص سيق له الكلام ، فإنه يظهر أن غير ما سيق له غير مراد من عموم كلامه . والله أعلم .\rوقد زعم بعضهم : أن عموم قوله : ((جعلت لي الأرض مسجدا)) لا يصح الاستثناء منه ؛ لأنه وقع في ((صحيح مسلم)) من حديث حذيفة : ((جعلت لي الأرض كلها مسجدا)) . قال : وتأكيد العموم بـ ((كل)) ينفي الاستثناء منه ؛ لأن التأكيد ينفي المجاز ، والعام المستثنى منه يصير مجازا .\rوهذا الذي زعمه غير صحيح ، وقد قالت عائشة : ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم شعبان كله ، كان يصومه إلا قليلا)) . وهذا يدل على أن التأكيد بـ ((كل)) لا يمنع من الاستثناء ، ولا من أن يراد به بعض مدلوله عند الإطلاق .\rوقوله : ((إن العام المستثنى منه يصير مجازا)) فممنوع ، بل هو حقيقة فيما عدا المستثنى منه عند أصحابنا وغيرهم .\rوأيضا ؛ فالعموم المؤكد بـ ((كل)) يصح الاستثناء منه بغير خلاف ، فلو قال : نسائي كلهن طوالق إلا فلانة ، فإنه مثل قوله : كل امرأة لي طالق إلا فلانة ، أو كل عبد لي حر إلا فلانا ، والاستثناء صحيح في الكل ، ولو استثنى ذلك بقلبه من غير تلفظ به ففي صحته روايتان عن أحمد ، حكاهما ابن أبي موسى وغيره .\rوفي القرآن العظيم : { فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ - إِلاَّ إِبْلِيسَ } [ص:73و74] وحكى عن إبليس أنه قال : { لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } [ص:82و83] وهذا استثناء من عموم مؤكد ، وما صح الاستثناء منه صح تخصيصه .\r* * *\r\r57- باب\rنوم المرأة في المسجد","part":3,"page":218},{"id":493,"text":"439- حدثنا عبيد بن إسماعيل : ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب ، فأعتقوها ، فكانت معهم . قالت : فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور : قالت : فوضعته أو وقع منها ، فمرت حدياة وهو ملقى ، فحسبته لحماً ، فخطفته . قالت : فالتمسوه فلم يجدوه . قالت : فاتهموني به . قالت : فطفقوا يفتشونني . حتى فتشوا قبلها . قالت : والله ، إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته . قالت : فوقع بينهم . قالت : فقلت : هذا الذي اتهمتموني به ، زعمتم ، وأنا منه بريئة وهو ذا هو . قالت : فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت . قالت عائشة : فكان لها خباء في المسجد أو حفش . قالت : فكانت تأتيني فتحدث\rعندي . قالت : فلا تجلس عندي مجلساً إلا قالت :\rويوم الوشاح من تعاجيب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنجاني .\rقالت عائشة : فقلت لها : ما شأنك ؟ لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا ؟ قالت : فحدثتني بهذا الحديث .\rالوشاح : قيل : أنه ضرب من الحلي ، وجمعه : وشح ، ومنه : توشح بالثوب واتشح به ، والظاهر : أنه كان شيئا من لباس المرأة الذي تتوشح به ، وفيه حلي وسيور حمر . والله أعلم .\rوالحدياة : الحدأة . والرواية المشهورة : حدياة بضم الحاء وتشديد الياء ، وقيل : إن الصواب : حديأة بتخفيف الياء وبعدها همزة ، وهو تصغير حدأة .\rوفي الحديث : دليل على أن الله تعالى قد يفرج كربات المكروبين ويخرق لهم العوائد وإن كانوا كفارا . كما روي أن جيشا من المسلمين حاصروا حصنا من الكفار ، فعطش الكفار واشتد بهم العطش ، فجأروا إلى الله يسألونه أن يسقيهم ، فجاءت سحابة فمطرت على حصنهم حتى شربوا فارتحل عنهم المسلمون .\rوقد ذكرها ابن أبي الدنيا بإسناده في ((كتاب : مجابي الدعوة)).\rفإن كان الكافر مظلوما كهذه المرأة فهو أقرب إلى تفريج كربته وإجابة دعوته ، فإن دعوة المظلوم قد تجاب من الكافر ، كما ورد في أحاديث مرفوعة متعددة ؛ فإن عدل الله يسمع المؤمن والكافر ، والبر والفاجر .\rوظاهر هذا الحديث : يدل على أن هذه المرأة إنما أسلمت بعد قصة الوشاح .\rوقول عائشة : فكان لها خباء في المسجد أو حفش ، والحفش : خباء صغير .\rومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب : أنه يجوز للمرآة أن تقيم في المسجد وتنام فيه ، فإن هذه المرأة كان لها خباء في المسجد تقيم فيه .\rوقد روى محمد بن سعد في ((طبقاته)) : أبنا محمد بن عمر - هو : الواقدي - : حدثني عمر بن صالح بن نافع : حدثتني سودة بنت أبي ضبيس الجهني - وقد أدركت وبايعت ، وكانت لأبي ضبيس صحبة - ، عن أم صبية خولة بنت قيس ، قالت : كنا نكون في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر في المسجد نسوة قد\rتخاللن ، وبما غزلنا ، وربما عالج بعضنا فيه الخوص . فقال عمر : لأردنكن حرائر . فأخرجنا منه ، إلا أنا كنا نشهد الصلوات في الوقت .\rوهذا الإسناد فيه ضعف .","part":3,"page":219},{"id":494,"text":"واستدل بحديث عائشة المخرج في هذا الباب طائفة من أهل الظاهر : على جواز مكث الحائض في المسجد ؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبا ، وفي ذلك\rنظر ؛ لأنها قضية عين لا عموم لها ، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزا قد يئست من الحيض ، وأكثر العلماء على منع جلوس الحائض في المسجد .\rوخرج أبو داود وابن خزيمة من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) .\rوفي إسناده مقال .\rوفيه أحاديث أخر . والله أعلم .\r* * *","part":3,"page":220},{"id":495,"text":"58- باب\rنوم الرجال في المسجد\rوقال أبو قلابة ، عن أنس : قدم رهط من عكل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكانوا في الصفة.\rوقال عبد الرحمن بن أبي بكر : كان أصحاب الصفة فقراء .\rحديث أبي قلابة عن أنس خرجه البخاري في كتاب ((المحاربة)) : ثنا موسى ابن إسماعيل ، عن وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : قدم رهط من عكل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكانوا في الصفة ، فاجتووا المدينة - وذكر الحديث .\rوحديث عبد الرحمن بن أبي بكر خرجه في ((أبواب : السمر بعد العشاء)) من حديث أبي عثمان النهدي ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال إن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء ، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث)) - وذكر الحديث بطوله .\rوخرج - أيضا - في ((كتاب : الرقاق)) في ((باب : عيش النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه)) من حديث مجاهد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ((الحق أهل الصفة فادعهم)) . قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام ، لا يأوون على أهل ولا مال ، ولا على احد ، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ،ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها- وذكر حديثا طويلا .\rخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r440- ثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، قال : أخبرني عبد الله بن عمر ، أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rكذا في هذه الرواية : ((أعزب)) . وقال جماعة من أهل اللغة : إن الصواب : ((عزب)) ، يقال : رجل عزب إذا لم يكن له زوجة ، وامرأة عزبة إذا لم يكن لها زوج ، وأصل العزوبة الغيبة والبعد ، ومنه قوله تعالى : { لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء } [سبأ:3] و[يونس:61] ، وسمي العزب : عزبا ؛ لبعد عهده بالجماع .\rوخرج البخاري في ((التعبير)) من ((صحيحه)) ، من حديث صخر بن\rجويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر - في حديث طويل ذكره - ، قال : وكان بيتي المسجد قبل أن أنكح .\rومن حديث سالم ، عن ابن عمر ، قال : كنت غلاما شابا عزبا في عهد\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكنت أبيت في المسجد .\rوخرجه في ((المناقب)) بمعناه .\rوروى الإمام أحمد عن ابن إدريس ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كنا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ننام في المسجد ، ونقيل فيه ونحن شباب .\rوروى وكيع ، عن عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : ما كان لي مبيت ولا مأوى على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في المسجد .\rالحديث الثاني :","part":3,"page":221},{"id":496,"text":"441- حدثنا قتيبة بن سعيد : ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت فاطمة ، فلم يجد عليا في البيت . فقال : ((أين ابن عمك؟)) . فقالت : كان بيني وبينه شيء فغاضبني ، فخرج فلم يقل عندي . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإنسان : ((انظر أين هو)) . فجاء ، فقال يا رسول الله ، هو في المسجد راقد . فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع ، قد سقط رداؤه عن شقه ، وأصابه تراب - ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسحه عنه ويقول : ((قم أبا تراب ، قم أبا تراب)) .\rوخرجه في ((المناقب)) عن القعنبي ، عن عبد العزيز ، بزيادة ونقص .\rالحديث الثالث :\r442- ثنا يوسف بن عيسى : ثنا ابن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ، ما منهم رجل عليه رداء ، إما إزار وإما كساء ، قد ربطوا في أعناقهم ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده ؛ كراهية أن تبدو عورته .\rأبو حازم هذا ، اسمه : سلمان الأشجعي الكوفي ،: وأبو حازم الذي روى عن سهل بن سعد الحديث الذي قبله اسمه : سلمة بن دينار الأعرج الزاهد المدني .\rوقد خرجه الإمام أحمد ، عن وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، قال : لقد رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب ، فمنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من هو أسفل من ذلك ، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته .\rوفيه : دليل على إعراء المناكب في الصلاة للضرورة ، إذا لم يجد ما يسترهما ، وان الصلاة تصح حينئذ . وقد سبق ذكر ذلك .\rوفي معنى هذا الحديث : ما رواه زيد بن واقد : حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي ، عن واثلة بن الأسقع ، قال : كنت من أصحاب الصفة ، وما منا أحد عليه ثوب تام ، قد اتخذ العرق في جلودنا طرقا من الوسخ والغبار .\rوخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين ، وإن بعضهم ليستتر عورته ببعض من العري ، وقارئ يقرأ علينا ، إذ جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام علينا فسلم - وذكر حديثا .\rوخرج الترمذي وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث فضالة بن عبيد ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة ، وهم أصحاب الصفة ، حتى تقول الأعراب : هؤلاء مجانين ، فإذا صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف إليهم ، فقال : ((لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة)) . قال فضالة : وأنا يومئذ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال الترمذي : حديث صحيح .","part":3,"page":222},{"id":497,"text":"وخرج ابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم من حديث طلحة بن عمرو ، قال : نزلت الصفة فرافقت رجلا ، فكان يجري علينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل يوم مد من تمر بين رجلين ، فسلم ذات يوم من الصلاة ، فناداه رجل منا ، فقال : يا رسول الله ، قد أحرق التمر بطوننا - وذكر بقية الحديث - وفي رواية : وتخرقت عنا الخنف .\rوفي رواية عن طلحة بن عمرو ، قال : كان الرجل إذا قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان له بالمدينة عريف نزل عليه ،وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة . قال : وكنت ممن نزل الصفة - وذكر بقية الحديث .\rوروى البيهقي بإسناده ، عن عثمان بن اليمان، قال : لما كثر المهاجرون بالمدينة، ولم يكن لهم دار ولا مأوى أنزلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد ، وسماهم : أصحاب الصفة ، فكان يجالسهم ويأنس بهم.\rوالأحاديث في ذكر أهل الصفة كثيرة جدا في ذكر فقرهم وحاجتهم وصبرهم على ذلك ، وليس المقصود من ذلك في هذا الباب إلا نومهم في المسجد ، ولا شك في أن أهل الصفة كانوا ينامون في المسجد ، لم يكن لهم مأوى بالليل والنهار غير الصفة ، وكانت في مؤخر المسجد ينزلها من لا مأوى له من الغرباء الواردين على النبي- صلى الله عليه وسلم - ممن لا يجد مسكنا .\rويدل على نومهم في المسجد : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث يحيى بن أبي كثير : ثنا أبو سلمة ، عن يعيش بن طخفة بن قيس\rالغفاري ، قال : كان أبي من أصحاب الصفة ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : ((انطلقوا بنا إلى بيت عائشة)) ، فانطلقنا ، فقال : ((يا عائشة ، أطعمينا)) ، فجاءت بحشيشة فأكلنا ، ثم قال : ((يا عائشة ، أطعمينا)) ، فجاءت بحيسة مثل القطاة فأكلنا ، ثم قال : ((يا عائشة ، اسقينا)) ، فجاءت بعس من لبن ، فشربنا ، ثم قال : ((يا عائشة ، اسقينا)) فجاءت بقدح صغير فشربنا ، ثم قال : ((إن شئتم بتم ، وإن شئتم انطلقتم إلى المسجد)) . قال : فبينما أنا مضطجع من السحر على بطني إذا رجل يحركني برجله ، فقال : ((إن هذه ضجعة يبغضها الله - عز وجل -)) ، فنظرت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرج الترمذي بعضه من رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقيل : أنه وهم ، والصواب : رواية يحيى بن أبي كثير ، وقد اختلف عليه في إسناده .\rوروى ابن سعد عن الواقدي : حدثني واقد بن أبي ياسر التميمي ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، قال : كان أهل الصفة ناسا فقراء من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، لا منازل لهم ، فكانوا ينامون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ويظلون فيه ، ما لهم مأوى غيره ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم بالليل إذا تعشى فيفرقهم على أصحابه ، ويتعشى طائفة منهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى جاء الله بالغنى .","part":3,"page":223},{"id":498,"text":"وقد سئل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم في المسجد ؟ فقالا : كيف تسألون عنه وقد كان أهل الصفة ينامون فيه ، وهم قوم كان مسكنهم المسجد ؟\rواعلم أن النوم في المسجد على قسمين :\rأحدهما :\rأن يكون لحاجة عارضة مثل نوم المعتكف فيه والمريض والمسافر ، ومن تدركه القائلة ونحو ذلك ، فهذا يجوز عند جمهور العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعا ، ورخص في النوم في المسجد : ابن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن ، وعطاء وقال : ينام فيه وإن احتلم كذا وكذا مرة .\rوقال عمرو بن دينار : كنا نبيت في المسجد على عهد ابن الزبير .\rوممن روي عنه أنه كان يقيل في المسجد : عمر وعثمان - رضي الله عنهما .\rونهى مجاهد عن النوم في المسجد .\rوقال أيمن بن نابل : رآني سعيد بن جبير نائما في الحجر فأيقظني ، وقال : مثلك ينام هاهنا !\rوكرهه الأوزاعي .\rوممن كان لا يدع أحدا ينام في المسجد : عمر بن الخطاب وابن مسعود ، وابن عمر .\rوخرج الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث داود بن أبي هند ، عن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن عمه ، عن أبي ذر ، قال : أتاني نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا نائم في المسجد ، فضربني برجله ، وقال : ((ألا أراك نائما فيه؟)) . قلت : يا نبي الله ، غلبتني عيني .\rوعمُّ أبي حرب : قال الأثرم : ليس بالمعروف .\rورواه شريك ، عن داود ، عن أبي حرب ، عن أبيه ، عن أبي ذر .\rوالصحيح عن عمه - : قاله الدارقطني .\rوخرج الإمام أحمد من رواية عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب : حدثتني أسماء ، أن أبا ذر كان يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد ، فكان هو بيته يضطجع فيه ، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد ليلة ، فوجد أبا ذر نائما منجدلا في المسجد ، فنكته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجله حتى استوى جالسا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((ألا أراك نائما؟)) قال أبو ذر : يا رسول الله ، فأين أنام ؟ هل لي من بيت غيره ؟ - وذكر الحديث .\rوروى ابن لهيعة ، عن عمرو بن الحارث ، عن ابن زياد ، عن سعد بن أبي وقاص ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على ناس من أصحابه - وهم رقود في المسجد - ، فقال : ((انقلبوا ؛ فإن هذا ليس بمرقد)) .\rذكره الأثرم ، وقال : إسناده مجهول منقطع .\rقال : وحديث أبي ذر ليس فيه بيان نهي .\rقلت : وقد روي حديث سعد : عن ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن سعد .\rخرجه الهيثم بن كليب في ((مسنده)) ، وهو منقطع منكر .\rوالقسم الثاني :\rأن يتخذ مقيلا ومبيتا على الدوام : فكرهه ابن عباس وقال : - مرة - : إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس .\rوهذا القسم - أيضا - على نوعين :\rأحدهما : أن يكون لحاجة كالغريب ، ومن لا يجد مسكنا لفقره ، فهذا هو الذي وردت فيه الرخصة لأهل الصفة ، والوفود ، والمرأة السوداء ونحوهم .","part":3,"page":224},{"id":499,"text":"وقد قال مالك في الغرباء الذين يأتون : من يريد الصلاة ، فإني أراه واسعا ، وأما الحاضر فلا أرى ذلك .\rوقال أحمد : إذا كان رجل على سفر وما أشبهه فلا بأس ، وأما أن يتخذه مبيتا أو مقيلا فلا.\rوهو قول إسحاق - أيضا .\rوالثاني : أن يكون ذلك مع القدرة على اتخاذ مسكن ، فرخص فيه طائفة ، وحكي عن الشافعي وغيره ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو اختيار أبي بكر الأثرم .\rوقال الثوري : لا بأس بالنوم في المسجد .\rوروى حماد بن سلمة في ((جامعه)) : ثنا ثابت ، قال : قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير : ما أراني إلا مكلم الأمير أن ينهى هؤلاء الذين ينامون في المسجد ويحدثون\rويجنبون . فقال : لا تفعل ، فإن ابن عمر سئل عنهم ، فقال : هم العاكفون.\rوحمل طائفة من العلماء كراهة من كره النوم في المسجد من السلف على أنهم استحبوا لمن وجد مسكنا ألا يقصد المسجد للنوم فيه . وهذا مسلك البيهقي .\rواستدل بما خرجه أبو داود من حديث أبي هريرة - مرفوعا - : ((من أتى المسجد لشيء فهو حظه)) .\rوفي إسناد عثمان بن أبي العاتكة الدمشقي ، فيه ضعف .\rويعضده : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما بنيت المساجد لما بنيت له)) . وقوله : ((إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن )) - أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\r\r* * *\r\r59- باب\rالصلاة إذا قدم من سفر\rوقال كعب بن مالك: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فصلى فيه .\r443- حدثنا خلاد بن يحيى : ثنا مسعر : ثنا محارب بن دثار ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد - قال مسعر : أراه قال : ضحى - ، فقال : ((صل ركعتين)) . وكان لي عليه دين ، فقضاني وزادني .\rحديث كعب قد خرجه بتمامه في مواضع أخر ، وهو حديث توبته وتخلفه عن تبوك . وفي الحديث : وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس .\rوخرجه مختصرا في أواخر ((السير)) ، فقال : ((باب : الصلاة إذا قدم من سفر)) وخرج فيه من حديث كعب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قدم من سفر ضحى دخل المسجد ، فصلى ركعتين قبل أن يجلس .\rوقد خرجه مسلم ، ولفظه : كان لا يقدم من سفر إلا نهارا في الضحى ، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس فيه .\rوخرج البخاري - أيضا - من حديث شعبة ، عن محارب بن دثار ، قال : سمعت جابرا ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فلما قدمنا المدينة قال لي : ((ادخل المسجد فصل ركعتين)) .\rوفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد ، عن جابر ، قال : اشترى مني النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيرا ، فلما قدم المدينة أمرني أن أتي المسجد ، فأصلي ركعتين ، ووزن لي ثمن البعير .\rوفي رواية أخرى ، قال : قدمت من سفر ، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم - : ((صل ركعتين)) .","part":3,"page":225},{"id":500,"text":"وخرج مسلم من رواية وهب بن كيسان ، عن جابر ، قال : جئت المسجد ، فوجدته - يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم - على باب المسجد ، فقال : ((فدع جملك ، وادخل المسجد فصل ركعتين)) . قال : فدخلت فصليت ، ثم رجعت .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من طريق ابن إسحاق ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أقبل من حجته دخل المدينة ، فأناخ على باب\rمسجده ، ثم دخله فركع ركعتين ، ثم انصرف إلى بيته . قال نافع : فكان ابن عمر كذلك يصنع .\rونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : هو حسن جميل . قال : وإن صليتها في بيتك حين تدخل بيتك فإن ذلك يستحب .\rوقد صرح الشافعية بأن صلاتهم في المسجد سنة ، وهذا حق لا توقف فيه .\rوقد بوب أبو بكر الخلال في ((كتاب الجامع)) في آخر الجهاد : ((باب سجدة الشكر للسلامة)) . ولم يورد في ذلك أثرا ولا نصا عن أحمد ، ولا غيره في القدوم بخصوصه ، وسجود الشكر للقدوم من الجهاد أو غيره سالما لا يعلم فيه شيء عن سلف ، إنما الذي جاءت به السنة . صلاة ركعتين في المسجد عند القدوم .\r\r* * *\r\r60- باب\rإذا دخل المسجد فليركع ركعتين\r444- حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة السلمي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس )) .\rأبو قتادة السلمي منسوب إلى بني سلمة - بكسر اللام - ، بطن من الأنصار من الخزرج ، واسم أبي قتادة ، الحارث بن ربعي . وقيل : اسمه : النعمان .\rوأما النسبة إلى بني سلمة ، فيقال فيها : سلمي بفتح اللام . هذا ما اتفق عليه أهل العربية واللغة . ووافقهم على ذلك من أهل الحديث . وكذلك قيده بن ما كولا في (( إكماله )) وغيره.\rوحكى الحازمي عن أكثر أهل الحديث أنهم يكسرون اللام ، ويقولون : سلمي.\rوفي الحديث : الأمر لمن دخل المسجد أن يركع ركعتين قبل جلوسه ، وهذا الأمر على الاستحباب دون الوجوب عند جميع العلماء المعتد بهم . وإنما يحكى القول بوجوبه عن بعض أهل الظاهر .\rوإنما اختلف العلماء : هل يكره الجلوس قبل الصلاة أم لا؟\rفروي عن طائفة منهم كراهة ذلك ، منهم : أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وهو قول أصحاب الشافعي .\rورخص فيه آخرون ، منهم : القاسم بن محمد وابن أبي ذئب واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه .\rقال أحمد : قد يدخل الرجل على غير وضوء ، ويدخل في الأوقات التي لا يصلى فيها .\rيشير إلى أنه لو وجبت الصلاة عند دخول المسجد لوجب على الداخل إليه أن يتوضأ ، وهذا مما لم يوجبه احد من المسلمين .\rوأما الداخل في أوقات النهي عن الصلاة ، فللعلماء فيه قولان مشهوران ، وهما روايتان عن أحمد ، أشهرهما : أنه لا يصلي ، وهو قول أبي حنيفة وغيره . وعند الشافعي يصلي .\rوربما تأتي هذه المسالة في موضع أخر - أن شاء الله .","part":3,"page":226},{"id":501,"text":"وروي عن جرير ، عن مغيرة ؛ عن إبراهيم ،قال : كان يقال : إذا دخلت مسجدا من مساجد القبائل فلا باس أن تقعد ولا تركع ، وإذا دخلت مسجدا من مساجد الجمع فلا تقعد حتى تركع .\rولعل أهل العلم هذه المقالة حملوا قول النبي- صلى الله عليه وسلم - :(( إذا دخل أحدكم المسجد )) على المسجد المعهود في زمنه ، وهو مسجده الذي كان يجمع فيه ، فيلتحق به ما في معناه من مساجد الجمع دون غيرها .\rوالجمهور حملوا الألف واللام في ((المسجد )) على العموم لا على العهد .\rوروى الإمام أحمد في المسند : ثنا حسين بن محمد : ثنا ابن أبي ذئب ، عن رجل من بني سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أتى مسجد بعض الأحزاب ، فوضع رداءه ، فقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ، ولم يصل ، ثم جاء ودعا عليهم وصلى .\rوفي كتاب(( العلل )) لأبي بكر الخلال ، عن أبي بكر المروذي ، قال : قيل لأبي عبد الله - يعني : أحمد - : حديث حميد بن عبد الرحمن ، عن هشام بن سعد ، عن نعيم المجمر ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه دخل المسجد فاحتبى ، ولم يصل الركعتين - أمحفوظ هو ؟ قال : نعم .\rقال المروذي : ورأبت أبا عبد الله كثيرا يدخل المسجد ، يقعد ولا يصلي ، ثم يخرج ولا يصلي في أوقات الصلوات .\rوهذا الحديث غريب جدا ، ورفعه عجيب ، ولعله موقوف . والله أعلم .\rوقال جابر بن زيد : إذا دخلت المسجد فصل فيه ، فإن لم تصل فيه فاذكر الله ، فكأنك صليت فيه .\rوالصلاة عند دخول المسجد تسمى : تحية المسجد ، وقد جاء ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : خرج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي ذر ، قال : دخلت المسجد فإذا\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده ، فقال : ((يا أبا ذر ، إن للمسجد تحية ، وإن تحيته ركعتان ، فقم فاركعهما)) ، فقمت فركعتهما ، ثم عدت فجلست إليه - وذكر الحديث بطوله .\rوفي إسناد إبراهيم بن هشام بن يحيى بن الغساني ، تكلم فيه أبو زرعة وغيره .\rوقد روي من وجوه متعددة عن أبي ذر ، وكلها لا تخلو من مقال.\rوتسمى - أيضا - حق المسجد .\rوروى ابن إسحاق ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرو ابن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أعطوا المساجد حقها)) قالوا : وما حقها ؟ قال : ((تصلوا ركعتين قبل أن تجلسوا)) .\rواعلم أن حديث أبي قتادة قد روي بلفظين :\rأحدهما : ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)) .\rكذا رواه مالك ، وقد خرجه البخاري هاهنا من طريقه كذلك .\rوهذا اللفظ يقتضي الأمر لهم بالصلاة قبل الجلوس ، فمن جلس في المسجد كان مأمورا بالصلاة قبل جلوسه .\rومن لم يجلس فيه ، فهل يكون مأمورا بالصلاة ؟ ينبغي على أن القبلية المطلقة هل تصدق بدون وجود ما أضيفت إليه أم لا ؟ وفيه اختلاف قد سبق ذكره في ((باب : غسل القائم يده من النوم قبل إدخالها الإناء)) .","part":3,"page":227},{"id":502,"text":"فإن قيل : إنها لا تصدق بدونه ، فالأمر لا يتناول من لا يجلس ، وإن قيل : إنها تصدق بدونه تناوله الأمر .\rواللفظ الثاني : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)) .\rوقد خرجه البخاري في ((أبواب : صلاة التطوع)) من رواية عبد الله بن سعيد - هو : ابن أبي هند - عن عامر بن عبد الله بن الزبير - بإسناده .\rوهذه الرواية إنما فيها النهي عن الجلوس حتى يصلي ، فمن دخل ولم يجلس ، بل مر في المسجد مجتازا فيه ، أو دخل لحاجة ثم خرج ولم يجلس لم يتناوله هذا النهي .\rولكن خرجه أبو داود من رواية أبي عميس ، عن عامر بن عبد الله ، عن رجل من بني زريق ، عن أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بنحوه ، زاد فيه : ((ثم ليقعد بعد إن شاء ، أو ليذهب إلى حاجته)) .\rوهذه الزيادة تدل على تناول الأمر لمن قعد ومن لم يقعد ، ولعلها مدرجة في الحديث .\rوقد خرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) هذا الحديث من هذا الوجه ، ووقفه كله على أبي قتادة .\rوقد فرق أحمد وإسحاق بين أن يجلس الداخل في المسجد ، فقالا : لا يجلس فيه حتى يصلي . قالا : وأما إذا مر فلا بأس ، ولا يتخذه طريقا . نقله إسحاق بن منصور عنهما .\rوكان ابن عمر يمر في المسجد ولا يصلي فيه .\rوفي ((تهذيب المدونة)) : قال مالك : ومن دخل المسجد فلا يقعد حتى يركع ركعتين ، إلا أن يكون مجتازا لحاجة ، فجائز أن يمر فيه ولا يركع ، وقاله زيد بن ثابت ثم كره زيد أن يمر فيه ولا يركع ، ولم يأخذ به مالك .\rوقال زيد بن أسلم : كان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون . قال : ورأيت ابن عمر يفعله .\rوكان سالم بن عبد الله يمر فيه مقبلا ومدبرا ولا يصلي فيه.\rورخص فيه الشعبي .\rوقال الحسن : لا بأس أن يستطرق المسجد .\rوروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه مر في المسجد فصلى فيه ركعة ، وقال : إنما هو تطوع . وقال : كرهت أن أتخذه طريقا .\rومر طلحة في المسجد ، فسجد سجدة .\rومر فيه الزبير فركع ركعة أو سجد سجدة .\rخرجه وكيع في ((كتابه)) .\rوفي أسانيد المروي عن عمر وطلحة والزبير مقال .\rوفي جواز التطوع بركعة قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد.\rوقد بوب البخاري على أن ((التطوع لا يكون إلا ركعتين يسلم فيهما)) .\rوخرج فيه حديث أبي قتادة هذا مع غيره .\rوللشافعية خلاف فيما إذا صلى ركعة : هل يقتضي بذلك حق المسجد ، أم لا ؟ والصحيح عندهم أنه لا يقضيه بذلك .\rوأما الاقتصار على سجدة فقول غريب .\rوفي النهي عن اتخاذ المسجد طريقا أحاديث مرفوعة متعددة، في أسانيدها ضعف.","part":3,"page":228},{"id":503,"text":"وروينا من طريق الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : لقي عبد الله رجل فقال : السلام عليك يا بن مسعود. فقال عبد الله : صدق الله\rورسوله ؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من أشراط الساعة أن يمر الرجل في المسجد لا يصلي فيه ركعتين ، ولا يسلم الرجل إلا على من يعرفه ، وان يبرد الصبي الشيخ)) .\rالحكم بن عبد الملك ، ضعيف .\rورواه - أيضا - ميمون أبو حمزة - وهو ضعيف جدا - ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود - مرفوعا .\rوخرجه البزار من رواية بشير بن سليمان أبو إسماعيل ، عن سيار ، عن طارق ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه .\rوخرجه الإمام أحمد بغير هذا اللفظ، ولم يذكر فيه المرور في المسجد ، وذكر خصالا أخر .\rوأما من مر على المسجد ، فهل يستحب له الدخول إليه لقصد الصلاة فيه ؟ لا نعلم في ذلك إلا ما رواه سعيد بن أبي هلال : أخبرني مروان بن عثمان ، أن عبيد بن حنين أخبره ، عن أبي سعيد بن المعلى ، قال : كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنمر على المسجد ، فنصلي فيه .\rخرجه النسائي .\rوبوب عليه : ((صلاة الذي يمر على المسجد)) .\rومروان بن عثمان ، قال فيه الإمام أحمد : لا يعرف . وقال أبو حاتم الرازي : ضعيف .\r\r* * *\r\r61- باب\rالحدث في المسجد\r445- حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ، ما لم يحدث ، تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه)) .\rقد سبق ذكر هذا الحديث في ((أبواب الوضوء)) ، وخرجه البخاري في ((باب : من لم ير الوضوء إلا من المخرجين)) من رواية المقبري ، عن أبي هريرة .\rوذكرنا هناك أن الحدث قد فسر بحدث اللسان والأعمال ، وفسر بحدث\rالفرج ، وبهذا فسره البخاري .\rومقصوده : أنه يجوز تعمد إخراج الحدث في المسجد ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكره ، ولم ينه عنه ، إنما أخبر أنه يقطع صلاة الملائكة .\rوقد رخص في تعمد إخراج الحدث في المسجد الحسن وعطاء وإسحاق .\rوقد تقدم أن النوم في المسجد جائز للضرورة بغير خلاف ، ومنه نوم المعتكف لضرورة صحة اعتكافه ، ولغير ضرورة عند الأكثرين ، والنوم مظنة خروج الحدث ، فلو منع من خروج الريح في المسجد لمنع من النوم فيه بكل حال ، وهو مخالف للنصوص والإجماع .\rقال أصحاب الشافعي : والأولى اجتناب إخراج الريح فيه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) . قالوا : ولا يكره الجلوس فيه للمحدث ، سواء كان له غرض شرعي أو لم يكن .\rومن أصحابهم من كرهه لغير غرض . وقيل : أنه لم يوافق على ذلك .\r\r* * *","part":3,"page":229},{"id":504,"text":"62 - باب\rبنيان المسجد\rوقال أبو سعيد : كان سقف المسجد من جريد النخل .\rوأمر عمر ببناء المسجد ، وقال : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس .\rوقال أنس : يتباهون بها ، لا يعمرونها إلا قليلا .\rوقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى .\rوأما حديث أبي سعيد فقد خرجه بتمامه في مواضع من (( كتابه )) في\r(( الصلاة)) و((الاعتكاف )) وغيروهما .\rوفي الحديث : إن السماء مطرت فوكف المسجد ، فانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم -من صلاة الصبح وعلى جبهته وانفه اثر الماء والطين .\rوهذا يدل على أن سقف المسجد لم يكن يكن الناس من المطر ، ولا يمنع من نزول ماء المطر إليه .\rوقد ذكرنا فيما سبق من مراسيل الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل طول جداره بسطه وعمده الجذوع وسقفه جريدا . فقيل له : إلا نسقفه ؟ فَقَالَ : ((عريشا كعريش موسى ، خشبات وثمام ، الأمر أعجل من ذَلِكَ )) .\rوقال المروذي في ((كتاب الورع)) : قرئ على أبي عبد الله - يعني : أحمد -: سفيان ، عن عمرو ، عن أبي جعفر ، قال : قيل للنبي- صلى الله عليه وسلم - في المسجد : هده ، طده . قال : ((لا عريش كعريش موسى)) ؟ قال أبو عبد الله : قد سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكحل المسجد ، فقال : ((لا، عريش كعريش موسى)).\rقال أبو عبد الله : إنما هو شيء مثل الكحل يطلى ، أي : فلم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال أبو عبيد : كان سفيان بن عيينة يقول : معنى قوله : (( هده)) : أصلحه . قال : وتأويله كما قال ، واصله : أنه يراد به الإصلاح بعد الهدم ، وكل شيء حركته فقد هدته ، فكان المعنى أنه يهدم ثم يستأنف ويصلح .\rقال المروذي:وقلت لأبي عبد الله : أن محمد بن أسلم الطوسي لا يجصص مسجده ، ولا بطوس مسجد مجصص إلا قلع جصه ؟ فقال أبو عبد الله : هو من زينة الدنيا .\rوروى ابن أبي الدنيا من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، قال : لما بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره ، فقال : (( ابنوه عريشا كعريش موسى )) . فقيل للحسن : وما عريش موسى ؟ قال : إذا رفع يده بلغ العريش - يعني السقف .\rومن رواية ليث ، عن طاووس ، قال : لما قدم معاذ اليمن ، قالوا له : لو أمرت بصخر وشجر فينقل فبنيت مسجدا ؟ قال : إني أكره أن انقله على ظهري يوم القيامة - كأنه يخاف إذا أتقن بناءه بالصخر والخشب .\rوروى سفيان ، عن أبي فزارة ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ما أمرت بتشييد المساجد )) .\rقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفها اليهود والنصارى . خرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rكذا رواه ابن عيينة ، عن الثوري .\rورواه وكيع عن الثوري فجعل أوله مرسلا عن يزيد بن الأصم ، لم يذكر فيه : (( ابن عباس )) . وكذا رواه ابن مهدي عن سفيان .","part":3,"page":230},{"id":505,"text":"وخرج ابن ماجه كلام ابن عباس من وجه آخر - مرفوعا - :(( ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم )) .\rوروى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .\rوروى المروذي في كتاب الورع بإسناد عن أبي الدر داء ، قال : إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم ؛ فعليكم الدمار .\rوقال المروذي : ذكرت لأبي عبد الله مسجدا قد بنى وانفق عليه مال كثير ، فاسترجع وأنكر ما قلت .\rقال حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه - : فتجصيص المساجد ؟ قال : أشد وأشد . المساجد لا ينبغي أن تزين ، إلا بالصلاة والبر .\rوقال سفيان الثوري : يكره النقش والتزويق في المساجد ، وكل ما تزين به المساجد .\rويقال : إنما عمارته ذكر الله - عز وجل - .\rوممن كره زخرفة المساجد وتزو يقها : عمر بن عبد العزيز ، وكان قد أراد إزالة الزخرفة التي كان الوليد وضعها في مسجد دمشق الجامع فكبر ذلك على من يستحسنه ممن تعجبه زينة الحياة الدنيا ، واحتالوا عليه بأنواع الحيل ، وأوهموه أنه يغيظ الكفار ، حتى كف عن ذلك .\rوقد روي عن ابن جريج، قال : أول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك .\rذكره الأزرقي .\rولأصحابنا وأصحاب الشافعي في تحريم تحلية المساجد بالذهب والفضة وجهان ، وكرهه المالكية وبعض الحنفية ، ومنهم من رخص فيه ، وقالوا : أن فعل ذلك من مال الوقف فقد ضمنه من ماله .\rوأما ما حكاه البخاري عن عمر وأنس [ ............ ..............................] .\rوقد روي عن أنس - مرفوعا - ، رواه سعيد بن عامر : ثنا صالح بن رستم ، قال : قال أبو قلابة : سمع أنس بن مالك يقول - وقد مروا بمسجد أحدث - ، فذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (( يأتي على أمتي زمان يتباهون فيه بالمساجد ولا يعمرونها إلا قليلا )) - أو قال: (( لا يعمرونها إلا قليلا )).\rخرجه ابن خزيمة في صحيحه .\rثم خرج البخاري هاهنا حديثا ، فقال :\r446- ثنا علي بن عبد الله : ثنا يعقوب بن إبراهيم ، ثنا أبي ، عن صالح بن كيسان : ثنا نافع ، أن عبد الله اخبره ، أن المسجد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبنيا باللبن ، وسقفه الجريد ، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه\rعمر ، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا ، ثم غيره عثمان ، فزاد فيه زيادة كثيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج .\rالقصة : الجص .\rوالساج : نوع من أرفع أنواع الخشب ، يجلب من بلاد الهند والزنج .\rويستدل بما فعله عثمان من يرخص في تجصيص المساجد وتزويقها ونقشها .\rوقد روي عن ابن عمر في هذا الباب روايات أخر :","part":3,"page":231},{"id":506,"text":"فخرج أبو داود من طريق فراس ، عن عطية ، عن ابن عمر ، أن مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت سواريه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من جذوع النخل ، أعلاه مظلل بجريد النخل ، ثم إنها تخربت في خلافة أبي بكر ، فبناها بجذوع النخل وجريد النخل ، ثم إنها تخربت في خلافة عمر ، فبناها بجذوع النخل وجريد النخل ، وتخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجر ، فلم تزل ثابتة حتى الآن .\rوفي هذه الرواية زيادة تجديد أبي بكر له وإعادته على ما كان ، لكنه لم يزد في بقعة المسجد شيئا ، وإنما زاد فيه عمر .\rوروى الإمام أحمد : ثنا حماد الخياط : ثنا عبد الله ، عن نافع ، أن عمر زاد في المسجد من الاسطوانة إلى المقصورة ، وزاد عثمان ، فقال عمر : لو لا أني سمعت\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( ينبغي أن نزيد في مسجدنا )) ما زدت .\rوليس في رواية ذكر ابن عمر ، وهو منقطع .\rوفيما فعله عمر وعثمان من تخريب المسجد والزيادة فيه : دليل على جواز الزيادة في المساجد وتخريبها لتوسعتها وإعادة بناءها على وجه أصلح من البناء الأول ؛ فإن هذا فعله عمر وعثمان بمشهد من المهاجرين والأنصار واقروا عليه .\rفأما توسعة المساجد إذا احتيج إلى ذلك لضيقها وكثرة أهلها فقد صرح بجوازه أكثر العلماء من المالكية والحنفية وغيرهم.\rوأما توسعة المسجد العامر ، وإعادة بنائه على وجه أصلح من الأول فقد نص على جواز الإمام أحمد .\rقال أبو داود في ((مسائله)) : سئل أحمد عن رجل بنى مسجدا فعتق ، فجاء رجل فأراد أن يهدمه فيبنيه بناء أجود من ذلك ، فأبى عليه الباني الأول وأحب الجيران لو تركه يهدمه ؟ فقال : لو صار إلى رضا جيرانه لم يكن به باس .\rقال : وسمعت أحمد سئل عن مسجد يريدون أن يرفعوه من الأرض ، فمنعهم من ذلك مشايخ يقولون : لا نقدر نصعد ؟ قال : أحمد : ما تصنع بأسفله ؟ قال : اجعله سقاية. قال : لا أعلم به باسا . قال أحمد : ينظر إلى قول أكثرهم - يعني : أهل المسجد.\rوبوب عليه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في((كتاب الشافي)) : ((باب : المسجد يبنى بناء أجود من بنائه)) .\rوهو - أيضا - قول أصحاب أبي حنيفة ، ومذهب سفيان الثوري ، حكى أصحابه عنه في تصانيفهم على مذهبه أنه قال في المسجد يكون فيه ضيق ، فأراد أهله أن يوسعوه من ملك رجل منهم ، فلهم ذلك ، وان أرادوا أن يوسعوه من الطريق والطريق واسع لا يضر بالمارة فيه فليس لهم ذلك ، إلا إن يأذن الإمام .قال : وللإمام أن يحول الجامع من موضع إلى غيره إذا كان فيه صلاح للرعية ونوى الشد فيه ؛ ذكروا أن ابن مسعود حول مسجد الكوفة من موضع التمارين .\rقال: وسئل سفيان عن بيع حصير المسجد الخلق فيجعل في ثمن الجديد ؟ فلم يره به باسا .\rومذهب الإمام أحمد أن ما خرب من الأوقاف كلها ولم يمكن عمارتها ، فأنها تباع ويستبدل بها ما يقوم مقامها .\rوعنه في المساجد روايتان : إحداهما كذلك . و الثانية : لا تباع وتنقل آلاتها إلى موضع آخر يبنى بها مثله .","part":3,"page":232},{"id":507,"text":"ونقل عنه حرب في مسجد خرب ، فنقلت آلاته وبني بها مسجد في مكان آخر : أن العتيق يرم ولا يعطل ، ولا يبنى في مكانه بيت ولا خان للسبيل ، ولكن يرم ويتعاهد .\rونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه أنه أجاز للسلطان خاصة أن يبني مكان المسجد الخراب خانا للسبيل أو غيره ، مما يكون للمسلمين ، فيفعل ما هو خير لهم .\rوروى حرب بإسناده عن عبيد الله بن الحسن العنبري في مسجد خافض أراد أهله أن يستبدلوا به ؟ قال : إذا كان الخليفة هو الذي يفعل ذلك أراه جائزا .\rوروى وكيع بإسناد ، عن جابر ، عن الشعبي ، قال : لا بأس أن يجعل المسجد حشا والحش مسجدا .\rومما يدل على جواز ذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عزم على هدم بناء الكعبة ، وإعادتها على قواعد إبراهيم ، فيدخل فيها غالب الحجر ، ويجعل لها بابين لاصقين بالأرض .\rوقد فعل ذلك ابن الزبير ، وزاد مع ذلك في طولها ، ثم أعادها الحجاج بأمر عبد الملك إلى حالها الأول ، واقر الزيادة في طولها .\rفيالله العجب !! كيف تقر زيادة لم يذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتزال زيادة ذكرها وعزم عليها ؛ ولهذا ندم عبد الملك على ما فعل لما بلغه الحديث عن عائشة .\rومما يدل على جواز ذلك : أن العبادات يجوز إبطالها لأعادتها على وجه أكمل مما كانت ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ؛ ليعيدوا الحج على وجه أكمل مما كان ، وهو وجه التمتع ؛ فإنه لفضل من الأفراد والقران بغير سوق هدي ، كما دل عليه هذه النصوص بالأمر بالفسخ .\rوكما أن من دخل في صلاة مكتوبة منفردا ، ثم حضر جماعة ، فإن إبطال صلاته أو قلبها نفلا ؛ ليعيد فرضه في جماعة ، فإنه أكمل من صلاته منفردا .\rوهذا قول جمهور العلماء ، منهم : أحمد ، والشافعي في أحد قوليه ، وكذلك قال مالك وأبو حنيفة إذا لم يكن قد صلى أكثر صلاته.\rوكذلك الهدي المعين والأضحية المعينة يجوز إبدالها بخير منهما عند أبي حنيفة واحمد وغيرهما .\rوإذا هدم المسجد ، ثم أعيد بناؤه أو وسع ، فالبناء المعاد يقوم مقام الأول ، ولا يحتاج إلى تجديد وقفه .\rوهذا يدل على قول من يرى أن الوقف ينعقد بالقول وبالفعل الدال عليه ، وان المسجد يصير مسجدا بالأذان وصلاة الناس فيه ، كما قول هُوَ مالك وأبي حنيفة والثوري واحمد - ظاهر ، وتصير الزيادة في المسجد مسجدا بمجرد وصلها في المسجد وصلاة الناس فيها .\rوقد قال مجاهد والأوزاعي في الفرس الحبيس إذا عطب ، فاشتري بثمنه فرس آخر ، وزيد في ثمنه زيادة : أن الفرس كله يكون حبيسا كالأول .\rوحكم الزيادة حكم المزيد فيه في الفضل - أيضا - فما زيد في المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كله ، والصلاة فيه كله سواء في المضاعفة والفضل .\rوقد قيل : أنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف ، إنما خالف فيه بعض المتأخرين من أصحابنا ، منهم ابن عقيل وابن الجوزي ، وبعض الشافعية .\rولكن قد روي عن الإمام أحمد التوقف في ذلك :","part":3,"page":233},{"id":508,"text":"قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : الصف الأول في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي صف\rهو ، فإني رأيتهم يتوخون دون المنبر ، ويدعون الصف الأول ؟ قال : ما أدري . قلت لأبي عبد الله : فما زيد في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهو عندك منه ؟ فقال : وما عندي ، إنما هم أعلم بهذا - يعني : أهل المدينة .\rوقد روى عمر بن شبة في كتاب ((أخبار المدينة)) بإسناد فيه نظر ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لو بني هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي)) . فكان أبو هريرة يقول : لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن أصلي فيه .\rوبإسناد فيه ضعف ، عن أبي عمرة ، قال : زاد عمر في المسجد في شاميه ، ثم قال : لو زدنا فيه حتى نبلغ الجبانة كان مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوبإسناده ، عن ابن أبي ذئب ، قال : قال عمر : لو مد مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذي الحليفة كان منه .\rوكذلك الزيادة في المسجد الحرام :\rروى مثنى بن الصباح ، عن عطاء ، أنه قيل له في المضاعفة في المسجد وحده ، أو في الحرم ؟ قال : في الحرم كله ؛ فإن الحرم كله مسجد .\rوروى الأزرقي بإسناده ، عن أبي هريرة ، قال : إنا لنجد في كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الحزورة إلى المسعى.\rوبإسناده ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم - عليه السلام - من الحزورة إلى المسعى .\rوبإسناده ، عن عطاء ، قال : المسجد الحرام الحرم كله .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) من رواية ليث ، عن مجاهد ، قال : الحرم كله مسجد ، يعتكف في أيه شاء ، وإن شاء في منزله ، إلا أنه لا يصلي إلا في جماعة .\rوقد ذكر الشافعية : أنه لو حلف لا يدخل هذا المسجد ، فزيد فيه ، فدخل موضع الزيادة لم يحنث ، فلو حلف لا يدخل مسجد بني فلان ، فزيد فيه ، فدخل موضع الزيادة حنث .\rوهذا مما يشهد لأن حكم الزيادة حكم المزيد في المسجد الحرام ومسجد النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه عرف المسجد الحرام بالألف واللام ، ومسجده بإضافته إليه ، ولكنه جمع بين الإشارة إليه وتعريفه بالإضافة ، فقال : ((مسجدي هذا)) . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":234},{"id":509,"text":"63- باب\rالتعاون في بناء المسجد\r{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } - إلى قوله - : { مِنَ الْمُهْتَدِينَ } [التوبة:17و18] .\rعمارة المساجد تكون بمعنيين :\rأحدهما : عمارتها الحسية ببنائها وإصلاحها وترميمها ، وما أشبه ذلك .\rوالثاني : عمارتها المعنوية بالصلاة فيها ، وذكر الله وتلاوة كتابه ، ونشر العلم الذي أنزله على رسوله ، ونحو ذلك .\rوقد فسرت الآية بكل واحد من المعنيين ، وفسرت بهما جميعا ، والمعنى الثاني أخص بها .\rوقد خرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان)) ، ثم تلا : { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } - الآية [التوبة:18] .\rولكن قال الإمام أحمد : هو منكر .\rوقوله : { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ } - وقرئ ((مسجد\rالله)) .\rفقيل : إن المراد به جميع المساجد على كلا القراءتين ؛ فإن المفرد المضاف يعم ، كقوله : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ } [البقرة:187] .\rوقيل : المراد بالمسجد الحرام خاصة ، كما قال : { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاّ الْمُتَّقُونَ } [الأنفال:34] .\rوقيل أنه المراد بالمساجد على القراءة الأخرى ، وانه جمعه لتعدد بقاع المناسك هناك ، وكل واحد منها في معنى مسجد . روي ذلك عن عكرمة . والله أعلم .\rفمن قال : إن المراد به المسجد الحرام خاصة ، قال : لا يمكن الكفار من دخول الحرم كله ، بدليل قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } [التوبة:28].\rوجمهور أهل العلم على أن الكفار يمنعون من سكنى الحرم ، ودخوله بالكلية ، وعمارته بالطواف وغيره ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ينادي : ((لا يحج بعد العام مشرك)) .\rورخص أبو حنيفة لهم في دخوله دون الإقامة به .\rومن قال : المراد جميع المساجد ، فاختلفوا :\rفمنهم : من قال : لا يمكن الكفار من قربان مسجد من المساجد ، ودخوله بالكلية .\rومنهم : من رخص لهم في دخول مساجد الحل في الجملة.\rومنهم: من فرق بين أهل الكتاب والمشركين ، فرخص فيه لأهل الكتاب دون المشركين .\rوقد أفرد البخاري بابا لدخول المشرك المسجد ، ويأتي الكلام على هذه المسألة هناك مستوفى - إن شاء الله تعالى .\rواتفقوا على منع الكفار من إظهار دينهم في مساجد المسلمين ، لا نعلم في ذلك خلافا .\rوهذا مما يدل على اتفاق الناس على أن العمارة المعنوية مرادة من الآية .\rواختلفوا في تمكينهم من عمارة المساجد بالبنيان والترميم ونحوه على قولين :","part":3,"page":235},{"id":510,"text":"أحدهما : المنع من ذلك ؛ لدخوله في العمارة المذكورة في الآية ، ذكر ذلك كثير من المفسرين كالواحدي وأبي فرج ابن الجوزي ، وكلام القاضي أبي يعلى في كتاب ((أحكام القرآن)) يوافق ذلك وكذلك كيا الهراسي من الشافعية ، وذكره البغوي منهم احتمالا .\rوالثاني : يجوز ذلك ، ولا يمنعون منه ، وصرح به طائفة من فقهاء أصحابنا والبغوي من الشافعية وغيرهم .\rوهؤلاء ؛ منهم من حمل العمارة على العمارة المعنوية خاصة ، ومنهم من قال : الآية إنما أريد بها المسجد الحرام ، والكفار ممنوعون من دخول الحرم على كل وجه ، بخلاف بقية المساجد ، وهذا جواب ابن عقيل من أصحابنا .\rوقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه استعمل طائفة من النصارى في عمارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لما عمره في خلافة الوليد بن عبد الملك .\rويتوجه قول ثابت ، وهو : أن الكافر إن بنى مسجدا للمسلمين من ماله لم يمكن من ذلك ، ولو لم يباشره بنفسه ، وإن باشر بناءه بنفسه باستئجار المسلمين له جاز ، فإن في قبول المسلمين منة الكفار ذلا للمسلمين ، بخلاف استئجار الكفار للعمل للمسلمين ؛ فإن فيه ذلا للكفار .\rوقد اختلف الناس في هذا - أيضا - على قولين :\rأحدهما : أنه لو وصى الكافر بمال للمسجد أو بمال يعمر به مسجد أو يوقد به ، فإنه تقبل وصيته ، وصرح به القاضي أبو يعلى في ((تعليقه)) في مسألة الوقيد ، وكلامه يدل على أنه محل وفاق ، وليس كذلك .\rوالثاني : المنع من ذلك ، وانه لا تقبل الوصية بذلك ، وصرح به الواحدي في ((تفسيره)) وذكره ابن مزين في كتاب ((سير الفقهاء)) ، عن يحيى بن يحيى ، قال : سمعت مالكا ، وسئل عَن نصراني أوصى بمال تكسى به الكعبة ؟ فأنكر ذلك ، وقال : الكعبة منزهة عن ذلك .\rوكذلك المساجد لا تجري عليها وصايا أهل الكفر .\rوكذلك قال محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة : لا يصح وقف النصراني على المسلمين عموما ، بخلاف المسلم المعين ، والمساجد من الوقف على عموم المسلمين - : ذكره حرب ، عنه بإسناده .\rوقال عبد الله بن أحمد : سألت أبي عن المرأة الفقيرة تجيء إلى اليهودي أو النصراني فتصدق منه ؟ قَالَ : أخشى أن ذَلِكَ ذلة .\rوَقَالَ مهنا : قُلتُ لأحمد : يأخذ الْمُسْلِم من النصراني من صدقته شيئا ؟ قال :\rنعم ، إذا كان محتاجا .\rفقد يكون عن أحمد روايتان في كراهة أخذ المسلم المعين من صدقة الذمي ، وقد يكون كره السؤال ، ورخص في الأخذ منه بغير سؤال . والله أعلم .\rوأما وقفهم على عموم المسلمين كالمساجد ، فيتوجه كراهته بكل حال ، كما قاله الأنصاري .\r\rوقد ذكر أهل السير كالوا قدي ومحمد بن سعد إن رجلا من أحبار اليهود ، يقال له : مخيريق ، خرج يوم أحد يقاتل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : إن أصبت في وجهي هذا فمالي لمحمد يضعه حيث يشاء ، فقتل يومئذ ، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمواله،فقيل: أنه فرقها وتصدق بها ، وقيل : أنه حبسها ووقفها.","part":3,"page":236},{"id":511,"text":"وروى ابن سعد ذلك بأسانيد متعددة ، وفيها ضعف . والله أعلم.\rقال البخاري - رحمه الله - :\r447- حدثنا مسدد : ثنا عبد العزيز بن مختار : ثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة : قال لي ابن عباس ولابنه علي : إنطلقا إلى أبي سعيد ، فاسمعا من حديثه ، فإنطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه ، فأخذ رداءه فاحتبى ، ثم أنشأ يحدثنا ، حتى أتى على ذكر بناء\rالمسجد . قال : كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين ، فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل ينفض التراب عنه ، ويقول : ((ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)) . قال : يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن .\rفي هذا الحديث : حرص العالم المتسع علمه على أولاده ومواليه في تعليمهم\rالعلم ، حتى يرسلهم إلى غيره من العلماء ، وإن كان هو أعلم وأفقه ، لما يرجى من تعليمهم من غيره ما ليس عنده .\rوفيه : إن الصحابة كانوا يعملون في حوائطهم وهي بساتينهم وحدائقهم\rبأيديهم ، وأن أحدهم كان إذا عمل في عمل دنياه ألقى رداءه واكتفى بإزاره ، فإذا جاءه من يطلب العلم أخذ رداءه ، وجلس معهم في ثوبين : إزار ورداء .\rوقول أبي سعيد : ((كنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار لبنتين لبنتين)) ، يدل على إن أبا سعيد شهد بناء المسجد وعمل فيه ، وهذا يدل على إن المراد بناء المسجد ثاني مرة لا أول مرة ، فإن جماعة من أهل السير ذكروا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما فتح الله عليه خيبر بنى مسجده مرة ثانية ، وزاد فيه مثله .\rوإنما استشهدنا لذلك بمشاركة أبي سعيد في بناء المسجد ، ونقل اللبن ؛ لأن أبا سعيد كان له عند بناء المسجد في المرة الأولى نحو عشر سنين أو دونها ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رده يوم أحد ولم يجزه ، وله نحو ثلاث عشرة سنة ، وكانت غزوة أحد في أواخر السنة الثالثة من الهجرة ، ومن له عشر سنين أو دونها فبعيد أن يعمل مع الرجال في البنيان .\rويدل على تجديد النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمارة مسجده أدلة أخر:\rمنها : إن عثمان وسع مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته بأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاشترى له مكانا من ماله ، وزاده في المسجد .\rروى ثمامة بن حزن ، قال : شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان ، فقال : إنشدكم بالله والإسلام : هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من يشتري بقعة آل فلان فيزيد ها في المسجد بخير له منها في الجنة)) ، فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن اصلي فيها ركعتين ؟ قالوا : اللهم نعم - وذكر الحديث .\rخرجه النسائي والترمذي ، وقال : حديث حسن .","part":3,"page":237},{"id":512,"text":"وروى عمرو بن جاوان ، عن الأحنف بن قيس ، قال : إنطلقنا حجاجا ، فمررنا بالمدينة ، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد ، فإذا علي والزبير وطلحة\rوسعد ، فلم يكن بأسرع من إن جاء عثمان ، فقال لهم : إنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، أتعلمون إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له)) ،\rفابتعته ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت : أني قد ابتعته ، فقال : ((اجعله في مسجدنا ، وأجره لك)) ؟ قالوا : نعم - وذكر الحديث .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي .\rوفي بعض الروايات : ((أحسبه قال : ابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفا)) .\rوروى ابن لهيعة : حدثني يزيد بن عمرو المعافري ، قال : سمعت أبا ثور\rالفهمي ، قال : دخلت على عثمان ، فقال : قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من يشتري هذه الربعة ويزيد ها في المسجد ، وله بيت في الجنة؟)) فاشتريتها وزدتها في المسجد .\rخرجه البزار في ((مسنده)) .\rوخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية أبي إسحاق السبيعي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : أشرف عثمان - فذكر الحديث ، وفيه : أنه قال : أنشد بالله من شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت له في الجنة؟)) فابتعته من مالي ، فوسعت به المسجد فانتشد له رجال - وذكر بقية الحديث.\rوفي سماع أبي سلمة من عثمان نظر .\rوقد اختلف في إسناده على أبي إسحاق :\rفرواه ، عنه: ابنه يونس وحفيده إسرائيل بن يونس ، كلاهما عن أبي إسحاق ، عن أبي سلمة.\rورواه زيد بن أبي أنيسة وشعبة وغيروهما ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان .\rوقد خرج البخاري في ((صحيحه)) قطعة من هذا الحديث من رواية شعبة ، ولم يذكر فيه المسجد ، إنما ذكر خصالا أخر.\rوكذلك خرجه النسائي والترمذي من حديث زيد بن أبي أنيسة ، وعند الترمذي : ((وأشياء عدها)) .\rوقال : صحيح غريب .\rوقال الدارقطني : قول شعبة ومن تابعه أشبه بالصواب .\rومن الأدلة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جدد عمارة مسجده مرة ثانية : أن وفد بني حنيفة قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبني مسجده ، ومعلوم أن وفود العرب لم يفد منهم أحد على النبي - صلى الله عليه وسلم - مسلما في السنة الأولى من الهجرة ، هذا أمر معلوم بالضرورة لكل من عرف السير وخبرها ، إنما قدمت الوفود مسلمين بعد انتشار الإسلام وظهوره وقوته ، وخصوصا وفد بني حنيفة ؛ فإنه قد ورد في ذمهم أحاديث متعددة في ((مسند الإمام أحمد)) والترمذي وغيرهما من الكتب ، فكيف يظن بهم أنهم سبقوا الناس إلى الإسلام في أول سنة من سني الهجرة ؟","part":3,"page":238},{"id":513,"text":"ويدل على قدوم وفد بني حنيفة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبني مسجده : ما رواه ملازم ابن عمرو : حدثني جدي عبدالله بن بدر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، قال : بنيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجد المدينة ، فكان يقول : ((قدموا اليمامي من الطين ؛ فإنه من أحسنكم لَهُ مسا)) .\rخرجه [ ..........] ابن حبان في ((صحيحه)) .\rوخرجه الإمام أحمد ، وزاد في آخره : ((وأشدكم منكبا))\rوعنده عن ملازم ، عن سراج بن عقبة وعبدالله بن بدر ، عن قيس .\rوخرجه النسائي بهذا الإسناد ، عن طلق ، قال : خرجنا وفدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه وصلينا معه - وذكر حديثا .\rفتبين بهذا : أنه إنما قدم في وفد بني حنيفة .\rوخرجه الدارقطني من رواية محمد بن جابر - وفيه ضعف - ، عن قيس ابن طلق ، عن أبيه ، قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يؤسسون مسجد المدينة . قال : وهم ينقلون الحجارة . قال : فقلت يا رسول الله ، ألا ننقل كما ينقلون ؟ قال : ((لا ، ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة ، فأنت أعلم به)) . قال : فجعلت أخلطه ، وهم ينقلونه .\rوخرجه الإمام أحمد من رواية أيوب ، عن قيس ، عن أبيه ، قال : جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يبنون المسجد . قال : فكأنه لم يعجبه عملهم.قال : فأخذت المسحاة ، فخلطت بها الطين . قال : فكأنه أعجبه أخذي للمسحاة وعملي ، فقال : ((دعوا الحنفي والطين ؛ فإنه أضبطكم للطين)) .\rوأيوب ، هو : ابن عتبة ، فيه لين .\rوأما نفض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عمار التراب الذي أصابه من نقل اللبن ، فقد بوب عليه البخاري في ((السير)) : ((مسح الغبار عن الناس في السبيل)) ، وخرج فيه هذا الحديث مختصرا ، وفيه : فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فمسح عن رأسه الغبار، وقال : ((ويح عمار ، يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النار)) .\rوقوله : ((ويح عمار)) ، ويح : كلمة رحمة - : قاله الحسن وغيره .\rوروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه ضعف .\rوقيل : ويح : رحمة لنازل به بلية . وانتصابه بفعل مضمر ، كأنه يقول : أترحم عمارا ترحما .\rوقوله : ((يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار)) فيه : إخبار بأن ذلك سيقع\rله ، ولهذا تعوذ عمار عند ذلك من الفتن .\rوفيه إشارة إلى أن عمارا على الحق من دون خالفه .\rوقد وقع في بعض نسخ ((صحيح البخاري)) زيادة في هذا الحديث ، وهي : ((تقتله الفئة الباغية)) .\rوقد خرجه بهذه الزيادة الإمام أحمد عن محبوب بن الحسن ، عن خالد الحذاء ، عن عكرمة ، سمع أبا سعيد يحدث عن بناء المسجد - فذكره ، وقال فيه : ((ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار)) .\rوخرجه النسائي .\rوقد رواه يزيد بن زريع وغيره ، عن خالد الحذاء .\rولكن لفظة : ((تقتله الفئة الباغية)) لم يسمعها أبو سعيد من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ إنما سمعها من بعض أصحابه عنه .","part":3,"page":239},{"id":514,"text":"وقد خرج الإمام أحمد من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر قصة بناء المسجد ، وقال : حدثني أصحابي - ولم أسمعه - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ينفض التراب عن عمار ، ويقول : ((ويح ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية)).\rوخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث شعبة ، عن أبي مسلمة : سمعت أبا نضرة يحدث ، عن أبي سعيد ألخدري ، قال : أخبرني من هو خير منى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار حين جعل يحفر الخندق ، جعل يمسح رأسه ويقول : ((بؤس ابن سمية ، تقتلك فئة باغية)) .\rوفي رواية له بهذا الإسناد تسمية الذي حدث أبا سعيد ، وهو أبو قتادة .\rوفي رواية له - أيضا - قال : أراه - يعني : أبا قتادة .\rكذا قال أبو نضرة في روايته عن أبي سعيد ، أن ذلك كان في حفر الخندق ، والصحيح : أن ذلك كان في بناء المسجد .\rوقد روى الدراوردي ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كنا نحمل اللبن لمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكنا نحمل لبنة لبنة ، وكان عمار يحمل لبنتين لبنتين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أبشر عمار ، تقتلك الفئة الباغية)) .\rخرجه يعقوب بن شيبة في ((مسنده)) ، عن أبي مصعب ، عن الدراوردي .\rوخرجه الترمذي عن أبي مصعب ، لكنه اختصره ، ولم يذكر فيه قصة بناء المسجد ، وقال : حسن صحيح غريب من حديث العلاء .\rوإسناد في الظاهر على شرط مسلم ، ولكن قد أعله يحيى بن معين ، بأنه لم يكن في كتاب الدراوردي ، قال : وأخبرني من سمع كتاب العلاء - يعني : من الدراوردي - ليس فيه هذا الحديث . قال يحيى : والدراوردي حفظه ليس بشيء ، كتابه أصح .\rوهذا الحديث - أيضا - مما يدل على أن بناء المسجد الذي قيل لعمار فيه ذلك كان بعد فتح خيبر ، لأن أبا هريرة أخبر أنه شهده .\rوروي شهود أبي هريرة لبناء المسجد من وجه أخر ليس فيه ذكر عمار .\rخرجه الإمام أحمد من رواية عمرو بن أبي عمرو ، عن ابن عبدالله ابن حنطب ، عن أبي هريرة ، أنهم كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم . قال : فاستقبلت رسول - صلى الله عليه وسلم - وهو عارض لبنة على بطنه ، فظننت أنها شقت عليه ، فقلت ناولنيها يا رسول الله ، . قال : ((خذ غيرها يا أبا هريرة ؛ فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة)) .\rولكن ابن حنطب ، وهو : المطلب ، ولا يصح سماعه من أبي هريرة .\rوروى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد ، عن عبدالله بن الحارث ، سمع عبدالله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين : يا أبه ، أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ، وهم يبنون المسجد ، والناس ينقلون لبنة لبنة ، وعمار ينقل لبنتين لبنتين ، وهو يوعك ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((انك لحريص على الأجر ، وانك لمن أهل الجنة ، وانك لتقتلك الفئة الباغية)) .\rخرجه يعقوب بن شيبة في ((مسنده)) بتمامه .","part":3,"page":240},{"id":515,"text":"وخرجه الإمام أحمد والنسائي في ((الخصائص)) - مختصرا . والحاكم .\rوفي إسناده اختلاف عن الأعمش .\rوهو - أيضا- مما يدل على تأخر بناء المسجد حتى شهده عمرو بن العاص وابنه عبدالله .\rوروى ابن عون ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، قالت : لما كان يوم الخندق ، وجعل الناس يحملون لبنة لبنة ، وجعل عمار يحمل لبنتين لبنتين ، حتى اغبر شعر صدره ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ويحك يا ابن سمية ، تقتلك الفئة الباغية)) .\rخرجه [.........] .\rوخرجه مسلم مختصرا ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار : ((تقتله الفئة الباغية)) .\rوذكر حفر الخندق في هذا الحديث فيه نظر ، والصواب : بناء المسجد ، يدل على ذلك وجهان :\rأحدهما : أن حفر الخندق لم يكن فيه نقل لبن ، إنما كان ينقل التراب ، وإنما ينقل اللبن لبناء المسجد .\rوالثاني : أن حديث أم سلمة قد روي بلفظ أخر ، أنها قالت : ما نسيت الغبار على صدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يقول :\rفاغفر للأنصار والمهاجرة ))\r... ... (( اللهم إن الخير خير الآخرة\r\rإذ جاء عمار فقال : ((ويحك - أو ويلك - يا بن سمية ، تقتلك الفئة الباغية)) .\rوأم سلمة أين كانت من حفر الخندق ؟ إنما كانت تشاهد بناء المسجد في المرة الثانية ، لأن حجرتها كانت عند المسجد .\rوقد اختلف في حديث : ((تقتل عمار الفئة الباغية)) .\rفذكر الخلال في كتاب ((العلل)) : ثنا إسماعيل الصفار : سمعت أبا أمية الطرسوسي يقول : سمعت في حلقة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبي خيثمة والمعيطي ذكروا : ((تقتل عمار الفئة الباغية)) ، فقالوا : ما هي حديث صحيح .\rقال الخلال : وسمعت عبدالله بن إبراهيم يقول : سمعت أبي يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : روي في عمار : ((تقتله الفئة الباغية)) ثمانية وعشرون حديثا ، ليس فيها حديث صحيح .\rوهذا الإسناد غير معروف ، وقد روي عن أحمد خلاف هذا :\rقال يعقوب بن شيبة الدسوسي في ((مسند عمار)) من ((مسنده)) : سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمار : ((تقتلك الفئة الباغية)) فقال أحمد : كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((قتلته الفئة الباغية)) . وقال : في هذا غير حديث صحيح ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا .\rوقال الحاكم في ((تاريخ نيسابور)) : سمعت أبا عيسى محمد بن عيسى العارض - وأثنى عليه - يقول : سمعت صالح بن محمد الحافظ - يعني : جزرة - يقول : سمعت يحيى بن معين وعلي بن المديني يصححان حديث الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة : ((تقتل عمارا الفئة الباغية)) .\rوقد فسر الحسن البصري الفئة الباغية بأهل الشام : معاوية وأصحابه .\rوقال أحمد : لا أتكلم في هذا ، السكوت عنه اسلم .\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بناء المسجد : ((ويح عمار ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار)) هو من جنس الارتجاز كما كان يقول في بناء المسجد في أول أمره :","part":3,"page":241},{"id":516,"text":"((اللهم أن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة))\rومثل ارتجازه عند حفر الخندق بقول ابن رواحة :\r(( اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ))\rوروى محمد بن سعد : أبنا عبدالله بن نمير ، عن الأجلح ، عن عبدالله بن أبي الهذيل ، قال : لما بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده ، جعل القوم يحملون ، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل هو وعمار ، فجعل عمر يرتجز ، ويقول :\rنحن المسلمون نبني المساجدا\rوجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( المساجدا )) .\rوقد كان عمار اشتكى قبل ذلك ، فقال بعض القوم : ليموتن عمار اليوم ، فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فنفض لبنته ، وقال : (( ويحك )) - ولم يقل: ويلك - (( يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية )) .\rوهذا مرسل .\rوخرجه البزار من رواية شريك ، عن الأجلح ، عن عبدالله بن أبي الهذيل ، عن عمار ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال له : ((تقتلك الفئة الباغية)) .\rثم قال : رواه أبو التياح ، عن عبدالله بن أبي الهذيل - مرسلا ، لم يقل : عن عمار .\rقلت : وقد خرجه الطبراني بإسناد فيه نظر ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي التياح، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبني المسجد ، وكان عمار يحمل صخرتين ، فقال : ((ويح ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية)) .\rوالمرسل أشبه . والله أعلم .\rوروى حماد بن سلمة في ((جامعه)) ، عن أبي جعفر الخطمي ، أن عبدالله بن رواحه كان يقول وهم يبنون مسجد قباء :\rأفلح من يعالج المساجدا\rفقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((المساجدا)) .\rيقرأ القرآن قائما وقاعدا .\rفقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((قاعدا)) .\rولا يبيت الليل عنه راقدا\rفقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((راقدا)) .\rوفي هذا الارتجاز عند بناء المسجد فائدتان :\rإحداهما : ما في هذا الكلام من الموعظة الحسنة ، والحث على العمل ، فيوجب ذلك للسامعين النشاط في العمل ، وزوال ما يعرض للنفس من الفتور والكسل عند سماع ثواب العمل وفضله ، أو الدعاء لعامله بالمغفرة .\rوالثانية : أن المتعاونين على معالجة الأعمال الشاقة كالحمل والبناء ونحوها قد جرت عادتهم بالاسترواح إلى استماع بعضهم إلى ما ينشده بعضهم ، ويجيبه الأخر عنه ، فإن كل واحد منهم يتعلق فكره بما يقول صاحبه ، ويطرب بذلك ، ويجيل فكره في الجواب عنه بمثله ، فيخف بذلك على النفوس معالجة تلك الأثقال ، وربما نسي ثقل المحمول بالاشتغال بسماع الارتجاز ، والمجاوبة عنه .\rويؤخذ من هذا أنواع من الاعتبار :\rمنها : حاجة النفس إلى التلطف بها في حمل أثقال التكليف ، حتى تنشط للقيام بها ، ويهون بذلك عليها الأعمال الشاقة على النفس ، من الطاعات .","part":3,"page":242},{"id":517,"text":"ومنها : احتياج الإنسان في حمل ثقل التكليف إلى من يعونه على طاعة الله ، وينشط لها بالمواعظ وغيرها كما قال تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [المائدة:2] وقال : { وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [العصر:3] .\rسئلت أم الدرداء : ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ؟ قالت : التفكر . قالت : ونظر إلى ثورين يخدان في الأرض ، ثم استقلا بعملهما ، فتعب أحدهما ، فقام الأخر. فقال أبو الدرداء : في هذا تفكر استقلا بعملهما ما اجتمعا ، وكذلك المتعاونون على ذكر الله- عز وجل -.\rخرجه ابن أبي الدنيا في ((كتاب التفكر)) .\r\r* * *","part":3,"page":243},{"id":518,"text":"64- باب\rالاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد\r448- حدثنا قتيبة : ثنا عبد العزيز : حدثني أبو حازم ، عن سهل ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى امرأة : ((مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا اجلس عليهن)) .\r449- حدثنا خلاد : ثنا عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر ، أن امرأة قالت : يا رسول الله ، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه ، فإن لي غلاما نجارا ؟ قال: ((إن شئت)) ، فعملت المنبر.\rفي هذين الحديثين كليهما : أن النجار الذي صنع المنبر كان غلاما لامرأة .\rوحديث سهل مختصر ، قد أتمه البخاري في مواضع ، وقد سبق بتمامه في ((باب : الصلاة في المنبر والسطوح)) ، وفيه : أن سهلا سئل : من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما بقي في الناس أعلم به مني ، هو من أثل الغابة ، عمله فلان مولى فلانة - وذكر الحديث .\rوخرج ابن سعد وغيره من حديث عباس بن سهل بْن سعد ، عن أبيه ، أنه ذكر المنبر ، فقال : لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذلك النجار إلى الخانقين ، فقطعت هذا المنبر من أثلة .\rوخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب إلى\rجذع ، فمر رومي فقال : لو دعاني محمد لجعلت له ما هو أرفق من هذا ، فدعي\rلرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل له المنبر أربع مراق - وذكر الحديث .\rوخرج ابن سعد عن الواقدي ، بإسناد له ، عن أبي هريرة - وبعض الحديث بإسناد أخر- ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إلى جذع في المسجد قائما ، فقال : ((إن القيام قد شق علي)) ، فقال له تميم الداري : إلا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ؟ فشاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين في ذلك ، فرأوا إن يتخذه ، فقال العباس بن عبد المطلب : يا رسول الله ، أن لي غلاما - يقال له : كلاب - أعمل الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((مره أن يعمله)) ، فأرسله إلى أثلة بالغابة ، فقطعها ، ثم عمل منها درجتين ، ومقعدا ، ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم - وذكر حديثا طويلا .\rوإسناده لا يعتمد عليه .\rوخرج أبو داود من طريق عبد العزيز بن أبي داود ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بدن قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك يا رسول الله منبرا يجمع - أو يحمل - عظامك ؟ قال : ((بلى)) ، فاتخذ له منبرا مرقاتين .\rوخرج الطبراني من رواية شيبة أبي قلابة عن الجريري ، عن أبي نضرة عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب إلى جذع ، فقيل له : أن الإسلام قد انتهى ، وكثر الناس ، فلو أمرت بصنعة شيء تشخص عليه ، فقال لرجل : ((أتصنع المنبر؟)) قال : نعم . قال : ((ما اسمك؟)) قال : فلان . قال : ((لست صاحبه)) ، فدعا أخر، فقال : ((أتصنع المنبر؟)) فقال مثل مقالته ، ثم دعا أخر، فقال : نعم - إن شاء الله - قال : ((ما اسمك؟)) قال : إبراهيم . قال : ((خذ في صنعته)) .","part":3,"page":244},{"id":519,"text":"وخرجه عبد بن حميد في ((مسنده)) عن علي بن عاصم ، عن الجريري عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد .\rوروى عبد الرزاق ، عن رجل من أسلم - وهو إبراهيم بن أبي يحيى - ، عن صالح مولى التوأمة ، أن باقوم مولى العاص بن أمية صنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - منبره من طرفاء ، ثلاث درجات .\rورواه محمد بن سليمان بن مسمول ، عن أبي بكر بن عبدالله بن أبي سبرة ، عن صالح مولى التوأمة : حدثني باقوم مولى سعيد بن العاص ، قال : صنعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - منبرا من طرفاء الغابة ، ثلاث درجات : القعدة ، ودرجتيه .\rوكلا الإسنادين واه جدا .\rوقد روي عن ابن سيرين ، أن باقوم الرومي أسلم، فلم يدر به سهيل بن عمرو ، ومات ولم يدع وارثا ، فدفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ميراثه إلى سهيل .\rذكر ذلك ابن منده في كتاب ((معرفة الصحابة)) .\rوقال الحافظ أبو بكر الخطيب : الغلام اسمه : مينا . ومولاته : لا نعلم أحدا سماها .\rثم رواه بإسناده ، عن هارون بن موسى ، ثنا محمد بن يحيى ، قال : قال إسماعيل بن عبدالله : الذي عمل المنبر : غلام الأنصارية ، واسمه : مينا .\rومما يدخل في هذا الباب : حديث قيس بن طلق ، عن أبيه ، في استعانة النبي - صلى الله عليه وسلم - به في بناء المسجد في عمل الطين ، وقد سبق في الباب الماضي .\r\r* * *","part":3,"page":245},{"id":520,"text":"65- باب\rمن بنى مسجدا\r450- حدثنا يحيى بن سليمان : ثنا وهب : أخبرني عمرو ، أن بكيرا حدثه ، أن عاصم بن عمر بن قتادة حدثه ، أنه سمع عبيد الله الخولاني ، أنه سمع عثمان بن عفان يقول - عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنكم أكثرتم ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( من بنى مسجدا )) - قال بكير : حسبته أنه قال :\r(( يبتغى به وجه الله )) - بنى الله له مثله في الجنة )) .\rلما أراد عثمان - رضي الله عنه - هدم مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - واعادة بنائه على وجه أحسن من بنائه الأول كره الناس لذلك لما فيه من تغير بناء المسجد عن هيئة بنيانه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن عمر لما بناه أعاد بناءه على ما كان عليه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما وسعه وزاد فيه ، فلهذا أكثر الناس القول على عثمان .\rوخرج مسلم من حيث محمود بن لبيد ، أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد ، فكره الناس ذلك ، فأحبوا أن يدعه على هيئته، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :\r(( من بنى مسجدا لله بنى الله له في الجنة مثله )) .\rوقد اتفق صاحبا (( الصحيحين)) على تخريج حديث عثمان من رواية عبيد الله الخولاني عنه ؛ لاتصال إسناده ، وتصريح رواته بالسماع .\rوتفرد مسلم بتخريج حديث محمود بن لبيد عن عثمان .\rوخرجه الترمذي وصححه ، وقال : محمود بن لبيد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rيشير بذلك إلى أنه لا يستنكر من عثمان ؛ فإن له رؤية من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف ينكر أن يروي عن عثمان ؟\rوقد اختلف فِي صحبة محمود بن لبيد ، وقد أنكر ابن المديني حَدِيْث محمود بن لبيد ، عَن عُثْمَان ، وقال : في إسناده بعض الشيء ، ومحمود بن لبيد أدرك عثمان .\rومسلم ومن وافقه يكتفون في اتصال الإسناد بإمكان اللقى ، وغيرهم يعتبر ثبوت اللقى .\rوقد ذكر الهيثم بن كليب في (( مسنده )) عن صالح بن محمد الحافظ ، أنه قال : لا احسب محمود بن لبيد سمع من عثمان شيئا .\rوخرجه ابن جرير الطبري من رواية محمود بن لبيد ، عن أبان بن عثمان ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوليس ذكر : (( أبان )) في إسناده بمحفوظ .\rوقد ذكرنا في الباب الماضي من غير وجه ، عن عثمان ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يوسع في المسجد ، وضمن له بيتا في الجنة ؛ فلهذا - والله أعلم - ادخل عثمان هدم المسجد وتجديد بنيانه على وجه هو أتقن من البيان الأول مع التوسعة فيه في قوله :(( من بنى مسجدا لله بنى الله له بيتا في الجنة )) .","part":3,"page":246},{"id":521,"text":"وهذا يرجع إلى قاعدة الجزاء على العمل من جنسه ، كما أن من اعتق رقبة اعتق الله بكل عضو منه عضوا منها من النار ، ومن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الاخرة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما في الدنيا ستره الله في الآخرة ، والراحمون يرحمهم الرحمن .\rومثل هذا كثير ، فمن بنى لله مسجدا يذكر فيه اسم الله في الدنيا بنى الله له في الجنة بيتا .\rوأما قوله : (( مثله )) ، فليس المراد أنه على قدره ، ولا على صفته في بنيانه ، ولكن المراد -والله أعلم- أنه يوسع بنيانه بحسب توسعته ، ويحكم بنيانه بحسب إحكامه ، لا من جهة الزخرفة ويكمل انتفاعه بما يبنى له في الجنة بحسب كمال انتفاع الناس بما بناه لهم في الدنيا ، ويشرف على سائر بنيان الجنة كما تشرف المساجد في الدنيا على سائر البنيان ، وإن كان لا نسبة لما في الدنيا إلى ما في الآخرة ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر بم ترجع )) .\rوقد دل على ما قلناه : ما خرجه الإمام أحمد من حديث أسماء بنت يزيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من بنى لله مسجدا في الدنيا فإن الله عز وجل يبني له بيتا أوسع منه في الجنة )) .\rوخرجه بمعناه من حديث حجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومن حديث واثلة بن الاسقع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( من بنى مسجدا يصلى فيه بنى الله له في الجنة أفضل منه )) .\rوخرج البزار والطبراني من حديث أبي هريرة - مرفوعا - (( من بنى لله بيتا يعبد الله فيه من حلال بنى الله له بيتا في الجنة من در وياقوت )) .\rوقيل : أن الصحيح وقفه على أبي هريرة .\rوأما اللفظة التي شك فيها بكير بن الاشج، وهي قوله: (( يبتغي به وجه الله )) ، فهذا الشرط لا بد منه ، ولكن قد يستفاد من قوله : (( من بنى مسجدا لله )) أنه أريد به : من بنى مسجدا خالصا لله .\rوقد روى المثنى بن الصباح ؛ عن عطاء ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من بنى مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتا في الجنة )) .\rخرجه الطبراني .\rوالمثنى ، فيه ضعف .\rوبكل حال ؛ فالإخلاص شرط لحصول الثواب في جميع الأعمال ؛ فإن الأعمال بالنيات ، وإنما لا مريء ما نوى ، وبناء المساجد من جملة الأعمال ، فإن كان الباعث على عمله ابتغاء وجه الله حصل له هذا الأجر ، وإن كان الباعث عليه الرياء والسمعة أو المباهاة فصاحبه متعرض لمقت الله وعقابه ، كسائر من عمل شيئا من إعمال البر يريد به الدنيا كمن صلى يرائي ، أو حج يرائي ، أو تصدق يرائي .\rولكن روى عن قتادة ، أنه قال : كل بناء رياء فهو على صاحبه لا له ، ألا من بنى المساجد رياء فهو لا عليه ولا له .\rخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد صحيح عنه .","part":3,"page":247},{"id":522,"text":"وهذا فيه نظر ، ولو كان النفع المتعدي يمنع من عقاب المرائي به لما عوقب العالم والمجاهد والمتصدق للرياء وهم أول من تسعر به النار يوم القيامة .\rوأما من بنى المساجد من غير رياء ولا سمعة ، ولم يستحضر فيه نية الإخلاص ، فهل يثاب على ذلك ، أم لا ؟ فيه قولان للسلف .\rوقد روى عن الحسن البصري وابن سيرين ، أنه يثاب على إعمال البر والمعروف بغير نية ، لما من النفع المتعدي .\rوقد سبق ذكر ذلك في أواخر(( كتاب الإيمان )) . والله أعلم .\rوبناء المساجد المحتاج إليها مستحب،وعده بعض أصحابنا من فروض الكفايات ، ومراده : أنه لا يجوز أن يخلي مصر أو قرية يسكنها المسلمون من بناء مسجد فيها .\rويدل لهذا : مما روى موسى بن إسماعيل ، عن عبد العزيز بن زياد أبي حمزة الحبطي ، عن أبي شداد - رجل من أهل دما - ، قال : جاءنا كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قطعة ادم : (( من محمد النبي إلى أهل عمان ، سلام : أما بعد ؛ فأقروا بشهادة أن لا اله إلا\rالله ، وأني رسول الله ، وأدوا الزكاة ، وخطوا المساجد كذا وكذا ، والا غزوتكم )) .\rخرجه البزار والطبراني .\rوخرجه أبو القاسم البغوي في (( معجمه)) - مختصرا - ، وعنده : عبد العزيز بن نزار الحبطي .\rوقد سماه ابن أبي حاتم : عبد العزيز بن زياد الحبطي . وسماه البخاري : في (( تاريخه )) : عبد العزيز بن شداد .\rوكانه وهم ، ولا يعرف بغير هذا الحديث .\r\r* * *","part":3,"page":248},{"id":523,"text":"66- باب\rيأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد\r451- حدثنا قتيبة : ثنا سفيان ، قال قلت لعمرو : أسمعت جابر بن عبد الله يقول : مر رجل في المسجد ، ومعه سهام ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( امسك\rبنصالها )) ؟ قال : نعم .\rوخرجه في موضع أخر من كتابه بلفظ أخر، وهو : أن رجلا مر في المسجد باسهم ، قد أبدى نصولها ، فأمره أن يأخذ بنصولها ، لا تخدش مسلما .\rخرجه مسلم من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلا كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها الا وهو اخذ بنصولها .\rوقد خرج البخاري في الباب الذي يلي هذا : حديث موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها ، لا يعقر بكفه مسلما )) .\rوخرجه مسلم - أيضا .\rوفي الحديث : ذكر علة ذلك ، وهو : خشية أن تصيب مسلما من حيث لا يشعر صاحبها ، وسوى في ذلك بين السوق والمسجد ؛ فان الناس يجتمعون في الأسواق والمساجد فليس للمسجد خصوصية بذلك حينئذ . لكن ؛ قَدْ يقال : أن المسجد يختص بقدر زائد عَن السوق ، وَهُوَ : أنه قَدْ روي النهي عن إشهار السلاح فيه ونثر النبل .\rخرجه ابن ماجه من رواية زيد بن جبيرة ، عن داود بن الحصين ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - : (( خصال لا ينبغين في المسجد : لا يتخذ طريقا ، ولا يشهر فيه سلاحا ، ولا ينبض فيه بقوس ، ولا ينثر فيه نبل ، ولا يمر فيه بلحم نيئ ، ولا يضرب فيه حد ، ولا يقتص فيه من احد ، ولا يتخذ سوقا )) .\rورفعه منكر وزيد بن جبيرة ضعيف جدا ، متفق على ضعفه .\rوخرج - أيضا - : النهي عن سهل السيوف في المسجد ، من حديث واثلة - مرفوعا - بإسناد ضعيف جدا .\rوقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى : لا يسل السيف في المسجد .\rخرجه وكيع في كتابه .\rوقال أصحابنا : لا يشهر السلاح في المسجد .\r\r* * *","part":3,"page":249},{"id":524,"text":"67- باب\rالمرور في المسجد\r452- حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا عبد الواحد :ثنا أبو بردة بن عبد الله ، قال : سمعت أبا بردة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها ، لا يعقر بكفه مسلما )) .\rأبو بردة بن عبد الله ، هو بريد بن عبد الله بن أبي بردة .\rوقد ذكرنا هذا الحديث في الباب الماضي ، وإنما أعاده هاهنا : لأنه استنبط منه جواز المرور في المسجد ، وقد ذكرنا حكمه في ((باب : الصلاة إذا دخل المسجد )) .\rوقد دل على جوازه - أيضا - قول الله تعالى : { وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ } [النساء : 43] ، على قول من تأول النهي : على قربان موضع الصلاة ، وهو المسجد ، وعابر السبيل : بالمجتاز ، وقد سبق ذكره - أيضا .\r\r* * *","part":3,"page":250},{"id":525,"text":"68- باب\rالشعر في المسجد\r453 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع : ابنا شعيب ، عن الزهري : اخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أنه سمع حسان بن ثابت يستشهد أبا هريرة : أنشدك الله ، هل سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( يا حسان ، أجب عن رسول الله ، اللهم أيده بروح القدس )) ؟ قال أبو هريرة : نعم .\rليس في هذه الرواية التي خرجها البخاري هاهنا إنشاد حسان في المسجد ، إنما فيه ذكر مدح حسان على أجابته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء له على ذلك ، وكفى بذلك على فضل شعره المتضمن للمنافحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والرد على أعدائه والطاعنين عليه ، والمساجد لا تنزه عن مثل ذلك .\rولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن من الشعر حكمة )) .\rوقد خرجه البخاري في موضع أخر من حديث أبي بن كعب - مرفوعا .\rوخرج - أيضا - من حديث البراء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحسان : ((اهجهم - او هاجمهم - وجبريل معك )) .\rوإنما خص النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل وهو روح القدس بنصرة من نصره ونافح عنه ؛ لان جبريل صاحب وحي الله إلى رسله ، وَهُوَ يتولى نصر رسله وإهلاك أعدائهم المكذبين\rلهم ، كما تولى إهلاك قوم لوط وفرعون في البحر .\rفمن نصر رسول الله وذب عنه أعداءه ونافح عنه كان جبريل معه ومؤيدا له كما قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } [ التحريم : 4] .\rوقد خرج البخاري في بدء الخلق عن ابن المديني ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قال : مر عمر في المسجد وحسان ينشد ، فقال كنت انشد فيه ، وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة ، فقال : أنشدك الله ، أسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( اجب عني ، اللهم أيده بروح القدس )) ؟ قال : نعم .\rوهذا نوع إرسال من ابن المسيب ؛ لأنه لم يشهد هذه القصة لعمر مع حسان عند أكثر العلماء الذين قالوا لم يسمع من عمر ومنهم من اثبت سماعه منه شيئا يسيرا .\rوقد خرج هذا الحديث مسلم ، عن غير واحد ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن عمر مر بحسان - فجعل الحديث كله عن أبي هريرة متصلا .\rورواية ابن المديني اصح ، وكذا رواه جماعة عن الزهري .\rوروى ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما ، يفاخر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قالت : ينافح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(( أن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر- او ينافح - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )) .\rخرجه الترمذي .","part":3,"page":251},{"id":526,"text":"وخرجه - أيضا - في طريق ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .\rوقال : حسن صحيح غريب ، وهو حديث ابن أبي الزناد .\rيعني أنه تفرد به .\rوخرجه أبو داود من الطريقين - أيضا - .\rوكذلك خرجه الإمام أحمد ، وعنده : (( ينافح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشعر )) .\rوذكره البخاري في موضع اخرمن صحيحه - تعليقا - ، فقال : وقال ابن أبي الزناد .\rوخرجه الطبراني ، وزاد في حديثه : (( فينشد عليه الأشعار )) .\rوروى سماك ، عن جابر بن سمرة ، قَالَ : شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مائة مرة في المسجد ، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية ، فربما تبسم معهم .\rخرجه الإمام أحمد .\rوخرجه النسائي ، ولفظه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ، فيتحدث أصحابه ، ويذكرون حديث الجاهلية ، وينشدون الشعر ، ويضحكون ، ويبتسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرجه مسلم ، إلا أنه لم يذكر الشعر .\rوقد روى ما يخالف هذا وهو النهي عن إنشاد الأشعار في المساجد :\rفروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن ينشد في المسجد الأشعار - في حديث ذكره .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، قال : حديث حسن .\rوخرج أبو داود نحوه من حديث حكيم بن حزام ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد فيه نظر وانقطاع .\rوروى أبو القاسم البغوي في معجمه من طريق ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام ، عن أبيه ، قال : أتى ابن الحمامة السلمي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد ؟ فَقَالَ : أني أثنيت عَلَى ربي تعالى ومدحتك . قَالَ :\r(( امسك عليك )) ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج به من المسجد ، فقال: (( ما أثنيت به على ربك فهاته ، وأما مدحي فدعه عنك )) ، فانشد حتى إذا فرغ دعا بلالاً ، فأمره أن يعطيه شيئا ، ثم اقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس ، فوضع يده على حائط المسجد ، فمسح به وجهه وذراعيه ، ثم دخل.\rوهذا مرسل ، وفيه جواز التيمم بتراب جدار المسجد ، وهو رد على من كرهه من متأخري الفقهاء ، وهو من التنطع والتعمق .\rوروى وكيع في كتابه عن مبارك بن فضالة ، عن ظبيان بن صبيح الضبي ، قال : كان ابن مسعود يكره أن ترفع الأصوات في المساجد ، أو تقام فيها الحدود ، أو ينشد فيها الأشعار ، أو تنشد فيها الضالة .\rوروى أسد بن موسى في كتاب الورع : ثنا ضمرة ، عن ابن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، قال : كان أهل العلم يكرهون أن ينشد الرجل ثلاثة أبيات من شعر في المسجد حتى يكسر الثالث .\rوهذا تفريق بين قليل فيرخص فيه ، وهو البيت والبيتان ، وبين كثيرة ، وهو ثلاثة أبيات فصاعدا .","part":3,"page":252},{"id":527,"text":"وقال ابن عبد البر : إنما ينشد الشعر في المسجد غباً من غير مداومة . قال : وكذلك كان حسان ينشد .\rوجمهور العلماء على جواز إنشاد الشعر المباح في المساجد ، وحمل بعضهم حديث عمرو بن شعيب على أشعار الجاهلية ، وما لا يليق ذكره في المساجد ، ولكن الحديث المرسل يرد ذلك .\rوالصحيح في الجواب : أن أحاديث الرخصة صحيحة كثيرة ، فلا تقاوم أحاديث الكراهة في أسانيدها وصحتها .\rونقل حنبل ، عن أحمد ، قال : مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة لا ينشد فيه الشعر ، ولا يمر فيه بقطع اللحم ، يجتنب ذلك كله ، كرامة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\r\r* * *","part":3,"page":253},{"id":528,"text":"69- باب\rأصحاب الحراب في المسجد\r454- حدثنا عبد العزيز بن عبدالله : ثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال : اخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما في باب حجرتي ، والحبشة يلعبون في المسجد ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسترني بردائه ، انظر إلى لعبهم .\r455- زاد إبراهيم بن المنذر : ثنا ابن وهب : اخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - والحبشة يلعبون بحرابهم .\rوخرجه في كتاب : المناقب من طريق عقيل ، عن ابن شهاب ، ولفظه : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسترني وان أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( دعهم ؛ أمنا بني أرفدة )) يعني : من الأمن .\rوإنما ذكر هنا رواية إبراهيم بن المنذر تعليقا ؟ لزيادة في الحديث : ذكر الحراب .\rوقد خرجه الإمام أحمد ، عن عثمان بن عمر ، عن يونس بهذا الإسناد ، وقال فيه :(( يلعبون بحرابهم )) ولم يذكر : ((في المسجد)) .\rوخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ، قال فيه :\r(( والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )) .\rوقد خرجه البخاري في ((عشرة النِّسَاء)) من رواية معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : (( كان الحبشة يلعبون بحرابهم ، فيسترني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنظر ، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف ، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو)) .\rكذا خرجه من رواية هشام بن يوسف ، عن معمر .\rوقد روي عن عبد الرزاق ، عن معمر ، وفيه ذكر الحراب في المسجد .\rوعند الزهري في هذا الحديث إسناد أخر:رواه عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، خرجه البخاري في ((كتاب : السير )) ومسلم - أيضا - من رواية معمر، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : بينا الحبشة يلعبون عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بحرابهم دخل عمر ، فأهوى إلى الحصى فحصبهم بها ، فقال : (( دعهم يا عمر )) .\rقال البخاري : وزاد علي : ثنا عبد الرزاق : أبنا معمر : ((في المسجد)) .\rفجمع عبد الرزاق في روايته لهذا الحديث من هذا الوجه - أيضا - بين ذكر الحراب والمسجد .\rوخرج - أيضا - في العيدين وفي ((السير)) من رواية أبي الأسود ، عن عروة عن عائشة ، قالت : كان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب ، فإما سالت\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإما قال : تشتهين أن تنظري ؟ )) قلت : نعم ، فأقامني وراءه ، خدي على خده ، وهو يقول : (( دونكم ، بني أرفدة )) ، حتى إذا مللت قال : (( حسبك؟)) قلت نعم . قال :((فاذهبي)) .\rوخرجه مسلم - أيضا .\rوفي هذه الرواية زيادة : (( الدرق )) ، وفيها زيادة : أن ذلك كان يوم عيد وليس فيه ذكر المسجد .","part":3,"page":254},{"id":529,"text":"وخرج مسلم من حديث جرير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : جاء حبش يزفون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فوضعت راسي على منكبه ، فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم .\rوخرجه من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ومحمد بن بشر ، عن هشام ولم يذكرا : (( في المسجد )) .\rوخرج مسلم - أيضا - من طريق ابن جريج : أخبرني عطاء : أخبرني عبيد\rبن عمير ، قال : أخبرتني عائشة ، أنها قالت للعابين : وددت أني أراهم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمت على الباب أنظر بين أذنيه وعاتقيه ، وهم يلعبون في المسجد . قال عطاء : فرس او حبش. قال : وقال لي ابن عتيق : بل حبش .\rوقد رَوَى أن ذَلِكَ العيد كَانَ يوم عاشوراء ؛ فإنه كَانَ عيداً لأهل الجَاهِلِيَّة ولأهل الكتاب .\rفروى ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجه بن زيد ، عن أبيه، أن يوم عاشوراء كان يوما تستر فيه الكعبة ، وتقلس فيه الحبشة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث .\rخرجه الطبراني .\rوالتقلس : اللعب بالسيوف ونحوها من آلات الحرب .\rلكن خرج الإمام أحمد ، عن وكيع ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كانت الحبشة يلعبون يوم عيد ، فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكنت أطلع بين عاتقه فأنظر إليه ، فجاء أبو بكر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((دعها ؛ فان لكل قوم عيدا ، وهذا عيدنا)) .\rوهذا يدل على أنه كان أحد عيدي المسلمين .\rوخرج - أيضا - من حديث أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يومئذ : ((ليعلم يهود أن في ديننا فسحة ، أني أرسلت بحنيفية سمحة)) .\rوالمقصود من هذا الحديث : جواز اللعب بآلات الحرب في المساجد ؛ فان ذلك من باب التمرين على الجهاد ، فيكون من العبادات .\rويؤخذ من هذا : جواز تعلم الرمي ونحوه في المساجد ، ما لم يخشى الأذى بذلك لمن في المسجد ، كما تقدم في الأمر بالإمساك على نصال السهم في المسجد لئلا تصيب مسلما ، ولهذا لم تجر عادة المسلمين بالرمي في المساجد .\rوقد قال الأوزاعي : كان عمر بن عبد العزيز يكره النصال بالعشي ، فقيل له : لم ؟ قال : لعمارة المساجد .\rولكن أن كان مسجد مهجور ليس فيه أحد ، أو كان المسجد مغلقا ليس فيه إلا من يتعلم الرمي فلا يمنع جوازه حينئذ . والله أعلم .\rوحكى القاضي عياض ، عن بعض شيوخه ، أنه قال : إنما يمنع في المساجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس وتكتسب به ، فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة ، وإصلاح آلات الجهاد مما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به . والله أعلم .\r* * *","part":3,"page":255},{"id":530,"text":"70- باب\rذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد\r456- حدثنا علي بن عبدالله : ثنا سفيان ، عن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : أتتها بريرة تسألها في كتابتها ، فقالت : إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي . وقال أهلها : إن شئت أعطيتها ما بقي - وقال سفيان مرة : إن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا - فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرته ذلك ، فقال : ((ابتاعيها فأعتقيها ؛ فإنما الولاء لمن أعتق)) ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر - وقال سفيان مرة : فصعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر - فقال : ((ما بال أقوام يشترطون شروطا ليس في كتاب الله ؟ من اشترط شرطا ليس فِي كِتَاب الله فليس لَهُ ، وان اشترط مائة مرة)) .\rورواه مَالِك ، عَن يَحْيَى ، عَن عمرة ، أن بريرة - ولم يذكر : ((صعد المنبر)) .\rقال علي : قال يحيى وعبد الوهاب ، عن يحيى عن عمرة - نحوه .\rوقال جعفر بن عون ، عن يحيى : سمعت عمرة : سمعت عائشة.\rحاصل ما ذكره من الاختلاف في إسناد هذا الحديث : أن ابن عيينة رواه عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، فوصله كله .\rورواه مالك في ((الموطإ)) ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، أن بريرة أتت عائشة - فذكر الحديث ، ولم يسند متنه عن عائشة ، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ((اشتريها وأعتقيها ؛ فإنما الولاء لمن أعتق)) ، ولم يذكر صعوده على المنبر .\rوقد رواه بعضهم عن مالك ، فأسنده كله عن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة ، كما رواه سفيان ، وليس بمحفوظ عن مالك .\rوذكر البخاري ، عن ابن المديني ، أن يحيى - وهو : ابن سعيد - وعبد الوهاب - وهو : الثقفي - روياه عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة - نحوه .\rوالظاهر : أنه أراد أنهما لم يذكرا عائشة في أوله كمالك .\rوإن جعفر بن عون رواه عن يحيى بن سعيد : سمعت عمرة ، قالت : سمعت عائشة ، فصرحت بسماعها من عائشة الحديث كله ، وهذا يقوي رواية ابن عيينة .\rلكن خرجه الإمام أحمد ، عن جعفر بن عون ، ولم يذكر فيه السماع .\rوفي حديث ابن عيينة شك منه في لفظتين :\rإحداهما : هل قال في الحديث : ((ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر)) ؟ أو قال : ((فصعد على المنبر)) ؟ وهذا اختلاف قريب ؛ لأن المعنى متقارب ، غير أن رواية : ((قام على المنبر)) تقتضي أنه خطب بذلك قائما ، وليس في مجرد صعوده ما يقتضي قيامه .\rوالثانية : شك سفيان : هل في الحديث : أن أهل بريرة قالوا لعائشة : ((أن شئت أعتقتها ويكون الولاء لنا)) ؟ أو قالوا : ((إن شئت أعطيتها ما بقي)) بدل : ((أعتقتها)) ؟\rوقد خرج ابن خزيمة في مصنف له مفرد في الكلام على حديث بريرة : هذا الحديث ، عن عبد الجبار بن العلاء ، عن سفيان ، وقال فيه : إنهم قالوا لعائشة : ((إن شئت فأعطي ما بقي ، ويكون لنا الولاء)) .","part":3,"page":256},{"id":531,"text":"وقال : هذه اللفظة : ((فأعطي ما بقي)) وهم ؛ ثنا بهذا الخبر عبدالله بن محمد ، عن الزهري ، عن سفيان ، ولم يذكر هذه اللفظة ، ورواه الثقفي عن يحيى ، وليس فيه هذه اللفظة .\rقلت : قد تبين برواية البخاري ، عن ابن المديني ، عن سفيان ، أنه كان يتردد في هذه اللفظة ، ولا يجزم بها ، وقد رواه الحميدي وغيره عن سفيان ، ولم يذكروها ، إنما ذكروا : لفظة العتق .\rومقصود البخاري بتخريج الحديث في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب على المنبر في مسجده ، وذكر في خطبته أحكام البيع والشراء ، فدل على جواز مثل ذلك في المسجد .\rوقد روى مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قصة بريرة - أيضا - ، وقال في حديثه : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : ((ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله)) ؟ - الحديث .\rوقد خرجه البخاري في موضع أخر.\rوظاهر هذا : يدل على أنه خطب بذلك على المنبر .\rوذكر البيع والشراء يقع على وجهين :\rأحدهما : أن يكون ذكرهما على وجه الإفاضة في حديث الدنيا أو في التجارة ، فهذا من مباح الكلام في غير المسجد ، وقد اختلف في كراهة مثله في المسجد ، فكرهه طائفة من العلماء .\rقال أصحابنا ، منهم ابن بطة وغيره : يكره الحديث فيه ، إلا لمصلحة في الدين .\rقال أحمد في رواية حنبل : لا أرى لرجل إذا دخل المسجد إلا أن يلزم نفسه الذكر والتسبيح ؛ فإن المساجد إنما بنيت لذكر الله عز وجل .\rوروى حماد بن سلمة في ((جامعه)) : ثنا محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، أن عمر بن الخطاب سمع ناسا يذكرون تجاراتهم في المسجد والدنيا ، فقال : إنما بنيت المساجد لذكر الله ، فإذا أردتم أن تذكروا تجاراتكم فاخرجوا إلى البقيع .\rوقال سعيد بن عبد العزيز : رأى أبو الدرداء رجلا يقول لصاحبه في المسجد : اشتريت وسق حطب بكذا وكذا . فقال أبو الدرداء : أن المساجد لا تعمر لهذا .\rوقال سفيان : عن رجل ، عن الحسن : يأتي على الناس زمان لا يكون لهم حديث في مساجدهم إلا في أمر دنياهم ، فليس لله فيهم حاجة ، فلا تجالسوهم .\rوكره أبو مسلم الخولاني وغيره من السلف .\rوروي عن عمر ، أنه بنى البطحاء خارج المسجد ، وقال : من أراد أن يلغط فليخرج إليها .\rورخص أصحاب الشافعي في التحدث بأمور الدنيا المباحة في المساجد ، وأن حصل معه ضحك .\rواستدلوا بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام . قال : وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية ، فيضحكون ويتبسم .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يختم مجالسه بكفارة المجلس ، وأمر أن تختم المجالس به ، وأخبر أنه إن كان المجلس لغوا كانت كفارة له ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ، فإذا وقع اللغو في المساجد ثم ختم المجلس بكفارته ، فهو شبيه بالبصاق في المسجد ودفنها بعده ، كما سبق .","part":3,"page":257},{"id":532,"text":"الثاني : أن يكون ذكر البيع والشراء على وجه الإخبار عن أحكامهما الشرعية ، وما يجوز من ذلك وما لا يجوز ، فهذا من نوع تعليم العلم ، وهو من أجل القرب وأفضلها مع صلاح النية فيه .\rفإن أقترن بذلك إرادة الإنكار على من باع بيعا غير سائغ ، أو شرط في بيعه شرطا غير سائغ ، فقد اجتمع فيه حينئذ أمران : تعليم العلم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .\rومثل هذا إذا أعلن به على المنابر في المساجد كان أبلغ في إشهاره ونشره وظهوره وارتداع المخالفين له ، وهذا كله من أفضل القرب والطاعات .\rوحينئذ ؛ ففي دخول هذا الحديث في تبويب البخاري نظر ، فإن كان قد أشار إلى الاستدلال بهذا الحديث على جواز البيع والشراء في المسجد فهو أبعد وأبعد .\rوأما عقد البيع والشراء في المسجد : فقد ورد النهي عنه من حديث عمرو ابن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه .\rوخرج الترمذي والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك)) .\rوقد روي ، عن ابن ثوبان - مرسلا ، وهو أصح عند الدارقطني.\rوحكى الترمذي في ((جامعه)) قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في المسجد .\rوالكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم ، وعند كثير من الفقهاء كراهة تنزيه .\rوللشافعي قَوْلِ : أنه لا يكره ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء وغيره .\rواختلف أصحابنا في انعقاد البيع في المسجد على وجهين .\rوفرق مالك بين اليسير والكثير ، فكره الكثير دون اليسير ، وحكي عن أصحاب أبي حنيفة نحوه .\r* * *","part":3,"page":258},{"id":533,"text":"71- باب\rالتقاضي والملازمة في المسجد\r457- حدثنا عبدالله بن محمد : ثنا عثمان بن عمر : أبنا يونس ، عن الزهري ، عن عبدالله بن كعب بن مالك ، عن كعب ، أنه تقاضي ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته ، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته ، فنادى : ((يا كعب!)) ، قال : لبيك يا رسول الله . قال : ((ضع من دينك هذا)) . وأومأ إليه ، أي الشطر . قال : لقد فعلت يا رسول الله . قال : ((قم فاقضه)) .\rمقصود البخاري : الاستدلال بهذا الحديث على جواز تقاضي الغريم لغريمه في المسجد ، ومطالبته بدينه ، وملازمته له لطلب حقه ؛ فان النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك وسمعه ولم ينكره .\rوهذا مما يعتضد به من يجيز البيع والشراء في المسجد ، كما دل عليه تبويب البخاري في الباب الماضي .\rومن كره البيع ، فرق بينه وبين التقاضي بأن البيع في المسجد ابتداء لتحصيل المال فيه ، وذلك يجعل المسجد كالسوق المعد للتجارة ، واكتساب الأموال ، والمساجد لم تبن لذلك ، ولهذا قال عطاء بن يسار وغيره لمن رأوه يبيع في المسجد : عليك بسوق الدنيا ، فهذا سوق الآخرة .\rأما تقاضي الدين ، فهو حفظ مال له، وقد لا يتمكن من مطالبته إلا في المسجد، فهو في معنى حفظ ماله من الذهاب ، وفي معنى التحاكم إلى الحاكم في المسجد ، كما سبق ذكره .\rوممن رخص في المطالبة لغريمه في المسجد : عطاء وابن جريج .\rوفي إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده ، وإيمائه إليه ، أن يضع الشطر : دليل على أن إشارة القادر على النطق في الأمور الدينية مقبولة كالفتيا ونحوها ، وقد سبق ذكر ذلك في ((كتاب : العلم)) .\rولم يكن هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - حكما ؛ لأنه لم يستوف شرائط الحكم من ثبوت الدين ونحوه ، وإنما كان على وجه الإصلاح . والله أعلم.\r\r* * *","part":3,"page":259},{"id":534,"text":"72- باب\rكنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان\r458- حدثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، أن رجلا أسود - أو أمرأة سوداء - كان يقم المسجد ، فمات ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه ، فقالوا : مات . فقال : ((أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره)) - أو ((على قبرها)) - فأتى قبره فصلى عليها)) .\rفيه : دليل على أن المسجد حسن مندوب إليه ؛ فان هذا الذي كان يقم المسجد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حاله يخفى عليه .\rوالقم : هو إخراج القمامة ، وهي الزبالة .\rوقد روي من وجوه أخر أنها كانت امرأة ، من غير شك :\rفروي إسماعيل بن أبي أويس : حدثني أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كانت سوداء تلتقط الخرق والعيدان من المسجد ، فسأل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقيل : ماتت من الليل ، ودفنت ، وكرهنا أن نوقظك ، فذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قبرها ، وصلى عليها ، وقال : ((إذا مات أحد من المسلمين فلا تدعوا أن تؤذنوني به)) .\rوروى ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المغيرة ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، قال : كانت سوداء تقم المسجد ، فتوفيت ليلا ، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر بموتها ، فقال : ((ألا آذنتموني بها؟)) فخرج بأصحابه ، فوقف على قبرها ، فكبر عليها والناس خلفه ، فدعا لها ، ثم انصرف .\rخرجه ابن ماجه .\rوقد روي : أن هذه المرأة يقال لها : أم محجن :\rفروى محمد بن حميد الرازي : ثنا مهران بن أبي عمر ، عن أبي سنان ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على قبر حديث عهد بدفن ، ومعه أبو بكر وعمر ، فقال : ((قبر من هذا؟)) قال أبو بكر : هذه - يا رسول الله - أم محجن ، كانت مولعة بأن تلتقط الأذى من المسجد . قال : ((ألا آذنتموني؟)) قالوا : كنت نائما ، فكرهنا أن نجهدك . قال : ((فلا تفعلوا ؛ فإن صلاتكم على موتاكم تنور لهم في قبورهم)) قال : فصف بأصحابه ؛ فصلى عليها .\rوفي هذا الإسناد ضعف .\rوروى أبو الشيخ الأصبهاني في ((كتاب ثواب الأعمال)) بإسناد له ، عن عبيد بن مرزوق ، قال : كانت بالمدينة إمرأة يقال لها : أم محجن ، تقم المسجد ، فماتت ، فلم يعلم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فمر على قبرها ، فقال : ((ما هذا القبر؟)) قالوا : أم محجن . فقال :((التي كانت تقم المسجد؟)) قالوا : نعم . فصف الناس ، وصلى عليها ، ثم قال : ((أي العمل وجدت أفضل؟)) قالوا : يا رسول الله ، أتسمع؟ قال : ((ما أنتم بأسمع منها)) ، فذكر أنها أجابته : قم المسجد .\rوهذا مرسل غريب .\rوقد ذكرنا فيما تقدم حديث الأمر باتخاذ المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب .","part":3,"page":260},{"id":535,"text":"وروى ابن جريج ، عن عبد المطلب بن عبدالله بن حنطب ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((عرضت علي أجور أمتي ، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد)) .\rخرجه أبو داود والترمذي .\rوالمطلب لم يسمع من أنس - : قاله ابن المديني وغير واحد . وابن جريج ، قال الدارقطني : لم يسمع من المطلب . قال : ويقال : أنه كان يدلسه عن ابن أبي سبرة وغيره من الضعفاء .\rوكنس المساجد وإزالة الأذى عنها فعل شريف ، لا يأنف منه من يعلم آداب الشريعة ، وخصوصا المساجد الفاضلة ، وقد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده ، وقد سبق هذا الحديث .\rوروى وكيع : ثنا كثير بن زيد ، عن عبد المطلب بن عبدالله بن حنطب ، أن عمر أتى مسجد قباء على فرس له ، فصلى فيه ركعتين ، ثم قال : يا أوفى ، ائتني بجريدة ، فأتاه بجريدة ، فاحتجز عمر بثوبه ، ثم كسحه.\rوقال أبو نعيم الفضل : ثنا أبو عاصم الثقفي ، قال : كنت أمشي أنا والشعبي في المسجد ، فجعل يطأطئ رأسه ، فقلت : ماذا تأخذ؟ قَالَ : المشاط والصوف .\r\r* * *","part":3,"page":261},{"id":536,"text":"73- باب\rتحريم تجارة الخمر في المسجد\r459- حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد ، فقرأهن على الناس ، ثم حرم تجارة الخمر .\rذكر الخمر بالتحريم - إما لشربه أو للتجارة فيه - : من جملة تبليغ دين الله وشرعه ؛ وذلك لأنه تصان عنه المساجد ؛ فأن الله ذكر في كتابة الذي يتلى في الصلوات في المساجد : الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، كما ذكر : الزنا والربا وسائر المحرمات من الشرك والفواحش ، ولم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يتلو ذلك في المسجد في الصلوات وغيرها ، ولم يزل يذكر تحريم ما حرمه الله في المساجد وفي خطبه على المنبر ، وهذا الباب مما لا تدعو الحاجة إليه ؛ لظهوره .\rولكن يشكل في هذا الحديث أمران :\rأحدهما : أن تحريم التجارة في الخمر مما شرع من حين نزول تحريم الخمر ، ولم يتأخر إلى نزول آيات الربا ، فإن آيات الربا من أخرما نزل من القرآن ، كما روى البخاري في ((التفسير)) من رواية الشعبي ، عن ابن عباس ، قال : آخر آية نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية الربا .\rوفي ((الصحيحين)) عن جابر ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح وهو بمكة يقول : ((أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) .\rوخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((يا أيها الناس ، إن الله يعرض بالخمر ، ولعل الله سينزل فيها أمرا ، فمن كان عنده منها شيء فليبيعه ولينتفع به)) . قال : فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال : ((أن الله حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع)) . قال : فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها .\rوهذا نص في تحريم بيعها مع تحريم شربها .\rوالثاني : أن آيات الربا ليس فيها ذكر الخمر ، فكيف ذكر تحريم التجارة في الخمر مع تحريم الربا ؟\rويجاب عن ذلك : بأن مراد عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ، وأن كان قد سبق ذكر تحريم بيع الخمر.\rوقد روى حجاج بن أرطاة -حديث عائشة- ، عن الأعمش بإسناد البخاري ، ولفظه : لما نزلت الآيات التي في سورة البقرة نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر والربا .\rوإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ليعلم بذلك أن الربا الذي حرمه الله يشمل جميع أكل المال مما حرمه الله من المعاوضات ، كما قال :\r{ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا } [البقرة:275] ، فما كان بيعا فهو حلال ، وما لم يكن بيعا فهو ربا حرام : أي : هو زيادة على البيع الذي أحله الله .","part":3,"page":262},{"id":537,"text":"فدخل في تحريم الربا جميع أكل المال بالمعاوضات الباطلة المحرمة ، مثل ربا الفضل فيما حرم فيه التفاضل ، وربا النساء فيما حرم فيه النسأ ، ومثل أثمان الأعيان المحرمة ، كالخمر والميتة والخنزير والأصنام، ومثل قبول الهدية على الشفاعة ، ومثل العقود الباطلة ، كبيع الملامسة والمنابذة ، وبيع حبل الحبلة ، وبيع الغرر ، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، والمخابرة ، والسلف فيما لا يجوز السلف فيه .\rوكلام الصحابة في تسمية ذلك ربا كثير ، وقد قالوا : القبالات ربا ، وفي النجش أنه ربا ، وفي الصفقتين في الصفقة أنه ربا ، وفي بيع الثمرة قبل صلاحها أنه ربا .\rوروي : أن غبن المسترسل ربا ، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا .\rوقال ابن مسعود : الربا ثلاثة وسبعون بابا .\rوخرجه ابن ماجه والحاكم عنه مرفوعا .\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجه ، أن عمر قال : من آخر ما نزل آية الربا ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبض قبل أن يفسرها لنا ، فدعوا الربا والريبة .\rيشير عمر إلى أن أنواع الربا كثيرة ، وأن من المشتبهات ما لا يتحقق دخوله في الربا الذي حرمه الله ، فما رابكم منه فدعوه .\rوفي ((صحيح مسلم)) عن عمر ، أنه قال : ثلاث وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عهد إلينا عهدا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا .\rوبعض البيوع المنهي عنها نهي عنها سدا لذريعة الربا ، كالمحاقلة ، والمزابنة ، وكذلك قيل في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ، وعن بيعتين في بيعة ، وعن ربح ما لم يضمن ، وبسط هذا موضعه ((البيوع)) .\rوإنما أشرنا هنا إلى ما يبين كثرة أنواع أبواب الربا ، وأنها تشمل جميع المعاوضات المحرمة ، فلذلك لما نزل تحريم الربا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الربا ، وعن بيع الخمر ؛ ليبين أن جميع ما نهى عن بيعه داخل في الربا المنهي عنه . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":263},{"id":538,"text":"74- باب\rالخدم للمسجد\rوقال ابن عباس { نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً } [آل عمران :35] : للمسجد يخدمها .\rهذا من رواية عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .\rوقاله - أيضا - : مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والربيع بن أنس وغيرهم .\rوقال قتادة والربيع وغيرهما : كانوا يحررون الذكور من أولادهم للكنيسة يخدمها ، فكانت تظن أن ما في بطنها ذكرا ، فلما وضعت أنثى اعتذرت من ذلك إلى الله ، وقالت : { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى } [آل عمران :36] ؛ لأن الأنثى لا تقوى على ما يقوى عليه الذكر من الخدمة ، ولا تستطيع أن تلازم المسجد في حيضها ومع الله ، فقال الله - عز وجل - : { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } [آل عمران:37] - يعني : أن الله قبل نذرها ، وأن كان أنثى ؛ فإنه أعلم بما وضعت ، وهذا كان في دين بني إسرائيل .\rوقد ذكر طائفة من المفسرين : أن هذا كان شرعا لهم ، وأن شرعنا غير موافق له .\rوخالفهم آخرون :\rقال القاضي أبو يعلى في ((كتاب أحكام القرآن )) : هذا النذر صحيح في شريعتنا ، فإنه إذا نذر الإنسان أن ينشئ ولده الصغير على عبادة الله وطاعته ، وأن يعلمه القرآن والفقه وعلوم الدين صح النذر .\rوهذا الذي قاله حق ؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) ، فلو نذر أحد أن يخدم مسجداً لله - عز وجل - لزمه الوفاء بذلك مع القدرة ، وأما إن نذر أن يجعل ولده لله ملازما لمسجد يخدمه ويتعبد فيه ، فلا يبعد أن يلزمه الوفاء بذلك ، فإنه نذر طاعة فيلزمه أن يجرد ولده لما نذره له ، ويجب على الولد طاعة أبيه إذا أمره بطاعة الله - عز وجل - .\rوقد نص الإمام أحمد على أن الكافرين إذا جعلا ولدهما الصغير مسلما صار مسلما بذلك .\rولو وقف عبده على خدمة الكعبة صح - : نص عليه أحمد - أيضا .\rونص في عبد موقوف على خدمة الكعبة أنه إذا أبى أن يخدم بيع واشترى بثمنه عبد يخدم مكانه .\rوروى سعيد بن سالم القداح ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، أن معاوية أخدم الكعبة عبيدا بعث بهم إليها ، ثم اتبعت ذلك الولاة بعده .\rخرجه الأزرقي .\rقال البخاري :\r460- حدثنا أحمد بن واقد : ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، أن أمرأة - أو رجلا - كانت تقم المسجد - ولا أراه إلا أمرأة - فذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على قبرها .\rوقد سبق الحديث قريبا بتمامه مع الكلام عليه .\rوإنما خرج هاهنا منه ما يدخل في هذا الباب ، وهو : أن هذه المرأة كانت تقم المسجد ، وتقوم بخدمته وتنظيفه وإخراج القمامة منه .\r\r* * *","part":3,"page":264},{"id":539,"text":"75،76- باب\rالأسير والغريم يربط إلى سارية المسجد\rفيه حديثان :\rأحدهما :\rقال :\r461- ثنا اسحاق بن إبراهيم : ثنا روح ومحمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة)) - أو كلمة نحوها - ((ليقطع علي الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم ، فذكرت قول أخي سليمان : { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } [ص:35] )) .\rقال روح : ((فرده خاسئا)) .\rوالثاني :\rقال :\r462- ثنا عبدالله بن يوسف : ثنا الليث : حدثني سعيد بن أبي سعيد ، أنه سمع أبا هريرة قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ((أطلقوا ثمامة)) ، فان طلق إلى نخل قريب من المسجد ، فاغتسل ، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .\rدل هذان الحديثان : على ربط الأسير إلى سارية من سواري المسجد ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في زمانه سجن يسجن فيه الأسارى ، ولهذا لما ندم أبو لبابة على ما قال لبني قريظة ربط نفسه بسارية من سواري المسجد .\rوفي بعض نسخ ((كتاب البخاري)) في هذا الباب زيادة :\rوكان شريح يأمر بالغريم أن يحبس إلى سارية المسجد .\rوروي ذلك عن علي - أيضا - :\rقال يعقوب بن شيبة : ثنا عبيد بن يعيش : ثنا صيفي بن ربعي الأنصاري ، عن أبيه : حدثني مشيخة الحي ، أن عليا استعمل رجلا على عمل ، فأتاه ، فسأله عن المال ، فلم يرفع إليه ما أراد . قال : فشده على أسطوانة من أساطين المسجد ، فقال : أد مال الله .\rوربط الأسير ، أن كان من الكفار فربطه من مصالح الدين ، وقد أمر الله تعالى به بقوله : { حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } [محمد:4] .\rوإن كان من المسلمين على دين له أو حق ليخرج منه فهو من مصالح المسلمين المحتاج إليها ، لحفظ أموالهم واستيفاء حقوقهم ، وهو من جنس القضاء في المسجد ، وأمر الخصوم بإنصاف بعضهم لبعض ، والخروج من الحقوق اللازمة لبعضهم بعضا، وقد سبق أن القضاء في المسجد جائز .\rوهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بربط الشيطان هو من عقوبات العصاة المتمردين المتعرضين لإفساد الدين ، وليس من جنس إقامة الحدود بالضرب والقطع حتى تصان عنه المساجد ، إنما هو حبس مجرد ، فهو كحبس الأسارى من الكفار .\rوبقية فوائد الحديثين تذكر في مواضع أخر- إن شاء الله تعالى .\r\r* * *","part":3,"page":265},{"id":540,"text":"77- باب\rالخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم\r463- حدثنا زكريا بن يحيى : ثنا عبدالله بن نمير : ثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أصيب سعد يوم الخندق في الأكحل ، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - خيمة في المسجد ليعوده من قريب ، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم ، فقالوا : يا أهل الخيمة ، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم ؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما، فمات فيها .\rفي الحديث : دليل على جواز ضرب الخيام في المسجد ؛ فإنه كان فيه خيمة لبني غفار ، وضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - خيمة لسعد بن معاذ لما رمي بسهم في أكحله يوم الخندق ، وقصد بذلك أن يعوده من قرب ؛ فإن منزله كان فيه بعد عن المسجد .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضرب له قبة في اعتكافه في المسجد ، وأزواجه معه ، وقد كان للأمة السوداء حفش أو خباء في المسجد كما سبق، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل وفد ثقيف في قبة في المسجد .\rوقد اختلف العلماء في ذلك : فكره أحمد للمعتكف أن يضرب خيمة ونحوها في المسجد ، إلا لشدة البرد ، ورخص فيه إسحاق إذا كان قصده أن يصون المسجد عما يكون منه من حدث أو سقوط شيء من طعامه في المسجد - : نقله عنهما إسحاق بن منصور في ((مسائله)) .\rومن رخص في ضرب الأخبية ونحوها في المساجد - كما دلت عليه الأحاديث في هذا الباب- قال : هي لا تتأبد ، فلا تكون ممنوعة ، بخلاف ما يتأبد كالغراس والبناء ، فإنه لا يجوز .\rوقد نص أحمد على منع الغراس في المساجد ، وهو قول مالك : وقال أصحاب الشافعي : يكره . وحكي جوازه عن الأوزاعي .\r\r* * *","part":3,"page":266},{"id":541,"text":"78- باب\rإدخال البعير في المسجد للعلة\rوقال ابن عباس : طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعير .\r464- حدثنا عبدالله بن يوسف : أبنا مالك ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة ، قالت : شكوت إلى\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي . قال : ((طوفي من وراء الناس ، وأنت راكبة)) ، فطفت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جنب البيت ، يقرا بالطور وكتاب مسطور .\rحديث ابن عباس في طواف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعير ، قد خرجه البخاري في ((كتاب : الحج)) مع حديث أم سلمة هذا في ((باب : طواف المريض راكبا)) .\rوبوب على الحديثين هاهنا : ((إدخال البعير في المسجد للعلة)) - يعني : لحاجة إلى إدخاله ، مثل أن يطوف عليه في مرضه .\rوقد جاء في رواية أخرى في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أم سلمة أن تطوف على بعيرها .\rوإدخال ما يوكل لحمه من الحيوانات إلى المساجد ينبني على حكم بولها وروثها :فمن قال : أنه طاهر أجازه ، ولم يكرهه للحاجة إليه .\rوقد استدل أصحابنا وأصحاب مالك بهذه الأحاديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه ، وقالوا : لو كان بول البعير نجسا لم يدخل المسجد .\rوقد خرج البخاري في ((كتاب : العلم)) حديث قدوم ضمان بن ثعلبة ودخوله المسجد وعقله بعيره فيه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكئ في المسجد.\rومن قال : أنه نجس كره دخولها ، وقد صرح به أصحاب الشافعي ، وقالوا : إنما طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعيره لبيان الجواز .\rوهذا مردود بأمره أم سلمة بالطواف راكبة ، وبإقراره ضماما على عقل بعيره في المسجد .\rوأما ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات ، فيكره إدخاله المسجد بغير خلاف ، وقد نص عليه مالك في الكلاب وجوارح الطير ، ورخص أحمد في غلق المساجد ؛ لئلا تدخلها الكلاب .\rوقد روي عن عمر ، أنه نهى عن الطواف بالبيت راكبا على فرس ونحوها .\rفروى سفيان : عن عمرو بن دينار ، قال : طاف رجل بالبيت على فرس ، فمنعوه، فقال: أتمنعوني ؟ فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب ، فكتب عمر : أن امنعوه.\rوإنما منع عمر من ذلك مبالغة في صيانة المسجد ؛ ولئلا يؤذي الراكب الماشين في الطواف . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":267},{"id":542,"text":"79- باب\r465- حدثنا محمد بن المثنى: ثنا معاذ بن هشام : ثنا أبي ، عن قتادة : ثنا أنس ، أن رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خرجا من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة مظلمة ، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما ، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله .\rوخرج في ((المناقب)) من رواية همام : ثنا قتادة ، عن أنس ، أن رجلين خرجا من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة مظلمة ، فإذا نور بين أيديهما ، حتى تفرقا فتفرق النور معهما .\rقال البخاري : وقال معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، أن أسيد بن حضير ورجلا من الأنصار . وقال حماد : أبنا ثابت ، عن أنس : كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوهاتان الروايتان المعلقتان ليستا على شرطه ؛ لأن روايات معمر عن ثابت رديئة - : قاله ابن معين وابن المديني وغيرهما ؛ فلذلك لا يخرج البخاري منها شيئا ، وحماد بن سلمة لم يخرج له شيئا استقلالا .\rوفي رواية حماد بن سلمة : أن هما كانا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحدثا عنده في ليلة ظلماء حندس ، ثم خرجا من عنده .\rفيحتمل أنهما كانا عنده في المسجد ، وأنهما كانا عنده في بيته :\rفإن كان اجتماعهما به في المسجد فإنه يستفاد من الحديث أن المشي إلى المساجد والرجوع منها في الليالي المظلمة ثوابه النور من الله عز وجل ، وذلك يظهر في الآخرة عيانا ، وأما في الدنيا فقد يستكن النور في القلوب ، وقد يظهر أحيانا كرامة لمن أراد الله كرامته ولم يرد فتنته .\rوإن اجتماعهما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته ، فإنه يستنبط منه فضيلة الذهاب إلى المساجد والرجوع منها في الظلم - أيضا-؛ فإنه أفضل ما مشى إليه المسلمون في الدنيا ، فيلتحق بالمشي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته ذهابا إليه ورجوعا من عنده .\rوإنما اقتصر البخاري على هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن الأحاديث الصريحة فِي تبشير المشائين إلى المساجد فِي الظلم بالنور التام يوم القيامة ليس شيء مِنْهَا عَلَى\rشرطه ، وإن كانت قد رويت من وجوه كثيرة .\rولكن يستدل - أيضا - لفضيلة المشي إلى المساجد في الظلم بما في ((الصحيحين)) من رواية أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا)) .\rويستدل - أيضا - بحديث أنس الذي خرجه البخاري هاهنا على جواز الاستضاءة في الرجوع من المسجد في الليالي المظلمة .\rوقد ورد حديث أصرح من هذا :","part":3,"page":268},{"id":543,"text":"خرجه الإمام أحمد من رواية فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن أبي سلمة ، سمع أبا سعيد الخدري ، قال : هاجت السماء ليلة ، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة برقت برقة ، فرأى قتادة بن النعمان ، فقال : ((ما السرى يا قتادة؟)) قال : علمت أن شاهد الصلاة قليل ، فأحببت أن أشهدها . قال : ((فإذا صليت فاثبت حتى أمر بك)) ، فلما انصرف أعطاه عرجونا ، وقال : ((خذ هذا يستضيء لك أمامك عشرا وخلفك عشرا)) - وذكر حديثا فيه طول .\rوهذا إسناد جيد .\rوقد كان السلف يختارون المشي إلى صلاة العشاء والصبح في غير ضوء .\rوروي عن سعيد بن المسيب ، أنه قال لقوم معهم ضوء يمشون به إلى المساجد : ضوء الله خير من ضوئكم .\rولما ولى عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن حزم إمرة المدينة مع قضائها أرسل إلى عمر يطلب منه شمعا كان للأمراء قبله يمشون به إلى المسجد في الليل ، فأرسل إليه عمر - رحمه الله - يعاتبه على ذلك ، ويأمره أن يفعل كما كان يفعل من قبل ولايته ، ويمشي إلى المسجد في الظلمة ، وإن ذلك خيرا له .\rوقال النخعي : كانوا يرون أن المشي في الليلة الظلماء إلى الصلاة موجبة .\rيعني : توجب المغفرة .\rوروينا عن الحسن ، قال : أهل التوحيد في النار لا يقيدون ، فتقول الخزنة بعضهم لبعض : ما بال هؤلاء لا يقيدون وهؤلاء يقيدون ؟ فيناديهم مناد : إن هؤلاء كانوا يمشون في ظلم الليل إلى المساجد .\rوقد كان بعض المتقدمين يمشي بين يديه الشيطان في الليل إلى المسجد بضوء ، فمنهم من يفطن لذلك فلم يغتر به ، ومنهم من قل علمه فاغتر وافتتن بذلك ؛ فإن جنس هذه الخوارق يخشى منها الفتنة ، إلا لمن قوي إيمانه ورسخ في العلم قدمه ، وميز بين حقها وباطلها.\rوالحق منها فتنة- أيضا - ؛ فإنه شبيه بالقدرة والسلطان الذي يعجز عنه كثير من الناس ، فالوقوف معه والعجب به مهلك، وقد اتفق على ذلك مشايخ العارفين الصادقين، كما ذكره عنهم أبو طالب المكي في كتابه (( قوت القلوب )) ، وأنهم رأوا الزهد فيه كما آثروا الزهد في الملك والسلطان والرياسة والشهرة ؛ فإن ذلك كله فتنة ووبال على صاحبه ، إلا لمن شكر عليه وتواضع فيه وخشي من الافتتان به .\rوقد اخبر الله تعالى عن سليمان- عليه السلام - أنه لما رأى عرش ملكة سبأ عنده قال :\r{ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } [ النمل : 40] .\rوقد قيل : إن مراد البخاري بهذا الباب ، وتخريج هذا الحديث فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في مسجده بالليل في الظلمة ، من غير سراج ولا ضوء ، ولهذا خرجا من عنده ومعهما مثل المصباحين ، وهذا يدل على أن هذا الضوء صحبهما من قبل مفارقته من المسجد ، فلو كان في المسجد مصباح لما احتاجا إلى الضوء إلا بعد خروجهما .","part":3,"page":269},{"id":544,"text":"وهذا حق - أعني : صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في المسجد في غير مصباح - ، وقد اخبر أنس أنه رأى بريق خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي في يده من فضة في الليل ، وهذا إنما يكون في الظلمة .\rوقيل : أن أول من أسرج مسجد المدينة تميم الداري في عهد عمر . وكان تميما اخذ الإيقاد في المساجد مما عرفه بالشام من إيقاد المسجد الأقصى .\rوقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بإرسال زيت إلى المسجد الأقصى يسرج في قناديله ، وقال : أن ذلك يقوم مقام الصلاة فيه .\rوقد أبو داود .\rوفي إسناده نظر .\rوفي ((سنن ابن ماجه)) بإسناد ضعيف ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : أول من أسرج المساجد تميم الداري .\rوالمراد به : المساجد في الإسلام .\r\r* * *","part":3,"page":270},{"id":545,"text":"80- باب\rالخوخة والممر في المسجد\r466- حدثنا محمد بن سنان : ثنا فليح : ثنا أبو النضر ، عن عبيد بن حنين ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( أن الله خير عبدا بَيْن الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عند الله )) ، فبكى أبو بكر ، فقلت في نفسي : ما يبكي هذا الشيخ ؟ إن يكن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله عز وجل ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو العبد ، وكان أبو بكر أعلمنا ، فقال : (( يا أبا بكر ، لا تبك ، أن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد ، إلا باب أبي بكر)) .\r467- حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي : ثنا وهب بن جرير : ثنا أبي ، قال : سمعت يعلي بن حكيم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة ، فقعد على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : (( أنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن خلة الإسلام أفضل ، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر - رضي الله عنه -)) .\rحديث أبي سعيد ، قد رواه - أيضا - مالك ، عن أبي النضر . وخرجه البخاري من طريقه في موضع أخر، وخرجه مسلم من طريق مالك وفليح - أيضا .\rوإنما خرج لفليح متابعة ، ولم يخرج حديث ابن عباس ؛ فإنه لا يخرج لعكرمة إلا متابعة - أيضا - ، وحديث ابن عباس إنما يرويه عنه عكرمة .\rوقد روى بعضه أيوب ، عن عكرمة ، وخرجه البخاري في موضع أخر.\rهذه الخطبة التي خطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا اليوم كانت أخر خطبة خطبها على المنبر ، فعرض فيها باختياره لقاء الله على المقام في الدنيا ، واخبر أنه أعطى مفاتيح خزائن الدنيا ، وخير بين أن يبقى ما شاء الله وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه ، ولكنه لم يصرح بتخييره ، واختار في نفسه وإنما قال : ((إن عبدا خير)) ، فلم يتفطن لذلك احد غير أبي بكر الصديق ، وكان أبو بَكْر أعلمهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفهمهم عنه ، وهذا من الفهم في العلم الذي يخص الله به من شاء من عباده .\rوذكر في هذه الخطبة تخصيص أبي بكر من بين الصحابة كلهم بالفضل ، وأومأ إلى خلافته بفتح بابه إلى المسجد ، وسد أبواب الناس كلهم ، ففي ذلك إشارة إلى أنه هو القائم بالإمامة بعده ، فإن الإمام يحتاج إلى استطراق المسجد ، وذلك من مصالح المصلين فيه.\rوفي هذه الخطبة وصى بالأنصار ، وأمر من يلي الأمر بالإحسان إليهم ، وفيه إشارة إلى أنه ليس لهم من الأمر شيء ، كما ظنه من قال منهم للمهاجرين : منا أمير ومنكم أمير .","part":3,"page":271},{"id":546,"text":"وفي هذه الخطبة اخبر عن نفسه - صلى الله عليه وسلم - أنه فرط لهم على الحوض - يعني : أنه سابق لهم إلى الحوض - ، وهو ينتظرهم عنده ، فهو الموعد بينه وبينهم ، وحذر من الاغترار بزهرة الدنيا ، والركون اليها ؛ فإنه كان قد أعطى خزائنها فاختار لقاء ربه قبل ذلك ، وفتحت بعده على أمته .\rوهذا كله ثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد خرج البخاري في ((كتابه)) هذا ، فبعضه من حديث أبي سعيد ، وبعضه من حديث عقبة بن عامر ، وبعضه من حديث ابن عباس ، وبعضه من حديث أنس .\rوروى - أيضا - أنه - صلى الله عليه وسلم - وصى في تلك الخطبة بتنفيذ جيش أسامة ، وذكر\rفضله ، ووصى به خيرا .\rونحن نذكر هذه الأحاديث هاهنا .\rفأما حديث أبي سعيد: فقد خرجه البخاري ها هنا، وفي غير موضع، وخرجه مسلم -أيضا .\rوخرج الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) من رواية أنيس بن أبي يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه ، وهو معصوب الرأس ، فاتبعه حتى قام على المنبر ، فقال : (( إني الساعة قائم على الحوض )) ، ثم قال : (( إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة )) . قال : فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر ، فقال : بأبي وأمي ، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا . قال : ثم هبط من المنبر ، فما رئي عليه حتى الساعة .\rوأما حديث عقبة بن عامر : فخرجه البخاري في ((غزوة أحد)) من رواية أبي الخير ، عن عقبة ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتلى احد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ، ثم طلع المنبر ، فقال : (( إني بين أيديكم فرط ، وأنا شهيد عليكم ، وإن موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها )) . قال : فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرجه مسلم - أيضا - ، وعنده : قال عقبة : فكانت أخر ما رأيت رسول الله على المنبر .\rوتوديعه للأحياء والأموات : هو أنه صلى على الموتى واستغفر لهم وهنأهم بما هم فيه من سبقهم للفتن .\rوتوديعه للأحياء : هو نصيحتهم وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا ، وإيماؤه إلى أنه منتقل عنهم إلى الآخرة ، وأنه سابق لهم إلى الحوض ، فهو موعدهم .\rوقد كان - صلى الله عليه وسلم - أتى أهل البقيع بالليل فاستغفر لهم ، ثم ذهب إلى شهداء احد بالنهار فاستغفر لهم ، ثم رجع فخطب هذه الخطبة ، وودع الأحياء .","part":3,"page":272},{"id":547,"text":"ففي ((المسند)) عن أبي مويهبة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ليلة إلى البقيع فاستغفر لأهل البقيع ، وقال : (( ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس ، أقبلت الفتن - كقطع الليل المظلم ، يتبع بعضها بعضا ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى )) ، ثم قال : ((يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ، ثم الجنة ، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي ، فاخترت لقاء ربي والجنة)) . ثم انصرف ، فابتدأه وجعه الذي قبضه الله فيه .\rوذكر ابن سعد بإسناده عن زيد بن أسلم ، قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات ، كل مرة يقال له : صل على أهل البقيع ، فيفعل ذلك ، وقال : ((اللهم اغفر لأهل البقيع)) ، ثم أمر أن يأتي الشهداء ، فذهب إلى أحد ، فصلى على قتلى أحد ، فرجع معصوب الرأس ، فكان بدء الوجع الذي مات فيه - صلى الله عليه وسلم - .\rوأما حديث ابن عباس : فقد خرجه البخاري هاهنا .\rوخرج في ((المناقب)) - أيضا - من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج وعليه ملحفة متعطفا بها ، وعليه عصابة برد دسماء حتى جلس على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : ((أما بعد ، أيها الناس ، فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام ، فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا آو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم)) .\rوخرجه ابن سعد في ((طبقاته)) ، وزاد فيه : ((وكان آخر مجلس جلسه حتى قبض - صلى الله عليه وسلم -)) .\rوأما حديث أنس : فخرجه البخاري في ((المناقب)) من حديث هشام بن زيد ، عن أنس ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عصب على رأسه حاشية برد فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ((أوصيكم بالأنصار ؛ فأنهم كرشي وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم)) .\rوأما أمره - صلى الله عليه وسلم - بتجهيز جيش أسامة : فقد خرجه ابن سعد بإسناد فيه ضعف عن عروة - مرسلا - ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعث أسامة وأمره أن يوطئ الخيل نحو البلقاء حيث قتل أبوه وجعفر ، فجعل أسامة وأصاحبه يتجهزون ، وقد عسكر بالجرف ، فاشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على ذلك ، ثم وجد من نفسه راحة ، فخرج عاصبا رأسه ، فقال : ((أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة)) - ثلاث مرات - ، ثم دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستعز به ، فتوفي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد خرجا في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثنى على أسامة ووصى به ، وقال : ((أنه لخليق بالإمارة)) .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر)) .","part":3,"page":273},{"id":548,"text":"قال الخطابي : معنى قوله : ((أمن)) ، أي : أبذل لنفسه وأعطى لماله ، والمن : العطاء من غير استثابة ، ومنه قوله تعالى : { هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ } [ص:39] وقوله : { وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } [المدثر:6] أي : لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت ، ولم يرد به المنة ؛ فإنها تفسد الصنيعة ، ولا منة لأحد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل له المنة على جميع الأمة .\rوأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) يدل على أن مقام الخلة أفضل من مقام المحبة ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحب أبا بكر وقد نفى عنه الخلة ، والله تعالى يحب أنبياءه ورسله كلهم ، ولم يخص بالخلة غير محمد وإبراهيم صلى الله عليهما .\rوفي ((صحيح مسلم)) ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((ألا إني أبرأ إلى كل خل من خلته ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، وإن صاحبكم خليل الله)) .\rوفي رواية له - أيضا - : ((لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكنه أخي وصاحبي ، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا)) .\rوخرج مسلم - أيضا - من حديث جندب بن عبدالله : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل موته بخمس يقول : ((قد كان لي منكم أخلاء وأصدقاء ، وإني أبرأ إلى كل ذي خلة من خلتة ، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) .\rوالظاهر : أن جندب سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك في خطبته هذه ، فإن كان كذلك فلعل خطبته - صلى الله عليه وسلم - كانت يوم الأربعاء ؛ فإنه توفي يوم الاثنين ، واشتد وجعه يوم الخميس ، كما قال ذلك ابن عباس ، فالظاهر أنه لم يخرج فيه إلى الناس ، أو لعله أعاد هذا القول في بيته فسمعه جندب ، وهذا أظهر - والله أعلم - ؛ فإن خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه كانت في ابتداء مرضه ، وكانت مدة مرضه فوق عشرة أيام . والله أعلم .\rوقد أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى سبب براءته من خلة المخلوقين ، وهو أن الله اتخذه خليلا لنفسه كما اتخذ إبراهيم خليلا ، ومن كان خليلا لله فلا يصلح له أن يخالل بشرا .\rومن هنا قيل : إن إبراهيم - عليه السلام - إنما أمر بذبح ولده إسماعيل لتفريغ قلبه من محبته وشدة تعلقه به ، حيث وهب له على الكبر ، فلما بادر إلى اضطجاعه وإخراجه من قلبه امتثالا لأمر الله وطاعته أسقط عنه ذبحه بعد ذلك ؛ لأنه لم يكن المقصود إراقة دمه ، بل تفريغ محل الخلة منه ، حتى لا تزاحم خلة الواحد الأحد محبة الولد .\rوالخلة : هي المحبة المبالغة المخللة لمسالك الروح من القلب والجسد ، كما قيل .\rقد تخللت مسلك الروح مني ... ... وبهذا سمي الخليل خليلا\rوهذا لا يصح لغير الله ، وإنما يصلح للمخلوق المحبة ، وهي درجة دون الخلة ، فلهذا اقتصر - صلى الله عليه وسلم - في حق الصديق على الأخوة والمودة ، وهي أخوة الإسلام المشار إليها في حديث ابن عباس الذي خرجه هاهنا .","part":3,"page":274},{"id":549,"text":"وقد خرجه في ((المناقب)) من حديث أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وفيه : ((ولكن أخوة الإسلام أفضل)) .\rولعل هذه الرواية أصح ، وأيوب يقدم على يعلى بن حكيم في الحفظ والضبط .\rوكان أبو بكر مقدما على سائر الرجال في المحبة من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولهذا لما سأله عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه ؟ قال : ((عائشة)) قال : ((فمن الرجال ؟ قال : ((أبوها)) .\rوقال عمر لأبي بكر يوم السقيفة : أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقوله : ((سدوا عني كل باب في المسجد ، إلا باب أبي بكر)) ، وفي حديث ابن عباس : ((كل خوخة)) .\rقال الخطابي : الخوخة : بويب صغير .\rقال : وفي أمره - صلى الله عليه وسلم - بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد غير بابه اختصاص شديد له ، وأنه أفرده بأمر لا يشاركه فيه أحد ، وأول ما يصرف التأويل فيه الخلافة ، وقد أكد الدلالة عليها بأمره إياه بإمامة الصلاة التي لها بني المسجد، ولأجلها يدخل إليه من أبوابه .\rقال : ولا أعلم دليلا في إثبات القياس والرد على نفاته أقوى من إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على استخلاف أبي بكر ؛ مستدلين في ذلك باستخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة ، وإقامته إياه فيها مقام نفسه ، فقاسوا عليها سائر أمور الدين. انتهى .\rوأشار بإجماع الصحابة في ذلك إلى ما روى ابن مسعود ، قال : لما قبض\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . قال : فأتاهم عمر ، فقال : يا معاشر الأنصار ، ألستم تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمر أبا بكر يؤم الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر .\rخرجه الإمام أحمد ، وعلي بن المديني ، وقال : هو صحيح ، والحاكم ، وقال : هُوَ صحيح الإسناد .\rوقد روي هذا المعنى عن طائفة من الصحابة ، منهم : علي والزبير وأبو عبيدة بن الجراح ، - رضي الله عنهم - أجمعين .\rوقد دل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسد الأبواب الشارعة في المسجد على منع إحداث الاستطراق إلى المساجد من البيوت ؛ فإن ذلك نفع يختص به صاحب الاستطراق ، فلا يجوز في المساجد كما لا يجوز الاستطراق إلى أملاك الناس بغير إذنهم .\rوهذا بخلاف وضع الخشب على جدار المسجد، فإن فيه عن الإمام أحمد روايتين؛ لأن هذا النفع يجوز عنده في ملك الجار بغير إذنه ، بخلاف الاستطراق إلى ملك الجار ، فإنه غير جائز .\rواستثنى من ذلك الإمام ومن يتبعه ؛ فإن استطراقه إلى المسجد فيه نفع يعود بمصلحة المصلين عموما ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته يستطرق إلى المسجد هو وآل بيته تبعا له ، ولهذا روي أنه أمر بسد الأبواب غير باب علي ، كما خرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من وجوه .","part":3,"page":275},{"id":550,"text":"فلما انقضت مدته - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا سد الأبواب كلها إلى المسجد غير باب أبي بكر؛ لأنه الإمام بعده ، واستطراقه إلى المسجد من بيته فيه نفع عام يعود على المصلين كلهم . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":276},{"id":551,"text":"81- باب\rالأبواب والغلق للكعبة والمساجد\rوقال لي عبد الله بن محمد : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، قال : قال لي ابن أبي مليكة : يا عبد الملك ، لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها .\rهذا الأثر رواه الإمام أحمد ، عن ابن عيينة .\rقال يعقوب بن بختان : سئل أبو عبدالله - يعني : أحمد - عن المسجد يجعل له أبواب ؟ فلم ير به بأسا ، وقال : ثنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، قال : قال لي ابن أبي مليكة : لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها .\rوقال جعفر بن محمد : سمعت أبا عبدالله يسأل عن المسجد يغلق بابه ؟ قال : إذا خاف أن يدخله كلب او صبيان .\rوقال في رواية مهنا : ينبغي أن تجنب الصبيان المساجد .\rوقال أصحاب الشافعي : لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة ؛ لصيانته أو حفظ آلاته .\rقال بعضهم : هذا إذا خيف امتهانه وضياع ما فيه ، ولم تدع إلى فتحه حاجة ، فأما إذا لم يخف من فتحه مفسدة ولا انتهاك حرمة، وكان فيه رفق بالناس، فالسنة فتحه ، كما لم يغلق مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمنه ولا بعده .\rوقالوا : يكره إدخال المجانين والصبيان - الذين لا يميزون - المساجد ، ولا يحرم ذلك ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وهو حامل أمامة ، وفعله لبيان الجواز .\rوقال أصحاب مالك : إذا كان الصبي يعبث فلا يؤت به المسجد ، وإن كان لا يعبث ويكف إن نهي فجائز .\rقالوا : وإن أتى أباه وهو في الصلاة المكتوبة نحاه عن نفسه ، ولا بأس بتركه في النافلة .\rوخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف ، عن واثلة مرفوعا : ((جنبوا مساجدنا صبيانكم ، ومجانينكم)) .\rوروي عن بعض السلف أن أول ما استنكر من أمر الدين لعب الصبيان في المساجد .\rواختلف الحنفية في إغلاق المساجد في غير أوقات الصلوات : فمنهم من كرهه ؛ لما فيه من المنع من العبادات . ومنهم من أجازه ؛ لصيانته وحفظ ما فيه .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r468- ثنا أبو النعمان وقتيبة بن سعيد ، قالا : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة ، فدعا عثمان بن طلحة ففتح الباب ، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة ، ثم أغلق الباب ، فلبث فيه ساعة ، ثم خرجوا . قال ابن عمر : فبدرت فسألت بلالا ، فقال : صلى فيه ، فقلت في أي ؟ قال : بين الأسطوانتين . قال ابن عمر : فذهب علي أن أساله : كم صلى ؟\rهذا الحديث يدل على أن الكعبة كان لها باب يغلق عليهم ويفتح ، ولم يزل ذلك في الجاهلية والإسلام ، وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها على ما كانت عليه ، ودفع مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة ، وأقره بيده على ما كان .","part":3,"page":277},{"id":552,"text":"وفي ((المسند)) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة أن تطلب من شيبة أن يفتح لها الكعبة ليلا ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : والله ما فتحته بليل في جاهلية ولا في إسلام ، فقال : ((فانظر ما كنت تصنع فافعله ، ولا تفتحه)) وأمر عائشة أن تصلي في الحجر .\rوقد روي عن ابن جريج وغيره ، أن أول من جعل للكعبة بابا يغلق وكساها كسوة كاملة تبع .\rوذكر ابن إسحاق أن ذلك بلغه عن غير واحد من أهل العلم - : ذكره الأزرقي في ((أخبار مكة)) .\rولكن الكعبة لا تقاس بها سائر المساجد في صيانتها واحترامها ؛ فإن سائر المساجد إنما تراد ليعبد الله فيها ، فإغلاقها لغير حاجة يمنع من المقصود منها ، وأما الكعبة فالعبادة حولها لا فيها ؛ فإن أخص العبادات منها الطواف، وإنما يطاف حولها ثم الصلاة، وإنما يصلى إليها .\rوقد اختلف العلماء في الصلاة فيها كما سبق ذكره ، وكذلك الاعتكاف ، فإغلاقها لا يمنع حصول المقصود منها من عبادة الله حولها .\rوأما غلق المسجد الحرام المبني حولها، فحكمه حكم غلق سائر المساجد أو أشد ؛ لما فيه من منع الطواف الذي لا يتمكن منه في غير ذلك المسجد ، بخلاف غلق سائر المساجد ؛ فإنه لا يتعذر بإغلاقها الصلاة ؛ فإن الأرض كلها مسجد . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":278},{"id":553,"text":"82- باب\rدخول المشرك المسجد\r469- حدثنا قتيبة : ثنا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، أنه سمع أبا هريرة يقول : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيل قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة ، يقال له : ثمامة بن أثال ، فربطوه بسارية من سواري المسجد .\rقد سبق هذا الحديث بأتم من هذا السياق في ((باب : الأسير يربط في\rالمسجد)) ، وفيه : أن ثمامة حين ربط كان مشركا ، وأنه إنما أسلم بعد إطلاقه .\rوفي هذا : دليل على جواز إدخال المشرك إلى المسجد ، لكن بإذن المسلمين .\rوقد أنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف في المسجد ؛ ليكون أرق لقلوبهم .\rخرجه أبو داود من رواية الحسن ، عن عثمان بن أبي العاص .\rوروى وكيع ، عن سفيان ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : إن وفدا قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - من ثقيف ، فدخلوا عليه المسجد، فقيل له : إنهم مشركون ؟ قال : ((الأرض لا ينجسها شيء)).\rوخرجه أبو داود في ((المراسيل)) من رواية أشعث ، عن الحسن ، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضرب لهم قبة في مؤخرة المسجد ؛ لينظروا صلاة المسلمين ، إلى ركوعهم ، وسجودهم ، فقيل : يا رسول الله ، أتنزلهم المسجد وهم مشركون ؟ قال : ((أن الأرض لا تنجس ، إنما ينجس ابن آدم )) .\rوكذلك سائر وفود العرب ونصارى نجران ، كلهم كانوا يدخلون المسجد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجلسون فيه عنده .\rولما قدم مشركو قريش في فداء أسارى بدر كانوا يبيتون في المسجد .\rوقد روى ذلك الشافعي بإسناد له .\rوقد خرج البخاري حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء الاسارى - ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرا في المغرب بالطور . قال : وكان ذلك أول ما وقر الأيمان في قلبي .\rوخرج البخاري فيما سبق في (( كتاب : العلم )) حديث دخول ضمام بن ثعلبة المسجد ، وعقله بعيره فيه ، وسؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام ، ثم أسلم عقب ذلك . وروى أبو داود في المراسيل بإسناد عن الزهري ، قال : اخبرني سعيد بن المسيب ، أن أبا سفيان كان يدخل المسجد بالمدينة وهو كافر ، غير أن ذلك لا يصلح في المسجد الحرام ؛ لما قَالَ الله عز وجل : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } [ التوبة : 28 ]\rوقد اختلف أهل العلم منهم في دخول الكافر المسجد ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد ، رجحها طائفة من أصحابنا.\rقال أصحاب الشافعي : وليس له أن يدخل المسجد إلا بأذن المسلم . ووافقهم طائفة من أصحابنا على ذلك .\rوقال بعضهم : لا يجوز للمسلم أن يأذن فيه إلا لمصلحة من سماع قرآن ، أو رجاء إسلام ، أو إصلاح شيء ونحو ذلك ، فأما لمجرد الأكل واللبث والاستراحة فلا .\rومن أصحابنا : من أطلق الجواز ، ولم يقيده بإذن المسلم .","part":3,"page":279},{"id":554,"text":"وهذا كله في مساجد الحل ، فأما المسجد الحرام فلا يجوز للمسلمين الإذن في دخوله للكافر ، بل لا يمكن الكافر من دخول الحرم بالكلية عند الشافعي وأحمد وأصحابهما .\rواستدلوا بقول الله تعالى : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } [التوبة:28] ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مناديا ينادي : ((لا يحج بعد العام مشرك)) .\rوأجازه أبو حنيفة وأصحابه .\rفأما مسجد المدينة ، فالمشهور عندنا وعند الشافعية أن حكمه حكم مساجد الحل .\rولأصحابنا وجه : أنه ملحق بالمسجد الحرام ؛ لأن المدينة حرم ، وحكي عن ابن حامد ، وقاله القاضي أبو يعلى في بعض كتبه .\rوهذا بعيد ؛ فإن الأحاديث الدالة على الجواز إنما وردت في مسجد المدينة بخصوصه ، فكيف يمنع منه ويخص الجواز بغيره ؟\rوقالت طائفة : لا يجوز تمكين الكافر من دخول المساجد بحال ، وهذا هو المروي عن الصحابة ، منهم : عمر ، وعلي ، وأبو موسى الأشعري ، وعن عمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك ، والمنصوص عن أحمد ، قال : لا يدخلون المسجد ولا ينبغي لهم أن يدخلوهم .\rواستدلوا بقول الله تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } [البقرة:114] .\rوظاهره : يدل على أن الكفار لا يمكنون من دخول المساجد ، فإن دخلوا أخيفوا وعوقبوا ، فيكونون في حال دخولهم خائفين من عقوبة المسلمين لهم .\rوقد روي عن علي، أنه كان على المنبر فبصر بمجوسي ، فنزل وضربه وأخرجه .\rخرجه الأثرم .\rوعلى هذا القول ، فأحاديث الرخصة قد تحمل على أن ذلك قبل النهي عنه ، أو أن ذلك كان جائزا حيث كان يحتاج إلى تألف قلوبهم ، وقد زال ذلك .\rوفرقت طائفة بَيْن أهل الذمة وبين أهل الحرب ، فقالوا : يجوز إدخال أهل الذمة دون أهل الحرب ، وروي عن جابر بن عبدالله وقتادة .\rوروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج : أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ\rهَذَا } [التوبة:28] قال : إلا أن يكون عبدا أو أحداً من أهل الذمة .\rوقد روى مرفوعا من رواية شريك : ثنا أشعث بن سوار ، عن الحسن ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لا يدخل مسجدنا هذا مشرك بعد عامنا هذا ، غير أهل الكتاب وخدمهم)) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوفي رواية له : ((غير أهل العهد وخدمهم)) .\rوأشعث بن سوار ، ضعيف الحديث .\rوقد خص بعض أصحابنا حكاية الخلاف المحكي عن أحمد في المسألة بأهل الذمة.\r\r* * *","part":3,"page":280},{"id":555,"text":"83- باب\rرفع الصوت في المسجد\rخرج فيه حديثين :\rالحديث الأول : موقوف :\r470- ثنا علي بن المديني : ثنا يحيى بن سعيد القطان : ثنا الجعيد بن\rعبد الرحمن : ثنا يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد ، قال : كنت قائما في المسجد ، فحصبني رجل ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال : اذهب فأتني بهذين . قال : فجئته بهما ، فقال : من أنتما - ومن أين أنتما ؟ - قالا : من أهل الطائف . قال : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - !\rإنما فرق عمر بين أهل المدينة وغيرها في هذا ؛ لأن أهل المدينة لا يخفى عليهم حرمة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه ، بخلاف من لم يكن من أهلها ؛ فإنه قد يخفى عليه مثل هذا القدر من احترام المسجد ، فعفى عنه بجهله .\rولعل البخاري يرى هذا القبيل من المسند - أعني : إذا أخبر الصحابي عن شهرة أمر وتقريره ، وأنه مما لا يخفى على أهل مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ذلك يكون كرفعه .\rويشبه هذا : ما قال الفقهاء : أن من ارتكب حدا كالزنا ونحوه ممن نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام ، وادعى الجهل بتحريمه، فإنه لا يقام عليه ويعذر بذلك ، بخلاف من نشأ ببلاد الإسلام.\rوفيه : أن التنبيه في المسجد بالحصب بالحصى جائز ، وقد كان ابن عمر إذا رأى من يصلي ولا يرفع يديه حصبه بالحصى.وكذلك إذا رأى من يتكلم والإمام يخطب.\rوفي هذه الرواية : (( كنت قائما في المسجد )) ، كذا هو في كثير من نسخ\r(( صحيح البخاري )) ، وقد خرجه البيهقي في سننه ، وقرأته بخطه من رواية أبي خليفة ، عن علي بن المديني ، وفيه : (( كنت نائما )) بالنون .\rوقد خرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طرق ، وعنده : أنه قال : كنت مضطجعا وهذه صريحة في النوم ، ولم ينكر عليه عمر نومه في المسجد .\rوخرجه الإسماعيلي - أيضا - من رواية حاتم - هو : ابن إسماعيل - ، عن الجعيد ، عن السائب - لم يذكر بينهما : ((يزيد بن خصيفة)) .\rوأشار إلى ترجيح هذه الرواية على رواية القطان وفي قوله نظر .\rوالجعيد - ويقال : الجعد - بن عبد الرحمن بن أوس ، وينسب تارة إلى جده . وقد وقع في بعض روايات هذا الحديث تسميه : ((الجعد)) ، وفي بعضها تسميته : (( الجعد بن أوس )) ، وهو رجل واحد ، فلا يتوهمن غير ذلك .\rوقد روي هذا عن عمر من وجه آخر :\rخرجه الإسماعيلي في مسند عمر من طريق عبدة ، عن عبيد الله بن عمر ،عن نافع ، أن رجلا من ثقيف أخبره ، أن عمر بن الخطاب سمع ضحك رجل في المسجد ، فأرسل إليه ، فدعاه ، فقال : ممن أنت ؟ فقال : أنا رجل من أهل الطائف ، فقال : أما إنك لو كنت من أهل البلد لنكلت بك ، أن مسجدنا هذا لا يرفع فيه صوت .\rوقد روي في حديث واثلة المرفوع: (( جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم )).\rخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف جدا .\rوروي عن ابن مسعود، أنه كان يكره أن ترفع الأصوات في المسجد . وقد سبق.","part":3,"page":281},{"id":556,"text":"ورفع الأصوات في المسجد على وجهين :\rأحدهما : أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعليمه ، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه ، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، فهذا كله حسن مأمور به .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب علا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش ، يقول : (( صبحكم ومساكم )) ، وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تسمع قراءته خارج المسجد ، وكان بلال يؤذن بين يديه ويقيم في يوم الجمعة في المسجد .\rوقد كره بعض علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين ، تأدبا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حاضر يسمع ذلك ، فيلزم التأدب معه ، كما لو كان حيا .\rوما لا حاجة إلى الجهر فيه ، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته ، حتى يغلط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي ، فإنه منهي عنه .\rوقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة على أصحابه وهم يصلون في المسجد ويجهرون بالقراءة ، فقال : (( كلكم يناجي ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن .\rوفي رواية : (( فلا يؤذ بعضكم بعضا ، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد .\rوكذلك رفع الصوت بالعلم زائدا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء ، وقد سبق ذكره مستوفى في أوائل (( كتاب : العلم )) في باب رفع الصوت بالعلم .\rالوجه الثاني : رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا ، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة .\rويشبه : إنشاد الضالة في المسجد ، وفي صحيح مسلم ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كراهته والزجر عنه ، من رواية أبي هريرة وبريدة .\rوأشد منه كراهة : رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدين ؛ فإن الله ذم الجدال في الله بغير علم ، والجدال بالباطل ، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه .\rوقد كره مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره .\rورخص أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس ؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه .\rوهذا مبني على جواز القضاء في المساجد . وقد سبق ذكره .\rالحديث الثاني :\rقال البخاري :","part":3,"page":282},{"id":557,"text":"471- حدثنا أحمد : ثنا ابن وهب : اخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عبد الله بن كعب بن مالك ، أن كعب بن مالك اخبره ، أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، فارتفعت اصواتهما حتى سمعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته ، فخرج إليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كشف سجف حجرته ، ونادى كعب بن مالك ، فقال : (( يا كعب )) قال : لبيك يا رسول الله ، فأشار بيده أن (( ضع الشطر من دينك )) . قال كعب : قد فعلت يا رسول الله . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( قم فاقضه )) .\rالبخاري يروي في كتابه هذا عن أحمد - غير منسوب - ، عن ابن وهب ، وقد اختلف فيه :\rفقيل : هو : ابن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي ابن وهب - : قاله أبو أحمد الحاكم وغيره .\rوأنكر آخرون أن يكون يروي عن ابن أخي ابن وهب هذا شيئا في كتابه ؛ فإنه قد كثر الطعن عليه .\rقالوا : ويحتمل أنه أحمد بن صالح المصري الحافظ ، أو أحمد بن عيسى التستري ؛ فإنه روى عنهما صريحا في مواضع . والله أعلم .\rويستدل بهذا الحديث من يجيز رفع الأصوات بالخصومات في المساجد عند الحكام وغيرهم ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر ذلك عليهما ، إنما أصلح بينهما ، وأمر صاحب الحق بأن يضع شيئا منه ، ثم أمر المدين بالقضاء لما بقي عليه ، وهذا إصلاح .\rومن كره ذلك أجاب : بأن ما وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - هو قطع لما وقع بينهما من التشاجر ، ورفع الأصوات في المسجد ، فهو في معنى الإنكار ؛ لأن المقصود من الإنكار إزالة ما ينكر ، وقد حصل بذلك لا سيما والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما خرج من بيته لسماع أصواتهما المرتفعة ، فدل على أنه قصد إزالة ذلك ، ومنعهما منه ، فأزال ذلك وأزال المشاجرة بينهما ، وأصلح ذات بينهما ، وأمر كل واحد منهما بالإحسان إلى صاحبه برفق ورأفة من غير عنف .\rولعل هذين كانا غير عالمين بكراهة رفع الصوت في المسجد ، فلهذا أزال ما وقع منهما من المكروه برفق ورأفة - صلى الله عليه وسلم - تسليما كثيرا .\r\r* * *","part":3,"page":283},{"id":558,"text":"84- باب\rالحلق والجلوس في المسجد\rخرج فيه ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r472- من رواية : عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر : ما ترى في صلاة الليل ؟ قال : ((مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة ، فأوترت له ما صلى)) ، وأنه كان يقول : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به .\rالضمير في : ((أنه كان يقول)) يعود إلى ابن عمر - رضي الله عنهما .\rوالحديث الثاني :\r473- من رواية : أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب ، فقال : كيف صلاة الليل ؟ قال : ((مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة ، توتر لك ما قَدْ صليت)) .\rثم قال : وقال الوليد بن كثير : حدثني عبيد الله بن عبدالله ، أن ابن عمر حدثهم أن رجلا نادى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد .\rوإنما ذكر رواية الوليد بن كثير تعليقا - وقد خرجها مسلم في ((صحيحه)) مسندة - ؛ لأن فيما التصريح بأن ذلك كان في المسجد.\rوفي الروايتين اللتين أسندهما البخاري أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ، وكان أكثر خطبه على المنبر في المسجد ، إلا خطبه في العيدين وفي موسم الحج ونحو ذلك .\rوإنما أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب على المنبر جلس الناس حوله ، واستقبلوه بوجوههم .\rوقد خرج البخاري في ((كتاب : الجمعة)) حديث أبي سعيد ، قال : جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله .\rفكانت خطبه على المنبر مثل حلق الذكر والعلم ، وكان يسأل في حال الخطبة عن مسائل من الدين ، ويجيب عنها ، وقد سبق ذكر ذلك في أول ((كتاب : العلم)) ، وفي آخره - أيضا - في ((باب : ذكر العلم والفتيا في المسجد)) .\rالحديث الثالث :\r474- من رواية : مالك ، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة ، أن أبا مرة مولى عقيل أخبره ، عن أبي واقد الليثي ، قال : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، فأقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذهب واحد ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الآخر فأدبر ذاهبا ، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((ألا أخبركم عن الثلاثة ؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)) .\rوقد سبق في ((كتاب : العلم)) ، واستوفينا الكلام عليه هناك بما فيه كفاية - إن شاء الله تعالى .\r\r* * *","part":3,"page":284},{"id":559,"text":"85- باب\rالاستلقاء في المسجد\r475- حدثنا عبدالله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى .\rوعن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : كان عمر وعثمان يفعلان ذلك .\rهذا الحديث رواه أكابر أصحاب الزهري ، عنه ، عن عباد ، عن عمه .\rوخالفهم عبد العزيز بن الماجشون، فرواه عن الزهري: حدثني محمود بن لبيد ، عن عباد .\rفزاد في إسناده : ((محمود بن لبيد)) ، وهو وهم - : قاله مسلم بن الحجاج ، وأبو بكر الخطيب وغيرهما .\rوعم عباد بن تميم ، هو : عبدالله بن زيد بن عاصم المازني ، صاحب حديث الوضوء .\rوالاستلقاء في المسجد جائز على أي وجه كان، ما لم يكن منبطحا على وجهه ؛ فإنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن ذلك ، وقال : ((إنها ضجعة يبغضها الله عز وجل)) . وقد ذكرنا إسناده في ((باب : النوم في المسجد)) .\rوقد ذكر الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عمر وعثمان ، إنهما كانا يفعلان ذلك .\rوأما الاستلقاء على هذا الوجه ، وهو وضع إحدى الرجلين على الأخرى في المسجد وغيره فقد اختلف فيه :\rفروي كراهته والتغليظ فيه عن كعب بن عجرة ، وأبي سعيد ، وقتادة بن النعمان ، وسعيد بن جبير .\rوقد روي النهي عنه مرفوعا . خرجه مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rويروى -أيضا- من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وأخي أبي سعيد-وهو: قتادة بن النعمان.\rوأما أكثر العلماء ، فرخصوا فيه .\rوممن روي أنه كان يفعله : عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه .\rواختلفوا في أحاديث النهي :\rفمنهم من قال : هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجحه الطحاوي وغيره .\rومنهم من قال : هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته ، أو لم يكن عليه سراويل ، روي ذلك عن الحسن .\rوروي عنه ، أنه قال فيمن كره ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود .\rخرجه الطحاوي .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمر ، عن الزهري ، قال : أخبرني ابن المسيب ، قال : كان ذلك من عمر وعثمان ما لا يحصى منهما . قال الزهري : وجاء الناس بأمر عظيم .\rوقال الحكم : سئل أبو مجلز عن الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى ؟ فقال : لا بأس به ، إنما هذا شيء قاله اليهود : أن الله لما خلق السموات والأرض استراح ، فجلس هذه الجلسة ، فأنزل الله عز وجل : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } [ق:38] .\rخرجه أبو جعفر ابن أبي شيبة في ((تاريخه)) .\rوقد ذكر غير واحد من التابعين : أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود : أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ، منهم : عكرمة وقتادة .","part":3,"page":285},{"id":560,"text":"فهذا كلام أئمة السلف في إنكار ذلك ونسبته إلى اليهود ، وهذا يدل على أن الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعه ، وإنما هو متلقى عن اليهود ، ومن قال : أنه على شرط الشيخين فقد أخطأ .\rوهو من رواية محمد بن فليح بن سليمان ، عن أبيه ، عن سعيد بن الحارث ، عن عبيد بن حنين : سمع قتادة بن النعمان يحدثه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعنى قول أبي مجلز . وفي آخره : وقال عز وجل : ((إنها لا تصلح لبشر)) .\rوعبيد بن حنين ، قيل : أنه لم يسمع من قتادة بن النعمان - قاله البيهقي .\rوفليح ، وإن خرج له البخاري فقد سبق كلام أئمة الحفاظ في تضعيفه ، وكان يحيى بن سعيد يقشعر من أحاديثه ، وقال أبو زرعة - فيما رواه عنه سعيد البرذعي - : فليح واهي الحديث ، وابنه محمد واهي الحديث .\rولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يروي عن ربه أنه قال : ((إنها لا تصلح لبشر)) لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو كان قد انتسخ فعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلم أصحابه به ، وأتبعهم لهديه وسنته .\rوقد روي عن قتادة بن النعمان من وجه أخر منقطع، من رواية سالم أبي النضر، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه -، أنه روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه نهى عن ذلك .\rخرجه الإمام أحمد .\rوهذا محتمل ، كما رواه عنه جابر وغيره .\rفأما هذه الطامة ، فلا تحتمل أصلاً .\rوقد قيل : أن هذه مما اشتبه على بعض الرواة فيه ما قاله بعض اليهود ، فظنه مرفوعاً فرفعه ، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة ، وأنكر ذلك عليهم ، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : إنما حكاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بعض أهل الكتاب .\rفروى مسلم بن الحجاج في ((كتاب التفصيل)) والبيهقي فِي ((المدخل)) من رواية ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن عبدالله بن عروة ، عن عروة ، أن الزبير سمع رجلاً يحدث حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاستمع الزبير له ، حتى إذا قضى الرجل حديثه قال له الزبير :أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ الرَّجُلُ : نَعَمْ . فَقَالَ الزُّبَيْر : هَذَا وأشباهه مِمَّا يمنعنا أن نحدث عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَدْ - لعمري - سَمِعْت هَذَا من\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا يومئذ حاضر ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأ هذا الحديث ، فحدثاه عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه ، فجئت أنت بعد أن تقضى صدر الحديث وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب ، فظننت أنه من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .","part":3,"page":286},{"id":561,"text":"وروى مسلم - أيضا - في ((كتاب التفصيل)) بإسناد صحيح ، عن بكير بن الأشج ، قال : لنا بسر بن سعيد : أيها الناس ، اتقوا الله ، وتحفظوا في الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة ، فيحدثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويحدثنا عن كعب ، ثم يقوم ، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أعلت بأنها موقوفة: إما على عبدالله بن سلام، أو على كعب ، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها ، لطال الأمر .\r\r* * *","part":3,"page":287},{"id":562,"text":"86- باب\rالمسجد يكون في الطريق من غير ضرر للناس فيه\rوبه قال الحسن وأيوب ومالك .\r476- حدثنا يحيى بن بكير : ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : فأخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار بكرة وعشية ، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن ، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، ويعجبون منه ، وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين .\rهذه قطعة من حديث الهجرة الطويل، وقد خرجه بتمامه في ((باب : الهجرة)) .\rوالمقصود منه هاهنا : أن أبا بكر - رضي الله عنه - ابتنى مسجدا بفناء داره بمكة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، وكان يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين بكرة وعشية ، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك على أبي بكر ، ولم يغيره ، فدل على جواز بناء المسجد في الطريق الواسع إذا لم يضر بالناس .\rوقد حكى البخاري جوازه عن الحسن وأيوب ومالك ، وهو - أيضا - قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد -في رواية عنه - ، وأبي حنيفة ، وسليمان بن داود الهاشمي .\rواختلفوا : هل يجوز ذلك بدون إذن الإمام ، أم لا يجوز بدون إذنه ؟ على قولين : أحدهما : أن إذنه معتبر لذلك ، وهو قول الثوري ورواية عن أحمد ، وحكي عن ابن مسعود وقتادة ما يدل عليه ؛ لأن نفع الطريق حق مشترك بين المسلمين ، فلا يجوز تخصيصه بجهة خاصة بدون إذن الإمام كقسمة الأموال المشتركة بين المسلمين .\rوالثاني : لا يعتبر إذن الإمام ، وهو المحكي عن الحسن وأيوب وأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ممن جوزه ، وهو رواية عن أحمد - أيضا - لأن الطريق إذا كان متسعا لا يضر بالمارة بناء مسجد فيه ، فحق الناس في المرور فيه المحتاج إليه باق لم يتغير ، بخلاف قسمة أموال بيت المال ؛ فإن مصارفها كثيرة جدا ، فيرجع فيها إلى اختيار الإمام .\rوعن أحمد رِوَايَة ثالثة: أنه لا يجوز بناء المساجد فِي الطريق بحال ، بل تهدم ولا يصلى فيها .\rفمن أصحابنا من حكاها مطلقة ، ومنهم من خصها بما إذا لم يأذن فيها الإمام ، وهذا أقرب .\rوأجاز الجوزجاني بناء المساجد في الطريق ، بشرط أن يبقى من الطريق بعد المسجد سبعة أذرع .\rونسب ذلك إلى أحمد ، ولا يصح ذلك عن أحمد .\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع )) ، معناه - عند أحمد وأصحابه - : إذا أرادوا أن يحدثوا طريقا في ارض موات أو مملوكة ، وليس معناه - عندهم - أنه يجوز البناء في الطريق الواسع حتى يبقى منه سبعة أذرع ، كما قاله الجوزجاني .\r\r* * *","part":3,"page":288},{"id":563,"text":"87- باب\rالصلاة في مسجد السوق\rوصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب .\rقد سبق ذكر مساجد البيوت والصلاة فيها ، وما ذكره البخاري هناك أن البراء ابن عازب صلى في مسجد بيته جماعة ، وذكرنا قول أحمد ، أنه لا يحصل بالصلاة فيها فضيلة الصلاة في المسجد ، إلا أن يكون يؤذن فيه ويقام ، كأنه يشير إلى أن يكون في حال الصلاة غير ممنوع ، وأن إسحاق قال : لا يحصل بالصلاة فيه جماعة فضل الجماعة في المسجد ، إلا أن يكون له عذر .\rوما حكاه البخاري هنا عن ابن عون ، ظاهره : يدل على حصول فضل الجماعة في المسجد بذلك ، وإن كان مغلقا ، وهو قياس قول من أجاز الاعتكاف فيه ، كما سبق ذكره ، ويحتمل أن يكون ابن عون لا يرى حضور المساجد في الجماعة واجبا ، أو أنه كان لهم عذر . والله أعلم .\rوأما مساجد الأسواق، إذا كانت مسبلة ، فحكمها حكم سائر المساجد المسبلة.\rوقد كره طلحة اليامي الصلاة في مساجد السوق .\rخرجه حرب الكرماني من رواية ليث عنه .\rوكأنه يشير إلى أنه إنما يستحب الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجمع فيه .\rوقد ورد التصريح بفضل الصلاة في مسجد الجامع على الصلاة في مساجد القبائل التي لا يجمع فيها .\rخرجه ابن ماجه : ثنا هشام بن عمار : ثنا أبو الخطاب الدمشقي : ثنا رزيق أبو عبدالله الألهاني ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة )) .\rرزيق الألهاني - بتقديم الراء على الزاي - ، قال أبو زرعة الرازي : لا بأس به . وذكره ابن حبان في (( ثقاته )) وذكره - أيضا في (( الضعفاء )) ، وقال : لا يحتج به .\rوأما أبو الخطاب الدمشقي ، فقيل : اسمه : حماد ، وقع كذلك مصرحا به في ((معجم الطبراني الأوسط)) ، وذكر ابن عدي أنه : معروف الخياط الذي رأى واثلة بن الأسقع ، وأن هشام بن عمار يروي عنه وفيه ضعف .\rوقال ابن ماكولا : اسمه : سلمة بن علي ، كان يسكن اللاذقية ، روى عنه هشام بن عمار والربيع بن نافع . قال : والحديث منكر ، ورجاله مجهولون .\rكذا قال ، وليس فيهم من يجهل حاله سوى أبي الخطاب هذا .\rوقد كان بالمدينة مساجد في قبائل الأنصار، وهي دورهم ، يصلون فيها الجماعات سوى الجمع.\rوروى ابن لهيعة ، أن بكير بن الأشج حدثه ، أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يسمع أهلها تأذين بلال على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيصلون في مساجدهم بني عمرو بن مبذول من بني النجار ، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني رابح من بني عبد الاشهل ، ومسجد بني زريق ، ومسجد بني غفار ، ومسجد أسلم ، ومسجد جهينة . وشك في التاسع .\rخرجه أبو داود في ((المراسيل)) .\rقال البخاري - رحمه الله - :","part":3,"page":289},{"id":564,"text":"477- حدثنا مسدد : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ،\rعن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته\rفي سوقه خمسا وعشرين درجة ، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد\rإلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة حتى\rيدخل المسجد ، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه وتصلي\rالملائكة عليه مادام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ما لم\rيحدث فيه )) .\rوقد خرجه البخاري - أيضا- في موضع أخر من كتابه بزيادة تصريح الأعمش بالسماع له من أبي صالح ، فزال ما كان يتوهم من تدليس الأعمش له .\rوالحديث : نص في أن الصلاة في المسجد تزيد على صلاة المرء في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين درجة ، وهو أعم من أن تكون صلاته في بيته وفي سوقه في جماعة أو منفردا .\rويدل على ذلك : أنه ذكر سبب المضاعفة ، وهو فضل مشيه إلى المسجد على طهارة ، وفضل انتظاره للصلاة حتى تقام ، وفضل قعوده في المسجد حتى يحدث ، وهذا كله لا يوجد شيء منه في صلاته في بيته وفي سوقه .\rلكن المراد - والله أعلم - : صلاته في سوقه في غير مسجد ، فإنه لو صلى في سوقه في مسجد لكان قد حصل له فضل المشي إلى المسجد ، وانتظار الصلاة فيه ، والجلوس فيه بعد الصلاة - أيضا - ، وإن كان المسجد الأعظم يمتاز بكثرة الخطا إليه ، وبكثرة الجماعة فيه ، وذلك يتضاعف به الفضل - أيضا - عند جمهور العلماء ، خلافا لمالك .\rوقد روي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كثر فهو أحب إلى الله )) .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم .\rوقال علي بن المديني : ما أراه إلا صحيحا .\rويفضل - أيضا - المسجد الأعظم بكونه عتيقا :\rقال أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت البناني ، قال كنت اقبل مع أنس بن مالك من الزاوية ، فإذا مر بمسجد قال : أمحدث هذا ؟ فإن قلت : نعم مضى ، وأن قلت : عتيق صلى .\r* * *","part":3,"page":290},{"id":565,"text":"88- باب\rتشبيك الأصابع في المسجد وغيره\rفيه حديثان :\rأحدهما :\rقال :\r481- ثنا خلاد بن يحيى : ثنا سفيان : عن أبي بردة بن عبد الله بن أبي بردة ، عن جده ، عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشد بعضه بعضا)) - وشبك أصابعه .\rليس في هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حينئذ في المسجد ؛ فلهذا بوب على تشبيك الأصابع في المسجد وغيره .\rوهذا التشبيك من النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث كان لمصلحة وفائدة ، لم يكن عبثا ؛ فإنه لما شبه شد المؤمنين بعضهم بعضا بالبنيان ، كان ذلك تشبيها بالقول ، ثم أوضحه بالفعل ، فشبك أصابعه بعضها في بعض ؛ ليتأكد بذلك المثال الذي ضربه لهم بقوله ، ويزداد بيانا وظهورا .\rويفهم من تشبيكه : أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض ، فكما أن أصابع اليدين متعددة فهي ترجع إلى اصل واحد ورجل واحد ، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم فهم يرجعون إلى اصل واحد ، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح ، وأخوة الإيمان .\rوهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث النعمان بن بشير : (( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائره بالحمى والسهر )) .\rخرجاه في الصحيحين .\rوفي رواية : (( المؤمنون كرجل واحد ، أن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )) .\rالحديث الثاني :\r482- ثنا إسحاق : ثنا ابن شميل : أبنا ابن عون : عن ابن سيرين ، عن أبي\rهريرة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين : قد سماها أبو هريرة ، ولكن نسيت أنا - قال : فصلى بنا ركعتين ، ثم سلم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، وشبك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى ، وخرجت السرعان من أبواب المسجد ، فقالوا : قصرت الصلاة ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، وفي القوم رجل في يديه طول ، يقال له : ذو اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ قال : (( لم أنس ، ولم تقصر )) . فقال : (( أكما يقول ذو اليدين ؟ )) قالوا : نعم فتقدم فصلى ما ترك ، ثم سلم ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر .\rفربما سألوه : ثم سلم ؟ فيقول : نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم .\rالمسئول : ((ثم سلم)) ؟ هو ابن سيرين .\rوقد أعاده البخاري في (( أبواب : سجود السهو )) ، ويأتي الكلام عليه هناك مستوفي - إن شاء الله تعالى .\rإنما المقصود في هذا الباب منه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام بعد سلامه من الصلاة إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها ، ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى ، وشبك بين أصابعه ، فدل على جواز تشبيك أصابع اليدين في المسجد لغير حاجة إليه .","part":3,"page":291},{"id":566,"text":"والظاهر : أنه إنما فعله لما غلبه من الهم ؛ فإن ذلك يفعله المهموم كثيرا .\rوقد رخص في التشبيك في المسجد جماعة :\rقال وكيع : ثنا الربيع بن صبيح ، قال رأيت الحسن في المسجد هكذا - وشبك وكيع بين أصابعه .\rوقال حرب : رأيت إسحاق جالسا في المسجد يقرأ وشبك أصابعه .\rوقد روي النهي عن التشبيك في المسجد من رواية مولى لأبي سعيد الخدري ، أنه كان مع سعيد وهو مع رسول الله ، قال : فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرأى رجلا جالسا في وسط المسجد مشبكا أصابعه يحدث نفسه فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يفطن، فالتفت إلى أبي سعيد ، فقال : ((إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه ؛ فإن التشبيك من الشيطان ؛ وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه)) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوفي إسناده عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، ضعفه ابن معين .\rوروي - أيضا - النهي عن تشبيك الأصابع لمن هو ماش إلى المسجد للصلاة فيه ، من حديث كعب بن عجرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ، ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه ؛ فإنه في صلاة )) .\rخرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه .\rوفي إسناده اختلاف كثير واضطراب .\rوقد ذكر أبو بكر الإسماعيلي في ((صحيحه)) المخرج على ((صحيح البخاري )) أن حديث كعب بن عجرة وما في معناه لا ينافي حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، وأنه يمكن الجمع بينهما ، بأنه إنما يكره التشبيك لمن كان في صلاة ، أو حكمه حكم من كان في صلاة ، كمن يمشي إلى المسجد أو يجلس فيه لانتظار الصلاة ، فأما من قام من الصلاة وانصرف منها ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سلم من ركعتين وقام إلى الخشبة المعترضة ، فإنه صار منصرفا من الصلاة لا منتظرا لها ، فلا يضره التشبيك\rحينئذ .\rقال : وقد قيل إن من كان في صلاة ومنتظرا الصلاة في جماعة فهم على ائتلاف ، فإذا شبك لم يؤمن أن يتطير بهم عدوهم ، بأنهم سيختلفون ، ألا تراه في حديث عبد الله بن عمرو يقول :(( مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا وصاروا هكذا )) - وشبك بين أصابعه ، ولم يؤمن أن يكون ذلك سببا أو أمارة لاختلاف فهم ، كما أمرهم بأن يستووا في صفوفهم ، وقال : (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم )) . انتهى ما ذكره .\rوهو مناسبة بعيدة جدا ؛ فإن التشبيك كما مثل به الاختلاف والافتراق فقد مثل به الائتلاف والتعاون والتناصر ، كما في حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري في أول الباب ، فليس كراهته لمشابهته لمثل الافتراق بأولى من عدم كراهته لمشابهته لمثل التعاون والتعاضد والتناصر .\rومثل هذه المعاني توجد كثيرا في كتب شروح الحديث المتأخرة، وأكثرها مدخول، ولم يكن علماء سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك ، وكذلك لم أستكثر من ذكر مثله في هذا الكتاب ، وإنما ذكرت هذا لأن الإسماعيلي مع تقدمه ذكره في ((صحيحه)) ، ونبهت على ما فيه .","part":3,"page":292},{"id":567,"text":"وجمع الخطابي في ((الأعلام)) بين حديث كعب بن عجرة في النهي وحديث أبي هريرة في فعل التشبيك ، بأن النهي إنما يحمل على الاحتباء بالتشبيك للأصابع ؛ لأنه يجلب النوم الناقض للوضوء ، وما سواه فمباح .\rفخص الكراهة بحالة الاحتباء ، وهذا في غاية البعد ؛ لأن حديث كعب فيه\rالنهي عن التشبيك للعامد إلى المسجد ، والمراد به الماشي إليه ، والماشي لا يحتبي ،\rوقد ورد مصرحا بذلك في رواية خرجها مسلم في كتاب ((العلل)) له عن أبي ثمامة القماح ، قال : لقيني كعب بن عجرة وأنا رائح إلى المسجد مشبك بين أصابعي ، فضرب يدي ضربة ففرق بينهما ، وقال : نهينا أن نشبك بين أصابعنا في الصلاة . فقلت: إني لست في صلاة. فقال : أن الرجل إذا توضأ فأحسن وضوءه ، ثم خرج يؤم المسجد فهو في صلاة .\rوخرجه أبو داود بمعناه ، إلا أنه لم يذكر قوله : ((إني لست في صلاة)) ، وصرح برفع آخر الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوأعل محمد بن يحيى الهمداني في ((صحيحه)) حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، وقال : ذكر تشبيك الأصابع ووضع الخد لا أعلم ذكره غير النضر - يعني : ابن شميل - ، عن ابن عون .\rوأما تشبيك الأصابع في الصلاة فمكروه .\rوقد خرج ابن ماجه حديث كعب بن عجرة المتقدم ، ولفظه : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا قد شبك بين أصابعه في الصلاة ، ففرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصابعه .\rوخرج وكيع ، عن عاصم بن محمد العمري ، عن ابن المنكدر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه ، مرسلا .\rوخرج أبو داود بإسناده عن نافع ، أنه سئل عن الرجل يصلي وهو مشبك\rأصابعه ؟ فقال : قال ابن عمر : تلك صلاة المغضوب عليهم .\rوكرهه طاوس والنخعي .\rوقال النعمان بن أبي عياش : كانوا ينهون عن ذلك .\rوكلام ابن عمر يدل على أنه كره لما فيه من مشابهة أهل الكتاب ، وهو -أيضا- من نوع العبث الذي تنزه عنه الصلاة ، ومثله تفقيع الأصابع .\rوقد روى الحارث ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه أن يفقع أصابعه في الصلاة .\rوخرجه ابن ماجه .\rوخرج الإمام أحمد من رواية زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إن الضاحك في الصلاة ، والملتفت ، والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة)) .\rوزبان وسهل ، فيهما ضعف .\rوفيه إشارة إلى أن ذلك كله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة .\r89- باب\rالمساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي\rصلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -\rخرج فيه حديثين :\rأحدهما :\rقال :\r483- ثنا محمد بن بكر المقدمي : ثنا فضيل بن سليمان : ثنا موسى بن عقبة ، قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها ، وأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في تلك الأمكنة .\rوحدثني نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلي في تلك الأمكنة .","part":3,"page":293},{"id":568,"text":"وسألت سالما ، ولا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها ، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء .\rقد ذكرنا فيما سبق في ((باب : اتخاذ المساجد في البيوت)) حكم أتباع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والصلاة في مواضع صلاته ، وأن ابن عمر كان يفعل ذلك ، وكذلك ابنه سالم .\rوقد رخص أحمد في ذلك على ما فعله ابن عمر ، وكره ما أحدثه الناس بعد ذلك من الغلو والإفراط ، والأشياء المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة .\rوقد كان ابن عمر مشهورا بتتبع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن ذلك صلاته في المواضع التي كان يصلي فيها .\rوهي على نوعين :\rأحدهما : ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصده للصلاة فيه ، كمسجد قباء ، ويأتي ذكره في موضعه من ((الكتاب)) - إن شاء الله تعالى .\rوالثاني : ما صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - اتفاقا لإدراك الصلاة له عنده ، فهذا هو الذي اختص ابن عمر بأتباعه .\rوقد روى ابن سعد : أنا معن بن عيسى : ثنا عبد الله بن المؤمل ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : ما كان أحد يتبع آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - في منازله ، كما كان ابن عمر يتبعه .\rوروى أبو نعيم من رواية خارجة بن مصعب ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، قال : لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر النبي - صلى الله عليه وسلم - لقلت : هذا مجنون .\rومن طريق عاصم الأحول ، عمن حدثه ، قال : كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئا من تتبعه آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومن طريق أبي مودود ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها ، ويقول : لعل خفا يقع على خف - يعني : خف راحلة النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rوالمسجد الذي وقع فيه الاختلاف بشرف الروحاء ، والروحاء من الفرع ، بينها وبين المدينة مرحلتان ، يقال : بينهما أربعون ميلا ، وقيل ثلاثون ميلا .\rوفي ((صحيح مسلم)) : بينهما ستة وثلاثون ميلا .\rيقال : أنه نزل بها تبع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة، فأقام بها وأراح ، فسماها : الروحاء .\rوقيل : إن بها قبر مضر بن نزار .\rوقد روى الزبير بن بكار بإسناد له ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : صلى بشرف الروحاء ، عن يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، وعن يسارها وأنت مقبل من مكة .\rودون هذا الشرف الذي به هذا المسجد موضع يقال له : ((السيالة)) ، ضبطها صاحب ((معجم البلدان)) بتخفيف الياء ، كان قرية مسكونة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبها آثار البناء والأسواق ، وآخرها شرف الروحاء ، والمسجد المذكور عنده قبور عتيقة ، كانت مدفن أهل السيالة ، ثم تهبط منه في وادي الروحاء ، ويعرف اليوم بوادي بني سالم .\rالحديث الثاني :\rهو حديث طويل ، فنذكره قطعا قطعا ، ونشرح كل قطعة منه بانفرادها :\rقال البخاري - رحمه الله - :","part":3,"page":294},{"id":569,"text":"484- حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي : ثنا أنس بن عياض: ثنا موسى بن\rعقبة ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزوة ، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط بطن واد ، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فعرس ثم حتى يصبح ، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد ، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يصلي ، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه .\rذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، وهي ميقات أهل المدينة ، وتسمى - أيضا - : الشجرة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع ، وقد اعتمر منها مرتين : عمرة الحديبية ، وعمرة القضية .\rوقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان ينزل بها تحت سمرة في موضع المسجد الذي بني بها ، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيا ، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرم منها ، وكان يصلي بها في موضع المسجد .\rوقد روي أنه صلى في المسجد ، ولعل المراد في بقعته وأرضه ، قبل أن يجعل مسجدا ، حتى يجمع بذلك بين الحديثين .\rوقد خرج البخاري في ((الحج)) عن إبراهيم بن المنذر - أيضا - ، عن أنس ابن عياض ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة\rوخرج مسلم من حديث الزهري ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل بذي الحليفة مبدأه ، وصلى في مسجدها .\rومن حديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل .\rوفي ((الصحيحين)) من حديث مالك ، عن موسى بن عقبة، عن سالم ، عن أبيه ، قال : ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من عند المسجد - يعني : مسجد ذي الحليفة .\rوفي رواية لمسلم من رواية حاتم بن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة : إلا من عند الشجرة .\rوخرج البخاري - أيضا - في ((الحج)) من حديث عمر بن الخطاب ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوادي العقيق يقول : ((أتاني الليلة آت من ربي عز وجل ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ؛ وقل : عمرة في حجة)) .\rووادي العقيق متصل بذي الحليفة .\rفهذا كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفره إلى مكة .","part":3,"page":295},{"id":570,"text":"فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة ، أو من غزاة في تلك الجهة ، فإنه كان يهبط بطن واد هنالك ، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فيعرس هناك حتى يصبح .\rقال الخطابي : التعريس : نزول استراحة بغير إقامة ، وفي الأكثر يكون آخر الليل ، ينْزلون فينامون نومة خفيفة ، ثم يرتحلون.\rقال : والبطحاء : حجارة ورمل .\rقلت : المراد بالتعريس هنا : نومة حتى يصبح .\rوقد خرجه البخاري في ((الحج)) عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي ، وبات حتى يصبح .\rوخرج فيه - أيضا - من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها ، وكان عبد الله يفعل ذلك .\rومن طريق موسى بن عقبة ، قال : حدثني سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رئي وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي ، قيل له : إنك ببطحاء مباركة . وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرى معرس النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي ، بينه وبين الطريق وسط من ذلك .\rوقد خرجه مسلم مع حديث مالك الذي قبله ، وخرج حديث أنس بن عياض بلفظ أخر .\rفظهر من هذه الأحاديث كلها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبيت بالمعرس ، وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي هناك ، وأنه كان هناك مسجد قد بني ولم يكن في موضع صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل كان قريباً منه .\rوفي حديث سالم : أن المسجد كان ببطن الوادي ، وفي حديث موسى بن عقبة بن نافع -الطويل الذي خرجه البخاري هنا - ، أنه كان مبنياً بحجارة على أكمة ، وفي حديثه : أنه كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده ، في بطنه كثب ، كان النبي- صلى الله عليه وسلم - ثم\rيصلي .\rقال الخطابي : الخليج : واد له عمق ، ينشق من آخر أعظم منه . والكثب : جمع كثيب ، وهو ما غلظ وأرتفع عن وجه الأرض .\rوقوله : ((فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه)) .\rقال الخطابي : معنى ((دحا السيل)) : سواه بما حمل من البطحاء. والبطحاء : حجارة ورمل .\rوهذه الصلاة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية إنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح .\rوقد خرجه الأمام أحمد عن موسى بن قرة ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن\rعبد الله حدثه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح .\rقال ابن عبد البر في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل : هذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس .","part":3,"page":296},{"id":571,"text":"قال مالك في ((الموطإ)) : لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي\rفيه ، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له ؛ لأنه بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرس به ، وأن ابن عمر أناخ به .\rقال ابن عبد البر : واستحبه الشافعي ، ولم يأمر به .\rوقال أبو حنيفة : من مر بالمعرس من ذي الحليفة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل ، وليس ذلك عليه .\rوقال محمد بن الحسن : وهو عندنا من المنازل التي نزلها رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في طريق مكة ، وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره ، فلذلك كان ينزل بالمعرس ، لا أنه كان يراه واجباً ولا سنة على الناس . قال ولو كان واجباً أو سنه من سنن الحج لكان سائر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقفون وينزلون ويصلون، ولم يكن ابن عمر ينفرد بذلك دونهم .\rوقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : ليس نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالمعرس كسائر نزوله بطريق مكة ؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه ، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة . قال : ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه .\rوذكر حديث موسى بن عقبه ، عن نافع ، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه ، فقال له : ما حسبك ؟ فذكر عذراً ، قال : ما ظننت انك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضرباً . انتهى.\rوفي قوله : ((أنه صلى بالمعرس نافلة)) نظر ، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح .\rوظاهر كلام أحمد : استحباب الصلاة بالمعرس ، فإنه قال في رواية صالح : كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا صلى فيه، حتى أنه صب الماء في أصل شجرة، فكان ابن عمر يصب الماء في أصلها .\rوإنما أخرج أحمد ذلك مخرج الاحتجاج به ؛ فإنه في أول هذه الرواية استحب ما كان ابن عمر يفعله من مسح منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومقعده منه .\rوقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق ويرجع في غيره ، كما كان يفعل ذلك في العيدين ، وكما كان يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها .\rوقد خرج البخاري في ((الحج)) من حديث ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس .\rوخرجه مسلم - أيضا .\rوهذا يدل على أن موضع الشجرة -وهو مسجد ذي الحليفة- غير طريق المعرس ، والذي كان يرجع منه .\rوخرج البزار نحوه من حديث أبي هريرة .\rثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرجه البخاري هاهنا :","part":3,"page":297},{"id":572,"text":"485- وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يقول ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي ، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى ، وأنت ذاهب إلى مكة ، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر ، أو نحو ذلك .\rهذا هو المسجد الذي اختلف فيه سالم ونافع ، كما ذكرناه في شرح الحديث الأول .\rوهذا الحديث : يدل على أن بالروحاء مسجدين : كبير وصغير ، فالكبير بشرف الروحاء ، ولم يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده ، إنما صلى موضع الصغير عن يمين ذلك المسجد ، وأن بين المسجدين رمية بحجر .\rثم رجعنا إلى بقية الحديث .\r486- وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء ، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق ، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف ، وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتني ثم مسجد ، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد ، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه ، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان ، فيصلي فيه الظهر ، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح .\rقال الخطابي : العرق : جبيل صغير .\rومنصرف الروحاء : المنصرف - بفتح الراء - ، ويقال : أن بينه وبين بدر أربعة برد ، والمسجد المبني هناك ، قيل : أنه في آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل على يسار الذاهب إلى مكة . وقيل : أنه لم يبق منه زمان إلا آثار يسيرة ، وأنه كان يعرف حينئذ بمسجد الغزالة .\rوذكروا : أن عن يمين الطريق لمن كان بهذا المسجد وهو مستقبل النازية موضع كان ابن عمر ينزل فيه ، ويقول : هذا منزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ثم شجرة ، كان ابن عمر إذا نزل وتوضأ صب فضل وضوئه في أصلها ، ويقول : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل.\rوالنازية : قال صاحب ((معجم البلدان)) : - بالزاي وتخفيف الياء - : عين على طريق لآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء ، وهي إلى المدينة أقرب .\rولم يصرح ابن عمر في صلاته إلى هذا العرق بأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إليه ، ولكن محافظته على الصلاة في هذا المكان ذاهبا وراجعا وتعريسه به حتى يصلي به يدل على أنه إنما فعل ذلك إقتداء بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه .\rثم رجعنا إلى بقية الحديث :\r487- وأن عبد الله حدثه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ، ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وهي قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة .\rالسرحة : شجرة ، وتجمع على سرح كتمرة وتمر، وهو ضرب من الشجر له ثمر ، وقيل : هي شجرة بيضاء . وقيل : كل شجرة طويلة سرحة .","part":3,"page":298},{"id":573,"text":"وقال إبراهيم الحربي : السرح شجر كبار طوال لا ترعى ، يستظل به ، لا ينبت في رمل أبدا ، ولا جبل ، ولا تأكله الماشية إلا قليلا ، له غصن اصفر .\rوقد وصفها بأنها ضخمة - أي : عظيمة -، وأنه انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وأنها قائمة على ساق ، وفي كثب كثيرة .\rوقد سبق أن الكثب جمع كثيب ، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض .\rوالبطح : الواسع . والرويثة مكان معروف بين مكة والمدينة .\rوأما مكان هذه السرحة ، فلا يعرف منذ زمان ، وقد ذكر ذلك بعض من صنف في أخبار المدينة بعد السبعمائة ، وذكر أنه لا يعرف في يومه ذاك من هذه المساجد المذكورة في هذا الحديث سوى مسجد الروحاء ومسجد الغزالة ، وذكر معهما مسجدا ثالثا ، وزعم أنه معروف - أيضا - بالروحاء ، عند عرق الظبية ، عند جبل ورقان ، وذكر فيه حديثا رواه الزبير بن بكار بإسناد ضعيف جدا ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا )) . وهذا لا يثبت ، ولعله أحد المسجدين بالروحاء ، وقد تقدم ذكرهما .\rثم رجعنا إلى بقية الحديث :\r488- وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في طرف تلعة من وراء العرج كبيرة ، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة ، على القبور رضم من حجارة ، عن يمين الطريق عند سلمات الطريق ، بين أولئك السلمات كان\rعبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة ، فيصلي الظهر في ذلك المسجد .\rوفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث زيادة في هذا بعد قوله : ((وأنت ذاهب على راس خمسة أميال من العرج فِي مسجد إلى هضبة )) - وذكر باقيه .\rوالتلعة : المكان المرتفع من الأرض .\rقال الخطابي : التلعة مسيل الماء من فوق لأسفل . قال : والهضبة فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل. والرضم : حجارة كبار واحدتها رضمة . والسلمات : جمع سلمة، وهي شجرة ورقها القرظ الذي يدبغ به الأدم . وقيل : السلم يشبه القرظ وليس به . انتهى ما ذكره .\rوحكى غيره أن الهضبة كل جبل خلق من صخرة واحدة وكل صخرة راسية تسمى هضبة ، وجمعها هضاب - : قاله الخليل .\rوقال الأصمعي : الهضبة : الجبل المنبسط على الأرض . والسلمات - بالفتح - : شجر ، والسلمات بالكسر - : حجارة . والرضم والرضام : دون الهضاب - : قاله أبو عمرو . والوحدة منها رضمة . والعرج : مكان معروف بين مكة والمدينة ؛ يقال : أنه عقبة .\rرجعنا إلى بقية الحديث :\r489- وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل عند سرحات عن يسار الطريق ، في مسيل دون هرشي ، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشي ، بينه وبين الطريق قريب من غلوة ، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي اقرب السرحات إلى الطريق ، وهي أطولهن .\rقال الخطابي : هرشي : ثنية معروفة ، وكراعها : ما يمتد منها دون سفحها .\rوقال غيره : الغلوة - بفتح الغين المعجمة - : قدر رمية بعيدة بسهم أو حجر .","part":3,"page":299},{"id":574,"text":"وعند الإمام أحمد في حديث ابن عمر هذا ، في هذا الموضع زيادة : (( غلوة\rسهم )) .\rوقال صاحب (( معجم البلدان )) هرشي : ثنية في طريق مكة ، قريبة من\rالجحفة ، يرى منها البحر ولها طريقان ، فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد .\rوفي صحيح مسلم عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بوادي الأزرق ، فقال : (( أي واد هذا ؟ )) قالوا : وادي الأزرق . قال : ((كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية)) ، ثم أتى على ثنية هرشي ، فقال : (( أي ثنية هذا ؟ )) قالوا : هرشي . قال : (( كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة ، عليه جبة من صوف ، خطام ناقته خلبة ، وهو يلبي )) .\rقال هشيم : يعني : ليفا .\rرجعنا إلى بقية الحديث :\r490- وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق ، وأنت ذاهب إلى مكة ، ليس بين منزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الطريق إلا رمية بحجر .\rمر الظهران : معروف قريب من مكة ويسمى بطن مر .\rوالصفراوات : موضع قريب منه بينه وبين عسفان .\rرجعنا إلى بقية الحديث :\r491- وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل بذي طوى ، ويبيت حتى يصبح ، يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك على أكمة غليظة ، ليس في المسجد الذي بني ثم ، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة .\rهذه القطعة من هذا الحديث خرجها مسلم في ((صحيحه)) عن محمد بن إسحاق المسيبي ، عن أبي ضمرة أنس بن عياض ، بإسناد البخاري .\rوذو طوى : يروى بضم الطاء وكسرها وفتحها ، وهو واد معروف بمكة بين الثنيتين ، وتسمى أحداهما : ثنية المدنيين ، تشرف على مقبرة مكة ، وثنية تهبط على جبل يسمى : الحصحاص ، بحاء مهملة وصادين مهملين .\rوكان بذي طوى مسجد بني بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه ، وإنما صلى أسفل منه على أكمة غليظة .\rوذكر الأزرقي في (( أخبار مكة )) أن المسجد بنته زبيدة .\rوخرج من طريق مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عم موسى بن عقبة ، أن نافعا حدثه ، أن ابن عمر اخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل بذي طوى حين يعتمر وفي حجته حين حج ، تحت سمرة في موضع المسجد .","part":3,"page":300},{"id":575,"text":"قال ابن جريج : وحدثني نافع ، أن ابن عمر حدثه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل ذا طوى فيبيت به حتى يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك على أكمة غليظة الذي بالمسجد الذي بني ثم ، ولكنه أسفل من الجبل الطويل الذي قبل مكة ، تجعل المسجد الذي بني يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة اذرع ونحوها بيمين ، ثم تصلى مستقبل الفرضتين من الجبل الطويل الذي بينه وبين الكعبة .\rكذا ذكره الأزرقي .\rومسلم بن خالد ، لم يكن بالحافظ .\rوهذا إنما يعرف عن موسى بن عقبة عن نافع ، فجعله عن ابن جريج ، عنه .\rوبقي من الحديث الذي خرجه البخاري :\r492- وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة ، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة .\rوهذه القطعة خرجها - أيضا - مسلم عن المسيبي ، عن أبي ضمرة ، وأعاد إسنادها بعد تخريج القطعة التي قبلها .\rوهذا كله يوهم أن هذه صفة موضع آخر صلى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل دخوله مكة ، وليس كذلك ، وإنما هو من تمام صفة موضع صلاته بذي طوى كما ساقه الأزرقي في رواية .\rوالظاهر : أنه هناك مسجدان مبنيان بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يعرف منهما اليوم شيء .\rوفرضة الجبل - بضم الفاء - مدخل الطريق إليه ؛ وأصله مأخوذ من الفرض وهو القطع غير البليغ - : قاله الخطابي .\rوفي مبيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي طوى ، وصلاته الصبح في هذا المكان: دليل على أن من كان قادرا على الدخول إلى مكة معاينة الكعبة فله أن يصلي خارجا منها بغير معاينة ، وأن من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل أصلي كالجبل فله أن يصلي بالاجتهاد إلى الكعبة ، ولا يلزمه أن يعلو فوق الجبال حتى يشهد الكعبة؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة.\rوهذا قول أصحابنا والشافعية ، ولا نعلم فيه خلافا .\rوهذا (( أخر أبواب المساجد )) ، وبعدها (( أبواب السترة )) ، وما يصلى إليه ، والمرور بين يدي المصلي ، ونحو ذلك .\r\r* * *","part":3,"page":301},{"id":576,"text":"90- باب\rسترة الإمام سترة لمن خلفه\rخرج فيه ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\rقال :\r493- ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس ، أنه قال : أقبلت راكبا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد.\rوقد خرجه - أيضا - في ((كتاب العلم)) عن إسماعيل ، عن مالك.\rوخرجه في آخر ((المغازي)) في ((باب : حجة الوداع)) عن يحيى بن قزعة ، عن مالك .\rوذكره تعليقا ، قال : وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله ، أن ابن عباس أخبره ، أنه أقبل يسير على حمار ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس ، فسار الحمار بين يدي بعض الصف ، ثم نزل عنه فصف مع الناس .\rولكن هذا لفظ رواية يونس .\rوقد خرجه به مسلم في ((صحيحه)) من طريق ابن وهب ، عنه.\rوخرجه مسلم - أيضا - من طريق ابن عينية ، عن الزهري ، وقال : والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بعرفة.\rومن طريق معمر ، عن الزهري ، ولم يذكر فيه : منى ولا عرفة ، وقال في حجة الوداع - أو يوم الفتح .\rواقتصر من حديث ابن عيينة ومعمر على هذا .\rوذكر يوم الفتح لا وجه له ؛ فإن ابن عباس لم يكن قد ناهز يومئذ الاحتلام ، ولا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي يومئذ بمنى ولا عرفة .\rوفي رواية ابن عيينة : جئت أنا والفضل على أتان لنا .\rوفي رواية - أيضا - فلم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنا شيئا .\rوقد خرجه النسائي بتمامه هكذا .\rوخرج الترمذي حديث معمر بتمامه ، ولفظه : كنت رديف الفضل على أتان ، فجئنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه بمنى ، فنزلنا عنها ، فوصلنا الصف ، فمرت بين أيديهم، فلم تقطع صلاتهم.\rففي هذه الروايات : أن ابن عباس مر على حماره بين يدي بعض الصف والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس ، فلم ينكر ذلك عليه أحد ، لا النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد ممن صلى خلفه .\rوبهذا استدل البخاري وغيره من العلماء على أن سترة الإمام سترة لمن خلف ؛ لأن سترة الإمام إذا كَانَتْ محفوظة كفى ذَلِكَ المأمومين ، ولم يضرهم مرور من مر بَيْن\rأيديهم ؛ ولذلك لا يشرع للمأمومين اتخاذ سترة لهم وهم خلف الإمام .\rولا نعلم أحدا ذكر في حديث ابن عباس : ((إلى غير جدار)) غير مالك . وقد خرجه في ((الموطإ)) في موضعين ، ذكر في أحدهما هذه الكلمة ، وأسقطها في الأخرى .\rوقد قال الشافعي: قول ابن عباس : ((إلى غير جدار)) ، أراد - والله أعلم - : إلى غير سترة.\rواستدل بذلك على أن السترة غير واجبة في الصلاة .","part":3,"page":302},{"id":577,"text":"وحمله غيره على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى عنزة ، فإن هذه كانت عادته في الأسفار ، على ما يأتي - إن شاء الله تعالى .\rفكلام البخاري قد يدل على هذا ؛ لإدخاله هذا الحديث في أن سترة الإمام سترة لمن خلفه .\rوحمله الإمام أحمد - في رواية ابن منصور والأثرم - على مثل هذا .\rلكن البخاري قد خرج الحديث ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى غير جدار ، كما تقدم ، إلا أن يقال : لا يلزم من عدم الجدار نفي استتاره بحربة ونحوها .\rوقد ذكر الأثرم أن ابن أخي الزهري روى هذا الحديث عن الزهري ، وذكر فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى غير سترة .\rوقد روي عن الإمام أحمد مثل قول الشافعي ، وأنه حمل الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى غير سترة - : نقله عنه الحسن بن ثواب.\rواستدل بالحديث - في رواية جماعة من أصحابه عنه - على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع صلاته ، وعارض به حديث أبي ذر .\rوهذا إنما يكون إذا كان يصلي إلى غير سترة .\rوقد ورد في رواية التصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى غير سترة . وفي حديث آخر التصريح بأن ابن عباس مر بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rفأما الأول ، فمن طريق الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن أبي الصهباء ، قال : تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس ، قال : جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فنزل ونزلت وتركنا الحمار أمام الصف ، فما بالاه ، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب فدخلتا بين الصف ، فما بالى ذلك .\rخرجه أبو داود - وهذا لفظه - ، والنسائي .\rوخرجه الأثرم ، وعنده : ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في أرض خلاء.\rوخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) من طريق شعبة ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في فضاء ليس بين يديه سترة .\rوقد ذكره الإمام أحمد بهذا اللفظ من حديث شعبة ، واحتج به ، ولم نجده في ((المسند)) بهذا اللفظ .\rوذكر الأثرم أن شعبة ومنصورا رويا في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في فضاء من الأرض ، ليس بين يديه سترة ، ولعل هذا مما تصرفوا في لفظه لما فهموه من معناه ، هكذا رواه شعبة ومنصور ، عن الحكم ، عن يحيى ، عن صهيب .\rورواه شعبة - أيضا - عن عمرو بن مرة ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن عباس - من غير ذكر : ((صهيب)) في إسناده .\rخرجه الإمام أحمد كذلك .\rوقد روي عن منصور ، عن الحكم كذلك - أيضا .\rخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) كذلك .\rورواه حجاج ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، عن ابن عباس - من غير ذكر : ((أبي الصهباء)) - أيضا - ولفظ حديثه : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فضاء ، ليس بين يديه شيء - ولم يزد على ذلك .\rخرجه من طريقه الإمام أحمد .","part":3,"page":303},{"id":578,"text":"وأبو الصهباء ، اسمه : صهيب المدني ، وهو ثقة ، وثقه أبو زرعة وغيره . ويقال أنه البكري ، وهو مدني ، لكن سئل عن صهيب هذا ، فقال : شيخ من أهل البصرة . وهذا يدل على أنه غير المدني .\rوصحح أبو حاتم الرازي - فيما نقله عنه ابنه - كلا القولين : إدخال صهيب في إسناده ، وإسقاطه .\rوفي ((مسند الإمام أحمد)) : أن يحيى بن الجزار لم يسمعه من ابن عباس .\rوالظاهر : أن ذلك من قول شعبة .\rوكلام أحمد يدل على أن الصحيح دخوله في الإسناد .\rوذكر الإمام أحمد هذا الحديث ، واستدل به على أن الصلاة إلى غير سترة صحيحة ، وقال : ليس هو بذاك .\rيعني : من جهة إسناده ، ولعله رأى أن صهيبا هذا غير معروف ، وليس هو بأبي الصهباء البكري مولى ابن عباس ؛ فإن ذاك مدني.\rوأما الثاني : فمن طريق ابن جُرَيْج : حَدَّثَنِي عَبْد الكريم الجزري ، أن مجاهدا\rأخبره ، عن ابن عباس ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا والفضل على أتان ، فمررنا بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة وهو يصلي المكتوبة ، ليس شيء يستره ، يحول بيننا وبينه .\rخرجه البزار .\rوخرج الإمام أحمد من طريق ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قال : جئت أنا والفضل على حمار ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس في فضاء من الأرض ، فمررنا بين يديه ونحن عليه ، حتى جاوزنا عامة الصف ، فما نهانا ولا ردنا .\rوشعبة هذا ، تكلم فيه .\rفعلى تقدير أن يكون ابن عباس مر بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي إلى غير سترة ، فإنه يحمل على أنه مر بين يديه من بعد ؛ فإنه لا يظن بالفضل وأخيه أن يمرا على حمار بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقرب منه ، وإذا كان مرورهما بين يديه متباعدا فإنه لا يضر ، ومرورهما على هذه الحال وجوده كعدمه .\rوعلى تقدير أن يكونا لم يمرا إلا بين يدي بعض الصف ، ولم يمرا بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والروايات الصحيحة إنما تدل على ذلك فمع ما علم من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاته إلى العنزة في أسفاره .\rوقد روي ذلك من حديث ابن عباس - أيضا .\rخرجه الإمام أحمد : ثنا يزيد بن أبي حكيم : حدثني الحكم بن أبان ، قال : سمعت عكرمة يقول : قال ابن عباس قال : ركزت العنزة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات ، فصلى والحمار من وراء العنزة.\rوالظاهر : أنه أشار إلى مروره على الحمار بين يديه ، فيستدل بالحديث حينئذ على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ، كما استدل به البخاري .\rوسواء كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ يصلي إلى سترة أو إلى غير سترة ؛ لأن قبلته كانت محفوظة عن المرور فيها ، وكان هو - صلى الله عليه وسلم - سترة لمن وراءه ؛ فلذلك لم يضرهم مرور الحمار بين أيديهم .\rوهذا قول جمهور العلماء : إن سترة الإمام سترة لمن خلفه .\rقال ابن المنذر: روي ذلك عن ابن عمر ، وبه قال النخعي ومالك والأوزاعي واحمد . انتهى .","part":3,"page":304},{"id":579,"text":"وروي - أيضا - عن أبي قلابة وعن الشعبي .\rوروي عنه ، عن مسروق .\rولكن أنكره الإمام أحمد ، وذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن فقهاء المدينة السبعة في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل ثقة وفضل ، وهو قول الثوري .\rوقد روي فيه حديث مرفوع :\rخرجه الطبراني من رواية سويد بن عبد العزيز ، عن عاصم الأحول ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((سترة الإمام سترة لمن خلفه)) .\rولكن لا يصح ؛ وسويد هذا ضعيف جدا .\rوقد أنكر الإمام أحمد عليه أنه روى عن حصين ، عن الشعبي ، عن مسروق أنه قال : سترة الإمام سترة لمن خلفه ، وقال : إنما هو قول الشعبي . فكيف لو سمع أنه روى ذلك بإسناد له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟\rومنهم من قال : الإمام سترة لمن خلفه ، وهو قول طائفة من أصحاب مالك .\rومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه : أن المأمومين لا يشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة إمامهم ، وأنه لا يضرهم من مر بين أيديهم إذا لم يمر بين يدي إمامهم .\rويدل على ذلك - أيضا - : ما روى هشام بن الغاز ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : هبطنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثنية أذاخر ، فحضرت الصلاة - يعني : إلى جدر - فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدر ، ومرت من ورائه .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rوهذا يدل على أن المرور بين الإمام وسترته محذور ، بخلاف المرور بين يدي من خلفه ، إذا كانت سترة الإمام محفوظة .\rوأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة إمامهم محفوظة ففيه قولان :\rأحدهما : أنه منهي عنه - أيضا - نص عليه في رواية الأثرم ، في الرجل يكون خلف الإمام وبين يديه صف ، فيكون في الصف الذي بين يديه خلل عن يساره ليس هو بحذائه ، أيمشي إليه فيسده ؟ قال: إن كان بحذائه فعل فأما أن يمشي معترضا فيؤذي الذي إلى جنبه ويمر بين يديه فلا.\rوهذا يدل على أن المشي بين يدي المأمومين داخل في النهي .\rومن أصحابنا من حمل ذلك على كراهة التنزيه ،بخلاف المشي بين الإمام والمنفرد .\rوالكراهة قول أصحاب الشافعي - أيضا - وسيأتي عن الشافعي ما يدل عليه .\rوقال سفيان : لا يعجبني ذلك .\rوذكر مالك في (( الموطإ )) أنه بلغه ، أن ابن عمر كان يكره أن يمر بين يدي النساء وهن يصلين .\rوحمله بعضهم على كراهة المرور بين يدي صفوف النساء في مؤخرة المسجد إذا صلين مع الإمام .\rوالقول الثاني : جوازه من غير كراهة ، وأنه غير داخل في النهي ، وقد حكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد ، إذا كان مشيه لحاجة ؛ كمشيه إلى فرجة في الصف ، أو إذا لم يجد موضعا يصلي قيه .\rوهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا ؛ فإنهم استدلوا بحديث ابن عباس على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه ، وجعلوا عدم الإنكار على ابن عباس دليلا على ذلك .\rوكلام ابن عباس يدل عليه - أيضا - فإنه استدل بعدم الإنكار على الجواز .","part":3,"page":305},{"id":580,"text":"وهو مستلزم لعدم بطلان الصلاة ، وهذا مذهب مالك وأصحابه .\rذكر مالك في ((الموطإ)) : ((باب : الرخصة في المرور بين يدي المصلي)) ، وخرج فيه حديث ابن عباس هذا ، ثم قال : بلغني أن سعد بن وقاص كان يمر بين يدي بعض الصفوف والصلاة قائمة.\rقال مالك : وأنا أرى ذلك واسعا ، إذا أقيمت الصلاة بعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلا إلى المسجد إلا بين الصفوف .\rوقد ذكر أبو داود في ((سننه)) بعض كلام مالك ، عن القعنبي ، عنه .\rوقال سفيان الثوري : إذ انتهى إلى المسجد والطريق بين أيديهم ، فانه يمشي معترضا حتى يدخل المسجد .\rوفي ((تهذيب المدونة)) للبرادعي : ولا بأس بالمرور بين الصفوف عرضا ، والإمام سترة لهم ، وإن لم يكونوا إلى سترة ، وكذلك من رعف وأحدث فليخرج عرضا ، وليس عليه أن يرجع الى عجز المسجد .\rوذكر ابن عبد البر في ((التمهيد)) أن المأموم لا يدفع من مر بين يديه ، وقال : لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافا .\rوذكر في ((الاستذكار)) قول مالك الذي ذكره في ((الموطإ)) ، وذكر أن مالكا يرخص في ذلك لمن لم يجد منه بدا ، وأن غيره لا يرى به بأسا - يعني : بكل حال ، سواء اضطر إليه أو لا -؛ لحديث ابن عباس . قال : وقد قدمنا أن الإمام سترة لمن خلفه ، فالماشي خلفه أمام الصف كالماشي خلفه دون صف . قال : ويحتمل هذا أن يكون المار لم يجد بدا كما قال مالك . ولكن الظاهر ما قدمنا من الآثار الدالة على أن الإمام سترة لمن خلفه .\rوهذا الكلام يدل على أن للعلماء اختلافا : هل الرخصة تختص بحال الضرورة أم تعم ؟\rوقد حكى بعض أصحابنا رواية أخرى عن أحمد ، بأن من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عرضا بين الصفوف حتى يقوم فيها .\rوهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه ، وإن لم يكن ضرورة .\rوذكر البيهقي في كتابه ((المعرفة)) عن الشافعي في القديم ، أنه ذكر قول مالك في هذا ، واعتراض من اعترض عليه ثم أخذ في الذب عنه ، واحتج بحديث ابن عباس\rوغيره ، وأشار إلى أن ذلك إنما قاله في المرور بين يدي المتنفلين الذين عليهم قطع النافلة للمكتوبة ، ولا يجد الداخل طريقا غير الممر بين أيديهم .\rومعنى هذا أنه إنما يجوز المرور للضرورة بين يدي من يصلي صلاة مكروهة ، هو من يتنفل بعد إقامة الصلاة ، أو يطيل في نافلته وقد أقيمت الصلاة .\rولكن أصحاب مالك حملوا كلام مالك على عمومه في حال الضرورة كما تقدم ، وهذا الكلام من الشافعي يدل على أن المأمومين لا يجوز المرور بين أيديهم إذا كانوا يقتدون بصلاة الإمام لضرورة ولا غيرها ، كما قاله أحمد في غير حال الضرورة في رواية الأثرم .\rوقال أصحاب الشافعي : إذا وجد الداخل فرجة في الصف الأول ، فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويصف فيها ؛ لتقصير أهل الثاني بتركها .\rوهذا موافق لكلام الشافعي ، حيث لم يجز المرور إلا مع تقصير المصلين ، لكنه يخصه بحال الضرورة وأصحابه لم يخصوه بذلك .","part":3,"page":306},{"id":581,"text":"ونص الشافعي في كتاب ((مختلف الحديث)) على أن المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة مباح غير مكروه ، واستدل بحديث ابن عباس هذا ، وبحديث المطلب بن أبي وداعة .\rوذهبت طائفة من العلماء إلى أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه من المأمومين :\rفروى الجوزجاني وغيره من طريق ابن سيرين ، أنه بلغه ، أن الحكم الغفاري أم جيشا ، وأنه كان بين يديه رمح ، فمر به ما يقطع الصلاة ، فأعاد بالقوم الصلاة ، فلما انصرف ذكر ذلك له ، فقال : أولم تروا إلى ما مر بين أيدينا ؟ فأنا ومن يليني قد سترنا الرمح ، فإنما أعدت الصلاة من أجل العامة .\rقال ابن المنذر في ((كتابه الكبير)) : وروي عن عطاء نحوه .\rوروى عمر بن شبة في كتاب ((أخبار قضاة البصرة)) : ثنا محمد بن حاتم : ثنا إسماعيل بن إبراهيم : ثنا يونس ؛ قال : كان موسى بن أنس يصلي بالناس في صحن المسجد ، فكان كلب يمر بين أيديهم ، فسألوا الحسن ، فقال : أما الإمام ومن كان إلى سارية ومن كان خلف الصف فلا يعيد ، ومن كان بين السواري فليعد .\rوأما على تقدير أن يكون ابن عباس مر على الأتان بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يصلي إلى غير سترة ، ولم ينهه عن ذلك ، فهذا يحتمل وجوها :\rأحدها : أن يكون مر بين يديه من بعد ، والمار أمام المصلي إلى غير سترة عن بعد كالمار خلف سترته .\rولكن خرج الإمام أحمد من حديث الحسن العرني ، عن ابن عباس ، قال : أقبلت على حمار ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس ، حتى إذا كنت قريبا منه نزلت عنه ، وخليت عنه ، ودخلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته ، فما أعاد صلاته ، ولا نهاني عما صنعت .\rوالحسن العرني لم يسمع من ابن عباس - : قاله الإمام أحمد ، فحديثه عنه منقطع .\rوالثاني : أن يحمل على أن الاستتار في الصلاة غير واجب، وإنما هو على الاختيار، وهذا حكاه البيهقي عن الشافعي .\rولكن يقال : فالمرور بين يدي المصلي إلى غير سترة ، إما أنه حرام ، أو مكروه ، فكيف أقر عليه ولم ينكر ؟\rوقد يجاب : بأنه إذا كان مكروها ، فإنكاره غير واجب .\rولأصحابنا وجه : أن من صلى إلى غير سترة لم يكن المرور بين يديه منهيا عنه إنما النهي يختص بمن صلى إلى سترة، فينهى عن المرور بينه وبين السترة ، وهو قول ابن المنذر.\rوقال أصحاب الشافعي : لا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى غير سترة، بل يكره .\rوهل للمصلي إلى غير سترة أن يدفع المار بين يديه ؟ على وجهين لهم ، أصحهما : ليس له الدفع .\rوالثالث : أن يكون مرور ابن عباس بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى كما في رواية مالك وغيره من أصحاب الزهري ، وحكم الحرم أنه يجوز المرور فيه بين يدي المصلي دون سائر البلدان - : قاله طائفة من أصحابنا ، وستأتي هذه المسألة فيما بعد حيث بوب البخاري عليها .","part":3,"page":307},{"id":582,"text":"وقد روي ما يخالف هذا ، وأن المار يرد بالأبطح ، فروى ابن لهيعة : حدثني حبان بن واسع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد وأبي بشير الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم ذات يوم وامرأة بالبطحاء ، فأشار إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تأخري ، فرجعت حتى صلى ثم مرت .\rخرجه الإمام أحمد .\rوابن لهيعة ، حاله مشهور .\rالحديث الثاني :\rقال :\r494- ثنا إسحاق : ثنا عبد الله بن نمير : ثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس من ورائه ، وكان يفعل ذلك في السفر ، فمن ثم اتخذها الأمراء .\rفي هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى في فضاء من الأرض صلى إلى الحربة ، فيركزها بين يديه ، ثم يصلي إليها ، فكان يفعل ذلك في العيدين ؛ لأنه كان يصليهما بالمصلى ، ولم يكن فيه بناء ولا سترة ، وكان يفعل ذلك في أسفاره - أيضا - ؛ لأن المسافر لا يجد غالبا جدارا يستتر به ، وأكثر ما يصلي في فضاء من الأرض .\rوخرج ابن ماجه من طريق الأوزاعي : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو إلى المصلى في يوم عيد ، والعنزة تحمل بين يديه ، فإذا بلغ المصلى نصبت بين يديه ، فيصلي إليها ، وذلك أن المصلى كان فضاء ليس شيء يستتر به .\rوخرج البخاري أوله دون آخره .\rوقال أبو نعيم : ثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن مكحول ، قال : كانت تحمل الحربة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه كان يصلي إليها .\rوما ذكر في حديث ابن عمر من اتخاذ الأمراء لها ، فالأمراء الذين عناهم في زمنه إنما اتخذوها تعاظما وكبرا ، لم يتخذوها لأجل الصلاة كما كان النبي- صلى الله عليه وسلم - يتخذها للصلاة .\rوفي الحديث : دليل على استحباب السترة للمصلي وإن كان في فضاء ، وهو قول الأكثرين .\rورخص طائفة من العلماء لمن في فضاء أن يصلي إلى غير سترة ، منهم : الحسن وعروة .\rوكان القاسم وسالم يصليان في السفر إلى غير سترة . وروي عن الإمام أحمد نحوه - : نقله عنه الأثرم وغيره . وهو - أيضا- مذهب مالك .\rقال صاحب (( تهذيب المدونة )) : ولا يصلي في الحضر إلا إلى سترة ، ويصلي في السفر أو بموضع يأمن فيه مرور شيء بين يديه إلى غير سترة .\rويستدل لذلك بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى إلى غير جدار ، كما تقدم في رواية مالك لحديث ابن عباس ، وان الشافعي وغيره فسروه بصلاته إلى غير سترة بالكلية .\rوقد قيل : إن فائدة السترة منع المرور بين يدي المصلي .\rوقيل : كف النظر عما وراء السترة .\rوالأول أظهر وأشبه بظواهر النصوص ، والعنزة ونحوها لا تكف النظر .\rوحيث تستحب الصلاة إلى السترة ، فليس ذلك على الوجوب عند الأكثرين ، وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد .","part":3,"page":308},{"id":583,"text":"ومنهم من قال : هي واجبة ، لكن لا تبطل الصلاة بتركها حتى يوجد المرور المبطل للصلاة الذي لأجله شرعت السترة .\rوقال الأثرم : حديث ابن عباس في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غير سترة إن كان محفوظا فإنما وجهه إذا لم يجد سترة أجزأه .\rفحمله على حالة تعذر وجود السترة ، وفيه نظر ؛ فان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتعذر عليه تحصيل ما يستتر به ، وهو بمنى أو بعرفة ، ومعه الخلق العظيم من المسلمين .\rورخصت طائفة في الصلاة إلى غير سترة مطلقا ؛ روى جابر ، عن الشعبي ، قال : لا بأس أن يصلي إلى غير سترة .\rوقال ابن سيرين قلت لعبيدة : ما يستر المصلي ، وما يقطع الصلاة ؟ قال : يسترها التقوى ويقطعها الفجور . قال : فذكرته لشريح ، فقال : أطيب لنفسك أن تجعل بين يديك شيئا .\rخرجهما وكيع .\rوروى بإسناده ، عن ابن مسعود، قال : من الجفاء أن يصلي الرجل إلى غير سترة.\rالحديث الثاني :\r495- ثنا أبو الوليد : ثنا شعبة ، عن عون بن أبي جحيفة ، قال : سمعت أبي يحدث ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم بالبطحاء - وبين يديه عنزة - الظهر ركعتين والعصر ركعتين ، يمر بين يديه المرأة والحمار .\rهذا - أيضا - يدل - كما دل عليه حديث ابن عمر - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في أسفاره إلى عنزة تستره ممن يمر بين يديه ، وهذا مما يضعف حمل الأثرم لصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى أو عرفة إلى غير سترة على أنه تعذر عليه السترة ؛ فان حديث أبي جحيفة يدل على أن العنزة كانت معه في حجة الوداع ، وانه صلى إليها بمكة .\rوقوله : ((يمر بين يديه المرأة والحمار)) مما يسدل به على أن مرورها بين يدي المصلي إلى غير سترة يقطع عليه صلاته ، ولولا ذلك لم يكن لتخصيص المرأة والحمار بمرورهما بين يديه من وراء السترة - معنى .\rوقوله : ((يمر بين يديه المرأة والحمار)) - يعني : من وراء العنزة ، كما في الرواية الأخرى : يمرون من ورائها ، وستأتي قريبا - إن شاء الله تعالى .\r\r* * *\r\r91- باب\rقدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة ؟\r496- حدثنا عمرو بن زرارة : ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل ، قال : كان بين مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الجدار ممر مشاة .\r497- حدثنا المكي بن إبراهيم : ثنا يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، قال : كان جدار المسجد عند المنبر ، ما كادت الشاة تجوزها.\rهذا الحديث الثاني أحد ثلاثيات البخاري ، وهي الأحاديث التي بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها ثلاثة رجال .\rوحديث سهل يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قريبا من الجدار بحيث لا يكون بين موقفه وبين الجدار غير قدر ما تمر فيه الشاة .","part":3,"page":309},{"id":584,"text":"وأما حديث سلمة بن الأكوع ، فتخريج البخاري له في هذا الباب يدل على أنه فهم منه أن المنبر كان بإزاء موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته أو متقدما عليه ، متنحيا عن جدار قبلة المسجد ، وبينهما خلل لا تجوز منه الشاة .\rوقد قيل : أنه يحتمل أن المراد به : أنه كان بين المنبر وبين جدار المسجد الغربي خلل يسير ، لا تكاد الشاة تجوز منه ، وانه ليس المراد به جدار القبلة .\rلكن قد خرج البخاري هذا الحديث في كتاب ((الاعتصام))بلفظ صريح في المعنى الذي فهمه منه هاهنا ، عن ابن أبي مريم ، عن أبي غسان ، عن أبي حازم ، عن سهل ، أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة .\rوخرج الإمام أحمد ، عن حماد بن مسعدة ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة ، قال : كان بين المنبر والقبلة قدر ممر شاة .\rوفي القرب من السترة أحاديث أخر :\rفمنها : ما خرجه البخاري في باب مفرد بعد هذا من حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبدالله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل ، وجعل الباب قبل ظهره يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع صلى به ، يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه .\rومنها : ما ورد في الأمر بالدنو من السترة من غير تقدير بشيء:\rفروى نافع بن جبير ، عن سهل بن أبي حثمة ، يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها ، لا يقطع الشيطان عليه صلاته)) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) .\rوذكر أبو داود في إسناده اختلافا ، وكذلك ذكره البخاري في ((تاريخه)) .\rوقد روى - أيضا - عن نافع بن جبير - مرسلا ، وفيه: ((فإن الشيطان يمر بينه وبينها)).\rوقال العقيلي : حديث سهل هذا ثابت .\rوقال الميموني : قلت لأبي عبدالله - يعني : أحمد - : كيف إسناد حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا صلى أحدكم فليدن من سترته)) ؟ قال : صالح ، ليس بإسناده بأس .\rوروى ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ، وليدن منها)).\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .\rوروي هذا المتن من وجوه أخر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوروى إسحاق بن سويد ، عن عمر ، أنه رأى ، رجلا يصلي متباعدا عن\rالقبلة ، فقال : تقدم ، لا يفسد الشيطان عليك صلاتك ، أما إني لم أقل إلا ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الإسماعيلي وغيره .\rوهو منقطع ؛ فإن إسحاق لم يسمع من عمر .\rوقد روي عنه مرسلا .\rوروي عنه ، عمن حدثه ، عن عمر .\rوروى مصعب بن ثابت ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أرهقوا القبلة)) .\rخرجه البزار والأثرم .","part":3,"page":310},{"id":585,"text":"وقال الدارقطني - فيما نقله عنه البرقاني -: لم يروه إلا مصعب بن ثابت، وليس بالقوي .\rومعنى إرهاق القبلة مضايقتها ومزاحمتها والدنو منها - : فسره ابن قتيبة وغيره ، وتوقف أحمد في تفسيره .\rوخرجه الجوزجاني ، ولفظه : ((إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة ، وليقرب منها)) .\rوفي الباب أحاديث أخر مسندة ومرسلة :\rوروى وكيع بإسناده عن ابن مسعود ، قال : يصلي وبينه وبين القبلة مقدار ممر رجل .\rوعنه : قال : لا يصلين أحدكم وبينه وبين القبلة فجوة .\rوسئل الحسن : هل كانوا يرقبون في البعد شيئا؟ قال : لا أعلمه.\rوقال ابن المنذر : كان عبدالله بن معقل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع .\rوقال عطاء : أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع ، وبه قال الشافعي .\rوقال مهنأ : سألت أحمد عن الرجل يصلي ، كم يكون بينه وبين القبلة ؟ قال : يدنو من القبلة ما استطاع ، ثم قال : إن ابن عمر قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ، فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع .\rوقال الأثرم : سئل أبو عبدالله عن مقدار ما بين المصلي وبين السارية ؟ فذكر حديث ابن عمر هذا . قيل له : يكون بينه وبين الجدار إذا سجد شبر ؟ قال : لا أدري ما شبر .\rقال الأثرم : ورأيته يتطوع وبينه وبين القبلة كثير ، أذرع ثلاثة أو أكثر .\rقال ابن عبد البر : ولم يحد مالك في ذلك حدا .\rثم أشار ابن عبد البر إلى أن الآخذين بحديث سهل بن سعد الذي خرجه البخاري في قدر ممر الشاة أولى .\rوقال في موضع آخر : حديث ابن عمر أصح إسنادا من حديث سهل ، وكلاهما حسن .\rقلت : ولو جمع بين حديث سهل وابن عمر فأخذ بحديث ابن عمر في النافلة وحديث سهل في الفريضة لكان له وجه ؛ فإن صلاة النبي في الكعبة كانت تطوعا ، وسهل إنما أخبر عن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجده الذي كان يصلي فيه بالناس الفرائض .\rوقال القرطبي : قدره بعض الناس بقدر شبر .\rقلت : هذا فيما يفصل عن محل سجوده ، لا عن محل قيامه ، كما سئل عنه الإمام أحمد فيما سبق .\rقال : ولم أحد في ذلك حدا ، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ، ويتمكن من دفع من يمر بين يديه .\rقال : وقد حمل بعض شيوخنا حديث ممر الشاة على ما إذا كان قائما ، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد .\rكذا وجدته ، وينبغي أن يكون بالعكس ؛ فإن الراكع والساجد يدنوان من السترة أكثر من القائم كما لا يخفى .\rوذكر صاحب (( المهذب )) من الشافعية : أن ممر العنز قدر ثلاثة أذرع ، فعلى قوله يتحد معنى حديث سهل وحديث ابن عمر ، وهو بعيد جدا .\rومتى صلى إلى سترة وتباعد عنها ، فقال أصحاب الشافعي : هو كما لو صلى إلى غير سترة ، في المرور بين يديه ودفعه للمار ، على ما سبق حكاية مذهبهم .\r\r* * *","part":3,"page":311},{"id":586,"text":"92- باب\rالصلاة إلى الحربة\r498- حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع ، عن عبدالله بن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تركز له الحربة ، فيصلي إليها .\rقد تقدم هذا الحديث بأبسط من هذا السياق .\r\r* * *","part":3,"page":312},{"id":587,"text":"93- باب\rالصلاة إلى العنزة\r499- حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا عون بن أبي جحيفة ، قال : سمعت أبي ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمهاجرة ، فأتي بوضوء فتوضأ ، فصلى بنا الظهر والعصر ، وبين يديه عنزة ، والمرأة والحمار يمرون من ورائها .\r500- حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع ، ثنا شاذان ، عن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، قال : سمعت انس بن مالك يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام ، ومعنا عكازة أو عصى أو عنزة ، ومعنا إداوة ، فإذا فرغ من حاجته ناولناه الإداوة .\r((شاذان)) ، هو : أسود بن عامر ، وشاذان لقب له .\rوحديث انس قد خرجه في ((كتاب الوضوء)) ، في ((أبواب الاستنجاء)) ، وذكرنا هناك فائدة حمل العنزة .\rوظاهر تبويب البخاري يدل على التفريق بين العنزة والحربة ، وأكثر العلماء فسروا العنزة بالحربة .\rوقال أبو عبيد : العنزة عصا قدر نصف الرمح أو أكثر ، لها سنان .\rوقد خرج مسلم حديث ابن عمر الذي خرجه البخاري في الباب الماضي من حديث عبيد الله، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تركز له العنزة ويصلي إليها.\rقال عبيد الله : وهي الحربة .\rوقد فرق قوم بين العنزة والحربة ، فعن الأصمعي قال : العنزة : ما دور نصله ، والحربة : العريضة النصل .\rوأشار بعضهم إلى عكس ذلك .\rوصلاته - صلى الله عليه وسلم - إلى العنزة والحربة يستفاد منه : أن السترة يستحب أن يكون عرضها كعرض الرمح ونحوه ، وطولها ذراع فما فوقه .\rقال ابن المنذر : جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ، ولا يبالي من مر وراء ذلك)) .\rوقال أنس وأبو هريرة بذلك في الطول .\rوقال الأوزاعي : يجزئ السهم والسوط والسيف .\rوقال عطاء : قدر مؤخرة الرحل يكون حالقها على وجه الأرض ذراعا .\rوبه قال الثوري وأصحاب الرأي .\rوقال مالك والشافعي : قدر عظم الذراع فصاعدا .\rوقال قتادة : ذراعا وشبرا .\rوقال الأوزاعي : يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل ، وبه قال الثوري . انتهى .\rوسئل أبو العالية عن السترة ؟ فقال: طول الرحل ، والعرض ما عرض أحب إلي.\rوقال ابن عبد البر : قال مالك : أقل ما يجزئ المصلي في السترة غلظ الرمح ، وكذلك السوط أن كان قائما ، وارتفاعها : قدر عظم الذراع ، هذا أقل ما يجزئ عنده ، ولا تفسد عنده صلاة من صلى إلى غير سترة ، وإن كان ذلك مكروها له .\rوقول الشافعي في ذلك كقول مالك .\rوقال الثوري وأبو حنيفة : أقل السترة : قدر مؤخرة الرحل ، ويكون ارتفاعها على ظهر الأرض ذراعا ، وهو قول عطاء .\rوقال قتادة : ذراع وشبر .\rوقال الأوزاعي : قدر مؤخرة الرحل ، ولم يحد ذراعا ، ولا عظم ذراع ، ولا غير ذلك ، وقال : يجزئ السهم والسوط والسيف - يعني في الغلظ . انتهى .","part":3,"page":313},{"id":588,"text":"وفي ((تهذيب المدونة)) للبرادعي المالكي : ويستره قدر مؤخرة الرحل ، وهو نحو من عظم الذراع . قال مالك : وإني لأحب أن يكون في جلة الرمح أو الحربة ، وليس السوط بسترة . انتهى .\rوأما مذهب الشافعي وأصحابه ، فيستحب عندهم أن يكون ارتفاع السترة قدر مؤخرة الرحل ، واختلفوا في تقديرها ، فالمشهور عندهم : إنها نحو ثلثي ذراع فصاعدا . وقيل : ذراع ، وأما عرضها فلا حد له عندهم ، بل يكفي الغليظ والدقيق .\rوأما مذهب أحمد وأصحابه ، فنص أحمد على أن السترة قدر مؤخرة الرحل ، وأن مؤخرة الرحل ذراع - : نقله عنه أكثر أصحابه .\rونقل ابن قاسم ، عنه في قدر ما يستر المصلي ، قال : قدر عظم الذراع من الأشياء ، وهو كمؤخرة الرحل .\rوهذا مثل قول من قدره بنحو ثلثي ذراع ؛ لأن ذَلِكَ هُوَ طول عظم ذراع الإنسان .\rوأما عرضها فلا حد له عند أصحابنا ، إلا أنه كلما غلظ كان أولى .\rوقال إسحاق : قدر مؤخرة الرحل ذراع .\rوقد خرج البخاري حديث الصلاة إلى مؤخرة الرحل من حديث ابن عمر ، وسيأتي قريبا- أن شاء الله .\rوخرج مسلم من حديث سماك ، عن موسى ابن طلحة ، عن أبيه طلحة بن عبيدالله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ،قال :(( إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ، ولا يبالي بمن مر وراء ذلك )) .\rقال علي بن المديني : إسناده حسن .\rوخرج مسلم -أيضا- من حديث أبي الأسود ،عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلى ؟ فقال : (( كمؤخرة الرحل )) .\rومن حديث عبدالله بن الصامت ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ،قال : (( إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل )) .\rوخرج الإمام أحمد من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، عن\rجده ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يستر الرجل في صلاته السهم ، وإذا صلى أحدكم فليستتر بسهم )) .\rوفي رواية له ـ أيضا ـ بهذا الإسناد : (( ليستتر أحدكم في صلاته ، ولو بسهم )) .\rوخرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم .\rوخرج الحاكم ـ أيضا ـ من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :\r(( يجزئ من السترة مؤخرة الرحل ، ولو بدقة شعرة )) .\rوزعم أنه صحيح على شرطهما ، وليس كذلك ؛ فإن هذا تفرد برفعة محمد بن القاسم الأسدي ، عن ثور بن يزيد ، عن يزيد بن يزيد بن جابر ، عن مكحول ، عن يزيد بن جابر ، عن أبي هريرة .\rوالأسدي ، ضعيف جدا .\rقال الدارقطني : غيره لا يرفعه ـ يعني : أنه يقفه على أبي هريرة .\rوسئل ابن معين عن حديث أبي هريرة الموقوف . فقال : هو مستقيم الإسناد .\rوروى مسعر ، عن الوليد بن أبي مالك ، عن أبي عبيد الله ، عن أبي هريرة : يجزئ المصلي مثل مؤخرة الرحل في مثل جلة السوط .\rكذا رواه الحفاظ عن مسعر ،وهو المحفوظ ـ : قَالَ الدار قطني وغيره .","part":3,"page":314},{"id":589,"text":"وأبو عُبَيْدِ الله ، هُوَ : مُسْلِم بْن مشكم صاحب معاذ - : قاله يعقوب بن سفيان [ وابن ناجية ] .\rوالوليد ومسلم شاميان ثقتان .\rورواه أبو هشام الرفاعي ، عن حفص بن غياث ، عن مسعر ـ فرفعه .\rخرجه الإسماعيلي .\rوأبو هشام ليس بالقوي .\rوسنذكر ـ أن شاء الله ـ حديث الصلاة إلى العصا .\rوهذا كله مما استدل به على مالك في قوله : إن ما كان دون عرض الرمح لا تحصل به سنة الاستتار .\rوعن أبي العالية ، قال : يستر المصلي كحرف القلم .\rخرجه وكيع .\rوأما إذا لم يجد ما يصلي إليه ، إلا ما كان دون مؤخرة الرحل في الانتصاب ، مثل حجر أو عصا لا يستطيع نصبها ، فهل يضعها بين يديه ويصلي إليها ، أم لا ؟ فِيهِ قولان :\rأحدهما : أنه يصلي إلى ذَلِكَ إذا لَمْ يجد غيره ، وحكاه ابن المنذر عَن سَعِيد بن جبير والأوزاعي وأحمد ، وَهُوَ قَوْلِ إسحاق -أيضا- .\rوروى ابن أبي شيبة في (( كتابه )) عن الشعبي ونافع بن جبير نحوه .\rوقال طائفة من الشافعية : إذا لم يجد شيئا شاخصا بسط مصلى .\rوروي عن أبي سعيد : كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة .\rذكره ابن المنذر .\rوالثاني : تكره الصلاة إلى ذلك .\rقال ابن المنذر : كره النخعي الصلاة إلى عصا يعرضها .\rوقال الثوري: الخط أحب إلي من هذه الحجارة التي في الطريق إذا لم يكن ذراعا.\rوحكى بعض من صنف في مذهب سفيان : أن سفيان سئل : هل يجزئ الحبل الممدود المعترض ؟ قال : لا يغني من السترة .\rوروى حرب بإسناده ، عن النخعي ، أنه سئل عن الرجل يصلي يستتر بحبل معترضا ؟ قال : لو كان الحبل بالطول كان أحب إلي .\rوهذا يدل على أن الصلاة إلى المستطيل أولى من الصلاة إلى المعترض عنده ؛ لأن المستطيل أشبه بالسترة القائمة .\rوالأكثرون ، كالأوزاعي والثوري وأحمد يرون أن المعترض أولى ؛ ولهذا رجحوا في الخط أن يكون معترضا .\rولو صلى وبين يديه ما يمنع الاستطراق من نهر أو نحوه ، فهل هو سترة ؟\rقالت طائفة : هو سترة ، منهم الحسن والأوزاعي .\rوروي ذلك عن ابن عمر بإسناد ضعيف .\rخرجه كله حرب الكرماني .\rوقال : سألت إسحاق عن ذلك ، فقال : إذا كان نهرا تجري فيه السفن فلا يصلي ، وإن لم يكن تجري فيه فهو أسهل .\rيشير إسحاق إلى أنه إذا كان تجري فيه السفن فهو طويق مسلوك ، فلا يصلي إليه بدون سترة تحول بينه وبينه .\rوأيضا ؛ فالصلاة إلى النهر الجاري مما يلهي المصلي؛ فإنه مما يستحسن النظر إليه ، وقد سبق كراهة الصلاة إلى ما يلهي .\rوقال سفيان : إذا صلى على حائط قدر ثلاثة أذرع أو نحو ذلك فأرجو أن يكون سترة ما لم يكن طريقا .\rوسئل النخعي عن الصلاة على السطح ، والناس يمرون بين يديه؟ قال : يتأخر حتى لا يراهم .\rونقل الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز مثل قول النخعي .\rقال الوليد : وقال مالك : إن كان ارتفاع السطح مثل مؤخرة الرحل فأكثر من ذلك فصل .","part":3,"page":315},{"id":590,"text":"وأما الخط في الأرض إذا لم يجد ما يستتر به ففيه قولان :\rأحدهما : أنه يحصل به الاستتار - أيضا - ، وهو قول أبي هريرة ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي في أحد قوليه - ورجحه كثير من أصحابه أو أكثرهم - وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور .\rوالثاني : أنه ليس بسترة ، وهو قول مالك ، والنخعي ، والليث ، وأبي حنيفة ، والشافعي في الجديد .\rوقال مالك : الخط باطل .\rواستدل من قال بالخط بما روى إسماعيل بن أمية ، عن أبي محمد عمرو بن حريث العذري ، عن جده ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا ، فإن لم يجد فلينصب عصا ، فإن لم يجد عصا فليخط خطا ، ثم لا يضره ما مر بين يديه)) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه)) .\rوحكي عن ابن المديني أنه صححه .\rوحكى ابن عبد البر عن أحمد وعلي بن المديني أنهما صححاه .\rوأحمد لم يعرف عنه التصريح بصحته ، إنما مذهبه العمل بالخط ، وقد يكون اعتمد على الآثار الموقوفة لا على الحديث المرفوع .\rفإنه قال في رواية ابن القاسم : الحديث في الخط ضعيف .\rوكان الشافعي يقول بالخط ، ثم توقف فيه ، وقال: إلا أن يكون فيه حديث يثبت.\rوهذا يدل على أنه توقف في ثبوته .\rوقال ابن عيينة لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ، ولم يجئ إلا من هذا الوجه .\rوذكر أن هذا الشيخ الذي روى عنه إسماعيل بن أمية سئل عنه فخلط فيه .\rذكر ذلك أبو داود في ((سننه)) بإسناده عن ابن عيينة .\rوقد اختلف على إسماعيل في تسمية شيخه ، وفيمن رواه عنه شيخه :\rفقيل : عنه كما ذكرنا .\rوقيل : عنه ، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث .\rوقيل : عنه ، عن أبي عمرو بن حريث .\rوأما الاختلاف فيمن رواه عنه شيخه .\rفقيل : عن إسماعيل ، عن شيخه هذا - على اختلاف في تسميته كما تقدم - ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .\rوقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن جده ، عن أبي هريرة .\rوقيل : عنه ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .\rوقيل : عنه ، عن شيخه هذا ، عن أبي هريرة - بغير واسطة بينهما .\rوقال أبو زرعة : الصحيح : عن إسماعيل ، عن أبي عمرو بن حريث ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .\rونقل الغلابي في ((تاريخه)) عن يحيى بن معين ، أنه قال : الصحيح : إسماعيل بن أمية ، عن جده حريث - وهو : أبو أمية ، وهو من عذرة .\rقال : ومن قال فيه : عمرو بن حريث فقد أخطأ .\rوهذا الكلام يفيد شيئين :\rأحدهما : أن إسماعيل بن أمية هذا هو ابن حريث ، وهو يروي هذا الحديث عن جده حريث العذري ، عن أبي هريرة .\rوكذا رواه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن إسماعيل ، عن حريث بن عمار عن أبي هريرة .\rوالثاني : أن إسماعيل هذا ليس هو ابن أمية القرشي المشهور ، بل هو : ابن أمية بن حريث العذري .","part":3,"page":316},{"id":591,"text":"وهذا غريب جدا ، ولا أعلم أحدا ذكر إسماعيل هذا ، وهذا الحديث قد رواه الأعيان عن إسماعيل ، منهم : الثوري وابن جريج وابن عيينة ، وإنما يروي هؤلاء عن إسماعيل بن أمية الأموي المكي الثقة المشهور ، ويمتنع أن يوري هؤلاء كلهم عن رجل لا يعرف ، ولا يذكر اسمه في تاريخ ولا غيره .\rولكن هذا الرجل الذي روى عنه إسماعيل وأبوه وجده قد قيل : إنهم مجهولون .\rوقد اختلف - أيضا - في رفع هذا الحديث ووقفه على أبي هريرة ، لكن الأكثرون رفعوه .\rوقال الدارقطني : رفعه عن إسماعيل بن أمية صحيح .\rوقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر :\rروى وكيع في ((كتابه)) ، عن أبي مالك ، عن أيوب بن موسى ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : إذا صلى أحدكم فلم يجد ما يستره فليخط خطا .\rوقد روي عن الأوزاعي ، عن أيوب بن موسى ، عن أبي سلمة - مرفوعا .\rوقيل : عن الأوزاعي ، عن رجل من أهل المدينة ، عن أبي هريرة - موقوفا .\rقال الدارقطني : والحديث لا يثبت .\rقلت : وقد روي في الخط بين يدي المصلي حديث مرفوع من حديث انس .\rخرجه حمزة السهمي في ((تاريخ إستراباذ)) .\rوإسناده مجهول ساقط بمرة .\rواختلف القائلون بالخط : هل يخط طولا ، أو عرضا كالهلال ؟ على قولين :\rقال عطاء والثوري وأحمد وإسحاق : يكون عرضا .\rوقال عمرو بن قيس وغيره : يكون طولا .\rوأجازه أحمد على كل حال ، ولكن المعترض عنده أولى ،\r\r* * *","part":3,"page":317},{"id":592,"text":"94- باب\rالسترة بمكة وغيرها\r501- حدثنا سليمان بن حرب : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن أبي جحيفة ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهاجرة ، فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين ، ونصب بين يديه عنزة ، وتوضأ ، فجعل الناس يتمسحون بوضوئه .\rمراد البخاري : أن السترة تشرع بمكة وغيرها ، واستدل بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالبطحاء - وهو أبطح مكة - في حجته إلى عنزة .\rوقد اختلف العلماء في حكم مكة في السترة : هل حكمها كحكم سائر\rالبلدان ، أم لا ؟ على قولين :\rأحدهما : أن حكمها في سترة الصلاة حكم سائر البلدان ، وهو اختيار البخاري وقول [........]والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد .\rوروي نحوه عن ابن عمر :\rقال أبو نعيم الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة)) : ثنا جعفر بن برقان ، عن يزيد الفقير ، قال : كنت أصلي إلى جنب ابن عمر بمكة ، فلم أر رجلا اكره أن يمر بين يديه منه .\rثنا عبد العزيز الماجشون ، عن صالح بن كيسان ، قال : رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ، فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، يبادره - قال : يرده .\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده عن يحيى بن أبي كثير ، قال : رأيت انس بن مالك في المسجد الحرام قد نصب عصا يصلي إليها .\rالقول الثاني : أن مكة تجوز الصلاة فيها إلى غير سترة ، والمرور بين يدي المصلي من غير كراهة في ذلك ، وهو قول طاوس وعطاء وأحمد ، نص عليه في رواية ابن الحكم وغيره .\rوكان محمد بن الحنفية يصلي بمسجد منى ، والناس يمرون بين يديه ، فجاء فتى من أهله ، فجلس بين يديه .\rوروى ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، قال : رأيت ابن الزبير طاف بالبيت ، ثم جاء فصلى ، والطواف بينه وبين القبلة .\rقال : تمر بين يديه المرأة فينتظرها حتى تمر ، ثم يضع جبهته في موضع قدميها .\rواستدل الإمام أحمد بحديث المطلب بن أبي وداعة :\rوقد خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية ابن جريج ، عن كثير بن كثير ، عن أبيه ، عن المطلب بن أبي وداعة ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي بالركن ، فيصلي ركعتين في حاشية المطاف ، وليس بينه وبين الطواف أحد .\rوخرجه الإمام أحمد - أيضا- عن ابن عيينة ، قال : حدثني كثير بن كثير ابن أبي وداعة ، سمع بعض أهله يحدث ، عن جده ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي مما يلي الباب بني سهم ، والناس يمرون بين يديه ، ليس بينهم سترة .\rقال ابن عيينة : وكان ابن جريج أخبرنا عنه ، فقال : ثنا كثير ، عن أبيه ، فسألته ، فقال : ليس من أبي سمعته ، ولكن من بعض أهلي ، عن جدي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى مما يلي باب بني سهم ، ليس بينه وبين الطواف سترة .\rوخرجه أبو داود عن الإمام أحمد .\rوقد تبين برواية ابن عيينة هذه أنها أصح من رواية ابن جريج ، ولكن يصير في إسنادها من لا يعرف .\rوقد رواه غير واحد عن كثير بن كثير كما رواه عنه ابن جريج .","part":3,"page":318},{"id":593,"text":"وصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح إلى العنزة لا يعارض حديث المطلب ؛ لأن حديث المطلب دل على جواز الصلاة بمكة إلى غير سترة ، وحديث أبي جحيفة دل على جواز الصلاة بمكة إلى سترة .\rوقد نص أحمد على أن مكة مخصوصة من بين البلدان بذلك ومن أصحابنا من قال : إن حكم الحرم كله كذلك ، ولو قيل : إن الصلاة إلى غير سترة مختص بالمسجد الحرام وحده دون بقاع مكة والحرم لكان جمعا بين الحديثين متوجها ، وكلام القاضي أبي يعلى في كتابه ((الجامع الكبير)) يدل عليه ، وصرح به غيره من أصحابنا .\rوحمل الشافعي حديث المطلب بن أبي وداعة على أن الأمر بالصلاة إلى السترة على الاستحباب دون الوجوب ، كما حمل عليه حديث ابن عباس في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى إلى غير جدار .\rوحديث أبي جحيفة قد يوهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالهاجرة الظهر والعصر ، فجمع بينهما في أول وقتهما وهو مقيم بمكة ، ولم يستدل به أحد - فيما نعلم - على الجمع بين الصلاتين .\rوقد جاء في رواية للإمام أحمد : ((فصلى الظهر أو العصر)) - بالشك .\rولكن رواية من قال : ((بالهاجرة)) يدل على أنه صلى الظهر بغير شك .\rوقد خرجه مسلم ، ولفظه : فتقدم ، فصلى الظهر ركعتين ، يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة .\rوهذا يدل على أنه إنما صلى العصر في وقتها .\rوقد رواه حجاج بين أرطاة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، وقال فيه - بعد ذكر صلاة الظهر - ثم حضرت العصر ، فقام بلال فأذن ، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين .\rخرجه من طريقه ابن سعد .\rوهو صريح في أنه لم يجمع بين الصلاتين .\rوحجاج بن أرطاة ، وإن كان متكلما فيه ، إلا أنه فقيه يفهم معنى الكلام ، فيرجع إلى زيادته على من ليس له مثل فهمه في الفقه والمعاني .\r* * *","part":3,"page":319},{"id":594,"text":"95- باب\rالصلاة إلى الأسطوانة\rوقال عمر : المصلون أحق بالسواري من المتحدثين إليها .\rورأى ابن عمر رجلا يصلي بين أسطوانتين ، فأدناه إلى سارية ، فقال : صل إليها .\rخرج فيه حديثين :\rالحديث الأول :\r502- ثنا المكي : ثنا يزيد بن أبي عبيد ، قال : كنت آتي مع سلمة بن الأكوع ، فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا مسلم ، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ؟ قال : فإني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحرى الصلاة عندها .\rهذا - أيضا - من ثلاثيات البخاري .\rوالأسطوانة : السارية .\rوهذه الأسطوانة الظاهر أنها من أسطوان المسجد القديم الَّذِي يسمى الروضة ، وفي الروضة أسطوانتان ، كل منهما يقال : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إليها :\rالأسطوانة المخلقة ، وتعرف بأسطوانة المهاجرين ؛ لأن أكابرهم كانوا يجلسون إليها ويصلون عندها ، وتسمى : أسطوان عائشة .\rويقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إليها المكتوبة بعد تحويل القبلة بضع عشرة يوما ، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم .\rوهي الأسطوانة الثالثة من المنبر ، والثالثة من القبلة ، والثالثة من القبر الشريف ، وهي متوسطة في الروضة .\rوأسطوانة التوبة ، وهي التي ربط فيها أبو لبابة نفسه حتى تاب الله عليه .\rوقد قيل : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اعتكف في رمضان طرح له فراشه ، ووضع سريره وراءها .\rوقد روي عن عمر مولى غفرة ومحمد بن كعب ، أن أكثر نوافل النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت عندها .\rوهي الأسطوانة الثانية من القبر الشريف ، والثالثة من القبلة ، والرابعة من المنبر .\rوفي الحديث : دليل على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكانا معينا من المسجد يصلي فيه تطوعا.\rوقد ورد في رواية التصريح بأن هذه الصلاة كانت تطوعا .\rخرجه ابن ماجه ، ولفظ حديثه : أن سلمة كان يأتي إلى سبحة الضحى فيعمد إلى الأسطوانة دون المصحف ، فيصلي قريبا منها ، فأقول له : ألا تصلي هاهنا ، وأشير إلى بعض نواحي المسجد ، فيقول : إني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحرى هذا المقام .\rوقوله : ((قريبا منها)) قد يحمل على أنه كان ينحرف عنها في صلاته ، ولا يستقبلها استقبالا .\rوخرج البزار ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن ابن صفوان ، قال : لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من البيت سألت من كان معه : أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالوا : صلى ركعتين عند السارية الوسطى ، عن يمينها .\rويزيد بن أبي زياد ليس بالحافظ .\rوروى عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، سأل بلالا : أين صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني : في الكعبة - ؟ قَالَ : فأشار لَهُ بلال إلى السارية الثانية عِنْدَ\rالباب . قال : صلى عن يمينها ، تقدم عنها شيئا .\rوعبد العزيز - أيضا - ليس بالحافظ .","part":3,"page":320},{"id":595,"text":"وقد صرح أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم بأنه يستحب لمن صلى إلى سترة منصوبة أن ينحرف عنها ولا يستقبلها .\rوصرح بذلك من أصحابنا : أبو بكر عبد العزيز وابن بطة والقاضي أبو يعلى وأصحابه .\rوأخذوه من نص الإمام أحمد على أن الإمام يقوم عن يمين طاق المحراب .\rوكذا قال النخعي .\rواستدلوا بما روى علي بن عياش ، عن الوليد بن كامل ، عن المهلب بن حجر البهراني ، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود ، عن أبيها : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عود ولا إلى عمود ولا إلى شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ، ولا يصمد له صمدا .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rوخرجه الإمام أحمد - أيضا من رواية بقية بن الوليد ، عن الوليد بن كامل ، عن حجر - أو ابن حجر - بن المهلب ، عن ضبيعة بنت المقداد بن معد يكرب ، عن أبيها ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى إلى عمود أو خشبة أو شبه ذلك لا يجعله نصب عينيه ولكن يجعله على حاجبه الأيسر .\rولعل هذه الرواية أشبه : وكلام ابن معين وأبي حاتم الرازي يشهد له .\rوالشاميون كانوا يسمون المقدام بن معد يكرب : المقداد، ولا ينسبونه- أحيانا ، فيظن من سمعه غير منسوب أنه ابن الأسود ، وإنما هو ابن معد يكرب وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديث من رواياتهم .\rوالمهلب بن حجر شيخ ليس بالمشهور .\rوالوليد ، قال أبو حاتم : وهو شيخ . وقال البخاري : عنده عجائب .\rقال القرطبي : لعل هذا كَانَ أول الإسلام ؛ لقرب العهد بإلف عبادة الحجارة والأصنام ، حتى تظهر المخالفة في استقبال السترة لما كانوا عليه من استقبالهم تلك المعبودات . انتهى .\rوقد كره مالك أن يصلي إلى حجر في الطريق ، فأما إلى حجارة كثيرة فجائز .\rذكره في ((تهذيب المدونة)) .\rوقد ورد النهي عن أن يوطن الرجل له مكانا في المسجد يصلي فيه : من رواية تميم بن محمود ، عن عبد الرحمن بن شبل ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع ، وأن يوطن الرجل المكان الذي في المسجد كما يوطن البعير .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .\rوفي إسناده اختلاف كثير .\rوتميم بن محمود ، قال البخاري : في حديثه نظر .\rوقد حمل أصحابنا حديث النهي على الصلاة المفروضة،وحديث الرخصة على الصلاة النافلة .\rوكان للإمام أحمد مكان يقوم فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمام ، فتأخر يوماً فنحاه الناس وتركوه ، فجاء بعد ذلك فقام في طرف الصف ولم يقم فيه ، وقال : قد جاء أنه يكره أن يوطن الرجل مكانه.\rالحديث الثاني :\r503- حدثنا قبيصة : ثنا سفيان ، عن عمرو بن عامر ، عن أنس ، قال : لقد أدركت كبار أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السواري عند المغرب .\rوزاد شعبة ، عن عمرو ، عن أنس : حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rرواية شعبة قد أسندها البخاري في ((كتاب الأذان)) .","part":3,"page":321},{"id":596,"text":"وخرج مسلم من رواية عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ،قال : كنا بالمدينة ، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري ،فركعوا ركعتين ، حتى أن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما .\rفهذا الحديث : يدل على أن عادة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمنه كان التنفل إلى السواري قبل الصلاة المكتوبة وبعدها ، وبخلاف الصلاة المكتوبة ، فإنهم كانوا يصلونها صفوفاً صفوفاً ، ولا يعتبرون لها سترةً ، بل يكتفون بسترة إمامهم .\rوروى وكيع ، عن هشام بن الغاز ، عن نافع ، قال : كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية من سواري المسجد قال لي : اجلس وول ظهرك .\r* * *","part":3,"page":322},{"id":597,"text":"96 - باب\rالصلاة بين السواري في غير جماعة\r504 - حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا جويرية ، عن نافع ،عن ابن عمر ، قال : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحه وبلال ، فأطال ثم خرج ، فكنت أول الناس دخل على أثره ، فسألت بلالاً : أين أصلي ؟ فَقَالَ : بَيْن العمودين المقدمين .\r505 - حَدَّثَنَا عبدالله بْن يوسف : أبنا مَالِك بْن أنس ، عَن نَافِع ، عَن ابن\rعمر ، أن رسوا الله - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي ، فأغلقها عليه ، ومكث فيها ، فسألت بلالاً حين خرج : ما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : جعل عمودا عن يساره ، وعموداً عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه - وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة -، ثم صلى .\rوقال إسماعيل : حدثني مالك ، فقال : عمودين عن يمينه .\rقد دل هذان الحديثان على أن البيت الحرام كان فيه ستة أعمدة حين دخله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت الأعمدة صفين ، في كل صف ثلاثة أعمدة ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمدة الثلاثة التي تلي باب البيت خلف ظهره ، وتقدم إلى الأعمدة المتقدمة ، فصلى بين عمودين منها .\rوفي رواية مالك التي ذكرها البخاري - تعليقا - : أنه جعل عمودين عن يمينه ، وعمودا عن يساره .\rوقد خرجها مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك .\rوهذا يدل على أنه كان إلى جهة الركن اليماني أقرب منه من جهة الحجر .\rويشهد لذلك - أيضا - : رواية سالم ، عن أبيه ، أنه سأل بلالا : هل صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : نعم ، بين العمودين اليمانيين .\rوقد خرجها البخاري في ((الحج)) .\rوالمراد باليمانيين : ما يلي جهة الركن اليماني .\rويدل عليه - أيضا - : حديث مجاهد ، عن ابن عمر ، أنه سأل بلالا : أصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ؟ قال : نعم ، بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخل .\rوقد خرجه البخاري في ((أبواب استقبال القبلة)) ، وقد مضى .\rوقد روى عبد العزيز بن أبي رواد ، قال : حدثني نافع ، أن ابن عمر سأل بلالا : أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فأشار له بلال إلى السارية الثانية عند الباب ، قال : صلى عن يمينها ، تقدم عنها شيئا.\rخرجه الأزرقي .\rوقوله : ((السارية الثانية عند الباب)) ، كأنه يريد السارية الثانية مما يلي الباب ؛ فإن الباب يليه سارية من الصف المؤخر ، ثم يليها سارية ثانية من الصف المقدم ، وهي السارية الوسطى من ذلك الصف .\rوقوله : ((صلى عن يمينها)) يوهم أنه جعلها عن يساره حتى يكون مصليا عن يمينها ، وعلى هذا التقدير ، فيكون قد جعل عمودا عن يمينه وعمودين عن يساره .\rوهذا يخالف رواية مالك المتقدمة ، وتلك الرواية مع ما عضدها وشهد لها أصح من رواية ابن أبي رواد ، ويزيد بن أبي زياد التي ذكرناها في الباب الماضي .","part":3,"page":323},{"id":598,"text":"وقوله في رواية ابن أبي رواد : ((تقدم عنها شيئا)) يدل على أنه صلى متقدما عنها إلى مقدم البيت ، وسيأتي في الباب الذي يلي هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع .\rوقد روى الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي الشعثاء - وهو : سليم المحاربي - ، قال : خرجت حاجا ، فجئت حتى دخلت البيت ، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزقت بالحائط ، فجاء ابن عمر فصلى إلى جنبي ، فلما صلى قلت له : أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البيت ؟ قال : أخبرني أسامة بن زيد ، أنه صلى هاهنا .\rخرجه الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) .\rوفيه : دليل على أنه صلى متقدما على الساريتين ، وإن لم يكن جعلهما خلف ظهره ، كما جعل الأعمدة الثلاثة المتأخرة التي تلي باب البيت ، فإنه جعلها وراء ظهره في صلاته .\rومقصود البخاري بهذا الباب : أن من صلى بين ساريتين منفردا ، كمن يصلي تطوعا ؛ فإنه لا يكره له ذلك كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة ، وكان ابن عمر يفعله .\rوكذا لو صلى جماعة ، وكان إمامهم ، ووقف بين الساريتين وحده ، وقد فعل ذلك سعيد بن جبير وسويد بن غفلة .\rورخص فيه سفيان للإمام وكرهه للمأمومين .\rوإنما يكره ذلك ؛ لصف تقطعه السواري ، فلو صلى اثنان أو ثلاثة جماعة بين ساريتين لم يكره - أيضا - ، هذا قول أصحابنا وأصحاب الشافعي وغيرهم من العلماء .\rوعلى مثل ذلك حملوا ما ورد من النهي عنه - مرفوعا ، وموقوفا .\rفالمرفوع ؛ روي من حديث سفيان ، عن يحيى بن هانئ بن عروة المرادي ، عن عبد الحميد بن محمود ، قال : صلينا خلف أمير من الأمراء ، فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين ، فلما صلينا قال انس بن مالك : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم ، وقال : صحيح .\rوقال الترمذي : حديث حسن .\rوعبد الحميد هذا ابن محمود المعولي البصري ، روى عنه جماعة ، وقال أبو حاتم : هو شيخ .\rويحيى بن هانئ المرادي ، كوفي ثقة مشهور .\rوروى هارون بن مسلم أبو مسلم ، عن قتادة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه ، قال : كنا ننهي أن نصف بين السواري على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونطرد عنها طردا .\rخرجه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم وصححه .\rوقال ابن المديني : إسناده ليس بالصافي . قال : وأبو مسلم هذا مجهول .\rوكذا قال أبو حاتم : هو مجهول .\rوليس هو بصاحب الحناء ؛ فإن ذاك معروف ، وقد فرق بينهما مسلم في كتاب ((الكنى)) وأبو حاتم الرازي .\rوفيه : عن ابن عباس - مرفوعا - ، ولا يثبت .\rقال ابن المنذر : لا اعلم في هذا خبرا يثبت .\rوقد روي النهي عنه ، عن حذيفة وابن مسعود وابن عباس ، وهو قول النخعي ، وحكاه الترمذي عن أحمد وإسحاق .","part":3,"page":324},{"id":599,"text":"وقد نص أحمد على كراهة الصلاة بين الأساطين مطلقا من غير تفصيل - : نقله عنه جماعة ، منهم : أبو طالب وابن القاسم ، وسوى في روايته بين الجمعة وغيرها .\rونقل عنه حرب : يكره ذلك ، قلوا أو كثروا ، وإن كانوا عشرة.\rوصرح أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) بكراهة قيام الإمام بين السواري .\rوأما القاضي أبو يعلى وأصحابه، فقالوا : إنما يكره ذلك لصف تقطعه السواري، وحملوا كلام أحمد على ذلك .\rويشهد له : ما نقله ابن منصور ، عن أحمد ، وقد سأله : هل يقوم الإمام بين الساريتين ، يؤم القوم ؟ قال : إنما يكره للصف ، إذا كان يستتر بشيء فلا بأس .\rقال إسحاق بن راهويه كما قال .\rوكذا نقل حرب ، عن إسحاق ، أنه يكره ذلك للصف ، ولا يكره لمن صلى وحده .\rورخص فيه ابن سيرين وأبو حنيفة ومالك وابن المنذر .\rوفي ((تهذيب المدونة)) للمالكية : لا بأس بالصلاة بين الأساطين لضيق المسجد .\rوقد روي عن حذيفة ، أنه كرهه لقطع الصفوف - أيضا .\rقال أبو نعيم : ثنا زفر - وهو ابن عبدالله ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن هلال بن يساف ، قال : كان حذيفة يكره أن نقوم بين الأسطوانتين لتقطع الصفوف .\rومن أهل الحديث من حمل الكراهة على من صلى وحده مع الجماعة بين السواري ، لأنه يصير فذا ، بخلاف من صلى مع غيره.\rوهذا بعيد جدا ، ولا فرق في هذا بين ما بين السواري وغيرها .\r\r* * *","part":3,"page":325},{"id":600,"text":"97- باب\r506- حدثنا إبراهيم بن المنذر : ثنا أبو ضمرة : ثنا موسى بن عقبة، عن نافع ، أن عبدالله كان إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل ، وجعل الباب قبل ظهره ، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع صلى ، يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فيه .\rقال : وليس على أحدنا بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء.\rهذا الحديث : مما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الكعبة تلقاء وجهه لما دخل ، وجعل الباب وراء ظهره .\rوقد خرج مسلم من حديث أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه سأل بلالا : أين صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : بين العمودين ، تلقاء وجهه.\rوفي هذا الحديث : زيادة : أنه صلى إلى الجدار الذي تلقاء وجهه حتى كان بينه وبينه قريب من ثلاثة أذرع .\rوقد روي في حديث مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بلال هذه الزيادة - أيضا - ، وانه صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع .\rوقد خرجها أبو داود من رواية ابن مهدي ، عن مالك .\rوقال جماعة ، عن مالك ، فيه : ((نحو من ثلاثة أذرع)) .\rوقد خرجه النسائي كذلك من رواية ابن القاسم ، عن مالك .\rوقد روى حماد بن سلمة ، عن ابن أبي مليكة ، أن معاوية قدم مكة ، فدخل الكعبة ، فأرسل إلى ابن عمر : أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : صلى بين الساريتين بحيال الباب ، فجاء ابن الزبير ، فدخل ، فقال لمعاوية : أما إنك قد علمت أني اعلم مثل الذي يعلم ، ولكنك حسدتني .\rخرجه الإمام أحمد .\rوخرجه الأزرقي بسياق مطول ، من حديث عبد الحميد بن جبير بن شيبة ، عن أخيه شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان ، قال : حج معاوية وهو خليفة - فذكر حديثا طويلا ، وفيه : أنه فتح له باب الكعبة ، فدخل وأرسل إلى ابن عمر ، فجاءه ، فقال له معاوية : يا أبا عبد الرحمن ، أين صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام دخلها ؟ فقال : بين العمودين المقدمين ، واجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة - وذكر بقية الحديث في دخول ابن الزبير ، وغير ذلك .\rوقد ذكرنا هذا الحديث في (( باب الدنو من السترة )) .\rوفي الحديث - أيضا - دليل على أن من دخل مسجدا وأراد أن يصلي فيه تطوعا ، فالأولى له أن يصلي في صدر المسجد ، لا عند بابه .\rوقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ليلة اسري به إلى المسجد الأقصى في صدر المسجد - أيضا- : فخرج الإمام أحمد من رواية حماد بن سلمة : ثنا أبو سنان ، عن عبيد بن\rآدم ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب : أين ترى أن اصلي - يعني : في بيت المقدس - ؟ أن أخذت عني صليت خلف الصخرة ، فكانت القدس كلها بين يديك . فقال عمر - رضي الله عنه - : ضاهيت اليهود ، ولكن اصلي حيث صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فتقدم إلى القبلة ، فصلى ، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه ، وكنس الناس .","part":3,"page":326},{"id":601,"text":"عبيد بن آدم ، ذكره ابن حبان في (( ثقاته)) . وأبو سنان ، هو : القسملي عيسى بن سنان ، ضعفه الأكثرون ، منهم : أحمد ويحيى . وقال أبو حاتم : ليس بالقوي . وقال العجلي : لا باس به . وقال ابن خراش : صدوق .\rوقد رواه أبو أسامة ، عن أبي سنان عيسى بن سنان القسملي ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، قال : صليت مع عمر في كنيسة مريم ، في وادي جهنم ، فلما انصرف قال : لقد كنت غنيا أن تصلي على باب من أبواب جهنم ، ثم تنخع ، فاخرج قميصه ، فبزق فيه فقلنا : يا أمير المؤمنين ، لو تفلت في الكنيسة ، وهو مكان شرك ؟ فَقَالَ : أنه وان كَانَ يشرك فِيهِ فإنه يذكر فِيهِ اسم الله كثيرا . قَالَ ثُمَّ دخلنا المسجد ، فَقَالَ عُمَر : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( صليت ليله اسري بي فِي مقدم المسجد ، ثُمَّ دخلت فِي الصخرة الَّتِيْ فِي بيت المقدس )) - وذكر بقية الحَدِيْث ، وفي أخره : قَالَ : (( ثُمَّ انطلق بي إلى السماء ، ففرضت عَلِيّ الصلاة ، ثُمَّ رجعت إلى خديجة ، وما تحولت عَن جانبها الآخر )) .\rخرجه الإسماعيلي في (( مسند عمر )) في ترجمة : (( حديث : عبد الرحمن بن محمد والد المغيرة بن عبد الرحمن ، عن عمر )) .\rوقد كره بعض المتقدمين التطوع في مقدم المسجد من السحر :\rفخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عامر الالهاني ، قال : دخل المسجد حابس بن سعد الطائي من السحر - وقد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فرأى الناس يصلون في مقدم المسجد ، فقال : مراءون ورب الكعبة ، أرعبوهم ، فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله ، فأتاهم الناس فأخرجوهم ، فقال : أن الملائكة تصلي من السحر في مقدم المسجد .\rوإنما خرجه في ((المسند)) لقول حابس : (( من أرعبهم فقد أطاع الله\rورسوله )) ، وهذا في حكم المرفوع .\rوحابس بن سعد معدود من الصحابة .\rوقد روي - أيضا - النهي عن ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأنه ضرب من رآه في مقدم المسجد يصلي ، وقال : ألم أنهكم أن تقدموا في مقدم المسجد بالسحر ؛ إن له عوامر .\rخرجه جعفر الفرياني في (( كتاب الصلاة )).\rقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : هذا يدل على كراهة التقدم في الصف الأول في صدر المسجد قبل السحر .\rويكره - أيضا - استناد الظهر إلى القبلة بين أذان الفجر والإقامة .\rوكرهه ابن مسعود ، وقال : لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم .\rوقال النخعي : كانوا يكرهونه .\rوقال الإمام أحمد : هو مكروه ، وأمر من فعله أن يحول وجهه إلى القبلة .\rوروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه نهى أن يستند إلى القبلة في مواقيت الصلاة .\rوهذا يعم سائر الصلوات ، ولعله كرهه ؛ لأن الداخل إلى المسجد يصلي عند دخوله ، فإذا كان بين يديه رجل مسند ظهره إلى القبلة صلى مستقبل وجهه ، وذلك مكروه ، كما تقدم .","part":3,"page":327},{"id":602,"text":"وقد روي فيه حديث مرفوع ، يدل على الرخصة فيه في غير صلاة الفجر ، من رواية عيسى بن المسيب ، عن الشعبي ، عن كعب بن عجرة ، قال : بينما أنا جالس في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مسندي ظهورنا إلى قبلة مسجده سبعة رهط ،إذ خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر حتى انتهى إلينا ، فقال : (( ما يجلسكم ها هنا ؟ )) فقلنا : يا رسول الله ، ننتظر الصلاة . قال : فارم قليلا ، ثم رفع رأسه ، فقال : (( أتدرون ما يقول ربكم ؟ )) - ثم ذكر حديثا طويلا في فضل المحافظة على الصلوات .\rخرجه الإمام أحمد .\rوعيسى بن المسيب ، تكلم فيه .\rوذكر مالك عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع ، قال : كنت اصلي وابن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة ، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه .\rقال ابن عبد البر : فيه الاستناد إلى حائط القبلة في المسجد ، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفعله من يستقبل الصلاة .\rوقوله: (( وَقَالَ : ليس على احدنا باس أن يصلي في نواحي البيت شاء )) .\rالظاهر أنه من قول نافع ، وقد وافقه أكثر العلماء على ذلك ، منهم : الثوري والشافعي .\rوقد روي عن أحمد أنه لا يصلي في الكعبة إلا إلى الجهة التي صلى أليها النبي\r- صلى الله عليه وسلم - .\rوحمله أصحابنا على الاستحباب ، وقد سبق ذلك .\r\r* * *","part":3,"page":328},{"id":603,"text":"98- باب\rالصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل\r507- حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي البصري : ثنا معتمر بن سليمان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها . فقلت : أفرأيت إذا هبت الركاب ؟ قال : كان يأخذ الرحل فيعد له ، فيصلي إلى آخرته - أو قال : مؤخرته - ، وكان ابن عمر يفعله .\rقد ذكرنا في (( باب : الصلاة في مواضع الإبل )) الاختلاف في رفع هذا الحديث ووقفه ، وحكم الاستتار بالبعير في الصلاة .\rوقوله : (( يعرض راحلته )) بكسر الراء - أي : ينيخها ، معترضة بينه وبين جهة القبلة .\rوفيه لغة أخرى : يعرض -بضم الراء- ، ذكرها صاحب (( كشف المشكل )) .\rوقوله (( هبت الركاب )) ، معناه : قامت الإبل للسير - : قاله الهروي وغيره .\rويقال للنائم إذا قام من نومه : هب من منامه .\rوالمراد إذا لم يكن عنده إبل باركة يستتر بها .\rوقاله الخطابي : هبت أي هاجت ، يقال : هب الفحل هبيبا إذا هاج . قال : يريد ، أن الإبل إذا هاجت لم تهدا ، ولم تقر ، فتفسد على المصلي إليها صلاته .\rوهذا الذي قاله في غاية البعد ، وان كان محتملا في اللفظ ، فليس هو المراد في الحديث .\rوقوله : (( يأخذ الرحل )) : رحل البعير ، هو : ما على ظهره مما يركب عليه ، والراحلة : هي ما يرتحل الرجل - أي : يركبه في ارتحاله ، بعيرا كان أو ناقة - : قاله الأزهري وغيره .\rومنه : قوله - صلى الله عليه وسلم - (( الناس كإبل مائة ، ليست فيها راحلة )) .\rوقوله : (( فيعدله )) - بفتح الياء ، وكسر الدال .\rقال الخطابي : أي يقيمه تلقاء وجهه .\rو (( آخرة الرحل )) - بكسر الخاء - : هي الخشبة التي يستند إليها الراكب على الرحل .\rوقد سبق الخلاف في تقديرها : هل هو ذراع تام بالذراع الذي يذرع به ، أو ذراع بعظم ذراع الإنسان ، وهو نحو ثلثي ذراع مما يذرع به ؟\rويقال في آخرة الرحل : مؤخرة الرحل .\rواختلفوا في ضبطها :\rفمنهم من ضبطها بضم الميم وسكون الهمزة ، وكسر الخاء المعجمة .\rوقد حكاها أبو عبيد ، وانكرها ابن السكيت وغيره .\rوقال بعضهم : لا يقال : مؤخرة ومقدم - بكسر - ، إلا في العين خاصة ، وإنما يقال في غيرها بالفتح .\rوضبطها بعضهم بسكون الهمزة ، وفتح الخاء وتخفيفها .\rذكره ثابت في (( دلائله )) وأنكر ذلك ابن قتيبة وغيره .\rوضبطها الأصيلي في نسخته بالبخاري - فيما حكى عنه - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الخاء .\rوضبطها بعضهم بضم الميم وفتح الهمزة والخاء وتشديدها .\rذكره صاحب (( المشارق )) ، وانكرها صاحب (( النهاية )) .\rوقال بعضهم : المحدثون يروونه بتشديد الخاء ، والصواب : آخرة .","part":3,"page":329},{"id":604,"text":"وقد تبين بهذا الحديث الذي ذكره البخاري في (( صحيحه)) جواز الاستتار بالراحلة وبالبعير ، سواء كان مرتحلا أو غير مرتحل ، اللهم إلا أن يكون غير المرتحل\rهائجا ، فيخشى من هيجانه إفساد الصلاة على من يصلي إليه كما ذكره الخطابي .\rوجواز الاستتار برحل الراحلة .\rوأما الشجر ، فذكره البخاري في تبويبه ، ولم يذكر فيه شيئا ، وهو مأخوذ من الاستتار بالرحل ؛ فإن الرحل خشب ، والخشب مأخوذ من الشجر ، فإذا ثبت جواز الاستتار في الصلاة بالخشب دل على جواز الاستتار بالشجر قبل قطعه .\rوفيه حديث ليس على شرط البخاري ، من رواية أبي إسحاق ، عن حارثة ابن مضرب ، عن علي ، قال : لقد رايتنا ليلة بدر ، وما فينا إنسان ألا نائم ، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه كان يصلي إلى شجرة ، ويدعو حتى أصبح .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي .\rوابن حبان في صحيحه ، وعنده : (( تحت شجرة)) .\rوقد رواه بعضهم ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي .\rورواه غيره ، عن أبي إسحاق ، عن البراء .\rوالصحيح : عن حارثة ، عن علي - : قاله الدارقطني .\rوخرج أبو داود بإسناد فيه نظر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل بتبوك إلى نخلة ، فقال : ((هذه قبلتنا)) ، ثم صلى إليها .\rوقد سبق حديث المقداد ، أنه لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر .\r\r* * *","part":3,"page":330},{"id":605,"text":"99- باب\rالصلاة إلى السرير\r508- حدثنا عثمان بن أبي شيبة : ثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : أعدلتمونا بالكلب والحمار ؟! لقد رأيتني مضطجعة على السرير ، فيجيء النبي - صلى الله عليه وسلم - فيتوسط السرير فيصلي ، فأكره أن أسنحه ، فأنسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي .\rزعم الإسماعيلي : أن هذا الحديث لا دلالة فيه على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إلى السرير ، وإنما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على السرير .\rقال : ولكن صلاته إلى السرير موجود في حديث الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي والسرير بينه وبين القبلة .\rوحديث الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة : خرجه البخاري فيما بعد ، ولفظه : لقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وإني لبينه وبين القبلة ، وأنا مضطجعة على السرير .\rوخرجه -أيضا- من طريق الأعمش بهذا الإسناد ، وبإسناد آخر ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة .\rوكذا خرجه مسلم من حديث الأعمش بالإسنادين ، ومن طريق جرير عن منصور ، كما خرجه البخاري في هذا الباب .\rوهذه الألفاظ كلها ليس فيها تصريح بأنه كان يصلي تحت السرير .\rولكن خرجه الإمام أحمد ، عن ابن نمير ، عن الأعمش ، بالإسنادين معا . فذكر الحديث - ، وفيه : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي مقابل السرير ، وأنا عليه بينه وبين القبلة .\rوقول عائشة : ((فأكره أن أسنحه)) .\rقال الخطابي : قولها : ((أسنحه)) من قولك : سنح لي الشيء ، إذا عرض ، تريد : أني أكره أن أستقبله ببدني في صلاته . ومن هذا سوانح الطير والظباء ، وهي ما يعترض الركب والمسافرين ، فتجيء عن مياسرهم وتجوز إلى ميامنهم .\rفي الحديث : دليل على جواز أن يصلي المصلي إلى سترة شاخصة من الأرض ، وإن كان فوقها إنسان نائم .\rونظيره : الصلاة إلى سرير الطفل وهو فيه .\rوروى الإمام أحمد : ثنا محمد بن بكر : أبنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، عن عروة أن عائشة أخبرته ، قالت : لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وإني لمعترضة على السرير بينه وبين القبلة . قلت : أبينهما جدر المسجد ؟ قالت : لا ، في البيت إلى جدره .\rوهذا يدل على أن سترته كانت جدار البيت دون السرير ، ولعل السرير لم يكن مرتفعا شاخصا عن الأرض كمؤخرة الرحل .\rويدل على هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أحيانا إذا سجد يغمزها برجله ، ولو كان السرير مرتفعا عن الأرض قدر ذراع أو قريب منه لم يتمكن من ذلك .\r\r* * *","part":3,"page":331},{"id":606,"text":"100- باب\rيرد المصلي من مر بين يديه\rورد ابن عمر في التشهد وفي الكعبة ، وقال : أن أبى إلا أن يقاتله قاتله .\rرد ابن عمر في الكعبة قد ذكرناه في ((باب : السترة بمكة وغيرها)) .\rوأما رده في التشهد ، فقال أبو نعيم : ثنا فطر بن خليفة ، عن عمرو بن دينار ، قال : مررت بابن عمر بعد ما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع ، فارتفع من مكانه فدفع في صدري .\rقال : وثنا جعفر بن برقان ، عن عمرو بن دينار ، قال : أردت أن أمر بين يدي ابن عمر وهو يصلي ، فانتهرني بتسبيحه .\rقال : وثنا بشير بن مهاجر ، قال : رأيت أنس بن مالك وهو جالس في صلاته لم ينصرف ، فجاء رجل يريد أن يمر بينه وبين السارية ، فأماطه .\rوروى ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : انصرف الإمام من العصر ، فقمت أبادر مجلس عبيد بن عمير ، فمررت بين يدي ابن عمر وأنا لا أشعر ، فقال : سبحان الله ، سبحان الله - مرتين - وجثا على ركبتيه ، ومد يديه حتى ردني .\rوأما قول ابن عمر : ((أن أبى إلا أن تقاتله فقاتله)) . فقد خرجه عبد الرزاق في ((كتابه)) عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : لا تدع أحدا يمر بين يديك وأنت تصلي ، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله .\rوقد روي عن ابن عمر مرفوعا من رواية الضحاك بن عثمان ، عن صدقة بن يسار ، عن عبدالله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإن معه القرين)) .\rخرجه مسلم .\rوفي رواية أخرى لابن ماجه : ((فإن معه العزى)) .\rوروى النضر بن كثير أبو سهل السعدي ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا كنت تصلي فمر بين يديك أحد ، فرده ، فإن أبى فرده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنه شيطان)) .\rخرجه الدارقطني في ((المختلف والمؤتلف)) .\rوقال في النضر هذا : فيه نظر .\rوكذا قال أبو حاتم الرازي : شيخ فيه نظر . وكذا قال البخاري : فيه نظر . وقال في موضع آخر : عنده مناكير .\rوخرجه الطبراني في ((الأوسط)) ، وقال : تفرد به النضر بن كثير.\rولفظه : ((فإن عاد الرابعة فقاتله)) .\rوخرجه البزار ، وقال : لا نعلم أسند قتادة عن نافع ، عن ابن عمر إلا هذا ، ولا رواه عن سعيد إلا النضر ، وهو بصري مشهور لا بأس به .\rوزعم ابن حبان : أنه يروي الموضوعات عن الثقات . فالله اعلم.\rقال البخاري - رحمه الله - :\r509- حدثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا يونس ، عن حميد بن هلال ، عن أبي صالح ، أن أبا سعيد قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":3,"page":332},{"id":607,"text":"وحدثنا آدم : ثنا سليمان بن المغيرة : ثنا حميد بن هلال العدوي : ثنا أبو صالح السمان ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه ، فدفع أبو سعيد في صدره ، فنظر الشاب فلم يجد مساغا إلا بين يديه ، فعاد ليجتاز ، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى ، فنال من أبي سعيد ، ثم دخل على مروان ، فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد ، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان ، فقال : مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد ؟ قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان)) .\rسليمان بن المغيرة ، لم يخرج له البخاري إلا هذا الحديث متابعة لحديث يونس بن عبيد ، وإنما خرجه بعد إسناد حديث يونس ؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه .\rأما في إسناده ، ففيه : التصريح بسماع حميد له من أبي صالح ، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد .\rوأما في المتن ، فإن فيه : ذكر الصلاة إلى السترة ، وليس هو في حديث يونس .\rوكذلك رواه سليم بن حيان ، عن حميد ، ولم يقل - أيضا - (( إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس )) .\rوحينئذ ؛ فلفظ الحديث الذي ساقه البخاري لسليمان بن المغيرة ، وحمل حديث يونس عليه ، ولم ينبه على ما في حديث سليمان من الزيادة .\rوقد نبه على ذلك الإسماعيلي .\rوكذلك روى مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد\rالخدري ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا كان أحدكم يصلى فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، وليدرأه ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله ؛ فإنما هو شيطان )) .\rخرجه مسلم .\rوقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد من رواية عطاء بن يسار وأبي الوداك .\rوروي - أيضا - من رواية عطاء بن يسار ، عنه .\rوليس في حديث احد منهم ذكر الصلاة إلى السترة ، وإنما تفرد بذكرها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال . والله اعلم .\rوتابعه على ذكرها : ابن عجلان ، عن زيد بن اسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه .\rوقد خرج حديثه أبو داود وابن ماجه .\rوليس ابن عجلان بذاك الحافظ .\rوتابعه - أيضا - : داود بْن قيس ، عَن زيد بْن أسلم .\rخرج حديثه عبد الرزاق ، عنه ، بسياق مطول ، وفيه : أن أبا سعيد دفع الفتى حتى صرعه ، وانه لما سأله مروان عن ذلك قال : ما فعلت ، إنما دفعت شيطانا ، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( إذا أراد أن يمر بين يديك وبين سترتك احد فاردده ، فإن أبى فاردده فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان )) .\rوخرج الإمام أحمد عن عبد الرزاق المرفوع منه خاصة .\rوخرج من حديث زهير ، عن زيد بن اسلم الحديث بنحو رواية مالك ، من غير ذكر سترة .\rوخرج مسلم حديث سليمان بن المغيرة : عن شيبان بن فروخ ، عنه ، وفي سياقه أشياء مخالفة لسياق البخاري .","part":3,"page":333},{"id":608,"text":"منها : أن أبا سعيد دفع في نحر الشاب مرتين ، وقال في الثانية : فمثل قائما ، فنال من أبي سعيد ، ثم زاحم الناس ، فخرج فدخل على مروان . وفيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( فليدفع في نحره )) .\rوفيما فعله أبو سعيد : دليل على دفع المار بين المصلي وبين سترته ، وإن ازدحم الناس ، ولم يجد المار سبيلا سوى ذلك .\rويدل عليه - أيضا - : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر )) .\rفإنه يدل على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكا يباح له المرور فيه خير له من المرور بين يدي المصلي ، وإن لم يجد طريقا غيره .\rوقد قال بعض الشافعية والمالكية وبعض أصحابنا : لا يكره المرور حينئذ ، ولا يمنع منه .\rقال أصحابنا : لكن يضع المار شيئا يمر من ورائه ، أو يخط خطا إذا لم يجد .\rوكلام أحمد وأكثر أصحابنا ليس فيه شيء من هذا ، وكذا كلام أكثر أصحاب الشافعي ، والرجوع إلى ما فهمه الصحابي من الحديث الذي رواه وعمل به مستدلا به أولى .\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع )) .أمر بدفع المار ، ونهى عن تمكينه من المرور ، وظاهره الوجوب .\rوقد وقع في كلام ابن عبد البر ما يقتضيه ، وانه لا يعلم فيه خلافا ووقع في كلامه - أيضا - ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب ، وهو قول كثير من أصحابنا والشافعية وغيرهم .\rوروي أبو نعيم : ثنا سفيان ، عن داود ، عن الشعبي ، قال : إذا مر الرجل بين يديك وأنت تصلي فلا ترده .\rولعله أراد إذا مر وذهب من بين يديه إلى الناحية الأخرى ، فإنه لا يرده من حيث جاء ، فإنه يصير مرورا ثانيا .\rوهذا قول الجمهور ، وخالف فيه بعض السلف ، منهم ابن مسعود وسالم .\rوفي كلام بعض المالكية ما يقتضي وجوب الدفع ، إذا كان للمار مندوحة عنه وكان المصلى قد تعرض لذلك في ابتداء صلاته .\rوسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب الأتي - إن شاء الله .\rوفي رواية سليمان بن المغيرة المخرجة في(( الصحيحين )) : (( إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس ، فأراد احد أن يمر بين يديه ، فليدفعه )) : دليل من قبل مفهوم الشرط على أن من صلى إلى غير سترة فلا يرد من مر بين يديه ، وهو قول ابن المنذر وبعض أصحابنا .\rوأما أكثر أصحابنا فعندهم : أن رد المصلي لا يختص بمن كان يصلي إلى سترة ، بل يشترك فيه من صلى إلى سترة ومن صلى إلى غير سترة ومر بقربه مار .\rواستدلوا بعموم الأحاديث التي لَمْ يذكر فيها هذا الشرط ، وجعلوا هذه الرواية المذكور فيها الشرط من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، فلا يقتضي تخصيصه ، إلا أن يكون له مفهوم ، فيبنى على أنه : هل يخص العموم بالمفهوم ، أم لا ؟","part":3,"page":334},{"id":609,"text":"وأما الشافعية ، فقالوا يحرم المرور بين يدي المصلي إلى سترة وبين سترته ، على الصحيح عندهم ، ومن صلى إلى غير سترة كره المرور بين يديه ، ولم يحرم .\rوهل يدفعه المصلي ؟ لهم فيه وجهان : أصحها عندهم : لا يدفعه ؛ لمفهوم قوله : (( إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة )) .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( فليدفعه)) ، وفي رواية مسلم : (( فليدفع في نحره )) ، وفي روايته : أن أبا سعيد دفع في نحر المار بين يديه ، وفي رواية البخاري : أنه دفع في صدره .\rوقد كان ابن عمر وغيره من الصحابة يدفعون المار بين أيديهم .\rونقل أبو طالب ، عن أحمد ، وذكر حديث أبي سعيد هذا ، فقال أحمد : يمنعه فإن أبى عليه فهو في صلاته يدرأ عن نفسه ما استطاع .\rوقال إسحاق بن إبراهيم بن هانىء : رأيت أبا عبد الله - يعني : أحمد - إذا صلى فمر بين يديه احد دفعه دفعا رفيقا ، فإن أبى إلا أن يمر دفعه دفعا شديدا .\rوقال أبو الحارث : أخبرني بعض أصحابنا ، أنه رأى أحمد يوم الجمعة يصلي في مسجد الجامع ، فمر بين يديه رجل فرده ، فأبى أن يرجع ، فدفعه حتى رمى به .\rوقال في رواية حنبل : إذا أراد أن يمر بين يديك رجل فامنعه ما قدرت .\rوقد دل فعل أبي سعيد على أن المار إذا أبى أن يرجع بالدفع الأول فإنه يدفع في المرة الثانية اشد من الدفع الأول وكذلك فعله الإمام أحمد .\rوأما قوله : (( فإن أبى فليقاتله )) ، إذن في قتاله في المرة الثانية.\rوفي رواية ابن عمر : أن القتال في الرابعة ، لكن في إسنادها ضعف كما سبق .\rوقال أصحاب الشافعي : يدفعه دفع الصائل بالأسهل فالأسهل ، ويزيد بحسب الحاجة ، وإن أدى إلى قتله فمات منه فلا ضمان فيه كالصائل .\rوحكى القاضي أبو يعلى ومن تابعه من أصحابنا عن أحمد في قتاله روايتين :\rإحداهما : يقاتله ، وذكروا نصوص أحمد السابقة .\rوالثانية : لا يفعل ؛ فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي : يدرأ ما استطاع ، وأكره القتال في الصلاة .\rذكره عنه الجوزجاني في ((كتابه المترجم))، وخالف في ذلك، وقال : بل يقاتله ؛ فإنه شيطان لا حرمة له .\rوقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) في قوله : ((فليقاتله)): المراد بالمقاتلة: المدافعة ، وأظنه كلاما خرج على التغليظ ، ولكل شيء حد . قال : وأجمعوا على أنه لا يقاتله بسيف ولا بخاطفة ولا يبلغ معه مبلغا تفسد به صلاته .\rوحكى عن أشهب ، أنه قال : يرده بإشارة ، ولا يمشي إليه ؛ لأن مشيه إليه أشد من مروره بين يديه ، فإن فعل لم تبطل صلاته إذا لم يكن عملا كثيرا .\rقال ابن عبد البر : وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز - في أكبر ظني - ضمن رجلا دفع آخر مرّ بين يديه وهو يصلي ، فكسر أنفه دية ما جنى على أنفه ، فدل على أنه لم يكن له أن يبلغ به ذلك .\rوقد كان الثوري يدفع المار بين يديه دفعا عنيفا .","part":3,"page":335},{"id":610,"text":"وذكر القاضي أبو يعلى من أصحابنا : أن أبا بكر أحمد بن سلمان النجاد روى بإسناده عن مالك ، أنه بلغه أن رجلا في زمان عثمان مر بين يدي رجل وهو يصلي ، فرماه فشجه ، فأتوا عثمان ، فقال : أيمر بين يدي وأنا أصلي ؟ فقال عثمان : الذي صنعت أعظم .\rوقال ابن عبد البر : في ((الاستذكار)) . فإن دافعه مدافعة لا يقصد بها قتله فكان فيها تلف نفسه كانت عليه ديته كاملة في ماله .\rوقد قيل : الدية على عاقلته .\rوقيل : هي هدر على حسب ثنية العاض .\rقال : وهذا كله يدل على نفي القود ؛ لأنه فعل تولد من عمل أصله مباح .\rقال : وقد كان أبو سعيد الخدري يشتد في هذا - وهو راوي الحديث - طلبا لاستعمال ظاهره .\rثم ذكر عن ابن أبي شيبة ، أنه روى عن أبي معاوية ، عن عاصم ، عن ابن\rسيرين ، قال : كان أبو سعيد قائما يصلي ، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه ، فمنعه ، فأبى إلا أن يمضي ، فدفعه أبو سعيد وطرحه ، فقيل له : تصنع هذا بعبد الرحمن ؟ فقال : والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره لأخذت .\rقال : وذكر عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عاصم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي العالية ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : مر رجل من بني مروان بين يدي في الصلاة ، فدفعته ثلاث مرات ، فشكاني إلى مروان ، فذكر ذلك لي ، فقلت : لو أبى لأخذت بشعره .\rقال عبد الرزاق : وأنا ابن جريج ، قال : سمعت سليمان بن موسى يحدث ، عن عطاء ، قال : أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد الخدري ، وهو يصلي ، وعليه حلة له ، ومروان أمير بالمدينة ، فرده ، فكأنه أبى ، فلهزه في صدره ، فذهب الفتى إلى أبيه ، فاخبره ، فدعا مروان أبا سعيد ، فذكر ذلك له ، فقال : نعم ؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((أردده ، فإن أبى فجاهده)) .\rوروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) : ثنا عبدالله بن عامر ، عن زيد بن أسلم ، قال : بينما أبو سعيد يصلي في المسجد ، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فأراد أن يمر بين يديه ، فدرأه ، فأبى إلا أن يمر ، فدفعه ولطمه ، وقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((أن أبى إلا أن يمر فاردده ، فإن أبى إلا أن يمر فادفعه ؛ فإنما تدفع الشيطان)) .\rعبد الله بن عامر الأسلمي فيه ضعف .\rوزيد بن أسلم ، إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، كما تقدم .\rوتسمية المار الوليد بن عقبة غريب غير محفوظ .\rوروى ابن أبي شيبة : ثنا أبو أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - ، ومر بين يديه رجل وهو يصلي ، فجبذه حتى كاد يخرق ثيابه .\rوبإسناده ، عن سعيد بن جبير ، أنه سئل : أدع أحدا يمر بين يدي؟ قال : لا . فقيل له : فإن أبى ؟ قال : فما تصنع ؟ قيل له : إن ابن عمر كان لا يدع أحدا يمر بين يديه . قال : أن ذهبت تصنع صنيع ابن عمر دق أنفك .\r... وفي هذا إشارة إلى شدة رد ابن عمر من مر بين يديه ، وأن غيره لا يتمكن من مثل ذلك .","part":3,"page":336},{"id":611,"text":"وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((فإنما هو شيطان)) . تعليل للإذن في قتاله .\rوقد اختلف في معناه :\r... فقيل : المعنى : أن معه الشيطان المقترن به ، وهو يأمره بذلك وهو اختيار أبي حاتم وغيره .\rويدل عليه : حديث ابن عمر : ((فإن معه القرين)) .\rوقيل : المراد : أن فعله هذا فعل الشيطان ، فهو بذلك من شياطين الإنس ، وهو اختيار الجوزجاني وغيره .\rوروى الدراوردي ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أنه كان يصلي ومر بين يديه ابن لمروان ، فضربه ، فقال مروان : ضربت ابن أخيك ؟ فقال : ما ضربت إلا شيطانا ؛ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((إن أبى فرده ، فإن أبى فقاتله ؛ فإنما هو شيطان)) .\rوبكل حال ؛ فيستدل به على تحريم المرور بين المصلي وسترته ؛ لأنه جعله من عمل الشياطين ، وأمر بالعقوبة عليه ، وذلك من أدلة التحريم .\r\r* * *","part":3,"page":337},{"id":612,"text":"101- باب\rإثم المار بين يدي المصلي\r510- حدثنا عبدالله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن\rعبيد الله ، عن بسر بن سعيد ، أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله : ماذا سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المار بين يدي المصلي ؟ فقال أبو جهيم : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه)) .\rقال أبو النضر : لا أدري : قال أربعين يوما ، أو شهرا ، أو سنة؟\rوخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك .\rوخرجه - أيضا - من طريق وكيع ، عن سفيان - هو : الثوري - ، عن سالم أبي النضر - بمعنى حديث مالك .\rورواه ابن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، قال : أرسلني أبو الجهيم ، أسأل زيد بن خالد الجهني : ما سمعت من النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول - فذكره من رواية زيد بن خالد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rكذا رويناه في ((مسند الحميدي)) ، عن سفيان .\rوكذا خرجه ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، عن ابن عيينة ، إلا أنه قال : ((أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله)) - ولم يذكر من أرسله.\rوذكر أن الشك في تمييز الأربعين من ابن عيينة .\rوهذا كله وهم .\rوممن نص على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم من ابن عيينة ، وخطأ : ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة ، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل .\rوقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده ، ولم يحفظه جيدا .\rوقد روي عنه كقول مالك وسفيان على الصواب .\rخرجه ابن خزيمة ، عن علي بن خشرم ، عنه .\rومن تكلف الجمع بين القولين من المتأخرين ، فقوله ليس بشيء، ولم يأت بأمر يقبل منه .\rوأبو الجهيم ، هو : ابن الحارث بن الصمة ، وقد سبق له حديث في ((التيمم)) .\rوقد رواه الضحاك بن عثمان ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن خالد ، قال : قَالَ : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما)) - وذكر الحديث .\rخرجه أبو العباس السراج في ((مسنده)) .\rوهذا يوافق رواية ابن عيينة ، وهو - أيضا - وهم .\rوزيادته : ((والمصلي)) غير محفوظة - أيضا .\rوقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاري ، ومسلم - أيضا- بعد : ((ماذا عليه)) : ((من الإثم)) ، وهي غير محفوظة .\rوذكر ابن عبد البر : أن هذه اللفظة في رواية الثوري ، عن سالم أبي النضر .","part":3,"page":338},{"id":613,"text":"وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوري ، مدرجة بلفظة : ((يعني : من الإثم)) ، فدل على إنها مدرجة من قول بعض الرواة ، وتفسير للمعنى ؛ فإن هَذَا يفهم من قوله : ((ماذا عَلِيهِ)) ، فإن ابن آدم لَهُ عمله الصالح وعليه عمله السيئ ، كما قَالَ تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } [فصلت:46] . وقال : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } [البقرة:286] ، وإذا كان هذا عليه فهو من سيئاته .\rوفي المعنى أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري :\rفروى عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، عن عمه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لو يعلم أحدكم ما له أن يمشي بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه ، كان لأن يقف في ذلك المكان مائة عام أحب إليه أن يخطو)) .\rخرجه أحمد ، وهذا لفظه .\rوخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) بمعناه .\rوخرجه ابن ماجه ، ولم يذكر : ((وهو يناجي ربه)) ، وعنده : ((معترضا في الصلاة)) .\rوعبيد الله بن عبد الله بن موهب ، ضعفه يحيى . وقال النسائي : ليس بذاك القوي. وقال ابن عدي هو حسن الحديث يكتب حديثه .\rوخرج الطبراني من رواية ابن أخي ابن وهب، عن عمه : ثنا عبدالله بن عيا ش ، عن أبي رزين الغافقي ، عن عبدالله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((الذي يمر بين يدي الرجل وهو يصلي عمدا ، يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة)) .\rإسناده ليس بقوي .\rوقد روي موقوفا ، بلفظ آخر ، من وراية أبي عبد الرحمن المقري : ثنا موسى بن أيوب ، قال : سمعت أبا عمران الغافقي يقول : سمعت عبدالله بن عمرو يقول : لأن يكون الرجل رمادا يذرى به خيرا له من أن يمر بين يدي رجل متعمدا وهو يصلي .\rخرجه ابن عبد البر وغيره .\rوروى ابن أبي شيبة ، عن أبي أسامة ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، قال : سمعت عبد الحميد بن عبد الرحمن - عامل عمر بن عبد العزيز - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن تنكسر فخذه ولا يمر بين يديه)) .\rهذا مرسل .\rوأبو أسامة ، قد قيل : إنه كان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشامي ، ويسميه : ابن جابر ، وابن تميم ضعيف ، وابن جابر ثقة .\rوذكر مالك في ((الموطإ)) عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن كعب الأحبار ، قال : لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خير له من أن يمر بين يديه .\rوروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، قال : قَالَ عمر - رضي الله عنه - : لو يعلم المار بين يدي المصلي ما يصيب من الإثم ما مر أحد بَيْن يدي أحد ، وهو يصلي .\rوروى أبو بكر النجاد الفقيه الحنبلي ، بإسناده عن ابن عمر ، قال : لأن يكون الرجل رمادا يذري به خير من أن يمر بين يدي رجل وهو يصلي","part":3,"page":339},{"id":614,"text":"وبإسناده ، عن قتادة ، أن عمر وأبا الدرداء قالا : لو يعلم المار بين يدي المصلي كان أن يقوم حولا أهون عليه من أن يمر بَيْن يديه .\rوروى أبو النعيم - أيضا - : ثنا أبو خلدة ، عن أبي العالية ، قالا : إن الإنسان إذا صلى بين يديه ملك يكتب ما يقول ، فما أحب أن يمر بين يدي شيء .\rوفي هذا إشارة إلى علة كراهة المرور بين يدي المصلي ، وهو قرب الملائكة منه ، فالمار يصير دخيلا بين المصلي وملائكته الموكلين به .\rوفي حديث أبي هريرة المتقدم : إشارة إلى أن المصلي مشتغل بمناجاة ربه ، والرب تعالى يقرب المصلي له إليه ، قربا لا يشبه قرب المخلوقين ، كما سبق ذكره في (( أبواب : البصاق في القبلة )) .\rفالداخل بين المصلي وبين ربه في حال مناجاته له ، وتقريبه إياه ، وإقباله عليه ، واستماعه منه ما يناجيه ، ورده عليه جواب ما يتلوه من كتابه متعرض لمقت الله ، ومستحق لعقوبته .\rوهذا كله يدل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، وهو الصحيح عند أصحابنا ، والمحققين من أصحاب الشافعي .\rوطائفة منهم ومن أصحابنا أطلقوا الكراهة .\rوكذلك أطلقها غيرهم من أهل العلم ، منهم : ابن عبد البر وغيره.\rوحكاه الترمذي عن أهل العلم .\rوقد حمل إطلاق هؤلاء للكراهة على التحريم؛ فإن متقدمي العلماء كانوا يستعملون ذلك كثيرا.\rوقد حكى ابن حزم في ((كتاب الإجماع)) الاتفاق على أن المار بين المصلي وسترته آثم .\rوفي الحديث : دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي ، سواء كان يصلي إلى سترة أو لم يكن ، فإن كان يصلي إلى سترة حرم المرور بينه وبينها ، إذا لم يتباعد عنها كثيرا .\rوإن لم يكن بينه وبين القبلة سترة ، أو كانت سترة وتباعد عنها تباعدا فاحشا ، ففي تحريم المرور وجهان لا صحابنا :\rأصحهما : التحريم ؛ لعموم حديث أبي جهيم .\rوالثاني : يكره ولا يحرم ، وهو قول أصحاب الشافعي .\rوالذي نص عليه الشافعي في ((كتاب اختلاف الحديث)) أنه مباح غير مكروه ، واستدل عليه بحديث ابن عباس والمطلب بن أبي وداعة .\rوفي قدر القرب الذي يمنع المرور فيه وجهان لأصحابنا\rأحدهما : أنه محدود بثلاثة اذرع ؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة ، على ما سبق .\rوالثاني : حده بما لو مشى إليه لدفع المار أو غيره ، لم تبطل صلاته .\rوجاء في حديث مرفوع من حديث ابن عباس : تقديره بقدر قذفة بحجر .\rخرجه أبو داود وسنذكره فيما بعد - أن شاء الله تعالى .\rوحكي عن الحنفية ، أنه لا يمنع من المرور إلا في محل سجود المصلي خاصة .\rوحكى أبو بكر ابن العربي ، عن قوم أنهم قدروه بمثل طول الرمح ، وعن آخرين أنهم قدروه برمية السهم ، وقالوا : هو حريم للمصلي . قال : وأخذوه من لفظ المقاتلة ، ولم يفهموا المراد منها . قال : والمقاتلة هنا : المنازعة بالأيدي خاصة .\rوقال الشافعي : قوله : (( فليقاتله )) - يعني : فليدفعه .","part":3,"page":340},{"id":615,"text":"فإما من وقف في مجاز الناس الذي ليس لهم طريق غيره وصلى ، فلا إثم في المرور بين يديه ، صرح به أصحابنا وغيرهم ؛ لأنه مفرط بذلك ، فلا حرمة له .\rوحكى القرطبي ، عن أصحابهم المالكية ، أن المصلي إذا كان في موضع لا يأمن المرور عليه اشترك هو والمار في ألاثم .\rوهذا يدل على أنه يحرم المرور بين يديه - أيضا - ، ولكنه يأثم المار والمصلي جميعا .\rوكذلك قال بعض الشافعية : أنه إذا صلى على الطريق ، أو قصر في الدفع شارك المار في الإثم ، وحملوا رواية السراج المتقدمة : (( لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما )) على ذلك .\rوحكي عن بعض الفقهاء ، أنه إن كان للمار مندوحة عن المرور ، وكان المصلي متعرضا لذلك أثما جميعا ، وإن لم يكن للمار مندوحة ، ولا المصلي متعرضا لذلك فلا إثم على واحد منهما ، وإن لم يتعرض المصلي لذلك ، وكان للمار مندوحة إثم المار وحده ، وإن لَمْ يتعرض المصلي لذلك ، ولم يكن للمار مندوحة أثم المصلي وحده .\rوقال أبو عمر ابن عبد البر ، الإثم على المار بين يدي المصلي فوق الإثم على الذي يدعه يمر بين يديه ، وكلاهما عاص إذا كان بالنهي عالما ، والمار اشد إثما إذا تعمد ذلك ، وهذا مما لا اعلم فيه خلافا .\rكذا قال ؛ مع أنه ذكر في موضع آخر: أن الدفع ليس بلازم ، ولا يأثم من تركه، وإنه قول الثوري وغيره .\rوخرج ابن أبي شيبة من رواية الأسود ، قال : قال عبد الله - هو : ابن مسعود - : من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلي فليفعل؛ فإن المار بين يدي المصلي انقص من الممر عليه.\rولعله أراد أن المار انقص علما أو دينا أو خيرا من الممر عليه ، ولم يرد - والله أعلم - أنه انقص منه إثما ، اللهم إلا أن يحمل على ما إذا كان المصلي مفرطا بصلاته في موضع مرور الناس ، والمار لا يجد بدا من مروره كما سبق .\rوقد روى عن جماعة من الصحابة ، أن الصلاة تنقص بمرور المار :\rفروى أبو نعيم : ثنا سليمان بن المغيرة - أظنه : عن حميد بن هلال - ، قال : قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : لو يعلم المصلي قدر ما ينقص من صلاته ما صلى أحدكم إلا إلى شيء يستره من الناس .\rوهذا منقطع .\rوقد روي عن ابن مسعود ، أنه ينقص نصف صلاته .\rقال أبو طالب : قلت لأحمد : قول ابن مسعود : أن ممر الرجل يضع نصف صلاته ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يضع من صلاته ، ولكن لا يقطعها ، ينبغي له أن يمنعه .\rوهذا الذي أشار إليه خرجه أبو بكر النجاد بإسناده، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه ، قال : كان عبد الله إذا مر بين يديه رجل وهو يصلي التزمه حتى يرده . قال : وقال عبد الله : إن مرور الرجل بين يدي الرجل ليضع نصف صلاته .\rقال القاضي أبو يعلي : وينبغي أن يكون هذا محمولا على ما إذا أمكنه أن يرده فلم يرده ، فيكون قد اخل بفضيلة الرد .\rكذا قال ؛ وفيه نظر .","part":3,"page":341},{"id":616,"text":"ومذهب أحمد وأصحابه : أن مرور الكلب الأسود يبطل الصلاة ويقطعها ، سواء أمكنه الرد وتركه ، أو تركه عجزا ، كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى .\rوعلى هذا؛ فلا يبعد القول بنقص كمال الصلاة بمرور غير الكلب ، وإن عجز عَن دفع ذَلِكَ .\rولهذا المعنى رد طائفة من العلماء حديث قطع الصلاة بمرور الكلب وغيره ، وقالوا: إنه مخالف للقرآن في قوله تعالى : { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الأنعام:164]، كما ذكر ذلك الشافعي .\rوقد روي : أن مرور الرجل بين يدي الرجل في صلاته يقطع صلاته .\rوخرجه أبو داود في ((سننه)) بإسناد فيه نظر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بتبوك إلى\rنخلة ، فأقبل غلام يسعى حتى مر بينه وبين قبلته ، فقال : ((قطع صلاتنا ، قطع الله\rأثره)) . قال : فما قمت عليها إلى يومي هذا .\rوهذا مما يستدل به على أن قطع الصلاة يراد به إذهاب كمال فضلها ، دون إبطالها من أصلها ، وإيجاب إعادتها ، كما سيأتي ذكره - أن شاء الله تعالى .\rوروى عبدالله ابن الإمام أحمد في ((المسند)) : ثنا سويد بن سعيد : ثنا إبراهيم بن سعد : حدثني أبي ، عن أبيه ، قال : كنت أصلي ، فمر رجل بين يدي فمنعته ، فسألت عثمان بن عفان ، فقال : لا يضرك يا ابن أخي .\rوظاهر هذا : أنه لا ينقض الصلاة ، ويحتمل أنه أراد أنه لم تبطل صلاته أو لعله أراد أنه إذا منعه من المرور فلا يضره إذا رجع ولم يمر .\rوقد روي ، عن عائشة ما يدل على أن المرور بين يدي المصلي إذا لم يقطع صلاته فهو جائز :\rقال : عبدالله ابن الإمام أحمد في ((مسائله)) : ثنا أبي : ثنا حجاج : أبنا شعبة ، قال : سمعت عبد الرحمن بن سعيد بن وهب ، قال : سمعت صفية بنت شيبة ، قالت : كانت امرأة تصلي عند البيت إلى مرفقة ، وكانت عائشة تطوف ، فمرت عَائِشَة بينها وبين المرفقة ، فقالت عائشة : إنما يقطع الصلاة الهر والكلب الأسود .\rولعل عائشة - رضي الله عنها - كانت ترى أن المسجد الحرام لا يمنع فيه المرور بين يدي المصلي كما سبق ، وإنما ذكرت أن الصلاة لا تقطع بذلك لئلا ؛ تظن تلك المرأة بطلان صلاتها . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":342},{"id":617,"text":"102- باب\rاستقبال الرجل الرجل وهو يصلي\rوكره عثمان أن يستقبل الرجل وهو يصلي .\rوهذا إذا اشتغل به ، فأما إذا لم يشتغل به ، فقد قال زيد بن ثابت : ما باليت ؛ إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل .\rحكى البخاري عن عثمان - رضي الله عنه - ، أنه كره أن يستقبل الرجل وهو يصلي ، وعن زيد بن ثابت ، أنه قال : لا يبالي بذلك ؛ إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل .\rوجمع بينهما بان الكراهة إذا اشتغل به المصلي عن صلاته ، وعدم الكراهة إذا لم يشتغل به عن صلاته .\rوقد روى في هذا حديث مرفوع يشهد لما قاله :\rرواه عبد الأعلى الثعلبي ، عن محمد بن الحنفية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى رجل يصلي إلى رجل ، فأمره أن يعيد الصلاة ، فقال : يا رسول الله ، إني قد أتممت ؟ فقال : ((إنك صليت وأنت تنظر إليه مستقبله)) .\rخرجه أبو داود في ((المراسيل)) .\rوخرجه البزار في ((مسنده)) والإسماعيلي في ((مسند علي)) ، وعندهما : عن ابن الحنفية ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوعبد العلي هذا ، ضعيف الحديث .\rوقد علل الإعادة بالنظر إليه ، وهو يشعر بأن نظره إليه ألهاه عن صلاته .\rوقال البزار بعد تخريجه للحديث : إنما أمره بالإعادة ؛ لاستقباله وجه الرجل من غير انحراف عنه .\rوروى أبو نعيم : ثنا مسعر ، قال : أراني أول من سمعته من القاسم ، قال : ضرب عمر رجلين : أحدهما مستقبل الآخر وهو يصلي .\rوهذا منقطع .\rونص أحمد على كراهة أن يصلي مستقبل رجل - : نقله عنه المروذي .\rونقل عنه ابنه صالح ، أنه قال : هذا منهي عنه .\rوعلل الأصحاب كراهة ذلك بان فيه تشبها بعبادة المخلوقين ، فكره كما تكره الصلاة إلى صورة منصوبة .\rوعلى هذا التعليل ، فلا فرق بين أن يشتغل بالنظر إلى ذلك ، أو لا يشتغل . والله اعلم .\rوكره أصحاب الشافعي الصلاة إلى آدمي ، يستقبله ويراه ، وعللوه بأنه يشغل المصلي ويلهيه نظره إليه .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r511- ثنا إسماعيل بن خليل : أبنا علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، ذكر عندها ما يقطع الصلاة ، فقالوا : يقطعها الكلب والحمار والمرأة ، فقالت : لقد جعلتمونا كلابا ؛ لقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وإني لبينه وبين القبلة ، وأنا مضطجعة على السرير ، فتكون لي الحاجة ، فأكره أن استقبله ، فأنسل انسلالا .\rوعن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - نحوه .\rوقد روى هذا الحديث أبو معاوية ، عن الأعمش ، بالإسناد الثاني ، وقال في حديثه : فأنسل من قبل رجلى السرير ، كراهة أن استقبله بوجهي .\rخرجه عنه الإمام أحمد .\rورواه ابن أبي زائدة ، عن الأعمش بالإسنادين ، وقال فيه : وأكره أن أستقبله بوجهي فأوذيه ، فأنسل من قبل رجلى السرير .","part":3,"page":343},{"id":618,"text":"وهذا يدل عل إنها كانت تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكره أن يستقبله أحد بوجهه وهو يصلي ، وكان ذلك ليلا ، ولم يكن في البيوت مصابيح ، كما صرحت به عائشة في حديثها الآخر ، فدل على أن كراهة استقبال المصلي وجه إنسان والإنسان ليس هو لمعنى الاشتغال بالنظر إليه عن الصلاة ، كما يراه البخاري . والله اعلم .\rوالظاهر : أن البخاري استدل بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عائشة على أنه لا تكره الصلاة مستقبل إنسان ، وفي ذلك نظر ؛ فإن عائشة لم تكن مستقبلة له ، بل كانت مضطجعة ، وإنما كره من كره استقبال وجه الآدمي .\r\r* * *","part":3,"page":344},{"id":619,"text":"103- باب\rالصلاة خلف النائم\r512- حدثنا مسدد : ثنا يحيى : ثنا هشام : قال : حدثني أبي ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، وأنا راقدة معترضة على فراشه ، فإذا أراد أن يوتر أيقضني فأوترت .\rاستدل البخاري بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عائشة بالليل على أنه لا تكره الصلاة خلف النائم .\rوكذلك قال أصحاب الشافعي .\rونقل حرملة عن الشافعي ، أنه إن كان النائم لا يحتشم من المصلي ، ولا يحتشم المصلي منه كالزوجة فلا بأس به ، وان النهي عن الصلاة خلف نائم يحتشمه .\rوالنهي الذي أشار إليه هو من رواية محمد بن كعب القرظي ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لا تصلوا خلف النيام والمتحدثين)) .\rخرجه أبو داود وابن ماجه .\rوله طرق إلى محمد بن كعب ، كلها واهية - : قاله أبو داود والعقيلي والبيهقي وغيرهم .\rوخرج البزار من رواية ابن أبي ليلى ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((نهيت أن أصلي إلى النيام والمتحدثين)) .\rابن أبي ليلى ، ضعيف ؛ لسوء حفظه .\rوخالفه سُفْيَان ، فرواه وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد -\rمرسلا ، وهو أصح .\rوكره طائفة الصلاة إلى النائم مطلقا ، منهم : أحمد وإسحاق .\rوعلل ذلك أصحابنا ؛ بأنه لا يؤمن أن يكون من النائم ما يشغل المصلي .\rوأجاب من ذهب إلى هذا عن حديث عائشة ، بأن الحاجة دعت إليه ؛ لضيق البيت .\rوعن أحمد ، أنه تختص الكراهة بالفريضة دون النافلة ؛ جمعا بين حديث عائشة وحديث ابن عباس .\rولعل هذا القول اقرب مما قبله .\rوإذا خالف وصلى ، فلا إعادة عليه في ظاهر مذهب أحمد وإسحاق ، وهو قول جمهور العلماء .\rوعن أحمد ، أنه يعيد الفريضة .\rقال القاضي أبو يعلى : يحتمل أن هذا على الاستحباب دون الإيجاب .\rوسئل النخعي عن الرجل يصلي إلى نائم ومضطجع : أيكون له سترة ؟ قَالَ :\rلا . قيل له : فيستر الجالس ؟ قال : نعم .\rوأما الصلاة خلف المتحدث ، فكرهها أكثر العلماء .\rروى سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن معد يكرب ، عن عبدالله ، قال : لا تصلوا إلى قوم يتحدثون .\rخرجه الأثرم .\rوخرجه أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) ، ولفظه : لا تصلوا بين يدي قوم يمترون.\rوهذا يدل على كراهة الصلاة أمام المتحدثين - أيضا .\rقال ابن المنذر : روينا عن ابن مسود وسعيد بن جبير ، أنهما كرها الصلاة إلى المتحدثين . وبه قال أحمد وأبو ثور . ورخص فيه الزهري والنعمان .\rوحكى الخطابي ، عن الشافعي ، أنه كرهه - أيضا .\rوعلل أحمد الكراهة بأن المتحدث يشغل المصلي إليه .\rوفرق سعيد بن جبير بين المتحدثين بذكر الله وغيره ، فكره الصلاة إلى المتحدث بغير الذكر ، دون الذاكر .\rخرجه حرب الكرماني وغيره .\rولا إعادة على من صلى إلى متحدث عند الجمهور .\rونقل حرب ، عن أحمد ، أنه قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه . وقال : الفريضة أشد .","part":3,"page":345},{"id":620,"text":"وكأنه ذهب إلى أنه يعيد .\r* * *","part":3,"page":346},{"id":621,"text":"104- باب\rالتطوع خلف المرأة\r513- حدثنا عبدالله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن\rعبيد الله ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنها قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني ، فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتهما .\rقالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح .\rدل هذا الحديث على أن من صلى إلى امرأة بين يديه ، وليست معه في صلاة واحدة فإن صلاته صحيحة ، وقد نص على ذلك سفيان وأحمد وإسحاق ، ولا نعلم فيه خلافا .\rوإنما اختلفوا : إذا كانا في صلاة واحدة ، وليس بينهما سترة .\rوقد سبق ذكر ذلك في ((باب : إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد)) .\rولكن يجيء على قول من يقول : إن مرور المرأة يبطل الصلاة ، وإن قيامها وجلوسها واضطجاعها كمرورها ، أنه تبطل الصلاة باستقبالها .\rوقد حكي رواية عن أحمد ، ونص أحمد على أن المرأة إذا كانت بين يدي المصلي ، وهي في غير صلاة فلا بأس به ، واحتج بحديث عائشة - : نقله عنه حرب .\rوكره الشافعي أن يستتر الرجل بالمرأة في صلاته ؛ لما يخشى من فتنتها للمصلي ، وشغلها لقلبه .\rوهذا إذا كان بحيث ينظر إليها ، فأما إن كان ذلك في ظلمة الليل ، كما في حديث عائشة ، فقد أمن من ذلك .\rولم يفرق الشافعي وأحمد بين النفل والفرض .\rوظاهر تبويب البخاري يدل على التفريق بينهما ، وأن الرخصة في النفل خاصة .\rوقد نص أحمد على مثل ذلك في رواية أخرى عنه ، وأن الرخصة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة كان مخصوصا به ؛ لأنه كان يملك نفسه ، وغيره يخشى عليه الفتنة ، وهذه دعوى لا دليل عليها .\r* * *","part":3,"page":347},{"id":622,"text":"105- باب\rمن قال : لا يقطع الصلاة شيء\r514- حدثنا عمر بن حفص بن غياث : ثنا أبي : ثنا الأعمش : ثنا إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة .\rقال الأعمش : وحدثني مسلم ، عن مسروق عن عائشة ، ذكر عندها ما يقطع الصلاة : الكلب والحمار والمرأة ، فقالت : شبهتمونا بالحمير والكلاب ، والله لقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا على السرير ، بينه وبين القبلة مضطجعة ، فتبدو لي الحاجة ، فأكره أن أجلس فأوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فانسل من عند رجليه .\r515 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم : ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد : ابنا ابن أخي ابن شهاب ، أنه سأل عمه عن الصلاة يقطعها شيء ؟ قال : لا يقطعها شيء .\rقال : وأخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم فيصلي من الليل ، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله .\rفي الرواية الأولى : أن عائشة استدلت بحديثها هذا على أن المرأة لا تقطع\rالصلاة ، وأنكرت التسوية بين المرأة والحمار والكلب ، وهذا يشعر بموافقتها على الحمار والكلب ، وسيأتي كلامها صريحا في ذلك فيما بعد -إن شاء الله تعالى .\rوفي الرواية الثانية : أن الزهري استدل بحديث عائشة على أن الصلاة لا يقطعها شئ ؛ لما فيه من الدلالة على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل إذا كانت بين يديه .\rوقد اختلف العلماء في هذا :\rفقالت طائفة -كما قاله الزُّهْرِيّ- : لا يقطع الصلاة شئ .\rوروي ذلك عن عثمان وعلي وحذيفة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس ، على اختلاف عن بعضهم .\rوروي عن أبي بكر وعمر من وجه لا يصح ، وسيأتي ذكره ـ أن شاء الله .\rوممن قال ذلك بعد الصحابة : سعيد بن المسيب وعبيدة السلماني والشعبي والقاسم بن محمد وعروة والزهري ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور وغيرهم .\rوروى شعبة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سالم ونافع ، عن ابن عمر ، قال : كان يقال : لا يقطع صلاة المسلم شئ .\rورواه إبراهيم بن يزيد الخوزي ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر قالوا : (( لا يقطع صلاة المسلم شئ ، وادرأ ما استطعت )) .\rخرجه الدارقطني .\rوالخوزي ، ضعيف جدا .\rوصحح الدارقطني في كتاب ((العلل)) وقفة ، وأنكر رفعه .\rوخرج أبو داود من رواية أبي أسامة ، عن مجالد، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال (( لا يقطع الصلاة شئ ، وادرءوا ما استطعتم )) .\rوخرجه -أيضا- من رواية عبد الواحد بن زياد ، عن مجالد ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد ، قال : إن الصلاة لا يقطعها شئ ، ولكن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ادرءوا ما استطعتم )) .\rفجعل أوله موقوفا .\rومجالد ، فيه ضعف مشهور .\rوقال أحمد : كم من أعجوبة لمجالد .","part":3,"page":348},{"id":623,"text":"وروى إدريس بن يحيى الخولاني ، عن بكر بن مضر ، عن صخر بن عبدالله بن حرملة ، سمع عمر بن عبد العزيز يقول : عن أنس بن مالك ، أن رسول ألله - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس ، فمر بين أيديهم حمار ، فقال عياش بن أبي ربيعة : سبحان الله ، سبحان الله ، فلما سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من المسبح آنفا : سبحان الله وبحمده ؟ )) قال : أنا يا رسول الله ؛ إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة . قال : (( لا يقطع الصلاة شئ )) .\rخرجه الدارقطني .\rوقال في كتاب (( العلل )) : خالف إدريس في رواية هذا الحديث الوليد بن مسلم ، فرواه عن بكر بن مضر ، عن صخر ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن عياش بن أبي ربيعة. وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر ، عن صخر ، عن عمر ابن عبد العزيز-مرسلا . والمرسل أصح .\rوقد روي هذا المتن من حديث علي وأبي هريرة وعائشة وأبي أمامه، ولا يثبت منها شئ .\rقال العقيلي : الرواية في هذا الباب فيها لين وضعف .\rوقالت طائفة : يقطع الصلاة مرور بعض الحيوانات .\rثم اختلفوا :\rفمنهم من قال : يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة ، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وعبدالله بن عياش بن أبي ربيعة ومكحول والحسن وأبي الإحوص .\rومنهم من قال : يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار والكافر ، رواه جابر بن زيد ، عن ابن عباس .\rوروي عن الحكم الغفاري ، أنه أعاد الصلاة من مرور حمار بين يديه .\rوروي عن عكرمة، قال : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والخنزير والحمار والكافر.\rوعن عطاء ، قال : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود .\rواختاره أبو بكر ابن خزيمة ، وزاد عليهما : الحمار .\rوالمشهور : عن عطاء ، أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود .\rوهو قول ابن جريج وأحمد في رواية عنه .\rوروت صفية بنت شيبة، عن عائشة ، قالت : إنما يقطع الصلاة الكلب والحمار والسنور .\rوفي رواية أخرى عن عائشة ، أنها قالت : والسنور الأسود .\rوحكي رواية عن أحمد في السنور الأسود .\rوقالت طائفة : لا يقطع الصلاة سوى الكلب ، وروي ذلك عن ابن عمر .\rوروي عنه أنه أعاد صلاته من مرور كلب أصفر بين يديه، رواه مطر الوراق ، عن نَافِع ، عَنْهُ .\rوروى بكر المزني ، أن ابن عمر أعاد ركعة من جرو مر بين يديه .\rوهذا يدل على أنه تختص الإعادة بالركعة التي مر فيها الكلب .\rوروى ليث ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : ادرءوا عن صلاتكم ما استطعتم ، وأشد ما يتقى عليها مرابض الكلاب .\rوقال ابن طاوس : كان أبي يشدد في الكلاب .\rومن هؤلاء من خص القطع بالكلب الأسود دون غيره من سائر الألوان .\rوروى شعبة ، عن الحكم ، عن خيثمة ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود .\rوقال أبو نعيم : ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : الكلب الأسود البهيم شيطان ، وهو يقطع الصلاة .","part":3,"page":349},{"id":624,"text":"حدثنا ابن عيينة ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن معاذ ـ مثله .\rوهو المشهور عن أحمد ، وقول إسحاق وأبي خيثمة زهير بن حرب وسليمان ابن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء أهل الحديث .\rواستدل من قال : تقطع الصلاة بشئ من ذلك بأحاديث رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وليس شئ منها على شرط البخاري ، ولا مما يحتج به .\rوقد خرج مسلم منها حديثين : حديث : أبي ذر ، وحديث أبي هريرة .\rفحديث أبي ذر : خرجه من طريق حميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود . قلت : يا أبا ذر ، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر ؟ فقال : يا ابن أخي ، سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سألتني ، فقال : (( الكلب الأسود شيطان )) .\rوحديث أبي هريرة خرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن الأصم : ثنا يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، قال : قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل )) .\rفأما حَدِيْث أبي ذر ، فَقَدْ قَالَ الإمام أحمد -فِي رِوَايَة المروذي- : إليه أذهب ، وَهُوَ صحيح الإسناد ، وَقَالَ -في رواية علي بن سَعِيد- : هو حديث ثبت ، يرويه شعبة وسليمان بن المغيرة - يعني : عن حميد بن هلال - ، ثم قال : ما في نفسي من هذا الحديث شيء .\rوقال الترمذي : حديث أبي ذر حسن صحيح .\rوقال البيهقي في (( كتاب المعرفة )) : هذا الحديث صحيح إسناده ، ونحن نحتج بأمثاله في الفقهيات ، وإن كان البخاري لا يحتج به .\rوقوله : (( إن البخاري لا يحتج به )) ، يشير إلى أنه لا يحتج بحديث عبد الله ابن الصامت بن أخي أبي ذر ، ولم يخرج له في (( كتابه )) شيئا .\rوقال الشافعي في كتاب ((مختلف الحَدِيْث)) - في الحديث الذي فيه المرأة والحمار والكلب - : أنه عندنا غير محفوظ .\rورده لمخالفته لحديث عائشة وغيره ، ولمخالفته لظاهر قول الله عز وجل : { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [ الأنعام : 164] .\rوفي مسائل الحسن بن ثواب عن الإمام أحمد : قيل له : ما ترى في الحمار والكلب والمرأة ؟ قال : الكلب الأسود يقطع ؛ أنه شيطان . قيل له حديث أبي ذر ؟ قال : هاتوا غير حديث أبي ذر ، ليس يصح إسناده ، ثم ذكر حديث الفضل بن عباس ، أنه مر على بعض الصف وهو على حمار . قيل له : إنه كان بين يديه عنزة ؟ قَالَ : هَذَا الحَدِيْث فِي فضاء .\rوأما حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ ، فَلَمْ يخرج البخاري ليزيد بْن الأصم ، ولا بني أخيه :\rعبد الله بن عبد الله أبي العنبس ، وأخيه عبيد الله شيئا .\rوهذا الحديث من رواية عبيد الله كما وجد في بعض النسخ ، وقيل : إن الصواب : أنه من رواية عبد الله .","part":3,"page":350},{"id":625,"text":"وقد روى حديث أبي هريرة من وجه آخر : من رواية هشام الدستوائي ، عن قتادة عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :\r(( يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار )) .\rخرجه الإمام أحمد وابن ماجه .\rوفي إسناده اختلاف على هشام في رفعه ووقفه ، وفي ذكر : (( سعد بن\rهشام )) في إسناده وإسقاطه منه ، والصحيح : ذكره - : قاله الدارقطني .\rورواه ابن أبي عروبة وغير واحد ، عن قتادة ، فوقفوه ، وذكروا في إسناده :\r(( هشاما )) .\rولعل وقفه أشبه .\rوقد روي عن أبي هريرة مرفوعا من وجه أخر لا يصح .\rوروى يحيى بن سعيد ، عن شعبة، عن قتادة ؛ قال : سمعت جابر بن زيد يحدث، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب )) .\rخرجه أبو داود ، وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحة)) ، وعند هما : (( الكلب الأسود )) .\rقال أبو داود : وقفه سعيد وهشام وهمام ، عن قتادة ، عن ابن عباس . انتهى .\rوكذا وقفه غندر ، عن شعبة . ورفعه سفيان بن حبيب ، عن شعبة .\rوذكر الحافظ أبو نعيم بإسناده ، عن يحيى بن سعيد ، قال : لم يرفعه عن قتادة غير شعبة . قال يحيى : وأنا أفرقه .\rوحكى غيره عن يحيى ، أنه قال : أخاف أن يكون وهم - يعني : شعبة .\rوقال الإمام أحمد : ثنا يحيى ، قال شعبة رفعه . قال : وهشام لم يرفعه .\rقال أحمد : كان هشام حافظا .\rوهذا ترجيح من أحمد لوقفه ، وقد تبين أن شعبة اختلف عليه في وقفه ورفعه .\rورجح أبو حاتم الرازي رفعه .\rوخرج أبو داود ، عن محمد بن إسماعيل البصري - هو : ابن أبي سمينة - ، عن معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن يحيى - هو : ابن أبي كثير - ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - قال : أحسبه عَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي والمرأة ، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قذفه بحجر )) .\rوقال أبو داود : لم أر أحدا يحدث به عن هشام ، واحسب الوهم فيه من ابن أبي سمينة ؛ لأنه يحدثنا من حفظه . انتهى .\rوهو مشكوك في رفعه .\rوقد خرجه ابن عدي من طريقين ، عن معاذ ، وقال : هذا عن يحيى غير محفوظ بهذا المتن .\rوقد تبين بذلك أن ابن أبي سمينة لم ينفرد به كما ظنه أبو داود ، ولكنه منكر كما قاله ابن عدي .\rوخرجه ابن أبي شيبة عن أبي داود ، عن هشام ، عن يحيى ، عن عكرمة - من قوله .\rورواه عبيس بن ميمون، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ،عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rقال أبو زرعة الرازي ، هو حديث منكر ، وعبيس شيخ ضعيف الحديث .\rوقال الأثرم : هذا إسناد واه .\rوروى سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب )) .\rخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في ((صحيحة)) .","part":3,"page":351},{"id":626,"text":"وقد اختلف فيه على قتادة ، وعلى الحسن :\rفقيل : عن قتادة ، كما ترى في الإسناد ، وهو الصحيح عند الدارقطني وغيره .\rوقيل عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس .\rوقيل عنه ، عن قتادة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس - من قوله كما سبق .\rوقال هشام : عن قتادة ، عن زرارة ، عن سعد ، عن أبي هريرة كما سبق .\rواختلف فيه عن الحسن :\rفقيل : عنه كما ترى .\rوقال حوشب : عن الحسن ، عن الحكم بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوذكر هذا الاختلاف الدارقطني، وقال : الصحيح من ذلك : قتادة ، عن الحسن، عن ابن مغفل .\rوروى يحيى بن أبي كثير ، عن شعبة : عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار )) .\rخرجه البزار .\rوكذا رواه أبو زيد الهروي سعد بن الربيع ، عن شعبة - مرفوعا .\rورواه غندر وأبو الوليد ومحمد بن كثير ، عن شعبة ، عن عبيد الله ، عن أنس موقوفا .\r... قال الدارقطني : والموقوف اصح .\rوخرج الإمام أحمد ثنا أبو المغيرة : ثنا صفوان : ثنا راشد بن سعد ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( لا يقطع صلاة المسلم شيء ، إلا الحمار والكافر والكلب والمرأة )) . قالت عائشة : يا رسول الله ، لقد قرنا بدواب سوء .\rهذا منقطع ؛ راشد لَمْ يسمع من عَائِشَة بغير شك .\rووهم فِي ذَلِكَ ، وإنما الصحيح : ما رواه أصحاب عائشة الحفاظ ، عنها ، أنه ذكر عندها ذلك ، فقالت : لقد قرنتمونا بقرناء سوء ، ونحو هذا المعنى .\rوقد ذكر الميموني أن أحمد ذكر له أن ألحوضي روى من طريق الأسود ، عن عائشة - مرفوعا - : (( يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود )) . . فقال أحمد : غلط الشيخ عندنا ؛ هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي تقول : عدلتمونا بالكلب والحمار ؟ ! .\rيعني : لو كان هذا عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قالت ما قالت .\rوخرج أبو داود من رواية سعيد بن عبد العزيز ، عن مولى ليزيد بن نمران ، عن يزيد بن نمران ، قال ، رأيت رجلا بتبوك مقعدا ، فقال : مررت بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا على حمار وهو يصلي ، فقال : (( اللهم اقطع أثره )) ، فما مشيت عليها بعد .\rوفي رواية له : فقال : (( قطع صلاتنا قطع الله أثره )) .\rوفي إسناد جهالة .\rفالقائلون : بأن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة تعقلوا بظواهر هذه الأحاديث .\rوأما من قال : لا يقطع الصلاة غير الكلب الأسود ، كما قاله أحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، فقالوا : المرأة والحمار قد تعارضت فيهما الأحاديث ، فحديث عائشة دل على عدم قطع الصلاة بالمرأة ، وحديث ابن عباس دل على أن الحمار لا يقطع الصلاة ، وبقي الكلب الأسود لا معارض له فيؤخذ به .\rوهذا هو جادة مذهب أحمد وأصحابه ، وما قالوه في ذلك .\rولهم في ذلك مسلكان آخران :","part":3,"page":352},{"id":627,"text":"أحدهما : أن حديث عائشة لا يعارض حديث أبي ذر ؛ فإن حديث عائشة في وقوف المرأة بين يدي المصلي ، وانه لا يبطل صلاته ، وحديث أبي ذر في مرور المرأة ، وأنه مبطل للصلاة ، فيعمل بكلا الحديثين ، فتبطل الصلاة بمرور هذه الثلاثة دون وقوفها في قبلة المصلي ، وهو رواية عن أحمد .\rوهذا يتوجه على إحدى الروايتين عن أحمد في إبطال الصلاة بمرور الثلاثة المذكورة في حديث أبي ذر ، وقد رجحها بعض أصحابنا المتأخرين .\rوقد تقدم قول عائشة : (( فأكره أن أسنحه )) - أي : أعترض بين يديه مارة ، فدل على أن مرورها بين يديه مما يكره ويتقى ، بخلاف نومها معترضة .\rوروى الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كنت أكون بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أمر بين يديه ، فأنسل انسلالا .\rويدل على أنه يفرق بين المرور والوقوف : أن المصلي مأمور بدفع المار ولو كان حيوانا ، وقد وردت السنة بالصلاة إلى الحيوان البارك والمرأة النائمة ، فدل على الفرق بين الأمرين .\rوقد استدل الإمام أحمد بهذا على التفريق بين المرور والوقوف .\rوالثاني : أن يحمل حديث عائشة على صلاة النفل ، فلا تقطعها المرأة ، وحديث أبي ذر على الفريضة .\rوهذا مسلك آخر لأصحابنا ، وقد حكوا رواية عن أحمد بالفرق بين الفريضة والنافلة في قطع الصلاة بمرور هذه الثلاثة .\rومما استدل به أحمد على الفرق بين الفريضة والنافلة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أو يوتر أيقظ عائشة ، ولم يوتر وهي معترضة بين يديه .\rوفي رواية خرجها أبو داود من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ، عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يوتر قال لها : ((تنحي)) .\rوبهذه الرواية احتج أحمد في هذه المسألة .\rوخرج الجوزجاني من رواية موسى بن أيوب الغافقي ، أن عمه إياس بن عامر حدثه ، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يوتر أمرها - يعني : عائشة - أن تتنحى عنه ، وقال : إنها صلاة ازددتموها .\rفإذا فرق بين النفل المطلق والوتر في الصلاة إلى المرأة ، فالفريضة أولى .\rوقد سلك بعضهم مسلكا آخر ، وهو نسخ القطع بالمرأة والحمار بحديث عائشة وابن عباس ؛ لأن حَدِيْث ابن عَبَّاس كَانَ فِي حجة الوداع فِي آخر عُمَر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وحديث عَائِشَة يدل بظاهره عَلَى استمرار النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَا أخبرت بِهِ عَنْهُ إلى آخر\rعمره ، ولو كان قد ترك ذلك في آخر عمره لما خفي عليها ، وبقي الكلب الأسود لا ناسخ له .\rوهذا المسلك فيه نظر ، وقد أنكره الإمام أحمد في رواية حرب ، وأنكره - أيضا - الشافعي في ((كتاب مختلف الحديث)) .\rوعلى هذا المسلك يتوجه القول بإبطال الصلاة بالكلب الأسود خاصة .","part":3,"page":353},{"id":628,"text":"وأحمد كان شديد الورع في دعوى النسخ ، فلا يطلقه إلا عن يقين وتحقيق ؛ فلذلك عدل عن دعوى النسخ هنا إلى دعوى تعارض الأخبار ، والأخذ بأصحها إسنادا ، فأخذ بحديث عائشة في المرأة ، وحديث ابن عباس في الحمار ، فبقي الكلب الأسود من غير معارض .\rوهذا إنما يتوجه على القول بالفرق بين الوقوف والمرور، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد .\rفأما على الرواية الثانية عنه بالتسوية بينهما ، فلا تعارض بين حديث عائشة وحديث أبي ذر في المرأة ، وإنما التعارض بين حديث ابن عباس في مرور الحمار وبين حديث أبي ذر ، فمقتضى ذلك حينئذ أن تبطل الصلاة بمرور الكلب والمرأة دون الحمار ، ولا يعرف هذا عن أحمد .\rوعلى رواية التفريق بين الفرض والنفل ، فلا تعارض بين حديث عائشة وأبي ذر في حق المرأة ، وإن قلنا : إن الوقوف كالمرور ، وأما أن فرقنا بينهما انتفى التعارض حينئذ من وجهين ، وتبقى المعارضة بين حديث أبي ذر وحديث ابن عباس في مرور الحمار ، فإن حديث ابن عباس في الفرض وحديث أبي ذر عام في الفرض والنفل ، فيخرج من هذا أن يقال : حديث أبي ذر عام في الفرض والنفل في مرور الثلاثة ، خص من عمومه النفل بمرور المرأة إن سوينا بينه وبين الوقوف ، وإن فرقنا بينهما فالوقوف غير داخل في لفظ حديث أبي ذر ولا في معناه .\rفأما الحمار فقد عارضه حديث ابن عباس ، وهو في الفرض ، وهو أصح من حديث أبي ذر ، ولكن يلزم من العمل بحديث ابن عباس وترك حديث أبي ذر في الفرض إبطال حكم مرور الحمار جملة ، وذلك نسخ .\rويخص - أيضا - من عموم حديث أبي ذر في الكلب النفل بالقياس على المرأة ، فيقتضي هذا التقرير أن يقال: إن مرور الكلب والمرأة يبطل الصلاة المفروضة دون النافلة ، ومرور الحمار لا يبطل شيئا .\rوهذا - أيضا - قول غريب لا يعرف عن أحمد ولا غيره .\rوإنما حكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن هذه الثلاثة يبطل مرورها الفرض دون النفل .\rوأخذه مما رواه بكر بن محمد وغيره ، عن أحمد : يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار ، فذكر حديث عائشة ، فقال : هو عندي في المار بين يدي المصلي ، فإذا كانت بين يديه كان أسهل ، وهذا في التطوع ، فأما الفرض فهو آكد ، أليس النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أراد أن يوتر قال : ((تنحي)) ؟\rقال : هذا إنما يدل على تفريق أحمد بين الفرض والتطوع في استقبال المرأة في الصلاة دون مرورها ، أما في المرور فلم يفرق ، وإنما فرق في الصلاة إلى المرأة النائمة ونحوها بين الفرض والنفل ، فجوزه في النفل وكرهه في الفرض ، وفرق بين المرور والوقوف في إبطال الصلاة بالمرور دون الوقوف ، فما يبطل الصلاة - وهو المرور- لم يفرق فيه بين فرض ونفل ، إنما فرق بينهما فيما يكره في الصلاة ، وهو الصلاة إلى المرأة ، فكرهه في الفرض دون النفل ، هذا هو الذي دل عليه كلام أحمد هذا . والله اعلم .","part":3,"page":354},{"id":629,"text":"وظاهر قول عائشة - رضي الله عنها - : ((عدلتمونا بالحمر والكلاب)) ، واستدلالها بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها : يدل على أنها رأت المرور والوقوف سواء ، وإلا فلو كان الحكم عندها مختصا بالمرور لم يكن لها في حديثها دليل .\rومتى قيل : إن حديث ابن عباس في مروره بالحمار بين يدي بعض الصف لم يكن مرورا بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل كانت سترته محفوظة ، فلا دليل في حديثه هذا على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة ، وإن انضم إلى ذلك التفريق بين مرور المرأة ووقوفها وجلوسها ونومها لم يبق في حديثها دليل على أن المرأة لا يقطع مرورها ، فيسلم حينئذ حديث أبي ذر وما أشبهه من معارض في الكلب والمرأة والحمار .\rوأما جمهور أهل العلم الذين لم يروا قطع الصلاة وبطلانها بمرور شيء بين يدي المصلي ، فاختلفت مسألكهم في هذه الأحاديث المروية في قطع الصلاة :\rفمنهم : من تكلم فيها من جهة أسانيدها ، وهذه تشبه طريقة البخاري ؛ فإنه لم يخرج منها شيئا ، وليس شيء منها على شرطه كما سبق بيانه .\rومنهم : من ادعى نسخها بحديث مرور الحمار وهو في حجة الوداع ، وهي في آخر عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذا نسخ منها شيء دل على نسخ الباقي ، وسلك هذا الطحاوي وغيره من الفقهاء .\rوفيه ضعف ، وقد أنكر الشافعي وأحمد دعوى النسخ في شيء من هذه الأحاديث ؛ لعدم العلم بالتاريخ .\rومنهم من قال : حديث أبي ذر ونحوه قد عارضه ما هو أصح منه إسنادا ، كحديث ابن عباس وعائشة ، وقد أعضدهما أحاديث أخر تشهد لهما :\rفروى شعبة، أن الحكم أخبره ، قال : سمعت يحيى - هو : ابن الجزار - يحدث ، عن صهيب ، قال : سمعت ابن عباس يحدث ، أنه مر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فنزلوا ودخلوا معه ، فصلوا فلم ينصرف ، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب ، فأخذنا بركبتيه ، ففرع بينهما ولم ينصرف .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي ، وهذا لفظه ، وقد سبق ذكر إسناده.\rوخرج النسائي - أيضا - من رواية ابن جريج : أخبرني محمد بن عمر بن علي ، عن عباس بن عبيد الله بن عباس ، عن الفضل بن عباس بن عبد المطلب ، قال : زار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عباسا في بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة ترعى ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر وهما بين يديه ، فلم يزجرا ولم يؤخرا .\rوخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، ولفظه : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في بادية لنا ، ومعه عباس ، فصلى في صحراء ، ليس بين يديه سترة ، وحمارة لنا وكليبة تعبثان - أو تعيثان - بين يديه ، فما بالى ذاك .\rومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وثقه الدارقطني وغيره.\rوعباس بن عبيد الله بن عباس ، روى عنه أيوب السختياني مع جلالته ، انتقاده للرجال ، حتى قال أحمد : لا تسأل عمن روى عنه أيوب . وذكره ابن حبان في ((الثقات)) .","part":3,"page":355},{"id":630,"text":"وقد اختلف قول أحمد في هذا : فمرة ، قال : حديث أبي ذر يخالفه ، ولم يعتد به - : نقله عنه علي بن سعيد . ومرة ، عارض به حديث أبي ذر ، وقدمه عليه - : نقله عنه الحسن بن ثواب .\rلكن ليس في هذا الحديث أن الكلب كان أسود ؛ فلذلك لم يرد به حديث أبي ذر في الكلب الأسود ، ولم يجعله معارضا له .\rوروى أسامة بن زيد ، عن محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز - ، عن أبيه ، عن أم سلمة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في حجرة أم سلمة ، فمر بين يديه عبد الله - أو عمر بن أبي سلمة - ، فقال بيده فرجع ، فمرت زينب بنت أم سلمة ، فقال بيده هكذا ، فمضت ، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((هن أغلب)) .\rخرجه ابن ماجه .\rوقد يفرق من يقول ببطلان الصلاة بمرور المرأة بين الجارية التي لم تبلغ وبين\rالبالغ ، ويقول : إذا أطلقت المرأة لم يرد بها إلا البالغ ، وزينب حينئذ كانت صغيرة ، والصغيرة لا تسمى امرأة في الحال ؛ ولهذا قَالَتْ عَائِشَة : إذا بلغت الجارية تسع سنين فَهِيَّ امرأة .\rوفي دخول الصغيرة في مسمى النساء خلاف ذكره الماوردي وغيره من\rالمفسرين ، فكذا ينبغي أن يكون في دخولها في مسمى المرأة .\rوقد سلك الشافعي في ((كتاب مختلف الحديث)) هذا المسلك في ترجيح أحاديث الرخصة على أحاديث قطع الصلاة ، وعضدها بظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ } [الأنعام:164] .\rوسلك آخرون مسلكا آخر ، وهو : أن الأحاديث إذا تعارضت نظر إلى ما عمل به الصحابة فيرجح ، وقد عمل الصحابة بأن الصلاة لا يقطعها شيء ، وقد روي ذلك عن الخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم .\rوقد سلك هذا أبو داود في ((سننه)) ، وهو من أجل أصحاب الإمام أحمد .\rوسلك آخرون مسلكا آخر ، وهو : تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث ، وانه ليس المراد به إبطال الصلاة وإلزام إعادتها ، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها ، والالتفات إليها ، وهذا هو الذي قاله الشافعي في رواية حرملة ، ورجح هذا الخطابي والبيهقي وغيروهما من العلماء .\rوقد تعرض عليه بأن المصلي قد يكون أعمى ، وقد يكون ذلك ليلا بحيث لا يشعر به المار ولا من مر عليه ، والحديث يعم هذه الأحوال كلها ،\rوأيضا ؛ فقد يكون غير هذه الثلاثة أكثر إشغالا للمصلي كالفيل والزرافة والوحوش والخيل المسومة ، ولا يقطع الصلاة مرور شيء من ذلك .\rوأقرب من هذا التأويل : أن يقال : لما كان المصلي مشتغلا بمناجاة الله ، وهو في غاية القرب منه والخلوة به ، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة ، والقرب الخاص ؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان ، وكونه وليجة في هذه الحال فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب ؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية ، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي أوجب تخلله بعدا وقطعا لمواد الرحمة والقرب والأنس .","part":3,"page":356},{"id":631,"text":"فلهذا المعنى - والله اعلم - خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها ، وهي : المرأة ؛ فإن النساء حبائل الشيطان ، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان ، وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء . والكلب الأسود : شيطان ، كما نص عليه الحديث . وكذلك الحمار ؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل ، لأنه يرى الشيطان ؛ فلهذا أمر - صلى الله عليه وسلم - بالدنو من السترة خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته، وليس ذلك موجبا لإبطال الصلاة وإعادتها . والله أعلم.\rوإنما هو منقص لها ، كما نص عليه الصحابة ، كعمر وابن مسعود ، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدفعه وبمقاتلته ، وقال : ((إنما هو شيطان)) .\rوفي رواية : ((أن معه القرين)) .\rلكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص أكثر وأكثر ، فهذا هو المراد بالقطع ، دون الإبطال والإلزام بالإعادة . والله اعلم .\rوقد ذكرنا فيما سبق حديث أبي داود في مرور الغلام بتبوك بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه قال : ((قطع علينا صلاتنا)) ، ودعا عليه ، فهذا قطع لا يقتضي البطلان .\rويدل على ذلك - أيضا - : أن ابن عباس قد قال : يقطع الصلاة المرأة الحائض والكلب الأسود والحمار ، كما سبق عنه .\rوروي عنه إنكار بطلان الصلاة بذلك :\rفروى الحسن العرني ، قال : ذكر عند ابن عباس : يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة . قال : بئسما عدلتم بامرأة مسلمة كلبا وحمارا ، لقد رأيتني أقبلت على حمار ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس ، حتى إذا كنت قريبا منه نزلت عنه ، وخليت عنه ، ودخلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته ، فما أعاد صلاته ولا نهاني عما صنعت ، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس، فجاءت وليدة تخلل الصفوف ، حتى عاذت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فما أعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ، ولا نهاها عما صنعت ، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في مسجد،فخرج جدي من بعض حجراته ، فذهب يجتاز بين يديه،فمنعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rقال ابن عباس : أفلا تقولون : الجدي يقطع الصلاة ؟\rخرجه الإمام أحمد .\rومراد ابن عباس ، أنه ليس كل ما أمر بدفعه ومنعه من المرور تبطل الصلاة بمروره ، ولا يقطعها بمعنى أنه يبطلها ، وإن كان قد يسمى قطعا باعتبار أنه ينقصها .\rوروى سفيان ، عن سماك ، عن عكرمة ، قال : قيل لابن عباس : أيقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ؟ فقال : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ، فما يقطع هذا ، ولكن يكره .\rخرجه البيهقي .\rوقد أشار طائفة من السلف إلى أن الشيطان لا سبيل له إلى قطع قرب المصلي ، ولا أن يحول بين المصلي وبين تقريب الله له ، واختصاصه بما اختصه به .","part":3,"page":357},{"id":632,"text":"قال ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير : ثنا حنظلة ، عن القاسم ، قال : لا يقطع الصلاة شيء ، الله أقرب من كل شيء .\rوقال الحكيم الترمذي في (( تفسيره )) : ثنا مؤمل بن هشام اليشكري : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن عون ، عن القاسم بن محمد ، قال : لا يقطع الصلاة شيء ؛ فإن الله دون كل شيء إلى العبد .\rقال الحكيم : يعني : أدنى إليه من كل شيء ، كما قال تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق : 16 ] .\rوحينئذ فيتوجه أن يقال : أن المصلي وجد منه تفريط في حصول مرور الشيطان بين يديه ، إما بصلاته في موضع تجتاز فيه المرأة والحمار والكلب من غير سترة ، أو مر ذلك وفرط في دفعه ورده ، فإنه ينقص أجر صلاته .\rوربما يقال : أنه يستحب له إعادتها ، كما أعاد ابن عمر صلاته من مرور جرو الكلب .\rوكذلك الحكم الغفاري ، أعاد من مرور حمار .\rوإما إن لَمْ يحصل منه تفريط في ذلك بالكلية ، فإنه لا ينقص صلاته ، كمن صلى ومر بين يديه رجل فدفعه ولم يندفع ، فإنه لا تبطل صلاته ، بل ولا تنقص مع إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المار بين يديه شيطان .\rوهو بمنزلة من صلى وهو يدافع وساوس الشيطان ، فإنه لا يضره ذلك ، ولا يكون به محدثا لنفسه في صلاته ، وإنما يكون محدثا لنفسه إذا استرسل مع وساوسه وخواطره .\rوقد ألحق طائفة من أصحابنا بمرور الكلب والمرأة والحمار : مرور الشيطان حقيقة ، وقالوا : إن حكم مروره حكم مرور الكلب.\rوقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : (( أن الشيطان تفلت علي البارحة ؛ ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه )) .\rوقد خرجه البخاري فيما سبق في (( باب : ربط الأسير ونحوه في المسجد )) .\rوالظاهر : أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد بقطع صلاته ما ذكرناه .\rوقد خرج البخاري حديث عائشة ، قالت : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة ؟ فقال : (( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد )) .\rوفي حديث أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا يزال الله مقبلا على العبد وهو مقبل عليه في صلاته ، ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحة)) .\rوفي حديث الحارث الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات ، أن يعمل بهن ، وان يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن )) - فذكر الحديث - وفيه : (( وآمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا )) .\rخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه .\rوالالتفات - أيضا- مما يسرقه الشيطان من صلاة العبد ، فتنقص به صلاته .\rوقد روي : (( لا صلاة لملتفت )) ، وإنما أريد نفي كمالها وتمامها ؛ فإنه يوجب إعراض الله من عبده في تلك الحال .\rوكذلك تنخم المصلي أمامه في صلاته يوجب إعراض الله عن عبده المصلي له في حال تقريبه له وخلوته بمناجاته .","part":3,"page":358},{"id":633,"text":"فالشيطان يحمل المصلي على هذا كله ليقطع عليه صلاته ، بمعنى : أنه ينقص عليه كمالها وفوائدها وثمراتها من خشوعها وحضورها ، وما يتنعم به المصلي وتقر به عينه من ذكر الله فيها ، ومناجاته بتلاوة كتابه .\rوكذلك ما يقذفه الشيطان في قلب المصلي من الوساوس ويذكره به حتى ينسيه كم صلى وقد أمر المصلي حينئذ بان يسجد سجدتين ، فتكونا ترغيمتين للشيطان ، ولا تبطل الصلاة ، ولا تجب إعادتها بشيء من ذلك كله . والله أعلم .\r\r* * *","part":3,"page":359},{"id":634,"text":"106- باب\rإذا حمل جارية صغيرة على عنقه\r516- حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عامر بن عبدالله بن الزبير ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها .\r((أمامة)) ، هذه التي حملها النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته هي بنت ابنته زينب ، وأبوها : أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأم أبي العاص : هالة بنت خويلد ، أخت خديجة بنت خويلد .\rوفي رواية مالك لهذا الحديث : ((أبو العاص بن ربيعة)) ، وكذا رواه عامة رواه ((الموطإ)) عنه .\rوالصواب : ابن الربيع .\rوقد خرجه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن مالك على الصواب.\rوأمامة ، تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة عليها السلام .\rوقد خرج مسلم هذا الحديث من طريق مالك .\rوخرجه - أيضا - من طريق سفيان بن عيينة ، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان ، سمعا عامر بن عبدالله بن الزبير يحدث ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، عن أبي قتادة ، قال رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤم الناس وأمامة ابنة أبي العاص - وهي بنت زينب ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - على عاتقه ، فإذا ركع وضعها ، وإذا رفع من السجود أعادها .\rومن طريق ابن وهب : أخبرني مخرمة ، عن أبيه ، عن عمرو بن سليم الزرقي ، قال : سمعت أبا قتادة الأنصاري يقول : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي للناس ، وأمامة ابنة أبي العاص على عنقه ، فإذا سجد وضعها .\rومن طريق سعيد المقبري ، عن عمرو بن سليم ، سمع أبا قتادة يقول : بينا نحن في المسجد جلوس ، خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، غير أنه لم يذكر أنه أم الناس في تلك الصلاة .\rوخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق ، عن المقبري ، عن عمرو بن سليم ، عن أبي قتادة ، قال : بينما نحن ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر أو العصر ، وقد دعاه بلال للصلاة ، خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عاتقه ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مصلاه ، فقمنا خلفه ، وهي في مكانها الذي هي فيه ، قال : فكبر فكبرنا . قال : حتى إذا أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يركع أخذها فوضعها ، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها ، فما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته .\rوخرج الزبير بن بكار في كتابه ((الجمهرة)) بإسناد له عن عمرو بن سليم\rالزرقي ، أن الصلاة التي صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحمل أمامة صلاة الصبح .\rوهو مرسل ، ضعيف الإسناد .","part":3,"page":360},{"id":635,"text":"فمجموع هذه الروايات يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفتح الصلاة بالناس إماما لهم في صلاة الفريضة ، وهو حامل أمامة ، وأنه كان إذا ركع وسجد وضعها بالأرض ، فإذا قام إلى الركعة الثانية عاد إلى حملها إلى أن فرغ من صلاته .\rوالحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة ، وأن ذلك لا يكره فيها ، فضلا عن أن يبطلها .\rوقد أخذ بذلك كثير من العلماء أو أكثرهم :\rفقال الحسن والنخعي : ترضع المرأة جنينها وهي تصلي .\rخرجه الأثرم عنهما بإسناد صحيح .\rوروى - أيضا - بإسناد صحيح ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ثم سجد ، فسوى الحصى ثم خبطه بيده .\rقال الأثرم : وسئل أبو عبدالله - يعني : أحمد - عن الرجل يكبر للصلاة وبين يديه رمح منصوب ، فيريد أن يسقط فيأخذه فيركزه مرة أخرى - وقيل له : حكوا عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع هذا أن يعيد التكبير - ؟ فقال : أرجو أن لا يكون به بأس أن لا يعيد التكبير ، ثم ذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي الفرض بالناس وأمامة على عاتقه .\rقال : وسمعت أبا عبدالله سئل : أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي ؟ قال : نعم .\rقال : وأخبرني محمد بن داود المصيصي ، قال : رأيت أبا عبدالله رأى رجلا قد خرج عن الصف ، فرده وهو في الصلاة .\rقال : وربما رأيته يسوي نعليه برجليه في الصلاة .\rوقال الجوزجاني في كتابه ((المترجم)) : حدثني إسماعيل بن سعيد ، قال : سألت أحمد بن حنبل عمن حمل صبيا ووضعه في صلاته ، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : صلاته جائزة .\rقلت له : فمن فعل في صلاته فعلا كفعل أبي برزة حين مشى إلى الدابة ، فأخذها حين انفلتت منه ، وهو في صلاته ؟ فقال : صلاته جائزة .\rوبه قال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - وأبو خيثمة .\rوقال ابن أبي شيبة: من فعل ذلك على ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجونا أن تكون صلاته تامة .\rقال : ويجزئ عمن فعل كفعل أبي برزة في صلاته .\rقال الجوزجاني : وأقول : إن اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - نجاة لا رجاء ، وإنما الرجاء في اتباع غيره فيما لم يكن عنه - صلى الله عليه وسلم - .\rثم خرج حديث أبي قتادة في حمل أمامة بإسناده .\rومراده : الإنكار على ابن أبي شيبة في قوله : ((أرجو)) ، وأن مثل هذا لا ينبغي أن يكون فيه رجاء ؛ فإنه اتباع لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك نجاة وفلاح .\rوحديث أبي برزة في اتباع فرسه وأخذها في صلاته ، قد خرجه البخاري ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوحكى ابن المنذر عن الشافعي وأبي ثور جواز حمل الصبي في الصلاة المفروضة .","part":3,"page":361},{"id":636,"text":"وإذا عرفت هذا تبين لك ضعف ما قاله ابن عبد البر : أنه لا نعلم خلافا أن هذا العمل في الصلاة مكروه ، ولم يحك كراهته عن أحد إلا عن مالك ، فإنه قال : ذكر أشهب عن مالك ، أن ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة النافلة ، وان مثل هذا الفعل غير جائز في الفريضة ، وحكى عن بعض أهل العلم أنه لا يحب لأحد فعل ذلك في صلاته ، ولا يرى عليه إعادة به .\rوقد تبين أن أكثر العلماء أجازوه من غير كراهة ، وتخصيصه بالنافلة مرود بالنصوص المصرحة بأنه فعل ذلك في الفريضة ، وهو يؤم الناس فيها .\rوروى الإسماعيلي في ((صحيحه)) من حديث عبدالله بن يوسف ، عن مالك ، أنه قال - بعد روايته هذا الحديث - : من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ناسخ ومنسوخ ، وليس العمل على هذا .\rومالك إنما يشير إلى عمل من لقيه من فقهاء أهل المدينة خاصة كربيعة ونحوه ، وقد عمل به فقهاء أهل العراق كالحسن والنخعي ، وفقهاء أهل الحديث ، ويتعذر على من يدعي نسخه الإتيان بنص ناسخ له .\rوقد رخص عطاء في ذلك - أيضا - :\rقال عبد الرزاق : عن ابن جريج ، قلت لعطاء : أمرآة يبكي ابنها وهي في الصلاة أتتوركه : قال : نعم : قد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ حسنا في الصلاة فيحمله حتى إذا سجد وضعه . قلت : في المكتوبة ؟ قال : لا أدري .\rوقال حرب الكرماني : ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عمر بن علي : ثنا عبد الملك ابن أبي سليمان ، عن عطاء في الرجل يصلي ومعه المتاع بين يديه ، فيتقدم الصف أو يتأخر فيحني ظهره ، فيقدم متاعه أو يؤخره ؟ قال : لا بأس به .\rقال حرب : قلت لأحمد : الرجل يكون في الصلاة فيسقط رداؤه عن ظهره ، أيحمله ؟ قال : أرجو أن لا يضيق ذلك . قلت : فيفتح الباب بحيال القبلة ؟ قال : في التطوع .\rقال حرب : وثنا المسيب بن واضح ، قال : سمعت ابن المبارك سئل عن الرجل يكون معه الثوب أو غيره ، فيضعه بين يديه في الصلاة ، فيتقدم الصفوف ، أو يتأخر فيتناول ذلك الشيء ، ويتقدم ويتأخر ؟ قال : لا بأس بذلك . قيل : وما وقت ما يمشي المصلي في صلاته ؟ قال : ما لا يخرج إلى حد المشي .\rوقال الخطابي : في هذا الحديث من الفقه أن من صلى وعلى ظهره أو عاتقه كارة أو نحوها لم تبطل صلاته ، ما لم يحتج لإمساكه إلى عمل كثير ، أو التزام له ببعض أعضائه .\rقال : ويشبه أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتعمد لحملها ؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته وعن الخشوع فيها ، وأنها كانت إذا سجد جاءت فتعلقت بأطرافه والتزمته ، فينهض من سجوده فيخليها وشأنها ، فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع ، فيرسلها إلى الأرض ، حتى إذا سجد وأراد النهوض عاد إلى مثله .\rقلت : هذا تبطله الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه خرج على الناس وهو حاملها ، ثم صلى لهم وهو حاملها .","part":3,"page":362},{"id":637,"text":"وفي حديث أبي قتادة : دليل على أن حمل الجارية الصغيرة في الصلاة ووضعها ليس بمبطل للصلاة ، ولا هو بداخل فيما يبطل الصلاة من مرور المرأة بين يدي المصلي ؛ فإن هذا ليس بمرور ، وأكثر ما فيه أنه كان يضعها بين يديه ، وليس هذا بأكثر من صلاته إلى عائشة وهي معترضة بين يديه ، بل هذا أهون ؛ لأن ذلك لم يكن يستمر في جميع صلاته . وأيضا ؛ فهذه صغيرة لَمْ تكن بلغت حينئذ.\rوقد سبق فِي حَدِيْث أن زَيْنَب بِنْت أم سَلَمَة مرت بَيْن يدي النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ\rيصلي ، فلم يقطع صلاته ، وكانت زينب حينئذ صغيرة ، وأن المرأة إذا أطلقت لم يرد بها إلا المرأة البالغ .\rوهذا هو المعنى الذي بوب البخاري عليه هنا ، وخرج الحديث لأجله .\rوفيه - أيضا - : دليل على طهارة ثياب الأطفال ؛ فإنه لو كان محكوما بنجاستها لم يصل وهو حامل لأمامة .\rوقد نص الشافعي وغيره على طهارتها ، ومن أصحاب الشافعي من حكى لهم قولين في ذلك .\rومنع ابن أبي موسى من أصحابنا من الصلاة في ثيابهم حتى تغسل ؛ لأنهم لا يتنزهون من البول .\rوروى أبو النعيم الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة)) : ثنا مندل : ثنا إسماعيل بن مسلم ، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم النخعي، قال : كانوا يكرهون أن يصلوا في ثياب الصبيان .\rإسناد ضعيف .\rوقد كره الصلاة في ثيابهم كثير من أصحابنا ، وحكي مثله عن الحسن ، ورخص فيه آخرون ، وهو اختيار بعض أصحابنا ، وهذا أصح ، وهذا الحديث نص في ذلك . والله سبحانه وتعالى اعلم .\r\r* * *","part":3,"page":363},{"id":638,"text":"107- باب\rإذا صلى إلى فراش فيه حائض\r517- حدثنا عمرو بن زرارة : أبنا هشيم ، عن الشيباني : عن عبدالله بن شداد بن الهاد ، قال : أخبرتني خالتي ميمونة بنت الحارث ، قالت : كان فراشي حيال مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فربما وقع ثوبه علي وأنا على فراشي .\r518- حدثنا أبو النعمان : ثنا عبد الواحد بن زياد : أبنا الشيباني : ثنا عبدالله بن شداد ، قال : سمعت ميمونة تقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا إلى جنبه نائمة ، فإذا سجد أصابني ثوبه ، وأنا حائض .\rليس في الرواية الأولى أنها كانت حائضا ، وهو في الرواية الثانية .\rوقد خرجه البخاري في آخر ((كتاب الحيض)) بلفظ ثالث ، وهو : عن ميمونة : أنها كانت تكون حائضا لا تصلي ، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يصلي على خمرته ، إذا سجد أصابني بعض ثوبه .\rوخرجه - أيضا - فيما سبق في ((أبواب الصلاة في الثياب)) ، في ((باب : إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد)) ، ولفظه فيه : قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا حذاءه ، وأنا حائض ، وربما أصابني ثوبه إذا سجد .\rوقد تبين بالرواية الثانية التي خرجها البخاري في هذا الباب ، أنها كانت نائمة إلى جانبه وهو يصلي ، ولم تكن مضطجعة بين يديه.\rوقد روي من حديث عائشة ، أنها كانت تضطجع أمامه وهي حائض ، فيصلي إليها .\rخرجه أبو داود من رواية شعبة ، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كنت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة - قال شعبة : وأحسبها قالت - : وأنا حائض .\rقال أبو داود : رواه الزهري وعطاء وأبو بكر بن حفص وهشام بن عروة وأبو مالك وأبو الأسود وتميم بن سلمة ، كلهم عن عروة ، عن عائشة . لم يذكروا فيه : ((وأنا حائض)) . ورواه إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - وأبو الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة - والقاسم ، وأبو سلمة ، عن عائشة - ، ولم يذكروا : حائض .\rوقد روي عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ، وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض .\rخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبدالله ، قال : سمعته عن عائشة.\rوقد سبق الكلام على ما يتعلق بحديث ميمونة من طهارة الحائض وثيابها .\rوالمقصود هنا منه : أن الصلاة إليها لا تبطل الصلاة .\rولكن لم يخرج البخاري لفظا صريحا في الصلاة إلى فراش الحائض ، بل في إحدى روايتيه : أنها كانت نائمة إلى جانبه ، وفي الثانية أن فراشها كان حيال مصلاه ، والمراد : أنه كان محاذيا له ومقابلا ، وهذا يصدق بكونه إلى جانبه ، عَن يمينه أوشماله ، ويشهد لذلك : قولها في تمام الحديث : ((فربما وقع ثوبه علي وأنا على فراشي)) ، وهذا إنما يكون إذا كانت إلى جانبه ، أما لو كانت بين يديه فمن أين كان يقع بعض ثيابه عليها ؟","part":3,"page":364},{"id":639,"text":"وبكل حال ؛ فالصلاة إلى المرأة الحائض كالصلاة إلى الطاهر ، إلا عند من يرى أن مرور الحائض يقطع الصلاة دون الطاهر ، وأن وقوف المرأة واضطجاعها في قبلة المصلي كمرورها فيها .\rوقد سبق ذلك كله ، وسبق الكلام -أيضا- على التطوع خلف المرأة في بابه .\rولو كان بين يدي المصلي كافر قاعدا أو مضطجعا ، فرخص الحسن في الصلاة إليه ، وكرهه الإمام أحمد ، وقال : هو نجس ، وحكي مثله عن إسحاق .\r\r* * *","part":3,"page":365},{"id":640,"text":"108- باب\rهل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد؟\r519- حدثنا عمرو بن علي : ثنا يحيى: ثنا عبيد الله : ثنا القاسم ، عن عائشة ، قالت : بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار ؛ لقد رأيتني ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة ، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتهما .\rوقد تقدم هذا الحديث في ((باب : التطوع خلف المرأة)) من رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنها قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي ، فإذا قام بسطتهما . قالت : والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح .\rفدل على أن غمزها عند السجود كان لضيق المكان حيث كانت قدماها في موضع سجوده ، فكان يغمزها لتكف قدميها فيسجد في موضعهما ، وكان ذلك في سواد الليل وظلمته، فلم يكن يدرك التنبيه منه بإشارة ونحوها ، فلذلك احتاج إلى غمزها.\rولم يجئ في حديثها هذا : بأي شيء كان يغمزها .\rوقد روي في حديث آخر ، أنه كان إذا أراد أن يوتر غمزها برجله .\rوفي رواية : مسها برجله . ويأتي في موضعه - أن شاء الله تعالى .\rواستدل بالحديث على أن مس النساء بغير شهوة لا ينقض الطهارة ، كما هو قول مالك وأحمد في ظاهر مذهبه . ومن يقول : إن المس لا ينقض بكل حال ، كما يقول أبو حنيفة وأحمد في رواية عنه .\r* * *","part":3,"page":366},{"id":641,"text":"109- باب\rالمرأة تطرح عن المصلي شيئا من الأذى\r520- حدثنا أحمد بن إسحاق : ثنا عبيد الله بن موسى : ثنا إسرائيل : عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبدالله ، قال : بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة ، وجمع قريش في مجالسهم ، إذ قال قائل منهم : ألا تنظرون إلى هذا المرائي ، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان ، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجيء به ، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه ؟ فانبعث أشقاهم ، فلما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعه بين كتفيه ، وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجدا ، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك ، فانطلق منطلق إلى فاطمة - وهي جويرية - ، فأقبلت تسعى ، وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجدا حتى ألقته عنه ، وأقبلت عليهم تسبهم ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قال : ((اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش ، اللهم عليك بقريش)) ، ثم سمى : ((اللهم عليك بعمرو بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة ابن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمارة بن الوليد)) .\rقال عبدالله : فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ، ثم سحبوا إلى القليب : قليب بدر .\rثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((وأتبع أصحاب القليب لعنة)) .\rقد سبق هذا الحديث بتمامه في أواخر ((الوضوء)) في ((باب : إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته)) .\rوخرجه هناك من طريق شعبة ويوسف بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، ببعض زيادة في متنه ونقص ، وفيه : ((وعد السابع فلم نحفظه)) .\rوفي هذه الرواية : أن السابع عمارة بن الوليد .\rوالمعروف في السير : أن عمارة بن الوليد مات في جزيرة في أرض الحبشة في يد ابن عمه عبدالله بن أبي ربيعة ، وكان النجاشي قد أمر به فنفخ في إحليله سحر ، فذهب مع الوحش ، ولم يقدر عليه حتى أمسكه عبدالله بن أبي ربيعة ، فجعل يقول : أرسلني ، فلم يرسله فمات في يده .\rوفي هذه الرواية - مع الرواية التي خرجها في الطهارة - : ذكر عقبة بن أبي معيط ، وقد روي أن عقبة أسر يوم بدر ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتله صبرا بين يديه ، وصلبه بالصفراء في مرجعهم إلى المدينة .\rوخرجه - أيضا - في ((مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم -)) ، من طريق شعبة ، عن أبي إسحاق - مختصرا ، وفي سياقه : أن عقبة بن أبي معيط هو الذي جاء بسلى الجزور ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((اللهم عليك الملأ من قريش : أبا جهل بن هشام ، وعقبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف)) - أو ((أبي بن خلف)) ، شعبة الشاك - ، فرأيتهم قتلوا يوم بدر ، فألقوا في بئر ، غير أمية - أو أبي - تقطعت أوصاله ، فلم يلق في البئر .","part":3,"page":367},{"id":642,"text":"وذكر أبي بن خلف وهم - أيضا - ؛ فإن أبي بن خلف إنما قتل يوم أحد ، ومات بعد الوقعة ، كما روى ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، قال : أسر أبي بن خلف يوم بدر ، فلما افتدى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن عندي فرسا أعلفها كل يوم من ذرة ، لعلي أقتلك عليها ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((بل أنا أقتلك عليها ، إن شاء الله)) . فلما كان يوم أحد أقبل أبي ابن خلف تركض فرسه تلك ، حتى دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((استأخروا ، استاخروا)) ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحربة في يده ، فرمى بها أبي بن خلف ، فكسرت ضلعا من أضلاعه ، فرجع إلى أصحابه ثقيلا ، فاحتملوه حتى ولوا به ، وطفقوا يقولون له : لا بأس ، فقال أبي : ألم يقل لي : ((بل أنا أقتلك ، إن شاء الله)) ، فانطلق به أصحابه ، فمات ببعض الطريق ، فدفنوه .\rقال سعيد بن المسيب : وفيه أنزل الله : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } [الأنفال:17] .\rوفي هذا الحديث : أنواع من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وإجابة دعوته ، وتعجيل عقوبة من أذاه ، وأن العقوبة من جنس الذنب ، بأن هؤلاء تواطؤا على وضع فرث الجزور على ظهره - صلى الله عليه وسلم - في السجود ، فما مضى إلا يسير حتى قتلوا وسحبوا إلى القليب في يوم شديد الحر ، وخرج فرث كل منهم وحشوته من بطنه ، وكان ذلك جزاء وفاقا .\rوالمقصود من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أن المصلي يجوز أن تدنو منه المرأة في صلاته ، وتزيل عنه الأذى ، ولا يقدح ذلك في صلاته .\rوالظاهر : أن فاطمة عليها السلام إنما جاءت من ورائه ، فطرحت عنه ما طرحوا عليه ، وكانت إذا ذاك جويرية صغيرة ، كما صرح به في الحديث .\rوقد سبق الكلام على حكم النجاسة إذا أصابت المصلي في صلاته ، ثم أزيلت عنه في ((الطهارة)) ، وعلى حكم تكرار الدعاء ثلاثا في ((كتاب العلم)) .\rوالله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":3,"page":368},{"id":644,"text":"وقال زيد بن أسلم : منجما ، كلما مضى نجم جاء نجم ، يقول : كلما مضى وقت جاء وقت .\rوقالت طائفة : معنى { موْقُوتًا } : مفروضاً او واجبا-: قاله مجاهد والحسن وغيرهما .\rوروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : يعني : مفروضا .\rوتأول بعضهم الفرض هنا على التقدير ، فرجع المعنى حينئذ إليَ تقدير اعدادها ومواقيتها . والله أعلم .\rوقال الشافعي : الموقوت - والله أعلم- : الوقت الذي تصلى فيه وعددها .\rقال البخاري - رحمه الله- :\r521- نا عبد الله بن مسلمة ، قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، أن عمر بن عبد العزيز أَخر الصلاة يوما ، فدخل عليه عروة بن الزبير ، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالعراق ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا يا مغيرة ؟ أليس قد علمت أَن جبريل عليه السلام نزل فصلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم صلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،ثم قال: ((بهذا أمرت)). فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدث به، أو أن جبريل هو أقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه.\r522- قال عروة: ولقد حدثتني عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، قبل ان تظهر.\rهذا الحديث يدل على أن مواقيت الصلوات الخمس بينها جبريل عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله، فكان ينزل فيصلي به كل صلاة في وقتها إلى أن بين له مواقيتها كلها، وكان ذلك في أول ما افترض الصلوات الخمس.\rوقد روي في ذلك أحاديث متعددة، ولم يخرج في ((الصحيحين)) منها غير حديث أبي مسعود هذا، وقد خرجه البخاري- أيضا- في (( المغازي)) من رواية شعيب، عن الزهري- مختصراً.\rوخرجه من طريق مالك والليث بن سعد، عن الزهري، ولفظ حديث الليث عنده: أن عروة قال لعمر: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { يقول } : ((نزل جبريل عليه السلام، فأمني، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه))، ويحسب بأصابعه خمس صلوات.\rورواه ابن أبي ذئب في ((موطئه))، عن ابن شهاب، ولفظ حديثه: أن أبا مسعود قال للمغيرة: ألم تعلم أن جبريل نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فصلى، وصلى، وصلى، وصلى، وصلى، ثم صلى، ثم صلى، ثم صلى، ثم صلى، ثم صلى ، ثم قال: ((هكذا امرت)).\rوفي هذا تكرار صلاة جبريل، وليس فيه ذكر بيان شيء من الأوقات.\rقال أبو داود: يروي هذا الحديث عن الزهري: معمر ومالك وابن عيينة وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وغيرهم، لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه، ولم يفسروه.\rوكذلك - أيضا- رواه هشام بن عروة وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة نحو رواية معمر وأصحابه، الا ان حبيبا لم يذكر ((بشيرا)).","part":4,"page":1},{"id":645,"text":"وخرجه أبو داود بسياق فيه تفسير المواقيت من رواية أسامة بن زيد الليثي، ان ابن شهاب أخبره، أن عروة قال لعمر بن عبد العزيز: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { يقول } : ((نزل جبريل عليه السلام فاخبرني بمواقيت الصلاة، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت { معه } ، ثم صليت معه، ثم صليت معه))، يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر، ورأيته يصلى العصر والشمس مرتفعة بيضاء قبل ان تدخلها الصفرة، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلى المغرب حين تسقط الشمس، ويصلى العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة اخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر.\rوخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم وصححه.\rوقال الخطأبي: هو صحيح الإسناد.\rوقال ابن خزيمة: هذه الزيادة لم يقلها أحد غير أسامة بن زيد.\rوقال الدارقطني: خالفه يونس وابن أخي الزهري، فروياه عن الزهري، قال: بلغنا ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر مواقيت الصلاة بغير إسناد فوق الزهري، وحديثهما اولى بالصواب.\rوقال أبو بكر الخطيب: وَهِمَ أسامة بن زيد إذا ساق الحديث كله بهذا الإسناد؛ لأن قصة المواقيت ليست من حديث أبي مسعود، وإنما كان الزهري يقول فيها: وبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر حين تزول الشمس- إلى آخره، بين ذلك يونس في روايته عن ابن شهاب، وفصل حديث أبي مسعود المسند من حديث المواقيت المرسل، وأورد كل واحد منهما منفرداً.\rوقد روي بيان المواقيت في حديث أبي مسعود من وجه آخر، من رواية أيوب بن عتبة، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أن عروة بن الزبير حدث عمر بن عبد العزيز، قال: حدثني أبو مسعود الانصاري- أو بشير بن أبي مسعود، قال: كلاهما قد صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن جبريل جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دلكت الشمس، فقال: يا محمد، صلي الظهر فصلى. قال: ثم جاء حين صار ظل كل شيء مثله، فقال: يا محمد صلي العصر. قال: فصلى، ثم أتاه حين غربت الشمس، فقال: يا محمد، صلي المغرب. قال: فصلى، ثم جاءه حين غاب الشفق، فقال: يا محمد، صلي العشاء. قال: فصلى، ثم اتاه حين انشق الفجر، فقال: يا محمد، صلي الصبح. قال: فصلى. قال: ثم أتاه حين كان ظل كل شيء مثله في الغد، فقال: يا محمد، صلي الظهر. قال: فصلى. قال: ثم أتاه حين صار ظل كل شيء مثليه، فقال: يا محمد، صلي العصر. قال: فصلى. قال: ثم أتاه حين غربت الشمس، فقال: يا محمد، صلي المغرب. قال: فصلى، ثم أتاه حين ذهب ساعة من الليل، قال: يا محمد، صلي العشاء. قال: فصلى. قال: ثم أتاه حين أضاء الفجر وأسفر، قال: يامحمد، صلي الصبح. قال: فصلى. ثم قال: ((ما بين هذين وقت)) - يعني: أمس واليوم.","part":4,"page":2},{"id":646,"text":"أيوب بن عتبة اليمامي، ضعفه أحمد ، وقال مرة: ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير. وقال البخاري : هو عندهم لين. وقال الدارقطني: يترك، وقال مرة: يعتبر به، هو شيخ. وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه. وضعف أبو حاتم حديثه من حفظه، وقال: كتابه صحيح.\rوقد شك في إسناد هذا الحديث: هل هو عن أبي مسعود، أو عن بشير ابنه؟ وعلى تقدير أن يكون عن بشير ابنه فيكون مرسلا، وقوله: ((وكلاهما صحب النبي\r- صلى الله عليه وسلم -)) وهم، ونسب الدارقطني الوهم إلى أبي بكر بن حزم-: ذكره في \"العلل\".\rوخرجه في \"سننه\" مختصرا من طريق ايوب بن عتبة، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عروة، { عن } ابن أبي مسعود، عن أبيه- إن شاء الله.\rوهذا يدل على إنه اضطراب في إسناده.\rوقد خالفه الثقات في هذا، فرووا هذا الحديث مرسلاً: رواه معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه مرسلاً. ورواه الثوري وابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر ويحيى بن سعيد- كلاهما-، عن أبي بكر بن حزم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً، وكذا رواه أبو ضمرة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم مرسلاً.\rلكن رواه سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، عن أبي مسعود الأنصاري، من غير ذكر ((عروة)).\rخرجه بقي بن مخلد في \"مسنده\" عن ابن كاسب، عن إسماعيل بن عبد الله- هو: ابن أبي أويس-، عن سليمان، به- فذكر حديث المواقيت بطوله.\rوخرجه البيهقي في \"المعرفة\" من طريق أحمد بن عبيد الصفار: حدثنا الأسفاطي: نا إسماعيل- فذكره.\r{ وخرجه } أبو بكر الباغندي في ((مسند عمر بن عبد العزيز))، عن إسحاق بن ابراهيم بن سويد الرملي، عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر عبد الحميد بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم، عن أبي مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث بطوله.\rورواه البخاري في \"تاريخه\"، عن أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، قال: قال صالح بن كيسان: سمعت أبا بكر بن حزم، أنه بلغه أن أبا مسعود { قال : } نزل { جبريل } على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة- فذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: قال صالح بن كيسان: وكان عطاء يحدث عن جابر في وقت الصلاة بنحو ما كان أبو مسعود يحدث. قال صالح: وكان عمرو بن دينار وأبو الزبير المكي يحدثان مثل { ذلك، عن } جابر بن عبد الله.\rقال الدارقطني في \"العلل\" : ورواه زفر بن الهذيل، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن [محمد] بن عمرو بن حزم، عن أُناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر حديث المواقيت بطوله.\rورواه زفر- أيضا-، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم- بمثله، مرسلاً.\rوزفر: قال الدارقطني: ثقة.\rوقد روي حديث صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس في مواقيتها في يومين مع بيان مواقيتها من رواية: ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عمر، وأنس، ولم يخرج شيء منها في \"الصحيح\".","part":4,"page":3},{"id":647,"text":"وحكى الترمذي في كتابه عن البخاري، أنه قال: أصح شيء في المواقيت حديث جابر.\rوحديث جابر المشار إليه خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي في \"كتابه الكبير\"، ولفظه: قال: جاء جبريل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - حين مالت الشمس، فقال: قم يا محمد، فصل [الظهر] حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد، فصل العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه، فقال: قم، فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس. سواء، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال: قم، فصل العشاء، فقام فصلاها، ثم جاء جبريل حين سطع الفجر بالصبح، فقال: يا محمد، قم فصل، فقام فصلى الصبح، ثم جاءه من الغد، فقال: قم يا محمد فصل فقام فصلى الظهر ثم جاءه حين كان فيء الرجل مثليه فقال: قم يامحمد، فصل العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتا واحداً لم يزل عنه، فقال: قم، فصل المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم، فصل العشاء، ثم جاءه للصبح حين أسفر جداً، فقال: قم فصل الصبح، ثم قال: ((ما بين هذين وقت كله)).\rوذكر أبو داود في \"كتابه\" بعضه-تعليقاً.\rوخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" والحاكم، وقال: صحيح مشهور من حديث ابن المبارك، عن حسين بن علي بن حسين، عن وهب بن كيسان، عن جابر. قال: والشيخان لم يخرجاه لقلة حديث الحسين بن علي الأصغر.\rوحسين هذا: وثقة النسائي وغيره.\rوقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن هذا الحديث: ما ترى فيه، وكيف حال الحسين؟ فقال أبي: أماالحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روي في المواقيت ليس بالمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.\rوإنما قال الإمام أحمد: ((ليس بالمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعضه غيره))، لأن قاعدته: أن ما انفرد به ثقة، فإنه يتوقف فيه حتى يتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والاتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما.\rوقال الترمذي: حديث جابر قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر. انتهى.\rورواه- أيضا- بشير بن سلام الأنصاري المدني عن جابر- أيضا.\rوقد ذكرت أحاديث هذا الباب كلها بطرقها وعللها في \"كتاب شرح الترمذي\".\rوقد دل القرآن في غير موضع على مواقيت الصلوات الخمس، وجاءت السنة مفسرة لذلك ومبينة له:\rفمن ذلك: قوله الله تعالى: { أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } .\rوقد ذكر غير واحد من الأئمة كمالك والشافعي: أن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس، وروي معناه عن طائفة من السلف.\rفقال ابن عمر: دلوك الشمس: ميلها- يشير إلى صلاة الظهر حينئذ.\rوعن ابن عباس، قال: دلوك الشمس: إذا جاء الليل. وغسق الليل: اجتماع الليل وظلمته.\rوقال قتادة: دلوك الشمس: إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر. وغسق الليل: بدء الليل صلاة المغرب.","part":4,"page":4},{"id":648,"text":"وقد قيل: إن الله تعالى ذكر ثلاثة أوقات، لأن اصل الأوقات ثلاثة، ولهذا تكون في حالة جواز الجمع بين الصلاتين ثلاثة فقط، فدلوك الشمس: وقت لصلاة الظهر والعصر في الجملة، وغسق الليل: وقت لصلاة المغرب والعشاء في الجملة، ثم ذكر وقت الفجر بقوله: { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } .\rوقد ثبت في \"الصحيحين\" عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر))، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } .\rوكذلك قوله تعالى: { وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ } . [هود : 144].\rفقوله : { طَرَفِي النَّهَارِ } يدخل فيه صلاة الفجر وصلاة العصر.\rوقد قيل: إنه يدخل فيه صلاة الظهر والعصر، لأنهما في الطرف الأخير، وزلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء.\rوكذا قال قتادة: إن زلف الليل يدخل فيه المغرب والعشاء، وإن طرفي النهار يدخل فيه الفجر والعصر.\rوروي عن الحسن، أنه قال في قوله: { طَرَفِي النَّهَارِ } ، قال: صلاة الفجر، والطرف الآخر الظهر والعصر { وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ } المغرب والعشاء.\rوكذلك قوله: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } [طه:130].\rوفي الحديث الصحيح عن جرير البجلي- حديث الرؤية-: ((فان استطعتم ان لاتغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا))، ثم قرأ: { فسبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } .\rوقد ادرج اكثر الرواة القراءة في الحديث، وبين بعضهم: أن جريرا هو الذي قرأ ذلك، فبين أن صلاة الصبح وصلاة العصر يدخل في التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأماالتسبيح من آناء الليل فيدخل فيه صلاة المغرب وصلاة العشاء. وقوله:\r{ واطراف النَّهَارِ } يدخل في صلاة الفجر وصلاة العصر، وربما دخلت فيه صلاة الظهر؛ لأنها في أول طرف النهار الاخر.\rوقال تعالى : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } [ ق 39 ، 40].\rوقد قال ابن عباس وأبو صالح: إن التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب: الصبح وصلاة العصر.\rوقوله: { وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } ، قال مجاهد: الليل كله.\rوهذا يدخل فيه صلاة المغرب والعشاء، ويدخل فيه التهجد المتنقل به- أيضا.\rوقال خصيف: المراد بتسبيحه من الليل: صلاة الفجر المكتوبة، وفيه بعد.\rوأما { َأَدْبَارَ السُّجُودِ } ، فقال اكثر الصحابة، منهم: عمر، وعلي، والحسن بن علي، وأبو هريرة، وأبو أمامة وغيرهم: أنهما ركعتان بعد الغروب، وهو رواية عن ابن عباس، وروي عنه مرفوعاً، خرجه الترمذي بإسناد فيه ضعف.\rفاشتملت الآية على الصلوات الخمس مع ذكر بعض التطوع.","part":4,"page":5},{"id":649,"text":"وقال تعالى: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } [الطور: 48 ، 49].\rفقوله: { حِينَ تَقُومُ } قد فسر بإرادة القيام إلى الصلاة، وهو قول زيد بن اسلم والضحاك، وفسر بالقيام من النوم، وهو قول أبي الجود، وفسر بالقيام من المجالس.\rوقوله: { وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } ، قال مجاهد: من الليل كله، يدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل المتطوع بها.\rوفسره خصيف بصلاة الفجر، وفيه نظر.\r{ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } : ركعتا الفجر كذا قاله علي وابن عباس في رواية، وروي عن ابن عباس مرفوعاً.\rخرجه الترمذي وفيه ضعف.\rوقال تعالى: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [الروم: 17 ، 18] .\rقال الإمام أحمد: نا ابن مهدي: نا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس، فقال،: الصلوات الخمس في القران؟ فقال: نعم، فقرأ:\r{ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } قال: صلاة المغرب { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } صلاة الفجر\r{ وَعَشِيًّا } صلاة العصر { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } صلاة الظهر، وقرأ : { وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ } [النور:58].\rورواه أدم بن أبي إياس في \"تفسيره\"، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، قال: جاء نافع- ولم يذكر: أبا رزين.\rوروى آدم- أيضا- : نا شريك، عن ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي البختري، عن ابن عباس، قال: جمعت هذه الآية الصلوات كلها- فذكره بمعناه، ولم يذكر فيه: صلاة العشاء.\rروي عن الحسن وقتادة في قوله تعالى { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } ، قال: صلاة المغرب والعشاء، { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } : صلاة الغداة، { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا } ، قال: العصر، { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } ، قال: الظهر:\rخرجه البيهقي وغيره.\rوأماتأخير المغيرة بن شعبة وعمر بن عبد العزيز الصلاة يوماً، فإنما كان تأخيرهما كذلك عن وقت صلاتهما المعتادة ولم يؤخراها حتى خرج الوقت.\rوقد روى الليث هذا الحديث، عن الزهري، وفيه : ((أن عمر أخر العصر شيئاً)).\rولهذا ذكر عروة حديث عائشة في تعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العصر، ولم يكن عمر بن عبد العزيز يؤخر الصلاة كتأخير سائر بني أمية، إنما أخر العصر يوماً.\rوفي حديث أسامة بن زيد، عن الزهري، أن عمر كان قاعدا على المنبر، فأخر العصر شيئاً.","part":4,"page":6},{"id":650,"text":"وكان هذا في أيام ولايته للمدينة نيابة عن الوليد، ولم يكن - رحمة الله عليه- يظن أن توقيت الصلوات في هذه الأوقات الخمس كان بوحي من الله عز وجل مع جبريل عليه السلام، بل كان يظن ان النبي - صلى الله عليه وسلم - سن ذلك لأمته، وربما لم يكن بلغَهُ ما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم - من التوقيت، فكان يجري على العادة التي اعتادها الناس، حيث لم يكن في القران تصريح بمواقيت الخمس، ولم يبلغه ما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بتعليم جبريل إياه، فلما بلغه ذلك اجتهد حينئذ على المحافظة على مواقيت الصلاة، وكان في أيام خلافته يوصي عماله بذلك، وكان يعتب على الحجاج وغيره من ولاة السوء تأخيرهم الصلاة عن مواقيتها.\rوفي رواية معمر، عن الزهري لهذا الحديث، قال: فما زال عمر يعلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا.\rوفي رواية حبيب بن أبي مرزوق، عن عروة لهذا الحديث، قال: فبحث عمر عن ذلك حتى وجد ثبته، فما زال عمر عنده علامات الساعات ينظر فيها حتى قُبض رحمه الله.\rوقد كان عمر بن عبد العزيز- أحياناً- قبل سماعه لهذا الحديث يؤخر الصلوات إلى آخر الوقت على ما جرت به عادة بني أمية.\rوفي \"الصحيحين\" عن أبي أمامة بن سهل، قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه الصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كنا نصلي معه.\rوخرج مسلم من حديث عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها- أو يميتون الصلاة عن وقتها؟)) قال: فما تأمرني؟ قال: ((صل الصلاة لوقتها، فإن ادركتهما معهم فصل، فانها لك نافلة)).\rوقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من روايات متعددة.\rوقد كان الصحابة يأمرون بذلك ويفعلونه عند ظهور تأخير بني أمية للصلاة عن أوقاتها، وكذلك أعيان التابعين ومن بعدهم من أئمة العلماء:\rقال [أحمد] وإسحاق: إنما يصلي في بيته ثم يأتي المسجد إذا صلى الأئمة في غير الوقت-: نقله عنهما ابن منصور.\rومرادهما: إذا صلوا بعد خروج الوقت، فإن تأخير الصلاة عن وقتها عمداً في غير حال يجوز فيها الجمع لا يجوز إلا في صور قليلة مختلف فيها، فأماإن أخروا الصلاة عن أوائل وقتها الفاضلة، فإنه يصلي معهم ويقتصر على ذلك.\rوقد روى الشافعي بإسناده، عن ابن عمر، أنه أنكر على الحجاج إسفاره بالفجر، وصلى معه يومئذ.\rوقد قال النخعي: كان ابن مسعود يصلي مع الأمراء في زمن عثمان وهم يؤخرون بعض التأخير، ويرى أنهم يتحملون ذلك.\rوإنما كان يفعل ذلك في أيام إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة في زمن عثمان، فإنه كان أحيانا يؤخر الصلاة عن أول وقتها.\rوفي \"مسند الإمام أحمد\" أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرة، فقام ابن مسعود فتقرب، فصلى بالناس، وقال: أبن الله ورسوله علينا أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك.","part":4,"page":7},{"id":651,"text":"وفي \"سنن أبي داود\": عن صالح بن عبيد، عن قبيصة بن وقاص، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((يكون عليكم أمراء من بعدي، يؤخرون الصلاة، فهي لكم وعليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة)).\rوهذا الحديث معلول من وجهين:\rأحدهما: أن قبيصة بن وقاص وإن عده بعضهم في الصحابة، فقد أنكر ذلك آخرون.\rوالثاني: أن صالح بن عبيد، قال بعضهم: إنه لا يعرف حاله، منهم: الأثرم وغيره.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عطاف بن خالد، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن رجل من جهينة، عن عقبة بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه.\rوفي هذا الإسناد ضعف.\rوخرج الإمام أحمد نحو من حديث عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوعاصم، ضعيف.\rوإن صحت هذه الأحاديث، فهي محمولة على من أخر الصلاة عن أول وقتها الأفضل إلى آخر الوقت، وحديث أبي ذر وما في معناه محمول على من أخرها عن الوقت حتى خرج الوقت، أو إلى وقت يكره تأخير الصلاة إليه، كتأخير العصر إلى أن تصفر الشمس، وقد روي ذلك عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعاً.\rوعلى هذا يدل كلام أحمد وإسحاق كما سبق ذكره، وإن الإمام إذا صلى في آخر الوقت فإنه يصلي معه ولا يصلي قبله في البيت، كما إذا أخرها عن الوقت.\rواستدل الإمام أحمد بقول ابن مسعود في الذين يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى، فأمرهم أن يصلوا للوقت، ثم يصلوا معهم.\rوقد خرجه مسلم في \"صحيحه\".\rوروي عن عطاء، أنه يكتفي بالصلاة معهم ولا يصلي في بيته ما لم يؤخروا حتى تغرب الشمس.\rذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، عنه.\rوقال القاضي أبو يعلي من أصحابنا: إذا أخر الإمام الصلاة عن أول الوقت فإن وجد جماعة غيره في أول الوقت صلى مع الجماعة، وإلا انتظر الإمام حتى يصلي؛ لأن الجماعة عندنا فرض.\rوكذلك مذهب مالك وأصحابه: أن تأخير الصلاة لانتظار الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت منفرداً.\rونص الإمام أحمد في رجل أمره أبوه أن يصلي به، وكان أبوه يؤخر الظهر إلى العصر، أنه يصلي به. فإن كان يؤخر الصبح حتى تطلع الشمس لم يفعل.\rوللشافعي في ذلك قولان: أحدهما: ينتظر الإمام إذا أخرها عن أول الوقت. والثاني: يصلي في أول الوقت منفرداً، وهو أفضل من التأخير للجماعة.\rوقالت طائفة من أصحابه: الأفضل أن يجمع بين الأمرين، فيصلي في اول الوقت منفرداً، ثم يصلي مع الجماعة في أثناء الوقت، وإن أراد الاقتصار على صلاة واحدة فالتأخير للجماعة أفضل.\rومنهم من ذكر احتمالا: ان فحش التأخير فالانفراد أول الوقت أفضل، وإن خف فالانتظار أفضل.\rواستدل صاحب \"شرح المهذب\" لتفضيل الجمع بينهما، بأن في \"صحيح مسلم\"، عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه \"سيجيء قوم يؤخرون الصلاة عن أول وقتها\" - وذكر الحديث المتقدم.","part":4,"page":8},{"id":652,"text":"وليس في \"صحيح مسلم \" ذكر أول الوقت ولا وجدناه في غيره - أيضا-، بل في الأحاديث ما يدل على خلاف ذلك، وأنهم يؤخرون الصلاة حتى يذهب وقتها. كذلك في حديث عبادة بن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\r... وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود.\r... وقد استدل الإمام أحمد بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة في الوقت عند تأخير الإمراء على أن الجمع بين الصلاتين لغير عذر غير جائز.\rوسيأتي زيادة بيان لذلك في موضع آخر- إن شاء الله سبحانه وتعالى.\rوأماتقديم الصلاة على وقتها في غير جمع فلا يجوز - أيضا- ، فلو صلى الظهر قبل الزوال، والصبح قبل طلوع الفجر، والمغرب قبل غروب الشمس فعليه الاعادة، وسواء تعمد ذلك او لم يتعمده، هذا قول جمهور العلماء.\rقال ابن المنذر: اختلفوا في الصلاة قبل دخول الوقت، فروينا عن عمر وأبي موسى الاشعري، أنهما أعادا الفجر لأنهما كان صلياها قبل الوقت، وبه قال الزهري ومالك والأوزعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، وقد روينا عن ابن عباس، أنه قال في رجل صلى الظهر في السفر قبل أن تزول الشمس، قال: يجزئه. وقال الحسن: مضت صلاته. وبنحو ذلك قال الشافعي.\rوعن مالك فيمن صلى العشاء في السفر قبل غيبوبة الشفق جاهلا وساهياً يعيد ما كان في وقت، فإذا ذهب الوقت قبل أن يعلم أو يذكر فلا إعادة عليه.\rانتهى.\r... وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن وقت الصلاة من فرائضها، وأنها لا تجزيء قبل وقتها، إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري وعن بعض التابعين، أجمع العلماء عن خلافه، فلم أر لذكره وجها؛ لأنه لا يصح عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما وافق الجماعة، فصار اتفاقا صحيحاً.\r... قلت: ليس هذا الاختلاف في جواز تقديم الصلاة على وقتها عمداً، إنما الاختلاف فيمن اجتهد وصلى ثم تبينت صلاته قبل الوقت، وقد مضى الوقت، فهذا في وجوب الإعادة فيه قولان للشافعي، والاختلاف المروي عن السلف يرجع إلى هذين القولين، وقد حكي رواية عن أحمد أنه لايلزمه القضاء. قال القاضي أبو يعلى الصغير في \"تعليقه\": قد تأولها أصحابنا.\r... وما حكاه ابن المنذر عن مالك قد روي صالح بن أحمد وأبو الحارث، عن أحمد في المسافر إذا صلى العشاء قبل مغيب الشفق: أرجو.\r... وتأوله بعض أصحابه عن الشفق الأبيض، وهو بعيد.\r... وقد نقل ابن منصور، عن أحمد، أنه إذا صلى العشاء في السفر بعد غيبوبة الشفق الاحمر وقبل غيبوبة البياض، فإنه يجوز، وعلل بأنه أماأن يكون مصليا في الوقت عند من يرى أن الشفق الحمرة، و أماأن يكون جامعاً بين الصلاتين في السفر، وهو جائز.\r... وهذا يدل على جواز الجمع في السفر في وقت الأولى مع التفريق بين الصلاتين، وعلى أن نية الجمع لا تشترط.\r... وروى حرب، عن أحمد فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق، قال: لا ادري. وفيمن صلى العصر قبل مصير ظل الشيء مثله: انه يعيد، ولم يقيد هذا بالسفر.\r... ولو كان معللا يجواز الجمع كما نقله عنه ابن منصور، لم يكن فرق بين العشاء والعصر، لأن كلتا الصلاتين تجمع إلى ما قبلها.","part":4,"page":9},{"id":653,"text":"... والظاهر: أنه أراد بالشفق الحمرة؛ فإن أحمد متوقف في صلاة العشاء قبل مغيب البياض، على ما سيأتي ذكره- إن شاء الله سبحانه وتعالى.\r***\r2- باب\r{ منِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا\rتَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ } [الروم:31]\rقال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } [الروم: 30].\rفأمره بإقامة وجهه، وهو إخلاص قصده وعزمه وهمه للدين الحنيف، وهو الدين القيم، وهو فطرة الله التي فطر العباد عليها، فإن الله ركب في قلوب عباده كلهم قبول توحيده والإخلاص له، و إنما يغيرهم عن ذلك تعليم من عملهم الخروج عنه.\rولما كان الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - لم تدخل فيه أمته معه قال بعد ذلك { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } ، فجعل ذلك حالا له ولأمته، وهو إنابتهم إليه، ويعني به: رجوعهم إليه، وأمرهم بتقواه، والتقوى تتضمن فعل جميع الطاعات وترك المعاصي والمخالفات.\rوخص من ذلك إقام الصلاة، فلم يذكر من أعمال الجوارح باسمه الخاص سواها، والمراد بإقامتها: الاتيان بها قائمة على وجهها التام، وفي ذلك دليل على شرف الصلاة وفضلها، وأنها اهم أعمال الجوارح.\rومن جملة إقامتها المأموربه: المحافظه على مواقيتها، فمن صلى الصلاة لغير مواقيتها التي وقتها الله فلم يقم الصلاة، بل ضيعها وفرط فيها وسها عنها.\rقال ابن عباس في قوله تعالى { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ } [المائدة :55]، قال: يقيمون الصلاة بفرضها.\rوقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها.\rوقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القران فيها، والتشهد، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا إقامتها.\rخرجه كله ابن أبي حاتم.\rولهذا مدح سبحانه الذين هم على صلاتهم يحافظون والذين هم على صلاتهم دائمون، وقد فسره ابن مسعود وغيره بالمحافظة على مواقيتها، وفسره بذلك مسروق والنخعي وغيرهما.\rوقيل لابن مسعود: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: { الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ } [المعارج:23] و { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } [المعارج:34]؟ قال: ذاك على مواقيتها. قيل له: ما كنا نرى ذلك إلا على تركها، قال: تركها الكفر.\rخرجه ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما.\rوكذلك فسر سعد بن أبي وقاص ومسروق وغيرهما السهو عن الصلاة بالسهو عن مواقيتها.\rوروي عن سعد مرفوعا، والموقوف أصح قال البخاري - رحمه الله -:","part":4,"page":10},{"id":654,"text":"523- نا قتيبة بن سعيد: نا عباد - هو : ابن عباد-، عن أبي جمرة ، عن ابن عباس، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : إنا هذا الحي من ربيعة، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك، وندعو إليه من وراءنا. فقال: (( آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله ))، ثم فسرها لهم: ((شهادة أن لا الله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وأن تؤدوا إِليَّ خمس ما غنمتم ، وأنهى عن الدباء والحنتم والنقير والمقير)).\rقد تقديم هذا الحديث في \"كتاب : الايمان\" و \"كتاب: العلم\" خرجه البخاري فيهما من حديث شعبة، عن أبي جمرة، وذكرنا شرحه في الموضعين المذكورين.\rوالمقصود منه هاهنا: أمره لهم بإقامة الصلاة، وقد ذكرنا هاهنا تفسير إقامة الصلاة، وأن من جملته المحافظه على مواقيتها.\rوخرج أبو داود من حديث عباد بن الصامت، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((خمس صلوات افترضهن الله ، من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن واتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهدا أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إِن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه)).\rوخرج ابن ماجه من حديث [أبي] قتادة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قال الله تعالى: افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهداً : أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي)).\rوخرج الأمام أحمد من حديث كعب بن عجرة: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال ربكم: من صلى الصلاة لوقتها، وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافا بحقها، فله علي عهد أن أدخله الجنة، ومن لم يصلها لوقتها، ولم يحافظ عليها وضيعها استخفافا بحقها، فلا عهد له، إن شئت عذبته، وإن شئت غفرت له)).\rومن حديث حنظلة الكاتب، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله عز وجل دخل الجنة))- او قال: ((وجبت له الجنة))-، وفي رواية قال: ((حرم على النار)).\rوروى محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح عن ابن سيرين، قال: نبئت أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما- كانا يعلمان الناس الإسلام: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة التي افترض الله لمواقيتها، فان في تفريطها الهلكة.\r* * *","part":4,"page":11},{"id":655,"text":"3- باب\rالبيعة على إقام الصلاة\r524- حدثنا محمد بن المثنى: نا يحيى: نا إسماعيل: نا قيس، عن جرير بن عبد الله، قال: بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.\r... خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق في آخر \" كتاب: الإيمان\"، عن مسدد، عن يحيى- هو: ابن سعيد-، بمثله.\r... والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان بايع الناس على الإسلام، وأركان الإسلام خمس: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام رمضان.\r... وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع- أحياناً- عليهن كلهن، كما في \" مسند الإمام أحمد\" عن بشير بن الخصاصية، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبايعه، فاشترط عليَّ : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله ، أمااثنتين، فوالله ما أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك جشعت نفسي، وكرهت الموت. والصدقة، فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود، هن رسل أهلي وحمولتهم. قال: فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، ثم حرك يده، ثم قال: (( فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذاً؟)) قلت: يا رسول الله، أبايعك، فبايعته عليهم كلهن.\r... وتارة كان يبايع على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين، كما بايع جرير بن عبد الله؛ فإن الصلاة والزكاة أفضل خصال الإسلام العملية.\r... وتارة يكتفي بالبيعة على الشهادتين؛ لأن باقي الخصال حقوق لها ولوازم.\r... وتارة كان يقتصر في المبايعة على الشهادتين فقط، لأنهما رأس الإسلام، وسائر الأعمال تبع لهما.\r... وقد كان أحيانا يتآلف على الإسلام من يريد أن يسامح بترك بعض حقوق الإسلام، فيقبل منهم الإسلام، فإذا دخلوا فيه رغبوا في الإسلام فقاموا بحقوقه وواجباته كلها.\r... كما روى عبد الله بن فضالة الليثي، عن أبيه، قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان فيما علمني: ((وحافظ على الصلوات الخمس)) . قال : قلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع، إذا أنا فعلته أجزأ عني. قال: (( حافظ على العصرين)) - وما كانت من لغتنا - قلت: وما العصران؟ قال: (( صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها)).\r... خرجه أبو داود وابن حبان في \" صحيحه\" والحاكم.\rوظن أن فضالة هو ابن عبيد، ووهم في ذلك، فليس هذا فضالة بن عبيد-: قاله ابن معين وغيره.\r... وفي \" المسند\" من حديث قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن رجل منهم، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم على أن يصلي صلاتين، فقبل منه.\r... وفي رواية: على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه.\rوفيه- أيضا- عن جابر، أن ثقيفاً إذ بايعت اشترطت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا صدقة عليها ولا جهاد. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((يصدقون ويجاهدون إذا أسلموا)).","part":4,"page":12},{"id":656,"text":"... قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : إذا أسلم على أن يصلي صلاتين يقبل منه، فإذا دخل يؤمر بالصلوات الخمس، وذكر حديث قتادة عن نصر بن عاصم الذي تقدم.\r* * *","part":4,"page":13},{"id":657,"text":"4- باب\rالصلاة كفارة\rفيه حديثان:\rالأول: كفارة الصلاة:\rقال:\r525- حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن الأعمش: حدثني شقيق: حدثني حذيفة، قال: كنا جلوساً عند عمر، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله. قال: إنك عليه- أو عليها- لجريء. قلت : فتنة الرجل في أهله وماله ولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال: يكسر أم يفتح؟ قال: يكسر. قال: إذن لا يغلق أبداً.\r... قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقاً فسأله، فقال: الباب عمر.\r... أصل الفتنة: الابتلاء والامتحان والاختبار، ويكون تارةً بما يسوء، وتارة بما يسر، كما قال تعالى: { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء: 35]، وقال: { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الأعراف: 168].\r... وغلب في العرف استعمال الفتنة في الوقوع فيما يسوء.\r... والفتنة نوعان: أحدهما: خاصة، تختص بالرجل في نفسه. والثاني: عامة، تعم الناس.\r... فالفتنة الخاصة: ابتلاء الرجل في خاصة نفسه بأهله وماله وولده وجاره، وقد قال [تعالى]: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } [ التغابن: 15]؛ فإن ذلك غالباً يلهي عن طلب الآخرة والاستعداد لها، ويشغل عن ذلك.\r... ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر، ورأى الحسن والحسين يمشيان ويعثران\rوهما صغيران، نزل فحملهما، ثم قال: (( صدق الله ورسوله، { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } ، إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم أصبر)).\rوقد ذم الله تعالى من ألهاه ماله وولده عن ذكره، فقال: { لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } [المنافقون: 9].\r... فظهر بهذا: أن الأنسان يبتلى بماله وولده وأهله وبجاره المجاور له، ويفتتن بذلك، فتارةً يلهيه الاشتغال به عما ينفعه في آخرته، وتارةً تحمله محبته على أن يفعل لأجله بعض ما لا يحبه الله، وتارةً يقصر في حقه الواجب عليه، وتارةً يظلمه ويأتي إليه ما يكرهه الله من قول أو فعل، فيسأل عنه ويطالب به.\rفإذا حصل للأنسان شيء من هذه الفتن الخاصة، ثم صلى أو صام أو تصدق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر كان ذلك كفارةً له، وإذا كان الأنسان تسوؤه سيئته، ويعمل لأجلها عملاً صالحاً كان ذلك دليلاً على إيمانه.","part":4,"page":14},{"id":658,"text":"وفي \" مسند بقي بن مخلد\" ، عن رجل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما الإيمان يا رسول الله ؟ قال: (( أن تؤمن بالله ورسوله))، فأعادها ثلاثا، فقال له في الثالثة: (( أتحب أن أخبرك ما صريح الإيمان؟)) فقال: ذلك الذي أردت. فقال: (( إن صريح الإيمان إذا أسأت أو ظلمت أحداً: عبدك أو أمتك، أو واحداً من الناس، صمت أو تصدقت وإذا أحسنت استبشرت)).\rوأماالفتن العامة: فهي التي تموج موج البحر، وتضطرب، ويتبع بعضها بعضاً كأمواج البحر، فكان أولهما فتنة قتل عثمان - رضي الله عنه- ، وما نشأ منها من افتراق قلوب المسلمين، وتشعب أهوائهم وتكفير بعضهم بعضاً، وسفك بعضهم دماء بعض، وكان الباب المغلق الذي بين الناس وبين الفتن عمر- رضي الله عنه -، وكان قتل عمر كسراً لذلك الباب، فلذلك لم يغلق ذلك الباب بعده أبداً.\rوكان حذيفة أكثر الناس سؤالاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفتن، وأكثر الناس علماً بها،فكان عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بالفتن العامة والخاصة، وهو حدث عمر تفاصيل الفتن العامة، وبالباب الذي بين الناس وبينها، وأنه هو عمر، ولهذا قال: إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، والأغاليط: جمع أغلوطة، وهي التي يغالط بها، واحدها: أغلوطة ومغلطة، والمعنى: أنه حدثه حديثاً حقاً، ليس فيه مرية، ولا إيهام.\rوهذا مما يستدل به على أن رواية مثل حذيفة يحصل بها لمن سمعها العلم اليقيني الذي لا شك فيه؛ فإن حذيفة ذكر أن عمر علم ذلك وتيقنه كما تيقن أن دون غد الليلة لما حدثه به من الحديث الذي لا يحتمل غير الحق والصدق.\rوقد كانت الصحابة تعرف في زمان عمر أن بقاء عمر أمان للناس من الفتن.\rوفي \"مسند الإمام أحمد\" أن خالد بن الوليد لما عزله عمر، قال له رجل: اصبر أيها الأمير، فإن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: وابن الخطاب حي! إنما يكون بعده- رضي الله عنهما-.\rوقد روي من حديث عثمان بن مظعون، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى عمر: غلق الفتنة، وقال: (( لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم)).\rخرجه البزار.\rوروي نحوه من حديث أبي ذر.\rوروى كعب ، أنه قال لعمر: أجدك مصراع الفتنة ، فإذا فتح لم يغلق أبداً.\rالحديث الثاني :\r526- حدثنا قتيبة : ثنا يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود ، أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأنزل الله تعالى: { وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }\r[ هود: 114]. قال الرجل: يا رسول الله، إلي هذا؟ قال: (( لجميع أمتي كلهم)).\rهذا الذنب الذي أصابه ذلك الرجل وسأل عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية بسببه كان من الصغائر، وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الصلاة إنما تكفر الصغائر دون الكبائر.","part":4,"page":15},{"id":659,"text":"وكذلك الوضوء، غير أن الصلاة تكفر أكثر مما يكفر الوضوء، كما قال سلمان الفارسي - رضي الله عنه- : الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر، والصلاة تكفر أكثر من ذلك.\rخرجه محمد بن نصر المروزي وغيره .\rوقد سبق في حديث حذيفة: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة؛ وذلك لأن أكثر ما يصيب الأنسان في هذه الإشياء تكون من الصغائر دون الكبائر.\rوقد ذكرنا في \" كتاب الوضوء\" الاختلاف في أن الوضوء: هل يكفر الصغائر خاصة، أم يعم الذنوب كلها؟ والأكثرون على أن لا يكفر سوى الصغائر، وقد ذهب قوم إلى أنه يكفر الكبائر - أيضا- ، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى.\r* * *","part":4,"page":16},{"id":660,"text":"5- باب\rفضل الصلاة لوقتها\r527- حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك: ثنا شعبة، قال: الوليد بن العيزار أخبرني، قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: ثنا صاحب هذه الدار- وأشار إلى دار عبد الله-،قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: ((الصلاة على وقتها)). قال: ثم أي ؟قال: (( ثم بر الوالدين)). قال: ثم أي؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله )). قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزداني.\rوخرجه بهذا الإسناد بعينه في \" كتاب البر والصلة\".\rوخرجه أول \" الجهاد\" من طريق مالك بن مغول، عن الوليد، به، ولفظه: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أفضل؟ قال: قال: (( الصلاة على ميقاتها)) - وذكر باقيه بمعناه.\rوفي رواية لمسلم من حديث أبي يعفور، عن الوليد- بهذا الإسناد-، قلت: يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: (( الصلاة على مواقيتها)) - وذكر باقية.\rوهذه الألفاظ متقاربة المعنى أو متحدة؛ لأن ما كان من الأعمال أحب إلى الله فهو أفضل الأعمال، وهو أقرب إلى الجنة من غيره؛ فإن ما كان أحب إلى الله فعامله أقرب إلى الله من غيره، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه، قال: (( ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) - وذكر الحديث.\rخرجه البخاري في \" الرقاق\" من \" كتابه\" هذا.\rوقال عمر بن الخطاب: أفضل الأعمال أداء ما فرض الله .\rوكذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته.\rفدل حديث ابن مسعود هذا على أن أفضل الأعمال وأقربها إلى الله وأحبها إليه الصلاة على مواقيتها المؤقتة لها.\rوقد روي في هذا الحديث زيادة، وهي : ((الصلاة في أول وقتها))، وقد خرجها ابن خزيمة وابن حبان في \" صحيحهما\" والحاكم والدارقطني من طرق متعددة.\rورويت من حديث عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، [و] من حديث علي بن حفص المدائني، عن شعبة، ورويت عن شعبة من وجه آخر، وفيه نظر، ورويت من وجوه أخر.\rواستدل بذلك على أن الصلاة في أول الوقت أفضل، كما استدل لحديث ام فروة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه سئل : أي العمل أفضل ؟ قال: (( الصلاة لأول وقتها)).\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي.\rوفي إسناده اضطراب-: قاله الترمذي والعقيلي.\rوقد روي نحوه من حديث ابن عمر، إلا أن إسناده وهم، وإنما هو حديث أم فروة-: قاله الدارقطني في \" العلل\".\rوروي نحوه من حديث الشفاء بنت عبد الله.\rوفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( الصلاة على وقتها- أو على مواقيتها)) : دليل - أيضا- على فضل أول الوقت للصلاة؛ لأن \" على \" للظرفية، كقولهم: ((كان كذا على عهد فلان)) ، والأفعال الواقعة في الأزمان المتسعة عنها لا تستقر فيها، بل تقع في جزء منها، لكنها إذا وقعت في أول ذلك الوقت فقد صار الوقت كله ظرفاً لها حكماً.","part":4,"page":17},{"id":661,"text":"ولهذا سمى المصلي مصليا في حال صلاته وبعدها أماحقيقة أو مجازاً على اختلاف في ذلك، وأماقبل الفعل في الوقت فليس بمصل حقيقة ولا حكماً، وإنما هو مصل بمعنى استباحة الصلاة فقط، فإذا صلى في أول الوقت فإنه لم يسم مصلياً إلا في آخر الوقت.\rوقوله: (( ثم بر الوالدين)) لما كان ابن مسعود له أم احتاج إلى ذكر بر والديه بعد الصلاة؛ لأن الصلاة حق الله وحق الوالدين متعقب لحق الله عز وجل ، كما قال تعالى: { أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } [ لقمان :14].\rوقوله: (( ثم الجهاد في سبيل الله)) ؛ لأن الجهاد فرض كفاية، والدخول فيه بعد قيام من سقط به حق فرض الكفاية تطوع إذا لم يتعين بحضور العدو، ولهذا تقدم بر الوالدين على الجهاد إذا لم يتعين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن أراد أن يجاهد معه : (( إلك والدان؟ )) قال : نعم . [قال]: (( ففيهما فجاهد)) - وفي رواية: (( فأمره أن يرجع إليهما)).\rفذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود أن أفضل الأعمال القيام بحقوق الله التي فرضها على عباده فرض، وأفضلها : الصلاة لوقتها، ثم القيام بحقوق عباده، وأكده بر الوالدين، ثم التطوع بأعمال البر، وأفضلها الجهاد في سبيل الله.\rوهذا مما يستدل به الإمام أحمد ومن وافقه على أن أفضل أعمال التطوع الجهاد.\rفإن قيل: فقد روي خلاف ما يفهم منه ما دل عليه حديث ابن مسعود هذا؛ ففي \" الصحيحين\"، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل : أي الأعمال أفضل؟ قال: (( إيمان بالله ورسوله)). قيل : ثم أي ؟ قال: (( الجهاد في سبيل الله)). قيل : ثم أي ؟ قال: ((حج مبرور)).\rوفيهما - أيضا- عن أبي ذر ، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله ، والجهاد في سبيله)).\rولم يذكر في هذين الحديثين الصلاة ولا بر الوالدين، وروي نصوص أُخر بأن الجهاد أفضل الأعمال مطلقاً، وروي ما يدل على أن أفضل الأعمال ذكر الله عز وجل ، وجاء ذلك صريحاً عن جماعة كثيرة من الصحابة - رضي الله عنهم-.\rقيل : هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وذكروا في توجيهه والجمع بين النصوص الواردة به وجوها غير مرضية.\rفمنهم من قال: أراد بقوله: \" أفضل الأعمال كذا\" أي : أن ذلك من أفضل الأعمال، لا أنه أفضلها مطلقاً.\rوهذا في غاية البعد.\rومنهم من قال: أجاب كل سائل بحسب ما هو أفضل الأعمال له خاصة كما خص ابن مسعود بذكر الوالدين لحاجته إليه، ولم يذكر ذلك لغيره.\rلكن أبو هريرة كانت له أم - أيضا.\rوظهر لي في الجمع بين نصوص هذا الباب ما أنا ذاكره بحمد الله وفضله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فنقول:\rلا ريب أن أفضل الأعمال ما افترضه الله على عباده، كما ذكرنا الدليل عليه في أول الكلام على هذا الحديث، وأولى الفرائض الواجبة على العباد وأفضلها الإيمان بالله ورسوله، تصديقاً بالقلب، ونطقاً باللسان، وهو النطق بالشهادتين، وبذلك بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأمر بالقتال عليه، وقد سبق ذلك مبسوطا في \" كتاب الإيمان\".","part":4,"page":18},{"id":662,"text":"ثم بعد ذلك : الإتيان ببقية مباني الإسلام الخمس التي بني عليها، وهي : الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر من يبعثه يدعو إلى الإسلام أن يدعو أولاً إلى الشهادتين، ثم إلى الصلاة، ثم إلى الصيام، ثم إلى الزكاة، كما أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن، وكان يعلم من يسأله عن الإسلام مبانيه الخمس، كما في حديث سؤال جبريل عليه السلام له عن الإسلام، وكما في حديث طلحة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم الأعرأبي الذي سأله عن الإسلام المباني.\rفإذا تقرر هذا ، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة لما سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله)) فهذا وجه ظاهر، لا إشكال فيه؛ فإن الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال مطلقاً، وسمى الشهادتين مع التصديق بهما عملاً، لما في ذلك من عمل القلب واللسان.\rوقد قرر البخاري ذلك في \" كتاب الإيمان\" وسبق الكلام عليه في موضعه.\rوقوله في حديث أبي هريرة: (( ثم الجهاد في سبيل الله )) ، وفي حديث أبي ذر: \"والجهاد\"- بالواو- يشهد له أن الله قرن بين الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله في مواضع، كقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ } ،وقوله: { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } [الصف: 10 ، 11] الآية.\rفالإيمان بالله ورسوله: التصديق بهما في القلب مع الإقرار بذلك باللسان.والجهاد هو دعاء الناس إلى ذلك بالسيف والسنان، بعد دعائهم بالحجة والبيان، ولهذا يشرع الدعاء إلى الإسلام قبل القتال.\rوقد قيل: إن الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين على المسلمين كلهم، لا يسع أحداً التخلف عنه، كما قال تعالى: { انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا } [ التوبة: 41]، ثم بعد ذلك رخص لأهل الأعذار، ونزل قوله: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً } [ التوبة: 122]، روي ذلك عن ابن عباس وغيره، وحينئذ فيحتمل جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأعمال بعد الإيمان الجهاد معنيين:\rأحدهما: أن يقال: إنما كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين، فكان حينئذ أفضل الأعمال بعد الإيمان، وقريناً له، فلما نزلت الرخصة وصار الجهاد فرض كفاية تاخر عن فرض الأعيان.\rوقد اختلف ابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص في عد الجهاد من فرائض الإسلام، فعده عبد الله بن عمرو منها بعد الحج، وأنكر ذلك ابن عمر عليه، وقال: فرائضه تنتهي إلى الحج.\rوقد روى اختلافهما في ذلك أبو عبيد في \" كتاب الناسخ والمنسوخ\" وغيره.\rوعد حذيفة بن اليمان الجهاد من سهام الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضافهما إلى مباني الإسلام الخمس، وجعلها ثمانية سهام، وكأنه جعل الشهادتين سهمين.","part":4,"page":19},{"id":663,"text":"والثاني- وهو أشبه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سئل عن أفضل الأعمال، فتارةً يذكر الإيمان بالله ورسوله لدخوله في مسمى الأعمال، كما سبق تقريره، وتارة يذكر أعمال الجوارح؛ لأن المتبادي إلى الفهم عند ذكر الأعمال مع الإطلاق أعمال الجوارح، دون عمل القلب واللسان، فكان إذا تبين له أن ذلك هو مراد السائل ذكر الصلاة له، كما ذكرها في حديث ابن مسعود هذا؛ فإن الصلاة أفضل أعمال الجوارح، وحيث اجاب بذكر الإيمان أو بذكر الصلاة، فإنما مقصوده التمثيل بأفضل مباني الإسلام، ومراده المباني بجملتها؛ فإن المباني الخمس كالشيء الواحد، وكل من دخل في الإسلام بالإقرار بالشهادتين أو بالصلاة- على رأي من يرى فعلها إسلاماً-، فإنه يؤمر ببقية المباني، ويلزم بذلك ، ويقاتل على تركه.\rوفي حديث خرجه الإمام أحمد. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهن جيمعاً: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، [وحج البيت])).\rوفي حديث آخر: (( الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئاً دون شيء))-فذكر مباني الإسلام الخمس، وأن من أتى ببعضها دون بعض لم يقبل منه.\rونفي القبلول لها بمعنى نفي الرضا بذلك واستكمال الثواب عليه، وحينئذٍ فذكر بعض المباني مشعر بالباقي منها، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - تارة يكتفي في جواب من ساله عن أفضل الأعمال بالشهادتين، وتارة بالصلاة، ومراده في كلا الجوأبين سائر المباني، لكنه خص بالذكر أشرفها، فكأنه قال: الشهادتان وتوابعهما، والصلاة وتوابعها ولوازمها، وهو بقية المباني الخمس.\rويشهد لهذا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم)).\rفتوهم طائفة من الصحابة أن مراده أن مجرد هذه الكلمة يعصم الدم حتى توقفوا في قتال من منع الزكاة، حتى بين لهم أبو بكر- ورجع الصحابة إلى قوله-: أن المراد: الكلمتان بحقوقهما ولوازمهما، وهو الإتيان ببقية مباني الإسلام.\rوقد تبين صحة قولهم بروايات أخر تصرح بإضافة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى الشهادتين في شرط عصمة الدم.\rوكذلك قوله- صلى الله عليه وسلم - : (( من قال: لا إله إلا الله لم تمسه النار- أو دخل الجنة)).\rإنما أراد الشهادتين بلوازمهما وتوابعهما، وهو الإتيان ببقية أركان الإسلام ومبانيه.\rوفي حديث ابن مسعود قدم بر الوالدين على الجهاد إشارة إلى أن حقوق العباد اللازمة التي هي من فروض الأعيان تقدم على التطوع بالجهاد.\rوحديث أبي هريرة وأبي ذر فيهما اقتران الجهاد بالإيمان، لكنه في حديث أبي هريرة جعله بعد الإيمان، وجعل بعده الحج المبرور، فيحتمل أن يقال: كان ذلك في زمان كان الجهاد فيه فرض عين، فكان مقدماً على الحج، ويحتمل أن يقال: قد فهم دخول الحج من ذكر الإيمان بالله ورسوله؛ لأن ذلك يتبعه بقية مباني الإسلام، ومنها الحج، لا سيما وقد تقرر في أول الكتاب أن الإيمان قول وعمل ويكون المراد به جهاد المتطوع.","part":4,"page":20},{"id":664,"text":"وهذا أشبه بقواعد الشريعة؛ فإن من معه مال، وعليه زكاة أو حج، وأراد التطوع بالجهاد، فإنه لا خلاف أنه يقدم الزكاة والحج على التطوع بالجهاد، كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات.\rوروي- مرفوعا- من وجوه في أسانيدها مقال.\rفتبين بهذا التقرير أن الأحاديث كلها دالة على أن أفضل الأعمال الشهادتان مع توابعهما، وهي بقية مباني الإسلام ، أو الصلاة مع توابعها- أيضا- من فرائض الأعيان التي هي من حقوق الله عز وجل، ثم يلي ذلك في الفضل حقوق العباد التي هي من فروض الأعيان، كبر الوالدين، ثم بعد ذلك [أعمال] التطوع المقربة إلى الله، وأفضلها الجهاد.\rوفي حديث أبي هريرة تأخير الحج عن الجهاد، ولعله إنما ذكره بعد الجهاد حيث كان الحج تطوعاً، فإن الصحيح أن فرضه تأخر إلى عام الوفود.\rوقد يقال: حديث أبي هريرة دل على أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحج، فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين، كان ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد، وإلا فالجهاد أفضل منه.\rفهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث هي رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه، كما في حديث معاذ: ((فرأسه الشهادتان، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)).\rوالجهاد أفضل ما تطوع به من الأعمال، على ما دلت عليه النصوص الصحيحة الكثيرة، وهو مذهب الإمام أحمد.\rوفي \" الصحيحين\" عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( أفضل الناس مؤمن آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره)).\rفهذا نص في أن المجاهد أفضل من المتخلي لنوافل العبادات من الصلاة والذكر وغير ذلك، فأماالنصوص التي جاءت بتفضيل الذكر على الجهاد وغيره من الأعمال، وأن الذاكرين لله أفضل الناس عند الله مطلقاً فالمراد بذلك أهل الذكر الكثير المستدام في أغلب الأوقات.\rوليس الذكر مما يقطع عن غيره من الأعمال كبقية الأعمال، بل يمكن اجتماع الذكر مع سائر الأعمال، فمن عمل عملاً صالحاً، وكان أكثر لله ذكراً فيه من غيره فهو أفضل ممن عمل مثل ذلك العمل من غير أن يذكر الله معه.\rوقد ورد في نصوص متعددة أن أفضل المصلين والمتصدقين والمجاهدين والحاج وغيرهم من أهل العبادات أكثرهم لله ذكراً.\rوقد خرجه الإمام أحمد متصلاً، وخرجه ابن المبارك وغيره مرسلاً.\rفهؤلاء أفضل الناس عند الله، ثم يليهم الذين يذكرون الله كثيراً وليس لهم نوافل من غير الذكر كالجهاد وغيره، بل يقتصرون مع الذكر على فرائض الأعيان، فهؤلاء هم الذاكرون لله كثيراً، المفضلون على المجاهدين، ويليهم قوم يقومون بالفرائض وبالنوافل كالجهاد وغيره من غير ذكر كثير لهم.\rوإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عما يعدل الجهاد: (( هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر، وتقوم ولا تفتر؟)). قال: لا . قال: ((فذلك الذي يعدل الجهاد)) ؛ لأنه سأله عن عمل ينشئه عند خروج المجاهد يعادل فضل جهاده.","part":4,"page":21},{"id":665,"text":"وأماالذاكرون لله كثيراً، فإنما فضلوا على المجاهدين بغير ذكر؛ لأن لهم عملاً مستمراً دائماً قبل جهاد المجاهدين، ومعه وبعده، فبذلك فضلوا على المجاهدين بغير ذكر كثير.\rوبهذا تجتمع النصوص الواردة في ذلك.\rوأماحديث: (( خير الإسلام إطعام الطعام وافشاء السلام)) فقد سبق الكلام عليه في أول الكتاب، وأنه ليس المراد به تفضيل هاتين الخصلتين على سائر خصال الإسلام من الشهادتين والصلاة وغيرهما، بل المراد أن أفضل أهل الإسلام القائمين بخصاله المفروضة من الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج من قام بعد ذلك بإطعام الطعام وافشاء السلام.\rفإن قيل: فيكون التطوع بذلك أفضل من التطوع بالجهاد والحج.\rقيل: فيه تفصيل: فإن كان إطعام الطعام فرض عين كنفقة من تلزم نفقته من الأقارب فلا ريب أنه أفضل من التطوع بالنفقة في الجهاد والحج، فإن كان تطوعاً، فإن كان صلة رحم فهو أفضل من الجهاد والحج، نص عليه أحمد وكذا إن كان في عام مجاعة ونحوها، فهو أفضل من الحج عند الإمام أحمد، وقد يقال في الجهاد كذلك إذا لم يتعين .\rوهذا الكلام كله في تفضيل بعض الأعمال على بعض لذاتها، فأماتفضيل بعض الأعمال على بعض لزمانها أو مكانها فإنه قد يقترن بالعمل المفضول من زمان أو مكان ما يصير به فاضلاً، فهذا فيه كلام آخر نذكره في موضع آخر- إن شاء الله سبحانه وتعالى.\r* * *","part":4,"page":22},{"id":666,"text":"6- باب\rالصلوات الخمس كفارة للخطايا\rإذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها\r528- حدثني إبراهيم بن حمزة: ثنا ابن أبي حازم والدراوردي، عن يزيد بن عبد الله، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقول ذلك يبقي من درنه؟)) قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً. قال: (( فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بها الخطايا)).\rهذا مثل ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمحو الخطايا بالصلوات الخمس، فجعل مثل ذلك مثل من ببابه نهر يغتسل فيه كل يوم خمس مرار، كما أن درنه ووسخه ينقى بذلك حتى لا يبقى منه شيء، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء.\rواستدل بذلك بعض من يقول: إن الصلاة تكفر الكبائر والصغائر، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفرها مجرد الصلاة بدون توبة، يقولون: هذا العموم خص منه الكبائر بما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر)).\rوفيه - أيضا-: عن عثمان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله)).\rوخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام)).\rوخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه- أيضا.\rوقال ابن مسعود: الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر.\rوروي عنه مرفوعاً. والموقوف أصح.\rوقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح، ما لم تصب المقتلة.\rوقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك، وأن الكبائر لا تكفر بمجرد الصلوات الخمس، وإنما تكفر الصلوات الخمس الصغائر خاصة.\rوقد ذهب طائفة من العلماء، منهم: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا - إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفر الصلوات شيئاً من الصغائر، وحكاه ابن عطية في \" تفسيره\" عن جمهور أهل السنة؛ لظاهر قوله: ((ما اجتنبت الكبائر)).\rوالصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، ورجحه ابن عطية، وحكاه عن الحذاق: أن ذلك ليس بشرط، وأن الصلوات تكفر الصغائر مطلقاً إذا لم يصر عليها، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر.","part":4,"page":23},{"id":667,"text":"وحديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب وغيره من الأحاديث يدل على ذلك، وقد ذكر البخاري في تبويبه عليه أن صلاتهن في وقتهن شرط لتكفير الخطايا، وأخذ ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :(( يغتسل فيه كل يوم خمساً))، وهذا يدل على تفريق الصلوات خمس مرار في كل يوم وليلة، ومن جمع بينهما في وقت واحد أو في وقتين أو ثلاثة لغير عذر لم يحصل منه هذا التفريق ولا تكرير الاغتسال، وهو بمنزلة من اغتسل مرة أو مرتين أو ثلاثاً.\rوحديث عثمان الذي خرجه مسلم يدل على أن كل صلاة تكفر ذنوب ما بينهما وبين الصلاة الأخرى خاصة، وقد ورد مصرحاً بذلك في أحاديث كثيرة.\rوحينئذ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر وجمع بينهما فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معاً، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع.\rوتمثيله - صلى الله عليه وسلم - بالنهر هو مبالغة في إنقاء الدرن؛ فإن النهر الجاري يذهب الدرن الذي غسل فيه ولا يبقى له فيه أثر، بخلاف الماء الراكد؛ فإن الدرن الذي غسل فيه يمكث في الماء، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على طول الزمان؛ ولهذا روي النهي عن الاغتسال في الماء الدائم كما سبق ذكره في الطهارة.\rوفي \" صحيح مسلم\" من حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات)). قال: قال الحسن: وما يبقى ذلك من الدرن.\rوقد روي عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً.\rقال أبو حاتم: كذلك أرسله الحفاظ، وهو أشبه.\rوروي تشبيه الصلوات بخمس أنهار.\rخرجه ابن جرير الطبري والطبراني والبزار من طريق يحيى بن أيوب: وحدثني عبد الله بن قريط، أن عطاء بن يسار حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((الصلوات الخمس كفارة ما بينهما)). وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أرأيت لو أن رجلاً كان له معتمل، وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله، فأصابه الوسخ والعرق، فكلما مر بنهر اغتسل ما كان ذلك مبقياً من درنه، فكذلك الصلوات ، كلما عمل خطيئة أو ما شاء الله، ثم صلى صلاة فدعا واستغفر غفر له ما كان قبلها)).\rوخرج البزار نحوه- أيضا-من طريق عمر بن صهبان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوهذه متابعة لابن قريط، ولكن ابن صهبان فيه ضعف شديد.\rوأمااستنباط البخاري: أن هذا التكفير لا يشترط له أن تكون الصلاة في جماعة، فإنه أخذه من قوله ((بباب أحدكم))، ومن صلى في بيته فهو كمن صلى في باب منزله.\rولقائل أن يقول: لو كان الأمر على ذلك لجعل النهر في المنزل، فلما جعله ببابه دل على أنه خارج من بيته، ففيه إشارة إلى الصلاة في المساجد، وإن قربت من المنازل.","part":4,"page":24},{"id":668,"text":"وحديث أبي سعيد صريح في أن النهر بين المنزل وبين المعتمل، وهو المكان الذي يعمل فيه المرء عمله وينتشر فيه لمصالح اكتسابه ونحو ذلك.\rوهذا مما يدل على أن المراد بالدرن الصغائر التي تصيب الأنسان في كسبه ومعاشه ومخالطته للناس المخالطة المباحة.\r* * *","part":4,"page":25},{"id":669,"text":"7- باب\rفي تضييع الصلاة عن وقتها\r529- حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا مهدي، عن غيلان، عن أنس، قال: ما أعرف شيئاً مما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل: الصلاة؟ قال: أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها؟\r530- حدثنا عمرو بن زرارة: ثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد، عن عثمان بن أبي رواد أخي عبد العزيز، قال: سمعت الزهري يقول: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت.\rوقال بكر بن خلف: حدثنا محمد بن بكر البرساني: أبنا عثمان بن أبي رواد نحوه.\rإنما كان يبكي أنس بن مالك من تضييع الصلاة إضاعة مواقيتها، وقد جاء ذلك مفسراً عنه، وروى سليمان بن المغيرة، عن ثابت ، قال: قال أنس: ما أعرف فيكم اليوم شيئاً كنت أعهده على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ليس قولكم: لا إله إلا الله . قلت: يا أبا حمزة ، الصلاة؟ قال: قد صليتم حين تغرب الشمس، فكانت تلك صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ !.\rخرجه الإمام أحمد.\rورواه حماد بن سلمة، أن ثابتاً أخبره، قال: قال أنس: ما شيء شهدته على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وقد أنكرته اليوم، إلا شهادتكم هذه. فقيل: ولا الصلاة؟ فقال: إنكم تصلون الظهر مع المغرب، أهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -\rيصلي ؟ !.\rوهذا استفهام إنكار من أنس، يعني: ان هذه لم تكن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرج الإمام أحمد من حديث عثمان بن سعد ، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما أعرف شيئاً مما عهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليوم. قيل له : ولا الصلاة؟ قال: أوليس قد علمت ما صنع الحجاج في الصلاة؟\rويقال: أن الحجاج هو أول من أخر الصلاة عن وقتها بالكلية، فكان يصلي الظهر والعصر مع غروب الشمس، وربما كان يصلي الجمعة عند غروب الشمس، فتفوت الناس صلاة العصر، فكان بعض التابعين يومئ في المسجد الظهر والعصر خوفا من الحجاج.\rوقد روي هذا الحديث عن أنس من وجوه متعددة.\rوخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي عمران الجوني، عن أنس، قال: ما أعرف شيئاً مما كنا عليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قلت: أين الصلاة؟ قال: أو لم تصنعوا في صلاتكم ما قد علمتم؟\rوغيلان- الذي خرجه البخاري من طريقه أولاً، عن أنس- هو : ابن جرير، رواه عنه مهدي بن ميمون.\rوعثمان بن أبي رواد هو اخو عبد العزيز بن أبي رواد، يكنى: أبا عبد الله. قال ابن معين: كان ثقة. وقد روى عنه شعبة وغيره، وقد بين البخاري أنه روى عنه هذا الحديث: أبو عبيدة الحداد ومحمد بن بكر البرساني.\rوبكر بن خلف الذي علق البخاري عنه الحديث، يقال له : ختن المقرئ، يكنى ابا بشر، ثقة، روى عنه أبو داود وابن ماجه.","part":4,"page":26},{"id":670,"text":"ولهم شيخ آخر، يقال له : عثمان بن جبلة بن أبي رواد المروزي والد عبدان عبد الله بن عثمان، وهو ابن أخي عثمان هذا، يروي عن شعبة وطبقته، وروى عنه عمه عثمان بن أبي رواد، وهو ثقة - أيضا- ، وقد خرج البخاري عن أبيه عبدان، عنه.\r* * *","part":4,"page":27},{"id":671,"text":"8- باب\rالمصلي يناجي ربه عز وجل\r531- حدثنا مسلم بن إبراهيم: نا هشام، عن قتادة، عن أنس، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه، فلا يتفلن عن يمينه، ولكن تحت قدمه اليسرى)).\rوقال سعيد، عن قتادة :(( لا يتفل قدامه أو بين يديه. ولكن عن يساره أو تحت قدمه)).\rوقال شعبة: (( لا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)).\rوقال حميد، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( لا يبزق في القبلة، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله، أو تحت قدمه)).\r532- حدثنا حفص بن عمر: ثنا يزيد بن إبرهيم: ثنا قتادة، عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: (( اعتدلوا في السجود، ولا يبسط احدكم ذراعية كالكلب، وإذا بزق فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه؛ فإنه يناجي ربه عز وجل)).\rعامة إلفاظ حديث أنس التي علقها هاهنا قد خرجها في \" أبواب القبلة والبزاق في المسجد\". وخرج هناك مناجاة المصلي لربه عز وجل من حديث أبي هريرة، ومعناه من حديث ابن عمر، وذكرنا نحن هناك أحاديث متعددة في هذا المعنى، وتكلمنا [ على ذلك] بما فيه كفاية.\rوالنجاء: الحديث الخفي. والنداء: عكسه.\rوإنما خرج البخاري هذه الأحاديث في هذا الباب ليبين بذلك فضل الصلاة، وإن المصلى مناج لربه في صلاته، وإذا كان المصلي مناجياً لربه وكان ربه قد أوجب عليه أن يناجيه كل يوم وليلة خمس مرات في خمس أوقات، واستدعاه لمناجاته بدخول الوقت والأذان فيه ؛ فإن الأذان يشرع في أول الوقت، فإفضل المناجين له أسرعهم إجابة لداعيه، وقيأماإلى مناجاته، ومبادرة إليها في أول الوقت.\rولهذا المعنى- والله أعلم- خرجه في \" أبواب مواقيت الصلاة\".\rويستدل لذلك بأن الله تعالى لما استدعى موسى عليه السلام لمناجاته وكلامه أسرع إليه، فقال له ربه: { وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } [ طه: 83، 84] فدل على أن المسارعة إلى مناجاة الله توجب رضاه.\rوهذا دليل حسن على فضل الصلاة في أول أوقاتها. والله سبحانه وتعالى أعلم.\r* * *","part":4,"page":28},{"id":672,"text":"9- باب\rالإبراد بالظهر في شدة الحر\rخرج فيه أربعة أحاديث:\rالحديث الأول:\rقال:\r533، 534- ثنا أيوب بن سليمان بن بلال: ثنا أبو بكر، عن سليمان، قال صالح بن كيسان: حدثنا الأعرج عبد الرحمان وغيره، عن أبي هريرة- ونافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر -، أنهما حدثاه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال:(( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم)).\rأبو بكر، هو : ابن أبي أويس. وسليمان، هو : ابن بلال.\rوهذا من جملة نسخة يرويها أيوب، عن أبي بكر، عن سليمان. والبخاري يخرج منها كثيراً، وقد توقف فيها أبو حاتم الرازي؛ لأنها مناولة، فإنه قال: قال ابن أبي أويس: أخذت أنا وأيوب بن سليمان بن بلال من أخي ألفاً ومائتي ورقة مناولة، فعارضنا بها . قال أبو حاتم: فزهدت فيها من أجل ذلك، فلم أسمعها من واحد منهما.\rولكن الرواية بالمناولة جائزة عند الأكثرين.\rوقد ذكر الطبراني أن هذا الحديث تفرد به أيوب بهذا الإسناد.\rولكن قد روي حديث الأعرج، عن أبي هريرة من غير هذا الوجه.\rخرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن مالك ، عن أبي الزناد، عنه. وهو في \" الموطا\" كذلك.\rوكذلك حديث نافع، خرجه ابن ماجة- أيضا- من طريق الثقفي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أبردوا بالظهر)).\rالحديث الثاني:\r535- حدثنا محمد بن بشار: ثنا غندر ثنا شعبة، عن المهاجر أبي الحسن: سمع زيد بن وهب، عن أبي ذر: أذن مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر، فقال:(( أبرد، أبرد))- او قال- ((انتظر، انتظر))- وقال:((شدة الحر من فيح جهنم؛ فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة)). حتى رأينا فيء التلول.\rقال ابن خراش في \" تاريخه\" : زيد بن وهب، كوفي ثقة، دخل الشام، وروايته عن أبي ذر صحيحة. والمهاجر أبو الحسن صدوق كوفي. وهذا الحديث لم يروه إلا شعبة: (( أبردوا بالظهر)).\rالحديث الثالث:\rقال:\r536- ثنا علي بن عبد الله المديني: ثنا سفيان، قال: حفظناه من الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال:(( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم)).\r537- (( واشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربي، أكل بعضي بعضاً. فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)).\rقول سفيان بن عيينة: ((حفظناه من الزهري عن سعيد)) يشير إلى أنه إنما حفظه عن الزهري، عن ابن المسيب، لم يحفظه عنه عن أبي سلمة.\rوقد روي عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد أو أبي سلمة- بالشك.\rذكره الدارقطني.\rوروي عن الزهري ، عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة-: قاله عنه شعيب بن أبي حمزة.\rوقد خرج البخاري في \" بدء الخلق\" من طريقه بهذا الإسناد حديث:\r(( اشتكت النار إلى ربها)).\rورواه جماعة ، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة- معاً -، عن أبي هريرة.","part":4,"page":29},{"id":673,"text":"... وقد خرج مسلم حديث: الإبراد من رواية الليث ويونس وعمرو بن الحارث، عن الزهري، عنهما.\rوخرج حديث: (( اشتكت النار)) من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وحده.\rوروى حديث [ الإبراد] عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة- معاً-: يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر وابن جريج وابن أبي ذئب ومعمر وغيرهم.\rقال الدارقطني: القولان محفوظان عن الزهري.\rيعني: عن سعيد وأبي سلمة.\rالحديث الرابع:\r538- حدثنا عمر بن حفص بن غياث: ثنا أبي: ثنا الأعمش: ثنا أبو صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(( أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم)).\rتابعه: سفيان ويحيى وأبو عوانة، عن الأعمش.\rيعني: كلهم رووه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري.\rوقد خرجه البخاري في \" بدء الخلق\" عن الفريأبي، عن سفيان كذلك، ولفظه: (( أبردوا بالصلاة)).\rإلا أن رواية حفص فيها تصريح الأعمش بسماعه له من أبي صالح، فأمن بذلك تدليسه له عنه.\rوإنما ذكر البخاري المتابعة لحفص على قوله؛ لأن عبد الرزاق والأشجعي روياه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\rذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله.\rوخرجه كذلك في \" مسنده\" في \" مسند أبي هريرة\" ، ثم أتبعه بحديث أبي سعيد أنه هو الصواب.\rوكذلك حدث به عبد الرحمان بن عمر الأصبهاني - ويلقب: رسته-، عن ابن مهدي، عن سفيان، أملاه عليهم- قال أبي : من حفظه-، فأنكره عليه أبو زرعة، وقال: هو غلط؛ الناس يروونه عن أبي سعيد، فلما رجع رسته إلى بلده نظر في أصله فإذا هو عن أبي سعيد، فرجع عما أملاه، وكتب إلى أبي زرعة يعتذر عما وقع منه.\rوعامة روايات هذا الحديث من طرقه إنما فيها: (( أبردوا بالصلاة)) أو ((عن الصلاة))، وليس في شيء منها في \" الصحيح\" ذكر \" الظهر\" ، إلا في رواية أبي سعيد التي خرجها البخاري هاهنا.\rوفي أحاديث الباب كله؛ الأمر بالإبراد بالصلاة في اشتداد الحر.\rقال الخطأبي: قوله: ((أبردوا بالصلاة)) أي: تأخروا عنها مبردين، أي : داخلين في وقت البرد. قال: والمراد: كسر شدة [حر] الظهيرة؛ لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد، وليس المراد أن يؤخر إلى أحد بردي النهار، وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج من قول الأمة.\rقال: وفيح جهنم شدة استعارها، وأصله السعة والانتشار، وكانت العرب تقول في غاراتها: فيحي فياح.\rوقال غيره: الفيح سطوع الحر، يقال: فاحت القدر تفوح إذا غلت.\rوأماقول صاحب \" الغريبين\": أبردوا بالظهر: صلوها في أول وقتها. وبرد النهار أوله.\rفهو خطأ، وتغيير للمعنى، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبراداً، بل هو ضده، بخلاف أول النهار، كما في الحديث: ((من صلى البردين دخل الجنة)).\rوقد بوب البخاري على هذه الأحاديث: (( الإبراد بالظهر في شدة الحر)) فدل ذلك على أنه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده.","part":4,"page":30},{"id":674,"text":"وهذا قول كثير من أهل العلم، وذكر طائفة من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنه مذهب مالك، وذكر صاحب \" المغني\" من أصحابنا أنه ظاهر كلام أحمد والخرقي، ورجحه، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وحكاه الخطأبي عن أحمد ورجحه ابن المنذر، وحكاه عن أهل الرأي، وحكاه الترمذي في \" جامعه\" عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورجحه.\rولذلك ذكر بعض الشافعية أنه ظاهر الحديث، ومال إليه، والمنصوص عن الشافعي: أنه لا يستحب الإبراد إلا في شدة الحر في البلاد الحارة لمن يصلي جماعة في موضع يقصده الناس من بعد، كذا نص عليه في \" الأم\" ،وعليه جمهور أصحابه.\rولهم وجه: أنه لا يشترط البلاد الحارة، وحكوا قولاً للشافعي: أنه لا يشترط بعد المسجد، بل يبرد ولو كانت منازلهم قريبة منه.\rواشترط طائفة من أصحابنا للإبراد: أن تكون الصلاة في مسجد، قالوا: وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا ، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر أو متوسطة.\rومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط.\rوكذلك قال ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين: أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفرداً.\rوذكر القاضي إسماعيل، عن ابن أبي أويس، عن مالك، قال: بلغني أن عمر قال لأبي محذورة: إنك بأرض حارة، فأبرد، ثم أبرد، ثم ناد، فكأنني عندك.\rواختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد.\rفمنهم من قال: هو حصول الخشوع في الصلاة؛ فإن الصلاة في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وكصلاة من يدافع الأخبثين، فإن النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة.\rومنهم من قال: هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة.\rومنهم من قال: هو وقت تنفس جهنم.\rوقد ثبت في \" صحيح مسلم\" من حديث عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (( الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر)).\rوفي \" صحيحي ابن خزيمة وابن حبان\" من حديث أبي هريرة- مرفوعاً، قال:\r(( فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس؛ فإن حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر)).\rوخرجه ابن ماجه، ولفظه: \" فإذا كانت- يعني: الشمس - على رأسك كالرمح فدع الصلاة؛ فإن تلك الساعة تسعر فيها جهنم، وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة\".\rوهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال، فإنه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها؛ فإنه إثر وقت غضب، والمصلي يناجي ربه، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة، ويجتنب أوقات السخط والعذاب، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة - أيضا.","part":4,"page":31},{"id":675,"text":"والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.\rفإن شذ أحد من أهل الظاهر جرياً على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين، كان محجوباً بالإجماع قبله، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين، فإنهما يصرحان بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة، ولم يفرق بين فرض ونفل.\rوذهب طائفة من العلماء إلى أن الإبراد رخصة، وأن تركه سنة، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي.\rوالأحاديث الصحيحة ترده.\rوقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج.\rوأماحد الإبراد، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل.\rوقال الشافعية: حقيقة الإبراد: أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت.\rوحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهوية عن بعض العلماء، أنه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط.\rولعله يريد: أنه يكره ذلك، لا أنه يحرم.\rوأماصلاة الظهر في غير شدة الحر، فجمهور العلماء على أن الأفضل تعجيلها، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد- إن شاء الله.\rواستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء، فلم يشكنا، وقد ذكرناه في \" باب : السجود على الثوب\"، وذكرنا أن الصحيح في تفسيره : أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة ، فلم يجبهم إلى ذلك، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس .\rوقد أجيب عنه بوجهين:\rأحدهما: أنهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت، فلم يجبهم إليه.\rوالثاني: أنه منسوخ بالأمر بالإبراد، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم.\rواستدلا بحديث المغيرة بن شعبة، قال : كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالهاجرة، فقال لنا: (( أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم)).\rخرجه الإمام أحمد وابن حبان في \" صحيحه\" وابن ماجه.\rوزعمت طائفة أن معنى حديث خباب: أنهم شكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر، وسألوه أن يدعو لهم ، فلم يجبهم .\rوهذا بعيد ، وألفاظ الحديث ترده، وقد سبق ذكره.\rوأماقوله - صلى الله عليه وسلم - :(( اشتكت النار إلى ربها))، فالمحققون من العلماء على أن الله أنطقها بذلك نطقاًحقيقياً كما ينطق الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وغير ذلك مما يسمع نطقه في الدنيا.","part":4,"page":32},{"id":676,"text":"ويشهد لذلك : ما خرجه الإمام أحمد والترمذي- وصححه-، من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال:((يخرج عنق من النار يوم القيامة، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين)).\rوقد روي عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه الإمام أحمد- أيضا.\rوقيل: إن هذا الإسناد هو المحفوظ.\rوخرجه البزار بهذا الإسناد، ولفظ حديثه:(( يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به))- وذكر الحديث.\rوقوله: (( فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير))- بمعنى : أنه من تنفس جهنم.\rوقد فسر ذلك الحسن بما يحصل منه للناس أذى من الحر والبرد.\rقال ابن عبد البر: أحسن ما قيل في معنى هذا الحديث: ما روي عن الحسن البصري- رحمه الله -، قال: اشتكت النار إلى ربها ، قالت: يارب، أكل بعضي بعضاً، فخفف عني. قال: فخفف عنها، وجعل لها كل عام نفسين، فما كان من برد يهلك شيئاً فهو من زمهريرها، وما كان من سموم يهلك شيئاً فهو من حرها.\rوقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكوراً بحر جهنم وبردها، ودليلاً عليها، ولهذا تستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك.\rكما روى عثمان الدارمي وغيره من رواية دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد- أو عن ابن حجيرة الأكبر، عن أبي هريرة، أو أحدهما- حدثه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال:(( إذا كان يوم حار، فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله ، ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله لجهنم: إن عبداً من عبيدي استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله ، ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبداً من عبادي قد استعاذني من زمهريرك، فإني أشهدك أني قد أجرته)). قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: (( بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها)).\r* * *","part":4,"page":33},{"id":677,"text":"10- باب\rالإبراد بالظهر في السفر\r539- حدثنا آدم: ثنا شعبة: ثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب، [عن أبي ذر] الغفاري، قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال له : \" أبرد\" ، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: \" أبرد\" ، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : \" إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة\".\rوقال ابن عباس: { يَتَفَيَّأُ } [ النحل: 48] يتميل.\rمقصود البخاري بهذا الباب: أن الإبراد بالظهر مشروع في الحضر والسفر، وسواء كان جماعة المصلين مجتمعين في مكان الصلاة أو كانوا غائبين.\rوقد استدل الترمذي في \" جامعه\" بهذا الحديث على أن الإبراد لا يختص بالمصلي في مسجد ينتابه الناس من البعد، كما يقوله الشافعي؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو وأصحابه مجتمعين في السفر، وقد أبرد بالظهر.\rوقوله: \" حتى رأينا فيء التلول\"- يعني: حتى مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء، حتى ظهر للتلول فيء. والفيء هو الظل العائد بعد زواله، فإن الشمس إذا طلعت كان للتلول ونحوها ظل مستطيل، ثم يقصر حتى يتناهى قصره وقت قيام الشمس بالظهيرة، ثم إذا زالت الشمس عاد الظل وأخذ في الطول، فما كان قبل الزوال يسمى ظلاً، وما كان بعده يسمى فيئاً؛ لرجوع الظل بعد ذهابه، ومنه سمى الفيء فيئاً، كأنه عاد إلى المسلمين ما كانوا أحق به مما كان في يده.\rوقد حكى البخاري عن ابن عباس أنه فسر قوله: { يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ } : يتميل.\rوفي حديث أبي ذر دليل على أن حد الإبراد إلى [أن] يظهر فيء التلول ونحوها.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن مسعود، قال: كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصيف ثلاثة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام.\rوقد روي موقوفاً على ابن مسعود، وأنه قال في الصيف: ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام.\rقال بعض أصحابنا: وهذا يدل على أنه إلى الطرف الأول أقرب، وهذا يشبه قول الشافعية: أنه لا يؤخر إلى النصف الآخر من الوقت، وهو الصحيح.\rوقد تقدم عن سفيان، أنه حكى عن بعض العلماء، أنه عد التاخير إلى النصف الثاني تفريضاً، فظاهر حديث أبي ذر الذي خرجه البخاري يدل على انه يشرع الإبراد بالأذان عند إرادة الإبراد بالصلاة، فلا يؤذن إلا في وقت يصلي فيه، فإذا أخرت الصلاة أخر الأذان معها، وأن عجلت عجل الأذان.\rوقد وقع في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن من أخر الصلاة في السفر إلى آخر وقتها وهو سائر، أنه يؤذن إذا نزل وأراد الصلاة، وحملوا فعل ابن مسعود بالمزدلفة على ذلك، إذا دخل وقت الثانية أذن لها.\rويشهد لذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة جمع لما غربت له الشمس بعرفة، ودفع، لم ينقل عنه أنه أذن للصلاة، فلما قدم جمعاً أذن وأقام وصلى.","part":4,"page":34},{"id":678,"text":"وهذا يدل على أن الصلاتين المجموعتين في وقت الثانية لا يؤذن لهما إلا عند صلاتهما في وقت الثانية، فيكون الأذان للوقت الذي يصلي فيه لا للوقت الذي يجمع فيه.\rولكن قد روى أبو داود الطيالسي هذا الحديث في \" مسنده\" ، عن شعبة- وخرجه من طريقه الترمذي- ولفظه: قال أبو ذر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ومعه بلال، فأراد ان يقيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\" أبرد\" ، ثم أراد أن يقيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :\" أبرد في الظهر\". قال: حتى رأينا فيء التلول، ثم أقام فصلى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\" إن شدة الحر من فيح جهنم، فأبردوا عن الصلاة\".\rففي هذه الرواية التصريح بأن الإبراد إنما كان بالإقامة، والإقامة تسمى أذاناً،كما في قوله- صلى الله عليه وسلم - :\" بين كل أذانين صلاة\"، ومراده: بين الأذان والإقامة.\rوقد خرجه البخراي في الباب الماضي، ولفظه: أذن مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر، فقال: \"أبرد، أبرد\"- أو قال:\" انتظر ، انتظر\".\rوهذا - أيضا- يدل على أنه إنما أخره بالإبراد والانتظار بعد ان أذن، وهو دليل على أنه يؤذن في أول وقت الصلاة بكل حال، سواء أبراد أو لم يبرد.\rولكن إن أراد تأخيرها عن وقتها بالكلية حتى يصليها في وقت الثانية جمعاً، فإنه يؤخر الأذان إلى وقت الثانية.\rويدل على هذا : ما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا خرج أقام حين يراه.\rوفي الأذان للمجوعتين في وقت الثانية خلاف يذكر في موضع آخر.\rومتى فرق بين المجموعتين في وقت الثانية تفريقاً كثيراً، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: تحتاج الثانية إلى أذان آخر.\rوقد روي عن ابن مسعود في جمعه بالمزدلفة ما يشهد له . والله سبحانه وتعالى أعلم.\r* * *","part":4,"page":35},{"id":679,"text":"11 - باب\rوقت الظهر عند الزوال\rوقال جابر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة.\rحديث جابر هذا خرجه في \" باب وقت المغرب \"، ويأتي في موضعه - إن شاء الله.\rوقد سبق الحديث أبي جحيفة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالبطحاء بالهاجرة.\rوقد ذكرنا - أيضا - حديث جابر بن سمرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث زيد بن ثابت، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن (يصلي) صلاة أشد على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منها، فنزلت: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } (البقرة: 238).\rوخرج الإمام أحمد والنسائي نحوه من حديث أسامة بن زيد، أن رسول الله كان يصلي الظهر بالهجير، ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } .\rوالحديثان إسنادهما واحد، مختلف فيه، وفيه نظر.\rخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:\rالحديث الأول:\rقال:\r540- حدثنا أبو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فقام على المنبر، فذكر الساعة؛ فذكر أن فيها أموراً عظاماً، ثم قال: \" من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم ما دمت في مقامي \" فأكثر الناس في البكاء، وأكثر أن يقول: \" سلوا \"، فقام عبد الله بن حذاقة السهمي ، فقال: من أبي ؟ قال: \" أبوك\rحذافة \"، ثم أكثر أن يقول: \" سلوني \" فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا. فسكت. ثم قال: \" عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كالخير والشر \" .\rزيغ الشمس: ميلها، وهو عبارة عن زوالها.\rوالحديث يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر في ذلك اليوم حين زالت الشمس من غير مهلة، لكن هل كانت تلك عادته في صلاة الظهر، أم عجلها ذلك اليوم لأمر حدث حتى يخبرهم به، ولذلك خطبهم وذكر الساعة ؟\rهذا محتمل، والثاني أظهر، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخر صلاة الظهر في شدة الحر، كما تقدم، وأمافي غير ذلك فكان يعجلها، لكن هل كانت عادته أن يدخل في صلاة الظهر حين تزول الشمس في غير وقت شدة الحر دائما ؟ هذا فيه نظر، بل الأظهر خلافه.\rوقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يصلي إذا زالت الشمس أربع ركعات، ويقول:\r\" إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، ويستجاب الدعاء \" خرجه الترمذي وغيره.\r... وقد كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وروي عنه أنه كان يصلي أربعا.\r... وهذا كله يدل على أنه لم يكن يحرم الصلاة عقيب الزوال من غير مهلة بينهما.\r... وقد ذكرنا في الباب الماضي حديث ابن مسعود في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة - يعني: قدر الظل.","part":4,"page":36},{"id":680,"text":"... وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه أمر بلالاً أن يجعل بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته.\r... خرجه الترمذي من حديث جابر، وقال: إسناده مجهول.\r... وخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب.\r... وخرجه الدار قطني وغيره من حديث علي.\r... وروي - أيضا - من حديث أبي هريرة وسلمان.\r... وأسانيده كلها ضعيفة.\r... والصحيح عند أصحابنا: أنه يستحب أن تكون الصلاة بعد مضي قدر الطهارة وغيرها من شرائط الصلاة، وكذلك هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، وقالوا: لا يضر الشغل الخفيف كأكل لقم وكلام قصير، ولا يكلف خلاف العادة.\r... ولهم وجه آخر: أنه لا يحصل فضيلة أول الوقت حتى يقدم ذلك كله قبل الوقت حتى تنطبق الصلاة على أول الوقت.\r... قال بعضهم: وهذا غلط صريح مخالف للسنة المستفيضة، وقد جعله مالك قول الخوارج وأهل الاهواء.\r... وللشافعية وجه آخر: لا تفوت فضيلة أو نصف الوقت، ولا يستحب عندهم أن ينتظر بها مصير الفيء مثل الشراك.\r... وحكى الساجي، عن الشافعي، أنه يستحب ذلك، وحكى عن غيره أنه لا يجوز فعلها قبل ذلك؛ فإن جبريل عليه السلام صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أول يوم الظهر والفيء مثل الشراك.\r... وهذا ليس بشيء، وهو مخالف للإجماع، وقد حمل حديث جبريل على أن الشمس يومئذ زالت على قدر الشراك من الفيء.\r... ونقل ابن القاسم، عن مالك، أنه كان يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا صلاة الظهر بعد الزوال حين يكون الفيء ذراعاً، صيفا وشتاءً، عملا بما رواه في \" الموطإ \" عن نافع ، أن عمر كتب إلى عماله بذلك.\r... وقال سفيان الثوري: كان يستحب أن يمهل المؤذن بين أذانه وإقامته في الصيف مقدار أربعين آية، وفي الشتاء على النصف منها، ويمهل في العصر أربعين آية، وفي الشتاء على النصف منها، وفي المغرب إذا وجبت الشمس أذن، ثم قعد قعدة، ثم قام وأقام الصلاة. قال: ويمهل في العشاء الآخرة قدر ستين آية. وفي الفجر إذا طلع الفجر أذن، ثم صلى ركعتين، ثم سبح الله وذكره.\r... وهذا يدل على استجابة الإبراد بالعصر في الصيف.\r... وحكي مثله عن أشهب من المالكية.\r... وقد استحب كثير من السلف المشي إلى المساجد قبل الأذان، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر، والاثار في فضل المبادرة بالخروج إلى المساجد كثيرة.\r... وبقية الحديث، قد سبق الكلام عليه، بعضه في \" كتاب العلم \"، وبعضه في \" الصلاة على التنور والنار \" .\r... وعرض الحائط - يضم العين -: جانبه.\r... الحديث الثاني:\rقال:\r541- حدثنا حفص بن عمر: ثنا شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المئة، ويصلي الظهر إذا زالت الشمس، والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة، ثم يرجع والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، ولا يبالي بتأخر العشاء إلى ثلث الليل - ثم قال: إلى شطر الليل.\rوقال معاذ: قال شعبة: ثم لقيته مرة، فقال: أو ثلث الليل.","part":4,"page":37},{"id":681,"text":"الكلام على هذا الحديث يأتي مفرقاً في أبوابه، حيث أعاد البخاري تخريجه فيها.\rوالغرض منه هاهنا صلاة الظهر، وأنه كان يصليها إذا زالت الشمس، وهذا يدل على مداومته على ذلك، أو على كثرته وتكراره، وهذا هو الأغلب في استعمال: \" كان فلان يفعل \". وإنما يقع ذلك لغير التكرار نادراً.\rوهذا لا ينافي ما قدمنا أنه يتأهب لها بعد دخول الوقت، وبعد الأذان فيه، وصلاة ركعتين أو أربع.\rوقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس ومعلوم أنه كان يخطب قبل صلاته خطبتين، ثم يصلي، وهذا كله لا يمنع أن يقال: كان يصلي الظهر أو الجمعة إذا زالت الشمس.\rوفي رواية لحديث أبي برزة - وقد خرجها البخاري فيما بعد-: كان يصلي الهجير التي تدعونها الاولى إذا دحضت الشمس.\rوفي هذه الرواية : أن لصلاة الظهر اسمين آخرين:\rأحدهما : الهجير؛ لأنها تصلى بالهاجرة.\rوالثاني: الأولى.\rوقيل: سميت بذلك لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عند البيت، في أول ما فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء.\rالحديث الثالث:\rقال:\r542- حدثنا محمد بن مقاتل : ثنا عبد الله : أبنا خالد بن عبد الرحمان: حدثني غالب القطان، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أنس بن مالك، قال : كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر.\rقد سبق هذا الحديث في \" باب: السجود على الثياب\".\rوفيه : دليل على أن صلاة الظهر كانت تصلى في حال شدة حر الحصى الذي يسجد عليه.\rويشهد لهذا المعنى: حديث خباب: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء، فلم يشكنا، وكله يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبرد بالظهر إبراداً يسيراً حتى تنكسر شدة الحر، ولم يكن يؤخرها إلى آخر وقتها حتى يبرد الحصى.\rوقد روي بمثل هذا الإسناد الذي خرجه البخاري ها هنا عن بكر، عن أنس، قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شدة الحر فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه وسجد عليه.\rذكره البيهقي في كتاب \" المعرفة \" تعليقاً.\rوالمعروف في هذا حديث جابرٍ، قال : كنت أصلي الظهر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي، أسجد عليها؛ لشدة الحر.\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في \" صحيحه\" والحاكم.\rوليس هذا مما ينهى عنه من مس الحصى في الصلاة، كما سيأتي ذكره- إن شاء الله تعالى - فإن ذلك المنهي عنه مسه عبثا، وهذا لمصلحة المصلي.\rوقال مالك : يكره أن ينقل التراب والحصى من موضع الظل إلى موضع الشمس ليسجد عليه.\r* * *","part":4,"page":38},{"id":682,"text":"12- باب\rتأخير الظهر إلى العصر\r543 - حدثنا أبو النعمان: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو- وهو : ابن دينار- عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.\r... فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة ؟ قال: عسى.\r... وخرجه مسلم من طريق حماد- أيضا-، ولم يذكر فيه قول أيوب.\r... وخرجه من طريق ابن عيينة ، عن عمرو، ولفظ حديثه: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانيا جميعاً وسبعاً جميعاً. قلت : يا أبا الشعثاء، أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال : وأنا أظن ذلك.\r... وخرجه البخاري- أيضا- في \" أبواب : صلاة التطوع\".\r... وخرجه النسائي عن قتيبة، عن سفيان، وأدرج تفسيره في الحديث.\r... قال ابن عبد البر: الصحيح: أن هذا ليس من الحديث، إنما هو من ظن أبي الشعثاء وعمرو بن دينار.\r... ورواه محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، وزاد في حديثه: \" من غير مرضٍ ولا علة\".\r... خرجه من طريقه الطبراني.\r... ومحمد بن مسلم، ليس بذاك الحافظ.\r... وخرج النسائي من طريق حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر، ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء، ليس بينهما شيء، [فعل ذلك من شغلٍ، وزعم ابن عباس، أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات، ليس بينهما شيء].\r... وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من وجوه أخر، بألفاظ مختلفة، روي عنه من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر جميعاً بالمدينة، في غير خوفٍ ولا سفرٍ.\r... خرجه مسلم.\r... وخرجه أبو داود، وزاد: قال مالك: أرى ذلك كان في مطرٍ.\r... وخرجه مسلم - أيضا- من طريق زهير، عن أبي الزبير- بمثله، وزاد: قال ابن عباس: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته.\r... وخرجه - أيضا- من طريق قرة، عن أبي الزبير، وذكر فيه : أن ذلك كان في سفرةٍ سافرها في غزوة تبوك، وذكر فيه قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته.\r... وخرج- أيضا- من طريق الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر. قلت لابن عباس: لم فعل ذلك ؟ قال: كيلا يحرج أمته.\r... وقد اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث،وفي لفظه- أيضا-:\rفقال كثير من أصحاب الأعمش، عنه فيه: من غير خوف ولا مطر.\rومنهم من قال عنه : من غير خوف ولا ضررٍ.\rومنهم من قال: ولا عذرٍ.\rوذكر البزار، أن لفظة \" المطر\" تفرد بها حبيبٌ، وغيرهُ لا يذكرها . قال: على أن عبد الكريم قد قال نحو ذلك .\rوكذلك تكلم فيها ابن عبد البر.","part":4,"page":39},{"id":683,"text":"وروينا من طريق عبد الحميد بن مهدي البالسي: حدثنا المعافي بن سليمان الجزري: ثنا محمد بن سلمة: ثنا أبو عبد الرحيم، عن زيد بن [ أبي أنيسة، عن] أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة من غير مطر ولا قر الظهر والعصر جمعاً. قلت له : لم فعل ذلك ؟ قال ابن عباس : أراد أن لا يحرج أمته.\rوعن زيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس - مثله.\rولكن؛ عبد الحميد هذا، قال فيه الحافظ عبد العزيز النخشبي: عنده مناكير.\rوأمارواية عبد الله بن شقيق، فمن طريق الزبير بن الخريت، عن عبد الله بن شقيق، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة. قال فجاءه رجل من بني تميم، لايفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة . فقال ابن عباس: أتعلمني السنة لا أم لك ؟ ثم قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.\rقال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة، فسألته فصدق مقالته.\rخرجه مسلم.\rوخرجه- أيضا- من رواية عمران بن حدير، عن عبد لله بن شقيق، قال: قال رجل لابن عباس : الصلاة، فسكت، ثم قال : الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك، تعلمنا الصلاة ؟ لِلَّهِ كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوأمارواية عكرمة، فمن طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيما غير مسافر سبعاً وثمانياً.\rخرجه الإمام أحمد.\rوفي رواية أشعث بن سوار- وفيه ضعف-، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، أراد التخفيف عن أمته.\rوأمارواية عطاء بن يسار، فمن رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير مرض ولا مطر. فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: التوسعة على أمته.\rخرجه حرب الكرماني، عن يحيى الحماني، عن عبد الرحمان، به.\rوعبد الرحمان، فيه ضعف.\rوأمارواية صالح مولى التوأمة، فذكرها أبو داود تعليقاً. وفيها: من غير مطر.\rوخرجها الإمام أحمد من طريق داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في غير مطر ولا سفر. قالوا: يا أبن عباس، ما أراد بذلك؟ قال: التوسع على الامة.\rوصالح، مختلف في أمره، وفي سماعه من ابن عباس- أيضا.\rوفي الباب أحاديث أخر، في أسانيدها مقال.\rوخرج النسائي من رواية يحيى بن هانئ المرادي: حدثنا أبو حذيفة، عن عبد الملك بن محمد بن أبي بشير، عن عبد الرحمان بن علقمة، قال: قدم وفد ثقيف على النبي - صلى الله عليه وسلم - ،فأهدوا له هدية، وقعد معهم يسألهم ويسألونه، حتى صلى الظهر مع العصر.","part":4,"page":40},{"id":684,"text":"قال الدارقطني: عبد الملك وابو حذيفة مجهولان. وعبد الرحمان بن علقمة لا تصح صحبته ولا يعرف.\rوقد اختلفت مسالك العلماء في حديث ابن عباس هذا، في الجمع من غير خوف ولا سفر، ولهم فيه مسالك متعددة:\rالمسلك الاول: أنه منسوخ بالإجماع على خلافه، وقد حكى الترمذي في آخر \" كتابه\" أنه لم يقل به أحد من العلماء.\rوهؤلاء لا يقولون: إن الإجماع ينسخ، كما يحكى عن بعضهم، وإنما يقولون : هو يدل على وجود نص ناسخ.\rالمسلك الثاني: معارضته بما يخالفه، وقد عارضه الإمام أحمد بأحاديث المواقيت، وقوله: \" الوقت ما بين هذين\" ، وبحديث أبي ذر في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وأمره بالصلاة في الوقت، ولو كان الجمع جائزاً من غير عذر لم يحتج إلى ذلك، فإن أولئك الأمراء كانوا يجمعون لغير عذرٍ، ولم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل، ولا صلاة الليل إلى النهار.\rوكذلك في حديث أبي قتادة ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال لما ناموا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس: \" ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الاخرى\".\rخرجه مسلم.\rوخرجه أبو داود، وعنده: \" إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة اخرى\" .\rوقد عارض بعضهم حديث ابن عباس هذا بحديث آخر يروى عنه، وقد أشار إلى هذه المعارضة الترمذي وابن شاهين، وهو من رواية حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : \" من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من ابواب الكبائر\".\rخرجه الترمذي.\rوقال: حنش هذا هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره، والعمل على هذا عند أهل العلم.\rيعني: على حديث حنش مع ضعفه.\rوخرجه الحاكم وصححه، ووثق حنشا، وقال: هو قاعدة في الزجر عن الجمع بلا عذر.\rولم يوافق على تصحيحه.\rوقال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل.\rورواه بعضهم، وشك في رفعه ووقفه.\rكذلك خرجه الحارث بن أبي اسامة.\rولعله من قول ابن عباس.\rوقد روي مثله عن عمر وأبي موسى:\rوروي وكيع، عن سفيان، عن هشام، عن رجل، عن أبي العالية، عن عمر بن الخطاب، قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر.\rوعن أبي هلال الراسبي، عن حنظلة السدوسي، عن أبي موسى، قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر.\rالمسلك الثالث: حمله على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر الظهر إلى آخر وقتها، فوقعت في آخر جزء من الوقت، وقدم العصر في أول وقتها، فصلاها في أول جزء من الوقت، فوقعت الصلاتان مجموعتين في الصورة، وفي المعنى كل صلاة وقعت في وقتها، وفعل هذا ليبين جواز تأخير الصلاة [ إلى] آخر وقتها.\rوقد روي من حديث معاذ بن جبل، أن جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين بتبوك كان على هذا الوجه- أيضا.\rخرجه الطبراني في \" أوسطه\" بإسناد في ضعف.\rوقد سبق عن عمرو بن دينار وأبي الشعثاء، أنهما حملا الحديث على هذا الوجه، كما خرجه مسلم، وأشار اليه الإمام أحمد وغيره.","part":4,"page":41},{"id":685,"text":"وعلى مثل ذلك حمل الجمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة والمزدلفة من لا يرى الجمع في السفر، منهم : سفيان الثوري وغيره من الكوفيين.\rوالمسلك الرابع: أن ذلك كان جمعا بين الصلاتين لمطر، وهذا هو الذي حمله عليه ايوب السختياني كما في رواية البخاري، وهو الذي حمله عليه مالك- أيضا.\rومن ذهب إلى هذا المسلك فإنه يطعن في رواية من روى: \" من غير خوف ولا مطر\" كما قاله البزار وابن عبد البر وغيرهما.\rومن حمل الحديث على هذا فإنه يلزم من قوله جواز الجمع في الحضر للمطر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقد اختلف في ذلك:\rفأماالجمع بين العشاءين للمطر، فقد روي عن ابن عمر.\rروى مالك، عن نافع، أن ابن عمر كان يجمع في الليلة المطيرة.\rوقد رويناه من طريق سفيان بن بشير، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر- مرفوعاً-، ولا يصح رفعه.\rوفيه حديث آخر مرفوع من رواية أولاد سعد القرظ، عن آبائهم، عن أجدادهم، عن سعد القرظ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر.\rخرجه الطبراني.\rوإسناده ضعيف.\rقال يحيى في أولاد سعد القرظ: كلهم ليسوا بشيء.\rوممن رأى الجمع للمطر: مالك في المشهور عنه، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.\rوروي عن عمر بن عبد العزيز، عن فقهاء المدينة السبعة.\rوعن مالك رواية: لا يجوز الجمع للمطر إلا في المدينة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لفضله، ولأنه ينتاب من بعد، فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق، وليس بالمدينة غيره.\rوالمشهور عنه الأول.\rوأصل هذا: أن الأمراء بالمدينة كانوا يجمعون في الليلة المطيرة، فيؤخرون المغرب ويجمعون بينها وبين العشاء قبل مغيب الشفق، وكان ابن عمر يجمع معهم، وقد علم شدة متابعة ابن عمر للسنة، فلو كان ذلك محدثا لم يوافقهم عليه البتة.\rوقد نص على ان جمع المطر يكون على هذا الوجه المذكور قبل مغيب الشفق: مالك وأحمد وإسحاق.\rوقيل لأحمد: فيجمع بينهما بعد مغيب الشفق؟ قال: لا، إلا قبل ، كما فعل ابن عمر. وقال: يجمع إذا اختلط الظلام.\rوأماالجمع بين الظهر والعصر في المطر، فالأكثرون على أنه غير جائز: وقال أحمد: ما سمعت فيه شيئاً. وأجازه الشافعي إذا كان المطر نازلاً، وبه قال أبو ثور ، هو رواية عن أحمد.\rوالعجب من مالك- رحمه الله- كيف حمل حديث ابن عباس على الجمع للمطر، ولم يقل به في الظهر والعصر، والحديث صريح في جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء؟!\rالمسلك الخامس: أن الذي نقله ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان في السفر لا في الحضر، كما في رواية قرة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ذلك كان في غزوة تبوك، وقد خرجه مسلم كما تقدم.\rوكذلك روى عبد الكريم، عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس، أخبروه عن ابن عباس، أنه أخبرهم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر من غير أن يعجله شيء، ولا يطلبه عدو، ولا يخاف شيئا.","part":4,"page":42},{"id":686,"text":"ولكن؛ عبد الكريم هذا، هو : أبو أمية، وهو ضعيف جداً.\rوأكثر رواة حديث ابن عباس ذكروا أن جمعه كان بالمدينة، وهم أكثر وأحفظ.\rوالمسلك السادس: أن جمعه ذلك كان لمرض.\rوقد روي عن الإمام أحمد، أنه قال:هذا عندي رخصة للمريض والمرضع.\rوقد اختلف في جمع المريض بين الصلاتين:\rفرخص فيه طائفة، منهم: عطاء والنخعي والليث وأحمد وإسحاق.\rوكذلك جوزه مالك للمضطر في [ رمضة]، فإن جمع لغير ضرورة أعاد في الوقت عنده، وعند أبي حنيفة.\rوالشافعي لا يبيح من المرض الجمع بين الصلاتين بحالٍ.\rواستدل من أباح الجمع للمريض، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لمشقة الغسل عليها لكل صلاة، وذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث حمنة بنت جحش وعائشة وأسماء بنت عميس، وفي أسانيدها بعض شيء.\rوأمر به: علي وابن عباس، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق.\rوالمسلك السابع: أن جمعه كان لشغل، وفي رواية حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، أنه جمع من شغل، كما خرجه النسائي وقد سبق.\rوكذلك في حديث عبد الرحمان بن علقمة، أن وفد ثقيف شغلوا النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرج النسائي من رواية سالم ، عن ابن عمر، أنه لما استصرخ على امرأته صفية أسرع السير، وجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - :\" إذا حضر أحدكم أمراً يخشى فوته فيصلي هذه الصلاة\".\rوخرجه النسائي، وفي رواية له : \"إذا حضر أحدكم الأمر الذي يخاف فواته، فليصل هذه الصلاة\".\rوقد نص أحمد على جواز الجمع بين الصلاتين للشغل.\rقال القاضي وغيره من أصحابنا: مراده: الشغل الذي يباح معه ترك الجمعة والجماعة.\rوفي ذلك نظر.\rوعن ابن سيرين: لا بأس بالجمع بين الصلاتين للحاجة والشيء مالم يتخذ عادة.\rالمسلك الثامن: حمل الحديث على ظاهره، وأنه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر بالكلية، وحكي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين، وعن أشهب صاحب مالك.\rوروى ابن وهب وغيره، عن مالك أن آخر وقت الظهر والعصر غروب الشمس.\rقال ابن عبد البر: وهذا محمول عند أصحابه على أهل الضرورات كحائض تطهرت، ومغمى عليه يفيق.\rوحكى - أيضا- عن طاوس: امتداد الظهر والعصر إلى غروب الشمس.\rوعن عطاء: امتدادهما إلى أن تصفر الشمس.\rوكذلك روي عن عطاء وطاوس أن وقت المغرب والعشاء لا يفوت حتى يطلع الفجر.\rوحكي معنى ذلك عن ربيعة، وأن الوقتين مشتركان، وأن وقت الصلاتين يمتد إلى غروب الشمس.\rوحكي عن أهل الحجاز جملة.","part":4,"page":43},{"id":687,"text":"وعده الأوزاعي مما يجتنب من أقوالهم، فروى الحاكم، عن الأصم: أخبرنا العباس بن الوليد البيروتي: ثنا أبو عبد الله بن بحر، قال : سمعت الأوزاعي يقول: يجتنب من قول أهل العراق: شرب المسكر، والأكل عند الفجر في رمضان، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، وتأخير صلاة العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة امثاله، والفرار يوم الزحف. ومن قول أهل الحجاز: استماع الملاهي، والجمع بين الصلاتين من غير عذر، والمتعة بالنساء، والدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين، وإتيان النساء في أدبارهن.\rقال الأثرم في \" كتاب العلل\" : قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد - أي شيء تقول في حديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، من غير خوف ولا سفر؟\rفقال: ابن عباس كما ترى قد أثبت هذا- أو صححه-، وغيره يقول- ابن عمر ومعاذٌ وغير واحدٍ-، يقولون: إنه في السفر. فقلت: أيفعله الأنسان؟ فقال: إنما فعله لئلا يحرج أمته.\rوذكر الأثرم نحوه في \" كتاب مسائله لأحمد\"، وزاد: قال أحمد: أليس قال ابن عباس: أن لا يحرج أمته، إن قدم رجل أو آخر- نحو هذا.\rوهذا الذي زاده في \" كتاب المسائل\" يبين أن أحمد حمله على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول وقتها، كما حمله على ذلك أبو الشعثاء وعمرو بن دينار وغيرهما كما سبق. والله أعلم.\rوقول ابن عباس: \" من غير خوف ولا سفر\"، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف والسفر، فأماالجمع للسفر فيأتي الكلام فيه في موضعه- إن شاء الله تعالى-، وأماالجمع للخوف للحضر فظاهر حديث ابن عباس جوازهُ.\rوقد اختلف العلماء في جواز تأخير الصلاة عن وقتها بالكلية، وإن لم تكن مما تجمع، كتأخير صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس، إذا اشتد الخوف.\rوفيه عن أحمد روايتان.\rفتأخير الصلاتين المحموعتين إلى وقت الثانية وتقديمها في أول وقت الأولى إذا احتيج إلى ذلك في الخوف أولى بالجواز، بل لاينبغي أن يكون في جوازه خلاف عند من يبيح الجمع للسفر والمرض والمطر، ونحو ذلك من الأعذار الخفيفة.\rوعن أحمد روايتان في جواز الفطر في الحضر للقتال، ومن أصحابنا من طردهما في قصر الصلاة- أيضا.\rوقد حكى ابو عبيد في \" غريبه\" عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه- جواز قصر الصلاة في الحضر للخوف.\rفالجمع أولى بالجواز. والله أعلم.\r13- باب\rوقت العصر\rخرج فيه عن عائشة، وأبي برزة، وأنس:\rفحديث عائشة: خرجه من طرق مسندات تعليقاً، فقال:\rوقال أبو أسامة، عن هشام: في قعر حجرتها.\rوفي بعض النسخ ذكر هذا بعد ان اسنده من حديث أبي ضمرة، وهو أحسن وقال:\r544- نا إبراهيم بن المنذر، قال: نا أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس لم تخرج من حجرتها.\r545- ثنا قتيبة: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء من حجرتها.","part":4,"page":44},{"id":688,"text":"546- ثنا ابو نعيم: نا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة العصر والشمس طالعة في حجرتي، لم يظهر الفيء بعد.\rقال ابو عبد الله: وقال مالك، ويحيى بن سعيد، وشعيب، وابن أبي حفصة: والشمس قبل أن تظهر.\rحديث مالك هذا الذي اشار اليه، قد خرجه في أول \" كتاب: المواقيت\" في ضمن حديث أبي مسعود الأنصاري، من طريق مالك، عن الزهري، ولفظه: قال عروة: ولقد حدثتني عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، قبل أن تظهر.\rوكان مقصود عروة: الاحتجاج على عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- حيث أخر العصر يوماً شيئاً، فأخبره عروة بهذا الحديث، مستدلاً به على ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجل العصر في اول وقتها.\rووجهة الدلالة من الحديث على تعجيل العصر: أن الحجرة الضيقة القصيرة الجدران يسرع ارتفاع الشمس منها، ولا تكون الشمس فيها موجودة، إلا والشمس مرتفعة في الافق جداً.\rوفسر الهروي وغيره: ظهور الشمس من الحجرة بعلوها على السطح، فيكون الظهور العلو، ومنه : قوله تعالى: { وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [الزخرف:33]، وقوله تعالى: { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } [الكهف: 97]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: \" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق\".\rوقد ذكر ابن عبد البر في معنى ظهور الشمس من الحجرة في هذا الحديث قولين: أحدهما: العلو كما تقدم. والثاني: أن معناه خروج الشمس من قاعة الحجرة. قال : وكل شيء خرج فقد ظهر.\rقلت : ورواية أبي ضمرة أنس بن عياض، عن هشام التي خرجها البخاري ها هنا تدل على هذه ؛ لأنه قال في روايته: \" والشمس لم تخرج من حجرتها \" وفي رواية الليث وغيره: \" لم يظهر الفيء من حجرتها \".\rوالفيء: هو الظل بعد الزوال بذهاب الشمس منه ، والمعنى: أن الفيء لم يعم جميع حجرتها، بل الشمس باقية في بعضها.\rوعلى هذه الرواية، فيكون معنى ظهور الفيء من الحجرة: وجوده وبيانه ووضوحه.\rوفسر- أيضا- ظهوره: بعلوه لجدر الحجرة.\rوفسر محمد بن يحيى الهمداني في \" صحيحه\" ظهور الفيء بغلبته على الشمس. قال : والمعنى : لم يكن الفيء أكثر من الشمس حين صلى العصر، كما يقال: ظهر فلان على فلان إذا غلب عليه.\rوفي بعض روايات ابن عيينة لهذا الحديث زيادة : \" بيضاء نقية\".\rوأمارواية أبي أسامة، عن هشام التي ذكرها البخاري- تعليقا-: \" والشمس في قعر حجرتها\" ، فهذه الرواية تدل على أن الشمس كانت موجودة في وسط الحجرة وأرضها، لم تظهر على جدران الحجرة.\rوهذه الرواية تدل على شدة تعجيل العصر أكثر من غيرها من الروايات، فإن بقية الروايات إنما تدل على بقاء الشمس في الحجرة لم تخرج منها، فيحتمل ان تكون موجودة على حيطان الحجرة قد قاربت الخروج.\rورواية أبي أسامة تدل على ان الشمس كانت موجودة في أرض الحجرة.","part":4,"page":45},{"id":689,"text":"وقد خرجه الإسماعيلي في \" صحيحه\" والبيهقي من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس في قعر حجرتي.\rوخرجه البيهقي - أيضا- من طريق أبي معاوية: نا هشام- فذكره، وقال: \" والشمس بيضاء في قعر حجرتي طالعة\".\rوحكى عن الشافعي، أنه قال : هذا من أبين ما روي في أول الوقت؛ لأن حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - في موضع منخفض من المدينة، وليست بالواسعة، وذلك أقرب لها من أن ترتفع الشمس منها في اول وقت العصر.\rوحديث أبي برزة:\rقال:\r547- حدثنا محمد بن مقاتل : أبنا عبد الله : أبنا عوف، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية- ونسيت ما قال في المغرب-، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة.\rالمقصود من هذا الحديث في هذا الباب: قول أبي برزة: \" كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية\" .\rوقد سبق الحديث من رواية شعبة، عن أبي المنهال، وفيه: \" ويصلي العصر وأحدنا يذهب إلى اقصى المدينة، ثم يرجع والشمس حية\"، وذكر في حديثه: زيادة الرجوع.\rوقوله: \" والشمس حية\" فسر خيثمة حياتها بأن تجد حرها.\rخرجه البيهقي.\rوقيل: حياتها: بقاء لونها.\rوقيل: بقاء حرها ولونها-: قاله الخطأبي وغيره.\rوحديث أنس:\rخرج له ثلاثة أحاديث:\rالحديث الأول:\r548- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي العصر، ثم يخرج الأنسان إلى بني عمرو بن عوف، فنجدهم يصلون العصر.\rوكذا خرجه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن مالك ، به. وكذا هو في \" الموطإ \".\rورواه ابن المبارك وعتيق بن يعقوب، عن مالك، عن إسحاق، عن أنس، قال: كنا نصلي العصر مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فذكرا الحديث ، وصرحا برفعه.\rوالرواية المشهورة عن مالك في معنى المرفوع؛ لأن أنسا إنما أخرجه في مخرج الاستدلال به على تعجيل العصر.\rوبنو عمرو بن عوف على ثلثي فرسخ من المدينة، وروي ذلك في حديث عن عروة بن الزبير.\rوفي الحديث: دليل على جواز تأخير العصر، ما لم يدخل وقت الكراهة؛ فإن الصحابة فيهم من كان يؤخرها عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهده، والظاهر: أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يعلم ذلك، ويقر عليه.\rوروى ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض، عن أنس ، قال : كنت أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر والشمس بيضاء محلقة، ثم آتي عشيرتي وهم جلوس، فأقول: ما مجلسكم؟ صلوا؛ فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الإمام أحمد.","part":4,"page":46},{"id":690,"text":"وخرج النسائي إلى قوله: \" محلقة\" .\rوخرجه الدارقطني بتمامه، وزاد فيه : وهم في ناحية المدينة.\rوأبو الأبيض هذا، قال الإمام أحمد: لا أعرفه، ولا أعلم روى عنه الا ربعي بن حراش.\rالحديث الثاني:\r549- حدثنا ابن مقاتل: أبنا عبد الله : أبنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، قال: سمعت أبا أمامة يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر، فقلت : ياعم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي كنا نصلي معه.\rأبو أمامة ، هو :ابن سهل بن حنيف.\rوصلاة عمر بن عبد العزيز هذه كانت بالمدينة، حيث كان أميراً من قبل الوليد، وقد تقدم أنه حينئذ لم يكن عنده علم من مواقيت الصلاة المسنونة، فكان يجري على عادة أهل بيته وعموم الناس معهم في تأخير الصلاة أحياناً، فلما بلغته السنة اجتهد حينئذ على العمل بها، ولكنه لم يعمل القيام بها على وجهها إلا في أيام خلافته، فإنه بالغ حينئذ في إقامة الحق على وجهه، ولم يترخص في شيء مما يقدر عليه، ولا أخذته في الله لومة لائم- رضي الله عنه.\r[ الحديث الثالث]:\r550- حدثنا أبو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري: حدثني أنس بن مالك، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة.\rوبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه.\r551- حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة.\rإنما خرجه من هذين الوجهين، ليبين مخالفته لأصحاب الزهري في هذا الحديث.\rوقد خالفهم فيه من وجهين:\rأحدهما: أنه لم يذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكره أصحاب الزهري، كما خرجه البخاري هنا من رواية شعيب.\rوخرجه في أواخر \" كتابه\" من رواية صالح بن كيسان، ثم قال: زاد الليث، عن يونس: \" وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة\" .\rوخرجه مسلم من رواية الليث وعمرو بن الحارث- كلاهما-، عن الزهري، به .\rورواه أبو صالح، عن الليث، عن يونس، عن الزهري.\rوما ذكره البخاري في رواية شعيب من قوله: \" وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه\"، فهو من قول الزهري، أدرج في الحديث.\rقال البيهقي: وقد بين ذلك معمر، عنه.\rثم خرجه من طريق معمر عنه، وقال في آخر حديثه: قال الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين وثلاثة- أو حسبه قال: وأربعة.\rوالوجه الثاني: أن مالكا قال في روايته: \" ثم يذهب الذاهب إلى قباء\" ، كذا رواه أصحابه عنه، وكذا هو في \" الموطا \".\rوخالفه سائر أصحاب الزهري، فقالوا: \" إلى العوالي\" .\rوقد رواه خالد بن مخلد، عن مالك، فقال فيه : \" العوالي\" ، وليس هو بمحفوظ عن مالك.\rقال النسائي: لم يتابع مالكاً احد على قوله في هذا الحديث: \" إلى قباء \" والمعروف: \" إلى العوالي\".","part":4,"page":47},{"id":691,"text":"وقال ابن عبد البر : رواه جماعة أصحاب الزهري عنه ، فقالوا: \" إلى العوالي\" ، وهو الصواب عند أهل الحديث. قال: وقول مالك: \" إلى قباء \" وهم لا شك فيه عندهم، ولم يتابعه أحد عليه.\rوكذا ذكر أبو بكر الخطيب وغيره.\rقلت: قد رواه الشافعي في القديم: أنا [أبو] صفوان ابن سعيد بن عبد الملك ابن مروان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أنس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيها والشمس مرتفعة.\rورواه عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، وقال: \" إلى العوالي\".\rوكذا رواه الواقدي، عن معمر، عن الزهري. وهذا لا يلتفت إليه.\rقال ابن عبد البر : إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة، فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة، وقباء من بني عمرو بن عوف، وقد نص على بني عمرو بن عوف في [حديث أنس] هذا إسحاق بن أبي طلحة.\rيشير إلى حديثه المتقدم، وخرجه من طريق إبراهيم بن أبي عبلة، عن الزهري، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال فيه: \" والعوالي من المدينة على عشرة أميال\" ، وكان الزهري ذكر في هذه الرواية أبعد ما بين العوالي والمدينة، كما ذكر في الرواية المتقدمة أقرب ما بينها وبين المدينة.\rوفي الباب حديث آخر: خرجه البخاري في \" القسمة\" ، فقال: نا محمد ابن يوسف: نا الأوزاعي: نا أبو النجاشي، قال : سمعت رافع بن خديج [ قال]: كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فننحر جزرواً، فتقسم عشر قسم، فناكل لحماً نضيجاً قبل ان تغرب الشمس.\rقال الدارقطني: ابو النجاشي، اسمه: عطاء بن صهيب، ثقة مشهور، صحب رافع بين خديج ست سنين.\rوالكلام هاهنا في مسألتين:\rاحداهما:\rفي حد وقت العصر: اوله واخره:\rفأمااوله: فحكى ابن المنذر فيه اقوالا، فقال:\rاختلفوا في اول وقت العصر: فكان مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وابو ثور يقولون: وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله.\rواختلفوا بعد، فقال بعضهم: اخر وقت الظهر اول وقت العصر، فلو ان رجلين صلى احدهما الظهر والاخر العصر حين صار ظل كل شيء مثله لكانا مصليين الصلاتين في وقتها، قال بهذا إسحاق، وذكر ذلك عن ابن المبارك.\rوأماالشافعي فكان يقول: اول وقت العصر إذا جاوز ظل كل شيء مثله ما كان، وذلك حين ينفصل من اخر وقت الظهر.\rقلت: هذا هو المعروف في مذهب أحمد وأصحابه، وحكى بعض المتأخرين رواية عنه كقول ابن المبارك وإسحاق، وهي غير معروفة.\rقال ابن المنذر: وحكي عن ربيعة قول ثالث، وهو: ان وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس.\rوفيه قول رابع، وهو: ان وقت العصر ان يصير الظل قائمتين بعد الزوال، ومن صلاها قبل ذلك لم تجزئه، وهذا قول النعمان- يعني: ابا حنيفة.\rوحكى ابن عبد البر، عن مالك مثل قول ابن المبارك وإسحاق، وعن الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور مثل قول الشافعي، وعن أبي حنيفة: آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه.","part":4,"page":48},{"id":692,"text":"قال: فخالف القياس في ذلك، وخالفه أصحابه فيه.\rوذكر الطحاوي رواية اخرى عن أبي حنيفة ، أنه قال: آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله، كقول الجماعة. ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فترك بين الظهر والعصر وقتا مفرداً لا يصلح لاحدهما.\rقال: وهذا لم يتابع عليه- أيضا.\rوحكى ابن عبد البر، عن أبي ثور والمزني مثل قول ابن المبارك ومن تابعه، بالاشترك بين الوقتين إذا صار ظل كل شيء مثليه بقدر اربع ركعات، فمن صلى في ذلك الوقت الظهر والعصر كان مؤديا لها.\rوحكي عن عطاء وطاوس، ان ما بعد مصير ظل كل شيء مثله وقت الظهر والعصر معاً، قال طاوس: إلى غروب الشمس، وقال عطاء: إلى اصفرارها، وقد سبق ذكر قولها، وانه حكى رواية عن مالك.\rوقد نص الشافعي على ان وقت العصر لا يدخل حتى يزيد ظل الشيء على مثله، وكذلك قاله الخرقي من أصحابنا.\rواختلف أصحاب الشافعي في معنى قوله: \"بالزيادة\".\rفمنهم من قال: هي لبيان انتهاء الظل إلى المثل، والا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول المثل، فعلى هذا تكون الزيادة من وقت العصر.\rومنهم من قال: انها من وقت الظهر، وانما يدخل العصر عقبها، وقيل: انه ظاهر كلام الشافعي والعراقيين من أصحابه.\rومنهم من قال: ليست الزيادة من وقت الظر ولا من وقت العصر، بل هي فاصل بين الوقتين. وهو اضعف الاقوال لهم.\rوأماالمنقول عن السلف، فاكثرهم حدده بقدر سير الراكب فرسخاً أو فرسخين قبل غروب الشمس.\rفروى مالك، عن نافع، أن عمر كتب إلى عماله: صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعاً ، الا ان يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة، قبل غروب الشمس.\rورواه غيره: عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.\rوروى ابو نعيم الفضل بن دركين: نا سعد بن أوس، عن بلال العبسي، ان عمر كتب إلى سعد: صل العصر وانت تسير لها ميلين او ثلاثة.\rنا يزيد بن مردانبه، قال: سالت أنس بن مالك عن وقت العصر، فقال: إذا صليت العصر ثم سرت ستة اميال حتى إلى غروب الشمس فذلك وقتها.\rنا ابن عيينة، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير، قال: تصلي العصر قدر ما تسير البعير المحملة فرسخين.\rنا ابن عيينة، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال : فرسخ.\rوأمااخر وقت العصر، ففيه اقوال:\rأحدهما: أنه غروب الشمس، روي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وأبي جعفر محمد بن علي.\rوالثاني: إلى مصير ظل كل شيء مثليه، روي عن أبي هريرة، وهو قول الشافعي، وأحمد في رواية.\rوالثالث: حتى تصفر الشمس، روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو قول الاوزعي، وأحمد في رواية، وأبي يوسف، ومحمد.\rوفيه حديث، عن عبد الله بن عمرو، اختلف في رفعه ووقفه، وقد خرجه مسلم في \"صحيحه\" مرفوعاً.\rواكثر من قال بهذا القول والذي قبله، قالوا: لا يخرج وقت العصر بالكلية باصفرار الشمس ولا بمصير ظل كل شيء مثليه، انما يخرج وقت الاختيار، ويبقى ما بعده وقت ضرورة.","part":4,"page":49},{"id":693,"text":"وهل يكون التأخير اليه لغير ذوي الاعذار محرما، او مكروهاً كراهة تنزيه؟ فيه وجهان لأصحابنا.\rوقال الاصطخري من الشافعية: يخرج وقت العصر بالكلية حتى يصير ظل الشيء مثليه، ويصير بعد ذلك قضاء، ولم يوافقه على ذلك احد.\rوالمشهور عند الشافعية: انه بعد مصير ظل كل شيء مثليه إلى اصفرار الشمس يجوز التأخير اليه بلا كراهة، ولكن يفوت وقت الفضيلة والاختيار، وقالوا: يفوت وقت الفضيلة بمصير ظل الشيء مثله ونصف مثله، ووقت الاختيار بمصير ظل الشيء مثليه، ووقت الجواز يمتد إلى اصفرار الشمس، ومن وقت الاصفرار إلى ان تغرب الشمس وقت كراهة لغير ذوي الاعذار.\rوحكى ابن عبد البر عن مالك وغيره من العلماء: ان من صلى العصر قبل اصفرار الشمس فقد صلاها في وقتها المختار، وحكاه اجماعاً، وحكاه عن الثوري وغيره.\rقال : وهذا يدل على ان اعتبار المثلين انما هو للاستحباب فقط.\rوحكى عن أبي حنيفة: ان وقت الاختيار بمتد إلى اصفرار الشمس.\rوحكى عن إسحاق وداود: اخر وقت العصر ان يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب، وسواء المعذور وغيره.\rوسيأتي القول في ذلك فيما بعد- ان شاء الله سبحانه وتعالى.\rوحكى الترمذي في \"جامعه\" عن أبي بكرة انه نام عن صلاة العصر، فاستيقط عند الغروب، فلم يصل حتى غربت الشمس.\rوهذا قد ينبني على ان وقت العصر يخرج بالكلية باصفرار الشمس، فتصير قضاء، والفوائت لا تقضي في اوقات النهي عند قوم من اهل العلم.\rونهى عمر بن الخطاب من فاته شيء من العصر ان يطول فيما يقضيه منها، حشية ان تدركه صفرة الشمس قبل ان يفرغ من صلاته.\rوالمسألة الثانية:\rهل الافضل تعجيل العصر في اول وقتها، او تأخيرها؟ فيه قولان:\rاحدهما- وهو قول الحجازيين وفقهاء الحديث-: ان تعجيلها في اول وقتها افضل، وهو قول الليث، والاوزاعي، وابن مبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقول اهل المدينة: مالك وغيره.\rولكن مالك يستحب لمساجد الجماعات ان يوخروا العصر بعد دخول وقتها قليلاً؛ وليتلاحق الناس إلى الجماعة.\rوقد تقدم انكار عروة على عمر بن عبد العزيز تأخيره العصر شيئا، وانكار أبي مسعود الانصاري على المغيرة تأخير العصر شياً.\rوالاحاديث التي خرجها البخاري في هذا الباب كلها تدل على استحباب تعجيل العصر وتقديمها في اول وقتها.\rوالقول الثاني: ان تأخير إلى اخر وقتها ما لم تصفر الشمس افضل، وهو قول اهل العراق، منهم: النخعي، والثوري، وابو حنيفة.\rقال النخعي: كان من قبلكم اشد تأخير للعصر منكم، وكان ابراهيم يعصر العصر- أي: يضيقها إلى اخر وقتها.\rوقال ابو قلابة وابن شبرمة: انما سميت العصر لتعصر.\rوقد روي هذا القول عن علي، وابن مسعود وغيرهما، وفيه احاديث مرفوعة، كلها غير قوية.\rقال العقيلي: الرواية في تأخير العصر فيها لين.","part":4,"page":50},{"id":694,"text":"وذكر الدار قطني انه لا يصح منها شيء يقاوم احاديث التعجيل؛ فانها احاديث كثيرة، واسانيدها صحيحة من اصح الاسانيد واثبتها. وقال : احاديث تأخير العصر لم يثبت، وانما وجهها- ان كانت محفوظة -: ان يكون ذلك على غير تعمد، ولكن للعذر والأمر يكون.\r* * *","part":4,"page":51},{"id":695,"text":"14-باب\rإثم من فاتته العصر\r522- حدثنا عبد الله بن يوسف: انا مالك عن، نافع، عن عبد الله بن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)).\rقال أبو عبد الله: { يَتِرَكُمْ } [ محمد :35]: وترت الرجل، إذا قتلت له قتيلاً، وأخذت ماله.\r... فوات صلاة العصر: أريد به: فواتها في وقتها كله، كذا فسره ابن عبد البر وغيره.\r... وقد فسره الاوزاعي: بفوات وقت الاختيار، بعد أن روى هذا الحديث عن نافع، قال الأوزاعي: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس مصفراً.\r... خرجه أبو داود في \" سننه\" ومحمد بن يحيى الهمداني في \" صحيحه\".\r... وقد أدرج بعضهم هذا في الحديث:\r... قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه الوليد، عن الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من فاتته صلاة العصر- وفواتها: أن تدخل الشمس صفرةٌ- فكأنما وتر أهله وماله )) ؟ فقال أبي : التفسير من قول نافع. انتهى.\rوقد تبين أنه من قول الأوزاعي كما سبق.\rوقد رويت هذه اللفظة من حديث حجاج والأوزاعي، عن الزهري، عن ابن عمر، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rوروى هذا الحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه من طريقه مسلم.\rورواه حفص بن غيلان، عن سالم، وزاد فيه: \" في جماعة\".\rوهذه- أيضا- مدرجة، وكأنها في تفسير بعض الرواة،فسر فواتها المراد في الحديث بفوات الجماعة لها، وإن صلاها في وقتها، وفي هذا نظر.\rوعلى تفسير الأوزاعي يكون المراد: تأخيرها إلى وقت الكراهة، وإن صلاها في وقتها المكروه.\rوعلى مثل ذلك يحمل ما رواه مالك في \" الموطأ\" عن يحيى بن سعيد، أنه قال: إن الرجل ليصلي الصلاة وما قاتته، ولما فاتته من وقتها أعظم- أو أفضل- من أهله وماله.\rوقد رواه الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن يعلى بن مسلم، عن طلق بن حبيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً.\rورواه جعفر بن عون، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن يعلى، عن طلق، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن طلق بن حبيب، قال: كان يقال- فذكره، ولم يذكر: النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه محمد بن نصر المروزي من هذه الوجوه كلها.\rوقد روي موصولاً من وجوه أخر:\rفروى وكيع في \" كتابه\" عن شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن الزهري، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" إن الرجل ليدرك الصلاة، وما فاته من وقتها خير له من أهله وماله\".\rورواه نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن شعبة، به.\rوالزهري لم يسمع من ابن عمر عند جماعة، وقيل: سمع منه حديثاً أو حديثين.\rورواه هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه.\rخرجه محمد بن نصر المروزي.\rوالوليد هذا، لا أعرفه، إلا أن يكون الجرشي الحمصي، فإنه ثقة معروف.","part":4,"page":52},{"id":696,"text":"وروى إبراهيم بن الفضل المدني، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ،قال: (( إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها، وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من اهله وماله )) .\rخرجه الدارقطني.\rوإبراهيم هذا، ضعيف جداً.\rورواه- أيضا- يعقوب بن الوليد المدني، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.\rويعقوب هذا، منسوب إلى الكذب.\rقال ابن عبد البر في \" الاستذكار\" : وقد روي هذا الحديث من وجوه ضعيفة. وزعم في \" التمهيد\" أن حديث أبي هريرة هذا حسن، وليس كما قال.\rقال ابن عبد البر: كان مالك- فيما حكى عنه ابن القاسم- لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا- يعني: الذي حكاه عنه في \" الموطا\".\rوذكر ابن عبد البر أن سبب كراهة مالك لذلك- والله اعلم- أن وقت الصلاة كله يجوز الصلاة فيه، كما قال : \" ما بين هذين وقت\" ، ولم يقل: أوله أفضل. والذي يصح عندي في ذلك: أن مالكا إنما أنكر قول يحيى بن سعيد؛ لأنه إنما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذلك فيمن فاتته العصر بالكلية حتى غربت الشمس، فكأن مالكا لم ير أن بين اول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يبلغ ذهاب الأهل والمال؛ لأن ذلك إنما هو في ذهاب الوقت كله.\rوفي هذا الحديث : أن ذهاب بعض الوقت كذهاب الوقت كله، وهذا لا يقوله أحد من العلماء، لا من فضل اول الوقت على آخره، ولا من سوى بينهما؛ لأن فوت بعض الوقت مباح، وفوت الوقت كله لا يجوز، وفاعله عاص لله إذا تعمد ذلك، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره، وان كان من صلى في [ أول] وقته أفضل منه. انتهى.\rوقد تقدم أن الأوزاعي حمله على من فوت وقت الاختيار، وصلى في وقت الضرورة، وهو يدل على انه يرى ان التأخير إليه محرم، كما هو أحد الوجهين لأصحابنا، وهو قول ابن وهب وغيره.\rومنهم من حمله على من فوتها حتى غربت الشمس بالكلية.\rوظاهر تبويب البخاري يدل على ان الحديث محمول على من فوت العصر عمداً لتبويبه عليه: \" باب: إثم من فاتته العصر\".\rفأمامن نام عنها أو نسيها فإن كفارته أن يصليها إذا ذكرها، وإذا كان ذلك كفارة له فكأنه قد أدرك بذلك فضلها في وقتها.\rوفي هذا نظر، ولا يلزم من الإتيان بالكفارة إدراك فضل ما فاته من العمل، وفي الحديث: \" من ترك الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار\"، ولا يلزم من ذلك ان يلحق فضل من شهد الجمعة.\rولهذا المعنى يقول مالك والأوزاعي وغيرهما فيمن صلى في الوقت صلاة فيها بعض نقص: إنها تعاد في الوقت، ولا تعاد بعده؛ لأن نقص فوات الوقت أشد من ذلك النقص المستدرك بالإعادة بعده، فلا يقوم الإتيان به خارج الوقت مقام الإتيان به في الوقت، بل الإتيان في الوقت بالصلاة على وجه فيه نقص أكمل من الإتيان بالصلاة كاملة في غير الوقت.\rويدل على ما قاله البخاري: ما خرجه الإمام أحمد من رواية حجاج بن أرطاة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: \" الذي تفوته صلاة العصر متعمداً حتى تغرب الشمس فكأنما وتر أهله وماله\".","part":4,"page":53},{"id":697,"text":"ويدل عليه- أيضا- حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: \" من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فلم تفته\".\rخرجه الإمام أحمد من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rورواه ابو غسان وهشام بن سعد، عن زيد بن اسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - بمعناه.\rوقد روي ما يدل على أن الناسي لا تكون الصلاة فائتة له كالنائم:\rفروى الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة الأنصاري- فذكر قصة نومهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس-، وفيه: قال: فقلت: يا رسول الله، هلكنا، فاتتنا الصلاة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة، وإنما تفوت اليقطان ولا تفوت النائم ))- وذكر الحديث.\rوقد حمل بعض السلف هذا الحديث على من فاتته العصر بكل حال، وإن كان ناسياً.\rفروى زهير بن معاوية: نا أسيد بن شبرمة الحارثي، قال: سمعت سالما يحدث عن عبد الله بن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)) قال: فقلت : وإن نسي؟ قال: وإن نسي، فصلاة ينساها أشد عليه من ذهاب أهله وماله.\rخرجه الدارقطني في أول كتابه \" المختلف والمؤتلف\".\rوذكر أن أسيد بن شبرمة، يقال: فيه \" أسيد \"- أيضا- بالضم، قال: ولا اعرف له غير هذا الحديث، وحديث آخر رواه عن الزهري.\rوقوله: \" وتر أهله وماله \".\rقيل: معناه : حرب أهله وماله وسلبهما، من وترت فلاناً إذا قتلت حميمه، والوتر: الحقد، بكسر الواو، ولا يجوز فتحها، وذلك أبلغ من ذهاب الأهل والمال على غير هذا الوجه، لأن الموتور يهم بذهاب ما ذهب منه ويطلب ثأره حتى يأخذ به.\rوقيل: معناه: أفرد عن أهله وماله، من الوتر- بكسر الواو وفتحها-، وهو الفرد- أي: صار هو فرداً عن أهله وماله.\rوعلى هذا والذي قبله، فالمعنى: ذهاب جميع أهله وماله.\rوقيل: معناه: قلل ونقص، ومنه: قوله تعالى: { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [محمد: 35].\rو ((أهله وماله)) : روايتهما بنصب اللام، على أنه مفعول ثان لـ\" وتر \"؛ لأن ((وتر )) و (( نقص)) يتعديان إلى مفعولين، ولو روي بضم اللام على المفعول الأول لم يكن لحنا، غير أن المحفوظ في الرواية الأول- : قاله الحافظ أبو موسى المديني.\rوقال أبو الفرج ابن الجوزي في \" كشف المشكل\" : في إعراب الأهل والمال، قولان:\rأحدهما: نصبهما، وهو الذي سمعناه وضبطناه على أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره، ويكون المعنى: فكأنما وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب.\rوالثاني: رفعهما على من لم يسم فاعله، والمعنى : نقصنا.\rوكأنه يشير إلى أن النصب والرفع يبنى على الاختلاف في معنى \" وتر\" : هل هو بمعنى : سلب، أو بمعنى: نقص؟ والله اعلم.","part":4,"page":54},{"id":698,"text":"وفي الحديث: دليل على تعظيم قدر صلاة العصر عند الله عز وجل وموقعها من الدين، وأن الذي تفوته قد فجع بدينه وبما ذهب منه، كما يفجع من ذهب أهله وماله.\rوهذا مما يستدل به على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها خصوصاً بعد الأمر بالمحافظة على الصلوات عموماً.\rوقد زعم بعض العلماء: أن هذا لا يختص بفوات العصر، وأن سائر الصلوات فواتها كفوات العصر في ذلك، وأن تخصيص العصر بالذكر إنما كان بسؤال سائل سأل عنه فأجيب، ورجحه ابن عبد البر، وفيه نظر.\rوقد يستدل له بما خرجه الإمام أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : \" من ترك الصلاة سكراً مرةً واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها، فسلبها\" .\rواستدل من قال: إن جميع الصلوات كصلاة العصر في ذلك بما روى ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن نوفل بن معاوية الديلي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\" من فاتته الصلاة فكأنما وتر اهله وماله\".\rقال: وهذا يعم جميع الصلوات، فإن الاسم المعرف بالألف واللام كما في قوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } [البقرة: 43].\rوهذا ليس بمتعين؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد، كما في قوله تعالى { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ } [المائدة:106]على تأويل من فسرها بصلاة العصر.\rوحديث نوفل بن معاوية قد اختلف في إسناده ومتنه، وقد خرجه البخاري ومسلم في \" الصحيحين\" في ضمن حديث آخر تبعا لغيره مخرجاً من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : \" ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم\" - الحديث.\rوعن الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود، عن نوفل بن معاوية، مثل حديث أبي هريرة، إلا أن أبا بكر يزيد :\" من الصلاة صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله\". كذا خرجه البخاري في \" علامات النبوة\" من \" صحيحه\"، وخرجه مسلم في \" كتاب الفتن\".\rوكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بهذا الإسناد لحديث نوفل.\rورواه ابن أبي ذئب، عن الزهري، فأسقط من إسناده: عبد الرحمن بن مطيع.\rوكذلك روي عن معن، عن مالك، عن الزهري.\rقال النسائي: أخاف أن لا يكون محفوظاً، عن مالك، ولعله: معن ، عن ابن أبي ذئب.\rوقد روي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن نوفل، وهو وهم على ابن أبي ذئب.\rوأماالاختلاف في متن الحديث، فقد روي عن [ابن] أبي ذئب أنه قال في الحديث: \" من فاتته الصلاة\" كما تقدم، وروي عنه أنه قال في حديثه: \" من فاتته صلاة\" وروي عنه في حديثه: \" من فاتته صلاة العصر\".\rوفي رواية له : \" من فاتته الصلاة \" وفي آخر الحديث- قلت لأبي بكر: ما هذه الصلاة؟ قال: هي العصر؛ سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \"من فاتته صلاة العصر\" -الحديث.","part":4,"page":55},{"id":699,"text":"وفي رواية : قال ابو بكر: لا أدري.\rوقد خرجه الإمام أحمد بالوجهين، وهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنها تدل على أن الزهري سمعه من أبي بكر بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما سمعه من سالم ، عن أبيه.\rوقد أشار الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله إلى أن الصحيح حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه كما سبق.\rويدل على صحة ما ذكره: أن البيهقي خرج حديث ابن أبي ذئب، ولفظه: \" من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله\" ، وزاد: قال ابن شهاب: فقلت: يا أبا بكر، أتدري أنت [أية] صلاة هي؟ قال ابن شهاب : بلغني أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله\".\rقال: ورواه أبو داود الطيالسي، عن ابن أبي ذئب، وقال في آخره: قال الزهري: فذكرت ذلك لسالم، فقال: حدثني أبي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \" من ترك صلاة العصر\".\rوأمارواية صالح بن كيسان، عن الزهري المخرجة في \" الصحيحين\" ، فقد سبق لفظها، وهو : \" إن في الصلاة صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله\".\rولحديث نوفل طريق آخر: من رواية جعفر بن ربيعة ، عن عراك بن مالك، عن نوفل بن معاوية، أنه حدثه، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: \" من فاتته صلاةٌ فكأنما وتر أهله وماله\" . قال عراك: فأخبرني عبد الله بن عمر انه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :\" من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر اهله وماله\".\rخرجه النسائي.\rوخرجه - أيضا- من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك، أنه بلغه ان نوفل بن معاوية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" من الصلاة، صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله\" ؛ قال ابن عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: \" هي صلاة العصر\".\rوخرجه - أيضا- من طريق ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عراك، قال: سمعت نوفل بن معاوية يقول: صلاةٌ ، من فاتته فكأنما وتر أهله وماله؛ قال ابن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \" هي صلاة العصر\".\rففي رواية ابن إسحاق وجعفر بن ربيعة ، ان عراكا سمعه من نوفل ، وفي حديث الليث ان عركا بلغه عن نوفل.\rقال ابو بكر الخطيب: الحكم يوجب القضاء في هذا الحديث لجعفر بن\rربيعة بثبوت اتصاله للحديث؛ لثقته وحفظه. قال : ورواية الليث ليست تكذيباً ؛ لأنه يجوز أن يكون عراك بلغه الحديث عن نوفل ثم سمعه منه، فرواه على الوجهين\rجميعاً. انتهى.\rوخرج الطحاوي حديث ابن إسحاق بزيادة حسنة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، قال: سمعت نوفل بن معاوية وهو جالس مع عبد الله بن عمر بسوق المدينة يقول: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول: \" صلاةٌ من فاتته فكأنما وتر أهله وماله\" فقال ابن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" هي العصر\".\rوهذه الرواية إن كانت محفوظة دلت على سماع عراك للحديث من نوفل وابن عمر.","part":4,"page":56},{"id":700,"text":"وقال البيهقي: الحديث محفوظ عنهما جميعاً؛ رواه عراك عنهما، أمابلاغاً او سماعاً.\rوهذا يدل على توقفه في سماع عراك له منهما.\r* * *","part":4,"page":57},{"id":701,"text":"15- باب\rمن ترك العصر\r553- حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام: أبنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:\"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\".\rقد سبق القول مبسوطا في حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم في \" كتاب الايمان\" ، وبينا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك، وإمرار الاحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسف في تأويلاتها، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الايمان وإنما يراد به أعمال الجوارح، وبهذا فارق قول السلف قول الخوارج؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان [والعمل]، وخلدوا بها في النار، وهذا قول باطل.\rوأماالمتأخرون فلم يوافقوا السلف على ما قالوه، فاضطربوا في تأويل هذا الحديث وما أشبهه، وأتوا بأنواع من التكلف والتعسف.\rفمنهم من قال: ترك صلاة العصر يحبط عمل ذلك اليوم.\rومنهم من قال: إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرها، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر.\rوهو من أضعف الاقوال، وليس في الإخبار به فائدة:\rومنهم من حمل هذا الحديث على ان من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافراً مرتداً، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن ترك الصلاة كفر.\rوهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر، فإن سائر الصلوات عنده كذلك.\rوقد روي تقييد تركها بالتعمد:\rفروى عباد بن راشد، عن الحسن وأبي قلابة؛ أنهما كانا جالسين، فقال أبو قلابة: قال أبو الدرداء: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" من ترك صلاة العصر متعمداً حتى تفوته فقد حبط عمله\".\rخرجه الإمام أحمد.\rوأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء.\rورواه أبان بن أبي عياش- وهو متروك-، عن أبي قلابة، عن أم الدرداء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوروى راشد أبو محمد، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي- صلى الله عليه وسلم - : \" لا تترك صلاةً مكتوبةً متعمداً، فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة\".\rخرجه ابن ماجة.\rوخرجه البزار، ولفظه: \" فقد كفر\".\rوهذا مما استدل به على كفر تارك الصلاة المكتوبة متعمداً؛ فإنه لم يفرق بين صلاةٍ وصلاة.\rوروى إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل، قال: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - فذكره بنحوه، وقال: \" فقد برئت منه ذمة الله عز وجل\".\rخرجه الإمام أحمد.\rورواه- أيضا- عمرو بن واقد- وهو ضعيف-، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن معاذ.\rخرجه الطبراني ومحمد بن نصر المروزي.\rوخرجه المروزي- أيضا- من طريق سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -- بنحوه، وقال: \" فمن تركها متعمداً فقد خرج من الملة\".\rوقال البخاري في \" تاريخه\" : لا يعرف إسناده.","part":4,"page":58},{"id":702,"text":"وروى مكحول عن أم أيمن، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : \" لا تتركي الصلاة متعمداً؛ فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمةُ الله ورسوله\".\rخرجه الإمام أحمد.\rوهو منقطع؛ مكحول لم يلق أم أيمن.\rورواه غير واحد ؛ عن مكحول، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً.\rورواه عبد الرزاق، عن محمد بن راشد، عن مكحول، عن رجل، عن أبي ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rقال عبد الرزاق: وأبنا شيخ من أهل الشام، عن مكحول، قال: ومن برئت منه ذمة الله فقد كفر.\rورواه أبو فروة الرهاوي- وفيه ضعف-، عن أبي يحيى الكلاعي، عن جبير بن نفير، عن أميمة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه.\rخرجه محمد بن نصر المروزي.\rوذكر عن محمد بن يحيى الذهلي، أنه قال: هذه هي أم أيمن، فقال أبو فروة: أميمة- يعني: أنه أخطأ في تسميتها.\rفأسانيد هذا الحديث كلها غير قوية.\rوأماحديث بريدة، فصحيح، وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير: هشام الدستوائي والأوزاعي، فأماهشام فرواه كما خرجه البخاري من طريقه، وأماالأوزاعي فخالفه في إسناده ومتنه.\rأماإسناده: فقيل فيه : عن الأوزاعي: حدثني يحيى، وثني أبو قلابة: حدثني أبو المهاجر، عن بريدة.\rوخرجه من هذا الوجه الإمام أحمد وابن ماجة.\rوقال الإمام أحمد في رواية مهنا: هو خطأ من الأوزاعي، والصحيح حديث هشام الدستوائي. وذكر - أيضا- أن أبا المهاجر لا أصل له، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأ، وذكره في هذا الإسناد من أصله خطأ، فإنه ليس من روايته، إنما هو من رواية أبي المليح، وكذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله.\rوقيل: عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن أبي الميح ، كما رواه هشام، عن يحيى.\rوخرجه من هذا الوجه الاسماعيلي في \" صحيحه\".\rوقيل : عن الأوزاعي، عن يحيى ، عن ابن بريدة.\rوقيل: عن الثوري، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن بريدة، بغير واسطة بينهما.\rوهذا كله مما يدل على اضطراب الأوزاعي فيه، وعدم ضبطه.\rوأمامتنه، فقال الأوزاعي فيه: إن بريدة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، فقال: \" بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله\".\rكذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجة والإسماعيلي وغيرهم.\rفخالف هشأمافي ذلك؛ فإن هشأماقال في روايته: إن أبا المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم، فقال : بكروا بصلاة العصر؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \" من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\".\rفلم يرفع منه غير هذا القدر، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم، والذي أمر بالتكبير بصلاة العصر هو بريدة ، وهو الصحيح.\rواللفظ الذي رواه الأوزاعي لو كان محفوظاً لكان دليلاً على تأخير العصر في غير يوم الغيم، ولكنه وهم.","part":4,"page":59},{"id":703,"text":"وقد خرج البخاري حديث بريدة فيما بعد وبوب عليه: \" باب : التبكير بالصلاة في يوم غيم \"، ثم خرج فيه حديث بريدة ، عن معاذ بن فضالة، عن هشام، فذكره كما خرجه هاهنا، غير أنه لم يذكر: \" في غزوة\"، وقال فيه : عن بريدة : \" بكروا بالصلاة\"، ولم يقل: \" صلاة العصر\".\rقال الإسماعيلي: جعل الترجمة لقول بريدة، لا لما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان حق هذه الترجمة أن يكون الحديث المقرون بها ما فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الامر بتعجيل العصر في اليوم الغيم.\rثم ذكر حديث الأوزاعي بإسناده ولفظه، ثم قال: فإن كان هذا الإسناد لا يصح عنده كان ترك هذه الترجمة أولى.\rوإنما أراد البخاري قول بريدة في يوم غيم: \" بكروا بالصلاة\"، ولهذا ساق الرواية التي فيها ذكر الصلاة، ولم يسقه كما ساقه في هذا الباب بتخصيص صلاة العصر، يشير إلى أنه يستحب في الغيم التبكير بالصلوات والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يوم الغيم مما لا يعرف به قائل من العلماء، ولم يرد بريدة ذلك إنما أراد صلاة العصر خاصة، ولا يقتضي القياس ذلك، فإن التبكير بالصلوات في الغيم مطلقا يخشى منه وقوع الصلاة قبل الوقت، وهو محذور، والأفضل أن لا يصلي الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها.\rفإن غلب على ظنه، فهل يجوز له الصلاة حينئذ، أم لا؟ فيه قولان:\rأحدهما: أنه جائز، وهو قول الثوري والشافعي وأكثر أصحابنا.\rوالثاني: لا يجوز حتى يتيقن، وهو وجه لأصحابنا وأصحاب الشافعي.\rواستدل الأولون: بأن جماعة من الصحابة صلوا ثم تبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت، فأعادوا ، منهم : ابن عمر وأبو موسى، وهذا يدل على أنهم صلوا عن اجتهاد، وغلب على ظنهم دخول الوقت من غير يقين.\rوقال الحسن: شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس، فأمر مؤذنه فأقام الصلاة.\rخرجه ابن أبي شيبة.\rوقال ابو داود: \" باب : المسافر يصلي ويشك في الوقت\"، ثم خرج من حديث المسحاج بن موسى، أن أنسا حدثه، قال: كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر، فقلنا: زالت الشمس، أو لم تزل، صلى الظهر ثم ارتحل .\rوالمنصوص عن أحمد: أنه لا يصلي الظهر حتى يتيقن الزوال في حضر ولا سفر، وكذا قال إسحاق في الظهر والمغرب والصبح؛ لأن هذه الصلوات لا تجمع إلى ما قبلها.\rولكن وقع في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة تسمية الظن الغالب يقينا، ولعل هذا منه. والله اعلم.\rوقد اختلف العلماء في الصلاة في يوم الغيم:\rفقال الشافعي: ويحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت. وقال إسحاق نحوه.\rولا يستحب عند الشافعي التاخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت، إلا في حال يستحب التاخير في الصحو كشدة الحر ونحوه.\rوحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن الخرقي، وحكاه - أيضا- رواية عن أحمد.\rوعن أبي حنيفة رواية باستحباب تاخير الصلوات كلها مع الغيم.","part":4,"page":60},{"id":704,"text":"وقالت طائفة: يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء مع الغيم، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد، وحكي- أيضا- عن الحسن والأوزاعي، ونقله ابن منصور عن إسحاق.\rوقال النخعي: كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر، ويؤخر المغرب في يوم الغيم.\rقال ابن المنذر: روينا عن عمر، أنه قال: إذا كان يوم الغيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر.\rقال أصحابنا: يستحب ذلك مع تحقق دخول الوقت.\rواختلفوا في تعليل ذلك:\rفمنهم من علل بالاحتياط لدخول الوقت، ولو كان الأمر كذلك لاستوت الصلوات كلها في التأخير.\rومنهم من علل بأن يوم الغيم يخشى فيه وقوع المطر، ويكون فيه ريح وبرد غالبا، فيشق الخروج إلى الصلاتين المجموعتين في وقتين، فإذا أخر الأولى وقدم الثانية خرج لهما خروجاً واحداً، فكان ذلك أرفق به، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه.\rواختلفوا: هل يختص ذلك بمن يصلي جماعة، أو تعم الرخصة من يصلي وحده؟ وفيه وجهان:\rومن المتأخرين من قال: المعنى في تأخير الأولى من المجموعتين في يوم الغيم وتعجيل الثانية: أن تعجيل الأولى منهما عن الوقت غير جائز، وتعجيل الثانية جائز في حال الجمع، والجمع يجوز عند أحمد للأعذار، والاشتباه في الوقت نوع عذر؛ فلهذا استحب تأخير الأولى حتى يتيقن دخول الوقت دون الثانية، فهذا احتياط للوقت لكن مع وقع الصلاة في الوقت المشترك فكان اولى.\rوقد نص أحمد على ان المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو - أيضا- يؤخر الظهر ويعجل العصر؛ لهذا المعنى، وهو يدل على ان التفريق بين المجموعتين في وقت الأولى لا يضر وأن نية الجمع لا تشترط، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول \" أبواب المواقيت\".\rويدل - أيضا- على أنه يجوز تعجيل الثانية من المجموعتين، وإن لم يتيقن دخول وقتها، ويستحب تأخير الاولى منهما حتى يتيقن دخول وقتها في السفر والغيم، وهذا أشبه بكلام الإمام أحمد.\rومن أصحابنا من استحب تأخير الظهر وتعجيل العصر في الغيم دون المغرب لما في تأخيرها من الكراهة؛ فإن وقتها مضيق عند كثيرٍ من العلماء، والمنصوص عن أحمد خلافه.\rوروي عن ابن مسعود، قال: إذا كان يوم الغيم فعجلوا الظهر والعصر، وأخروا المغرب والإفطار.\rوعن عبد العزيز بن رفيع، قال: عجلوا صلاة العصر؛ فإنه بلغنا ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \" عجلوا الصلاة\" -يعني: صلاة في اليوم الغيم.\rوفي رواية، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" عجلوا الصلاة في يوم غيم، وأخروا المغرب\".\rوكان الربيع بن خثيم إذا كان يوم غيم قال لمؤذنه: أغسق، أغسق- يعني: أخر حتى يظلم الوقت.\rوروي استحباب التبكير بالصلاة في اليوم الغيم من وجوه:\rفخرج محمد بن نصر المروزي في \" كتاب الصلاة\" بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري- مرفوعاً-، قال: \" أربع من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان\"- فذكر منها- : \" ابتدار الصلاة في اليوم الدجن\".\rوخرج ابن وهب في \" مسنده\" بإسناد ضعيف- أيضا-، عن أبي الدرداء- مرفوعاً-، قال: \" تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإيمان\".","part":4,"page":61},{"id":705,"text":"وروى ابن سعد في \" طبقاته\" بإسناده، أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وصى ابنه عند موته بخصال الإيمان، وعد منها: تعجيل الصلاة في يوم الغيم.\rوقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير: ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان، فذكر منها: التبكير بالصلاة في اليوم الغيم.\r* * *","part":4,"page":62},{"id":706,"text":"16- باب\rفضل صلاة العصر\rفيه حديثان:\rأحدهما:\rقال:\r554- حدثنا الحميدي: ثنا مروان بن معاوية: ثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير بن عبد الله ، قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: \" إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا\". ثم قرأ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [ق: 39].\rقال إسماعيل: افعلوا لا تفوتنكم.\rهذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، كما دل على ذلك قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة : 22،23]، ومفهوم قوله في حق الكفار: { كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } [المطففين: 15].\rقال الشافعي وغيره: لما حجب أعداءه في السخظ دل على أن أولياءه يرونه في الرضا.\rوالأحاديث في ذلك كثيرة جداً، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر \" الصحيح\" في \" كتاب التوحيد\" ، وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الإئمة وأتباعهم.\rوإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة وشبهات باطلة، يخيلها لهم الشيطان، فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلاً، ويسميه تشبيها أو تجسيما، فينفرون منه، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب، وأنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفا، وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام، وقاسه لهم على ملوك بني آدم، فاستجابوا لذلك، وقبلوه منه.\rوإنما بعث الله الرسل وانزل الكتب لإبطال ذلك كله، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى، ومن أعرض عنه أو عن شيءٍ منه واعترض فقد ضل.\rوقوله: \" كما ترون هذا القمر\" شبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي سبحانه وتعالى.\rوإنما شبه الرؤية برؤية البدر؛ لمعنيين:\rأحدهما: أن رؤية القمر ليلة البدر لا يشك فيه ولا يمترى.\rوالثاني: يستوي فيه جميع الناس من غير مشقة.\rوقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله ، أن هذا الحديث يرد؛ لما يتضمن من التشبيه، فضل وأضل. واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق.\rقال يزيد بن هارون: من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله.\rوقال وكيع: من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية.\rوكان حسين الجعفي إذا حدث بهذا الحديث قال: زعم المريسي.\rوقوله: \" لا تضامون في رؤيته\".\rقال الخطأبي: \" لا تضامون\" ، روي على وجهين:\rمفتوحة التاء، مشددة الميم. وأصله تتضامون، أي : لا يضام بعضكم بعضاً، أي: لا يزاحم، من الضم، كما يفعل الناس في طلب الشيء الخفي، يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم وادع في مكانه، لا ينازعه فيه احد.\rوالآخر: مخفف: تضامون- بضم التاء- من الضيم، أي : لا يضيم بعضكم بعضا فيه . انتهى.","part":4,"page":63},{"id":707,"text":"وذكر ابن السمعاني فيه رواية ثالثة:\" تضامون\"- بضم التاء، وتشديد الميم-، قال: ومعناها: لا تزاحمون، قال: ورواية فتح التاء مع تشديد الميم معناها: لا تزاحمون.\rوقوله: \" كما ترون القمر ليلة البدر\" يقوي المعنى الأول.\rوجاء التصريح به في رواية أبي رزين العقيلي، أنه قال: يارسول الله ، أكلنا يرى ربه يوم القيامة؟ وما آيةُ ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" أليس كلكم ينظر إلى القمر مخلياً به ؟ \" قال: بلى، قال: \" فالله أعظم\".\rخرجه الإمام أحمد.\rوخرجه ابنه عبد الله في \" المسند\" بسياق مطول جداً، وفيه ذكر البعث والنشور، وفيه : \" فتخرجون من الأصواء- أو من مصارعكم-، فتنظرون إليه وينظر إليكم\". قال: قلت: يا رسول الله، وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد، ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: \" أنبئك بمثل ذلك ، الشمس والقمر، آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم، لا تضارون في رؤيتهما\"- وذكر بقية الحديث.\rوخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.\rوقد ذكر أبو عبد الله بن منده إجماع أهل العلم على قبول هذا الحديث ونقل عباس الدوري، عن ابن معين أنه استحسنه.\rوقوله: \" فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا\". أمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر، وفيه إشارة إلى عظم قدر هاتين الصلاتين، وأنهما أشرف الصوات الخمس، ولهذا قيل في كل منهما: إنها الصلاة الوسطى، والقول بأن الوسطى غيرهما لا تعويل عليه.\rوقد قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين عقيب ذكر الرؤية: أن أعلى ما في الجنة رؤية الله عز وجل، وأشرف ما في الدنيا من الأعمال هاتان الصلاتان، فالمحافظة عليهما يرجى بها دخول الجنة ورؤية الله عز وجل فيها.\rكما في الحديث الآخر: \" من صلى البردين دخل الجنة\"، وسيأتي - إن شاء الله - في موضعه.\rوقيل: هو إشارة إلى أن دخول الجنة إنما يحصل بالصلاة مع الإيمان، فمن لا يصلي فليس بمسلم، ولا يدخل الجنة بل هو من أهل النار، ولهذا قال أهل النار لما قيل لهم : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } [ المدثر: 42 ، 43].\rويظهر وجه آخر في ذلك، وهو: أن أعلى أهل الجنة منزلة من ينظر في وجه الله عز وجل مرتين بكرة وعشياً، وعموم أهل الجنة يرونه في كل جمعة في يوم المزيد، والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما ووضوئهما وخشوعهما وآدابهما يرجى به أن يوجب النظر إلى الله عز وجل في الجنة في هذين الوقتين.","part":4,"page":64},{"id":708,"text":"ويدل على هذا ما روى ثوير بن أبي فاختة، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمة وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوةً وعشياً\"، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ* إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ* } [القيامة: 22 ،23].\rخرجه الإمام أحمد والترمذي، وهذا لفظه. وخرجه- أيضا- موقوفاً على ابن عمر. وثوير فيه ضعف.\rوقد روي هذا المعنى من حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعاً- أيضا-، وفي إسناده ضعف.\rوقاله غير واحد من السلف، منهم : عبد الله بن بريدة وغيره.\rفالمحافظة على هاتين الصلاتين تكون سبباً لرؤية الله في الجنة في مثل هذين الوقتين، كما أن المحافظة على الجمعة سبب لرؤية الله في يوم المزيد في الجنة، كما قال ابن مسعود: سارعوا إلى الجمعات؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه في الدنو على قدر تبكيرهم إلى الجمعات.\rوروي عنه مرفوعاً.\rخرجه ابن ماجة.\rوروي عن ابن عباس، قال: من دخل الجنة من أهل القرى لم ينظر إلى وجه الله؛ لأنهم لا يشهدون الجمعة.\rخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في \" كتاب الشافي\" بإسناد ضعيف.\rوقد روي من حديث أنس- مرفوعاً-: \" إن النساء يرين ربهن في الجنة في يومي العيدين\".\rوالمعنى في ذلك: أنهن كن يشاركن الرجال في شهود العيدين دون الجمع.\rوقوله: ثم قرأ : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [ق: 39] الظاهر أن القارئ لذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد روي من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن جرير البجلي في هذا الحديث: ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } - الآية.\rخرجه أبو إسماعيل الأنصاري في \" كتاب الفاروق\".\rوقد قيل: إن هذه الكلمة مدرجة، وإنما القارئ هو جرير بن عبد الله البجلي.\rوقد خرجه مسلم في \" صحيحه\" عن أبي خيثمة، عن مروان بن معاوية- فذكر الحديث، وقال في آخره: ثم قرأ جرير: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [ق: 39].\rوكذا رواه عمرو بن زرارة وغيره، عن مروان بن معاوية، وأدرجه عنه آخرون.\rالحديث الثاني:\r555- حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: \" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين كانوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون\".\rقوله: \" يتعاقبون فيكم ملائكة\" جمع فيه الفعل مع إسناده إلى ظاهر، وهو مخرج على اللغة المعروفة بلغة \" أكلوني البراغيث\"، وقد عرفها بعض متأخري النحاة بهذا الحديث، فقال:\" هي لغة يتعاقبون فيكم ملائكة\".","part":4,"page":65},{"id":709,"text":"والتعاقب: التناوب والتداول، والمعنى: أن كل ملائكة تأتي تعقب الأخرى.\rوقد دل الحديث على أن ملائكة الليل غير ملائكة النهار.\rوقد خرجا في \"الصحيحين\" من حديث الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، قال: \" تجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر\". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم : { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء: 78].\rففي هذه الرواية: ذكر اجتماعهم في صلاة الفجر، واستشهد أبو هريرة بقول الله عز وجل: { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [ الإسراء: 78].\rوقد روي في حديث من رواية أبي الدرداء- مرفوعاً-، انه يشهده الله وملائكته.\rوفي رواية: \" ملائكة الليل وملائكة النهار\".\rخرجه الطبراني وابن منده وغيرهما.\rفقد يكون تخصيص صلاة الفجر لهذا، وصلاة العصر يجتمع -أيضا- فيها ملائكة الليل والنهار، كما دل عليه حديث الأعرج، عن أبي هريرة.\rوقد روي نحوه من حديث حميد الطويل، عن بكر المزني، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -مرسلاً.\rوهؤلاء الملائكة، يحتمل أنهم المعقبات، وهم الحفظة، ويحتمل أنهم كتبة الأعمال.\rوروى أبو عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، في قوله: { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } ، قال: يعني صلاة الصبح، يتدارك فيه الحرسان ملائكة الليل وملائكة النهار.\rوقال إبراهيم، عن الأسود بن يزيد: يلتقي الحارسان من ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، ويحيى بعضهم بعضاً، فتصعد ملائكة الليل وتبسط ملائكة النهار.\rقال ابن المبارك: وكل بابن آدم خمسة أملاك: ملكا الليل، وملكا النهار، يجيئان ويذهبان، والخامس لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً.\rوممن قال: إن ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع في صلاة الفجر، وفسر بذلك قول الله عز وجل : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ[إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ] كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء: 78]: مجاهدٌ ومسروقٌ وغيرهما.\rقال ابن عبد البر: والأظهر أن ذلك في الجماعات . قال: وقد يحتمل الجماعات وغيرها.\rقلت: يشهد للأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :\" إذا أمن الإمام فأمنوا، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\".\rونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكل الثوم أن يشهد المسجد، وتعليله: أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.\rوقد بوب البخاري على اختصاصه بالجماعات في \" أبواب صلاة الجماعة\"، كما سيأتي في موضعه- إن شاء الله تعالى.\rويشهد الثاني: أن المصلي ينهى عن أن يبصق في صلاته عن يمينه؛ لأن عن يمينه ملكاً، ولا يفرق في هذا بين مصلي جماعة وفرادي.\r* * *","part":4,"page":66},{"id":710,"text":"17- باب\rمن أدرك من العصر ركعة قبل الغروب\rفيه ثلاثة أحاديث:\rالأول:\r556- حدثنا أبو نعيم: ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\" إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته\".\rوقد خرجه فيما بعد من وجه آخر عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولفظه:\" من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر\".\rومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس؛ ولهذا جعله مدركا لها بإدراك ركعة منها قبل غروب الشمس، فإدراكها كلها قبل الغروب أولى أن يكون مدركاً لها.\rوقد سبق قول من قال: إن وقت العصر إلى غروب الشمس، منهم: ابن عباس وعكرمة، وهو رواية عن مالك والثوري وهو قول إسحاق.\rقال إسحاق: آخر وقتها للمفرط، وصاحب عذر هو قدر ما يبقى إلى غروب الشمس ركعة-:نقله عنه ابن منصور.\rوحكي مثله عن داود.\rوروي عن أبي جعفر محمد بن علي ما يشبهه.\rوهو وجه ضعيف للشافعية مبني على قولهم: إن الصلاة كلها تقع أداء كما سيأتي.\rوالصحيح عندهم: أنه لا يجوز التاخير حتى يبقى من الوقت ركعة.\rوإن قيل: إنها أداء- كمذهبنا ومذهب الأكثرين وأكثر العلماء- على ان تأخيرها إلى أن يبقى قدر ركعة قبل الغروب لا يجوز لغير أهل الأعذار، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور وحكاه عن العلماء.\rوقد دل على ذلك ما خرجه مسلم في \" صحيحه\" من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: \" وقت العصر ما لم تصفر الشمس\".\rومن حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: \" تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً\".\rوخرجه أبو داود- بمعناه، وزاد: \"حتى إذا اصفرت الشمس فكانت بين قرني الشيطان- أو على قرني الشيطان\"- وذكر باقيه.\rفهذا يدل على [أن] تأخيرها إلى بعد اصفرار الشمس وتضيقها للمغرب غير جائز لمن لا عذر له.\rوأجمع العلماء على ان من صلى بعض العصر ثم غربت الشمس أنه يتم صلاته، ولا إعادة عليه.\rوأجمعوا على أن عليه إتمام ما بقي منها، وهو يدل على أن المراد بإدراكها إدراك وقتها.\rواختلفوا في الواقع منها بعد غروب الشمس: هل هو أداء، أو قضاء؟ وفيه وجهان لأصحابنا والشافعية:\rأحدهما: أنه قضاء، وهو قول الحنفية؛ لوقوعه خارج الوقت.\rوالثاني: أنه أداء، وهو أصح عند أصحابنا والشافعية؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : \" فقد أردكها\".\rوللشافعية وجه آخر: أنها كلها تكون قضاء، وهو ضعيف.\rهذا كله إذا أدرك في الوقت ركعة فصاعداً، فإن أدرك دون ركعة ففيه للشافعية طريقان:\rأحدهما: أنه على هذا الخلاف- أيضا.\rوالثاني: أن الجميع قضاء، وبه قطع أكثرهم.\rوأمامذهب أصحابنا:","part":4,"page":67},{"id":711,"text":"فقال أكثرهم: لا فرق بين أن يدرك في الوقت ركعة أو ما دونها ، حتى لو أدرك تكبيرة الإحرام كان كإدراك ركعة.\rواستدلوا بحديث \" من أدرك سجدة\"، وقالوا: المراد به قدر سجدة.\rوفيه نظر؛ فإن السجدة يراد بها الركعة، وهو المراد من هذا الحديث والله اعلم.\rوحكى بعضهم رواية عن أحمد، أنه لا يكون مدركا لها في الوقت بدون إدراك ركعة كاملة، وبذلك جزم ابن أبي موسى في \" إرشاده\"، وجعله مذهب أحمد ولم يحك عنه فيه خلافاً، فعلى هذا ينبغي أن يكون الجميع قضاء إذا لم يدرك في الوقت ركعة، وهو ظاهر قول الأوزاعي.\rالحديث الثاني:\rقال:\r557- حدثنا عبد العزيز بن عبد الله: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أنه أخبره، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: \" إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتأبين: أي ربنا، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن أكثر عملاً؟ قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء\".\rقوله - صلى الله عليه وسلم -: \" إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم\" إنما أراد به- والله أعلم-: أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، وقد سمى الله بني إسرائيل بانفرادهم أمما، فقال:\r{ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا } [ الأعراف: 168]؛ ولهذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بعمل أهل التوارة بها إلى انتصاف النهار، وعمل أهل الإنجيل به إلى العصر، وعمل المسلمين بالقرآن إلى غروب الشمس.\rويدل على ذلك- أيضا-: حديث أبي موسى الذي خرجه البخاري بعد هذا، ولفظه: \" مثل المسلمين واليهود و النصارى كمثل رجل أستأجر قوما يعملون له إلى الليل\"- وذكر الحديث، كما سيأتي- إن شاء الله.\rوإنما قلنا: إن هذا هو المراد من الحديث؛ لأن مدة هذه الأمة بالنسبة إلى مدة الدنيا من أولها إلى آخرها لا يبلغ قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس بالنسبة إلى ما مضى من النهار، بل هو أقل من ذلك بكثير.\rويدل عليه صريحا: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم صلاة العصر يوماً بنهار، ثم قام خطيباً، فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به- فذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: قال : وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \" الا إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه\".\rوقال الترمذي : حديث حسن.","part":4,"page":68},{"id":712,"text":"وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر، قال: كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - والشمس على قعيقعان بعد العصر، فقال: \" ما أعماركم في أعمار من مضى إلى كما بقي من النهار فيما مضى منه\".\rومن حديث ابن عمر، أنه كان واقفا بعرفات ينظر إلى الشمس حين تدلت مثل الترس للغروب، فبكى، وقال: ذكرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بمكاني هذا، فقال:\" أيها الناس، لم يبق من دنياكم فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه\".\rويشهد لذلك من الأحاديث الصحيحة: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: \" بعثت أنا والساعة كهاتين\"، وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى.\rخرجاه في \" الصحيحين\" من حديث أنس، وخرجاه- أيضا- بمعناه من حديث أبي هريرة وسهل بن سعد.\rوخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر.\rوخرج الترمذي من حديث المستورد بن شداد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: \" بعثت في نفس الساعة، فسبقتها كما سبقت هذه هذه\"- لأصبعيه: السبابة والوسطى.\rوفي \" مسند الإمام أحمد\" عن بريدة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: \" بعثت أنا والساعة جميعاً، إن كادت لتسبقني\".\rوروى الإمام أحمد -أيضا: ثنا أبو ضمرة: حدثني أبو حازم، لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، قال: \" مثلي ومثل الساعة كهاتين\"-وفرق كذا بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم قال: \" مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان\"، ثم قال: \"مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق الاح بثوبه أتيتم أتيتم\". ثم يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" أنا ذاك\".\rوكل هذا النصوص تدل على شدة اقتراب الساعة، كما دل عليه قوله تعالى:\r{ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } [القمر:1]، وقوله تعالى: { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } [الأنبياء:1].\rوقد فسر قوله - صلى الله عليه وسلم - : \" بعثت أنا والساعة كهاتين\"- وقرن بين السبابة والوسطى بقرب زمانه من الساعة ، كقرب السبابة من الوسطى ، وبأن زمن بعثته تعقبه السعة من غير تخلل نبي آخر بينه وبين الساعة، كما قال في الحديث الصحيح:\" أنا الحاشر، يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب\".\rفالحاشر: الذي يحشر الناس لبعثهم يوم القيامة على قدمه- يعني: ان بعثهم وحشرهم يكون عقيب رسالته، فهو مبعوث بالرسالة وعقيبه يجمع الناس لحشرهم.\rوالعاقب: الذي جاء عقيب الأنبياء كلهم، وليس بعده نبي، فكان إرساله من علأماالساعة.\rوفي \" المسند\" ، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: \" بعثت بالسيف بني يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له\".\rوفسر قتادة وغيره قوله: \" كهاتين\"- وأشار بالسبابة والوسطى، بأن المراد: كفضل إحداهما على الأخرى - يعني: كفضل الوسطى على السبابة.","part":4,"page":69},{"id":713,"text":"وقد ذكر ابن جرير الطبري: أن فضل ما بين السبابة والوسطى نحو نصف سبع، وكذلك قدر ما بين صلاة العصر في أوسط نهارها بالإضافة إلى باقي النهار نصف سبع اليوم تقريباً، فإن كانت الدنيا سبعة آلاف سنة، فنصف يوم خمسمائة سنة.\rوقد روي في ذلك حديث ابن زمل- مرفوعاً- أن الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - في آخرها ألفاً.\rوإسناده لا يصح.\rويشهد لهذا الذي ذكره ابن جرير: ما خرجه أبو داود من حديث أبي ثعلبة الخشني، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: \" لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم\".\rوروي موقوفاً، ووقفه أصح عند البخاري وغيره.\rوخرج أبو داود -أيضا- بإسناد منقطع عن سعد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: \" إني لأرجو أن لا يعجز امتي عند ربهم أن يؤخرهم نصف يوم\". قيل لسعد: كم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة.\rوإن صح هذا، فإنما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - رجا لأمته تاخير نصف يوم، فأعطاه الله رجاءه وزاده عليه، فإنا الآن في قريب رأس الثمانمائة من الهجرة، وما ذكره ابن جرير من تقدير ذلك بنصف سبع يوم على التحديد لا يصلح، وقد ذكر غيره أن المسبحة ستة أسباع الوسطى طولاً، فيكون بينهما من الفضل سبع كامل، وذلك ألف سنة، على تقدير أن تكون الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخرها ألفاً، وهذا - أيضا- لا يصح، ولا يبلغ الفضل بينهما سبعاً كاملاً.\rوقيل: إن قدر الفضل بينهما نحو من ثمن، كما سنذكره- ان شاء الله .\rوفي \" صحيح مسلم\" عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: \" بعثت أنا والساعة كهاتين\". قال: وضم السبابة والوسطى.\rوقد سبق في رواية الإمام أحمد، أنه فرق بينهما، وقد ذكر بعضهم على تقدير صحة رواية التفريق ان فرج ما بين الأصابع الخمسة ستة امثال فرجة ما بين السبابة والوسطى، وحجم الأصابع الخمس ضعف ما بين المسبحة والوسطى، فيكون حجم الأصابع الخمس مع الفرج الأربع الواقعة بينهم ثمانية أجزاء فرجة ما بين السبابة والوسطى جزء منها.\rويئول المعنى إلى أن ما بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين الساعة قدر ثمن الدنيا، وهو ثمانمائة وخمس وسبعون سنة على تقدير ما تقدم ذكره.\rقال: ويعتضد ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب))، فإن ما بين العصر والغرب قريب من ثُمن زمان دورة الفلك التامة مرةً واحدة، وهي أربعة وعشرون ساعة. انتهى ما ذكره.\rوأخذ بقاء ما بقي من الدنيا على التحديد من هذه النصوص لا يصح؛ فإن الله استأثر بعلم الساعة، ولم يطلع عليه أحداً من خلقه، وهو من مفاتح الغيب الخمس التي لا يعلمها إلا الله؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)). وإنما خرج هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التقريب للساعة من غير تحديد لوقتها.","part":4,"page":70},{"id":714,"text":"وقد قدمنا أن المراد بهذا الحديث مدةُ أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - مع مدة أمة موسى وعيسى عليهم السلام، فمدة هذه الأمم الثلاث كيوم تام، ومدة ما مضى من الأمم في أول الدنيا كليلة هذا اليوم؛ فإن الليل سابق للنهار، وقد خلق قبله على أصح القولين، وتلك الليلة السابقة كان فيها نجومُ تضيء ويهتدى بها، وهم الأبيياء المبعوثون فيها، وقد كان -أيضا- فيهم قمرٌ منير، وهو إبراهيم الخليل عليه السلام، إمام الحنفاء ووالدُ الأنبياء، وكان بين آدم ونوح ألف سنة، وبين نوح وإبراهيم ألف سنة، وبين إبراهيم وموسى عليه السلام ألف سنة. قال ذلك غير واحد من المتقدمين، حكاه عنهم الواقدي.\rوذكر بعض علماء أهل الكتاب أن من آدم إلى إبراهيم ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثمان وعشرون سنة، ومن إبراهيم إلى خروج موسى من مصر خمسمائة وسبع وستون سنة، وذكر إن من آدم إلى مولد المسيح خمسة آلاف وخمسمائة سنة، ومن مولد المسيح إلى هجرة محمد - صلى الله عليه وسلم - ستمائة وأربع عشر سنة، ومن آدم إلى الهجرة ستة آلاف سنة ومائة وأربع عشرة سنة، ومن خروج بني أسرائيل إلى الهجرة ألفان ومائتان وتسع وسبعون سنة، ولكن إنما يؤرخون بالسنة الشمسية لا القمرية.\rوأماابتداء رسالة موسى عليه السلام فكانت كابتداء النهار، فإن موسى وعيسى ومحمداً - صلى الله عليه وسلم - هم أصحاب الشرائع والكتب المتبعة والأمم العظيمة.\rوقد أقسم الله بمواضع رسالاتهم في قوله: { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ* } . [التين: 1-3]\rوفي التوراة: ((جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران)).\rولهذا سمي محمداً - صلى الله عليه وسلم - سراجاً منيراً؛ لأن نوره للدنيا كنور الشمس وأتم وأعظم وأنفع، فكانت مدة عمل بني إسرائيل إلى ظهور عيسى كنصف النهار الأول، ومدة عمل أمة عيسى كما بين الظهر والعصر، ومدة عمل المسلمين كما بين العصر إلى غروب الشمس، وهذا أفضل أوقات النهار.\rولهذا كانت الصلاة الوسطى هي العصر على الصحيح؛ وأفضل ساعات يوم الجمعة ويوم عرفة من العصر إلى غروب الشمس، فلهذا كان خيرُ قرون بني آدم القرن الذي بعث فيه محمد - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد خرج البخاري ذلك من حديث أبي هريرة - مرفوعاً.\rوقد أعطى الله تعالى من عمل بالتوراة والإنجيل قيراطاً قيراطاً، وأعطى هذه الامة لعملهم قيراطين.\rفقال الخطأبي: كان كل من الأمم الثلاثة قد استؤجر ليعمل تمام النهار بقيراطين، فلما عجز كل واحد من الأمتين قبلها، وانقطع عن عمله في وسط المدة أعطى قيراطاً واحداً، وهذه الأمة قد أتمت مدة عملها فكمل لها أجرها.\rوقد جاء في رواية أخرى من حديث ابن عمر، أن كل طائفة منهم استؤجرت لتعمل إلى مدة انتهاء عملها على ما حصل لها من الأجر.\rفقال الخطأبي: لفظه مختصر، وإنما أخبر الراوي بما آل إليه الأمر فقط.\rوفيما قال نظر، وسيأتي الكلام عليه في الحديث الثالث - إن شاء الله.","part":4,"page":71},{"id":715,"text":"وعجز اليهود والنصارى عن إتمام المدة هو بما حصل لهم مما لا ينفع معه عمل، مع البقاء على ما هم عليه من النسخ والتبديل، مع تمكنهم من إتمام العمل بالإيمان بالكتاب الذي أنزل بعد كتابهم.\rوقولهم: ((نحن أكثر عملاً وأقل أجراً)).\rأماكثرة عمل اليهود فظاهر؛ فإنهم عملوا إلى انتصاف النهار، وأماالنصارى فإنهم عملوا من الظهر إلى العصر، وهو نظير مدة عمل المسلمين.\rفاستدل بذلك من قال: إن أول وقت العصر مصير كل شيء مثليه، وهم أصحاب أبي حنفية، قالوا: لأنه لو كان أول وقت العصر مصير ظل كل شيء مثله لكان مدة عملهم ومدة عمل المسلمين سواء.\rوأجاب عن ذلك من قال: إن أول وقت العصر مصير ظل الشيء مثله من أصحابنا والشافعية وغيرهم بوجوه:\rمنها: أن أحاديث المواقيت مصرحة بأن أول وقت العصر مصير ظل الشيء مثله، وهذا الحديثُ إنما ساقه النبي - صلى الله عليه وسلم - مساق ضرب الأمثال، والأمثال مظنة التوسع فيها، فكان الأخذ بأحاديث توقيت العصر المسوقة لبيان الوقت أولى.\rومنها: أن المراد بقولهم: ((أكثر عملاً))، أن عمل مجموع الفريقين أكثر.\rفإن قيل: فقد قالوا: ((وأقل أجراً)) ومجموع الفريقين لهم قيراطان كأجر هذه الأمة.\rقيل: لكن القيراطان في مقابلة عمل كثير، فإنهما عملا ثلاثة أرباع النهار بقيراطين، وعمل المسلمون ربع النهار بقيراطين، فلذلك كان أولئك أقل أجراً.\rومنها: أن وقت العصر إذا سقط من أوله مدة التأهب للصلاة بالأذان والإقامة والطهارة والستارة وصلاة أربع ركعات والمشي إلى المساجد، صار الباقي منه إلى غروب الشمس أقل مما بين الظهر والعصر.\rوحقيقةُ هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد أن أمته عملت من زمن فعل صلاة العصر المعتاد لا من أول دخول وقتها.\rومنها: أن كثرة العمل لا يلزم منه طول المدة، فقد يعمل الأنسان في مدة قصيرة أكثر مما يعمل غيره في مدة طويلة.\rوقد ضعف هذا؛ بأن ظاهر الحديث يرده، ويدل على اعتبار طول المدة وقصرها، إلا أن يقال: كنى عن كثرة العلم وقلته بطول المدة وقصرها، وفيه بعد.\rوقد روى هشام بن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: كان بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي - صلى الله عليه وسلم - ألف سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربع وثمانون سنة.\rهذا إسناد ضعيف، لا يعتمد عليه.\rوإنما يصح ذلك على تقدير أن يكون بين عيسى ومحمد أنبياء، والحديث الصحيح يدل على أنه ليس بينهما نبي، ففي ((صحيح البخاري)) عن سلمان، أن مدة الفترة كانت ستمائة سنة.\rوقد ذكر قوم: أن من لدن خلق آدم إلى وقت هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة آلاف سنة، تنقص ثمان سنين.\rوقال آخرون: بينهما أربعة آلاف وستمائة واثنان وأربعون سنة وأشهر.\rواختلفوا في مدة بقاء الدنيا جميعها:","part":4,"page":72},{"id":716,"text":"فروي عن ابن عباس، أنها جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة.\rوعن كعب ووهب، أنها ستة آلاف سنة.\rوعن مجاهد وعكرمة، قالا: مقدار الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة، ولا يعلم ما مضى منه وما بقي إلا الله عز وجل، وأن ذلك هو اليوم الذي قال الله فيه :\r{ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } .[المعارج: 4]\rخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)).\rوقد قدمنا: أن حديث ابن عمر الذي خرجه البخاري هاهنا يدل على أن مدة الدنيا كلها كيوم وليلة، وأن مدة الأمم الثلاث أصحاب الشرائع المتبعة قريب من نصف ذلك، وهو قدر يوم تام، وأن مدة اليهود منه إلى ظهور عيسى حيث كانت أعمالهم صالحة تنفعهم عند الله كما بين صلاة الصبح إلى صلاة الظهر، ومدة النصارى إلى ظهور محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث كانت أعمالهم صالحة مقبولة كما بين صلاةِ الظهر والعصر، ومدة المسلمين منه من صلاة العصر إلى غروب الشمس، وذلك في الزمان المعتدل قدر ربع النهار، وهو قدر ثمن الليل والنهار كما سبق ذكره وتقديره.\rلكن مدة الماضي من الدنيا إلى بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومدة الباقي منها إلى يوم القيامة، لا يعلمه على الحقيقة إلا الله عز وجل، وما يذكر في ذلك فأنما هو ظنون لا تفيد علماً.\rوكان مقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب: أن وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس؛ لأنه جعل عمل المسلمين مستمراً من وقت العصر إلى غروب الشمس، وإنما ضرب المثل لهم بوقت صلاة العصر، واستمرار العمل إلى آخر النهار لاستمرار مدة وقت العصر إلى غروب الشمس، وأن ذلك كله وقت لعملهم، وهو صلاة العصر، فكما أن مدة صلاتهم تستمر إلى غروب الشمس، فكذلك مدة عملهم بالقرآن في الدنيا مستمر من حين بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى تقوم عليهم الساعة ويأتي أمر الله وهم على ذلك.\rالحديث الثالث:\rقال:\r558- حدثنا أبو كريب: ثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له عملاً إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك، فاستأجر آخرين، فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا، فاستأجر قوماً فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين)).\rظاهر هذه الرواية: يدل على أن كلاً من الفريقين اليهود والنصارى أبطلوا عملهم ولم يسقطوا أجرهم فلم يستحقوا شيئاً، وهذا بخلاف ما في حديث ابن عمر الماضي أنهم أعطوا قيراطاً قيراطاً.\rوقد يحمل حديث ابن عمر على من مات قبل نسخ دينه وتبديله، وكان عمله على دين حق، وحديث أبي موسى هذا على من أدركه التبديل والنسخ، فاستمر على عمله، فإنه قد أحبط عمله وأبطل أجره، فلم يستحق شيئاً من الأجر.","part":4,"page":73},{"id":717,"text":"فإن قيل: فمن مات قبل التبديل والنسخ مؤمن، له أجره عند الله، كما قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة:\r62].\rقيل: هو كذلك، وإنما لهم أجر واحد على عملهم؛ لأنه شرط لهم ذلك، كما جاء في رواية أخرى صريحة من حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، وهذه الأمة شرط لها على اتمام عمل بقية اليوم أجران.\rوقوله: ((فاستكملوا أجر الفريقين))؛ لأنه لما بطل عملهما وسقط أجرهما، وعمل المسلمون بقيةَ النهار على قيراطين، فكأنهم أخذوا القيراطين منهما واستحقوا ما كان لهما على عملهما وحازوه دونهما، ولهذا قال تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الحديد: 28، 29]؛ ولهذا اعترف أهل الكتاب أنهم لم يظلموا من أجرهم شيئاً.\rوفي حديث أيوب: ((أن اليهود استؤجرت لتعمل إلى الظهر على قيراط، والنصارى إلى العصر على قيراط))، وهذا صحيح؛ فإن كلاً من الطائفتين أشعر بنسخ دينه وتأقيته، وانه يعمل عليه إلى أن يأتي نبي آخر بكتاب آخر مصدق له، وإن لم يذكر لهم ذلك الوقت معيناً.\rوقد تنازع أهل الأصول فيمن أمر أن يعمل عملاً إلى وقت غير معين، ثم أمر بترك ذلك العمل، والعمل بغيره: هل هو نسخ في حقه، أم لا؟ مثل قوله تعالى: { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } [البقرة: 109].\rوفي الجملة، فاستحقاق اليهود والنصارى قيراطاً واحداً على عملهم وإحباط أجرهم وإبطاله هو بالنسبة إلى طائفتين منهم، لا إلى طائفة واحدة.\rوقد استدل أصحابنا بحديث أبي موسى على أن من استؤجر لعمل في مدة معينة، فعمل بعضه في بعض المدة، ثم ترك العمل في باقي المدة باختياره من غير عذر، أنه قد أسقط حقه من الأجرة، ولا يستحق منها شيئاً.\rومقصود البخاري بهذا الحديث - أيضا-: أن ضرب المثل لعمل المسلمين من وقت صلاة العصر إلى غروب الشمس يؤخذ منه بقاء وقت صلاة العصر وامتداده إلى غروب الشمس، كما سبق.\r* * *","part":4,"page":74},{"id":718,"text":"18- باب\rوقت المغرب\rوقال عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاء.\rقد سبق الكلام على جمع المريض مستوفى في الكلام على حديث ابن عباس في الجمع لغير عذر.\rوخرج في هذا الباب أربعة أحاديث:\rالحديث الأول:\rقال:\r559- حدثنا محمد بن مهران: ثنا الوليد: ثنا الأوزاعي: حدثني أبو النجاشي مولى رافع - هو: عطاء بن صهيب - ، قال: سمعت رافع بن خديج قال: كنا نصلي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله.\rوقد روي هذا المعنى عن غير واحد من الصحابة في صلاتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب، ولم يخرج في ((الصحيحين)) من غير هذه الطريق.\rوقد روى شعبة، عن أبي بشر، عن حسان بن بلال، عن رجال من أسلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أنهم كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجعون إلى أهليهم إلى أقصى المدينة يرمون، يبصرون مواقع سهامهم.\rخرجه النسائي.\rوخرجه الإمام أحمد عن هشيم، عن أبي بشر، عن علي بن بلال الليثي، عن ناس من الأنصار، قالوا: كنا نصلي مع رسول الله المغرب، ثم ننصرف فنترامى حتى نأتي ديارنا، فيما يخفى علينا مواقع سهامنا.\rوخرجه -أيضا- من رواية أبي عوانة، عن أبي بشر - بنحوه.\rوهو أشبه من رواية شعبة - : قاله البخاري في ((تاريخه)).\rوروى الزهري، عن رجل من أبناء النقباء، عن أبيه، قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب، ثم ننصرف فننظر إلى مواقع النبل، وبينهم نحو من ميل - يعني: قباء.\rوفي رواية: ثم نخرج إلى منازلنا، وإن أحدنا لينظر إلى موقع نبله، قيل للزهري: كم كان منازلهم؟ قال: ثلثا ميل.\rوخرج الإمام أحمد وابن خزيمة في ((صحيحه)) من حديث جابر، قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب، ثم نأتي بني سلمة ونحن نبصر مواقع النبل.\rوخرجه الإمام أحمد من رواية ابن عقيل، عن جابر - بنحوه، إلا أنه قال: ثم نرجع إلى منازلنا وهي [على قدري] ميل وأنا أبصر موقع النيل.\rوهذا كله يدل على شدة تعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة المغرب، ولهذا كانت تسمى صلاة البصر.\rكما خرجه الإمام أحمد من رواية أبي طريف الهذلي، قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين جاء خبر أهل الطائف، فكان يصلي بنا صلاة البصر، حتى لو أن رجلاً رمي لرأى موقع نبله.\rقال الإمام أحمد: صلاة البصر: هي صلاة المغرب.\rالحديث الثاني:\r560- ثنا محمد بن بشار: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال: قدم الحجاج، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر، والصبح كانوا - أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس.","part":4,"page":75},{"id":719,"text":"مقصوده من هذا الحديث في هذا الباب: صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا وجبت - يعني: الشمس-، ووجوبها: سقوطها، كقوله تعالى: { فَإذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا } [الحج: 36]، والمعنى : إذا سقط قرص الشمس وذهب في الأرض وغاب عن أعين الناس.\rالحديث الثالث:\rقال: 561- حدثنا المكي بن إبراهيم: ثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، قال: كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب إذا توارت بالحجاب.\rهذا [أحد] ثلاثيات البخاري، والضمير يعود إلى غير مذكور، وهو الشمس، وقرينة صلاة المغرب تدل عليه، وهو كقوله تعالى في قصة سليمان: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } [ص: 31، 32]، فحذف ذكر الشمس لدلالة العشي عليها، والمعني بتواريها بالحجاب: تواري قرصها عن أعين الناظرين، بما حجبها عنها من الأرض.\rوخرج مسلم حديث سلمة، ولفظه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب.\rوخرجه أبو داود، ولفظه: كان يصلي ساعة تغرب الشمس، إذا غاب حاجبها.\rوهذا الحديث والذي قبله يدلان على أن مجرد غيبوبة القرص يدخل به وقت صلاة المغرب، كما يفطر الصائم بذلك، وهذا إجماع من أهل العلم-: حكاه ابن المنذر وغيره.\rقال أصحابنا والشافعية وغيره: ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس وغيبوبته عن الأبصار.\rومنهم من حكى رواية عن أحمد باعتبار غيبوبة هذه الحمرة، وبه قال الماوردي من الشافعية. ولا يصح ذلك.\rوأماإن بقي شيء من شعاعها على الجدران أو تلك الجبال فلابد من ذهابه.\rوحكى الطحاوي عن قوم، أنهم اعتبروا مع مغيب الشمس طلوع النجم، ولم يسمهم.\rوالظاهر: أنه قول طائفة من أهل البدع كالروافض ونحوهم، ولم يقل أحد من العلماء المعتد بهم.\rوروى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا إسرائيل، عن طارق، عن سعيد بن المسيب، قال: كتب عمر إلى أمراء الأمصار: لا تصلوا المغرب حتى تشتبك النجوم.\rوهذا إنما يدل على استحباب ذلك، وقد روي عن عمر خلاف ذلك موافقة لجمهور الصحابة.\rوالأحاديث والآثار في كراهة التأخير حتى يطلع النجم كثيرة جداً:\rومن أجودها: ما روى ابن إسحاق: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، قال: قدم علينا أبو أيوب غازياً وعقبة بن عامر يومئذ على مصر، فأخر المغرب، فقام إليه أبو أيوب، فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ قال: شغلنا. قال: أماسمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لا تزال أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم))؟\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم وصححه.\rوقد خولف ابن إسحاق في إسناده، فرواه حيوة بن شريح، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، عن أبي أيوب، قال: كنا نصلي المغرب حين تجب الشمس.","part":4,"page":76},{"id":720,"text":"ورواه ابن لهيعة، عن يزيد، ورفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقال أبو زرعة: حديث حيوة أصح.\rوخرج الإمام أحمد معناه من حديث السائب بن يزيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرجه ابن ماجه من حديث العباس بن عبد المطلب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد روي عن عمر بن عبد العزيز، أنه أخر ليلة المغرب حتى طلع نجمان، فأعتق رقبتين كفارة لتأخيره.\rفأماالحديث الذي خرجه مسلم من حديث أبي بصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر، فقال: ((إن هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد))، والشاهد النجم.\rفقد اختلف العلماء في تأويله:\rفمنهم من حمله على كراهة التنفل قبل المغرب حتى تصلى، وهو قول من كره ذلك من العلماء، وقال: قوله: ((لا صلاة بعدها)) إنما هو نهي عن التنفل بعد العصر فيستمر النهي حتى تصلى المغرب، فإذا فرغ منها حينئذ جاز التنفل، وحينئذ تطلع النجوم غالباً.\rومنهم من قال: إنما أراد أن النهي يزول بغروب الشمس، وإنما علقه بطلوع الشاهد لأنه مظنة له، والحكم يتعلق بالغروب نفسه.\rومنهم من زعم أن الشاهد نجم خفي يراه من كان حديد البصر بمجرد غروب الشمس، فرؤيته علامة لغروبها.\rوزعم بعضهم: أن المراد بالشاهد الليل، وفيه بعد.\rوقد أجمع العلماء على أن تعجيل المغرب في أول وقتها أفضل، ولا خلاف في ذلك مع الصحو في الحضر، إلا ما روي عن عمر كما تقدم، وروي عنه خلافه من وجوه.\rفأمافي الغيم ففيه اختلاف سبق ذكره، وأمافي السفر فيستحب تأخيرها ليلة النحر بالمزدلفة من دفع من عرفة حتى يصليها مع العشاء بالمزدلفة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوفي صحة صلاتها في طريقه قبل وصوله إلى المزدلفة اختلاف يذكر في موضع آخر - إن شاء الله.\rوأمافي غير تلك الليلة في السفر فيجوز تأخيرها للجمع بينها وبين العشاء.\rوقال مالك: يصلي المقيم المغرب إذا غربت الشمس، والمسافر لا بأس أن يمد ميلاً ثم ينزل فيصلي.\rوقد روي ذلك عن ابن عمر. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا.\rوكذلك رخص الثوري في تأخيرها في السفر دون الحضر، وقال: كانوا يكرهون تأخيرها [في الحضر دون السفر].\rوهل يستحب أن يفصل بين آذان المغرب وإقامتها بجلسة خفيفة؟ فيه قولان:\rأحدهما: يستحب، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي يوسف ومحمد.\rوقال أبو حنيفة: يفصل بينهما بسكتة بقدر ثلاث آيات قائماً؛ لأن مبناها على التعجيل، والقائم أقرب إليه، فإن وصل الإقامة بالأذان كره عنده.\rوالقول الثاني: لا يستحب الفصل بجلوس ولا غيره؛ لأن وقتها مضيق، وهو قول مالك.\rوقال أحمد: الفصل بينهما بقدر ركعتين كما كانوا يصلون الركعتين في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الأذان والإقامة للمغرب. كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى.\rوعند الشافعي وأصحابه: يفصل بينهما فصلاً يسيراً بقعدة أو سكوت ونحوهما.\rالحديث الرابع:\rقال:","part":4,"page":77},{"id":721,"text":"562- ثنا آدم: ثنا شعبة ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن زيد، عن عبد الله بن عباس، قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعاً جميعاً، وثمانياً جميعاً.\rقد سبق هذا الحديث في ((باب: تأخير الظهر إلى العصر)) والكلام عليه مستوفى.\rومقصود البخاري بتخريجه في هذا الباب: أن يستدل به على جواز تأخير المغرب إلى آخر وقتها قبل غروب الشفق، وأن وقتها ممتد إلى غروب الشفق، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها مع العشاء جميعاً في الحضر من علة، وقد حمله طائفة من العلماء على أنه أخر المغرب إلى آخر وقتها، وقدم العشاء في أول وقتها، كذلك حمله عليه أبو الشعثاء وعمرو بن دينار، وأحمد في رواية عنه، وتبويب البخاري هنا يدل عليه.\rوعلى هذا التقدير، فهو دليل ظاهر على امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق.\rويدل على ذلك صريحاً: ما في ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني السنة لا أم لك؟! ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.\rقال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدق مقالته.\rوممن ذهب إلى أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق: الحسن بن حي والثوري وأبو حنيفة ومالك في ((الموطأ))، والشافعي في قول له رجحه طائفة من أصحابه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وروي عن ابن عباس وغيره.\rوخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((إذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق)).\rوفي رواية له - أيضا-: ((وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق)).\rوفي رواية له - أيضا-: ((وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق)).\rوقد اختلف في رفعه ووقفه.\rوخرج مسلم - أيضا - من حديث بريدة، أن سائلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مواقيت الصلاة - فذكر الحديث بطوله، وفيه: أنه صلى في اليوم الأول المغرب حين وجبت الشمس، وفي اليوم الثاني صلى قبل أن يقع الشفق، وقال: ((ما بين ما رأيت وقت)).\rوخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن للصلاة أولاً وآخراً)) - فذكر الحديث، وفيه: ((وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق)).\rوله علة، وهي أن جماعة رووه عن الأعمش، عن مجاهد، قال: كان يقال ذلك.\rوهذا هو الصحيح عند ابن معين والبخاري والترمذي وأبي حاتم والبزار والعقيلي والدارقطني وغيرهم.\rوذهب طائفة إلى أن للمغرب وقتاً واحداً حين تغرب الشمس، ويتوضأ ويصلي ثلاث ركعات، وهو قول ابن المبارك، ومالك في المشهور عنه، والأوزاعي، والشافعي في ظاهر مذهبه.","part":4,"page":78},{"id":722,"text":"واستدلوا: بأن جبريل صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب في اليومين في وقت واحد، وصلى به سائر الصلوات في وقتين.\rوزعم الأثرم أن هذه الأحاديث أثبت، وبها يعمل.\rومن قال: يمتد وقتها، قال: قد صح حديث بريدة، وكان ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فهو متأخر عن أحاديث صلاة جبريل.\rوفي حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك بقوله، وهو أبلغ من بيانه بفعله.\rويعضده: عموم قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة: ((إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى))، خرج من عموم ذلك الصبح بالنصوص والإجماع، بقي ما عداها داخلاً في العموم.\rولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من حضره العشاء بتقديمه على الصلاة، ولولا اتساع وقت المغرب لكان تقديم العشاء تفويتاً للمغرب عن وقتها للأكل، وهو غير جائز.\rولأن الجمع بين المغرب والعشاء جائز في وقت المغرب للعذر بالاتفاق من القائلين: بأن وقتها واحد، ولا يمكن الجمع بينهما في وقت المغرب إلا مع امتداد وقتها واتساعه لوقوع الصلاتين.\rولعل البخاري إنما صدر الباب بقول عطاء: ((يجمع المريض بين المغرب والعشاء)) لهذا المعنى الذي أشرنا إليه. والله أعلم.\rومتى غاب الشفق، فات وقت المغرب بإجماع من سمينا ذكره.\rوروي عن عطاء وطاوس: لا يفوت حتى يفوت العشاء بطلوع الفجر، وحكي رواية عن مالك - أيضا -، والأحاديث المذكورة ترد ذلك.\rواختلفوا في الشفق الذي يفوت وقت المغرب بمغيبه: هل هو الحمرة، أو البياض؟ على قولين.\rومذهب الثوري ومالك والشافعي: أنه الحمرة.\rومذهب أبي حنيفة والمزني: أنه البياض.\rواختلف قول أحمد وأصحابه في ذلك، وسنذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى.\r***\r19- باب\rمن كره أن يقال للمغرب: العشاء\r563- حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو: ثنا عبد الوارث، عن الحسين: ثنا عبد الله بن بريدة: حدثني عبد الله المزني، أن ا لنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب)). قال: وتقول الأعراب: هي العشاء.\rعبد الله المزني، هو: ابن مغفل - رضي الله عنه.\rوقد استدل بهذا الحديث من كره تسمية المغرب العشاء، وهو قول الشافعي وغيرهم.\rوقال أصحابنا: لا يكره ذلك، واستدلوا بأن العشاء تسمى العشاء الآخرة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)).\rخرجه مسلم.\rوسيأتي بعض الأحاديث المصرحة بذلك، فدل على أن المغرب العشاء الأولى.\rوأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء أخرى.\rوقد حكي عن الاصمعي، انه أنكر تسميتها العشاء الآخرة، ولا يلتفت إلى ذلك.\rوفي ((صحيح مسلم)) عن علي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر يوم الأحزاب بين العشاءين: المغرب والعشاء.\rقال أصحابنا: وحديث أبن مغفل يدل على أن تسميتها بالمغرب أفضل، ونحن نقول بذلك.","part":4,"page":79},{"id":723,"text":"ومن متأخريهم من قال: حديث ابن مغفل إنما يدل على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب حتى يهجر اسم المغرب، أو يقل تسميتها بذلك، كما هي عادة الأعراب، فأماإذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجه النهي حينئذ إليه.\rوقد تقدم أنها تسمى صلاة البصر - أيضا- فإذا سميت بذلك من غير أن يهجر تسميتها بالمغرب، ويغلب تسميتها بذلك؛ جاز.\r***\r20- باب\rذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعاً\rمراده: أن العشاء الآخرة تسمى العشاء، وتسمى العتمة، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة، وإن كان تسميتها بالعشاء أفضل اتباعاً لقول الله عز وجل:\r{ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ } [النور: 58].\rوهذا قول كثير من العلماء، أو اكثرهم، وهو ظاهر كلام أحمد، وقول أكثر أصحابه، وكذا قال الشافعي في ((الأم)): أحب إلي أن لا تسمى العشاء الآخرة عتمة، وهو قول كثير من أصحابه، أو أكثرهم.\rومنهم من قال: يكره أن تسمى عتمة، وهو وجه ضعيف لأصحابنا.\rوقد روي عن طائفة من السلف، منهم: ابن عمر وكان يكرهه كراهة شديدة، ويقول أول من سماها بذلك الشيطان. وكرهه - أيضا - ابنه سالم وابن سيرين.\rوخرج مسلم من حديث عبد الله بن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل)).\rوفي رواية له - أيضا -: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل)).\rكذا رواه ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة.\rوابن أبي لبيد كان يتهم بالقدر. وقال العقيلي: كان يخالف في بعض حديثه.\rوتابعه عليه ابن أبي ليلى، عن أبي سلمة، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ.\rورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً.\rوقيل: عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - مرفوعاً.\rخرجه ابن ماجه. وليس بمحفوظ.\rوفيه - أيضا-: عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوفي إسناده جهالة.\rوقد حمله بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء وغلبة اسم العتمة علها كفعل الإعراب.\rوتسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدل على كراهة تسميتها بغيره، كما أن الله تعالى سمى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يكره تسميتها صلاة الصبح.\rخرج البخاري في هذا الباب حديثاً مسنداً، وذكر فيه أحاديث كثيرة تعليقاً، وقد خرج عامتها في مواضع أخر من كتابه، فقال:\rوقال أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والفجر). وقال: (لو يعلمون ما في العتمة والفجر)).\rحديث أبي هريرة قد أسنده في ((باب: فضل صلاة العشاء في جماعة))، وخرج قبله في ((باب: فضل التهجير إلى الظهر)) من حديث أبي هريرة - مرفوعاً- : ((لو يعلمون ما في العتمة والصبح)). وخرجه أيضا - في ((باب: الأستهمام على الأذان)) ثم قال البخاري:","part":4,"page":80},{"id":724,"text":"فالاختيار أن يقول: العشاء؛ لقول الله: { وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ } [النور:\r58].\rقال:\rويذكر عن أبي موسى: كنا نتناوب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة العشاء، فأعتم بها.\rحديث أبي موسى هذا قد خرجه بعد هذا قريباً في ((باب: فضل العشاء))، وخرجه في مواضع أخر، وقد علقه هنا بقوله: ((ويذكر))، فدل على أن هذه الصيغة عنده لا تقتضي ضعفاً فيما علقه بها، وأنه يعلق بها الصحيح والضعيف، إلا أن أغلب ما يعلق بها ما ليس على شرطه.\rثم قال:\rوقال ابن عباس وعائشة: أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - [بالعشاء.\rوقال بعضهم: عن عائشة أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم -] بالعتمة.\rحديث عائشة خرجه في ((باب: فضل العشاء))، ولفظ: ((أعتم بالعشاء)).\rوحديث ابن عباس خرجه في ((باب: النوم قبل العشاء))، بلفظ حديث عائشة.\rوخرج مسلم حديث عائشة، ولفظه: ((أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بصلاة العشاء، وهي التي تدعى العتمة)).\rوخرج النسائي حديث عائشة وابن عباس، وعنده فيهما: أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة.\rوخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري، قال: صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العتمة.\rومن حديث معاذ بن جبل، قال: أبقينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العتمة.\rثم قال البخاري:\rوقال جابر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العشاء.\rحديث جابر قد خرجه البخاري في الباب الذي بعد هذا، وقد خرجه فيما مضى - أيضا.\rقال:\rوقال أبو برزة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤخر العشاء.\rحديث أبي برزة هذا خرجه فيما مضى في ((باب: وقت العصر)) ولفظه: ((وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة)).\rثم قال:\rوقال أنس: أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة.\rحديث أنس هذا خرجه النسائي، وخرجه البخاري في مواضع، ولفظه: ((أخر العشاء)).\rوخرج مسلم من حديث ابن عمر، قال: مكثنا ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة.\rثم قال البخاري:\rوقال ابن عمر وأبو أيوب: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء.\rوحديثهما في جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وقد خرجه البخاري في ((كتاب الحج)). وخرجه مسلم - أيضا.\rوأماالحديث الذي أسنده في هذا الباب:\rفقال:\r564- حدثنا عبدان: أبنا عبد الله: ثنا يونس، عن الزهري: قال سالم: أخبرني عبد الله، قال: صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة-، ثم أنصرف فأقبل علينا، فقال: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن راس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)).","part":4,"page":81},{"id":725,"text":"في هذا الحديث: أن صلاة العشاء يدعوها الناس العتمة، وكذا في حديث عائشة وأبي برزة، وهذا كله على اشتهار اسمها بين الناس بالعتمة، وهو الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان ابن عمر وغيره يكرهونه أن يغلب عليها اسم العتمة حتى لا تسمى بالعشاء إلا نادراً.\rوأماإذا غلب عليها اسم العشاء، ثم سميت - أحياناً- بالعتمة بحيث لا يزول بذلك غلبة اسم العشاء عليها، فهذا غير منهي عنه، وإن كان تسميتها بالعشاء - كما سماها الله بذلك في كتابه - أفضل.\rوأماما قاله - صلى الله عليه وسلم - من أنه: ((لا يبقى على رأس مائة سنة من تلك الليلة أحد))، فمراده بذلك: انخرام قرنه وموت أهله كلهم الموجودين منهم في تلك الليلة على الأرض، وبذلك فسره أكابر الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن عمر وغيرهما.\rومن ظن أنه أراد بذلك قيام الساعة الكبرى فقد وهم، وإنما اراد قيام ساعة الأحياء حينئذ وموتهم كلهم، وهذه الساعة الوسطى، والساعة الصغرى موت كل أنسان في نفسه، فمن مات فقد قامت ساعته الصغرى، كذا قاله المغيرة بن شعبة وغيره.\r***\r21-باب\rوقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا\r565- حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد ابن عمرو - وهو: ابن الحسن بن علي -، قال: سألنا جابر بن عبد الله عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا اخر، والصبح بغلس.\rهذا الحديث: دليل على أن الأفضل في صلاة الإمام العشاء الآخرة مراعاة حال المأمومين المصلين في المسجد، فإن اجتمعوا في أول الوقت فالأفضل أن يصلي بهم في أول الوقت، وإن تأخروا فالأفضل أن يؤخر الصلاة حتى يجتمعوا؛ لما في ذلك من حصول فضل كثرة الجماعة، ولئلا يفوت صلاة الجماعة لكثير من المصلين.\rوتبويب البخاري: يدل على استحباب ذلك، وهو - أيضا- قول عطاء وأبي حنيفة، وأحمد، نص عليه في رواية الأثرم، قال: يؤخرها ما قدر بعد أن لا يشق على الناس، وهو المذهب عند القاضي أبي يعلي في (كتاب الجامع الكبير) من غير خلاف.\rومن الأصحاب من حكى رواية اخرى عن أحمد: أن تأخيرها أفضل بكل حال.\rوالصحيح: ما قاله القاضي، وأن المذهب أن تأخيرها أفضل، إلا أن يشق على المأمومين، أو يشق على من كان يصلي وحده.\rوقال عطاء: الأفضل تأخيرها، إمأماكان أو منفرداً، إلا أن يشق عليه أو على الجماعة فيصليها وسطاً لا معجلة ولا مؤخرة.\rخرجه مسلم بإسناده عنه في (صحيحه).\rوروي أن عمر كتب إلى أبي موسى كتاباً، وقال فيه: صلي العشاء ما لم تخف رقاد الناس.\rخرجه البيهقي.\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي) يدل على أنه كان يراعي حالهم إذا شق عليهم التأخير إلى وقتها الأفضل.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه وصى معاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: (أن تعجل العشاء في الصيف، وتؤخرها في الشتاء)، وذلك مراعاة لحال المأمومين.","part":4,"page":82},{"id":726,"text":"وقد قال ابن أبي هريرة - من أعيان الشافعية-: إن قولي الشافعي في استحباب تأخير العشاء وتقديمها ليسا على قولين، بل على حالين: فإن علم من نفسه أنه إذا أخرها لا يغلبه نوم ولا كسل استحب تأخيرها، وإلا فتعجيلها، وجمع بين الأحاديث بهذا.\rوضعف الشاشي قوله في ذلك، ورد عليه صاحب (شرح المهذب)، ورجح ما قاله ابن أبي هريرة، وقال: هو ظاهر، أو الأرجح. والله أعلم.\r* * *","part":4,"page":83},{"id":727,"text":"22- باب\rفضل العشاء\rفيه حديثان:\rالأول:\r566- حدثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة أخبرته، قالت: أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج، فقال لأهل المسجد: (ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم).\rقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم)، قد فهمت منه عائشة - رضي الله عنها - أن الصلاة لم يكن يجتمع لها بغير المدينة.\rوقد خرجه البخاري في موضع آخر، وفيه: قال: (ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة)، ولعل هذا مدرج من قول الزهري أو عروة، وقد كان يصلي بالمدينة في غير مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، كمسجد قباء وغيره من مساجد قبائل الأنصار.\rوقد روي ما يدل على أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه لا يصليها أحد من أهل الأديان غير المسلمين.\rففي (صحيح مسلم) من حديث منصور، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة عشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: (إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة)، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى.\rوخرج الإمام أحمد من رواية عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، قال: أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: (أماإنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم)، قال: وأنزلت هؤلاء الآيات: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } [آل عمران: 113].\rوخرجه يعقوب بن شيبة في (مسنده)، وقال: صالح الإسناد.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية عاصم بن حميد السكوني، أنه سمع معاذ بن جبل قال: رقبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العتمة، فتأخر حتى خرج، فقال: (أعتموا بهذه الصلاة؛ فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم).\rوعاصم هذا؛ وثقه ابن حبان والدارقطني، وهو من أصحاب معاذ.\rوخرج أبو مسلم الكجي في (سننه) من حديث الشعبي، قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل ما شاء الله، ثم جاء، فقال: (هذه الصلاة لم يعطها أحد من الأمم قبلكم - أو غيركم- فمن كان طالباً إلى الله عز وجل حاجة لآخرة أو دنيا فليطلبها في هذا الصلاة).\rوقد دلت هذه الأحاديث على فضل ذكر الله تعالى في الأوقات التي يغفل عموم الناس فيها، ولهذا فضل التهجد في وسط الليل على غيره من الأوقات؛ لقلة من يذكر الله في تلك الحال.\rوفي (المسند) عن أبي ذر، قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي قيام الليل أفضل؟ قال: (جوف الليل الغابر - أو نصف الليل - وقليل فاعله).","part":4,"page":84},{"id":728,"text":"وفي الترمذي عن عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن).\rقال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس هلك الناس.\rورويناه مرفوعاً بإسناد ضعيف، عن ابن عمر - مرفوعاً -: (ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحات ورقه من الصريد) - والصريد: البرد الشديد - (والذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل رطب ويابس، وذاكر الله في الغافلين يعرف مقعده من الجنة).\rالحديث الثاني:\r567- حدثنا محمد بن العلاء: ثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: كنت أنا وأصحابي الذين قدموا معي في السفينة نزولاً في بقيع بطحان، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فكان يتناوب النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم، فوافقنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في بعض أمره، فأعتم بالصلاة، حتى أبهار الليل، ثم خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: (على رسلكم، أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم) - أو قال: (ما صلى هذه الساعة أحد غيركم)، لا أدري أي الكلمتين قال - قال أبو موسى: فرجعنا فرحى، وفرحنا بما سمعنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rالبقيع - في اللغة - : المكان الذي فيه شجر من ضروب شتى.\rوبطحان: أحد أودية المدينة المشهورة، وهي ثلاثة: بطحان، والعقيق، وقناة.\rوبطحان: يقوله أهل الحديث بضم أوله، وسكون ثانيه، وقيل: بفتح أوله، وأهل اللغة يقولونه بفتح أوله وكسر ثانيه، وقالوا: لا يجوز فيه غير ذلك -: ذكره صاحب (معجم البلدان).\rوقوله: (أعتم بالصلاة) أي أخرها، ومنه قيل: (قرى عاتم) إذا لم يقدم العجالة للضيف، وأبطأ عليه بالطعام.\rومعنى: (أبهار الليل) انتصف -: قاله الأصمعي وغيره، وقالوا: بهرة كل شيء وسطه.\rوقيل: معناه: استنار الليل [باستهام] طلوع نجومه بعد أن تذهب فحمة الليل وظلمته بساعة، وهذا بعيد.\rوقوله: (ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم) - أو (ما صلى هذه الساعة أحد غيركم) - يحتمل أنه أراد به أهل الأديان، كما تقدم وأنه أراد به المسلمين- أيضا.\rوفي هذا الحديث والذي قبله: دليل على استحباب تأخير العشاء.\rوفي حديث أبي موسى: دلالة على جواز تأخيرها إلى انتصاف الليل، وسيأتي القول في ذلك مبسوطاً - إن شاء الله تعالى.\r* * *","part":4,"page":85},{"id":729,"text":"23- باب\rما يكره من النوم قبل العشاء\r568- حدثنا محمد بن سلام: ثنا عبد الوهاب الثقفي: ثنا خالد الحذاء، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها.\rقد اخذ بظاهر هذا الحديث طائفة من العلماء، وكرهوا النوم قبل العشاء بكل حال.\rقال ابن المبارك: أكثر الأحاديث على ذلك.\rورويت الكراهة عن عمر، وابن عمر وابن عباس، وأبي هريرة، وعن مجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، وهو قول أصحاب الشافعي، وحكي عن مالك وأبي حنيفة والشافعي -: حكاه ابن عبد البر.\rوذكره ابن أبي موسى من أصحابنا مذهباً لنا، وهو قول الثوري.\rوروي عن ابن عمر كراهة النوم قبل العشاء وإن وكل به من يوقظه من رواية الفقير وغيره، عنه.\rوعن مجاهد: لأن أصلي صلاة العشاء قبل أن يغيب الشفق وحدي أحب إلي من أن أنام ثم أدركها مع الإمام.\rكذا رواه عبد الكريم البصري، عنه.\rوروى عنه - أيضا-، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نامت عين رجل نام قبل أن يصلي العشاء).\rوعبد الكريم هذا، ضعيف.\rوروى عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي الطائفي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل العشاء الآخرة ولا سمر بعدها.\rخرجه ابن ماجه.\rوعبد الله هذا، قال ابن معين: صويلح. وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال النسائي: ليس بالقوي.\rوروى يحيى بن سليم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائماَ قبل العشاء ولا متحدثاً بعدها.\rذكره الأثرم، وضعفه من أجل يحيى بن سليم، وقال: لم يروه غيره.\rكذا قاله.\rوخرجه ابن حبان في (صحيحه) من طريق جعفر بن سليمان، عن هشام.\rوخرجه البزار من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير - وهو متروك -، عن ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عائشة - وزاد فيه، في أوله: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من نام قبل العشاء فلا أنام الله عينه).\rوهذا لا يثبت مرفوعاً، وإنما روي عن عمر من قوله.\rوروى ابن وهب في (مسنده)، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأنسان يرقد عن العشاء قبل أن يصلي؟ قال: (لا نامت عينه) - ثلاث مرات.\rوخرجه بقي بن مخلد من طريقه.\rوهو منقطع بين بكير بن الأشج وعائشة.\rوخرجه بقي من وجه آخر ضعيف، عن عائشة، مرفوعاً - بمعناه.\r* * *","part":4,"page":86},{"id":730,"text":"24- باب\rالنوم قبل العشاء لمن غلب\rخرج فيه حديثين:\rالأول:\rقال:\r569- حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال: حدثني أبو بكر، عن سليمان - هو ابن بلال-: ثنا صالح بن كيسان، قال: أخبرني ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان. فخرج فقال: (ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم).\rقال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، قال: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول.\r(أبو بكر) هو عبد الحميد بن أبي أويس، وهذا الحديث من جملة نسخة تروى بهذا الإسناد، قد سبق بعضها.\rوقوله: (قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة) قال: (وكانوا يصلون) - إلى آخره. الظاهر أنه مدرج من قول الزهري.\rوقد خرج هذا الحديث مسلم بدون هذا الكلام في آخره من رواية يونس وعقيل، عن ابن شهاب، وزاد فيه: وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس.\rوقد خرجه البخاري قبل هذا من حديث عقيل كذلك.\rوخرجه فيما يأتي في أواخر الصلاة في (باب: وضوء الصبيان): حدثنا أبو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري.\rثم قال: وقال عياش: ثنا عبد الأعلى: ثنا معمر، عن الزهري - فذكر هذا الحديث بمعناه. وفيه: قال: (إنه ليس أحد من أهل الأرض يصلي هذه الصلاة غيركم). ولم يكن يومئذ يصلي غير أهل المدينة.\rثم خرجه في الباب الذي يليه: (باب: خروج النساء إلى المساجد) عن أبي اليمان، عن شعيب، وقال في حديثه: ولا يصلي يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل.\rوخرجه النسائي من طريق شعيب، عن الزهري.\rومن طريق محمد بن حمير، عن ابن أبي عبلة، عن الزهري، به، وزاد فيه: (ولم يكن يصلي يومئذ إلا بالمدينة). ثم قال: (صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل).\rقال: ولفظه لمحمد بن حمير.\rفجعله من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غير محفوظ؛ والظاهر أنه مدرج من قول الزهري. والله أعلم.\rوقد خرجه الطبراني في (مسند إبراهيم بن [أبي] عبلة) من غير وجه، عن محمد بن حمير، وفيه: (وكانوا يصلونها)، وهذا يبين أنه مدرج.\rوعند مسلم فيه زيادة اخرى مرسلة. قال ابن شهاب: وذكر لي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما كان لكم أن تنزروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة). وذلك حين صاح عمر بن الخطاب.\rوهذا يدل على أن في هذا الحديث ألفاظاً أرسلها الزهري، وكانت تلك عادته أنه يدرج في أحاديثه كلمات يرسلها أو يقولها من عنده.\rوفي هذا ما يستدل به على وقت العشاء، وأنه من مغيب الشفق إلى ثلث الليل، وهذا القدر متفق على أنه وقت للعشاء، وأن المصلي فيه مصل للعشاء في وقتها، إلا ما حكاه ابن المنذر عن النخعي: أن وقت العشاء إلى ربع الليل، ونقله ابن منصور عن إسحاق.\rواختلفوا: فيمن صلى بعد ذهاب ثلث الليل، وفيمن صلى قبل الشفق؟\rفأمامن صلى بعد ثلث الليل فسيأتي الكلام عليه في موضعه من الكتاب - إن شاء الله.\rوأماتقديم صلاة العشاء على مغيب الشفق:","part":4,"page":87},{"id":731,"text":"فحكى طائفة من العلماء الإجماع على أن من صلى العشاء قبل مغيب الشفق فعليه الإعادة؛ لأنه مصل في غير الوقت، وحكي فيه خلاف شاذ.\rوقد تقدم عن عبد الكريم، عن مجاهد، أنه قال: لأن أصلي صلاة العشاء وحدي قبل أن يغيب الشفق أحب إلي من أن أنام ثم أدركها مع الإمام.\rخرجه أبو نعيم في (كتاب الصلاة) له.\rوعبد الكريم، هو أبو أمية، ضعيف جداً، مع أن البخاري حسن الرأي فيه.\rوقال حرب: سئل أحمد عن الرجل يصلي المغرب قبل أن يغيب الشفق؟ قال: لا أدري.\rوروى الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن الحارث المخزومي: ثنا ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث صلاة جبريل به في اليومين، وقال في الأول: (ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق).\rقال البيهقي: هذا مخالف لسائر الروايات.\rوقد خرجه النسائي عن عبيد الله بن سعيد، عن المخزومي به، وقال في الأول: (والعشاء حين غاب الشفق).\rوقد يحمل الشفق في هذا الحديث - على تقدير كونه محفوظاً -، وفي كلام مجاهد وأحمد على البياض، أو يكون مجاهد يرى أن وقت العشاء يدخل بدخول وقت المغرب.\rوقد اختلف العلماء في الشفق الذي يدخل به وقت العشاء: هل هو البياض، أو الحمرة؟\rفقال طائفة: هو الحمرة، وهو قول ابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس.\rوروي عن عمر وعلي وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وقول كثير من التابعين، ومذهب الثوري والأوزاعي والحسن بن حي ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور.\rورواه عتيق بن يعقوب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعاً.\rخرجه الدارقطني وغيره.\rورفعه وهم.\rوقال البيهقي في (كتاب المعرفة): لا يصح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء.\rوفي (صحيح ابن خزيمة) في حديث عبد الله بن عمرو المرفوع: (ووقت المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق).\rوقد أعلت هذه اللفظة بتفرد محمد بن يزيد الواسطي بها عن سائر أصحاب شعبة.\rوقال طائفة: الشفق البياض الباقي بعد الحمرة.\rوروي عن عمر بن عبد العزيز، وقو قول أبي حنيفة، وزفر، والمزني، وروي - أيضا- عن الثوري والأوزاعي.\rوأماالإمام أحمد فالمشهور عند القاضي أبي يعلي ومن بعده من أصحابه أن مذهبه أن الشفق الحمرة حضراً وسفراً.\rوقد نص أحمد في رواية الأثرم فيمن صلى العشاء في الحضر قبل مغيب البياض: يجزئه، ولكن أحب إلي أن لا يصلي في الحضر حتى يغيب البياض.\rونقل عنه جمهور أصحابه: أن الشفق في الحضر البياض، وفي السفر الحمرة وهو الذي ذكره الخرقي في (كتابه)، قال: لأن في الحضر قد تنزل الحمرة فيواريها الجدران، فيظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن.\rوحمل القاضي ومن بعده هذا على مجرد الاحتياط والاستحباب دون الوجوب.\rومن الأصحاب من حكى رواية أخرى عن أحمد: أن الشفق البياض في السفر والحضر، ولا يكاد يثبت عنه.\rوقال ابن أبي موسى: لم يختلف قول أحمد: أن الشفق الحمرة في السفر، واختلف قوله في الحضر على روايتين.","part":4,"page":88},{"id":732,"text":"ونقل ابن منصور في (مسائله)، قال: قلت لأحمد: ما الشفق؟ قال: في الحضر البياض، وفي السفر أرجو أن يكون الحمرة؛ لأن في السفر يجمع بين الصلاتين جد به السير أو لم يجد، فإذا جمع بينهما فلا يبالي متى صلاها.\rوهذا تعليل آخر بجواز الجمع بين الصلاتين، وهو يدل على جواز جمع التقديم مع التفريق بين الصلاتين، وعلى أنه لا يشترط للجمع نية الجمع، وقد سبق التنبيه على ذلك.\rومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب: أن من نام قبل صلاة العشاء مغلوباً على ذلك من غير تعمد له فإنه لا يدخل في النهي، لأن النهي إنما هو عن تعمد ذلك، فأمامن لم يتعمده فلا يتوجه إليه النهي.\rالحديث الثاني:\rقال:\r570- حدثنا محمود: ثنا عبد الرزاق: أبنا ابن جريج: أخبرني نافع: ثنا عبد الله بن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شغل عنها ليلة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم).\rوكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها، إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقد كان يرقد قبلها.\r571- قال ابن جريج: قلت لعطاء، فقال: سمعت ابن عباس يقول: أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر بن الخطاب، فقال: الصلاة.\rقال عطاء: قال ابن عباس: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسَهُ ماءً، واضعاً يده على رأسه، فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا).\rفاستثبت عطاء: كيف وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس.؟ فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئاً من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس، ثم ضمها يمر بها كذلك على الرأس حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه على الصدغ وناحية اللحية، لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك، وقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك).\rفي حديث ابن عمر أن تأخيرها ليلتئذ كان لشغل شغل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها، ولم يكن عمداً.\rوفي رواية لمسلم عنه، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده قليلاً، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ - وذكر بقية الحديث.\rوخرجه الإمام أحمد من رواية فليح، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر ليلة العشاء حتى رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، وإنما حبسنا لوفدٍ جاءه، ثم خرج - فذكر الحديث.\rوخرج - أيضا - من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: جهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشاً ليلة حتى ذهب نصف الليل أو بلغ ذلك، ثم خرج، فقال: (قد صلى الناس ورقدوا وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أماإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها).","part":4,"page":89},{"id":733,"text":"وقوله: (حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا، ثم رقدنا ثم استيقظنا). إدخال البخاري له في هذا الباب يدل على أنه يرى أن رقود من رقد إنما كان عن غلبة لم يكن تعمداً وقد كان الصحابة ينامون عن غلبة في انتظار الصلوات.\rوقد خرج البخاري فيما بعد حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلاً في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم.\rوفي (صحيح مسلم) عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يناجيه حتى نام القوم - أو بعض القوم - ثم صلوا.\rفحاصل ما ذهب إليه البخاري، وبوب عليه: أنه يكره النوم قبل العشاء إلا لمن غلب، وهو قريب من قول من قال: يكره النوم قبلها مطلقاً كما سبق؛ فإن النوم المغلوب عليه لا يوصف بالكراهة.\rوفي حديث عائشة المتقدم ما يدل على ذلك، وأنه إنما نام النساء والصبيان لضعفهم وقلة ضبط نفوسهم عن النوم دون الرجال.\rوقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز تعمد النوم قبلها، كما في رواية البخاري، أن ابن عمر كان يرقد قبلها\rوروى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينام قبل العشاء ويوكل من أهله من يوقظه.\rوروى زفر بن الحارث أنه نام عند عائشة - يعني: قبل العشاء - فذهب بعض أهلها يوقظه، فقال: دعوه؛ فإنه في وقت ما بينه وبين نصف الليل.\rوقال أبو حصين، عن أصحاب ابن مسعود، أنهم كانوا ينامون قبل العشاء. وقال: وكان الأسود ينام بين المغرب والعشاء في رمضان.\rوقال حجاج: قلت لعطاء: إن أناساً يقولون: من نام قبل العشاء، فلا نامت عليه؟ فقال: بئس ما قالوا.\rوروي - أيضا - عن علي وخباب وأبي وائل وعروة وسعيد بن جبير، وابن سيرين وغيرهم.\rوقال الحاكم: كانوا يفعلون ذلك.\rوروى الإمام أحمد في (المسند): ثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا ابن أبي ليلى، عن ابن الأصبهاني، عن جدةٍ له - وكانت سرية لعلي -، قالت: قال علي: كنت رجلاً نئوماً، وكنت إذا صليت المغرب وعلي ثيأبي نمت - ثم قال يحيى بن سعيد: فأنام -، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فرخص لي.\rوروي موقوفاً، وهو أشبه.\rرواه أبو بكر الحنفي، عن سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عبد الله، عن جده، عن علي، أنه كان يتعشى ثم يلتف في ثيابه، فينام قبل أن يصلي العشاء.\rذكره ابن أبي حاتم، وقال: سألت أبي عنه؟ فقال: هو عبد الله بن عبد الله الرازي، عن جدته أسيلة، عن علي، وغلط من قال: عن جده.\rوروى أبو نعيم في (كتاب الصلاة): ثنا إسرائيل، عن حجاج، عن عبد الله ابن عبد الله، عن جدته - وكانت تحت رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم --، أنه كان ينام قبل العشاء، فإذا قام كان أنشط له.\rوروي - مرفوعاً - من وجه آخر، رويناه من طريق سوار بن مصعب، عن المنهال، عن أبي عبد الله - أبو عبد الله-، عن علي، قال: قلت: يا رسول الله إني رجل نئوم، وقد نهيت عن النوم قبل العشاء، وعن السمر بعدها؟ فقال: (إن يوقظك فلا بأس).","part":4,"page":90},{"id":734,"text":"سوار، متروك الحديث، ورفعه لا يثبت.\rونص أحمد على جواز النوم قبل العشاء-: نقله عنه حنبل.\rوقال عبد الله: سألت أبي عن الحديث الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النوم قبل العشاء الآخرة؟ فقال: كان ابن عمر ينام قبل العشاء ويوكل من يوقظه من نومه.\rوهذا هو المذهب عند القاضي أبي يعلي وأصحابه.\rوحكى الترمذي في (جامعة) عن بعضهم، أنه رخص في النوم قبل العشاء في رمضان خاصة.\rوهذا مأخوذ مما روى إبراهيم، عن الأسود، أنه كان ينام في رمضان ما بين المغرب والعشاء، ولعل من خص ذلك برمضان رأى أن قيام ليله يستحب من أول الليل بخلاف سائر الشهور؛ فإن المستحب فيها التهجد بعد هجعة بعد صلاة العشاء.\rوذكر عبد الرزاق بإسناده، عن الحسن، قال: كان الناس يقومون في رمضان، فيصلون العشاء إذا ذهب ربع الليل، وينصرفون وعليهم ربع.\rوهذا يدل على أنهم كانوا يؤخرون العشاء إلى آخر وقتها المختار ثم يقومون عقيب ذلك. ومن فعل هذا فإنه يحتاج أن ينام قبل صلاة العشاء لينشط للقيام.\rواستدل من لم يكره النوم قبل العشاء إذا كان له من يوقظه بأن الذي يخشى من النوم قبل العشاء هو خوف فوات وقتها المختار، أو فوات الصلاة مع الجماعة وهذا يزول إذا كان له من يوقظه للوقت أو للجماعة.\rويدل على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرس من آخر الليل وأراد النوم وخشي أن تفوته الصلاة قال: (من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الصبح؟) قال بلال: أنا، فنام هو وبقية أصحابه وجلس بلال يرقب لهم الصبح، حتى غلبته عيناه، فدل على أن النوم قبل الصلاة وإن قرب وقتها إذا وكل من يوقظه غير مكروه.\rوفي ذلك دليل على جواز إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة، ولا سيما إذا ضاق وقتها، وقد تقدم أن ابن عمر كان ينام قبل العشاء ويوكل من يوقظه، وأن أحمد استدل به.\rوهذا يدل على أن أحمد يرى إيقاظ النائم للصلاة المكتوبة مطلقاً، وصرح به بعض أصحابنا، وهو قول الشافعية وغيرهم.\rوقال الشافعية: إنه يستحب، لاسيما إن ضاق الوقت.\rواستدلوا بقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [المائدة: 2]، وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوقظ عائشة لتوتر.\rوبما روى أبو داود من حديث أبي بكرة، قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الصبح، فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة، أو حركه برجله.\rويدل عليه - أيضا- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطرق علياً وفاطمة بالليل، ويوقظهما للصلاة.\rوورد الحث على إيقاظ أحد الزوجين الآخر بالليل للصلاة.\rفإذا استحب إيقاظ النائم لصلاة التطوع، فالفرض أولى.\rوكان عمر وعلي - رضي الله عنهما- إذا خرجا لصلاة الصبح أيقظا الناس للصلاة. وقد روي ذلك في خبر مقتل عمر وعلي - رضي الله عنهما.","part":4,"page":91},{"id":735,"text":"وقد خرج البخاري في (التيمم) حديث عمران بن حصين في نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بطوله، وفيه: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحديث له في نومه - وذكر الحديث.\rوهذا يفهم منه أنهم كان يوقظ بعضهم بعضاً للصلاة؛ فإن هذا المعنى غير موجود في حق أحد غير النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد ذهب بعض المتأخرين من أصحابنا إلى أنه لا يوقظ النائم للصلاة إلا عند تضايق الوقت، وبعضهم إلى أنه لا يوقظه بحال لأنه غير مكلف، ويلزمه أن لا يذكر الناسي بالصلاة؛ فإنه معفو عنه - أيضا.\rومن أصحابنا من حكى هذا الاختلاف في لزوم إيقاظه وعدم لزومه، وهذا أشبه.\rوكان سفيان الثوري ينهى عن إيقاظ أحد من أعوان الظلمة للصلاة، لما يخشى من تسلطه على الناس بالظلم.\rوهذا يدل على أنه يرى إيقاظ من لا يخشى منه الأذى للصلاة. والله أعلم.\rوحمل أبن خزيمة حديث النهي عن النوم قبل الصلاة على ما إذا عجلت الصلاة في أول وقتها، والجواز على ما إذا أخرت إلى آخر وقتها وطال تأخيرها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إليهم ليلة تأخيرها وقد ناموا لم ينكر عليهم النوم حينئذ.\rويشبه هذا قول الليث بن سعد، قال: إنما معنى قول عمر: فلا نامت عينه: من نام قبل ثلث الليل.\rوفي حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري هاهنا زيادة خرجها مسلم، وهي: قال ابن جريج: قلت لعطاء: كم ذكر لك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرها ليلتئذ؟ قال: لا أدري.\rوفيه - أيضا- قول عطاء: في وقت استحباب صلاة العشاء.\rوقد ذكرنا مذهبه في ذلك فيما مضى.\r* * *","part":4,"page":92},{"id":736,"text":"25- باب\rوقت العشاء إلى نصف الليل\rوقال أبو برزة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحب تأخيرها.\rحديث أبي برزة، قد خرجه فيما تقدم بألفاظ مختلفة.\rففي رواية عوف، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة.\rوفي رواية شعبة، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل. ثم قال: إلى شطر الليل.\rوفي رواية: قال شعبة: ثم لقيته مرة، فقال: أو ثلث الليل.\rفقد روى شعبة أن أبا المنهال شك: هل كان تأخيره للعشاء إلى ثلث الليل أو نصفه؟\rوكذا خرجه مسلم من حديث شعبة.\rوخرجه من حديث حماد بن سلمة، عن أبي المنهال، وقال في حديثه: كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل.\rوقد تقدم - أيضا - حديث أبي موسى في تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء حتى ابهار الليل - أي: توسط وانتصف.\rقال البخاري:\r572- حدثنا عبد الرحيم المحاربي: ثنا زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: (قد صلى الناس وناموا، أماإنكم في صلاة ما انتظرتموها).\rوزاد ابن أبي مريم: أبنا يحيى بن أيوب: حدثني حميد: سمع أنسا: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ.\rهذا الحديث صريح في تأخير العشاء إلى نصف الليل.\rوعبد الرحيم المحاربي، هو: ابن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، وكان أفضل من أبيه.\rوإنما ذكر حديث يحيى بن أيوب، عنه تعليقاً؛ لأنه ذكر فيه سماع حميد له من أنس، فزال ما كان يتوهم من تدليسه؛ فإنه قد قيل: إن أكثر رواياته عن أنس مدلسة.\rوقد تقدم عن الإسماعيلي، أنه قال في المصريين: إنهم يتسامحون في لفظة الإخبار بخلاف أهل العراق. ولفظة السماع قريب من ذلك.\rوقد خرج البخاري هذا الحديث في (اللباس) من رواية يزيد بن زريع، عن حميد، قال: سئل أ نس: هل اتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتماً - فذكره.\rورواه يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، وزاد فيه: فجعل الناس يصلون، فخرج وقد بقيت عصابة، فصلى بهم، فلما سلم أقبل عليهم بوجهه - وذكر باقي الحديث.\rخرجه أحمد بن منيع في (مسنده)، عن يزيد كذلك.\rوخرجه البخاري في (باب: يستقبل الإمام الناس). وكذا مسلم - مختصراً.\rوقد روي هذا الحديث عن أنس من وجوه أخر:\rوخرجه البخاري في أواخر (المواقيت) من حديث الحسن، عن أنس، قال: نظرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة، حتى كان شطر الليل يبلغه، فجاء فصلى لنا، ثم خطبنا، فقال: (ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة).\rوخرج مسلم من حديث قتادة، عن أنس، قال: نظرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة حتى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلى، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأنما أنظر إلى وبيض خاتمه في يده من فضة.","part":4,"page":93},{"id":737,"text":"ومن حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، أنهم سألوا أنساً عن خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل، ثم جاء فقال: (إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لم تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة). قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة، ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر.\rوفي تأخير العشاء إلى نصف الليل أحاديث أخر، لم تخرج في (الصحيح).\rوروى داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: (خذوا مقاعدكم)، فأخذنا مقاعدنا، فقال: (إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل).\rخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وابن خزيمة في (صحيحه).\rوإسناده على شرط مسلم، إلا أن أبا معاوية رواه عن داود، فقال: عن أبي نضرة، عن جابر.\rوالصواب: قول سائر أصحاب داود في قولهم: عن أبي سعيد -: قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، والدارقطني وغيرهم.\rوقد سبق في حديث ابن عباس الذي خرجه البخاري قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا).\rوهذا مما استدل به من قال: إن تعجيل العشاء أفضل؛ لأنه لم يأمرهم بالتأخير، بل أخبر أنه لولا أنه يشق عليهم لأمرهم. وما كان ليؤثر ما يشق على أمته، فلذلك لم يأمرهم.\rوكذلك قوله: (لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت)، فإنه يدل على أنه لم يؤخر، وإذا كان الأمر بذلك مستلزماً للمشقة فهو لا يأمر بما يشق عليهم.\rوقد تقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يراعي حال المأمومين في تأخير العشاء وتقديمها، فإن اجتمعوا عجل، وإن أبطئوا أخر.\rوقد أجاب عن ذلك من قال باستحباب التأخير: أن المنتفي هو أمر الإيجاب، دون أمر الاستحباب، كما في السواك.\rوقد خرج النسائي الحديث، وقال فيه: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن لا يصلوها إلا هكذا).\rويدل على ذلك أن (لولا) تقتضي جملتين: اسمية، ثم فعلية، فيربط امتناع الثانية فيهما بوجود الأولى، والأولى هنا: خوف المشقة، وهو موجود، فالثانية منتفية، وهو الأمر.\rوليس الأمر للإيجاب؛ لأنه ندب إلى تأخيرها، والمندوب مأمور به؛ ولأن في حديث معاذ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (اعتموا بهذه الصلاة).\rخرجه أبو داود.\rوهذا أمر.\rوهاهنا مسألتان يحتاج إلى ذكرهما:\rالمسألة الأولى:\rهل تأخير العشاء إلى آخر وقتها المختار أفضل؟ أم تعجيلها أفضل؟ أم الأفضل مراعاة حال المأمومين؟\rفيه ثلاثة أقوال:\rأحدها: أن تعجيلها أفضل، وهو أحد قولي الشافعي، بل أشهرهما، وقول مالك.\rوفي (المدونة) عنه: أنه قال: أحب للقبائل تأخيرها قليلاً بعد مغيب الشفق، وكذلك في الحرس، ولا تؤخر إلى ثلث الليل.","part":4,"page":94},{"id":738,"text":"وقال ابن عبد البر: المشهور عن مالك أنه يستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها، إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلاً عنده أفضل.\rوروي عنه: أن أول الوقت أفضل في كل الصلوات إلا الظهر في شدة الحر.\rورجح الجوزجاني القول باستحباب تعجيل العشاء، وادعى أن التأخير منسوخ، واستدل بما روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة العشاء الآخرة تسع ليال - وفي رواية: ثمان ليال -، فقال أبو بكر الصديق: لو عجلت يا رسول الله كان أمثل لقيامنا بالليل، فكان بعد ذلك يعجل.\rخرجه الإمام أحمد.\rوعلي بن زيد جدعان، ليس بالقوي.\rوروى سويد بن غفلة، قال: قال عمر: عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل.\rوقال مكحول: كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس إذا غابت الحمرة ببيت المقدس صلوا العشاء.\rخرجهما أبو نعيم.\rوهذا منقطع.\rوالقول الثاني: أن تأخيرها أفضل، وحكاه الترمذي في (جامعه) عن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.\rقال عبد الرحمن بن يزيد: كنت أشهد مع عبد الله - يعني: ابن مسعود - الجماعة، فكان يؤخر العشاء.\rوكان ابن عباس يستحب تأخير العشاء، ويقرأ: { زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ } [هود:\r114].\rوممن رأى تأخير العشاء: أبو حنفية وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه - وقيل: إنه نص على ذلك في أكثر كتبه الجديدة-، وأحمد وإسحاق.\rوعلى هذا؛ فقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: يكون تأخيرها إلى آخر وقتها المختار أفضل.\rوالمنصوص عن أحمد: أن تأخيرها في الحضر حتى يغيب البياض؛ لأنه يكون بذلك مصلياً بعد مغيب الشفق المتفق عليه.\rوهذا يدل على أن تأخيرها بعد مغيب البياض لا يستحب مطلقاً، أو يكون مراعى بقدر ما لا يشق على الجيران -: كما نقله عنه الأثرم.\rقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قدر كم تأخير العشاء الآخرة؟ قال: ما قدر ما يؤخر بعد أن لا يشق على الجيران.\rفقد نص في رواية غير واحد على أنه يستحب للحاضر تأخير العشاء حتى يغيب البياض من غير اعتبار للمشقة، ونص على أنه يستحب التأخير مهما قدر بحيث لا يشق على الجيران، فيحمل هذا على ما بعد مغيب الشفق الأبيض.\rويدل على صحة هذا، وأن التأخير لا يكون على الدوام إلى نصف الليل ولا إلى ثلثه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤخر على الدوام العشاء إلى آخر وقتها، وإنما أخرها ليلة واحدة أو ليالي يسيرة، وشق ذلك على أصحابه فأخبرهم أنه وقتها لولا أن يشق عليهم، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يشق عليهم، بل كان يراعي التخفيف.\rولهذا صح عنه، أنه كان أحياناً وأحياناً: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم ابطئوا أخر.\rوحديث أبي بكر المتقدم يدل على مثل ذلك - أيضا.\rوخرج ابن خزيمة في (صحيحه) وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر مواقيت الصلاة، وقال: ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس.","part":4,"page":95},{"id":739,"text":"ومما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخرها دائماً قليلاً، ولم يكن يؤخرها إلى آخر وقتها: ما خرجه مسلم من رواية سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصلوات نحواً من صلاتكم، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يخف.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة - يعني: العشاء-، كان رسو الله - صلى الله عليه وسلم - يصليها لسقوط القمر لثالثة.\rوفي رواية الإمام أحمد: كان يصليها بعد سقوط القمر في الليلة الثالثة من أول الشهر.\rوفي رواية له: كان يصليها مقدار ما يغيب القمر ليلة ثالثة - أو ليلة رابعة.\rوهذا الشك من شعبة، ولم يذكر الرابعة غيره.\rقال أحمد: وهم فيه - يعني: في ذكر الرابعة.\rومما يدل على اعتبار حال المأمومين، وأنه لا يشق عليهم: ما روى أسامة ابن زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن جابر بن عبد الله، قال: كان معاذ يتخلف عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا جاء أم قومه، فاحتبس عنهم معاذ ليلة فصلى سليم وحده وانصرف، فأخبر معاذ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأرسل إلى سليم، فسأله عن ذلك، فقال: إني رجل أعمل نهاري، حتى إذا أمسيت أمسيت ناعساً، فيأتينا معاذ وقد أبطأ علينا، فلما أبطأ عليّ أمسيت، ثم انقلبت إلى أهلي. قال: فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معاذ: (لا تكن فاتنا تفتن الناس، ارجع إليهم فصل بهم قبل أن يناموا).\rخرجه البزار.\rوخرجه الخرائطي من حديث عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ما بال رجال ينفرون عن هذا الدين، يمسون بعشاء الآخرة).\rوإسناده ضعيف.\rوقال سويد بن غفلة: قال عمر: عجلوا العشاء قبل أن يكسل العامل، وينام المريض.\rفقد تبين بهذا أن هذا القول الثالث، وهو مراعاة حال المأمومين في التأخير الكثير دون اليسير، هو الأرجح في هذا المسألة.\rوقد عقد له البخاري باباً منفرداً، سبق ذكره والكلام عليه.\rالمسألة الثانية:\rفي آخر وقت العشاء الآخرة، وفيه أقوال:\rأحدها: ربع الليل، حكاه ابن المنذر عن النخعي، ونقله ابن منصور، عن إسحاق.\rوالقول الثاني: إلى ثلث الليل، روي ذلك عن عمر، وأبي هريرة وعمر ابن عبد العزيز، وهو المشهور عن مالك، وأحد قولي الشافعي، بل هو أشهرهما، ورواية عن أحمد، وقول أبي ثور وغيره.\rوالقول الثالث: إلى نصف الليل، وروي عن عمر بن الخطاب - أيضا-، وهو قول الثوري والحسن بن حي وابن المبارك وأبي حنفية، والشافعي في قوله الآخر، وأحمد في الرواية الأخرى، وإسحاق، وحكي عن أبي ثور - أيضا.\rوتبويب البخاري هاهنا يدل عليه.\rوحمل ابن سريج من أصحاب الشافعي قوليه في هذا المسألة على أنه أراد أن أول ابتدائها ثلث الليل، وآخر انتهائها نصفه، وبذلك جمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، ولم يوافق على ما قاله في هذا.\rوالقول الرابع: ينتهي وقت العشاء إلى طلوع الفجر.","part":4,"page":96},{"id":740,"text":"رواه ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، قال: إفراط صلاة العشاء طلوع الفجر.\rوهو قول داود.\rورواه ابن وهب، عن مالك، إلا أن أصحابه حملوه على حال أهل الأعذار؛ فإن قول من قال: آخر وقتها ثلث الليل أو نصفه، إنما أراد وقت الاختيار.\rوقالوا: يبقى وقت الضرورة ممتداً إلى طلوع الفجر، فلو استيقظ نائم، أو أفاق مغمى عليه، أو طهرت حائض، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر بعد نصف الليل لزمهم صلاة العشاء، وفي لزوم صلاة المغرب لهم قولان مشهوران للعلماء.\rوقد روي عن عبد الرحمن بن عوف: أن المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، وعن ابن عباس - أيضا- وحكي مثله عن الفقهاء السبعة، وهو قول أحمد.\rوقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك: يلزمهم العشاء دون المغرب.\rوللشافعي قولان، أصحهما: لزوم الصلاتين.\rواختلفوا في تأخير العشاء اختياراً إلى بعد نصف الليل: فكرهه الأكثرون، منهم: مالك وأبو حنيفة.\rولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه.\rوقال عامة أصحاب الشافعي: هو وقت جواز.\rواستدل من لم يحرمه بما في (صحيح مسلم) من حديث ابن جريج: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنها أخبرته، عن عائشة، قالت: أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، ونام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: (إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي).\rوهذا إن كان محفوظاً دل على استحباب التأخير إلى النصف الثاني، ولا قائل بذلك، ولا يعرف له شاهد.\rوإنما يتعلق بهذا من يقول: يمتد وقت العشاء المختار إلى طلوع الفجر، كما روي عن ابن عباس، وهو قول داود وغيره، إلا أنهم لا يقولون باستحباب التأخير إلى النصف الثاني، هذا مما لا يعرف به قائل، والأحاديث كلها تدل على خلاف ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: (الوقت ما بين هذين).\rومثل حديث بريدة الذي فيه أن سائلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وقت العشاء، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرة العشاء لما غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: (ما بين هذين وقت).\rوقد خرجه مسلم.\rوخرج نحوه من حديث أبي موسى.\rوخرج - أيضا - من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وقت العشاء إلى نصف الليل).\rوهذا كله يدل على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد: أنه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة.\rوذهب الاصطخري من أصحاب الشافعي إلى أن الوقت بالكلية يخرج بنصف الليل أو ثلثه ويبقى قضاء.\rوقد قال الشافعي: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتة.\rوحمله عامة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصة. والله أعلم.\r***\r26- باب\rفضل صلاة الفجر\rوفيه حديثان:\rالأول:","part":4,"page":97},{"id":741,"text":"573- حدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن إسماعيل: ثنا قيس، قال لي جرير بن عبد الله: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: (أماإنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون - أو لا تضاهون - في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا). ثم قال: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } .\rقد سبق هذا الحديث والكلام عليه في (باب: فضل صلاة العصر)، وليس في هذه الرواية زيادة على ما في الرواية السابقة، إلا الشك في (تضامون أو تضاهون)، وقد سبق تفسير: تضامون.\rوأما(تضاهون): فإن كانت محفوظة، فالمعنى - والله أعلم -: أنكم لا تشبهون به عند رؤيته شيئاً من خلقه؛ فإنه سبحانه وتعالى لا مثل له ولا عدل ولا كفء.\rويشهد لهذا: ما روى علي بن زيد بن جدعان، عن عمارة القرشي عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (يجمع الله الأمم في صعيد واحد يوم القيامة، ثم يأتينا ربنا ونحن على مكان مرتفع فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون. فيقول: ما تنتظرون. فنقول: ننتظر ربنا عز وجل، فيقول: وهل تعرفون إن رأيتموه؟ فنقول: نعم؛ إنه لا عدل له، فيتجلى لنا ضاحكاً، فيقول: أبشروا معاشر المسلمين؛ فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت في النار يهودياً أو نصرانياً مكانه).\rخرجه الإمام أحمد.\rوخرجه أبو بكر الآجري في كتاب (التصديق بالنظر)، ولفظه: (فيقولون: إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا لم نره. قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: إنه لا شبه له، فيشكف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله عز وجل، فيخرون له سجداً) - ذكر الحديث.\rوروى أبو حمة محمد بن يوسف: حدثنا أبو قرة الزبيدي، عن مالك بن أنس، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم، ودعي كل أناس بإمامهم) - فذكر الحديث بطوله، إلى أن قال: (حتى يبقى المسلمون، فيقف عليهم، فيقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن المسلمون. قال: خير اسم وخير داعية. فيقول: من نبيكم؟ فيقولون: محمد، فيقول: ما كتابكم؟ فيقولون: القرآن، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله وحده، لا شريك له. قال: سينفعكم ذلك إن صدقتم. قالوا: هذا يومنا الذي وعدنا. فيقول: أتعرفون الله إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقول: وكيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتجلى لهم تبارك وتعالى، فيقولون: أنت ربنا تباركت أسماؤك، ويخرون له سجداً، ثم يمضي النور بأهله).\rخرجه أبو إسماعيل الأنصاري في (كتاب الفاروق).\rوروى شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد حديث جرير بن عبد الله، وقال في روايته: (لا تضارون في رؤيته).\rوكذا في رواية أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد خرج حديثهما البخاري في آخر (كتابه).\rورويت: (تضارون) بتشديد الراء وتخفيفها.","part":4,"page":98},{"id":742,"text":"فمن رواه بالتشديد، فالمعنى: لا يخالف بعضكم بعضاً فيكذبه، كما يفعل الناس في رؤية الأشياء الخفية عليهم كالأهلة. يقال: ضاررته مضارة إذا خالفته، ومنه سميت الضرة لمخالفتها الأخرى.\rوقيل: المعنى: لا تضايقون، والمضارة: المضايقة -: ذكره الهروي.\rومن رواه بتخفيف الراء، فهي من الضير، والضير: الضر، يقال: ضاره يضيره ويضروه، إذا ضره. وهي قريبة من المعنى إلى الأولى.\rوفي رواية أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟) قالوا: لا. قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا. قال: (فإنكم ترونه كذلك).\rوفسر قوله: (هل تمارون) بأن المعنى: هل تشكون، والمرية: الشك.\rويحتمل أن يكون المراد: هل يحصل لكم تمار واختلاف في رؤيتهما؟ فكما لا يحصل لكم في رؤيتهما تمارٍ واختصام، فكذلك رؤية الله عز وجل.\rوالتماري والتنازع إنما يقع من الشك وعدم اليقين، كما يقع في رؤية الأهلة.\rوقوله في هذه الرواية: (ثم قال: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها } هكذا في هذه الرواية، وهذا إشارة إلى آية سورة { طه } ، وتلك إنما هي بالواو { وَسَبِّحْ } ، وفي الرواية السابقة { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [ق: 39]. وهو إشارة إلى آية سورة { ق } وهي بالفاء كما في الرواية.\rالحديث الثاني:\r574- حدثنا هدبة بن خالد: ثنا همام: حدثني أبو جمرة، عن أبي بكر، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى البردين دخل الجنة).\rوقال ابن رجاء: حدثنا همام، عن أبي جمرة، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره بهذا.\rحدثنا إسحاق: ثنا حبان: ثنا همام: ثنا أبو جمرة، عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.\r(أبو جمرة)، هو: نصر بن عمران الضبعي، وهو بالجيم والراء المهملة.\rوقد خرج هذا الحديث مسلم عن هداب بن خالد، وهو هدبة الذي خرجه عنه البخاري، ونسب فيه أبا جمرة، فقال: حدثني أبو جمرة الضبعي.\rوأما أبو بكر، فقد أشار البخاري إلى انه أبو بكر بن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس، واستشهد له بشيئين:\rأحدهما: رواية ابن رجاء التي ذكرها تعليقاً، عنه، عن همام، عن أبي جمرة، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره.\rوالثاني: أنه أسنده من رواية حبان بن موسى، عن همام: ثنا أبو جمرة، عن أبي بكر بن عبد الله - وهو: ابن أبي موسى عبد الله بن قيس.\rوخرجه مسلم من طريق بشر بن السري عمرو بن عاصم، قالا: ثنا همام - بهذا الإسناد، ونسبا أبا بكر، فقالا: ابن أبي موسى.\rوإنما احتيج إلى هذا؛ لاختلاف وقع بين الحفاظ في نسبة أبي بكر هذا:\rفمنهم من قال: هو أبو بكر بن أبي موسى، وتصرف الشيخين في (صحيحهما) يدل على ذلك.\rومنهم من قال: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة.","part":4,"page":99},{"id":743,"text":"واستدلوا بما خرجه مسلم من رواية وكيع، عن ابن أبي خالد ومسعر والبختري بن المختار، سمعوا من أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) - يعني: الفجر والعصر. وعنده رجل من أهل البصرة، فقال له: أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمعته أذناي، ووعاه قلبي.\rوخرجه -أيضا - من حديث ابن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه والرجل البصري. وزاد البصري: قال: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمكان الذي سمعته منه.\rفمن هنا قال بعضهم: أبو بكر الذي روى أبو جمرة هو ابن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه عمارة بن رؤيبة، لأن معنى الحديثين متقارب.\rقال ابن أبي خيثمة في (كتابه): سألت يحيى بن معين عن أبي بكر الذي روى حديث (البردين): من أبوه؟ قال: يرون أنه أبو بكر بن أبي موسى؛ فلذلك استغربوه. قال: فقال له أبي: يشبه أن يكون: أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة؛ لأنه يروي عن أبيه عمارة: (من صلى قبل الغداة وقبل غروب الشمس).\rوقال صالح بن محمد، عن علي بن المديني: هو عندي أبو بكر بن عمارة؛ لأن معنى الحديثين واحد. قيل له: إن أبا داود الطيالسي وهدبة نسباء، فقالا: عن أبي بكر بن أبي موسى؟ فقال: ليسا ممن يضبط هذا؛ حدثاه بهز وحبان ولم ينسباه.\rقال أبو بكر الخطيب: قد نسبه جماعة عن همام، منهم: بشر بن السري، وعبد الله بن رجاء، وعمرو بن عاصم وللناسب فضل تعرف وبيان على من لم ينسبه.\rقال: وكان عفان بنسبه كذلك حتى قال له بلبل وعلي بن المديني: إنه أبو بكر بن عمارة، فترك نسبته، وقال: عن أبي بكر، عن أبيه.\rونقل البرقاني عن الدارقطني، أنه كان يقول: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة، وعن الإسماعيلي عن مطين مثله.\rوقال أبو الحسن [العقيلي]: اختلف فيه، فالأقوى أنه ابو بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه. ويقال: هو أبو بكر بن عمارة بن رؤبية، عن أبيه.\rوكذلك قال مطين، وإليه كان يميل شيخنا أبو الحسن - يعني: الدارقطني رحمه الله.\rو(البردان): صلاة الصبح والعصر؛ لأنهما يصليان في برد النهار من أوله وآخره.\rوأماالظهر فتسمى الهجير كما في حديث أبي برزة؛ لأنها تصلي بالهاجرة.\rويقال للعصر والفجر: العصران؛ كذلك روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث فضالة الليثي، وأنه وصاه بالمحافظة عليهما.\rوصلاة الصبح من صلاها فهو في ذمة الله، كما في حديث جندب ابن سفيان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في ذمته)\rخرجه مسلم.\rوفي رواية له - أيضا - زيادة: (فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في نار جهنم).\rوقد روي مثله في صلاة العصر - أيضا.","part":4,"page":100},{"id":744,"text":"خرجه نعيم بن حماد في (كتاب الفتن) عن عبد العزيز الدراوردي، عن زيد ابن أسلم، عمن حدثه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى الصبح كان في جوار الله حتى يمسي، ومن صلى العصر كان في جوار الله حتى يصبح، فلا تخفروا الله في جواره؟ فإنه من أخفر الله في جواره طلبه الله، ثم أدركه، ثم كبه على منخره) - أي: في جهنم.\r* * *","part":4,"page":101},{"id":745,"text":"27- باب\rوقت الفجر\rصلاة الفجر تسمى صلاة الفجر؛ قال تعالى: { مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ } [النور: 58] وقال: { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [الإسراء: 78].\rوتسمى صلا الصبح، والأحاديث بذلك كثيرة.\rقال الشافعي: ولا أحب أن تسمى صلاة الغداة، وكرهه بعض أصحابه، ولا دليل لقوله، والأحاديث تدل على خلافه، وقد سبق حديث جابر: (والصبح كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس)، وحديث أبي برزة، (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة)، وهذا يدل على شدة التغليس بها.\rوخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث:\rالحديث الأول:\r575- حدثنا عمرو بن عاصم: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، أن زيد بن ثابت حدثه، أنهم تسحروا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قاموا إلى الصلاة.\rقلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين - يعني: آية.\r576- حدثنا الحسن بن الصباح: سمع روح بن عبادة: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فصليا.\rقلت لأنس: كم بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.\rمقصود البخاري: تبيين الاختلاف في إسناد هذا الحديث على قتادة، فهمام جعله عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت، وسعيد بن أبي عروبة جعله عن قتادة عن أنس من مسنده.\rوقد خرجه البخاري في (الصيام) من حديث هشام الدستوائي، عن قتادة ومسلم من رواية هشام وهمام وعمر بن عامر، كلهم عن قتادة، عن أنس، عن زيد.\rوفي رواية البخاري: (كم بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية).\rوقال عفان وبهز بن أسد، عن همام في حديثه: قلت لزيد: كم بين ذلك؟\rفصرح بأن المسؤل زيد.\rوقد خرجه عنهما الإمام أحمد.\rوكذا رواه خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس عن زيد، وقال في حديثه: (أنس القائل: كم كان بينهما).\rفخالف خالد سائر أصحاب سعيد في ذكره زيداً في الإسناد.\rوقد خرجه الإسماعيلي في (صحيحه)، وقال: يحتمل أن يكون أنس سأل زيداً فأخبره، وأن يكون قتادة أو غيره سأل أنساً فأرسل له قدر ما كان بينهما، كما أرسل أصل الخبر، ولم يقل: عن زيد.\rوهذا يدل على أن الصواب عنده: أن الحديث عن أنس، عن زيد، فهو من مسند زيد، لا من مسند أنس.\rورواه معمر، عن قتادة كما رواه سعيد، جعله من مسند أنس.\rخرجه النسائي من طريقه.\rولفظ حديثه: عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك عند السحر -: (يا أنس، إني أريد الصيام، أطعمني شيئاً)، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال. قال: (يا أنس، انظر رجلاً يأكل معي)، فدعوت زيد بن ثابت، فجاءه، فقال: (إني شربت شربة من سويق، وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (وأنا أريد الصيام)، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة.","part":4,"page":102},{"id":746,"text":"ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: الاستدلال به على تغليس النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الفجر؛ فإنه تسحر ثم قام إلى الصلاة، ولم يكن بينهما إلا قدر خمسين آية.\rوأكثر الروايات تدل على أن ذلك قدر ما بين السحور والصلاة.\rوفي رواية البخاري المخرجة في (الصيام): أن ذلك قدر ما بين [الأذان و] السحور.\rوهذه صريحة بأن السحور كان بعد أذان بلال بمدة قراءة خمسية آية.\rوفي رواية معمر: أنه لم يكن بين سحوره وصلاة الفجر سوى ركعتي الفجر، والخروج إلى المسجد.\rوهذا مما يستدل به على أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى يومئذ الصبح حين بزغ الفجر.\rوقد روى حذيفة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث زيد، لكنه استدل به على تأخير السحور، وأنه كان بعد الفجر.\rفروى عاصم، عن زر بن حبيش، قال: تسحرت، ثم انطلقت إلى المسجد، فمررت بمنزل حذيفة بن اليمان، فدخلت عليه، فأمر بلقحة فحلبت وبقدر فسخنت، ثم قال: ادن فكل. فقلت: إني أريد الصوم. فقال: وأنا أريد الصوم، فأكلنا وشربنا، وأتينا المسجد، فأقيمت الصلاة، فقال حذيفة: هكذا فعل بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قلت: أبعد الصبح؟ قال: نعم، هو الصبح غير أن لم تطلع الشمس.\rخرجه الإمام أحمد.\rوخرج منه النسائي وابن ماجه: أن حذيفة قال: تسحرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.\rوقد روي من غير وجه، عن حذيفة.\rقال الجوزجاني: هو حديث أعيا أهل العلم معرفته.\rوقد حمل طائفة من الكوفيين، منهم: النخعي وغيره هذا الحديث على جواز السحور بعد طلوع الفجر في السماء، حتى ينتشر الضوء على وجه الأرض.\rوروي عن ابن عباس وغيره: حتى ينتشر الضوء على رؤوس الجبال.\rومن حكى عنهم، أنهم استباحوا الأكل حتى تطلع الشمس فقد أخطأ.\rوأدعى طائفة: أن حديث حذيفة كان في أول الإسلام ونسخ.\rومن المتأخرين من حمل حديث حذيفة على أنه يجوز الأكل في نهار الصيام حتى يتحقق طلوع الفجر، ولا يكتفي بغلبة الظن بطلوعه.\rوقد نص على ذلك أحمد وغيره؛ فإن تحريم الأكل معلق بتبين الفجر، وقد قال علي بعد صلاته للفجر: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.\rوأنه يجوز الدخول في صلاة الفجر بغلبة ظن طلوع الفجر كما هو قول أكثر العلماء على ما سبق ذكره.\rوعلى هذا، فيجوز السحور في وقت تجوز فيه صلاة الفجر، إذا غلب على الظن طلوع الفجر، ولم يتيقن ذلك.\rوإذا حملنا حديث حذيفة على هذا، وأنهم أكلوا مع عدم تيقن طلوع الفجر، فيكون دخولهم في الصلاة عند تيقن طلوعه والله أعلم.\rونقل حنبل عن أحمد، قال: إذا نور الفجر وتبين طلوعه حلت الصلاة، وحرم الطعام والشراب على الصائم.\rوهذا يدل على تلازمهما، ولعله يرجع إلى أنه لا يجوز الدخول في الصلاة إلا بعد تيقن دخول الوقت.\rوقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف تلازم وقت صلاة الفجر وتحريم الطعام على الصائم.\rوروي في حديث ابن عباس المرفوع، أن جبريل صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الأول حين حرم الطعام على الصائم.","part":4,"page":103},{"id":747,"text":"وقد خرج البخاري في (الحج) حديث ابن مسعود، أنه قال بالمزدلفة حين طلع الفجر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم.\rوفي رواية له: أنه صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: قد طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء فلا يقدم الناس جمعاً حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة).\rوهذا كله يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن عادته أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر، وإنما فعل ذلك بمزدلفة يوم النحر. والله أعلم.\rالحديث الثاني:\rقال:\r577- حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان، عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد يقول: كنت أتسحر في أهلي، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rرواه عن أبي حازم: سليمان بن بلال وعبد الله بن عامر.\rوفيه: دلالة على تعجيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الفجر - أيضا-، كحديث زيد بن ثابت الذي قبله.\rالحديث الثالث:\r578- حدثنا يحيى بن بكير: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته، قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس.\r(المروط): الأكسية، وقد سبق تفسيرها.\rو(التلفع): تغطية الرأس.\rوروي عن مالك: (متلففات) - بفائين- ، والمشهور عنه: (متلفعات) أيضا - بالعين، كرواية الأكثرين.\rوالحديث عند مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة.\rوقد خرجه من طريقه البخاري في موضع آخر من (كتابه) ومسلم - أيضا.\rوخرجه البخاري - أيضا - من رواية فليح، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - بنحوه.\rوالحديث: يدل على تغليس النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفجر، فإنه كان يطيل فيها القراءة، ومع هذا فكان ينصرف منها بغلس.\rفإن قيل: ففي حديث أبي برزة، أنه كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وهذا يخالف حديث عائشة.\rقيل: لا اختلاف بينهما، فإن معرفة الرجل رجلاً يجالسه في ظلمة الغلس لا يلزم منه معرفته في ذلك الوقت أمرأة منصرفة متلفعة بمرطها، متباعدة عنه.\rوروى الشافعي حديث أبي برزة في كتاب (اختلاف علي عبد الله)، عن ابن علية، عن عوف، عن أبي المنهال، عن أبي برزة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الصبح، ثم ننصرف وما يعرف الرجل منا جليسه.\rقال البيهقي: هذا الكتاب لم يقرأ على الشافعي، فيحتمل أن يكون قوله: (وما يعرف الرجل منا جليسه) وهما من الكاتب؛ ففي سائر الروايات: (حتى يعرف الرجل منا جليسه). انتهى.\rوالظاهر: أن أبا برزة أراد أن الرجل إنما كان يعرف جليسه إذا تأمل وردد فيه نظره.","part":4,"page":104},{"id":748,"text":"ويدل عليه: أحاديث أخر، منها: حديث قيلة بنت مخرمة، أنها قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالناس صلاة الغداة، وقد أقيمت حين انشق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تتعارف مع ظلمة الليل.\rخرجه الإمام أحمد.\rوهو إخبار عن حال الصلاة دون الانصراف منها.\rوروى أبو داود الطيالسي وغيره من رواية حرملة العنبري، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فصليت معه الغداة، فلما قضى الصلاة نظرت في وجوه القوم، ما أكاد أعرفهم.\rوخرج البزار والإسماعيلي من رواية حرب بن سريج، عن محمد بن علي ابن حسين، عن محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب، قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح، وما يعرف بعضنا وجه بعض.\rحرب بن سريج، قال أحمد: ليس به بأس، ووثقه ابن معين. قال أبو حاتم: ليس بقوي؛ منكر عن الثقات.\rوفي الباب أحاديث أخر.\rوالكلام هاهنا في مسألتين:\rالمسألة الأولى:\rفي وقت الفجر:\rأماأول وقتها: فطلوع الفجر الثاني، هذا مما لا اختلاف فيه.\rوقد اعاد أبو موسى وابن عمر صلاة الفجر لما تبين لهما أنهما صليا قبل طلوع الفجر.\rوروى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: الفجر فجران: فجر يطلع بليل، يحل فيه الطعام والشراب ولا يحل فيه الصلاة. وفجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام والشراب، وهو الذي ينتشر على رؤوس الجبال.\rورواه أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن ابن جريج، فرفعه.\rخرجه من طريقه ابن خزيمة وغيره.\rوالموقوف أصح -: قاله البيهقي وغيره.\rوروى ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (الفجر فجران، فإن الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا يحل الصلاة فيه ولا يحرم الطعام).\rوروي عن ابن أبي ذئب - بهذا الإسناد- مرسلاً من غير ذكر: جابر.\rقال البيهقي: هو أصح.\rوأماآخر وقت الفجر: فطلوع الشمس، هذا قول جمهور العلماء من السلف والخلف، ولا يعرف فيه خلاف، إلا عن الاصطخري من الشافعية، فإنه قال: إذا أسفر الوقت جداً خرج وقتها وصارت قضاء.\rويرد قوله: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها).\rوفي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس).\rوفي رواية له - أيضا-: (وقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول).\rالمسألة الثانية:\rفي أن الأفضل: هل هو التغليس بها في أول وقتها، أم الإسفار بها؟ وفيه قولان:\rأحدهما: أن التغليس بها أفضل، وروي التغليس بها عن أبي بكر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول الليث، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وإسحاق، وأبي ثور، وداود.\rوقد ذكرنا في هذا الباب عامة أحاديث التغليس بالفجر.","part":4,"page":105},{"id":749,"text":"وذهب آخرون إلى أن الإسفار بها أفضل، وروي الإسفار بها عن عثمان، وعلي وابن مسعود.\rروى الأوزاعي: حدثني نهيك بن يريم الأوزاعي: حدثني مغيث بن سمي، قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا، كانت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان.\rخرجه ابن ماجه.\rوذكر الترمذي في (علله) عن البخاري، أنه قال: هو حديث حسن.\rوقال يزيد الأودي: كنت أصلي مع علي صلاة الغداة، فتخيل إلى أنه يستطلع الشمس.\rوقال علي بن ربيعة: سمعت علياً يقول: يابن التياح، أسفر أسفر بالفجر.\rوقال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يسفر بصلاة الغداة.\rوقال نافع بن جبير: كتب عمر إلى أبي موسى أن صل الفجر إذا نور النور.\rوممن كان يرى التنوير بها: الربيع بن خثيم وسعيد بن جبير، وكان النخعي يسفر بها.\rذكر ذلك كله أبو نعيم في (كتاب الصلاة) بأسانيده.\rوقال: رأينا سفيان يسفر بها.\rوممن رأى الإسفار بها: طاوس وفقهاء الكوفيين، مثل: سفيان والحسن ابن حي وأبي حنيفة وأصحابه.\rوروى وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: ما اجتمع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر.\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن أبي الدرداء، قال: أسفروا بهذه الصلاة، فإنه أفقه لكم.\rواستدل من رأى الإسفار: بما روى عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود ابن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر).\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.\rوقال: حديث حسن صحيح.\rوخرجه ابن حبان في (صحيحه).\rوقال العقيلي: إسناده جيد.\rقال الأثرم: ليس في أحاديث هذا الباب أثبت منه.\rيشير إلى أن في الباب أحاديث وهذا أثبتها، وهو كما قال.\rوأجاب من يرى التغليس أفضل عن هذا بأجوبةٍ:\rمنها: تضعيفه، وسلك ذلك بعض أصحابنا الفقهاء، وسلكه ابن عبد البر، وقال: مدار الحديث على عاصم بن عمر بن قتادة، وليس بالقوي.\rكذا قال؛ وعاصم هذا مخرج حديثه في (الصحيحين)، وقال ابن معين وأبو زرعة: ثقة.\rوقد يعلل هذا بالاختلاف في إسناده على عاصم بن عمر بن قتادة:\rفرواه ابن إسحاق وابن عجلان، عن عاصم، عن محمود بن لبيد، عن رافع كما تقدم.\rورواه زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، واختلف عنه:\rفرواه أبو غسان، عن زيد بن أسلم، عن عاصم، عن محمود بن لبيد، عن رجال من قوم من الأنصار، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما أسفرتم بالصبح، فإنه أعظم للأجر).\rوخرجه من طريقه النسائي كذلك.\rورواه يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن زيد بن أسلم، عن عاصم، عن رجال من قومه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر: محمود بن لبيد.\rورواه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رجال من الصحابة - ولم يذكر: عاصماً.\rورواه وكيع، عن هشام، عن زيد - مرسلاً.","part":4,"page":106},{"id":750,"text":"ورواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرجه من طريقه الإمام أحمد.\rوروي عن شعبة، عن أبي داود، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع.\rقال البزار: أبو داود هذا، هو: الجزري، لم يسند عنه شعبة إلا هذا.\rوقال أبو حاتم الرزاي: شيخ واسطي مجهول.\rورواه بقية، عن شعبة، عن داود البصري، عن زيد.\rوزعم بعضهم: أنه داود بن أبي هند، وهو بعيد.\rوزيد بن أسلم لم يسمع من محمود بن لبيد.\rورواه يزيد بن عبد الملك، عن زيد بن أسلم، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوهو وهم-: قاله الدارقطني وغيره.\rورواه إسحاق الحنيني، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن بجيد الحارثي، عن جدته حواء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rلم يتابع عليه الحنيني، وهو وهم منه-: قاله الدارقطني، وأشار إليه الأثرم وغيره.\rورواه فليح بن سليمان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rقال البزار: لا نعلم أحداً تابع فليحاً على هذا الإسناد.\rوالصواب من الخلاف على زيد بن أسلم، عن عاصم، عن محمود، عن رافع-: قاله الدارقطني.\rقلت: أماابن إسحاق وابن عجلان فروياه عن عاصم بهذا الإسناد، وأمازيد فاختلف عنه كما ترى، ولا نعلم أحداً قال عنه مثل قول ابن إسحاق وابن عجلان، فكيف يكون هو الصواب عن زيد؟ فرجع الأمر إلى ما رواه ابن إسحاق وابن عجلان، عن عاصم وليسا بالمبرزين في الحفظ.\rومنها: تأويله، واختلف المتأولون له:\rفقال الشافعي وأحمد وإسحاق وغيره: المراد بالإسفار: أن يتبين الفجر ويتضح، فيكون نهياً عن الصلاة قبل الوقت، وقبل تيقن دخول الوقت.\rوذكر الشافعي: أنه يحتمل أن بعض الصحابة كان يصلي قبل الفجر الثاني، فأمر بالتأخير إلى تبين الفجر وتيقنه.\rورد ذلك بعضهم بأن قوله: (هو أعظم للأجر) يدل على أن في ترك هذا الإسفار أجراً، ولا أجر في الصلاة قبل وقتها إلا بمعنى أنها تصير نافلة.\rومنهم من قال: أمروا أن لا يدخلوا في صلاة الفجر حتى يتيقنوا طلوع الفجر، وقيل لهم: هو أفضل من الصلاة بغلبة الظن بدخوله.\rوهذا جواب من يقول بجواز الدخول في الصلاة إذا غلب على الظن دخول وقتها من أصحابنا كالقاضي أبي يعلي وغيره، وأكثر أصحاب الشافعي، وحملوا حديث ابن مسعود في تقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم النحر بالمزدلفة على أنه صلاها يومئذ بغلبة ظن دخول الوقت.\rوكلام أحمد يدل على أنه لا يدخل في الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها كما سبق.\rومن أصحابنا من حمل حديث ابن مسعود في الصلاة بالمزدلفة على أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد تيقن طلوع الفجر تأخير الصلاة بقدر الطهارة والسعي إلى المسجد، ولم يؤخر هذا القدر بالمزدلفة. وهذا أشبه.\rواستدل بعض من فسر الإسفار المأمور به بتبين الفجر: بأن العرب تقول: أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته وأبانت عنه فدل على أن الإسفار هو التبيين والظهور.","part":4,"page":107},{"id":751,"text":"وفي هذا نظر؛ فإنه لا يعرف في اللغة أسفرت المرأة عن وجهها، إنما يقال: سفرت، وأماالإسفار فإنما يقال في الفجر والصبح، يقال: سفر، وأسفر؛ قال تعالى:\r{ وَالصُّبْحِ إذا أَسْفَرَ } [المدثر: 34]، ومعناه أضاء وأنار، ويقال: أسفر وجهه من السرور، إذا أنار، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ سر استنار وجهه كأنه فلقة قمر. ومنه قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ } [عبس: 38، 39] فليس معنى قوله: (أسفروا بالفجر) إلا أنيروا به.\rلكن: هل المراد إنارة الأفق بطلوع الفجر فيه ابتداء، أم إنارة الأرض بظهور النور على وجهها؟ هذا محل نظر.\rوحمله على الأول أقرب؛ لأنه موافق فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين.\rوعلى هذا المعنى يحمل كلام أحمد، بل هو ظاهره أو صريحه، وهو حسن.\rويدل عليه: ما روى مسلم الملائي، عن مجاهد، عن قيس بن السائب، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح إذا يغشى النور السماء - وذكر الحديث:\rخرجه الطبراني.\rوقال آخرون: بل الإسفار يكون باستدامته الصلاة، لا بالدخول فيها، فيدخل فيها بغلس، ويطيلها حتى يخرج منها وقد أسفر الوقت.\rوقد روي هذا المعنى عن عطاء، وقاله - أيضا - من أصحابنا: أبو حفص البرمكي والقاضي أبو يعلي في (خلافه الكبير)، ورجحه الطحاوي.\rويعضد هذا: حديث أبي برزة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف من صلاة الفجر حتى يعرف الرجل جليسه، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة.\rوقد رد هذا القول على من قاله كثير من العلماء، منهم: الشافعي وابن عبد البر والبيهقي، وقال: أكثر الأحاديث تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل فيها بغلس، ويخرج منها بغلس؛ لحديث عائشة وغيره، وكذلك أكثر أصحابنا، وإن كان منهم من كان يخرج منها بإسفار ويطيل القراءة، كما روي عن الصديق لما قرأ بالبقرة، وعن عمر - أيضا.\rوقد روي أن عمر هو الذي مد القراءة في الفجر، وروي عن عثمان أنه تبعه على ذلك.\rوروي عن علي، أنه كان يقصر فيها القراءة، ولعله لما كان يسفر بها.\rومن الناس من ادعى أن في هذه الأحاديث ناسخاً ومنسوخاً، وهم فرقتان.\rفرقة منهم ادعت أن الأحاديث في الإسفار منسوخة.\rواستدلوا بما في حديث أسامة بن زيد، عن الزهري، عن عروة، عن بشير ابن أبي مسعود، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديث المواقيت بطوله، وقال في آخره: وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر.\rخرجه أبو داود.\rوقد تقدم أن أسامة تفرد به بهذا الإسناد، وإنما أصله: عن الزهري - مرسلاً.\rوفرقةً ادعت أن أحاديث التغليس منسوخة بالإسفار، منهم: الطحاوي.\rوزعم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغلس بالفجر قبل أن تتم الصلوات لما قدم المدينة، ثم لما أتمت الصلوات أربعاً أربعاً أطال في قراءة الفجر، وغلس بها حينئذ.","part":4,"page":108},{"id":752,"text":"وأخذه من حديث عائشة الذي ذكرناه في أول (الصلاة): أن الصلوات أتمت بالمدينة أربعاً، وأقرت الفجر لطول القراءة.\rوهذا في غاية البعد، ولم ترد عائشة أنه حينئذ شرعت طول القراءة فيها عوضاً عن الإتمام، وإنما أخبرت أنها تركت على حالها لما فيها من طول القراءة، ولم ينقل أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخفف القراءة في الفجر ثم أطالها، ولا أنه لما كان يخففها كان يسفر بها، وكل هذه ظنون لا يصح منها شيء.\rواختلف القائلون باستحباب التغليس بها إذا كان جيران المسجد يشق عليهم التغليس، ولا يجتمعون في المسجد إلا عند الإسفار: هل الأفضل حينئذ التغليس، أم الإسفار؟\rفقالت: طائفة: التغليس افضل بكل حال وهو قول مالك والشافعي وحكي رواية عن أحمد وقالت طائفة: الإسفار حينئذ أفضل، وهو منصوص أحمد في رواية غير واحد من أصحابه.\rوجعله القاضي أبو يعلي في (خلافة الكبير) [و] في (جامعه الكبير) مذهب أحمد رواية واحدة، ولم يحك عنه في ذلك خلافاً في هذين الكتأبين، وهما من آخر كتبه.\rواستدلوا بحديث جابر في مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حال المأمومين في العشاء الآخرة، وقد سبق.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه أمر بذلك معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن، فأمره أن يغلس بالفجر في الشتاء؛ لطول الليل واستيقاظ الناس في أول الوقت، وأن يؤخر في الصيف، لأن الناس ينامون لقصر الليل فيه.\rوحمل بعض أصحابنا أحاديث الأمر بالإسفار على حالة تأخير المأمومين.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يعجل الصبح تارةً، ويؤخرها تارة، وعن جماعة من السلف.\rفروى الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري: ثنا أبو شعبة الطحان جار الأعمش، عن أبي ربيع، قال: قلت لابن عمر: إني أصلي معك الصبح، ثم التفت فلا أرى وجه جليسي، ثم أحياناً تسفر؟ قال: كذلك رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليها.\rوهذا إسناد ضعيف.\rنقل البرقاني، عن الدارقطني، قال: أبو شعبة: متروك، وأبو الربيع: مجهول.\rوروينا من طريق أبي خالد الواسطي، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر فيغلس ويسفر، ويقول: (ما بين هذين وقت، لئلا يختلف المؤمنون).\rقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: أبو خالد الواسطي هو عمرو بن خالد، ضعيف الحديث جداً.\rوروى بيان الرقاشي، قال: قلت لأنس: حدثني عن وقت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة - فذكر حديث المواقيت، وقال: كان يصلي الغداة عند الفجر إلى أن ينفسح البصر، كل ذلك وقت.\rبيان هذا، هو: ابن جندب، يكنى أبا سعيد. وقال أبو داود: لا أعلم له إلا حديث المواقيت. وقال ابن معين: هو مجهول.\rوله شاهد من وجهٍ آخر أقوى منه.\rخرجه الإمام أحمد والنسائي من طريق شعبة، عن أبي صدقة، عن أنس، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر إلى أن ينفسح البصر.","part":4,"page":109},{"id":753,"text":"وأبو صدقة مولى أنس، أثنى عليه شعبة خيراً، ووثقه النسائي.\rوممنى روي عند التغليس والإسفار: عمر وعثمان وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم.\rقال أبو نعيم: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن خرشة بن الحر، قال: كان عمر يغلس بالفجر وينور.\rوحدثنا سيف بن هارون، عن عبد الملك بن سلع، عن عبد خير، قال: كان علي ينور بها أحياناً، ويغلس بها أحياناً.\rوفعل هؤلاء يحتمل أمرين:\rأحدهما: أن يكون ذلك على حسب مراعاة حال المأمومين في تقديمهم وتأخيرهم، وقد روي هذا صريحاً عن عمر.\rوالثاني: أن يكون التقديم والتأخير عندهم سواء في الفضل.\rقال ابن عبد البر: ذهب طائفة إلى أن أول الوقت وآخره سواء في الفضل؛ لقوله: (ما بين هذين وقت).\rقال: ومال إلى ذلك بعض أصاب مالك، وذهب إليه أهل الظاهر، وخالفهم جمهور العلماء.\rهذا؛ مع أنه حكى عن داود أن التغليس بالفجر أفضل، وحكى الاتفاق من المسلمين على أن التعجيل بالمغرب أفضل، من يقول: لها وقت، ومن يقول: إن وقتها متسع إلى العشاء.\rواختلف - أيضا - من يقول بأن التغليس أفضل من الإسفار: هل حكمه كله واحد، أو مختلف؟\rفقال أصحاب الشافعي: آخر وقت الاختيار إذا أسفر - أي أضاء-، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس.\rوقال الاصطخري منهم: يخرج الوقت بالإسفار جداً، فتكون الصلاة معه قضاء، وقد سبق حكاية قوله والرد عليه.\rوقال بعض الشافعية: يكره تأخير الصبح بغير عذر إلى طلوع الحمرة - يعني: الحمرة التي قبيل طلوع الشمس.\rواختلف أصحابنا في ذلك:\rفمنهم من قال: وقتها كله مختار إلى طلوع الشمس؛ لأن أبا موسى روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه سأله سائل عن وقت الصلاة، فصلى بهم في يومين، فقدم في الأول، [وأخر في الثاني]، وأخر في اليوم الثاني الصبح حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت.\rخرجه مسلم.\rوقد سبق عن علي بن أبي طالب نحو ذلك.\rومنهم من قال: يذهب وقت الاختيار بالإسفار، ويبقى وقت الإدراك إلى طلوع الشمس، وهو قول القاضي أبي يعلي في (كتابه المجرد).\rوقد روي عن أحمد ما يدل على كراهة التأخير إلى الإسفار الفاحش.\rقال إسحاق بن هانئ في (مسائله): خرجت مع أبي عبد الله من المسجد في صلاة الفجر، وكان محمد بن محرز يقيم الصلاة، فقلت لأبي عبد الله: هذه الصلاة على مثل حديث رافع بن خديج في الإسفار؟ فقال: لا، هذه صلاة مفرط؛ إنما حديث رافع في الإسفار أن يرى ضوء الفجر على الحيطان. قال:\rوسمعت أبا عبد الله يقول: الحديث في التغليس أقوى.\rيشير أحمد إلى أنه مع تعارض الأحاديث يعمل بالأقوى منها، وأحاديث التغليس أقوى إسناداً وأكثر.\rوكذلك الشافعي أشار إلى ترجيح أحاديث التغليس بهذا، وعضده: موافقاً ظاهر القرآن من الأمر بالمحافظة على الصلوات.\rوقد حمل أحمد حديث رافع في الإسفار في هذه الرواية على ظاهره، لكنه فسر الإسفار برؤية الضوء على الحيطان، وجعل التأخير بعده تفريطاً، وهذا خلاف ما يقول أصحابنا.","part":4,"page":110},{"id":754,"text":"وروى ابن القاسم، عن مالك، أن آخر وقتها الإسفار. وكذلك روى ابن عبد الحكم، عنه، أن آخر وقتها الإسفار الأعلى.\rوهذا يشبه قول الاصطخري، إلا أن يكون مراده آخر وقت الاختيار.\rوأمامن يرى أن الإسفار أفضل فلا كراهة عندهم في التأخير إلى قريب طلوع الشمس، وهو أفضل عندهم، وهو قول الثوري والحسن بن حي وأبي حنيفة وأصحابه.\rواستدل من كره التأخير إلى شدة الإسفار بما روى الحارث بن وهب، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزال أمتي في مسكة ما لم يعملوا بثلاث: ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر إمحاق النجوم مضاهاة النصارى، وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها).\rخرجه الإمام أحمد، وهو مرسل.\rوإن ثبت حمل على اجتماع الأمة على ذلك؛ فإنه يخشى أن يظن أن ما قبل ذلك ليس بوقت.\rوالحارث بن وهب، قال البخاري: روايته عن الصنابجي مرسلة - يعني: لم يسمع منه.\r* * *","part":4,"page":111},{"id":755,"text":"28- باب\rمن أدرك من الفجر ركعة\r579- حدثنا عبد الله بن مسلمة: عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج، يحدثونه عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر).\rهذا الحديث نص في أن من صلى الفجر قبل طلوع الشمس فإنه مدرك لوقتها؛ فإنه إذا كان مدركاً لها بإدراكه منها ركعة قبل طلوع الشمس، فكيف إذا أدركها كلها قبل الطلوع؟\rفإن قال فائل: نحمله على أهل الأعذار والضرورات، كما حملتم قوله: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها) على حال الضرورة.\rقلنا: في العصر قد دل دليل على كراهة التأخير إلى اصفرار الشمس، ولم يدل دليل على كراهة تأخير الفجر إلى الإسفار.\rوقد ذكرنا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فقد أدركها) في (باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب).\rوقد فسره الإمام أحمد بإدراك وقتها.\rوجمهور العلماء على أن تأخير صلاة الفجر حتى يبقى منها مقدار ركعة قبل طلوع الشمس لغير ضرورة غير جائز، وقد نص عليه الإمام أحمد، وحكي جوازه عن إسحاق وداود.\rوتقدم مثله في صلاة العصر.\rوقد سبق الحديث في (باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب) من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا أدرك أحدكم سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته).\rوقد روى الدراوردي عن زيد بن أسلم حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري هاهنا بالإسناد الذي رواه عنه مالك، ولفظ حديثه: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع فقد ادركها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس وثلاثاً بعد ما تغرب فقد أدركها).\rورواه -أيضا- مسلم بن خالد، عن زيد بن أسلم، عن الأعرج وعطاء، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -- في صلاة الصبح بمعنى رواية الداروردي.\rورواه أبو غسان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم تفته العصر، ومن صلى سجدة من الصبح قبل طلوع الشمس، ثم صلى ما بقي بعد طلوع الشمس فلم تفته الصبح).\rوروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ادركت ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فصل إليها اخرى).\rخرجه الإمام أحمد.\rورواه همام عن قتادة - بنحوه، وصرح فيه بسماع قتادة من خلاس.\rورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عزرة بن تميم، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا صلى أحدكم ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليصل إليها اخرى).","part":4,"page":112},{"id":756,"text":"وفي هذه النصوص كلها: دليل صريح على أن من صلى ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس ثم طلعت الشمس أنه يتم صلاته وتجزئه، وكذلك كل من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر فإنه يتم صلاته وتجزئه، وكذلك كل من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر فإنه يتم صلاته وتجزئه، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.\rوروى الشافعي: اخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن أنس، أن أبا بكر صلى بالناس الصبح، فقرأ سورة البقرة، فقال له عمر: كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين.\rوروى عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، قال: صليت مع عمر بن الخطاب الفجر، فلما سلم ظن الرجال ذوو العقول أن الشمس طلعت، فلما سلم قالوا: يا أمير المؤمنين، كادت الشمس تطلع، فتكلم بشيء لم أفهمه، فقلت: أي شيء قال؟ فقالوا: قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين.\rوروى الأوزاعي: حدثني يحيى بن سعيد، عن سعيد المقبري، قال: كان أبو هريرة يقول: من نام أو غفل عن صلاة الصبح فصلى ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس والأخرى بعد طلوعها فقد أدركها. وقال في العصر كذلك.\rوممن ذهب إلى ذلك من العلماء: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.\rوكذلك قال الثوري، إلا أنه قال: يستحب أن يعيدها.\rوقال أبو حنيفة وأصحابه: تبطل صلاته؛ لأنه دخل في وقت نهي عن الصلاة فيه.\rفبطلت صلاته، بناء على أصلين لهم: أحدهما: أن ما وقع منها بعد طلوع الشمس يكون قضاءً. والثاني: أن الفوائت لا تقضى في أوقات النهي.\rوأماالجمهور فخالفوا في الأصلين.\rوقد تقدم ذكر الاختلاف فيما يقع من الصلاة خارج الوقت إذا وقع أولها في الوقت: هل هو قضاء، أو لا؟ وأن ظاهر مذهب الشافعي وأحمد لا يكون قضاء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فقد أدركها).\rوأماقضاء الفوائت في أوقات النهي، فخالف فيه جمهور العلماء، وأجازوه عملاً بعموم قوله: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).\rوقالوا: إنما النهي عن النفل، لا عن الفرض، ولهذا يجوز أن يصلي بعد اصفرار الشمس ودخول وقت النهي صلاة العصر الحاضرة، وقد وافق عليه أبو حنيفة وأصحابه، وإنما خالف فيه بعض الصحابة.\rوعلى تقدير تسليم منع القضاء في أوقات النهي، فإنما ذاك في القضاء المبتدأ به في وقت النهي، فأم المستدام فلا يدخل في النهي؛ فإن القواعد تشهد بأنه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.\rوعلى هذا؛ فنقول في النفل كذلك، وأن من كان في نافلة فدخل عليه وقت نهي عن الصلاة لم تبطل صلاته ويتمها، وهو ظاهر كلام الخرقي من أصحابنا، وصرح به ابن عقيل منهم.\rوقد روى محمد بن سنان العوقي: حدثنا همام: ثنا قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من صلى ركعة من الصبح ثم طلعت الشمس فليصل الصبح).","part":4,"page":113},{"id":757,"text":"قال البيهقي في (خلافياته): هذا ليس بمحفوظ، إنما المحفوظ: عن قتادة - بغير هذا الإسناد-: (فليتم صلاته) - كما تقدم، وإنما المحفوظ بهذا الإسناد: حديث: (من لم يصل ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس فليصلها). انتهى.\rوقد خرج الترمذي في (جامعه) حديث همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة - مرفوعاً -: (من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس).\rثم قال: لم يروه عن همام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عمرو بن عاصم الكلأبي، والمعروف من حديث قتادة: عن النصر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح). انتهى.\rوإذا كان هذا معروفاً بهذا الإسناد عن قتادة، فلم يهم فيه محمد بن سنان، وإنما غير بعض لفظه حيث قال: (فليصل الصبح)، وهو رواية بالمعنى الذي فهمه من قوله: (فليتم صلاته)، ومراده: فليتم صلاة الصبح، وليستمر فيها.\rوالحديث الذي أشار إليه الترمذي خرجه الإمام أحمد: حدثنا بهز، قال: ثنا همام: ثنا قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة- قال همام: وجدت في كتأبي: عن بشير بن نهيك، ولا أظنه إلا عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هرية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى - يعني: ركعتي الصبح -، ثم طلعت الشمس، فليتم صلاته).\rورواه - أيضا - عن عبد الصمد، عن همام: ثنا قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس فليصل اليها أخرى).\rهكذا روى همام، عن قتادة هذا الحديث، وقد تقدم أن سعيد بن أبي عروبة وهشأماالدستوائي رويا أصل الحديث عن قتادة، واختلفا في إسناده.\rقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن اختلافهم على قتادة؟ فقال أبي: أحسب الثلاثة كلها صحاحاً، وقتادة كان واسع الحديث، وأحفظهم سعيد قبل أن يختلط، ثم هشام، ثم همام.\r* * *","part":4,"page":114},{"id":758,"text":"29- باب\rمن أدرك من الصلاة ركعة\r580- حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).\rروى بعضهم هذا الحديث عن مالك، وقال فيه: (من أدرك ركعة من العصر)، وهو وهم على مالك، وإنما حديث مالك: (من أدرك ركعة من الصلاة).\rوخرجه مسلم، عن عبد بن حميد: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث مالك، عن زيد بن أسلم.\rيعني: الحديث الذي خرجه البخاري في الباب الماضي.\rوذكر الدارقطني في (العلل) أنه ليس بمحفوظ عنه - يعني: عن معمر.\rوذكر أنه عبد الرزاق رواه بخلاف ذلك.\rقال: وروي - أيضا- عن محمد بن أبي حفصة وسفيان بن حسين، عن الزهري - يعني: بذكر العصر والفجر.\rوالمحفوظ: عن الزهري في حديث: (من أدرك ركعة من الصلاة).\rوقد اختلف في معنى ذلك:\rفقالت طائفة: معناه: إدراك وقت الصلاة، كما في حديث عطاء بن يسار وبسر بن سعيد والأعرج، عن أبي هريرة الذي سبق في الباب الماضي.\rوقد روى هذا الحديث المذكور في هذا الباب عمار بن مطر، عن مالك، وقال فيه: (فقد أدرك الصلاة ووقتها).\rقال ابن عبد البر: لم يقله عن مالك غير عمار، وهو مجهول لا يحتج به.\rوقالت طائفة معناه: إدراك الجماعة.\rويشهد له. ما خرجه مسلم من رواية يونس، عن ابن شهاب، ولفظه: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة).\rوهؤلاء لهم في تفسير إدراك الجماعة قولان:\rأحدهما:\rأن المراد إدراك فضل الجماعة وتضعيفها.\rوروى نوح بن أبي مريم هذا الحديث، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من أدرك الإمام جالساً قبل أن يسلم فقد أدرك الجماعة وفضلها).\rخرجه الدارقطني.\rوقال: نوح متروك.\rوقد وهم في لفظه، وخالف جميع أصحاب الزهري، ووهم -أيضا- في إسناده، فإنه عن أبي سلمة لا عن سعيد بن المسيب.\rمع أنه قد روي عن مالك والأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، وليس بمحفوظ.\rوروى أبو الحسن ابن جوصا في (مسند الأوزاعي): حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة: ثنا أبي: عن أبيه يحيى بن حمزة: حدثني الأوزاعي، أنه سأل الزهري عن رجل أدرك من صلاة الجمعة ركعة؟ فقال: حدثني أبو سلمة، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من أدرك من صلاة ركعة فقد أدرك فضيلة الجماعة).\rوهذا اللفظ -أيضا- غير محفوظ.\rوأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، ضعفوه؛ ذكره الحاكم أبو أحمد في (كتاب الكنى).\rوروى أبو علي الحنفي - وأسمه: عبيد الله بن عبد المجيد- هذا الحديث، عن مالك، وقال في حديثه: (فقد أدرك الفضل).\rقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من الرواة قاله عن مالك غيره.","part":4,"page":115},{"id":759,"text":"قال: ورواه نافع بن يزيد، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ادرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها).\rقال: وهذا اللفظ - أيضا- لم يقله أحد عن ابن شهاب غير عبد الوهاب هذا، وليس ممن يحتج به على أصحاب ابن شهاب.\rقال: وقد روى هذا الحديث الليث بن سعد، عن ابن الهادي، عن ابن شهاب، فلم يذكر في الإسناد: (عبد الوهاب)، ولا جاء بهذه اللفظة.\rوقد اختلف العلماء في ما يدرك به فضل الجماعة مع الإمام:\rفقالت طائفة: لا يدرك بدون إدرك ركعة تامة؛ لظاهر الحديث.\rوقد رواه قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزاد فيه: (قبل أن يقيم الإمام صلبه).\rخرج حديثه ابن خزيمة في (صحيحه) والدارقطني.\rوليس هذا اللفظ بمحفوظ عن الزهري -أيضا-، وقرة هذا مختلف في أمره، وتفرد بهذا الحديث عنه يحيى بن حميد بهذه الزيادة، وقد أنكرها عليه البخاري والعقيلي وابن عدي والدارقطني وغيرهم.\rوحكي هذا القول عن مالك: أنه لا يدرك الجماعة بدون ركعة.\rوذكره ابن أبي موسى من أصحابنا مذهباً لأحمد، ولم يحك فيه خلافاً.\rوهو قول عطاء، حتى قال: إذا سلم إمامه، فإن شاء تكلم، فلم يكن في صلاة، قد فاتته الركعة.\rخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عنه.\rوخرج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة).\rوخرجه الحاكم وصححه.\rوفي إسناده من ضعف.\rوخرجه الطبراني وغيره من رواية عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الأزهر، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوإسناده جيد.\rقال الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي: لا أعلم له علة.\rوقالت طائفة: تدرك فضيلة الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام، وهو قول أبي وائل.\rوقال قتادة: إن ابن مسعود أدرك قوماً جلوساً في آخر صلاتهم، فقال: قد أدركتم إن شاء الله.\rوهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد عند القاضي أبي يعلي وأتباعه، حتى قال بعض أصحابنا: هو إجماع من العلماء، لا نعلم فيه خلافاً؛ ولكن ليس بإجماع كما تقدم.\rوروى ابن عدي من طريق محمد بن جابر، عن أبان بن طارق، عن كثير بن شنظير، عن عطاء، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة). قال: وكنا نتحدث أن من أدرك قبل أن يتفرقوا فقد أدرك فضل الجماعة.\rوليس هذا بمحفوظ، وأبان بن طارق ومحمد بن جابر ضعيفان.\rوقد رواه ابن علية، عن كثير بن شنظير، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: إذا انتهى إلى القوم وهم قعود في آخر صلاتهم فقد دخل في التضعيف، وإذا انتهى اليهم وقد سلم الإمام، ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف.\rقال عطاء: وكان يقال: إذا خرج من بيته وهو ينويهم، فأدركهم أو لم يدركهم فقد دخل في التضعيف.\rوهذا الموقوف أصح.\rوكذا قال أبو سلمة: من خرج من بيته قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك.","part":4,"page":116},{"id":760,"text":"ومعنى هذا كله: أنه يكتب له ثواب الجماعة؛ لما نواها وسعى إليها، وإن كانت قد فاتته، كمن نوى قيام الليل ثم نام عنه، ومن كان له عمل فعجز عنه بمرض أو سفر، فإنه يكتب له أجره.\rويشهد لهذا: ما خرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً).\rوخرج أبو داود من حديث سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتي المسجد وقد صلوا بعضاً وبقي بعض فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك).\rوخرج النسائي في هذا الباب من حديث عثمان: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من توضأ للصلاة فاسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد غفر له ذنبه).\rولا خلاف عن الشافعي وأحمد أن الجمعة لا تدرك بدون إدراك ركعة تامة؛ لأن الجماعة شرط لها، وهذا مما يقوي بأن الجماعة لا تدرك بدون إدراك ركعة.\rوالقول الثاني:\rأن المراد بإدراك الركعة في الجماعة إدراك جميع أحكام الجماعة، من الفضل، وسجود السهو، وحكم الإتمام، وهذا مذهب مالك.\rفعلى هذا؛ إذا أدرك المسافر المقيم في التشهد الآخر لم يلزمه الإتمام، وإن أدرك معه ركعة تامة فأكثر لزمه الإتمام، وإذا خرج من بلده مسافراً وقد بقي عليه من وقت الصلاة قدر ركعة قصر الصلاة، وإن كان أقل من قدر ركعة أتمها، وإذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة لزمه أن يسجد معه لسهوه، سواء أدركه في ذلك السهو أو لم يدركه، وإن لم يدرك معه ركعة لم يلزمه السجود له.\rهذا كله مذهب مالك.\rووافقه الليث والأوزاعي في مسألة سجود السهو.\rووافقه أحمد - في رواية عنه - في المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أقل من ركعة فدخل معه أن له أن يقصر.\rوالمشهور عنه أنه يلزمه الإتمام كقول الشافعي وأبي حنيفة.\rوكذا قال طائفة من أصحابنا في ائتمام المفترض بالمتنفل، ومن يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر، أنه إن أدرك معه دون ركعة جاز ائتمامه به؛ لأنه لم يدرك معه ما يعتد به من صلاة، وإن أدرك معه ركعة فصاعداً لم يجز إئتمامة به.\rوقالت طائفة اخرى: قوله: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) يدخل في عمومه إدراك الوقت بالنسبة إلى أداء الصلاة، وإدراك الجماعة كما تقدم.\rويدخل فيه - أيضا- إدرك قدر ركعة من وقت الوجوب إذا زال عذر المعذور في آخر وقت الصلاة.\rفلو طهرت من حيضها في آخر الوقت وقد بقي منه قدر ركعة لزمها القضاء، وإن لم يبق منه قدر ركعة فلا قضاء عليها.\rوهذا قول مالك والليث، وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد، حكاها أبو الفتح الحلواني وغيره.\rوالمشهور عن الشافعي وأحمد: أنه يعتبر إدراك قدر تكبيرة الإحرام من الوقت إذا زال العذر.","part":4,"page":117},{"id":761,"text":"وهو قول أبي حنيفة، وحكي عن الأوزاعي والثوري.\rوكذا المشهور عند أصحاب أحمد من مذهب أحمد فيما إذا طرأ العذر بعد دخول الوقت في أوله.\rوقالت طائفة من أصحابنا كابن بطة وابن أبي موسى: يعتبر في أول الوقت ذهاب وقت يمكن فيه أداء الصلاة كلها، وهو قول الشافعي وإسحاق.\rوالقولان للشافعي في اعتبار ركعة وقدر تكبيرة فيما إذا زال العذر في آخر الوقت كالحائض تطهر.\rفإن طرأ العذر في أوله كالطاهر تحيض، فلأصحابنا طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف في زواله في آخر الوقت. والثاني - وهو الصحيح المشهور عندهم-: يعتبر ذهاب قدر الصلاة بكمالها.\rفإن طرأ العذر قبل ذلك فلا قضاء، كما قاله ابن بطة وابن أبي موسى من أصحابنا.\rوفرقوا بين أول الوقت وآخره، فإن أول الوقت إذا لم يمض قدر التمكن من الفعل كان الإلزام بالفعل تكليفاً بما لا يطاق، وأمافي آخر الوقت فيمكن فعل ما أدركه في الوقت، ويكمله بعد الوقت، ويكون كله أداء على ما سبق تقريره.\rوأمامن سوى بين الصورتين في الوجوب - وهو المشهور عند أصحابنا-، فقالوا: ليس ذلك تكليفاً لما لا يطاق، فإنا لا نكلف من طرأ عليه العذر بالفعل في الوقت الذي لا يتمكن فيه، بل يلزمه في ذمته ويجب عليه القضاء.\rوخرج ابن سريج قولاً آخر: انه لا يجب القضاء حتى يدرك جميع الوقت خالياً من العذر من نص الشافعي على المسافر إذا سافر في أثناء الوقت فله القصر.\rوفرق أكثر أصحابه بينهما، بأن المسافر والمقيم كلاهما تجب عليه الصلاة، لكن المسافر له القصر إذا صلى في السفر، وإن لزمته الصلاة قبل ذلك في الحضر اعتباراً في صفة الصلاة بحال أدائها في وقتها، كما لو كان في أول الوقت قادراً على القيام أو الطهارة بالماء ثم عجز عن ذلك في آخره، فإنه يصلي قاعداً وبالتيمم.\rومذهب الحسن وابن سيرين وحماد، والأوزاعي، وأبي حنيفة في المشهور عنه، أنه لا قضاء، وإن وجد المانع في آخر الوقت.\rورواه ابن وهب، عن مالك-: نقله ابن عبد البر، ولم يذكر عنه خلافه.\rوفي (تهذيب المدونة): أن مذهب مالك: لا قضاء إلا أن يتضايق الوقت عن الفعل، ويبقى منه قدر ركعة، ثم يوجد بعد ذلك، لأن تركها قبل ذلك جائز.\rوهو رواية زفر، عن أبي حنيفة.\rوهذا الاختلاف عنهم فيما إذا تجدد المانع من الصلاة في أثناء الوقت مبني على أصلين:\rأحدهما: أن الصلاة: هل تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً، أم لا؟\rفقال الأكثرون: تجب بأوله، وهو المحكي عن مالك، والشافعي، وأحمد، وبعض أصحاب أبي حنيفة.\rوقال أكثر أصحابه: تجب بآخره إذا بقي من الوقت قدر ما يتسع لتلك الصلاة، لأن ما قبله يجوز تركها فيه، فلا يوصف فيه بالوجوب.\rومنهم من قال: لا تجب حتى يبقى من الوقت قدر تكبيرة واحدة.\rومن الناس من يحكي هذه الأقوال الثلاثة ثلاث روايات عن أبي حنيفة.\rومن أصحابنا من قال: تجب في جزء منه غير معين، وهو ما يقع فيه فعل الصلاة، فتكون أجزاء الوقت كخصال الكفارة.","part":4,"page":118},{"id":762,"text":"والثاني: هي يستقر الوجوب في الذمة بما يجب به الصلاة، وهو أول جزء من الوقت عند من يرى ذلك، أم لا يستقر الوجوب حتى يمضي من الوقت مقدار ما يفعل فيه، أم لا يستقر حتى يبقى من الوقت مقدار ما يتسع لفعل الصلاة، أم لا يستقر حتى يخرج آخر الوقت سالماً من الموانع؟ فهذه أربعة أقوال.\rوالأول: هو المشهور عند أصحابنا، وذكروا أنه المنصوص عن أحمد، وقد نص أحمد على أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت قليلاً فعليها القضاء، وهو - أيضا- قول بعض الشافعية، وحكي عن الثوري و طائفة من السلف.\rوالثاني: قول الشافعي وإسحاق وابن بطة وابن أبي موسى.\rوالثالث: قول مالك، ورواية زفر عن أبي حنيفة.\rوالرابع: قول أبي حنيفة ومن وافقه كالأوزاعي وابن سريج من الشافعية.\rوأماإذا زال العذر في آخر الوقت، فالأكثرون على أنه لو زال قبل خروج الوقت ولو بقدر تكبيرة وجبت تلك الصلاة به، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي في أشهر قوليه، وأحمد في ظاهر مذهبه.\rوقال طائفة: يعتبر أن يدرك من الوقت قدر ركعة، وهو قول مالك، والليث، والشافعي في قوله الآخر، وحكي رواية عن أحمد؛ لمفهوم الحديث المخرج في هذا الباب.\rوحكي عن بعضهم، انه اعتبرها هنا للوجوب إدراك قدر الصلاة بكمالها من الوقت.\rوهذه طريقة ضعيفة في مذهب الشافعي وأحمد، وحكي عن زفر.\rوالمروي عن الصحابة يدل على القول الأول؛ فإنه روي عن عبد الرحمن ابن عوف وابن عباس وأبي هريرة، في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر: تصلي المغرب والعشاء. زاد عبد الرحمن وابن عباس: وإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر.\rولم يفرقوا بين قليل من الوقت وكثير.\r* * *","part":4,"page":119},{"id":763,"text":"30- باب\rالصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس\rفيه حديث عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة: فحديث عمر:\rقال فيه:\r581- حدثنا حفص بن عمر: ثنا هشام، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر-، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.\rحدثنا مسدد: ثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة: سمعت أبا العالية، عن ابن عباس، قال: حدثني ناس بهذا .\rإنما أعاده من طريق شعبة لتصريح قتادة فيه بالسماع من أبي العالية.\rوقد قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء: هذا الحديث، وحديث ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متي)، وحديث علي: (القضاة ثلاثة).\rذكره أبو داود والترمذي في (كتأبيهما) عن شعبة - تعليقاً.\rوقد خرج في (الصحيحين) لقتادة عن أبي العالية، حديث ابن عباس في (دعاء الكرب)، وحديثه: في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء الأنبياء.\rوقد روي هذا الحديث من حديث الحسن، عن أبي العالية، وليس بمحفوظ-: ذكره العقيلي.\rوقول ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر، معناه: أخبرني بذلك وحدثني به، ولم يرد أنهم أخبروه به بلفظ الشهادة عنده.\rوهذا ما استدل به من يسوي بين لفظ الإخبار والشهادة، وقد نص عليه أحمد في الشهادة بالجنة للصحابة الذين روي أنهم في الجنة؛ فإن من الناس من قال: يقال: إنهم في الجنة، ولا نشهد، فقال أحمد: إذا قال فقد شهد.\rوسوى بين القول والشهادة في ذلك.\rوأمافي أداء الشهادة عند الحاكم، فاعتبر أكثر أصحابنا لفظ الشهادة، وذكر القاضي أبو يعلي في موضع احتمالاً آخر، بأنه لا يشترط ذلك.\rوكان ابن عباس يروي - أحياناً-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما شهده وسمعه منه، ويقول: أشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما قال ذلك في روايته لخطبة العيد، وقد سبق حديثه بهذا في (كتاب العلم) في (باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن).\rوقوله: (نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس)، أول هذا الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا طلع الفجر، وهو المراد بقوله في هذه الرواية: (بعد الصبح)؛ فإن الصبح هو الفجر، كما قال تعالى: { وَالصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ } [التكوير: 18]، وقال: { إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } [هود: 81].\rوفي رواية لمسلم في هذا الحديث: نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس\rوهذا قول جمهور العلماء: أن أول وقت النهي عن الصلاة إذا طلع الفجر.\rوروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة.\rوقال النخعي: كانوا يكرهون ذلك.\rوكرهه سعيد بن المسيب، قال: هو خلاف السنة.\rوعطاء والحسن - [قال]: وما سمعت فيه بشيء-، والعلاء بن زياد وحميد ابن عبد الرحمن.\rوهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه.\rوذكر أبو نصر بن الصباغ من الشافعية: أنه ظاهر مذهب الشافعي.","part":4,"page":120},{"id":764,"text":"وحكى الترمذي في (جامعه) أن أهل العلم أجمعوا عليه، وكرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين).\rوله طرق متعددة عن ابن عمر.\rوخرج الطبراني والدارقطني والبزار نحوه من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرج الطبراني نحوه من حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوله عنه طرق.\rوروي عن ابن المسيب مرسلاً، وهو أصح.\rومراسيل ابن المسيب أصح المراسيل.\rوفي (صحيح مسلم)، عن حفصة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين.\rوخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أي الساعات أفضل؟ قال: (جوف الليل الآخر، ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة، إلا الركعتين حتى تصلي الفجر).\rوخرجه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه، وقال فيه: (فصل ما بدا لك حتى يطلع الصبح، ثم انته حتى تطلع الشمس).\rوخرجه النسائي، وعنده: (حتى تصلي الصبح).\rفقد تعارضت الروايتان في حديث عمرو بن عبسة.\rومما يدل على أن وقت النهي يدخل بطلوع الفجر: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن بلالاً يؤذن بليل حتى يرجع قائمكم ويوقظ نائمكم).\rوقد خرجاه في (الصحيحين) من حديث ابن مسعود.\rفإن معنى: (يرجع قائمكم): أن المصلي بالليل يمسك عن الصلاة ويكف عنها.\rوقد رخص طائفة من العلماء في بعض الصلوات بعد طلوع الفجر، قبل صلاة الفجر، كالوتر وصلاة الليل.\rروي عن عمر وعائشة في صلاة الليل.\rوإلى ذلك ذهب مالك في الوتر وقضاء صلاة الليل.\rوروي عن عطاء.\rونص أحمد عليه في الوتر، وحكى ابن أبي موسى مذهب أحمد جواز قضاء صلاة الليل فيه بغير خلاف حكاه في المذهب، وحكى الخلاف في بقية ذوات الأسباب، كتحية المسجد وغيرها.\rوقال آخرون: لا يدخل وقت النهي حتى يصلي الفجر.\rورويت الرخصة في الصلاة قبل صلاة الفجر عن الحسن وطاوس.\rوالمشهور عند عامة أصحاب الشافعي من مذهبه: الرخصة في ذلك، حتى يصلي الفجر.\rوحكي رواية عن أحمد.\rوفي (صحيح مسلم) عن عمرو بن عبسة، أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة؟ فقال: (صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحيئذ يسجد لها الكفار) - وذكر الحديث.\rوهذا إنما يدل بمفهومه، وقد عارض مفهومه منطوق الروايات الأولى، فيقدم المنطوق عليه.\rوقوله: (حتى تشرق الشمس) هكذا الرواية: (تشرق) بضم التاء وكسر الراء، من قولهم: أشرقت الشمس.\rوزعم بعضهم: أن الصواب: (تشرق) بفتح التاء، وضم الراء، من قولهم: شرقت الشمس، إذا طلعت.\rقال: ومعنى أشرقت: أضاءت وصفت.","part":4,"page":121},{"id":765,"text":"قال: والمناسب هنا ذكر طلوعها، لا ذكر إضاءتها وصفائها.\rوهذا ليس بشيء، والصواب: (تشرق)، والمعنى: حتى ترتفع الشمس، كما بوب عليه البخاري.\rوالنهي يمتد إلى أن ترتفع وتضيء ويصفو لونها، كما في حديث أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس). وسيأتي - إن شاء الله.\rمع أن كلا الحديثين قد روي فيه: (حتى تطلع الشمس)، وهو من رواية بعض رواته بالمعنى الذي فهمه منه. والله أعلم.\rوحديث ابن عمر:\rقال البخاري:\r582- حدثنا مسدد: ثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها).\r583- قال: وحدثني ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصالة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فاخروا الصلاة، حتى تغيب).\rتابعه: عبدة.\rوحديث عبدة الذي أشار إلى متابعته: قد خرجه في (كتاب بدء الخلق): أخبرنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان) - أو (الشيطان)، لا أدري أي ذلك قال هشام؟\rوخرجه مسلم من رواية وكيع وابن نمير ومحمد بن بشر، كلهم عن هشام - بنحوه.\rوفي رواية له: (فإنها تطلع بقرني الشيطان).\rوإنما احتاج البخاري إلى ذكر المتابعة في هذا الإسناد؛ لأن عروة قد اختلف عليه فيه:\rوهما حديثان: حديث: (لا تحروا بصلاتكم)، وحديث: (إذا طلع حاجب الشمس).\rوقد روى ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: حديث: (إذا طلع حاجب الشمس)- الحديث، ووهم في قوله: (عن عائشة).\rورواهما عن مالك وعروة، عن هشام، عن أبيه - مرسلاً.\rوروى مسلمة بن قعنب، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر - أو: ابن عمرو-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: حديث: (لا تحروا).\rوالصحيح: قول القطان ومن تابعه-: [رواه] الدارقطني.\rوذكر ابن عبد البر أن أيوب بن صالح رواه، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.\rقال: وأيوب هذا ليس ممن يحتج به، وليس بالمشهور بحمل العلم.\rوروى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: حديث: النهي عن الصلاة عند الطلوع والغروب.\rخرجه الإمام أحمد.\rوروى ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة - موقوفاً-: إذا طلع حاجب الشمس.\rوالصواب: حديث عروة، عن ابن عمر.\rومن قال: (عن عائشة) فقد وهم: ذكره الدارقطني وغيره.\rفإن عروة عن عائشة سلسلة معروفة يسبق إليها لسان من لا يضبط ووهمه، بخلاف: عروة، عن ابن عمر، فإنه غريب، لا يقوله إلا حافظ متقن.\rورواه الدراوردي، عن هشام، عن أبيه، عن سالم، عن أبيه.\rووهم في قوله: (عن سالم)، ولم يتابع عليه -: قاله الدارقطني - أيضا.","part":4,"page":122},{"id":766,"text":"واختلف في معنى قوله: (تطلع بين قرني الشيطان) على قولين:\rأحدهما: أنه على ظاهره وحقيقته.\rوفي حديث الصنابحي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا كانت في وسط السماء قارنها فإذا دلكت) - أو قال: (زالت - فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، فلا تصلوا هذه الساعات الثلاث).\rخرجه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه.\rوروى أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: إن الشمس إذا طلعت أتاها ملك عن الله يأمرها بالطلوع، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع، فتطلع بين قرنيه، فيحرقه الله فيها، وما غربت الشمس قط إلا خرت لله ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الغروب، فتغرب بين قرنيه، فيحرقه الله تحتها، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما طلعت إلا بين قرني شيطان، ولا غربت إلا بين قرني شيطان).\rخرجه ابن عبد البر.\rوالهذلي، متروك الحديث.\rوأهل هذا القول، منهم من حمل القرن على ظاهره، وقال: يمكن أن يكون للشيطان قرن يظهره عند طلوع الشمس وغروبها.\rومنهم من قال: المراد بقرنيه جانبي رأسه، وإليه ميل ابن قتيبة.\rوالقول الثاني: أن المراد بطلوعها وغروبها بين قرني الشيطان: من يسجد لها من المشركين، كما في حديث عمرو بن عبسة المتقدم، (إنها تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار).\rوالقرن: الأمة. ونسبه إلى الشيطان؛ لطاعتهم إياه، كما قال: { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ } [المجادلة: 19].\rومنه: قول خباب في القصاص للإنكار عليهم: هذا قرن [قد] طلع.\rورجح هذا القول كثير من المتأخرين أو أكثرهم، وفيه نظر؛ فإن حديث عمرو بن عبسة يدل على أن طلوعها بين قرني الشيطان غير سجود الكفار لها؛ ولأن الساجدين للشمس لا ينحصرون في أمتين فقط.\rوقالت طائفة: معنى: (بين قرني الشيطان): أن الشيطان يتحرك عند طلوعها ويتسلط -: قاله إبراهيم الحربي، ورجحه بعضهم بأنه يقال: أنا مقرن لهذا الأمر، أي: مطيق له.\rوهذا بعيد جداً. والله أعلم.\rوحديث أبي هريرة:\rقال البخاري:\r584- حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين، وعن لبستين، وعن صلاتين: نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد، يفضي فرجه إلى السماء، وعن المنابذة والملامسة.\rالنهي عن اشتمال الصماء والاحتباء سبق الكلام عليه.\rوالنهي عن المنابذة والملامسة موضعه البيع.\rوأماالنهي عن الصلاتين، فهو موافق لحديث عمر المتقدم.\r***\r31- باب\rلا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس\rفيه أربعة أحاديث:\rالأول\r585- حدثنا عبد الله بن يوسف: أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها).","part":4,"page":123},{"id":767,"text":"هكذا في رواية البخاري: (لا يتحرى)، على أنه خبر أريد به النهي. وفي رواية لمسلم: (لا يتحر)، على أنه نهي.\rوهذا الحديث موافق لرواية عروة، عن ابن عمر، كما تقدم.\rوقد روى هذا الحديث - أيضا- عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلى مع طلوع الشمس، أو مع غروبها.\rخرجه النسائي من طريق خالد، عنه.\rورواه يحيى بن سليم وعبد الرحيم بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.\rوهو حديث منكر - : قاله أبو حاتم الرازي وغيره.\rوذكر الدارقطني أنهما وهما في إسناده على عبيد الله بن عمر؛ فإن عبيد الله إنما روى هذا المتن عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة كما سبق.\rوروى - أيضا - ابن أبي ذئب، عن مسلم الخياط، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح حتى ترتفع الشمس وتضحى).\rمسلم، وثقه ابن معين وغيره.\rوهذا غريب عن ابن عمر، بل منكر؛ فإنه لا يصح عنه رواية في النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر؛ فقد صح عنه أنه رخص في ذلك، كما خرجه البخاري، وسيأتي - إن شاء الله تعالى.\rالحديث الثاني:\r586- حدثنا عبد العزيز بن عبد الله: ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن يزيد الجندعي، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغيب الشمس).\rوقد روي هذا عن أبي سعيد من وجوه متعددة:\rوخرجه البخاري في (الصيام) من طريق عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس).\rومن حديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه نهى عن صلاة بعد الصبح والعصر.\rالحديث الثالث:\rقال:\r587- حدثنا محمد بن أبان: ثنا غندر: ثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت حمران بن أبان يحدث، عن معاوية، قال: إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنها - يعني: الركعتين بعد العصر.\rقال الإسماعيلي: قد رواه عثمان بن عمر، عن شعبة، عن أبي التياح، عن معبد الجهني، عن معاوية -جعل بدل حمران: معبدا.\rقلت: غندر مقدم في أصحاب شعبة على عثمان بن عمر وغيره.\rقال أحمد: ما في أصحاب شعبة أقل خطأ من غندر.\rوقد توبع عليه؛ فخرجه الإمام أحمد في (مسنده) عن غندر وحجاج، عن شعبة، عن أبي التياح، عن حمران.\rوكذا رواه شبابة بن سوار وقراد أبو نوح، عن شعبة.","part":4,"page":124},{"id":768,"text":"ورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، قال: أخبرني أبو التياح، عن معبد الجهني، قال: خطب معاوية، فقال: ألا ما بال أقوام يصلون صلاة، قد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها، وقد سمعناه نهى عنها - يعني: الركعتين بعد العصر.\rوهذه متابعة لعثمان بن عمر.\rقال البيهقي: كأن أبا التياح سمعه منهما. والله أعلم.\rالحديث الرابع:\rقال:\r588- حدثنا محمد بن سلام: ثنا عبدة، عن عبيد الله، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.\rوهذا الحديث سبق في الباب الماضي بأتم من هذا السياق.\rومقصود البخاري بهذا: ذكر الوقتين الضيقين المنهي عن الصلاة فيهما، وهما: عند غروب الشمس، وعند طلوعها.\rومقصوده بالباب الذي قبله: ذكر الوقتين المتسعين، وهما: بعد الفجر، وبعد العصر.\rفهذه أربعة أوقات:\rالوقت الأول: أوله: طلوع الفجر عند جمهور العلماء، ومنهم من قال: الانصراف من صلاة الفجر.\rوقد سبق ذكر هذا الاختلاف في الباب الماضي.\rوآخره: اخذ الشمس في الطلوع.\rوالوقت الثاني: أوله: أخذ الشمس في الطلوع، وهو بدو حاجبها، كما في حديث ابن عمر.\rوآخره: أن ترتفع الشمس، كما في حديث ابن عمر وأبي سعيد وغيرهما.\rوجاء من حديث ابن مسعود - مرفوعاً-: (حتى ترتفع وتبيض).\rخرجه الهيثم بن كليب بإسناد فيه انقطاع.\rوجاء في حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حتى ترتفع قيد رمح أو رمحين).\rخرجه الإمام أحمد.\rوفي إسناده اختلاف.\rوخرجه الإسماعيلي من حديث عمر بن الخطاب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بإسناد حديثه الذي خرجه البخاري هاهنا، ولكن متنه بهذا الإسناد منكر غير معروف.\rوفي (مسند الإمام أحمد) عن سعيد بن نافع، قال: رآني أبو بشير الأنصاري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلي صلاة الضحى حين طلعت الشمس، فعاب ذلك علي، ونهاني، وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تصلوا حتى ترتفع الشمس؛ فإنها تطلع في قرني الشيطان).\rوسعيد بن نافع، روى عن جماعة من الصحابة، وذكره ابن حبان في (ثقاته).\rوخرج النسائي من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل من ساعة أقرب من الله؟ قال: (نعم؛ جوف الليل الآخر، فصل ما بدا لك حتى تصلي الصبح، ثم انته حتى تطلع الشمس، فما دامت كأنها جحفة حتى تنتشر، ثم صل ما بدا لك) - وذكر الحديث.\rوخرجه - أيضا - من حديث أبي أمامة الباهلي، عن عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: قال: (فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح، ويذهب شعاعها).\rوخرجه أبو داود، وعنده: (ثم أقصر حتى تطلع الشمس قيد رمح - أو رمحين).\rوقال سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين: تحرم الصلاة إذا طلعت الشمس حتى تكون قيد نخلة، وتحرم إذا تغيرت حتى تغرب.\rوالوقت الثالث: أوله: إذا فرغ المصلي من صلاة العصر.","part":4,"page":125},{"id":769,"text":"وآخره: دخول الوقت الرابع.\rوالوقت الرابع: آخره: تكامل غروب الشمس بغير خلاف.\rولم يرد ما يخالف هذا إلا حديث: (لا صلاة بعدها - يعني: العصر - حتى يطلع الشاهد)، وهو النجم.\rوقد سبق ذكره، وأن من الفقهاء من تعلق به في قوله بكراهة التنفل قبل صلاة المغرب، وهو قول أبي حنيفة وغيره.\rوقال إسحاق: صلاة الركعتين قبل المغرب رخصة، فلا يزاد حينئذ على ركعتين وليست بسنة، نقله عنه ابن منصور.\rويكون عنده ما بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب، كما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح، لا يزاد فيه على ركعتين.\rوأماأوله: ففيه قولان:\rأحدهما: أنه اخذ الشمس في الغروب حتى تتكامل؛ لحديث ابن عمر: (إذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب).\rوهذا قول الحنفية، وأكثر أصحابنا وغيرهم.\rوالثاني: أوله: إذا اصفرت الشمس، وقد تقدم عن ابن سيرين، وحكي عن مالك والشافعي وإسحاق، وحكاه ابن المنذر عن أهل الرأي، ورجحه بعض أصحابنا، ومنهم من حكاهما روايتين عن أحمد.\rورأى شريح رجلاً يصلي حين أصفارت الشمس، فقال: أنهوه أن يصلي؛ فإن هذه ساعة لا تحل فيها الصلاة.\rوتبويب البخاري هاهنا يشهد لهذا القول، ولكنه لم يستشهد له إلا بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وفيه نظر؛ فإنه يجعل الوقتين وقتاً واحداً.\rوإنما يستدل له بحديث عقبة بن عامر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه نهى عن الصلاة حين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.\rخرجه مسلم.\rومعنى: تضيف للغروب: تميل إليه.\rوفي رواية للإمام أحمد من حديث كعب بن مرة - أو مرة بن كعب-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال بعد زوال الشمس: (ثم الصلاة مقبولة حتى تكون الشمس قيد رمح - أو رمحين-، ولا صلاة حتى تغرب الشمس).\rوخرج - أيضا- من حديث عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا تدلت الشمس للغروب فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس).\rوسنذكره بتمامه فيما بعد - إن شاء الله تعالى.\rفأماالوقتان الضيقان عند طلوع الشمس وغروبها، فجمهور العلماء على النهي عن التنفل بالصلاة فيهما، وقد حكاه غير واحد إجماعاً، ولكن روي عن ابن الزبير، أنه كان يصلي عند غروب الشمس.\rفخرج النسائي من طريق عمران بن حدير، قال: سألت أبا مجلز عن الركعتين عند غروب الشمس؟ فقال: كان عبد الله بن الزبير يصليهما، فأرسل إليه معاوية: ما هاتان الركعتان عند غروب الشمس، فاضطر الحديث إلى أم سلمة، فقالت أم سلمة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين قبل العصر، فشغل عنهما فركعهما حين غابت الشمس، ولم أره يصليهما قبل ولا بعد.\rوروى محمد بن حيي بن يعلي بن أمية، عن أبيه، قال: رأيت يعلي بن أمية صلى قبل أن تطلع الشمس، فقيل له: أنت رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تصلي قبل أن تطلع الشمس؟ قال يعلي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فلأن تطلع وأنت في أمر الله خير من أن تطلع وأنت لاه).\rخرجه الإمام أحمد.","part":4,"page":126},{"id":770,"text":"ومحمد بن حيي بن يعلي بن أمية، قال ابن المديني: هو مجهول. قال: وأبوه معروف، قد روي عنه.\rمع أن يعلي إنما كانت صلاته قبل طلوع الشمس، لكن تعليله يقتضي عدم كراهة الصلاة عند طلوعها.\rوأماالوقتان المتسعان، وهما: بعد الفجر، وبعد العصر، فاختلف العلماء: فمنهم من قال: لا بأس بالصلاة فيهما، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة:\rمنهم: ابن عمر.\rوقد خرج البخاري قوله في الباب الاتي.\rومنهم: عائشة.\rففي (صحيح مسلم) عن طاوس، قال: قالت عائشة: وهم عمر، إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها.\rومعنى قولها: وهم عمر - أي: فيما روى من النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر.\rوفي (صحيح ابن حبان) من رواية شعبة، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر، فقالت: صل؛ إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة إذا طلعت الشمس، وإذا غربت الشمس.\rومنهم: بلال.\rروى قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن بلال، قال: لم يكن ينهى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني الشيطان.\rوخرجه الإمام أحمد.\rوخرجه ابن أبي شيبة، وعنده: (عند غروب الشمس).\rوالظاهر: استواء الطلوع والغروب، ولا يعلم عن أحد التفريق بينهما.\rواختار ابن المنذر أن أوقات النهي ثلاثة: وقت الطلوع، ووقت الغروب، ووقت الزوال خاصة.\rوممن رخص في الصلاة بعد العصر والشمس مرتفعة: علي بن أبي طالب، والزبير، وتميم الداري، وأبو أيوب، وأبو موسى، وزيد بن خالد الجهني، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأم سلمة - رضي الله عنهم.\rومن التابعين: الأسود، ومسروق، وشريح، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبيدة، والأحنف بن قيس، وطاوس.\rوحكاه ابن عبد البر، عن عطاء، وابن جريج، وعمرو بن دينار.\rقال: وروي عن ابن مسعود نحوه.\rولم يعلم عن أحد منهم الرخصة بعد صلاة الصبح.\rوهو قول داود، فيما حكاه ابن عبد البر.\rوحكي رواية عن أحمد:\rقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد: هل ترى بأساً أن يصلي الرجل تطوعاً بعد العصر والشمس بيضاء مرتفعة؟ قال: لا نفعله، ولا نعيب فاعله.\rقال: وبه قال أبو حنيفة.\rوهذا لا يدل على أن أحمد رأى جوازه، بل رأى أن من فعله متأولاً، أو مقلداً لمن تأوله لا ينكر عليه، ولا يعاب قوله؛ لأن ذلك من موارد الاجتهاد السائغ.\rومما استدل به من ذهب إلى ذلك: ما رواه هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة).\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود.\rوالنسائي، وعنده: (إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية مرتفعة).\rوابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما).\rوثبته ابن المنذر.\rووهب بن الأجدع، قال محمد بن يحيى الذهلي: ليس بمجهول؛ قد روى عنه الشعبي - أيضا.\rواحتجوا- أيضا- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر.\rوقد خرجه البخاري فيما بعد.","part":4,"page":127},{"id":771,"text":"وخرج النسائي من حديث أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: (إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة) - يعني: جوف الليل - (فكن؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة إلى طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان) - وذكر الحديث، وقال فيه: (ثم الصلاة مشهودة) - يعني: بعد أن يفئ الشيطان) - وذكر الحديث، وقال فيه: (ثم تغيب بين قرني شيطان).\rوخرجه الإمام أحمد - بنحوه من حديث سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال فيه - في ذكر جوف الليل-: (فصل حتى تطلع الشمس)، وقال فيه: (فإذا فاء الفيء فصل، فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى تدلى الشمس للغروب، فإذا تدلت فأقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس).\rوهذا كله تصريح بجواز الصلاة بعد العصر وبعد الفجر؛ ولكن في هذه الروايات؛ فإن مسلماً خرج حديث عمرو بن عبسة من طريق أبي أمامة عنه، وذكر فيه: أنه أمره أن يقصر عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب.\rوكذا في أكثر الروايات.\rوهذه زيادة صحيحة، سقطت في تلك الروايات.\rوذهب أكثر العلماء إلى النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وهذا هو الثابت عن عمر بن الخطاب، وكان يضرب من صلى بعد العصر، وكذلك روي عن خالد بن الوليد - أيضا-، وهو قول ابن عباس ومعاوية، وروي عن ابن عمر وجماعة من الصحابة.\rوحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.\rوفي (صحيح مسلم) عن المختار بن فلفل، قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر.\rوروى الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كره عمر الصلاة بعد العصر، وأنا أكره ما كره عمر.\rوقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب كما سبق ذلك من حديث عمر وغيره من الصحابة، الذي رواه عنهم ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، ومعاوية.\rوخرج مسلم من حديث عمرو بن عبسة، ومن حديث أبي بصرة في الصلاة بعد العصر كحديث معاوية.\rوأكثر من جعل ما بعد الفجر والعصر وقت نهي حرم الصلاة فيه إلى طلوع الشمس وغروبها في الجملة، وإن أجاز بعضهم في الوقتين الطويلين للتنزيه، روي ذلك صريحاً عن ابن سيرين.\rوسبب هذا: أن المقصود بالنهي بالأصالة هو وقت الطلوع والغروب؛ لما في السجود حينئذ من مشابهة سجود الكفار في الصورة، وإنما نهى عن الصلاة قبل ذلك سداً للذريعة؛ لئلا يتدرج بالصلاة فيه إلى الصلاة في وقت الطلوع والغروب. وقد جاء ذلك صريحاً عن غير واحد من الصحابة والتابعين.","part":4,"page":128},{"id":772,"text":"وروى ابن جريج: سمعت أبا سعد الأعمى يخبر، عن رجل، يقال له: السائب مولى الفارسيين، عن زيد بن خالد، أن عمر رآه يركع بعد العصر ركعتين، فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يصلي، فلما انصرف قال: دعها يا أمير المؤمنين، فوالله لا أدعها أبداً بعد إذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما، فجلس إليه عمر، فقال: يا زيد، لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلماً إلى الصلاة حتى الليل، لم أضرب فيهما.\rوخرجه الإمام أحمد.\rوفي إسناده رجلان غير معروفين.\rوروى الليث بن سعد، عن أبي الأسود، عن عروة، أنه قال: أخبرني تميم الداري - أو أخبرت- أن تميماً الداري ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر، فأتاه عمر، فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم أن اجلس، وهو في صلاته، فجلس عمر حتى فرغ تميم من صلاته، فقال لعم: لم ضربتني؟ قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين، وقد نهيت عنهما. قال: فإني قد صليتهما مع من هو خير منك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال عمر: إنه ليس بي أيها الرهط، ولكني اخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلوا فيها، كما وصلوا ما بين الظهر والعصر.\rخرجه الطبراني.\rوخرجه الإمام أحمد - مختصراً-، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: خرج عمر على الناس يضربهم على السجدتين بعد العصر، حتى مر بتميم الداري، فقال: لا أدعهما؛ صليتهما مع خير منك، رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال عمر: لو أن الناس كانو كهيئتك لم أبال.\rورواية عروة عن عمر مرسلة.\rوخرج الحاكم من رواية هشام بن حجير، قال: كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما، فقال: إنما نهي عنهما أن تتخذ سلماً أن يوصل ذلك إلى غروب الشمس.\rقال ابن عباس: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن صلاة بعد العصر، وما ندري أتعذب عليه أم تؤجر؛ لأن الله يقول: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ } [الأحزاب: 36].\rوقول من قال: إن النهي عنها كان سداً لذريعة الصلاة في وقت الكراهة الأصلي، فلا يكون محرماً - غير صحيح؛ فإنه إذا ثبت نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها كان نهيه للتحريم، وإن كان معللاً بسد الذريعة، كما نهى عن ربا الفضل معللاً بسد الذريعة لربا النسيئة، وكل منهما محرم، وكما نهى عن شرب قليل ما أسكر كثيرة، لأنه ذريعة إلى السكر، وكلاهما محرم، ونظائر ذلك.\rوالذين حرموا الصلاة بعد الفجر والعصر اتفقوا على تحريم التنفل الذي لا سبب له، وأماما له سبب كتحية المسجد ونحوها فلهم فيه قولان مشهوران: أجازه الشافعي، ومنعه أبو حنيفة ومالك، وعن أحمد فيه روايتان.\rولذلك اختلفت الرواية عن مالك فيمن صلى ركعتي الفجر في بيته، ثم دخل المسجد: هل يصلي ركعتين، أم لا؟ وأجاز سجود التلاوة في هذا الوقت، وأمابعد صلاة الفجر فلا يفعل عنده شيء من ذلك في المشهور عنه.","part":4,"page":129},{"id":773,"text":"وعنه رواية أخرى: يفعل سجود التلاوة، وصلاة الكسوف خاصة.\rوفي (سنن أبي داود) بإسناد فيه نظر، عن ابن عمر، أنه نهى عن سجود التلاوة بعد الصبح، وقال: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر وعثمان، فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس.\rوأماقضاء الفرائض الفائتة، فأجازه الأكثرون، منهم: مالك والشافعي وأحمد استدلالاً بامر النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلى ركعة من الصبح ثم طلعت عليه الشمس أن يتم صلاته. ومنع ذلك أبو حنيفة، وقد سبق ذكره، ويأتي فيما بعد - إن شاء الله.\rفأمافروض الكفاية كصلاة الجنازة، فيجوز فعلها في الوقتين المتسعين عند الجمهور، ومنهم من حكاه إجماعاً كابن المنذر وغيره.\rوفي فعلها في الوقتين الضيقين قولان، هما روايتان عن مالك وأحمد، ومنع أحمد - في رواية عنه - من فعلها بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع، اتباعاً لما روي في ذلك عن ابن عمر.\rوكذا روى ابن القاسم عن مالك، أنه لا يصلي على الجنائز إذا اصفرت الشمس حتى تغرب، وإذا أسفر الضوء حتى ترتفع الشمس.\rوهذا يرجع إلى أن وقت الاختيار يخرج بالإسفار ويدخل وقت الكراهة. وعلى مثل هذا ينبغي حمل المروي عن أحمد - أيضا.\rوينبغي على هذا القول أن يكون أول وقت النهي عن الصلاة إسفار الوقت جداً.\rوعن الليث، قال: لا يصلي على الجنازة في الساعة التي تكره فيها الصلاة.\rومنع الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة من الصلاة على الجنازة في الوقتين الضيقين دون الواسعين.\rوأجازه الشافعي في جميع الأوقات؛ لأنه يرى أن النهي يختص بالتطوع المطلق الذي ليس له سبب.\r* * *","part":4,"page":130},{"id":774,"text":"32- باب\rمن لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر\rرواه عمر، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة.\rمعنى هذا الباب أنه لا تكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر، فلا تكره في وقت قيام الشمس في وسط النهار قبل الزوال.\rوقوله: رواه عمر وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة -يعني: أنهم رووا النهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر، سوى ابن عمر؛ فإنه لم تصح عنه الرواية إلا في النهي عن الصلاة في وقت الطلوع والغروب خاصة.\rومراده: أن أحداً منهم لم يرو النهي عن الصلاة في وقت آخر غير هذه الأوقات.\rثم قال:\r589- حدثنا أبو النعمان: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، لا أنهى أحداً يصلي بليل أو نهار ما شاء، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها.\rووجه استدلاله بهذا على مراده: أن ابن عمر أخبر أنه لا ينهى أحداً يصلي في ساعة من ليل أو نهار، غير أنه لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها، وأنه يصلي كما رأى أصحابه يصلون، وهذا يشعر بأنه رأى أصحابه، وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - يصلون في كل وقت من ليل أو نهار، سوى وقت الطلوع والغروب.\rوهذا عجيب من ابن عمر - رضي الله عنه-؛ فإنه يعلم أن أباه كان ينهى عن الصلاة بعد العصر ويضرب على ذلك.\rوقد روي عن عمر من وجوه، أنه نهى عن سجود التلاوة وصلاة الجنازة بعد الصبح قبل طلوع الشمس.\rوقد روي مثل قول ابن عمر مرفوعاً:\rرويناه في كتاب (وصايا العلماء) لابن زبر من طريق مروان بن جعفر، عن محمد بن إبراهيم بن خبيب، عن جعفر بن سعد، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة، قال: هذه وصية سمرة إلى بنيه، فذكر فيها: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا أن نصلي أي ساعة شئنا من الليل أو النهار، غير أنه أمرنا أن نجتنب طلوع الشمس وغروبها، وقال: (إن الشيطان يغيب معها حين تغيب، ويطلع معها حين تطلع).\rوهذه نسخة، خرج منها أبو داود في (سننه) أحاديث.\rوخرجه البزار في (مسنده) عن خالد بن يوسف السمتي، عن أبيه، عن جعفر بن سعد.\rويوسف بن خالد السمتي، ضعيف جداً.\rوقد اختلف العلماء في وقت قيام الشمس في نصف النهار قبل زوالها: هل هو وقت نهي عن الصلاة، أم لا؟\rفقالت طائفة: ليس هو وقت نهي، كما أشار إليه البخاري، وهو قول مالك، وذكر أنه لا يعرف النهي عنه، قال: وما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار.\rوروي عنه، أنه قال: لا أكرهه ولا أحبه.\rهذا مع أنه روى في (الموطأ) حديث الصنابحي في النهي عنه، ولكنه تركه لما رآه من عمل أهل المدينة.\rوممن رخص في الصلاة فيه: الحسن، وطاوس، والأوزاعي في رواية عنه، وهو ظاهر كلام الخرقي من أصحابنا.\rوقال آخرون: هو وقت نهي لا يصلي فيه، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والحسن بن حي، وابن المبارك، وأحمد، وابن المنذر.\rوقال: ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه.\rونهى عنه عمر بن الخطاب.\rوقال ابن مسعود: كنا ننهى عنه.\rوقال سعيد المقبري: أدركت الناس وهم يتقون ذلك.","part":4,"page":131},{"id":775,"text":"وقد خرج مسلم في (صحيحة) حديثين في النهي عن الصلاة في هذا الوقت:\rأحدهما: حديث أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: (صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة؛ فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار).\rوالثاني: حديث موسى بن علي بن رباح، عن أبيه: سمعت عقبة بن عامر يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازعة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.\rوفي المعنى أحاديث أخر:\rمنها: حديث الصنابحي، وقد ذكرناه فيما تقدم.\rومنها: حديث كعب بن مرة- أو مرة بن كعب-، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث، وفيه: (ثم الصلاة مقبولة حتى يقوم الظل قيام الرمح، ثم لا صلاة حتى تزول الشمس).\rخرجه الإمام أحمد.\rوخرج - أيضا- من حديث ليث، عن ابن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا تصلوا عند طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، ويسجد لها كل كافر، ولا نصف النهار، فإنها عند سجر جهنم).\rوليث، هو: ابن أبي سليم. وعبد الرحمن بن سابط، لم يسمع من أبي أمامة -: قاله ابن معين وغيره.\rوالصحيح: أن أبا أمامة إنما سمعه من عمرو بن عبسة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما تقدم.\rوقد روي، عن ليث، عن ابن سابط، عن أخي أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوروى ابن وهب، أخبرني عياض بن عبد الله، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رجلاً سال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمن ساعات الليل والنهار ساعة تأمرني أن لا أصلي فيها؟ - فذكر الحديث بطوله، وفيه: (فإذا انتصف النهار فأقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس؛ فإنه حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم. فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر) - وذكر الحديث.\rخرجه ابن خزيمة في (صحيحه).\rوخرجه ابن ماجه وابن حبان في (صحيحه) من طريق ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، أن صفوان بن المعطل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره بنحوه.\rوخرجه عبد الله بن الإمام أحمد والحاكم من رواية حميد بن الأسود، عن الضحاك، عن المقبري، عن صفوان بن المعطل - لم يذكر في إسناده: أبا هريرة.\rوقال الحاكم: صحيح الإسناد.\rورواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، أن عمرو بن عبسة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره.\rخرجه الهيثم بن كليب في (مسنده).\rوهو منقطع؛ عون لم يسمع من ابن مسعود.","part":4,"page":132},{"id":776,"text":"قال الدارقطني: قول الليث أصح - يعني: من قول الضحاك ويزيد بن عياض.\rقال: وروي عن الليث، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن ابن المسيب، عن عمرو بن عبسة، وهو وهم على الليث؛ إنما روى الليث في آخر الحديث ألفاظاً عن ابن عجلان عن سعيد المقبري - مرسلاً.\rقلت: ورواه ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن المقبري، عن عون ابن عبد الله، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة نصف النهار.\rخرجه الطبراني.\rوابن لهيعة، سيء الحفظ.\rوروى الطبراني - أيضا-: أخبرنا أبو زرعة الدمشقي: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه نهى عن الصلاة في ثلاث ساعات: عند طلوع الشمس حتى تطلع، ونصف النهار، وعند غروب الشمس.\rوهذا غريب جداً، وكأنه غير محفوظ.\rوروى عاصم عن زر، عن ابن مسعود، قال: إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، فما ترتفع قصمة في السماء إلا فتح لها باب من أبواب النار، فإذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها، فكنا ننهى عن الصلاة عن طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند نصف النهار.\rخرجه يعقوب بن شيبة السدوسي في (مسنده).\rوخرجه البزار، ولفظه: عن ابن مسعود، قال: نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر - أو قال: بعد صلاة الصبح - حتى تطلع الشمس، ونصف النهار. قال: في شدة الحر.\rالقصمة - بالفتح - : الدرجة، سميت لأنها كسرة من القصم: الكسر.\rوروى الإسماعيلي من حديث أيوب بن جابر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي- صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا تصلوا قبل طلوع الشمس حتى تطلع، ولا عند غروبها حتى تغرب، ولا نصف النهار حتى تزول).\rأيوب بن جابر، ضعيف الحديث.\rوقالت طائفة: تكره الصلاة وسط النهار، إلا يوم الجمعة، وهو قول مكحول والأوزاعي في رواية، وسعيد بن عبد العزيز وأبي يوسف والشافعي وإسحاق.\rوروى الشافعي فيه حديثاً بإسناد ضعيف، عن أبي هريرة.\rوروى مالك، عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج، فإذا خرج عمر جلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا.\rوخرج أبو داود من حديث ليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: (إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة).\rوقال: هو مرسل؛ أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة.\rوقال الأثرم: له علل، ومنها: أنه من حديث ليث، ومنها: أن أبا الخليل لم يلق أبا قتادة. انتهى.\rوأبو الخليل، هو: صالح بن أبي مريم، ومن زعم أنه عبد الله بن الخليل صاحب علي فقد وهم.\rوقال طاوس: يوم الجمعة صلاة كله.\rوذكر قوله للإمام أحمد، فأنكره، وقال: فيصلي بعد العصر حتى تغرب الشمس؟!.\rوقالت طائفة اخرى: يكره ذلك في الصيف لشدة الحر فيه، دون الشتاء، وحكي عن عطاء.\rوفي بعض روايات حديث ابن مسعود المتقدم ما يشهد له.","part":4,"page":133},{"id":777,"text":"وقال ابن سيرين: يكره نصف النهار في شدة الحر، ولا يحرم.\rوالمعنى في كراهة الصلاة وقت استواء الشمس: أن جهنم تسعر فيها، فيكون ساعة غضب الرب سبحانه، فهي كساعة سجود الكفار للشمس، والصلاة صلة بين العبد وربه؛ لأن المصلي يناجي ربه، فتجتنب مناجاته في حال غضبه حتى يزول المقتضي لذلك. والله أعلم.\r* * *","part":4,"page":134},{"id":778,"text":"33- باب\rما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها\rوقال كريب، عن أم سلمة: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر ركعتين، وقال: (شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر).\rهذا الحديث اسنده في أواخر (كتاب الصلاة) في (الإشارة باليد في الصلاة)، وفي (المغازي) في (باب: وفد عبد القيس) من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير، أن كريباً مولى ابن عباس حدثه، أن ابن عباس وعبد الرحمن ابن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوا إلى عائشة، فقالوا: أقرأ عليها السلام منا جميعاً، وسلها عن الركعتين بعد العصر؛ فإنا أخبرنا أنك تصليها، وقد بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها. قال ابن عباس: وكنت أضرب مع عمر الناس عنهما. قال كريب: فدخلت عليها، وبلغتها ما أرسلوني، [فقالت: سل أم سلمة، فأخبرتهم، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني إلى عائشة]، فقالت أم سلمة: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عنهما، وإنه صلى العصر ثم دخل علي، وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فصلاهما، فأرسلت إليه الخادم، فقلت: قومي إلى جنبه، فقولي: تقول أم سلمة: يار سول الله، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين؟ فأراك تصليها، فإن أشار بيده فاستأخري، ففعلت الخادم، فأشار بيده فاستأخرت عنه، فلما أنصرف قال: (يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني أناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان).\rوخرجه مسلم - أيضا.\rقال الدارقطني في (العلل): هو أثبت هذه الأحاديث وأصحها.\rيشير إلى الأحاديث التي فيها ذكر عائشة وأم سلمة.\rوقد روي عن أم سلمة من وجه آخر، أنها لم تر النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها غير تلك المرة.\rخرجه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق: أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العصر قط إلا مرة، جاءه ناس بعد الظهر، فشغلوه في شيء، فلم يصل بعد الظهر شيئاً حتى صلى العصر. قالت: فلما صلى العصر دخل بيتي فصلى ركعتين.\rوخرجه النسائي - بمعناه.\rوهذا - أيضا- إسناد صحيح.\rوخرجه بقي بن مخلد في (مسنده) من رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، قال: قدم معاوية المدينة، فأرسل إلى عائشة. فسألها عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين بعد العصر؟ فقالت: ما أدري، سلوا أم سلمة، فسألوا أم سلمة - فذكرت الحديث.\rوهذه الرواية تدل على أن عائشة لم يكن عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء.\rورواه الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي لبيد، به، وفي حديثه: أن عائشة قالت: لا علم لي، ولكن أذهب إلى أم سلمة.\rوكذا رواه الشافعي - أيضا - عن سفيان.\rوخرجه النسائي - أيضا- من حديث أبي مجلز، عن أم سلمة، وفيه: قالت: فركعهما حتى غابت الشمس، ولم أره يصليهما قبل ولا بعد.\rوقد سبق بتمامه.\rوهذا يدل على أنه صلاهما بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، وحينئذ فلا يبقى إشكال في ذلك.","part":4,"page":135},{"id":779,"text":"وخرج الإمام أحمد من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه كان عند مروان، فأرسل إلى عائشة: ما ركعتان يذكرهما ابن الزبير عنك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصليهما بعد العصر؟ فأرسلت إليه: أخبرتني أم سلمة، فأرسل إلى أم سلمة، فقالت: يغفر الله لعائشة، لقد وضعت أمري على غير موضعه، ثم ذكرت قصة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما، وقالت أم سلمة: وما رأيته صلاهما قبلها ولا بعدها.\rوقد روى عن أم [سلمة]، أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: (لا). وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى.\rوقد روي عن أم سلمة ما يخالف هذا، إلا أن إسناده لا يصح: من رواية محمد بن حميد الرازي، عن هارون بن المغيرة، عن ابن سعيد، عن عمار الدهني، عن عبد الملك بن عبيدة بن ربيعة، عن جدته أم سلمة، أنها أمرت بالركعتين بعد العصر، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصليهما إذا صلى مع الناس هو جالس، مخافة شهرتها، وإذا صلاها في بيته صلاها قائماً.\rقال محمد بن حميد: كتب عني أحمد بن حنبل هذا الحديث.\rمحمد بن حميد، كثير المناكير، وقد اتهم بالكذب، فلا يلتفت إلى تفرده بما يخالف الثقات.\rثم أسند حديث عائشة في هذا الباب من أربعة أوجه:\rالأول:\rقال:\r590- حدثنا أبو نعيم: ثنا عبد الواحد بن أيمن: حدثني أبي، أنه سمع عائشة قالت: والذي ذهب به، ما تركهما حتى لقي الله، وما لقي الله حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيراً من صلاته قاعداً- تعني: الركعتين بعد العصر -، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليهما، ولا يصليهما في المسجد، مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم.\rهذا انفرد به البخاري عن مسلم.\rوخرجه الإسماعيلي في (صحيحه): (المستخرج على صحيح البخاري)، وزاد في روايته: فقال لها أيمن: وإن عمر كان ينهى عنها، يضرب فيها؟ قالت: صدقت، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها، وكان لا يصليهسا في المسجد مخافة أن يشق على أمته، وكان يخفف ما خفف عنهم.\rوهذا يشبه اعتذارها عن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة الضحى؛ فإنها قالت: ما رأيت رسول الله يسبح سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.\rخرجه مسلم.\rوخرج البخاري أوله.\rالوجه الثاني:\rقال:\r591- حدثنا مسدد: ثنا يحيى: ثنا هشام: أخبرني أبي، قال: قالت عائشة: ابن أختي، ما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - السجدتين بعد العصر عندي قط.\rوخرجه مسلم من طريق جرير وابن نمير، كلاهما عن هشام بن عروة، به.\rالوجه الثالث:\rقال:\r592- حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا عبد الواحد: ثنا الشيباني: ثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ركعتان لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعهما سراً ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر.","part":4,"page":136},{"id":780,"text":"وخرجه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن الشيباني، به، ولفظه: قالت: صلاتان ما تركهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي قط سراً ولا علانية: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر.\rوذكر البيت مع قولها: (سراً وعلانية) فيه إشكال؛ فإن لم يكن ذكر البيت محفوظاً كان المعنى: أنه لم يكن يتركهما في المسجد وفي البيت، وهذا يخالف حديث أنس عنها.\rالوجه الرابع:\rقال:\r593- حدثنا محمد بن عرعرة: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: رأيت الأسود ومسروقاً شهداً على عائشة، قالت: ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين.\rوخرجه مسلم من طريق غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق - وهو: السبيعي، به بمعناه.\rوخرجه البخاري في موضع آخر من حديث ابن الزبير، عن عائشة.\rوخرجه مسلم من طريق آخر، من رواية محمد بن أبي حرملة: أخبرني أبو سلمة، أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما بعد العصر؟ فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما - أو نسيهما-، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها.\rقال إسماعيل: تعني: داوم عليها.\rوخرجه من وجه آخر، من طريق طاوس، عن عائشة، قالت: لم يدع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعد العصر. فقالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك).\rففي هذه الرواية: إشارة من عائشة إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي في وقت نهى عن الصلاة فيه؛ لأنه إنما نهى عن تحري الطلوع والغروب، وكان يصلي قبل ذلك.\rوعلى هذا؛ فلا إشكال في جواز المداومة عليها لمحبته المداومة على أعماله، كما في الرواية التي قبلها؛ لأن ذلك الوقت ليس بوقت نهي عن الصلاة بالكلية.\rوقد روي عن عائشة، أنه لم يداوم عليها.\rخرجه الطبراني من رواية كامل أبي العلاء، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: فاتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان قبل العصر، فلما انصرف صلاهما، ثم لم يصلهما بعد.\rوروى بقي بن مخلد في (مسنده): حدثنا محمد بن مصفى: ثنا بقية: حدثني محمد بن زياد: سمعت عبد الله بن أبي قيس يقول: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركعهما قبل الهاجرة، فنهى عنهما، فركعهما بعد العصر، فلم يركعهما قبلها ولا بعدها.\rوهذا إسناد جيد\rوخرجه الإمام أحمد عن غندر: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعت عبد الله بن [أبي] موسى، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن الوصال في الصوم، وسألتها عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلاً على الصدقة، فجاءته عند الظهر، فصلى الظهر، وشغل في قسمته حتى صلى العصر، ثم صلاها، وقالت: عليكم بقيام الليل؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدعه.","part":4,"page":137},{"id":781,"text":"قال أحمد: يزيد بن خمير صالح الحديث. قال: وعبد الله بن أبي موسى هذا خطأ، أخطأ فيه شعبة، هو: عبد الله بن أبي قيس. انتهى.\rوالأمر كما قاله.\rوقد روي عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة من وجه آخر، وهو شامي حمصي، خرج له مسلم.\rوإنما سئلت عائشة عن الوصال والركعتين بعد العصر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عنهما ويفعلهما، وحديث عائشة هذا يدل على أنه إنما فعلهما في هذه المرة؛ ولذلك لم تأمر السائل بفعهلما، وإنما عدلت إلى أمره بقيام الليل، مع أنه [لم] يسأل عنه، وأخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدعه، وهذا يشعر بأن الصلاة بعد العصر بخلاف ذلك.\rوخرج الإمام أحمد - أيضا - من رواية معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر؟ فقالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين بعد الظهر، فشغل عنهما حتى صلى العصر، فلما فرغ ركعهما في بيتي، فما تركهما حتى مات.\rقال عبد الله بن أبي قيس: فسألت أبا هريره عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه.\rفخالف معاوية بن صالح محمد بن زياد ويزيد بن خيمر، وقولهما أولى.\rوقد روي عن عائشة، أنها ردت الأمر إلى أم سلمة في ذلك، وقد سبق حديث كريب عنها - وهو أصح روايات الباب كما ذكره الدارقطني-، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عائشة قالت: اخبرتني أم سلمة، وحديث أبي سلمة، عن عائشة وأم سلمة.\rوخرج الإمام أحمد من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: دخلت أنا وابن عباس على معاوية، فذكر الركعتين بعد العصر، فجاء ابن الزبير، فقال: حدثتني عائشة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأرسل إلى عائشة، فقالت: ذاك ما أخبرته أم سلمة، فدخلنا على أم سلمة، فاخبرناها ما قالت عائشة، فقالت: يرحمها الله، أو لم أخبرها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عنهما؟\rوفي رواية بهذا الإسناد: أن عائشة قالت: لم أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن حدثتني أم سلمة، فسألناها، فذكرت القصة، ثم قالت: ولقد حدثتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنهما.\rورواه حنظلة السدوسي، عن عبد الله بن الحارث، قال: صلى بنا معاوية العصر، فأرسل إلى ميمونة رجلاً، ثم أتبعه رجلاً آخر، فقالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجهز بعثاً، ولم يكن عنده ظهر، فجاءه ظهر من ظهر الصدقة، فجعل يقسمه بينهم، فحبسوه حتى أرهق العصر، وكان يصلي قبل العصر ركعتين، أو ما شاء الله، فصلى العصر ثم رجع، فصلى ما كان يصلي قبلها، وكان إذا صلى صلاة، أو فعل شيئاً يحب أن يداوم عليه.\rخرجه الإمام أحمد.\rوفي رواية له بهذا الإسناد: أن معاوية أرسل إلى عائشة، فأجابته بذلك.\rوكلاهما وهم. والله أعلم.\rورواية يزيد بن أبي زياد له، عن عبد الله بن الحارث، عن [ام] سلمة أصح.\rوحنظلة هذا، قال الإمام أحمد: منكر الحديث. وضعفه ابن معين والنسائي.","part":4,"page":138},{"id":782,"text":"وقد روي عن عائشة ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً.\rففي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر اربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالليث تسع ركعات فيهن الوتر، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.\rفهذا يدل على أنه لم يكن يصلي بعد العصر شيئاً في بيتها؛ لأنه لو كان ذلك لذكرته كما ذكرت صلاته في بيتها بعد الظهر والمغرب والعشاء.\rوقد خرجه الإمام أحمد، وزاد فيه: (وركعتين قبل العصر). ولم يذكر بعدها شيئاً.\rوروى سعد بن أوس: حدثني مصدع أبو يحيى، قال: حدثتني عائشة - وبيني وبينها ستر-، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة إلا اتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما.\rخرجه بقي بن مخلد.\rفقد تبين بهذا كله أن حديث عائشة كثير الاختلاف والاضطراب، وقد رده بذلك جماعة، منهم: الترمذي والأثرم وغيرهما.\rومع اضطرابه واختلافه فتقدم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا اختلاف فيها ولا اضطراب في النهي عن الصلاة بعد العصر عليه.\rوعلى تقدير معارضته لتلك الأحاديث، فللعلماء في الجمع بينهما مسالك:\rالمسلك الأول:\rأن حديث عائشة يدل على التطوع المداوم عليه قبل الفريضة وبعدها، إذا فات شيء منه فإنه يجوز قضاؤه بعد العصر.\rوقد روي هذا المعنى عن زيد بن ثابت وابن عباس، وإليه ذهب الشافعي والبخاري والترمذي وغيرهم.\rورجح أكثرهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم على ذلك، كما في حديث أم سلمة، وقد تبين أن عائشة رجعت إليها في ذلك.\rوعلى تقدير أن يكون داوم عليها فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحافظ على نوافله كما يحافظ على فرائضه، ويقضي ما فاته منها، كما روي عنه أنه كان يقضي ما فاته من الصيام في الأشهر في شعبان - كما كانت عائشة تقضي ما فاتها من رمضان - حتى لا يأتي رمضان آخر وقد فاته شيء من نوافله في العام الماضي فلما صلى يوماً ركعتين بعد العصر قضاءً لما فاته من النوافل كان ذلك سبباً مجوزاً لمداومته على مثل ذلك.\rوفي هذا نظر؛ فإنه لما فاته صلاة الصبح بالنوم، وقضاها نهاراً لم يداوم على مثل تلك الصلاة كل يوم، وكذلك لما قضى صلاة العصر يوم الخندق.\rواختلف الشافعية فيمن قضى شيئاً من التطور في وقت النهي: هل له المداومة؟ على وجهين لهم، أصحهما: أنه لا يجوز المداومة.\rورجح الأكثرون: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم على هذه الصلاة.\rكما روى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، قال: سمعت قبيصة بن ذؤيب، أن عائشة اخبرت آل الزبير، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها ركعتين بعد العصر، فكانوا يصلونها.","part":4,"page":139},{"id":783,"text":"قال قبيصة: فقال زيد بن ثابت: يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عائشة، إنما كان كذلك لأن أناساً من الأعراب أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهجير، فقعدوا يسألونه ويفتيهم حتى صلى الظهر، ولم يصل ركعتين، ثم قعد يفتيهم حتى صلى العصر، فانصرف إلى بيته، فذكر أنه لم يصل بعد الظهر شيئاً، فصلاهما بعد العصر، يغفر الله لعائشة، نحن أعلم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عائشة، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة بعد العصر.\rوروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما.\rخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وابن حبان في (صحيحه).\rوالمسلك الثاني:\rأنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصاً بإباحة الصلاة بعد العصر، أو في أوقات النهي مطلقاً، وهذا قول طائفة من الفقهاء من أصحابنا كابن بطة، ومن الشافعية وغيرهم.\rوروى إسحاق بن راهويه في (مسنده) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: رأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر، فقلت: ما هذ؟ قال: أخبرتني عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يصلي ركعتين بعد العصر في بيتي، قال: فأتيت عائشة، فسألتها، فقالت: صدق، فقلت لها: فأشهد لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ما أمر، ونحن نفعل ما أمرنا.\rأبو هارون، ضعيف الحديث.\rولهذا المعنى قال طائفة من العلماء: إنه إذا تعارض نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله أخذنا بنهيه؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصاً به، كما في نهيه عن نكاح المحرم مع أنه نكح وهو محرم، إن ثبت ذلك، وكما كان يواصل في صيامه، ونهى عن الوصال.\rويعضد هذا : ماروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه سئل: أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: (لا).\rفروى حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، قالت: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ فقال: (قدم علي مال فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن). فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال (لا).\rخرجه الإمام أحمد وابن حبان في (صحيحه).\rوإسناده جيد.\rقال الدارقطني: وروي عن ذكوان، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد ضعفه البيهقي بغير حجة في (كتاب المعرفة).\rوخرجه في (كتاب السنن) من رواية ذكوان، عن عائشة، قالت: حدثتني أم سلمة - فذكرت الحديث.\rوعاصم، وثقه جماعة من الأئمة.","part":4,"page":140},{"id":784,"text":"وروى زهير بن محمد، عن يزيد بن خصيفة، عن سلمة بن الأكوع، قال: كنت أسافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما رأيته صلى بعد العصر ولا بعد الصبح قط.\rخرجه الإمام أحمد.\rوذكره الترمذي في (علله)، وقال: سألت عنه محمداً - يعني: البخاري-، فقال: لا أعرف ليزيد بن خصيفة سماعاً من سلمة بن الأكوع. قال: ولم نعرف هذا الحديث إلا من هذا الوجه.\rكذا قال.\rوقد خرجه من طريق سعيد بن أبي الربيع: حدثنا سعيد بن سلمة: ثنا يزيد ابن خصيفة، عن ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه سلمة - فذكره- فأدخل بينهما: (ابن سلمة)، لكنه لم يسمه.\rوقد خرج البخاري فيما سبق حديث معاوية، أنه قال: إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنها - يعني: الركعتين بعد العصر.\rوقد ذكرنا فيما سبق عن عائشة حديثاً في هذا المعنى - أيضا-، وأنها قالت: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة إلا أتبعها ركعتين، غير الغداة وصلاة العصر؛ فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما.\rيستأنس لدعوى النسخ: بقول أبي هريرة: قد كنا نفعله - يعني: الصلاة بعد العصر-، ثم تركناه.\rخرجه الإمام أحمد من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، أنه سأل عائشة عن الركعتين بعد العصر - فذكر حديثها.\rقال عبد الله بن أبي قيس: وسألت أبا هريرة عنه؟ فقال: قد كنا نفعله، ثم تركناه.\rويحتمل عندي: أن يجمع بين أحاديث عائشة المختلفة في هذا الباب بوجه آخر غير ما تقدم، وهو:\rمسلك رابع:\rلم نجد أحداً سبق إليه، وهو محتمل:\rفنقول: يمكن أن تكون عائشة - رضي الله عنها- لما بلغها عن عمر وغيره من الصحابة النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ظنت أنهم ينهون عن الصلاة بمجرد دخول وقت العصر، كما قال ذلك كثير من العلماء أو أكثرهم في النهي عن الصلاة بعد الفجر، أن النهي يدخل بطلوع الفجر كما سبق ذكره.\rوكانت عائشة عندها علم من النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه يصلي قبل صلاة العصر ركعتين في بيتها، وكان عندها رواية عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في بيتها مرة ركعتين بعد العصر، فكانت ترد بذلك كله قول من نهى عن الصلاة بعد العصر.\rفإذا وقع التحقيق معها في الصلاة بعد صلاة العصر كما أرسل إليها معاوية يسألها عن ذلك تقول: لا أدري، وتحيل على أم سلمة؛ لأن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة العصر لم تره عائشة، إنما أخبرتها به أم سلمة، وإنما رأت عائشة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتها؛ وذلك بعد دخول وقت العصر وقبل صلاة العصر، مع أنها كانت -احياناً - تروي حديث أم سلمة وترسله، ولا تسمي من حدثها به.\rوهذا وجه حسن يجمع بين عامة اختلاف الأحاديث في هذا الباب، إلا أنه يشكل عليه أحاديث:\rمنها: رواية يحيى بن قيس: اخبرني عطاء: أخبرتني عائشة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل عليها بعد صلاة العصر إلا صلى ركعتين.\rخرجه الإمام أحمد عن محمد بن بكر البرساني، عن يحيى، به.","part":4,"page":141},{"id":785,"text":"ورواه أحمد بن المقدام وغيره، عن محمد بن بكر، ولم يذكروا لفظة: (صلاة).\rولعل هذه اللفظة رواها محمد بن بكر بما فهمه من المعنى، فكان تارةً يذكرها، وتارةً لا يذكرها، فإن المتبادر عند إطلاق الصلاة بعد العصر الصلاة بعد صلاة العصر، لا بعد وقت العصر، مع احتمال إرادة المعنى الثاني.\rوقد روي عن عائشة - أيضا-، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدع ركعتين بعد الصبح.\rوقد خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ.\rوالمراد: بعد وقت الصبح، لا بعد صلاته، بغير إشكال.\rومنها: ما روى خلاد بن يحيى: ثنا عبد الواحد بن أيمن: حدثني أبي، قال: دخلت على عائشة، فسألتها عن ركعتين بعد العصر؟ فقالت: والذي ذهب بنفسه، ما تركهما حتى لقي الله. فقال: يا أم المؤمنين، فإن عمر كان ينهى عنها ويشدد فيها؟ قالت: صدقت، كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس العصر، فإذا فرغ دخل بيوت نسائه فصلاهما؛ لئلا يروه فيجعلوها سنة، وكان يحب ما خف على أمته.\rوهذا تصريح بأنه كان يصليهما بعد صلاة العصر.\rويعضده -أيضا-: رواية الأسود ومسروق، عن عائشة، قالت: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين.\rوقد خرجه البخاري فيما سبق.\rوقد روي -أيضا- بنحو هذا اللفظ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد العصر إلا صلى ركعتين عندي.\rوإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل على عائشة بعد صلاة العصر، كما في حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من العصر ودخل على نسائه فيدنو من إحداهن - وذكرت قصة حفصة والعسل.\rوقد خرجه البخاري في (النكاح).\rويجاب عن ذلك كله: بأن رواية خلاد بن يحيى قد خالفه فيها أبو نعيم، لم يذكر ما ذكره خلاد.\rوقد خرج البخاري حديث أبي نعيم كما سبق دون حديث خلاد.\rوقد دل على أنه غير محفوظ: أن فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل بيوت نسائه فيصليها.\rوقد صح عن أم سلمة كما تقدم أنها قالت: لم أره صلاها إلا يوماً واحداً، وذكرت سبب ذلك.\rوأمادخوله - صلى الله عليه وسلم - على نسائه بعد العصر، فذاك كان يفعله دائماً أو غالباً، وعائشة إنما أخبرت عما رأته يفعله في يومها المختص بها.\rيدل على ذلك: ما خرجه مسلم في (صحيحه) من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق، قالا: نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلا صلاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي - تعني: الركعتين بعد العصر.\rفتبين بهذا أنها أرادت يومها المختص بها الذي كان يكون مكثه عندها في بيتها، فكان يتوضأ عندها للعصر ويصلي ركعتين، ثم يخرج للصلاة، وربما كان يدخل بيتها في وقت العصر كذلك.","part":4,"page":142},{"id":786,"text":"فدل هذا: على أن مرادها: انه كان يصلي ركعتين بعد دخول وقت العصر، ولكن كان ذلك قبل صلاة العصر، وكانت تظن أن هذا يرد قول عمر ومن وافقه بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وإنما كان مراد عمر وغيره من الصحابة: النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر.\rولاشتباه الأمر في هذا على كثير من الناس كان كثير من الرواة يروي حديث عائشة بالمعنى الذي يفهمه منه، ولا يفرق بين وقت العصر وفعل العصر، فوقع في ذلك اضطراب في الفاظ الروايات.\rوقد ظهر بهذا أنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، إلا يوم صلاهما في بيت أم سلمة، وكانت عائشة ترويه عنها - أحياناً-، كما في حديث ذكوان عنها، وأحياناً ترسله، كما في حديث أم سلمة عنها.\rوفي رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، أن عائشة لما أرسل اليها معاوية يسألها عن ذلك، قالت: (لا علم لي) - تشير إلى أنها ليس عندها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء سمعته منه أو راته يفعله - (ولكن سلوا أم سلمة) - تشير إلى أنها هي التي أخبرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنها رأته يفعل ذلك.\rوفي رواية محمد بن أبي حرملة، عن عائشة، أنها حدثت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث أم سلمة، فإن كان هذا محفوظاً فقد أرسلت الحديثين عنها، ويحتمل أن تكون أخبرت عما رأته، وأن يكون مرادها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين قبل وقت العصر - تعني: بعد الظهر-، فشغل عنهما أو نسيهما، ثم صلاهما بعد العصر- تعني: بعد وقت العصر، قبل صلاة العصر-، ثم أثبتهما من حينئذ، فداوم عليهما قبل صلاة العصر وبعد دخول وقت صلاة العصر.\rورواية ابن أبي لبيد أشبه من رواية ابن أبي حرملة، وكل منهما ثقة مخرج له في (الصحيحين).\rوقال البيهقي في حديث ابن أبي لبيد: إنه حديث صحيح.\rوإنما رجح أبن عبد البر رواية ابن أبي حرملة على رواية ابن أبي لبيد لموافقته في الظاهر لما فهمه من سائر الرواة عن عائشة في الصلاة بعد العصر، وقد بينا الفرق بينهما\rفإن قيل: فقد فرقت عائشة بين ركعتي الفجر والعصر، فقالت: (لم يكن يدع ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر)، كما في حديث الأسود وغيره، عنها كما سبق، ولو أرادت الوقت دون الفعل لسوت بينهما، وقالت: بعد الفجر وبعد العصر.\rفالجواب عنه من وجهين:\rأحدهما: أنه روي عنها أنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع ركعتين بعد الصبح. وقد خرجه الإمام أحمد من رواية ابن المنتشر، عنها.\rفهذا كقولنا: لا يدع ركعتين بعد العصر سواء.\rوالثاني: أن ركعتي الفجر لم يكن فيها اختلاف بين الصحابة أنها قبل الصلاة، ولم يكن أحد منهم يصلي بعد الصبح تطوعاً، ولا نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك كانت أحياناً تقول: كان يصلي قبل الفجر، وأحياناً تقول: بعد الصبح؛ لأن المعنى مفهوم.","part":4,"page":143},{"id":787,"text":"وأماالركعتان بعد العصر، فهما اللتان وقع فيهما الاختلاف بين الصحابة، وكان كثير منهم يصليهما وكان ابن الزبير قد أشاعهما بعد موت عمر، وكان عمر في خلافته ينهى عنهما، ويعاقب عليهما، وكانت عائشة تخالفه في ذلك، وكانت تروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عندها بعد العصر؛ لترد على من قال: لا يصلى بعد العصر.\rولكن ليس في روايتها ما يرد عليهم؛ لأنهم إنما نهوا عن الصلاة بعد صالة العصر، وهي كان عندها علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد دخول وقت العصر. ولعل عمر كان ينهى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر، كما نهى ابنه وغيره عن الصلاة بعد طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر، وكانت عائشة تنكر ذلك لكنها كانت تسوى بين حكم ما قبل الصلاة وبعدها في الرخصة في الصلاة.\rفتبين بهذا كله: أنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى ركعتين بعد صلاة العصر، سوى ما روته عنه أم سلمة وحدها.\rفإن قيل: فقد سبق عن زيد بن خالد وتميم الداري، أنهما رويا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -،\r[أنه ] صلاهما.\rقيل: ليس إسناد واحد منهما مما يحتج به؛ لأن حديث تميم منقطع الإسناد، وحديث زيد بن خالد فيه مجهولان، ولعل مرادهما: الصلاة بعد وقت العصر، قبل صلاة العصر - أيضا.\rولعل كثيراً ممن نقل عنه من الصحابة الصلاة بعد العصر أرادوا ذلك - أيضا-، ومع هذا فلا يقطع عليهم أنهم أرادوا الصلاة بعد صلاة العصر.\rوقد رويت الصلاة بعد العصر عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، من رواية أبي دارس النصري: حدثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر في منزل عائشة.\rخرجه بقي بن مخلد.\rوخرجه الإمام أحمد مختصراً، ولفظه: عن أبي موسى، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين بعد العصر.\rوهذا - أيضا- يحتمل أنه رآه يصلي بعد دخول وقت العصر.\rوأبو دارس، اسمه: إسماعيل بن دارس، قال ابن المديني: هو مجهول لا أعرفه.\rوقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال مرة: ما به بأس إنما روى حديثاً واحداً. وقال أبو حاتم: ليس بالمعروف.\rويقال فيه - أيضا-: أبو دراس، وقد فرق بينهما ابن أبي حاتم، وهو واحد.\rوله طريق آخر من رواية يحيى بن عاصم صاحب أبي عاصم: حدثنا محمد ابن حمران بن عبد الله: حدثني شعيب بن سالم، عن جعفر بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر ركعتين، وكان أبو موسى يصليهما.\rخرجه الطبراني في (الأوسط).\rوهذا الإسناد مجهول لا يعرف.\rوروى محمد بن عبيد الله الكوفي، عن [أبي] إسحاق، عن البراء، قال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة غزوة، فما رأيته تاركاً ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد العصر.\rغريب منكر، والكوفي، لعله: العرزمي، وهو متروك، وإلا فهو مجهول.\rفهذه أحاديث الصلاة بعد العصر وما فيها.","part":4,"page":144},{"id":788,"text":"ويمكن أن نسلك في حديث عائشة مسلكاً آخر، وهو: أن صلاة الركعتين للداخل إلى منزله حسن مندوب إليه، وقد ورد في فضله أحاديث في أسانيدها نظر.\rفخرج البزار في الأمر به، وأنه يمنع مدخل السوء: حديثاً عن أبي هريرة - مرفوعاً، في إسناده ضعف.\rوروى الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة الأوأبين) - أو قال: (صلاة الأبرار - ركعتان إذا دخلت بيتك، وركعتان إذا خرجت منه).\rوهذا مرسل.\rويروى عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتي قط إلا صلى ركعتين.\rقال أبو بكر الأثرم: هو خطأ.\rكأنه يشير إلى أنه مختصر من حديث الصلاة بعد العصر.\rوممن روي عنه أنه كان يصلي إذا دخل بيته وإذا خرج منه: عبد الله بن رواحة، وثابت البناني.\rوإذا كانت هذه صلاة مستحبة فلا يبعد أن تلتحق بذوات الأسباب فيها، كتحية المسجد ونحوها، وفي هذا نظر. والله أعلم.\rومقصود البخاري بهذا الباب: أنه يجوز قضاء الفوائت من النوافل الراتبة فيما بعد العصر، كما يقوله الشافعي.\rوقد احتج الشافعي - أيضا - لذلك: بما روى سعد بن سعيد الأنصاري، قال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن قيس بن عمرو، قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (صلاة الصبح ركعتان)، فقال: إني لم [أكن] صليت الركعتين اللتين قبلها، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.\rوقال الترمذي: إسناده ليس بمتصل؛ محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس. ورواه بعضهم عن سعد، عن محمد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى قيساً.\rوذكر أبو داود أن يحيى بن سعيد وأخاه عبد ربه روياه - مرسلاً -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى قيساً يصلي.\rوقيس جدهما - هو أخوهما.\rوقد روى الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جده، أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي - فذكره.\rخرجه ابن حبان في (صحيحه) والدارقطني والحاكم.\rوزعم أنه صحيح، وليس كذلك.\rقال ابن أبي خيثمة: ذكر عن أبيه، أنه قال: يقال: إن سعيداً لم يسمع من أبيه قيس شيئاً.\rفهو - أيضا - مرسل.\rوقد ضعف أحمد هذا الحديث، وقال: ليس بصحيح.\rوقد رواه عبد الملك بن أبي سليمان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسل.\rوذكر أبو داود والترمذي: أن ابن عيينة قال: سمع هذا الحديث عطاءً من سعد بن سعيد.\rفعاد الحديث إلى حديث سعيد المتقدم.\rوقد رواه الضعفاء، فأسندوه عن عطاء، وإسناده ووصله وهم:\rفرواه أيوب بن سويد، عن ابن جريح، عن عطاءٍ، عن قيس.\rوأيوب ضعيف، وهم في إسناده له عن قيس.\rورواه سعيد بن راشد السماك، عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوسعيد هذا، ضعيف.\rورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني، عن أبيه، عن عطاء، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.","part":4,"page":145},{"id":789,"text":"ومحمد بن سليمان، يقال له: البومة، ضعيف.\rوالصحيح عن عطاء: المرسل -: قاله أبو حاتم والدارقطني وغيرهما.\rوممن ذهب إلى هذا الحديث ورخص في صلاة ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس: عطاء وطاوس وابن جريج، والشافعي - فيما نقله عنه المزني.\rوهو رواية عن أحمد، واختارها صاحب (المغني)، وقصر الجواز على قضاء ركعتي الفجر بعدها، وقضاء السنن الراتبة بعد العصر، وقضاء الوتر بعد طلوع الفجر، لورود النص بذلك.\rوقد نص أحمد في رواية ابن منصور على جواز قضاء السنن الفائتة بعد العصر، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوفي رواية المروذي على قضاء الوتر بعد طلوع الفجر.\rواختلفت الرواية عنه في قضاء سنة الفجر بعد الصلاة. والمشهور عند أكثر أصحابنا: أن الحكم يتعدى إلى قضاء جميع السنن والرواتب في جميع أوقات النهي، وفعل جميع ذوات الأسباب فيها، كصلاة الكسوف وتحية المسجد، وحكوا في جواز ذلك كله روايتين عن أحمد في جميع أوقات النهي.\rولو قيل: إن الخلاف مختص بالوقتين الطويلين دون الأوقات الثلاثة الضيقة لكان أقرب.\rولا يعرف لأحمد نص بجواز شيء من ذلك في الأوقات الضيقة.\rهذا، والتفريق هو قول إسحاق بين راهويه، وهو متوجه.\rوالمشهور عن أحمد: أن ذلك لا يفعل في أوقات النهي، وأن سنة الفجر إنما تقضى بعد طلوع الشمس.\rحتى نقل عبد الله بن أحمد، أنه سأل أباه، فقال له: حكي عنك أنك تقول: يصليهما إذا فرغ من الصلاة؟ فقال: ما قلت هذا قط.\rولابن بطة في ذلك مصنف مفرد في منع ذلك، وهو اختيار الخرقي وأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلي.\rوحكي جوازه عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، ورجحه طائفة من المتأخرين منهم.\rوقال ابن أبي موسى: الأظهر عنه أنه لا يفعل شيئاً من ذلك في وقت النهي، لكنه استثنى من ذلك قضاء قيام الليل والوتر بعد طلوع الفجر.\rوروى نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا فاتته ركعتا الفجر قضاهما من الضحى.\rوروى عنه عطية، أنه قضاها بعد الصلاة.\rورواية نافع أصح عن أحمد وغيره.\rوممن قال: يقضيها بعد طلوع الشمس: القاسم بن محمد والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك وإسحاق وأبو ثور، ونقله البويطي عن الشافعي.\rوروى عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما إذا طلعت الشمس).\rخرجه الترمذي وابن حبان في (صحيحه) والحاكم.\rوقال: صحيح على شرطهما.\rوروى مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس.\rقال أبو حاتم الرازي: هذا اللفظ اختصره من حديث نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الفجر، وأنه استيقظ بعد أن طلعت الشمس، فصلى ركعتي الفجر، ثم صلى الفجر، فقد قضى السنة والفريضة معها بعد طلوع الشمس.","part":4,"page":146},{"id":790,"text":"ويدل على ذلك: أن ابن ماجه خرج الحديث، ولفظه: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام عن ركعتي الفجر، فقضاهما بعد ما طلعت [الشمس].\rوخرج ابن بطة من رواية أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: صليت الفجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقمت أصلي الركعتين، فجذبني النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (أتصلي الفجر أربعاً؟).\rواستدل به على منع القضاء بعد الصلاة.\rوقد خرجه الإمام أحمد وابن حبان في (صحيحه) والحاكم، وعندهم: أنه قام ليصلي الركعتين بعد إقامة الصلاة.\rوهو الصحيح.\rومما يدل على منع قضاء السنن بعد صلاة الفجر والعصر: أن هاتين الصلاتين يعقبهما وقت نهي عن الصلاة، فلذلك لم تشرع بعدهما صلاة لهما كالظهر والمغرب والعشاء، فإذا منع من الصلاة بعدهما في وقتهما لأجلهما، ولم يكن لهما سنة راتبة بعدهما كذلك، فلأن يمنع من صلاة سنة غيرهما بعدهما في وقت النهي مع فوات وقت الصلاة أولى وأحرى.\rوهذا بخلاف قضاء الفرائض في هذه الأوقات، فإنه لمّا جاز فعل الفرض الحاضر فيهما ولو في وقت الكراهة جاز قضاء غيرهما من الفرائض - أيضا.\rفتبين بهذا: أن القضاء تابع للأداء، فحيث جاز أداء الفرض جاز قضاؤه، وحيث منع أداء النفل منع من قضائه، بل القضاء أولى بالمنع من الأداء.\rولهذا كان ما بعد طلوع الفجر إلى صلاة الوقت وقتاً لأداء سنتها الراتبة، وليس وقتاً لقضاء شيء من النوافل كما عند كثير من العلماء.\rومنهم من رخص في قضاء الوتر وقيام الليل فيه - كما سبق - إلحاقاً للقضاء بالأداء.\r* * *","part":4,"page":147},{"id":791,"text":"34- باب\rالتبكير بالصلاة في يوم غيم\r594- حدثنا معاذ بن فضالة: ثنا هشام، عن يحيى - هو: ابن أبي كثير-، عن أبي قلابة، أن أبا المليح حدثه، قال: كنا مع بريدة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بالصلاة؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله).\rقد سبق هذا الحديث في (باب: ترك صلاة العصر)، وذكرنا فيه: مناقشة الإسماعيلي للبخاري في تبويبه عليه: (التبكير بالصلاة في يوم غيم)، وحكم التبكير في الغيم بما فيه كفاية.\r* * *","part":4,"page":148},{"id":792,"text":"35- باب\rالأذان بعد ذهاب الوقت\rذكر البخاري أربعة أبواب - هذا أولها - في قضاء الصلوات الفوائت، وأول الأبواب: ذكر الأذان للصلاة الفائتة إذا قضاها بعد ذهب وقتها.\rوقال:\r595- حدثنا عمران بن ميسرة: ثنا محمد بن فضيل: ثنا حصين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: سرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله. قال: (أخاف أن تناوموا عن الصلاة). قال بلال: [إني] اوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه، فنام، فاستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد طلع حاجب الشمس، فقال: (يا بلال، أين ما قلت؟) قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط. قال: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، يا بلال، قم فأذن بالناس بالصلاة)، فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وأبياضت قام فصلى.\r(التعريس): النزول للنوم.\rوقيل: يختص بآخر الليل، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه.\rوفي الحديث: دليل على أن من نام قرب وقت الصلاة وخشي من أن يستغرق نومه الوقت حتى تفوته الصلاة، فوكل من يوقظه، أنه يجوز له أن ينام حينئذ، وقد ذكرنا ذلك في (باب: النوم قبل العشاء).\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نام قرب طلوع الفجر ينام على حالة لا يستثقل معها في نومه، لتكون أقرب إلى استيقاظه.\rوقد روى الإمام أحمد حديث أبي قتادة هذا بسياق مطول، وفيه: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه، وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى، وأقام ساعده.\rوقد خرجه مسلم من طريق الإمام أحمد بدون هذه الزيادة.\rوظن جماعة، أنها في سياق حديث مسلم، فعزوها إليه، ومنهم: الحميدي وأبو مسعود الدمشقي، حتى إنه عزاها بانفرادها إلى مسلم، ولعلهم وجدوها في بعض نسخ (الصحيح). والله أعلم.\rوقوله: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء) يدل على أن النائم تقبض روحه.\rوهذا مطابق لقول الله عز وجل { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إلى أَجَلٍ مُسَمًّى } [الزمر: 42].\rفدلت الآية على أن النوم وفاة، ودل الحديث على أن النوم قبض، ودلاً على أن النفس المتوفاة هي الروح المقبوضة.\rوفي حديث أبي جحيفة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومهم عن الصلاة، أنه قال لهم: (إنكم كنتم أمواتاً، فرد الله إليكم أرواحكم).\rخرجه أبو يعلي الموصلي والأثرم وغيرهما.\rويشهد لهذا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عند استيقاظه من منامه: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا).\rوفي حديث أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في قصة نومهم عن الصلاة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن هذه الأرواح جارية في أجساد العباد، فيقبضها إذا شاء، ويرسلها إذا شاء).\rخرجه البزار.","part":4,"page":149},{"id":793,"text":"وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لما استيقظوا: (أي بلال)، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي [أنت] وأمي يا رسول الله - بنفسك.\rوفيه: دليل لمن لا يفرق بين الروح والنفس؛ فإنه أقر بلالاً على قوله: إن الله أخذ بأنفسهم، مع قوله: (إن الله قبض أرواحنا).\rوقد قيل: إن ذاتهما واحدة وصفاتهما مختلفة، فإذا اتصفت النفس بمحبة الطاعة والانقياد لها نهى روح، وإن اتصفت بالميل إلى الهوى المضر والانقياد لها فهي نفس.\rوقد تسمى في الحالة الأولى نفساً - أيضا-، أمامع قيد، كقوله تعالى: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } [الفجر: 27]، وقوله { وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } [القيامة: 2]، وأمامع الاطلاق، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في يمينه: (والذي نفسي بيده).\rوفي الآية والحديث: دليل على أن قبض الأرواح من الأبدان لا يشترط له مفارقتها للبدن بالكلية، بل قد تقبض ويبقى لها به منه نوع اتصال كالنائم.\rويستدل بذلك على أن اتصال الأرواح بالأجساد بعد الموت لإدراك البدن النعيم والعذاب، أو للسؤال عند نزول القبر لا يسمى حياة تامة، ولا مفارقتها للجسد بعد ذلك موتاً تاماً، وإلا لكان الميت يحيى ويموت في البرزخ مراراً كثيرة.\rوهذا يرد قول من أنكر إعادة الروح إلى الجسد عند السؤال والنعيم أو العذاب.\rوبسط القول في هذا يتسع، وقد ذكر في موضع آخر.\rوقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم الله في قضائه عليهم بالنوم عن الصلاة:\rوفي حديث ابن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نومهم عن الصلاة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله عز وجل لو شاء أن لا تناموا عنها لم تناموا، [ولكن] أراد أن يكون لمن بعدكم، فهذا لمن نام أو نسي).\rخرجه الإمام أحمد.\rوخرج - أيضا- بإسناده، عن ابن عباس، أنه قال عقب روايته لهذا الحديث: ما يسرني به الدنيا وما فيها - يعني: للرخصة.\rوفي إسناده مقال.\rوقد روي عن مسروق مرسلاً، وأن هذا الكلام في آخره من قول مسروق، وهو أصح -: قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان.\rويشبه هذا الحديث: [ما] ذكره مالك في (الموطأ)، أنه بلغه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما أنسى لأسن).\rوقد قيل: إن هذا لم يعرف له إسناد بالكلية.\rولكن في (تاريخ المفضل بن غسان الغلأبي): حدثنا سعيد بن عامر، قال: سمعت عبد الله بن المبارك قال: قالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أنسى - أو أسهو - لأسن).\rوقوله - صلى الله عليه وسلم -: (يا بلال، قم فأذن للناس بالصلاة) دليل على أن الصلاة الفائتة يؤذن لها بعد وقتها عند فعلها، وهو مقصود البخاري بهذا.","part":4,"page":150},{"id":794,"text":"وقد خرج البخاري في (أبواب التميم) حديث النوم عن الصلاة من حديث عمران بن حصين، بسياق مطول، وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال: (لا ضير - أو لا يضير -، ارتحلوا)، فارتحلوا، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس.\rوقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله ابن رباح، عن أبي قتادة، بسياق مطول، وفيه: فكان أول من استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والشمس في ظهره. قال: فقمنا فزعين، ثم قال: (اركبوا)، فركبنا، فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة، فتوضأ وضوءاً دون وضوء، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم - وذكر بقية الحديث - وفي آخره-: أن عمران بن حصين صدق عبد الله بن رباح، لما سمعه يحدث به عن أبي قتادة.\rوخرجه الإمام أحمد من حديث قتادة، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وقال في حديثه: وأمر بلالاً فأذن، فصلى ركعتين، ثم تحول من مكانه، فأمره فأقام الصلاة، فصلى صلاة الصبح.\rوخرج مسلم - أيضا - من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة- فذكر هذه القصة، وقال في آخر الحديث: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اقتادوا)، فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح.\rوقد اختلف علي الزهري في وصله بذكر أبي هريرة، وإرساله عن سعيد بن المسيب.\rوصحح أبو زرعة ومسلم وصله، وصحح الترمذي والدارقطني إرساله.\rوذكر الاختلاف في ذلك أبو داود، وخرجه من طريق معمر موصولاً، وذكر في حديثه، قال: فأمر بلالاً فأذن، وأقام وصلى.\rوذكر أبو داود: أن مالكاً وابن عيينة والأوزاعي وغيرهم لم يذكروا في حديثهم: الأذان.\rوخرجه مسلم من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة، وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم صلى سجدتين، وأقيمت الصلاة فصلى الغداة.\rوقد خرجه النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن بريد بن أبي مريم، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر - فذكر الحديث، وقال في آخره: فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤذن فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام، فصلى بالناس.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود ذكر الأذان والإقامة وصلاة ركعتي الفجر بينهما في هذه القصة، من حديث الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوالحسن، لم يسمع من عمران عند الأكثرين.\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود - أيضا- كذلك من حديث عمرو بن أمية الضمري. ومن حديث ذي مخبر الحبشي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرج الإمام أحمد ذكر الأذان والإقامة من حديث إبن مسعود - أيضا - في هذه القصة.\rوقد اختلف العلماء فيمن فاتته صلاة وقضاها بعد وقتها: هل يشرع له أن يؤذن لها ويقيم، أم يقيم ولا يؤذن؟ وفي ذلك أقوال:","part":4,"page":151},{"id":795,"text":"أحدها: أنه يؤذن ويقيم، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في أحد أقواله، وأحمد في ظاهر مذهبه، وأبي ثور وداود.\rوالثاني: يقيم ولا يؤذن، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك، والشافعي في قول له، وحكي رواية عن أحمد.\rلأن الأذان للإعلام بالوقت وقد فات، والإقامة للدخول في الصلاة وهو موجود.\rوالثالث: إن أمل اجتماع الناس بالأذان، وإلا فلا، وهو قول للشافعي.\rلأن الأذان إنما يشرع لجمع الناس.\rوالرابع: إن كانوا جماعة أذن وأقام، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن فاته وحده أقام ولم يؤذن، وهو قول إسحاق.\rوالخامس: إن كان في سفر أذن وأقام، وإن كان في حضر أجزأته الإقامة -: نقله حرب، عن أحمد.\rومأخذ الاختلاف بين العلماء: هل الأذان حق للوقت، أو حق لأقامة الصلاة المفروضة، أم حق للجماعة - وعلى هذا؛ فهو يشرع للجماعة بكل حال-، أم إذا كانوا متفرقين وكان الأذان يجمعهم؟\rوعلى رواية حرب عن أحمد، فيكتفي بأذان أهل المصر عن الأذان للفائتة.\rقال أصحابنا والشافعية: ويشرع للفائتة رفع الصوت بالأذان، إلا أن يكون في مصر ويخشى التلبيس على الناس، فيسر به، وإنما كان أذان بلال في فلاة، ولم يكن معهم غيرهم.\rوقوله في حديث أبي قتادة الذي خرجه البخاري: (فاستيقظ وقد طلع حاجب الشمس) - إلى قوله - : (فلما ارتفعت الشمس وأبياضت قام فصلى).\rوهذا قد يوهم أنه أخر الصلاة قصدا حتى زال وقت النهي.\rوقد خرجه البخاري في آخر (صحيحه) بلفظ آخر، وهو: (فقضوا حوائجهم وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وأبيضت، فقام فصلى).\rوهذا يشعر بأنه لم يكن التأخير قصداً، بل وقع اتفاقاً حتى كمل الناس قضاء حوائجهم - وهو كناية عن التخلي - ووضوئهم.\rوفي رواية مسلم لحديث أبي قتادة، أنه - صلى الله عليه وسلم - سار حتى ارتفعت الشمس، ثم نزل فصلى.\rوخرج النسائي من حديث حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: أدلج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عرس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس - أو بعضها- ، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس، فصلى، وهي صلاة الوسطى.\rحبيب هذا، خرج له مسلم. وقال أحمد: لا أعلم به بأساً. وقال يحيى القطان: لم يكن في الحديث بذاك.\rوقد اختلف الناس في قضاء الفوائت في أوقات النهي عن الصلاة الضيقة والمتسعة:\rفقالت طائفة: لا يقضي الصلاة في وقت نهي ضيق خاصة، وهو وقت الطلوع والغروب والاستواء.\rهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن سفيان الثوري.\rوتعلقوا بظاهر حديث أبي قتادة وابن عباس.\rولذلك قالوا: إن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح فسدت صلاته، كما سبق كذلك.\rوروي عن ابن عباس وكعب بن عجرة وأبي بكرة ما يدل على مثل ذلك.\rوحكي عن بعض المتأخرين من أصحابنا، ورواية عن أحمد، أنه لا يقضي الفائتة في وقت نهي.\rوهذا لا يصح عن أحمد.\rوجمهور العلماء: على أن الفوائت تقضى في كل وقت، سواء كان وقت نهي أو غيره.\rوروي عن علي وابن عمر وابن عباس وأبي ذر.","part":4,"page":152},{"id":796,"text":"وهو مذهب النخعي والثوري والأوزاعي والثوري في رواية، ومالك والشافعي وأحمد.\rوكل هؤلاء رأوا أن النهي عن الصلاة في الأوقات المخصوصة إنما توجه إلى النفل دون الفرض، بدليل أمره - صلى الله عليه وسلم - بذلك من صلى ركعة من الفجر ثم طلعت عليه الشمس أن يصلي معها أخرى، وقد تمت صلاته، وقد سبق ذكره.\rواستدلوا - أيضا- بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا أدركها).\rوهذا يعم كل وقت ذكر فيه، سواء كان في أوقات النهي أو غيرها.\rفإن قيل: فقد عارض ذلك عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي، فإنه لم يخص مفروضة من نافلة.\rقيل: تحمله على النافلة ونخص الفرض من عمومه؛ بدليل فرض الوقت؛ فإنه يجوز فعله في وقت النهي، كما يصلى العصر في وقت غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وليس فيه خلاف، إلا عن سمرة، وبدليل لمن طلعت عليه الشمس وهو يصلي الفجر أن يتمها؛ ولأن العمومين إذا تعارضا وكان أحدهما موجباً ملزماً، والآخر مانعاً حاظراً، فإنه يقدم الواجب الملزم، فإنه أحوط.\rويدل عليه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعا أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي، فلم يجبه حتى سلم، أنكر عليه تأخره للإجابة، وقال له: (ألم يقل الله: { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ } ؟ [الأنفال: 24].\rوهذا يدل على أن عموم النص الموجب الملزم مقدم على عموم النص الحاظر المانع، وهو النهي عن الكلام في الصلاة.\rوهذا بخلاف النصوص العامة المبيحة، أو النادبة، فإنها لا تقدم على المانعة الحاظرة؛ ولهذا كان المرجح أنه لا يصلي في أوقات النهي.\rفأماصلاة الركعتين والإمام يخطب، كما دلت عليه السنة، فإنه لم يعارض نص الأمر للداخل إلى المسجد بالصلاة نص آخر يمنع الصلاة والإمام يخطب.\rوفي حديث أبي قتادة الذي خرجه مسلم، أنه صنع كما يصنع كل يوم.\rوهذا يدل على أنه صلى الصبح كما كان يصليها كل يوم من غير زيادة ولا نقص.\rوفي حديث ذي مخبر الحبشي، أنه قال: فصلى غير عجل.\rوهذا يرد الحديث المروي عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الصبح ذلك اليوم، فقرأ بـ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } [الكافرون: 1]، و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:\r1]، ثم قال: (صليت بكم بثلث القرآن، وربع القرآن)، وقال: (إذا نسيت صلاة الفجر إلى صلاة العشاء فذكرتها، [فابدأ]، فإنها كفارتها).\rخرجه ابن عدي من رواية جعفر بن أبي جعفر الأشجعي، عن أبيه، عن أبن عمر.\rوجعفر هذا، قال البخاري فيه: منكر الحديث.\rوروى أبو داود في (المراسيل): ثنا يوسف بن موسى: ثنا جرير، عن علي بن عمرو الثقفي، قال: لما نام النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الغداة استيقظ، فقال (لنغيظن الشيطان كما أغاظنا)، فقرأ يومئذ بسورة المائدة في صلاة الفجر.\rوهذا غريب جداً.\rوظاهر الأحاديث يدل على أنه جهر في صلاته تلك بالقراءة؛ فإنه صلى كما كان يصلي كل يوم، وقد تقدم في كثير من الروايات أنه صلى ركعتي الفجر، ولم يذكر ذلك في بعض الروايات.","part":4,"page":153},{"id":797,"text":"وقد اختلف العلماء في قضاء ركعتي الفجر لمن نام عنها حتى تطلع الشمس:\rفذهب الأكثرون إلى أنها تقضى قبل الصلاة المفروضة، منهم: أبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك.\rوسئل أحمد: هل قال أحد: لا يصلي ركعتي الفجر؟ قال: لا.\rوقال مالك: لا يركع ركعتي الفجر، ويبدأ بالمفروضة. قال: ولم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعهما.\rومالك إنما قال بحسب ما بلغه من الروايات في هذا الباب، وقد صح عند غيره أنه - صلى الله عليه وسلم - ركعهما.\rوقد روي في بعض طرق حديث أبي قتادة في هذا الباب زيادة أخرى، وهي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالوتر فقضاه.\rقال أبو بكر الأثرم: ثنا عبد الحميد بن أبان الواسطي: ثنا خالد بن عمرو، عن شعبة، عن ثابت البناني، عن أنس - وعن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام، فلم يستيقظ حتى ارتفعت الشمس، ثم استيقظ فقام، فأوتر، فصلى الركعتين، ثم صلى بأصحابه.\rوذكر: (أنس) في إسناده ليس بمحفوظ.\rوخالد بن عمرو، هو: القرشي الأموي الكوفي، ضعيف الحديث جداً.\rوذكر محمد بن يحيى الهمداني في (صحيحه)، قال:: روى قتيبة، عن عبد الله بن الحارث، عن ثابت، عن بكر، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أيقظهم حر الشمس أمرهم أن يوتروا.\rكذا ذكره تعليقاً، ولم يسنده.\rوقد قال الإمام أحمد: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى شيئاً من التطوع، إلا ركعتي الفجر والركعتين بعد العصر.\rوهذا يدل على انه لم يثبت عنده قضاء الوتر؛ ولهذا نص في رواية غير واحد من أصحابه على أنه تقضى السنن الرواتب دون الوتر.\rوروي عنه رواية أخرى، أنه يقضي الوتر.\rوعلى قوله بقضاء الوتر، فهل يقضى ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات؟ على روايتين عنه.\rمأخذهما: أن الوتر، هل هو الثلاث، أو الركعة الواحدة، وما قبلها تطوع مطلق؟\rوفي الأمر بقضاء الوتر بعد طلوع الفجر أحاديث متعددة يطول ذكرها.\rوممن أمر بقضاء الوتر من النهار: علي وابن عمر، وهو قول الأوزاعي ومالك وأبي ثور.\rوعن الأوزاعي، قال: يقضيه نهاراً، ولا يقضيه ليلاً بعد العشاء إذا دخل وقت وتر الليل؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة.\rوعن سعيد بن جبير، قال: يقضيه في الليلة التالية.\rوقالت طائفة: من فاته الوتر وحده لم يقضه، ومن فاته الوتر مع صلاة الفجر قضاه قبلها.\rوهذا قول إسحاق-: نقله عنه حرب.\rويتخرج رواية عن أحمد مثله؛ لأنه يرى الوتر بعد طلوع الفجر قبل صلاة الغداة.\rوهل هو قضاء، أو أداء؟ حكي عنه فيه روايتان.\rوالقول بأنه أداء يحكى عن مالك وإسحاق، وهو قول كثير من السلف؛ فإنه قد روي في وقت الوتر أنه من بعد صلاة الصبح، فمن لم يصل الصبح فوقت الوتر باقٍ في حقه، ولو طلع الفجر فكذا إذا لم يصل الغداة حتى تطلع الشمس.\rوروي من حديث ابن مسعود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح يومئذ وصلى بعدها الضحى.","part":4,"page":154},{"id":798,"text":"خرجه الهيثم بن كليب في (مسنده).\rوقد خرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم بعدما صلى بهم: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها).\rومن حديث خالد بن سمير، [عن عبد الله بن أبي قتادة]، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: (فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً فليقض معها مثلها).\rوقد ذهب إلى هذا سعد بن أبي وقاص وسمرة بن جندب، وأن من نام عن صلاة صلاها إذا ذكرها، وصلاها لمثلها من الغد.\rوأنكر ذلك عمران بن حصين، وأخذ بقوله جمهور العلماء.\rوقد قيل: إن هذه اللفظة في هذا الحديث وهم-: قاله البخاري والبيهقي وغيرهما.\rوقيل: معنى قوله: (فليصلها من الغد عند وقتها)، أنه يصلي صلاة الغد الحاضرة في وقتها لئلا يظن أن وقتها تغير بصلاتها في غير وقتها.\rولكن [ ... ] خالد بن سمير فهم منه غير هذا، فرواه بما فهمه.\rوروى الحسن، عن عمران بن حصين، أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: (أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم؟).\rخرجه الإمام أحمد.\rوأماما روي من ارتحال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكان نومه، وأمره بالارتحال، فقد روي التعليل بذلك بأنه منزل حضرهم فيه الشيطان.\rففي (صحيح مسلم) من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: (ليأخذ كل رجل برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان) قال: ففعلنا.\rوخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب،عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة).\rوقد استحب الانتقال لمن نام في موضع حتى فاته الوقت عن موضعه ذلك جماعة من العلماء، منهم: الشافعي وأحمد؛ لهذه الأحاديث.\rوحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم أوجبوا ذلك، وعن قوم أنهم أوجبوه في ذلك الوادي الذي نام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة.\rوقال قوم: لا يستحب ذلك؛ لأنه لا يطلع على حضور الشيطان في مكان إلا بوحي.\rوهذا قول محمد بن مسلمة ومطرف، وابن الماجشون من المالكية، وأبي بكر الأثرم.\rوهو ضعيف؛ فإن كل نوم استغرق وقت الصلاة حتى فات به الوقت فهو من الشيطان؛ فإنه هو الذي ينوم عن قيام الليل، ويقول للنائم: ارقد، عليك نوم طويل، كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقال في الذي نام حتى أصبح: (بال الشيطان في أذنه).\rوأماكم الشياطين ينبغي تجنب الصلاة فيها، كالحمام والحش وأعطان الإبل.\rوأيضا؛ فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) يدل على أن كل مكان غفل العبد فيه عن الصلاة حتى فات وقتها ينبغي أن لا يصلي فيه، سواء كان بنوم أو غيره. والله أعلم.","part":4,"page":155},{"id":799,"text":"وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وركع ركعتين في معرسه، ثم سار ساعة، ثم صلى الصبح.\rقال ابن جريج: قلت لعطاء: أي سفر هو؟ قال: لا أدري.\rوهذا المرسل مما يستدل به على صحة الصلاة في موضع النوم، وأن التباعد عنه على طريق الندب.\rوروى وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، وقال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعتين بعدما جاوز الوادي، ثم أمر بلالاً فأذن وأقام، ثم صلى الفريضة.\rوروي، عن عطاء بن يسار، أنها كانت في غزوة تبوك، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً فإذن في مضجعه ذلك، ثم مشوا قليلاً، ثم أقام فصلوا.\rوكذا قال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: اخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بتبوك أمر بلالاً أن يحرسهم لصلاة الصبح، فرقدوا حتى طلعت الشمس، فتنحى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكانه ذلك، ثم صلى الصبح.\rوضعف ابن عبد البر هذا القول؛ فإن في (صحيح مسلم) من حديث ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلاً حتى أدركه الكرى عرس - وذكر الحديث بطوله.\rكذا في رواية مسلم.\rوخرجه ابن حبان في (صحيحه) بلفظين: هذا أحدهما. والآخر: فيه: غزوة حنين.\rثم قال: إن صح ذكر (خيبر) في الخبر، فقد سمعه أبو هريرة عن صحابي آخر فأرسله، وإن كان (حنين)، فقد شهدها أبو هريرة. قال: والنفس إلى أنها حنين أميل\rقلت: الصحيح: أن أبا هريرة قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بخيبر بعد فتحها.\rوقد خرج البخاري ذلك في (صحيحه) في (المغازي) من حديث أبي هريرة.\rوخرجه الإمام أحمد بإسناد آخر عن أبي هريرة.\rوفي (الصحيحين) عن سالم مولى ابن مطيع، قال: سمعت أبا هريرة يقول: افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً ولا فضة - الحديث.\rومن زعم: أن ذكر خيبر وهم، وإنما هو حنين فقد وهم، وسيأتي بسط ذلك في موضعه- إن شاء الله تعالى.\rوفي (المسند) و(سنن أبي داود)، عن ابن مسعود، قال: أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من (يكلؤنا؟) فقال بلال: أنا - فذكر الحديث بطوله في نومهم وصلاتهم.\rوعن ذي مخبر الحبشي، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة.\rوهذا يدل على أنها ليلة أخرى غير ليلة بلال.\rوفي (مسند البزار)، عن أنس، أنه هو الذي كلأهم تلك الليلة، ولكن إسناد ضعيف.\rوروي من حديث ابن مسعود، أنه قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فقال القوم: عرس بنا. فقال: (من يوقظنا؟) قلت: أنا أحرسكم فأوقظكم، فنمت وناموا - وذكر الحديث. والله سبحانه وتعالى أعلم.\r* * *","part":4,"page":156},{"id":800,"text":"36- باب\rمن صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت.\r596- ثنا معاذ بن فضالة: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جابر، أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، فقال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (والله ما صليتها)، فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها [فصلى العصر] بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.\rتأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر حتى غربت الشمس يوم الخندق لم يكن عن نوم بغير خلاف، وإنما اختلف.\rوقد أشار البخاري في (أبواب الخوف) إلى أنه كان اشتغالاً بالعدو.\rويعضده: حديث علي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) - الحديث.\rوسيأتي ذلك مبسوطاً في موضعه - إن شاء الله.\rوفي حديث جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب.\rولم يصرح فيه بأنه صلى بهم جماعة، لكن قوله: (فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها) مما يدل على أنه صلاها جماعة.\rوقد خرجه الإسماعيلي في (صحيحه)، ولفظه: (فصلى بنا العصر) - وذكر باقيه.\rوهذا تصريح بالجماعة.\r[و] في حديث نومهم عن صلاة الفجر، أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر بأصحابه جماعة.\rوأكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت.\rفمن قال: إن صلاة الجماعة سنة، فهي عنده سنة للحاضرة والفائتة.\rومن قال: صلاة الجماعة فرض - كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد -، فاختلف أصحابنا: هل الجماعة واجبة، أو لا؟ على وجهين.\rوممن قال بأن الجماعة مشروعة للفوائت: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم.\rوحكي عن الليث بن سعد: أن قضاء الفائتة فرادى أفضل.\rوترده هذه الأحاديث الصحيحة.\rوفي الحديث: دليل على اتساع وقت المغرب؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قاموا بعد غروب الشمس، فنزلوا إلى بطحان، فتوضئوا، ثم صلوا العصر قبل المغرب، ثم صلوا المغرب، فلو كان وقت المغرب مضيقاً لكان قد وقعت صلاة العصر في وقت المغرب، ولم يكن فرغوا منها حتى فات وقت المغرب، فتكون صلاة المغرب حينئذ مقضية بعد وقتها.\rويرجع الكلام في ذلك إلى من كان عليه صلاة فائتة، وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة عن فعل الصلاتين، فأكثر العلماء على أنه يبدأ بالحاضرة فيما بقي من وقتها، ثم يقضي الفائتة بعدها؛ لئلا تصير الصلاتان فائتتين، وهو قول الحسن وابن المسيب وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق وطائفة من أصحاب مالك.\rوهؤلاء أوجبوا الترتيب، ثم أسقطوه بخشية فوات الحاضرة.\rوكذلك قال الشافعي، فإنه لا يوجب الترتيب، إنما يستحبه، فأسقط هاهنا استحبابه وجوازه، وقال: يلزمه أن يبدأ بالحاضرة، ويأثم بتركه.\rوقالت طائفة: بل يبدأ بالفائتة، ولا يسقط الترتيب بذلك، وهو قول عطاء والنخعي والزهري ومالك والليث والحسن بن حي.\rوهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال وصاحبه أبو بكر.","part":4,"page":157},{"id":801,"text":"وأنكر ثبوتها القاضي أبو يعلى، وذكر أن أحمد رجع عنها.\r* * *","part":4,"page":158},{"id":802,"text":"37- باب\rمن نسي صلاة فليصل إذا ذكرها\rولا يعيد إلا تلك الصلاة\rوقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة.\rيدخل تحت تبويب البخاري - رحمه الله - هاهنا مسألتان:\rإحداهما.\rأن من نسي صلاة، ثم ذكرها، فإنه يعيدها مرة واحدة، ولا يعيدها مرة ثانية.\rوهذا قول جمهور أهل العلم.\rوروي عن سمرة بن جندب، أنه يعيدها إذا ذكرها، ثم يعيدها من الغد لوقتها.\rوق سبق عنه في النوم كذلك.\rوروي مرفوعاً:\rفخرج أبو داود من حديث أبي قتادة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم لما قضى الصلاة التي نام عنها: (إذا سها أحدكم عن الصلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت).\rوخرج الإمام أحمد من طريق حماد، عن بشر بن حرب، قال: سمعت سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت).\rخرجه الإمام أحمد.\rوخرجه - أيضا- من طريق همام، عن بشر، عن سمرة، قال: أحسبه مرفوعاً -فذكره.\rقال أحمد في رواية أبي طالب: هو موقوف.\rيعني: أن رفعه وهم.\rوبشر بن حرب، ضعفه غير واحد.\rوخرجه البزار في (مسنده) من طريق أولاد سمرة، به، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا إذا نام أحدنا عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها التي تصلى فيه أن نصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة.\rوفي إسناده يوسف السمتي، وهو ضعيف جداً.\rوفيه: دليل على أنه لا يجب قضاؤها على الفور.\rالمسألة الثانية:\rإذا نسي صلاةً، ثم ذكرها بعد أن صلى صلوات في مواقيتهن، فإنه يعيد تلك الصلاة المنسية وحدها.\rوهذا هو معنى ما حكاه عن النخعي.\rوهذا يبنى على أصل، وهو: أن ترتيب القضاء، هل هو واجب، أم لا؟ وفيه اختلاف، سيذكر في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى.\rومذهب الشافعي: أنه مستحب غير واجب، وحكي رواية عن أحمد، وجزم بها بعض الأصحاب.\rومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد - في المشهور عنه-: أنه واجب.\rثم اختلفوا:\rفقال أبو حنيفة ومالك: يجب الترتيب فيما دون ست صلوات، ولا يجب في ست صلوات فصاعداً.\rوقال أحمد: يجب بكل حال.\rوحكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه.\rفمن قال: إنه غير واجب، قال: لا يجب الترتيب بين الصلوات الفوائت في القضاء، ولا بين الفائت والحاضر.\rومن قال: إنه واجب، فهل يسقط الترتيب عندهم بنسيان الثانية حتى يصلي صلوات حاضرة، أم لا يسقط بالنسيان؟ فيه قولان:\rأحدهما: أنه يسقط بالنسيان، وهو قول النخعي، كما ذكره البخاري عنه، وقول الحسن وحماد والحكم وأبي حنيفة والحسن بن حي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق.\rوالثاني: لا يسقط بالنسيان - أيضا-، فيعيد الفائتة وما صلى بعدها.\rوحكي رواية عن أحمد، حكاها بعض المتأخرين عنه، والله أعلم بصحتها عنه.\rوأماملك، فعنده: إن ذكر قبل أن يذهب وقت الحاضرة، وقد بقي منه قدر ركعة فصاعداً أعادهما، وإن بقي دون ذلك، أو كان الوقت قد ذهب بالكلية أجزأه.\rوأماإن صلى الحاضرة، وعليه فائتة، وهو ذاكر لها:","part":4,"page":159},{"id":803,"text":"فمن اشترط الترتيب أوجب قضاء ما صلاه وهو ذاكر للفائتة.\rومن لم يوجب الترتيب، لم يوجب سوى قضاء الفائتة.\rويحتمله كلام النخعي الذي حكاه عنه البخاري، ولكن روي عنه صريحاً خلافه.\rفروى مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا ترك صلاة متعمداً عاد، وعاد كل صلاة صلاها بعدها.\rفيكون الذي حكاه البخاري عنه محمولاً على حال النسيان، أو يكون عن النخعي روايتان.\rوكان الإمام أحمد لشدة ورعه واحتياطه في الدين يأخذ في مثل هذه المسائل المختلف فيها بالاحتياط، وإلا فإيجاب سنين عديدة فيها صلاة واحدة فائتة في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي.\rوالذي صح عن ابن عمر في ذلك، إنما هو في صلاة واحدة فائتة ذكرت مع اتساع وقت الحاضرة لهما، فلا يلزم ذلك أن يكون حكم الصلوات إذا كثرت أو تأخر قضاؤها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها كذلك.\rوبهذا فرق أكثر العلماء بين أن تكثر الفوائت أو تقل.\rولم ير مالك إلا إعادة الصلاة التي وقتها باق خاصة، فإن إيجاب إعادة صلوات سنين عديدة لأجل صلاة واحدة فيه عسر عظيم، تأباه قواعد الحنيفية السمحة.\rوقد أخبرني بعض أعيان علماء شيوخنا الحنبليين، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه، وسأله عما يقوله الشافعي وأحمد في هذه المسائل: أيهما أرجح؟ قال: ففهمت منه - صلى الله عليه وسلم -، أنه أشار إلى رجحان ما يقوله الشافعي - رحمه الله.\rومما يدل على صحة ذلك: حديث عمران بن حصين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: (لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم).\rفهذا يدل على أن من عليه صلاة واحدة لم يأمره الله بأن يصلي زيادة عليها.\rقال البخاري - رحمه الله -:\r597- ثنا أبو نعيم وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكر،[لا كفارة] لها إلا ذلك ؛\r{ وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } [طه: 14]).\rقال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: { وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } .\rوقال حبان: ثنا همام: ثنا قتادة: ثنا أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.\rهذا الحديث قد رواه جماعة عن همام، وجماعة عن قتادة.\rوقد خرجه مسلم من طريق همام وأبي عوانة وسعيد والمثني، كلهم عن قتادة، عن أنس، وليس في رواية أحد منهم: التصريح بقول قتادة: (ثنا أنس)، كما ذكر البخاري أن حباناً رواه عن همام.\rوإنما احتاج إلى ذلك؛ لما عرف من تدليس قتادة.\rولفظ رواية سعيد، عن قتادة التي خرجها مسلم: (من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها).\rولفظ حديث المثني، عن قتادة، عنده: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها).\rوقد دل الحديث على وجوب القضاء على النائم إذا استيقظ، والناسي إذا ذكر، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد.","part":4,"page":160},{"id":804,"text":"وذكر ابن عبد البر أن محمد بن رستم روى عن محمد بن الحسن، أن النائم إذا فاته في نومه أكثر من خمس صلوات لا قضاء عليه، إلحاقاً للنوم الطويل إذا زاد على يوم وليلة بالإغماء، والمغمى عليه لا قضاء عليه عنده، ويكون الأمر عنده بالقضاء في النوم المعتاد، وهو ما تفوت فيه صلاة أو صلاتان أو دون خمس أو أكثر.\rوأخذ الجمهور بعموم الحديث.\rوقوله: (فليصل إذا ذكر) استدل به من يقول بوجوب قضاء الصلوات على الفور؛ وهو قول أبي حنيفة ومالك.\rوأحمد يوجبه بكل حال، قلت الصلوات أو كثرت.\rواستدلوا- أيضا -: بقوله: (لا كفارة لها إلا ذلك).\rوذهب الشافعي إلى أن القضاء على التراخي، كقضاء صيام رمضان، وليس الصوم كالصلاة عندهم، فإن الصيام لا يجوز تأخيره حتى يدخل نظيره من العام القابل والصلاة عندهم بخلاف ذلك.\rواستدلوا - أيضا-: بتأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة حتى خرج من الوادي.\rوفيه نظر؛ فإن ذلك تأخير يسير لمصلحة تتعلق بالصلاة، وهو التباعد عن موضع يكره الصلاة فيه.\rوقد روي عن سمرة بن جندب، فيمن عليه صلوات فائتة، أنه يصلي مع كل صلاة صلاة.\rوقد روي عنه- مرفوعاً.\rخرجه البزار بإسناد ضعيف.\rولأصحاب الشافعي فيما إذا كان الفوائت بغير عذر في وجوب القضاء على الفور وجهان.\rوحمل الخطأبي قوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) على وجهين:\rأحدهما: أن المعنى أنه لا يجوز له تركها إلى بدل، ولا يكفرها غير قضائها.\rوالثاني: أن المعنى أنه لا يلزمه في نسيانها كفارة ولا غرامة. قال: إنما عليه أن يصلي ما فاته.\rوقد روي عن أبي هريرة - مرفوعاً-: (من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها).\rخرجه الطبراني والدارقطني والبيهقي من رواية حفص بن أبي العطاف.\rواختلف عليه في إسناده إلى أبي هريرة.\rوحفص هذا، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال يحيى بن يحيى: كذاب.\rفلا يلتفت إلى ما تفرد به.\rوأماتلاوته قوله تعالى: { وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي }\rوقد رواه قتادة - مرة -، فقال: { للذِكْرِى } ومرة، قال: { لِذِكْرِي } ، كما هي القراءة المتواترة.\rوكان الزهري- أيضا- يقرؤها : { للذِكْرِى } .\rوهذه القراءة أظهر في الدلالة على الفور؟ لأن المعنى: أدَّ الصلاة حين الذكرى، والمعنى: أنه يصلي الصلاة إذا ذكرها.\rوبذلك فسرها أبو العالية والشعبي والنخعي.\rوقال مجاهد: { َأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } : أي تذكرني. قال: فإذا صلى عبد ذكر ربه.\rومعنى قوله: أن قوله: { َأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } - أي: لأجل ذكري بها.\rوالصلاة إنما فرضت ليذكر الله بها، كما في حديث عائشة المرفوع: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله).\rخرجه الترمذي وأبو داود.\rفأوجب الله على خلقه كل يوم وليلة أن يذكروه خمس مرار بالصلاة المكتوبة، فمن ترك شيئاً من ذكر الله الواجب عليه سهواً فليعد إليه إذا ذكره، كما قال تعالى:","part":4,"page":161},{"id":805,"text":"{ واذكر ربك إذا نسيت } [الكهف: 24]، فقد أمره إذا نسي ربه أن يذكره بعد ذلك، فمن نسي الصلاة فقد نسي ذكر ربه، فإذا ذكر أنه نسي فليعد إلى ذكر ربه بعد نسيانه.\rوأماترك الصلاة متعمداً، فذهب أكثر العلماء إلى لزوم القضاء له، ومنهم من يحكيه إجماعاً.\rواستدل بعضهم بعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اقضوا الله الذي له، فالله أحق بالقضاء).\rواستدل بعضهم: بأنه إذا أمر المعذور بالنوم والنسيان بالقضاء، فغير المعذور أولى.\rوفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن المعذور إنما أمره بالقضاء لأنه جعل قضاءه كفارة له، والعامد ليس القضاء كفارة له؛ فإنه عاص تلزمه التوبة من ذنبه بالاتفاق.\rولهذا قال الأكثرون: لا كفارة على قاتل العمد، ولا على من حلف يميناً متعمداً فيها الكذب؛ لأن الكفارة لا تمحو ذنب هذا.\rوأيضا؛ فإذا قيل: إن القضاء إنما يجب بأمر جديد، وهو ألزم لكل من يقول بالمفهوم، فلا دليل على إلزام بالقضاء؛ فإنه ليس لنا أمر جديد يقتضي أمره بالقضاء، كالنائم والناسي.\rواستدل بعضهم للزوم العامد القضاء: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المجامع في رمضان عمداً بالقضاء.\rكما خرجه أبو داود.\rوهو حديث في إسناده مقال؛ تفرد به من لا يوثق بحفظه وإتقانه.\rوأيضا؛ فيفرق بين من ترك الصلاة والصيام، ومن دخل فيهما ثم أفسدهما.\rفالثاني عليه القضاء، كمن أفسد حجه، والأول كمن وجب عليه الحج ولم يحج، وإنما أمره أن يحج بعد ذلك؛ لأن الحج فريضة العمر.\rومذهب الظاهرية - أو أكثرهم: أنه لا قضاء على المتعمد.\rوحكي عن عبد الرحمن صاحب الشافعي بالعراق، وعن ابن بنت الشافعي. وهو قول أبي بكر الحميدي في الصوم والصلاة إذا تركهما عمداً، أنه لا يجزئه قضاؤهما.\rذكره في عقيدته في آخر (مسنده).\rووقع مثله في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين، منهم: الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة.\rقال ابن بطة: أعلم أن للصلاة أوقاتاً، فمن قدمها على وقتها فلا فرض له من عذر وغيره، ومن اخرها عن وقتها مختاراً لذلك من غير عذر، فلا فرض له.\rفجعل الصلاة بعد الوقت لغير عذر، كالصلاة قبل الوقت، وقال في كل منهما: (إنه ليس بفرض) - يريد: أنها تقع نفلاً في الحالين.\rوقال البربهاري: الصلوات لا يقبل الله منها شيئاً إلا أن تكون لوقتها، إلا أن يكون نسياناً؛ فإنه معذور، يأتي بها إذا ذكرها، فيجمع بين الصلاتين إن شاء.\rوقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة.\rوروي عن طائفة من السلف، منهم: الحسن.\rوحكى الخلاف في ذلك: إسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر المروزي.\rقال محمد بن نصر في (كتاب الصلاة): إذا ترك الرجل صلاة مكتوبة متعمداً حتى ذهب وقتها فعليه قضاؤها، لا نعلم في ذلك خلافاً، إلا ما روي عن الحسن، فمن أكفره بتركها استتابه، وجعل توبته وقضاءها رجوعاً منه إلى الإسلام، ومن لم يكفر تاركها ألزمه المعصية، وأوجب عليه قضاءها.","part":4,"page":162},{"id":806,"text":"وكان إسحاق يكفر بترك الصلاة، ويرى عليه القضاء إذا تاب، وقال: أخبرني عبد العزيز بن أبي رزمة، عن ابن المبارك، أنه سأله رجل عن رجل ترك صلاة أياماً، ثم ندم؟ قال: ليقض ما ترك من الصلاة. قال: ثم أقبل ابن المبارك علي، فقال: هذا لا يستقيم على الحديث.\rقال إسحاق: يقول: القياس على الأصل أن لا يقضي، وريما بنى على الأصل، ثم يوجد في ذلك الشيء بعينه خلاف البناء، فمن هاهنا خاف ابن المبارك أن يقيس تارك الصلاة في الإعادة على ما جاء أنه قد كفر، فيجعله كالمشرك، ورأى أحكام المرتدين على غير أحكام الكفار، رأى قوم أن يورثوا المسلمين من ميرات المرتد، فأخذنا بالاحتياط، فرأى القضاء على تارك الصلاة عمداً، وكان يكفره إذا تركها عمداً حتى يذهب وقتها.\rقال إسحاق: وأكثر اهل العلم على إعادة الصلاة إذا تاب من تركها، والاحتياط في ذلك، فأمامن مال إلى ما قال الحسن: إذا ترك صلاة متعمداً لا يقضيها، فهو كما قال ابن المبارك: الإعادة لا تستقيم على الحديث، ثم ترك القياس في ذلك، فاحتاط في القضاء.\rقال إسحاق: ولقد قال بعض أهل العلم: إذا ارتد عن الإسلام، ثم أسلم أعاد كل صلاة تركها في ردته، وحجته: أن ارتداده معصية، ومن كان في معصية لم يجعل له من الرخصة شيء كالباغي وقاطع الطريق.\rقلت: قد اعترف ابن المبارك وإسحاق بأن القياس أن تارك الصلاة إذا حكمنا بكفره أنه يكون مرتداً، ولا قضاء عليه، وإنما أوجبنا القضاء على المرتد احتياطاً.\rوفي وجوب القضاء على المرتد لما فاته في مدة الردة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد.\rومذهب الشافعي وغيره: الوجوب.\rوهذا الكلام من ابن المبارك وإسحاق يدل على أن من كفر تارك الصلاة عمداً كفره بذلك بمجرد خروج وقت الصلاة عليه، ولم يعتبر أن يستتاب، ولا أن يدعى إليها، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة -أيضا-، وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا كالخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى.\rثم قال محمد بن نصر: فأماالمروي عن الحسن، فإن إسحاق ثنا، قال: ثنا النضر، عن الاشعث، عن الحسن، قال: إذا ترك الرجل صلاة واحدة متعمداً، فإنه لا يقضيها.\rقال محمد بن نصر: قول الحسن هذا يحتمل معنيين:\rأحدهما: أنه كان يكفره بترك الصلاة متعمداً، فلذلك لم ير عليه القضاء؛ لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الفرائض في كفره.\rوالمعنى الثاني: أنه إن لم يكن يكفره بتركها، فإنه ذهب إلى أن الله عز وجل إنما افترض عليه أن يأتي بالصلاة في وقت معلوم، فإذا تركها حتى يذهب وقتها فقد لزمته المعصية؛ لتركه الفرض في الوقت المأمور بإتيانه به فيه، فإذا أتى به بعد ذلك، فقد أتى به في وقت لم يؤمر بإتيانه به فيه، فلا ينفعه أن يأتي بغير المأمور به، عن المأمور به.\rقال: وهذا قول غير مستنكر في النظر، لولا أن العلماء قد اجتمعت على خلافه.","part":4,"page":163},{"id":807,"text":"قال: ومن ذهب إلى هذا، قال في الناسي للصلاة حتى يذهب وقتها، وفي النائم - أيضا-: إنه لو لم يأتي الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، لما وجب عليه في النظر قضاؤها- أيضا.\rانتهى ما ذكره ملخصاً.\rوقد اعترف بأن القياس يقتضي أنه لا يجب القضاء على من تركها متعمداً، فإنه إن كان كافراً بالترك متعمداً، فالقياس أن لا قضاء على الكافر، وإن كان مرتداً.\rوإن لم يكن كافراً بالترك، فالقياس أنه لا قضاء بعد الوقت؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، وليس فيه أمر جديد، وإنما أمر بالقضاء من يكون القضاء كفارة له، وهو المعذور، والعامد لم يأت نص بأن القضاء كفارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنه عاص آثم يحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمني الغموس.\rوكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة الحسن، مع عظمته وجلالته، وفضله وسعة علمه، وزهده وورعه؟\rولا يعرف عن أحد من الصحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحاً عن التابعين - أيضا- فيه شيئاً، إلا عن النخعي.\rوقد وردت آثار كثيرة عن السلف في تارك الصلاة عمداً، أنه لا تقبل منه صلاة، كما روي عن الصديق - رضي الله عنه -، أنه قال لعمر في وصيته له: إن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل.\rيشير إلى صلوات الليل والنهار.\rوفي حديث مرفوع: (ثلاثة لا يقبل لهم صلاة)، ذكر منهم: (الذي لا يأتي الصلاة إلا دباراً) - يعني: [بعد] فوات الوقت.\rخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعاً.\rوفي إسناده ضعف.\rولكن مجرد نفي القبول لا يستلزم عدم وجوب الفعل، كصلاة السكران في مدة الأربعين، وصلاة الآبق والمرأة التي زوجها عليها ساخط.\rفإن قيل: فقد قال تعالى: { فويل للمصلين ... . ساهون } [الماعون: 4، 5]، وفسره الصحابة بإضاعة مواقيتها.\rوكذا قال ابن مسعود في المحافظة على الصلاة: أي المحافظة على مواقيتها، وأن تركها كفر.\rففرقوا بين تركها وبين صلاتها بعد وقتها.\rوقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلف من أخبر أنه يضيع الصلاة ويصليها لغير وقتها، وهذا يدل على أن صلاتهم صحيحة.\rوقد سئل عن الأمراء وقتالهم؟ قال: (لا، ما صلوا، وكانت على هذا الوجه)، فدل على إجزائها.\rقيل: السهو عن مواقيت الصلاة لا يستلزم تعمد التأخير عن الوقت الحاضر؛ فإنه قد يقع على وجه التهاون بتأخير الصلاة حتى يفوت الوقت - أحياناً- عن غير تعمد لذلك، وقد يكون تأخيرها إلى وقت الكراهة، أو إلى الوقت المشترك الذي يجمع فيه أهل الأعذار عند جمهور العلماء، وغيرهم على رأي طائفة من المدنيين.\rوهذه الصلاة كلها مجزئة، ولا يكون المصلي لها كالتارك بالإتفاق.\rوقد سئل سعيد بن جبير، عن قوله: { فويل للمصلين ... . ساهون } ؟ فدخل المسجد، فرأى قوماً قد أخروا الصلاة، لا يتمون ركوعاً ولا سجوداً، فقال: الذي سألتني عنهم هم هؤلاء.\rوهذه الصلاة مثل الصلاة التي سماها النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلاة المنافقين).","part":4,"page":164},{"id":808,"text":"وهكذا كانت صلاة الأمراء الذين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة خلفهم نافلة، فإنهم كانوا يؤخرون العصر إلى اصفرار الشمس، وربما أخروا الصلاتين إلى ذلك الوقت، وهو تأخير إلى الوقت المشترك لأهل الأعذار، وكغيرهم عند طائفة من العلماء.\rفليس حكمهم حكم من ترك الصلاة؛ فإن التارك هو المؤخر عمداً إلى وقت مجمع على أنه غير جائز، كتأخير صلاة الليل إلى النهار، وصلاة النهار إلى الليل عمداً، وتأخير الصبح إلى بعد طلوع الشمس عمداً.\rوقد وردت أحاديث كثيرة تدل على أن نقص الفرائض يجبر من النوافل يوم القيامة.\rفروى أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته شيئاً قال الرب تبارك وتعالى: انظروا، هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك).\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي - وهذا لفظه، وقال: حسن غريب- وابن ماجه.\rوله طرق عن أبي هريرة، أشهرها: رواية الحسن، وقد اختلفوا عليه في إسناده إلى أبي هريرة:\rفقيل: عن الحسن، عن أنس بن حكيم، عن أبي هريرة.\rوقيل: عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.\rوقيل غير ذلك.\rورواه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن يحيى بن يعمر، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه النسائي.\rوقيل - بهذا الإسناد-: عن يحيى بن يعمر، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه الإمام أحمد.\rوهذا إسناد جيد.\rوروي عن أبي هريرة من وجه آخر.\rوروى حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعنى حديث أبي هريرة.\rخرجه أبو داود وابن ماجه.\rوزرارة، قال الإمام أحمد: ما أحسبه لقي تميماً.\rوقد روي حديث أبي هريرة وتميم موقوفاً عليهما.\rوقد خرج الإمام أحمد هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك.\rوخرج - أيضا- من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج: سمعت رجلاً من كندة يقول: حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا ينتقص أحدكم من صلاته شيئاً إلا أتمها الله من سبحته).\rوخرجه أبو القاسم البغوي بنحو هذا اللفظ من حديث عائذ بن قرط، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد روي هذا المعنى - أيضا-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عمر وابن عباس، وفي إسنادهما ضعف.\rواختلف الناس في معنى تكميل الفرائض من النوافل يوم القيامة:","part":4,"page":165},{"id":809,"text":"فقالت طائفة: معنى ذلك أن من سها في صلاته عن شيء من فرائضها أو مندوباتها كمل ذلك من نوافله يوم القيامة، وأمامن ترك شيئاً من فرائضها أو سننها عمداً، فإنه لا يكمل له من النوافل؛ لأن نية النفل لا تنوب عن نية الفرض.\rهذا قول عبد الملك بن حبيب المالكي وغيره.\rوقالت طائفة: بل الحديث على ظاهره في ترك الفرائض والسنن عمداً وغير عمد.\rواليه ذهب الحارث المحاسبي وغيره.\rوهو قول طائفة من أصحابنا وابن عبد البر، إلا أنهم خصوه بغير العامد.\rوحمله آخرون على العامد وغيره، وهو الأظهر - إن شاء الله تعالى.\rوقولهم: (نية الفرض لا ينوب عنها نية النفل) إنما هو بالنسبة إلى أحكام تكليف العباد في الدنيا، فأمابالنسبة إلى فضل الله في الآخرة فلا؛ لأن فضله واسع لا حجر عليه، بل هو تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.\rمع أن في تأدية الفرائض بنية التطوع اختلافاً مشهوراً بين العلماء في الحج والصيام والزكاة، وكذا في الصلاة.\rوأيضا؛ فقد حكينا فيما سبق في (كتاب الإيمان) عن سفيان، أن من نسي صلاة فدخل مع قوم يصلونها، وهو ينوي أنها تطوع، أنها تقع عن الفرض الذي عليه.\rوقال أحمد بن أبي الحواري: قال لي الفريأبي: صل ركعتي الفجر في البيت، فإن مت قبل الفريضة أجزأتك من الفريضة.\rوروي عن بعض الصحابة، أنه دخل المسجد ولم يكن صلى الظهر، وإن الإمام يصلي العصر، فصلى معه وهو يظن أنها الظهر، فاعتد بها عن العصر، ثم صلى الظهر.\rخرجه الجوزجاني.\rواستدل الأولون بالأحاديث التي فيها: أن من ضيع بعض حدود الصلاة، أنه لا عهد له عند الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.\rولا حجة في ذلك؛ لأن الله إذا شاء أن يغفر لعبد أكمل فرائضه من نوافله، وذلك فضل من عنده يفعله مع من يشاء أن يرحمه ولا يعذبه.\rواستدلوا - أيضا- بما روى موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (مثل المصلي مثل التاجر، لا يخلص له ربحه حتى يأخذ رأس ماله، فكذلك المصلي لا يقبل له صلاة نافلة حتى يؤدي الفريضة).\rخرجه البزار والهيثم بن كليب في (مسنديهما) والإسماعيلي.\rوموسى بن عبيدة، ضعيف جداً من قبل حفظه، وقد تفرد بهذا.\rوخرج أبو الشيخ الأصبهاني من طريق أبي أمية، عن الحسن، عن أبي هريرة - مرفوعاً-: (من صلى المتكوبة فلم يتم ركوعها ولا سجودها، ثم يكثر من التطوع، فمثله كمثل من لا شف له حتى يؤدي رأس ماله).\rوأبو أمية، هو: عبد الكريم، متروك الحديث.\rو(الشف): من أسماء الأضداد، يكون بمعنى الزيادة، وبمعنى النقص.\rوخرجه إسحاق بن راهويه في (مسنده)، عن كلثوم بن محمد بن أبي سدرة، عن عطاء الخراساني، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا صلى الرجل الصلاة المكتوبة، فلم يتم ركوعها ولا سجودها وتكبيرها والتضرع فيها، كان كمثل التاجر لا شف له، حتى يفي رأس ماله).\rوكلثوم، ضعفه ابن عدي وغيره. وعطاء، لم يسمع من أبي هريرة.","part":4,"page":166},{"id":810,"text":"ومعنى هذه الأحاديث - إن صح منها شيء-: أن النوافل يكمل بها نقص الفرائض، فلا يسلم له شيء من النوافل حتى يكمل نقص الفرائض؛ ولهذا شبهه بالتاجر الذي [لا] يخلص له ربح حتى يستوفي رأس ماله، ويظهر هذا في المضارب بمال غيره، ولهذا يقول الفقهاء: إن ربحه وقاية لرأس المال.\rومن هنا؛ قال طائفة من السلف -منهم: ابن عباس وأبو أمامة-: إنما النافلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة.\rيعنون: أن غيره تكمل فرائضه بنوافله، فلا يخلص له نافلة، فنوافله جبرانات لفرائضه.\rوروى إسحاق بن راهويه في (مسنده): ثنا عبد الل بن واقد: ثنا حيوة بن شريح، عن أبي الأسود، عن ابن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من كان عليه من رمضان شيء، فأدركه رمضان ولم يقضه لم يتقبل منه، ومن صلى تطوعاً وعليه مكتوبة، لم يتقبل منه).\rعبد الله بن واقد، هو: أبو قتادة الحراني، تكلموا فيه.\rوهذا غريب من حديث حيوة، وإنما هو مشهور من حديث أبن لهيعة.\rوقد خرجه الإمام أحمد عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه، فإنه لا يتقبل منه).\rولم يذكر في حديثه: (الصلاة).\rوقد روي مرفوعاً.\rوقال أبو زرعة: الصحيح المرفوع.\rونفي القبول لا يستلزم [نفي] الصحة بالكلية، وقد سبق ذكر ذلك غير مرة.\rويدل على ذلك: أن في تمام الحديث الذي خرجه الإمام أحمد: (من أدرك رمضان، وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه)، ومعلوم أنه يلزمه قضاؤه بعد رمضان مع الإطعام.\rولا يعلم في لزوم القضاء خلاف، إلا عن ابن عمر من وجه فيه ضعف، والخلاف مشهور في وجوب الإطعام مع القضاء.\rوقد نقل إبراهيم الحربي، عن أحمد، انه سئل عن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمن عليه صلاة)؟ قال: لا أعرف هذا اللفظ.\rقال الحربي: ولا سمعت بهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوهذا يدل على أن الحديث الذي خرجه إسحاق لا أصل له.\rوقد اختلف العلماء فيمن عليه قضاء رمضان: هل يجوز له أن يتنفل بالصيام قبل القضاء، أم لا؟ فيه قولان معروفان، هما روايتان عن أحمد.\rوأكثر العلماء على جوازه، وروي عن طائفة من السلف المنع منه.\rوقال هشام بن عروة، عن أبيه: مثل الذي يتطوع بالصوم وعليه قضاء رمضان، كمثل الذي يسبح وهو يخاف أن تفوته المكتوبة.\rوكذلك لو كان عليه صلاة فائتة، فتطوع قبل قضائها، فإن كان التطوع بسنتها الراتبة، فهو جائز، بل يستحب عند جمهور العلماء، خلافاً لمالك، وقد سبق ذلك، وإن كان تطوعاً مطلقاً، فقال أصحابنا: لا يجوز؛ لأن القضاء عندهم على الفور، بخلاف قضاء رمضان؛ فإنه على التراخي حتى يتضايق وقته في شعبان.\rوفي انعقاده - لو فعل- وجهان، وحكي روايتان.\rورجح بعضهم عدم الانعقاد، وحمل حديث تكميل الفرائض بالنوافل على السنن الرواتب، أو على من تطوع ونسي أن عليه فائتة.","part":4,"page":167},{"id":811,"text":"والذين لا يرون على العامد القضاء بالكلية، لا يتصور هذه المسألة عندهم، لأنهم يقولون: ليس يلزمه قضاء بالكلية.\r* * *","part":4,"page":168},{"id":812,"text":"38- باب\rقضاء الصلوات الأولى فالأولى\r598- حدثنا مسدد: ثنا يحيى: ثنا هشام: ثنا يحيى - هو: ابن أبي كثير -، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: جعل عمر [يوم الخندق] يسب كفارهم، فقال: ما كدت أصلي العصر حتى غربت الشمس. قال: فنزلنا بطحان، فصلى بعدما غربت الشمس، ثم صلى المغرب.\rإنما في هذا الحديث ترتيب الفائتة مع الحاضرة، وأنه يقدم الفائتة على الحاضرة، ثم يصلي الحاضرة، وقد سبق هذا الحديث والكلام عليه.\rوفي الباب: أحاديث في قضاء الفوائت وترتيبها، ليست على شرط البخاري، وكأنه أشار بالتبويب إليها، ولكنه اقتصر على حديث جابر؛ لما لم يكن في الباب على شرطه غيره.\rوقد روي عن جابر من وجه ضعيف، أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فوائت ورتبها.\rفروى حماد بن سلمة، عن عبد الكريم أبي أمية، عن مجاهد، عن جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام وصلى العصر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم أمره [فإذن] وأقام وصلى العشاء، وقال: (ما [على] وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم).\rخرجه البزار في (مسنده).\rوقال: لا نعلم رواه بهذا الإسناد، إلا مؤمل - يعني: عن حماد-، وقد رواه بعضهم، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله.\rانتهى.\rوعبد الكريم أبو أمية، متروك الحديث، مع أن البخاري حسن الرأي فيه.\rوقد روى أبو الزبير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا رسول الل - صلى الله عليه وسلم - عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً، فأذن وأقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.\rخرجه الإمام أحمد من طريق هشيم، عن أبي الزبير.\rوقال الترمذي: ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله.\rوخرجه النسائي من طريق هشام الدستوائي، عن أبي الزبير - ولم يذكر فيه: الأذان، وإنما ذكر الإقامة لكل صلاة، وزاد في آخره: قال: ثم طاف علينا، فقال: (ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم).\rوكذا رواه الأوزاعي عن أبي الزبير، وفي حديث: حتى إذا كان قريباً من نصف الليل فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبدأ بالظهر فصلاها، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء بإقامة إقامة.\rوخرجه أبو يعلي الموصلي من طريق يحيى بن أبي أنيسة - وهو ضعيف جداً-، عن زبيد الأيامي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر في حديثه: الأذان والإقامة لكل صلاة.","part":4,"page":169},{"id":813,"text":"وروى سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة، حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل، حتى كفينا، وذلك قول الله عز وجل: { وكفى الله ... . عزيزاً } [الأحزاب: 25]. قال: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالاً، فاقام صلاة الظهر، فصلاها وأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر، فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب، فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء، فصلاها كذلك. قال: وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف: { فرجالاً أو ركباناً } [البقرة: 239].\rخرجه الإمام أحمد - وهذا لفظه - والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحهما).\rوقد دلت هذه الأحاديث على أن من فاتته صلوات، فإنه يبدأ بالأولى فالأولى، هذا هو المشروع في قضائها بالاتفاق.\rواختلف في الأذان والإقامة، ففي بعضها: أنه صلى كل صلاة بإقامة إقامة، من غير ذكر أذان. وفي بعضها: أنه أذن للأولى، وأقام لكل صلاة. وفي بعضها: أنه أذن وأقام لكل صلاة.\rواختلف العلماء في ذلك، وقد سبق ذكر الاختلاف في الأذان للفائتة إذا كانت واحدة.\rوأمامع تعدد الفوائت:\rفمنهم من قال: يقيم لكل صلاة، ولا يؤذن، وهو قول الحسن والأوزاعي ومالك والشافعي في قول، وحكي رواية عن أحمد.\rومنهم من قال: يؤذن للأولى، ويقيم لكل صلاة، وهو قول أحمد وأبي ثور وداود وأحد أقوال الشافعي.\rوله قول ثالث: إن أمل اجتماع الناس بالأذان أذن، وإلا اقتصر على الإقامة لكل صلاة.\rوقال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة.\rوأماالترتيب، فقد ذكرنا أنه مستحب بالاتفاق.\rواختلفوا: هل هو شرط لصحة الصلاة، أم لا؟\rفمذهب أحمد: أنه شرط، قلت الفوائت أو كثرت، وهو قول زفر.\rومذهب مالك وأبي حنيفة: يجب الترتيب فيها إن كانت خمساً فما دون، ولا يجب فيما زاد.\rومذهب الشافعي: أنه لا يجب الترتيب بحالٍ، وهو قول أبي ثور وداود، ورواية عن الأوزاعي.\rوروي عن سمرة بن جندب ما يدل عليه.\rوهؤلاء جعلوا ترتيب الصلوات في الأداء من ضرورة الوقت، فإذا فاتت فلا يجب فيها الترتيب، كمن عليه ديون منجمة، إذا أخرت إلى آخرها نجماً فلا يبالي بما قضى منها قبل الآخر، حتى لو قضى آخرها نجماً قبل الكل لجاز، وكصوم رمضان إذا فات، فإنه لا يشترط لقضائه ترتيب ولا موالاة، بل يجوز تفريقه وتتابعه.\rواستدل بعض من أوجب الترتيب بما روى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن يزيد، أن عبد الله بن عوف حدثه، عن أبي جمعة حبيب بن سباع - وكان قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم --، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: (هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟) فقالوا: يا رسول الله، ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام، وصلى العصر، ثم أعاد المغرب.\rخرجه الإمام أحمد.\rواستدل به بعض من يقول: لا يسقط الترتيب بالنسيان.\rوحمله بعض من خالفه على أنه كان تذكر العصر في صلاة المغرب قبل أن يفرغ منها.","part":4,"page":170},{"id":814,"text":"وهذا حديث ضعيف الإسناد، وابن لهيعة لا يحتج بما ينفرد به.\rقال ابن عبد البر: هذا حديث لا يعرف إلا عن ابن لهيعة، عن مجهولين، لا تقوم به حجة.\rقلت: أماعبد الله بن عوف، فإنه الكناني، عامل عمر بن عبد العزيز على فلسطين، مشهور، روى عنه الزهري وجماعة.\rوأمامحمد بن يزيد، فالظاهر أنه ابن أبي زياد الفلسطيني، صاحب حديث الصور الطويل، وقد ضعفوه.\rوروى مالك في (الموطأ)، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من نسي [صلاة] فلم يذكرها إلا وراء الإمام، فإذا سلم الإمام فليصل الصلاة التي نسي، ثم يصلي بعدها الأخرى.\rوقد روى عثمان بن سعيد الحمصي، عن مالك مرفوعاً.\rورفعه باطل-: ذكره ابن عدي.\rكذا روي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعاً.\rخرجه أبو يعلي الموصلي والطبراني والدارقطني.\rوذكر عن موسى بن هارون الحافظ، أن رفعه وهم، وإنما هو موقوف.\rوكذا قال أبو زرعة الرازي.\rوأنكر يحيى بن معين المرفوع إنكاراً شديداً-: ذكره ابن أبي حاتم.\rوقد اختلف من اشترط الترتيب للقضاء فيمن ذكر فائتة وهو يصلي حاضرة.\rفقيل: يسقط عنه الترتيب في هذه الحال؛ لأن الحاضرة قد تعين إتمامها بالشروع فيها؛ لتضايق وقت الحاضرة.\rوحكي عن الحسن وطاوس، وهو قول أبي يوسف، واختاره بعض أصحابنا؛ لأن الجماعة عندنا فرض.\rوقيل: لا يسقط، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد.\rوعلى هذا؛ فهل يبطل الحاضرة، أم يقطعها؟ على قولين.\rأحدهما: أنه يقطعها - وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد -، إلا أن يكون مأموماً فيتمها كما قاله ابن عمر.\rوالثاني: يتمها نفلاً، وهو قول الليث والثوري وأحمد في رواية.\rفعلى هذا؛ إن قلنا: يصح ائتمام المفترض بالمتنفل صح ائتمام المأمومين به، وإلا فلا.\rوذكر ابن عبد البر: أن مذهب مالك: أن المأموم يتم صلاته، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة، كما قاله ابن عمر.\rقال: وعند مالك وأصحابه: لا يجب الترتيب في الفوائت بعد صلاة الوقت، إلا بالذكر، وجوب استحسان، بدليل إجماعهم على أن من ذكر فائتة في وقت حاضرة، أو صلوات يسيرة، أنه إن قدم العصر على الفائتة، أنه لا إعادة عليه للعصر التي صلاها، وهو ذاكر فيها للفائتة، إلا أن يبقى من وقتها ما يعيدها فيها قبل غروب الشمس.\rقال: وهذا يدل على أن قولهم: من ذكر صلاة في صلاة فإنها تنهدم أو تفسد عليه، ليس على ظاهره، ولو كان على ظاهره لوجبت الإعادة عليه للعصر بعد غروب الشمس؛ لأن ما يفسد ويهدم حقيقة يعاد أبداً، وما يعاد في الوقت فإنه استحباب، فقضت على هذا الأصل.\rقال: وقال أبو حنيفة: من ذكر فائتة، وهو في صلاة أخرى من الصلوات الخمس، فإن كان بينهما أكثر من خمس صلوات مضى فيما هو فيه، ثم صلى التي عليه، وإن كان أقل من ذلك، قطع ما هو فيه، وصلى التي ذكر، إلا أن يضيق وقتها، فيتمها، ثم يصلي الفائتة. انتهى.\r39- باب\rما يكره من السمر بعد العشاء\r(السامر): من السمر، والجمع: السمار، والسامر هاهنا في موضع الجمع.","part":4,"page":171},{"id":815,"text":"(السمر): هو التحدث بالليل، وقوله تعالى: { مستكبرين به سامراً } [المؤمنون: 67] هو من السمر، ومعناه هنا: الجمع - أي: سماراً.\rفسمار جمع، وسامر يكون مفرداً، وقد يراد به الجمع كما في الآية.\r599- حدثنا مسدد: ثنا يحيى: ثنا عوف: ثنا أبو المنهال، قال: انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي، فقال له: حدثنا، كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي المكتوبة؟ قال: كان يصلي الهجير - وهي التي تدعونها الأولى - حين تدحض الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى أهله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب. قال: وكان يستحب أن يؤخر العشاء. قال: وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه، ويقرأ من الستين إلى المائة.\rقد سبق هذا في مواضع، وشرح ما فيه من مواقيت الصلاة، وذكر النوم قبل العشاء، ولم يبق من أحكامه غير ذكر الحديث بعد العشاء، وهو السمر.\rوفي هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكرهه، وقد ذكرنا فيما سبق حديث عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما نام قبل العشاء ولا سمر بعدها.\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: جدب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السمر بعد العشاء.\rومعنى (جدبه): عابه وذمه -: قاله أبو عبيد وغيره.\rووهم من قال: أباحه لهم، كالطحاوي، وهو مخالف لما قاله أهل اللغة.\rوهذا الحديث وهم عطاء بن السائب في إسناده؛ فقد رواه الأعمش ومنصور وابو حصين، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة، قال: جدب لنا عمر السمر.\rوخالفهم عطاء بن السائب وعاصم، فقالا: عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ثم اختلفا، فرفعه عطاء، ووقفه عاصم، ووهما في ذلك.\rوالصحيح: قول منصور والأعمش-: قاله أبو بكر الأثرم.\rوذكر مسلم نحوه في (كتاب التمييز)، وزاد: أن المغيرة رواه عن أبي وائل، عن حذيفة - من قوله.\rقال: ولم يرفعه إلا عطاء بن السائب.\rوأشار إلى أن رواية الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وأبي حصين، عن أبي وائل، عن سلمان، عن عمر هي الصحيحة؛ لأنهم أحفظ وأولى بحسن الضبط للحديث.\rوقد رويت كراهة السمر بعد العشاء عن عمر وحذيفة وعائشة وغيرهم.\rثم منهم من علل بخشية الامتناع من قيام الليل، روي ذلك عن عمر.\rومنهم من علل بأن الصلاة ينبغي أن تكون خاتمة الأعمال، فيستحب النوم عقيبها، حتى ينام على ذكر، ولا ينام على لغو.\rوروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يسمر ما لم يوتر، فجعل الختم بالوتر يقوم مقام الختم بالصلاة المكتوبة.\rوكانت عائشة تقول لمن يسمر: أريحوا كتابكم.\rتعني: الملائكة الكاتبين.\rومتى كان السمر بلغو ورفث وهجاء فإنه مكروه بغير شك.\rوفي (مسند الإمام أحمد) من حديث شداد بن أوس - مرفوعاً-: (من قرض بيت شعر بعد عشاء الآخرة لم يقبل له صلاة تلك الليلة).\r* * *","part":4,"page":172},{"id":816,"text":"40- باب\rالسمر في الفقه والخير بعد العشاء\rفيه حديثان:\rالأول:\rقال:\r600- نا عبد الله بن صباح: نا أبو علي الحنفي: نا قرة بن خالد: أنتظرنا الحسن وراث علينا حتى قربنا من وقت قيامه، فجاء، قال: دعانا جيراننا هؤلاء، ثم قال: قال أنس: نظرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة، حتى كان شطر الليل يبلغه، فجاء فصلى لنا، ثم خطبنا، فقال: (ألا إن الناس قد صلوا، ثم رقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة).\rقال الحسن: وإن القوم لن يزالوا في خير ما انتظروا الخير.\rقال قرة: وهو من حديث أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rمعنى (راث): أبطأ.\rالثاني:\r601- ثنا أبو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر وأبو بكر بن أبي حثمة، أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على وجه الأرض أحد).\rفوهل الناس في مقالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض) - يريد بذلك: أنها تخرم ذلك القرن.\r(وهل)- بفتح الهاء-، قال الخطأبي: معناه: غلطوا وتوهموا، والوهل: الوهم، يقال: وهل إذا ذهب وهله إلى الشيء. انتهى.\rوضبطه بعضهم (وهل) بكسر الهاء، وقال: معناه فزع ونسي، والوهل - بالفتح -: الفزع.\rوقيل: معناه: وقع في وهله.\rوالأول أصوب: والله اعلم.\rومراد ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن من كان موجوداً في وقت قوله ذلك لا يبقى منهم أحد على رأس مائة سنة، فينخرم ذلك القرن، فظن بعضهم: أن مراده: أن الساعة تقوم بدون مائة سنة، وهو وهم ممن ظن ذلك، ولذلك أنكره علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على من توهمه.\rومقصود البخاري بهذين الحديثين: الاستدلال على جواز الموعظة وذكر العلم بعد العشاء، وانه ليس من السمر المنهي عنه.\rوقد كان ابن شبرمة وغيره من فقهاء الكوفة يسمرون في الفقه إلى أذان [الفجر].\rونص الإمام أحمد على أنه لا يكره السمر في العلم.\rوروى قتادة، عن أبي حسان، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقوم إلا إلى عظم صلاة.\rخرجه أبو داود.\rوكذا رواه هشام الدستوائي وعمرو بن الحارث وسعيد بن بشير.\rوخالفهم: أبو هلال، فرواه عن قتادة، عن أبي حسان، عن عمران بن حصين.\rوالقول: قول هشام ومن تابعه-: قاله الإمام أحمد وأبو حاتم وأبو بكر الأثرم.\rوخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن خزيمة في (صحيحه) من حديث علقمة، عن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمر مع أبي بكر في الأمر من أمر المسلمين، وأنا معهم.\rقال الترمذي: حسن.\rوقد قيل: إن علقمة لم يسمعه من عمر، وبينهما رجل -: قاله البخاري والأثرم.","part":4,"page":173},{"id":817,"text":"ورجح الدارقطني: أنه ليس بينهما أحد.\rوفيه دليل على جواز السمر في مصالح المسلمين، وما يعود بنفعهم.\rوقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه كان يسمر مع علي بن أبي طالب حتى يذهب ليل طويل.\rوكان ابن عباس يسمر عند معاوية.\rوخرج ابن مسعود وأبو موسى من عند الوليد، وقد تحدثوا ليلاً طويلاً، فجاءوا إلى سدة المسجد، فتحدثوا حتى طلع الفجر.\rوقد ذكر البخاري في أواخر (كتاب العلم): (باب: السمر بالعلم)، وقد سبق في موضعه، وذكرنا فيه زيادة هاهنا. والله أعلم.\r* * *","part":4,"page":174},{"id":818,"text":"41- باب\rالسمر مع الأهل والضيف\r602- ثنا أبو النعمان: ثنا المعتمر بن سليمان: ثنا أبي: ثنا أبو عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: إن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعة فخامس أو سادس) وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة. قال: فهو أنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال: وامرأتي - وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك - أو قال: ضيفك-؟ قال: أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، قد عرضوا فأبوا. قال: فذهبت أنا فاختبأت، قال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا لا هنيئاً. فقال: والله، لا أطعمه أبداً، وايم الله، ما كنا ناخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان ذلك من الشيطان - يعني: يمينه -، ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، فعرفنا اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون - أو كما قال.\rفي هذا الحديث فوائد كثيرة:\rمنها: استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه، فلهذا أمر من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس - أو سادس-، وهذا شك من الراوي.\rولفظ مسلم في هذا الحديث: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس - بسادس)- أو كما قال.\rوهذا يدل على أن الراوي شك.\rوفي (الصحيحين)، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة).\rوفي (صحيح مسلم)، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية).\rوفي هذا إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام.\rوفي (سنن ابن ماجه) بإسناد ضعيف، عن عمر - مرفوعاً-: (كلوا جميعاً ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة).\rوخرج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي، أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: (فلعلكم تتفرقون؟) قالوا: نعم. قال: (فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه).\rومعنى: (يكفي): أنه يكتفي به، وإن لم يشبعه.\rوكان عمر في عام الرمادة يدخل على أهل البيت من المسلمين مثلهم، ويقول: لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته.","part":4,"page":175},{"id":819,"text":"فهذا مأخوذ من هذا الحديث. والله أعلم.\rومجئ أبي بكر بثلاثة، إن كان هو وامرأته وابنه فقط، فقد أتى بنظير عدتهم، وإن كانوا خمسة - على رواية الشك-، فقد صاروا ثمانية، وطعام الأربعة يكفي الثمانية.\rوأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة على قدر قوته على الإيثار، وما خصه الله به من الجود والكرم في اليسر والإعسار.\rومنها: أنه إذ أتى الأنسان بضيوف إلى منزله، فإنه يجوز له أن يكلهم إلى أهله وولده، ولا يحضر معهم في الأكل؛ فإن في ذلك كفاية إذا وثق من اهله وولده بالقيام بحقهم.\rومنها: اختصاص أبي بكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في عشائه عنده، واحتباسه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل.\rوقد سبق حديث عمر في سمر أبي بكر وعمر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في الباب الماضي.\rوأماسب أبي بكر ولده؛ فظنه أنه قصر في حق ضيفه، ولم يقم به كما ينبغي.\rومعنى (جدع) - أي: قطعه بالقول الغليظ.\rوأماقوله: (يا غنثر)، فروي بوجهين - ذكرهما الخطأبي -:\rأحدهما: (عنتر) بالعين المهملة، والتاء المثناة من فوق، وهما مفتوحتان.\rقال الخطأبي: إن كانت هذه محفوظة، فالعنتر: الذباب-: قاله ثعلب.\rسمي به لصوته؛ وكأنه حين حقره وصغره شبهه بالذباب.\rوالثاني: (غنثر) بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة-، فهو مأخوذ من الغثارة، وهي: الجهل، يقال: رجل أغثر وغنثر. والنون زائدة.\rومنها: إثبات كرامات الأولياء وخرق العوائد لهم.\rوهو قول عامة أهل السنة، ووافق على ذلك المعتزلة في زمن الأنبياء خاصة، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية، وجعلوها من جملة معجزاتهم حينئذ.\rوالتحقيق: أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال، وفي كل زمان؛ لأن ما يكرم الله بذلك أولياءه، فإنما هو من بركة اتباعهم للأنبياء، وحسن اقتدائهم بهم، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصهم من جملة معجزاتهم وآياتهم.\rومنها: جواز الإهداء إلى الأخوان الطعام بالليل، مع العلم بأنهم قد تعشوا واكتفوا، وإن أدى ذلك إلى أن يبيت الطعام عندهم.\rواستمرت هذه الآية في ذلك الطعام حتى أكل منه الجمع الكثير من الغد.\rومعنى: (عرفنا اثني عشر رجلاً) - أي: جعلناهم عرفاً.\rوروي: (ففرقنا).\rومنها: من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فإنه يأتي الذي هو خير، ولا تحرم عليه يمينه فعل ما حلف على الامتناع منه، وهذا قول جمهور العلماء.\rوقد ثبت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يأتي الذي هو خير ويكفر، وكان في نفسه يفعل ذلك.\rوقد قيل: إن اليمين تحرم المحلوف عليه تحريماً ترفعه الكفارة.\rوالصحيح: خلافه؛ لأنه يجوز الإقدام على فعل المحلوف قبل التكفير بالاتفاق، ولو كان محرماً لوجب تحليله بالكفارة قبله، كالظهار.\rوفي (سنن أبي داود) هذا الحديث، قال: (ولم يبلغني كفارة) وهذا من قول بعض الرواة.\rوهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفر عن يمينه، بل الظاهر - أو المجزوم به - انه كفرها.","part":4,"page":176},{"id":820,"text":"وقد ثبت من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان أبو بكر إذا حلف على يمين لا يحنث، حتى نزلت آية الكفارة، فقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت يميني.\rكذا رواه يحيى القطان والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم، عن هشام.\rوخرجه البخاري في (صحيحه هذا) من رواية النضر بن شميل، عن هشام.\rوخالفهم الطفاوي، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.\rورفعه وهم منه، والصحيح: كان أبو بكر-: كذا قاله البخاري والدارقطني.\rوفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة، قال: أعتم رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم رجع إلى أهله، فوجد الصبية قد ناموا، فاتاه أهله بطعام، فحلف لا يأكل؛ من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [فذكر] ذلك [له]، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتها، وليكفر [عن] يمينه).\rولعل هذا الرجل هو أبو بكر الصديق، وتكون الإشارة إلى هذا القصة، إلا أن حديث عبد الرحمن يدل على أنه لم يكن لأبي بكر صبية.\rوقد ذهب قوم إلى أن من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه أنه يأتي الذي هو خير، ويكون ذلك كفارة يمينه، ولا يحتاج إلى كفارة بمال أو صوم.\rوهذا معروف عن ابن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وسالم وعكرمة، وزاد عليه، فجعل من حلف بطلاق على معصية، أنه لا يفعل ما حلف عليه، ولا طلاق عليه.\rوهذا شذوذ.\rوروي أصل هذا عن ابن عباس.\rوروي عنه مرفوعاً.\rخرجه ابن حبان في (صحيحه).\rولا يصح رفعه.\rوروى مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن جده، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأتها؛ فإنها كفارتها، إلا طلاقاً أو عتاقاً).\rخرجه ابن عدي.\rوقال: هو غير محفوظ؛ تفرد به يحيى، عن أبيه.\rويحيى هذا، ضعفه ابن معين وغيره.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة، أنها كفارتها أن يأتي الذي هو خير، وفي أسانيدها كلها مقال.\rوالأحاديث الصحاح كلها تدل على أنه يكفر يمينه، قال ذلك أبو داود ومسلم في (كتاب التمييز) وغيرهما.\rوكانت يمين أبي بكر ألا يأكل هذا الطعام في غضب، ولهذا قال: إنما ذلك من الشيطان -يعني: يمينه.\rوفيه: دليل على انعقاد يمين الغضبان، كما حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في غضبه ألا يحمل النفر من الأشعريين، ثم حملهم، وقال: (لا احلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير).\rوفي الحديث: جواز الحلف بقرة العين؛ فإن امرأة أبي بكر حلفت بذلك، ولم ينكره عليها.\rوقرة عين المؤمن: هو ربه وكلامه وذكره وطاعته.\rومقصود البخاري من هذا الحديث: جواز السمر عند الأهل والضيف؛ فإن أبا بكر سمر عند أهله وضيفه لما رجع من عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن ذهب من الليل ما ذهب منه. والظاهر - أيضا-: أنه سمر عند النبي - صلى الله عليه وسلم -.","part":4,"page":177},{"id":821,"text":"وفي السمر عند الأهل: حديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء، ثم دخل بيته، فتحدث مع أهله ساعة.\rوقد خرجه [البخاري] في موضع آخر.\rوقد روي عن عائشة، أنها رأت قوماً يسمرون، فقالت: انصرفوا إلى أهليكم، فإن لهم فيكم نصيباً.\rوهذا يلد على انها استحبت السمر عند الأهل لما فيه من المؤأنسة لهم، وهو من حسن العشرة.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يسمر مع بعض الوفود الذين يفدون عليه المدينة، وهو من نوع السمر مع الضيف.\rفخرج أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في وفد ثقيف، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتينا كل ليلة بعد العشاء، فيحدثنا قائماً على رجليه، حتى يتراوح بين رجليه، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش - وذكر الحديث.\rوسئل أبو حاتم عن هذا الحديث، فقال: حديث أبي برزة أصح منه.\rيعني: حديثه: كان يكره الحديث بعدها.\rوروي الرخصة في السمر للمصلي والمسافر [..] خاصة.\rخرجه الإمام أحمد من رواية خيثمة، عن رجل من قومه من قريش، عن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا سمر بعد الصلاة) - يعني: العشاء الآخرة- (إلا لمصل أو مسافر).\rقال ابن المديني: في إسناده انقطاع؛ لأن الرجل الذي لم يسمه خيثمة لا أدري هو من أصحاب عبد الله، أو لا؟ وقد روى خيثمة عن غير واحد من أصحاب عبد الله، منهم: سويد بن غفلة، وأرجو أن يكون هذا الرجل منهم.\rوقال الأثرم: هو حديث غير قوي؛ لأن في إسناده رجلاً لم يسم.\rوقد أخذ به الإمام أحمد، فكره السمر في حديث الدنيا، ورخص فيه للمسافر.\rوروي من وجه آخر بزيادة، من رواية ابن وهب، عن معاوية، عن أبي عبد الله الأنصاري، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا سمر إلا لثلاثة: مصل، أو مسافر، أو عروس).\rخرجه سمويه الأصبهاني الحافظ: نا عبد الله بن الزبير: نا ابن وهب - فذكره.\rوخرجه بقي بن مخلد في (مسنده): ثنا ابن مقلاص: ثنا ابن وهب: أخبرني معاوية، عن أبي حمزة، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائماً قبل العشاء، ولا لاغياً بعدها، أماذاكراً فيغنم، أو نائماً فيسلم.\rقال معاوية: وحدثني أبو عبد الله الأنصاري، عن زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: السمر لثلاثة: لعروس، أو لمسافر، أو لمتهجد بالليل.\rوهذا موقوف على عائشة.\rوأبو عبد الله وأبو حمزة، مجهولان.\rوروى الحسين بن إسحاق التستري، عن أحمد، أنه سئل عن السمر بعد العشاء الآخر؟ قل: لا، إلا لمسافر أو مصل، فأماالفقه فأرجو أن لا يكون به بأس.\rونقل عبد الله بن أحمد، عن أبيه، أنه سئل عن الحديث [الذي] نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النوم قبل العشاء، والحديث بعدها، والرجل يقعد مع عياله بعدما يصلي يتحدث ثم ينام: هل يحرج؟ قال: ينبغي أن يجتنب الحديث والسمر بعدها.","part":4,"page":178},{"id":822,"text":"وهذا يدل على كراهة السمر مع الأهل -أيضا.\rوقال سفيان الثوري: كان يقال: لا سمر بعد العشاء، إلا لمصل، أو مسافر. قال: ولا بأس أن يكتب الشيء، أو يعمل بعد العشاء.\rوهذا يدل على أن سهر الأنسان في عمل يعمله وحده، من غير مسامرة لغيره، أنه لا كراهة فيه، بخلاف المسامرة والمحادثة. والله سبحانه وتعالى أعلم.\r* * *","part":4,"page":179},{"id":823,"text":"10\rكتاب الآذان\rبسم الله الرحمن الرحيم\r1- باب\rبدء الأذان\rوقول الله عز وجل: { وَإذا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ } [ المائدة: 58].وقول تعالى: { إذا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ } [ الجمعة: 9].\rيشير إلى أن الأذان مذكور في القرآن في هاتين الآيتين:\rالأولى منهما: تشتمل النداء إلى جميع الصلوات؛ فإن الأفعال نكرات، والنكرة في سياق الشرط تعم كل صلاة.\rوالثانية منهما: تختص بالنداء إلى صلاة الجمعة.\rوقد روى عبد العزيز بن عمران، عن إبراهيم بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الأذان نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع فرض الصلاة:\r{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ } .\rهذا إسناد ساقط لا يصح.\rوهذه الآية مدنية، والصلاة فرضت بمكة، ولم يصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بمكة جمعة. وقوله: { وَإذا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا } [ المائدة: 58] مدنية-أيضا-، ولم يؤذن للصلاة بمكة.\rوالحديث الذي روي أن جبريل لما أم النبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما فرضت الصلاة أمره أن يؤذن بالصلاة، قد جاء مفسراً في رواية أخرى، أنه يؤذن : الصلاة جامعة.\rوقد سبق ذكره في أول \" كتاب الصلاة\".\rوقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري خرج ملك من وراء الحجاب فأذن، فحدثه ربه عز وجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع ذلك، ثم أخذ الملك بيد محمد فقدمه فأم أهل السماء، منهم آدم ونوح.\rقال أبو جعفر محمد بن علي: فيومئذ أكمل الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - الشرف على أهل السماء وأهل الأرض.\rوقد خرجه البزار والهيثم بن كليب في \" مسنديهما\" بسياق مطول من طريق زياد بن المنذر أبي الجارود، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي.\rوهو حديث لا يصح.\rوزياد بن المنذر أبو الجارود الكوفي، قال فيه الإمام أحمد: متروك. وقال ابن معين: كذاب عدو الله، لا يساوي فلساً. وقال ابن حبان: كان رافضياً يضع الحديث.\rوروى طلحة بن زيد الرقي، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسري به إلى السماء أوحى الله إليه الأذان، فنزل به، فعلمه جبريل.\rخرجه الطبراني.\rوهو موضوع بهذا الإسناد بغير شك.\rوطلحة هذا، كذاب مشهور.\rونبهنا على ذلك لئلا يغتر بشيء منه.\rوإنما شرع الأذان بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، والأحاديث الصحيحة كلها تدل على ذلك.\rوالأذان له فوائد:\rمنها: أنه إعلام بوقت الصلاة أو فعلها.\rومن هذا الوجه هو إخبار بالوقت أو الفعل. ولهذا كان المؤذن مؤتمنا.\rومنها: أنه إعلام للغائبين عن المسجد؛ فلهذا شرع فيه رفع الصوت، وسمي نداءً؛ فإن النداء هو الصوت الرفيع.","part":4,"page":180},{"id":824,"text":"ولهذا المعنى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد : \" قم فألقه على بلال؛ فإنه أندي صوتاً منك\".\rومنها: أنه دعاء إلى الصلاة؛ فإنه معنى قوله: \" حي على الصلاة، حي على الفلاح\".\rوقد قيل : إن قوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إلى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا } [فصلت: 33] الآية: نزلت في المؤذنين، روي عن طائفة من الصحابة.\rوقيل في قوله تعالى: { وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } [القلم: 43]:إنها الصلوات الخمس حين ينادي بها.\rومنها: أنه إعلان بشرائع الإسلام من التوحيد والتكبير والتهليل والشهادة بالوحدانية والرسالة.\rخرج البخاري في هذا الباب حديثين:\rالحديث [الأول]:\rقال:\r603- ثنا عمران بن ميسرة: ثنا عبد الوارث: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.\rوخرجه البخاري في الباب الآتي، بلفظ آخر، وهو: \" قال: لما كثر الناس وانتشروا في المدينة. قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا ناراً أو يضربوا ناقوساً، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة\".\rوخرجه مسلم- أيضا.\rوهذا يدل على أن الأذان تأخر عن أول قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة حتى كثر الناس وانتشروا في المدينة ومن حولها، واحتاجوا حينئذ إلى تعليم وقت الصلاة بشيء يعرفونه معرفة تامة.\rوقوله في هذه الرواية: \" فذكروا اليهود والنصارى\"- يعني: أنهم كرهوا النار والناقوس؛ لمشابهة اليهود والنصارى في أفعالهم.\rولا يعرف ذكر \" النار\" إلا في هذه الرواية، وإنما في أكثر الأحاديث ذكر الناقوس والبوق، وفي بعضها ذكر راية تنصب ليراها الناس.\rوقد روي من حديث خالد، عن أبي قلابة ذكر الناقوس والبوق- أيضا.\rخرجها ابن خزيمة في \" صحيحه\" والطبراني من رواية روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: كانت الصلاة إذا حضرت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سعى رجل إلى الطريق، فنادى : الصلاة الصلاة، فاشتد ذلك على الناس، فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً يا رسول الله ؟ قال: \" ذلك للنصارى\". قالوا: فلو اتخذنا بوقاً؟ قال: \" ذلك لليهود\".فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.\rوقال الطبراني: لم يروه- بهذا التمام- عن خالد إلا روح. انتهى.\rوروح، متكلم فيه.\rوفي حديث عبد الله بن زيد، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أمر بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة.\rخرجه أبو داود وغيره.\rويعضده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء.\rوفي رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق لحديث عبد الله بن زيد، قال: لما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضرب بالناقوس لجمع الناس للصلاة، وهو كاره لموافقة النصارى.\rوهذا يدل على أن الناس قد اجتمعوا على ذلك، ووافقهم - صلى الله عليه وسلم - مع كراهته له .","part":4,"page":181},{"id":825,"text":"وقوله: \" فأمر بلال\" لا يشك أن الآمر له هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كما صرح به ابن عمر في حديثه الآتي.\rقال الخطأبي: الأذان شريعة من الشرائع، والأمر المضاف إلى الشريعة في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يضاف إلى غيره. قال: ومن زعم ان الآمر لبلال به أبو بكر فقد غلط؛ لأن بلالاً لم يقم بالمدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما لحق بالشام أيام أبي بكر. أنتهى.\rولقد أبطل من زعم أن أمر بلال بالأذان تأخر إلى زمن أبي بكر، وأن مدة النبي - صلى الله عليه وسلم - خلت عن أذان، وهذا لا يقوله من يعقل ما يقول.\rولعل هذا الزاعم إنما زعم أن أبا بكر أمر بابتار الإقامة بعد أن كانت على غير ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوهذا في غاية البطلان- أيضا-، وإنما يحمل عليه الهوى والتعصب، وكيف يغير أبو بكر بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - شريعته في إقامة الصلاة ويقره الناس على ذلك ؟\rوالحديث صريح في أن أمر بلال بذلك كان في أول أمر الأذان، حيث كانوا يترددون فيما يحصل به إعلام الناس بوقت الصلاة، فيحنئذ أمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، لا يحتمل الكلام غير هذا المعنى. والله اعلم.\rوقد خرج النسائي هذا الحديث من رواية عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.\rونقل عباس الدوري، عن ابن معين، قال: لم يرفعه إلا الثقفي.\rوقد خرجه الدارقطني من طرق أخرى مصرحاً برفعه- أيضا- كما رواه الثقفي.\rالحديث الثاني:\r604- ثنا محمود بن غيلان: ثنا عبد الرزاق: ثنا ابن جريج: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً منكم ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\" يا بلال، قم فناد بالصلاة\".\rوخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق وحجاج، كلاهما عن ابن جريج به، بنحوه.\rوالحديث صريح في أن المسلمين اول ما قدموا المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم لم يكونوا ينادون للصلاة، وإنما كانوا أولاً يتحينون الصلاة- يعني: يقدرون احيانها لياتوا إليها- والحين: الوقت والزمان-، ثم إنهم تشاوروا في ذلك وتكلموا فيه لما شق عليهم التحين، فربما كان منهم من يتقدم قبل الوقت، فيفوته ما كان يعمل، ومنهم من كان يتأخر فتفوته الصلاة.\rوقد روى فليح، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ، أن الناس كانوا يتحينون وقت الصلاة، فيصلون بغير أذان، فإذا حضرت الصلاة فمنهم من يدرك، وأكثرهم لا يدرك، فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك- وذكر حديث عبد الله بن زيد بطوله-، فلما أهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ذلك اجتمعوا فتشاوروا في امر يعلمون به وقت الصلاة ويجتمعون عليه في المسجد.","part":4,"page":182},{"id":826,"text":"وفي هذا: دليل على استحباب التشاور في مصالح الدين والاهتمام بها، فلما تشاوروا أشار بعضهم بالناقوس كفعل النصارى، وأشار بعضهم بالبوق كفعل اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة.\rوهذا من إلهام عمر للحق ونطقه به، وقد كان كثيراً ما ينطق بالشيء فينزل الوحي بموافقته، وهذا مما نزل القرآن بتصويب قوله.\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :\" يا بلال، قم فناد بالصلاة\" يدل على ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ما أشار به عمر دون غيره.\rوأمره - صلى الله عليه وسلم - بالنداء بالصلاة، يحتمل انه أمره أن ينادي في الطرقات: \" الصلاة، الصلاة\" كما تقدم في الحديث الذي خرجه ابن خزيمة، ويكون ذلك قبل ان يشرع الأذان. ويحتمل أنه أمره بالأذان، وهو اظهر.\rويحتمل أن عمر إنما أشار بذلك بعد أن رآه في منامه، ويدل عليه ما روي عن عمر، وعن ابن عمر -أيضا-:\rأماالمروي عن عمر، فمن طريق سفيان بن وكيع: ابنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر، قال: ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حين قدموا المدينة: كيف يجعلون الأذان بالصلاة يجتمعون لها؟ فائتمروا بالناقوس. قال عمر: فرايت في المنام: لم تجعلون الناقوس بل أذنوا. فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي بذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"سبقك الوحي بذلك يا عمر\". قال: فذهبت إلى الصلاة، فإذا بلال يهتف بالأذان.\rخرجه الإسماعيلي في \" مسند عمر\".\rوسفيان بن وكيع، فيه ضعف.\rوهو مرسل.\rوخرجه ابو داود في \" المراسيل\": ثنا أحمد بن إبراهيم: ثنا حجاج، عن ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه، كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها [به]، فائتمروا بالناقوس، فبينما عمر يريد أن يبتاع خشبتين لناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس، بل أذنوا بالصلاة، فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى، وقد جاء الوحي بذلك، فما راع عمر إلا بلال يؤذن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: \" سبقك بذلك الوحي\"، حين أخبره عمر بذلك.\rوقد روى مالك في \" الموطا\" عن يحيى بن سعيد، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أراد أن يتخذ خشبتين يضربهما ليجمع الناس للصلاة، فأري عبد الله بن زيد خشبتين في النوم، فقال: إن هاتين الخشبتين لنحو مما يريده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقيل : ألا تؤذنون للصلاة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استيقظ ، فذكر ذلك له، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [بالآذان].","part":4,"page":183},{"id":827,"text":"وأماالمروي عن ابن عمر، فمن طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار الناس لما يهمهم للصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود. ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار- يقال له : عبد الله ابن زيد- وعمر بن الخطاب، فطرق الانصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ليلاً، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ] بلالاً فاذن به.\rقال الزهري: وزاد بلال في نداء الغداة :\" الصلاة خير من النوم\"-مرتين-، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rقال عمر: يا رسول الله ؛ قد رأيت مثل الذي رأى، ولكنه سبقني.\rخرجه ابن ماجه.\rوخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن خالد: حدثني عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب- بإسناده ، ومعناه.\rوفي كون هذا الحديث محفوظاً عن الزهري بهذا الإسناد نظر؛ فإن المعروف: رواية الزهري، عن ابن المسيب- مرسلاً.\rوروي عن الزهري، عن ابن المسيب، عن عبد الله بن زيد.\rوحديث عبد الله بن زيد، قد روي من وجوه:\rأحدها: رواية ابن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه- بسياق مطول-، وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما امر بعمل الناقوس طاف بعبد الله وهو نائم رجل يحمل ناقوساً،فقال له : يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: فما تصنع به؟ قال: ندعوا به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قال: بلى، قال: تقول:\r\" الله أكبر\" ، فعلمه الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة. فما اصبح اتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال له: \" الرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت؛ فإنه أندى صوتاً منك\". قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه، وبلال يؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \" فلله الحمد\".\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وصححه، وابن خريمة وابن حبان في \" صحيحهما\".\rوحكى البيهقي أن الترمذي حكى في \" علله\" عن البخاري، أنه قال: هو عندي صحيح.\rوبه استدل الإمام أحمد، وعليه اعتمد.\rوقال الخطأبي: قد روي هذا الحديث والقصة باسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها.\rوحكى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي، أنه قال: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر اصح من هذا؛ لأن محمد بن عبد الله سمعه من أبيه.\rقال ابن خزيمة: خبر ابن إسحاق ثابت صحيح؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه، وابن إسحاق سمعه من التيمي.\rكذا قال؛ وقد توقف البخاري في \" تاريخه\" في سماع محمد بن عبد الله ابن زيد من أبيه، فقال: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جده، لم يذكر سماع بعضهم من بعض.","part":4,"page":184},{"id":828,"text":"قال الحاكم: إنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد بهذا الإسناد؛ لتقدم موت عبد الله بن زيد، فقد قيل: إنه [ استشهد بأحد]. وقيل: بعد ذلك بيسير. انتهى.\rوعلى هذا؛ فجميع الروايات عنه مرسلة.\rوخرج أبو داود من حديث أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قالوا: اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة كيف يجمع لها الناس؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها أخبر بعضهم بعضاً، فلم يعجبه- وذكر الحديث بطوله، ورؤيا عبد الله بن زيد الأذان في منامه- قال: وكان عمر ابن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً- وذكر بقية الحديث.\rوخرج - أيضا- من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: ثنا أصحابنا، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد أعجبني ان تكون صلاة المسلمين واحدة، حتى لقد هممت أن أبث رجالاً في الدور، ينادون الناس بحين الصلاة، وحتى هممت أن آمر رجالاً يقومون على الآكام، ينادون المسلمين بحين الصلاة. قال: فجاء رجل من الانصار، فقال: يا رسول الله، إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كان عليه ثوبان أخضران، فقام على المسجد فأذن، ثم قعد قعدةً، ثم قام فقال مثلها، إلا أنه يقول: \" قد قامت الصلاة\"، ولولا أن يقولوا لقلت إني كنت يقظاناً غير نائم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \" لقد أراد الله خيراً، فمر بلالاً فيؤذن\". قال: فقال عمر: إني قد رأيت مثل ما رأى، ولكني لما سبقت استحييت.\rوخرجه -أيضا- من طريق المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ- فذكره.\rورواه حصين وغيره، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله ابن زيد.\rوابن أبي ليلى، لم يسمع من معاذ، ولا من عبد الله بن زيد، فروايته عنهما منقطعة.\rورواية شعبة أصح.\rوتابعه الأعمش، فرواه عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: ثنا أصحاب محمد، أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام- فذكره.\rوهذا إسناد جيد متصل، وعدم تسمية الصحابة لا يضر؛ فإنهم كلهم عدول- رضي الله عنهم.\rلكن اختلف على الأعمش، وروي عنه، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى- مرسلاً.\rوقال العقيلي: الرواية في هذا الباب فيها لين، وبعضها أفضل من بعض.\rيشير إلى حديث عبد الله بن زيد ورؤية الأذان في منامه.\rوعبد الله بن زيد هذا، هو: ابن عبد ربه الأنصاري، من الخزوج.\rقال الترمذي: لا يصح له غير حديث الأذان.\rوزعم ابن عيينة أنه صاحب \" حديث الوضوء\" عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، أنصاري من بني النجار، وهو عم عباد بن تميم.","part":4,"page":185},{"id":829,"text":"وله أحاديث متعددة مرسلة، منها: عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قالوا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة جامعة، فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أهمه أمر الأذان، وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة- وذكر بقية الحديث، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب-، ثم قال: قالوا: [وأذن بالأذان وبقي مناد في الناس: \" الصلاة جامعة\"، للأمر بحديث]، وإن كان في غير وقت صلاة.\rففي هذه الرواية: أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة، وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية.\rوقد روي ما يستدل به على أن الأذان إنما شرع بعد غزوة بدر بعد صرف القبلة بيسير.\rففي \" المسند\" وغيره عن حارثة بن مضرب، عن علي، قال: لما كان ليلة بدر وطلع الفجر نادى :\" الصلاة عباد الله \" ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد روى وكيع في \" كتابه\" عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان بدء الأذان إذا حضرت الصلاة نودي: \" الصلاة الجامعة\"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\" لو اتخذتم ناقوساً أو كبراً\"- الكبر- بفتحتين-: الطبل ذو الرأسين. وقيل: الطبل الذي له وجه واحد- فرأى ابن زيد في المنام رجلاً في يده عود، قال: ما تصنع به؟ قال: نتخذه ناقوساً، قال: أولا أدلك على ما هو خير من ذلك، إذا حضرت الصلاة قام أحدكم فيشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله.\rوقد روي أنه زيد في الأذان كلمات، كما سبق عن الزهري، ان بلالاً زاد في أذان الفجر:\"الصلاة خير من النوم\" - مرتين-، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد خرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن عبد الله بن زيد- في سياق حديثه الطويل-، وقال في آخره: قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر.\rوخرجه ابن أبي شيبة، عن عبدة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن ابن المسيب، ولم يذكر فيه :\" عبد الله بن زيد\" ، وجعله كله من رواية ابن المسيب.\rوالأشبه: أن ذكر زيادة بلال في آخر الحديث مدرجة من قول الزهري؛ كما سبق. ورواها معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن بلال.\rخرجه من طريقه ابن ماجه.\rوابن المسيب، لم يسمع من بلال- أيضا.\rورواها النعمان بن المنذر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\rورواها صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.\rخرجه الطبراني من الطريقين.\rورواها يونس، عن الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن، قال: حدثني اهلي، أن بلالاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -- فذكره.\rورواها شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب- مرسلاً.\rخرجه من الطريقين البيهقي.\rوالمرسل أشبه.","part":4,"page":186},{"id":830,"text":"وخرج أبو داود في \" مراسيله\" من طريق يونس، عن ابن شهاب: أخبرني حفص بن عمر بن سعد المؤذن، أن بلالاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -- فذكره.\rوفي رواية له: عن حفص بن عمر بن سعد: حدثني اهلي، عن بلال.\rوروى الحديث بطوله، بدون هذه الزيادة: أبو صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب: أخبرني سعيد بن المسيب- فذكره كله مرسلاً.\rوكذا رواه معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب- مرسلاً.\rوروي: أن عمر أمر بلالاً بزيادة الشهادة بالرسالة في الأذان.\rخرجه ابن خزيمة في \" صحيحه\" والإسماعيلي، من رواية عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، أن بلالاً كان يقول إذا أذن: \" أشهد ان لا إله الله ، حي على الصلاة\"، فقال عمر: قل في إثرها:\" أشهد أن محمداً رسول الله\"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"قل ما أمرك عمر\".\rعبد الله بن نافع، ضعيف جداً.\r* * *","part":4,"page":187},{"id":831,"text":"2- باب\rالأذان مثنى مثنى\r605- ثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد،عن سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: أمر بلال ان يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة.\r606- حدثني محمد- هو: ابن سلام-، قال: حدثني عبد الوهاب الثقفي: ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: لما كثر الناس، قال: ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا ناراً، أو يضربوا ناقوساً، فأمر بلال ان يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة.\rسماك بن عطية، قال: حماد: كان من جلساء أيوب، ومات قبل أيوب.\rوقد تقدم أن عبد الوهاب الثقفي روى عنه هذا الحديث بالتصريح برفعه، وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوكذا روي، عن ابن إسحاق ، عن أيوب.\rوكذا رواه خارجة بن مصعب، عن أيوب.\rوروي مثله، عن الثوري، عن أيوب. وعن الثوري عن خالد الحذاء.\rوالصحيح عن الثوري- كقول الجماعة-: \" أمر بلال\".\rوقد تقدم أنه لا يشك في أن الآمر له هو النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rومعنى قوله:\" يشفع الأذان\" أن يجعله شفعاً: مثنى مثنى.\rومعنى: \"يوتر الإقامة\" أن يجعلها وتراً، أي : فرداً فرداً.\rوالشفع ضد الوتر: فالوتر: الفرد، والشفع الزوج.\rولهذا فسر \" الشفع\" في الآية بالخلق؛ لأن الخلق كله زوج؛ قال تعالى: { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } [الذاريات:49]، وقال: { سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ } [يس: 36].\rوفسر\" الوتر\" بالله عز وجل؛ لأنه وتر يحب الوتر.\rوالمقصود بهذا الباب: أن كلمات الأذان شفع.\rلكن اختلف في التكبير في اوله: هل هو تكبيرتان، أو أربع؟\rوقد اختلفت في ذلك روايات عبد الله بن زيد في قصة المنام، وحديث أبي محذورة حيث علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الأذان مرجعه من حنين، وأمره أن يؤذن لأهل مكة.\rوقد خرج مسلم في \" صحيحه\" حديث أبي محذورة، وفي اوله: التكبير مرتين.\rوخرج أبو داود وغيره حديث عبد الله بن زيد بالوجهين.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي محذورة: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.\rوإنما يكون الأذان تسع عشرة كلمة إلا إذا كان التكبير في أوله اربعاً.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود حديث عبد الله بن زيد، وفي أوله: أربع تكبيرات.\rوأشار أبو داود إلى الاختلاف في ذلك، وخرج من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ التكبير في أوله مرتين.\rوكذلك الشهادتان، ففي حديث عبد الله بن زيد: ان الشهادتين في الأذان أربع، وفي حديث أبي محذورة: أن الشهادتين ثمان مرات، يعيدها مرتين، وسمي الترجيع، وقد خرجه مسلم كذلك.\rولا اختلاف فيما بقي من الأذان بين أذان أبي محذورة وعبد الله بن زيد الذي ألقاه على بلال في الروايات المشهورة في \" السنن\" و\" المسانيد\" ، وليس في الأذان كلمة إلا شفع غير كلمة التهليل في آخر[الأذان].","part":4,"page":188},{"id":832,"text":"وقد روي أن أبا محذورة كان يقدم التهليل على التكبير في آخر أذانه من وجه منقطع.\rقال أبو نعيم في \" كتاب الصلاة\" : ثنا عيسى بن المسيب، عن إبراهيم ، قال: كان أبو محذورة يقول: \" لا إله إلا الله ، والله وأكبر\" ، وكان بلال يقول :\" الله أكبر، الله اكبر، لا إله إلا الله\"، بلال في السفر وأبو محذورة في الحضر.\rوهذا غريب، وعيسى فيه ضعف.\rوقد ثبت عن أبي محذورة من وجهة عكس هذا، وأنه كان يختم أذانه بقوله:\" الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله \".\rوقد خرجه مسلم في \" صحيحه\".\rوروي- أيضا- تأخير التكبير عن بلال من وجه فيه ضعف.\rقال أبو نعيم في \" كتاب الصلاة\" : ثنا زهير، عن عمران بن مسلم، قال: أرسلني سويد بن غفلة إلى مؤذنا، فقال: قل له يختم أذانه بـ \" لا إله إلا الله والله أكبر\" ؛ فإنه أذان بلال .\rوروى أبو نعيم بإسناد ضعيف مثل ذلك عن ابن عمر، وعن مؤذن علي بن أبي طالب، وعن أبي جعفر محمد بن علي.\rوروي عن أبي يوسف، أن الأذان على أذان بلال المعروف، وأنه يزاد في آخره\r:\" والله أكبر\"، يختم بذلك.\rوالأحاديث الصحيحة تدل على أن آخر الأذان:\" الله أكبر، لا إله إلا الله\"، وبه يقول جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين.\rوخرج النسائي من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن بلال، قال: آخر الأذان:\" الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله\".\rوفي رواية:\" كان آخر أذان بلال\" -مثل ذلك.\rوكذا رواه منصور وغيره، عن إبراهيم.\rورواه حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، أن بلالاً كان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير.\rوهذا وهم.\rوروى محارب بن دثار، قال: حدثني الأسود بن يزيد، عن أبي محذورة، حدثه أن آخر الأذان:\" لا إله إلا الله\".\rخرجه النسائي.\rواختلفوا في عدد التكبير في أوله:\rفقالت طائفة: أربع، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق.\rوقالت طائفة: التكبير في أوله تكبيرتان، وهو قول مالك والليث من سعد، ورواية عن أبي يوسف. وقيل: إنه رجع عنها.\rواختلفوا في الترجيع- وهو تكرير الشهاداتين-:\rفذهب إليه مالك والشافعي وأصحابهما.\rواختلف أصحاب الشافعي: هل هو ركن في الأذان فلا يصح بدونه، أو سنة فيصح؟ والصحيح عندهم انه سنة. ونقل عن نص الشافعي خلافه.\rوذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع، وهو قول الأوزاعي.\rوقال أحمد وإسحاق وأبو بكر بن أبي شيبة وداود وابن خزيمة وغيرهم: يجوز الأمران؛ لصحة الأحاديث بهما.\rوالأفضل عندهم ترك الترجيع؛ لأنه أذان بلال.\rقيل لأحمد: أليس أذان أبي محذورة بعده؟ قال: بلى، ولكن لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أقر بلالاً على أذانه.\rووافقه إسحاق على ذلك.\rوقال الجوزجاني: الترجيع افضل؛ لأنه آخر الأمرين:\rوروي عن أهل البصرة في صفة الأذان غير ما تقدم.","part":4,"page":189},{"id":833,"text":"روى حجاج بن منهال: ثنا يزيد بن إبراهيم، أنه سمع الحسن وابن سيرين يصفان الأذان: \" الله اكبر الله اكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد ان لا إلا إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله ، حي على الصلاة، حي على الفلاح\"، يسمع بذلك من حوله، ثم يرجع فيمد صوته، ويجعل إصبعيه في أذنيه، فيقول: \" اشهد أن لا إله إلا الله- مرتين- أشهد أن محمداً رسول الله - مرتين- حي على الصلاة- مرتين- حي على الفلاح- مرتين- الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله\".\rخرجه ابن عبد البر.\rروي عنهما على وجه آخر:\rخرجه ابن أبي شيبة في \" كتابه\"، فقال: ثنا إبن عليه، عن يونس، قال: كان الحسن يقول:\" الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح\" ثم يرجع فيقول:\" الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح- مرتين- الله اكبر الله أكبر، لا إله إلا الله\".\rقال: وحدثنا ابن عليه، عن ابن عون، عن محمد- يعني: ابن سيرين-، قال: كان الأذان أن يقول: الله أكبر الله أكبر، اشهد ان لا إله إلا الله ، أشهد أن لا اله إلا الله ، أشهد أن محمداً رسول الله، اشهد ان محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر\".\rقال: وحدثنا ابن عليه: ثنا أيوب ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان أذان ابن عمر:\" الله أكبر الله أكبر، شهدت أن لا إله إلا الله ، شهدت أن لا إله إلا الله\r- ثلاثاً- شهدت أن محمداً رسول الله ، شهدت أن محمداً رسول الله ، شهدت أن محمداً رسول الله ، حي على الصلاة- ثلاثاً-، حي على الفلاح- ثلاثاً- الله اكبر- أحسبه قال: لا إله إلا الله .\rقال: وثنا عبدة : ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يجعل آخر أذانه: \" الله اكبر الله اكبر، لا إله إلا الله \".\rقال: وثنا يزيد بن هارون: أبنا سليمان التيمي، عن حبيب بن قيس، عن ابن أبي محذورة، عن أبيه، أنه كان يؤذن فيخفض صوته بالأذان- مرة مرة-، حتى إذا انتهى إلى قوله: \" أشهد أن محمداً رسول الله \" رجع إلى قوله: \" أشهد أن لا إله إلا الله \" ، فرفع بها صوته- مرتين مرتين- حتى إذا انتهى إلى :\" حي على الصلاة\"قال: \" الصلاة خير من النوم\"، في الأذان الأول من الفجر.\rوهذه الصفة تخالف [ما رواه] الحجازيون من أذان أبي محذورة، ورواياتهم عنه أولى.\rوعلى هذا - والذي قبله-؛ فيكون الأذان وتراً لا شفعاً.\rوروى وكيع في \" كتابه\" عن أبي المعتمر، عن ابن سيرين، عن ابن عمر، أنه مر على مؤذن، فقال له: أوتر أذانك.\rوعن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا بأس إذا بلغ \" حي على الصلاة ، حي على الفلاح\" أن يقولها مرة.\rولعل هذا في الاقامة . وكذلك خرجها وكيع في \" باب: من افرد الإقامة\".\rقال ابن أبي شيبة: وثنا أبو أسامة: ثنا عبيد الله، عن نافع، قال: كان ابن عمر ربما زاد في اذانه: \" حي على خير العمل\".","part":4,"page":190},{"id":834,"text":"وثنا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، انه كان يقول في أذانه:\" الصلاة خير من النوم\" . وربما قال:\" حي على خير العمل\".\rثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه ومسلم بن أبي مريم، أن علي ابن حسين كان يؤذن، فإذا بلغ \" حي على الفلاح\" قال:\" حي على خير العمل\"، ويقول: هو الأذان الأول.\rوقال البيهقي: روي ذلك عن أبي أمامة.\rثم خرج بإسناده من حديث أولاد سعد القرظ، عن آبائهم، عن بلال، أنه كان ينادي بالصبح، فيقول:\" حي على خير العمل\" ، فأمره النبي- صلى الله عليه وسلم - أن يجعل مكانها:\" الصلاة خير من النوم\"، ويترك\" حي على خير العمل\".\rثم قال : هذه اللفظة لم تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيا علم بلالا وابا محذورة، ونحن نكره الزيادة فيه. وبالله التوفيق.\r* * *","part":4,"page":191},{"id":835,"text":"3- باب\rالإقامة واحدة، إلا قوله:\" قد قامت الصلاة\"\r607- ثنا علي بن عبد الله: ثنا إسماعيل بن إبراهيم: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة.\rقال إسماعيل: فذكرت لأيوب فقال: إلا الإقامة.\rقد تقدم هذا الحديث من حديث خالد وأيوب، عن أبي قلابة.\rوقول أيوب:\" إلا الإقامة\"، مراده: أن الحديث فيه هذه اللفظة، ولكن لم يذكر سندها، وقد ذكر سندها عنه سماك بن عطية- على ما تقدم في الباب الذي قبله-، وأن أيوب رواها عن أبي قلابة، عن أنس.\rوقد تابعه-أيضا- معمر، عن أيوب.\rخرج حديثه الإسماعيلي في \" صحيحه\" من حديث عبد الرزاق: أبنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة، ويقول:\" قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة\"-مرتين.\rوفي رواية له- أيضا قوله:\" قد قامت الصلاة\".\rوفي الباب: عن ابن عمر من رواية شعبة، عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان، قال: سمعت أبا المثنى مؤذن مسجد الأكبر يقول: سمعت ابن عمر قال: إنما كان الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: \"قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة\" فإذا سمعنا الإقامة توضأنا ، ثم خرجنا إلى الصلاة.\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في \" صحيحهما\" والحاكم، وصححه.\rوقال: أبو جعفر، هو: عمير بن يزيد الخطمي.\rووهم في ذلك، إنما هو: أبو جعفر محمد بن إبراهيم مسلم بن أبي المثنى، وقد ينسب إلى جده مسلم أبي المثنى، وثقه ابن معين وابن حبان. وقال: ابن معين- مرة-: لا بأس به.\rكذا ذكره ابن حبان وأبو أحمد الحاكم وابن عقدة والدارقطني وغيرهم.\rوفرق بينهما غير واحد، منهم: مسلم في \" كتاب الكنى\"، وذكر أبا جعفر هذا ممن لا يعرف اسمه. وأن محمد بن إبراهيم يكنى أبا إبراهيم.\rوكذا ذكر ابن أبي حاتم أن أبا جعفر هذا ليس هو محمد بن إبراهيم بن مسلم، بل قال في ذلك: \" يكنى أبا إبراهيم\"، وقال في أبي جعفر هذا:\" سئل أبو زرعة عنه فقال: هو كوفي لا أعرفه إلا في هذا الحديث\".\rقال:\" وقلت لأبي: روى عيس بن يونس عن شعبة، فقال: عن أبي جعفر القاري؟ فقال: أخطأ عيس بن يونس، ليس هذا أبو جعفر القاري، هذا كوفي، والقاري مديني\". انتهى.\rورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة ، عن أبي جعفر- وليس بالفراء.\rوكذا قال أبو حاتم الرازي: ليس بالفراء.\rوخرجه البيهقي من طريق أبي النضر، عن شعبة، عن أبي جعفر- يعني: الفراء.\rكذا قال، وهو من ظن بعض الرواة، وليس هذا بالفراء، الفراء اسمه: كيسان أو سلمان، وهو غير هذا.\rقال البيهقي: ورواه غندر وعثمان بن جبلة، عن شعبة، عن أبي جعفر المديني.\rقلت: هذا يوافق قول الحاكم: أنه أبو جعفر الخطمي الأنصاري.\rوقال الحافظ أبو نعيم: أبو جعفر، اسمه: مسلم.\rكذا رأيته ذكره في \" الحلية\"، وليس بشيء، إنما مسلم هو شيخه أبو المثنى.","part":4,"page":192},{"id":836,"text":"وخرجه الإمام أحمد، عن حجاج: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد بني العريان في مسجد بني بلال يحدث، عن مسلم أبي المثني مؤذن مسجد الجامع- فذكر هذا الحديث.\rوأماأبو المثنى فاسمه: \" مسلم\"، ويقال: \" مهران\"-: ذكره مسلم بن الحجاج في \"كتاب الكنى\"، وفي تسميته اختلاف وهو مؤذن مسجد الكوفة.\rوهو عند ابن معين وابن عقدة: والد أبي جعفر-: نقله عنه عباس الدوري.\rوهو عند الدارقطني وابن حبان: ابن ابنه.\rوعند أبي زرعة ومسلم وابن أبي حاتم: أنه ليس بينهما نسب.\rوثقه أبو رزعة وابن حبان. وقال الدارقطني: لا بأس به.\rوقد روى هذا الحديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي المثنى، فخالف شعبة في رفعه ووقفه.\rذكره البخاري في \" تاريخه\" ، وقال : قال وكيع، عن ابن أبي خالد، عن المثنى- أو أبي المثنى-، عن ابن عمر، قال: إذا قمت فاجعلها واحدة.\rوقال عارم: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن إسماعيل، عن المثنى، عن أبيه، عن ابن عمر- مثله. انتهى ما ذكره.\rوفي رواية عبد العزيز، عن إسماعيل: زيادة رجل، وهو المثنى.\rوقال ابن معين: إسماعيل بن أبي خالد يروي عن أبي المثنى الكوفي، وهو هذا - يعني: الذي روى عنه شعبة.\rوخرج ابن أبي شيبة في \" كتابه\" : ثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن أبي المثنى، عن ابن عمر، قال: كان بلال يشفع الأذان ويوتر الإقامة.\rوهذا في معنى رفع الحديث، كما رواه شعبة.\rقال: وثنا عبدة، عن إسماعيل، عن أبي المثنى، أن ابن عمر كان يأمر المؤذن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، ليعلم المار الأذان من الإقامة.\rوقد رواه الإمام أحمد- فيما رواه عنه ابنه عبد الله في \" كتاب العلل\"-، عن وكيع كما ذكره البخاري.\rورواه أحمد- أيضا-، عن محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن المثنى، عن ابن عمر- مثله.\rوعن محمد بن يزيد، عن حجاج، عن أبي المثنى، عن ابن عمر- نحوه.\rوذكر- أيضا - حديث شعبة، عن أبي جعفر المتقدم.\rوروى أحمد- أيضا-، عن وكيع، [عن الثوري]، عن أبي جعفر المؤذن، عن [أبي ] سلمان، عن أبي محذورة.\rوعن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان- أيضا.\rقال عبد الرحمن: ليس هو الفراء- يعني: أبا جعفر.\rوهذا إشارة إلى اختلاف آخر على أبي جعفر، عن أبي محذورة، أنه كان إذا بلغ: \" حي على الفلاح\" في الفجر، قال:\" الصلاة خير من النوم\"- مرتين.\rوخرجه أبو نعيم في \" كتاب الصلاة\" عن سفيان، عن أبي جعفر الفراء- فذكره بمعناه.\rوقد تقدم ان أبا جعفر ليس بالفراء، بل هو المؤذن.\rوخرجه النسائي من طرق عن سفيان، ولفظ حديثه: عن أبي محذورة، قال: كنت أؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فكنت أقول في أذنان الفجر الأول: \" حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله\".\rوقال: أبو جعفر ليس بالفراء.\rوقد روي عن أبي محذورة: الأذان مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة من طرق غير قوية.\rوروي عنه، ان النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الإقامة مثنى مثنى.","part":4,"page":193},{"id":837,"text":"خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.\rوصححه الترمذي.\rوخرجه مسلم من رواية هشام الدستوائي، عن عامر، ولم يذكر فيه الإقامة، ولا عدد كلمات الأذان، بل ذكره مفصلاً، والتكبير في أوله مرتين.\rوفي رواية : تمام التكبير في أوله أربعاً.\rواختلف العلماء في صفة الإقامة على أقوال:\rأحدها: انها فرادى سوى التكبير فإنه مرتين في أولها وآخرها، وهذا قول مالك والليث والشافعي في القديم.\rوممن روي عنه الأمر بإفراد الإقامة: ابن عمر وسلمة بن الأكوع وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وعروة، ومكحول والزهري، وقالا: مضت السنة بذلك.\rوقال بكير بن الأشج: أدركت أهل المدينة على ذلك.\rوالقول الثاني: أنه تفرد الإقامة سوى التكبير ، وكلمة الإقامة فإنها تثنى، وهو المشهور من مذهب الشافعي وقول أحمد وإسحاق. وروي عن الحسن ومكحول والزهري والأوزاعي.\rوللشافعية وجه- ومنهم من حكاه قولاً-: أنه يفرد التكبير- أيضا- في أول الإقامة وآخرها، مع إفراد لفظ الإقامة.\rولهم قول آخر: انه يفرد التكبير في آخرها خاصة، مع لفظ الإقامة .\rوالثالث: أن الإقامة كالأذان مثنى مثنى؛ لحديث أبي محذورة.\rوروي- أيضا- من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ وعن بلال وعن أصحاب محمد، كما سبق ذكر الاختلاف عنه.\rوهو قول الكوفيين: النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه وأبي بكر بن أبي شيبة، وهو قول مجاهد وابن المبارك.\rوروي عن علي، وذكره حجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق، عن أصحاب علي وابن مسعود.\rوروي- أيضا- عن سلمة بن الأكوع.\rوقال النخعي: لا بأس إذا بلغ \" حي على الصلاة\" ، حي على الفلاح\" أن يقولها مرة مرة.\rولو أن الأذان يؤذن فأقام، فقال النخعي والشعبي: يعيد الأذان.\rوقال الثوري: يجعل إقامته إذا قام [000].\rومذهب مالك: أنه يعيد الأذان؛ لكنه يرى الإقامة فرادى.\rوالرابع: أنه يجوز تثنية الإقامة وإفرادها، والإفراد أفضل، وهو قول أحمد وإسحاق وداود الظاهري وجماعة من فقهاء أهل الحديث؛ لورود الحديث بذلك كله.\rوكذا قال ابن خزيمة؛ لكنه قال: يجوز الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة، وتثنية الأذان بغير ترجيع مع إفراد الإقامة.\rفأماتثنية الأذان من غير ترجيع وتثنية الإقامة، فلم يصح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوالخامس: إن أذان وأقام أفرد الإقامة، وإن صلى وحده، وإن اقتصر على الإقامة ثناها لتكون له تأذينا، روي ذلك عن أبي العالية وسليمان بن موسى، ونقله حرب عن إسحاق.\r* * *","part":4,"page":194},{"id":838,"text":"4-باب\rفضل التاذين\r608-حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: \" إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى\".\rالنداء بالصلاة، المراد به : الأذان للصلاة.\rوالتثويب، المراد به: الإقامة؛ فإنه رجوع إلى النداء، يقال: ثاب الرجل، إذا رجع.\rومنه : قوله تعالى: : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ } [ البقرة:125]، أي: يترددون ويرجعون إليه.\rومنه: حديث أبي هريرة:\" إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون\"- الحديث.\rوقيل: سميت الإقامة تثويباً؛ لترديد قوله: \" قد قامت الصلاة\" مرتين. وهو بعيد حكاه الخطأبي، ورجح أنها تسمى \" تثويباً\" لرفع الصوت بها.\rقال: والتثويب: الاستغاثة، واصله أن يلوح الرجل بثوبه عند الفزع، يعلم أصحابه.\rوهذا الذي قاله ضعيف، ولو كان صحيحاً لكان تسمية الأذان تثويباً أحق من الإقامة.\rوفي الحديث: دليل على فضل الأذان، وانه يطرد الشيطان حتى يدبر عنده وله ضراط، بحيث لا يسمع التأذين.\rوالأذان والإقامة في هذا سواء.\rوضراط الشيطان، محمول على ظاهره عند كثير من العلماء، ومنهم من تأوله، ولا حاجة إلى ذلك.\rوفي \" صحيح مسلم\" عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال:\" إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء\".\rقال الأعمش: سألته عن الروحاء، فقال: هو من المدينة ستة وثلاثون ميلاً.\rوروى النيسابوري، عن بشير بن عمرو، عن عمر بن الخطاب، قال: إذا رأيتم الغيلان فأذنوا بالصلاة.\rوروى الحسن، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أمرنا إذا رأينا الغول أن ينادي بالصلاة.\rخرجهما ابن أبي الدنيا.\rوقال مالك: استعمل زيد بن أسلم على معدن بني سليم، وكان معدنا لا يزال الناس يصابون فيه من قبل الجن، فذكروا ذلك لزيد بن أسلم، فأمرهم بالأذان، وأن يرفعوا أصواتهم به، ففعلوا فارتفع ذلك عنهم، وهم عليه حتى اليوم.\rقال مالك: وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم.\rوفي \" صحيح مسلم\"، عن سهيل بن أبي صالح، قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلام لنا- أو صاحب لنا-، فناداه مناد من حائط باسمه. قال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئاً، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك؛ ولكن إذا سمعت صوتاً فنادي بالصلاة؛ فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: \" إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص\".\rوقد قيل في سر ذلك: إن المؤذن لا يسمعه جن ولا أنس إلا شهد له يوم القيامة، كما سيأتي في الحديث بعد هذا، فيهرب الشيطان من سماع الأذان ويضرط؛ حتى يمنعه ضراطه من استماعه، حتى لا يكلف الشهادة به يوم القيامة.","part":4,"page":195},{"id":839,"text":"وقيل: إن إعلان التكبير له سر في إذابة الشيطان، وقد جاء في حديث ضعيف: \" إذا رأيتم الحريق فكبروا؛ فإنه يطفئه\"، والشيطان خلق من النار، فهو يذوب من سماع التكبير وإعلانه.\rوكذلك الإعلان بالتهليل:\rقال ابو الجوزاء: ما للشيطان طرد عن القلب غير \" لا إلا إلا الله\" ، ثم تلا: { وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [ الإسراء : 46].\rويكره لمن كان جالس أن يبادر إلى القيام، ولو إلى الصلاة؛ لأن فيه مشابهة بالشيطان في إدباره عند سماع الأذان.\rقال الإمام أحمد في رواية الأثرم، وسئل عن الرجل يقوم حين يسمع المؤذن، يبادر يركع؟ قال: يستحب ركوعه بعدما يفرغ المؤذن أو يقرب من الفراغ؛ لأنه يقال: إن الشيطان ينفر حين يسمع الأذان.\r* * *","part":4,"page":196},{"id":840,"text":"5- باب\rرفع الصوت بالنداء\rوقال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سمحاً، وإلا فاعتزلنا.\rقال وكيع: ثنا سفيان، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين المكي، أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أذن أذاناً سمحاً، وإلا فاعتزلنا.\rوخرج الدارقطني هذا مرفوعاً من حديث ابن عباس، وإسناده لا يصح.\rوروي عن ابن عمر، أنه قال لمؤذن: إني أبغضك في الله ؛ إنك تبغي في أذانك.\rيشير إلى أنه يتجاوز الحد المشروع بتمطيطه والتطريب فيه.\rوفي رواية: أنه قال: إنك تختال في أذانك.\rكأنه يشير إلى التفخيم في صوته والتشادق والتكبر.\rوقال أحمد في التطريب في الأذان: هو محدث.\rيعني: انه لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوالقول في الأذان بالتطريب كالقول في قراءة القرآن بالتلحين. وكرهه مالك والشافعي- أيضا.\rوقال إسحاق: هو بدعة-: نقله عنه إسحاق بن منصور.\rونقل عنه حرب، قال: التسميح (4) إلي، فإن كان يؤذن باجر فإني أكرهه- يعني: التطريب-، وإن من كان بغير أجر، وكان أنشط للعامة فلا بأس.\rوقد يستدل لذلك بقول ابن عمر: إني أبغضك في الله ؛ إنك تحسن صوتك- يعني: في الأذان-؛ لأجل الدارهم.\rوسنذكره فيما بعد - إن شاء الله .\rقال البخاري- رحمه الله -:\r609- ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني، عن أبيه، أنه أخبره، أن أبا سعيد الخدري قال له : إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فإذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه \" لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس [ولا شيء] إلا شهد له يوم القيامة\".\rقال ابو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rكذا روى مالك هذا الحديث.\rورواه ابن عيينة، عن شيخه، فقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة.\rقال الشافعي: أصاب مالك في اسم الرجل، وأخطأ ابن عيينة فيما أرى.\rوذكر الإمام أحمد هذا المعنى- أيضا.\rوقد تقدم بهذا الإسناد في أوائل \" كتاب الإيمان\" حديث: \" يوشك [أن يكون] خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال\"- الحديث، وذكرنا الاختلاف في إسناده على مالك، وأنه سماه بعضهم عنه كما سماه ابن عيينة، والصحيح خلافه.\rوروى هذا الحديث عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، كما رواه مالك، إلا أنه لم يرفعه.\rوما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم فقد سبق القول فيه مستوفى في \" كتاب الإيمان\" عند الكلام على حديثه المشار اليه.\rوما تضمنه من الأذان للصلاة بالبادية، فيأتي بسط القول فيه عند تبويب البخاري على \" الأذان في السفر\"- إن شاء الله.\rأماالأمر برفع الصوت في الأذان، فإنما هو من قول أبي سعيد ، واستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :\" لا يسمع صوت المؤذن\" -الحديث.\rكذا رواه ابن عيينة صريحاً، وكذا ما قبله كله من قول أبي سعيد.\rوقد روي نحوه عن أبي هريرة.","part":4,"page":197},{"id":841,"text":"روى وكيع وأبو نعيم في \" كتأبيهما\" : ثنا أبو العنيس سعيد بن كثير، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ارفع صوتك بالأذان؛ فإنه يشهد لك كل شيء سمعك.\rلفظ وكيع، وخرجه عنه ابن شيبة.\rولفظ أبي نعيم، قال: من أذن فليسمع ؛ فإنه يشهد له يوم القيامة ما انتهى إليه صوته من سمعه.\rوخرجه ابن أبي شيبة بإسناده، عن الزبير بن عدي، عن رجل، عن ابن عمر ، انه قال لرجل: ما عملك؟ قال: الأذان. قال: نعم العمل عملك؛ يشهد لك كل شيء سمعك.\rورى وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: المؤذن يشهد له كل رطب ويابس سمعه.\rورواه غيره عن الأعمش، عن مجاهد- مرسلاً0، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rقال الدارقطني: هو أشبه.\rقال: ورواه عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر- مرفوعاً.\rقال: ورواه محمد بن عبيد الطنافسي وعمرو بن عبد الغفار، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي هريرة - مرفوعاً.\rوقد خرجه الإمام أحمد من رواية عمار بن رزيق كما تقدم، ومن رواية زائدة عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر- مرفوعاً.\rورواه عبد الله بن بشر، عن الأعمش كرواية عمار بن رزيق.\rوروي عن إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس- مرفوعاً.\rقال الدارقطني في موضع من \" علله\" : الصحيح: الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر- مرفوعاً.\rوهذا يخالف قوله في مسند أبي هريرة: إن إرساله أصح.\rورواه إبراهيم بن طهمان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر- موقوفاً.\rورواه حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة-مرفوعاً.\rوروي مرفوعاً من وجه آخر: من رواية شعبة ، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال:\" المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس\".\rخرجه أبو داود والنسائي.\rوخرجه ابن ماجه، وعنده:\" ويسغفر له كل رطب ويابس\".\rوخرجه ابن خزيمة وابن حبان في \" صحيحيهما\".\rوقال ابن حبان: ابو يحيى هو سمعان مولى أسلم، [حدثني] أبي يحيى.\rوموسى بن أبي عثمان كوفي، أثنى عليه سفيان، ووصفه بالخير. وقال أبو حاتم: شيخ.\rوله طريق آخر: من رواية منصور بن المعتمر؛ واختلف عليه:\rفرواه وهيب، عن منصور، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوسأل وهيب منصوراً، عن عطاء هذا، فقال: هو رجل. قال: وليس ابن أبي رباح ولا ابن يسار.\rوكذا رواه زائدة وفضيل بن عياض، عن منصور، عن ابن عباد ،عن عطاء- رجل من أهل المدينة-، عن أبي هريرة- موقوفاً غير موفوعٍ.\rوكذا رواه جرير، عن منصور، عن يحيى بن عباد، عن رجل من أهل المدينة، عن أبي هريرة- موقوفاً.\rورواه بعد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن عباد بن أنس، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرجه عنه الإمامان: أحمد وإسحاق في \" مسنديهما\".\rقال أبو زرعة الرازي والدارقطني:حديث معمر وهم، والصحيح: حديث منصور.","part":4,"page":198},{"id":842,"text":"قلت: ويشهد لقول منصور: أن أبا أسامة رواه عن الحسن بن الحكم، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد، عن شيخ من الأنصار، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرجه عنه ابن أبي شيبة في \" كتابه\".\rقال الدارقطني: الصحيح: قول زائدة وفضيل بن عياض وجرير، عن منصور.\rيعين: الموقوف. والله اعلم.\rوخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث قتادة، عن أبي إسحاق الكوفي، عن البراء بن عازب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: \" المؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه\".\rوأبو إسحاق هذا، قال أحمد : ما أظنه السبيعي.\rوذكر الترمذي في \" العلل\" أنه لا يعرف لقتادة سماعاً من أبي إسحاق الكوفي.\rوقوله: \" لا يسمع مدى صوت المؤذن\": المدى : الغاية حيث ينتهي الصوت.\rوقوله: \" كل رطب ويابس\" يدل على أن الجمادات سواء كانت رطبة أو يابسة فإن لها سماعاً في الدنيا وشهادة في الآخرة.\rفدل ذلك على صحة أشياء مختلف في بعضها:\rمنها: إدراك الجمادات ونطقها.\rوقد أثبت ذلك جمهور السلف، سواء كانت رطبة أو يابسة، كما دل عليه قوله: { يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } [سبأ : 10] ، وقوله: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } [الإسراء: 44].\rوخص الحسن التسبيح بما كان رطباً قبل ان ييبس.\rوالجمهور على خلافه.\rوأمامن قال: تسبيحها: دلالاتها على صانعها بلسان الحال، فقول ضعيف جداً، والأدلة الكثيرة تبطله.\rومنها: أن الجمادات [000] يوم القيامة.\rوقد دل على ذلك حديث عبد الله بن أنيس في سؤال الحجر والعود.\rوالحديث الصحيح: أن الغال يأتي بما غل من بقر وغنم وصامت ورقاع تخفق. وأن مانع الزكاة يجعل له ماله صفائح يكوى به.\rكما دل عليه قوله: { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ } [التوبة : 35].\rوأماقوله في الحديث الآخر: \" يغفر له مدى صوته\".\rفقيل : معناه: لو كانت ذنوبه أجسأمالغفر له منها قدر ما يملأ المسافة التي بينه وبين منتهى صوته.\rوقيل: معناه: تمد له الرحمة بقدر مد الأذان.\rوقال الخطأبي: معناه أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت.\rورفع الصوت بالأذان مستحب؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد لما رأى الأذان في منامه: \" ألقه على بلال؛ فإنه اندى صوتاً منك\".\rخرجه أبو داود وغيره.\rوالمؤذن، أماأن يؤذن لنفسه، أو يؤذن للجماعة؛ فإن أذن للجماعة فلا يحصل الإتيان بالأذان المشروع في حقهم حتى يسمعهم.\rقال الإمام أحمد في رواية حنبل، في رجل ضعيف الصوت، لا يرفع صوته ولا يخرج من المسجد، فإذا كان يسمع اهل المسجد والجيران فلا بأس.\rقال القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا ، أنه إذا لم يسمع الجيران لم يصب سنة الأذان؛ لأن القصد ومن الأذان الإعلام، فإذا لم يسمع الجيران لم يوجد المقصود.\rفأماكمال السنة فهو: أن يرفع صوته نهاية جهده، ولا يزيد على ذلك حتى يخشى على نفسه ضرراً.","part":4,"page":199},{"id":843,"text":"قال أحمد في رواية حنبل: يرفع صوته ما استطاع.\rوقال الميموني: رأيت أحمد وهو يؤذن ، صوتا بين الصوتين، وكان إلى خفض الصوت أقرب.\rقال القاضي: ظاهر هذا، أنه لا يرفع صوته رفعاً يخرجه عن طبعه.\rومن الأصحاب من جعل هذه رواية ثانية؛ بأن التوسط في رفع الصوت أفضل.\rوفي \" المراسيل\" لأبي داود، عن ابن سيرين، أن بلالاً جعل اصبعيه في أذنيه في بعض أذانه، أو في إقامته، بصوت ليس بالرفيع ولا بالوضيع.\rومتى خافت ببعضه فهو كمخافتته بكله عند أصحابنا.\rوإن كان يؤذن لنفسه فله أن يسر به ؛ لأنه لا يعلم غيره.\rوقال أصحاب الشافعي: يستحب له أن يرفع صوته ما أمكنه، بحيث لا يلحقه ضرر، فإن أسر به لم يصح على الصحيح عندهم.\rولهم وجه: أنه يصح، كما لو أسر بالقراءة في صلاة الجهر.\rووجه ثالث: يصح إن سر بعضه خاصة، ونص عليه الشافعي في [مكان].\rقال الماوردي منهم: لو سمع واحداً من الجماعة أجزأه؛ لأن الجماعة تحصل بهما.\rوأمامن يؤذن لنفسه، فيجزئه أن يسمع نفسه على الصحيح عندهم. وقيل: يشترط إسماع من عنده. والمذهب: الأول.\rومتى رفع صوته رفعاً يخشى على نفسه الضرر منه كره.\rوقد قال عمر لأبي محذورة لما سمعه يؤذن بمكة: أماخشيت أن ينشق مريطاؤك؟\rذكره أبو عبيد وغيره.\rوالمريطاء: بالمد والقصر.\rقال أبو عبيد: والمحفوظ: المد. قال: وهو قول الأصمعي. قال: وقال الأحمر: هي مقصورة .قال: وقال أبو عمرو: تمد وتقصر.\rوهي ما بين السرة والعانة-: قاله أبو عبيد والأكثرون.\rوقيل: ما بين الصدر والعانة.\r* * *","part":4,"page":200},{"id":844,"text":"6- باب\rما يحقن بالأذان من الدماء\r610- حدثني قتيبة : ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان إذا غزا بنا قوماً لم يغز بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم. قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب، وركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: محمد والله ، محمد والخميس. قال: فلما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \" الله أكبر، الله أكبر. خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\".\rفي هذا الحديث فوائد كثيرة:\rمنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يغير على العدو.\rوالإغارة: تبيت العدو ليلاً.\rوقد جاءت نصوص أخر بإباحة الإغارة، وموضع ذكر ذلك \" كتاب الجهاد\"- إن شاء الله.\rومنها: التفاؤل؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رآهم خرجوا بالمكاتل- وهي : الزبيل والقفاف-، والمساحي- وهي : المجرفة-، وهذه آلات الحراث، ووقع الأمر كذلك.\rومنها: التكبير على العدو عند مشاهدته.\rويحتمل أن يكون سر ذلك أن التكبير طارد لشيطان الجن تقارنهم، فإذا انهزمت شياطينهم المقترنة بهم انهزموا، كما جرى للمشركين يوم بدر، فإن إبليس كان معهم يعدهم ويمنيهم، فلما انهزم انهزموا.\rوقولهم:\" محمد والخميس\"، فيه روايتان: الخميس، والجيش، وهما بمعنى واحد.\rوسمي الجيش خميساً؛ لأنه ينقسم خمس أجزاء: مقدمة ، وساقة، وميمنة، وميسرة، وقلب.\rومنها- وهو المقصود بهذا الباب-: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل [الأذان] فرق ما بين دار الكفر ودار الإسلام، فإن سمع مؤذناً [للدار] كحكم ديار الإسلام، فيكف عن دمائهم وأموالهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم بعد ما يصبح.\rوفي هذا: دليل على أن إقامة الصلاة توجب الحكم بالإسلام؛ فإن الأذان إنما هو دعاء إلى الصلاة، فإذا كان موجباً للحكم بالإسلام، فالصلاة التي هو المقصود الأعظم أولى.\rولا يقال: إنما حكم بإسلامهم بالأذان لما فيه من ذكر الشهادتين؛ لأن الصلاة تتضمن ذلك- أيضا-، فإذا رأينا من ظاهره يصلي- ولا سيما في دار الحرب أو دار لم يعلم أنها دار إسلام- حكمنا بإسلامه لذلك. وهو قول كثير من العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يأمر بالكف عن دار يسمع فيها الأذان، أو يرى فيها مسجد، من رواية ابن عصام المزني، عن أبيه- وكانت له صحبة-، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث جيشاً أو سرية يقول لهم: \" إذا رأيتم مسجداً، أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا [أحداً]\".\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي.\rوقال: حسن غريب.\rوقال ابن المديني: إسناد مجهول، وابن عصام لا يعرف، ولا ينسب أبوه.","part":4,"page":201},{"id":845,"text":"وروى الهرماس بن حبيب العنبري، عن أبيه، عن جده، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيينة بن حصن حين أسلم الناس ودجا الإسلام على الناس، فهجم على بني عدي بن جندب فوق النباح بذات الشقوق، فلم يسمعوا أذانا عند الصبح، فأغاروا عليهم، فأخذوا أموالهم حتى أحضروها المدينة عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت وفود بني العنبر: أخذنا يا رسول الله مسلمين غير مشركين . فرد عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذراريهم وعقار بيوتهم، وعمل الجيش أنصاف الأموال.\rخرجه إبراهيم الحربي في \" كتاب غريب الحديث\" وأبو القاسم البغوي في \" معجم الصحابة\".\rوقال الحربي : إنما رد عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذراريهم؛ لأنه لم ير أن يسبيهم إلا على أمر صحيح لا شك فيه، وهؤلاء مقرون بالإسلام، وليس حجة من سباهم، إلا أنهم قالوا: لم نسمع أذاناً. وكذلك فعل في عقار بيوتهم- يريد: أرضهم-، وعمل الجيش جعالة عمالة لهم أنصاف الأموال؛ وذلك لأن أصحاب الجيش ادعوا أن ذلك فيئاً لهم ؛ لأنهم لم يسمعوا أذاناً، والمأخوذ منهم ادعوا أنه لهم ؛ أسلموا عليه.\rثم روى الحربي من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أناس من خثعم، فاستعصموا بالسجود، فقتل منهم رجل ، فأعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - نصف الدية.\rقال الحربي: لا ، لم يقروا بالإسلام، وإنما سجدوا، وقد يسجد ولم يسلم، فلذلك أعطاهم نصف الدية.\rقلت: هذا حديث مرسل.\rوالذين يقولون: إن الكافر يصير مسلماً بالصلاة، فصلاته عندهم كإقراره بالإسلام.\rوذكر- أيضا- حديث الزبيب العنبري، وقد خرجه أبو داود في \" سننه\"، وفيه: أنهم سبوا، ثم شهد لهم شاهد بالإسلام، وحلف الزبيب، فأعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذراري ونصف الأموال.\rقال الحربي : لأنه لم تكمل البينة.\rقلت: في سياق حديث أبي داود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : \" لولا أن الله لا يحب ضلالة العمل ما رزيناكم عقالاً\".\rوهذا تعليل بغير ما ذكره الحربي.\rوحاصل الأمر: أن الدار إن سمع فيها أذان لم يجز الإقدام على قتلهم ابتداءً، بل يصيرون في عصمة دمائهم وأموالهم كالمسلمين؛ فإن الأذان وإن كان لم يسمع من بعضهم، إلا أن ظهوره في دار قوم دليل على إقرارهم بذلك ورضاهم. فأماالمؤذن نفسه فإنه يصير مسلماً بذلك، ولا سيما إذا كان في دار كفر وموضع لا يخاف فيه من المسلمين ولا يتقيهم.\rوعند أصحابنا: أنه يصير الكافر بالأذان مسلماً.\rوبه قال الليث بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز. وقالا: لو ادعى أنه فعله تقية وخيفة على نفسه أنه لا يقبل منه ، ويصير مرتداً.\rوحكى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ومالك، أنه يقبل منه ذلك ولا يقتل.\rذكره محمد بن نصر المروزي في \" كتاب الصلاة\".","part":4,"page":202},{"id":846,"text":"وينبغي أن يقبل هذا بموضع يحتمل فيه ذلك كدار الإسلام، أو دار يخشى أن يغار عليها المسلمون؛ فإن الكافر إذا أتى بالشهادتين على وجه الإسلام كالذي يجيء ليسلم، فتعرض عليه الشهادتان فيقولهما، فإنه يصير مسلماً بغير خلاف.\rوإن قالهما على غير هذا الوجه، ثم ادعى أنه لم يرد بهما الإسلام، فالمشهور عن أحمد، أنه لا يقبل منه ويصير مرتداً.\rوعنه رواية، أنه يقبل منه ولا يقتل . وهو قول إسحاق.\rوضعف هذه الرواية أبو بكر الخلال.\rوعن أحمد، أنه يجبر على الإسلام، ولا يقتل إن أباه.\rوللشافعية- أيضا- وجهان فيما [إذا] أتى بالشهادتين على غير وجه الاستدعاء ولا الحكاية: هل يصير مسلماً، أم لا ؟ وأصحهما: أنه يصير مسلماً-: حكاهما صاحب \" شرح المهذب\".\rوإن لم يسمع في الدار أذان:\rفإن كانت معروفة قبل ذلك بأنها دار حرب جاز ابتداؤهم بالقتل والسبي والنهب، هذا هو الذي دل عليه حديث أنس المخرج في هذا الباب.\rوإن كانت معروفة بأنها دار إسلام، ولم يسمع فيها أذان، فهذا مسألة قتال أهل البلدة المسلمين إذا اتفقوا على ترك الأذان.\rوهي مبنية على أن الأذان على أهل الأمصار والقرى: هل هو فرض كفاية، أو سنة مؤكدة؟\rوفيه قولان:\rأحدهما: أنه فرض كفاية، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، وقول داود، ووافقهم جماعات من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي.\rوكذا قال عطاء ومجاهد وابن أبي ليلى والأوزاعي وأهل الظاهر: إن الأذان فرض.\rوحكي عن هؤلاء كلهم أن الإقامة شرط لصحة الصلاة، فمن ترك الإقامة وصلى أعاد الصلاة.\rوعن الأوزاعي: أنه يعيد في الوقت.\rوقال عثمان بن كنانة من المالكية: يعيد إذا تركها عمداً.\rوذهب الجمهور إلى أنه لا إعادة على من صلى بغير أذان ولا إقامة.\rواستدلوا لوجوب الأذان بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :\" إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم\".\rوقد خرجه البخاري من حديث مالك بن الحويرث وعمرو بن سلمة الجرمي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوروى ابن جرير الطبري، عن يونس بن عبد الأعلى، عن أشهب ، عن مالك، قال: إذا ترك الأذان مسافر عمداً أعاد الصلاة.\rوهذا غريب جداً.\rوحكى ابن عبد البر نحوه عن داود.\rونقل ابن منصور، عن إسحاق ، قال: إذا نسي الأذان والإقامة وصلى أجزأه، وإن كان في السفر فلا بد له من الإقامة.\rوالقول الثاني: أن الأذان سنة مؤكدة، وهو ظاهر مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، ورواية عن أحمد.\rفمن قال: الأذان فرض كفاية، قال: إذا اجتمع أهل بلد على تركه قوتلوا عليه حتى يفعلوه.\rومن قال: هو سنة، اختلفوا على قولين:\rأحدهما: أنهم يقاتلون عليه- أيضا-، لأنه من أعلام الدين وشرائعه الظاهرة، وهو قول محمد بن الحسن وطائفة من الشافعية.\rوالثاني: لا يقاتلون عليه كسائر النوافل، وهو قول أبي حنيفة وطائفة من الشافعية.\rوقال أبو يوسف: آمرهم وأضربهم، ولا أقاتلهم ؛ لأنه دون الفرائض وفوق النوافل.","part":4,"page":203},{"id":847,"text":"واستدل بعض من قال: يقاتلون على تركه بحديث أنس هذا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأذان مانعاً من القتال، وتركه مبيحاً له، فدل على استباحة القتال بمجرد تركه، وإن جاز ان يكونوا قد أسلموا.\r* * *","part":4,"page":204},{"id":848,"text":"7- باب\rما يقول إذا سمع المنادي\rفيه حديثان:\rالحديث الأول:\r611- حدثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \" إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن\".\rهكذا روى هذا الحديث مالك في \" الموطإ\"، وكذا رواه الثقات من أصحابه عنه.\rورواه المغيرة بن سقلاب، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد.\rوزيادة: \" سعيد بن المسيب\" لا تصح.\rوالمغيرة متروك.\rوروي عن عمرو بن مرزوق، عن مالك، عن الزهري، عن أنس.\rوهو وهم. وقيل: إنه ممن رواه عن عمرو، وهو محمد بن عبد الرحيم الشماخي.\rورواه عبد المنعم بن بشير- وهو ضعيف جداً-، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. ولا يصح.\rوتابع مالكا على روايته، عن الزهري، عن عطاء، عن أبي سعيد: معمر ويونس.\rوقيل: وسفيان وإبراهيم بن سعد.\rوخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق، فرواه عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة.\rوخرجه ابن ماجة من طريقه.\rوقيل: عنه، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة.\rوالصحيح: قول مالك ومن تابعه-: قاله أبو حاتم الرازي والترمذي وابن عدي والدارقطني.\rورواه حجاج بن نصير، عن عباد بن كثير، عن عقيل، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن [أبي] أيوب الأنصاري.\rوهو وهم من حجاج أو عباد -: قاله الدارقطني.\rالحديث الثاني:\rقال:\r612- ثنا معاذ بن فضالة: ثنا هشام ، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال: حدثني عيسى بن طلحة، أنه سمع معاوية يوماً، فقال مثله، إلى قوله: ( وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).\r613- ثنا إسحاق : ثنا وهب بن جرير: ثنا هشام، عن يحيى- مثله.\rقال يحيى: وحدثني بعض إخواننا، أنه لما قال: (حي على الصلاة)، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، وقال: هكذا سمعنا نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول.\rهكذا خرجه مختصراً.\rوخرجه الإمام أحمد بتمامه، عن إسماعيل بن ابراهيم- هو : ابن علية- وأبي عامر العقدي، قالا: ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة- قال أبو عامر في حديثه: ثنا عيسى بن طلحة-، قال: دخلنا على معاوية، فنادى المنادي بالصلاة، فقال: (الله أكبر، الله اكبر) . فقال معاوية: (الله أكبر، الله أكبر)، فقال: ( أشهد أن لا إله إلا الله)، فقال معاوية: (وأنا أشهد)- قال أبو عامر في حديثه: ( أن لا إله إلا الله)-، فقال : (أشهد أن محمداً رسول الله)، فقال معاوية : (وأنا اشهد)- قال أبو عامر: (أن محمداً رسول الله).\rقال يحيى: ثنا رجل، أنه لما قال: (حي على الصلاة) قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ، قال معاوية : هكذا سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول.\rوخرجه الإسماعيلي بنحوه من طريق ابن علية.\rوله طريق آخر عن معاوية:","part":4,"page":205},{"id":849,"text":"خرجه البخاري في \"الجمعة\" في \" كتابه\" هذا من طريق ابن المبارك: أبنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، [عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف]، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن، فقال: (الله أكبر ، الله أكبر)، فقال معاوية: (الله أكبر، الله أكبر). فقال : ( أشهد ان لا إله إلا الله)، فقال معاوية : (وأنا) ، فقال: (أشهد أن محمداً رسول الله)، فقال معاوية : (وأنا)، فلما قضى التاذين ، قال: يأيها الناس، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه المجلس حين أذن المؤذن يقول كما سمعتم مقالتي.\rوقد روي عن معاوية من طريق أخرى، وفي بعضها : انه قال عند: (حي على الصلاة)، (وحي على الفلاح): (لا حول ولا قوة إلا بالله) موافقة للرواية التي أرسلها يحيى بن أبي كثير.\rفخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن جريج: أخبرني عمرو بن يحيى، أن عيسى بن عمر أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن علقمة بن وقاص، قال: إني عند معاوية إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية كما قال المؤذن، حتى إذا قال: (حي على الصلاة) قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فلما قال : (حي على الفلاح) قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله). وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ، ثم قال: سمعت رسول لاله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك.\rوخرجه الإمام أحمد بمعناه من رواية محمد عمرو بن علقمة ، عن أبيه، عن جده، قال: كنا عند معاوية - فذكره بمعناه.\rوروى عبد الوهاب بن الضحاك: ثنا إسماعيل بن عياش، عن مجمع بن جارية، عن أبي امامة بن سهل، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول- إذا أذن المؤذن- مثل قوله، وإذا قال : (حي على الصلاة) قال : (لا حول ولا قوة إلا بالله) .\rعبد الوهاب، متروك الحديث. وإسماعيل ، لا يحفظ حديث الحجازيين.\rوقد رواه الإمام أحمد عن يعلى بن عبيد ويزيد بن هارون، كلاهما عن مجمع- بنحو سياق حديث أبي بكر بن عثمان الذي خرجه البخاري.\rوخرجه-أيضا- عن وكيع ، عن مجمع- مختصراً.\rورواه أبو نعيم في \" كتاب الصلاة\" عن مجمع - بنحو رواية يعلى ويزيد.\rوليس في حديث أحد منهم: ذكر الحيعلة.\rوفي رواية يعلى ويزيد وأبي نعيم: انه لما كبر المؤذن- اثنين- كبر- اثنين- ولما شهد انه لا اله الا الله - اثنين- شهد- اثنين-، ولما شهد ان محمد رسول الله- اثنين- شهد- اثنين.\r... وهذا يشعر بأن التكبير في اول الاذان مرتان.\rوروي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث معاوية:","part":4,"page":206},{"id":850,"text":"فخرج مسلم في \"صحيحه\" من حديث عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن بن يساف، عن حفص بن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((إذا قال المؤذن: الله اكبر، الله اكبر، فقال احدكم، الله اكبر. ثم قال: اشهد ان لا اله الا الله، فقال اشهد ان لا اله الا الله. ثم قال: اشهد ان محمد رسول الله، قال: اشهد ان محمد رسول الله- ثم قال: حي الصلاة، قال: لاحول ولا قوة الا بالله. ثم قال: حي عل الفلاح، قال: لا حول ولا قوة الا بالله. ثم قال: الله اكبر الله اكبر، قال: الله اكبر الله اكبر. ثم قال: لا الله الا الله، قال: لا اله الا الله من قلبه؛ دخل الجنة)).\rوعمارة بن غزية، ثقة ولم يخرج له البخاري.\rوقد روي نحوه من حديث عاصم بن عبيد الله العمري، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان إذا سمع [المؤذن] قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)).\rخرجه الإمام أحمد والنسائي في \"اليوم والليلة\".\rوعاصم هذا، ضعفوه، وقد اختلف عليه في إسناده.\rوروي نحوه من حديث أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه ابن عدي، وقال: هو منكر، وإسناده لا يصح.\rواجابه المؤذن مستحبة عند الجمهور العلماء، وليست واجبة.\rوكان الحسن كثيراً يسمع المؤذن وهو يتحدث فلا يقطع حديثه ولا يجيبه، وكذلك إسحاق بن راهويه.\rونص أحمد على ان الاجابة غير واجبة.\rوحكى الطحاوي عن وقم انهم واجبوا اجابته. والظاهر: انه قول بعض الظاهرية. وحكي عن بعض الحنفية- أيضا.\rوروي عن ابن مسعود، انه قال: من الجفاء ان لا يقول مثل ما يقول المؤذن.\rوقد روي مرفوعاً من وجوه ضعيفة.\rواختلف العلماء: هل يجيب المؤذن، فيقول كقوله في جميع ما يقول، ام لا؟\rفقالت طائفة: يقول مثل ما يقول سواء في جميع اذانه؛ لظاهر حديث أبي سعيد.\rوفي \"صحيح مسلم\" من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول)).\rوقد روي عن طائفة من السلف، انهم قالوا: يقول مثل قول المؤذن، ولم يستثنوا، منهم: النخعي:\rوروي عن أبي عمر، انه كان يقول مثل ما يقول المؤذن.\rوهو ظاهر قول الخرقي من أصحابنا.\rوقالت طائفة: يقول كقوله، الا في قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، فانه يقول: (لا حول ولا قوة الا بالله).\rوهذا مروي عن الحسن، وهو منصوص عن أحمد، والشافعي، وهو قول طائفة من الحنفية والمالكية.\rوهؤلاء؛ جعلوا حديث أبي سعيد وما في معناه عاماً، وحديث عمر ومعاوية وما في معناهما خاصة، فتقضي على النصوص العامة.\rومن الحنفية من قال: يقول عند قوله: (حي على الصلاة): (لا حول ولا قوة الا بالله). وعند: (حي على الفلاح): (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).","part":4,"page":207},{"id":851,"text":"وقالت طائفة: هو مخير بين ان يقول مثل قول المؤذن في الحيعلة، وبين ان يقول: \"لا حول ولا قوة الا بالله\"، وجمعوا بين الاحاديث بذلك، وهذا قول أبي بكر الاثرم ومحمد بن جرير الطبري.\rوقالت طائفة: بل يجمع بين ان يقول مثل قول المؤذن، وبين قوله: \"لا حول ولا قوة الا بالله\".\rوهذا قول بعض أصحابنا، وهو ضعيف؛ لان الجمع لم يرد.\rوكان بعض شيوخنا يقول: يجمع بين الاحاديث في هذا بأن من سمع المؤذن وهو في المسجد قال مثل قوله، فإن سمعه خارج المسجد قال: \"لا حول ولا قوة بالا بالله\"؛ لانه يحتاج إلى سعي فيستعين بالله عليه.\rوقالت طائفة: يجيب المؤذن إلى اخر الشهادتين، ولا يجيبه فيما زاد على ذلك، وهو رواية عن مالك.\rوفي \"تهذيب المدونة\": انه يجيبه إلى قوله: \"اشهد ان محمداً رسول الله\"، وان اتم الاذان معه فلا بأس.\rوظاهره: انه يتمه معه بلفظ الاذان.\rوهؤلاء؛ قد يحتجون ببعض روايات حديث معاوية التي فيها الاجابة إلى الشهادتين، ولكن قد روي عنه عن وجوه: اجابته في تمام الاذان.\rوروي من حديث الحكم بن ظهير، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، ان النبي - صلى الله عليه وسلم - اجاب المؤذن إلى الشهادتين، ثم سكت.\rذكره ابو بكر الاثرم، وقال: هو حديث واه.\rيشير إلى ان الحكم بن ظهير ضعيف جداً.\rوروى ابو نعيم في \"كتاب الصلاة\": ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي جعفر، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المنادي يقول (اشهد ان لا اله الا الله) قال: (وانا). وإذا قال: (اشهد ان محمد رسول الله) قال: (وانا) ، ثم سكت.\rوهذا مرسل.\rوحكى ابن عبد البر عن قوم، انهم راوا اجابة المؤذن الحيعلتين خاصة.\rوعن قوم. انهم راوا اجابته في الشهادتين خاصة، دون ما قبلهما وبعدهما.\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده، عن قتادة، ان عثمان كان إذا سمع المؤذن يؤذن يقول كما يقول، في الشتهد والتكبير كله، فإذا قال: \"حي على الصلاة\" قال: ما شاء الله، لا حول ولا قوة الا بالله. فإذا قال: ((قد قامت الصلاة)) قال: مرحبا بالقائلين عدلاً، وبالصلاة مرحباً واهلاً. ثم ينهض إلى الصلاة.\rوبإسناده عن مجاهد، انه كان إذا قال المؤذن: (حي على الصلاة) قال: المستعان الله. [فاذا] قال: (حي على الفلاح) قال: لا حول ولا قوة الا بالله.\rوفي \"مسند الامام أحمد\" عن علي بن أبي طالب، انه كان إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول، فإذا قال: \"اشهد ان لا الله الا الله، واشهد ان محمداً رسول الله\" قال علي: اشهد ان لا اله الا الله ، واشهد ان محمداً رسول الله.\rوخرج ابن السني بإسناد لايصح، عن معاوية، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المؤذن قال: (حي على الفلاح) قال: (اللهم اجعلنا مفلحين).\rوذكر ابن جرير بإسناده، عن سعيد بن جبير، انه كان إذا سمع المؤذن يقول: \"حي على الصلاة\" يقول: سمعنا واطعنا.","part":4,"page":208},{"id":852,"text":"ولا فرق في استحباب اجابة المؤذن بين النساء والرجال، هذا ظاهر اطلاق العلماء، وظواهر الاحاديث؛ فان خطاب الذكور يدخل في الاناث تبعاً في كثير من العمومات، وهو قول أصحاب الامام أحمد وغيرهم ممن تكلم في اصول الفقه.\rوقد روي التصريح باجابة النساء المؤذن من حديث عائشة وميمونة، وإسنادهما لا يصح.\rوقد خرج ابن جرير الطبري حديث ميمونة، وفيه ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: \" وللرجال الضعفان من الاجر\" - يعني: في الاجابة.\rوذكر ابن جرير، عن بعض اهل الحديث، انه قال: لا يحتاج بهذا الحديث ذو علم بالاثار ومعرفة الرجال.\rوالامر كما قال؛ فإن إسناده ضعيف جداً.\rوقد خرج ابو الشيخ الاصبهاني في \"كتاب ثواب الاعمال\" معناه - أيضا- من حديث ابن المنكدر- مرسلاً.\rوهذا قد يشعر بأن النساء في ثواب الاعمال نصف اجر الرجال.\rويشهد له: ما خرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" من حديث الاشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن أبي عباس، في قوله: { وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } [النساء: 32] الاية، قال: اتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الانثيين، وشهادة امراتين بشهادة الرجل، أفنحن في العمل هكذا، ان عملت امراة حسنة كتب لها نصف حسنة، فانزل الله هذه الاية { وَلا تَتَمَنَّوْا } ، فانه عدل مني، وانا صنعته.\rوبإسناده عن السدي في هذه الاية، قال : قال الرجال: نريد ان يكون لنا من الاجر الضعف على اجر النساء كما لنا في السهام سهمان ونريد ان يكون من الأجر اجران. وقالت النساء: نريد ان يكون لنا اجر مثل اجر الرجال الشهداء، فانا لا نستطيع ان نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا. فأبي الله ذلك، ولكن قال لهن: \"سلوا الله من فضله يرزقكم الاعمال، وهو خير لكم\".\rوروي قتادة هذا المعنى- أيضا.\rوهذا كله يشعر بان النساء لهن نصف اجر الرجال في الاعمال كلها.\rوقد يخص ذلك بما لا يشرع مشاركة النساء للرجال في الاعمال، او ما يجوز لهن مشاركتهم فيها، [والاوصى] ترك المشاركة، كصلاة الجماعة.\rواجاب المؤذن؛ فانه داع إلى الصلاة في الجماعة.\rوقد روي في حديث غريب، خرجه ابو نعيم في \"تاريخ اصبهان\": ان صلاة المرأة وحدها تضاعف على صلاتها في الجماعة ببضع وعشرون درجة.\rوفي إسناده مقال.\rوربما يأتي ذكره بلفظه في موضع اخر- ان شاء الله.\rوهل يشرع للمؤذن نفسه ان يجيب نفسه بين كلمات الاذان؟\rذكر أصحابنا ان يشرع له ذلك.\rوروي عن الامام أحمد انه كان إذا اذن يفعل ذلك.\rواستدلوا بعموم قوله: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول\". والمؤذن يسمع نفسه، فيكون مأمور بالاجابة.\rوقاسوه على تأمين الامام على قراءة الفاتحة مع المأمومين.\rوفي هذا نظر؛ فان تامين الامام وردت به نصوص.","part":4,"page":209},{"id":853,"text":"وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا سمعتم المؤذن))، ظاهره : يدل على التفريق بين السامع والمؤذن، فلا يدخل المؤذن، كما قال أصحابنا في النهي عن الكلام لمن يسمع الامام وهو يخطب، انه لا يشمل الامام، بل له الكلام.\rوكذا قال في الايمان ونحوها، لو قال: من دخل داري. او خاطب غيره، فقال: من دخل دارك، وعلق على ذلك طلاقاً او غيره: لم يدخل هو في عموم اليمين في الصورة [الاولى]، ولا المخاطب في الصورة الثانية.\rوللمسألة نظائر كثيرة، في بعضها اختلاف، قد ذكرناها في كتاب \"القواعد في الفقه\".\rواستحب أحمد للمؤذن ان يبسط يديه ويدعو عنه قوله: \"حي على الصلاة\". قال: اريت يزيد بن هارون يفعله، وهو حسن.\rيعني: لما ورد من استحبابه للدعاء عن الاذان، وفيه احاديث كثيرة مرفوعة، وموقوفة.\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن\" يدخل فيه الاذان والاقامة؛ لان كلا منهما نداء إلى الصلاة، صدر من المؤذن.\rوقد اختلف العلماء: هل يشرع الاجابة في الاقامة ؟ على قولين:\rاحدهما: انه يشرع ذلك، وهو قول القاضي أبي يعلى واكثر أصحابنا، وهو ظاهر مذهب الشافعي.\rوفي \"سنن أبي داود\" من رواية محمد بن ثابت العبدي: ثنا رجل من اهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبي امامة- او عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ان بلالا اخذ في الاقامة، فلما ان قال: \"قد قامت الصلاة\" قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : \"اقامها الله وادامها\"، وقال في سائر الاقامة كنحو حديث عمر في الاذان.\rوفي هذا [الإسناد] ضعف.\rوالقول الثاني: انه لايسرع الاجابة فيها، الا في كلمة الاقامة خاصة، وهو وجه للشافعية.\rوقد نقل المروذي عن الامام أحمد، انه كان إذا اخذ المؤذن في الاقامة رفع يديه ودعا.\rوروي عنه، انه كان يدعو، فإذا قال المؤذن: \"لا اله الا الله\" قال: لا اله الا الله الحق المبين.\rوظاهر هذا: ان الدعاء حينئذ افضل من الاجابة.\rوتأوله القاضي على انه انما كان يدعو إذا فرغ من الاقامة.\rوهذا مخالف لقوله: ((إذا اخذ المؤذن في الاقامة)).\rولو سمع المؤذن وهو يصلي، فهل يجيبه، ام لا؟\rهذا قد ينبني على اصل، وهو: ان العام في الاشخاص: هل هو عام في الاحوال، ام لا؟ وفيه اختلاف، قد اشرنا اليه في غير موضع.\rويدل على عمومه في الاحوال: انكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على من دعاه فلم يجبه حتى حتى سلم، وقوله لم: ((الم يقل الله)): { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ } )) [الانفال:24]\".\rوقد اختلف العلماء في اجابة المؤذن في الصلاة على ثلاثة اقوال:\rاحدها: انه لا يستحب اجابته في الصلاة بحال؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( ان في الصلاة لشغلا)).\rوهذا ظاهر مذهب الشافعي.\rوهو قول أصحابنا، قالوا: وقد نص أحمد على ان من دخل المسجد فأذن المؤذن، فانه لا يصلي تحية المسجد حتى يجيب المؤذن.\rوهذا يدل على انه لا يجيبه في الصلاة.\rوهو- أيضا- قول الحنفية وسحنون من المالكية.","part":4,"page":210},{"id":854,"text":"الثاني: أنه يستحب انه يجيبه في الفريضة والنافلة، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك.\rوالثالث: يستحب ان يجيبه في النفل دون الفرض، وهو المنصوص عن مالك.\rنقله عنه ابن القاسم، وقال: يقع في نفسي انه اريد بالحديث: وقال: \"يقول مثل ما يقول\": التكبير والتشهد.\rوكذا قال الليث، الا انه قال: ويقول: \"لا حول ولا قوة الا بالله\" إذا قال \"حي على الصلاة، حي على الفلاح\".\rوفي \"تهذيب المدونة\" للبرداعي المالكي: ومن سمع المؤذن فليقل كقوله، وان كان في نافلة، إلى قوله : \"اشهد ان لا اله الا الله، واشهد ان محمداً رسول الله\"، وان اتم الاذان معه فلا باس.\rولعل اتمامه مختص بغير المصلي، او بما إذا اجابه في الحيعلة بالحوقلة، كما قال الليث. انه إذا اجابه بذلك لم تبطل صلاته. فريضة كانت او نافلة عند جمهور العلماء.\rوهو قول مالك والشافعي وأصحابنا.\rويخرج من قول أحمد في العاطس في الصلاة: يحمد الله في نفسه-: نقله عنه جماعة.\rونقل صالح بن أحمد، عن أبيه، قال: إذا رفع صوته به يعيد الصلاة؛ لانه ليس من شأن الصلاة، الا ان لا يجهر به، وان قال في نفسه فلا شيء عليه.\rوهذا يحتمل انه اراد إذا تلفظ به بطلت صلاته.\rوحكى الطحاوي عن أبي يوسف، انه لاتبطل صلاته إذا اجاب المؤذن في الصلاة بالتكبير والتشهد عنه أبي يوسف، وتبطل عند أبي حنيفة ومحمد إذا اراد به الاذان، كما لو خاطب أنسانا في صلاته بلا اله الا الله، فان صلاته عنده تفسد.\rوهو احدى الروايتين عن أحمد.\rوقد فرق بينهما أصحابنا، بأن هذا قصد خطاب ادمي، بخلاف المجيب للاذان، فانه انما قصد ذكر الله عز وجل.\rوقد نقل مهنا، عن أحمد [فيمن] ذكر في صلاته كيسا ذهب له، فقال: انا لله وانا اليه راجعون، فقال أحمد: يعيد صلاته.\rوهذا يدل على انه إذا اتى في صلاته بذكر غير مشروع فيها انها تبطل.\rوكذلك روي جعفر بن محمد، عن أحمد، في الرجل يقول قبل ان يتم الصلاة: اللهم انت السلام ومنك السلام؛ فليس هذا من شأن الصلاة [ ... ] الصلاة.\rوروي عنه ابو طالب، انه قال: لا باس بذلك قبل السلام وبعده.\rوان اجاب المؤذن في قوله \"حي على الصلاة، حي على الفلاح\"، بمثل قوله بطلت صلاته عند جمهور العلماء.\rوقالت طائفة: لا تبطل صلاته بذلك - أيضا.\rوحكاه ابن خويز منداد، عن مالك، وانه يكون بذلك مسيئاً، وصلاته تامة. وكره ان يقول في الفريضة- مثل ما يقول المؤذن، فان قال ذلك في الفريضة لم تبطل - أيضا-، ولكن الكراهة في الفريضة اشد.\rوكلام صاحب \"تهذيب المدونة\" ظاهرة موافقة ذلك، الا انه قال: لاباس وهذا يدل على انه يكره، الا ان يختص ذلك بغير المصلي.\rوقد ورد حديث يستدل به على ان الاذان والاقامة لا [يبطلان] الصلاة.","part":4,"page":211},{"id":855,"text":"فروي الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، ان سويد بن قيس اخبره، عن معاوية بن حديج، انه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوماً، فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد، وامر بلالا فأقام، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا لي: تعرف الرجل؟ فقلت: لا، الا ان اراه. فمر بي، فقلت: هو هذا.\rفقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.\rخرجه الامام أحمد وابو داود والنسائي .\rوابن خزيمة وابن حبان في \"صحيحهما\"، وعندهما: انه سلم في ركعتين من صلاة المغرب.\rوالحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\rوسويد هذا، وثقة النسائي وابن حبان. ومعاوية بن حديج، اثبت البخاري وغيره له صحبة، وانكر ه الامام أحمد في رواية الاثرم، فيكون حديثه هذا مرسلاً عنده.\rفهذا يدل على [أنَّ] اقامة الصلاة لا يبطلها، وفيها الحيعلتان، ويزيد على الاذان بقوله: \"قد قامت الصلاة\" - أيضا-؛ ولهذا بني على ما مضى من صلاته هو ومن صلى معه.\rوهذا قد يبنى على اصول مالك وأحمد - في رواية عنه- على قوليهما: ان كلام العامد في الصلاة لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة. ويأتي ذكر هذا في موضع اخر- ان شاء الله.\rوإذا قلنا: لا يجيب المؤذن في الصلاة: فهل يتابع إذا فرغ منها؟\rقال طائفة من الشافعية: يجيبه إذا سلم، فان طال الفصل، فهو كترك سجود السهو.\rوكذلك قال طائفة منهم في المتخلي والمجامع إذا سمع الاذان: انه إذا فرغ تابعه.\rوقال بعضهم : وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمداً، فالظاهر انه يتدارك على القرب، ولا يتدارك بعد طول الفصل.\rوالافضل ان يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخير، كما دل عليه حديث معاوية.\rومن زعم من المتاخرين: انه يجوز الاجابة حتى يفرغ ثم يجيبه، وزعم انه لا يسمى مؤذناً حتى يفرغ من اذانه-: فقد ابطل، وقال ما خالف به الاولين و الاخرين. وفي تسميته مؤذناً بعد فراغ اذانه- حقيقة اختلاف - أيضا- فأنه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم، ولو سابق المؤذن في بعض الكلمات.\rففي \"تهذيب المدونة\" للمالكية: إذا عجل قبل المؤذن بالقول فلا بأس والله اعلم.\r***\r8- باب\rالدعاء عند النداء\r614- حدثني ابن عياش: ثنا شعيب بي أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من قال حين يسمع النداء: اللهم، رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، ات محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقأمامحموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)).\rهذا مما وتفرد [به] البخاري دون مسلم.\rوخرجه الترمذي، وقال : حسن غريب من حديث ابن المنكدر، لا نعلم احد رواه غير شعيب بن أبي حمزة.","part":4,"page":212},{"id":856,"text":"وذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتاباً، فامر بقراءته عليه، فعرف بعضاً وانكر بعضاً، وقال لابنه- او لابن اخيه-: اكتب هذه الاحاديث، فدون شعيب ذلك الكتاب ولم تثبت رواية شعيب تلك الاحاديث على الناس، وعرض علي بعض تلك الكتب [فرأيتها مشابهة] لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الاحاديث. انتهى.\rوقد روى الاثرم، عن أحمد، قال: نظرت في كتب شعيب، اخرجها الي ابنه، فإذا فيها من الصحة والحسن والمشكل نحو هذا.\rوقد روي، عن جابر من وجه اخر بلفظ فيه بعض مخالفة، وهو يدل على ان لحديث جابر اصلاً.\rخرجه الامام أحمد من رواية ابن لهيعة: ثنا ابو الزبير، عن جابر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: \"من قال حين ينادي المنادي: اللهم، رب هذه الدعوة التامة والصلاة النافعة، صل على محمد وارض عنه رضا لا سخط بعده؛ استجاب الله دعوته\".\rوقد روي في هذا المعنى وسؤال الوسيلة عند سماع الاذان من حديث أبي الدرداء، وابن مسعود - مرفوعا-، وفي إسنادهما ضعف.\rومما يشهد له - أيضا- : حديث خرجه مسلم من طريق كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، انه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فانه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً ، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله، وارجو ان اكون انا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة).\rوعبد الرحمن بن جبير هذا: مولى نافع بن عمرو القرشي المصري، وظن بعضهم، ا نه: ابن جبير بن نفير، فوهم، وقد فرق بينهما البخاري والترمذي وابو حاتم الرازي وابنه.\rوقد روي عن الحسن، ان هذا الدعاء يشرع عند سماع اخر الاقامة.\rروي ابن أبي شيبة: ثنا ابو الاحوص، عن أبي حمزة، عن الحسن، قال: إذا قال المؤذن: (قد قامت الصلاة)، فقل: اللهم، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، اعط محمداً سؤله يوم القيامة. فلا يقولها رجل حين يقيم المؤذن الا ادخله الله في شفاعة محمد يوم القيامة.\rوروي ابن السني في كتاب \"عمل اليوم والليلة\" من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، انه كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم: اللهم، رب هذه الدعوة التامة وهذه الصلاة القائمة، صل على محمد واته سؤله يوم القيامة.\rوهذه الاثار تشهد للمنصوص عند أحمد، انه يدعو عند الاقامة، كما سبق عنه.\rوقوله: (من قال حين يسمع النداء): ظاهره انه يقول ذلك في حال سماع النداء، قبل فراغه. ويحتمل انه يريد به حين يفرغ من سماعه.\rوحديث عبد الله بن عمرو صريح في انه يسأل الوسيلة بعد اجابة المؤذن والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rوهذا هو الاظهر؛ فانه يشرع قبل جميع الدعاء تقديم الثناء على الله والصلاة على رسوله، ثم يدعو بعد ذلك.\rوقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة).","part":4,"page":213},{"id":857,"text":"والمراد بالدعوة التامة: دعوة الاذان؛ فانها دعاء إلى اشرف العبادات، والقيام في مقام القرب والمناجاة؛ فلذلك كانت دعوة تامة- أي: كاملة لا نقص فيها، بخلاف ما كانت دعوات اهل الجاهلية: أمافي استنصار على عدو، او إلى نعي ميت، او إلى طعام، ونحو ذلك مما هو ظاهره النقص والعيب.\rوروى ابو عيسى الاسواري، قال: كان ابن عمر إذا سمع الاذان قال: اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها، دعوة الحق وكلمة التقوى، فتوفني عليها، واحيني عليها، واجعلني من صالح اهلها عملاً يوم القيامة.\rوقد روي عن ابن عمر- موقوفا- من وجوه اخر.\rوروي عنه مرفوعا من وجه ضعيف.\rقال الدارقطني: الصحيح: موقوف.\rوخرج بقي بن مخلد والحاكم من حديث عفير بن معدان، عن [سليم بن عامر، عن] أبي امامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا نادى المنادي فتحت ابواب السماء واستجيب الدعاء، فمن نزل به كرب او شدة فليتحين المنادي إذا نادى، فليقل مثل مقاله، ثم ليقل: اللهم، رب هذه الدعوة التامة الصادقة الحق المستجابة، والمستجاب لها، دعوة الحق وكلمة التقوى، أحينا عليها، وامتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار اهلها محياُ ومماتاً. ثم يسأل حاجته).\rوعفير ، ضعيف جداً.\rوقوله: (والصلاة القائمة) - أي : التي ستقوم وتحضر.\rوقد خرج البيهقي حديث جابر، ولفظه: (اللهم اني اسالك بحق هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة).\rوهذا اللفظ لا اشكال فيه؛ فان الله سبحانه جعل لهذه الدعوة وللصلاة حقا كتبه على نفسه، لا يخلفه لمن قام بهما من عباده، فرجع الامر إلى السؤال بصفات الله وكلماته.\rولهذا استدل الامام أحمد على ان القران ليس بمخلوق باستعاذة النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمات الله التامة، وقال: انما يستعاذ بالخالق لا بالمخلوق.\rوأمارواية من روي: (اللهم، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)، كما هي رواية البخاري والترمذي وغيرهما، فيقال: كيف جعل هذه الدعوة مربوبة، مع ان فيها كلمة التوحيد، وهي من القرآن، والقرآن غير مربوب ولا مخلوق؟\rوبهذا فرق من فرق من اهل السنة بين افعال الايمان واقواله، فقال: اقواله غير مخلوقة، وافعاله مخلوقة؛ لان اقواله كلها ترجع إلى القران؟\rواجيب عن هذا بوجوه:\rمنها: ان المربوب هو الدعوة إلى الصلاة خاصة، وهو قوله: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، وليس ذلك في القرآن، ولم يرد به التكبير والتهليل. وفيه بعد.\rومنها: ان المربوب هو ثوابها. وفيه ضعف.\rومنها: ان هذه الكلمات من التهليل والتكبير هي من القرآن بوجه، وليست منه بوجهه، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : (( افضل الكلام من القران اربع، وهن من القرآن: سبحانه الله، والحمد الله، ولا اله الا الله، والله اكبر)).\rفهي من القرآن إذا وقعت في اثناء القرآن، وليست منه إذا وقعت من كلام خارج عنه، فيصح ان تكون الكلمات الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبة.\rوقد كره الامام أحمد ان يؤذن الجنب، وعلل بأن في الاذان كلمات من القرآن.","part":4,"page":214},{"id":858,"text":"والظاهر: ان هذا على كراهة التنزيه دون التحريم.\rومن الأصحاب من حملة على التحريم، وفيه نظر؛ فان الجنب لا يمنع من قول: \"سبحان الله، والحمد الله، ولا قوة الا بالله، والله اكبر\" على وجه الذكر، دون التلاوة.\rوسئل إسحاق عن الجنب يجيب المؤذن؟ قال: نعم؛ لانه ليس بقران.\rومنها: ان الرب ما يضاف اليه الشيء، وان لم يكن خلقا لم، كرب الدار ونحوه، فالكلام يضاف إلى الله؛ لانه هو المتكلم به، ومنه بدأ، واليه يعود، فهذا بمعنى اضافته إلى [ربوبية] الله.\rوقد صرح بهذا المعنى الاوزاعي، وقال فيمن قال: (برب القران): ان لم يرد ما يريد الجهمية فلا بأس.\rيعني: إذا لم يرد بربوبيته خلقه كما يريده الجهمية، بل اراد اضافة الكلام إلى المتكلم به.\rوقوله: (ات محمداً الوسيلة)، قد تقدم حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، انه قال: ((ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله، وارجو ان اكون انا هو)).\rوخرج الامام أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال ((سلوا الله لي الوسيلة)). قالوا : يارسول الله، وما الوسيلة؟ قال: ((اعلى درجة من الجنة، لاينالها الا رجل واحد ارجو ان اكون انا)).\rولفظ الامام أحمد: ((إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة))- وذكر باقيه.\rوخرج الامام أحمد من حديث أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((الوسيلة درجة عند الله عز وجل ليس فوقها درجة، فسلوا الله ان يؤتيني الوسيلة)).\rوأما((الفضيلة))، فالمراد - والله اعلم-: اظهار فضيلته على الخلق اجمعين يوم القيامة وبعده، واشهاد تفضيله عليهم في ذلك الموقف، كما قال: ((انا سيد ولد ادم يوم القيامة))، ثم ذكر حديث الشفاعة.\rوقوله : ((وابعثه مقأمامحمودا))، هكذا في رواية البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم.\rوعزا بعضهم إلى النسائي، انه رواه بلفظ: ((المقام المحمود)) بالتعريف، وليس كذلك.\r[وكذلك] وقعت هذه اللفظة بالالف واللام في بعض طرق روايات الاسماعيلي في ((صحيحه)).\rووجه الرواية المشهورة: ان ذلك متابعة للفظ القرآن، فهو اولى، وعلى هذا فلا يكون ((الذي وعدته)) صفة؛ لانه النكرة لا توصف بالمعرفة وان تخصصت، وانما تكون بدلاً، لان البدل لا يشترط ان يطابق في التعريف والتنكير، او يكون منصوباً بعفل محذوف تقديره: ((اعني: الذي وعدته))، او يكون مرفوعاً - خبر مبتدأ محذوف- أي ((هو الذي وعدته)).\rو ((المقام المحمود)):\rفسر بالشفاعة.\rوقد روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم.\rوفسر: بأنه يدعى يوم القيامة ليكسى حلة خضراء، فيقوم عن يمين العرش مقأمالا يقدمه احد، فيغبطه به الاولون والاخرون.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود، ونحوه من حديث كعب بن مالك - أيضا- وكذا روي عن حذيفة- موقوفاً، ومرفوعاً.\rوهذا يكون قبل الشفاعة.\rوفسره مجاهد وغيره بغير ذلك.","part":4,"page":215},{"id":859,"text":"وقوله: ((حلت له شفاعتي)).\rقيل: معناه نالته وحصلت له ووجبت.\rوليس المراد بهذ الشفاعة الشفاعة في فصل القضاء؛ فان تلك عامة لكل احد. ولا الشفاعة في الخروج من النار، ولا بد؛ فانه قد يقول ذلك من لا يدخل النار.\rوانما المراد - ولله اعلم - : انه يصير في عناية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بحيث تتحتم له شفاعته؛ فان كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له [في] اخراجه منها، او في منعه من دخولها. وان لم يكن من اهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب، او في رفع درجته في الجنة.\rوقد سبقت الاشارة إلى انواع شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ((كتاب التيمم)).\r***\r9- باب\rالاستهام في الاذان\rويذكر ان قوما اختلفوا في الاذان، فأقرع بينهم سعد.\rقال عبد الله ابن الامام أحمد: ثنا أبي: ثنا هشيم، قال: ابن شبرمة اخبرنا، قال: تشاح الناس بالقادسية على الاذان، فارتفعوا إلى سعد، فأقرع بينهم.\rوهذا إسناد منقطع.\rقال عبد الله ابن الامام أحمد: سألت أبي عن مسجد فيه رجلان يدعيان انهما احق بالمسجد، هذا يؤذن فيه وهذا يؤذن فيه؟ فقال: إذا استووا في الصلاح والورع اقرع بينهما. وكذلك فعل سعد، فان كان احدهما اصلح[في دينه] فينبغي لهم الا يختصموا.\rفقلت: وان كان احدهما اسن واقدم في هذا المسجد، ينفق عليه ويحوطه ويتعاهده؟ قال: هذا احق به.\rومعنى هذا: انه إذا تشاح في الاذان اثنان، فان امتاز احدهما بمزيد فضل في نفسه فانه يقدم، وهو مراد أحمد بقوله: ((ان كان احدهما اصلح [في دينه] فينبغي لهم الا يختصموا))- يعني: أن الأصلح أحق فلا ينازع-، فإن استووا في الفضل في أنفسهم وامتاز أحدهم بخدمة المسجد وعمارته قدم بذلك وقال أصحابنا: إنه يقدم أحد المتنازعين باختصاصه بصفات الأذان المستحبة فيه، مثل أن يكون أحدهما اندى صوتا وأعلم بالمواقيت ونحو ذلك؛ فإن استووا في الفضائل كلها أقرع بينهم حينئذ، كما فعل سعد.\rوالظاهر: أن مراد أحمد: التنازع في [طلب] الأذان ابتداء، فأمامن ثبت له حق في المسجد، وهو مؤذن راتب فيه، فليس لأحد منازعته، ويقدم على كل من نازعه.\rوقد نقل الشالنجي عن أحمد ما يبين هذا المعنى:\rقال اسماعيل بن سعيد الشالنجي: سألت أحمد عن القوم إذا اختلفوا في الأذان فطلبوه جميعاً؟ فقال: القرعة في ذلك حسن.\rوقال: ثنا هشيم، عن ابن شبرمة، أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد في ذلك.\rقال الشالنجي: قال ابو أيوب-يعني: سليمان بن داود الهاشمي-: إن مات المؤذن وله ولد صالح فهو أحق بالأذان، وإن لم يطلبه، وإن لم يكن بأهل لذلك، وطلبه صلحاء المسجد يقرع بينهم في ذلك.\rوبه قال أبو خيثمة-يعني: زهير بن حرب.\rوقال ابن أبي شيبة في الأذان: على ما جاء: (( يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله))، وكذلك الأذان.\rقال الجوزجاني بعد أن ذكر هذا عن الشالجني-ما معناه-: إن اختلاف الناس يرد إلى السنة.\rثم روى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ((المؤذن مؤتمن)) من طرق.","part":4,"page":216},{"id":860,"text":"وروى حديث حسين بن عيسى، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ليؤذن لكم خياركم)) .\rوقد خرجه ابو داود وابن ماجه.\rوتكلم فيه من جهة الحسين، والحكم - أيضا.\rوفي مراسيل صفوان بن سليم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبني خطمة من الانصار: (( يابني خطمة، اجعلوا مؤذنكم أفضلكم في انفسكم)).\rثم قال الجوزجاني: لا بد ان يكون المؤذن خياراً، وبأن يكون مؤتمناً متبعاً للسنة، فالمبتدع غير مؤتمن. فإن اجتمع هذه الخلال في عدة من اهل المسجد، فإن أحقهم بالأذان أنداهم صوتا.\rثم ذكر حديث عبدالله بن زيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: ((القه على بلال؛ فإنه أندى صوتا منك)). قال: وإنما أظنهما كانا متقاربين في الفضل والامانة، وفضله بلال بالصوت، فلذلك رآه أحق.\rفإذا اجتمع رجال في المسجد وعلاهم رجل ببعض هذه الخصال كان أحق بالاذان، وإذا استوت فيها حالاتهم فالقرعة عند ذلك حسن.\rواشار إلى فعل سعد وعضده بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لو يعلم الناس ما في النداء، ثم لم يجدوا الا ان يستهموا عليه لا ستهموا)).\rثم قال: فأماالاباء والابناء والعصبة في الاذان والامامة، فانا لا نعلم فيه سنة ماضية. والله اعلم. انتهى ما ذكره ملخصاً.\rوخرج ابو داود من رواية غالب القطان، عن رجل، عن أبيه، عن جده، ان رجلا منهم اتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: ان أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وانه سألك ان تجعل الي العرافة بعده؟ فقال: ((ان العرافة حق، ولابد للناس من العرفاء، والعرفاء في النار)).\rوهذا إسناد مجهول.\rولم يذكر انه جعل العرافة له بمجرد كون أبيه عريفاً، والامامة العظمى لا تستحق بالنسب، ولهذا انكر الصحابة على من بايع لولده.\rوقال عبد الرحمن بن أبي بكر. جئتم بها هرقلية، تبايعون لابنائكم!\rوسمع ذلك عائشة والصحابة، ولم ينكروه عليه، فدل على ان البيعة للابناء سنة الروم وفارس، وأماسنة المسلمين فهي البيعة لمن هو افضل واصلح للامة.\rوما تزعمة الرافضة في ذلك فهو نزعة من نزعات المشركين في تقديم الاولاد والعصبات.\rوسائر الولايات الدينية سبيلها سبيل الامامة العظمى في ذلك. والله اعلم.\rوقد روي ما يستدل به من جعل الاذان للابناء بعد ابائهم.\rقال الامام أحمد: ثنا خلف بن الوليد: ثنا الهذيل بن بلال، عن ابن أبي محذورة، عن أبيه- او جده-، قال: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاذان لنا ولموالينا، والسقاية لبني هاشم، والحجابة لبني عبد الدار.\rالهذيل بن بلال، ضعفه ابن معين. وقواه الامام أحمد، وابو حاتم.\rوإسناده مشكوك فيه، ولم يسم ابن أبي محذورة هذا.\rوخرج الامام أحمد والترمذي من رواية أبي مريم، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((الملك في قريش، والقضاء في الانصار، والاذان في الحبشة)).\rوخرجه الترمذي موقوفاً على أبي هريرة، وقال: هو اصح.\rوابو مريم هذا، ليس بالمشهور.","part":4,"page":217},{"id":861,"text":"والمراد بهذا: ان سيد المؤذنين كان من الحبشة، لا انه يتوارثونه بعد بلال، فانه لا يعرف بعده من الحبشة مؤذن.\rوقد يستدل - أيضا- بان ولد أبي محذورة كانوا يتوارثون الاذان بمكة مدة طويلة، وكذلك اولاد سعد القرظ بالمدينة.\rوروى الدار قطني بإسناده عن سعد القرظ، ان عمر دعاه، فقال له: الاذان اليك وإلى عقبك من بعدك.\rوفي الإسناد ضعف.\rقال الشافعي - رحمه الله- وأصحابه: يستحب ان يكون المؤذن مولد بعض من جعل بعض الصحابة الاذان فيهم، ثم الاقرب اليهم فالاقرب.\rوقال الشافعي- أيضا-: إذا تنازع جماعة في الاذان، ولم يكن للمسجد مؤذن راتب اقرع بينهم، وكذا إذا كان له مؤذنون، وتنازعوا في الابتداء، او كان المسجد صغيراً، وادى اختلاف اصواتهم إلى تهويش، فيقرع، ويؤذن من خرجت له القرعة، أماإذا كان هناك راتب، ونازعه غيره، قدم الراتب، وان كان جماعة مرتبون، وامكن اذان كل واحد في موضع من المسجد؛ ولكبره، اذن كل واحد وحده، وان كان صغيراً، ولم يؤد اختلاف اصواتهم إلى تهويش اذنوا جملة واحدة.\rوهذا كله إذا كان التشاح رغبة في فضله وثوابه، فان كان رغبة في الرياسة والتقدم فينبغي ان يؤخر من قصد ذلك ولا يمكن منه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((انا لا نولي عملنا هذا من طلبه او حرص عليه)).\rقال سيفان الثوري: إذا رايت الرجل حريصاً على الامامة فأخره.\rوكذلك إذا كان غرضه اخذ العوض الذي يعطاه اهل الاذان في هذه الازمان، أماممن بيت المال- وقد عدم ذلك -، او من الوقف.\rفان تشاح اثنان: احدهما غرضه ثواب الاذان، والاخر غرضه غرض الدنيا، فلا شك في ان الاول احق.\rوقد قال عثمان بن أبي العاص: ان من اخر ما عهد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ان اتخذ مؤذناً لا يأخذ على اذانه اجراً.\rاخرجه الامام أحمد وابو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.\rوقال: حسن، والعمل عليه عند اهل العلم، كرهوا ان يأخذوا على الاذان اجراً، واستحبوا للمؤذن ان يحتسب في اذانه.\rوروى ابو نعيم: ثنا عمارة بن زاذان، عن يحيى البكاء، قال: كنت اطوف مع سعيد بن جبير، فمر ابن عمر، فاستقبله رجل من مؤذني الكعبة، فقال ابن عمر: والله، اني لابغضك في الله؛ لاخذ الدارهم.\rقال: وثنا المسعودي، عن القاسم- هو: ابن عبد الرحمن-، قال: كان يقال: اربع لا يؤخذ عليهن رزق: قراءة القرآن، والاذان، والقضاء، والمقاسم.\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن عمارة بن زاذان، عن يحيى البكاء، ان ابن عمر قال له رجل في الطواف من مؤذني الكعبة: اني لاحبك في الله. قال: واني لابغضك في الله؛ لتحسينك صوتك لاجل الدراهم.\rقال: معاوية بن قرة: لا يؤذن الا محتسب.\rوروى ابن أبي شيبة: ثنا ابن نمير، عن حلام بن صالح، عن فائد بن بكير، قال: خرجت مع حذيفة إلى المسجد صلاة الفجر، وابن النباح مؤذن الوليد بن عقبة يؤذن، وهو يقول: الله اكبر الله اكبر، اشهد ان لا اله الا الله، اشهد ان لا اله الا الله، يهوي بأذانه يمينا وشمالاً. فقال حذيفة: من يرد الله ان يجعل رزقه في صوته فعل.","part":4,"page":218},{"id":862,"text":"وهذا انما قاله حذيفة على وجه الذم له؛ لانه راه يتمايل في اذانه، كأنه يعجب بحسن صوته، فجعل حذيفة يناكل ذلك، وهذا مثل قول ابن عمر.\rونص الشافعي- في الحديث-: ان الامام ليس له أن يرزق المؤذنين وهو يجد من يؤذن له طوعا ممن له امانة.\rوكذلك قال أصحابنا.\rوقال الشافعي- في القديم-: قد رزقهم امام هدى: عثمان بن عفان.\rوسئل الضحاك عن مؤذن يؤذن بغي اجر فيعطى: هل يأخذ؟ قال: ان عطى من غير مسألة، وكان فقيراً، فلا باس ان يأخذ.\rوظاهر مذهب الامام أحمد: انه لايأخذ على شيء من الاذان اجراً، ونص عليه في الاذان بخصوصه.\rوروي عنه: ان الامام يرزقهم من الفيء، وهو محمول على انه لم يجد من يتطوع بذلك.\rونقل عنه ابن منصور في الذي يقوم للناس في رمضان: أيعطى؟ قال: ما يعجبي ان يأخذ على شيء من الخير اجراً.\rقال: وقال إسحاق بن راهويه: لايسعه ان يؤم على نية اخذ، وان ام ولم ينو شيئا من ذلك، فأعطي او اكرم جاز.\rونقل حرب وغيره عن أحمد: انه يقدم عند [النسا] من رضيه اهل المسجد.\rفحكى القاضي وأصحابه هذه الرواية ثانية عن أحمد؛ لان الحق لهم في ذلك؛ لانهم اعرف بمن يبلغهم صوته، ومن هو اعف عن النظر عند علوة عليهم للاذان.\rوجعل صاحب ((المغني)) رضا الجيران مقدما على القرعة، وانه انما يقرع بعد ذلك.\rوالصحيح: طريقة الاكثرين؛ لان ابا داود نقل عن أحمد: انه لا يعتبر رضا الجيران بالكلية، وانما يعتبر القرعة، فعلم ان رواية ومن وافقه تخالف ذلك.\rولا يعتبر رضا من بني المسجد واختياره-: نص عليه أحمد؛ معللا بأن المسجد لله، ليس للذي بناه.\rيشير إلى انه خرج من ملكه، وصار لله عز وجل.\rوهذا يدل على انه لا [تصرف] له على المسجد الذي بناه.\rوهو المشهور - أيضا- عن الشافعية: ان باني المسجد ليس احق بامامته واذانه من غيره.\rوقال ابو حنيفة وطائفة من الشافعية - كالروياني-: ان من بني المسجد فهو احق بأذانه وامامته، كما ان من اعتق عبداً فله ولاؤه.\rوهذا التشبيه لا يصح؛ لان ثبوت الولاء على العبد المعتق لا يستفيد به الولاية عليه في حياته، والحجر عليه، والانتفاع بماله، وانما يستفيد به رجوع ماله اليه بعد موته؛ لانه لا بد من انتقال مال عنه حينئذ، فالمولى المعتق احق به من غيره من المسلمين؛ لاختصاصه بإنعامه عليه.\rوأماالمسجد، فالمقصود من بنائه انتفاع المسلمين به في صلواتهم واعتكافهم وعباداتهم، والباني له [كبقية] المسلمين في ذلك من غير زيادة.\rفإن شرط باني المسجد عند وقفه له قبل مصيره مسجداً بالفعل انه وولده احق بإمامته واذانه صح شرطه واتبع، وان كان غيرهم اقرأ منهم واندى صوتاً، إذا كان فيهم من يصلح لذلك، وان كان غيره اولى منه-: نص على ذلك: عبيد الله بن الحسن العنبري.\rوهو قياس قول أحمد في صحة الواقف لنفسه ما شاء من غلة الوقف ومنافعه.\rقال البخاري -رحمه الله- :","part":4,"page":219},{"id":863,"text":"615- ثنا عبد الله بن يوسف: ابنا مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول، ثم لا يجدون الا ان يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا اليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا)).\rفقوله: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول)) - يعني: لو يعلمون ما فيهما من الفضل والثواب، ثم لم يجدوا الوصول اليهما الا بالاستهام عليهما- ومعناه: الاقراع- لاستهموا عليهما تنافساً فيهما ومشاحة في تحصيل فضلهما واجرهما.\rوهذا مما استدل به من يرى الترجيح عند التنافس في الاذان بالقرعة، كما سبق.\rوقد قيل: ان الضمير في قوله: (( لا ستهموا عليه)) يعود إلى الصف الاول؛ لانه اقرب المذكورين، ولم يقل: ((عليهما)).\rوالاظهر: انه يعود إلى النداء والصف الاول، كقوله تعالى: { وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ } [التوبة:62].\rوقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الاول إذا استبق اليه اثنان وضاق عنهما وتشاحا فيه، فانه يقرع بينهما.\rوهذا مع تساويهما في الصفات، فإن كان احدهما افضل من الاخر توجه ان يقدم الافضل بغير قرعة، عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ليليني منكم اولوا الاحلام والنهي، ثم الذين يلونهم)).\rخرجه مسلم من حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي مسعود الانصاري، كلاهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد ذكر أصحابنا: انه لو قدم بميتين إلى مكان مسبل من مقبرة مسبلة في ان واحد، فإن كان لاحدهما هناك ميزة من اهل مدفونين عنده او نحو ذلك قدم، وان استويا اقرع بينهما، ولو دفن اثنان في قبر، واستويا في الصفات اقرع بينهما، فقدم إلى القبلة من خرجت له القرعة.\rوفعله معاذ بن جبل- رضي الله عنه- بامرأتين له، دفنهما في قبر.\rوأماان كان ثبت لاحدهما حق التقدم في الصف، فليس لاحد ان يدفعه عنه، ولو كان افضل منه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يقيم الرجل [الرجل] من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا توسعوا)).\rفأن كان السابق إلى الصف غلأمالم يبلغ الحلم جاز تأخيره.\rفعله أبي بن كعب بقيس بن عبادة، وصرح به أصحابنا، وهو ظاهر كلام الامام أحمد، وقول سفيان.\rوكذلك ان قدم رجل عبداً له إلى الصف ثم جاء، فله ان يؤخره ويجلس مكانه.\rوأماان تأخر السابق باختياره، فهل يكره، ام لا؟ فيه قولان، مبنيان على جواز الايثار بالقرب.\rوظاهر كلام الامام أحمد كراهته، حتى في حق الابن مع أبيه، وحكى عنه جوازه- أيضا.\rوعلى القول بالجواز، فلو قام من مكانه ايثاراً لرجل، فسبق اليه غير المؤثر، فهل يستحقه؟ فيه وجهان:\rاحدهما: يستحقه؛ لان المؤثر سقط حقه بزواله عنه.\rوالثاني: لا - وهو اصح-؛ لان من كان احق بمكانه، فله ان يجلس به بنفسه، ويؤثر به غيره.\rوبهذا فسره الامام أحمد، واستحسن ابو عبيد ذلك منه.","part":4,"page":220},{"id":864,"text":"وانما يسقط حقه إذا قام معرضاً عنه؛ ولهذا لو قام لحاجة ثم عاد فهو احق بمجلسه، فكذا إذا قام لايثار غيره.\rوفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لو يعلمون ما في النداء والصف الاول، ولم يجدوا الا ان يستهموا عليه لاستهموا عليه)) : دليل على ان الاذان لا يشرع اعادته مرة بعد مرة، الا في اذان الفجر، كما جاءت السنة به، والا فلو شرعت اعادته لما استهموا، ولاذن واحد بعد واحد.\rوقد صرح بمثل ذلك بعض أصحابنا، وقال: مع التزاحم يؤذن واحد بعد واحد. وهو مخالف للسنة.\rوروي عن عمر، انه اختصم اليه ثلاثة في الاذان، فقضى لاحدهم بالفجر، للثاني بالظهر والعصر، وللثالث بالمغرب والعشاء.\rوقد قيل: ان ابا بكر الخلال خرجه بإسناده، ولم اقف إلى الان عليه.\rولو قيل: انه يؤذن المتشاحون جملة لم يبعد.\rوقد نص أحمد على انه لو اذن على المنارة عدة فلا بأس.\rوقال القاضي ابو يعلى وأصحابه - متابعة للشافعي وأصحابه-: يستحب ان يقتصر على مؤذنين، ولا يستحب ان يزيد على اربعة.\rثم قالوا: ان كان المسجد صغيرا اذن واحد منهم بعد واحد، وان كان كبيراً اذنوا جملة؛ لانه ابلغ في التبليغ والاعلام.\rوقال أصحاب الشافعي: إذا ضاق الوقت والمسجد كبير اذنوا في اقطاره، وان كان صغيرا اذنوا معاً، الا ان تختلف اصواتهم فيؤذن واحد.\rواستدلوا بإذان بلال وابن ام مكتوم، وذاك انما كان في الفجر خاصة، ولا يعرف في غير الفجر، الا في الجمعة من حين زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء.\rوحمل ابن حبيب المالكي الاستهام على الاذان على الوقت المضيق كالجمعة والمغرب.\rيشير إلى انه في الاوقات المتسعة ان يؤذن واحد بعد واحد.\rوقال حرب: قلت لأحمد: فالأذان يوم الجمعة؟ [قال]: إذا اذن على المنارة عدة فلا باس بذلك؛ قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن ام مكتوم، وجاء ابو محذورة وقد اذن رجل قبله فأذن ابو محذورة- أيضا.\rوهذا النص يشعر بأنه يجوز ان يؤذن واحد بعد واحد في غير الفجر، وهذا محمول على جوازه إذا وقع احيانا، لا انه يستحب المداومة عليه، وأمااذان بلال وابن [ام] مكتوم فكان في الفجر، ولم يؤذنا جملة، فلا يدل على الاجتماع على الاذان بحال.\rوقد علل النبي - صلى الله عليه وسلم - اذان بلال، فقال: ((ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم)).\rوهذا المعنى لا يوجد في غير صلاة الصبح، ولا روي في غير الصبح انه اذن علي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين.\rوفي ((الصحيحين)) عن ابن عمر: كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد واحد مؤذنان: بلال وابن ام مكتوم.\rوهذا يستدل به على انه يستحب نصب مؤذنين للمسجد خشية ان يغيب احدهما فيؤذن الاخر؛ لئلا يتعطل الاذان مع غيبته.\rوالذي ذكر الامام أحمد، خرجه ابن أبي شيبة: ثنا حفص، عن الشيباني، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت ابا محذورة جاء وقد اذن أنسان، فأذن هو واقام.\rوهذا فعله ابو محذورة مرة؛ لافتئات غيره عليه بأذانه قبله، ولم يكن مع أبي محذورة مؤذن راتب غيره بمكة.","part":4,"page":221},{"id":865,"text":"قال ابن أبي شيبة: ثنا يزيد من هارون، عن حجاج، عن شيخ من المدينة، عن بعض بني مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: كان ابن ام مكتوم يؤذن ويقيم بلال، وربما اذن بلال واقام ابن ام مكتوم.\rإسناد ضعيف.\rولو صح لكان دليلاً على انهما لم يكونا يجتمعان في اذان واحد في غير صلاة الفجر.\rوروى وكيع في ((كتابه))، عن اسرائيل، عن جابر، عن عامر: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين: بلال وابو محذورة وابن ام مكتوم، فإذا غاب واحد اذن الاخر. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لقد هممت ان اجعل المؤذنين ستة)). قال: فإذا اقيمت الصلاة اشتدوا في الطرق، فاذنوا الناس بالصلاة.\rهذا مرسل ضعيف؛ فان جابراً هو الجعفي.\rوابو محذورة لم يكن يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة.\rوقد خرجه البيهقي، عن الحاكم، عن أبي بكر ابن إسحاق، عن العباس ابن الفضل الاسفاطي، عن أبي بكر بن أبي شيبة: ثنا يحيى، عن اسرائيل عن أبي إسحاق، عن الاسود، عن عائشة، قالت: كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين: بلال، وابو محذورة، وابن ام مكتوم.\rوقال: قال ابو بكر- يعني: ابن إسحاق-: هو صحيح.\rوليس كما قال ابن إسحاق.\rهذا في كتاب ابن أبي شيبة ((المصنف)).\rوالصحيح: حديث وكيع، عن اسرائيل، عن جابر الجعفي، عن الشعبي- مرسلاً.\rوروى الامام أحمد: ثنا اسماعيل: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن الاسود، عن عائشة، قالت: كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤذنان: بلال وعمرو بن ام مكتوم.\rوهذه الرواية اصح.\rوخرج الدارقطني من رواية اولاد سعد القرظ، عن ابائهم، عن جدهم سعد، ان النبي- صلى الله عليه وسلم - قال له: ((يا سعد، إذا لم تر بلالا معي فأذن)).\rوفي إسناده ضعف.\rوفي الحديث: دليل على شرف الاذان وفضله، واستحباب المنافسة فيه لاكابر الناس واعيانهم، وانه لا يوكل إلى اسقاط الناس وسفلتهم، وقد كان الاكابر ينافسون فيه.\rقال: قيس بن أبي حازم: قال عمر: لو كنت اطيق الاذان مع الخليفى لاذنت.\rوقال عبد الله بن الحسن: قال ابن أبي طالب: ما اسى على شيء، الا اني كنت وددت اني كنت سألت للحسن والحسين الاذان.\rوعن سعد بن أبي وقاص، قال: لان اقوى على الاذان (4) الي من ان احج واعتمر واجاهد.\rوعن عمر وابن مسعود- معناه.\rوعن ابن الزبير، قال: وددت ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعطانا النداء.\rوقال النخعي: كانوا يستحبون ان يكون مؤذنيهم فقهاؤهم؛ لانهم ولوا امر دينهم.\rوقال الحسن: قال عمر: لا يستحي رجل ان يكون مؤذنا.\rوقال زاذان: لو يعلم الناس ما في فضل الاذان لاضطربوا عليه بالسيوف.\rوقال شبيل بن عوف، قال عمر: من مؤذنوكم؟ قلنا: عبيدنا وموالينا. قال: ان ذلك لنقص بكم كبير.\rوروى قيس بن أبي حازم، عن عمر- مثله-، قال: وقال: لو اطقت الاذان مع الخليفى لاذنت.","part":4,"page":222},{"id":866,"text":"وقال يحيى ابن أبي كثير: حدثت ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لو علم الناس ما في الاذان لتحاوره)). قال: وكان يقال: ابتدروا الاذان، ولاتبدروا الامامة.\rوقال حماد بن سلمة: ابنا ابو غالب، قال: سمعت ابا امامة يقول: المؤذنون امناء للمسلمين، والائمة ضمناء. قال: والاذان (4) الي من الامامة.\rخرجه البيهقي.\rوممن راى الاذان افضل من الامامة: الشافعي في اصح قوليه، نص عليه في ((الام))، وعلى كراهة الامامة؛ لما فيها من الضمان.\rوهو - أيضا- اصح الروايتين عن أحمد.\rوروى ابو حمزة السكري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((الامام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الائمة واغفر للمؤذنيين)). قالوا: يا رسول الله، تركتنا نتنافس في الاذان، فقال: ((ان من بعدكم زمانا سفلتهم مؤذنوهم)).\rخرجه البراز.\rوقال: لم يتابع عليه ابو حمزة.\rيعني: على الزيادة التي آخره؛ فإن أول الحديث معروف بهذا الإسناد، خرجه أبو داود والترمذي وغيرهما.\rوقال الدارقطني: هذه الالفاظ ليست محظوظة.\rقلت: وقد رويت بإسناد ضعيف، عن يحيى بن عيسى الرملي، عن الأعمش - أيضا.\rذكره ابن عدي.\rوفي إسناد الحديث اختلاف كثير، وقد روي موقوفا على أبي هريرة.\rقال الشافعي في ((الام)): (4) الاذان؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((اللهم اغفر للمؤذنين))، واكره الامامة للضمان، وما على الامام فيها.\rواستدل من رجح الامامة- وهو احد قولي الشافعي، وحكي رواية عن أحمد-: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده كانوا يتولون الامامة دون الاذان.\rواجيب عن ذلك بانهم كانوا مشتغلين عن الاذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرها فيها مقامهم، فلم يتفرغوا للاذان ومراعاة اوقاته؛ ولهذا قال عمر: لو كنت اطيق الاذان مع الخليفي لاذنت.\rوالخليفي: الخلافة.\rوأماالامامة، فلم يكن لهم بد من صلاة وهم ائمة الناس في امور دينهم وديناهم، فلذلك تقلدوا الامامة، ومن قدر على الجمع بين المرتبتين لم يكره له ذلك، بل هو افضل، وكلام عمر يدل عليه، وكان ابن عمر يفعل ذلك.\rوقال مصعب بن سعد: هو من السنة.\rوللشافعية وجه بكراهة الجمع.\rوفي النهي عن الجمع حديث مرفوع: خرجه البيهقي وغيره، وهو غير صحيح.\rوقال الماوردي منهم: للأنسان في الاذان والامامة اربعة احوال: حال يمكنه القيام بهما والفراغ لهما، فالاصل ان يجمع بينهما. وحال يعجز عن الامامة لقلة علمه وضعف قراءته، ويقدر على الاذان لعلو صوته ومعرفته بالاوقات، فالأنفراد له بالاذان افضل. وحال يعجز فيه عن الاذان لضعف صوته وقلة ابلاغه، ويكون قيما بالامامة لمعرفته بأحكام الصلاة وحسن قراءته، فالإمامة له افضل. وحال يقدر على كل واحد منهما ويصلح له، ولا يمكنه الجمع بينهما، فأيهما افضل؟ فيه وجهان.\r***\r10- باب\rالكلام في الاذان\rوتكلم سليمان بن صرد في اذانه.\rوقال الحسن: لا بأس ان يضحك وهو يؤذن ويقيم.","part":4,"page":223},{"id":867,"text":"روى وكيع في ((كتابه)) عن محمد بن طلحة، عن جامع بن شداد، عن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن سليمان بن صرد-وكانت له صحبة-، انه كان يؤذن في العسكر، وكان يأمر غلامه في أذانه بالحاجة.\rوعن الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: لا بأس أن يتكلم في أذانه بالحاجة.\rوروى ابن أبي شيبة من طرق [عن] الحسن، أنه لا بأس أن يتكلم في أذانه بالحاجة، وإقامته.\rوأختلف العلماء في الكلام في الأذان والاقامة على ثلاثة أقوال:\rأحدها: أنه لا بأس به فيهما، وهو قول الحسن والاوزاعي.\rوالثاني: يكره فيهما، وهو قول ابن سيرين والشعبي والنخعي وأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي، ورواية عن أحمد.\rوكلهم جعل كراهة الكلام في الاقامة اشد.\rوعلى هذا، فلو تكلم لمصلحة، كرد السلام وتشميت العاطس، فقال الثوري وبعض أصحابنا: لا يكره.\rوالمنصوص عن أحمد في رواية على بن سعد أنه يكره، وهو قول مالك وأبي حنيفة.\rوقال أصحاب الشافعي: لا يكره، وتركه أولى.\rوكذلك الكلام لمصلحة، فإن كان لغير مصلحة كره.\rوقال إسحاق: إن كان لمصلحة غير دنيوية كرد السلام والامر بالمعروف فلا يكره، والا كره، وعليه حمل ما فعله سليمان بن صرد.\rووافق ابن بطة من أصحابنا قول إسحاق، إن كان لمصلحة.\rورخص في الكلام في الأذان عطاء وعروة.\rوالقول الثالث: يكره في الاقامة دون الاذان، وهو المشهور عن أحمد، والذي نقله عنه عامة أصحابه، واستدل بفعل سليمان بن صرد.\rوقال الاوزاعي: يرد السلام في الاذان، ولم يرده في الاقامة.\rوقال الزهري: إذا تكلم في اقامته يعيد.\rالفرق بينهما: ان مبنى الاقامة على الحدر والاسراع، فالكلام ينافي ذلك. ومتى كان الكلام يسيرا بنى عليه ما مضى من الاذان والاقامة عند جمهور العلماء ، الا ماسبق عن الزهري في الاقامة. وروي عنه مثله في الاذان- أيضا.\rووافقه بعض أصحابنا في الكلام المحرم خاصة، الاذان والاقامة.\rوان طال الكلام بطل ما مضى، ووجب عليه الاستئناف عند الاكثرين؛ لانه يخل بالمولاة في الاذان، ولا يحصل به الاعلام؛ لانه يظن متلاعباً.\rوللشافعي قولان في ذلك.\rوحاصل الامر: ان الكلام في الاذان شبيه بكلام الخاطب في خطبته.\rوالمشهور عن الامام أحمد، انه لا يكره الكلام للخاطب، وانما الكراهة للسامع.\rوذهب كثير من العلماء إلى التسوية بينهما.\rوأماما حكاه البخاري عن الحسن من الضحك في الاذان والاقامة، فمراره: ان الضحك في الاذان والاقامة لا يبطلهما، كما يبطل الصلاة، ولا باس بالاذان والاقامة وان وقع في اثنائها ضحك، غلب عليه صاحبه، ولم يرد انه لاباس ان يتعمد المؤذن الضحك في اذانه واقامته؛ فان ذلك غفلة عظيمة منه عن تدبر ما هو فيه من ذكر الله، وقد كان حال الحسن على غير ذلك من شدة تعظيم ذكر الله في الاذان وغيره والخشوع عند سماعه.\rوقد روى ابن أبي الدنيا في \"كتاب الرقة والبكاء\" بإسناده، عن يحيى البكاء، عن الحسن، قال: إذا اذن المؤذن لم تبق دابة بر ولا بحر الا اصغت واستعمت. قال: ثم بكى الحسن بكاء شديداً.","part":4,"page":224},{"id":868,"text":"وبإسناده، عن أبي عمران الجوني، انه كان إذا سمع الاذان تغير لونه، وفاضت عيناه.\rوعن أبي بكر النهشلي نحو - أيضا-، وانه سئل عن ذلك، فقال: اشبهه بالصريخ يوم العرض، ثم غشى عليه.\rوحكى مثل ذلك من غيره من الصالحين- أيضا.\rوعن الفضيل بن عياض، أنه كان في المسجد، فأذن المؤذن، فبكى حتى بل الحصى، ثم قال: شبهته بالنداء، ثم بكى.\rولكن إذا غلب الضحك على المؤذن في اذانه بسبب عرض له لم يلم على ذلك، ولم يبطل اذانه.\rوقد روى عن علي، انه كان يوماً على المنبر، فضحك ضحكاً ما رئي ضحك اكثر منه، حتى بدت نواجذه، ثم قال: ذكرت قول أبي طالب لما ظهر علينا، وانا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نصلي معه ببطن نخلة، فقال: مإذا تصنعان يا بن اخي؟ فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الاسلام، فقال: ما بالذي تصنعان بأس، ولكن والله لا تعلوني استي ابداً، فضحك تعجباً لقول أبيه.\rخرجه الامام أحمد بإسناد فيه ضعيف.\rقال البخاري - رحمه الله- :\r616- حدثنا مسدد: ثنا حماد، عن ايوب وعبد الحميد صاحب الزيادي وعاصم الاحول، عن عبد الله بن الحارث، قال: خطبنا ابن عباس في يوم رزغ، فلما بلغ المؤذن: ((حي على الصلاة)) فأمره ان ينادي ((الصلاة في الرحال))، فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقال: فعل هذا من هو خير منه، وانها عزمة.\r((الرزغ)): بالزاي والغين المعجمة، هو : الرحل. يقال: ارزغت السما إذا بلت الارض. ويقال له - أيضا- : ((الردغ)) بالدال المهملة.\rوقيل: ان الرزغ- بالزاي- اشد من الردغ. وقيل : هما سواء.\rقال الخطأبي: الرزغة: وحل شديد ، وكذلك الردغة. ورزغ الرجل[إذا ارتكم] في الوحل، فهو رزغ.\rوقد خرجه البخاري - أيضا- في ((باب: هي يصلي الامام بمن حضر، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر ؟)) عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، عن حماد، عن عبد الحميد و عاصم خاصة، وفصل حديث احدهما من حديث الاخر.\rوفي حديث عبد الحميد عنده: قال: كأنكم انكرتم هذا، ان هذا فعله من هو خير مني- يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرجه- أيضا- في ((كتاب الجمعة)) من طريق ابن علية، عن عبد الحميد، قال: انا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين: قال ابن عباس كمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: ((اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمد رسول الله))، فلا تقل: ((حي على الصلاة)). قل: ((صلوا في بيوتكم))، فكأن الناس استنكروا، فقال: قد فعله من هو خير مني.\rوفي هذه الرواية: زيادة على ما قبلها من وجهين:\rاحدهما: انه نسب فيها عبد الله بن الحارث هذا: هو الانصاري البصري نسيب ابن سيرين وختنه على اخته.\rوكذا وقع في ((سنن أبي داود)) - أيضا.\rوفي ((سنن ابن ماجه)) من رواية عباد المهلبي، عن عاصم الاحول، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل.\rوابن نوفل هذا، هو: الهاشمي، ويلقب ((ببه))، وكلاهما ثقة، مخرج له في ((الصحيحين)). فالله اعلم.\rوالثاني: ان في هذه الرواية: ان ابن عباس نهى المؤذن ان يقول: ((حي على الصلاة))، وامره ان يبدلها في قوله: ((صلوا في بيوتكم)).","part":4,"page":225},{"id":869,"text":"وقد خرجهما مسلم - أيضا- كذلك.\rوعلى هذه الرواية، فلا يدخل هذا الحديث في هذا الباب، بل هو دليل على ان المؤذن يوم المطر مخير بين ان يقول: ((حي على الصلاة حي على الفلاح))، وبين ان يبدل ذلك بقوله: ((صلوا في رحالكم او بيوتكم))، ويكون ذلك من جملة كلمات الاذان الاصلية في وقت المطر.\rوهذا غريب جداً ، اللهم الا ان يحمل على انه امره بتقديم هذه الكلمات على الحيعلتين، وهو بعيد مخالف لقوله: لا تقل: ((حي على الصلاة))، بل ((صلوا في بيوتكم)).\rوالذي فهمه البخاري: ان هذه الكلمة قالها بعد الحيعلتين او قبلهما، فتكون زيادة كلام في الاذان لمصلحة، وذلك غير مكروه كما سبق ذكره؛ فإن من كره الكلام في اثناء الاذان انما كره ما هو اجنبي منه، ولا مصلحة للاذان فيه.\rوكذا فهمه الشافعي؛ فإنه قال في كتابه: إذا كانت ليلة مطيرة، او ذات ريح و ظلمة يستحب ان يقول المؤذن إذا فرغ من اذانه: ((الا صلوا في رحالكم)) فإن قاله في اثناء الاذان بعد الحيعلة فلا بأس.\rوكذ قال عامة أصحابه، سوى أبي المعالي؛ فإنه استبعد ذلك اثناء الاذان.\rوأماابدال الحيعلتين بقوله: ((الا صلوا في الرحال))، فانه اغرب واغرب.\rوفي الباب - أيضا- عن نعيم بن النهام.\rخرجه الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق: أبنا معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن شيخ قد سماه، عن نعيم بن النحام، قال: سمعت مؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة باردة، وانا في لحافي، فتمنيت ان يقول: ((صلوا في رحالكم)، فلما بلغ حي على الفلاح، قال: ((صلوا في رحالكم))، ثم سألت عنها، فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - امره بذلك.\rفي إسناده مجهول.\rوله طريق اخر: خرجه الامام أحمد - أيضا-: ثنا علي بن عياش: ثنا اسماعيل بن عياش: ثنا يحيى بن سعيد: اخبرني محمد بن يحيى بن حبان، عن نعيم بن النحام، قال: نودي بالصبح في يوم بارد، وانا في مرط امراتي، فقلت : ليت المنادي قال: ((ومن قعد فلا حرج عليه)) ، فإذا منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - في اخر اذانه قال: ((ومن قعد فلا حرج عليه)).\rوخرجه ابو القاسم البغوي في ((معجم الصحابة)) من رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن نعيم، به- بنحوه، ولم يقل: ((في اخر اذانه)).\rوقال: هو مرسل.\rيشير إلى ان محمد بن ابراهيم التيمي لم يسمع من نعيم.\rورواية سليمان بن بلال عن يحيى اصح من رواية اسماعيل بن عياش؛ فان اسماعيل لا يضبط حديث الحجازيين، فحديثه عنهم فيه ضعف.\rوخرجه البيهقي من رواية عبد الحميد بن أبي العشرين، عن الاوزاعي عن يحيى بن سعيد، ان محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي حدثه، عن نعيم ابن النحام- فذكر الحديث بنحوه، وقال فيه: فلما بلغ: ((الصلاة خير من النوم))، قال: ((ومن قعد فلا حرج)).\rوروى سفيان بن عيينة، [عن عمرو بن دينار]، عن عمرو بن أوس: انبأنا رجل من ثقيف، انه سمع منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - في ليلة مطيرة في السفر-، يقول: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح ، صلوا في رحالكم)).\rخرجه النسائي.","part":4,"page":226},{"id":870,"text":"وقد روى عبيد الله والليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، انه كان ربما زاد في اذانه: ((حي على خير العمل)).\r11-باب\rاذان الاعمى إذا كان له من يخبره\r617- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ان بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن ام مكتوم))، وكان رجلاً اعمى، لاينادي حتى يقال له: اصبحت، اصبحت.\rكذا روى القعنبي هذا الحديث عن مالك، ووافقه ابن أبي اويس وابن مهدي وعبد الرزاق وجماعة.\rوهو في ((الموطا)) عن ابن شهاب، عن سالم- مرسلاً، وكذا رواه الشافعي والاكثرون عن مالك.\rورواه سائر أصحاب الزهري، عنه، عن سالم، عن أبيه- مسنداً.\rوقد خرجه مسلم من رواية الليث ويونس، عن ابن شهاب كذلك، ولم يخرجه من طريق مالك.\rورواه معمر وابن إسحاق، عن الزهري، عن ابن المسيب مرسلاً- أيضا.\rوقوله في اخر الحديث: ((وكان رجلا اعمى)) قد ادرجه القعنبي في روايته عن مالك في حديثه الذي خرجه عنه البخاري، وكذا رواه ابو مسلم الكجي عن القعنبي.\rوكذا رواه عبد العزيز بن [أبي] سلمة بن الماجشون، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وادرجه في الحديث.\rوخرج الباري حديثه في موضع اخر.\rوالحديث في ((الموطا))، كله، عن ابن شهاب، عن سالم- مرسلاً، فالذي في اخره يكون من قول سالم حينئذ.\rوقد بين جماعة من رواة ((الموطا)) انه من قول ابن شهاب، منهم: يحيى ابن يحيى الاندلسي.\rوقد رواه الجماعةمن القعنبي، عن مالك، فأسندوا الحديث، وجعلوا قوله: ((وكان رجلا اعمى))- إلى اخره من قول الزهري، منهم: عثمان بن سعيد الدارمي والقاضي اسماعيل وابو خليفة الفضل بن الحباب وإسحاق بن الحسن.\rوروى هذا الحديث ابن وهب، عن الليث ويونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه- فذكر الحديث، وزاد: قال يونس في الحديث: وكان ابن ام مكتوم هو الاعمى الذي انزل الله فيه { عبس وتولى } [عبس:1] ، كان يؤذن مع بلال. قال سالم: وكان رجلاً ضرير البصر، ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: اذن.\rخرجه البيهقي وغيره.\rوخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنان: بلال وابن ام مكتوم الاعمى.\rوعن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة - مثله.\rومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان ابن ام مكتوم يؤذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو اعمى.\rكذا خرجه من رواية محمد بن جعفر، عن هشام.\rورواه وكيع وابو اسامة، عن هشام، عن أبيه - مرسلاً.\rومقصود البخاري: الاستدلال بحديث ابن عمر على ان اذان الاعمى غير مكروه، إذا كان له من يخبره بالوقت، وسواء كان البصير المخبر له مؤذنا معه، كما كان بلال وابن ام مكتوم، أو كان موكلا باخباره بالوقت من غير تأذين.\rوهذا هو قول اكثر العلماء، منهم: النخعي والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وابو ثور.","part":4,"page":227},{"id":871,"text":"وان لم يكن معه بصير يخبره بالوقت كره اذانه، ولو كان عارفا بالوقت بنفسهِ.\rقال القاضي من أصحابنا: لان معرفته بنفسه يعمل بها في حق نفسه دون غيره.\rوقال ابن أبي موسى من أصحابنا: لا يؤذن الاعمى الا في قرية فيها مؤذنون، فيؤذن بعدهم، وان كان في قرية واحدة لم يؤذن حتى يتحقق دخول الوقت.\rوقالت طائفة: يكره اذان الاعمى، روى عن أبي مسعود وابن الزبير.\rوعن ابن عباس، انه كره اقامته.\rوحكى الامام أحمد عن الحسن، انه كره اذان الاعمى.\rو هو قول أبي حنيفة وأصحابه.\rوحكاه القاضي ابو يعلى رواية عن أحمد، وتأولها على انه لم يكن معه ما يهتدي به.\rقال ابن عبد البر: وفي الحديث دليل على جواز شهادة الاعمى على ما استيقنه من الاصوات، الا تري انه كان إذا قيل له- يعنى: ابن ام مكتوم -: اصبحت قبل ذلك، وشهد عليه، وعمل به. انتهى.\rوقبول شهادة الاعمى على ما يتقينه من الاصوات مذهب مالك وأحمد، وروي عن شريح وكثير من السلف.\rومنع منها ابو حنيفة والشافعي.\rومن قال بقولهما، [فرق] بين الاذان والشهادة: بأن الاذان خبر ديني، يعم حكمه المخبر وغيره، فهو كراوية الاعمى للحديث الذي يسمعه وهو اعمى، بخلاف الشهادة، فانه حق لادمي معين فيحتاط لها.\r***\r12- باب\rالأذان بعد الفجر\rفيه ثلاثة أحاديث:\rالحديث الأول:\r618- ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أخبرتني حفصة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اعتكف المؤذن للصبح، وبدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة.\rكذا في هذه الرواية: ((إذا اعتكف المؤذن للصبح))، ولعل المراد باعتكافه للصبح جلوسه للصبح ينتظر طلوع الفجر، وحبسه نفسه لذلك.\rويدل على هذا المعنى: ماخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر، فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم، إني أحمدك واستعينك على قريش ان يقيموا دينك، ثم يؤذن . قالت: ما علمته كان تركها ليلة واحدة- [تعني]: هذه الكلمات.\rوالمعروف في حديث حفصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة.\rكذا خرجه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وكذا هو في ((الموطإ)) .\rوليس في هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر؛ فإنها قالت: ((كان إذا سكت المؤذن وبدا الفجر صلى))، فلم تذكر أنه [كان] يصلي إلا بعد فراغ الأذان بعد طلوع الفجر، وهذا يشعر بأنه كان الأذان قبل الفجر، وإلا لم تحتج إلى ذكر طلوع الفجر مع الأذان.\rوقد خرج مسلم الحديث من رواية الليث بن سعد وأيوب وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، كما رواه مالك.\rوخرجه النسائي من طرق أخرى ، عن نافع كذلك.","part":4,"page":228},{"id":872,"text":"ورواه عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أذن المؤذن للفجر صلى ركعتين، وكان لا يؤذن إلا بعد الفجر.\rذكره أبو بكر الأثرم.\rوقال: رواه الناس عن نافع، لم يذكروا ما ذكره عبد الكريم.\rوخرجه ابن عبد البر بإسناده، ولفظ حديثه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أذان الصبح صلى ركعتين، ثم خرج إلى المسجد، وحرم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يصبح.\rقلت: لعل هذه الزيادة مدرجة فيه.\rوقد رواها عبيد الله بن عمر، عن نافع- من قوله.\rخرجه ابن أبي شيبة.\rولو كان هذا محفوظاً حمل على أذان ابن أم مكتوم، كما في حديث ابن عمر في الباب الماضي.\rالحديث الثاني:\r619- ثنا أبو نعيم: ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح.\rوخرجه مسلم من طريق هشام، عن يحيى- وهو: ابن أبي كثير- ،[به].\rوليس صريحاً في أن الأذان كان بعد طلوع الفجر؛ فإنه إذا كان يؤذن قبل طلوع الفجر، ثم يمهل حتى يطلع الفجر، ثم يصلي ركعتين ، فقد صلى عليه أنه صلى بين النداء والإقامة.\rوقد رواه جماعة عن يحيى بن أبي كثير بهذا اللفظ.\rورواه معاوية بن سلام، عن يحيى، ولفظه: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - إذا سمع الصبح قام فركع ركعتين خفيفتين.\rخرجه النسائي.\rورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبري،عن أبي سلمة ، عن عائشة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع النداء قام فصلى ركعتين حتى يأتيه، فيخرج إلى الصلاة.\rوأصرح من هذا: ما خرجه البخاري في آواخر ((كتاب الصلاة)) من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين.\rخرجه مسلم من طريق عبدة، عن هشام، ولفظه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما.\rورواه- أيضا- ابن نمير ومحمد بن جعفر بن الزبير، عن هشام كذلك.\rوليس صريحاً- أيضا-؛ فقد وردت روايات أخر عن عائشة تدل على انه كان بعد النداء يؤخر الركعتين تارة حتى يتبين له الفجر، وتارة حتى يتوضأ.\rفخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر ،وجاءه المؤذن أقام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة.\rوخرجه- أيضا- من طريق يونس، عن ابن شهاب، غير أنه لم يذكر: ((وتبين له الفجر وجاءه المؤذن))، ولم يذكر: الإقامة.","part":4,"page":229},{"id":873,"text":"وخرج -أيضا- من طريق أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام أول الليل ويحيى آخره، ثم إن كان له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول وثب فإفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنبا توضأ وضوء الرجل للصلاة، ثم صلى الركعتين.\rوهذا هو الحديث الذي فيه ((أنه ينام ولا يمس ماء)) ، وقد استنكره الأئمة كما سبق ذكره في (( أبواب: غسل الجنابة))، غير أن مسلماً أسقط منه هذه اللفظة.\rوقد خرجه البخاري مختصراً، وعنده: ((وإلا توضأ)).\rوخرج الأثرم: روى الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين.\rقلت: هذا خرجه أبو داود هكذا.\rثم قال الأثرم: رواه الناس عن الزهري، فلم يذكروا فيه ما ذكر الأوزاعي، وسمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد- يضعف رواية الأوزاعي عن الزهري.\rقلت: لم يتفرد الأوزاعي بهذا عن الزهري، بل قد تابعه عليه يونس، وتابعه عمرو بن الحارث، وزاد في حديثه: ((وتبين له الفجر))، كما خرجه مسلم من حديثهما.\rورواية عمرو بن الحارث تدل على أنه كان يؤخر صلاة الركعتين عن الآذان حتى يتبين له الفجر، ورواية يونس والأوزاعي إن كانت على ظاهرها فهي محمولة على أنه كان يصلي عقب أذان ابن أم مكتوم الثاني، وكان لا يؤذن حتى يقال: أصبحت، أصبحت.\rورواه عقيل وابن أبي ذئب- أيضا-، عن الزهري، كما رواه الأوزاعي.\rورواه ابن الهاد، عن الزهري كذلك، غير أنه زاد فيه: ((بعد ان يستنير الفجر)).\rورواه عمر بن عثمان، عن أبيه، عن الزهري، ولفظه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر بعدما يتبين الفجر قام فصلى ركعتين من قبل صلاة الصبح.\rورواه شعيب، عن الزهري، ولفظه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يتبين الفجر.\rخرجه البخاري. وسيأتي قريباً- إن شاء الله .\rورواه المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع التثويب صلى ركعتين ، ثم خرج.\rالحديث الثالث:\r620- ثنا عبد الله بن يوسف: أبنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)).\rكذا خرج في ((الموطإ)) هذا الحديث . وخرجه الإسماعيلي في ((صحيحه)) من طريق عن مالك.\rوخرجه من طريق عبد الله بن يوسف، وزاد فيه: وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى ، لا ينادي حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت.\rوزعم أن تخريج هذا الحديث في ((باب: أذان الأعمى)) كان أولى؛ لأنه زعم أن هذه الزيادة فيه من قول ابن عمر ومالك مدرجة.","part":4,"page":230},{"id":874,"text":"وهذا الذي قاله ليس بشيء، وهذه الزيادة في حديث عبد الله بن دينار ما أراها محفوظة عن مالك بالكلية، والظاهر ان بعض الرواة اشتبه عليه حديث عبد الله بن دينار بحديث سالم المتقدم. والله اعلم.\rوقد رواه- أيضا شعبة، عن عبد الله بن دينار، بدون هذه الزيادة-أيضا.\rوقد روي عن مالك بهذه الزيادة من وجه آخر: رواه حرملة، عن ابن وهب والشافعي، كلاهما عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم))، وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى، لا ينادي حتى يقال: أصبحت، اصبحت.\rخرجه الطبراني، وذكر أنه تفرد به حرملة، ولا يرويه عن مالك غير الشافعي وابن وهب، وعنده: أن هذه الزيادة في آخره من رواية الشافعي وحده.\rوذكر ابن أبي حاتم أن أباه حدثه عن حرملة، عن ابن وهب وحده بهذه الزيادة، وقال: قال أبي : هذا منكر بهذا الإسناد.\rوبكل حال؛ فتحمل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الأذان على أذان ابن ام مكتوم الثاني، إلا أن في حديث عائشة ما يدل على [أنه] الأذان الأول في عدة روايات، فيحمل ذلك على أنه كان يصلي بين الأذانين إذا تبين له الفجر قبل أذان ابن أم مكتوم، بدليل رواية من روى أنه كان يصلي إذا سكت المؤذن وتبين له الفجر.\rوقد روى جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين بني النداءين، لم يكن يدعهما ابداً.\rخرجه البخاري.\rوالمراد: بين النداء والإقامة.\rوقد رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وذكر في حديثه: أنه كان يصلي ركعتين الفجر بين الأذان والإقامة، كما سبق.\rفتعين حمل ذلك على الأذان الثاني، ولا بد.\rوقد روى بعضهم حديث عراك، وزاد فيه بعد قوله: يصلي ركعتين بين النداءين: ((جالساً)).\rخرجه ابو داود.\rولفظه: ((جالساً)) غير محفوظة.\rوإنما كان يصلي ركعتين جالساً بعد وتره، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة.\rومما يدل على هذا- أيضا-: حديث ابن عمر المخرج في ((الصحيحين)) من طريق أنس بن سيرين ، عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة كأن الأذان بأذنيه.\rزاد البخاري: قال حماد بن زيد: أي : بسرعة.\rوروي الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن أبن عباس، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي [ركعتي] الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما .\rخرجه النسائي.\rوقال: هذا حديث منكر.\rقلت: نكارته من قبل إسناده، وروايات الأعمش عن حبيب فيها منكرات؛ فإن حبيب بن أبي ثابت إنما يروي هذا الحديث عن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، عن أبيه، عن جده.\r[وخرج أبو داود] من حديث كريب، عن الفضل بن عباس-، أنه نام ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لينظر كيف صلاته، [فذكر صلاته] ووتره، ثم قام فنادى المنادي عند ذلك، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما سكت المؤذن ، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم جلس حتى صلى الصبح.","part":4,"page":231},{"id":875,"text":"فهذه الأحاديث المخرجة في هذا الباب كلها ليس فيها دلالة صريحة على ان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤذن له إلا بعد طلوع الفجر، وغاية ما يدل بعضها على أنه كان يؤذن له بعد طلوع الفجر، وذلك لا ينفي أن يكون قد أذن قبل الفجر اذان أول.\rوالأحاديث التي فيها أن بلالاً كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قوية، ويمكن ان تحمل- على تقدير ثبوتها- على أنه كان يؤذن بعد طلوع الفجر الأول، وقبل طلوع الفجر الثاني.\rويدل على ذلك: ما روى ابن وهب، قال: حدثني سالم بن غيلان، أن سليمان بن أبي عثمان التجيبي حدثه، عن حاتم بن عدي الحمصي، عن أبي ذر، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة- فذكر الحديث- قال: ثم أتاه بلال للصلاة، فقال: ((أفعلت.)) فقال: نعم. قال: ((إنك يا بلال مؤذن إذا كان الصبح ساطعاً في السماء، وليس ذلك الصبح، إنما الصبح هكذا إذا كان معترضاً))، ثم دعا بسحوره فتسحر.\rخرجه بقي بن مخلد في ((مسنده)) ويونس بن يعقوب القاضي في ((كتاب الصيام)).\rوخرجه الإمام أحمد - بمعناه من رواية رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن سالم بن غيلان. ومن طريق ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان- أيضا.\rوقد اختلف في هذا الإسناد:\rفقال البخاري في ((تاريخه)) : هو إسناد مجهول.\rوقال الدارقطني- فيما نقله عنه البرقاني- في هؤلاء الثلاثة: سالم وسليمان وحاتم: مصريون متروكون، وذكر أن رواية حاتم، عن أبي ذر لا تثبت.\rوخالفه في ذلك آخرون:\rأماحاتم، فقال العجلي: تابعي حمصي شامي، ثقة.\rوأماسليمان بن أبي عثمان التجيبي، فقال أبو حاتم الرازي: هو مجهول.\rوأماسالم بن غيلان، فمشهور ، روى عنه جماعة من أهل مصر. وقال أحمد وأبو داود والنسائي: لا بأس به. وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن حبان: ثقة.\rفلم يبق من هؤلاء من لا يعرف حاله سوى سليمان بن أبي عثمان.\rوقد عضد هذا الحديث: ما خرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث سمرة ابن جندب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا هذا البياض- لعمود الصبح- حتى يستطير)).\rوحديث ابن مسعود، وقد خرجه البخاري في الباب الآتي.\rوفي النهي عن الأذان قبل الفجر أحاديث أخر، لا تصح:\rفروى جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال، ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا))، ومد يديه عرضاً.\rخرجه أبو داود.\rوقال: شداد لم يلق بلالاً.\rقال أبو بكر الأثرم: هو إسناد مجهول منقطع.\rيشير إلى جهالة شداد، وأنه لم يلق بلالاً.\rوقد خرجه أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) : ثنا جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض، قال: بلغني ان بلالاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره.\rوروى [ أبو داود، عن] حماد بن سلمة، عن ايوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن بلالاً أذن بليل، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي، ألا إن العبد نام.\rوقال: تفرد به حماد.","part":4,"page":232},{"id":876,"text":"وذكر أن الدراوردي روى عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان لعمر مؤذن ، يقال له: مسروح- فذكر نحوه.\rوقال: هذا أصح من ذلك.\rيعني: أنه موقوف على عمر، وأن حماد بن سلمة وهم في رفعه.\rوحكى الترمذي عن علي بن المديني، أنه قال: هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة.\rوكذا قال الترمذي: هو غير محفوظ.\rوكذلك انكره الإمام أحمد على حماد.\rوقال أبو حاتم الرازي: حديث حماد خطأ. والصحيح: عن نافع ، عن ابن عمر، أن عمر أمر مسروحاً.\rقال: ورواه ابن أبي محذورة، عن عبد العزيز أبي رواد ، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً- أيضا-، وابن أبي محذورة شيخ.\rوقال محمد [بن] يحيى الذهلي: هو حديث شاذ، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر.\rيعين: أنهم رووا عنه حديث: ((إن بلالاً يؤذن بليل)).\rوقال الشافعي: رأينا أهل الحديث من أهل العراق لا يثبتون هذا الحديث، ويزعمون أنها ضعيفة، لا يقوم بمثلها حجة على الانفراد.\rوقال الأثرم: هذا الحديث [خطأ] معروف من خطإ حماد بن سلمة.\rوقال الدارقطني: أخطأ فيه حماد بن سلمة. وتابعه سعيد بن زربي- وكان ضعيفاً-، روياه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر. والمحفوظ: عن أيوب، عن ابن سيرين أو حميد بن هلال، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال هذا. قال : ولا يقوم بالمرسل حجة.\rقلت: روايات حماد بن سلمة عن أيوب غير قوية.\rقال أحمد: أسند عن ايوب[ احاديث لا يسندها الناس عنه .\rوقال مسلم: حماد يخطئ في حديث أيوب كثيراً.\rوقد خولف في رواية هذا عن أيوب، فرواه معمر، عن أيوب] - مرسلاً.\rخرجه عبد الرزاق، عنه.\rوأماحديث عبد العزيز بن أبي رواد، فقد روي عنه متصلاً كما تقدم من رواية ابن أبي محذورة عنه.\rوتابعه عامر بن مدرك.\rقال الدارقطني: هو وهم، والصواب: رواية شعيب بن حرب، عن عبد العزيز، عن نافع، عن مؤذن لعمر، يقال له : مسروح، أن عمر أمره بذلك.\rوذكر أبو داود ان حماد بن زيد رواه عن عبيد الله ، عن نافع أو غيره، أن مؤذنا لعمر يقال له : مسروح- فذكره.\rوذكر الترمذي، ان ابن أبي رواد رواه، عن نافع، ان عمر أمر بذلك.\rقال: هذا لا يصح؛ لأنه منقطع.\rوقال البيهقي في حديث ابن أبي رواد المتصل: إنه ضعيف لا يصح، والصواب: رواية شعيب بن حرب.\rوقال ابن عبد البر: الصحيح: أن عمر هو الذي أمر مؤذنه بذلك.\rوقد روي من حديث قتادة، عن أنس- نحو حديث حماد بن سلمة.\rوالصحيح: أنه عن قتادة مرسل-: قاله الدارقطني.\rوروي من حديث الحسن، عن أنس- أيضا- بإسناد لا يصح.\rوالنهي عن الأذان قبل طلوع الفجر قد روى عن عمر، كما سبق، وعن علي.\rقال أبو نعيم: ثنا إسرائيل، عن فضل بن عمير، قال: كان لعلي مؤذن، فجعل علي معه مؤذناً آخر؛ لكيلا يؤذن حتى ينفجر الفجر.\rوهذا منقطع.\rوروى وكيع: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما كانوا يؤذنون حتى يصبحون.\rوخرج الإمام أحمد من رواية يونس، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال: قلت لعائشة: متى توترين؟ قالت: ما أوتر حتى يؤذن ، وما يؤذن حتى يطلع الفجر.","part":4,"page":233},{"id":877,"text":"وعن شريك، عن علي بن علي،عن إبراهيم ، قال: سمع علقمة مؤذناً يؤذن بليل، فقال: لقد خالف هذا سنة أصحاب محمد.\rوإلى هذا القول ذهب الكوفيون، منهم: أبو الأحوص صاحب ابن مسعود، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، والحسن بن صالح.\rوروى ابن أبي شيبة من طريق حجاج، عن طلحة، عن سويد-هو: ابن علقمة-، عن بلال، انه كان لا يؤذن حتى ينشق الفجر.\rوعن حجاج، عن عطاء، عن أبي محذورة، انه أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأبي بكر وعمر، فكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر.\rحجاج، هو: ابن أرطأة:\rقال الاثرم: هذا ضعيف الإسناد.\rوقال ابن أبي شيبة: ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، قال: قلت لنافع: إنهم كانوا ينادون قبل الفجر؟ قال: ما كان النداء الا مع الفجر.\r* * *","part":4,"page":234},{"id":878,"text":"13- باب\rالاذان قبل الفجر\rفيه حديثان:\rالاول:\rقال:\r621- ثنا أحمد بن يونس: ثنا زهير: ثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((لا يمنعن [أحدكم - أو] أحدا منكم-أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل-أو ينادي بليل- ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر أو الصبح))-وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا. وقال زهير: بسبابته إحدهما فوق الاخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله.\rقال علي بن المديني: إسناده جيد، ولم نجده عن ابن مسعود إلا من هذا الطريق.\rوقوله: ((ليرجع قائمكم)).\rقال الحافظ ابو موسى المديني: لفظ لازم ومتعد، يقال: رجعته فرجع، وكان المحفوظ ((قائمكم)) بالرفع، ولو روي ((قائمكم)) بالنصب؛ ليلائم ((نائمكم)) لم نخطئ روايه، ويكون ((يرجع)) حينئذ متعديا كلفظ: ((يوقظ)).\rوفسر رجوع القائم: بأن المصلي يترك صلاته، ويشرع في وتره، ويختم به صلاته، وهذا مما استدل به من يقول: ان وقت النهي عن الصلاة يدخل بطلوع الفجر كما سبق.\rفذكر لأذانه قبل الفجر فائدتين:\rاحدهما: اعلام القائم المصلي بقرب الفجر.\rوهذا يدل على انه كان يؤذن قريبا من الفجر، وقد ذكرنا في الباب الماضي، انه كان يؤذن إذا طلع الفجر الاول.\rوالثانية: ان يستيقظ النائم، فيتهيأ للصلاة بالطهارة؛ ليدرك صلاة الفجر مع الجماعة في أول وقتها؛ وليدرك الوتر ان لم يكن أوتر، أو يدرك بعض التهجد قبل طلوع الفجر، وربما تسحر المريد للصيام حينئذ، كما قال: ((لا يمنعن احدا منكم أذان بلال عن سحوره)).\rوفي هذا تنبيه على استحباب إيقاظ النوام في آخر الليل بالاذان ونحوه من الذكر.\rوخرج الترمذي من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي [بن] كعب، عن أبيه، ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال: ((يأيها الناس، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه)).\rوقال: حديث حسن.\rوفيه دلالة على ان الذكر والتسبيح جهرا في آخر الليل لا بأس به؛ لايقاظ النوام.\rوقد انكره طائفة من العلماء، وقال: هو بدعة، منهم: ابو الفرج ابن الجوزي. وفيما ذكرناه دليل على انه ليس ببدعة.\rوقد روي عن عمر، أنه قال: عجلوا الاذان بالفجر؛ يدلج المدلج، وتخرج العاهرة.\rورواه الشافعي، عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن قيس، عن عمر.\rفذكر فيه فائدتين:\rاحدهما: ان المسافر يدلج في ذلك الوقت، وقد امر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسافر بالدلجة. وقال: ((ان الارض تطوى بالليل)). والدلجة: سير آخر الليل.\rوالثاني: ان من كان معتكفا على فجور، فإنه يقلع بسماع الاذان عما هو فيه.\rوأماتفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الفجرين، فإنه فرق بينهما بأن الأول مستطيل، يأخذ في السماء طولاً؛ ولهذا مد أصابعه ورفعها إلى فرق وطأطأها أسفل. والثاني مستطير، يأخذ في السماء عرضاً، فينتشر عن اليمين والشمال.","part":4,"page":235},{"id":879,"text":"وهكذا في حديث سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير هكذا))- وحكاه حماد بن زيد بيده- يعني: معترضاً.\rخرجه مسلم بمعناه.\rوفي حديث طلق بن علي الحنفي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((كلوا واشربوا، ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم))- يعني: الاحمر.\rخرجه أبو داود والترمذي.\rوقال: حديث حسن.\rوخرجه الإمام أحمد ، ولفظه: ((ليس الفجر المستطيل، ولكنه المعترض الأحمر)).\rالحديث الثاني:\rقال:\r622- حدثني إسحاق: ابنا أبو أسامة، قال: عبيد الله ثنا، عن القاسم بن محمد، عن عائشة- وعن نافع، عن ابن عمر-، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\r623- وحدثني يوسف بن عيسى: ثنا الفضل بن موسى: ثنا عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: ((إن بلالاً يؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)).\rوقد خرجه البخاري في ((الصيام)) عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، بالإسنادين- أيضا-، وفي آخر الحديث: ((فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)). قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إلا ان يرقى ذا وينزل ذا.\rوقد روي عن عائشة من وجهٍ آخر: من رواية الدراوردي: ثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن ابن ام مكتوم رجل أعمى، فإذا أذن المؤذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال)). قالت عائشة: وكان بلال يبصر الفجر. قال هشام: وكانت عائشة تقول: غلط ابن عمر.\rخرجه الحاكم والبيهقي.\rقال البيهقي: حديث عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة أصح.\rوخرجه الإمام أحمد- أيضا - وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)).\rوفي رواية: وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر.\rوقد روي نحو هذا اللفظ- أيضا- من رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه ابن خزيمة.\rوقال: فيه نظر؛ فإني لا أقف على سماع أبي إسحاق لهذا الخبر من الأسود.\rوقد حمل ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما هذا- على تقدير [ أن يكون محفوظاً- على أن الأذان كان نوباً بين بلال وابن ام مكتوم، فكان يتقدم] بلال تارةً، ويتأخر ابن ام مكتوم، وتارةً بالعكس.\rوالأظهر- والله أعلم-: أن هذا اللفظ ليس بمحفوظ، وأنه مما انقلب على بعض رواته.\rونظير هذا: ما روى شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة بنت خبيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال : ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا.\rكذا روى أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق وغيرهما عن شعبة.\rورواه غيرهما، عن شعبة بالعكس، وقالوا: ((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال)).\rورواه سليمان بن حرب وغيره عن شعبة بالشك في ذلك.","part":4,"page":236},{"id":880,"text":"وقد روى الواقدي بإسناد له، عن زيد بن ثابت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال)).\rخرجه البيهقي.\rوالواقدي، لا يعتمد [عليه].\rوالصحيح من ذلك: ما رواه القاسم، عن عائشة. وما رواه سالم ونافع وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وما رواه أبو عثمان، عن ابن مسعود؛ فإن هذه الأحاديث كلها صحيحة، وقد دلت على أن بلالاً كان يؤذن بليل.\rودل ذلك على جواز الأذان قبل طلوع الفجر، وهو قول مالك، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، وأبي ثور، وداود، وأبي خيثمة، وسليمان بن داود الهاشمس، وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهم من فقهاء أهل الحديث.\rوعليه عمل أهل الحرمين، ينقلونه خلفاً عن سلف، حتى قال مالك في ((الموطإ)): لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر.\rوذكر الشافعي، أنه فعل أهل الحرمين، وأنه من الأمور الظاهرة عندهم، ولم ينكره منكر.\rوقال الإمام أحمد: أهل الحجاز يقولون: هو السنة- يعني: الأذان بليل.\rوكذا قال إسحاق: هو سنة.\rوكذا قال أحمد في رواية حنبل.\rقال القاضي في ((جامعه الكبير)) والآمدي: وظاهر هذا، أنه أفضل من الأذان بعد الفجر، وهو قول الجوزجاني وغيره من فقهاء أهل الحديث؛ لأنه أبلغ في إيقاظ النوام للتاهب لهذه الصلاة، فيكون التقديم سنة، كما : أن كان التثويب في هذا الأذان سنة- أيضا- ؛ لهذا المعنى.\rوقالت طائفة: هو رخصة، وهو قول ابن أبي شيبة، وأومأ إليه أحمد في روايات أخر.\rفالأفضل عند هؤلاء: الأذان بعد طلوع الفجر، ويجوز تقديمه.\rواختلف القائلون: بأن الفجر يؤذن لها بليلٍ في الوقت الذي يجوز الأذان فيه من الليل:\rفالمشهور عند أصحاب الشافعي: أنه يجوز الأذان لها في نصف الليل الثاني؛ لأنه يخرج به وقت صلاة العشاء المختار.\rومنهم من قال: ينبني على الاختلاف في آخر وقت العشاء المختار، فإن قلنا: ثلث الليل اذن للفجر بعد الثلث.\rومنهم من قال: يؤذن للفجر في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل، وفي الصيف لنصف سبع.\rوروى الشافعي في القديم بإسناد ضعيف، عن سعد القرظ، قال: أذنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقباء، وفي زمن عمر بالمدينة، فكان أذاننا في الصبح في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل، وفي الصيف [ لسبع] يبقى منه.\rومن الشافعية من قال: يؤذن لها قبيل طلوع في السحر.\rوصححه جماعة، وهو ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم.\rوأماأصحابنا، فقالوا: يؤذن بعد نصف الليل، ولم يذكروا ذلك عن أحمد.\rولو قيل: إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر الأول استدلالاً بحديث أبي ذر المتقدم لتوجه.\rوقد مر بي أن أحمد أومأ إلى ذلك ، أو نص عليه، ولم أتحققه إلى الآن.\rوروى الشافعي بإسناده، عن عروة بن الزبير، قال: إن بعد النداء بالصبح لحزباً حسناً، إن الرجل ليقرأ سورة البقرة.\rوهذا- أيضا- يدل على قرب الأذان من طلوع الفجر.","part":4,"page":237},{"id":881,"text":"وأماأصحاب مالك، فحكى ابن عبد البر عن ابن وهب، انه قال: لا يؤذن لها [ إلا في السحر. فقيل له :وما السحر؟ قال: السدس الآخر. قال: وقال ابن حبيب: يؤذن لها] من بعد خروج وقت العشاء، وذلك نصف الليل.\rومع جواز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر، فيستحب إعادة الأذان لها بعد الفجر مرة ثانية.\rقال أحمد- في رواية حنبل-: الأذان الذي عليه أهل المدينة الأذان قبل طلوع الفجر، هو الأذان الأول، والأذان الثاني بعد طلوع الفجر.\rوكره أحمد الأذان للفجر قبل طلوع الفجر في رمضان خاصة؛ لما فيه منع الناس من السحور في وقت يباح فيه الأكل.\rوقد يستدل له بحديث شداد مولى عياض، عن بلال المتقدم ذكره، في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً أن يؤذن حتى يطلع الفجر؛ فإن في تمام الحديث: أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتسحر.\rومن أصحابنا من حكى رواية أخرى: أنه لا يكره.\rقال طائفة من أصحابنا: وكراهته إنما هو إذا اقتصر على هذا الأذان؛ فإن أذن معه أذان ثان بعد طلوع الفجر لم يكره.\rوعليه يدل حديث ابن عمر وعائشة في هذا الباب.\rوقالت طائفة من أهل الحديث: لا يؤذن لصلاة الصبح قبل الفجر، إلا أن يعاد الأذان بعد الفجر في جميع الأوقات، وهو اختيار ابن خزيمة وغيره، وإليه ميل ابن المنذر، وحكاه القاضي أبو الحسن من أصحابنا رواية عن أحمد.\rويمكن أن تكون مأخوذة من رواية حنبل التي ذكرنا آنفاً.\rواستدل هؤلاء بحديث عائشة وابن عمر وأنيسة، وما في معناه من أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذانان: احدهما بليلٍ، والأخر بعد الفجر.\rويمكن الجمع بين هذه الأحاديث والأحاديث التي رواها العراقيون في امر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً بإعادة الأذان بعد الفجر، بأن الأذان كان في اول الأمر بعد طلوع الفجر، ثم لما أذن بلال بليل وأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة أذانه بعد الفجر رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أذانه قبل الفجر مصلحة، فأقره على ذلك [واتخذ] مؤذناً آخر يؤذن بعد الفجر؛ ليجمع بين المصالح كلها: إيقاظ النوام، وكف القوام، والمبادرة بالسحور للصوام، وبين الإعلام بالوقت بعد دخوله.\rوهذا كما روي، ان بلالاً هو الذي زاد في أذانه : ((الصلاة خير من النوم)) مرتين في آذان الفجر، فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأذان لما رأى فيه من زيادة إيقاظ النائمين في هذا الوقت.\rواستدل الأولون بما خرجه أبو داود من رواية عبد الرحمن بن زياد، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فلما كان أول أذان الصبح أمرني فأذنت، فجعلت اقول أقيم [يا] رسول الله ؟،فجعل ينظر في ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: ((لا)) ، حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه- يعني: فتوضأ-، فأراد بلال ان يقيم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أخا صداء هو أذن، ومن أذن فهو يقيم)). قال: فأقمت - وذكر حديثاً فيه طول.","part":4,"page":238},{"id":882,"text":"فهذا يدل على انه اذن قبل طلوع الفجر واجتزأ بذلك الأذان، ولم يعده بعد طلوعه.\rولمن رجح قول من أوجب الإعادة بعد طلوع الفجر، أنه يقول: هذا الحديث إسناده غير قوي.\rوقد خرجه ابن ماجه والترمذي مختصراً.\rقال الترمذي: إنما نعرفه من حديث الأفريقي، والأفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث.\rوقال سعيد البرذعي: سئل أبو زرعة عن حديث الصدائي في الأذان.\rفقال: الأفريقي، وحرك رأسه.\rقلت: وقد اختلف عليه في لفظ الحديث:\rفخرجه الإمام أحمد عن محمد بن يزيد الواسطي، عن الإفريقي بهذا الإسناد، ولفظه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أذن يا أخا صداء)) قال: فأذنت، وذلك حين أضاء الفجر- وذكر الحديث مختصراً.\rفهذه الرواية فيها التصريح بانه إنما أذن بعد إضاءة الفجر وطلوعه.\rوقد رواه ابن لهيعة، فخالف الأفريقي في إسناده، فرواه عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن حبان بن بح الصدائي صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: أتبعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: في مسير له - ليلة إلى الصباح، فأذنت بالصلاة لما اصبحت، وأعطاني إناء وتوضأت منه، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصابعه في الإناء، فانفجر عيوناً، فقال: ((من أراد منكم أن يتوضأ فليتوضأ)) - فذكر حديثاً، ولم يذكر فيه : الإقامة.\rوفي هذه الرواية إنما لما أصبح- أيضا.\rوقصة الوضوء وتفجر الماء مذكورة- أيضا- في حديث الإفريقي.\r* * *","part":4,"page":239},{"id":883,"text":"14- باب\rكم بين الأذان والإقامة\rفيه حديثان:\rالأول:\rقال:\r624- حدثنا إسحاق الواسطي: ثنا خالد، عن الجريري، عن [ابن] بريدة، عن عبد الله بن مغفل المزني، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بين كل أذانين صلاة))- ثلاثاً- ((لمن شاء)).\r((إسحاق)) هذا، يروي عنه في غير موضع عن خالد، وهو : ابن عبد الله الطحان، ولا ينسب إسحاق. وقد قيل: إنه ابن شاهين الواسطي.\rالثاني:\rقال:\r625- ثنا محمد بن بشار: ثنا غندر: ثنا شعبة، قال: سمعت عمرو بن عامر الأنصاري، عن أنس بن مالك، قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم كذلك ، يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان [والإقامة] شيء.\rقال عثمان بن جبلة وأبو داود ، عن شعبة: ولم يكن بينهما إلا قليل.\rوحديث ابن مغفل يدل على أن بين كل أذان صلاة وإقامتها صلاة لمن شاء، فدخل في ذلك المغرب وغيرها، فدل على أن بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين.\rوقد ذكرنا قدر الفصل بين أذان المغرب وإقامتها في ((باب : وقت المغرب)).\rوقد روى حيان بن عبيد [ الله العدوي هذا الحديث عن عبد الله ] بن بريدة، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (([ إن ] عند كل أذانين ركعتين قبل الإقامة، ما خلا أذان المغرب)).\rخرجه الطبراني والبزار والدارقطني.\rوقال: حيان بن عبيد الله هذا ليس بقوي، وخالفه حسين المعلم وسعيد الجريري وكهمس بن الحسن، وكلهم ثقات.\rيعني: انهم رووه عن ابن بريدة، عن [ابن] مغفل، بدون هذه الزيادة.\rوقال الأثرم: ليس هذا بشيء؛ قد رواه عن [ابن ] بريدة ثلاثة ثقات على خلاف ما رواه هذا الشيخ الذي لا يعرف، في الإسناد والكلام جميعاً.\rوكذلك ذكر ابن خزيمة نحوه، واستدل على خطئه في استثنائه صلاة المغرب بان ابن المبارك روى الحديث عن كهمس، عن [ابن] بريدة، عن ابن مغفل ، وزاد في آخره: فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين.\rوحديث أنس يدل على أن بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين.\rفأماقوله في آخر الحديث: ((ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء))، فمراده- والله اعلم- لم يكن شيء كثير؛ بدليل رواية عثمان بن جبلة وأبي داود الطيالسي التي ذكرها البخاري تعليقاً: ((ولم يكن بينهما إلا قليل)).\rوقد خرجه النسائي من رواية أبي عامر العقدي، عن شعبة، وفي حديثه: ((ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء))- كرواية غندر.\rوقد زعم بعضهم: أن قيام الصحابة للصلاة كان إذا ابتدأ المؤذن في الأذان، ولم يكن بين الأذان والإقامة، واستدل برواية من روى: ((ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)).\rوفي ((صحيح مسلم)) عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما.","part":4,"page":240},{"id":884,"text":"في ((مسند الإمام أحمد)) من حديث معلى بن جابر، عن موسى بن أنس، عن أبيه، قال: كان إذا قام المؤذن فأذن لصلاة المغرب قام من يشاء، فصلى حتى تقام الصلاة، ومن شاء ركع ركعتين، ثم قعد، وذلك بعيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rومعلى بن جابر، مشهور، روى عنه جماعة ، وذكره ابن حبان في ((ثقاته)).\rوهذا ظاهر في انهم كانوا يقومون إذا شرع المؤذن في الأذان، وأن منهم من كان يزيد على ركعتين.\rوفيه: رد على إسحاق بن راهوية، قال: لا يزاد على ركعتين قبل المغرب، وقد سبق ذكره.\rوقد خرج الإسماعيلي في ((صحيحه)) من حديث عثمان بن عمر: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان المؤذن إذا أخذ في أذان المغرب قام لباب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدروا السواري، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج إليهم وهم يصلون، وكان بين الأذان والإقامة قريب.\rوهذه الرواية صريحة في صلاتهم في حال الأذان، واشتغالهم حين إجابة المؤذن بهذه الصلاة.\rوقد كان الإمام أحمد يوم الجمعة إذا أخذ المؤذن في الأذان الأول للجمعة قام فصلى ركعتين- أو أربعاً- على قدر طول الأذان وقصره.\rويأتي الكلام على حكم الصلاة قبل المغرب في موضع آخر- إن شاء الله وإنما المقصود هنا: ذكر قدر الفصل بني الأذان والإقامة للمغرب وغيرها.\rوقد سبق حكم الفصل بين أذان المغرب وإقامتها في (( باب: وقت المغرب)).\rوذكرنا أحاديث في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً ان يفصل بين أذانه وإقامته في ((باب: الإبراد بالظهر)).\r* * *","part":4,"page":241},{"id":885,"text":"15- باب\rمن انتظر الإقامة\r626- حدثنا ابو اليمان: أبنا شعيب، عن الزهري: أبنا عروة بن الزبير، أن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة.\rقول عائشة: ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن))- أي : فرغ من أذانه.\rقولها: ((بالأولى [من ] صلاة الفجر))- تعني : بالمرة الأولى.\rوهذا يحتمل ان تكون ارادت به أنه كان يصلي الركعتين قبل فراغ المؤذن من أذانه قبل الإقامة، فإن الأذان والإقامة يسميان أذانين، كما في حديث عبد الله ابن مغفل المتقدم، ويحتمل أن تكون أرادت أن الأذان نفسه كان يكرر مرتين، فيؤذن بلال وبعده ابن أم مكتوم، فكانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلال قبل أذان ابن أم مكتوم، إذا تبين الفجر للنبي - صلى الله عليه وسلم -صلى ركعتي الفجر، ولم يتوقف على أذان ابن أم مكتوم، فإن ابن ام مكتوم كان يسفر بأذان الفجر، ولا يؤذن حتى يقال له : أصبحت.\rفإن قيل: فكيف أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأكل في الصيام إلى أذان ابن ام مكتوم، والأكل يحرم بمجرد طلوع الفجر؟ وقد روي في حديث انيسة، انهم كانوا يامرونه أن يؤخر الأذان حتى يكملوا السحور.\rقيل: هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس، وقد تأول بعضهم قولهم لابن أم مكتوم: \" أصبحت، أصبحت\" على أن المراد قاربت الصباح [بعد تبين طلوع الفجر لا تحرم في وقت طلوعه سواء].\rوالأحاديث والآثار المروية عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة جداً.\rوليس هذا قول الكوفيين الذين كانوا يستحبون الأكل والشرب إلى انتشار الضوء على وجه الأرض؛ فإن ذلك قول شاذ منكر عند جمهور العلماء، وستأتي المسألة في موضعها مبسوطة- إن شاء الله تعالى.\rوسيأتي الكلام على الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر في موضع آخر- إن شاء الله تعالى.\rوإنما المقصود هنا: قولها: ((حتى يأتيه المؤذن للإقامة))؛ فإن هذا يدل على أنه يجوز انتظار المصلي للإقامة، وأن يؤخر دخول المسجد خارجاً منه حتى تقام الصلاة، فيدخل حينئذ.\rوهذا هو مقصود البخاري في هذا الباب، وأراد بذلك مخالفة من كره انتظار الإقامة، فإن طائفة من السلف كرهوه وغلظوا.\rحتى روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: هو هرب من دين محمد والإسلام.\rوقد كرهه من المتاخرين من أصحابنا، وقالوا: يكره للقادر على الدخول إلى المسجد قبل الإقامة ان يجلس خارج المسجد ينتظر الإقامة، ذلك تفوت به فضيلة السبق إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه، ولحقوق الصف الأول.\rوقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التهجير إلى الصلاة، وهو القصد إلى المساجد في الهجير، أماقبل الأذان أو بعده، كما ندب إلى التهجير إلى الجمعة : انتظار الصلاة بعد الصلاة، وقال للذين انتظروه إلى قريب من شطر الليل لصلاة العشاء: ((إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها)).","part":4,"page":242},{"id":886,"text":"وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان ، منهم : سعيد بن المسيب، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر.\rوقال ابن عيينة: لا تكن مثل أجير السوء، لا يأتي حتى يدعى.\rيشير إلى انه يستحب إتيان المسجد قبل أن ينادي المؤذن.\rوقال بعض السلف في قول الله تعالى: { السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } [الواقعة: 10]: إنهم أول الناس خروجاً إلى المسجد وإلى الجهاد.\rوفي قوله: { سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } [ الحديد: 21] قال مكحول: التكبيرة الأولى مع الإمام. وقال غيره: التكبيرة الأولى والصف الأول.\rقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً بيني العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة، وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر، وإن صلى في الصف الأول.\rوروى المعافى، عن سفيان الثوري، قال: مجيئك إلى الصلاة قبل الإقامة توقير للصلاة.\rفمن كان فارغاً لا شغل له، وجلس إلى الصلاة قبل الإقامة على باب المسجد، أو قريباً منه ينتظر أن تقام الصلاة فيدخل المسجد، وخصوصاً إن كان على غير طهارةٍ، وإنما ينتظر في المسجد إذا دخل المسجد بعد الإقامة، فهو مقصر راغب عن الفضائل المندوب إليها.\rولكن هذا كله في حق المأموم، وقد تقدم من حديث أبي المثنى، عن ابن عمر، قال: كان أحدنا إذا سمع الإقامة توضأ وخرج من وقته.\rوفيه دليل على أن الصحابة كانوا ينتظرون الإقامة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rفأماالإمام، فإنه إذا انتظر إتيان المؤذن له في بيته حتى يؤذنه بالصلاة وعنه رواية اخرى، أنه يصلي ذوات الاسباب، كقول الشافعي، فيصلي الداخل حينئذ تحية المسجد ثم يجلس.\rوقد تقدمت هذه المسألة في الكلام على احاديث النهي مستوفاة.\rوأماالظهر، فأنه يستحب التطوع قبلها بركعتين أو اربع ركعات، وهي من الرواتب عند الاكثرين.\rوقد روي في الصلاة عقب زوال الشمس أحاديث، في أسانيد أكثرها مقال.\rوبكل حال؛ فما بين الاذانين للظهر هو وقت صلاة، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر.\rوأمابين الاذانين لصلاة العصر، فهذا الحديث يدل على انه يشرع بينهما صلاة، وقد ورد في الاربع قبل العصر أحاديث متعددة، وفي الركعتين- أيضا.\rواختلفوا: هل يلتحق بالسنن الرواتب؟ والجمهور على انها لا تلتحق بها.\rوأمابين الاذانين قبل المغرب، فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة فيه.\rوقد اختلف العلماء في ذلك:\rفمنهم من كرهه، وقال: لا يزول وقت النهي حتى يصلي المغرب، وهو قول الكوفيين وغيرهم.\rومنهم من قال: باسحبابها، وهو رواية عن أحمد، وقول طائفة من السلف؛ لهذا الحديث؛ ولحديث أنس في الباب الماضي.\rومنهم من قال: هي مباحة، غير مكروهة ولا مستحبة، والامر بها إطلاق من محظور، فلا يفيد أكثر من الاباحة، وهو رواية عن أحمد، وسيأتي القول فيها بأبسط من هذا في موضع آخر - إن شاء الله تعالى.\rوأماالصلاة بين الاذانين للعشاء، فهي كالصلاة بين الاذانين للعصر ودونها؛ فإنا لا نعلم قائلا يقول بأنها تلتحق بالسنن الرواتب.\r* * *","part":4,"page":243},{"id":887,"text":"17 - باب\rمن قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد\r628- ثنا معلى بن أسد: ثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: اتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيما رقيقا، فلما رأى شوقنا إلى اهلنا، قال: ((ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)).\rمراده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مالك بن الحويرث وأصحابه بالرجوع إلى اهلهم، وأمرهم إذا حضرت الصلاة ان يؤذن احدهم، كان دليلاً على ان المسافرين لا يشرع لهم تكرير الاذان وإعادته مرتين في الفجر ولا في غيره.\rويعضد هذا: أنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان له في السفر مؤذنان، يؤذن أحدهما بعد الاخر.\rوحديث زياد بن الحارث الصدائي المتقدم يدل على ذلك.\rولكن اللفظ الذي ساقه البخاري في هذا الباب انما يدل على انه امرهم بذلك إذا رجعوا إلى اهليهم، لا انه أمرهم به في سفرهم قبل وصولهم، وقد نبه على ذلك الاسماعيلي، وترجم عليه النسائي: ((اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر)).\rوقد خرجه البخاري في الباب الذي يلي هذا بلفظ صريح، بأنه أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم وسفرهم، فكان تخريجه بذلك اللفظ في هذا الباب أولى من تخرجه بهذا اللفظ الذي يدل على انه لم يأمرهم بذلك في السفر.\rفإن قيل: بل قوله: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم احدكم)) عام في السفر والحضر، ولا يمنع من عمومه تخصيص أول الكلام بالحضر.\rقيل: إن سلم ذلك لم يكن فيه دليل على انه لا تستحب الزيادة على مؤذن واحد في السفر خاصة، لان الكلام إذا كان شاملا للحضر والسفر فلا خلاف أنه في الحضر لا يكره اتخاذ مؤذنين، فكيف خص كراهة ذلك بالسفر وقد شملها عموم واحد ؟\rوفي حديث عمرو بن سلمة الجرمي، عن أبيه، أنه لما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: ((إذا حضرت صلاة فليؤذن لكم احدكم))- وذكر الحديث.\rوقد خرجه البخاري في موضع آخر.\rوامره هذا لا يختص بحال سفرهم، بل يشمل سفرهم وإقامتهم في حيهم.\rالاذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والاقامة وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن: ((الصلاة في الرحال))، في الليلة الباردة أو المطيرة الاذان بعرفة وجمع، لم [يخرج] فيه هاهنا شيئا، إنما خرج أحاديث في ((ابواب: الجمع بين الصلاتين))، وفي ((كتاب الحج))، والكلام فيه يأتي في موضوعه - إن شاء الله تعالى.\rواشار اليه هاهنا اشارة؛ لان فيه ذكر الاذان في السفر، وإنما خرج هاهنا أربعة أحاديث مما يدخل في بقية ترجمة الباب.\rالحديث الاول:\r629- ثنا مسلم بن ابراهيم: ثنا شعبة، عن المهاجر أبي الحسن، عن زيد ين وهب، عن أبي ذر، قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن، فقال له: ((أبرد)). ثم اراد أن يؤذن، فقال له: ((ابرد)). ثم اراد ان يؤذن، فقال له: ((ابرد))، حتى ساوى الظل التلول، فقال النبي: ((إن شدة الحر من فيح جهنم)).","part":4,"page":244},{"id":888,"text":"هذا الحديث قد خرجه البخاري فيما سبق في ((ابواب: وقت صلاة الظهر)).\rومقصوده منه هاهنا: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤذن له في السفر.\rوقد تقدم الكلام على الابراد، وهل كان بالاذان أو بالاقامة.\rوقوله في هذه الرواية: ((حتى ساوى الظل التلول)) ظاهره انه اخر صلاة الظهر يومئذ إلى ان صار ظل كل شيء مثله، وهو آخر وقتها.\rوهذا يحتمل أمرين:\rأحدهما: أنه صلاها في آخر وقتها قبل دخول وقت العصر.\rوالثاني: أنه أخرها إلى دخول وقت العصر وجمع بينهما في وقت العصر.\rفإن كان قد اخرها إلى وقت العصر استدل بالحديث حينئذ على أن تاخير الصلاة الاولى من المجموعتين إلى وقت الثانية للجمع في السفر لا يحتاج إلى نية الجمع؛ لانهم كانوا يؤذنونه بالصلاة في وقتها، وهو يأمر بالتأخبر، وهم لا يعلمون أنه يريد جمعها مع الثانية في وقتها، ولا اعلمهم بذلك.\rولكن الاظهر هو الاول، ولا يلزم من مصير ظل التلول مثلها أن يكون قد خرج وقت الظهر؛ فإن وقت الظهر إنما يخرج إذا صار ظل الشيء مثله بعد الزوال.\rوقد خرجه البخاري فيما تقدم من وجهين عن شعبة، وفيهما: ((حتى رأينا فيء التلول)).\rويدل على هذا: انه إنما أمره بالابراد، لا بالجمع.\rالحديث الثاني:\r630- ثنا محمد بن يوسف: ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحوبرث، قال: اتى رجلان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يريدان السفر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا انتما خرجتما فأذنان ثم أقيما، ثم ليؤمكما اكبركما)).\rفي هذه الرواية: التصريح بأنه أمرهما بذلك من حين خروجهما من المدينة مسافرين.\rوخرجه النسائي، ولفظه: قال: ((إذا سافرتما، فأذنا واقيما)).\rولكنه أمرهما معا بالاذان والاقامة، فهذا أماان يحمل على أذانهما مجتمعين أو منفردين.\rوبكل حال؛ فيدل على انه يستحب في السفر الزيادة على مؤذن واحد. فهذه رواية خالد الحذاء عن أبي قلابة تخالف رواية ايوب عن أبي قلابة في ألفاظ عديدة من هذا الحديث.\rقال الامام أحمد: لا اعلم أحدا جاء به إلا خالد-يعني: في الاذان والاقامة في السفر-، وقال: هذا شديد على الناس: انتهى.\rوقد روي بلفظ آخر عن خالد الحذاء، وهو: ((إذا حضرت الصلاة))- من غير ذكر سفر ولا حضر.\rوقد حرجه البخاري في موضع آخر.\rالحديث الثالث:\rقال:\r632- [ثنا] مسدد: ثنا يحيى، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم، وأخبرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر مؤذنا يؤذن، ثم يقول على اثره: ((الا صلوا في الرحال في الليلة الباردة او المطيرة في السفر)).\r((ضجنان)): بالضاد المعجمة والجيم، كذا محركتان، كذا قيده صاحب ((معجم البلدان))، وقال: هو جبل بتهامة، وقيل: هو على بريد من مكة وقيل: بينه و بين مكة خمسة وعشرون ميلاً.\rوالمتداول بين أهل الحديث: انه بسكون الجيم.\rوقد روى هذا الحديث، عن نافع: مالك-وقد خرج البخاري حديثه في موضع- ويحيى الانصاري، وايوب السجستاني.","part":4,"page":245},{"id":889,"text":"وفي رواية ابن علية، عنه: أن الذي نادى بضجنان هو منادي النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوالظاهر: انه وهم.\rورواه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - بذاك بالمدينة في الليلة المطيرة، والغداة القرة.\rخرجه ابو داود.\rفخالف الناس في ((ذكر المدينة))، وفي انه انما كان يأمر المنادي ان يقوله بعد تمام اذانه.\rوقد روي معنى حديث ابن عمر من حديث أبي المليح بن اسامة، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه الامام أحمد وابو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) والحاكم وصححه.\rوفي حديث ابن عمر: دليل على ان الاذان في السفر مشروع في غير صلاة الفجر ليلا [كان ينادي بذلك ليلاً].\rالحديث الرابع:\rقال:\r633- ثنا إسحاق: ابنا جعفر بن عون: ثنا ابو العميس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالابطح، فجاءه بلال فاذنه بالصلاة، ثم خرج بلال بالعنزة حتى ركزها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالابطح، واقام الصلاة.\rفي هذه الرواية: التصريح بالاقامة دون الاذان، وكان ذلك بالابطح في حجة الوداع.\rوقد خرج البخاري فيه ذكر الاذان في الباب الاتي، ولكن اختصره، وسنذكره بتمامه فيه- إن شاء الله تعالى.\rوفي هذا الحديث: أن بلالا آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة، وخرج بين يديه بالعنزة، وأقام الصلاة، وهذا موافق لحديث عائشة المتقدم الذي خرجه البخاري في ((باب: انتظار الاقامة)).\rوقد دلت هذه الاحاديث على مشروعية الاذان في السفر لجميع الصلوات، فإن منها ما فيه الاذان في السفر ليلاً كحديث ابن عمر، ومنها ما فيه الاذان في السفر نهاراً كحديث أبي جحيفة، فإن فيه الاذان للظهر والعصر بالابطح، وحديث أبي ذر، فإن فيه الاذان للظهر، وحديث مالك بن الحويرث يعم سائر الصلوات، وأحاديث الاذان بعرفة تدل على الاذان للجمع بين الظهر والعصر، واحاديث الاذان بالمزدلفة تدل على الاذان للجمع بين المغرب والعشاء، وقد اختلفت الروايات في ذلك، وتذكر في موضعها - إن شاء الله.\rوقد تقدم حديث الاذان للصلاة في السفر بعد فوات وقتها. وفي حديث أبي محذورة، انهم سمعوا الاذان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قفل من حنين راجعاً وقد اختلف العلماء في الاذان في السفر:\rفذهب كثير منهم إلى انه مشروع للصلوات كلها.\rقال ابن سيرين: كانوا يؤمرون ان يؤذنوا ويقيموا ويؤمهم أقرؤهم.\rخرجه الاثرم.\rوهو قول أبي حنيفة والشافعي.\rونقل ابن منصور، عن أحمد وإسحاق، انه يؤذن ويقام في السفر لكل صلاة، واحتجا بحديث مالك بن الحويرث.\rولكن اكثر أصحابنا على ان الاذان والاقامة سنة في السفر، ليس بفرض كفاية، بل سنة بخلاف الحضر.\rومن متأخريهم من سوى في الوجوب بين السفر والحضر، والواحد والجماعة، وهو قول داود.\rوقال ابن المنذر: هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر.","part":4,"page":246},{"id":890,"text":"وظاهر تبويب البخاري يدل على انه يرى الاذان انما يشرع في السفر للجماعة، دون المنفرد.\rقال مجاهد: إن نسي الاقامة في السفر أعاد.\rوهذا يدل على انه رآها شرطاً في حق المسافر وغيره.\rوقالت طائفة: لا يؤذن الا للفجر خاصة، بل يقيم لكل صلاة.\rروي هذا عن ابن عمر.\rوروي عنه مرفوعاً.\rخرجه الحاكم.\rوفي إسناده ضعف واضطراب.\rقال البيهقي: رفعه وهم فاحش، ولا يصح رفعه.\rوروي عن ابن سيرين مثل قول ابن عمر.\rونقله حرب، عن إسحاق.\rونقل الميموني، عن أحمد، قال في المسافر في الفجر خاصة يؤذن ويقيم، وفي غير الفجر يقيم-إن شاء الله.\rونقل ابن منصور، عن إسحاق: لا بد للمسافر أن يقيم بخلاف الحاضر؛ لآن الحاضر يكتفي بأذان غيره وإقامته.\rوأختلفت الرواية عن مالك:\rفنقل عنه ابن القاسم: الاذان إنما هو في المصر للجماعة في المساجد.\rوروى أشهب، عن مالك: ان ترك المسافر الاذان عمداً فعليه إعادة الصلاة.\rذكره ابن جرير، عن يونس بن عبد الاعلى، عنه.\rوقال الحسن والقاسم بن محمد: تجزئه إقامة في السفر.\rوقالت طائفة: هو بالخيار، إن شاء أذن، وإن شاء أقام في السفر.\rروى عن علي وعروة بن الزبير، وبه قال سفيان.\rوكان ابن عمر يقول: إنما الاذان للامام الذي يجتمع اليه الناس.\rرواه مالك عن نافع، عن ابن عمر، انه كان لا يزيد على الاقامة في السفر في الصلاة الا في الصبح؛ فإنه كان يؤذن فيها ويقيم، ويقول: إنما الاذان للامام الذي يجتمع اليه الناس.\rوقال ابو الزبير، سألت ابن عمر: اؤذن في السفر؟ قال: لمن يؤذن للفأر ؟!\rوأماالذين رأوا الأذان في السفر، فقالوا: الأذان للإعلام بالوقت، وهذا مشروع في الحضر والسفر.\rوأماإن كان المصلي منفرداً وحده في قرية، فقد ورد في فضل أذانه وإقامته غير حديث:\rروى سليمان التميمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، قال: لا يكون رجل بأرض [قي]، فتوضأ إن وجد ماء وإلا تيمم، فينادي بالصلاة ثم يقيمها إلا ام من جنود الله ما لا يرى طرفاه- أو قال: طرفه.\rورواه القاسم بن غصن- وفيه ضعف-، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان، عن سلمان- مرفوعاً.\rولا يصح، والصحيح موقوف-: قاله البيهقي.\rوروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإن أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على استحباب الأذان للمنفرد في السفر:\rفخرج مسلم من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :صلى في مسجد قد أقيمت فيه الصلاة أجزأته إقامتهم.\rثم قال: وبه قال الحسن والشعبي والنخعي.\rقال: وقال الشافعي: لم أعلم مخالفاً أنه إذا جاء المسجد وقد خرج الإمام من الصلاة كان له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة.","part":4,"page":247},{"id":891,"text":"قال البيهقي: وكان عطاء يقول: يقيم لنفسه.\rثم روى بإسناد صحيح، عن أبي عثمان، قال: جاءنا أنس بن مالك وقد صلينا الفجر، فأذن وأقام، ثم صلى الفجر لأصحابه.\rقال ورويناه عن سلمة بن الأكوع في الأذان والإقامة، ثم عن ابن المسيب والزهري.\rوروى من طريق الشافعي: حدثنا إبراهيم بن محمد: أخبرني عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يؤذن للمغرب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما قال، فأنتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قال : قد قامت الصلاة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((انزلوا فصلوا المغرب بإقامة هذا العبد الأسود)).\rوهذا ضعيف، إبراهيم ، هو : ابن أبي يحيى، تركوا حديثه.\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن دلهم بن صالح، عن عون بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر، فسمع إقامة مؤذن، فصلى بأصحابه بإقامته.\rوهو مرسل- أيضا.\rوقال أكثر أصحابنا: من صلى في مسجد قد صلي فيه بغير أذان ولا إقامة فلا بأس.\rومن متأخريهم من قال: لا يسقط وجوب الأذان إلا عمن صلى مع المؤذن، ولا يسقط عمن لم يصل معه وإن سمعه، سواء كان واحداً أو جماعة في المسجد الذي صلي فيه بأذان أو غيره.\rوهذا شذوذ لا يعول عليه.\rوهو خلاف نص أحمد: أن المصلي وحده في مصر يجزئه اذان المصر.\rونص الإمام أحمد في رواية جعفر بن محمد على أنه لا يترك الأذان في المسجد.\rوظاهره: يدل على أن الأذان واجب في مساجد الجماعات.\rوقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر: الواجب في المصر أذان واحد، وما زاد عليه في المساجد فهو سنة.\rولم يفرق بين أن يكون أهل المصر يبلغهم ذلك الأذان، أو لا.\rوقال المتأخرون من أصحابنا: الواجب من الأذان في المصر ما حصل به الإعلام في أقطاره ونواحيه غالباً، فلا يجرئ فيه أذان واحد إذا كان لا يبلغ اقطاره.\rوأماما بوب عليه البخاري من قول المؤذن في الأذان في الليلة المطيرة أو الباردة: ((الصلاة في الرحال))، فحديث ابن عمر يدل على أنه يقول بعد فراغ أذانه.\rوقد تقدم في ((باب : الكلام في الأذان)): حديث ابن عباس في قولها في الحضر في أثناء الأذان قبل فراغه، وسبق الكلام عليه.\r* * *","part":4,"page":248},{"id":892,"text":"19- باب\rهل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟ وهل يلتفت في الأذان؟\rويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه.\rوكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه.\rوقال إبراهيم: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء.\rوقال عطاء: الوضوء حق وسنة.\rوقالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه.\r634- ثنا محمد بن يوسف: ثنا سفيان، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، أنه رأى بلالاً يؤذن، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان.\rهكذا خرجه البخاري هاهنا عن الفريأبي، عن سفيان الثوري- مختصراً.\rورواه وكيع عن سفيان بأتم من هذا السياق.\rخرجه مسلم من طريقه، ولفظ حديثه: قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن نائل وناضح. قال: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلة حمراء، كأني انظر إلى بياض ساقيه. قال: فتوضأ، وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا- يقول: يميناً وشمالاً-، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال: ثم ركزت له عنزة، فتقدم فصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.\rورواه عبد الرزاق، عن سفيان، ولفظ حديثه: عن أبي جحيفة، قال: رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في اذنيه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قبة له حمراء- وذكر بقية الحديث.\rخرجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق.\rوخرجه من طريقه الترمذي، وقال : حسن صحيح.\rوخرجه البيهقي، وصححه- أيضا.\rوهذا هو الذي علقه البخاري هاهنا بقوله: ((ويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه)).\rوقال البيهقي: لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة، وسفيان إنما روى هذه اللفظة، في ((الجامع)) - رواية العدني، عنه- عن رجل لم يسمه، عن عون.\rقال: وروي عن حماد بن سلمة، عن عون بن أبي جحيفة- مرسلاً، لم يقل: ((عن أبيه)) . والله أعلم.\rقلت : وكذا روى وكيع في ((كتابه)) ، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقام بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه، يحرف رأسه يميناً وشمالاً.\rوروى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة، أن بلالاً كان يجعل إصبعيه في أذنية.\rفرواية وكيع، عن سفيان تعلل بها رواية عبد الرزاق عنه.\rولهذا لم يخرجها البخاري مسندة ، ولم يخرجها مسلم- أيضا-، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها- رضي الله عنه.\rوقد خرج الحاكم من حديث إبراهيم بن بشار الرمادي، عن ابن عيينة، عن الثوري ومالك بن مغول، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بالأبطح- فذكر الحديث بنحو رواية عبد الرزاق، وذكر فيه الاستداره، وإدخال الإصبعين في الأذنين.\rوقال: هو صحيح على شرطهما جميعاً.","part":4,"page":249},{"id":893,"text":"وليس كما قال؛ وإبراهيم بن بشار لا يقبل ما تفرد به عن ابن عيينة، وقد ذمه الإمام أحمد ذماً شديداً، وضعفه النسائي وغيره.\rوخرج أبو داود من رواية قيس بن ربيع، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فإذن ، فلما بلغ ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يستدر.\rوخرج ابن ماجه من رواية حجاج بن ارطاة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن، فاستدار في أذانه، فجعل إصبعيه في أذنيه.\rوحجاج مدلس.\rقال ابن خزيمة : لا ندري هل سمعه من عون، أم لا؟\rوقال البيهقي: يحتمل ان يكون أراد الحجاج باستدارته التفاته يمينا وشمالاً، فيكون موافقاً لسائر الرواة. قال: وحجاج ليس بحجة.\rوخرجه من طريق آخر عن حجاج، ولفظ حديثه: رأيت بلالاً يؤذن، وقد جعل إصبعيه في أذنيه، وهو يلتوي في أذانه يميناً وشمالاً.\rوقد رويت هذه الاستدارة من وجه آخر: من رواية محمد بن خليد الحنفي- وهو ضعيف جداً-، عن عبد الواحد بن زياد، عنه ، عن مسعر، عن علي بن الأقمر، عن عون، عن أبيه.\rولا يصح- أيضا.\rوخرج ابن ماجه من حديث اولاد سعد القرظ، عن آبائهم ، عن سعد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً ان يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: ((أنه أرفع لصوتك)).\rوهو إسناد ضعيف؛ ضعفه ابن معين وغيره.\rوروي من وجوه أخر مرسلة.\rوقد ذكر البخاري في هذا الباب ثلاث مسائل:\rالأولى:\rالالتفات في الأذان يميناً وشمالاً.\rوالسنة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القبلة، ويدير وجهه في قول: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) يميناً وشمالاً.\rوأنكر ابن سيرين الالتفات، حكاه ابن المنذر وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن سيرين، أنه إذا اذن المؤذن استقبل القبلة، وكان يكره أن يستدير في المنارة.\rوروى وكيع، عن الربيع، عن ابن سيرين، قال: المؤذن لا يزيل قدميه.\rوكأن الروايتين لا تصرحان بكراهة لوي العنق.\rوكذلك مالك.\rوفي ((تهذيب المدونة)) : ولا يدور في أذانه، ولا يلتفت، وليس هذا من الأذان، إلا أن يريد بالتفاته أن يسمع الناس فيؤذن كيف تيسر عليه. قال: ورأيت المؤذنين بالمدينة يتوجهون القبلة في أذانهم ويقيمون عرضاً، وذلك واسع يصنع كيف شاء. انتهى.\rوفي حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في منامه انه رأى الذي علمه النداء في نومه قام فاستقبل القبلة فأذن.\rخرجه أبو داود من حديث معاذ.\rوالذين رأوا الالتفات .قال أكثرهم: يلتفت بوجهه، ولا يلوي عنقه، ولا يزيل قدميه، وهو قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه.\rوحكي- أيضا- عن الحسن والنخعي والليث بن سعد.\rوروى الحسن بن عمارة، عن طلحة بن مصرف، عن سويد بن غفلة، عن بلال، قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذنا او أقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها.\rخرجه الدارقطني في ((أفراده)).","part":4,"page":250},{"id":894,"text":"والحسن بن عمارة، متروك.\rوقالت طائفة: إن كان في منارة ونحوها دار في جوانبها؛ لأنه أبلغ في الاعلام والاسماع، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وظاهر فيه مالك إذا أراد الاعلام.\rوروي عن الحسن أنه يدور.\rوظاهر كلام أصحابنا اختصاص الالتفات بالاذان.\rوللشافعية في الالتفات في الاقامة وجهان.\rوالفرق بينهما: أن الاذان إعلام للغائبين، فلذلك يلتفت ليحصل القصد بتبلغيهم، بخلاف الاقامة؛ فإنها اعلام للحاضرين، فلا حاجة إلى التلفت فيها، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات؛ لانها خطاب لمن حضر، فلا معنى للالتفات فيها.\rوقال النخعي: يستقبل المؤذن بالاذان والشهادة والاقامة القبلة.\rخرجه ابن أبي شيبة.\rوروى بإسناده عن حذيفة، انه مر على ابن النباح وهو يؤذن، يقول: الله اكبر [الله] أكبر، أشهد أن لا اله الا الله، يهوي بأذانه يمينا وشمالا، فقال حذيفة: من يرد الله ان يجعل رزقه في صوته فعل.\rوهذا يدل على انه كره التلفت في غير الحيعلة، وجعله مناكلاً بأذانه.\rالمسألة الثانية:\rجعل الاصبعين في الاذنين.\rوقد حكى عن ابن عمر، انه كان لا يفعل ذلك.\rوظاهر كلام البخاري: يدل على انه غير مستحب؛ لانه حكى تركه عن ابن عمر، وأماالحديث المرفوع فيه فعلقه بغير صيغة الجزم، فكأنه لم يثبت عنده.\rوذكر في ((تاريخه الكبير)) من رواية الربيع بن صبيح، عن ابن سيرين، قال: اول من جعل أصبعيه في أذنيه في الاذان عبد الرحمن بن الأصم مؤذن الحجاج.\rوهذا الكلام من ابن سيرين يقتضي انه عنده بدعة.\rوروي عن ابن سيرين بلفظ آخر.\rقال وكيع في ((كتابه)): عن يزيد بن إبراهيم والربيع بين صبيح، عن ابن سيرين، قال: أول من جعل اصبعا واحدة في أذانه ابن الأصم مؤذن الحجاج.\rوقال ابن أبي شيبة: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: كان الأذان أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، ثم يجعل اصبعيه، واول من ترك إحدى أصبعيه في أذنيه ابن الاصم.\rقال: وثنا أبو أسامة، عن هشام، عن ابن سيرين، انه كان إذا اذن استقبل القبلة، فأرسل يديه، فإذا بلغ: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) أدخل إصبعيه في أذانه.\rوهذا يقتضي انه إنما يجعلهما في أذنيه في أثناء الاذان.\rوروى وكيع، عن سفيان، عن نسير بن ذعلوق، قال: رأيت ابن عمر يؤذن على بعير.\rقال سفيان: قلت له: رأيته جعل إصبعيه في أذنيه ؟ قال: لا.\rوهذا هو المروي عن ابن عمر، الذي ذكره البخاري تعليقا.\rوأكثر العلماء على ان ذلك مستحب.\rقال الترمذي في ((جامعه)) : العمل عند اهل العلم على ذلك، يستحب ان يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الاذان. وقال بعض اهل العلم: وفي الاقامة - أيضا، وهو قول الاوزاعي. انتهى.\rوقال إسحاق كقول الاوزاعي.\rومذهب مالك: ان شاء جعل اصبعيه في اذانه واقامته، وان شاء ترك-ذكره في ((التهذيب)).\rوظاهر هذا: يقتضي انه ليس بسنة.\rوقد سهل أحمد في تركه، وفي جعل الاصبعين في احدى الاذنين.\rوسئل الشعبي: هل يضع أصبعيه على أذنيه إذا أذن ؟ قال: يعم عليهما، واحدهما يجزئك.","part":4,"page":251},{"id":895,"text":"خرجه ابو نعيم في ((كتاب الصلاة)).\rواختلفت الرواية عن أحمد في صفة ذلك:\rفروي عنه، أنه يجعل أصبعيه في أذنيه، كقول الجمهور.\rوروي عنه، أنه يضم أصابعه، ويجعلها على اذنيه في الأذان والإقامة.\rواختلف أصحابنا في تفسير ذلك :\rفمنهم من قال: يضم أصابعه، ويقبضهما على راحتيه، ويجعلهما على أذنيه، وهو قول الخرقي وغيره.\rومنهم من قال: يضم الأصابع، ويبسطها، ويجعلها على اذنه.\rقال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد.\rقال أبو طالب: قلت لأحمد: يدخل إصبعيه في الأذن؟ قال:ليس هذا في الحديث.\rوهذا يدل على ان رواية عبد الرزاق، عن سفيان التي خرجها في ((مسنده)) والترمذي في ((جامهه)) غير محفوظة، مع ان أحمد استدل بحديث أبي جحيفة في هذا في رواية محمد بن الحكم. وقال في رواية أبي طالب- أيضا-: أحب إليّ أن يجعل أصابع يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة، وضم أصابعه الأربع، ووضعهما على أذنيه.\rقال القاضي أبو يعلى: لم يقع لفظ حديث أبي محذورة.\rقال: وروى أبو حفص العكبري بإسناده ، عن [ أبي ] المثنى، قال: كان ابن عمر إذا بعث مؤذناً يقول له: اضمم أصابعك مع كفيك، واجعلها مضمومة على أذنيك.\rواستحب الشافعية إدخال الإصبعين في الأذنين في الأذان، دون الإقامة.\rالمسألة الثالثة:\rالأذان على غير وضوء.\rحكى البخاري عن عطاء، أنه قال: الوضوء حق وسنة- يعني في الأذان-، وعن النخعي، انه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء.\rورجح قوله بقول عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه.\rوقد خرجه مسلم من حديث البهي، [عن عروة] ، عن عائشة.\rوممن قال بالكراهة: مجاهد والأوزاعي والشافعي وإسحاق.\rوممن ذهب إلى الرخصة: الحسن والنخعي وقتادة وحماد ومالك وسفيان وابن المبارك.\rورخص أحمد في الأذان على غير وضوء، دون الإقامة.\rوكذا قال الحسن وقتادة ومالك.\rوقال الأوزاعي: إن أحدث في أذانه أتمه، وإن أحدث في إقامته- وكان وحده- قطعها.\rواستحب الشافعي لمن أحدث في أذانه أن يتطهر، ويبنى على ما مضى منه.\rقال إسحاق: لم يختلفوا في الإقامة أنها أشد.\rوقال الزهري: قال أبو هريرة: لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ.\rورواه معاوية بن يحيى ، عن الزهري، عن أبي هريرة- مرفوعاً.\rخرجه الترمذي من الطريقين، وذكر أن الموقوف أصح.\rقال: والزهري لم يسمع من أبي هريرة.\rوروى عمير بن عمران الحنفي: ثنا الحارث بن عيينة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو طاهر.\rخرجه الدارقطني في ((الأفراد)) ، وزاد: ولا يؤذن إلا وهو قائم.\rوقال: عبد الجبار، عن أبيه مرسل.\rقلت: والحارث وعمير ، غير مشهورين.\rوما ذكره البخاري عن عطاء، هو من رواية ابن جريج، عنه، قال: حق وسنه إلا يؤذن المؤذن إلا متوضئاً. قال: [ هو] من الصلاة، هي فاتحة الصلاة، فلا يؤذن إلا متوضئاً.\rوهذا مبني على قوله: إن من نسي الإقامة أعاد الصلاة، وقد سبق ذلك عنه.","part":4,"page":252},{"id":896,"text":"وسبق الكلام في ذكر الله تعالى للمحدث، وان منهم من فرق بين الذكر الواجب كالأذان والخطبة، وبين ما ليس بواجب.\rوأماأذان الجنب، فأشد كراهة من أذان المحدث.\rواختلفوا : هل يعتد به، ام لا؟\rفقال الأكثرون: يعتد به ، منهم: سفيان وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد.\rوقال: إسحاق والخرقي من أصحابنا: لا يعتد به، ويعيده.\r* * *","part":4,"page":253},{"id":897,"text":"20- باب\rقول الرجل: ((فاتتنا الصلاة))\rوكره ابن سيرين أن يقول: فاتتنا الصلاة، وليقل : لم ندرك.\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - اصح.\r635- حدثنا ابو نعيم: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ سمع جلبة الرجال، فلما صلى قال: ((ما شأنكم؟)) قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: ((فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا)).\rمقصود البخاري بهذا الباب: أن يرد ما حكاه عن ابن سيرين، أنه كره أن يقول: ((فاتتنا الصلاة))، ويقول: ((م ندركها))، من ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((وما فاتكم)) فسمى القدر المسبوق به مع الإمام فائتاً، مع قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((من ادرك ركعة من الصلاة فقد ادركها))، فكيف بما لم يدرك مع الإمام من صلاته شيئاً، فإنه أولى أن يسمى فائتاً.\rوالظاهر: أن ابن سيرين إنما يكره أن يقول: ((فاتتنا الصلاة)) ؛ فإنها فاتته حقيقة.\rوقد يفرق بين أن تفوته بعذر كنوم ونسيان ، أو بغير عذر، فإن كان بعذر لم تفت-أيضا- ؛ لإمكان التدارك بالقضاء.\rوقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : \" الذي تفوته صلاة[ العصر] كانما وتر أهله وماله\" والكلام عليه مستوفى، وهل المراد به: من تفوته بعذر او بغير عذر، وذكرنا هناك من حديث أبي قتادة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما تفوت النائم ، ولا تفوت اليقظان)).\rخرجه الإمام أحمد.\rوكان ابن سيرين لشدة ورعه يتورع في منطقه، ويتحفظ فيه، ويكره أن يتكلم بما فيه نوع توسع أو تجوز، وإن كان سائغاً في لغة العرب.\rوقد وجد في بعض نسخ ((صحيح البخاري)) في حديث أبي قتادة هذا: ((وما فاتكم فاقضوا)).\rوقد خرجه الطبراني من طريق أبي نعيم الذي خرجه عنه البخاري، وقال في حديثه: \" ليصل أحدكم ما أدرك، وليقض ما فاته\".\rوخرجه بقي بن مخلد في ((مسنده)) عن ابن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، وقال في حديثه: ((وما سبقتم فاقضوا)).\rوخرجه الإسماعيلي، ولفظه: ((وما فاتكم فاقضوا)).\r* * *","part":4,"page":254},{"id":898,"text":"21- باب\rلا يسعى إلى الصلاة، ولياتها بالسكينة والوقار\r... وقال: ((ما ادركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا))-: وقاله أبو قتادة ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rحديث أبي قتادة، تقدم في الباب الماضي.\rقال:\r636- حدثنا آدم: حدثنا ابن أبي ذئب: حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((إذاسمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاتموا)).\rكان الزهري يروي هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ويرويه- أيضا-، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\rوقد رواه جماعه من أصحابه عنه، عن سعيد وحده. ورواه آخرون منهم، عنه، عن أبي سلمة وحده. وجمع بعضهم بينهما، منهم : عبيد الله بن عمر.\rوروي -أيضا- كذلك، عن ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ويونس بن يزيد.\rقال الدارقطني: هو محفوظ، كان الزهري ربما أفرده عن أحدهما، وربما جمعه.\rقلت: وقد خرجه البخاري في ((كتاب الجمعة)) من ((صحيحه)) هذا، عن آدم ، عن ابن أبي ذئب بالجمع بينهما، ومن طريق شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده.\rوخرجه مسلم من رواية إبراهيم بن سعيد، عن الزهري، عنهما.\rوخرجه أبو داود من طريق يونس كذلك.\rوكلام الترمذي في ((جامعه)) يدل على أن الصحيح رواية من رواه عن الزهري عن سعيد وحده.\rوالصحيح: أنه صحيح عن الزهري، عنهما، وتصرف الشيخين في ((صحيحهما)) يشهد لذلك.\rقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذاسمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، ولا تسعوا)) أمر بالمشي ونهي عن الإسراع إلى الصلاة لمن سمع الإقامة، وليس سماع الإقامة شرطاً للنهي، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوت إدراك التكبيرة أو الركعة، فهو كقوله تعالى: { وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } [البقرة: 283]، والرهن جائز في السفر وغيره.\rوكذلك قوله : { وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } [النساء: 43]،وقد ذكرنا أن التيمم يجوز عند عدم الماء في السفر و الحضر.\rوكذلك قوله تعالى: { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } [الاحزاب:5]، ويجوز أن يدعوا أخوانا وموالي وإن علم أباؤهم؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزيد: (( انت اخونا ومولانا)) مع علمه بأبيه.\rوقد سبق حديث أبي قتادة ((إذاأتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة)) ، من غير اشتراط سماع الإقامة.","part":4,"page":255},{"id":899,"text":"وقد أجمع العلماء على استحباب المشي بالسكينة إلى الصلاة، وترك الاسراع والهرولة في المشي، ولما في ذلك من كثرة الخطا إلى المساجد. وسيأتي أحاديث فضل المشي فيما بعد - إن شاء الله تعالى.\rوهذا ما لم يخش فوات التكبيرة الاولى والركعة، فإن خشي فواتها، ورجا بالاسراع إدراكها، فاختلفوا: هل يسرع حينئذ، أم لا؟ وفيه قولان.\rأحدهما : انه يسعى لإدراكهما.\rوروي عن ابن مسعود، أنه سعى لإدراك التكبيرة.\rونحوه عن ابن عمر، والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، وسعيد بن جبير.\rوعن أبي مجلز: الإسراع إذاخاف من فوت الركعة.\rوقال إسحاق: لاباس بالإسراع لإدراك التكبيرة.\rورخص فيه مالك.\rوقال أحمد - في رواية مهنأ-: ولا بأس- إذاطمع أن يدرك التكبيرة الأولى- أن يسرع شيئا، ما لم يكن عجلة تقبح؛ جاء عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يعجلون شيئا إذاتخوفوا فوت التكبيرة الأولى، وطمعوا في ادراكها.\rوبوب النسائي في ((سننه)) على ((الإسراع إلى الصلاة من غير سعي))، وخرج فيه حديث أبي رافع، قال: كان الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذاصلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل، يتحدث عندهم حتى ينحدر المغرب. قال أبو رافع: فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع- وذكر الحديث.\rوهذا إنما يدل على إسراع الإمامإذاخاف الابطاء على الجماعة، وقد قرب الوقت.\rوالقول الثاني: أنه لايسرع بكل حالٍ.\rوروي عن أبي ذر، ويزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وعطاء ، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء، وهو قول الثوري.\rونقله أن منصور وغيره عن أحمد، وقال: العمل على حديث أبي هريرة.\rوحديث أبي هريرة: دليل ظاهر على أنه لإيسرع لخوف فوت التكبيرة الأولى، ولا الركعة؛ فانه قال: ((فإذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، ولا تسرعوا)) ، فدل على أنه ينهى عن الإسراع مع خوف فوات التكبيرة أو الركعة.\rوفي ((مسند الإمام أحمد)) من حديث أبي بكرة، أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكع، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت نعلي أبي بكرة وهو يحفز، يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف قال: ((من الساعي؟)) قال أبو بكرة: أنا ، قال: ((زادك الله حرصا، ولا تعد)).\rوفي إسناده من يجهل حاله.\rوخرجه البخاري في (( كتاب القراءة خلف الامام)) بإسناده آخر فيه ضعف- أيضا- عن أبي بكرة - بمعناه، وفي حديث: قال: إن أبا بكرة قال: يا رسول الله، خشيت ان تفوتني ركعة معك، فأسرعت المشي، فقال له: ((زادك الله حرصاً، و لاتعد، صل ما ادركت، واقض ما سبقت)).\rولو سمع الإقامة وهو مشتغل ببعض أسباب الصلاة كالوضوء و الغسل أو غيرهما، فقال عطاء: لا يعجل عن ذلك - يعنى: أنه يتمه من غير استعجال.\rوسيأتي حديث : ((لا تعجل عن عشائك)) في موضعه من الكتاب- إن شاء الله تعالى.\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((عليكم السكينة والوقار))، وهو بالرفع على أن الجملة مبتدأ وخبر، ويروى بالنصب على الإغراء-: ذكره أبو موسى المديني.","part":4,"page":256},{"id":900,"text":"وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا))، هذه الرواية المشهورة عن الزهري، التي راوها عنه عامة أصحابه الحفاظ.\rورواه ابن عيينة، عن الزهري، وقال في روايته: ((وما فاتكم فاقضوا)).\rخرج حديثه الإمام أحمد والنسائي.\rوذكر أبو داود أن ابن عيينة تفرد بهذه اللفظة- يعني: عن الزهري.\rوذكر البيهقي بإسناده، عن مسلم، أنه قال: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة.\rقلت: قد توبع عليها.\rوخرجه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وقال في حديثه: ((قاضوا)). قال معمر: ولم يذكر سجوداً.\rوكذا رواها بحر السقاء، عن الزهري، وقال في حديثه ((وليقض ما سبقه)) وبحر، فيه ضعف.\rورواها - أيضا- بنحو رواية بحر: سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\rخرجه البخاري في ((كتاب القراء خلف الإمام)).\rورويت لفظة ((القضاء)) من غير رواية الزهري:\rوروى شعبة، عن سعد بن ابراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((ائتوا [الصلاة] وعليكم السكينة، فصلوا ما ادركتم، واقضوا ما سبقكم)).\rخرجه أبو داود.\rوخرجه الإمام أحمد من رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه.\rورويت عن أبي هريرة من وجود أُخر:\rفخرج مسلم طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (( إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم، ولكن ليمش؛ وعليه بالسكينة والوقار، صل ما أدركت، واقض ما سبقك)).\rقال أبو داود: وكذا قال أبو رافع، عن أبي هريرة.\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حميد، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((إذا جاء أحدكم فليمش نحواً مما كان يمشي، فليصل ما أدركه، وليقض ما سبقه)).\rوخرج البزار من حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته)).\rوهذا الحديث آخر غير الذي قبله.\rوبالجملة، فرواية من روى ((فأتموا)) أكثر.\rوقد استدل الإمام أحمد برواية من روى ((فاقضوا))، ورحجها.\rقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد- أرأيت قول من قال: يجعل من أدرك مع الإمام أول صلاته، وقد قال: يجعله آخر صلاته، أي شيء الفرق بينهما؟ قال: من أجل القراءة فيما يقضي. قلت له: فحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : على أي القولين يدل عندك؟ قال: على أنه يقضي ما فاته؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صلوا ما ادركتم واقضوا ما سبقكم)).\rوقال في رواية ابنه صالح: يروى عن أنس وأبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((صلَّ ما أدركت واقض ما سبقك)). قال: ويروي غيره أنه قال: يقرأ فيما أدرك. وقال غيره: يقرأ فيما يقضي. قال ابن مسعود: ما أدركت من الصلاة فهو آخر صلاتك. انتهى.","part":4,"page":257},{"id":901,"text":"وروى عبد الرزاق في ((كتابه))، عن معمر، عن قتادة، أن علياً قال: ما أدركت من الإمام فهو أول صلاتك، واقض فيما سبقك به من القراءة. وأن ابن مسعود قال: اقرأ فيما فاتك.\rوعن مالك، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام التي يعلن فيها بالقراءة، فإذا سلم الإمام قام عبد الله فقرأ لنفسه.\rوروى الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد: حدثنا عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا سبق بالأولتين قرأ في الآخرتين بفاتحة الكتاب وسورة.\rقلت: أماالقراءة فيما يقضي فمتفق عليها؛ لأن حكم متابعة الإمام قد انقطعت عنه بسلام إمامه قبل فراغ صلاته، فهو فيما بقي من الصلاة منفرد، يقرأ كما يقرأ المنفرد بصلاته، لا يقول أحد من العلماء: أنه لا يقرأ فيها لاستمرار حكم ائتمامه بالإمام.\rولكن من يقول من السلف: أن المصلي يقرأ في ركعتين ويسبح في ركعتين، كما يقول الكوفيون وغيرهم، يقول: إذا أدرك الإمام في ركعتين من الرباعية أنه لايقرأ معهم؛ لأنهم لا يرون قراءة الماموم وراء إمامه بحال، ويقولون: إذا قام يقضي ما فاته من الركعتين، فإنه يقرأ، ولا يجزئه أن يسبح، فإنه قد صار منفرداً في بقية صلاته، فلا بد [له] من القراءة، سواء فاته ركعة أو ركعتان، فإن فاته ثلاث ركعات قرأ في ركعتين، وله أن يسبح في الثالثة.\rوهذا كله قول سفيان الثوري.\rوحكى سفيان وأصحابه وابن عمر، أنه إذا أدرك ركعتين مع الإمام لم يقرأ فيما أدركه معه، وقرأ في الركعتين إذا قضاهما.\rوعن علي، أن ما أدركه فهو أول صلاته، فيقرأ فيه ما سبقه به الإمام من القراءة.\rظاهر هذا: أن علياً لم ير القراءة فيما يقضيه، وأنهم أرادوا أنه لا يقرأ فيه ما زاد على الفاتحة.\rوممن قال: يقرأ فيما يقضي: عبيدة السلماني، وابن سيرين، وأبو قلابة، والنخعي.\rوروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جابر، عن الشعبي، ان جندباً ومسروقاً أدركا ركعة من المغرب، فقرأ جندب ولم يقرأ مسروق خلف الإمام، فلما سلم الإمام قأمايقضيان، فجلس مسروق في الثانية والثالثة، وقام جندب إلى الثالثة ولم يجلس، فلما انصرفا أتيا ابن مسعود، فقال: كل قد أصاب، ونفعل كما فعل مسروق.\rوعن معمر، عن جعفر الجزري، عن الحكم، ان جندباً ومسروقاً أدركا ركعة من المغرب، فقرأ أحدهما في الركعتين الآخرتين ما فاته من القراءة، ولم يقرأ الآخر في ركعة، فسئل ابن مسعود، فقالا كلاهما محسن، وأنا أصنع كما صنع هذا الذي قرأ في الركعتين.\rوأكثر العلماء على أنه يقرأ في ركعات الصلاة كلها، يقرأ في الركعتين الأولتين بالحمد وسورة وفي الآخرتين بالحمد وحدها.\rوعلى هذا؛ إذا أدرك المسبوقٌ من الرباعية أو المغرب ركعتين، يقرأ فيما يقضي من الركعتين وبالحمد وحدها، أو بالحمد وسورةٍ ؟ على قولين ، اشهرهما أنه يقضي بالحمد وسورةٍ.\rوهذا هو المنصوص عن مالك، والشافعي، وأحمد.\rونص الشافعي على أن ما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته.\rوعن مالك في ذلك روايتان منصوصتان: أحدهما: هو أول صلاته. والثانية: هو آخرها.","part":4,"page":258},{"id":902,"text":"وكذلك عن أحمد، ولكن أكثر الروايات عنه، أنه آخر صلاته.\rوأمامذهب أبي حنيفة وأصحابه، فهو أن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها.\rوهو قول الحسن بن حي وسفيان الثوري.\rوعلى قول هؤلاء لا إشكال في أنه يقرأ فيما يقضي [بالحمد] وسورة.\rقال ابن المنذر: واختلفوا في الذي يدركه المأموم من صلاة الإمام.\rفقالت طائفة: يجعله أول صلاته، روي هذا القول عن عمر وعلي وأبي الدرداء، ولا يثبت ذلك عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري و الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق والمزني.\rوقالت طائفة: يجعل ما أدرك مع الإمام آخر صلاته، كذلك قال ابن عمر. وبه قال مجاهد وابن سيرين ومالك والثوري والشافعي وأحمد.\rقال ابن المنذر: وبالأول نقول. انتهى.\rوأنكر ابن عبد البر نقل ابن المنذر ذلك عن مالك والشافعي والثوري وأحمد، وقال: إنما أخذه من قولهم في القراءة [ في القضاء].\rقال: وثبت عن ابن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: ما أدركت فاجعله أول صلاتك.\rقال: والذي يجيء على أصولهم- إن لم يثبت عنهم نص في ذلك- ما قاله المزني وإسحاق وداود وعبد العزيز بن الماجشون.\rيعني: أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وحدها ؛ لأنه آخر صلاته.\rقال: وهذا أطرد في القياس.\rقال: فأمامن يقول: ما أدركه فهو أول صلاته، وما يقضيه آخرها، ثم يقول: يقرأ فيه بالحمد وسورة، فكيف يصح هذا على قوله؟ لِلَّهِ\rوروى حرب الكرماني بإسناده عن مكحول، قال: ما أدركت فاجعله أول صلاتك، تقرأ في أولها بأم القرآن وسورة بينك وبين نفسك.\rقلت: وهذا ظاهر في أنه لا يقرأ فيما يقضي بسورة مع الحمد.\rوروى بإسناده- أيضا- عن بقية، عن الزبيدي، قال: يقرأ فيما يقضي بأم القرآن وسورة بقدر الذي فاته مع الإمام. قال: وأماالأوزاعي فكان يقول: يقرأ بأم القرآن. قال بقية: وبه نأخذ.\rوروى -أيضا- بإسناده عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقرأ فيه بفاتحة الكتاب وسورة.\rوهذا يدل - أيضا- على أنه لا يقرأ فيما يقضي زيادة على الحمد.\rوروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة- مثل قول ابن عباس.\rوقد اتفقت النصوص عن أحمد على أنه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة.\rواختلف قوله في مأخذ ذلك:\rفنقل عنه هارون الحمال، أن مأخذ ذلك أن ما أدركه آخر صلاته وما يقضيه أولها. قال: فقيل له : قد حكي عنك أنك قلت: يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعل ما أدرك أول صلاته. فأنكر ذلك.\rوهذا يحتمل أن يكون إنكاره للقول بأنه يقتصر على الحمد فيما يقضي تفريعاً على ذلك؛ فإن القول بأن ما أدركه أول صلاته مشهور عنه، قد نقله عنه غير واحد، فإن كان مراده الأول كان قوله بأن القراءة فيما يقضي بالحمد وسورة لا يختلف قوله فيه مع قوله: إن ما يقضيه أول صلاته أو آخرها، وهذا هو المذهب عند أبي موسى وغيره من متقدمي الأصحاب.","part":4,"page":259},{"id":903,"text":"وقد نقل عبد الله والأثرم وغيرهما انه يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة، مع قوله: آخر صلاته.\rوإن كان مراده الثاني كان القول: يقرأ الحمد وسورة فيما يقضيه، مبنيا على الاختلاف فيما يقضيه: هل هو أول صلاته، أو آخرها.\rوهذا هو قول القاضي أبي يعلى ومن بعده من أصحابنا.\rوأنكر بعض المتاخرين منهم أن يصح القول بقراءة الحمد وسورة فيما يقضيه على كلا القولين، إلا على قول من يرى استحباب القراءة بالحمد وسورة في كل ركعة من الصلاة كلها، أو على أن من نسي قراءة السورة في الأوليين قرأها في الأخريين.\rوهذا المأخذ الثاني لا يصح؛ فإنه لا نسيان هاهنا.\rوللمسألة مأخذان لم يذكرهما هذا القائل:\rأحدهما: الاحتياط، ونص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله وغيرهما، قال: يكون جلوسه على أول صلاته وفي القراءة يحتاط فيقرأ فيما يقضي.\rيعني: أنه إن أدرك ركعة من الرباعية تشهد عقيب قضاء ركعة، فيجعل ما أدرك أول صلاته في الجلوس للتشهد؛ ويقرأ في ركعتين فيما يقضي بالحمد وسورة احتياطاً لقراءة السورة؛ فإنها سنة مؤكدة، فيحتاط لها، ويأتي بها في الركعات كلها؛ للاختلاف في أول صلاته وآخرها.\rوالمأخذ الثاني: أنه إذا أدرك مع الإمام ركعتين من الرباعية، فإنه لا يتمكن من قراءة السورة مع الحمد معه غالباً، فإذا صلى معه ركعتين قرأ فيهما بالحمد وحدها، ثم قضى ركعتين؛ فإنه ينبغي أن يقرأ فيهما سورة مع الفاتحة؛ لئلا تخلوا هذه الصلاة من قراءة سورة مع الفاتحة، مع حصول الاختلاف في استحباب قراءة السورة فيما يقضيه ، فالاحتياط أن يقرأ فيما يقضي بالحمد وسورة.\rأمالو كان قد قرأ فيما أدرك مع الإمام سورة مع الفاتحة؛ فإنه لا يعيد السورة فيما يقضيه، لا سيما عند من يقول: إن ما أدركه هو أول صلاته.\rولهذا قال قتادة: إذا أمكنك الإمام فاقرأ في الركعتين اللتين بقيتا سورة، تجعلهما أول صلاتك.\rذكره عبد الرزاق، عن معمر، عنه.\rولم أجد لأحمد ولا لغيره من الأئمة نصاً صريحاً أنه يقرأ بالحمد وسورة فيما أدركه خلف الإمام، ثم يعيد ذلك فيما يقضيه، بل نص على أن من أدرك ركعة من الوتر وقضى ما فاته أنه لا يعيد القنوت.\rوعلله أبو حفص البرمكي بأنه قد قنت مع الإمام فلا يعيد كما لو سجد معه للسهو. قال: ويحتمل أنه لم يعده لأنه أدرك آخر الصلاة.\rونص الشافعي على أن المسبوق بركعتين من الرباعية يقرأ فيما يقضي بالفاتحة وسورتين.\rفاختلف أصحابه على طريقين:\rأحدهما : أن في استحباب السورة له القولان في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخريين، وأن الشافعي إنما فرع نصه هذا على قوله باستحباب قراءة السورة في كل الركعات، وهذا قاله أبو علي الطبري.\rوالطريق الثاني: قاله أبو إسحاق، أنه يستحب للمسبوق قراءة السورة قولاً واحداً، وإن قيل: لا يستحب لغيره قراءة في الأخريين؛ لأن المسبوق لم يقرأ السورة في الأوليين، ولا أدرك قراءة الإمام السورة، فاستحب له ؛ لئلا تخلو صلاته من سورتين.\rوهذا الطريق هو الصحيح عندهم، وعليه أكثر أصحابهم.","part":4,"page":260},{"id":904,"text":"وأماالجهر بالقراءة في العشاء وثالثة المغرب، فأكثرهم على أنه لا يجهر.\rوحكوا في جهره قولين للشافعي.\rومنهم من قال: نص في ((الإملاء)) على أنه يجهر؛ لأن الجهر فاته فيتدارك، ونص في غيره على أنه لا يجهر؛ لأن سنة آخر الصلاة الإسرار بالقراءة، فلا تفوته. وبهذا يفرق بينه وبين السورة.\rوصرح بعضهم بأنه لو كان الإمام بطيء القراءة فأمكن المسبوق أن يقرأ معه السورة فيما أدرك فقرأها، لم يعدها في الأخريين، إلا على قولهم: يقرأ بالسورة في الركعات كلها، وهو حسن موافق لما ذكره.\rوهاهنا مأخذ ثالث؛ وقد صرح به غير واحد من السلف، وقد روي عن علي ما يدل عليه، وصرح به الترمذي وغيره، وهو: أن من أدرك مع الإمام ركعتين فقد فاته معه ركعتان بسورتيهما، فيشرع له قضاء ما فاته على وجهه.\rلكن؛ هل يقضيه فيما أدرك مع الإمام، أو فيما يقضيه بعد قراءته.\rفالمروي عن علي أنه يقضيه فيما أدركه مع الإمام، وقال: هو اول صلاته.\rوقال ابن مسعود وغيره: فيما يقضي لنفسه وحده منفرداً.\rفأماأن يكون مأخذهم انه أول صلاته، وأماأن يكون مأخذهم ان القضاء إنما يكون بعد مفارقة الإمام ما أدرك، ويقضي ما سبق، ولا يكون في حال متابعته، وإن كان آخر صلاته.\rوروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين وأبي قلابة، قالا: يصلي مع الإمامما أدرك ، ويقضي ما سبق به مع الإماممن القراءة. مثل قول ابن مسعود.\rوقال عمرو بن دينار: ما فاتك فاقضه كما فاتك.\rوروى ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، عن جهم بن الاسود، عن أبي سعيد الخدري، قال: اقرأ فيما تقضي بما قرأ به الإمام.\rخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد.\rوروى الأعمش، عن إبراهيم، قال: إنما القراءة في القضاء. قال: وقال لي سعيد بن جبير: تقرأ فيما تدرك.\rوالمروي عن أبي سعيد يدل على أنه يستحب أن يقرأ فيما يقضيه بالسورتين اللتين قرأ بهما الإمام؛ لتكون قراءته لهما قضاء بما فاته مع الإمام حقيقة.\rوأيضا؛ فإن [ عامة] الكوفيين لا يرون القراءة خلف الإمام، وقد اختلفوا في القراءة هاهنا خلفه فيما أدركه؛ لأنه قضاء للقراءة الثانية، فرأى القراءة علي وسعيد بن جبير، ولم يره ابن مسعود وعلقمة والنخعي والاكثرون منهم.\rوأماإذا أدرك ركعة من الرباعية أو المغرب، فإنه يجلس للتشهد عقب قضاء ركعة، كما قاله ابن مسعود وعلقمة، وقاله سعيد بن المسيب. وهو المشهور عن أحمد.\rوأخذ أحمد في هذه المسألة بما روي عن ابن مسعود، وفي الأولى بما روي عن ابن عمر، وقاله ابن مسعود- أيضا.\rومن أصحابنا من بنى هذا على قول أحمد: إن ما يقضيه آخر صلاته. قال: فإن قلنا: هو أول صلاته، تشهد عقب قضاء ركعتين.\rوقال الاكثرون: بل في المسألة روايتان غير مبنيتين على هذا الاصل.\rوهذا هو الذي يدل عليه كلام الإمام أحمد صريحاً؛ فإنه أخذ في القراءة بقول ابن عمر، وفي الجلوس بقول ابن مسعود، وجمع بينهما. وابن مسعود مع قوله بهذا، فإنه قد قال: ما أدركه فهو آخر صلاته، كما سبق عنه.\rوزعم صاحب ((المغني)) من أصحابنا ان ذلك كله جائز.","part":4,"page":261},{"id":905,"text":"ويشكل عليه: أن أحمد نص في رواية مهنا على انه إذا تشهد عقب ركعتين سجد للسهو.\rوكلام ابن مسعود يدل على جواز الأمرين كما سبق عنه.\rوقد تبين بهذا: أن اكثر العلماء ليس لهم في هذه المسألة قول مطرد.\rولا خلاف أن التشهد الأخر في حق المسبوق هو الذي في آخر صلاته، الذي يسلم عقيبه، فأماالتشهد الأول، فإن وقع عقيب ركعتين من صلاة المسبوق، فإنه يتشهد فيه معه.\rواختلفوا : هل يتم التشهد مع الإمام بالدعاء ام ينتهي إلى قوله: ((واشهد ان محمداً عبده ورسوله))، ثم يردده؟ على قولين.\rوالثاني: قول الحسن وأحمد، والأول : ظاهر كلام عطاء.\rفإن كان تشهد الإمام في موضع وتر من صلاة المأموم، فإنه يتابعه في جلوسه بغير خلاف.\rوهل يتشهد معه فيه ، أم لا؟ على قولين:\rأحدهما: يتشهد معه، وهو قول الحسن وابن المسيب وعطاء ونافع والزهري والثوري.\rوأحمد، قال: أحب إلي أن يتشهد.\rوالثاني: لا يتشهد، وهو قول النخعي ومكحول وعمرو بن دينار، وحكاه ابن المنذر عن الحسن- أيضا.\rوقال النخعي: يسبح- يعني: بدل التشهد.\rوقال الأوزاعي: يكتفي بالتسبيح.\rوأكثر العلماء على أنه لا سجود عليه للسهو لزيادة هذا الجلوس متابعة للإمام ، وحكي عن ابن عمر أنه كان يسجد كذلك للسهو. وعن أبي سعيد الخدري وعن عطاء وطاوس ومجاهد، وهو قول الحسن.\rوروي عن عطاء، عن أبي سعيد وابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير، أنهم كانوا يسجدون سجدتي السهو إذا أدرك الإمام في وتر.\rقال الإمام أحمد: لم يسمعه عطاء منهم، بينه وبينهم رجل.\rيعني: أن في الإسناد مجهول.\rوالصحيح: قول الجمهور.\rوفي ((صحيح مسلم)) عن المغيرة، أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تبوكاً ،فتبرز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتوضأ، وصب عليه المغيرة، ثم أقبل.قال المغيرة: وأقبلت حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم ، فأدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتم صلاته، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته أقبل عليهم، ثم قال : ((أحسنتم)) -او ((اصبتم)) -، يغبطهم ان صلوا الصلاة لوقتها .\rولم يذكر المغيرة ان النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو.\rوخرجه أبو داود من وجه آخر عن المغيرة ، وفيه: فلما سلم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى الركعة التي سبق بها، ولم يزد عليها شيئاً.\rوخرجه البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) والطبراني والبيهقي من وجه آخر عن المغيرة، وفيه: فصلينا ما أدركنا، وقضينا ما سبقنا.\rوقد روى معمر: ليصل ما أدرك، وليقض ما سبق. قال معمر: ولم يذكر سجوداً.\rيعني : انه لو كان عليه سجود في بعض الاحوال لما أخر بيانه؛ لأنه وقت حاجة. وكذلك استدل به كثير من الأئمة بعده، منهم الإمام أحمد والشافعي.","part":4,"page":262},{"id":906,"text":"وفي حديث المغيرة: ان المسبوق إنما يقوم إذا سلم الإمام، ولا يقوم حتى يسلم إمامه التسليمتين معاً، نص عليه سفيان والشافعي وأحمد؛ لأن التسليمة الثانية مختلف في وجوبها، [ فإذا] لم يأت بها الإمام لم يخرج من صلاته بيقين.\rقالت طائفة: ويستحب ان لا يقوم حتى ينحرف الإمام، لعله أن يذكر سجود سهو، إلا ان يطول ذلك فيقوم ويدعه، وهذا قول عطاء والشعبي وأحمد.\rوكان ابن عمر إذا سلم الإمام يقضي ما سبق به ، وإن لم يقم الإمام.\rوقال أصحاب الشافعي: إن مكث المسبوق بعد سلام إمامه جالساً، وطال جلوسه، فإن كان موضع تشهده الأول جاز، ولم تبطل صلاته؛ لأنه محسوب من صلاته، لكنه يكره له تطويله، وإن لم يكن في موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليم إمامه؛ لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت، فإن فعل عالما بطلت صلاته، وان كان ساهياً لم تبطل، ويسجد للسهو.\rولو سبق جماعة ببعض الصلاة، ثم قاموا بعد سلام الإمام، فهل لهم ان يقلوا جماعة يؤمهم أحدهم ؟ فيه قولان:\rأحدهما: نعم ، وهو قول عطاء وابن سابط.\rوالثاني: لا، وهو قول الحسن.\rوعن أحمد فيه روايتان، وللشافعية وجهان.\rومأخذهما: هل يجوز الانتقال من الائتمام إلى نية الإمام؟\rوأمامأخذ الحسن، فالظاهر أنه كراهة إعادة الجماعة في مسجد مرتين.\rقال القاضي من أصحابنا والشافعية: ولو كان ذلك في الجمعة لم يجز؛ لأن الجمعة لا تقام في مسجد واحد مرتين في يوم.\rوقال أبو [ علي] الحسن بن البناء: في هذا نظر؛ لأن الجمعة تقام عندنا في مواضع للحاجة، وان سبق بعضها بعضاً.\r* * *","part":4,"page":263},{"id":907,"text":"22- باب\rمتى يقوم للناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة\r637- حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا هشام، قال: كتب إلي يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)).\rهذا رواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير مكاتبة، وقد رواه عن يحيى غير واحد: شيبان، وحجاج الصواف، وايوب، وأبان العطار، ومعمر، وغيرهم.\rوخرجه البخاري من رواية شيبان، وخرجه مسلم من رواية حجاج ومعمر.\rوفي رواية له من رواية شيبان ومعمر: ((حتى تروني قد خرجت)).\rوقال أبو داود: لم يذكر: ((قد خرجت)) إلا معمر.\rوذكر البيهقي: أنها قد رويت عن حجاج - أيضا.\rوخرجها ابن حبان في ((صحيحه)) من رواية معمر، ولفظه: ((حتى تروني قد خرجت إليكم)).\rوهذه اللفظة : يستدل بها على مراده - صلى الله عليه وسلم - برؤيته: أن يخرج من بيته، فيراه من كان عند باب المسجد، ليس المراد: يراه كل من كان في المسجد.\rوهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال))، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لاكتفي برؤيتهما، وصام الناس كلهم.\rويدل على هذا: ما خرجه مسلم من حديث الزهري، قال: اخبرني أبو سلمة، سمع ابا هريرة يقول: أقيمت الصلاة، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل ان يخرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا قام في مصلاه قبل ان يكبر ذكر فانصرف- وذكر تمام الحديث.\rويحمل ذلك على قيامهم قبل ان يطلع على اهل المسجد من المسجد، لما علموا خروجه من بيته وتحققوه.\rوخرج- أيضا- بهذا الإسناد، عن أبي هريرة، قال : إن كانت الصلاة تقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيأخذ الناس مصافهم قبل ان يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامه.\rفهذه الرواية تصرح بأن الصفوف كانت تعدل قبل ان يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مصلاه، ولكن كان قد خرج من بيته، ورآه من كان بقرب بيته.\rوقد ذكر الدارقطني وغير واحد من الحفاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد ابن مسلم من الحديث الذي قبله، فأتي به بهذا اللفظ.\rفإن قيل: فقد خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا خرج اقام الصلاة حين يراه.\rفلو اكتفي برؤية واحد للنبي - صلى الله عليه وسلم - لاكتفي برؤية بلال له، واكتفي بإقامة بلال في قيام الناس، فإنه كان لا يقيم حتى يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج.\rقيل: هذا إنما ورد في صلاة الظهر بالمدينة خاصة، وأمافي غيرها من الصلوات، فقد كان بلال يجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته، فيؤذنه بالصلاة، فكان يفعل ذلك في صلاة الفجر، كما في حديث عائشة وابن عباس، وكان احياناً يفعله في السفر في غير الفجر، كما روى أبو جحيفة، أنه رأى بلالا أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الظهر.","part":4,"page":264},{"id":908,"text":"فالظاهر: ان بلالاً كان إذا اذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة رجع، فأقام قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيته، واكتفى بتأهبه للخروج [بإيذائه]له، فوقع النهي في قيام الناس إلى الصلاة قبل خروجه في مثل هذه الحالة. والله اعلم.\rوقد اختلف العلماء في الوقت الذي يقوم فيه الناس للصلاة.\rفقال طائفة: يقومون إذا فرغ المؤذن من الاقامة، سواء خرج الإمام او لم يخرج.\rوحكى ذلك بعض الشافعية عن أبي حنيفة والشافعي.\rورجع بعض متأخري الشافعية أنهم لا يقومون حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة.\rوحكى ابن المنذر، عن أبي حنيفة، انه إذالم يكن الإماممعهم كره ان يقوموا في الصف والإمام غائب عنهم.\rوممن روي عنه، انهم لا يقومون حتى يروا الامام: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب.\rخرجه وكيع، عنهما.\rواختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة:\rفروى عن جماعة من أصحابه، أنهم لا يقومون حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة، ولو علموا به، مثل ان يكون الإمام هو المؤذن، وقد اقام الصلاة في المنارة وهو نازل.\rوروى عنه الاثرم وغيره: انهم يقومون قبل ان يروه إذا اقيمت الصلاة؛ لحديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم.\rوروى عنه المروذي وغيره: انه وسع العمل بالحديثين جميعاً، فإن شاءوا قاموا قبل ان يروه، وأن شاءوا لم يقوموا حتى يروه.\rورجح بعض أصحابنا الرواية الأولى؛ لحديث أبي قتادة، وادعى انه ناسخ لحديث أبي هريرة؛ فإنه يدل على ان فعلهم لذلك كان سابقا، ثم نهي عنه.\rوكذا ذكر البيهقي، لكن قال: إنما نهي عنه تخفيفاً عليهم، ورفقاً بهم، وهذا لا يمنع العمل به كالصائم في السفر ونحوه.\rوروي عن أبي خالد الوالبي، قال: خرج الينا علي بن أبي طالب ونحن قيام، فقال: مالي أراكم سامدين - يعني: قياماً.\rوسئل النخعي: أينتظرون الإمام قيأماأو قعوداً ؟ قال: قعوداً.\rوقال ابن بريدة في انتظارهم قياماً: هو السمود.\rوكذا روي عن النخعي، انه كرهه، وقال: هو السمود.\rوحكي مثله عن أبي حنيفة وإسحاق.\rقال بعض أصحابنا: وروي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي، وداود،انه ان كان الإمام خارجاً من المسجد فلا تقوموا حتى تروه، وإن كان في المسجد فهو كالمشاهد؛ حملا للرؤية في الحديث على العمل، وكذا قال ابن بطة من أصحابنا.\rوإن كان الإمام في المسجد، فهو مرئي للمصلين أو بعضهم، لكن هل يكتفي برؤيته قاعداً، أو لا بد من رؤيته قائماً متهيأ للصلاة ؟ هذا محل نظر.\rوالمنصوص عن أحمد، انه إذا كان في المسجد فإن المأمومين يقومون إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة))، وإن لم يقم الإمام.\rوالقيام للصلاة عند الإقامة متفق على استحبابه للإمام، إذا كان حاضراً في المسجد، وللمأمومين معه.\rواختلفوا في موضع القيام من الاقامة على اقوال:\rأحدها: انهم يقومون في ابتداء الاقامة، روي عن كثير من التابعين، منهم: عمر بن عبد العزيز، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وهو غريب عن أحمد.","part":4,"page":265},{"id":909,"text":"والثاني: إذا قال: ((قد قامت الصلاة))، روي عن أنس بن مالك، والحسن بن علي، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وهو قول ابن المبارك، وزفر، وأحمد، وإسحاق.\rوالثالث: إذا قال: ((حي على الفلاح))، وحكي عن أبي حنيفة، ومحمد.\rوالرابع: إذافرغت الاقامة، وحكي عن مالك، والشافعي.\rوحكى ابن المنذر عن مالك، انه لم يوقت في ذلك شيئاً.\rوقال الماوردي-من الشافعية-: إن كان شيخاً بطيء النهضة قام عند قوله: ((قد قامت الصلاة))، وإن كان سريع النهضة قام بعد الفراغ؛ ليستووا قيأمافي وقت واحد.\rفإن تأخر قيام الإمام عن فراغ الإقامة لعذر كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - احيانا يناجي بعض أصحابه طويلا، فهل يتأخر قيام المأمومين إلى حين ؟ الاظهر: نعم.\rويدل عليه ما خرجه البخاري-وسيأتي قريباً عن شاء الله-، عن أنس، قال: اقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم.\rونومهم يدل على انهم كانوا جلوسا؛ إذ لو كانوا قيأماينتظرون الصلاة كان ابعد لنومهم.\rوروى حجاج بن فروخ، عن العوام بن حوشب، عن ابن أبي أوفى، قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة، نهض النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rحجاج، واسطي، قال أحمد يحيى: لا نعرفه. وقال يحيى-أيضا-: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: مجهول وضعفَهٌ النسائي، وقال الدار قطني: متروك.\rوذكر هذا الحديث لأحمد فأنكره، وقال: العوام لم يلق ابن أبي اوفى. هذا في القيام المبتدأ للصلاة ممن كان جالساً، فأمامن دخل المسجد امأماكان او مأموماً، والمؤذن يقيم الصلاة، فهل يجلس ليبتدئ القيام أمابعد الفراغ أو عند قوله: ((قد قامت الصلاة))، أم يستمر قائماً ؟ فيه قولان:\rأحدهما: انه يجلس ليقوم إلى الصلاة في موضع القيام المشروع، وكذلك كان الإمامأحمد يفعل-: نقله عنه ابن منصور، وقاله طائفة من الشافعية، منهم: أبو عاصم العبادي.\rوفيه حديث مرسل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء وبلال في الإقامة، فقعد\rخرجه الخلال.\rوالقول الثاني: انه يستمر قائما ولا يجلس-: قاله طائفة من الشافعية، منهم: البغوي وغيره؛ لئلا يدخل في النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام؛ لان النهي إنما يتناول القيام المبتدأ، وهذا لم يبتدئ القيام، بل استمر عليه.\rويتخرج لأحمد مثل هذا؛ انه فرق بين القيام المبتدأ والمستمر في القيام للجنازة، فحمل النهي عن القيام المبتدأ لمن كان جالساً، فأمامن تبعها فإنه يستمر قائماً، ولا يجلس حتى توضع بالارض، ولم ير هذا القيام المستمر داخلاً في القيام للجنازة المنهي عنه، وجمع بذلك بين الحديثين.\rوقد يفرق بينهما: بأن في الجنازة حديثين مختلفين، فجمع بينهما بالتفريق بين القيام المبتدأ والمستمر، وأمافي النهي عن القيام قبل رؤية الإمام فليس فيه حديث يعارضه، بل مرسل ابن أبي ليلى يوافقه، فلذلك سوى فيه بين القيام المبتدأ والمستمر. والله أعلم.","part":4,"page":266},{"id":910,"text":"وأماإن خرج الإمام إلى المسجد، ورآه المأمومون قبل إقامة الصلاة، فلا خلاف انهم لا يقومون للصلاة برؤيته.\rوخرج البيهقي من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج: اخبرني موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج بعد النداء إلى المسجد، فإذا رأى أهل المجلس قليلا جلس حتى يرى منهم جماعة، ثم يصلي، وكان إذا خرج فرأى جماعة أقام الصلاة.\rوقال: وحدثني موسى بن عقبة-أيضا-، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -مثل هذا الحديث.\rوخرجه أبو داود من رواية أبي عاصم، عن ابن جريج بالإسنادين- أيضا-، لكن لفظه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلاً جلس، ثم صلى، وإذارآهم جماعة صلى.\rوخرجه الإسماعيلي في ((مسند علي)) من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج بالإسنادين - أيضا-، ولفظ حديثه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان إذا دخل المسجد فرأى جماعة أقام الصلاة،وإن رآهم قليلاً جلس.\rوخرجه من طريق عبد المجيد- أيضا- بنحو رواية البيهقي، وفي آخره: يعني: أمر المؤذن ، فأقام.\rوأشار إلى أنه إنما يعرف بهذا الإسناد عن علي القيام للجنازة ثم الجلوس قال: ولعل هذا أن يكون [ خبراً] آخر. والله أعلم.\r* * *","part":4,"page":267},{"id":911,"text":"23- باب\rلا يسعى إلى الصلاة، ولا يقوم إليها مستعجلاً\rوليقم بالسكينة والوقار\r638- حدثنا أبو نعيم: ثنا شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني، وعليكم السكينة)).\rتابعه: علي بن المبارك.\rقد سبق هذا الحديث بدون هذه الزيادة، وهي: ((وعليكم السكينة))، وقد ذكر أنه تابع شيبان عليها علي بن المبارك.\rوقد خرجه في كتاب ((الجمعة)) عن أبي قتيبة- وهو: سلم بن قتيبة-، عن ابن المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة- قال أبو عبد الله: لا أعلم إلا عن أبيه-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (( لا تقوموا حتى تروني، وعليكم السكينة))، فشك في وصله.\rوقال أبو داود: رواه معاوية بن سلام، وعلي بن المبارك، وقالا فيه: ((حتى تروني، وعليكم السكينة)).\rوخرجه الإسماعيلي في ((صحيحه)) من رواية معاوية، كما ذكر أبو داود.\rوقد سبق القول في النهي عن السعي إلى الصلاة، والأمر بالمشي إليها بالسكينة والوقار.\rوإنما المراد بهذا الباب: النهي عن القيام إلى الصلاة عند رؤية الإمام باستعجال في القيام، والأمر بالقيام برفق وتؤدة، وعليكم السكينة والوقار.\r* * *","part":4,"page":268},{"id":912,"text":"24- باب\rهل يخرج من المسجد لعلةٍ؟\r639- حدثنا عبد العزيز بن عبد الله : ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وقد أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف، حتى إذاقام في مصلاه انتظرنا أن يكبر، انصرف. قال: ((على مكانكم))، فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء، وقد اغتسل.\rمقصود البخاري بهذا الباب: أنه يجوز لمن كان في المسجد بعد الأذان أو بعد الإقامة أن يخرج منه لعذر.\rوالعذر نوعان:\rأحدهما: ما يحتاج إلى الخروج معه من المسجد، ثم يعود لإدراك الصلاة فيه، مثل أن يذكر أنه على غير طهارة، أو ينتقض وضوؤه حينئذ، أو يدافعه الأخبثان، فيخرج للطهارة، ثم يعود فيلحق الصلاة في المسجد.\rوعلى هذا : دل حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب.\rوالثاني: أن يكون العذر مانعاً من الصلاة في المسجد كبدعة إمامه ونحوه، فيجوز الخروج منه - أيضا- للصلاة في غيره، كما فعل ابن عمر- رضي الله عنه.\rروى أبو داود من حديث أبي يحيى القتات، عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر، فثوب رجل في الظهر او العصر، فقال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة.\rوأبو يحيى هذا، مختلف فيه.\rوقد استدل طائفة من أصحابنا بهذا الحديث، وأخذوا به.\rوأماالخروج بعد الأذان لغير عذر، فمنهي عنه عند أكثر العلماء.\rقال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب: إذا أذن المؤذن وأنت في المسجد، فلا تخرج حتى تصلي.\rقال ابن المسيب: يقال: لا يفعله إلا منافق.\rقال: وبلغنا ان من خرج بين الأذان والإقامة لغير الوضوء أنه سيصاب.\rذكره مالك في ((الموطإ)) عنه.\rقال أصحابنا: لا يجوز ذلك.\rوقال أصحاب الشافعي: هو مكروه.\rقال الترمذي في ((جامعه)): العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان، إلا من عذرٍ: أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بد منه.\rويروى عن إبراهيم النخعي، أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة.\rقال أبو عيسى الترمذي: وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه.\rوالمروي عن إبراهيم في هذا: ما رواه مغيرة، عن إبراهيم، قال: إذا سمعت الإقامة وأنت في المسجد فلا تخرج.\rفمفهومه: جواز الخروج قبل الإقامة.\rوقد حمله الترمذي على العذر، ويشهد لذلك: ما رواه وكيع، عن عقبة أبي المغيرة، قال: دخلنا مسجد إبراهيم وقد صلينا العصر، وأذن المؤذن، فأردنا أن نخرج ، فقال أبراهيم : صلوا.\rوقد دل على النهي عن ذلك ما روى أبو الشعثاء سليم بن الأسود، قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره، حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أماهذا فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -.\rوخرجه الإمام أحمد، وزاد: ثم قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إذا كنتم في المسجد، فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)).","part":4,"page":269},{"id":913,"text":"وهذا كله إذا أذن المؤذن في وقت الصلاة، فإذا أذن قبل الوقت، فإن كان لغير الفجر فلا عبرة بهذا الأذان؛ لأنه غير مشروع، وإن كان للفجر فيجوز الخروج من المسجد بعد الأذان قبل طلوع الفجر للمؤذن-: نص عليه الإمام أحمد.\rوغير المؤذن في معناه؛ فإن حكم المؤذن في الخروج بعد الأذان من المسجد كحكم غيره في النهي عند أكثر العلماء، ونص عليه أحمد، وإسحاق ، وقال: لا نعلم أحداً من السلف فعل خلاف ذلك.\rورخص فقهاء اهل الكوفة، منهم: سفيان وغيره في أن يخرج المؤذن من المسجد بعد أذانه للأكل في بيته.\r* * *","part":4,"page":270},{"id":914,"text":"25- باب\rإذاقال الإمام: ((مكانكم حتى أرجع)) انتظروه\r640- حدثنا إسحاق: ثنا محمد بن يوسف: ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتقدم وهو جنب، فقال: ((على مكانكم))، فرجع فاغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم.\rقد تقدم الكلام في القيام قبل خروج الإمام، وانتظار المأمومين له قيأماقبل خروجه، فأماإذا ذكر حاجة فانصرف من المسجد وقال لهم: ((مكانكم حتى أرجع)) ، فإنهم ينتظرونه قيأماحتى يرجع إليهم، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث.\rوفي الرواية المذكورة في الباب الماضي، قال: ((فمكثنا على هيئتنا حتى خرج الينا)) ، وهذا يدل على انهم انتظروه قياماً.\rورواه بعضهم: ((على هينتنا)) من الهينة، وهي الرفق، وكأنها تصحيف. والله اعلم.\rوفي رواية لمسلم في هذا الحديث: ((فلم نزل قيأماننتظره حتى خرج الينا، وقد اغتسل)).\rوفي رواية لمسلم-أيضا- في هذا الحديث : ((فأومأ إليهم بيده أن مكانكم)).\rوفيه: دليل على أن إيماء القادر على النطق يكتفى به في العلم، والأمر، والنهي، وقد سبق ذلك مستوفى في ((كتاب العلم)).\rوفي رواية لمسلم -أيضا- في هذا الحديث: ((فإتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذاقام في مصلاه قبل ان يكبر، ذكر فانصرف وقال لنا : ((مكانكم)).\rوهذه الرواية صريحة في أنه انصرف قبل التكبير، وهو - أيضا- ظاهر رواية البخاري.\rقال الحسن بن ثواب: قيل لأبي عبد الله - يعين: أحمد بن حنبل- وأنا أسمع: النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أومأ إليهم ان امكثوا، فدخل فتوضأ ثم خرج، أكان كبر؟ فقال: يروى أنه كبر، وحديث أبي سلمة لما أخذ القوم أماكنهم من الصف، قال لهم : ((امكثوا)) ، ثم خرج فكبر.\rفبين أحمد ان حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة يدل على انه لم يكن كبر، وأماقوله: ((يروى أنه كبر))، فيدل على أن ذلك قد روي، وأنه مخالف لحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأن حديث أبي سلمة أصح، وعليه العمل.\rوقد خرج أبو داود من حديث زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أن مكانكم ، ثم جاء ورأسه يقطر، فصلى.\rوفي رواية له- أيضا-: ((فكبر)) وقال فيه: فلما قضى الصلاة قال: ((إنما أنا بشر، وإني كنت جنباً)).\rوخرجه الإمام أحمد بمعناه- أيضا.\rقال أبو داود: ورواه أيوب وهشام وابن عون، عن محمد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -- مرسلاً، قال: فكبر، ثم اومأ إلى القوم أن اجلسوا، فذهب واغتسل، وكذلك رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم،عن عطاء بن يسار: أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر في صلاة.\rقال أبو داود: وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا أبان، عن يحيى يعني : ابن أبي كثير-، عن الربيع بن محمد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كبر. انتهى.\rوهذه كلها مرسلات.","part":4,"page":271},{"id":915,"text":"وحديث الحسن، عن أبي بكرة في معنى المرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين.\rوقد روي حديث ابن سيرين مسنداً، رواه الحسن بن عبد الرحمن الحارثي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة- مسنداً.\rقال البيهقي: والمرسل أصح.\rوقد روي موصولاً من وجه آخر:\rخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه من رواية اسامة بن زيد، عن عبد الله ابن يزيد مولى الاسود بن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة، وكبر، ثم أشار اليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماءً، فصلى بهم، فلما انصرف قال: ((إني خرجت إليكم جنباً، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة)).\rواسامة بن زيد، هو الليثي، وليس بذلك الحافظ.\rوروى معاذ بن معاذ: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ، عن أنس، قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته، فكبر فكبرنا معه، ثم اشار إلى الناس أن كما أنتم ، فلم نزل قيأماحتى أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قد اغتسل ورأسه يقطر.\rقال البيهقي: خالفه عبد الوهاب بن عطاء، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن بكر المزني.\rوقد بنى الشافعي على رواية من روى: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان كبر ثم ذكر، ووافقه الإمام أحمد في رواية الأثرم وغيره.\rوهؤلاء استدلوا بهذا الحديث على أن من صلى خلف محدث ناسٍ لحدثه ان صلاته مجزئه عنه، ويعيد الإمام وحده إذا ذكر بعد تمام صلاته، كما روي عن عمر وعثمان.\rوقيل: إنه لا مخالف لهما من الصحابة، بل قد روي مثله عن علي، وابن عمر- أيضا-، وهو قول جمهور العلماء، منهم : النخعي، وسفيان، ومالك، والشافعي، وأحمد.\rقال ابن مهدي: قلت لسفيان الثوري: تعلم ان أحداً قال: يعيد ويعيدون عن حماد؟ قال: لا.\rوهذا إذا استمر نسيان الإمام حتى فرغ من صلاته، فأماإن ذكر في اثناء صلاته فخرج، فتطهر ثم عاد، فإن الإمام لا يبني على ما مضى من صلاته بغير طهارة بغير خلاف، فإن من صلى بغير طهارة ناسياً فإن عليه الإعادة بالإجماع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))، وقوله: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)).\rوحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم جوزوا البناء على ما مضى من صلاته محدثا ناسياً، وأشار إلى انه قول مخالف للإجماع، فلا يعتد به.\rوليس في الحديث ان النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناس لجنابته، فإن قدر أن ذلك وقع فهو منسوخ؛ لإجماع الأمة على خلافه، كما ذكره ابن عبد البر وغيره، فلم يبق إلا أحد وجهين:\rأحدهما: أن يكون - صلى الله عليه وسلم - لما رجع كبر للإحرام، وكبر الناس معه.\rوعلى هذا التقدير، فلا يبقى في الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف إمام صلى بالناس محدثاً ناسياً لحدثه.\rوالثاني: أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - استأنف تكبيرة الإحرام، وبنى الناس خلفه على تكبيرهم الماضي.","part":4,"page":272},{"id":916,"text":"وهذا هو الذي اشار اليه الشافعي، وجعله عمدة على صحة صلاة المتطهر خلف إمام صلى محدثاً ناسياً لحدثه.\rقال ابن عبد البر: وقد وافق الشافعي على ذلك بعض أصحاب مالك. قال: ولا يصح عندي ذلك على أصول مالك؛ لأن مالكاً لا يجيز للمأموم ان يكبر قبل إمامه، وإنما يجيزه الشافعي.\rيشير إلى أنه على هذا التقدير يصير المأموم قد كبر منفرداً، ثم انتقل إلى ائتمامه بالإمام، وهذا يجيزه الشافعي دون مالك.\rوفيما قاله ابن عبد البر نظر؛ فإن المأموم إنما كبر مقتدياً بإمام يصح الاقتداء به، ثم بطلت صلاته بذكره، فاستأنف صلاته، فلم يخرج المأموم عن كونه مقتدياً بإمام يصح الاقتداء به، فهو كمن صلى خلف إمام، ثم سبقه الحدث في اثناء صلاته في المعنى.\rوعن الإمام أحمد في ابتداء المأمومين وإتمامهم الصلاة إذا اقتدوا بمن نسي حدثه، ثم علم به في اثناء صلاته- روايتان.\rوروي عن الحسن، أنهم يتمون صلاتهم.\rومذهب الشافعي: لا فرق بين ان يكون الإمام ناسياً لحدثه أو ذاكراً له، إذالم يعلم الماموم، أنه لا إعادة على المأموم.\rوهو قول ابن نافع من المالكية، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور فقهاء الأمصار وأهل الحديث.\rوعن مالك وأحمد: على الماموم الإعادة.\rوقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري- في اشهر الروايتين عنه-: يعيد المأموم، وإن كان الإمام ناسياً ولم يذكر حتى فرغ من صلاته.\rوهو رواية ضعيفة عن أحمد.\rوحكي عنه رواية ثالثة: أن قرأ المأموم لنفسه فلا إعادة عليه، وإلا فعليه الإعادة.\rوهذا قد يرجع إلى القول بأنه تصير صلاة المأموم في هذه الحال منفرداً.\rوالجمهور على ان صلاته في جماعة، وهو اصح الوجهين للشافعية، بل قد قيل: إنه نص الشافعي.\rوروي عن علي: أن الإمام والمأمومين يعيدون ، ولا يصح عنه؛ فإنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب.\rوفيه حديث مرسل: رواه أبو جابر البياضي- وهو متروك- عن ابن المسيب- مرسلاً.\r* * *","part":4,"page":273},{"id":917,"text":"26- باب\rقول الرجل: ((ما صلينا))\r641- حدثنا أبو نعيم: حدثنا شيبان، عن يحيى، قال: سمعت أبا سلمة، قال: أنا جابر بن عبد الله، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه عمر بن الخطاب يوم الخندق، فقال: يا رسول الله، ماكدت اصلي حتى كادت الشمس تغرب، وذلك بعد ما أفطر الصائم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (([ والله]، ما صليتها)) ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم -إلى بطحان وأنا معه، فتوضأ ثم صلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.\rقد تقدم هذا الحديث في أواخر((كتاب المواقيت)).\rومقصود البخاري بتخريجه هاهنا: أن من لم يصل الصلاة حتى ذهب وقتها وهو ناسٍ لها، أو مشتغل عنها بعذر يبيح تأخيرها، إذا سئل: ((هل صلى؟)) فله أن يقول: ((ما صليتها)) ، وله أن يحلف على ذلك ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((والله ، ما صليتها)).\rوكذلك إذاسئل من أخر الصلاة الحاضرة إلى أثناء وقتها: هل صلاها؟ فله أن يقول: ((ما صليتها بعد))، ولا حرج في ذلك؛ لأنه صدق، وتأخر الصلاة في هذه الصورة كلها مباح، فلا يضر الإخبار فيها بأنه لم يصل.\rوقد نص على جواز ذلك أحمد، وإسحاق-: نقله عنهما ابن منصور.\rويوجد من الناس من يتحرج من قوله: ((لم أصل))، ويقول : ((نصلي إن شاء الله))،والسنة وردت بخلاف ذلك.\rوأماإن عرض عليه أن يصلي في وقتها، وهو يريد تأخيرها، فإنه لا يقول: ((لا أصلي))، ولكن يخبر بما قصده من التأخير المباح، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة بن زيد ليلة المزدلفة: لما قال له: الصلاة يا رسول الله . فقال له - صلى الله عليه وسلم - : ((الصلاة امامك)).\rولما خطب ابن عباس بالبصرة، وأخر المغرب، فقيل له : الصلاة، وألح عليه القائل، قال له : أتعلمنا بالسنة؟ ثم أخبره بجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصلاتين.\rخرجه مسلم.\rولما أخر ابن عمر المغرب في السفر، وكان قد استصرخ على زوجته صفية، قال له ابنه سالم: الصلاة. فقال [له]: سر، ثم قال له : الصلاة. فقال له : سر، حتى سار ميلين أو ثلاثة، ثم نزل فصلى، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إذا أعجله السير.\rخرجه البخاري، وسيأتي في موضعه- إن شاء الله سبحانه وتعالى.\r* * *","part":4,"page":274},{"id":918,"text":"37- باب\rالإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة\r642- حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو : حدثنا عبد الوارث: حدثنا\rعبد العزيز بن صهيب، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة والنبي- صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلاً في جانب المسجد ، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم.\rهذا الحديث: فيه دليل على أن الإمام له أن يؤخر الدخول في الصلاة بعد\rإقامة الصلاة، إذا كانت له حاجة، وقد كان ابن عمر إذا أقيمت الصلاة وقام مقامه\rلا يكبر حتى يأتيه الرجل الذي كان وكله بإقامة الصفوف، فيخبره بإقامتها، وأما\rإذا لم يكن له حاجة فالأولى المسارعة إلى الدخول في الصلاة عقب الإقامة.\rوفي ((تهذيب المدونة)) للبرادعي المالكي: وينتظر الإمام بعد الإقامة قليلاً قدر ما تستوي الصفوف، وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة وقت، وذلك على قدر طاقة الناس.\rومتى طال الفصل بين الإقامة والصلاة، فقال بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي: يعتد بتلك الإقامة، ويكون كمن صلى بغير إقامة.\rوسيأتي من حديث ثابت، عن أنس ما يدل على خلاف ذلك.\rوظاهر حديث أنس يدل على ان الإقامة لم تعد كذلك.\rوقد خرج مسلم حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس هذا ، ولفظه: أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلاً، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ، ثم جاء فصلى بهم.\rوظاهر هذه الرواية يدل على انه صلى بالإقامة السابقة، واكتفى بها.\rفإن زعم زاعم ان النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك ليبين للناس جواز الصلاة بدون اقامة.\rقيل : ليس في هذا بيان لذلك؛ فإنه إنما يتبادر إلى الأفهام انه اكتفى بالإقامة المتقدمة، فلو كان حكمها قد بطل لأمر بإقامة ثانية، أو بين بقوله ان تلك الاقامة لم تبق معتبرة، وإنما يصلي بغير إقامة بالكلية لئلا يظن انه صلى بتلك الإقامة الماضية، فإن هذا هو المتبادر إلى الأفهام. والله اعلم.\rوقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على أن الإقامة وإن تقدمت على الصلاة بزمن طويل فإنها كافية.\rفروي عن الحسن، والشعبي، والنخعي، ومجاهد، وعكرمة، وعروة، ومحمد بن علي بن حسين، وغيرهم: أن من دخل مسجداً قد صلي فيه فإنه لا يؤذن، ولا يقيم.\rوحكي مثله عن أبي حنيفة وأصحابه، وإسحاق، وحكاه ابن المنذر قولاً للشافعي.\rومنهم من علل بأنه يجزئه إقامة أهل المسجد التي صلوا بها، روي ذلك صريحاً عن عروة.\rوسئل أحمد عن ذلك، فقال: ان شاءوا أقاموا، والأمر عنده واسع-: نقله عنه حرب.\rوهذا يشعر بأن لهم الاكتفاء بالإقامة الأولى.\rونقل حرب عن إسحاق فيمن فاتته الصلاة يوم الجمعة مع الإمام- صلاة الجمعة-، قال: لا بد أن يقيم الصلاة للظهر؛ لأن الأذان والإقامة يومئذ لم تكن للظهر، إنما كانت للجمعة.\rوهذا يدل على أنه يكتفي بالإقامة الأولى لمن صلى تلك الصلاة التي اقيمت لأجلها.\rوقد ذكرنا هذه المسائل مستوفاة في ((أبواب الأذان)) ، وإنما المقصود: ان الإقامة وإن طال الفصل بينها وبين الدخول في الصلاة يكتفي بها عند كثير من العلماء.","part":4,"page":275},{"id":919,"text":"وروى وكيع في ((كتابه)) حدثنا عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: أقيمت الصلاة، وصفت الصفوف، فانتدب رجل لعمر فكلمه، فأطال القيام حتى القيا إلى الارض، والقوم صفوف.\r* * *","part":4,"page":276},{"id":920,"text":"28- باب\rالكلام إذا أقيمت الصلاة\r643- حدثنا عياش بن الوليد: حدثنا عبد الأعلى: حدثنا حميد، قال: سألت ثابتاً البناني عن الرجل يتكلم بعدما تقام الصلاة، فحدثني عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة، فعرض للنبي - صلى الله عليه وسلم - رجل، فحبسه بعدما أقيمت الصلاة.\rخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت ، عن أنس، قال: أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل : لي حاجة، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يناجيه حتى نام القوم- أو بعض القوم-، ثم صلوا.\rوخرجه الترمذي من حديث معمر، عن ثابت، عن أنس ، قال: لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما تقام الصلاة يكلمه الرجل، يقوم بينه وبين القبلة، فما يزال يكلمه، ولقد رايت بعضهم ينعس من طول قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rفهذا الحديث: دليل على جواز ابتداء الكلام للإمام وغيره بعد إقامة الصلاة، بخلاف حديث عبد العزيز بن صهيب المخرج في الباب الماضي؛ فإنه إنما يدل على جواز استدامة الكلام إذا شرع فيه قبل الإقامة.\rورواية معمر، عن ثابت، عن أنس صريحة بأن مدة الكلام طالت، ورواية حماد بن سلمة تشعر بذلك؛ لقوله: ((حتى نام القوم أو بعض القوم)) ، وليس فيه ذكر إعادة إقامة الصلاة.\rوظاهر الحال: يدل على أنه لم يعد الإقامة، ولو وقع ذلك لنقل ، ولم يهمل ؛ فإنه مما يهتم به.\rوقد روى حديث ثابت جرير بن حازم، فخالف أصحاب ثابت في لفظه، رواه عن ثابت، عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يتكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر.\rخرجه من طريقه كذلك الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.\rوقال: لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، وسمعت محمداً -يعني: البخاري- يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم. قال محمد: والحديث هو هذا ، وجرير بن حازم ربما يهم في بعض الشيء، وهو صدوق.\rوقال ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)) : سئل يحيى بن معين عن حديث جرير بن حازم هذا، فقال: خطأ.\rوروى وكيع، عن جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل من المنبر يوم الجمعة، فيكلمه الرجل في الحاجة فيكلمه، ثم يتقدم إلى المصلى فيصلي.\rوروى وكيع عن سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث جرير، عن ثابت- مرسلاً.\rوقد اختلف في كراهية الكلام بين الخطبة والصلاة، فكرهه طاوس- في رواية - والحكم وأبو حنيفة، ورخص فيه الأكثرون.\rقال ابن المنذر: كان طاوس وعطاء والزهري وبكر بن عبد الله والنخعي وحماد ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد يرخصون فيه ، وروينا ذلك عن ابن عمر، وحكي كراهته عن الحكم.","part":4,"page":277},{"id":921,"text":"وأماالكلام بين إقامة الصلاة والصلاة في غير الجمعة فلا أعلم أحداً كرهه، وإنما كره من كره ذلك يوم الجمعة تبعاً لكراهة الكلام في وقت الخطبة، فاستصحبوا الكراهة إلى انقضاء الصلاة، وهذا المعنى غير موجود في سائر الصلوات.\rوحكى ابن عبد البر عن العراقيين كراهته بني الإقامة والصلاة مطالقاً.\rفإن كان الكلام بينهما لمصلحة كتسوية الصفوف ونحوها كان مستحباً، وقد دلت الأحاديث الكثيرة على ذلك، ووردت احاديث وآثار في الدعاء قبل الدخول في الصلاة.\r* * *","part":4,"page":278},{"id":923,"text":"29 - بَابُ\rوُجُوبِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ\rوَقَالَ الحَسَنُ : إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا .\rمقصود البخاري بهذا الباب : أن الجماعة واجبةٌ للصلاة ، ومن تركها لغير عذرٍ ، وصلى منفرداً فَقَدْ ترك واجباً ، وهذا قَوْلِ كثير من السلف ، منهم : الْحَسَن ، وما حكاه البخاري عَنْهُ يدل عَلَى ذَلِكَ.\rوقد روي عَن الْحَسَن التصريح بتعليل ذَلِكَ بأن الجماعة فريضةٌ ، فروى إِبْرَاهِيْم الحربي فِي (( كِتَاب البر )) : نا عُبَيْدِ الله بْن عُمَر - هُوَ : القواريري - : نا معتمر : نا هِشَام ، قَالَ : سئل الْحَسَن عَن الرَّجُلُ تأمره أمه أن يفطر تطوعاً ؟ قَالَ : يفطر ، ولا قضاء عَلِيهِ . قُلتُ : تنهاهُ أن يصلي العشاء فِي جماعة ؟ قَالَ : لَيْسَ لها ذَلِكَ ؛ هَذِهِ فريضة.\rوروى بإسناده عَن عَطَاء فِي الرَّجُلُ تحسبه أمه فِي الليلة المطيرة المظلمة عَن الصلاة فِي جماعة، قَالَ : أطعها .\rوهذا لا يخالف فِيهِ الْحَسَن ؛ فإن الْحَسَن أفتى بعدم طاعة الأم فِي ترك الجماعة فِي غير حال العذر ، وعطاء أفتى بطاعتها فِي ترك الجماعة فِي حال العذر المبيح لترك الجماعة، وعطاء موافق للحسن فِي القول بوجوب الجماعة .\rقَالَ ابن المنذر : وممن كَانَ يرى أن حضور الجماعات فرض : عَطَاء بْن أَبِي رباح، وأحمد بْن حَنْبل ، وأبو ثور .\rقَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لا أرخص لمن قدر عَلَى صلاة الجماعة فِي ترك إتيانها ، إلا من عذرٍ .\rوَقَالَ ابن مَسْعُود : لَقَدْ رأيتنا وما يتخلف عَنْهَا إلا منافقٌ معلومٌ نفاقه .\rوروينا عَن غير واحد من أصْحَاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أنهم قالوا : من سَمِعَ النداء ثُمَّ لَمْ يجب فلا صلاة لَهُ ، منهم : ابن مَسْعُود ، وأبو موسى . وقد روي عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .\rوَقَالَ إِسْحَاق بْن راهويه : صلاة الجماعة فريضة .\rوَقَالَ الإمام أحمد فِي صلاة الجماعة : هِيَ فريضة .\rوَقَالَ فِي رِوَايَة عَنْهُ : أخشى أن تكون فريضة ، ولو ذهب النَّاس يجلسون عَنْهَا لتعطلت المساجد : يروى عَن عَلِيّ ، وابن عَبَّاس ، وابن مَسْعُود : من سَمِعَ النداء فَلَمْ يجب فلا صلاة لَهُ .\rوَقَالَ -أيضاً - : أشد مَا فيها قَوْلِ ابن مَسْعُود : لَوْ تركتم سَنَة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - لكفرتم.\rوقول ابن مَسْعُود قَدْ خرجه مُسْلِم فِي (( صحيحه )) من رِوَايَة أَبِي الأحوص ، عَن عَبْد الله بْن مَسْعُود ، قَالَ : لقد رأيتنا وما يتخلف عَن الصلاة إلا منافق قَدْ علم\rنفاقه ، أو مريض ، إن كَانَ المريض ليمشي بَيْن الرجلين حَتَّى يأتي الصلاة ، وَقَالَ : إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا سنن الهدى ، وإن من سنن الهدى الصلاة فِي المسجد الَّذِي يؤذن\rفِيهِ .","part":5,"page":1},{"id":924,"text":"وفي رِوَايَة لمسلم -أيضا- عَن ابن مَسْعُود ، قَالَ : من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ عَلَى هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن ، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى ، ولو أنكم صليتم فِي بيوتكم كما يصلي هَذَا المتخلف فِي بيته لتركتم سَنَة نبيكم ، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم .\rوخرجه أبو داود بنحوه ، وعنده : (( ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم )) .\rوخرج الترمذي من حَدِيْث مُجَاهِد ، عَن ابن عَبَّاس ، أنه سئل عَن رَجُل يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يشهد جمعة ولا جماعة ؟ قَالَ : هُوَ فِي النار .\rوروي عَن أَبِي سنان ، عَن سَعِيد بْن جبير ، عَن ابن عَبَّاس فِي قوله تعالى :\r{ وقدكَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } [ القلم : 43 ] قَالَ : نَزَلَتْ فِي صلاة الرَّجُلُ يسمع الأذان فلا يجيب .\rوروي عَن سَعِيد بْن جبير من قوله .\rوروى أبو حيان التيمي ، عَن أبيه ، عَن عَلِيّ ، قَالَ : لا صلاة لجار المسجد إلا فِي المسجد . قيل : يَا أمير المُؤْمِنيِن ، ومن جار المسجد ؟ قَالَ : من سَمِعَ الأذان .\rوروى شعبة عَن عدي بْن ثابت ، عَن سَعِيد بْن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : من سَمِعَ النداء فَلَمْ يجب فلا صلاة لَهُ إلا من عذرٍ .\rوقد رفعه طائفة من أصْحَاب شعبة بهذا الإسناد ، وبعضهم قَالَ : عَن شعبة ، عَن حبيب بْن أَبِي ثابت ، عَن سَعِيد ، عَن ابن عَبَّاس مرفوعاً .\rوقد خرجه بالإسناد الأول مرفوعاً ابن ماجه وابن حبان فِي (( صحيحه )) والحاكم وصححه .\rولكن وقفه هُوَ الصحيح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره .\rوخرجه أبو داود مرفوعاً -أيضاً- من رِوَايَة أَبِي جناب الكلبي ، عَن مغراء ، عَن عدي بْن ثابت ، بِهِ .\rوأبو جناب ، ليس بالقوي ، وقد اختلف عَلِيهِ -أيضاً- فِي رفعه ووقفه .\rوروي أبو بَكْر بْن عياش ، عَن أَبِي حصين ، عَن أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ : (( من سَمِعَ النداء فارغاً صحيحاً فَلَمْ يجب فلا صلاة لَهُ )) .\rخرجه الحَاكِم ، وصححه .\rوقد اختلف عَلَى أبي بَكْر بْن عياش فِي رفعه ووقفه .\rورواه قيس بْن الربيع ، عَن أَبِي حصين -مرفوعاً .\rورواه مِسْعَر وغيره عَن أَبِي حصين موقوفاً .\rوالموقوف أصح - : قَالَه البيهقي وغيره .\rوممن ذهب الى أن الجماعة للصلاة مَعَ عدم العذر واجبة : الأوزاعي والثوري والفضيل بن عياض وإسحاق وداود ، وعامة فقهاء الحَدِيْث ، منهم : ابن خزيمة وابن المنذر .\rوأكثرهم عَلَى أَنَّهُ لَوْ ترك الجماعة لغير عذرٍ وصلى منفرداً أَنَّهُ لا يجب عَلِيهِ الإعادة، ونص عَلِيهِ الإمام أحمد .\rوحكي عَن داود أَنَّهُ يجب عليهِ الإعادة ، ووافقه طائفة من أصحابنا ، منهم : أبو الْحَسَن التميمي، وابن عقيل وغيرهما .\rوَقَالَ حرب الكرماني سئل إِسْحَاق عَن قوله : لا صلاة لجار المسجد إلا فِي المسجد ؟ فَقَالَ : الصحيح أَنَّهُ لا فضل ولا أجر ولا أمن عَلِيهِ .\rيعني : أَنَّهُ لا صلاة لَهُ .","part":5,"page":2},{"id":925,"text":"وقد ذكرنا حَدِيْث ابن أم مكتوم فِي استئذانه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( لا أجدُ لَكَ رخصةً )) فيما سبق .\rوهذا مِمَّا يستدل بِهِ عَلَى وجوب حضور الجماعة .\rوقد روي عَن حذيفة وزيد بْن ثابت مَا يدل عَلَى الرخصة فِي الصلاة منفرداً مَعَ القدرة عَلَى الجماعة .\rوحكي عَن أَبِي حنيفة ومالك ان حضور الجماعة سَنَة مؤكدة ، لا يأثم بتركها .\rولأصحاب الشَّافِعِيّ وجهان ، أحدهما كذلك ، ومنهم من حكى عَنْهُ رِوَايَة كقول مَالِك وأبي حنيفة ، وفي صحتها عَنْهُ نظر . والله أعلم .\rولهذا أنكر بعض محققي أصحابنا أن يكون عَن أحمد رِوَايَة بأن حضور المساجد للجماعة سَنَة، وأنه يجوز لكل أحد أن يتخلف عَن المسجد ويصلي فِي بيته ؛ لما فِي ذَلِكَ من تعطيل المساجد عَن الجماعات ، وهي من أعظم شعائر الإسلام .\rويلزم من هَذَا ؛ أن لا يصح عَن أحمد رِوَايَة بأن الجماعة للصلاة من أصلها سَنَة غير واجبة بطريق الأولى ، فإنه يلزم من القول بوجوب حضور المسجد لإقامة الجماعة القول بوجوب أصل الجماعة ، من غير عكسٍ . والله أعلم .\rوحكى ابن عَبْد البر الإجماع عَلَى أنه لا يجوز أن يجتمع عَلَى تعطيل المساجد كلها من الجماعات ، وبذلك رجح قَوْلِ من قَالَ : إن الجماعة فرض كفايةٍ .\rقَالَ البخاري :\r644 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أن رَسُول الله - رضي الله عنه - قَالَ : (( والذي نفسي بيده ، لَقَدْ هممت بحطب\r[ يجمع ] ليحتطب ، ثُمَّ آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثُمَّ آمر رجلاً فيؤم النَّاس ، ثُمَّ أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ، فوالذي نفسي بيده ، لَوْ يعلم أحدهم أَنَّهُ يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء )) .\rقَالَ ابن عَبْد البر : قوله : (( لَقَدْ هممت أن آمر بخطب ليحطب )) أي : يجمع .\rوالعرق ، المراد بِهِ : بضعة اللحم السمين عَلَى عظمة .\rوالمرماتان ، قيل : هما السهمان . وقيل : هما حديدتان من حدائد كانوا يلعبون بهما ، وهي ملس كالأسنة ، كانوا يثبتونها فِي الأكوام والأغراض ، ويقال لها -فيها زعم بعضهم - : المداحي .\rقَالَ أبو عُبَيْدِ : يقال : إن المرماتين ظلفا الشاة . قَالَ : وهذا حرف لا أدري مَا وجهه ، إلا أن هَذَا تفسيره .\rويروى المرماتين - بكسر الميم وفتحها - : ذكره الأخفش .\rوذكر العرق والمرماتين عَلَى وجه ضرب المثال بالأشياء التافهة الحقيرة من الدنيا ، وَهُوَ توبيخ لمن رغب عَن فضل شهود الجماعة للصلاة ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ طمع فِي إدراك يسير من عرض الدنيا لبادر إليه ، ولو نودي إلى ذَلِكَ لأسرع الإجابة إليه ، وَهُوَ يسمع منادي الله فلا يجيبه .\rقَالَ الخطابي : وقوله : (( حسنتين )) لا أدري عَلَى أي شيء يتأول معنى الْحَسَن فيهما ، إلا عَلَى تأويل من فسر المرماة بظلف الشاة .","part":5,"page":3},{"id":926,"text":"ثُمَّ ذكر عَن المبرد ، أَنَّهُ قَالَ : الْحَسَن والحسن العظيم الَّذِي فِي المرفق مِمَّا يلي البطن . والقبح والقبيح العظم الَّذِي فِي المرفق مِمَّا يلي المرفق .\rقَالَ : فلعله شبه أحد العظمين بالآخر -أعني المرماة- والعظم الَّذِي فِي المرفق مِمَّا يلي البطن .\rقَالَ : وَهُوَ شيء لا أحق ولا اثق بِهِ . انتهى .\rقُلتُ : وقد قَالَ بعضهم : ان الرواية (( خشبتين )) بالخاء والشين المعجمتين والباء الموحدة ، وَهُوَ غلط وتصحيف .\rوالذي يظهر -والله أعلم - ان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أخرج هَذَا الكلام مخرج تعظيم شهور العشاء فِي جماعة ، والتنويه بفضله وشرفه ونفاسته ، والنفوس مجبولة عَلَى محبة الأشياء الحسنة الشريفة النفيسة ، والميل إليها ، فوبخ من لَوْ طمع فِي وجود قطعة من لحم سمينة أو مرماتين حسنتين ، وهما من ادنى الأشياء الدنيوية لبادر الى الخروج إليها ، وشهد العشاء لذلك ، وَهُوَ يتخلف عَن شهود العشاء فِي الجماعة مَعَ فضل الجماعة عِنْدَ الله ، وعظم فضل الجماعة مَا يدخره لمن شهدها عنده من جميل الجزاء وجزيل العطاء ، فيكون مَا يعجل لَهُ وإن كَانَ يسيراً من أمور الدنيا المستحسنة عنده مِمَّا يأكله أو يلهو بِهِ أهم عنده من ثواب الله الموعود بِهِ .\rويشبه هَذَا : قَوْلِ الله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } [ الجمعة:11]، فإنه توبيخ لمن ترك الجمعة أو اشتغل عَنْهَا بالتجارة أو باللهو .\rوهذا الحَدِيْث : ظاهر فِي وجوب شهود الجماعة فِي المساجد ، وإجابة المنادي بالصلاة ؛ فإن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أَنَّهُ هم بتحريق بيوت المتخلفين عَن الجماعة ، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا عَلَى ترك واجبٍ .\rوقد اعترض المخالفون فِي وجوب الجماعة عَلَى هَذَا الاستدلال ، وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ .\rمِنْهَا : حمل هَذَا الوعيد عَلَى الجمعة خاصة .\rواستدلوا عَلِيهِ بما فِي (( صحيح مُسْلِم )) عَن ابن مَسْعُود ، ان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لقوم يتخلفون عَن الجمعة : (( لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ، ثُمَّ أحرق عَلَى رجال يتخلفون عَن الجمعة)) .\rومنها : أَنَّهُ أراد تحريق بيوت المنافقين لنفاقهم ؛ ولهذا قَالَ ابن مَسْعُود : ولقد رأيتنا وما يتخلف عَنْهَا إلا منافق معلوم نفاقه ، وقد سبق ذكره .\rوالمنافق إذا تخلف عَن الصلاة مَعَ المُسْلِمِين لا يصلي فِي بيته بالكلية ، كما أخبر الله عنهم ، أنهم { يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً } [ النِّسَاء : 142 ] .\rوهذا التأويل عَن الشَّافِعِيّ وغيره .\rومنها : أَنَّهُ لَمْ يفعل التحريق ، وإنما توعد بِهِ .","part":5,"page":4},{"id":927,"text":"وقد ذهب قوم من العلماء الى جواز أن يهدد الحَاكِم رعيته بما لا يفعله بهم ، واستدل بعضهم لذلك بما أخبر بِهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَن سُلَيْمَان ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ اختصمت إليه المراتان في الولد : (( ايتوني بالسكين حَتَّى أشقه )) ، ولم يرد فعل ذَلِكَ ، إنما قصد بِهِ التوصل الى معرفة أمه منهما بظهور شفقتها ورقتها عَلَى ولدها .\rوالجواب : أَنَّهُ لا يصح حمل الحَدِيْث عَلَى شيء من ذَلِكَ .\rأما حمله عَلَى الجمعة وحدها فغير صحيح .\rوفي ذكر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - شهود العشاء فِي تمام الحَدِيْث مَا يدل عَلَى ان صلاة العشاء الموبخ عَلَى ترك شهودها هِيَ المراد .\rوقد روي ذَلِكَ عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب ، وأنها داخلة فِي عموم الصلاة ؛ فإن الاسم المفرد المحلي بالألف واللام يعم ، كما فِي قوله تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } [ البقرة : 43]، وهذا قَوْلِ جماعة من العلماء .\rوقد جَاءَ التصريح بالتحريق عَلَى من تخلف عَن صلاة العشاء .\rفروى الحميدي عَن سُفْيَان : ثنا أبو الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لَقَدْ هممت أن أقيم الصلاة صلاة العشاء ، ثُمَّ آمر فتياني فيخالفوا الى بيوت أقوام يتخلفون عَن صلاة العشاء ، فيحرقون عليهم بحزم الحطب )) -وذكر بقية الحَدِيْث .\rوروى ابن أَبِي ذئب ، عَن عجلان مَوْلَى المشمعل ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لينتهين رجال ممن حول المسجد ، لا يشهدون العشاء الآخرة فِي الجمع ، أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوخرج -أيضاً- من حَدِيْث أَبِي معشر ، عَن سَعِيد المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ : (( لولا مَا فِي البيوت من النِّسَاء والذرية أقمت صلاة العشاء ، وأمرت فتياني يحرقون مَا فِي البيوت بالنار )) .\rوروى عاصم ، عَن أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أخر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء حَتَّى تهور الليل وذهب ثلثه أو قريباً مِنْهُ ، ثُمَّ خرج الى المسجد ، فإذا النَّاس عزون، وإذا هم قليل ، فغضب غضباً مَا أعلم اني رأيته غضب غضباً قط أشد مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : (( لَوْ ان رجلاً نادى النَّاس الى عرق أو مرماتين أتوه لذلك [ ولم يتخلفوا ] ، وهم يتخلفون عَن هذه الصلاة ، لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ، ثُمَّ اتتبع هذه الدور الَّتِيْ تخلف أهلوها عَن هذه الصلاة ، فأحرقها عليهم بالنيران )) .\rوورد التصريح بأن العقوبة عَلَى ترك الجماعة دون الجمعة .","part":5,"page":5},{"id":928,"text":"خرجه الطبراني فِي (( أوسطه )) : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم -هُوَ ابن هاشم البغوي - : ثنا حوثرة بْن أشرس : ثنا حماد بْن سَلَمَة ، عَن ثابت ، عَن أنس ، ان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (( لَوْ ان رجلاً دعا النَّاس الى عرق أو مرماتين لأجابوه ، وهم يدعون الى هذه الصلاة فِي جماعة فلا يأتونها ، لَقَدْ هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس فِي جماعة ، ثُمَّ أنصرف إلى قوم سمعوا النداء ، فَلَمْ يجيبوا فأضرمها عليهم ناراً ؛ فإنه لا يتخلف عَنْهَا إلا منافق )) .\rحوثرة ، ضَعِيف - : قَالَ ابن نقطة فِي (( تكملة الإكمال )) .\rوأما ذكر الجمعة فِي حَدِيْث ابن مَسْعُود ، فلا يدل عَلَى اختصاها بذاك ؛ فإنه كما هم أن يحرق عَلَى المتخلف عَن الجمعة فَقَدْ هم أن يحرق عَلَى المتخلف عَن العشاء .\rوقد قيل إنه عبر بالجمعة عَن الجماعة للاجتماع لها .\rقَالَ البيهقي : هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِيهِ سائر الرواة .\rواستدل بما خرجه من (( سنن أَبِي داود )) عَن يزيد بْن يزيد ، عَن يزيد بْن الأصم ، قَالَ : [ سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول ] : سَمِعْت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : (( لَقَدْ هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطبٍ ، ثُمَّ آتي قوماً يصلون فِي بيوتهم ، ليس بهم علة فأحرقها عليهم )) .\rقيل ليزيد بْن الأصم : الجمعة عنى أو غيرها ؟ فَقَالَ : صمتا أذناي إن لَمْ أكن سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يأثره عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، مَا ذكر جمعة ولا غيرها .\rوخرجه - أيضاً - من طريق معمر ، عَن جَعْفَر بْن برقان ، عَن يزيد بْن الأصم مختصراً ، وفي حديثه : (( لا يشهدون الجمعة )) .\rوهذه الرواية ، أو أَنَّهُ اراد بالجمعة الجماعة ، كما قَالَ البيهقي ؛ فإن مسلماً خرجه من طريق وكيع ، عَن جَعْفَر بْن برقان ، وَقَالَ فِي حديثه : (( لا يشهدو الصلاة)).\rورواية أَبِي داود صريحة فِي أن التحريق عقوبة عَلَى المتخلف عَن الجماعة .\rوإن صلى المتخلف فِي بيته .\rوأما دعوى أن التحريق كَانَ للنفاق فهو غير صحيح ؛ فإن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - صرح بالتعليل بالتخلف عَن الجماعة ، ولكنه جعل ذَلِكَ من خصال النفاق ، وكل مَا كَانَ علماً عَلَى النفاق فهو محرم .\rوفي حَدِيْث أَبِي زرارة الأنصاري ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( من سَمِعَ النداء ثلاثاً فَلَمْ يجب كتب من المنافقين )) . وإسناده صحيح ؛ لكن أبو زرارة ، قَالَ أبو الْقَاسِم البغوي : لا أدري أله صحبة أم لا ؟\rوخرج الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة ، عَن زبان بْن فائد ، عَن سَهْل بْن معاذ بْن أنس ، عَن أبيه ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( الجفاء كل الجفاء ، والكفر والنفاق من سَمِعَ منادي الله ينادي بالصلاة ويدعو بالفلاح فلا يجيبه )) .\rورواه رشدين بْن سعد ، عَن زبان .\rقَالَ الحافظ أبو موسى : رواه جماعة عَن زبان ، وتابعه عَلِيهِ يزيد بْن أَبِي حبيب .","part":5,"page":6},{"id":929,"text":"وَقَالَ النخعي : كفى علماً عَلَى النفاق أن يكون الرَّجُلُ جار المسجد ، لا يرى فِيهِ.\rوقد كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يعلم نفاق خلق من المنافقين ولا يعاقبهم عَلَى نفاقهم ، بل يكل سرائرهم إلى الله ، ويعاملهم معاملة المُسْلِمِين فِي الظاهر ، ولا يعاقبهم إلا عَلَى ذنوب تظهر منهم ، فَلَمْ تكن العقوبة بالتحريق إلا عَلَى الذنب الظاهر ، وَهُوَ التخلف عَن شهود الصلاة فِي المسجد ، لا عَلَى النفاق الباطن .\rوأما دعوى أن ذَلِكَ كَانَ تخويفاً وإرهابا مِمَّا لا يجوز فعله ، فَقَدْ اختلف فِي جواز ذَلِكَ .\rفروي جوازه عَن طائفة من السلف ، منهم : عَبْد الحميد بْن عَبْد الرحمن عامل عُمَر بْن عَبْد العزيز عَلَى الكوفة ، وميمون بْن مهران ، وروي - أيضاً - عن عُمَر بْن الخَطَّاب من وجه منقطع ضَعِيف ، وعن عَلِيّ بْن أَبِي طالب .\rوأنكر ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد العزيز وتغيظ عَلَى عَبْد الحميد لما فعله ، وَقَالَ : إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوءٍ .\rوقد ذكر هذه الآثار عُمَر بْن شبة البصري فِي (( كِتَاب أدب السلطان )) .\rوبكل حال ؛ فليس مَا ذكره النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من التحريق من هَذَا فِي شيء ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه هم، وأنما يهم بما يجوز لَهُ فعله ، والتخويف يكون عِنْدَ من أجازه بما لا يجوز فعله ولا الهم بفعله ، فتبين أَنَّهُ ليس من التخويف فِي شيء ، وإنما امتنع من التحريق لما فِي البيوت من النِّسَاء والذرية وهم الأطفال ، كما فِي الرواية الَّتِيْ خرجها الإمام أحمد ، وهم لا يلزمون شهود الجماعة ؛ فإنها لا تجب عَلَى امرأة ولا طفل ، والعقوبة إذا خشي أن تتعدى إلى من لا ذنب لَهُ امتنعت ، كما يؤخر الحد عَن الحامل إذا وجب عَلَيْهَا حَتَّى تضع حملها .\rفإن زعم زاعم أن التحريق منسوخ ؛ لأنه من العقوبات المالية ، وقد نسخت ، وربما عضل ذَلِكَ بنهي النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَن التحريق بالنار .\rقيل لَهُ : دعوى نسخ العقوبات المالية بإتلاف الأموال لا تصح ، والشريعة طافحة بجواز ذَلِكَ، كأمره - صلى الله عليه وسلم - بتحريق الثوب المعصفر بالنار ، وأمره بتحريق متاع الغال ، وأمره بكسر القدور الَّتِيْ طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية ، وحرق عُمَر بيت خمار .\rونص عَلَى جواز تحريق بيت الخمار أحمد وإسحاق - : نقله عنهما ابن منصور فِي (( مسائله)) ، وَهُوَ قَوْلِ يَحْيَى بْن يَحْيَى الأندلسي ، وذكر أن بعض أصحابه نقله عَن مَالِك ، واختاره ابن بطة من أصحابنا .\rوروي عَن عَلِيّ - أيضاً - وروي عَنْهُ أَنَّهُ أنهب ماله .\rوعن عُمَر ، قَالَ فِي الَّذِي يبيع الخمر : كسورا كل آنية لَهُ ، وسيروا كل ماشية\rلَهُ .\rخرجه وكيع فِي (( كتابه )) .\rوأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - عَن التحريق بالنار ، فإنما أراد بِهِ تحريق النفوس وذوات الأرواح .\rفإن قيل : فتحريق بيت العاصي يؤدي إلى تحريق نفسه ، وَهُوَ ممنوع .","part":5,"page":7},{"id":930,"text":"قيل : إنما يقصد بالتحريق دارهُ ومتاعهُ ، فإن أتى عَلَى نفسه لَمْ يكن بالقصد ، بل تبعاً ، كما يجوز تبييتُ المشركين وقتلهم ليلاً ، وقد أتى القتل عَلَى ذراريهم ونسائهم .\rوقد سئل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَن ذَلِكَ ، فَقَالَ : (( هم منهم )) .\rوهذا مِمَّا يحسن الاستدلال بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة ؛ فإنه إذا جازت عقوبة تارك الجماعة فِي ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك ، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز ، فلا جرم كَانَ قتله واجباً عِنْدَ جمهور العلماء .\rوفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أَنَّهُ إنما يعاقب تارك الصلاة أو بعض واجباتها فِي حال إخلاله بِهَا ، لا بعد ذَلِكَ ؛ فإن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد عقوبتهم فِي حال التخلف ، وقد كَانَ يمكنه أن يؤخر العقوبة حَتَّى يصلي وتنقضي صلاته .\rوهذا يعضد قَوْلِ من قَالَ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : إن تارك الصلاة لا يقتل حَتَّى يدعى إلى الصلاة ، ويصر عَلَى تركها حَتَّى يضيق وقت الأخرى ، ليكون قتله عَلَى الترك المتلبس بِهِ فِي الحال .\rوفي الحَدِيْث - أيضاً - أن الإمام لَهُ أن يؤخر الصلاة عَن أول الوقت لمصلحة دينية ، ولكنه يستخلف من يصلي بالناس فِي أول الوقت ؛ لئلا تفوتهم فضيلة أول الوقت.\rوفيه - أيضاً - : أن إنكار المنكر فرض كفاية ، وأنه إذا قام اكتفى بذلك ، ولا يلزم جميع النَّاس الاجتماع عَلِيهِ ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لأخذ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُ جميع النَّاس .\r* * *","part":5,"page":8},{"id":931,"text":"30 - بَابُ\rفَضْلِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ\rوكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر .\rوجاء أنس إلى مسجد قَدْ صلي فِيهِ ، فأذن وأقام ، وصلى جماعة .\rهاهنا مسألتان :\rإحداهما :\rأن من فاتته الجماعة فِي مسجد لَمْ يجد فِيهِ جماعةً ، فإنه يذهب إلى مسجد آخر لتحصيل الجماعة ، كما فعله الأسود .\rوَقَالَ حماد بْن زيد : كَانَ ليث بْن أبي سليم إذا فاتته الصلاة فِي مسجد حيه اكترى حماراً ، فطاف عَلِيهِ المساجد حَتَّى يدرك جماعةً .\rونص الإمام أحمد عَلَى أن من فاتته الجماعة فِي مسجد حيه أَنَّهُ يذهب إلى مسجد آخر ليدرك الجماعة . قَالَ : وإن فاتته تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام فِي مسجد حية صلى معهم ، ولم يذهب إلى مسجد آخر لإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ إمامه .\rوحكى عَن هشيم ، أَنَّهُ كَانَ يذهب إلى مسجد آخر لإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام .\rومذهب مَالِك : أن من وجد مسجداً قَدْ جمع أهله ، فإن طمع بإدراك جماعة فِي مسجد غيره خرج إليها ، وإن كانوا جماعةً فلا بأس أن يخرجوا فيجمعوا كراهة إعادة الجماعة عندهم فِي المسجد ، كما سيأتي .\rواستثنوا من ذَلِكَ المسجد الحرام ومسجد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت المقدس ، فقالوا : يصلوا فيها أفذاذاً ، هُوَ أعظم لأجورهم من الجماعة خارج المسجد - : ذكره فِي (( تهذيب المدونة )) .\rالمسألة الثانية :\rأن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ جماعة ، فإنه يصلى فِيهِ جماعة مرة ثانية ، صح ذَلِكَ عَن أنس بْن مَالِك ، كما علقه عَنْهُ البخاري ، واحتج بِهِ الإمام أحمد .\rوَهُوَ من رِوَايَة الجعد أَبِي عُثْمَان ، أَنَّهُ رأى أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ ، فأذن وأقام وصلى بأصحابه .\rوقد رواه غير واحد من الثقات ، عَن الجعد ، وخرجه عَبْد الرزاق والأثرام وابن أَبِي شيبة والبيهقي وغيرهم فِي (( تصانيفهم )) من طرق متعددة عَن الجعد .\rوقد روي عَن أَنَس من وجه آخر ؛ وأنه رَوَى فِي ذَلِكَ حديثاً مرفوعاً .\rخرجه ابن عدي من طريق عباد بْن منصور ، قَالَ : رأيت أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ مسجداً بعد العصر ، وقد صلى القوم ، ومعه نفر من أصحابه ، فأمهم ، فلما انفتل قيل لَهُ : أليس يكره هَذَا ؟ فَقَالَ : دَخَلَ رَجُل المسجد ، وقد صلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - الفجر ، فقام قائماً ينظر ، فَقَالَ : (( مَالِك؟)) قَالَ : أريد أن أصلي ، فَقَالَ : (( أما رَجُل يصلي مَعَ هَذَا ؟ )) فدخل رَجُل ، فأمرهم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يصلو جميعاً .\rوعباد بْن منصور ، تكلموا فِيهِ .\rوقد اختلف النَّاس فِي هَذَا المسألة فِي موضعين :\rأحدهما : أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ فصلى وحده أو جماعة : هَلْ يؤذن ويقيم ، أم يكفيه أذان الجماعة الأولى وإقامتهم ؟ فِيهِ قولان مشهوران للعلماء ، قَدْ سبق ذكرهما فِي مواضع من الكتاب .","part":5,"page":9},{"id":932,"text":"ومذهب أَبِي حنيفة وأصحابه وسفيان وإسحاق ؛ أَنَّهُ يجزئهم الأذن والإقامة الأولى، وَهُوَ نَصَّ أحمد ، وقد جعله صاحب (( المغني )) المذهب ، وَهُوَ كما قَالَ ؛ لكن أحمد لا يكره إعادة الأذان والإقامة .\rوروي عَن طائفة من السلف كراهة إعادتهما ، منهم : عَبْد الرحمن بْن أَبِي ليلي وغيره ، وحكي - أيضاً - عن أَبِي يوسف ومحمد .\rوعن الشَّعْبِيّ ، قَالَ : إذا صلى فِي المسجد جماعة فإن إقامتهم تجزىء عمن صلى صلاة إلى الصلاة الأخرى .\rوَقَالَ الزُّهْرِيّ : يقيم ، ولم يذكر الأذان .\rوعن قتادة ، قَالَ : إن لَمْ يسمع الإقامة أقام ، ثُمَّ صلى .\rوالموضع الثاني : إعادة الجماعة فِي مسجد قَدْ صلى فِيهِ إمامه الراتب .\rواختلف العلماء فِي ذَلِكَ :\rفمنهم : من كرهه ، وَقَالَ يصلون فِيهِ وحداناً ، روي ذَلِكَ عَن سَالِم وأبي قلابة ، وحكاه بعض العلماء عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب والحسن والنخعي والضحاك والقاسم بْن مُحَمَّد والزهري وغيرهم ، وَهُوَ قَوْلِ الليث والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك ، وحكاه الترمذي فِي (( كتابه )) عَن ابن المبارك والشافعي ، وقد رواه الربيع عَن الشَّافِعِيّ، وأنه لَمْ يفعله السلف ، بل قَدْ عابه بعضهم .\rوكان هَذَا القول هُوَ المعمول بِهِ فِي زمن بني أمية ؛ حذراً من أن يظن بمن صلى جماعة بعد جماعة المسجد الأولى أَنَّهُ مخالف للسلطان مفتئت عَلِيهِ ، لا يرى الصلاة مَعَهُ ، ولا مَعَ من أقامه فِي إمامه المساجد .\rوقد استدل بعضهم لهذا بما رَوَى معاوية بْن يَحْيَى ، عَن خَالِد الحذاء ، عَن عَبْد الرحمن بْن أَبِي بكرة ، عَن أَبِيه ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة ، فوجد النَّاس قَدْ صلوا ، فمال إلى منزله ، فجمع أهله ، فصلى بهم .\rخرجه الطبراني .\rومعاوية بْن يَحْيَى ، لا يحتج بِهِ .\rوذهب أكثر العلماء إلى جواز إعادة الجماعة فِي المساجد فِي الجملة كما فعله أَنَس بْن مَالِك، منهم : عَطَاء وقتادة ومكحول ، وَهُوَ قَوْلِ إِسْحَاق وأبي يوسف ومحمد وداود .\rواختلف فِيهِ عَن الْحَسَن والنخعي ، فروي عنهما كالقولين .\rوالمشهور : أَنَّهُ يكره ذَلِكَ فِي مسجدي مكة والمدينة خاصة ، ويجوز فيما سواهما.\rومن تأخري أصحابه من ألحق بمسجدي مكة والمدينة المسجد الأقصى فِي الكراهة.\rوعن أحمد رِوَايَة أخرى : لا يكره بحال .\rومن أصحابنا من كرهه فِي المساجد العظام الَّتِيْ يتولى السلطان عادة ترتيب أئمتها كالجوامع ونحوها ؛ لئلا يتطرق بذلك إلى الافتئات عَلِيهِ ، ولم يكرهه فِي المساجد الَّتِيْ يرتب أئمتها جيرانها .\rوحكي عَن الشَّافِعِيّ ، أَنَّهُ يكره إعادة الجماعة فِي مساجد الدروب ونحوها دون مساجد الأسواق الَّتِيْ يكثر فيها تكرار الجماعات ، لكثرة استطراق النَّاس إليها ؛ دفعاً للحاجة .\rومتى لَمْ يكن للمسجد إمام راتب لَمْ يكره إعادة الجماعة فِيهِ عِنْدَ أحد من العلماء، مَا خلا الليث بْن سعد ، فإنه كره الإعادة فِيهِ -أيضاً .","part":5,"page":10},{"id":933,"text":"واستدل من لَمْ يكره الإعادة بحديث أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : جَاءَ رجلٌ وقد صلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : (( أيكم يتجر عَلَى هَذَا ؟ )) فقام رَجُل ، فصلى مَعَهُ .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - وهذا لفظه ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيْث حسن - وابن خزيمة وابن حبان فِي (( صحيحهما )) والحاكم ، وَقَالَ : صحيح الإسناد.\rوقد قواه الإمام أحمد وأخذ بِهِ ، وَهُوَ مشكل عَلَى أصله ؛ فإنه يكره إعادة الجماعة فِي مسجد المدينة .\rوقد اعتذر الإمام أحمد عَنْهُ من وجهين :\rأحدهما : أن رغبة الصَّحَابَة فِي الصلاة مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَتْ متوفرة ، وإنما كَانَ يتخلف من لَهُ عذر ، وأما بعده فليس كذلك ، فكره تفريق الجماعات فِي المسجدين الفاضلين توقيراً للجماعة فيهما.\rوالثاني : أن هَذَا يغتفر فِي الجماعة القليلة دون الكثيرة ، ولهذا لَمْ يأمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أكثر من واحد بالصلاة مَعَهُ .\rوكذلك قَالَ أحمد فِي الجماعة تفوتهم الجمعة : إنهم إن كانوا ثَلاَثَة صلوا جماعةً ، فإن كثروا فتوقف فِي صلاتهم جماعةً ، وَقَالَ : لا أعرفه .\rومأخذه فِي ذَلِكَ : أن فِي إظهار صلاة الظهر يوم الجمعة فِي المساجد افتئاتاً عَلَى الأئمة ، ويتستر بِهِ أهل البدع إلى ترك الجمعة ، وصلاة الظهر فِي المساجد كسائر الأيام .\rوقد كره طائفة من السلف لمن فاتته الجمعة أن يصلوا جماعة ، منهم : الْحَسَن وأبو قلابة ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة .\rورويت الرخصة فِيهِ عَن ابن مَسْعُود وإياس بْن معاوية ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وأحمد وإسحاق .\rوعن أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ يكره صلاة الظهر جماعة إذ كثروا ، ولا يكره إذا قلوا . وقد ذكرناها آنفاً .\rومن أصحابنا من كره الجماعة فِي مكان الجمعة خاصة .\rواختلف فِيهِ عَن الثوري ومالك .\rوروي عَن حذيفة وزيد بْن ثابت ، أن من فاتته الجمعة لا يصلي الظهر فِي المسجد بالكلية حياء من النَّاس .\rقَالَ حذيفة : لا خير فيمن لا حياء فِيهِ .\rوَقَالَ زيد : من لا يستحي من النَّاس لا يستحي من الله .\rوقد روي فِي حَدِيْث أَنَس الموقوف الَّذِي علقه البخاري زيادة : أَنَّهُ أمر بعض أصحابه فأذن وصلى ركعتين ، ثُمَّ أمره فأقام ثُمَّ تقدم أَنَس فصلى بهم .\rخرجه عَبْد الرزاق عَن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان ، عَن الجعد ، عَن أَنَس .\rوخرجه الجوزجاني من رِوَايَة ابن علية ، عَن الجعد ، قَالَ : كنا فِي مسجد بني رِفَاعَة ، فجاء أَنَس بْن مَالِك ومعه نفر ، وقد صلينا صلاة الصبح ، فَقَالَ : أصليتم ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فإذن رَجُل من القوم ، ثُمَّ صلوا ركعتين ، ثُمَّ أقام ، ثُمَّ تقدم أَنَس فصلى بهم .\rوهذا يدل عَلَى أن من دَخَلَ مسجداً قَدْ صلي فِيهِ والوقت باقٍ ، فإنه يجوز لَهُ أن يتطوع قَبْلَ صلاة المكتوبة ، ويصلي السنن الرواتب قَبْلَ الفرائض ، وَهُوَ قَوْلِ الأكثرين ، منهم : [.. .. .. ] وأبو حنيفة ومالك والشافعي .","part":5,"page":11},{"id":934,"text":"وقالت طائفة : يبدأ بالمكتوبة ، منهم : ابن عُمَر - : رواه مَالِك وأيوب وابن جُرَيْج ، عَن نافعٍ ، عَنْهُ .\rوكذا روي عَن عَبْد الرحمن بْن أَبِي ليلى والشعبي والنخعي وعطاء ، وَهُوَ قَوْلِ الثوري والحسن بْن حي والليث بْن سعد .\rوعن الْحَسَن ، قَالَ : ابدأ بالمكتوبة إلا ركعتي الفجر .\rوكذا قَوْلِ الثوري .\rواختلفت الرواية عَن أحمد فِي ذَلِكَ :\rفنقل عَنْهُ ابن منصور وصالح وحنبل : يبدأ بالمكتوبة ، واستدل فِي رِوَايَة ابن منصور وصالح بما روي عَن ابن عُمَر .\rونقل عَنْهُ أبو الْقَاسِم البغوي ، فِي الرَّجُلُ يخرج إلى المسجد فيجدهم قَدْ صلوا ، ووجد رجلاً يتطوع : أيتطوع حَتَّى يجيء الرَّجُلُ ؟ قَالَ : إن شاء تطوع .\rومن كره ذَلِكَ جعل الدخول إلى المسجد لإرادة الصلاة المكتوبة كإقامة الصلاة ، فلا يبدأ قبلها بشيء وإنما يشرع التطوع لمن ينتظر الإمام ؛ لأنه إذا لَمْ يخرج إلى النَّاس لَمْ يمنعوا من التطوع .\rولو كَانَتْ الصلاة فِي غير مسجد فله أن يتطوع قَبْلَ المكتوبة - : قاله عَطَاء وغيره .\rوقياس هَذَا : أن الإمام إذا حضر المسجد ، فإنه يكره لَهُ أن يتطوع قَبْلَ المكتوبة - أيضاً .\rوقد ذكرنا فيها تقدم فِي (( بَاب : متى يقوم النَّاس إذا رأوا الإمام )) الحَدِيْث الَّذِي خرجه أبو داود ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ حِينَ تقام الصلاة فِي المسجد إذا رآهم قليلاً جلس ثُمَّ صلى ، وإذا رآهم جماعة صلى .\rوخرجه البيهقي ، ولفظه : كَانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج بعد النداء إلى المسجد ، فإذا رأى أهل المسجد قليلاً جلس حَتَّى يرى منهم جماعة ثُمَّ يصلي .\rوقد تقدم فِي (( بَاب : القيام للصلاة )) الحَدِيْث المرسل ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - جَاءَ وبلال فِي الإقامة فجلس .\rخرج البخاري - رحمه الله - في هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث :\rالحَدِيْث الأول :\r645 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن نافعٍ ، عَن عَبْد الله بْن عُمَر، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( صلاةُ الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين\rدرجةً )) .\rالحَدِيْث الثاني :\rقَالَ :\r646 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : حَدَّثَنِي الليث : حَدَّثَنِي ابن الهاد ، عَن\rعَبْد الله بْن خباب ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : (( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسٍ وعشرين درجةً )) .\rالحَدِيْث الثالث :","part":5,"page":12},{"id":935,"text":"647 - حَدَّثَنَا موسى بْن إسماعيل : نا عَبْد الواحد ، قَالَ : ثنا الأعمش ، قَالَ : سَمِعْت أبا صالح يَقُول : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( صلاة الرَّجُلُ فِي الجماعة تضعيف عَلَى صلاته فِي بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفاً ، وذلك أَنَّهُ إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثُمَّ خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة ، لَمْ يخط خطوة إلا رفعت لَهُ بِهَا درجة وحط عَنْهُ بِهَا خطيئة ، فإذا صلى لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا دام فِي مصلاة : اللهم صل عَلِيهِ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاةٍ مَا انتظر الصلاة)) .\rفِي حَدِيْث ابن عُمَر : أن صلاة الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجةً ، وفي حَدِيْث أَبِي سَعِيد : أنها عَلَيْهَا بخمس وعشرين .\rوقد جمع بعض النَّاس بينهما ، فَقَالَ : أريد فِي حَدِيْث ابن عُمَر ذكر صلاة الفذ وصلاة الجماعة ، وما بَيْنَهُمَا من الفضل ، وَهُوَ خمس وعشرون ، فصار ذَلِكَ سبعاً وعشرين ، وفي حَدِيْث أَبِي سَعِيد ذكر قدر الفضل بَيْنَهُمَا فَقَطْ ، وَهُوَ خمس وعشرون .\rوهذا بعيد ، فإن حَدِيْث ابن عُمَر ذكر فِيهِ قدر التفاضل بَيْن الصلاتين - أيضاً -، كما ذكر فِي حَدِيْث أَبِي سَعِيد .\rوقد خرجه مُسْلِم من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( صلاة الرَّجُلُ فِي الجماعة تزيد عَلَى صلاته وحده سبعاً وعشرين درجة )) .\rوأما حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ففيه تضعّف صلاة الجماعة عَلَى الصلاة فِي البيت والسوق خمسة وعشرين ضعفاً ، والمراد بِهِ - أيضاً - : قدر التفاضل بَيْنَهُمَا .\rوسيأتي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظ آخر ، خرجه البخاري فِي الباب الَّذِي يأتي بعد هَذَا ، وَهُوَ : (( تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً )) .\rوالمراد بهذه الأجزاء والأضعاف والدرج معنى واحد - واللهُ أعلم - ، وَهُوَ : أن صلاة الفذ لها ثواب مقدر معلوم عِنْدَ الله ، تزيد صلاة الجماعة عَلَى ثواب صلاة الفذ خمسة وعشرين أو سبعة وعشرين .\rوقد جَاءَ التصريح بهذا فِي حَدِيْث خرجه مُسْلِم من رِوَايَة سلمان الأغر ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين من صلاة الفذ)) .\rوخرج - أيضاً - من وجه آخر ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ :\r(( صلاة مَعَ الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده )) .\rوفي (( المسند )) عَن ابن عُمَر - موفوعاً - : (( كلها مثل صلاته )) .\rوقد اختلف النَّاس فِي الجمع بَيْن حَدِيْث ابن عُمَر فِي ذكر السبع وعشرين وبين حَدِيْث أَبِي سَعِيد وأبي هُرَيْرَةَ فِي ذكر خمس وعشرين .","part":5,"page":13},{"id":936,"text":"فَقَالَتْ طائفةٌ : ذكر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي كل وقت مَا أعلمه الله وأوحاه إليه من الفضل، فبلغه كما أوحي إليه ، وكان قَدْ أوحى إِلَيْهِ أن صلاة الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بخمس وعشرين ، والعدد لا مفهوم لَهُ عِنْدَ كثير من العلماء ، ثُمَّ أوحى إِلَيْهِ زيادة عَلَى ذَلِكَ ، كما أخبر : (( أن من مات لَهُ ثَلاَثَة من الولد لَمْ تمسه النار )) .ثُمَّ سئل عَن الاثنين ، فَقَالَ : (( واثنان )) ثُمَّ سئل عَن الواحد ، فَقَالَ : (( والواحد )) ، وكما أخبر (( أن صيام ثَلاَثَة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر )) ، ثُمَّ أخبر عَبْد الله ابن عَمْرِو بْن العاص أَنَّهُ إن صام يوماً من الشهر أو يومين مِنْهُ فله أجر مَا بقي مِنْهُ ، ونطق الكتاب بأن الحسنة بعشر أمثالها ، ثُمَّ جاءت السنة بأن الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ، ودل القرآن عَلِيهِ - أيضاً .\rوقالت طائفة : صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها في نفسها ، ثم اختلفوا : فمنهم من قالَ : يتفاوت ثوابها بإكمال الصلاة فِي نفسها ، وإقامة حقوقها وخشوعها ، ورجحه أبو موسى المديني .\rولكن صلاة الفذ يتفاوت ثوابها - أيضاً - على حسب ذَلِكَ .\rومنهم من قَالَ : يتفاوت ثوابها بذلك ، وربما يقترن بصلاة الجماعة من المشي إلى المسجد وبعده وكثرة الجماعة فِيهِ ، وكونه عتيقاً ، وكون المشي عَلَى طهارةٍ ، والتبكير إلى المساجد ، والمسابقة إلى الصف الأول عَن يمين الإمام أو وراءه ، وإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام ، والتأمين مَعَهُ ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وغير ذَلِكَ .\rوهذا قَوْلِ أَبِي بَكْر الأثرم وغيره ، وَهُوَ الأظهر .\rويدل عَلِيهِ : أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ذكر فِي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ تعليل المضاعفة ، فَقَالَ :\r(( وذلك أَنَّهُ إذ توضأ فأحسن الوضوء ، ثُمَّ خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصلاة ، لَمْ يخط خطوةً إلا رفعت لَهُ بِهَا درجة ، وحط عَنْهُ بِهَا خطيئة ، فإذا صلى لَمْ تزَلَ الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا دام فِي مصلاة : اللهم صل عَلِيهِ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاة مَا انتظر الصلاة )) .\rوعلى هَذَا ؛ فَقَدْ تضاعف الصلاة فِي جماعة أكثر من ذَلِكَ .\rإما بحسب شرف الزمان ، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة .\rوقد قَالَ ابن عُمَر : افضل الصلوات عِنْدَ الله صلاة الصبح يوم الجمعة .\rوروي عَنْهُ مرفوعاً ، والموقوف هُوَ الصحيح - : قاله الدارقطني .\rوخرجه البزار بإسناد ضَعِيف ، عَن أَبِي عبيدة بْن الجراح مرفوعاً ، وزاد فِيهِ :\r(( ولا أحسب من شهدها منكم إلا مغفوراً لَهُ )) .\rأو شرف المكان ، كالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ، كما صح عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ : (( صلاة فِي مسجدي هَذَا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام )).","part":5,"page":14},{"id":937,"text":"وخرج ابن ماجه من رِوَايَة أَبِي الخَطَّاب الدمشقي ، عَن رزيق الألهاني ، عَن أَنَس، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( صلاة الرَّجُلُ فِي بيته بصلاة ، وصلاته فِي مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته فِي المسجد الَّذِي يجمع فِيهِ بخمسمائة صلاة ، وصلاته فِي المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته فِي مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته فِي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة )) .\rوقد سبق الكلام عَلَى إسناده فِي (( بَاب : الصلاة فِي مسجد السوق )) . والله أعلم .\rوقد روي عَن ابن عَبَّاس من طريقين فيهما ضعف ، أن مضاعفة الخمس وعشرين درجة لأقل الجماعة - وهي اثنان ، وفي رِوَايَة عَنْهُ : ثَلاَثَة - ، وما زاد عَلَى ذَلِكَ إلى عشرة آلاف كَانَ لكل واحد من الدرجات بعدد من صلى معهم .\rوروي بإسناد فِيهِ نظر ، عَن كعب ، أَنَّهُ قَالَ لعمر بْن الخَطَّاب : إنه إذا صلى اثنان كَانَتْ صلاتهما بخمس وعشرين ، وإذا كانوا ثلاثة فصلاتهم بخمسة وسبعين ، وكانت ثلاثمائة ، فإذا كانوا خمسة خمسة الثلاثمئة ، فكانت ألفاً وخمسمائة ، فإذا كانوا ستة سدست ألفاً وخمسمائة ، فكانت تسعة آلاف ، فإذا كانوا مائة فلو اجتمع الكتاب والحساب مَا أحصوا ماله من التضعيف . ثُمَّ قَالَ لعمر : لَوْ لَمْ يكن مِمَّا أنزل الله عَلَى مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } [ القدر : 3 ] ثَلاَثَة وثمانين سَنَة لكنت مصدقاً . فَقَالَ عُمَر : صدقت .\rخرجه أبو موسى المديني فِي (( كِتَاب الوظائف )) بإسناده .\rوخرج فِيهِ أحاديث أخر مرفوعة وموقوفة فِي هَذَا المعنى .\rوروى - أيضاً - بإسناد جيد ، عَن كعب ، قَالَ : أجد فِي التوراة أن صلاة الجماعة تضاعف بعدد الرجال درجة ، إن كانوا مائة فمائة ، وإن كانوا ألفاً فألف درجة.\rوخرج الطبراني وغيره من رِوَايَة عَبْد الرحمن بْن زياد ، عَن قباث بْن أشيم ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عِنْدَ الله من صلاة أربعة تترى ، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عِنْدَ الله من صلاة ثمانية تترى ، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عِنْدَ الله من صلاة مائة تترى )) .\rوخرجه البزار - أيضاً - بمعناه .\rوفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري : (( صلاة الرَّجُلِ فِي الجماعة تضعيف )) ، وَهُوَ يدل عَلَى أن صلاة المرأة لا تضعف فِي الجماعة ؛ فإن صلاتها فِي بيتها خير لها وأفضل .\rوروى بقية ، عَن أَبِي عَبْد السلام ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر - مرفوعاً - :\r(( صلاة المرأة وحدها تفضل عَلَى صلاتها فِي الجمع خمساً وعشرين درجة )) .\rخرجه أبو نعيم فِي (( تاريخ أصبهان )) .\rوَهُوَ غريب جداً ، وروايات بقية عَن مشايخه المجهولين لا يعبأ بِهَا .","part":5,"page":15},{"id":938,"text":"وقد احتج كثير من الفقهاء بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث الَّتِيْ فيها ذكر تفضيل صلاة الجماعة عَلَى صلاة الفذ ، وقالوا : هِيَ تدل عَلَى أن صلاة الفذ صحيحة مثاب عَلَيْهَا . قالوا : وليس المراد بذلك صلاة الفذ إذا كَانَ لَهُ عذر فِي ترك الجماعة ؛ لأن المعذور يكتب لَهُ ثواب عمله كله ، فعلم أن المراد بِهِ غير المعذور .\rوهذا استدلال لا يصح ، وإنما استطالوا بِهِ عَلَى داود وأصحابه القائلين بأن صلاة الفذ لغير عذر باطلة ، فأما من قَالَ : إنها صحيحه ، وأنه آثم بترك حضور الجماعة ، فإنه لا يبطل قوله بهذا ، بل هُوَ قائل بالأحاديث كلها ، جامع بينها ، غير راد لشيء مِنْهَا .\rثُمَّ قولهم : الحَدِيْث محمول عَلَى غير المعذور ، قَدْ يمنع .\rوقولهم : إن المعذور يكتب لَهُ مَا كَانَ يعمل .\rجوابه : أن كتابة مَا كَانَ يعمل لسبب آخر ، وَهُوَ عمله المتقدم الَّذِي قطعه عَنْهُ عذره ، فأما صلاة الفذ فِي نفسها فلا يزيد تضعيفها عَلَى ضعف واحد من صلاة الجماعة، سواء كَانَ معذوراً أو غير معذور ، ولهذا لَوْ كَانَ المصلي فذاً لَهُ عذر ، ولم يكن لَهُ عادة بالصلاة فِي حال عدم العذر جماعة، لَمْ يكتب لَهُ سوى صلاةٍ واحدةٍ .\rفإن قيل : يلزم من القول بوجوب الجماعة أن تكون شرطاً للصلاة ، وأنْ لا تصح بدونها ، كما قلتم فِي واجبات الصلاة كالتسبيح فِي الركوع والسجود ، وأنه تبطل بتركه عمداً ؛ لكونه واجباً ، ولأن القاعدة : أن ارتكاب النهي فِي العبادة إذا كَانَ لمعنى مختص بِهَا أَنَّهُ يبطلها ، مثل الإخلال بالطهارة والاستقبال ، فكذلك الجماعة .\rقيل : قَدْ اعترف طائفة من أصحابنا بأن القياس يقتضي كون الجماعة شرطاً ، لما ذكر ، لكن الإمام أحمد أخذ بالنصوص كلها ، وهي دالة عَلَى وجوب الجمع ، وعلى أنها ليست شرطاً ، فعلم بذلك أَنَّهُ لا يرى أن كل ارتكاب نهي فِي العبادة يكون مبطلاً لها ، وسواء كَانَ لمعنى مختص بِهَا كالجماعة ، أو لمعنى غير مختص .\rولهذا ؛ تبطل الصلاة بكشف العورة ، وَهُوَ لمعنى غير مختص بالصلاة ، وفي بطلانها فِي المكان المغضوب والثوب المغضوب والحرير عَنْهُ روايتان ، وقد يجب فِي العبادات مَا لا تبطل بتركه ، كواجبات الحج .\rوما دلت عَلِيهِ الأحاديث من القول بوجوب الجماعة فِي الصلوات المكتوبات ، وأنها تصحّ بدونها دليل واضح عَلَى بطلان قَوْلِ عَن قَالَ : إن النهي يقتضي الفساد بكل حال ، أو أن ذَلِكَ يختص بالعبادات ، أو أَنَّهُ يختص بما إذا كَانَ النهي لمعنى يختص\rبالعبادة ؛ فإن هَذَا كله غير مطرد . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":5,"page":16},{"id":939,"text":"31 - بَابُ\rفَضْلِ صَلاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةِ\rفِيهِ ثَلاَثَة أحاديث :\rالأول :\r648 - حَدَّثَنَا أبو ايمان : أنا شعيب ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني سَعِيد بْن المُسَيِّب وأبو سَلَمَة بْن عَبْد الرحمان ، أن أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول :\r(( تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً ، وتجمتع ملائكة النهار فِي صلاة الفجر )) . ثُمَّ يَقُول أبو هُرَيْرَةَ : فاقرءوا إن شئتم : { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } [ الإسراء : 78 ] .\r649 - قَالَ شعيب : وحدثني نَافِع عَن عَبْد الله بْن عُمَر ، قَالَ : تفضلها بسبعٍ وعشرين درجةً .\rقَدْ سبق فِي الباب الماضي أول حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، بلفظ آخر ، وبقية الحَدِيْث قَدْ ذكرناه فيما تقدم فِي (( بَاب : فضل صلاة العصر )) ، وذكرنا قول من قَالَ : إن هَذَا الفضل -وَهُوَ اجتماع الملائكة فِي صلاة الفجر ، وفي الحَدِيْث الآخر : وفي صلاة العصر - يختص بالجماعات، كما أشار إِلَيْهِ البخاري هاهنا ، وَهُوَ الَّذِي رجحه ابن عَبْد البر وغيره .\rويشهد لَهُ : مَا رواه أبو نعيم فِي (( كِتَاب الصلاة )) لَهُ : حَدَّثَنَا هِشَام بْن سعد : ثنا صالح بْن جبير الأزدي ، عَن رَجُل من أهل الشام ، قَالَ : صليت وراء معاذ ابن جبل الصبح ، فلما انصرف قَالَ : إن هذه الصلاة مقبولة مشهودةٌ ، يحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار ، ويطلع الله فيها عَلَى عباده فيغفر لهم ، فارغبوا فيها ، واشهدوها ، واحضروها .\rوحديث ابن عُمَر تقدم فِي الباب الماضي ، عَنْهُ مرفوعاً ، مَعَ الكلام عَلِيهِ .\rالحَدِيْث الثاني :\rقَالَ :\r650 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص : ثنا أَبِي ، قَالَ : ثنا الأعمش ، قَالَ : سَمِعْت سالماً ، قَالَ : سَمِعْت أم الدرداء تَقُول : دَخَلَ عَلِيّ أبو الدرداء وَهُوَ مغضب ، فَقُلْت : مَا أغضبك ؟ فَقَالَ : والله مَا أعرف من أمر مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ، إلا أنهم يصلون جميعاً .\rوليس فِي هَذَا الحَدِيْث ذكر للجماعة فِي صلاة الفجر بخصوصها ، وإنما فِيهِ أن الصلاة فِي الجماعة من أمر مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - ودينه وسرعه ، فهو كقول ابن مسعودٍ : إن الله شرع لنبيه سنن الهدى ، وإنهن من سنن الهدى . وقد تقدم ذكره .\rوفي رِوَايَة للأمام أحمد فِي هَذَا الحَدِيْث : (( إلا الصلاة )) .\rوهذا بخلاف قَوْلِ أَنَس : مَا أعرف شيئاً مِمَّا كَانَ عَلَى عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rقيل الصلاة ؟ قَالَ : أليس قَدْ صنعتم ما صنعتم فيها ؟\rوقد خرجه البخاري فِي موضع آخر .\rوخرجه - أيضاً - بلفظ آخر ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ يبكي - : لا أعرف شيئاً مِمَّا أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قَدْ ضيعت .\rوأشار أَنَس إلى مَا أحدثه بنو أمية من تضييع مواقيت الصلاة ، وكان أبو الدرداء قَدْ توفى قَبْلَ ذَلِكَ فِي زمن معاوية .","part":5,"page":17},{"id":940,"text":"يبين هَذَا : مَا خرجه الإمام أحمد من رِوَايَة ثابت ، عَن أَنَس ، قَالَ : مَا أعرف فيكم اليوم شيئاً كُنْتُ أعهده عَلَى عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ليس قولكم : لا إله إلا الله . قُلتُ : يَا أَبَا حَمْزَة الصلاة؟ قَالَ : قَدْ صليتم حِينَ تغرب الشمس ، أفكانت تلك صلاة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟\rوفي رِوَايَة للأمام أحمد من حَدِيْث عُثْمَان بْن سعد ، عَن أَنَس ، قَالَ : أو ليس قَدْ علمت مَا قَدْ صنع الحجاج فِي الصلاة ؟!\rوكان هَذَا الإنكار عَلَى الأمراء ، كما رَوَى أبو إِسْحَاق ، عَن معاوية بْن قرة ، قَالَ : دخلت أنا ونفر معي عَلَى أنس بْن مَالِك ، فَقَالَ : مَا أمراؤكم هؤلاء عَلَى شيء مِمَّا كَانَ عَلِيهِ مُحَمَّد وأصحابه ، إلا أنهم يزعمون أنهم يصلون ويصومون رمضان .\rالحَدِيْث الثالث :\r651 - ثنا مُحَمَّد بْن العلاء : ثنا أبو أسامة ، عَن بريد بْن عَبْد الله ، عَن أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى ، قَالَ : قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( أعظم النَّاس أجراً فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، والذي ينتظر الصلاة حَتَّى يصليها مَعَ الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثُمَّ ينام )) .\rوهذا الحَدِيْث -أيضاً -إنما يدل عَلَى فضل المشي إلى المسجد من المكان البعيد ، وأن الأجر يكثر ويعظم بحسب بعد المكان عَن المسجد ، وعلى فضل السبق إلى المسجد فِي أول الوقت ، وانتظار الصلاة فِيهِ مَعَ الإمام .\rوقد ذكرنا فيما سبق : أن هَذَا كله مِمَّا تضاعف بِهِ الصلاة فِي الجماعة ، وتزداد بِهِ عَلَى صلاة الفذ فضلاً وأجراً عِنْدَ الله - عز وجل - ، وليس يختص ذَلِكَ بصلاة الفجر دون غيرها من الصلوات .\r* * *","part":5,"page":18},{"id":941,"text":"32 -بَابُ\rفَضْلِ التَّهْجِيرِ إلى الظُّهْرِ\r652 - حَدَّثَنِي قتيبة ، عَن مالك ، عَن سمي مَوْلَى أَبِي بَكْر ، عَن أَبِي صالح السمان ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( بينما رَجُل يمشي بطريق وجد غصن شوكٍ عَلَى الطريق فأخره ، فشكر الله لَهُ ، فغفر لَهُ )) .\r653 - ثُمَّ قَالَ : (( الشهداء خمس : المطعون ، والمبطون ، والغريق ، وصاحب الهدم والشهيد فِي سبيل الله )) . وقَالَ : (( لَوْ يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول ، ثُمَّ لَمْ يجدوا إلأا أن يستهموا عَلِيهِ لاستهموا عَلِيهِ )) .\r654- (( ولو يعلمون مَا فِي التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون مَا فِي العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً )) .\rإنما ساق الحَدِيْث بتمامه ؛ لأنه أولى من اختصاره وتقطيعه ، وإن كَانَ ذَلِكَ جائزاً كما سبق ذكره ، واقتدى بمالك -رحمه الله- ؛ فإنه ساقه بتمامه فِي (( كِتَاب الصلاة )) من (( الموطأ )) هكذا .\rوالكلام عَلَى إزاله الشوك من الطريق ، وعلى عدد الشهداء يأتي فِي موضعهما - إن شاء الله تعالى.\rوأما مَا يتعلق بالصلاة من الحَدِيْث ، فثلاثة أشياء :\rأحدها : ذكر الاستهام عَلَى النداء والصف الأول ، وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ فِي (( الأذان )) .\rالثاني : الاستباق إلى التهجير .\rوالتهجير : التكبير إلى المساجد لصلاة الظهر ، والهجير والهاجرة : نصف النهار .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من حَدِيْث زيد بْن ثابت ، قَالَ : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلى الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلى صلاة أشد عَلَى أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهَا . قَالَ : فَنَزَلت : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } البقرة : 238 ] .\rوخرجه الإمام أحمد -أيضاً- والنسائي من حَدِيْث أسامة بْن زيد ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهجير ، ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان ، والناس فِي قائلتهم وفي تجارتهم ، فأنزل الله تعالى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } .\rوفيه : دليل عَلَى تعجيل الظهر .\rوالثالث : المبادرة إلى شهود العتمة والصبح ، وسيأتي القول فِيهِ فيما بعد - إن شاء الله تعالى.\rوفيه : دليل عَلَى جواز تسمية العشاء العتمة ، وقد تقدم ذكره .\r* * *","part":5,"page":19},{"id":942,"text":"33 -بَابُ\rاحْتِسَابِ الآثَارِ\r655 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الله بْن حوشب : ثنا عَبْد الوهاب ، قَالَ : حَدَّثَنِي حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( يَا بني سَلَمَة ، ألا تحتسبون آثاركم ؟ )) .\r656 - وَقَالَ ابن أَبِي مريم : أنا يَحْيَى بْن أيوب : حَدَّثَنِي حميد : حَدَّثَنِي أَنَس ، أن نبي سَلَمَة أرادوا أن يتحولوا عَن منازلهم فينزلوا قريباً من النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - . قَالَ : فكره النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يعروا منازلهم ، فَقَالَ : (( ألا تحتسبون آثاركم ؟ )) .\rقَالَ مُجَاهِد : خطاهم : آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم .\rساقه أولا من حَدِيْث عَبْد الوهاب الثَّقَفِيّ ، عَن حميد مختصراً ثُمَّ ذكر من رِوَايَة يَحْيَى بْن أيوب المصري - وَهُوَ ثقة ، لكنه كثير الوهم -مطولاً ، وزاد فِيهِ تصريح حميد بالسماع لَهُ من أَنَس ، فإن حميداً قَدْ قيل : إنه لَمْ يسمع من أَنَس إلا قليلاً ، وأكثر رواياته عَنْهُ مرسلة ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ ، وما قاله الإسماعيلي فِي تسامح المصريين والشامين فِي لفظه (( حَدَّثَنَا )) وأنهم لا يضبطون ذَلِكَ.\rوقد خرجه فِي (( كِتَاب الحج )) من طريق الفزاري ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فكره رَسُول الله - رضي الله عنه - أن تعرى المدينة ، فَقَالَ : (( يَا بني ، ألا تحتسبون آثاركم ؟ )) .\rوبنو سَلَمَة : قوم من الأنصار ، كَانَتْ دورهم بعيدة من المسجد ، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فأمرهم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بملازمة دورهم ، وأخبرهم أن خطاهم يكتب لهم أجرها فِي المشي إلى المسجد .\rوخرج مُسْلِم فِي (( صحيحه )) من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، قَالَ : كَانَتْ دارنا نائيةً من المسجد ، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد ، فنهانا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : (( إن لكم بكل خطوةٍ درجة )) .\rومن حَدِيْث أَبِي نضرة ، عَن جابر ، قَالَ : أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، والبقاع خالية . قَالَ : فبلغ ذَلِكَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : (( يَا بني سَلَمَة ، دياركم تكتب آثاركم )). فقالوا : مَا يسرنا أنا كنا تحولنا .\rوقوله : (( دياركم )) بفتح الراء عَلَى الإغراء ، أي : الزموا دياركم .\rوخرجه الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعدي ، عَن أَبِي نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد، قَالَ : كَانَتْ بنو سَلَمَة فِي ناحية المدينة ، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد ، فَنَزَلت هذه الآية : { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ } [ يس : 12 ] ، فقام رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن آثاركم تكتب )) ، فَلَمْ ينتقلوا .\rوأبو سُفْيَان ، فِيهِ ضعف .\rوالصحيح : رِوَايَة مسلمٍ ، عَن أَبِي نضرة ، عَن جابر ، وكذا قاله الدارقطني وغيره .","part":5,"page":20},{"id":943,"text":"وخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : كَانَتْ الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد ، فأرادوا أن يقربوا ، فَنَزَلت : { نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ } . قَالَ : فثبتوا .\rوقد ذكر البخاري عَن مُجَاهِد ، أَنَّهُ فسر الآثار -يعني : فِي هذه الآية -بالخُطا ، وزاد - أيضاً - بقوله : آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم .\rوفي حَدِيْث أَنَس : فكره رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعروا المدينة أو منازلهم .\rيعني : يخلوها فتصير عراةً من الأرض .\rوالعراء : الفضاء الخالي من الأرض ، ومنه : قوله تعالى : { فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ }\r[ الصافات : 145 ] .\rوروى يَحْيَى بْن سَعِيد الأنصاري هَذَا الحَدِيْث ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، وَقَالَ : فكره أن يعروا المسجد .\rقَالَ الإمام أحمد وهم فِيهِ . إنما هُوَ : كره أن يعروا المدينة .\rوقد دلت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجرهُ ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ .\rوقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى : (( أعظم النَّاس أجراً فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى)).\rوفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، : (( وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة )) .\rوقد خرجه البخاري فِي موضع آخر .\rوسبق -أيضاً - حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوفي (( المسند )) و (( سنن أَبِي داود )) وابن ماجه ، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً )) .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن أَبِي بْن كعب ، قَالَ : كَانَ رَجُل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد مِنْهُ ، وكان لا تخطئه صلاة . قَالَ : فَقِيلَ لَهُ - أو قُلتُ لَهُ - : لَوْ اشتريت حماراً تركبه فِي الظلماء أو الرمضاء ؟ قَالَ : مَا يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد ، إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( قَدْ جمع الله لَكَ ذَلِكَ كله )) .\rوفي رِوَايَة لَهُ - أيضاً - : فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إن لَكَ مَا احتسبت )) .\rوهذا يدل عَلَى أَنَّهُ ثياب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله .\rوفي (( المسند )) و (( صحيح ابن حبان )) عَن عَبْد الله بْن عَمْرِو ، عَن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -، قَالَ : (( من راح إلى المسجد جماعة فخطوتاه : خطوة تمحو سيئة ، وخطوة تكتب حسنة، ذاهباً وراجعاً)).\rوهذا المطلق قَدْ ورد مقيداً فِي حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخري فيما مضى .\rوسيأتي بقيدين :\rأحدهما : أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله .","part":5,"page":21},{"id":944,"text":"والثاني : أن لا يخرج إلا إلى الصلاة فِي المسجد ، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاص .\rوكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر ، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر ، غير أن هَذَا الأجر الخاص - وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات - لا يحصل بذلك .\rوأعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة ، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل .\rوفي (( المسند )) بإسناد منقطع ، عَن حذيفة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد )) .\r* * *","part":5,"page":22},{"id":945,"text":"34 - بَابُ\rفَضْلِ صلاةِ العشاءِ فِي الجَماعةِ\r657 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص ، قَالَ : ثنا أَبِي ، ثنا الأعمش : حَدَّثَنِي أبو\rصالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ليس صلاة أثقل عَلَى المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون مَا فيهما لأتوهما ولو حبواً ، ولقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ، ثُمَّ آمر رجلاً يؤم النَّاس ، ثُمَّ آخذ شعلاً من نارٍ فأحرق عَلَى من لا يخرج إلى الصلاة وَهُوَ يقدر )) .\rقَدْ صرح الأعمش بسماع هَذَا الحَدِيْث من أَبِي صالح ، وفي الغالب إنما يخرج البخاري من حَدِيْث الأعمش عَن أَبِي صالح ما صرح فِيهِ بالسماع ، كهذا الحَدِيْث ، والحديث الَّذِي خرجه قبله فِي فضل الجماعة .\rوالمراد بثقل هاتين الصلاتين عَلَى المنافقين : ثقل شهودهما فِي المساجد ، وباقي الحَدِيْث يدل عَلَى ذَلِكَ .\rويدل عَلِيهِ - أيضا - : حَدِيْث أَبِي بْن كعب ، قَالَ : صلى بنا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً الصبح ، فَقَالَ : (( أشاهد فلان ؟ )) قالوا : لا . قَالَ : (( أشاهد فلان ؟ )) قالوا : لا . قَالَ : (( إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات عَلَى المنافقين ، ولو تعلمون مَا فيهما لأتيتهموهما ولو حبواً عَلَى الركب )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان فِي\r(( صحيحهما)) والحاكم.\rوروى أبو داود الطيالسي : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي حميد ، عَن أَبِي عَبْد الله القراظ ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لا يحافظ المنافق أربعين ليلةً عَلَى صلاة العشاء الآخرة فِي جماعة )).\rمُحَمَّد بْن أَبِي حميد ، فِيهِ ضَعِيف .\rوفي (( المسند )) عَن أَبِي بشر ، عَن أَبِي عمير بْن أنس ، عَن عمومة لَهُ من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لا يشهدهما منافق )) - يعني : صلاة الصبح والعشاء .\rقَالَ أبو بشر : يعني لا يواظب عَلَيْهِمَا .\rوروى مَالِك من (( الموطإ )) عَن عَبْد الرحمان بْن حرملة ، عَن سَعِيد بْن\rالمُسَيِّب ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( بيننا وبين المنافقين شهود صلاة العشاء والصبح ، لا يستطيعونهما )) - أو نحو هَذَا .\rوخرج ابن خزيمة والحاكم بإسناد صحيح ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : كنا إذا فقدنا الإنسان فِي صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا بِهِ الظن .\rوإنما ثقلت هاتان الصلاتان فِي المساجد عَلَى المنافقين أكثر من غيرهما من الصلوات لأن المنافين كما وصفهم الله فِي القرآن { إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ النِّسَاء : 142 ] والمرائي إنما ينشط للعمل إذا رآه النَّاس ، فإذا لَمْ يشاهدوه ثقل عَلِيهِ العمل .","part":5,"page":23},{"id":946,"text":"وقد كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي هاتين الصلاتين فِي الظلام ، فإنه كَانَ يغلس بالفجر غالباً ويؤخر العشاء الآخرة ، ولم يكن فِي مسجده حينئذ مصباح ، فَلَمْ يكن يحضر مَعَهُ هاتين الصلاتين إلا مؤمن يحتسب الأجر فِي شهودهما ، فكان المنافقون يتخلفون عنهما ويظنون أن ذَلِكَ يخفى عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوأيضاً ؛ فالمشي إلى المساجد فِي هذين الوقتين أشق ؛ لما فِيهِ من المشي فِي الظلم ؛ ولهذا ورد التبشير عَلَى ذَلِكَ ، بالنور التام يوم القيامة من وجوه متعددة .\rمن أجودها : مَا خرجه أبو داود والترمذي من حَدِيْث بريدة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( بشر المشائين فِي الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة )) .\rوَقَالَ إبراهيم النخعي : كانوا يرون أن المشي إلى الصلاة فِي الليلة الظلماء موجبة - يعني : توجب لصاحبها الجنة .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن عُثْمَان ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( من صلى العشاء فِي جماعة فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح فِي جماعة فكأنما صلى الليل كله )).\rوخرجه أبو داود والترمذي ، وعندهما : (( ومن صلى العشاء والفجر فِي جماعة ، كَانَ لَهُ كقيام ليلة )) .\rوهذا يبين أن الرواية الَّتِيْ قبلها إنما أريد بِهَا صلاة الصبح مَعَ العشاء فِي الجماعة .\rقَالَ الإمام أحمد فِي رِوَايَة المروذي : الأخبار فِي الفجر والعشاء - يعني فِي الجماعة - أوكد وأشد .\rوروى وكيع فِي (( كتابه )) بإسناده ، عَن عُمَر ، قَالَ : لأن أشهد الفجر والعشاء فِي جماعة أحب إلي من أن أحيي مَا بَيْنَهُمَا .\rوعن أَبِي الدرداء ، قَالَ : اسمعوا وبلغوا من خلفكم ، حافظوا عَلَى العشاء والفجر، ولو تعلون مَا فيهما لأتيتموهما ولو حبواً .\rوخرجه أبو نعيم الفضل بْن دكين - أيضاً .\rوخرج بإسناده ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَوْ يعلم القاعدون مَا للمشائين إلى هاتين الصلاتين : صلاة العشاء الفجر لأتوهما ولو حبواً .\rوروى مَالِك فِي (( الموطإ )) بإسناده ، عَن عُمَر ، قَالَ : لأن أشهد صلاة الصبح - يعني : فِي جماعة - أحب إلي من أن أقوم ليلة .\rوروى الحافظ أبو موسى بإسناده عَن عقبة بْن عَبْد الغافر ، قَالَ : صلاة العشاء فِي جماعة تعدل حجة ، وصلاة الفجر فِي جماعة تعدل عمرة .\rويروى بإسناده منقطع ، عَن شداد بْن أوس ، قَالَ : من أحب أن يجعله الله من الذين يدفع الله بهم العذاب عَن أهل الأرض فليحافظ عَلَى هاتين الصلاتين فِي جماعة : العشاء الآخرة والصبح .\r* * *","part":5,"page":24},{"id":947,"text":"35 - بَابُ\rاثْنَانِ فَما فوقهما جماعة\r658 - حدثنا مسدد : ثنا يزيد بْن زريع : ثنا خَالِد ، عَن أَبِي قلابة ، عَن مَالِك ابن الحويرث ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما )) .\rوقد تقدم هَذَا الحَدِيْث فِي (( أبواب الأذان )) ، خرجه البخاري هناك من حَدِيْث الثوري ، عَن خَالِد الحذاء ، ولفظ حديثه : أتى رجلان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يريدان السفر ، فَقَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أنتما خرجتما فأذنا وأقيما ، وليؤمكما أكبركما )) .\rوخرجه هناك - أيضاً - من حَدِيْث أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : أتيت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نفر من قومي ، فأقمنا عنده - فذكر الحَدِيْث - ، وفي أخره : (( فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكبركم )) .\rفرواية أيوب تدل عَلَى أنهم كانوا جماعة ، فلا يحتج بِهَا عَلَى أن الاثنين جماعة ، وإنما يحتج لذلك برواية خَالِد الحذاء ؛ فإنه ذكر فِي روايته أنهما كانا اثنين ، وأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أمرهما أن يؤمهما أكبرهما ، فدل عَلَى أن الجماعة تنعقد باثنين .\rوفي هَذَا المعنى أحاديث أخر :\rمِنْهَا : حَدِيْث أَبِي بْن كعب ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( صلاة الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلُ أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مَعَ الرجلين أزكى من صلاته مَعَ الرَّجُلُ ، وما كثر فهو أحب إلى الله )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان فِي (( صحيحهما)) والحاكم.\rومنها : حَدِيْث أَبِي سَعِيد ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أبصر رجلاً يصلي وحده ، فَقَالَ : (( ألا رَجُل يتصدق عَلَى هَذَا فيصلي مَعَهُ ؟ )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وهذا لفظه ، وخرجه الترمذي بمعناه وحسنه ، وقد سبق ذكره .\rوخرج أبو داود فِي كِتَاب (( المراسيل )) معناه من حَدِيْث مكحول والقاسم ابن عَبْد الرحمن - مرسلاً - ، وفي حديثهما زيادة : فَقَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( وهذه من صلاة الجماعة )) .\rوخرجه الإمام أحمد من رِوَايَة الْقَاسِم ، عَن أَبِي أمامة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولفظه : (( هذان جماعة )) .\rوفي إسناده ضعف ، والمرسل أشبه .\rوخرج ابن ماجه بإسناد ضَعِيف ، عَن أَبِي موسى ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ :\r(( الاثنان فما فوقهما جماعة )) .\rوخرج البيهقي معناه من حَدِيْث أنس بإسناد ضَعِيف - أيضاً .\rولا نعلم خلافاً أن الجماعة تنعقد باثنين إذا كانا من أهل التكليف ، ولو كَانَ المأموم امرأةً .\rفإن كَانَ المأموم صبياً ، فهل تنعقد بِهِ الجماعة ؟\rفِيهِ روايتان عَن أحمد فِي الصلاة المكتوبة ، فأما النافلة فتنعقد كما صلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بالليل بابن عَبَّاس وحده .","part":5,"page":25},{"id":948,"text":"وأكثر العلماء عَلَى أنه لا فرق بَيْن الفرض والنفل فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة والشافعي .\r* * *","part":5,"page":26},{"id":949,"text":"36 - بَابُ\rمن جلس فِي المسجد ينتظر الصلاة ، وفضل المساجد\rقَدْ تقدم فِي فضل انتظار الصلاة فِي المسجد من حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ومن حَدِيْث أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى .\rوخرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث :\rالحَدِيْث الأول :\r659 - حدثنا عَبْد الله بْن مسلمة ، عَن مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( الملائكة تصلي عَلَى أحدكم مَا دام فِي مصلاه ، مَا لَمْ يحدث : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاة مادامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة )) .\rدل هَذَا الحَدِيْث عَلَى فضل أمرين :\rأحدهما : الجلوس فِي المصلى ، وَهُوَ موضع الصلاة الَّتِيْ صلاها : والمراد بِهِ فِي المجلس دون البيت ، وآخر الحَدِيْث يدل عَلِيهِ .\rقَالَ ابن عَبْد البر : ولو صلت المرأة فِي مسجد بيتها وجلست فِيهِ تنتظر الصلاة فَهِيَّ داخلة فِي هَذَا المعنى إذا كَانَ يحبسها عَن قيامها لأشغالها انتظار الصلاة .\r(( وإن الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا لَمْ يحدث )) وقد فسر صلاة الملائكة عَلِيهِ بالدعاء لَهُ بالمغفرة والرحمة ، والصلاة قَدْ فسرت بالدعاء ، وفسرت بالثناء والتنويه بالذكر ، ودعاء الملائكة بينهم لعبد هُوَ تنويه منهم بذكره وثناء عَلِيهِ بحسن عمله .\rوقد قيل : صلاتهم عَلِيهِ مقبولة مَا لَمْ يحدث .\rوقد اختلف فِي تفسير الحدث : هَلْ هُوَ الحدث الناقض للوضوء ، أو الحدث باللسان من الكلام الفاحش ونحوه ، ومثله الحدث بالأفعال الَّتِيْ لا تجوز ؟ وقد أشرنا إلى هَذَا الاختلاف فِي (( كِتَاب الطهارة )) .\rوذهب مَالِك وغيره إلى أَنَّهُ الحدث الناقض للوضوء ، ورجحه ابن عَبْد البر ؛ لأن المحدث وإن جلس فِي المسجد فهو غير منتظر للصلاة ؛ لأنه غير قادر عَلَيْهَا .\rوالثاني : أن منتظر الصلاة لا يزال فِي صلاة مَا دامت الصلاة تحبسه .\rوقد فسر ذَلِكَ بأنه (( لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة )) ، وهذا يشمل من دَخَلَ المسجد للصلاة فِيهِ جماعة قَبْلَ إقامة الصلاة فجلس ينتظر الصلاة ، ومن صلى مَعَ الإمام ثُمَّ جلس ينتظر الصلاة الثانية .\rوهذا من نوع الرباط فِي سبيل الله ، كما قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( ألا أدلكم عَلَى مَا يمحو الله بِهِ الخطايا ويرفع بِهِ الدرجات ؟ )) قالوا : بلى يَا رَسُول الله . قَالَ : (( إسباغ الوضوء عَلَى المكاره ، وثرة الخطأ إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذالكم الرباط ، فذالكم الرباط )) .\rخرجه مُسْلِم من حَدِيْث العلاء بْن عَبْد الرحمن ، عَن أبيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوقد ورد تقييد ذَلِكَ - أيضاً - بما لَمْ يحدث .","part":5,"page":27},{"id":950,"text":"خرجه البخاري فِي (( أبواب نواقض الوضوء )) من رِوَايَة ابن أَبِي ذئب ، عَن المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لا يزال العبد فِي صلاة مَا كَانَ فِي المسجد ينتظر الصلاة ، مَا لَمْ يحدث )) . فَقَالَ رَجُل أعجمي : مَا الحدث يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : الصوت -يعني : الضرطة .\rوقد سبق الكلام عَلِيهِ فِي موضعه ، وذكرنا اخْتِلاَف النَّاس فِي تفسير الحدث والمراد بِهِ .\rوقد فسره أبو سَعِيد الْخُدرِيَّ كما فسره أبو هُرَيْرَةَ - أيضاً .\rخرجه الإمام أحمد .\rومعنى كونه فِي الصلاة - والله أعلم - : أن لَهُ أجر المصلي وثوابه بحبس نفسه فِي المسجد للصلاة .\rوليس فِي هَذَا الحَدِيْث ، ولا فِي غيره من أحاديث الباب الاشتراط للجالس فِي مصلاه أن يكون مشتغلاً بالذكر ، ولكنه أفضل وأكمل ، ولهذا ورد فِي فضل من جلس فِي مصلاه بعد الصبح حَتَّى تطلع الشمس ، وبعد العصر حَتَّى تغرب أحاديث متعددة .\rوهل المراد بمصلاه نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ ؟ هَذَا فِيهِ تردد .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن جابر بر سمرة ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذا صلى الفجر جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء .\rوفي رِوَايَة لَهُ : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يقوم من مصلاه الَّذِي يصلي فِيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس قام .\rومعلوم ؛ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ ؛ لأنه كَانَ ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه .\rوخرجه الطبراني ، وعنده : كَانَ إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس .\rولفظة : (( الذكر )) غريبة .\rوفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي أمر الجَاهِلِيَّة ، فيضحكون ويتبسم .\rوهذا يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ ينكر عَلَى من تحدث وضحك فِي ذَلِكَ الوقت ، فهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن المراد بمصلاه الَّذِي يجلس فِيهِ المسجد كله .\rوإلى هَذَا ذهب طائفة من العلماء ، منهم : ابن بطة من أصحابنا وغيره .\rوقد روي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يخالف هَذَا .\rرَوَى مَالِك فِي (( الموطإ )) عَن نعيم المجمر ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول : إذا صلى أحدكم ثُمَّ جلس فِي مصلاه لَمْ تزل الملائكة تصلى عَلِيهِ ، تَقُول : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، فإن قام من مصلاه فجلس فِي المسجد ينتظر الصلاة لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ فِي مصلاه حَتَّى يصلي .\rفهذا يدل عَلَى أَنَّهُ إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من المسجد انقطع حكم جلوسه فِي مصلاه ، فإن جلس ينتظر الصلاة كَانَ حكمه حكم من ينتظرها، وصلت عَلِيهِ الملائكة - أيضاً - ، فإن لَمْ يجلس منتظراً للصلاة فلا شيء لَهُ ؛ لأنه لَمْ يجلس فِي مصلاه ولا هُوَ منتظر للصلاة .","part":5,"page":28},{"id":951,"text":"قَالَ ابن عَبْد البر : إلا أنه لا يقال : إنه تصلي عَلِيهِ الملائكة .\rيعني : عَلَى المتحول من مكانه وَهُوَ ينتظر الصلاة كما تصلي عَلَى الَّذِي فِي مصلاه ينتظر الصلاة .\rيشير إلى أن الحَدِيْث المرفوع إنما فِيهِ صلاة الملائكة عَلَى من يجلس فِي مصلاه لا عَلَى المنتظر للصلاة .\rولكن قَدْ روي فِي حَدِيْث مرفوع ، فروى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِي عَبْد الرحمان السلمي، عَن عَلِيّ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : (( من صلى الفجر ثُمَّ جلس فِي مصلاه صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ومن ينتظر الصلاة صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوَقَالَ عَلِيّ بْن المديني : هُوَ حَدِيْث كوفي ، وإسناده حسن .\rوذكر ابن عَبْد البر - أيضاً - أنه يحتمل أن يكون بقاؤه فِي مصلاه شرطاً فِي انتظار الصلاة - أيضاً - ، كما كَانَ شرطاً فِي الجلوس فِي مصلاه .\rوهذا الَّذِي قاله بعيد ، وإنما يمكن أن يقال فيمن صلى صلاة ثُمَّ جلس ينتظر صلاة أخرى ، فأما من دَخَلَ المسجد ليصلي صلاة واحدة وجلس ينتظرها قَبْلَ أن تقام فأي مصلى لَهُ حَتَّى يشترط أن لا يفارقه ؟\rقَالَ : وقيامه من مجلسه ، المراد بِهِ : قيامه لعرض الدنيا ، فأما إذا قام إلى مَا يعينه عَلَى مَا كَانَ يصنعه فِي مجلسه من الذكر .\rيعني : أَنَّهُ غير مراد ، ولا قاطع للصلاة عَلِيهِ . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rالحَدِيْث الثاني :\r660 - حدثنا مُحَمَّد بْن بشار : ثنا يَحْيَى ، عَن عُبَيْدِ الله ، قَالَ : حَدَّثَنِي خبيب ابن عَبْد الرحمان ، عَن حفص بْن عاصم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( سبعة يظلهم الله فِي ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ فِي عُبَادَة ربه عز وجل ، ورجل قلبه متعلق فِي المساجد ، ورجلان تحابا فِي الله اجتمعا عَلَى ذَلِكَ وتفرقا عَلِيهِ ، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال ، فَقَالَ : إني أخاف الله ، ورجل تصدق، أخفى حَتَّى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه )) .\rهذه السبعة اختلفت أعمالهم فِي الصورة ، وجمعها معنى واحد ، وَهُوَ مجاهدتهم لأنفسهم ، ومخالفتهم لأهوائها ، وذلك يحتاج أولاً إلى رياضة شديدة وصبر عَلَى الامتناع مِمَّا يدعو إليه داعي الشهوة أو الغضب أو الطمع ، وفي تجشم ذَلِكَ مشقة شديدة عَلَى النفس ، ويحصل لها بِهِ تألم عظيم ، فإن القلب يكاد يحترق من حر نار الشهوة أو الغضب عِنْدَ هيجانها إذا لَمْ يطفء ببلوغ الغرض من ذَلِكَ ، فلا جرم كَانَ ثواب الصبر عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذا اشتد الحر فِي الموقف ، ولم يكن للناس ظل يظلهم ويقيهم حر الشمس يومئذ ، وكان هؤلاء السبعة فِي ظل الله - عز وجل - ، فَلَمْ يجدوا لحر الموقف ألماً جزاءً لصبرهم عَلَى حر نار الشهوة أو الغضب فِي الدنيا .","part":5,"page":29},{"id":952,"text":"وأول هذه السبعة : الإمام العادل .\rوَهُوَ أقرب النَّاس من الله يوم القيامة ، وَهُوَ عَلَى منبر من نور عَلَى يمين الرحمن - عز وجل - ، وذلك جزاء لمخالفته الهوى ، وصبره عَن تنفيذ مَا تدعوه إليه شهواته وطمعه وغضبه ، مَعَ قدرته عَلَى بلوغ غرضه من ذَلِكَ ؛ فإن الإمام العادل دعته الدنيا كلها إلى نفسها ، فقالَ : إني أخاف الله رب العالمين . وهذا أنفع الخلق لعباد الله ، فإنه إذا صلح صلحت الرعية كلها .\rوقد روي أَنَّهُ ظل الله فِي الأرض ؛ لأن الخلق كلهم يستظلون بظله ، فإذا عدل فيهم أظله الله فِي ظله .\rوالثاني : الشاب الَّذِي نشأ فِي عُبَادَة الله - عز وجل - .\rفإن الشباب شعبة من الجنون ، وَهُوَ داع للنفس إلى استيفاء الغرض من شهوات الدنيا ولذاتها المحظورة ، فمن سلم مِنْهُ فَقَدْ سلم .\rوفي الحَدِيْث : (( عجب ربك من شاب ليست لَهُ صبوة )) .\rوفي بعض الآثار : يَقُول الله : (( أيها الشاب التارك شهوته ، المتبذل شبابه من أجلي ، أنت عندي كبعض ملائكتي )) .\rوالثالث : الرَّجُلُ المعلق قلبه بالمساجد .\rوفي رِوَايَة : (( إذا خرج مِنْهُ حَتَّى يعود إِلَيْهِ )) ، فهو يحب المسجد ويألفه لعبادة الله فِيهِ ، فإذا خرج مِنْهُ تعلق قلبه بِهِ حَتَّى يرجع إِلَيْهِ ، وهذا إنما يحصل لمن ملك نفسه وقادها إلى طاعة الله فانقادت لَهُ ؛ فإن الهوى إنما يدعو إلى محبة مواضع الهوى واللعب ، إما المباح أو المحظور ، ومواضع التجارة واكتساب الأموال ، فلا يقصر نفسه عَلَى محبة بقاع العبادة إلا من خالف هواه ، وقدم عَلِيهِ محبة مولاه .\rوقد مدح عمار المساجد فِي قوله : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ - رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ - لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ النور : 36 - 38 ] .\rوفي (( المسند )) و (( سنن ابن ماجه )) من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لا توطن رَجُل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله بِهِ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم )) .\rوروى ابن لهيعة ، عَن دراج ، عَن أَبِي الهيثم ، عَن أَبِي سَعِيد ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( من ألف المسجد ألفه الله )) .\rويروى عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب ، قَالَ : من جلس فِي المسجد فإنما يجالس ربه - عز وجل -.\rالرابع : المتحابان فِي الله - عز وجل - .","part":5,"page":30},{"id":953,"text":"فإن الهوى داع إلى التحاب فِي غير الله ؛ لما فِي ذَلِكَ من طوع النفس أغراضها من الدنيا ، فالمتحابان فِي الله جاهدا أنفسهما فِي مخالفة الهوى حَتَّى صار تحابهما وتوادهما فِي الله من غير غرض دنيوي يشوبه ، وهذا عزيز جداً .\rولن يتحابا فِي الله حَتَّى يجتمعا فِي الدنيا فِي ظل الله المعنوي ، وَهُوَ تأليف قلوبهما عَلَى طاعة الله ، وإيثار مرضاته وطلب مَا عنده ، فلهذا اجتمعا يوم القيامة فِي ظل الله الحسي .\rوقوله : (( اجتمعا عَلَى ذَلِكَ وتفرقا عَلِيهِ )) يحتمل أَنَّهُ يريد : أنهما اجتمعا عَلَى التحاب فِي الله حَتَّى فرق بَيْنَهُمَا الموت فِي الدنيا أو غيبة أحدههما عَن الآخر ، ويحتمل أَنَّهُ أراد أنهما اجتمعا عَلَى التحاب فِي الله ، فإن تغير أحدهما عما كَانَ عَلِيهِ مِمَّا توجب محبته فِي الله فارقه الآخر بسبب ذَلِكَ ، فيدور تحاببهما عَلَى طاعة الله وجوداً وعدماً .\rقَالَ بعض السلف : إذا كَانَ لَكَ أخ تحبه فِي الله ، فأحدث حدثاً فَلَمْ تبغضه فِي الله لَمْ تكن محبتك لله - أو هَذَا المعنى .\rالخامس : رَجُل دعته أمرأة ذات منصب وجمال .\rويعني بالمنصب : النسب والشرف والرفعة فِي الدنيا ، فإذا اجتمع ذَلِكَ مَعَ الجمال فَقَدْ كمل الأمر وقويت الرغبة ، فإن كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ هِيَ الطالبة الداعية إلي نفسها ، كَانَ أعظم وأعظم ، فإن الامتناع بعد ذَلِكَ كله دليل عَلَى تقديم خوف الله عَلَى هوى النفس ، وصاحبه داخل فِي قوله تعالى : { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } [النازعات : 40 ] ، وهذا كما جرى ليوسف عَلِيهِ السلام .\rقَالَ عُبَيْدِ بْن عمير : من صدق الإيمان وبره إسباغ الوضوء فِي المكاره ، ومن صدق الإيمان وبره أن يخلو الرَّجُلُ بالمرأة الجميلة فيدعها ، لا يدعها إلا لله عز وجل .\rومثل هَذَا ؛ إذا قَالَ : (( إني أخاف الله )) فهو صادق فِي قوله ؛ لأن علمه مصدق لقوله ، وقوله لها : (( إني أخاف الله )) موعظة لها ، فربما تنْزجر عَن طلبها ، وترجع عَن غيها .\rوقد وقع ذَلِكَ لغير واحدٍ ، وفيه حكايات مذكروة فِي كِتَاب (( ذم الهوى )) وغيره .\rالسادس : رَجُل تصدق بصدقة فاجتهد فِي إخفائها غاية الاجتهاد حَتَّى لَمْ يعلم بِهِ إلا الله .\rوضرب المثال لذلك عَلَى طريق المبالغة : (( حَتَّى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه )) .\rوهذا دليل عَلَى قوة الإيمان والاكتفاء باطلاع الله عَلَى العبد وعلمه بِهِ ، وفيه مخالفة للهوى ومجاهدة للنفس ؛ فإنها تحب إظهار الصدقة ، والتمدح بِهَا عِنْدَ الخلق ، فيحتاج فِي إخفاء الصدقة إلى قوة شديدةٍ تخالف هوى النفس .","part":5,"page":31},{"id":954,"text":"وخرج الإمام أحمد والترمذي من حَدِيْث أَنَس ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لما خلق الله الأرض جعلت تميد ، فخلق الجبال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت ، فعجبت الملائكة من خلق الجبال ، فقالوا : يَا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الحديد . قالوا : يَا رب ، فهل شيء من خلقك أشد من الحديد ؟ قَالَ : نَعَمْ ، النار ، قالوا : يارب، فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الماء . قالوا : يارب ، فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الريح . قالوا : يارب ، فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ابن آدم ؛ يتصدق بيمينه يخفيها من شماله)) .\rالسابع : رَجُل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه .\rفهذا رَجُل يخشى الله فِي سره ، ويراقبه فِي خلوته ، وافضلُ الأعمال خشية الله فِي السر والعلانية ، وخشية الله فِي السر إنما تصدر عَن قوة إيمان ومجاهدةٍ للنفس والهوى، فإن الهوى يدعو فِي الخلوة إلى المعاصي ، ولهذا قيل : إن من أعز الأشياء الورع فِي الخلوة.\rوذكر الله يشمل ذكر عظمته وبطشه وانتقامه وعقابه ؛ والبكاء الناشيء عَن هَذَا هُوَ بكاء الخوف ، ويشمل ذكر جماله وكماله وبره ولطفه وكرامته لأوليائه بأنواع البر والألطاف ، لا سيما برؤيته فِي الجنة ، والبكاء الناشيء عَن هَذَا هُوَ بكاء الشوق .\rويدخل فِي - أيضاً - : رَجُل ذكر أن الله مَعَهُ حيثما كَانَ ، فتذكر معيته وقربه واطلاعه عَلِيهِ حيث كَانَ يبكي حياء مِنْهُ ، وَهُوَ من نوع الخوف - أيضاً .\rوخرج الطبراني بإسناد فِيهِ ضعف ، عَن أَبِي أمامة مرفوعاً : (( ثَلاَثَة فِي ظل الله يوم لا ظل إلا ظله : رَجُل حيث توجه علم أن الله مَعَهُ )) .\rوهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن هؤلاء السبعة يظلهم الله فِي ظله ، ولا يدل عَلَى الحصر ، ولا عَلَى أن غيرهم لا يحصل لَهُ ذَلِكَ ؛ فإنه صح عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( أن من أنظر معسراً أو وضع عَنْهُ أظله الله فِي ظله يوم لا ظل إلا ظله )) .\rخرجه مُسْلِم من من حَدِيْث أَبِي اليسر الأنصاري ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه - من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( من نفس عَن غريمه ، أو محا عَنْهُ كَانَ فِي ظل العرش يوم القيامة )) .\rوهذا يدل عَلَى أن المراد بظل الله : ظل عرشه .\rالحَدِيْث الثالث :\r661 - حدثنا قتيبة : ثنا إسماعيل بْن جَعْفَر ، عَن حميد ، قَالَ : سئل أَنَس : هَلْ اتخذ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتماً ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ، ثمَّ أقبل علينا بوجهه بعدما صلى ، فَقَالَ : (( صلى النَّاس ورقدوا ، ولم تزالوا فِي صلاة مَا انتظرتموها )) . قَالَ : فكأني أنظر إلى وبيص خاتمه .\rقَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي مواضع من (( الكتاب )) ، وَهُوَ بمعنى حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ المخرج فِي أول الباب .\r* * *","part":5,"page":32},{"id":955,"text":"37 - باب\rفَضْلِ مَنْ غَدَا إلى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ\r662 - حدثنا عَلِيّ بْن عَبْد الله : ثنا يزيد بْن هارون : أنا مُحَمَّد بْن مطرف ، عَن زيد بْن أسلم ، عَن عَطَاء بْن يسار ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله لَهُ نزلاً من الجنة كُلَّمَا غدا أو راح )) .\rالغدو : يكون من أول النهار ، والرواح : يكون من آخره بعد الزوال ، وقد يعبر بأحدهما عَن الخروج والمشي ، سواء كَانَ قَبْلَ الزوال أو بعده ، كما فِي قوله - صلى الله عليه وسلم - فِي الجمعة : (( من راح فِي الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة )) عَلَى مَا حمله عَلِيهِ جمهور العلماء .\rومعنى الحَدِيْث : أن من خرج إلى المسجد للصلاة فإنه زائر الله تعالى ، والله يعد لَهُ نزلاً من المسجد ، كُلَّمَا انطلق إلى المسجد ، سواء كَانَ فِي أول النهار أو فِي آخره .\rوالنزل : هُوَ مَا يعد للضيف عِنْدَ نزوله من الكرامة والتحفة .\rقَالَ الحافظ أبو موسى المديني : وزيد فِيهِ فِي غيره هذه الرواية : (( كما لَوْ أن أحدكم زاره من يحب زيارته لاجتهد فِي إكرامه )) .\rوخرج من طريق الطبراني بإسناده ، عَن سَعِيد بْن زربي ، عَن ثابت ، عَن أَبِي عُثْمَان ، عَن سلمان ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( من توضأ فأحسن الوضوء ثُمَّ أتى المسجد فهو زائر الله ، وحق عَلَى المزور أن يكرم الزائر )) .\rقَالَ أبو موسى : ورواه سُلَيْمَان التيمي وداود بْن أَبِي هند وعوف ، عَن أَبِي عُثْمَان ، عَن سلمان - موقوفاً ، لا مرفوعاً .\rوسعيد بن زربي ، فِيهِ ضعف .\rوخرج - أيضاً - من طريق الطبراني بإسناده ، عَن يَحْيَى بْن الحارث ، عَن الْقَاسِم ، عَن أَبِي أمامة ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( الغدو والرواح إلى المساجد من الجهاد فِي سبيل الله )) .\rوذكر مَالِك فِي (( الموطأ )) عَن سمي مَوْلَى أَبِي بَكْر ، أن أبا بَكْر بْن عَبْد الرحمن كَانَ يَقُول : من غدا أو راح إلى المسجد لا يديد غيره ؛ ليعلم خيراً أو يتعلمه ، ثُمَّ رجع إلى بيته ؛ كَانَ كالمجاهد فِي سبيل الله .\rومما يستدل بِهِ عَلَى أن قصد المساجد للصلاة فيها زيارة لله - عز وجل - : مَا خرجه ابن ماجه بإسناده فِيهِ ضعف ، من حَدِيْث أَبِي الدرداء ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إن أحسن مَا زرتم بِهِ الله فِي قبوركم ومساجدكم البياض )) .\r* * *","part":5,"page":33},{"id":956,"text":"38 - باب\rإذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ صَلاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ\rبوب عَلَى هذه الترجمة ، ولم يخرج الحَدِيْث الَّذِي بلفظها ، وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَمْرِو بْن دينار ، عَن عَطَاء بْن يسار ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )) .\rوخرجه أبو داود موقوفاً .\rوقد اختلف فِي رفعه ووقفه ، واختلف الأئمة فِي الترجيح ، فرجح الترمذي رفعه، وكذلك خرجه مُسْلِم فِي (( صحيحه )) ، وإليه ميل الإمام أحمد ، ورجح أبو زُرْعَة وقفه ، وتوقف فِيهِ يَحْيَى بْن معين ، وإنما لَمْ يخرجه البخاري لتوقفه ، أو لترجيحه وقفه . والله أعلم .\rوقد خرجه الطبراني من رِوَايَة زياد بْن عَبْد الله ، عَن مُحَمَّد بْن جحادة ، عَن عَمْرِو ، عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إذا أخذ المؤذن فِي الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة)).\rوهذا لفظ غريبٌ .\rوقد روي من وجوه أخر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوخرجه الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة : ثنا عياش بْن عباسٍ ، عَن أَبِي تميم الزُّهْرِيّ ، عن أبي هريرة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا الَّتِيْ أقيمت )) .\rوخرجه الطبراني بهذا اللفظ - أيضا - من رِوَايَة أَبِي صالح : ثنا الليث ، عن\rعَبْد الله بْن عياش بْن عَبَّاس القتباني ، عَن أبيه ، عَن أَبِي تميم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rقَالَ البخاري :\r663 - حدثنا عَبْد العزيز بْن عَبْد الله : ثنا إِبْرَاهِيْم بْن سعد ، عَن أبيه ، عَن حفص بْن عاصم ، عَن عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة ، قَالَ : مر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - برجل .\rوحدثني عَبْد الرحمان - هو : ابن بشر - : ثنا بهز بْن أسد : ثنا شعبة : أخبرني سعد بْن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : سَمِعْت [ حفص بْن عاصم ، قَالَ : سَمِعْت ] رجلاً من الأزد ، يقال لَهُ : مَالِك ابن بحينة ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين ، فلما انصرف رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لاث بِهِ النَّاس ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( آلصبح أربعاً ،آلصبح أربعاً ؟ )) .\rتابعه : غندر ومعاذ ، عَن شعبة ، عَن مَالِك .\rوَقَالَ ابن إِسْحَاق : عَن سعد ، عَن حفصٍ ، عَن عَبْد الله ابن بحينة .\rوَقَالَ حماد : أنا سعد ، عَن حفص ، عَن مَالِك .\r(( لاث بِهِ النَّاس )) - اي : أحدقوا بِهِ ، وأحاطوا حوله .\rوقوله : (( آالصبح أربعاً )) - مرتين - : إنكار لصلاته وقد أقيمت صلاة الفجر، فكأنه صلى الصبح بعد الإقامة أربعاً .","part":5,"page":34},{"id":957,"text":"وخرجه مُسْلِم ، ولفظه : مر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - برجل يصلي وقد أقيمت الصلاة ، فكلمه بشيء ، لا ندري مَا هُوَ ، فلما انصرفنا أحطنا بِهِ ، نقول : ماذا قَالَ لَكَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ : قَالَ لِي : (( يوشك أن يصلي احدكم الصبح أربعاً )) .\rوفي رِوَايَة لَهُ - أيضاً - : أقيمت صلاة الصبح ، فرأى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي والمؤذن يقيم ، فَقَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( أتصلي الصبح أربعاً ؟ )) .\rفعلى هذه الرواية ورواية البخاري : الحَدِيْث من رِوَايَة ابن بحينة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، سمعه مِنْهُ ، وعلى الرواية الأول لمسلم : الحَدِيْث من رِوَايَة ابن بحينة ، عَن رَجُل غير مسمى من الصَّحَابَة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rلكن ؛ قَدْ روي أن الرَّجُلُ المصلي هُوَ ابن القشب ، وَهُوَ ابن بحينة راوي الحَدِيْث.\rكذلك رواه جَعْفَر بْن مُحَمَّد ، عَن أبيه - مرسلاً .\rوروي ، عَن جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن عَبْد الله بْن مَالِك بْن بحينة .\rوالصحيح : المرسل - : قاله أبو حاتم الرَّازِي .\rوقد أشار البخاري إلى الاختلاف فِي اسم (( ابن بحينة )) ، فخرجه من طريق إبراهيم بْن سعد ، عَن أبيه ، وسمى الصحابي : (( عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة )) ، وذكر أن ابن إسحاق قالَ : عن سعد (( عن عبد الله بن بحينة )) ، وخرجه من طريق شعبة ، وسماه : (( مَالِك ابن بحينة )) ، وذكر أن حماداً رواه عَن سعد كذلك ، وحماد هُوَ : ابن سَلَمَة .\rوكذا رواه أبو عوانة ، عَن سعد - أيضاً .\rوقيل عَنْهُ : (( عَن ابن بحينة )) غير مسمى .\rوالصحيح من ذَلِكَ : عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة - : قاله أبو زُرْعَة والنسائي والترمذي والبيهقي وغيرهم .\rوَهُوَ عَبْد الله بْن مَالِك ابن القشب من أزد شنوءة ، حليف لبني عَبْد المطلب ، وبحينة أمه ، وهي بحينة بِنْت الحارث بْن عَبْد المطلب - : قاله ابن المديني وابن سعد والترمذي والبيهقي وغيرهم .\rوقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث القعنبي ، عَن إِبْرَاهِيْم بْن سعد ، فَقَالَ فِيهِ : عَن عَبْد الله بْن مَالِك ابن بحينة ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقوله : (( عَن أَبِيه )) وهم - : قاله الإمام أحمد وابن معين وسليمان بْن داود الهاشمي ومسلم - ذكره فِي (( صحيحه )) - وغيرهم .\rوقد روي مثل هَذَا الحَدِيْث عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ متعددةٍ .\rوخرجه مُسْلِم فِي (( صحيحه )) من حَدِيْث عاصم الأحوال ، عَن عَبْد الله بْن سرجس ، قَالَ : دَخَلَ رَجُل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي صلاة الغداة ، فصلى ركعتين فِي جانب المسجد ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما سلم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( يَا فلان، بأي الصلاتين اعتددت ، أبصلاتك وحدك ، أم بصلاتك مَعَنَا ؟ )) .","part":5,"page":35},{"id":958,"text":"ولا نعلم خلافاً أن إقامة الصلاة تقطع التطوع فيما عدا ركعتي الفجر ، واختلفوا فِي ركعتي الفجر : هَلْ تقطعهما الإقامة .\rفَقَالَتْ طائفة : تقطعهما الإقامة ، لهذه الأحاديث الصحيحة ، روي عَن ابن عُمَر وأبي هُرَيْرَةَ.\rوروي عَن عُمَر ، أنه كَانَ يضرب عَلَى الصلاة بعد الإقامة .\rوممن كره ذَلِكَ ونهى عَنْهُ : سَعِيد بْن جبير وميمون بْن مهران وعروة والنخعي .\rوَقَالَ ابن سيرين : كانوا يكرهون أن يصلوهما إذا أقيمت الصلاة . وَقَالَ مَا يفوته من المكتوبة أحب إلي منهما .\rوروى أبو حَمْزَة ، قَالَ : قُلتُ لإبراهيم : لأي شيءٍ كرهت الصلاة عِنْدَ الإقامة ؟ قَالَ : مخافة التكبيرة الأولى .\rقَالَ وكيع : وتدرك فضيلة التكبيرة الأولى بإدراك التأمين مَعَ الإمام ، واستدل بحديث بلال ، أَنَّهُ قَالَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تسبقني بقول آمين .\rوروي نحوه عَن أَبِي هُرَيْرَةَ .\rونص أحمد فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيْم بْن الحارث عَلَى أَنَّهُ إذا لَمْ يدرك التكبيرة مَعَ الإمام لَمْ يدرك التكبيرة الأولى .\rوممن كره الصلاة بعد الإقامة : الشَّافِعِيّ وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو خيثمة وسليمان بْن داود الهاشمي .\rولو خالف وصلى بعد الإقامة صلاةً ، فهل تنعقد ، أم تقع باطلة ؟ فِيهِ لأصحابنا وجهان .\rواختلفوا : هَلْ يصليهما وَهُوَ فِي البيت إذا سَمِعَ الإقامة ؟\rفَقَالَتْ طائفة : يصليهما فِي البيت .\rوروى عَن ابن عُمَر ، أنَّهُ دَخَلَ المسجد والناس يصلون ، فدخل بيت حَفْصَةَ فصلى ركعتين، ثُمَّ خرج إلى المسجد .\rوروي عَنْهُ مرفوعاً ، خرجه ابن عدي .\rورفعه لا يصح .\rوروى أبو إِسْحَاق ، عَن الحارث ، عَن عَلِيّ ، ان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يصلي الركعتين عِنْدَ الإقامة.\rخرجه الإمام أحمد وابن ماجه .\rوالحارث ، فِيهِ ضعف . وأبو إِسْحَاق ، لَمْ يسمعه مِنْهُ .\rوخرجه يعقوب بْن شيبة ، ولفظه : (( مَعَ الإقامة )) .\rورواه الْحَسَن بْن عمارة - وهو متروك - ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، وزاد فِيهِ : أَنَّهُ صلى فِي ناحية المسجد والمؤذن يقيم .\rولم يتابع عَلَى ذَلِكَ .\rورخص مَالِك فِي الصلاة بعد الإقامة خارج المسجد إذا لَمْ يخش أن تفوته الركعة الأولى .\rونقل ابن منصور ، عَن أحمد وإسحاق ، أنهما رخصا فيهما فِي البيت .\rقَالَ أحمد : وقد كرهه قوم ، وتركه أحب إلي .\rونقل الشالنجي عَن أحمد : لا يصليهما فِي المسجد ، ولا فِي البيت .\rوَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ ، [ .. .. ] الهاشمي .\rوقالت طائفة : يصليهما فِي المسجد - أيضاً - ، وروي ذَلِكَ عَن ابن مَسْعُود ، وأنه فعله بمحضرٍ من حذيفة وأبي موسى الأشعري .\rوعن أَبِي الدرداء ، قَالَ : إني لأوتر وراء عمودٍ والإمام فِي الصلاة .\rوعن الْحَسَن ومسروق ومجاهد ومكحول ، وَهُوَ قَوْلِ حمادٍ والحسن بْن حي والأوزاعي وسعيد بْن عَبْد العزيز والثوري وأبي حنيفة وأصحابه .","part":5,"page":36},{"id":959,"text":"لكن الأوزاعي وسعيد وأبو حنيفة قالوا : إنما يصليهما إذا رجا إدراك الركعة الأخيرة مَعَ الإمام ، وإلا فلا يصليهما .\rوروى وكيع ، عَن سُفْيَان ، أَنَّهُ يعتبر أن يرجو إدراك الركعة الأولى .\rوروي ذَلِكَ عَن المقدام بْن معدي كرب الصحابي .\rخرجه حرب ، عَنْهُ بإسناده .\rونقل حرب ، عَن إِسْحَاق ، قَالَ : إذا دَخَلَ المسجد وقد أخذ المؤذن فِي الإقامة ، فإن كَانَ الإمام افتتح الصلاة دخل معه وأن لم يكن افتتح الصلاة فلا بأس .\rهَذَا كله حكم ابتداء التطوع بعد إقامة الصلاة ، فإن كَانَ قَدْ ابتدأ بالتطوع قَبْلَ الإقامة ، ثُمَّ أقيمت الصلاة ، ففيه قولان :\rأحدهما : أَنَّهُ يتم ، وَهُوَ قَوْلِ الأكثرين ، منهم : النخعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، حملاً للنهي عَلَى الابتداء دون الاستدامة .\rوالثاني : يقطعها ، وَهُوَ قَوْلِ سَعِيد بْن جبير .\rوحكي رِوَايَة عَن أحمد ، حكاها أبو حفص ، وهي غريبة ، وحكاها غيره مقيدةً بما إذا خشي فوات الجماعة بإتمام صلاته ، وحكي عَن أحمد فِي إتمامها وقطعها روايتان .\rوحكي عَن النخعي وأبي حنيفة وإسحاق الإتمام ، وعن الشَّافِعِيّ القطع .\rوَقَالَ مَالِك : إن أقيمت وَهُوَ راكع [ .. .. ] ولم يركع لكنه ممن يخف الركعتين قَبْلَ أن يركع الإمام صلاهما ، وإلا قطع وصلى مَعَ لإمام ؛ لأنه تحصل لَهُ الجماعة فِي جميع الركعات ، ولا يبطل عَلِيهِ من التطوع كبير عملٍ .\rوَقَالَ الثوري : إذا كَانَ يتطوع فِي المسجد ، ثُمَّ أقيمت الصلاة فليسرع الصلاة حَتَّى يلحق الإمام . قَالَ : وإن دَخَلَ المسجد والمؤذن يقيم ، فظن أَنَّهُ يؤذن ، فافتتح تطوعاً ، فإن تهيأ لَهُ أن يركع ركعتين خفيفتين فعل ، وإلا قطع ودخل فِي الصلاة ؛ فإن هذه صلاة ابتدأها بعد الإقامة .\rهَذَا كله فِي صلاة التطوع حال إقامة الصلاة .\rفأما إن كَانَ يصلي فرضاً وحده ، ثُمَّ أقيمت تلك الصلاة ، ففيه أربعة أقوال :\rأحدها : أَنَّهُ يجوز لَهُ أن يتمه نفلاً ، ثُمَّ يصلي مَعَ الجماعة ، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، وأحد قولي الشَّافِعِيّ ، ليحصل فضيلة الجماعة .\rوعن أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ يقطع صلاته ويصلي مَعَ الجماعة .\rوالثاني : يتمه فرضاً ، وَهُوَ قَوْلِ الْحَسَن ، والقول الثاني للشافعي ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أحمد ، نقلها عَنْهُ أبو الحارث ، وَقَالَ : إذا أتمها فهو مخير ، إن شاء صلى مَعَ القوم ، وإن شاء لَمْ يدخل معهم.\rقَالَ أبو حفص : وعنه رِوَايَة أخرى : أَنَّهُ يجب أن يصلي معهم إذا حضر فِي مسجد أهله يصلون . قَالَ : وَهُوَ الأكثر فِي مذهبه . قَالَ : وبه وردت السنة .\rقُلتُ : يشير إلى الإعادة مَعَ الجماعة .\rوفي وجوب الإعادة واستحبابها عَنْهُ روايتان ، وأكثر الأصحاب عَلَى أن الإعادة مستحبة غير واجبة . قالوا : وسواء كَانَ صلى منفرداً أو فِي جماعة .","part":5,"page":37},{"id":960,"text":"قالوا : وإنما تجب الصلاة فِي جماعة لمن لَمْ يصل ، فأما من صلى منفرداً فَقَدْ سقط عَنْهُ الفرض، فلا يجب عَلِيهِ إعادته ؛ ولهذا إذا أعاده فِي جماعة كَانَتْ المعادةُ نفلاً ، وفرضه الأولى - : نَصَّ عَلِيهِ أحمد .\rوالثالث : إن كَانَ صلى أكثر الفرض أتمه فرضاً ، وإلا أتمه نفلاً ، ثُمَّ صلى مَعَ الجماعة فرضه ، تنزيلاً للأكثر منزلة الكل ، وَهُوَ قَوْلِ النخعي ومالك وأبي حنيفة\rوالثوري .\rوقالوا : إنَّه يصلي بعد ذَلِكَ مَعَ الجماعة مَا يلحق معهم تطوعاً .\rوالرابع : أَنَّهُ يحتسب بما صلى فريضة ، ثُمَّ يتم باقي صلاته مَعَ الجماعة ، ويفارقهم إذا تمت صلاته ، وَهُوَ قَوْلِ طائفة من السلف ، حكاه عنهم الثوري ، ونقله حرب عَن إِسْحَاق ، وحكاه إِسْحَاق عَن النخعي .\rوهذا مبني عَلَى القول بجواز الانتقال من الإفراد إلى الائتمام ، فأما إن أقيمت الصلاة وعليه فائتة ، فمن قَالَ : لا يجب الترتيب بَيْن الفائته والحاضرة ، فإنه يرى أن يصلي مَعَ الإمام فريضة الوقت الَّتِيْ يصليها الإمام ، ثُمَّ يقضي الفائتة بعدها .\rوأما من أوجب الترتيب ، فاختلفوا :\rفمنهم من أسقط الترتيب فِي هَذَا الحال لخشية فوات الجماعة ؛ فإنها واجبة عندنا، والنصوص بإيجاب الجماعة آكد من النصوص فِي الترتيب ، وحكي هَذَا رِوَايَة عَن أحمد ، ورجحها بعض المتأخرين من أصحابنا .\rوالمنصوص عَن أحمد : أَنَّهُ يصلي مَعَ الإمام الحاضرة ، ثُمَّ يقضي الفائتة ، ثُمَّ يعيد الحاضرة ؛ فإنه يحصل لَهُ بعد ذَلِكَ الترتيب ، ولا يكون مصلياً بعد إقامة الصلاة غير الصلاة الَّتِيْ أقيمت .\rومن النَّاس من قَالَ : يفعل كذلك إذا خشي أن تفوته الجماعة بالكلية ، فإن رجا أن يدرك مَعَ الإمام شيئاً من الصلاة فالأولى أن يشتغل بقضاء الفائتة ، ثُمَّ يصلي الحاضرة مَعَ الإمام ، ويقضي مَا سبقه بِهِ .\rوهذا ضَعِيف ؛ فإن الَّتِيْ صلاها فِي جماعة لَمْ يعتد بِهَا ، بل قضاها ، فَهِيَّ فِي معنى النافلة .\rومن أصحابنا من قَالَ : الأولى أن يشتغل بالقضاء وحده ، ثُمَّ إن أدرك مَعَ الإمام الحاضرة ، وإلا صلاها وحده .\rوفي هَذَا مخالفة لقوله : (( فإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا الَّتِيْ أقيمت )) .\rومن أجاز أن يقتدي من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر ، أجاز أن يقتدي بالإمام فِي الفائتة ، ثُمَّ يصلي الحاضرة بعدها ، وأمر بذلك عَطَاء بْن أَبِي رباح .\rوخرج البيهقي من رِوَايَة يَحْيَى بْن حَمْزَة : ثنا الوضين بْن عَطَاء ، عَن محفوظ بْن علقمة ، عَن ابن عائذ ، قَالَ : دَخَلَ ثَلاَثَة من أصْحَاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس فِي صلاة العصر ، قَدْ فرغوا من صلاة الظهر ، فصلوا مَعَ النَّاس ، فلما فرغوا قَالَ بعضهم لبعض : كَيْفَ صنعتم ؟ قَالَ أحدهم : جعلتها الظهر ، ثُمَّ صليت العصر . وَقَالَ الآخر : جعلتها العصر ، ثُمَّ صليت الظهر .وَقَالَ الآخر : جعلتها للمسجد ، ثُمَّ جعلتها للظهر والعصر ، فَلَمْ يعب بعضهم عَلَى بعضٍ .","part":5,"page":38},{"id":961,"text":"وخرجه الجوزجاني : حَدَّثَنَا نعيم بْن حماد : ثنا بقية ، عَن الوضين بْن عَطَاء ، عَن يزيد بْن مرثد ، قَالَ : دَخَلَ مسجد حمص ثَلاَثَة نفر من أصْحَاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : شداد بْن أوس وعبادة بْن الصَّامِت وواثلة بْن الأسقع ، والإمام فِي صلاة العصر ، وهم يرون أنها الظهر ، فَقَالَ أحدهم : هِيَ العصر ، وأصلي الظهر . وَقَالَ الآخر : هذه لِي الظهر ، وأصلي العصر . وَقَالَ الثالث : أصلي الظهر، ثُمَّ العصر ، فَلَمْ يعب واحد منهم عَلَى صاحبيه .\r* * *","part":5,"page":39},{"id":962,"text":"39 - بَاب\rحَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ\rقوله : (( حد المريض )) ضبطه جماعة بالجيم المكسورة ، والمعنى : اجتهاد المريض أن يشهد الجماعة ، ومنهم من ضبطه بالحاء المهملة المفتوحة ، وفسره بالعزم والحرص .\rابتدأ البخاري - رحمه الله - فِي ذكر الأعذار الَّتِيْ يباح معها التخلف عَن شهود الجماعة ، فمنها : المرض ، وَهُوَ عذر مبيح لترك الجماعة ، ولهذا أمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أبا بَكْر أن يصلي بالناس ، وإنما خرج إلى الصلاة لما وجد من نفسه خفة .\rوخروج المريض إلى المسجد ومحاملته أفضل ، كما خرج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يهادى بَيْن رجلين .\rوقد قَالَ ابن مَسْعُود : ولقد كَانَ الرَّجُلُ يهادي بَيْن رجلين حَتَّى يقام فِي الصف.\rومتى كَانَ المريض لا يقدر عَلَى المشي إلى المسجد ، وإنما يقدر أن يخرج محمولاً لَمْ يلزمه الخروج إلى الجماعة .\rولو وجد الزمن من يتطوع بحمله لَمْ تلزمه الجماعة ، وفي لزوم الجمعة لَهُ بذلك وجهان لأصحابنا .\rقَالَ ابن المنذر : ولا أعلم اختلافاً بَيْن أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عَن الجماعات من أجل المرض .\rخرج البخاري فِي هَذَا الباب حَدِيْث عَائِشَة فِي مرض النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من طريقين :\rالأول :\rقَالَ :\r664 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص بْن غياث : ثنا أَبِي : ثنا الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، قَالَ : كنا عِنْدَ عَائِشَة ، فذكرنا المواظبة عَلَى الصلاة ، والتعظيم لها . قَالَتْ : لما مرض النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مرضه الَّذِي مات فِيهِ ، فحضرت الصلاة ، فأوذن ، فَقَالَ : (( مروا أبا بَكْر فليصل بالناس )) . فَقِيلَ لَهُ : إن أبا بَكْر رَجُل أسيف ، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس ، وأعاد ، فأعادوا لَهُ ، فأعاد الثالثة ، فَقَالَ : (( إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بَكْر فليصل بالناس )) . فخرج أبو بَكْر فصلى ، فوجد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خفة ، فخرج يهادى بَيْن رجلين ، حَتَّى كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع ، فأراد أبو بَكْر أن يتأخر ، فأوما إليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن مكانك .\rثُمَّ أتي بِهِ حَتَّى جلس إلى جنبه .\rفَقِيلَ للأعمش : وكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر ؟ فَقَالَ برأسه : نَعَمْ .\rروى أبو داود ، عَن شعبة ، عَن الأعمش بعضه . وزاد أبو معاوية : جلس عَن يسار أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر يصلي قائماً .\rقَالَ الخطابي : الأسيف : الرقيق القلب ، الَّذِي يسرع إليه الأسف والحزن .\rقَالَ : ويهادى : يحمل ، يعتمد عَلَى هَذَا مرة وعلى هَذَا مرة .\rقَالَ : وقوله : (( صواحبات يوسف )) يريد النسوة اللاتي فتنه وتعنتنه .\rانتهى .","part":5,"page":40},{"id":963,"text":"وكانت عَائِشَة هِيَ الَّتِيْ أشارت بصرف الإمامة عَن أَبِي بَكْر ؛ لمخافتها أن يتشاءم النَّاس بأول من خلف رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي الإمامة ، فكان إظهارها لرقة أَبِي بَكْر خشية أن لا يسمع النَّاس توصلاً إلى مَا تريده من صرف التشاؤم عَن أبيها . ففيه نوع مشابهة لما أظهره النسوة مَعَ يوسف عَلِيهِ السلام مِمَّا لا حقيقة لَهُ توصلاً إلى مرادهن .\rوكان قصد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - تقديم أَبِي بَكْر عَلَى النَّاس فِي أهم أمور الدين حَتَّى تكون الدنيا تبعاً للدين فِي ذَلِكَ .\rوفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن تخلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَن الخروج اولاً لشدة الوجع عَلِيهِ ، فأنه لَمْ يمكنه الخروج بالكلية ، فلما وجد من نفسه خفة فِي الألم خرج محمولاً بَيْن\rرجلين ، يعتمد عَلَيْهِمَا ويتوكأ، ورجلاه تخطان الأرض ، فَلَمْ يستطع أن يمشي برجليه عَلَى الأرض لقوة وجعه ، بل كَانَ يحمل حملاً .\rولما رأى أبو بَكْر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ خرج أراد أن يتأخر تأدباً مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأومأ إليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن مكانك ، أي : اثبت مكانك ، ثُمَّ أتي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أجلس إلى جانب أَبِي بَكْر .\rوليس فِي هذه الرواية تعيين الجانب الَّذِي أجلس النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ من أَبِي بكرٍ : هَلْ هُوَ جانبه الأيمن أو الأيسر ؟ وقد ذكر البخري أن أبا معاوية زاد فِي حديثه عَن الأعمش : (( فجلس عَن يسار أَبِي بَكْر )) .\rوقد خرج البخاري فيما بعد عَن قتيبة ، عَن أَبِي معاوية كذلك .\rوخرجه - أَيْضاً - من رِوَايَة عَبْد الله بْن داود الخريبي ، عَن الأعمش ، ولفظه : فتأخر أبو بَكْر، وقعد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه ، وأبو بَكْر يسمع النَّاس التكبير .\r[ وذكر ] أن محاضر بْن المورع رواه الأعمش كذلك .\rوخرجه مُسْلِم من رِوَايَة زكيع وأبي معاوية ، كلاهما عَن الأعمش ، وفي حَدِيْث أَبِي معاوية عنده : فجاء رَسُول الله حَتَّى جلس عَن يسار أَبِي بَكْر .\rوخرجه - أَيْضاً - من طريق عَلِيّ بْن مسهر وعيسى بْن يونس ، كلاهما عَن الأعمش ، وفي حديثهما : فأتي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أجلس إلى جنبه .\rوخرج إِسْحَاق بْن راهويه فِي (( مسنده )) ، عَن وكيع ، عَن الأعمش هَذَا الحَدِيْث ، وَقَالَ فِيهِ : فجاء النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى جلس عَن يمين أَبِي بَكْر ، يقتدي بِهِ ، والناس يقتدون بأبي بَكْر .\rوهذه زيادة غريبةُ .\rوقد خرج الحَدِيْث الإمام أحمد فِي (( مسنده )) ، عَن وكيع ، ولم يذكر فِيهِ ذَلِكَ، بل قَالَ فِي حديثه : فجاء النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى جلس إلى جنب أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر يأتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، والناس يأتمون بأبي بَكْر .","part":5,"page":41},{"id":964,"text":"وأما ذكر جلوسه عَن يسار أَبِي بَكْر ، فتفرد بذلك أبو معاوية عَن الأعمش ، وأبو معاوية وإن كَانَ حافظاً لحديث الأعمش خصوصاً ، إلا أن ترك أصْحَاب الأعمش لهذه اللفظة عَنْهُ توقع الريبة فيها ، حَتَّى قَالَ الحافظ أبو بَكْر بْن مفوز المعافري : إنها غير محفوظة ، وحكاه عَن غيره من العلماء .\rوأما رِوَايَة أَبِي داود الطيالسي ، عَن شعبة ، عَن الأعمش لبعض هَذَا الحَدِيْث ، كما أشار إليه البخاري فإنه رَوَى بهذا الإسناد عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : من النَّاس من يَقُول : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصف، ومنهم من يَقُول : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - المقدم .\rقَالَ البيهقي : هكذا رواه الطيالسي ، عَن شعبة ، عَن الأعمش ، وراية الجماعة عَن الأعمش كما تقدم [ عَلَى الإثبات والصحة ] .\rقُلتُ : قَدْ رَوَى غير واحد عَن شعبة ، عَن الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى خلف أَبِي بَكْر قاعداً .\rوأما مَا ذكره حفص بْن غياث فِي روايته عَن الأعمش ، أَنَّهُ قيل للأعمش : فكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر ، فأشار برأسه : نَعَمْ ، فإنه يشعر بأن هذه الكلمات ليست من الحَدِيْث الَّذِي أسنده الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة ، بل هِيَ مدرجة ، وقد أدرجها أبو معاوية ووكيع فِي حديثهما عَن الأعمش .\rورواه [ عَن همام ] ، عَن الأعمش ، فَلَمْ يذكر فِيهِ هَذَا الكلمات بالكلية ، وهذا - أَيْضاً - يشعر بإدراجها .\rوقد رَوَى عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه ، فكان يصلي بهم . قَالَ عُرْوَةَ : فوجد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خفة فخرج - فذكر معنى ذَلِكَ - أَيْضاً .\rوهذا مدرج مصرح بإدراجه ، وقد خرجه البخاري فيما بعد كذلك .\rوروى الإمام أحمد : حَدَّثَنَا شبابة : ثنا شعبة ، عَن سعد بْن إِبْرَاهِيْم ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة، قَالَتْ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي مرضه : (( مروا أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس )) - وذكر الحَدِيْث، وفي آخره : فصلى أبو بَكْر ، وصلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفه قاعداً .\rولو كَانَتْ هذه الكلمات الَّتِيْ ذكرها الأعمش فِي حديثه فِي هَذَا الحَدِيْث عَن عَائِشَة ، فكيف كَانَتْ تَقُول : من النَّاس من يَقُول : كَانَ أبو بَكْر المقدم بَيْن يدي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي الصف ، ومنهم من يَقُول : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - المقدم .\rوكذلك قَالَ ابن أخيها الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فقيه المدينة .","part":5,"page":42},{"id":965,"text":"قَالَ عُمَر بْن شبة فِي (( كِتَاب أخبار المدينة )) : حَدَّثَنَا زيد بْن يَحْيَى أبو الحسين : ثنا صخر بْن جويرية ، عَن عَبْد الرحمان بْن الْقَاسِم ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح فِي اليوم الَّذِي مات فِيهِ فِي المسجد ، جَاءَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بَكْر يصلي فجلس عِنْدَ رجليه ، فمن النَّاس من يَقُول : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ المتقدم ، وعظم الناس يقولون كَانَ أبو بَكْر هُوَ المتقدم .\rقَالَ عُمَر بْن شبة : اختلف النَّاس فِي هَذَا ، فَقَالَ بعضهم : صلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خلف أَبِي بَكْر . وَقَالَ أخرون : بل كَانَ أبو بَكْر يأتم بتكبير النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ويأتم النَّاس بتكبير أَبِي بَكْر .\rوَقَالَ أبو بَكْر بْن المنذر : اختلفت الأخبار فِي صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ خلف أبي بَكْر ، ففي بعض الأخبار : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس .\rوفي بعضها : أن أَبَا بَكْر كَانَ المقدم . وقالت عَائِشَة : صلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف أبي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ . انتهى .\rوهذا المروي عَن عَائِشَة ، ان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه مِمَّا يدل عَلَى أن هذه الألفاظ فِي آخر حَدِيْث الأعمش مدرجة ، ليست من حَدِيْث عَائِشَة .\rوقد رَوَى شبابة ، عَن شعبة ، عَن نعيم بْن أَبِي هند ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عائشة ، قَالَتْ : صلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ .\rخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان فِي (( صحيحه )) .\rوَقَالَ الترمذي : حسن صحيح .\rوخرجه الإمام أحمد والنسائي من رِوَايَة بَكْر بْن عيسى ، عَن شعبة بهذا الإسناد ، عَن عَائِشَة، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس والنبي - صلى الله عليه وسلم - فِي الصف .\rوقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة بَكْر بْن عيسى عَلَى رِوَايَة شبابة ، وذكر أنها مخالفة لها .\rوقد يقال : ليست مخالفة لها ؛ فإن المراد بالصف صف المأمومين ، فهما إذن بمعنى واحد .\rوروى هَذَا الحَدِيْث معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أبيه ، عَن نعيم بْن أَبِي هند ، عَن أَبِي وائل ، أحسبه عَن مسروق ، عَن عَائِشَة - فذكرت حَدِيْث مرض النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وصلاة أَبِي بَكْر . قَالَتْ : ثُمَّ أفاق رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاءت نوبة وبريرة فاحتملاه ، فلما أحس أبو بَكْر بمجيئه أراد أن يتأخر ، فأومأَ إليه أن اثبت . قَالَ : وجيء بنبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، فوضع بحذاء أَبِي بَكْر فِي الصف .\rخرجه ابن حبان فِي (( صحيحه )) .\rومنعه من التأخر يدل عَلَى أَنَّهُ أراد أن يستمر عَلَى إمامته .","part":5,"page":43},{"id":966,"text":"وخرجه ابن حبان - أَيْضاً - من طريق عاصم ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، وزاد فِيهِ : فكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وَهُوَ جالس ، وأبو بَكْر قائم يصلي بصلاة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر .\rولكن عاصم ، هُوَ ابن أَبِي النجود ، ليس بذاك الحافظ .\rوروى شعبة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَة ، عَن عَائِشَة ، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي الصف خلفه .\rخرجه ابن حبان فِي (( صحيحه )) من طريق بدل بْن المحبر ، عَن شعبة .\rوبدل ، وثقة غير واحد ، وخرج لَهُ البخاري فِي (( صحيحه )) ، وإن تكلم فِيهِ الدراقطني .\rخالفه فِيهِ أبو داود الطيالسي :\rخرجه الإمام أحمد : حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة بهذا الإسناد ، عَن عَائِشَة ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ ، فكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْن يدي أَبِي بَكْر يصلي بالناس قاعداً ، وأبو بَكْر يصلي بالناس ، والناس خلفه .\rوكذا رواه زائدة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة .\rوقد خرج حديثه البخاري فيما بعد بسياق مطول ، وفيه : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خرج بَيْن رجلين - أحدهما العباس - لصلاة الظهر - وذكر بقية الحَدِيْث بمعنى مَا رواه أبو معاوية ووكيع وغيرهما عَن الأعمش .\rوقد ذكر ابن أَبِي حاتم فِي كِتَاب (( الجرح والتعديل )) لَهُ عَن أَبِيه ، قَالَ : يريبني حَدِيْث موسى بْن أَبِي عَائِشَة فِي صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مرضه . قُلتُ : كَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : صالح الحَدِيْث . قُلتُ : يحتج بِهِ ؟ قَالَ : يكتب حديثه .\rقُلتُ : وقد اختلف عَلِيهِ فِي لفظه ، فرواه شعبة ، عَنْهُ ، كما تقدم ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى فِي الصف خلف أَبِي بَكْر .\rورواه زائدة ، واختلف عَنْهُ : فَقَالَ الأكثرون ، عَنْهُ : إن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي وَهُوَ قائم بصلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ قاعد ، والناس يأتمون بصلاة أَبِي بَكْر .\rورواه عَبْد الرحمان بْن مهدي ، عَن زائدة ، وَقَالَ فِي حديثه : فصلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خلف أَبِي بَكْر قاعداً ، وأبو بَكْر يصلي بالناس وَهُوَ قائم يصلي .\rوقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة الأكثرين عَن زائدة عَلَى رِوَايَة ابن مهدي .\rوليس ائتمام أَبِي بَكْر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - صريحاً فِي أنه كَانَ مأموماً ، بل يحتمل أَنَّهُ كَانَ يراعي فِي تلك الصلاة حال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وضعفه ، وما هُوَ أهون عَلِيهِ ، كما قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بْن أَبِي العاص لما جعل إمام قومه : (( اقتد بأضعفهم )) .\rأي : راع حال الأضعف ، وصل صلاةً لا تشق عليهم .","part":5,"page":44},{"id":967,"text":"وقد اختلف العلماء : هَلْ كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إماماً لأبي بَكْر فِي هذه الصلاة ، أو كَانَ مؤتماً بِهِ ؟\rوقد تقدم عَن عَائِشَة والقاسم بْن مُحَمَّد ، أنهما ذكرا هَذَا الاختلاف ، وأن الْقَاسِم قَالَ : عظم النَّاس يَقُول : أبو بَكْر كَانَ هُوَ المقدم - يعني : فِي الإمامة - ، وعلماء أهل المدينة عَلَى هَذَا القول ، وهم أعلم النَّاس بهذه القصة .\rوذكر ابن عَبْد البر فِي (( استذكاره )) أن ابن الْقَاسِم رَوَى عَن مَالِك ، عَن رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرحمان ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج وَهُوَ مريض ، وأبو بَكْر يصلي بالناس ، فجلس إلى أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر هُوَ الإمام ، وكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بصلاة أَبِي بَكْر ، وَقَالَ - صلى الله عليه وسلم - : (( مَا مات نبي حتى يؤمه رَجُل من أمته )) .\rقَالَ ابن الْقَاسِم : قَالَ مَالِك : العمل عندنا عَلَى حَدِيْث رَبِيعَة هَذَا ، وَهُوَ أحب إلي .\rقَالَ سحنون : بهذا الحَدِيْث يأخذ ابن الْقَاسِم .\rأما مذهب الشَّافِعِيّ وأحمد ، فهو أن هذه الصلاة الَّتِيْ حكتها عَائِشَة كَانَ\rرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - هُوَ الإمام فيها لأبي بَكْر ، ثُمَّ اختلفا :\rفَقَالَ أحمد : كَانَ أبو بَكْر إماماً للناس - أَيْضاً - ، فكانت تلك الصلاة بإمامين .\rوَقَالَ الشَّافِعِيّ : بل كَانَ مأموماً ، وَهُوَ الَّذِي ذهب إليه البخاري والنسائي .\rوفرع عَلَى هَذَا الاختلاف مسألة الصلاة بإمامين ، ومسألة الصلاة قاعداً أو قائماً خلف الإمام القاعد ، وسيأتي ذَلِكَ مبسوطاً فِي مواضعه - إن شاء الله تعالى .\rولم ينف الشَّافِعِيّ ولا أكثر أصْحَاب الإمام أحمد أن يكون النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ائتم بأبي بَكْر فِي غير هذه الصلاة ، بل قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْ صلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خلف أَبِي بَكْر مرة لَمْ يمنع ذَلِكَ أن يكون صلى خلفه مرة أخرى .\rوكذلك ذكر أبو بَكْر عَبْد العزيز بْن جَعْفَر من أصحابنا فِي كتابه (( الشَّافي ))، وكذلك ذكره ابن حبان ومحمد بْن يَحْيَى الهمداني فِي (( صحيحيهما )) ، والبيهقي وغيرهم .\rوكذلك صنف أبو عبي البرداني وعبد العزيز بْن زهير الحربي من أصحابنا فِي إثبات صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خلف أَبِي بَكْر .\rورد ذَلِكَ أبو الفرج ابن الجوزي ، وصنف فِيهِ مصنفاً ، وَهُوَ يشتمل عَلَى أوهام كثيرة .\rوقد ذكر كثير من أهل المغازي والسير أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه ، منهم : موسى بْن عقبة ، وَهُوَ أجل أهل المغازي ، وذكر أن صلاته خلفه كَانَتْ صلاة الصبح يوم الإثنين ، وَهُوَ آخر صلاة صلاها ، وذكره عَن ابن شِهَاب الزُّهْرِيّ .\rوروى ابن لهيعة ، عَن أَبِي الأسود ، عَن عُرْوَةَ - مثله .\rوقد تقدم عَن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد نحوه .\rوروي عَن الْحَسَن - أَيْضاً .\rولذلك رجحه ابن حبان والبيهقي وغيرهما .","part":5,"page":45},{"id":968,"text":"وجمع البيهقي فِي (( كِتَاب المعرفة )) بَيْن هَذَا وبين حَدِيْث الزُّهْرِيّ عَن أنس :\rأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كشف الستر فِي أول الصلاة ، ثُمَّ وجد خفة فِي الركعة الثانية فخرج فصلاها خلف أَبِي بَكْر ، وقضى الركعة الَّتِيْ فاتته .\rوخرج ابن سعد فِي (( طبقاته )) هَذَا المعنى من تمام حَدِيْث عَائِشَة وأم سَلَمَة وأبي سَعِيد بأسانيد فيها مقال . والله أعلم .\rوبإسناد صحيح ، عَن عُبَيْدِ بْن عمير - مرسلاً .\rوروى ابن إِسْحَاق : حَدَّثَنِي يعقوب بْن عُتْبَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : رجع رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي ذَلِكَ اليوم حِينَ دَخَلَ المسجد ، غاضطجع فِي حجري - ثُمَّ ذكرت قصة السواك الأخضر - ، وقبض رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ .\rخرجه الإمام أحمد .\rوَهُوَ دليل عَلَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ قَدْ خرج إلى المسجد ذَلِكَ اليوم .\rوفي (( مسند الإمام أحمد )) أن المغيرة بْن شعبة سئل : هَلْ أم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُل من هذه الأمة غير أَبِي بَكْر الصديق ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كنا فِي سفر - ثُمَّ ذكر قصة صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وراء عَبْد الرحمان بْن عوف .\rوذكر ابن سعد فِي (( طبقاته )) عَن الواقدي ، أَنَّهُ قَالَ : هَذَا الَّذِي ثبت عندنا : أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى خلف أَبِي بَكْر .\rوفي صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خلف أَبِي بَكْر أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا .\rوقد خرج الترمذي من حَدِيْث حميد ، عَن ثابت ، عَن أنس ، قَالَ : صلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي مرضه خلف أَبِي بَكْر قاعداً ، فِي ثوب متوشحاً بِهِ .\rوَقَالَ : حسن صحيح .\rوخرجه -أَيْضاً- ابن حبان فِي (( صحيحه )) ، وصححه العقيلي وغير واحد .\rوقد رواه جماعة عَن حميد ، عَن أنس - من غير واسطة .\rواختلف الحفاظ فِي الترجيح ؛ فرجحت طائفة قَوْلِ من أدخل بَيْنَهُمَا (( ثابتاً ))، منهم : الترمذي وأبو حاتم الرَّازِي . ومنهم من رجح إسقاطه ، ومنهم : أبو زُرْعَة الرَّازِي. والله تعالى أعلم .\rالطريق الثاني :\rقَالَ :\r665- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بم موسى : ثنا هِشَام بْن يوسف ، عَن معمر ، عَن\rالزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : لما ثقل رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتي ، فأذن لَهُ ، فخرج بَيْن رجلين ، تخط رجلاه الأرض ، وكان بَيْن عَبَّاس ورجل آخر .\rقَالَ عُبَيْدِ الله : فذكرت ذَلِكَ لابن عَبَّاس مَا قَالَتْ عَائِشَة ، فَقَالَ لِي : وهل تدري من الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تسم عَائِشَة ؟ قُلتُ : لا . قَالَ : هُوَ عَلِيّ بْن أَبِي طالب .\rوقد رواه عَبْد الرزاق ، عَن معمر ، وذكر فِي حديثه : الفضل بْن عَبَّاس .\rخرجه مُسْلِم من طريقه كذلك .","part":5,"page":46},{"id":969,"text":"وخرجه من طريق عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، وذكر فِي حديثه : العباس ، كما قَالَ هِشَام ، عَن معمر .\rوخرجه البخاري فِي (( وفاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - )) من حَدِيْث عقيل مطولاً .\rوقد فهم البخاري من خروجه بَيْن عَبَّاس وغيره خروجه إلي المسجد للصلاة .\rوكذلك خرجه مُسْلِم فِي (( كِتَاب الصلاة )) - أَيْضاً .\rوفي هَذَا نظر ؛ وظاهر السياق يقتضي أنها أرادت خروجه إلى بيت عَائِشَة ليمرض فِيهِ .\rيدل عَلِيهِ : أن فِي رِوَايَة عَبْد الرزاق ، عن معمر الَّتِيْ خرجها مُسْلِم : أول مَا اشتكى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة ، فاستأذن أزواجه أن يمرض فِي بيتها ، فأذن لَهُ . قَالَتْ : فخرج ويد لَهُ عَلَى الفضل - الحَدِيْث .\rرواه ابن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ بلفظ صريح بذلك : أن عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يدور عَلَى نسائه ، فلما ثقل استأذنهن أن يقيم فِي بيتي ، ويدرن عَلِيهِ .\rقَالَتْ : فذهب ينوء فَلَمْ يستطع ، فدخل عَلِيّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْن رجلين ، ورجلاه تخطان فِي الأرض ؛ أحدهما العباس .\rورواه عَبْد الرحمان بْن إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ والقاسم وأبي بَكْر ابن عَبْد الرحمان وعبيد الله بْن عَبْد االله ، كلهم يحدثونه عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : جاءه مرضه الَّذِي مات فِيهِ في بيت ميمونة ، فخرج عاصباً رأسه ، فدخل عَلِيّ بَيْن رجلين ، تخط رجلاه الأرض ، وعن يمينه العباس - وذكر الحَدِيْث .\rوكذا رواه صالح بْن كيسان ، عَن ابن شِهَاب - مرسلاً : أَنَّهُ خرج بَيْن الرجلين تخط رجلاه الأرض ، حَتَّى دَخَلَ بيت عَائِشَة .\rوحينئذ ؛ فلا ينبغي تخريج هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب ، ولا هُوَ داخل فِي معناه بالكلية . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":5,"page":47},{"id":970,"text":"40 - بَاب\rالرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أنْ يُصَلِّي فِي رَحْلِهِ\rفِيهِ حديثان :\rالأول :\r666 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن نَافِع ، أن ابن عُمَر أذن بالصلاة فِي ليلة ذات برد وريح ، ثُمَّ قَالَ : ألا صلوا فِي الرحال ، ثُمَّ قَالَ : إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يأمر المؤذن إذا كَانَتْ ليلة برد ومطر يَقُول : (( ألا صلوا فِي الرحال )) .\rقَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي (( بَاب : الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة )) ، خرجه البخاري هناك من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، قَالَ : أذن ابن عُمَر فِي ليلة باردةٍ بضجنان ، ثُمَّ قَالَ صلوا فِي رحالكم ، وأخبرنا أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يأمر مؤذناً يؤذن ، ثُمَّ يَقُول عَلَى أثره : (( ألا صلوا فِي الرحال فِي الليلة الباردة أو المطيرة فِي السفر )) .\rففي هذه الرواية : أن ذَلِكَ كَانَ فِي السفر ، وأنه كَانَ فِي الليلة الباردة أو المطيرة.\rوليس ذكر السفر فِي رِوَايَة مَالِك ، وفي روايته : إذا كَانَتْ ليلة ذات برد ومطر .\rوظاهرة : الجمع بَيْن البرد والمطر فِي ليلة واحدة .\rوروى ابن إسحاق هَذَا الحَدِيْث ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : نادى منادي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بذاك فِي المدينة فِي الليلة المطيرة ، أو الغداة القرة .\rخرجه أبو داود .\rولا نعلم ذكر المدينة فِي حَدِيْث ابن عُمَر فِي هذه الرواية ، ورواية عُبَيْدِ الله أصح.\rوأكثر أهل العلم عَلَى أن المطر والطين عذر يباح مَعَهُ التخلف عَن حضور الجمعة والجماعات، ليلاً ونهاراً .\rقَالَ الترمذي : قَدْ رخص أهل العلم فِي القعود عَن الجماعة والجمعة فِي المطر والطين . وسمى منهم : أحمد وإسحاق .\rوحكاه بعض أصحابنا عَن جمهور العلماء .\rوحكي عَن مَالِك : أن المطر ليس بعذر فِي ترك الجمعة خاصة .\rوروي نحوه عَن نَافِع مَوْلَى ابن عُمَر .\rوَقَالَ سُفْيَان الثوري : لا يرخص لأحد فِي ترك الجمعة إذا كَانَ فِي مصر يجمع فِي ، إلا لمرض مضن ، أو خوف مقطع .\rوحكي عَن أحمد رِوَايَة أخرى : أن المطر والوحل ليس بعذر فِي الحضر ، إنما هُوَ عذر فِي السفر ؛ لأن الأحاديث الصحيحة إنما جاءت بذلك فِي السفر ، كحديث ابن عُمَر ، وفي (( صحيح مُسْلِم )) من حَدِيْث جابر - نحوه ، وليس فِي الحضر إلا حَدِيْث ابن إِسْحَاق المتقدم ، وحديث يروى عَن نعيم النحام ، وقد ذكرناه فِي (( أبواب : الأذان)) ، وفي إسناده مقال .\rومقتضى هَذَا القول : أن الجمعة لا يباح تركها بذلك ؛ لأنها لا تكون إلافي الحضر ، ولكن قَدْ روي عَن جماعة من الصَّحَابَة أَنَّهُ يعذر فِي ترك الجمعة بالمطر والطين . منهم : ابن عَبَّاس وعبد الرحمان بْن سمرة وأسامة بن عمير والد أَبِي المليح ، ولا يعرف عَن صحابي خلافهم ، وقولهم أحق أن يتبع .","part":5,"page":48},{"id":971,"text":"وروى هِشَام ، عَن قتدة ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن سيرين : مَا كَانَ يختلف إذا كَانَ يوم الجمعة فِي يوم مطر فِي الرخصة للرجل أن يجلس عَن الجمعة فِي بيته .\rخرجه الفريابي فِي (( كِتَاب الصلاة )) .\rوذكر ابن المنذر : أن المطر عذر فِي الليلة المطيرة .\rوهذا يفهم مِنْهُ أَنَّهُ لا يكون عذراً فِي النهار ؟ لأن حَدِيْث ابن عُمَر إنما فِيهِ ذكر الليل .\rولكن رَوَى قتادة ، عَن أَبِي المليح بْن أسامة ، عَن أَبِيه ، أن يوم حنين كَانَ يوم مطر ، فأمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مناديه : أن الصلاة فِي الرحال .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان فِي\r(( صحيحيهما )) ، والحاكم .\rوخرجه أبو داود - أَيْضاً - من طريق أَبِي قلابة ، عَن أَبِي المليح ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ شهد مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - زمان الحديبية فِي يوم جمعة ، وأصابهم مطر لَمْ يبل أسفل نعالهم ، فأمرهم أن يصلوا فِي رحالهم .\rوخرجه الإمام أحمد من حَدِيْث شعبة ، عَن عَمْرِو بْن أوس ، عَن رَجُل ، حدثه مؤذن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -، قَالَ : نادى منادي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي يوم مطر : صلوا فِي الرحال .\rوروي من حَدِيْث نعيم النحام ، أن ذَلِكَ كَانَ فِي أذان الصبح ، وقد سبق ذكره.\rولأن الصَّحَابَة جعلوا المطر والطين عذراً فِي ترك الجمعة ، والجمعة إنما تقام نهاراً ، فعلم أن ذَلِكَ عندهم عذر فِي الليل والنهار .\rوقد روي فِي حَدِيْث مرسل ، خرجه وكيع عَن المغيرة بْن زياد ، عَن عَطَاء ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ فِي سفر ، فأصابهم مطر ، فصلى بالناس فِي رحالهم ، وبلال يسمع النَّاس التكبير .\rوَهُوَ مرسل .\rوَهُوَ يدل عَلَى أنهم صلوا جماعة ، لكن كل إنسان صلى فِي رحله ، وهذا غريب جداً .\rوأما الريح الشديدة الباردة ، فَقَالَ أصحابنا : هِيَ عذر فِي ترك الجماعة فِي الليلة المظلمة خاصة .\rالحَدِيْث الثاني :\r667 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِك ، عَن أَيْنَ شِهَاب ، عَن محمود بْن الربيع الأنصاري ، أن عتبان بْن مَالِك كَانَ يؤم قومه أعمى ، وأنه قَالَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يَا رَسُول الله ، إنها تكون الظلمة السيل ، وأنا رَجُل ضرير البصر ، فصل يَا رَسُول الله فِي بيتي مكاناً أتخذه مصلى . فجاءه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : (( أين تحب أن أصلي ؟ )) فأشار إلى مكان من البيت ، فصلى فِيهِ رَسُول الله- صلى الله عليه وسلم - .\rقَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي (( بَاب : المساجد فِي البيوت )) ، من (( أبواب : المساجد )) .\rوخرجه البخاري هناك بسياق مطول ، من حَدِيْث عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، وتكلمنا هناك عَلَى فوائد الحَدِيْث بما فِيهِ كفاية - إن شاء الله - وذكر الكلام عَلَى التخلف عَن حضور المسجد للعمى وللسيول والظلمة .","part":5,"page":49},{"id":972,"text":"ولا ريب أن من كَانَ بصره ضعيفاً ، وفي طريقه سيول ، فإنه معذور فِي الخروج إلى المسجد ليلاً ؛ فإنه ربما خشي عَلَى نفسه التلف ، والجماعة يسقط حضورها بدون ذَلِكَ .\rوذكرنا هناك حَدِيْث ابن أم مكتوم ، وأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يرخص لَهُ فِي التخلف عَن المسجد ، مَعَ كونه ضريراً ولا يجد قائداً يلائمه ، ويخشى فِي طريقه الهوام ، ووجه الجمع بَيْن الحديثين بما فِيهِ كفاية .\r* * *","part":5,"page":50},{"id":973,"text":"41 - بَاب\rهَلْ يُصَلِّي الإمَامُ بمَنْ حَضَرَ\rوهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ ؟\rيعني بهذا الباب : أن المطر والطين ، وإن كَانَ عذراً فِي التخلف عَن الجماعة فِي المسجد ، إلا أَنَّهُ عذر لآحاد النَّاس ، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك فِي المسجد ، ويصلي جماعة فِي المسجد بمن حضر ، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة وصلاة الجمعة فِي المسجد بمن حضر فِيهِ ، إذا كانوا عدداً تنعقد بهم الجمعة ، وإنما يباح لآحاد النَّاس التخلف عَن الجمعة والجماعات فِي المطر ونحوه ، إذا أقيم شعارهما فِي المساجد .\rوعلى هَذَا ، فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع فِي المساجد فِي حال الأعذار كالمطر فرض كفاية لا فرض عين ، وأن الإمام لا يدعهما .\rوَهُوَ قريب من قَوْلِ الإمام أحمد فِي الجمعة إذا كَانَتْ يوم عيد ، أَنَّهُ يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد ، إلا الإمام ومن تنعقد بِهِ الجمعة ؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية . والله أعلم .\rولا شك أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لا يترك إقامة الجمع فِي المطر ، ويدل عَلِيهِ : أَنَّهُ لما استسقى للناس عَلَى المنبر يوم الجمعة ، ومطروا من ذَلِكَ الوقت إلى الجمعة الأخرى ، أقام الجمعة الثانية فِي ذَلِكَ المطر حَتَّى شكي إليه كثرة المطر فِي خطبته يومئذ ، فدعا الله بإمساك المطر عَن المدينة ، وسيأتي الحَدِيْث فِي (( الجمعة )) و (( الاستسقاء )) - إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\rخرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث :\rالحَدِيْث الأول :\rقَالَ :\r668 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن عَبْد الوهاب : ثنا حماد بْن زيد : ثنا عَبْد الحميد - صاحب الزيادي - ، قَالَ : سَمِعْت عَبْد الله بْن الحارث ، قَالَ : خطبنا ابن عَبَّاس فِي يوم ذي رذع ، فأمر المؤذن لما بلغ (( حي عَلَى الصلاة )) ، قَالَ : قل : (( الصلاة فِي\rالرحال )) . فنظر بعضهم إلى بعض ، كأنهم أنكروا . فَقَالَ : كأنكم أنكرتم هَذَا ، إن هَذَا فعله من هُوَ خير مني - يعني : رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، انها عزمة ، وإني كرهت أن أحرجكم .\rوعن حماد ، عَن عاصم ، عَن عَبْد الله بْن الحارث ، عَن ابن عَبَّاس - نحوه ، غير أَنَّهُ قَالَ : كرهت أن أؤثمكم فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم .\rقَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي (( بَاب : الكلام فِي الأذان )) ، وفسرنا هنالك معنى\r(( الروغ )) .\rوقوله : (( إنها عزمة )) - يعني : الجمعة - والمراد : أَنَّهُ إذا دعا النَّاس إليها بقول المؤذن : (( حي عَلَى الصلاة )) ، فَقَدْ عزم عَلَى النَّاس كلهم أن يأتوه ، فليزمهم ذَلِكَ ؛ فلذلك أبدله بقوله : (( صلوا فِي رحالكم )) .\rوقوله : (( كرهت أن أحرجكم )) : أي أشدد عليكم ، وأضيق بإخراجكم إلى المساجد فِي الطين . والحرج : الشدة والضيق .","part":5,"page":51},{"id":974,"text":"وفي الرواية الأخرى : (( كرهت أن أؤثمكم )) ، كأنه يريد إذا دعاهم إلى هذه الصلاة فِي هَذَا اليوم خشي عليهم الإثم إذا تخلفوا عَن الصلاة مَعَ دعائهم إليها ، فإذا خرجوا حرجوا بخوضهم فِي الطين إلى ركبهم ، وإن قعدوا أثموا .\rوظاهر هَذَا : يدل عَلَى أن ابن عَبَّاس يرى أن الإمام إذا دعا النَّاس إلى الجمعة فِي الطين والمطر لزمتهم الإجابة ، وإنما يباح لأحدهم التخلف إذا نادى : (( الصلاة فِي الرحال )) . والله أعلم .\rوقد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام أحمد ، فيما رواه البيهقي فِي (( مناقب أحمد )) بإسناده ، عَن مُحَمَّد بْن رافع ، قَالَ : سَمِعْت أحمد بْن حنبل يَقُول : إن قَالَ المؤذن فِي أذانه : ( الصلاة فِي الرحال)) ، فلك أن تتخلف ، وإن لَمْ يقل فَقَدْ وجب عَلَيْك ، إذا قَالَ : (( حي عَلَى الصلاة ، حي عَلَى الفلاح )) .\rالحَدِيْث الثاني :\rقَالَ :\r669 - حَدَّثَنَا مُسْلِم ، قَالَ : ثنا هِشَام ، عَن يَحْيَى ، عَن أَبِي سَلَمَة ، قَالَ : سألأت أَبَا سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : جاءت سحابة بمطر حَتَّى سَأَلَ السقف ، وكان من جريد النخل ، فأقيمت الصلاة ، فرأيت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد فِي الماء والطين ، حَتَّى رأيت أثر الطين فِي جبهته .\rهَذَا الحَدِيْث قطعة مختصرة من حَدِيْث سؤال أَبِي سَلَمَة لأبي سَعِيد عَن ليلة القدر، وقد خرجه بتمامه فِي (( الصيام )) و (( الاعتكاف )) .\rوالمقصود مِنْهُ هاهنا : أن النَّاس مطروا من الليل فِي رمضان ، فسال السقف ، وكان من جريد النخل ، حَتَّى صار الطين فِي أرض المسجد ، ومع هَذَا فَقَدْ أقيمت الصلاة ، وصلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس فِيهِ ، ولما انصرف من صلاة الصبح رئي أثر الطين فِي جبهته ، ولم يتخلف عَن الصلاة فِي المسجد ولا عَن الأذان والإقامة فِيهِ ، فدل عَلَى أن المطر يعذر فِي التخلف عَن الجماعة فِيهِ آحاد النَّاس ، أو من منزلة بعيد عَن المسجد بحيث يشق عَلِيهِ قصد المسجد ، فأما الإمام ومن قرب المسجد فلا يخلون بإقامة الجماعة فِيهِ . والله أعلم .\rالحَدِيْث الثالث :\r670 - حَدَّثَنَا آدم ، قَالَ : ثنا شعبة : ثنا أنس بْن سيرين ، قَالَ : سَمِعْت أنساً يَقُول : قَالَ رَجُل من الأنصار : إني لا أستطيع الصلاة معك ، وكان رجلاً ضخماً ، فصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً، فدعاه إلى منزله ، فبسط لَهُ حصيراً ونضح طرف الحصير ، فصلى عَلِيهِ ركعتين .\rفَقَالَ رَجُل من آل الجارود لأنس : أكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى ؟ قَالَ : مَا رأيته صلاها إلا يومئذ .\rفِي هَذَا الحَدِيْث : أن من كَانَ ثقيل البدن يشق عَلِيهِ المشي إلى المسجد ، فإنه يعذر لترك الجماعة لذلك .\rوليس فِي الحَدِيْث ذكر عذر لترك الجماعة سوى كونه ضخماً ، وأنه لا يستطيع الصلاة مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مسجده ، ولعل منزله كَانَ بعيداً من المسجد .","part":5,"page":52},{"id":975,"text":"والظاهر : أن هَذَا الرَّجُلُ غير عتبان بْن مَالِك ؛ فإن ذاك كَانَ عذره العمى ، مَعَ بعد المنزل ، وحيلولة السيول بينه وبين المسجد .\r* * *","part":5,"page":53},{"id":976,"text":"42 - بَاب\rإذا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ\rوكان ابن عُمَر يبدأ بالعشاء .\rوَقَالَ أبو الدرداء : من فقه الرَّجُلُ إقباله عَلَى حاجته حَتَّى يقبل عَلَى صلاته وقلبه فارغ .\rأما المروي عَن ابن عُمَر ، فَقَدْ أسنده البخاري فِي هَذَا الباب ، وسيأتي - إن شاء الله .\rوأما المروي عَن أَبِي الدرداء [ .................................. ] .\rوقد روي نحوه عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء .\rذكره الترمذي فِي (( جامعه )) تعليقاً ، وخرجه وكيع فِي (( كتابه )) عَن شريك ، عَن عُثْمَان الثَّقَفِيّ ، عَن زياد مَوْلَى ابن عياش ، أن ابن عَبَّاس كَانَ ينتظر الطعام.\rفحضرت الصلاة ، فَقَالَ : انتظروا ، لا يعرض لنا فِي صلاتنا .\rوهذا يدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يؤخر الصلاة إذا كَانَ في انتظار الطعام وإن لَمْ يكن حاضراً ، وعلله بخشية أن يعرض لَهُ فِي صلاته - يعني : ذكره ، وتحديث النفس بِهِ .\rوروى وكيع - أَيْضاً - عَن شريك ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، قَالَ : قَالَ الْحَسَن : أذهب للنفس اللوامة أن يبدأ بالطعام .\rخرج البخاري من هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث .\rالحَدِيْث الأول :\r671 - حَدَّثَنَا مسدد : ثنا يَحْيَى ، عَن هِشَام : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْت عَائِشَة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَنَّهُ قَالَ: (( إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء )).\rالحَدِيْث الثاني :\r672 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بكير ، ثنا الليث ، عَن عقيل ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس ابن مَالِك ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إذا قدم العشاء فابدءوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم )) .\rالحَدِيْث الثالث :\r673 - حَدَّثَنَا عُبَيْدِ بْن إِسْمَاعِيل ، عَن أَبِي أسامة ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ، ولا يعجل حَتَّى يفرغ مِنْهُ )) .\rوكان ابن عُمَر يوضع لَهُ الطعام ، وتقام الصلاة ، فلا يأتيها حَتَّى يفرغ ، وإنه يسمع قراءة الإمام .\r674 - وَقَالَ زهير ووهب بْن عُثْمَان ، عَن موسى بْن عقبة ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجل حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، وإن أقيمت الصلاة )) .\rقَالَ أبو عَبْد الله : رواه إِبْرَاهِيْم بْن المنذر ، عَن وهب بْن عُثْمَان .\rووهب مديني .\rحَدِيْث عَائِشَة ، قَدْ خرجه - أَيْضاً - فِي (( الأطعمة )) من رِوَايَة وهيب .\rوسفيان الثوري ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، بِهِ .\rوحديث أنس ، قَدْ خرجه فِي (( الأطعمة )) من طريق أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن أنس ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .","part":5,"page":54},{"id":977,"text":"وَقَالَ : عَن أيوب ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - نحوه .\rوعن أيوب ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ تعشى وَهُوَ يسمع قراءة الإمام .\rوحديث موسى بْن عقبة الَّذِي علقه البخاري ، قَدْ خرجه مُسْلِم من رِوَايَة أَبِي ضمرة ، عَن موسى ، ولم يذكر لفظه ، لكنه قَالَ : بنحو رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر .\rوخرجه البيهقي من طريق سويد بْن سَعِيد ، عَن حفص بْن ميسرة ، عَن موسى بْن عقبة ، ولفظه : إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجلن حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، وإن أقيمت الصلاة )) .\rثُمَّ قَالَ : وبهذا اللفظ رواه زهير بْن معاوية ووهب بْن عُثْمَان ، عَن موسى ابن عقبة ، وأشار البخاري إلى روايتهما .\rقُلتُ : وإنما أشار البخاري إليه ؛ لأن لفظه صريح فِي أن من شرع فِي عشائه ثُمَّ أقيمت الصلاة فلا يقم إلى الصلاة حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، بخلاف سائر ألفاظ الحَدِيْث الَّتِيْ خرجها ؛ لأنه يحتمل أن يكون الخَطَّاب بِهَا لمن لَمْ يتناول من عشائه شيئاً .\rووهب بْن عُثْمَان ، ذكر البخاري أَنَّهُ مديني ، وأن هَذَا الحَدِيْث رواه عَنْهُ إِبْرَاهِيْم بْن المنذر الحزامي ، ولم يذكره فِي غير هَذَا الموضع من (( كتابه )) ، ولا خرج لَهُ فِي بقية (( الكتب الستة ))، وذكره ابن حبان فِي (( ثقاته )) .\rوقد خرج ابن حبان فِي (( صحيحه )) من طريق ابن جُرَيْج : أخبرني نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر إذا غربت الشمس وتبين لَهُ الليل ، فكان أحياناً يقدم عشاءه وَهُوَ صائم ، والمؤذن يؤذن ، ثُمَّ يقيم [ وَهُوَ يسمع ] فلا يترك عشاءه ولا يجعل حَتَّى يقضي عشاءه ، ثُمَّ يخرج فيصلي ، يَقُول : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تعجلوا عَن عشائكم إذا قدم إليكم)).\rوقد روي ذكر الصيام مرفوعاً .\rخرجه ابن حبان - أَيْضاً - من طريق موسى بْن أعين ، عَن عَمْرِو بْن الحارث ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم )) .\rوخرجه الدارقطني فِي كِتَاب (( الإلزامات )) وصححه .\rوخرجه الطبراني ، وَقَالَ : لَمْ يقل فِي هَذَا الحَدِيْث : (( وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب )) إلا عَمْرِو بْن الحارث ، تفرد بِهِ موسى بْن أعين .\rقُلتُ : وإنما تفرد موسى بذكر : (( وأحدكم صائم )) ، وأما قوله : (( فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب )) فَقَدْ خرجه مُسْلِم من طريق ابن وهب ، عَن عَمْرِو ابن الحارث بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : (( إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدءوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم )) .","part":5,"page":55},{"id":978,"text":"فهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى أَنَّهُ إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فإنه يبدأ بالعشاء ، سواء كَانَ قَدْ أكل مِنْهُ شيئاً أو لا ، وأنه لا يقوم حَتَّى يقضي حاجته من عشائه، ويفرغ مِنْهُ .\rوممن روي عَنْهُ تقديم العشاء عَلَى الصلاة : أبو بَكْر وعمر وابن عُمَر وابن عَبَّاس وأنس وغيرهم .\rوروى معمر ، عَن ثابت ، عَن أنس ، قَالَ : إني لمع أَبِي بْن كعب وأبي طلحة وغيرهما من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى طعام ، إذ نودي بالصلاة ، فذهبت أقوم فأقعدوني ، وأعابوا عَلِيّ حِينَ أردت أن أقوم وأدع الطعام .\rخرجه عَبْد الله ابن الإمام أحمد فِي (( مسائله )) .\rوإلى هَذَا القوم ذهب الثوري وأحمد - فِي المشهور عَنْهُ - وإسحاق وابن المنذر .\rوَقَالَ أحمد : لا يقوم حَتَّى يفرغ من جميع عشائه ، وإن خاف أن تفوته الصلاة مَا دام فِي وقت . قَالَ : لأنه إذا تناول مِنْهُ شيئاً ثُمَّ تركه كَانَ فِي نفسه شغل من تركه الطعام إذا لَمْ ينل مِنْهُ حاجته .\rوحاصل الأمر ؛ أَنَّهُ إذا حضر الطعام كَانَ عذراً فِي ترك صلاة الجماعة ، فيقدم تناول الطعام، وإن خشي فوات الجماعة ، ولكن لا بد أن يكون لَهُ ميل إلى الطعام ، ولو كَانَ ميلاً يسيراً ، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم .\rوعلى ذَلِكَ دل تعليل ابن عَبَّاس والحسن وغيرهما ، وكذلك مَا ذكره البخاري عَن أَبِي الدرداء .\rفأما إذا لَمْ يكن لَهُ ميل بالكلية إلى الطعام ، فلا معنى لتقديم الأكل عَلَى الصلاة .\rوقالت طائفة أخرى : يبدأ بالصلاة قَبْلَ الأكل ، إلا أن يكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام، وهذا مذهب الشَّافِعِيّ : وقول ابن حبيب المالكي .\rواستدل لَهُ ابن حبان بالحديث الَّذِي فِيهِ التقييد بالصائم ، وألحق بِهِ كل من كَانَ شديد التوقان إلى الطعام فِي الصلاة ، يمنع من كمال الخشوع ، بخلاف الميل اليسير .\rوقالت طائفة أخرى : يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفاً - : حكاه ابن المنذر ، عَن مَالِك .\rوهذا يحتمل أَنَّهُ أراد أن الخفيف من الطعام يطمع مَعَهُ فِي إدراك الجماعة ، بخلاف الطعام الكثير فيختص هَذَا بالعشاء .\rوهذا بناء عَلَى أن وقت المغرب وقت واحد ، كما هُوَ قَوْلِ مَالِك والشافعي فِي أحد قوليه .\rونقل حرب ، عَن إِسْحَاق ، أَنَّهُ يبدأ بالصلاة ، إلا فِي حالين : أحدهما : أن يكون الطعام خفيفاً . والثاني : أن يكون أكله مَعَ الجماعة ، فيشق عليهم قيامه إلى الصلاة.\rوهؤلاء قالوا : إن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بتقديم العشاء عَلَى الصلاة حيث كَانَ عشاؤهم خفيفاً ، كما كَانَتْ عادة الصَّحَابَة فِي عهد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَلَمْ يتناول أمره غير مَا هُوَ معهود فِي زمنه .","part":5,"page":56},{"id":979,"text":"وروى أبو داود بإسناده ، عَن عَبْد الله بْن عُبَيْدِ بْن عمير ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي فِي زمان ابن الزُّبَيْر إلى جنب عَبْد الله بْن عُمَر ، فَقَالَ عباد بْن عَبْد الله بْن الزُّبَيْر : إنا سمعنا أَنَّهُ يبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة ، فَقَالَ عَبْد الله بْن عُمَر : ويحك ، مَا كَانَ عشاؤهم ، أتراه كَانَ مثل عشاء أبيك ؟!\rوخرج البيهقي من حَدِيْث حميد ، قَالَ : كنا عِنْدَ أنس بْن مَالِك ، فأذن المؤذن بالمغرب وقد حضر العشاء ، فَقَالَ أنس : ابدءوا بالعشاء ، فتعشينا مَعَهُ ، ثُمَّ صلينا ، فكان عشاؤه خفيفاً .\rوقالت طائفة : يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون الطعام يخاف فساده لما فِي تأخيره من إفساد الطعام ، وهذا قَوْلِ وكيع ، رواه الترمذي فِي (( جامعة )) عَنْهُ .\rوفي هَذَا القول بعد ، وَهُوَ مخالف ظاهر الأحاديث الكثيرة .\rوللأمام أحمد فِي المسألة ثَلاَثَة أقوال :\rأحدها : أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة أَبِي الحارث ، وسئل عَن العشاء إذا وضع وأقيمت الصلاة ، فَقَالَ : قد جاءت أحاديث ، وكان القوم فِي مجاعة ، فأما اليوم فلو قام\rرجوت .\rوهذه الرواية تدل عَلَى أن تقديم الأكل عَلَى الصلاة مختص بحال مجاعة النَّاس عموماً ، وشدة توقانهم بأجمعهم إلى الطعام ، وفي هَذَا نظر .\rوقد يستدل لَهُ بما رَوَى مُحَمَّد بْن ميمون الزعفراني ، عَن جَعْفَر بْن مُحَمَّد ، عَن أبيه ، عَن جابر ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يؤخر الصلاة لطعام ولا غيره .\rوخرجه الطبراني ، ولفظه : لَمْ يكن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤخر صلاة المغرب لعشاء ولا غيره .\rوهذا حَدِيْث ضَعِيف لا يثبت .\rومحمد بْن ميمون هَذَا ، وثقة ابن معين وغيره . وَقَالَ البخاري والنسائي : منكر الحَدِيْث .\rوروى سلام بْن سُلَيْمَان المدائنى : ثنا ورقاء بْن عُمَر ، عَن ليث بْن أَبِي سليم ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا حضر العشاء والصلاة فابدءوا بالصلاة )) .\rخرجه تمام الرَّازِي فِي (( فوائده )) ، وَقَالَ : هكذا وقع فِي كتابي ، وَهُوَ خط .\rوليث بْن أَبِي سليم ليس بالحافظ ، فلا تقبل مخالفته لثقات أصْحَاب نَافِع ؛ فإنهم رووا : (( فابدءوا بالعشاء )) كما تقدم . وسلام المدائني ضَعِيف جداً .\rوالقول الثاني : نقل حَنْبل ، عَن أحمد ، قَالَ : إن كَانَ أخذ من طعامه لقمةً أو نحو ذَلِكَ فلا يقوم إلى الصلاة فليصلي ، ثُمَّ يرجع إلى العشاء ؛ لأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يحتز من كتف الشاة ، فألقى السكين وقام .\rوكذا نقل عَنْهُ ابنه عَبْد الله والأثرم .\rوحاصل هَذَا القول : إن كَانَ أكل شيئاً من الطعام ، ثُمَّ أقيمت الصلاة قام إليها ، وترك الأكل ، وإن لَمْ يكن أكل شيئاً أكل مَا تسكن بِهِ نفسه ثُمَّ قام إلى الصلاة ، ثُمَّ عاد إلى تتمة طعامه .","part":5,"page":57},{"id":980,"text":"وصرح بذلك الأثرم فِي (( كِتَاب الناسخ والمنسوخ )) ، واستدل بحديث عَمْرِو ابن أمية الضمري ، وقد خرجه البخاري فِي الباب الذي يلي هَذَا .\rوروي نحوه من حَدِيْث المغيرة بْن شعبة وجابر بْن عَبْد الله .\rوفي هذه الأحاديث : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يحتز من كتف شاة ، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فألقى السكين ثُمَّ قام إلى الصلاة .\rوقد ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أَنَّهُ إذا سَمِعَ الإقامة م يشبع من طعامه ، بل يأكل مَا يكسر بِهِ سورة جوعه .\rوحديث ابن عُمَر صريح فِي رد ذَلِكَ ، وأنه لا يعجل حَتَّى يفرغ من عشائه .\rوالقول الثالث : عكس الثاني ، نقله حرب عَن أحمد ، قَالَ : إن كَانَ قَدْ أكل بعض طعامه ، فأقيمت الصلاة ، فإنه يتم أكله ، وإن كَانَ لَمْ يأكل شيئاً فأجب أن يصلي.\rوقد يعلل هَذَا بأنه إذا تناول شيئاً من طعامه فإن نفسه تتوق إلى تمامه ، بخلاف من لَمْ يذق مِنْهُ شيئاً ؛ فإن توقان نفسه إليه أيسر .\rوفي المسألة قَوْلِ آخر ، وَهُوَ الجمع بَيْن أحاديث هَذَا الباب ، وبين حَدِيْث عَمْرِو بْن أمية ، وما فِي معناه من طرح النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - السكين من يده ، وقيامة إلى الصلاة بالفرق بَيْن الإمام والمأمومين ، فإذا دعي الإمام إلى الصلاة قام وترك بقية طعامه ؛ لأنه ينتظر ، ويشق عَلَى النَّاس عِنْدَ اجتماعهم تأخره عنهم ، بخلاف آحاد المأمومين ، وهذا مسلك البخاري، كما سيأتي ذَلِكَ فِي الباب الَّذِي يلي هَذَا .\rوبكل حال ؛ فلا يرخص مَعَ حضور الطعام فِي غير ترك الجماعة ، فأما الوقت فلا يرخص بذلك فِي تفويته عِنْدَ جمهور العلماء ، ونص عَلِيهِ أحمد وغيره .\rوشذت طائفة ، فرخصت فِي تأخير الصلاة عَن الوقت بحضور الطعام - أَيْضاً - ، وَهُوَ قَوْلِ بعض الظاهرية ، ووجه ضَعِيف للشافعية ، حكاه المتولى وغيره .\rوقد رَوَى المروزي أن أحمد احتجم بالعسكر ، فما فرغ إلا والنجوم قَدْ بدت ، فبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة ، فما فرغ دخل حَتَّى وقت العشاء ، فتوضأ وصلى المغرب والعشاء .\rقَالَ القاضي فِي (( خِلافَه )) : يحتمل وجهين :\rأحدهما : أن يكون مسافراً ؛ لأن المراد بالعسكر سامراء ، وكان قَدْ طلبه المتوكل إليها .\rوالثاني : أَنَّهُ خاف عَلَى نفسه من تأخير العشاء المرض ؛ لضعفه بالحجامة .\rوَقَالَ ابن عقيل : يحتمل أَنَّهُ كَانَ مريضاً أو ناسباً . قَالَ : ومع هذه الاحتمالات لا يؤخذ من ذَلِكَ مذهب يخالف مذهب النَّاس .\rومتى خالف ، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئه عند جميع العلماء المعتبرين ، وقد حكى الإجماع عَلَى ذَلِكَ ابن عَبْد البر وغيره ، وإنما خالف فِيهِ شذوذ من متأخري الظاهرية ، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم .","part":5,"page":58},{"id":981,"text":"وفي أحاديث هَذَا الباب : دليل عَلَى أن وقت المغرب متسع ، وأنه لا يفوت بتأخير الصلاة فِيهِ عَن أول الوقت ، ولولا ذَلِكَ لَمْ يأمر بتقديم العشاء عَلَى صلاة المغرب من غير بيان لحد التأخير ؛ فإن هَذَا وقت حاجة إلى البيان ، فلا يجوز تأخيره عَنْهُ . والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":59},{"id":982,"text":"43 - بَاب\rإذا دُعيَ الإمَامُ إلى الصَّلاةِ وبَيَدِهِ مَا يَأكُلُ\r675 - حَدَّثَنَا عَبْد العزيز بْن عَبْد الله : ثنا إِبْرَاهِيْم ، عَن صالح ، عن ابن\rشِهَاب ، قَالَ : أخبرني جَعْفَر بْن عَمْرِو بْن أمية الضمري ، أن أباه قَالَ : رأيت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل ذراعاً يحتز مِنْهَا، فدعى إلى الصلاة ، فَقَام فطرح السكين فصلى ولم يتوضأ .\rوقد سبق فِي (( كِتَاب الوضوء )) من حَدِيْث عقيل ، عَن ابن شِهَاب - بمعناه .\rوقد حمل البخاري هَذَا عَلَى أن الإمام خاصة إذا دعي إلى الصلاة وَهُوَ يأكل فإنه يقوم إلى الصلاة ولا يتم أكله ؛ لما فِي تأخيره من المشقة عَلَى المأمومين بابانتظاره ، فيكون دعاء الإمام إلى الصلاة بمنزلة إقامة الصلاة فِي حق المأمومين .\rوقد حمله غيره - كما تقدم - عَلَى أَنَّهُ إذا أقيمت الصلاة وقد أكل بعض طعامه أَنَّهُ يقوم ولا يتمه .\rوالبخاري قَدْ بَيْن فِي الباب السابق أن بعض ألفاظ حَدِيْث ابن عمر صريح فِي خلاف هذا ، فلذلك حمله عَلَى الإمام خاصة ، ولو أَنَّهُ حمل عَلَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ قَدْ أتم أكله لكان محتملاً مَعَ بعده ؛ فإن ظاهر اللفظ يقتضي أَنَّهُ لَمْ يكن أتم أكله .\rوقد حمله بعضهم عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ أخذ من طعامه مَا يحتاج إليه بحيث لا تتوق نفسه بعده إلى شيء مِنْهُ ، فاكتفي بذلك .\rوخرج أبو داود من حَدِيْث المغيرة بْن شعبة ، قَالَ : ضفت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فأمر بجنب فشوى ، وأخذ الشفرة فجعل يحتز لِي بِهَا مِنْهُ . قَالَ : فجاء بلال فآذنه بالصلاة قالَ : فألقى الشفرة ، وقَالَ : (( ماله ؟ تربت يداه )) ، وقام .\rويروى من حَدِيْث جابر ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - دعي إلى الصلاة وَهُوَ يأكل ، فقام ثُمَّ رجع ، فأتى ببقية الطعام .\rذكره الأثرم تعليقاً .\rوخرجه [ .................................................... ] .\r* * *","part":5,"page":60},{"id":983,"text":"44 - بَاب\rمَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمتِ الصَّلاةُ فَخَرَجَ\r676 - حَدَّثَنَا آدم : ثنا شعبة : ثنا الحكم ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، قَالَ : سألت عَائِشَة : مَا كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصنع فِي بيته ؟ قَالَتْ : كَانَ يكون فِي مهنة أهله - تعني:خدمة أهله - ، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة .\r(( المهنة )) - بكسر الميم وفتحها - الخدمة .\rومنهم من أنكر الكسر ، قَالَ الأصمعي : هُوَ خطأ .\rقَالَ الزمخشري : هُوَ عِنْدَ الأثبات خطأ . قَالَ : وكان القياس لَوْ قيل مثل جلسة وخدمة .\rوقد فسرت عَائِشَة هذه الخدمة فِي رِوَايَة عَنْهَا ، فروى المقدام بْن شريح ، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ، أَنَّهُ سألها : كَيْفَ كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصنع إذا كَانَ فِي بيته ؟ قَالَتْ : مثل أحدكم فِي مهنة أهله ، يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويضع الشيء .\rوروى معاوية بْن صالح ، عَن يَحْيَى بْن سَعِيد ، عَن عمرة ، قَالَتْ : سئلت عَائِشَة : مَا كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصنع فِي بيته ؟ قَالَتْ : بشر من البشر ، يخدم نفسه ، ويحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله .\rوروى هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، قَالَ : قيل لعائشة : مَا كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصنع فِي بيته ؟ قَالَتْ : يخيط ثوبه ، ويخصف نعله ، ويعمل مَا يعمله الرجال فِي بيوتهم .\rخرجه ابن حبان فِي (( صحيحه )) .\rومقصود البخاري بهذا الباب : أن الصلاة إذا قيمت والإنسان فِي شغل بعمل شيء من مصالح دنياه ، فإنه يدعه ويقوم إلى الصلاة ، إماماً كَانَ أو مأموماً .\rوقد روي حَدِيْث الأسود ، عَن عَائِشَة ، الَّذِي خرجه البخاري بزيادة فِي آخره .\rخرجه الحافظ أبو الحسين ابن المظفر فِي (( غرائب شعبة )) من طريق الْحَسَن ابن مدرك : ثنا يَحْيَى بْن حماد : ثنا شعبة ، عَن الحكم ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كَانَ عندي كَانَ فِي مهنة أهله ، فإذا نودي بالصلاة كأنه لَمْ يعرفنا .\rوقد روي من وجه آخر معنى هذه الزيادة .\rرَوَى أبو زُرْعَة الدمشقي فِي (( تاريخه )) : حَدَّثَنَا محمد بْن أَبِي أسامة : ثنا مبشر بْن إِسْمَاعِيل : ثنا عَبْد الله بْن الزبرقان : حَدَّثَنِي أسامة بْن أَبِي عَطَاء ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ النُّعْمَان بْن بشير ، فَقَالَ لَهُ سويد بْن غفلة : ألم يبلغني أنك صليت مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ : ومرة ، لا بل مراراً ، كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سَمِعَ النداء كأنه لا يعرف أحداً من النَّاس .\r* * *","part":5,"page":61},{"id":984,"text":"45 - بَاب\rمَنْ صَلَّى بالنَّاسِ وََهُوَ لاَ يُريدُ إلاَّ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ\rصَلاَةَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَسُنَّتَهُ\r677 - حَدَّثَنَا موسى بْن إِسْمَاعِيل : أنا وهيب ، [ نا أيوب ] ، عَن أَبِي قلابة، قَالَ : جاءنا مَالِك بْن الحويرث فِي مسجدنا هَذَا ، فَقَالَ : إني لأصلي بكم ، وما أريد الصلاة ، أصلي كَيْفَ رأيت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي . فَقِيلَ لأبي قلابة : كَيْفَ كَانَ\rيصلي ؟ قَالَ : مثل شيخنا هَذَا . وكان الشَّيْخ يجلس إذا رفع رأسه من السجود قَبْلَ أن ينهض فِي الركعة الأولى .\rوقد خرجه البخاري فيما بعد عَن معلى بْن أسد ، عَن وهيب ، ولفظ حديثه : جاءنا مَالِك بْن الحويرث فصلى بنا فِي مسجدنا هَذَا ، فَقَالَ : إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة . لكني أريد أن أريكم كَيْفَ رأيت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي - وذكر بقية الحَدِيْث .\rقول مَالِك بْن الحويرث : (( إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة )) يحتمل أَنَّهُ أراد : أني لا أريد الصلاة إماماًُ وأنه لا غرض لِي فِي إمامتكم سوى تعليمكم صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، والإمام إذا نوى الصلاة بالناس وتعليمهم الصلاة صحت صلاته ، كما حج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَقَالَ لهم : (( خذوا عني مناسككم)). وَقَالَ - أَيْضاً - فِي الصلاة : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) .\rوإن حمل عَلَى أن مراد ابن الحويرث : أني لا أريد أن أصلي هذه الصلاة لأني قَدْ صليتها ، وإنما أعيدها لتعليمكم الصلاة دل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يرى جواز اقتداء المفترضين بالمتنفل ، إن كَانَ أمهم فِي وقت صلاة مفروضة ، فإن كَانَ أمهم فِي تطوعٍ فلا دلالة فِيهِ عَلَى ذَلِكَ .\rوقد ورد ذَلِكَ مصرحاً بِهِ رِوَايَة خرجها البخاري فِي (( بَاب : الطمأنينة )) من رِوَايَة حماد بْن زيد ، عَن أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، قَالَ : قام مَالِك بْن الحويرث يرينا كَيْفَ كَانَ صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك فِي غير وقت الصلاة - وذكر صفة صلاته .\rفعلم بهذا أنهم كانوا متنفلين بهذه الصلاة كلهم .\rولا يصح حمل كلامه عَلَى ظاهره ، وأنه لَمْ ينو الصلاة بالكلية ، بل كَانَ يقوم ويقعد ويركع ويسجد ، وَهُوَ لا يريد الصلاة ، فإن هَذَا لا يجوز ، وإنما يجوز مثل ذَلِكَ فِي الحج ، يجوز أن يكون الَّذِي يقف بالماس ويدفع بهم غير محرم ، ولا مريداً للحج بالكلية ، لكنه يكره .\rقَالَ أصحابنا وغيرهم من الفقهاء فِي الأحكام السلطانية : لأن الوقوف والدفع يجوز للمحرم وغيره ، بخلاف القيام والركوع والسجود ، فإنه لا يجوز إلا فِي الصلاة بشروطها .\rوبقية فوائد الحَدِيْث يأتي الكلامم عَلِيهِ فِي مواضعه - إن شاء الله - ؛ فإن البخاري خرجه فِي مواضع متعددة .\r* * *","part":5,"page":62},{"id":985,"text":"46 - بَاب\rأَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ\rفِيهِ خمسة أحاديث :\rالحَدِيْث الأول :\r678 - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نصر : حَدَّثَنَا حسين ، عَن زائدة ، عَن عَبْد الملك ابن عمير ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبو بردة ، عَن أَبِي موسى ، قَالَ : مرض النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فاشتد مرضه ، فَقَالَ : (( مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس )) . قَالَتْ عَائِشَة : إنه رَجُل رقيق ، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس . قَالَ : (( مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس )) ، فعادت ، فَقَالَ : (( مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس ؛ فإنكن صواحب يوسف )) ، فأتاه الرسول ، فصلى بالناس فِي حَيَاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rاستدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن أهل الفضل والعلم أحق بالإمامة من غيرهم؛ فإن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم - أمر أَبَا بَكْر من بين الصَّحَابَة كلهم بالصلاة بالناس ، وروجع فِي ذَلِكَ مراراً وَهُوَ يأبى إلا تقديمه فِي الصلاة عَلَى غيره من الصَّحَابَة ، وإنما قدمه لعلمه وفضله ؛ فأما فضله عَلَى سائر الصَّحَابَة فهو مِمَّا اجتمع عَلِيهِ أهل السنة والجماعة ، وأما علمه فكذلك .\rوقد حكى أبو بَكْر ابن السمعاني وغيره إجماع أهل السنة عَلِيهِ - أَيْضاً .\rوهذا مِمَّا يستدل بِهِ من قَالَ : إن الأفقه والأعلم مقدم عَلَى مقدم عَلَى الأقرإ ؛ فإن أَبِي بْن كعب كَانَ أقرأ الصَّحَابَة ، كما قَالَ عُمَر : (( أَبِي أقرؤنا )) .\rوروي عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، أَنَّهُ قَالَ : (( أقرأ أمتي لكتاب الله أَبِي بْن كعب)) .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه - وصححه الترمذي - من حَدِيْث أَبِي قلابة ، عَن أنس .\rوقد روي عَن أَبِي قلابة مرسلاً من غير ذكر (( أَنَس )) ، وَهُوَ أصح عِنْدَ كثير من الحفاظ .\rفلما قدم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب فِي الصلاة بالناس دل عَلَى أن الأعلم والأفقه والأفضل مقدم عَلَى الأقرإ .\rوقد اختلف العلماء : هَلْ يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه ، أم الأفقه عَلَى الأقرإ ؟\rفَقَالَتْ طائفة : يقدم الأفقه ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي ثور.\rوَقَالَ الليث : يؤمهم أفضلهم وخيرهم ، ثُمَّ أقرؤهم ، ثُمَّ أسنهم .\rوقالت طائفة : يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه ، وحكي عَن الأشعث بْن قيس وابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، حكاه عنهم ابن المنذر واختاره .\rوما حكيناه عَن الثوري ، حكاه أصحابه عَنْهُ فِي كتبهم المصنفة عَلَى مذهبه .\rونص أحمد عَلَى أَنَّهُ يقدم الأقرأ إذا كَانَ يعرف مَا يحتاج إليه الصلاة من الفقه ، وكذلك قَالَ كثير من المحققين من أصحابه ، وحكموا مذهبه عَلَى هَذَا الوجه .","part":5,"page":63},{"id":986,"text":"واستدل من قدم الأقرأ بما خرجه مُسْلِم فِي (( صحيحه )) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج ، عَن أَبِي مَسْعُود الأنصاري ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا فِي القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فِي السنة سواء فأقدمهم هجرة )) .\rوفي رِوَايَة لمسلم : (( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة )) .\rوخرجه الحَاكِم ، وعنده (( يؤم القوم أكثرهم قرآناً )) - وذكر الحَدِيْث .\rوخرج مُسْلِم - أَيْضاً - من حَدِيْث أَبِي نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا كانوا ثَلاَثَة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم )) .\rوخرج البخاري فِي (( كتابه )) هَذَا من حَدِيْث عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي ، عَن أَبِيه ، أن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكثركم قرآناً)) .\rوخرج - أَيْضاً - فِيهِ من حَدِيْث ابن عُمَر ، قَالَ : لما قدم المهاجرون الأولون قَبْلَ مقدم النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم - كَانَ يؤمهم سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآناً .\rوخرج الإمام أحمد من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( يؤمكم أقرؤكم)) .\rوخرجه أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن عَبَّاس ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( ليؤمكم قراؤكم)) .\rوفي الباب أحاديث أخر .\rوقد تأول الشَّافِعِيّ وغيره هذه الأحاديث عَلَى أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إنما خاطب أصحابه ، وكان أكثرهم قرآناً أكثرهم فقهاً ؛ فإن قراءتهم كَانَتْ علماً وعملاً بخلاف من بعدهم .\rوأجيب عَن هَذَا بوجهين :\rأحدهما : أن هَذَا خطاب عام للأمة كلهم ، فلا يختص بالصحابة .\rوالثاني : أَنَّهُ فرق بَيْن الأقرإ والأعلم بالسنة ، وقدم الأقرإ عَلِيهِ .\rوأجاب الإمام أحمد عَن تقديم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب وغيره ، بأنه أراد بذلك التنبيه عَلَى خلافته ، فلهذا المعنى قدمه فِي الصلاة عَلَى النَّاس كلهم .\rوقد منع بعضهم أن يكون أَبِي بْن كعب أقرأ من أَبِي بَكْر ، لأن المراد بالأقرإ فِي الإمامة الأكثر قرآناً . وَقَالَ : كَانَ أبو بَكْر يقرأ القران كله ، فلا مزية لأبي بْن كعب عَلِيهِ فِي ذَلِكَ ، وامتاز أبو بَكْر بالعلم والفضل .\rوهذه المسألة لأصحابنا فيها وجهان : إذا اجتمع قارئان ، أحدهما أكثر قرآناً ، والآخر أجود قراءةً ، فهل يقدم الأكثر قرآناً عَلَى الأجود قراءة ، أم بالعكس ؟\rوأكثر الأحاديث تدل ى اعتبار كثرة القرآن .\rوإن اجتمع فقيهان قارئان ، أحدهما أفقه ، والآخر أجود قراءة ، ففي أيهما يقدم وجهان - أَيْضاً .\rوقيل : إن المنصوص عَن أحمد ، أَنَّهُ يقدم الأقرأ .\rالحَدِيْث الثاني :","part":5,"page":64},{"id":987,"text":"679 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، [ عَن أَبِيه] ، عَن عَائِشَة ، أنها قَالَتْ : إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فِي مرضه : (( مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس )) . قَالَتْ عَائِشَة : قُلتُ : إن أَبَا بَكْر إذا قام فِي مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء ، فمر عُمَر فليصل بالناس ، قَالَتْ عَائِشَة : فَقُلْت لحفصة : قولي : إن أَبَا بَكْر إذا قام مقامك لَمْ يسمع النَّاس من البكاء ، فمر عُمَر فليصل بالناس ، ففعلت حَفْصَةَ ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - (( مه ، إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس)). فَقَالَتْ حفصة لعائشة : مَا كُنْتُ لأصيب منك خيراً.\rوالمراد من هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب : امر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْر بالصلاة بالناس فِي مرضه ، وأنه روجع فِي ذَلِكَ فزجر من راجعه ، وكرر الأمر بذلك .\rالحَدِيْث الثالث :\r680 - حَدَّثَنَا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني أنس بْن مَالِك الأنصاري - وكان تبع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وخدمه وصحبه - ، أن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي بهم فِي وجع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي توفى فِيهِ ، حَتَّى إذا كَانَ يوم الأثنين وهم صفوف فِي الصلاة ، فكشف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ستر الحجرة، ينظر إلينا وَهُوَ قائم كأن وجهه ورقة مصحف ، ثُمَّ تبسم يضحك ، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فنكص أبو بَكْر عَلَى عقبيه ليصل الصف ، وظن أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - خارج إلى الصلاة ، فأشار إلينا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : أن (( أتموا صلاتكم )) ، وأرخى الستر ، فتوفي من يومه - صلى الله عليه وسلم - .\rفِي هَذَا الحَدِيْث أن أَبَا بَكْر استمر عَلَى إقامته فِي الصلاة إلى أن توفي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كشف الستر ، ونظر إليه وَهُوَ يؤم النَّاس فِي صلاة الصبح يوم الأثنين، وهي آخر صلاة أدركها النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حياته ، فظن أبو بَكْر أَنَّهُ خارج إلى الصلاة، فأخذ فِي التأخر إلى صف المأمومين؛ ليتقدم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فيؤم النَّاس ، فأشار إليهم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أن أتموا صلاتكم ، وأرخى الستر .\rوهذا فِيهِ أمر لأبي بَكْر بأن يستمر عَلَى إمامته فِي آخر صلاة أدركها وَهُوَ حي .\rوظاهر هَذَا الحَدِيْث ، يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يخرج إلى المسجد ولم يصل مَعَ الجماعة تلك الصلاة ، لا إماماً ولا مأموماً .\rوقد قَالَ كثير من السلف ، إنه خرج وصلى خلف أَبِي بَكْر فِي الصف تلك الصلاة .\rوقد سبق حَدِيْث أَنَس ، أن آخر صلاة صلاها رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوب متوشحاً خلف أَبِي بَكْر.","part":5,"page":65},{"id":988,"text":"وقد جمع البيهقي وغيره بَيْن تلك وبين حَدِيْث أَنَس هَذَا ، بأنه أرخى الستر ودخل، ثُمَّ وجد خفة فخرج فصلى خلف أَبِي بَكْر الركعة الثانية ، وقضى الركعة الَّتِيْ فاتته .\rوقد صح هَذَا المعنى عَن عُبَيْدِ بْن عمير - أَيْضاً .\rوروي صريحاً - أَيْضاً - من حَدِيْث عَائِشَة وأم سَلَمَة وأبي سَعِيد .\rخرجه ابن سعد فِي (( طبقاته )) عَن الواقدي .\rالحَدِيْث الرابع :\r681 : حَدَّثَنَا أبو معمر ، قَالَ : ثنا عَبْد الوارث : ثنا عَبْد العزيز ، عَن أَنَس ، قَالَ : لَمْ يخرج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً ، فأقيمت الصلاة ، فذهب أبو بَكْر فتقدم ، فَقَالَ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجاب ، فرفعه، فلما وضح وجه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مَا رأينا منظراً كَانَ أعجب إلينا من وجه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ وضح لنا ، فأوما النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى أَبِي بَكْر أن يتقدم ، وأرخى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - الحجاب ، فَلَمْ يقدر عَلِيهِ حَتَّى مات .\rوهذا الحَدِيْث قريب من حَدِيْث الزُّهْرِيّ عَن أَنَس الَّذِي قبله ، وفيه : التصريح بإيماء النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أَبِي بَكْر أن يتقدم ويؤم النَّاس ، ولكنه يوهم أن أَبَا بَكْر لَمْ يكن قَدْ دَخَلَ فِي الصلاة ، وحديث الزُّهْرِيّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي الصلاة .\rالحَدِيْث الخامس :\r682 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سُلَيْمَان ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابن وهب : حَدَّثَنِي يونس ، عَن ابن شِهَاب ، عَن حَمْزَة بْن عَبْد الله ، أَنَّهُ أخبره عَن أَبِيه ، قَالَ : لما اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعه قيل لَهُ فِي الصلاة . قَالَ : (( مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس )) . قَالَتْ عَائِشَة : أن أَبَا بَكْر رَجُل رقيق ، إذا قرأ غلبه البكاء . قَالَ : (( مروه فليصل )) ، فعاودته ، فَقَالَ : (( مروه فليصل ، فإنكن صواحب يوسف )) .\rتابعه : الزبيدي وابن أخي الزُّهْرِيّ وإسحاق بْن يَحْيَى الكلبي ، عَن الزُّهْرِيّ .\rوقال عقيل ومعمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً .\rقَدْ ذكر البخاري الاختلاف عَلَى الزُّهْرِيّ فِي إسناده ، وأنه روي عَنْهُ متصلاً ومرسلاً .\rفخرجه من طريق ابن وهب ، عَن يونس ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة بْن عَبْد الله بْن عُمَر ، عَنْهُ أَبِيه - متصلاً - ، وذكر أَنَّهُ تابعه عَلَى وصله الزبيدي وابن أخي الزُّهْرِيّ وإسحاق الكلبي ، وأرسله عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة - من غير ذكر ابن عُمَر - : عقيل ومعمر .\rوقد اختلف عَن معمر :\rوخرجه مُسْلِم من حَدِيْث معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن عَائِشَة .\rواختلف فِيهِ عَلَى عقيل - أَيْضاً - :\rفروي عَنْهُ ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة - مرسلاً .\rوروي عَنْهُ ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن عَائِشَة .","part":5,"page":66},{"id":989,"text":"وكذا قَالَ يونس بْن أَبِي إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ .\rوكلاهما محفوظ عَنْهُ - : ذكر ذَلِكَ الدارقطني فِي موضع من (( علله )) .\rوذكر فِي موضع آخر مِنْهَا : أَنَّهُ رواه عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة ، عَن أَبِيه.\rقَالَ : وَهُوَ الصواب .\rقُلتُ : ورواه ابن المبارك ، عَن يونس ومعمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حَمْزَة - مرسلاً .\r* * *","part":5,"page":67},{"id":990,"text":"47 - بَاب\rمَنْ قَامَ إلى جَنْبِ الإمَامِ لِعِلَّةٍ\r683 - حَدَّثَنَا زكريا بْن يَحْيَى : ثنا ابن نمير : ثنا هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة، قَالَتْ : أمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه ، فكان يصلي بهم .\rقَالَ عُرْوَةَ : فوجد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خفة ، فخرج ، فإذا أبو بَكْر يؤم النَّاس ، فلما رآه أبو بَكْر استأخر ، فأشار إليه أن كما أنت ، فجلس رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حذاء أَبِي بَكْر إلى جنبه ، فكان أبو بَكْر يصلي بصلاة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر .\rالمُتَّصِل من هَذَا الحَدِيْث : هُوَ أمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه ، فكان يصلي بهم ، وما بعده مدرج من قَوْلِ عُرْوَةَ ، كما خرجه البخاري هاهنا .\rوكذا خرجه مُسْلِم عَن جماعة ، كلهم عَن ابن نمير ، بِهِ .\rوكذا رَوَى هَذَا الكلام الآخر مَالِك فِي (( موطئه )) عَن هِشَام ، عَن أَبِيه - مرسلاً .\rوقد وصله بعض الرواة بحديث عَائِشَة ، فمن وصله بحديث عَائِشَة فَقَدْ أدرجه .\rولكن قَدْ روي هَذَا المعنى متصلاً من وجوه أخر ، كلها لا تخلو عَن علة ، وقد سبق ذكرها والإشارة تعليلها .\rومراد البخاري بهذا الباب : أن أَبَا بَكْر صلى مؤتما بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ قائم إلى جانبه بإشارة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إليه فِي ذَلِكَ ، ولم يتركه يتأخر إلى الصف ، وكان ذَلِكَ لعلة ، وهي أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يصلي بالناس جالساً ، والناس قيام وراءه ، فكان قيام أَبِي بَكْر إلى جانبه ، لإسماع النَّاس تكبير النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ورؤية النَّاس لَهُ ؛ ليتمكنوا من كمال الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث لَمْ يمكنه القيام ، ولولا هذه العلة لكانت السنة لأبي بَكْر أن يقوم فِي الصف وراء النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد ذكر هَذَا المعنى طائفة من الشافعية .\rونقله الوليد بْن مُسْلِم عَن مَالِك ، أَنَّهُ أجاز للمريض أن يصلي بالناس جالساً وهم قيام . قَالَ : وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه من يعلم النَّاس بصلاته .\rوهي رِوَايَة غريبة عَن مَالِك ، ومذهبه عِنْدَ أصحابه : أَنَّهُ لا يجوز ائتمام القائم بالجالس .\rوهذا كله عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر كَانَ مأموماً ، فأما من قَالَ هُوَ الإمام فلا إشكال عنده فِي قيام أَبِي بَكْر إلى جانب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما أشكل عنده جلوس النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب أَبِي بَكْر ، وقد يجاب عَنْهُ بأنه يحتمل أن يكون ذَلِكَ لضيق الصف . والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":68},{"id":991,"text":"48 - بَاب\rمَنْ دَخَلَ ليَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإمَامُ الأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الآخَرُ\rأَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلاَتُهُ\rفِيهِ : عَائِشَة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rحَدِيْث عَائِشَة ، سبقت الإشارة إليه فيما مضى ، وقد خرجه البخاري بتمامه فيما بعد من حَدِيْث عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، عَن عَائِشَة .\r684 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن أَبِي حَازِم بْن دينار ، عَن سَهْل بْن سعد الساعدي ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى بني عَمْرِو بْن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أَبِي بَكْر ، فَقَالَ : أتصلي للناس فأقيم .قَالَ : نَعَمْ ، فصلى أبو بَكْر ، فجاء النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم - والناس فِي الصلاة ، فتخلص حَتَّى وقف فِي الصف ، فصفق النَّاس ، وكان أبو بَكْر لا يلتفت فِي صلاته ، فلما أكثر النَّاس التصفيق التفت ، فرأى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أن امكث مكانك ، فرفع أبو بَكْر يديه ، فحمد الله عَلَى مَا أمره بِهِ رَسُول الله من ذَلِكَ ، ثُمَّ استأخر أبو بَكْر حَتَّى استوى فِي الصف ، وتقدم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ، فلما انصرف قَالَ : (( يَا أَبَا بَكْر ، مَا منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ )) فَقَالَ أبو بَكْر : مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( مَا لِي أراكم أكثرتم التصفيق ؟ من نابه شيء فِي صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء )) .\rفِي هَذَا الحَدِيْث فوائد كثيرة :\rمِنْهَا : أن الإمام يستحب لَهُ الإصلاح بَيْن طائفتين من المُسْلِمِين إذا وقع بينهم تشاجر ، وله أن يذهب إليهم إلى منازلهم لذلك .\rومنها : أن الإمام الراتب للمسجد إذا تأخر وعلم أَنَّهُ غائب عَن منزله فِي مكان فِيهِ بعد ، ولم يغلب عَلَى الظن حضوره ، أو غلب ولكنه لا ينكر ذَلِكَ ولا يكرهه ، فلأهل المسجد أن يصلوا قَبْلَ حضوره فِي أول الوقت ، وكذا إذا ضاق الوقت .\rوأما إن كَانَ حاضراً أو قريباً ، وكان الوقت متسعاً ، فإنه ينتظر ، كما انتظروا النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لما أخر صلاة العشاء حَتَّى نام النِّسَاء والصبيان ، وقد سبق ذكره .\rومنها : أَنَّهُ إنما يؤم النَّاس مَعَ غيبة الإمام أفضل من يوجد من الحاضرين ، ولذلك دعي أبو بَكْر إلى الصلاة دون غيره من الصَّحَابَة .\rوهذا مِمَّا يستدل بِهِ عَلَى أن الصَّحَابَة كلهم كانوا معترفين بفضل أَبِي بَكْر وتقدمه عليهم ، وعلمهم أَنَّهُ لا يقوم مقام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ غيبته غيره .\rوقد روي أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنر فِي هَذَا اليوم أَبَا بَكْر أن يؤم النَّاس إذا لَمْ يحضر .","part":5,"page":69},{"id":992,"text":"فخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي هَذَا الحَدِيْث من طريق حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل بْن سعد ، وفيه : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( يَا بلال ، إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أَبَا بَكْر يصلي بالناس )) .\rوخرجه الحَاكِم من طريق عُمَر المقدمي ، عَن أَبِي حَازِم ، وفي حديثه : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( يَا أَبَا بَكْر ، إن أقيمت الصلاة فتقدم فصل بالناس )) . قَالَ : نَعَمْ .\rوعلى هذه الرواية ، فإنما تقدم أبو بَكْر بإذن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَهُ فِي ذَلِكَ .\rوفيه : دليل عَلَى أن أَبَا بَكْر كَانَ أحق النَّاس بالإمامة فِي حَيَاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ تخلفه عَن الصلاة بالناس فِي صحته ومرضه .\rوهذا يشكل عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : إنه إنما أمره فِي مرضه بالصلاة ؛ لأنه أراد استخلافه عَلَى الأمة ، فإن أمره بالصلاة فِي غيبته يدل عَلَى أَنَّهُ أحق النَّاس بالإمامة ، وأنه أقرأ الصَّحَابَة ؛ فإنه يقرأ مَا يقرءون ، ويزيد عليهم باختصاصه بمزيد الفهم والفضل ، وما اختص بِهِ من الخشوع فِي الصلاة وعدم الالتفات فيها ، وكثرة البكاء عِنْدَ قراءة القرآن .\rومنها : أن شق الداخل فِي الصلاةالداخل فِي الصلاة الصفوف طولاً حَتَّى يقوم فِي الصف الأول ليس بمكروه ، ولعله كَانَ فِي الصف الأول فرجة ، وقد سبق ذكر هذه المسألأة فِي (( أبواب : المرور بَيْن يدي المصلي )) .\rوقد قيل : إنَّ ذَلِكَ يختص جوازه بمن تليق به الصلاة بالصف الأول لفضله وعلمه ، وَهُوَ الَّذِي ذكره ابن عَبْد البر .\rوالمنصوص عَن أحمد : كراهته .\rقَالَ ألأثرم : قُلتُ لأبي عَبْد الله : يشق الصفوف إذا قاموا إلى الصلاة عَلَى نحو حَدِيْث المسور بْن مخرمة ؟ كأنه لَمْ يعجبه ، ثُمَّ قَالَ : اللهم إلا أن يضيق الموضع بالناس ، وتؤذيهم الشمس ، فإذا أقيمت شق الصفوف ودخل ، ليس بِهِ التخطي ، إنما بِهِ مَا أذاه الشمس .\rومنها : أن الالتفات فِي الصلاة لحاجة عرضت غير مكروه ، وإنما يكره لغير حاجةٍ .\rومنها : أن الالتفات وكثرة التصفيق لحاجة غير مبطل للصلاة ، وكذلك التأخر والمشي من صف إلى صف .\rومنها : أن رفع اليدين فِي الصلاة ، وحمد الله تعالى عِنْدَ نعمه تجددت غير مبطل للصلاة .\rوقد اختلف فِي ذَلِكَ :\rفَقَالَ عُبَيْدِ الله بْن الْحَسَن العنبري : هُوَ حسن .\rوَقَالَ الأوزاعي : يمضي فِي صلاته .\rوَقَالَ عَطَاء : مَا جرى عَلَى لسان الرَّجُلُ فِي الصلاة مَا لَهُ أصل فِي القرآن فليس بكلام .\rوَقَالَ إِسْحَاق : إن تعمده فهو كلام ، يعيد الصلاة ، وإن سبق مِنْهُ من غير تعمد فليس عَلِيهِ إعادة .\rوَقَالَ - مرة - : إن تعمد فأحب إلى أن يعيد ، فلا يتبين لِي-: نقله عَنْهُ حرب.\rوعن أحمد ، أَنَّهُ يعيد الصلاة بذلك . وروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى أَنَّهُ لا تعاد الصلاة مِنْهُ ، وقد سبق ذَلِكَ مستوفى فِي (( بَاب : مَا يَقُول إذا سَمِعَ المؤذن )) .","part":5,"page":70},{"id":993,"text":"ومنها : أن أمر الإكرام لاتكون مخالفته معصية ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : (( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - )) ، ولم يكن ذَلِكَ عَلِيهِ .\rوهذا مِمَّا استدل بِهِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر لَمْ يؤم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قط ، لا فِي صحته ولا فِي مرضه.\rومنها - وَهُوَ الَّذِي قصده البخاري بتبويبه هاهنا - : أن من أحرم بالصلاة إماماً فِي مسجد لَهُ إمام راتب ، ثُمَّ حضر إمامه الراتب ، فهل لَهُ أن يؤخر الَّذِي أحرم بالناس إماماً ويصير مأموماً ، ويصير الإمام الإمام الراتب ، أم لا بل ذَلِكَ من خصائص النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه إمام النَّاس عَلَى كل حال ، وقد نهى الله عَن التقدم بَيْن يديه ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : (( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - )) ؟ فِي ذَلِكَ قولان :\rأحدهما : أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ ، بل هُوَ من خصائص النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - . وحكاه ابن عَبْد البر إجماعاً من العلماء ، وحكاه بعض أصحابنا عَن أكثر العلماء .\rوالثاني : أَنَّهُ يجوز ذَلِكَ ، وتبويب البخاري يدل عَلِيهِ ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ ، وأحد الوجهين لأصحابنا ، وقول ابن الْقَاسِم من المالكية .\rواستدل بهذا الحَدِيْث عَلَى أن الإمام إذا سبقه الحدث جاز لَهُ أن يستخلف بعض المأمومين ؛ لأنه إذا جازت الصلاة بإمامين مَعَ إمكان إتمامها بالإمام الأول فمع عدم إمكان ذَلِكَ لبطلان صلاة الأول أولى .\rوفي الحَدِيْث - أَيْضاً - : أن الرَّجُلُ إذا نابه شيء فِي صلاته ، فإنه يسبح ، ولو صفق لَمْ تبطل صلاته ، ولكنه يكون مكروهاً .\rوأما قوله : (( إنما التصفيح للنساء )) ، فاختلفوا فِي معناه :\rفحمله مَالِك وأصحابه عَلَى أن المراد : أن التصفيح من أفعال النِّسَاء ، فيكون إخباراً عَن عيبه وذمة ، وأنه لا ينبغي أن يفعله أحد فِي الصلاة ، رجلاً كَانَ أو أمرأةً .\rوحملوا قوله : (( من نابه شيء فِي صلاته فليسبح )) عَلَى أَنَّهُ عام ، يدخل فِي عمومه الرجال والنساء ، إخبار مِنْهُ بمشروعيته للنساء فِي الصلاة .\rوقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل ، وَقَالَ فِي حديثه : (( إذا نابكم شيء فِي الصلاة فليسبح الرجال ، وليصفح النِّسَاء )) .\rخرجه النسائي وغيره .\rوهذا صريح فِي ذَلِكَ ، سيأتي الكلام عَلَى ذَلِكَ مستوفى فِي موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى - ؛ فإن البخاري خرج التسبيح للرجال والتصفيق للنساء من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ وسهل بْن سعد، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد روي معنى حَدِيْث سَهْل من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ بسياق غريب .","part":5,"page":71},{"id":994,"text":"خرجه الترمذي فِي كِتَاب (( العلل )) : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصباح : ثنا شبابة ، عَن المغيرة بْن مُسْلِم ، عَن مُحَمَّد بْن عَمْرِو ، عَن أَبِي سَلَمَة ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ذهب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي حاجة ، فأقام بلال الصلاة ، فتقدم أبو بَكْر ، فجاء النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بَكْر فِي الصلاة،فأرادوا أن يردوا وصفقوا، فمنعهم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفه ، فلما انفتل قَالَ : (( التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء )) .\rوَقَالَ : سألت عَنْهُ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل - يعني : البخاري - فَلَمْ يعرفه ، وجعل يستحسنه ، وَقَالَ : المشهور : عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل . انتهى .\rوهذا يخالف مَا فِي حَدِيْث سَهْل ، من أن أَبَا بَكْر تأخر وتقدم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى بالناس ، والصحيح : حَدِيْث سَهْل . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r* * *","part":5,"page":72},{"id":995,"text":"49 - بَاب\rإذا اسْتَوَوْا فِي الْقراَءةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ\r685 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حرب : ثنا حماد بْن زيد ، عَن أيوب ، عَن أبي قلابة، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : قدمنا عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة ، فلبثنا عنده نحواً من عشرين ليلة ، وكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - رحيماً ، فَقَالَ : (( لَوْ رجعتم إلى بلادكم ، فعلمتموهم ، مروهم فليصلوا صلاة كذا فِي حِينَ كذا ، وصلاة كذا فِي حِينَ كذا ، فإذا حضرت الصلاة ، فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم )) .\rهَذَا الحديث خرجه مُسْلِم - بمعناه - من حَدِيْث خَالِد الحذاء ، عَن أَبِي قلابة ، وزاد فِيهِ : قَالَ الحذاء : وكانا متقاربين فِي القراءة .\rوخرجه أبو داود ، وزاد فِيهِ : وكنا يومئذ متقاربين فِي العلم .\rورواه حماد بْن سَلَمَة ، عَن أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (( يؤم القوم أكبرهم سناً )) .\rذكره أبو بَكْر الأثرم ، وَقَالَ : غلط حماد فِي لفظة ، وإنما رواه بالمعنى .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج ، عَن أَبِي مَسْعُود ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: (( يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله ، وأقدمهم قراءةً ، فإن كَانَتْ قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا فِي الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً )) .\rوفي ألفاظ هَذَا الحَدِيْث اخْتِلاَف ، وقد توقف فِيهِ أبو حاتم الرَّازِي ، وحكى عَن شعبة ، أَنَّهُ كَانَ يهابه ؛ لتفرد إِسْمَاعِيل بْن رجاء بِهِ عَن أوس ، فَقَالَ : إنما رواه الْحَسَن بْن يزيد الأصم ، عَن السدي ، وَهُوَ شيخ ، وأخاف أن لا يكون محفوظاً - يعني : حَدِيْث السدي .\rوهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى التقديم بالسن عِنْدَ التساوي فِي القرءاة وغيرهم من الفضائل، وقد أخذ بذلك أكثر العلماء .\rقَالَ عَطَاء والثوري وأبو حنيفة : إذا استووا فِي القراءة والفقة فأسنهم .\rوَقَالَ مَالِك : للسن حق .\rولكن اختلفوا : هَلْ تقدم الهجرة والنسب عَلَى السن ، أم لا ؟\rوفيه اخْتِلاَف بَيْن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء .\rوقول إِسْحَاق : إنه يقدم بالهجرة ، وبعدها بالسن . وقيل : إنه ظاهر كلام أحمد - أَيْضاً .\rومما يفرع عَلَى التقديم بالسن ، أَنَّهُ : هَلْ يكره أن يؤم الرَّجُلُ أباه إذا كَانَ أقرأ مِنْهُ وأفقه ؟\rفمن العلماء من كرهه ، منهم : عَطَاء ، وحكي عَن أَبِي حنيفة ، ورواية عَن\rأحمد ، والمشهور الَّذِي نقله عَنْهُ أكثر أصحابه : أَنَّهُ لا يكره إذا كَانَ أقرأ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلِ الثوري .\rوروي عَن أَبِي أسيد الأنصاري - وَهُوَ من الصَّحَابَة - ، أَنَّهُ كَانَ يأتم بابنه ، وكذلك عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي كَانَ يؤم الحي وفيهم أبوه ، وقد قدم أبو بَكْر الصديق مكة فِي خلافته فأمهم وفيهم أبو قحافة .\r* * *","part":5,"page":73},{"id":996,"text":"50 - بَاب\rإذا زَارَ [ الإمَامُ ] قَوْماً فَأَمَّهُمْ\r686 - حَدَّثَنَا معاذ بن أسد : ثنا عَبْد الله : أنا معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني محمود بْن الربيع ، قَالَ : سَمِعْت عتبان بْن مَالِك الأنصاري قَالَ : استأذن عَلِيّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فأذنت لَهُ ، فَقَالَ : (( أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ )) فأشرت لَهُ إلى المكان الَّذِي أحب ، فقام وصففنا خلفه ، ثُمَّ سلم فسلمنا .\rقَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث مطولاً ومختصراً فِي (( أبواب المساجد )) .\rوإنما مقصوده مِنْهُ هاهنا : أَنَّهُ يجوز للزائر أن يؤم فِي منزل من زاره بإذنه .\rوقد اختلف فِي كراهة ذَلِكَ :\rفكرهه طائفة : منهم : إِسْحَاق ، واستدل بما رَوَى بديل بْن ميسرة ، عَن أَبِي عطية مَوْلَى لهم، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : سَمِعْت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم : (( من زار قوماً فلا يؤمهم ، وليؤمهم رَجُل منهم )) .\rخرجه أبو داود والترمذي . وخرجه النسائي بمعناه ، وحسنه الترمذي .\rوقد عمل بهذا الحَدِيْث مَالِك بْن الحويرث ، ولم يتقدم فِي منزل غيره مَعَ أمرهم لَهُ بالتقدم ، واستدل بما رواه .\rوأبو عطية هَذَا ، قَالَ ابن المديني : لا نعرفه .\rرَوَى إِسْحَاق بْن يَحْيَى بْن طلحة ، عَن المُسَيِّب بْن رافع ومعبد بْن خَالِد ، عَن عَبْد الله بْن يزيد الخطمي - وكان أميراً عَلَى الكوفة - ، فَقَالَ : أتينا قيس بْن سعد بْن عُبَادَة فِي ببيته ، فأذن بالصلاة ، فقلنا لقيس : قم فصل لنا ، فَقَالَ : لَمْ أكن لأصلي بقوم لست عليهم بأمير ، فَقَالَ رَجُل ليس بدونه - يقال لَهُ : عَبْد الله ابن حنظلة الغسيل - : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( الرَّجُلُ أحق أن يؤم فِي رحله )) .\rخرجه الجوزجاني .\rوخرجه الطبراني والبزار ، وعنده : (( فِي بيته )) ، وزاد : (( فأمر مَوْلَى لَهُ فتقدم فصلى )) .\rوخرجه البيهقي - أَيْضاً - بمعناه .\rوإسحاق هَذَا ، ضَعِيف جداً .\rوقد روي هَذَا المعنى من وجوه متعددة فيها ضعف .\rوروى أبو نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد مَوْلَى أَبِي أسيد ، قَالَ : بنيت عَلَى أهلي وأنا مملوك ، فدعوت أناساً من أصْحَاب رَسُول الله عود وأبو ذر وحذيفة ، فحضرت الصلاة، فَقُلْت : بتقدم بعضكم . فقالوا : لا ، تقدم أنت أحق فقدموني .\rخرجه وكيع وابن أَبِي شيبة وغيرهما .\rواستدل بِهِ بِهِ أحمد وغيره عَلَى إمامة العبد .\rوروى أبو إِسْحَاق ، عَن علقمة - قَالَ : ولم أسمعه مِنْهُ - أن ابن مَسْعُود أتى أَبَا موسى فِي منزله ، فحضرت الصلاة ، فَقَالَ أبو موسى تقدم يَا أَبَا عَبْد الرحمن ؛ فإنك أقدمنا سنا وأعلم . قَالَ : بل تقدم أنت ؛ فإنما أتيناك فِي منزلك ومسجدك ، فأنت أحق فتقدم أبو موسى .\rوَقَالَ أشعث ، عَن الْحَسَن : صاحب البيت أحق بالإمامة .\rورخص آخرون فِي إقامة الزائر بإذن رب البيت ، وَهُوَ قَوْلِ مَالِك وأحمد .","part":5,"page":74},{"id":997,"text":"وهذا القول هُوَ الَّذِي بوب عَلِيهِ البخاري هاهنا ، ولكنه لَمْ يشترط الإذن .\rوقد وافقه ابن عقيل من أصحابنا ، وَقَالَ : إنما يكون رب البيت وإمام المسجد أولى ممن سواه لا ممن هُوَ أقرأ مِنْهُ أو أفقه .\rوظاهر هَذَا : أَنَّهُ يقدم الأقرأ والأفقه مطلقاً ، عَلَى إمام المسجد ورب البيت ، بإذنه وغيره .\rوقد روي عَن حميد بْن عَبْد الرحمن مَا يدل عَلَى ذَلِكَ - أَيْضاً - ، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى .\rوأكثر العلماء عَلَى أَنَّهُ إنما يقدم عَلَى رب البيت وإمام المسجد بإذنه ، وإنما يعتبرر الإذن فِي حق غير النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد ذكر أبو بَكْر الأثرم فِي كتابه (( الناسخ والمنسوخ )) أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يصلي بالقوم إذا زارهم من غير استئذان ؛ لأنه كَانَ إمام النَّاس كلهم حيث مَا كَانَ ، وليس هَذَا لغيره . قَالَ : والنهي عَن إمامة الزائر يحمل فِي حق أمته عَلَى إمامتهم بغير إذنهم .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن أَبِي مَسْعُود ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لا يؤمن الرَّجُلُ الرَّجُلُ فِي سلطانه ، ولا بقعد فِي بيته عَلَى تكرمته إلا بإذنه )) .\rقَالَ الإمام أحمد : أرجو أن يكون الاستثناء عَلَى كله ، وأما التكرمة فلا بأس بِهِ إذا أذن .\rيعني : أن الاستثناء يعود إلى الجلوس عَلَى التكرمة قطعاً من غير شك ، ويرجى عوده إلى الإمامة فِي سلطانه - أَيْضاً - ، فيكون مرخصاً فيها بإذنه .\rوفسر سُفْيَان وأحمد السلطان فِي هَذَا الحَدِيْث بداره .\rونقل حرب عَن أحمد ، قَالَ : إذا كَانَ الرَّجُلُ فِي قريته وداره فهو فِي سلطانه ، لا ينبغي لأحد أن يتقدمه إلا بإذنه .\rوفي رِوَايَة لمسلم فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( ولا يؤمن الرَّجُلُ فِي أهله ولا فِي سلطانه )) .\rوعلى هذه الرواية ، فالمراد بأهله : بيته ، وبسلطانه : مَا يتصرف فِيهِ بأمره ونهيه ، كأمير البلد .\rوخرجه أبو داود ، ولفظه : (( ولا يؤمن الرَّجُلُ فِي بيته ، ولا فِي سلطانه )) .\rولو اجتمع السلطان العام والسلطان الخاص ، مثل أن يجتمع فِي بيت رَجُل رب البيت وسلطان المصر ، أو فِي مسجد إمام المسجد والسلطان ، فهل يقدم السلطان عَلَيْهِمَا، أم يقدمان عَلِيهِ، أم يقدم عَلَى إمام المسجد دون صاحب البيت ؛ لأن إمام المسجد إنما يقدم بتقديم السلطان لَهُ غالباً ؟ فِيهِ ثَلاَثَة أوجه لأصحابنا .\rوظاهر مَا تقدم عَن قيس بْن سعد يقتضي أن رب البيت أولى من السلطان وإمام المسجد ، كرب البيت فيما ذكرنا .","part":5,"page":75},{"id":998,"text":"وروى الشَّافِعِيّ : أنا عَبْد المجيد ، عَن ابن جُرَيْج ، قَالَ : أخبرني نَافِع ، قَالَ : أقيمت الصلاة فِي مسجد بطائفة المدينة ، ولابن عُمَر قريب من ذَلِكَ المسجد أرض يعملها ، وإمام ذَلِكَ المسجد مولى لَهُ ، ومسكن ذَلِكَ المَوْلَى وأصحابه ثُمَّ ، فلما سمعهم عَبْد الله جَاءَ ليشهد معهم الصلاة ، فَقَالَ لَهُ المولى صاحب المسجد : تقدم فصل . فَقَالَ عَبْد الله : أنت أحق أن تصلي فِي مسجدك مني ، فصلى المولى .\rقُلتُ : لعل هَذَا المولى كَانَ عتيقاً لابن عُمَر ، وأما لَوْ كَانَ رقيقاً لَهُ ففي كونه أولى بالإمامة نظر .\rوقد قَالَ أصحابنا : السيد فِي منْزل عبده أولى مِنْهُ بالإمامة ؛ لأنه يملكه ويملك منْزله .\rوهذا قَدْ يبنى عَلَى أن العبد : هَلْ يملك ماله ، أم هُوَ ملك للسيد ؟ وفيه خلاف مشهور . والله أعلم .\rوروى أبو قيس ، عَن هزيل بْن شرحبيل ، قَالَ : جَاءَ ابن مَسْعُود إلى مسجدنا ، فأقيمت الصلاة ، فقلنا لَهُ : تقدم . فَقَالَ : يتقدم إمامكم . فقلنا : إن إمامه ليس هاهنا . قَالَ : يتقدم رَجُل منكم .\rخرجه البيهقي .\rوهذا مِمَّا يشهد لَهُ مَا تقدم عَن أحمد ، أن الرَّجُلُ إذا كَانَ فِي قريته فهو فِي سلطانه ، فلا يتقدم عَلِيهِ .\rوروى حرب بإسناده ، عَن الْحَسَن ، أَنَّهُ دَخَلَ مسجداً ، فَقَالَ لَهُ إمامه : تقدم يَا أَبَا سَعِيد ، قَالَ : الإمام أحق بالإمامة .\rوروي عَن حميد بْن عَبْد الرحمن ، أَنَّهُ تقدم فِي بعض البوادي عَلَى إمامهم بغير إذن ، وكره إمامه الأعرابي ، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى .\r* * *","part":5,"page":76},{"id":999,"text":"51 - بَابُ\rإنَّماَ جُعلَ الإمَامُ ليُوْتَمَّ بِهِ\rوصلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مرضه الَّذِي توفى فِيه بالناس وَهُوَ جالس .\rوَقَالَ ابن مَسْعُود : إذا رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ، ثُمَّ يتبع الإمام.\rوَقَالَ الْحَسَن - فيمن يركع مَعَ الإمام ركعتين ولا يقدر عَلَى السجود - : يسجد للركعة الأخيرة سجدتين ، ثُمَّ يقضي الركعة الأولى بسجودها . وفيمن نسي سجدة حَتَّى قام : يسجد .\rالمقصود بهذا الباب : أن الإمام يتبع فِي جميع أفعاله ، وإن فات من متابعته شيء ، فإنه يقضيه المأموم ثُمَّ يتبعه ، وإنما يتم هَذَا بأن يصلوا وراءه جلوساً إذا صلى جالساً .\rوهذا المعنى هُوَ الَّذِي قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لأجله : (( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ )) ، والبخاري يدعي نسخه ، كما ذكره فِي آخر الباب ، فعلى قوله يفوت كمال المتابعة والائتمام بِهِ .\rوما علقه من صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - جالساً فِي مرضه قَدْ خرجه فِي الباب بإسناده .\rوأما مَا حكاه عَن ابن مَسْعُود ، فمضمونه : أن من رفع رأسه قَبْلَ الإمام فإنه يعود إلى الركوع والسجود الَّذِي رفع مِنْهُ ، فيمكث بقدر مَا رفع قبله ليتم متابعته ، ويكون ركوعه وسجوده بقدر ركوع الإمام وسجوده .\rوهكذا قَالَ عُمَر بْن الخَطَّاب ، قَالَ : إذا رفع أحدكم رأسه من ركعته أو سجدته قَبْلَ الإمام، فليعد حَتَّى يرى قَدْ أدرك مَا فاته .\rخرجه حرب الكرماني والإسماعيلي فِي (( مسند عُمَر )) من طريق أَيْنَ إِسْحَاق ، عَن يعقوب بْن عَبْد الله بْن الأشج ، عَن بسر بْن سَعِيد ، عَن الحارث بْن مخلد ، عَن أَبِيه مخلد ، قَالَ : سَمِعْت عُمَر - فذكره .\rوخرجه الحافظ أبو موسى المديني من طريق حماد بْن مسعدة ، عَن ابن أَبِي ذئب ، عَن يعقوب بْن الأشج ، بِهِ ، إلا أَنَّهُ رفعه إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rورفعه فِيهِ نكارة .\rوقد اعتبر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - هَذَا القدر من المتابعة للأمام ، كما خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ، وليؤمكم أحدكم ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قَالَ : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ }\r[ الفاتجة: 7 ] فقولوا : آمين ، يجبكم الله ، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم )) . فَقَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( فتلك بتلك ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقالوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد ، يسمع الله لكم ؛ فإن الله تعالى قَالَ عَلَى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - : سَمِعَ الله لمن حمده ، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا ؛ فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع )) ؛ قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( فتلك بتلك )) - وذكر بقية الحَدِيْث .","part":5,"page":77},{"id":1000,"text":"ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( فتلك بتلك )) : أن مَا سبقكم من ركوعه قبلكم وسجوده قبلكم تدركونه بتأخركم بالرفع بعده من الركوع والسجود ، فتساوونه فِي قدر ركوعه وسجوده بذلك .\rوروى أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن مَسْعُود ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ، فمهما أسبقكم بِهِ إذا ركعت تدركوني إذا رفعت ، ومهما أسبقكم بِهِ إذا سجدت تدركوني بِهِ إذا رفعت ؛ إني قَدْ بدنت )) .\rوخرج الإمام أحمد من حَدِيْث ابن مسعدة صاحب الجيوش ، قَالَ : سَمِعْت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : (( إني قَدْ بدنت ، فمن فاته ركوعي أدركه فِي بطء قيامي )) .\rفلهذا المعنى قَالَ ابن مَسْعُود : فمن رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ثُمَّ يتبع الإمام .\rوفيه معنى آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ إذا فعل ذَلِكَ فَقَدْ تخلص من محذور رفعه قَبْلَ الإمام ، وَهُوَ منهي عَنْهُ .\rوقد روي مثل قَوْلِ ابن مَسْعُود عَن عُمَر وابنه ، وعن كثير من التابعين ومن بعدهم من العلماء ، وَهُوَ قَوْلِ الفقهاء المشهورين كأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وأحمد .\rوأوجب أصحابنا عَلَى السابق أن يرفع ليتبع الإمام ، مَا دام الإمام لَمْ يرفع بعد .\rفإن رفع الإمام ، فقالوا : يسحب لَهُ أن يعوض عَن ذَلِكَ بالتطويل فِي السجدة الثانية ، وحملوا عَلِيهِ مَا روي عَن ابن عُمَر ، قَالَ : من رفع رأسه فِي السجدة الأولى قَبْلَ الإمام فليطول فِي الثانية .\rوعن ابن مَسْعُود ، قَالَ : ليصنع فِي الثانية بعد الإمام بقدر مَا كَانَ رفع فِي الأولى.\rخرجهما سَعِيد بْن منصور فِي (( سننه )) .\rولم يفرق أكثرهم بَيْن أن يرفع قبله عمداً أو سهواً ، وهذا عَلَى أصل الحنفية ظاهر؛ لأنهم يرون أن لا تبطل الصلاة بزيادة ركوع أو سجود عمداً ، وأما أصْحَاب الشَّافِعِيّ وأحمد فعندهم تبطل الصلاة بذلك عمداً .\rوَقَالَ بعض متأخريهم : إنه إن رفع قَبْلَ الإمام عمداً لَمْ يعد إلى متابعته فيما رفع عَنْهُ من ركوع أو سجود ؛ لأنه يكون قَدْ تعمد زيادة ركن عمداً فتبطل صلاته بذلك .\rوالصحيح : مَا أطلقه الأئمة وأكثر أصحابهم ؛ فإن عوده إلى المتابعة قطع لما فعله من القيام والقعود الَّذِي سبق بِهِ الإمام ، وعود إلى متابعة الإمام ، وليس عوده إتماماً للركوع ولا للسجود الَّذِي سبق بِهِ ، بل هُوَ إبطال لَهُ ، فلا يصير بذلك متعمداً لزيادة ركن تام .\rوبكل حال ؛ فإذا تعمد المأموم سبق إمامه ففي بطلان صلاته بذلك وجهان لأصحابنا .\rوقيل : إن البطلان ظاهر كلام أحمد ، وروي عَن ابن عُمَر ، وأكثر العلماء عَلَى أنها لا تبطل، ويعتد لَهُ بِهَا إذا اجتمع مَعَ إمامه فيما بعد .\rولو كَانَ سبق الإمام سهواً حَتَّى أدركه إمامه اعتد لَهُ بذلك عِنْدَ أصحابنا وغيرهم، خلافاً لزفر .\rوقد بسطت القول عَلَى ذَلِكَ فِي (( كِتَاب القواعد فِي الفقه )) . والله أعلم .\rوأما مَا حكاه البخاري عَن الْحَسَن ، فإنه يتضمن مسألتين :","part":5,"page":78},{"id":1001,"text":"إحداهما :\rإذا صلى مَعَ الإمام ركعتين ، وقدر عَلَى الركوع فيهما مَعَهُ دون السجود فإنه عجز عَنْهُ ، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد سجد سجدتين ، فكملت لَهُ الركعة الثانية ، وأعاد الركعة الأولى الَّتِيْ عجز عَن سجدتيها .\rوهذا يدل عَلَى أن المأموم إذا تخلف عَن متابعة الإمام فِي سجدتين من ركعة ، فَقَدْ فات المأموم تلك الركعة ؛ فلهذا لَمْ يعتد بالركعة الأولى ، وإنما يعتد بالثانية ؛ لأنه قدر عَلَى قضاء السجدتين ، وإدراك الإمام قَبْلَ سلامه ، فهو كما لَوْ أدركهما مَعَهُ .\rوفي هَذَا نظر ؛ فإنه كَانَ ينبغي أن يأتي بالسجدتين فِي قيام الإمام إلى الثانية ، ثُمَّ يلحقه كما يأتي بهما فِي حال تشهده فِي الثانية ، ولا فرق بَيْنَهُمَا .\rوقد يحمل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يتمكن من السجدتين إلا فِي التشهد ، ولم يتمكن فِي حال قيام الإمام فِي الثانية .\rوعن أحمد فيما إذا تخلف عَن الإمام حَتَّى فاته مَعَهُ سجدتان - روايتان :\rإحداهما : أَنَّهُ تلغى ركعته ، كما قَالَ الْحَسَن ، ولكن لا فرق عنده بَيْن الركعة الأولى والثانية.\rوالرواية الثانية : إن خاف فوات الركعة الثانية بتشاغله بقضاء السجدتين فكذلك، وإن لَمْ يخف قضى السجدتين إذا قام الإمام فِي الثانية ثُمَّ لحقه فيها .\rواختلف الأصحاب فِي ذَلِكَ : فمنهم من قَالَ : هاتان الروايتان جاريتان فِي جميع صور التخلف عَن متابعة الإمام بركنين، سواء كَانَ لسهو أو نوم أو زحام .\rومنهم من قَالَ : إنما نَصَّ أحمد فِي الساهي والنائم عَلَى أن ركعته تلغى ، ونص فِي المزحوم عَلَى أَنَّهُ يقضي ثُمَّ يلحق الإمام ، فيقر النصان عَلَى مَا نَصَّ عَلِيهِ من غير نقل ولا تخريج ، ويفرق بَيْن المزحوم وغيره ، بأن غير المزحوم مفرط ومقصر فتلغى ركعته ، بخلاف المزحوم فإنه معذور فيأتي بما فاته ويلحق إمامه .\rوروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي فِي رَجُل صلى مَعَ الإمام ركعة ، فلما كَانَ فِي الثانية ركع الإمام وسجد سجدتيه ، ثُمَّ قام فِي الثالثة والرجل قائم ؟ قَالَ : إن أدركه فِي سجدتيه ركع وسجد معهم ، وإن كَانَ قَدْ نهض فِي الثالثة اتبعه فيما بقي من صلاته ، ثُمَّ يقضي تلك الركعة الَّتِيْ نام عَنْهَا أو غفل .\rوعن الزُّهْرِيّ ، فِي الرَّجُلُ يصلي مَعَ الإمام ، فينام حَتَّى يفرغ الإمام من الركعة والسجدتين؟ قَالَ : يصلي مَا تركه بهد أن يسلم ، ويسجد سجدتي السهو .\rوبإسناده ، عَن هِشَام ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل كَانَ مَعَ القوم ، فنام أو سها ، فركعوا أو سجدوا ؟ قَالَ : يتبعهم بالركوع والسجود ، وليس عَلِيهِ غيره .\rوهذا يدل عَلَى أن كلام الْحَسَن الَّذِي حكاه البخاري إنما أراد بِهِ أَنَّهُ عجز عَن قضاء السجدتين قَبْلَ تشهد الإمام . والله أعلم .\rويدل عَلِيهِ - أَيْضاً - : مَا خرجه عَبْد الرزاق فِي (( كتابه )) ، عَن معمر ، عَن رَجُل ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل دَخَلَ مَعَ قوم فِي صلاتهم ، فنعس حَتَّى ركع الإمام وسجد ؟ قَالَ : يتبع الإمام .","part":5,"page":79},{"id":1002,"text":"وعن ابن جُرَيْج ، عَن عَطَاء ، قَالَ : قُلتُ لَهُ : لَوْ كبرت مَعَ الإمام لاستفتاح الصلاة ، ثُمَّ ركع فسهوت ، فَلَمْ أركع حَتَّى رفع ؟ قَالَ : قَدْ أدركتها فاعتد بِهَا .\rقُلتُ لعطاء : فنعست ، فَلَمْ أزل قائماً حَتَّى رفع النَّاس وسجدوا ، فجبذني إنسان، فجلست كما أنا ؟ قَالَ : فأوف تلك الركعة - يعني : تقضيها .\rوَقَالَ عَبْد الرزاق : عَن الثوري ، فِي رَجُل كبر مَعَ الإمام فِي أول الصلاة ، ثُمَّ نعس حتة صلى الإمام ركعة أو ركعتين ؟ قَالَ : إذا استيقظ ركع وسجد مَا سبقه ، ثُمَّ يتبع الإمام بما بقي ، فهو يركع ويسجد بغير قراءة .\rوهذا قَوْلِ غريب .\rوقد تقدم عَن الأوزاعي ، أَنَّهُ يتبعه ، ويأتي بما فاته مَا لَمْ ينهض الإمام إلى الركعة الَّتِيْ بعدها.\rوَقَالَ مَالِك : إن أدركهم فِي أول سجودهم سجد معهم واعتد بِهَا ، وإن علم أَنَّهُ لا يقدر عَلَى الركوع وأن يدركهم فِي السجود حَتَّى يقوموا فِي الثانية تبعهم فيما بقي ، وقضى الركعة بعد السلام ، وسجد للسهو .\rومذهب الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يسجد ويتبعه مَا لَمْ يركع الإمام الركعة الثانية ؛ فإن ركع لغت ركعته ، ثُمَّ قضاها بعد سلام الإمام .\rومذهب الإمام أحمد : إذا فاته مَعَ الإمام أكثر من ركنين لغت ركعته ، ويقضيها بعد سلام الإمام كالمسبوق .\rوعن الإمام أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ إذا نام حَتَّى فاته ركعتان بطلت صلاته .\rوهذا محمول عَلَى أَنَّهُ كَانَ نوماً طويلاً ، فانتقضت طهارته ، فيعيد الوضوء والصلاة .\rوحكي عَنْهُ رِوَايَة أخرى : إذا نام حَتَّى رفع الإمام من الركوع تبطل صلاته .\rوهي محمولة - أَيْضاً - عَلَى أَنَّهُ نام مدة قيام الأول وركوعه ورفعه ، فهو نوم طويل ناقض للطهارة . والله أعلم .\rالمسألة الثانية :\rأن من نسي سجدة حَتَّى قام الإمام سجد ، ثُمَّ تابعه .\rوهذا قَوْلِ جمهور العلماء .\rومن أصحابنا من قَالَ : لا نعلم فِيهِ خلافاً ؛ لأنه تخلف يسير لعذر ، وتعم بِهِ البلوى كثيراً فِي حق من صلى خلف من لا يطيل المكث فِي ركوعه وسجوده .\rوهذا مطرد فِي كل من فاته مَعَ الإمام ركن واحد لعذر من زحام أو نوم أو نسيان .\rولا فرق بَيْن ركن وركن فِي ذَلِكَ عِنْدَ كثير من العلماء من أصحابنا وغيرهم .\rومن أصحابنا من فرق بَيْن الركوع وغيره ، فَقَالَ : إن فاته الركوع وحده حَتَّى رفع الإمام فحكمه حكم التخلف عَن الإمام بركنين ، كما سبق ، فإما أن تفوته الركعة ويقضيها ، أو أن يركع ثُمَّ يتابع إمامه ، عَلَى مَا سبق .\rوحكي رِوَايَة عَن أحمد ، أَنَّهُ تبطل صلاته ، قَدْ سبق ذكرها وتأويلها .\rوفرق هؤلاء بَيْن الركوع وغيره بأن الركوع عماد الركعة ، وبه تلحق تفوت بفوته ، فألحق بالركنين فِي التخلف بِهِ عَن الإمام ، وهذه طريقة ابن أَبِي موسى وغيره .\rومن سوى بَيْن الركوع وغيره فرق بَيْن هَذَا وبين المسبوق ، بأن المسبوق قَدْ فاته مَعَ الإمام معظم الركعة ، وَهُوَ القيام والقراءة والركوع ، وليس هَذَا كذلك .","part":5,"page":80},{"id":1003,"text":"وقد سبق عَن عَطَاء مَا يدل عَلَى أَنَّهُ يركع بعد إمامه ويعتد لَهُ بتلك الركعة .\rوالله - سبحانه وتعالى - أعلم .\rخرج البخاري فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث :\rالحَدِيْث الأول :\r687 - حَدَّثَنَا أحمد بْن يونس : ثنا زائدة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة ، عَن\rعُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، قَالَ : دخلت عَلَى عَائِشَة ، فَقُلْت : ألا تحدثني عَن مرض\rرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَتْ : بلى ؛ ثقل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : (( أصلى النَّاس ؟ )) . فقلنا : لا ، يَا رَسُول الله ، وهم ينتظرونك ، فَقَالَ : (( ضعوا لِي ماء فِي المخضب )) . قَالَتْ : ففعلنا ، فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عَلِيهِ ثُمَّ أفاق ، فَقَالَ : (( أصلى النَّاس ؟ )) قلنا : لا ، وهم ينتظرونك يَا رَسُول الله عكوف فِي المسجد ينتظرون رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة لعشاء الآخرة ، فأرسل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى أَبِي بَكْر بأن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول ، فَقَالَ : إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تصلي بالناس فَقَالَ أبو بَكْر - وكان رجلاً رقيقاً - يَا عُمَر ، صل بالناس . فقالَ لهُ عُمَر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو بَكْر تلك الأيام ، ثُمَّ إن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خفة ، فخرج بَيْن رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس فلما رأه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأوما إليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يتأخر . قَالَ : (( أجلساني إلى جنبه )) ، فاجلساه إلى جنب أَبِي بَكْر . قَالَ : فجعل أبو بَكْر يصلي وَهُوَ يأتم بصلاة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاعد .\rقَالَ عُبَيْدِ الله : فدخلت عَلَى عَبْد الله بْن عَبَّاس ، فَقُلْت : ألا أعرض عَلَيْك مَا حَدَّثَتني عَائِشَة عَن مرض رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ : هات ، فعرضت عَلِيهِ حديثها ، فما أنكر مِنْهُ شيئاً ، غير أَنَّهُ قَالَ : أسمت لَكَ الرَّجُلُ الآخر الَّذِي كَانَ مَعَ العباس ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : هُوَ عَلِيّ .\rهَذَا السياق من أتم مَا روي عَن عَائِشَة فِي هَذَا الباب ، وقد تفرد بِهِ موسى ابن أَبِي عَائِشَة عَن عُبَيْدِ الله ، وقد سبق مَا قاله أبو حاتم الرَّازِي فِي حديثه هَذَا ، وانه مِمَّا يرتاب بِهِ ، ولعل فِيهِ ألفاظاً مدرجة .\rوالظاهر : أن مَا ذكره فِي آخره : (( فجعل أبو بَكْر يصلي )) مدرج من قَوْلِ بعض الرواة ، فلهذا قَالَ فِيهِ : : (( قَالَ )) ، ولم يقل : (( قَالَتْ )) ، فالظاهر أن عَائِشَة لَمْ تقل ذَلِكَ ، إنما قاله عُبَيْدِ الله أو غيره كما تقدم ذَلِكَ من قَوْلِ عُرْوَةَ ، زاده فِي حديثه عَن عائشة .\rوقوله : (( ذهب لينوء )) - أي : ينهض بثقل ، من قولهم : نؤت بالحمل أنوء بِهِ إذا نهضت بِهِ .\rوفي هَذَا الحَدِيْث من العلم مسائل كثيرة :","part":5,"page":81},{"id":1004,"text":"مِنْهَا : أن الإمام إذا كَانَ قريباً من المسجد وعرف عذره المانع لَهُ من الخروج إلى الصلاة ، فإنه ينتظر خروجه .\rومنها : أن المغمى عَلِيهِ إذا أفاق فإنه يستحب لَهُ أن يغتسل ، وقد سبقت المسألة فِي (( الطهارة )) .\rومنها : أن المأمور بالصلاة بالناس لَهُ أن يأذن لغيره فِي الصلاة بهم ؛ فإن أبا بَكْر أذن لعمر .\rويؤخذ من هَذَا : أن الوكيل لَهُ أن يوكل فيما وكل فِيهِ من غير إذن لَهُ فِي التوكيل ، كما هُوَ أحد قولي العلماء ، وإحدى الروايتين عَن أحمد .\rومنها : جواز وقوف المأموم إلى جانب الإمام ، وإن كَانَ وراءه صفوف ، وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ .\rومنها - وَهُوَ مقصود البخاري هاهنا - : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ هُوَ الإمام فِي هذه الصلاة ، وكان أبو بَكْر مؤتماً بِهِ ، وكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - جالساً فِي هذه الصلاة ، وكان أبو بَكْر إلى جانبه قائماً ، والناس وراءه قياماً ، ولم يأمره بالجلوس ، وهذه الصلاة كَانَتْ فِي آخر حَيَاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فدل ذَلِكَ عَلَى نسخ أمره بالجلوس وراء الإمام إذا صلى جالساً ؛ لأن ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ هَذَا بغير شك .\rوقد ذكره البخاري فِي آخر الباب عَن أَبِي بَكْر الحميدي ، والحميدي أخذه عَن الشَّافِعِيّ ، وسيأتي الكلام عَلَى ذَلِكَ بعد ذكر باقي أحاديث الباب - إن شاء الله تعالى .\rالحَدِيْث الثاني :\r688 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أم المُؤْمِنيِن ، أنها قَالَتْ : صلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي بيته وَهُوَ شاك ، فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً ، فأشار إليهم أن جلسوا ، فلما انصرف قَالَ : (( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)) .\rالحَدِيْث الثالث :\r689 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس بْن مَالِك ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرساً فصرع عَنْهُ ، فجحش شقة الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وَهُوَ قاعد ، فصلينا وراءه قعوداً ، فلما انصرف قَالَ : (( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذاي ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمنحمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون )) .\rقَالَ الحميدي : هَذَا منسوخ ، قوله : (( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً )) ، هَذَا هُوَ فِي مرضه القديم ، ثُمَّ صلى بعد ذَلِكَ جالساً والناس خلفه قياماً .\rقَالَ أبو عَبْد الله : ولم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ جالساً والناس خلفه قيام .","part":5,"page":82},{"id":1005,"text":"وقد خرج البخاري فيما تقدم من حَدِيْث أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا كبر فكبروا )) - فذكر مثل حَدِيْث أنس إلى قوله : ((أجمعون )) .\rوخرجه فيما بعد من حَدِيْث همام بْن منبه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد اختلف العلماء فِي صلاة القادر عَلَى القيام خلف الجالس :\rفَقَالَتْ طائفة : لا يجوز ذَلِكَ بالكلية ، هَذَا قَوْلِ مُحَمَّد بن الْحَسَن والحسن ابن حي ومالك - فِي ظاهر مذهبه - والثوري - فِي رواية عَنْهُ .\rوتعلق بعضهم بحديث مرسل ، رواه جابر الجعفي ، عَن الشَّعْبِيّ ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( لا يؤمن أحد بعدي جالساً )) .\rوجابر ، لا يحتج بما يسنده ، فكيف بما يرسله ؟! وقد طعن فِي حدثيه هَذَا الشَّافِعِيّ وابن أَبِي شيبة والجوزجاني وابن حبان وغيرهم .\rوروى سيف بن عُمَر الضبي : ثنا سَعِيد بن عَبْد الله الجمحي ، عَن أَبِيه ، عَن مُحَمَّد بن مسَلَمَة ، قَالَ : دخلت عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي شكوى اشتكاه ، وحضرت الصلاة، فصلى بنا جالساً ونحن قيام ، فلما انصرف قَالَ : (( إذا صلى إمامكم جالساً فصلوا جلوساً )) ، وكنا نفعل ذَلِكَ حَتَّى حج حجته ، فنهى فيها أن يؤم أحد قوماً وَهُوَ جالس .\rخرجه القاضي مُحَمَّد بن بدر فِي (( كِتَاب المناهي )) .\rوَهُوَ حَدِيْث باطل ، وسيف هَذَا مشهور بالكذب .\rوقالت طائفة : يجوز أن يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس العاجز عَن القيام بكل حال ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة وأبي يوسف وزفر وابن المبارك والثوري ومالك\r- وفي رِوَايَة عنهما - والأوزاعي والشافعي وغيرهما .\rواختلف الرواية عَن الإمام أحمد فِي ذَلِكَ ، فالمشهور عَنْهُ : أَنَّهُ لا يجوز أن يأتم القادر عَلَى القيام بالعاجز عَنْهُ ، إلا أن يكون العاجز إمام الحي ، ويكون جلوسه لمرض يرجى برؤه ، ويأتمون بِهِ جلوساً ، كما سيأتي - إن شاء الله .\rونقل عَنْهُ الميموني ، أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ إلا خلف الإمام الأعظم خاصة ، إذا كَانَ مرضه يرجى برؤه .\rوروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى جواز الائتمام بالجالس مطلقاً ، لكن إن كَانَ إمام الحي ورجي زوال علته صلّوا وراءه جلوساً ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ صلوا وراءه قياماً .\rواختلف القائلون بجواز اقتداء القادر عَلَى القيام بالجالس : هَلْ يصلي وراءه جالساً، أو قائماً؟\rفَقَالَتْ طائفة : يصلي وراءه قائماً ، هَذَا قَوْلِ المغيرة وحماد وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأبي ثور .\rواعتمدوا عَلَى أقيسة أو عمومات ، مثل قوله : (( صل قائماً ، فإن لَمْ تستطع فقاعداً )) .","part":5,"page":83},{"id":1006,"text":"وتبعهم عَلَى ذَلِكَ طائفة من المحديثن كالحميدي والبخاري ، وادعوا نسخ أحاديث الأمر بالجلوس لصلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مرض موته قاعداً والناس خلفه قياماً ، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري ، وحكاه عَن الحميدي .\rوَقَالَ آخرون : بل يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس جالساً ، هَذَا هُوَ المروي عَن الصَّحَابَة ، ولا يعرف عنهم اختلاف فِي ذَلِكَ .\rوممن روي عَنْهُ ذَلِكَ من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير وقيس بن فهد وجابر بن\rعَبْد الله وأبو هُرَيْرَةَ ومحمود بن لبيد .\rولا يعرف عَن صحابي خلاف ذَلِكَ ، بل كانوا يفعلون ذَلِكَ فِي مساجدهم ظاهراً ، ولم ينكر عليهم عملهم صحابي ولا تابعي .\rرَوَى سُلَيْمَان بن بلال ، عَن يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن بشير بن يسار ، أن أسيد ابن الحضير كَانَ يؤم قومه بني عَبْد الأشهل فِي مسجدهم ، ثُمَّ اشتكى ، فخرج إليهم بعد شكوه ، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم ، فَقَالَ : إني لا استطيع أن أقوم . قالوا : لا يصلي لنا أحد غيرك مَا كُنْتُ فينا . فَقَالَ : إني لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا ، فصلى قاعداً وصلوا وراءه قعوداً .\rخرجه الأثرم وغيره .\rوهذا إسناد صحيح .\rوروى هِشَام بن عُرْوَةَ ، عَن كثير بن السائب ، عَن محمود بن لبيد ، قَالَ : كَانَ أسيد بن حضير قَدْ اشتكى عرق النسا ، وكان لنا إماماً ، فكان يخرج إلينا فيشير إلينا بيده أن اجلسوا ، فنجلس فيصلي بنا جالساً ونحن جلوس .\rخرجه الدارقطني .\rوروى قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن قيس بن فهد ، أن إماماً لهم اشتكى أياماً .\rقَالَ : فصلينا بصلاته جلوساً .\rخرجه أبو الْقَاسِم البغوي وذكره البخاري فِي (( تاريخه )) .\rوروى يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، أَنَّهُ فعل ذَلِكَ مَعَ أصحابه .\rوروى وكيع ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : الإمام أمير ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً .\rقَالَ الإمام أحمد : فعله أربعة من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير وقيس بن قهد ، وجابر ، وأبو هُرَيْرَةَ . قَالَ : ويروى عَن خمسة ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً )) ، ولا أعلم شيئاً يدفعه .\rوهذا من علمه وورعه - رضي الله عنه - ، فإنه إنما دفع ذَلِكَ بالنسخ وهي دعوى مردودة، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى .\rوكان الإمام أحمد يتورع عَن إطلاق النسخ ؛ لأن إبطال الأحكام الثابتة بمجرد الاحتمالات مَعَ إمكان الجمع بينها وبين مَا يدعى معرضها غير جائز ، وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بِهَا كلها وجب ذَلِكَ ، ولم يجز دعوى النسخ مَعَهُ ، وهذه قاعدة مطردة .","part":5,"page":84},{"id":1007,"text":"وهي : أنا إذا وجدنا حديثاً صحيحاً صريحاً فِي حكم من الأحكام ، فإنه لا يرد باستنباط من نَصَّ آخر لَمْ يسق لذلك المعنى بالكلية ، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حَدِيْث النغير ، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث :\r(( مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رَجُل استأجر أجراء )) - الحَدِيْث ، ولا أحاديث: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) بقوله: ((فيما سقت السماء العشر)).\rوقد ذكر الشَّافِعِيّ أن هَذَا لَمْ يسق لبيان قدر مَا يجب مِنْهُ الزَّكَاةِ ، بل لبيان قدر الزَّكَاةِ ، وما أشبه هَذَا .\rوممن ذهب إلى أن المأموم يصلي جالساً خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء : الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وأسحاق وأبو خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبو بَكْر بن أَبِي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان، ونقله إجماعاً قديماً من السلف ، حَتَّى قَالَ فِي (( صحيحه )) : أول من أبطل فِي هذه الأمة صلاة المأموم قاعداً إذا صلى إمامه جالساً : المغيرة بن مقسم ، وعنه أخذ أبو حنيفة.\rوأما دعوى النسخ فِي هَذَا فَقَدْ بينا أَنَّهُ لا يجوز دعوى بطلان الحكم مَعَ إمكان العمل بِهِ ولو بوجه ، وسنبين وجه العمل بِهِ ، والجمع بَيْن مَا أدعى عَلِيهِ التعارض - إن شاء الله تعالى .\rويدل عَلَى أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - علله بعلل لَمْ تنسخ ولم تبطل منذ شرعت .\rومنها : أَنَّهُ علله بأن الإمام إنما جعل إماماً ليؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ فِي أفعاله ، وَقَالَ : (( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون )) ,\rوما قَبْلَ الصلاة جلوساً لَمْ ينسخ مِنْهُ شيء ، فكذلك القعود ؛ لأن الجميع مرتب عَلَى أن الإمام يؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إنما الإمام جنة، فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض [ قَوْلِ ] أهل السماء غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه )) .\rومعنى كونه جنة : أَنَّهُ يتقى بِهِ ويستتر ، ولهذا إذا سلمت سترته لَمْ يضر مَا مر بَيْن يديه ، كما سبق تقريره .\rومنها : أَنَّهُ جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء ، وطاعة الأمراء من طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وطاعته من طاعة الله ، ومعلوم : أَنَّهُ لَمْ ينسخ من هذه شيء ، بل كلها باقية محكمة إلى يوم القيامة .","part":5,"page":85},{"id":1008,"text":"فخرج الإمام أحمد وابن حبان فِي (( صحيحه )) من حَدِيْث ابن عُمَر ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ فِي نفر من أصحابه ، فَقَالَ : (( ألستم تعلمون أني رَسُول الله إليكم ؟ )) . قالوا : بلى ، نشهد أنه رَسُول الله ، قَالَ : (( ألستم تعلمون أَنَّهُ من أطاعني أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتي ؟ )) . قالوا : بلى ، نشهد أَنَّهُ من أطاعك فَقَدْ أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتك ، قَالَ : (( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً )) .\rوفي رِوَايَة لهما - أَيْضاً - (( ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم )) .\rوهذا يصلح أن يكون متمسكاً للأمام أحمد فِي تخصيصه ذَلِكَ بإمام الحي ؛ فإن أئمة الحي إنما ينصبهم الأئمة غالباً ، وخصة - فِي رِوَايَة عَنْهُ - بالأمام الأعظم الَّذِي تجب طاعته .\rومنها : أَنَّهُ جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها ، حيث يقومون وملوكهم جلوس ، وشريعتنا جاءت بخلاف ذَلِكَ ، كما قَالَ - صلى الله عليه وسلم - : (( من احب أن يتمثل لَهُ الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار )) .\rوَقَالَ عُمَر بن عَبْد العزيز للناس : أيها النَّاس ، إن تقوموا نقم ، وإن تجلسوا نجلس، فإنما يقوم النَّاس لرب العالمين .\rوهذا حكم مستقر فِي الشريعة ، لَمْ ينسخ ولم يبدل .\rوقد دل عَلَى مَا ذكرناه : مَا خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، قَالَ : اشتكى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فصلينا وراءه وَهُوَ قاعد ، وأبو بَكْر يسمع النَّاس تكبيره ، فالتفت إلينا ، فرآنا قياماً ، فأشار إلينا ، فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلم قَالَ : (( إن كدتم - آنفاً - تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون عَلَى ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم ، إن صلوا قياماً فصلوا قياماً ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً)).\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان فِي (( صحيحه )) من حَدِيْث الأعمش، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن جابر - فِي هذه القصة - أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لهم : (( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى جالساً فصلوا جلوساً ، ولا تقوموا وَهُوَ جالس كما يفعل أهل فارس بعظامها )) .\rوأما الكلام عَلَى دعوى النسخ ، عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر كَانَ مأموماً ، فأما عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنه كَانَ إماماً ، وكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يأتم بِهِ ، كما تقدم عَن مَالِك وغيره ، فلا دلالة فِي الحَدِيْث حينئذ عَلَى أن الائتمام بالقاعد بالكلية .\rوأما من قَالَ : إن الإمام كَانَ هُوَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، كما قاله الشَّافِعِيّ والإمام أحمد والبخاري والأكثرون ، فالجمع بَيْن هَذَا الحَدِيْث وبين الأحاديث المتقدمة الَّتِيْ فيها الأمر بالجلوس فِي الصلاة من وجهين :","part":5,"page":86},{"id":1009,"text":"أحدهما - وَهُوَ الَّذِي ذكره الإمام أحمد - : أن المؤتمين بأبي بَكْر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة وَهُوَ قائم ، ثُمَّ لما انتقلت مِنْهُ الإمامة إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - انتقلوا إلى الائتمام بقاعد ، فاتموا خلفه قياماً لابتدائهم الصلاة خلف إمام قائم .\rفعلى هَذَا التقرير نقول : إن ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالساً صلوا وراءه جلوساً ، وإن ابتدأ بهم قائماً ثُمَّ اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً .\rهكذا قرره الإمام أحمد وأصحابه .\rومنهم من قَالَ : إنه تصح هنا صلاة المأمومين خلفه قياماً إذا جلس فِي أثناء صلاته لعلة ، وسواء كَانَ إمام حي أو لَمْ يكن ، بخلاف ابتداء صلاة القائم خلف الجالس، فإنها عِنْدَ الإمام أحمد إلا إذا كَانَ إمام الحي ، وجلس لمرض يرجى برؤه خاصة ، فإنه يغتفر فِي الاستدامة مَا لا يغتفر فِي الابتداء .\rوممن قَالَ ذَلِكَ من أصحابنا : أبو الفتح الحلواني .\rوالثاني : أن تحمل أحاديث الأمر بالقعود عَلَى الاستحباب ، وحديث صلاته فِي مرضه من غير أمر لهم بالجلوس عَلَى جواز أن يأتموا بالقاعد قياماً ، فيكون المأمومون مخيرين بَيْن الأمرين ، وإن كَانَ الجلوس أفضل .\rوهذا يتخرج عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنهم إذا ائتموا بالجلوس قياماً صحت صلاتهم ، وقد اختلف أصحابنا فِي ذَلِكَ عَلَى وجهين .\rوظهر لِي وجه ثالث فِي الجمع بَيْن هذه الأحاديث ، وَهُوَ متجه عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إماماً لأبي بَكْر ، وكان أبو بَكْر إماماً للناس ، فكانت تلك الصلاة بإمامين .\rوحينئذ فيقال : لما اجتمع فِي هذه الصلاة إمامان ، أحدهما جالس والآخر قائم صلى المأمومون خلفهما قياماً اتباعاً لإمامهم القائم ؛ فإن الأصل القيام ، وقد اجتمع موجب للقيام عليهم ، وموجب للقعود أو مبيح لَهُ ، فغلب جانب القيام ؛ لأنه الأصل ، كما إذا اجتمع فِي حل الصيد أو الأكل مبيح وحاظر ، فإنه يغلب الحظر .\rوأما أبو بَكْر فإنه إنما صلى قائماً ؛ لأنه وإن ائتم بقاعد إلا أَنَّهُ أم قادرين عَلَى القيام ، وَهُوَ قادر عَلِيهِ ، فاجتمع فِي حقه - أَيْضاً - سببان : موجب للقيام ، ومسقط لَهُ ، فغلب إيجاب القيام . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r* * *","part":5,"page":87},{"id":1010,"text":"52 - بَاب\rمَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإمَامِ ؟\rوَقَالَ أَنَس ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( وإذا سجد فاسجدوا )) .\rحَدِيْث أَنَس هَذَا ، قَدْ خرجه البخاري فيما بعد من رِوَايَة الزُّهْرِيّ ، عَنْهُ ، ويأتي فِي موضعه - إن شاء الله .\rوفيه : دليل عَلَى أن سجود المأموم يكون عقيب سجود الإمام ، ولا يكون مَعَهُ ولا قبله .\r690 - حَدَّثَنَا مسدد ، ثنا يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن سُفْيَان ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبو إِسْحَاق ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الله بن يزيد ، قَالَ : حَدَّثَنِي البراء - وَهُوَ غير كذوب -، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قَالَ : (( سَمِعَ الله لمن حمده )) لَمْ يحن أحد منا ظهره حَتَّى يقع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ساجداً ، ثُمَّ نقع سجوداً بعده .\rقَالَ أبو عَبْد الله : أخبرنا أبو نعيم ، عَن سُفْيَان بهذا ، وإنما أدخلت حَدِيْث مسدد لحال الإخبار .\rهكذا وقع فِي بعض النسخ دون بعض .\rومعناه : أن هَذَا الحَدِيْث سمعه البخاري من أَبِي نعيم ، عَن سُفْيَان - هُوَ : الثوري - بهذا الإسناد ، ولكن معنعناً ، وإنما خرجه عَن مسدد ، عَن يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن سُفْيَان نازلاً ؛ لأنه ذكر فِي حديثه سماع سُفْيَان لَهُ من أَبِي إِسْحَاق ، وسماع أَبِي إِسْحَاق من عَبْد الله بن يزيد ، وسماعه من البراء .\rوقوله : (( حَدَّثَنِي البراء وَهُوَ غير كذوب )) ظاهر السياق يقتضي أَنَّهُ من قَوْلِ عَبْد الله بن يزيد في حق البراء ، ورجح ذَلِكَ الخطابي وغيره .\rوَقَالَ ابن معين وغيره : إنما هُوَ من قَوْلِ أَبِي إِسْحَاق فِي حق عَبْد الله بن يزيد ، وقالوا : إن الصَّحَابَة أجل من أن يوصفوا بنفي الكذب .\rوهذا ليس بشيء ، ونفي الكذب صفة مدح لا ذم ، وكذلك نفي سائر النقائص؟ وقد كَانَ عَلِيّ بن أَبِي طالب يَقُول : والله مَا كذبت ولا كذبت ، فنفى الكذب عَن نفسه، وأشار إلى نفيه عمن أخبره ، وَهُوَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقالت عَائِشَة فِي حق عُمَر وابن عُمَر : إنكم لتحدثون عَن غير كاذبين ولا مكذبين ، ولكن السمع يخطيء .\rوأبلغ من هَذَا ، أن الله تعالى نفى عَن نفسه النقائص والعيوب ، كالظلم وإرادته ، والغفلة والنسيان ، وكذلك نفيه للشريك والصاحبة والولد ، وليس فِي شيء من ذَلِكَ نقص بوجه مَا .\rوأيضاً ؛ فعبد الله بن يزيد هُوَ الخطمي ، وَهُوَ معدود من الصَّحَابَة ، وله رِوَايَة عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف حسن نفي الكذب عَنْهُ دون البراء ، وكلاهما صحابي ؟ وإن كَانَ البراء أشهر مِنْهُ ، وأكثر رِوَايَة . والله أعلم .\rوفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن المأموم يتابع الإمام ، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام ؛ فإن البراء أخبر أنهم كانوا إذا رفعوا من الركوع لَمْ يحن أحد منهم ظهره حَتَّى يقع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ساجداً ، ثُمَّ يسجدون بعده .","part":5,"page":88},{"id":1011,"text":"وفي رِوَايَة لمسلم فِي هَذَا الحَدِيْث : أنهم كانوا يصلون مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا رفع رأسه من الركوع لَمْ نر أحداً يحني ظهره حَتَّى يضع رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - جبهته عَلَى الأرض ، ثُمَّ نخر من ورائه سجداً.\rوهذه صريحة فِي أنهم كانوا لا يشرعون فِي السجود حَتَّى ينهيه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا)) يدل عَلَى أن تكبير المأمومين من ركوعهم وسجودهم يكون عقيب تكبير الإمام وركوعه وسجوده ، ولا مَعَهُ ولا قبله .\rوفي حَدِيْث أَبِي موسى ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فتلك بتلك)) .\rخرجه مُسْلِم ، وقد سبق ذكره .\rوأكثر العلماء عَلَى أن الأفضل للمأموم أن يتابع الإمام ، فيركع ويرفع ويسجد ويجلس بعد الإمام فِي ذَلِكَ ، وكذلك كَانَ يفعل أبو قلابة وغيره من السلف .\rوروى وكيع بإسناده ، عَن ابن مَسْعُود ، قَالَ : لا تبادروا أئمتكم ، فإنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ، فيكون أول من يركع وأول من يسجد وأول من يرفع .\rوَهُوَ مذهب الشَّافِعِيّ وأحمد ، ورواية عَن مَالِك .\rوإن وافقه فِي فعله مَعَهُ كره ، وصحت صلاته عِنْدَ أكثر أصحابنا والشافعية ، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك .\rويستثنى من ذَلِكَ صورتان :\rإحداهما : تكبيرة الإحرام فِي ابتداء الصلاة ، فإذا كبر مَعَهُ لَمْ تنعقد صلاة المأموم عِنْدَ ابن المبارك والشافعي وأحمد ، وَهُوَ قَوْلِ مَالِك وأبي يوسف .\rوَقَالَ أبو حنيفة والثوري والعنبري ومحمد بن الْحَسَن وزفر : تنعقد صلاته بذلك .\rوزاد الثوري عليهم ، فَقَالَ : لَوْ كبر مَعَ إمامه وفرغ من تكبيره قَبْلَ فراغ إمامه جاز .\rومن الحنفية من جعل تكبيرة الإحرام شرطاً للصلاة كالطهارة والستارة ، ولم يجعلها مِنْهَا.\rوالصورة الثانية : إذا سلم مَعَ إمامه ، فإنه يجوز مَعَ الكراهة عِنْدَ أكثر أصحابنا والشافعية .\rولهم وجه أخر : أَنَّهُ لا يجوز ، وحكي عَن مَالِك .\rقَالَ بعض أصحابنا : وهذا قَوْلِ قوي عَلَى قَوْلِ من يعتبر النية للخروج .\rوعن مَالِك فِي أصل متابعة المأموم لإمامة ثَلاَثَة روايات :\rإحداهن : أنه يستحب أن يكون عمله بعد عمل إمامه ، معاقباً لَهُ ، كقول الشَّافِعِيّ وأحمد .\rوالثانية : أن عمل المأموم كله مَعَ عمل الإمام : ركوعه وسجوده وخفضه ورفعه، مَا خلا الإحرام والتسليم ، فإنه لا يأتي المأموم بهما إلا بعد تكبير الإمام وسلامه .\rوقيل : إنها أصح الروايات عَنْهُ .\rوالثالثة : أَنَّهُ يكون عمله مَعَ الإمام ؛ مَا خلا ثَلاَثَة أشياء : التحريم والتسليم والقيام من اثنتين، فإنه يكون بعده .\r* * *","part":5,"page":89},{"id":1012,"text":"53 - بَاب\rإِثْم مَنْ رَفَعَ رَأَسَهَ قَبْلَ الإمَامِ\r691- حَدَّثَنَا حجاج بن منهال: ثنا شعبة ، عَن مُحَمَّد بن زياد ، قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( أما يخشى أحدكم )) - أو (( ألا يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قَبْلَ الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار )) - أو (( يجعل صورته صورة حمار ؟ )) .\rقَالَ الحافظ أبو موسى المديني : اتفق الأئمة عَلَى ثبوت هَذَا الحَدِيْث من هَذَا الطريق ؛ رواه عَن مُحَمَّد بن زياد قريب من خمسين نفساً ، وبعضهم يَقُول : (( صورته))، وبعضهم يَقُول : (( وجهه )) ، ومنهم من قَالَ : (( رأس كلب أو خنزير )) ، وتابع مُحَمَّد بن زياد جماعة ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . انتهى .\rوفيه : دليل صريح عَلَى تحريم تعمد رفع المأموم رأسه قَبْلَ الإمام فِي ركوعه وسجوده ؛ فإنه توعد عَلِيهِ بالمسخ ، وَهُوَ من أشد العقوبات .\rوإنما اختص الحمار بالذكر دون سائر الحيوانات عَلَى الرواية الصحيحة المشهورة - والله أعلم- ؛ لإن الحمار من أبلد الحيوانات وأجهلها ، وبه يضرب المثل فِي الجهل ؛ ولهذا مثل الله بِهِ عالم السوء الذي يحمل العلم ولا ينتفع بِهِ فِي قوله : { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } [ الجمعة:5 ] .\rفكذلك المتعبد بالجهل يشبه الحمار ، فإن الحمار يحرك رأسه ويرفعه ويخفضه لغير معنى ، فشبه من يرفع رأسه قَبْلَ إمامه بالحمار ، وكذلك شبه من يتكلم وإمامه يخطب بالحمار يحمل أسفاراً؛لأنه لَمْ ينتفع بسماع الذكر ، فصار كالحمار فِي المعنى . والله أعلم.\rوقد اختلف العلماء فيمن تعمد رفع رأسه قَبْلَ إمامه فِي ركوعه أو سجوده : هَلْ تبطل بذلك صلاته ، أم لا ؟\rوفيه وجهان لأصحابنا ، وأكثرهم عَلَى البطلان ، وروي عَن ابن عُمَر .\rوَقَالَ القاضي أبو يعلى : لا تبطل بذلك ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر الفقهاء .\rفعلى هَذَا ، فهل يؤمر أن يعود إلى ركوعه وسجوده ليرفع بعد إمامه ، أم لا ؟\rقَالَ بعض المتأخرين [ من ] أصحابنا وبعض أصْحَاب الشَّافِعِيّ : لا يؤمر بذلك ، ومتى عاد بطلت صلاته لأنه يصير قَدْ زاد فِي صلاته ركناً عمداً .\rوقد رَوَى مَالِك فِي (( الموطإ )) أن السنة فِي الساهي إذا رفع رأسه قَبْلَ إمامه أن يعود ، ولا يقف ينتظره ، فذلك خطأ ممن فعله .\rومفهومه : أن العامد ليس كذلك .\rوأكثر العلماء من أصحابنا وغيرهم يقتضي أَنَّهُ يلزمه أن يعود لرفع بعد إمامه .\rوقد بسطنا القول عَلَى هَذَا فِي الباب الماضي ، فلا حاجة إلى إعادته .\r* * *","part":5,"page":90},{"id":1013,"text":"54 - بَاب\rإمَامَةِ العَبْدِ والمَوْلَى\rوكانت عَائِشَة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف .\rوَوَلدَ البَغيِّ والأعرابي والغلام الَّذِي لَمْ يحتلم\rلقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله )) .\rولا يمنع العبد من الجماعة بغير علةٍ\rأشار البخاري - رحمه الله - بهذا التبويب إلى مسائل :\rإحداها :\rإمامه العبد والمولى .\rومراده بالعبد : الرقيق القن . وبالمولى : العتيق ، الَّذِي عَلِيهِ ولاء لمعتقه .\rوما ذكره من إمامه ذكوان لعائشة :\rفروى وكيع ، عَن هِشَام بن عُرْوَةَ ، عَن أَبِي بَكْر بن أَبِي مليكة ، أن عَائِشَة أعتقت غلاماً لها عَن دبرٍ ، فكان يؤمها فِي المصحف فِي رمضان .\rففي هذه الرواية : أَنَّهُ كَانَ مدبراً .\rوقد روي من غير وجه ، عَن عَائِشَة ، أنها صلت خلف مملوك .\rوروى أيوب ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، عَن عَائِشَة ، أَنَّهُ كَانَ يؤمها عَبْد لها فِي المصحف .\rخرجه الأثرم .\rورواه عَبْد الرحمن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه - أَيْضاً .\rوذكر الإمام أحمد ، أَنَّهُ أصح من حَدِيْث ابن أَبِي مليكة ؛ لأن هِشَام بن عُرْوَةَ لَمْ يسمعه من ابن أَبِي مليكة ، إنما بلغه عَنْهُ .\rقَالَ أحمد : أبو معاوية ، عَن هِشَام ، قَالَ : نبئت عَن ابن أَبِي مليكة - فذكره .\rقُلتُ : رواه شعيب بن أَبِي حَمْزَة ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة - لَمْ يذكر ابن أَبِي مليكة .\rخرجه البيهقي .\rوكذا رواه مَالِك فِي (( الموطإ )) عَن هِشَام ، عَن أَبِيه .\rوروى أبو نعيم فِي (( كِتَاب الصلاة )) : حَدَّثَنَا حماد بن سَلَمَة ، عَن ابن أَبِي مليكة ، أن عَائِشَة كَانَ يدخل عَلَيْهَا أشراف قريش ، فيؤمهم غلامها ذكوان .\rوالظاهر : أن حماد بن سلمة إنما رواه عَن هِشَام ، عَن ابن أَبِي مليكة .\rورواه الشَّافِعِيّ عَن عَبْد المجيد بن أَبِي رواد ، عَن ابن جُرَيْج : أخبرني ابن أَبِي مليكة ، أنهم كانوا يأتون عَائِشَة ، أم المُؤْمِنيِن بأعلى الوادي - هُوَ وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير -، فيؤمهم أبو عَمْرِو مَوْلَى عَائِشَة - وأبو عَمْرِو غلامها حينئذ لَمْ يعتق ، وكان إمام بني مُحَمَّد بن أَبِي بَكْر وعروة .\rقَالَ أبو نعيم : وحدثنا زهير ، عَن داود بن أَبِي هند : حَدَّثَنِي أبو نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد مَوْلَى أَبِي أسيد الأنصاري ، قَالَ : أتاني نفر من أصْحَاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيهم : أبو ذر وحذيفة وابن مَسْعُود ، فحضرت الصلاة ، فقدموني وأنا مملوك ، فصليت بهم .\rقَالَ : وحدثنا حسن الحسنائي : ثنا زياد النميري ، قَالَ : سألت أَنَس بن مَالِك ، فَقُلْت : العبد ليس بدينه بأس ، يؤم القوم ؟ قَالَ : وما بأس بذلك .","part":5,"page":91},{"id":1014,"text":"وفي (( صحيح مُسْلِم )) أن عُمَر بن الخَطَّاب قَالَ لنافع بن عَبْد الحارث - وكان عُمَر استخلفه عَلَى مكة - : من استخلفت عَلَى أهل الوادي ؟ قَالَ : ابن ابزى مَوْلَى لنا. فَقَالَ عُمَر : استخلفت عليهم مَوْلَى ؟ قَالَ : يَا أمير المُؤْمِنيِن ، إنه قارىء لكتاب الله ، عالم بالفرائض . فَقَالَ عُمَر : أما إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع بِهِ آخرين )) .\rوممن رخص فِي إمامه العبد : الشعبي والنخعي والحسن والحكم والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوكره إمامه العبد جماعة ، منهم : أبو مجلز .\rوَقَالَ الضحاك : لا يؤم العبد القوم وفيهم حر .\rوَقَالَ مَالِك : لا يؤمهم ، إلا أن يكون العبد قارئاً ومن خلفه أعراب لا يقرءون .\rوفي (( تهذيب المدونة )) : لا يؤم العبد فِي الحضر فِي مساجد القبائل ، وجائز أن يؤم فِي قيام رمضان وفي الفرائض فِي السفر ، إن كَانَ أقرأهم ، من غير أن يتخذ إماماً راتباً .\rوَقَالَ أصحابنا : لا تكره إمامه العبد ، والحر أولى مِنْهُ .\rالمسألة الثانية :\rإمامه ولد البغي - وَهُوَ ولد الزنا .\rوقد اختلف فِي إمامته :\rفرخص فيها طائفة ، منهم : عَطَاء والحسن والشعبي والنخعي والزهري وسليمان بن موسى وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق .\rومنهم من شرط سلامة دينه ، وَهُوَ قَوْلِ أحمد .\rوكره ذَلِكَ آخرون ، منهم : مُجَاهِد .\rوروي عَن عُمَر بن عَبْد العزيز ، أَنَّهُ نهى رجلاً كَانَ يؤم بالعقيق لا يعرف لَهُ أب.\rوَقَالَ مَالِك : أكره أن يتخذ إماماً راتباً .\rوَقَالَ أبو حنيفة : غيره أحب إلينا مِنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيّ : أكره أن ينصب إماماً من لا يعرف أبوه ، ومن صلى خلفه أجزأه.\rوهؤلاء جعلوا النسب معتبراً فِي إمامه الصلاة ، فيكره أن يرتب للأمامة من لا نسب لَهُ ، كما يعتبر فِي الإمامة العظمى ، فلا يصح أن ينصب إماماً من لا نسب لَهُ .\rوفي هَذَا انظر ؛ فإن أكثرهم رخصوا فِي إمامه العبد والمولى ، مَعَ أَنَّهُ لا نسب لهما فِي العرب.\rالمسأله الثالثة :\rإمامه الأعرابي وَهُوَ من لَمْ يهاجر إلى الأمصار من أهل البوادي .\rوقد اختلف فِي إمامه الأعرابي :\rفَقَالَتْ طائفة : لا بأس بِهَا إذا أقام الصلاة .\rوعنه ، قَالَ : العبد إذا فقه أحب إلي مِنْهُ .\rورخص فِيهِ الثوري والشافعي وأحمد - فِي المشهور عَنْهُ - وإسحاق .\rوروى وكيع فِي (( كتابه )) عَن شريك ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، عَن رَجُل من طيىء، أن ابن مَسْعُود [ حج ، فصلى خلف ] أعرابي .\rوكره الائتمام بالأعرابي طائفة ، منهم : أبو مجلز والشعبي والحسن وعطاء ومالك، وَهُوَ رِوَايَة عَن أحمد .","part":5,"page":92},{"id":1015,"text":"وروى وكيع ، عَن الربيع بن صبيح ، عَن ابن سيرين ، قَالَ : خرجنا مَعَ عُبَيْدِ الله بن معمر ، ومعنا حميد بن عَبْد الرحمن وأناس من وجوه الفقهاء ، فمررنا بماء فحضرت الصلاة ، فأذن أعرابي وأقام . قَالَ : فتقدم حميد بن عَبْد الرحمن . قَالَ : من كَانَ من أهل البلد فليتم الصلاة ، وكره أن يؤم الأعرابي .\rوهذا يدل عَلَى أنهم رأوا أن من كَانَ أولى بالإمامة فإنه يقدم عَلَى الإمام الراتب بغير إذنه ، وقد سبق الكلام عَلِيهِ .\rوَقَالَ مَالِك : الأعرابي لا يؤمهم وإن كَانَ أقرأهم .\rوَقَالَ أحمد : لا يؤم الحضري ، ولا فِي المصر ، إلا أن يكون قَدْ علم وعرفه .\rوَقَالَ - أَيْضاً - : إذا كَانَ قَدْ تعلم القرآن ودخل القرآن ، ولم يكن جافياً .\rوروى أشعث ، عَن الْحَسَن فِي مهاجري صلى خلف أعرابي ؟ قَالَ : إذا صلى أعاد تلك الصلاة .\rوقد خرج ابن ماجه من حَدِيْث جابر مرفوعاً : (( لا يؤم أعرابي مهاجراً )) - فِي حَدِيْث طويل ، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rالمسألة الرابعة :\rإمامه الغلام الَّذِي لَمْ يحتلم .\rوفيها أقوال :\rأحدها : أنها جائزة فِي الفرض وغيره ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وإسحاق وأبي ثور .\rوخرجه طائفة من أصحابنا رِوَايَة عَن الإمام أحمد من صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، عَلَى رِوَايَة عَنْهُ ، وفيه نظر ؛ فإن المتنفل أهل للأمامة فِي الجملة بخلاف الصبي .\rوحكاه ابن المنذر عَن الْحَسَن .\rوروى حرب بإسناده ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : لَمْ يزل الغلمان يصلون بالناس إذا عقلوا الصلاة وقرءوا فِي رمضان ، وإن لَمْ يحتلموا .\rوروى أبو نعيم فِي (( كِتَاب الصلاة )) : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن ابن جريج ، عَن عَطَاء ، قَالَ : لا بأس أن يؤم الغلام قَبْلَ أن يحتلم .\rوروى وكيع بإسناده ، عَن الأشعث بن قيس ، أَنَّهُ قدم غلاماً ، فَقِيلَ لَهُ .\rفَقَالَ : إني لَمْ أقدمه ، إنما قدمت القرآن .\rولعل الغلام هاهنا أريد بِهِ العبد ، لا الصبي .\rوالقول الثاني : أَنَّهُ لا يؤم الصبي حَتَّى يحتلم ، روي ذَلِكَ عَن ابن عَبَّاس ، خرجه عَنْهُ بإسناد فِيهِ مقال .\rوخرجه الأثرم - أَيْضاً - بإسناد منقطع عَن ابن مَسْعُود ، قَالَ : لا يصلي خلف الغلام حَتَّى تجب عَلِيهِ الحدود .\rوَقَالَ النخعي : كانوا يكرهون أن يؤم الغلام قَبْلَ أن يحتلم .\rقَالَ ابن المنذر : كره إمامة من لَمْ يبلغ : عَطَاء والشعبي ومجاهد ومالك والثوري وأصحاب الرأي .\rوقد روينا عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : لا يؤم الغلام حَتَّى يحتلم .\rوكرهه - أَيْضاً- الضحاك .\rوالقول الثالث : يؤمهم فِي النفل دون الفرض ، روي ذَلِكَ عَن الْحَسَن ، ذكره وكيع ، عَن الربيع بن صبيح ، عَنْهُ ، قَالَ : لا بأس أن يؤمهم فِي رمضان إذا أحسن الصلاة قَبْلَ أن يحتلم ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أحمد .","part":5,"page":93},{"id":1016,"text":"والقول الرابع : حكاه ابن المنذر عَن الأوزاعي ، قَالَ : لا يؤم الغلام فِي الصلاة المكتوبة حَتَّى يحتلم ، إلا أن يكون ليس معهم من القرآن شيء ، فإنه يؤمهم المراهق .\rوعن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : إن اضطروا إليه أمهم .\rوقد أوما أحمد إلى هَذَا القول ؛ فإنه قَالَ - فِي رِوَايَة أَبِي طالب - : لا يصلي بهم حَتَّى يحتلم، لا فِي المكتوبة ولا فِي التطوع . قيل لَهُ : فحديث عَمْرِو بن سَلَمَة ، أليس أم بهم وَهُوَ غلام ؟ فَقَالَ : لعله لَمْ يكن يحسن يقرأ غيره .\rونقل عَنْهُ جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي حَدِيْث عَمْرِو بن سَلَمَة ، قَالَ : كَانَ هَذَا فِي أول الإسلام من ضرورة ، فأما اليوم فلا .\rوكذلك نقل عَنْهُ أبو داود ، قَالَ : لعله كَانَ فِي بدء الإسلام .\rوهذا يشير إلى نسخ حكمه بالكلية .\rومن أصحابنا من أجاز إمامته فِي قيام رمضان ، إذا لَمْ يوجد قارىء غيره ؛ فإن أحمد أجاز إمامة المرأة فِي ذَلِكَ ، والغلام أولى ، وفيه نظر - أَيْضاً - ؛ فإن المرأة من أهل التكليف ووجوب الصلاة ، بخلاف الصبي .\rولهذا اختلف أصحابنا فِي إمامة الغلام إذا بلغ عَشَرَ سنين ، وقلنا : تجب الصلاة عَلِيهِ ، كما هُوَ رِوَايَة عَن أحمد ، اختارها طائفة من أصحابه ، منهم : أبو بَكْر عَبْد العزيز وأبو الحسن التميمي وأبو الْحَسَن الجزري وأبو حفص البرمكي ، وحكي عَن ابن حامد - أَيْضاً .\rفاختلفوا : هَلْ يصح أن يؤم فِي الصلاة المفروضة حينئذٍ ، أم لا ؟ عَلَى وجهين :\rأحدهما : أَنَّهُ لا يؤم فيها - أَيْضاً - ، قاله أبو حفص البرمكي والقاضي أبو يعلى والأكثرون . والثاني : يصح ، قاله أبو الخَطَّاب .\rقَالَ القاضي وأصحابه : إذا قلنا : لا يصح أن يؤم فِي فرض فلا فرق بَيْن فروض الأعيان وفروض الكفايات كالجنائز .\rوقد استدل البخاري لصحة إمامة العبد والمولى وولد الزنا والأعرابي والصبي بعموم قَوْلِ النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم - : (( يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله )) .\rوقد خرجه فِي موضع آخر مسنداً من حَدِيْث عَمْرِو بن سَلَمَة ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الأنصاري ، وقد سبق .\rوقد استدل بِهِ بنو جرم فِي عهد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى إمامه الصبي ، حَتَّى قدموا عَمْرِو بن سَلَمَة أخذاً بعمومه .\rوقد أجاب بعضهم بأنه لَمْ ينقل أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بلغه ذَلِكَ وأقر عَلِيهِ .\rوهذا يرجع إلى أن مَا عمل فِي زمن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقل أَنَّهُ بلغة ، فهل يكون حجة ، أم لا ؟ وفيه اخْتِلاَف مشهور .","part":5,"page":94},{"id":1017,"text":"والمخالف فِي ذَلِكَ يَقُول : عموم هَذَا الحَدِيْث لا بد من تخصيصه ؛ فإن المرأة لَوْ كَانَتْ أقرأ القوم لَمْ تؤمهم مَعَ وجود قارىء غيرها إجماعاً ، وعند عدمه - أَيْضاً - عِنْدَ الأكثرين ، فلذلك نخص مِنْهُ الصبي ؛ لأنه ليس من أهل التكليف ، والكلام إنما توجه إلى من يدخل تَحْت التكليف ، فيتوجه إليه الخَطَّاب . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rالمسألة الخامسة :\rقَالَ : لا يمنع العبد من الجماعة بغير علة .\rهَذَا يدل عَلَى أن البخاري يرى وجوب الصلاة فِي الجماعة عَلَى المملوك ، وأن سيده لا يجوز لَهُ منعه مِنْهَا .\rوَهُوَ - أَيْضاً - ظاهر كلام أحمد .\rقَالَ إِسْحَاق بن هانىء : سألت أَبَا عَبْد الله عَن العبد يرسله مولاه فِي حاجته ، فتحضر الصلاة : فيصلي ، ثُمَّ يقضي حاجة مولاه ، أو يقضي حاجة مولاه ثُمَّ يصلي ؟ ولعله إن قضى حاجة مولاه لا يجد مسجداً يصلي فِيهِ ؟ فَقَالَ أبو عَبْد الله : إذا علم أَنَّهُ انقضى حاجة مولاه أصاب مسجداً يصلي فِيهِ قضى حاجة مولاه ، وإن علم أَنَّهُ لا يجد مسجداً يصلي فِيهِ صلى ، ثُمَّ قضى حاجة مولاه .\rوَقَالَ صالح بن الإمام أحمد : سألت أَبِي عَن العبد يأمره مواليه بالحاجة ، وتحضر الصلاة ؟ قَالَ : إن وجد مسجداً يصلي فِيهِ قضى حاجة مواليه ، وإن صلى فلا بأس .\rومن المتأخرين من أصحابنا من قَالَ : يتخرج وجوب الجماعة عَلَى العبد عَلَى وجوب الجمعة عَلِيهِ ، وفيه روايتان عَن أحمد ، فلذلك يخرج فِي وجوب الجماعة .\rومنهم من قَالَ : لا تجب الجماعة عَلَى العبد بحال ، لتكررها كل يوم وليلة بخلاف الجمعة .\rوممن قَالَ : لا تجب الجماعة عَلَى العبد من أصحابنا : القاضي أبو يعلى فِي (( خلافه )) وأبو الفتح الحلواني .\rوروي عَن الْحَسَن مَا يدل عَلَى مثله ، فروى أبو بَكْر الخلال بإسناده ، عَن مهدي بن ميمون، قَالَ : سألت الْحَسَن عَن عَبْد مملوك تحضره الصلاة ، فيحب أن يصليها فيرسله مولاه فِي بعض الحاجة ، فبأي ذَلِكَ يبدأ ؟ قَالَ : يبدأ بحاجة مولاه .\rخرج البخاري فِي هَذَا الباب حديثين :\rالحَدِيْث الأول :\r692 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن المنذر : ثنا أَنَس بن عياض ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : لما قدم المهاجرون الأولون العصبة - موضع بقباء - قَبْلَ مقدم رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يؤمهم سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآنا .\rوخرجه أبو داود من طريق ابن نمير ، عَن عُبَيْدِ الله ، وزاد : فيهم عُمَر ابن الخَطَّاب وأبو سَلَمَة بن عَبْد الأسد .\rوخرجه البخاري فِي (( الأحكام )) من (( صحيحه )) هَذَا من طريق ابن جُرَيْج، عَن نَافِع، أخبره أن ابن عُمَر أخبره ، قَالَ : كَانَ سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مسجد قباء ، فيهم : أبو بَكْر وعمر وأبو سَلَمَة وزيد وعامر بن رَبِيعَة .","part":5,"page":95},{"id":1018,"text":"والمراد بهذا : أَنَّهُ كَانَ يؤمهم بعد مقدم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولذلك قَالَ : (( فِي مسجد قباء )) ، ومسجد قباء إنما أسسه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه المدينة ، فلذلك ذكر منهم : أَبَا بَكْر ، وأبو بَكْر إنما هاجر مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وليس فِي هذه الرواية : (( قَبْلَ مقدم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -)) كما فِي الرواية الَّتِيْ خرجها البخاري هاهنا فِي هَذَا الباب ، فليس فِي هَذَا الحَدِيْث إشكال كما توهمه بعضهم .\rوإمامة سَالِم للمهاجرين بعد مقدم النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مسجد فِي حكم المرفوع ؛ لأن مثل هَذَا لا يخفى بل يشتهر ويبلغ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوالظاهر : أن سالماً لَمْ يعتق إلا بقدومه المدينة ؛ فإنه عتيق لامرأة من الأنصار ، أعتقته سائبة وأذنت لَهُ أن يوالي من شاء ، فوالى أَبَا حذيفة وتبناه .\rوالعصبة : قَالَ صاحب (( معجم البلدان )) : هُوَ بتحريك الصاد عَلَى وزن همزة، وَهُوَ حصن ، قَالَ : ويروى المعصب .\rالحَدِيْث الثاني :\rقَالَ :\r693- حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بشار : ثنا يَحْيَى : ثنا شعبة : حَدَّثَنِي أبو التياح ، عَن أَنَس بن مَالِك ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل حبشي ، كأن رأسه زبيبة )) .\rالأمر بطاعة الحبشي يدخل فِيهِ الصلاة خلفه إذا استعمل عَلَى النَّاس ، وقد استدل بذلك الإمام أحمد - أَيْضاً .\rوقد قيل : إن هَذَا بَاب ضرب المثل لطاعة الأمراء عَلَى كل حال ، كقوله : (( من بنى مسجداً ، ولو كمفحص قطاة )) ، مَعَ أَنَّهُ لا يكون المسجد كذلك ، فكذلك العبد الحبشي لا يكون إماماً ؛ فإن الأئمة من قريش .\rوقيل : بل المراد أن الأئمة من قريش إذا ولت عبداً حبشياًً أطيع ، وقد روي ذَلِكَ من حَدِيْث عَلِيّ مرفوعاً وموقوفاً : (( إن أمرت عليكم قريش عبداً حبشياً فاسمعوا لَهُ وأطيعوا )) .\rوهذا أشبه :\rوقد استدل أبو ذر بهذا الحَدِيْث عَلَى الصلاة خلف العبيد إذا استعملهم الأئمة ، فروى عَبْد الله بن الصَّامِت ، عَن أَبِي ذر ، أَنَّهُ انتهى إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة ، فإذا عَبْد يؤمهم . قَالَ : فَقِيلَ : هَذَا أبو ذر ، فذهب يتأخر فَقَالَ أبو ذر : أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - : أسمع وأطيع ، ولو كَانَ عبداً حبشياً مجدع الأطراف .\rوفي رِوَايَة : فإذا عَبْد يصلي بهم ، فقالوا لأبي ذر : تقدم ، فأبى ، فتقدم العبد فصلى بهم - ثُمَّ ذكر الحَدِيْث .\rوقد خرج مُسْلِم مِنْهُ المرفوع .\r* * *","part":5,"page":96},{"id":1019,"text":"55 - بَاب\rإذا لَمْ يُتمَّ الإمَامُ وََأَتَمَّ مَنْ خَلْفََهُ\r694 - حَدَّثَنَا الفضل بن سَهْل : ثنا الْحَسَن بن موسى الأشيب : ثنا عَبْد الرحمن بن عَبْد الله بن دينار ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطَاء بن يسار ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( يصلون لكم ، فإن أصابوا فلكم ، وإن أخطئوا فلكم وعليهم )).\rتفرد البخاري بتخريج هَذَا الحَدِيْث عَن مُسْلِم ، وبتخريج حَدِيْث عَبْد الرحمن ابن عَبْد الله بن دينار ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ ضعفه ابن معين وغيره . وَقَالَ عَلِيّ بن المديني : فِي بعض مَا يرويه منكرات لا يتابع عَلَيْهَا ، ويكتب حديثه فِي جملة الضعفاء .\rوقد خرجه ابن حبان فِي (( صحيحه )) من وجه آخر عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، من رِوَايَة أَبِي أيوب الأفريقي ، عَن صفوان بن سليم ، عَن ابن المُسَيِّب ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( سيأتي - أو يكون - أقوام يصلون الصلاة ، فإن أتموا فلكم ولهم ، وإن نقصوا فعليهم ولكم )) .\rوقد روي -أَيْضاً- من رِوَايَة أَبِي صالح السمان والحسن ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ولكن إسنادهما لا يصح .\rوخرج ابن ماجه والحاكم فِي (( المستدرك )) من حَدِيْث عَبْد الحميد بن سُلَيْمَان : ثنا أبو حازم ، قَالَ : كَانَ سَهْل بن سعد الساعدي يقدم قتيان قومه يصلون بهم ، فَقِيلَ لَهُ : تفعل هَذَا ولك من القدم مَالِك ؟ فَقَالَ : إني سَمِعْت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُول : (( الإمام ضامن ، فإن أحسن فله ولهم ، وإن أساء يعني : فعليه ولا عليهم )) .\rوقد ذكر هَذَا الحديث الإمام أحمد ، فَقَالَ : مَا سَمِعْت بهذا قط .\rوهذا يشعر باستنكاره لَهُ .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حَدِيْث عقبة بن عامر ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( من أم النَّاس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم ، ومن انتقض من ذَلِكَ شيئاً فعليه ولا عليهم )) .\rوفي إسناده اخْتِلاَف ، وقد روي مرسلاً .\rوفي المعنى أحاديث أخر متعددة فِي أسانيدها مقال .\rوقد استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن من صلى خلف من لا يتم صلاته فأتم صلاته ، فإن صلاته صحيحة ، ودخل فِي هَذَا : من صلى خلف محدث ، يعلم حدث نفسه أو لا يعمله . وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ . ومن صلى خلف إمام يؤخر الصلاة عَن مواقيتها ، وقد سبق الكلام عَلِيهِ - أَيْضاً - ومن صلى خلف من ترك ركناً أو شرطاً فِي صلاته متأولاً ، والمأموم يخالف تأويله .\rوفي صحة صلاته وراءه قولان ، هما روايتان عَن أحمد ، كمن صلى خلف من مس ذكره أو احتجم ولم يتوضأ ، ومن صلى خلف من لا يتم ركوعه وسجوده ، وأتمه المأموم أجزأته صلاته ، كذا قَالَ علقمة ، والأوزاعي .\rوسئل أحمد عمن قام إمامه قَبْلَ أن يتم تشهده الأول ، فذكر قَوْلِ علقمة - يعني : أَنَّهُ يتمه ثُمَّ يقوم .","part":5,"page":97},{"id":1020,"text":"وسئل سُفْيَان الثوري عمن صلى خلف من يسرع الركوع والسجود ؟ قَالَ : تمم أنت والحق بِهِ .\rوَقَالَ يَحْيَى بن آدم : صليت خلف رَجُل فأعدت صلاتي من سوء صلاته .\rوَقَالَ أحمد فِي إمام لا يتم ركوعه ولا سجوده : لا صلاة لَهُ ، ولا لمن خلفه - : نقله عَنْهُ أبو طالب .\rونقل عَنْهُ ابن الْقَاسِم مَا يدل عَلَى أن من خلفه إذا أتم فلا إعادة عَلِيهِ .\rوهذا يرجع إلى مَا ذكرنا ؛ فإن من صور هَذَا الاختلاف : من ترك الطمأنينة متأولاً ، وصلى خلفه من يرى وجوب ذَلِكَ واطمأن .\rوأكثر كلام أحمد يدل عَلَى أَنَّهُ يفرق بَيْن التأويلات الضعيفة المخالفة للسنن الصحيحة فلا يمنع من الصلاة خلف متأولها ، كما نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لا يصلى خلف من يَقُول : الماء من الماء ، ولا من ترك قراءة الفاتحة فِي بعض الركعات عَلَى التأويل ، وأنه يصلى خلف من لا يتوضأ من خروج الدم ، ولا من أكل لحم الإبل ، ولا من مس الذكر ، أو يصلي فِي جلود الثعالب عَلَى التأويل .\rوسوى أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر وأكثر أصحابنا بَيْن الجميع ، والصحيح التفرقة .\rولهذا نَصَّ الشَّافِعِيّ وأحمد عَلَى أَنَّهُ لا يحد الناكح بلا ولي ، ويحد من شرب النبيد متأولاً ، ونص أحمد عَلَى أن الفرق هُوَ : ضعف التأويل فِي شرب النبيد خاصة .\rوَقَالَ سُفْيَان الثوري : لا يصلى خلف من مسح عَلَى رجليه ، ومن صلى خلفه أعاد الصلاة .\rوَقَالَ شريك : لا يصلى خلفه ، ولا تعاد الصلاة .\rوقد استدل بالأحاديث المذكورة فِي هَذَا الباب من كره الإمامة ، وقد كره أن يؤم النَّاس جماعة من الصَّحَابَة ، منهم : حذيفة وعقبة بن عامر .\rوَقَالَ حذيفة : لتبتغن إماماً غيري ، أو لنصلين وحداناً .\rوسئل أحمد عَن الرَّجُلُ يؤم النَّاس : هَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ ثواب ؟ قَالَ : إن كَانَ فِي قرية هُوَ أقرأ القوم ، أو فِي موضع هُوَ أقرؤهم فليتقدمهم .وسئل عَن الرَّجُلُ يكون أقرأ القوم ، فَقَالَ لَهُ : تقدم فيأبى ؟ قَالَ : ينبغي لَهُ أن يتقدم ، يؤم القوم أقرؤهم . قيل لَهُ : يجب عَلِيهِ ؟ فَقَالَ : ينبغي لَهُ أن يتقدم يؤم القوم ، ولم يقل : يجب عَلِيهِ .\rوسئل عَن معنى قَوْلِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( الإمام ضامن )) ؟ فَقَالَ : هَذَا عَلَى التأكيد عَلَى الإمام .\rوهذا الحَدِيْث ، خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -.\rوفي إسناده اخْتِلاَف كثير أشار الترمذي إلى بعضه ، وقد بسطت القول فِيهِ فِي\r(( شرح الترمذي )) بحمد الله ومنه .\rرَوَى وكيع فِي (( كتابه )) عَن عَلِيّ بن المبارك ، عَن يَحْيَى بن أَبِي كثير ، قَالَ : حَدَّثَنِي من لا أتهم ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : تبادروا الأذان ، ولا تبادروا الإمامة )) .\rوعن ابن عون ، قَالَ : ذكر عِنْدَ الشَّعْبِيّ أن الإمام ضامن لصلاة القوم ، فَقَالَ : والله إني لأرجو إن أحسن أن يتقبل الله مِنْهُ ، وإن أساء أن يغفر لَهُ .\r* * *","part":5,"page":98},{"id":1021,"text":"56-بَاب\rإمَامَةِ المَفْتُونِ والمبُتْدَعِ\rوَقَالَ الْحَسَن : تصلي وعليه بدعته .\r695 -وَقَالَ لنا مُحَمَّد بن يوسف : حَدَّثَنَا الأوزاعي : ثنا الزُّهْرِيّ ، عَن حميد ابن عَبْد الرحمن ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي بن خيار ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَان بن عَفَّانَ ، وَهُوَ محصور ، فَقَالَ : إنك إمام عامة ، ونزل بك مَا ترى ، ويصلي لنا إمام فتنة ، ونتحرج ؟ فَقَالَ : الصلاة أحسن مَا يعمل النَّاس ، فإذا أحسن النَّاس فأحسن معهم ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم .\rوَقَالَ الزبيدي : قَالَ الزُّهْرِيّ : لا نرى أن يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد مِنْهَا .\r696-حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن أبان : ثنا غندر ، قَالَ : ثنا شعبة ، عَن أَبِي التياح ، سَمِعَ أَنَس بن مَالِك يَقُول : قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر : (( اسمع وأطع ، ولو لحبشي ، كأن رأسه زبيبة )) .\rمَا ذكره عَن الْحَسَن : رواه سَعِيد بن منصور ، ثنا ابن المبارك ، عَن هِشَام ابن حسان ، عَن الْحَسَن ، أَنَّهُ سئل عَن صاحب البدعة : الصلاة خلفه ؟ قَالَ : صل خلفه ، وعليه بدعته .\rوخرجه حرب ، عَن سَعِيد بن منصور ، بِهِ .\rوخرج - أَيْضاً - بإسناده ، عَن جَعْفَر بن برقان ن قَالَ : سألت ميمون بن مهران عَن الصلاة خلف من يذكر أَنَّهُ من الخوارج ؟ فَقَالَ : إنك لا تصلي لَهُ ، إنما تصلي لله ، قَدْ كنا نصلي خلف الحجاج وَهُوَ حروري أزرقي . فنظرت إليه ، فَقَالَ : أتدري مَا الحروري الأزرقي ، هُوَ الَّذِي إذا خالفت آيةً سماك كافراً ، واستحل دمك ، وكان الحجاج كذلك .\rوروى أبو نعيم فِي (( كِتَاب الصلاة )) : ثنا سُفْيَان ، عَن هِشَام ، عَن ابن سيرين، قَالَ : كَانَ يكون أمراء عَلَى المدينة ، فسئل ابن عُمَر عَن الصلاة معهم ، فَقَالَ : الصلاة لا أبالي من شاركني فيها .\rوروى أبو شِهَاب : ثنا يونس بن عُبَيْدِ ، عَن نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر يسلم عَلَى الخشبية والخوارج وهم يقتتلون . فَقَالَ : من قَالَ : (( حي عَلَى الصلاة )) أجبته ، من قَالَ : (( حي عَلَى الفلاح )) أجبته ، ومن قَالَ : (( حي عَلَى قتل أخيك الْمُسْلِم وأخذ ماله )) ، قُلتُ : لا .\rخرجه البيهقي .\rوروى عَن ابن عُمَر من وجوه ، أَنَّهُ كَانَ يصلي خلف الحجاج . وذكر البخاري فِي (( تاريخه )) : قَالَ لنا عَبْد الله ، عَن معاوية بن صالح ، عَن عَبْد الكريم البكاء ، قَالَ : أدركت عشرة من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - [ كلهم ] يصلي خلف أئمة الجور .\rوخرج أبو داود من حَدِيْث مكحول ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( الجهاد واجب عليكم مَعَ كل أمير ، براً كَانَ أو فاجراً . والصلاة واجبة عليكم خلف كل مُسْلِم ، براً كَانَ أو فاجراً )) .\rوهذا منقطع ؛ مكحول لَمْ يسمع من أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوقد أنكر أحمد هَذَا ، ولم يره صحيحاً .","part":5,"page":99},{"id":1022,"text":"قَالَ مهِنأ : سألت أحمد عَن الصلاة خلف كل بر وفاجر ؟ قَالَ : مَا أدري مَا هَذَا، ولا أعرف هَذَا ، مَا ينبغي لنا أن نصلي خلف فاجر ، وأنكر هَذَا الكلام .\rوَقَالَ يعقوب بن بختان : سئل أحمد عَن الصلاة خلف كل بر وفاجر ؟ قَالَ : مَا سمعنا بهذا .\rوأما الأثر الَّذِي ذكره البخاري عَن عُثْمَان : فرواه عَبْد الرزاق ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عروة ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي بن الخيار ، عَن عُثْمَان ، فخالف معمر الأوزاعي فِي إسناده .\rوذكر الدارقطني أن الزبيدي والنعمان بن راشد وأبا أيوب الإفريقي ، رووه ، عن الزهري كما رواه عنه الأوزاعي .\rوخالفهم شعيب بن أَبِي حَمْزَة وأسحاق بن راشد وعبيد الله بن أَبِي زياد ، فرووه عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي .\rوكذلك عبد الو احد بن زياد وغندر ، عَن معمر .\rوَقَالَ مُحَمَّد بن ثور : عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي ، لَمْ يذكر بَيْنَهُمَا أحداً .\rوأرسله حماد بن زيد عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ . وتابعه جَعْفَر بن برقان ، عَن الزُّهْرِيّ .\rقَالَ : وحديث حميد بن عَبْد الرحمن هُوَ المحفوظ . قَالَ : ولا يدفع حَدِيْث عُرْوَةَ ، أن يكون الزُّهْرِيّ حفظ عنهما جميعاً .\rورواه سعد بن إِبْرَاهِيْم بن عَبْد الرحمن بن عوف ، عَن أَبِيه ، عَن عُبَيْدِ الله ابن عدي ، حدث بِهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنْهُ .انتهى .\rوأما مَا ذكره عَن الزبيدي ، عَن الزُّهْرِيّ ، أَنَّهُ لا يصلى خلف المخنث إلا أن لا يجد مِنْهُ بداً .\rفالمخنث : هُوَ الَّذِي يتشبه بالنساء فِي هيئته وكلامه .\rوكلام الزُّهْرِيّ هَذَا يدل عَلَى أَنَّهُ إذا اضطر إلى الصلاة خلف من يكره صلى وراءه .\rوَقَالَ مسرور بن مُحَمَّد : قَالَ الأوزاعي : لا تصل خلف قدري ؛ إلا أن تضطر .\rوَقَالَ بقية بن الوليد : سألت الزبيدي : هَلْ يصلى خلف صاحب بدعة أو مكذب بالقدر ؟ فَقَالَ : إن كَانَ والياً فليس من الأمر فِي شيء ، وأنت فِي عذر ، وإن لَمْ يكن والياً فلا تصل خلفه .\rوكره آخرون الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور :\rرَوَى بقية بن الوليد : ثنا حبيب بن عُمَر الأنصاري ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سَمِعْت واثلة بن الأسقع يَقُول : لَوْ صليت خلف قدري لأعدت صلاتي .\rخرجه حرب الكرماني .\rوخرج - أَيْضاً - من طريق نوح بن جعونة : ثنا عَبْد الكريم ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس : لأن أصلي خلف جيفة حمار أحب إلي من أن أصلي خلف قدري .\rوفي كلا الإسنادين ضعف .\rوروى عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلِيّ ، أَنَّهُ أمر بإعادة الصلاة خلف القدري .\rوكذلك سُفْيَان .\rوفرقت طائفة بَيْن البدع المغلظة وغيرها :\rفَقَالَ أبو عُبَيْدِ فيمن صلى خلف الجهمي أو الرافضي : يعيد . ومن صلى خلف قدري أو مرجىء أو خارجي : لا آمره بالإعادة .\rوكذلك الإمام أحمد ، قَالَ فِي الصلاة خلف الجهمية : إنها تعاد .","part":5,"page":100},{"id":1023,"text":"والجهمي عنده من يَقُول : القرآن مخلوق ؛ فإنه كافر . أو يقف ولا يَقُول مخلوق ولا غير مخلوق ، ونص أَنَّهُ تعاد الصلاة خلفه - أَيْضاً - ، وقال : لا يصلي خلف من قَالَ : لفظي بالقرآن مخلوق ، وَهُوَ جهمي .\rوقال : لا يصلي خلف القدري إذا قَالَ : لا يعلم الشيء حَتَّى يكون ، فهذا كافر، فإن صلى يعيد .\rوَقَالَ - أَيْضاً - فِي القدري : إذا كَانَ داعياً مخاصماً تعاد الصلاة خلفه .\rوهذا محمول عَلَى من لا ينكر منهم العلم القديم .\rوَقَالَ فِي الخوارج : إذا تغلبوا عَلَى بلد : صلي خلفهم .\rوَقَالَ - مرة - : يصلى خلفهم الجمعة ؛ صلى ابن عُمَر خلف نجدة الحروري .\rوَقَالَ فِي الرافضي الَّذِي يتناول الصَّحَابَة : لا يصلى خلفه .\rوَقَالَ فيمن يقدم علياً عَلَى أَبِي بَكْر وعمر : إن كَانَ جاهلاً لا علم لَهُ فصلى خلفه فأرجو أن لا يكون بِهِ بأس ، وإن كَانَ يتخذه ديناً فلا تصل خلفه .\rوَقَالَ فِي المرجىء - وَهُوَ : من لا يدخل الأعمال فِي الإيمان - : إن كَانَ داعياً فلا يصلى خلفه . وَقَالَ فِي الصلاة خلف أهل الأهواء : إذا كَانَ داعيةً ويخاصم فِي بدعته فلا يصلى خلفه ، وإلا فلا بأس .\rوهذا محمول عَلَى البدع الَّتِيْ لا يكفر صاحبها ، فأما مَا يكفر صاحبه فتعاد الصلاة خلفه ، كما تقدم عَنْهُ .\rقَالَ حرب : قُلتُ لأحمد : فتكره الصلاة خلف أهل البدع كلهم ؟ فَقَالَ : إنهم لا يستوون .\rوأما الصلاة خلف الفساق ، فَقَالَ أحمد - فيمن يسكر - : لا يصلى خلفه ، وفيمن ترك شيئاً من فرائض الإسلام أو تعامل بالربا : لا يصلي خلفه ، ولا خلف من كل بيعه عينة - يعني : نسأة ، ولا خلف من يكثر كذبه .\rوسئل عَن الصلاة خلف من يغتاب النَّاس ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ كل من عصى الله لا يصلى خلفه ، متى كَانَ يقوم النَّاس عَلَى هَذَا ؟\rوفرق - مرة - بَيْن المستتر والمعلن .\rقَالَ أحمد بن الْقَاسِم : سئل أحمد عَن الصلاة خلف من لا يرضى ؟ قَالَ : قَدْ اختلف فِيهِ ؛ فإن كَانَ لا يظهر أمره فِي منكر أو فاحشة بينة أو مَا أشبه ذَلِكَ فليصل .\rوفرق - مرة - بَيْن الصلاة خلف الأمراء وغيرهم .\rقَالَ الميموني : سَمِعْت أحمد قَالَ : إذا كَانَ الإمام من أئمة الأحياء يسكر فلا أحب أن أصلي خلفه البتة ؛ لأن لِي اختيار الأئمة ، وليس هُوَ والي المُسْلِمِين ؛ لأن ابن عُمَر سئل عَن الصلاة خلف الأمراء ؟ فَقَالَ : إنما هِيَ حسنة ، لا أبالي من شركني فيها .\rولهذا المعنى لَمْ يختلف فِي حضور الجمعة والعيدين خلف كل بر وفاجر .\rوالمشهور عَنْهُ : إعادتها خلف الفاجر ، فإن كَانَ يكفر ببدعته ففي حضورها مَعَهُ روايتان ، ومع حضورها يعيدها ظهراً .\rوحكي عَنْهُ : لا يعيد .\rواختلف أصحابنا فِي حكاية المذهب فِي الإعادة خلف الفاسق : فمنهم من قَالَ : فِي الإعادة روايتان مطلقاً .\rومنهم من قالَ : إن لم يعلم فسقه فلا إعادة ، وإن علم ففي الإعادة روايتان .\rومنهم من قَالَ : إن كَانَ مستتراً لَمْ يعد، وإن كَانَ متظاهراً ففي الإعادة روايتان.","part":5,"page":101},{"id":1024,"text":"فأما من يكفر ببدعته فحكمه حكم الكفار .\rولذلك فرق إِسْحَاق بن راهوية بَيْن القدري والمرجىء ، فَقَالَ فِي القدري : لا يصلى خلفه . وَقَالَ فِي المرجىء : إن كَانَ داعية لَمْ يصل خلفه .\rوَقَالَ حرب : ثنا ابن أَبِي حزم القطعي : ثنا معاذ بن معاذ : ثنا أشعث ، عَن الْحَسَن ، فِي السكران يؤم القوم ؟ قَالَ : إذا أتم الركوع والسجود فَقَدْ أجزأ عنهم .\rوَقَالَ مُحَمَّد بن سيرين : يعيدون جميعاً ، والإمام .\rوحكى ابن المنذر ، عَن مَالِك ، أَنَّهُ قَالَ : لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم ، ويصلى خلف أئمة الجور .\rوعن الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يجيز الصلاة خلف من أقام الصلاة ، وإن كَانَ غير محمود فِي دينه .\rاختار ابن المنذر هَذَا القول ، مَا لَمْ تخرجه بدعته إلى الكفر .\rوفي (( تهذيب المدونة )) : تجزىء الجمعة وغيرها خلف من ليس بمبتدع من الولاة، وإذا كَانَ الإمام من أهل الأهواء فلا يصلى خلفه ولا الجمعة ، إلا أن يتقيه ، فليصلها مَعَهُ ، وليعد ظهراً . ووقف مَالِك فِي إعادة من صلى خلف مبتدع . وَقَالَ ابن الْقَاسِم : يعيد فِي الوقت . انتهى .\rوفي مصنف عَلَى مذهب سُفْيَان الثوري : تكره إمامة أهل البدع والأهواء الداعية إلى ذَلِكَ ؛ سئل سُفْيَان عَن الصلاة خلف الأمراء الذين يقولون : طاعتنا لله طاعة ، ومعصيتنا لله معصية ؟ قَالَ : كَانَ الحجاج يَقُول ذَلِكَ ، وهم يصلون خلف رافضي أو قدري فليعد الصلاة ، ولا يصلى خلف من يَقُول : الإيمان قَوْلِ بلا عمل .\rوحديث أَنَس الَّذِي خرجه البخاري فِي هَذَا الباب يستدل بِهِ عَلَى الصلاة خلف أئمة الجور وأعوانهم ؛ وقد جعله البخاري دليلاً عَلَى إمامة المبتدع - أَيْضاً - كما يطاع فِي غير معصية ، إذا كَانَ لَهُ ولاية عَلَى النَّاس ، فإنه أمر بطاعتهم مطلقاً ، مَعَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه يكون من بعده ولاة يغيرون ويبدلون ، ونهى عَن قتالهم مَا أقاموا الصلاة ، ولم ينه عَن الصلاة وراءهم ، وإنما أمر بالصلاة فِي الوقت إذا أخر الأمراء الصلاة عَن الوقت ، وأمر بالصلاة معهم نافلة ، وقد سبق هَذَا الحَدِيْث فِي (( المواقيت )) .\rويستدل بِهِ عَلَى صحة الصلاة النافلة خلف الفاجر .\rومن أصحابنا من قَالَ : تصح النافلة خلفهم بغير خلاف فِي المذهب .\rوقد روي عَن أحمد رِوَايَة أخرى أَنَّهُ لا يصلى التروايح خلف من يسكر .\rوقد روي حَدِيْث مرفوع فِي كراهة الصلاة خلف الفاجر فِي غير الجمعة .","part":5,"page":102},{"id":1025,"text":"خرجه ابن ماجه من رِوَايَة عَبْد الله بن مُحَمَّد العدوي ، عَن عَلِيّ بن زيد ، عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ، عَن جابر ، قَالَ : خطبنا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : (( إن الله قَدْ افترض عليكم الجمعة فِي مقامي هَذَا إلى يوم القيامة ، فمن تركها فِي حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بِهَا ، وجحوداً لها ؛ فلا جمع الله لَهُ شمله ، ولا بارك لَهُ فِي أمره ، ألا ولا صلاة لَهُ ، ولا زكاة لَهُ ، ولا حج لَهُ ، ولا بركة حَتَّى يتوب ، ألا لا تؤمن امرأة رجلاً ، ولا يؤم أعرابي مهاجراً ، ألا ولا يؤم فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وشرطه )) .\rوالعدوي هَذَا ، قَالَ البخاري وأبو حاتم : منكر الحَدِيْث . وَقَالَ أبو حاتم : مجهول . وَقَالَ الدارقطني : متروك .\rقَالَ العقيلي : وقد روي هَذَا من وجه آخر يشبه هَذَا فِي الضعف .\rوذكر الدارقطني فِي (( العلل )) أَنَّهُ رواه أبو فَاطِمَة مسكين بن عَبْد الله الطفاوي وحمزة بن حسان ، عَن عَلِيّ بن زيد - أَيْضاً - ، ورواه الثوري عَن عَلِيّ بن زيد أَيْضاً .\rثُمَّ خرجه من طريق مهنأ بن يَحْيَى الشامي - صاحب الإمام أحمد - : حَدَّثَنَا زيد بن أَبِي الزرقاء ، عَن سُفْيَان ، عَن عَلِيّ بن زيد - فذكره مختصراً .\rوهذا إسناد قوي ؛ إلا أن الحَدِيْث منكر - : قاله أبو حاتم الرَّازِي .\rوَقَالَ الدارقطني : هُوَ غير ثابت .\rوَقَالَ ابن عَبْد البر : أسانيده واهية .\rقُلتُ : وقد روي أوله من طرق متعددة ، كلها واهية .\r* * *","part":5,"page":103},{"id":1026,"text":"57 - بَاب\rيَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ بحذائهِ سواءً إذا كَاناَ اثْنَيْنِ\rمراده بهذا التبويب : أَنَّهُ إذا اجتمع فِي الصلاة إمام ومأموم فإن المأموم يقوم عَن يمين الإمام بحذائه سواء - أي : مساوياً لَهُ فِي الموقف ، من غير تقدم ولا تأخر .\r697 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن حرب : ثنا شعبة ، عَن الحكم ، قَالَ ك سَمِعْت سَعِيد ابن جبير، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : بت فِي بيت خالتي ميمونة ، فصلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء ، ثُمَّ جَاءَ فصلى أربع ركعات ، ثُمَّ نام ، ثُمَّ قام ، فجئت فقمت عَن يساره ، فجعلني عَن يمينه ، فصلى خمس ركعات ، ثُمَّ صلى ركعتين ، ثُمَّ نام حَتَّى سَمِعْت غطيطه - أو قَالَ : خطيطه - ثُمَّ خرج إلى الصلاة .\r(( الغطيط )) : صوت تردد النفس ، ومنه : غطيط البكر . و(( الخطيط )) : نحوه : والغين والخاء متقاربا المخرج .\rوالمقصود من هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب : أن الإمام إذا لَمْ يأتم بِهِ غير واحد ، فإنه يقيمه عَن يمينه بحذائه ، ولو كَانَ صبياً لَمْ يبلغ الحلم .\rوهذا كالإجماع من أهل العلم .\rوقد حكاه الترمذي فِي (( جامعه )) عَن أهل العلم من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فمن بعدهم ، قالوا : إذا كَانَ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلُ يقوم عَن يمين الإمام .\rوحكاه ابن المنذر عَن أكثر أهل العلم ، وسمى منهم : عُمَر بن الخَطَّاب وابن عُمَر وجابر بن زيد وعروة ومالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي . قَالَ : وبه نقول .\rقُلتُ : وَهُوَ - أَيْضاً - قَوْلِ الشَّعْبِيّ وأحمد وأسحاق .\rقَالَ ابن المنذر : وفيه قولان آخران :\rأحدهما عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ، أَنَّهُ قَالَ : يقيمه عَن يساره .\rقُلتُ : وروي - أَيْضاً - عَن النخعي ، أَنَّهُ يقوم من خلفه مَا بينه وبين أن يركع، فإن جَاءَ أحد وإلا قام عَن يمينه . انتهى .\rوروى أبو نعيم : ثنا سُفْيَان ، عَن الْحَسَن بن عُبَيْدِ الله ، عَن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : كُنْتُ أقوم خلف علقمة حَتَّى ينزل المؤذن قائماً ، كَانَ يقوم خلفه إذا علم أَنَّهُ يلحق غيره قريباً .\rوروى وكيع فِي (( كتابه )) عَن الْحَسَن ، قَالَ : إذا صلى الرَّجُلُ ومعه رَجُل واحد ونساء ؛ أقام الرَّجُلُ خلفه وأقام النِّسَاء خلف الرَّجُلُ .\rوقد روي فِي حَدِيْث ابن عَبَّاس ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أقامه عَن يساره ، وروي أَنَّهُ قام خلفه ، وكلاهما لا يصح .\rأما الأول : فمن رِوَايَة كثير بن زيد ، عَن يزيد بن أَبِي زياد ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس - فذكر الحَدِيْث ، وفيه : قَالَ : فقمت عَن يمينه ، فأخذني فجعلني عَن يساره.\rقَالَ مُسْلِم فِي كِتَاب (( التمييز )) : هَذَا غلط غير محفوظ ؛ لتتابع الأخبار الصحاح برواية الثقات عَلَى خلاف ذَلِكَ ، أن ابن عَبَّاس إنما قام عَلَى يسار النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فحوله حَتَّى أقامه عَن يمينه .","part":5,"page":104},{"id":1027,"text":"ثُمَّ خرجه من طرق متعددة ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس كذلك . ومن طريق سَعِيد بن جبير وعطاء وأبي نضرة والشعبي وطاوس وعكرمة ، كلهم عَن ابن عَبَّاس كذلك .\rوأما الثاني : فخرجه أبو نعيم فِي (( الحلية )) من رِوَايَة أَبِي يزيد الخراز : ثنا النضر بن شميل : ثنا يونس ، عَن أَبِي إِسْحَاق : حَدَّثَنِي عَبْد المؤمن الأنصاري ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس ، كُنْتُ عِنْدَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام إلى سقاء فتوضأ وشرب قائماً ، فقمت فتوضأت وشربت قائماً ، ثُمَّ صففت خلفه ، فأشار إلي لأوازي بِهِ أقوم عَن يمينه ، فأبيت، فلما قضى صلاته قَالَ : (( مَا منعك [ أن لا تكون ] وازيت بي ؟ )) قُلتُ : يَا رَسُول الله، أنت أجل فِي عيني وأعز من أن أوازي بك .فَقَالَ : (( اللهم ، آته الحكمة )) .\rإسنادمجهول ؛ فلا تعارض بِهِ الروايات الصحيحة الثابتة .\rوقد روي من وجه أصح ممن هَذَا ، أَنَّهُ وقف خلفه فقدمه إلى يمينه .\rخرجه أبو نعيم فِي (( كِتَاب الصلاة )) : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن شريك : ثنا عَكْرِمَة بن خَالِد ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس : بت عِنْدَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي بيت ميمونة - وهي خالته - ، فلما قام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من الليل يصلي قمت خلفه ، فأهوى بيده فأخذ برأسي ، فأقامني عَن يمينه إلى جنبه .\rمُحَمَّد بن شريك هَذَا ، مكي ، وثقه الإمام أحمد .\rوقد دل حَدِيْث ابن عَبَّاس هَذَا عَلَى انعقاد الجماعة بالصبي فِي النفل ، وهذا متنف عَلِيهِ ، فأما فِي الفرض ففيه روايتان عَن أحمد ، والأكثرون عَلَى انعقاده بالصبي - أَيْضاً - ، وَهُوَ قَوْلِ أبي حنيفة والشافعي ؛ لأن الصبي يصح نفله ، والجماعة تنعقد بالمتنفل ،وإن كَانَ الإمام مفترضأ؛ بدليل قَوْلِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: ((من يتصدق عَلَى هَذَا فيصلي مَعَهُ ؟)) .\r* * *","part":5,"page":105},{"id":1028,"text":"58 - بَاب\rإذا قَامَ عَنْ يَسَار الإمَامِ فَحوَّلهُ الإمَامُ إلى يَمِيِنهِ\rلَمْ تَفْسُدْ صَلاَتُهُ\r698 - حَدَّثَنَا أحمد : ثنا ابن وهب : ثنا عَمْرِو ، عَن عَبْد ربه بن سَعِيد ، عَن مخرمه بن سُلَيْمَان ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : نمت عِنْدَ ميمونة والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندها تلك الليلة ، فتوضأ ، ثُمَّ قام يصلي ، فقمت عَن يساره ، فأخذني فجعلني عَن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثُمَّ نام حَتَّى نفخ - وكان إذا نام نفخ - حَتَّى أتاه المؤذن ، فخرج فصلى ولم يتوضأ .\rقَالَ عَمْرِو : فحدثت بِهِ بكيراً ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي كريب بذلك .\r(( أحمد )) هَذَا غير منسوب ، قَدْ رَوَى عَنْهُ البخاري فِي مواضع عَن عَبْد الله بن وهب ، وقد اختلف فِيهِ :\rفَقِيلَ : هُوَ أحمد بن عَبْد الرحمن بن وهب ابن أخي عَبْد الله بن وهب - : قاله أبو أحمد الحَاكِم وغيره .\rوأنكر آخرون أن يكون البخاري رَوَى عَن ابن أخي ابن وهب فِي\r(( صحيحه))؛ لما اشتهر من الطعن عَلِيهِ ، لا سيما فِي آخر عمره .\rوقالوا : إنه أحمد بن صالح ، أو أحمد بن عيسى التستري ؛ فإنهما يرويان عَن ابن وهب ، وقد رَوَى البخاري عنهما فِي (( كتابه )) من غير شك .\rومن قَالَ : إن أحمد هَذَا ، هُوَ : ابن حَنْبل ، فَقَدْ أخطأ ؛ فإن الإمام أحمد لا يروي عَن ابن وهب ، بل عَن أصحابه .\rوالأظهر : أَنَّهُ أحمد بن صالح ؛ وبذلك جزم أبو عَبْد الله بن منده ، قَالَ : لَمْ يخرج البخاري عَن أحمد بن عَبْد الرحمن فِي (( صحيحه )) شيئاً ، وكلما قَالَ فِي (( الصحيح)) : (( حَدَّثَنَا أحمد : ثنا ابن وهب )) فهو ابن صالح المصري ، وإذا رَوَى عَن أحمد بن عيسى نسبه . والله أعلم .\rوقد استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن من قام عَن يسار الإمام ، فحوله إلى يمينه لَمْ تفسد صلاته - وفي بعض النسخ : صلاتهما - ، أما صلاة الإمام فلا تفسد بمده لَهُ بيده وتحويله من جانب إلى جانب .\rوقد خرج البخاري هَذَا الحَدِيْث فيما بعد ، وفيه : أَنَّهُ أخذ برأسه من ورائه ، فجعله عَلَى يمينه .\rوإنما حوله النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من وراء ظهره لئلا يكون ماراً فِي قبلته .\rوقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَطَاء ، عَن ابن عَبَّاس ، وفي حديثه : قَالَ : فقمت إلى شقه الأيسر ، فأخذني من وراء ظهره ، فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن.\rوفي رِوَايَة لَهُ - أَيْضاً - فتناولني من خلف ظهره ، فجعلني عَلَى يمينه .\rوقيل فِيهِ معنى آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ لَوْ أداره من بَيْن يديه لتقدم المأموم عَلَى إمامه فِي الموقف ، وأما صلاة المأموم فلا تفسد بمشية من أحد جانبي الإمام إلى جانبه الآخر ؛ لأن هَذَا عمل يسير فِي الصلاة فلا تفسد بِهِ الصلاة .\rوقد اختلف النَّاس فِي حد العمل اليسير الَّذِي يعفى عَنْهُ فِي الصلاة فلا يبطلها .\rفالصحيح عِنْدَ أصحابنا أَنَّهُ يرجع فِيهِ إلى عرف النَّاس من غير تقدير لَهُ بمرة أو مرتين .","part":5,"page":106},{"id":1029,"text":"ومنهم من قدره بالمرة والمرتين ، وجعل الثلاث فِي حد الكثرة ، وكلام أحمد مخالف لهذا مَعَ مخالفته للسنن والآثار الكثيرة .\rوللشافعية فِي الخطوتين والضربتين وجهان .\rومن الحنفية من قَالَ : الكثير ، مَا لَمْ يمكن إقامته إلا باليدين كالإرضاع ، واليسير : مَا يمكن بإحداهما .\rومنهم من قَالَ : الكثير : مَا لَوْ رآه الناظر لا ستيقن أَنَّهُ ليس فِي صلاة .\rواليسير : بخلافه .\rومنهم من قدر المشي المبطل بما جاوز محل السجود .\rوالرجوع فِيهِ إلى العرف أظهر ؛ لأنه ليس لَهُ حد فِي الشرع .\rوقد وردت السنة بالعفو عما لا يعد كثثيراً عرفاً ، كتأخيره وتأخير الصفوف خلفه فِي صلاة الكسوف . ومشيه حَتَّى فتح الباب لعائشة . وقد تأخر أبو بَكْر بحضوته من مقام الإمام حَتَّى قام فِي صف المأمومين ، ورفع يديه وحمد الله .\rوأذن فِي قتل الحية والعقوب فِي الصلاة ، وكل هذه الأفعال تزيد عَلَى المرتين والثلاث .\rوقد سبق القول فِي حمله - صلى الله عليه وسلم - أمامه فِي الصلاة ، وأنه كَانَ يحملها إذا قام ويضعها إذا ركع .\rواستدل بحديث ابن عَبَّاس المخرج فِي هَذَا الباب الشَّافِعِيّ ومن وافقه عَلَى أن من أساء الموقف وصلى عَن يسار الإمام ، فإن صلاته صحيحة مَعَ الكراهة ، وألحقوا بِهِ من صلى خلف الصف وحده .\rووجه استدلالهم بِهِ : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يبطل تحريمته وأقره عَلَى البناء عَلَيْهَا .\rوأما الإمام أحمد ، فعنده لا تصح صلاة من وقف عَلَى يسار الإمام إذا لَمْ يكن عَن يمينه أحد .\rوإنما يبطل عنده إذا استمر فِي موقفه حَتَّى ركع الإمام ورفع ، فأما إن كبر عَلَى يسار الإمام، ثُمَّ تحول إلى يمينه ، أو وقف عَن يمين الإمام آخر قَبْلَ الركوع ، فإن الصلاة عنده صحيحة .\rوكذا لَوْ جَاءَ آخر إلى خلف الإمام ، فتأخر القائم عَن يساره إلى القائم خلفه ، فاصطفا جميعاً قَبْلَ الركوع .\rوحكى القاضي فِي (( شرح المذهب )) عَن ابن حامد ، أَنَّهُ حكى رِوَايَة عَن\rأحمد ، أَنَّهُ يصح الوقوف عَن يسار الإمام فِي النافلة خاصة ، كما كبر ابن عَبَّاس عَن يسار النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم - فِي النافلة .\rوالصحيح عَن أحمد : الأول .\rفإن قيلَ : فَقَدْ صلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بجابر عَن يمينه ، ثُمَّ جَاءَ آخر فقام عَن يساره ، فأخرهما النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم -.\rخرجه مُسْلِم فِي (( صحيحه )) .\rولم يدل ذَلِكَ عَلَى أن صلاة الاثنين عَن جانبي الإمام لا تصح .\rقيل : إنما صح قيام الاثنين عَن جانبي الإمام ؛ لأن ابن مَسْعُود فعله ، ورواه عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وليس فِي القيام عَن يسار الإمام نَصَّ يدل عَلَى صحة صلاة من أتم صلاته عَن يساره . والله أعلم .\rوأيضاً ؛ فالوقوف عَن جانبي الإمام مشروع فِي حق العراة وحق النِّسَاء ، وأما القيام عَن يساره خاصة ، فليس بمشروع بحال .\r* * *","part":5,"page":107},{"id":1030,"text":"59 - بَاب\rإذا لَمْ ينوِ الإمامُ أنْ يؤمٌ ، ثُمَّ جَاءَ قوْمٌ فَأَمَّهُمْ\r699 - حَدَّثَنَا مسدد ، قَالَ : ثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيْم ، عَن أيوب ، عَن عَبْد الله ابن سَعِيد بن جبير ، عَن أَبِيه ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : بت عِنْدَ خالتي ميمونة ، فقام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ، فقمت أصلي مَعَهُ ، فقمت عَن يساره ، فأخذ برأسي وأقامني عَن يمينه .\rاستدل البخاري بهذا عَلَى أن من أحرم بالصلاة منفرداً ، ثُمَّ حضر فِي أثناء الصلاة من ائتم بِهِ، فإنه ينوي الإمامة ، وتصح صلاته وصلاة من ائتم بِهِ عَلَى هذه الحال .\rفتضمن ذَلِكَ مسألتين مختلفاً فيهما :\rإحداهما :\rأن من لَمْ ينو الإمامة فِي ابتداء صلاته : هَلْ يصح أن يأتم بِهِ غيره ، أم لا ؟ وفي المسألة أقوال:\rأحدها : يجوز ذَلِكَ ، فلا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة ، بل لَوْ نوى المأموم الاقتداء بمنفرد جاز ، هَذَا قَوْلِ مَالِك والشافعي والثوري - فِي رِوَايَة - وزفر ، وحكي رِوَايَة عَن أحمد .\rوالقول الثاني : لا يجوز بحال ، وَهُوَ ظاهر مذهب أحمد ، وقول الثوري - فِي رِوَايَة إِسْحَاق .\rواستدل لهم بأن الجماعة قربة وعبادة ، فلا تنعقد إلا بإمام ومأموم ، وفضلها مشترك بَيْنَهُمَا ، فلا يحصل لهما ذَلِكَ بدون النية ، عملاً بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لأمرىء مَا نوى )) .\rوأجاب بعض أصحابنا عَن حَدِيْث ابن عَبَّاس ، بأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إمام الخلق عَلَى كل حال ، فلا يحتاج إلى نيةة الإمامة ، فلا يلحق بِهِ غيره .\rوالقول الثالث : يصح ذَلِكَ فِي الفرض دون النفل ، وَهُوَ رِوَايَة منصوصة عَن أحمد ، استدلالاً بحديث ابن عَبَّاس هَذَا .\rوالقول الرابع : إن أم رَجُل رجلاً لَمْ يحتج أن ينوي الإمامة ، وإن أم امرأة احتاج إلى نية الإمامة ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة وصاحبيه .\rالمسألة الثانية :\rإذا أحرم منفرداً ، ثُمَّ نوى الإمامة ، وفي - أَيْضاً - أقوال :\rأحدها : أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر أصحابنا ، وبناء عَلَى أصلهم فِي أن الإمام يشترط أن ينوي الإمامة عَلَى مَا سبق ، فيصير ذَلِكَ من ابتداء صلاته .\rوالثاني : يجوز ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة ومالك والشافعي ، بناء عَلَى أصولهم فِي أن نية الإمام للأمامة ليس شرطاً ، عَلَى مَا سبق .\rووافقهم بعض أصحابنا لمعنى آخر ، وَهُوَ : أن طرفي الصلاة يجوز أن يكون فِي أولها إماماً وفي الآخر منفرداً ، وَهُوَ المسبوق إذا استخلفه الإمام ، فكذا بالعكس .\rوالثالث : أَنَّهُ يجوز فِي الفرض دون النفل ، وَهُوَ المنصوص عَن أحمد ؛ لحديث ابن عَبَّاس هَذَا.\rوالظاهر : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - نوى إمامته حينئذ ؛ لأنه أداره إلى يمينه ، وأوقفه موقف المأموم .","part":5,"page":108},{"id":1031,"text":"وفي معناه : حَدِيْث : صلاة المنبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل فِي رمضان فِي حجرته ، واقتداء النَّاس بِهِ فِي المسجد ، وسيذكره البخاري فيما بعد .\r* * *","part":5,"page":109},{"id":1032,"text":"60 - بَاب\rإذا طَوَّلَ الإمامُ وَكَانَ للرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرجَ وَلمْ يُصَلِّ\r700- حَدَّثَنَا مُسْلِم بن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : ثنا شعبة ، عَن عَمْرِو ، عَن جابر بن عَبْد الله ، أن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه .\r701 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن بشار : ثنا غندر : ثنا شعبة ، عَن عَمْرِو : سَمِعْت جابر بن عَبْد الله قَالَ : كَانَ معاذ بن جبل يصلي مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه ، فيصلي العشاء ، فقرأ بالبقرة فانصرف رَجُل ، فكأن معاذاً تناول مِنْهُ ، فبلغ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : (( فتان )) - ثلاث مرار- ، أو قَالَ : (( فاتن )) - ثلاث مرار - ، وأمره بسورتين من أوسط المفضل .\rقَالَ عَمْرِو : لا أحفظهما .\rخرجه عالياً مختصراً ، ثُمَّ خرجه بتمامه نازلاً ، وفي سياقه موضع الاستدلال بِهِ عَلَى مَا بوب عَلِيهِ ، وَهُوَ : انصراف الرَّجُلُ لما قرأ معاذ بسورة البقرة .\rوفيه : دليل عَلَى أن الصَّحَابَة لَمْ يكن من عادتهم قراءة بعض سورة فِي الفرض ؛ فإن معاذاً لما افتتح سورة البقرة علم الرَّجُلُ أَنَّهُ يكملها فِي صلاته ، فلذلك انصرف .\rوقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث سُفْيَان - هُوَ : ابن عُيَيْنَة - ، عَن عَمْرِو ، عَن جابر ، وَقَالَ فِي حديثه : فافتتح بسورة البقرة ، فانحرف رَجُل فسلم ، ثُمَّ صلى وحده وانصرف ، فقالوا لَهُ : أنافقت يَا فلان ؟ قَالَ : لا ، والله ، ولآتين رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأخبرنه ، فأتى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إنا أصْحَاب نواضح ، نعمل بالنهار ، وإن معاذاً صلى معك العشاء ، ثُمَّ أتى فافتتح بسورة البقرة ، فأقبل رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى معاذ ، فَقَالَ : (( يَا معاذ ، أفتان أنت ؟ )) - وذكر الحَدِيْث.\rففي هذه الرواية : أَنَّهُ انصرف بمجرد افتتاح معاذ للبقرة .\rوفيها : أَنَّهُ سلم ثُمَّ صلى وحده وانصرف ، ولم ينكر عَلِيهِ النببي - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ .\rوذكر البيهقي فِي (( كِتَاب المعرفة )) : أن هذه الزيادة - يعني : سلام الرَّجُلُ - تفرد بِهَا مُحَمَّد بن عباد ، عَن سُفْيَان . قَالَ : لا أدري هَلْ حفظها عَن سُفْيَان ، أم لا ؛ لكثرة من رواه عَن سُفْيَان بدونها ؟\rوقد خرجه النسائي من طريق سُفْيَان - أَيْضاً - ، وزاد فِيهِ بعد قوله : (( فاستفتح بسورة البقرة )) : (( فلما سَمِعْت ذَلِكَ تأخرت فصليت )) .","part":5,"page":110},{"id":1033,"text":"وخرجه - أَيْضاً - من طريق الأعمش ، عَن محارب بن دثار وأبي صالح ، عَن جابر ، وفي حديثه : أن معاذاً أمر الرَّجُلُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأرسل إليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : (( مَا حملك عَلَى الَّذِي صنعت ؟ )) فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، علمت عَلَى ناضح من النهار ، فجئت وقد أقيمت الصلاة ، فدخلت المسجد فدخلت مَعَهُ فِي الصلاة ، وقرأ سورة كذا وكذا وطول ، فانصرفت فصليت فِي ناحية المسجد . فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أفتان يَا معاذ؟)).\rفيستدل بهذا : عَلَى أن الإمام إذا طول عَلَى المأموم وشق عَلِيهِ إتمام الصلاة مَعَهُ ؛ لتعبه أو غلبه النعاس عَلِيهِ أن لَهُ أن يقطع صلاته مَعَهُ ، ويكون ذَلِكَ عذراً فِي قطع الصلاة المفروضة ، وفي سقوط الجماعة فِي هذه الحال ، وأنه يجوز أن يصلي لنفسه منفرداً فِي المسجد ثُمَّ يذهب ، وإن كان الإمام يصلي فِيهِ بالناس .\rقَالَ سُفْيَان : إذا خشي عَلَى غنمه الذئب ، أو عَلَى دابته أن تؤخذ ، أو عَلَى صبيه أن يأكله الذئب ، فلا بأس أن يقطع صلاته ويذهب إليه .\rوَقَالَ الْحَسَن وقتادة ، فِي رَجُل كَانَ يصلي فأشفق أن تذهب دابته ، أو أغار عَلَيْهَا السبع ؟ قَالا : ينصرف . قيلَ لقتادة : يرى سارقاً يريد أن يأخذ نعليه ؟ قَالَ : ينصرف .\rولو طول الإمام تطويلاً فاحشاً ، أو حدث للمأموم عذر ، مثل حدوث مرض ، أو سماع حريق وقع فِي داره ، أو خاف فساد طعام لَهُ عَلَى النار ، أو ذهاب دابة لَهُ عَلَى بَاب المسجد ونحو ذَلِكَ ، فنوى مفارقة إمامه ، وأتم صلاته منفرداً ، وانصرف جاز ذَلِكَ عِنْدَ أصحابنا - أَيْضاً - وحكوه عَن الشَّافِعِيّ وأبي يوسف ومحمد .\rوعن مَالِك وأبي حنيفة : تبطل صلاته بذلك .\rواستدل أصحابنا بما رَوَى الإمام أحمد فِي (( مسنده )) : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل - هُوَ : ابن علية- : ثنا عَبْد العزيز بن صهيب ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ معاذ بن جبل يؤم قومه، فدخل حرام وَهُوَ يريد أن يسقي نخله ، فدخل المسجد مَعَ القوم ، فلما رأى معاذاً طول تجوز فِي صلاته ولحق بنخلة يسقيه ، فلما قضى معاذ الصلاة قيلَ لَهُ : إن حراماً دَخَلَ المسجد ، فلما رآك طويت تجوز فِي صلاته ولحق نخلة يسقيه . قَالَ : إنه لمنافق ، أيعجل عَن الصلاة من أجل سقي نخلة ؟! قَالَ : فجاء حرام إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ عنده ، فَقَالَ : يَا بني الله ؛ إني أردت أن أسقي نخلاً لِي ، فدخلت المسجد لأصلي مَعَ القوم ، فلما طول تجوزت فِي صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه ، فزعم أنى منافق ، فأقبل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى معاذ ، فَقَالَ : (( أفتان أنت ؟لِلَّهِ لا تطول بهم ؛ أقرأ ب { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } [الأعلى:1] { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } [ الشمس:1] ونحوهما )) .","part":5,"page":111},{"id":1034,"text":"وخرج - أَيْضاً - من طريق حسين بن واقد ، عَن عَبْد الله بن بريدة ، عَن أَبِيه ، أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء ، فقرأ فيها { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } [ القمر: 1 ] فقام رَجُل من قَبْلَ أن يفرغ ، فصلى وذهب ، فَقَالَ لَهُ معاذ قولاً شديداً ، فأتى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - واعتذر إليه ، وَقَالَ : إني كُنْتُ أعمل فِي نخل ، وخفت عَلَى الماء ، فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني لمعاذ - : (( صل بالشمس وضحاها ونحوها من السور )) .\rوروى مُحَمَّد بن عجلان ، عَن عُبَيْدِ الله بن مقسم ، عَن جابر هذه القصة بطولها، وفيها : فصلى خلفه فتى من قومه ، فلما طال عَلَى الفتى صلى وخرج . وفي هَذَا الحَدِيْث : أن معاذاً أخبر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بما صنع الفتى ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، يطيل المكث عندك ، ثُمَّ يرجع فيطول علينا . فَقَالَ : (( أفتان أنت يَا معاذ ؟ )) - وذكر الحَدِيْث .\rخرجه أبو داود ، مختصراً لَمْ يتمه .\rوَقَالَ أصحابنا : هذه قصة أخرى غير قصة الَّذِي سلم من صلاته وصلى لنفسه وانصرف .\rوقد روي أن الرَّجُلُ صلى قَبْلَ أن يجيء معاذ ، وانصرف لما أبطأ معاذ ، وأن اسمه : سليم .\rوهذا يدل عَلَى أن هذه قصة أخرى غير قصة حرام .\rفروى أسامة بن زيد : سَمِعْت معاذ بن عَبْد الله بن خبيب ، قَالَ : سَمِعْت جابر بن عَبْد الله، قَالَ : كَانَ معاذ يتخلف عِنْدَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان إذا جَاءَ أم بقومه ، وكان رَجُل من بني سَلَمَة - يقال لَهُ : سليم - يصلي مَعَ معاذ ، فاحتبس معاذ عنهم ليلة، فصلى سليم ثُمَّ انصرف - وذكر الحَدِيْث ، وفيه : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - سأل سليماً : كَيْفَ صلى ؟ فَقَالَ : قرأت بفاتحة الكتاب سورة ، ثُمَّ قعدت وتشهدت ، وسألت الجن وتعوذت من النار ، وصليت عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ انصرفت ، وليس أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ . فضحك النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ قَالَ : (( هَلْ أدندن أنا أو معاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار ؟ )) ثُمَّ أرسل إلى معاذ : (( لا تكن فتاناً تفتن النَّاس ، ارجع إليهم فصل بهم قَبْلَ أن يناموا )) .\rخرجه البزار .\rوقد روي أن اسم الرَّجُلُ حزم بن [ أَبِي ] كعب .\rوقد خرج أبو داود حديثه مختصراً .\rوهذا يستدل بِهِ عَلَى أنها وقائع متعددة .\rولم نقف فِي شيء من الروايات عَلَى أن الرجل قطع صلاته وخرج من المسجد ولم يصل ، كما بوب عَلِيهِ البخاري . وفي بعض النسخ : (( فخرج فصلى )) ، وَهُوَ أصح .\rولو فارق المأموم لغير عذر ، لَمْ يجز فِي أصح الروايتين عَن أحمد ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة ومالك . والثانية : يجوز ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف ومحمد .\rوللشافعي قولان .","part":5,"page":112},{"id":1035,"text":"واستدلوا عَلَى أَنَّهُ لا يجوز ، وأن الصلاة تبطل بِهِ بقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فلا تختلفوا عَلِيهِ )) ، ومفارقته من غير عذر من الاختلاف عَلِيهِ .\rوأيضاً ؛ فَقَدْ سبق الاستدلال عَلَى وجوب الجماعة ، والواجب إذا مَا شرع فِيهِ لَمْ يجز إبطاله وقطعه لغير عذر ، كأصل الصلاة . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":5,"page":113},{"id":1036,"text":"61 - بَاب\rتَخْفيفِ الإمامِ فِي القيَامِ وإتْمامِ الرُّكُوعََ والسُّجُوِد\r702 - حَدَّثَنَا أحمد بن يونس : ثنا زهير : ثنا إِسْمَاعِيل : سَمِعْت قيساً قَالَ : أخبرني أبو مَسْعُود ، أن رجلاً قَالَ : والله يَا رَسُول الله ، إني لأتأخر عَن صلاة الغداة من أجل فلان مِمَّا يطيل بنا . فما رأيت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي موعظة أشد غضباً مِنْهُ يومئذ ، ثُمَّ قَالَ : (( إن منكم منفرين ، فأيكم مَا صلى بالناس فليتجوز ؛ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة )) .\rفِي هَذَا الحَدِيْث : أن الإمام مأمور بالتخفيف خشية الإطالة عَلَى من خلفه ؛ فإنه لا يخلو بعضهم من عذر كالضعيف والكبير وذي الحاجة .\rوهذا يدل عَلَى أن الأمر بالتخفيف إنما يتوجه إلى إمام يصلي فِي مسجد يغشاه النَّاس .\rقَالَ حَنْبل بن إِسْحَاق : قالو أبو عَبْد الله - يعني : أحمد - : إذا كَانَ المسجد عَلَى قارعة الطريق أو طريق يسلك فالتخفيف أعجب إلي ، فإن كَانَ مسجداً يعتزل أهله ويرضون بذلك فلابأس، وأرجو - إن شاء الله .\rوقالت طائفة : عَلَى الإمام أن يخفف بكل حال .\rورجحه ابن عَبْد البر ، قَالَ : لأنه وإن علم قوة من خلفه ، فإنه لا يدري مَا يحدث بهم من آفات بني آدم . وذكر أن تطويل الإمام غير جائز ، وأنه يلزمه النخفيف .\rوَقَالَ عَبْد الله بن أحمد : سألت أَبِي عَن الحَدِيْث الَّذِي جَاءَ عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي صلاته ، قَالَ : (( وكان قيامه وركوعه وسجوده وقعوده بَيْن السجدتين قريباً من السواء)) : مَا تفسير ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أحب إلي أن يخفف ، ولا يشق عَلَى من خلفه ، وقد روي عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي التخفيف أحاديث .\rقَالَ أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر من أصحابنا : قَدْ يجوز أن يكون رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل ذَلِكَ فِي نفسه إذا كَانَ مصلياً ، وقد أمر أئمته بالتخفيف ، فيتوجه الحديثان عَلَى معنيين .\rكذا قَالَ : وفيه نظر ؛ فإن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يخفف ويوجز ويتم الصلاة ، فَلَمْ يكن يفعل خلاف مَا أمر بِهِ الأئمة .\rوليس فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود الَّذِي خرجه هاهنا مَا يدل عَلَى مَا بوب عَلِيهِ من تخفيف القيام وإتمام الركوع والسجود ، وقد خرج فيما بعد حَدِيْث أَنَس ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يوجز ويتم .\rوقد رويت أحاديث فِي التخفيف مَعَ إتمام الركوع والسجود ، وهي مطابقة لترجمة هَذَا الباب ، لكن ليست عَلَى شرط هَذَا (( الكتاب )) .\rفخرج الإمام أحمد من حَدِيْث مَالِك بن عَبْد الله الخثعمي ، قَالَ : غزوت مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَلَمْ أصل خلف إمام كَانَ أوجز مِنْهُ صلاة فِي تمام الركوع والسجود .\rومن حَدِيْث عدي بن حاتم ، قَالَ : من أمنا فليتم الركوع والسجود ؛ فإن\rفينا الضعيف والكبير والمريض والعابر السبيل وذا الحاجة ، هكذا كنا نصلي مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -.","part":5,"page":114},{"id":1037,"text":"وخرجه الطبراني ، ولفظه : أن عدي بن حاتم خرج إلى مجلسهم ، فأقيمت الصلاة فتقدم إمامهم ، فأطال الصلاة والجلوس , فلما انصرف قَالَ : من أَمنا منكم فليتم الركوع والسجود ؛ فإن خلفه الصغير والكبير والمريض وابن السبيل وذا الحاجة , فلما حضرت الصلاة تقدم عدي فأتم الركوع والسجود ، وتجوز فِي الصلاة ، فلما انصرف قَالَ : هكذا كنا نصلي خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرج الطبراني وغيره من حَدِيْث نَافِع بن خَالِد الخزاعي : حَدَّثَنِي أَبِي - وكان من أصْحَاب الشجرة - أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذا صلى والناس ينظرون صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود .\rفَقَدْ ثبت أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذا صلى بالناس فإنه يخفف عنهم ، وإذا صلى لنفسه يطول .\rوفي (( مسند الإمام أحمد )) عَن أَبِي واقد الليثي ، قَالَ : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أخف النَّاس صلاة بالناس ، وأطول النَّاس صلاة لنفسه .\rفالصلاة الَّتِيْ كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصليها بالناس هِيَ النخفيف الَّذِي أمر بِهِ غيره ، وإنما أنكر عَلَى من طول تطويلاً زائداً عَلَى ذَلِكَ ، فإن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة صلاة العشاء ، وكان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يؤخرها كثيراً ، كما سبق ذكره فِي ( المواقيت))، ثُمَّ ينطلق إلى قومه فِي بني سَلَمَة فيصلي بهم ، وقد استفتح حينئذ بسورة البقرة ، فهذا هُوَ الَّذِي أنكره عَلَى معاذ .\rويشهد لهذا : حَدِيْث ابن عُمَر ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأمرنا بالتخفيف ، وإن كَانَ ليؤمنا بالصافات .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة فِي (( صحيحه )) .\rوالمراد : أن التخفيف المأمور بِهِ هُوَ مَا كَانَ يفعله ، ومن كَانَ يفهم أَنَّهُ كَانَ يفعل خلاف مَا أمر بِهِ - كما أشعر بِهِ تبويب النسائي - فَقَدْ وهم .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن سماك ، قَالَ : سألت جابر بن سمرة عَن صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : كَانَ يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء . قَالَ : وأنبأني أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يقرأ فِي الفجر بـ (( قاف والقرآن المجيد )) ، ونحوها من السور .\rوخرجه الحَاكِم ، ولفظه : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي نحواً من صلاتكم ، ولكنه يخفف الصلاة ، كَانَ يقرأ فِي الفجر بالواقعة ونحوها من السور .\rفصرح بأن تخفيفه هُوَ قرءاته بهذه السورة .\rوروى عَبْد الجبار بن العباس ، عَن عمار الدهني ، عَن الأعمش ، عَن إبراهيم التيمي ، قَالَ : كَانَ أَبِي ترك الصلاة مَعَنَا ، قَالَ : إنكم تخففون .\rقُلتُ : فأين قَوْلِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إن فيكم الكبير والضعيف وذا الحاجة ؟ )) فَقَالَ : قَدْ سَمِعْت عَبْد الله بن مَسْعُود يَقُول ذَلِكَ ، ثُمَّ صلى ثَلاَثَة اضعاف مَا تصلون .\rخرجه ابن خزيمة فِي (( صحيحه )) والطبراني .","part":5,"page":115},{"id":1038,"text":"وروى مَالِك بن مغول ، عَن الحكم ، عَن إِبْرَاهِيْم التيمي ، عَن أَبِيه ، أَنَّهُ كَانَ يتخلف عَن الصلاة ، فَقِيلَ لَهُ . فَقَالَ : إنكم تخففون . فَقِيلَ : أليس قَدْ كَانَ يؤمر بذلك؟ قَالَ : إن الَّذِي كَانَ عليهم خفيفاً عليكم ثقيل .\rواعلم ؛ أن التخفيف أمر نسبي ، فَقَدْ تكون الصلاة خفيفة بالنسبة إلى مَا هُوَ أخف مِنْهَا ، فالتخفيف المأمور بِهِ الأئمة هُوَ الَّذِي كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يفعله إذا أم ، فالنقص مِنْهُ ليس بتخفيف مشروع ، والزيادة عَلِيهِ إن كَانَ مِمَّا فعله الخُلَفَاء الراشدون كتطويل القرءة فِي صلاة الصبح ، عَلَى مَا كَانَ يفعله - أحيانا - أبو بَكْر وعمر فليس بمكروه ، نَصَّ عَلِيهِ الإمام أحمد غيره . وسيأتي ذَلِكَ فِي موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي (( الأم )) : أحب أن يبدأ الراكع فيقول : سبحان ربي العظيم - ثلاثاً -، ويقول كل مَا حكيت عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يقوله - يعني : حَدِيْث عَلِيّ - قَالَ : وكل مَا قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي ركوع أو سجود أحببت أن لا يقصر عَنْهُ ، إماماً كَانَ أو منفرداً ، وَهُوَ تخفيف لا تثقيل . انتهى كلامه .\rفَقَدْ كَانَ حدث بعد النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من تخفيف الصلاة من الأئمة تخفيفاً ، وقد حكي ذَلِكَ عَن أهل الكوفة ، وحدث من يطيل الصلاة عَلَى صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إطالة زائدة ، وكان ذَلِكَ فِي أهل الشام وأهل المدينة - أَيْضاً - ، وكان السلف ينكرون عَلَى الطائفتين، وقد ذكرنا إنكار يزيد التيمي - وكان من أعيان التابعين - عَلَى من خفف الصلاة من أئمة الكوفة ، وكان ابن عُمَر وغيره ينكرون عَلَى من أطال الصلاة إطالة زائدةً عَلَى صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rففي (( مسنده الإمام أحمد )) عَن عطية ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : سجدة من سجود هؤلاء مثل ثلاث سجدات من سجود النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوعن حيان البارقي ، قَالَ : قيل لابن عُمَر : إن إماما يطيل الصلاة .\rفَقَالَ: ركعتين من صلاة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أخف - أو مثل ركعة - من صلاة هَذَا.\rوروى ابن أَبِي عاصم فِي (( كِتَاب السنة )) من رِوَايَة سَالِم بن حذلم ؛ قَالَ : رآني ابن عمر أصلي ، فلما انصرفت قَالَ لِي : ممن أنت ؟ قُلتُ : من أهل الشام . قَالَ : إنكم أهل الشام تصلون الصلاة وتكثرون من الدعاء ، وإني لَمْ أصل خلف أحد أخف صلاة فِي تمام من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوفي (( المسند )) عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : رأيت أَبَا هُرَيْرَةَ صلى صلاة تجوز فيها ، فَقُلْت لَهُ : هكذا كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وأوجز .\rوفي رِوَايَة : (( أو أوجز )) .\rوفي رِوَايَة - أَيْضاً - : قَالَ : وكان قيامه قدر مَا ينزل المؤذن من المنارة ويصل إلى الصف .","part":5,"page":116},{"id":1039,"text":"وفي بعض الروايات لهذا الحَدِيْث : أن أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يؤم النَّاس بالمدينة فيخفف .\rوفي (( المسند )) - أَيْضاً - : عَن أَنَس بن مَالِك ، قَالَ : لَقَدْ كنا نصلي مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ، لَوْ صلاها أحدكم اليوم لعبتموها عَلِيهِ . فَقَالَ لَهُ رَجُل : ألا تذكر ذَلِكَ لأميرنا - والأمير عُمَر بن عَبْد العزيز - ؟ فَقَالَ : قَدْ فعلت .\rوفي رِوَايَة فِي غير (( المسند )) بعد قوله : (( لعبتموها عَلِيهِ )) : (( يعني : فِي التخفيف )) .\rوروي عَن عُمَر بن الخَطَّاب ، قَالَ : أيها النَّاس ، لا تبغضوا الله إلى عباده . فَقَالَ قائل منهم : وكيف ذَلِكَ ؟ قَالَ : يكون الرَّجُلُ إماماً للناس ، يصلي بهم ، فلا يزال يطول عليهم حَتَّى يبغض إليهم مَا هم فِيهِ .\rخرجه ابن عَبْد البر .\r* * *","part":5,"page":117},{"id":1040,"text":"62 - بَاب\rإذا صَلَّى لنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ\r703 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بن يوسف : أنا مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إذا صلى أحدكم للناس فليخفف ؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول مَا شاء )) .\rمعنى قوله : (( إذا صلى أحدكم لنفسه )) - أي : منفرداً ، بحيث لا يأتم بِهِ أحد.\rوقد خرجه مُسْلِم من رِوَايَة المغيرة الحزامي ، عَن أَبِي الزناد ، وَقَالَ فِيهِ : (( وإذا صلى وحده فليصل كَيْفَ شاء )) .\rوخرجه - أَيْضاً - من رِوَايَة همام بن منبه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إذا مَا قام أحدكم للناس فليخفف فِي الصلاة ؛ فإن فيهم الكبير والضعيف ، وإذا قام وحده فليطل صلاته مَا شاء )) .\rوخرج - أَيْضاً - من حَدِيْث عُثْمَان بن أَبِي العاص ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أم قومك، فمن أم قوماً فليخفف ؛ فإن فيهم الكبير ، وإن فيهم المريض ، وإن فيهم الضعيف ، وإن فيهم ذا الحاجة ، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كَيْفَ شاء )) .\rويدخل فِي ذَلِكَ : صلاة الفرائض والنوافل - إذا صلاها وحده - فإنه لا يكره لَهُ إطالتها .\rوقد اختلف النَّاس فِي النفل : هَلْ الأفضل إطالة القيام ، أم كثرة الركوع والسجود ، أم يفرق بَيْن صلاة الليل والنهار ؟ وربما يأتي ذَلِكَ فِي موضع آخر - إن شاء الله تعالى .\rقَالَ بعض أصحابنا : هَذَا فيما لَمْ ينقل عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إطالته أو تخفيفه ، فأما مَا نقل عَنْهُ إطالته أو تخفيفه فاتباعه فِيهِ أفضل ، فالأفضل فِي ركعتي الفجر والركعتين المفتتح بهما صلاة الليل تخفيفهما ، وكذلك الركعتان للداخل - والإمام يخطب - يوم الجمعة .\rوقد سبق ذكر الاختلاف فيمن فاته قراءة حزبه من الليل : هَلْ يقرأ بِهِ فِي ركعتي الفجر ، أم لا ؟\rوروى وكيع فِي (( كتابه )) عَن موسى بن عبيدة ، عَن نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر إذا صلى لنفسه طول فِي أربعتين - يعني : فِي الركعات الأربع فِي الفريضة .\rوموسى بن عبيدة ، ضَعِيف جداً من قَبْلَ حفظه ، وكان شيخاً صالحاً - رحمه الله.\rوكان من الصَّحَابَة من يخفف الصلاة ، ويعلل بخشية وسوسة الشيطان .\rقَالَ وكيع : ثنا ابن أَبِي عروبة ، عَن أَبِي رجاء العطاردي ، قَالَ : قُلتُ للزبير بن العَوَّامِ : مَا لكم أصْحَاب مُحَمَّد من أخف النَّاس صلاة ؟ قَالَ : إنما نبادر الوسواس .\rحَدَّثَنَا سُفْيَان ، عَن نسير بن ذعلوق ، عَن خليد الثوري ، قَالَ : سَمِعْت عمار بن ياسر يَقُول : احذفوا هذه الصلاة قَبْلَ وسوسة الشيطان .\r* * *","part":5,"page":118},{"id":1041,"text":"63 - بَاب\rمَنْ شَكَا إمَامَهُ إذا طَوَّلَ\rوَقَالَ أبو أسيد : طولت بنا يَا بني !\rقَالَ أبو نعيم الفضل بن دكين فِي (( كِتَاب الصلاة )) : حَدَّثَنَا ابن الغسيل ، عَن حَمْزَة بن أَبِي أسيد : كَانَ يؤمنا ، فإذا طول عليهم قَالَ لَهُ أبو أسيد - وَهُوَ خلفه - : يرحمك الله ، طولت علينا .\rوحدثنا ابن الغسيل ، عَن الزُّبَيْر بن المنذر بن أَبِي أسيد ، عَن أَبِي أسيد - مثله .\rخرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث :\rالأول :\r704 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يوسف : ثنا سُفْيَان ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن قيس بن أبي حازم ، عن أَبِي مَسْعُود ، قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رَسُول الله ، إني لأتأخر عَن الصلاة فِي الفجر مِمَّا يطيل بنا فلان فيها . فغضب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، مَا رأيته فِي موعظة كَانَ أشد غضباً مِنْهُ يومئذ . ثُمَّ قَالَ : (( يأيها النَّاس ، إن منكم منفرين ، فمن أم النَّاس فليخفف ؟ فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة)) .\rقَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث - قريباً - من رِوَايَة زهير ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد .\rومقصوده بتخريجه هاهنا : جواز شكوى من يطيل الصلاة إطالة زائدةً عَلَى الحد المشروع ؛ فإن هَذَا الإمام لولا أَنَّهُ زاد عَلَى صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - زيادة كثيرة لما شكي ، ولا تخلف من تخلف عَن الصلاة خلفه ، فلما شكي ذَلِكَ إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - غضب غضباً شديداً ، ووعظ النَّاس موعظة عامة ، وأمر الأئمة بالتخفيف ، وحذر من تنفير النَّاس عَن شهود صلاة الجماعات بالتطويل .\rوروى وكيع : ثنا هِشَام الدستوائي ، عَن قتادة ، عَن عَبَّاس الجشمي ، قَالَ : قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إن من الأئمة طرادين )) .\rوهذا مرسل .\rالحَدِيْث الثاني :\r705 - حَدَّثَنَا آدم : ثنا شعبة : ثنا محارب بن دثار ، قَالَ : سَمِعْت جابر بن عَبْد الله الأنصاري قَالَ : أقبل رَجُل بناضحين ، وقد جنح الليل ، فوافق معاذاً يصلي ، فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ ، فقرأ بسورة البقرة - أو النِّسَاء - ، فانطلق الرَّجُلُ - وبلغه أن معاذاً نال مِنْهُ - فأتى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه معاذاً ، فَقَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - (( يَا معاذ ، أفتان أنت )) - أو (( فاتن ؟ )) ثلاث مرات - )) فلولا صليت بـ { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } [الأعلى:1] { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } [الشمس:1 ] { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } [الليل:1] ؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة؟)) - أحسب هَذَا فِي الحَدِيْث .\rوتابعه : سَعِيد بن مسروق ومسعر والشيباني .\rقَالَ عَمْرِو وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر ، عَن جابر بن عَبْد الله : قرأ معاذ فِي العشاء بالبقرة .\rوتابعه : الأعمش ، عَن محارب .\rقَالَ الخطابي : جنح الليل : أقبل بظلمته ، وقد جنح جنوحاً ، ومنه جنح الليل : إقبال ظلمته.\rوالناضح : البعير يسقى عَلِيهِ .","part":5,"page":119},{"id":1042,"text":"والفتنة عَلَى وجوه ، ومعناها هاهنا : صرف النَّاس عَن الدين ، وحملهم عَلَى الضلال . قَالَ تعالى { مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ } [الصافات:162] أي : مضلين .\rوقوله : (( فلولا صليت بسبح )) يريد : هلا قرأت ، كقوله : { فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } [الواقعة:86] ، { فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ } [هود: 116] معناه : فهلاً .\rوفيه : أَنَّهُ جعل الحاجة عذراً فِي تخفيفها . انتهى .\rوتفسيره الفتنة - هاهنا - بالإضلال بعيد ، والأظهر : أن المراد بالفتنة هاهنا : الشغل عَن الصلاة ؛ فإن من طول عَلَى من شق عَلِيهِ التطويل فِي صلاته ، فإنه يشغله عَن الخشوع فِي صلاته ، ويلهيه عَنْهَا ، كما أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لما نظر إلى أعلام الخميصة الَّتِيْ كَانَتْ عَلِيهِ فِي الصلاة نزعها ، وَقَالَ : (( كادت تفتنني )) وأمر عَائِشَة أن تميط قرامها الَّذِي فِيهِ تصاوير ، وَقَالَ : (( لا يزال تصاويره تعرض لِي فِي صلاتي )) .\rومنه : تخفيفه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة لما سَمِعَ بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه .\rومنه : قَوْلِ أَبِي طلحة ، لما نظر إلى الطائر فِي صلاته وَهُوَ يصلي فِي حائطه حَتَّى اشتغل بِهِ عَن صلاته : لَقَدْ أصابني فِي مالي هَذَا فتنة .\rوقد سبق ذكر ذَلِكَ كله ، سوى حَدِيْث بكاء الصبي ؛ فإنه سيأتي قريباً - إن شاء الله تعالى.\rوسبق حَدِيْث آخر فِي الصلاة عَلَى الخمرة فِي هَذَا المعنى .\rوالفتنة فِي هذه المواضع كلها ، هُوَ : الاشتغال عَن الصلاة ، والالتهاء عَنْهَا .\rويجوز أن يكون مِنْهُ قَوْلِ الله تعالى : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } [التغابن:15] ، وأن يكون المراد : أنها تشغل عَن عُبَادَة الله وذكره .\rويدل عَلِيهِ : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لما كَانَ يخطب ورأى الْحَسَن والحسين قَدْ أقبلا ، نَزَلَ فحملهما ، ثُمَّ قَالَ : (( صدق الله { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } [التغابن: 15] ، إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران ، فَلَمْ أصبر )) .\rوأما مَا ذكره البخاري من المتابعات والرواية المعلقة ، فمضمونة : أن جماعة رووا هَذَا الحَدِيْث عَن محارب بن دثار كما رواه عَنْهُ شعبة ، وقالوا فِي قراءة معاذ : (( البقرة أو النِّسَاء )) بالشك ، منهم : سَعِيد بن مسروق الثوري - والد سُفْيَان - ، ومنهم : مِسْعَر وأبو إِسْحَاق الشيباني .\rوالشك فِي هَذَا من محارب ، كذا فِي رِوَايَة غندر عَن شعبة .\rخرجه الإسماعيلي .\rوفيه - أَيْضاً - : قَالَ : أحسب محارباً الَّذِي شك فِي (( الضعيف )) - يعني : شك : هَلْ قَالَ : (( الضعيف )) أو (( ذا الحاجة )) ؟\rوفي حَدِيْث معاذ بن معاذ ، عَن شعبة : أن معاذاً كَانَ يصلي بالناس المغرب .\rورواه عَلِيّ بن الجعد ، عَن شعبة ، وَقَالَ فِيهِ : قُلتُ لمحارب : أي صلاة كَانَتْ ؟ قَالَ : المغرب .\rفهذه الرواية تبين أن ذكر المغرب إنما هُوَ ظن من محارب .","part":5,"page":120},{"id":1043,"text":"وخرج أبو داود الحَدِيْث بذكر المغرب من وجه آخر فِيهِ انقطاع .\rوذكر البخاري : أَنَّهُ رواه الأعمش ، عَن محارب ، فَقَالَ فِيهِ : (( قرأ بالبقرة )) من غير شك.\rوكذا رواه عَمْرِو بن دينار وعبيد الله بن مقسم وأبو الزُّبَيْر ، عَن جابر ، وقالوا فِي حديثهم : (( قرأ البقرة )) من غير شك .\rوقد خرج البخاري حَدِيْث عَمْرِو بن دينار فيما تقدم بهذا اللفظ .\rوقد تقدم أن النسائي خرجه من حَدِيْث الأعمش ، عَن محارب ، ولم يسم السورة، بل قَالَ : (( سورة كذا وكذا )) .\rالحَدِيْث الثالث :\r706 - حَدَّثَنَا أبو معمر : ثنا عَبْد الوارث : ثنا عَبْد العزيز ، عَن أَنَس بن مَالِك، قَالَ : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يوجز الصلاة ويكملها .\rالإيجاز : هُوَ التخفيف والاختصار .\rوالإكمال : هُوَ إتمام أركانها من الركوع والسجود والانتصاب بَيْنَهُمَا .\rوإدخال هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب ، فائدته : أَنَّهُ بَيْن بِهِ قدر التخفيف المأمور بِهِ، وأنه إنما يشكى الإمام إذا زاد عَلِيهِ زيادة فاحشة ، فأما إكمال الصلاة وإتمام أركانها ، فليس بتطويل منهي عَنْهُ.\r* * *","part":5,"page":121},{"id":1044,"text":"65 - بَاب\rمَنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ عندَ بُكاءِ الصَّبيِّ\rفِيهِ ثَلاَثَة أحاديث :\rالحَدِيْث الأول :\r707 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن موسى - هُوَ الفراء - : ثنا الوليد : ثنا الأوزعي ، عَن يَحْيَى بن أَبِي كثير ، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إني لأقوم فِي الصلاة أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فِي صلاتي ، كراهية أن أشق عَلَى أمة )) .\rتابعه : بشر بن بَكْر وبقية وابن المبارك ، عَن الأوزاعي .\rقَدْ خرجه البخاري فيما بعد من طريق بشر .\rوخرجه أبو داود وابن ماجه من رِوَايَة بشر بن بَكْر وعمر بن عَبْد الواحد .\rوخرجه النسائي من رِوَايَة ابن المبارك ، كلهم عَن الأوزاعي ، بِهِ .\rوخرجه الإسماعيلي فِي (( صحيحه )) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَبْد الله بن سماعة ، عَن الأوزاعي .\rوكذا رواه عَن الأوزاعي : عقبة بن علقمة وأيوب بن سويد .\rورواه أبو المغيرة ، عَن الأوزاعي ، عَن يَحْيَى ، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة مرسلاً .\rخرجه ابن جوصا فِي (( مسند الأوزاعي من جمعه )) من هذه الطرق .\rوإنما ذكر البخاري متابعة الوليد بن مُسْلِم عَلَى وصله ، ليبين أن الصحيح وصله ؛ لكثرة من وصله عَن الأوزاعي ، ولا يضر إرسال من أرسله .\rولعل مسلماً ترك تخريجه للاختلاف فِي وصله وإرساله . والله أعلم .\rوفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن من دَخَلَ الصلاة بنية إطالتها فله تخفيفها لمصلحة ، وأنه لا تلزم الإطالة بمجرد النية .\rواستدل بِهِ بعضهم عَلَى أن من دَخَلَ فِي تطوع ينوي أن يصلي أربعاً ، فله أن يقتصر عَلَى ركعتين ، قَالَ ذَلِكَ سُفْيَان الثوري ، مَعَ قوله بلزوم النوافل بالشروع ، فلا إشكال عنده فِي جواز ذَلِكَ .\rوكذلك لأصحاب مَالِك قولان فيمن افتتح الصلاة النافلة قائماً ، فهل يجلس فِي أثنائها ، أم لا ؟\rفاستدل بعض من قَالَ : لَهُ أن يجلس بهذا الحَدِيْث .\rوقد يستدل بِهِ عَلَى أن من نذر أن يصلي صلاة ، ونوى فِي نفسه أكثر من ركعتين ، فهل يلزمه مَا نوى ، أم لا ؟\rوقد نَصَّ أحمد عَلَى أَنَّهُ يلزمه مَا نوى ، ورجحه طائفة من أصحابنا ، وبناء عَلَى أن من أصل أحمد الرجوع فِي الأيمان والنذور إلى المقاصد والنيات .\rوقد نَصَّ أحمد فيمن نذر الصدقة بمال ، ونوى فِي نفسه ألفاً ، أَنَّهُ يخرج مَا شاء مِمَّا يسمى مالاً ، ولا يلزمه الألف - : نقله عَنْهُ أبو داود .\rوهذا يخالف نصه فِي الصوم والصلاة ، أَنَّهُ يلزمه مَا نواه .\rفتخرج المسألتان عَلَى روايتين .\rووجه شبه هذه المسائل بنية الإطالة للصلاة المكتوبة عِنْدَ الدخول فيها : أن الصلاة المكتوبة إنما يلزم فيها قدرالإجزاء ، والزائد عَلَى ذَلِكَ إذا فعل ، فهل يوصف بالوجوب ، أو بالنفل ؟ فِيهِ قولان معروفان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء .\rوقد تبين بهذا الحَدِيْث : أن ذَلِكَ لا يلزم بمجرد النية ، سواء وصف بالوجوب ، أو لا .","part":5,"page":122},{"id":1045,"text":"وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - (( أريد أن أطول فيها )) ، فالمعنى : أَنَّهُ يريد إتمامها وإكمالها عَلَى الوجه المعتاد ، وليس المراد : الإطالة الَّتِيْ نهى عَنْهَا الأئمة .\rواستدل الخطابي وغيره بهذا الحَدِيْث عَلَى جواز انتظار الإمام للداخل فِي الركوع قدراً لا يشق عَلَى بقية المأمومين ؛ لأنه مراعاة لحال أحد المأمومين .\rوفيه نظر ؛ فإن الداخل لَمْ يدخل بعد فِي الائتمام بالإمام ، وفي الانتظار تطويل عَلَى المأمومين لمراعاة من ليس بمؤتم ، فهذا لا يشبه تخفيف الصلاة لأجل أم الصبي ، بل هُوَ عكسه فِي المعنى .\rالحَدِيْث الثاني :\r708 - حَدَّثَنَا خَالِد بن مخلد : ثنا سُلَيْمَان بن بلال : ثنا شريك بن عَبْد الله ، قَالَ : سَمِعْت أَنَس بن مَالِك يَقُول : مَا صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كَانَ ليسمع بكاء الصبي فيخفف ، مخافة أن تفتن أمه .\r(( شريك )) هَذَا ، هُوَ : ابن أَبِي نمر المدني .\rوقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث عَنْهُ أبو ضمره أَنَس بن عياض - أَيْضاً .\rورواه جماعة عَنْهُ ، ولم يذكروا آخره .\rوكذلك خرجه مُسْلِم بدون آخره من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر ، عَن شريك .\rوقد ذكرنا 0 فيما تقدم - معنى الافتتان هاهنا .\rالحَدِيْث الثالث :\r709 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بن عَبْد الله : ثنا يزيد بن زريع : ثنا سَعِيد ، قَالَ : ثنا قتادة، أن أَنَس بن مَالِك حدث ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( إني لأدخل فِي الصلاة ، وأنا أريد إطالتها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز فِي صلاتي ، مِمَّا أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)) .\r710 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن بشار : ثنا ابن أَبِي عدي ، عَن سَعِيد ، عَن قتادة ، عَن أَنَس بن مَالِك ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إني لأدخل فِي الصلاة ، فأريد إطالتها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه )) .\rوَقَالَ موسى : ثنا أبان : ثنا قتادة : ثنا أَنَس ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوهذا بمعنى حَدِيْث أَبِي قتادة المتقدم .\rوقد ساقه عَن سَعِيد بن أَبِي عروبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس من طريقين ، ليس فيهما تصريح قتادة بالسماع لَهُ من أَنَس ، وكان قتادة مدلساً ، فلذلك ذكر أن موسى - وَهُوَ : ابن إِسْمَاعِيل - رواه عَن أبان- وَهُوَ : العطار - ، عَن قتادة ، فصرح بسماعة من أَنَس .\rوخرجه الإسماعيلي فِي (( صحيحه )) من طرق ، عَن سَعِيد ، عَن قتادة ، وفي سياق حدثيه : أن أَنَس بن مَالِك حدثه ، ولم يبين لفظ من هُوَ من الرواة ، ويبعد أن يكون لفظ جميعهم .\rوالتخفيف الَّذِي كَانَ يفعله ، تارة كَانَ يأتي بِهِ فِي الصلاة كلها ، وتارة فِي بعض ركعاتها ، بحسب مَا يسمع بكاء الصبي .","part":5,"page":123},{"id":1046,"text":"فالأول ، دل عَلِيهِ مَا خرجه أبو بَكْر بن أَبِي داود فِي (( كِتَاب الصلاة )) : حَدَّثَنَا أحمد بن يَحْيَى بن مَالِك : ثنا عَبْد الوهاب ، عَن شعبة ، عَن عدي بن ثابت ، عَن البراء بن عازب ، قَالَ : صلى بنا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح ، فقرأ بأقصر سورتين فِي القرآن ، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه ، وَقَالَ : (( إنما عجلت لتفرغ أم الصبي إلى صبيها)).\rوهذا إسناد غريب جداً .\rوقد روي معناه من حَدِيْث أنس وأبي سَعِيد بأسانيد ضعيفة .\rوأما الثاني ، فروى أبو نعيم فِي (( كِتَاب الصلاة )) ، عَن سُفْيَان ، عَن أَبِي السوداء النهدي ، عَن ابن سابط ، قَالَ : قرأ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الفجر فِي أول ركعة بستين\rآية ، فلما قام فِي الثانية سَمِعَ صوت صبي ، فقرأ ثلاث آيات .\rوهذا مرسل .\r* * *","part":5,"page":124},{"id":1047,"text":"66 - بَاب\rإذا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْماً\r711 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن حرب وأبو النُّعْمَان ، قالا : حَدَّثَنَا حماد بن زيد ،\rعَن أيوب ، عَن عَمْرِو بن دينار ، عَن جابر بن عَبْد الله ، قَالَ : كَانَ معاذ يصلي مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ يأتي قومه فيصلي بهم .\rمراده بهذا : أن اقتداء المفترض بالمتنفل صحيح ، استدلالا بهذا الحَدِيْث .\rوقد ذهب إلى هَذَا طائفة من العلماء ، منهم : طاووس وعطاء ، وَقَالَ : لَمْ نَزَلَ نسمع بذلك .\rوَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي والشافعي وأحمد - فِي رِوَايَة - وإسحاق وأبي خثيمة وأبي بَكْر بن أَبِي شيبة وسليمان بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبي ثور وداود والجوزجاني وابن المنذر .\rوقد روي عَن أَبِي الدرداء والحكم بن عَمْرِو الغفاري وغيرهما ممن الصَّحَابَة مَا يشهد لَهُ .\rوذكر الشَّافِعِيّ أَنَّهُ روي عَن عُمَر ورجل من الأنصار وابن عَبَّاس قريب مِنْهُ ، وعن أَبِي رجاء العطاردي والحسن ووهب بن منبه .\rكذا قَالَ : والمعروف عنهما خلاف ذَلِكَ ، كما سنذكر ذَلِكَ .\rوحكاه - أَيْضاً - عَن مُسْلِم بن خَالِد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سَعِيد القطان .\rوَقَالَ إِسْحَاق : هُوَ سَنَة مسنونة ، وَهُوَ عَلَى مَا سن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من صلاة الخوف .\rونقل إِسْمَاعِيل بن سَعِيد ، عَن أحمد ، قَالَ : لا بأس بِهِ .\rقَالَ : ومما يقوي حَدِيْث معاذ : حَدِيْث النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ صلى صلاة الخوف بطائفتين، بكا طائفة ركعتين ، ولا أعلم شيئاً يدفع هَذَا .\rوحديث صلاة الخوف قَدْ خرجه البخاري من حَدِيْث جابر ، وسيأتي فِي موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوذهب آخرون إلى المنع من ذَلِكَ ، وأن المفترض إذا اقتدى بمتنفل لَمْ تصح صلاته، حكاه ابن المنذر عَن الزُّهْرِيّ وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك وأبي حنيفة .\rقَالَ : وروي معناه عَن الْحَسَن وأبي قلابة .\rقُلتُ : وقد روي - أَيْضاً - معناه عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ووهب بن منبه وابن سرين والنخعي- : ذكره عَبْد الرزاق فِي (( كتابه )) عنهم .\rوَهُوَ قَوْلِ الثوري والحسن بن حي ولليث بن سعد .\rوَهُوَ المشهور عَن أحمد ، ونقل عَنْهُ أَنَّهُ رجع عَن القول بخلافة ، وعلى هَذَا أبو بَكْر عَبْد العزيز وغيره من أصحابنا ، وأن أحمد رجع عَن القول بجواز ذَلِكَ .\rقَالَ - فِي رِوَايَة المروذي - : كُنْتُ أذهب إليه - يعني : حَدِيْث معاذ - ، ثُمَّ ضعف عندي .\rواعتل الإمام أحمد عَلَى حَدِيْث معاذ بأشياء :\rأحدها : أن حَدِيْث معاذ رواه جماعة لَمْ يذكروا فِيهِ أن معاذاً كَانَ يصلي خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، بل ذكروا أَنَّهُ كَانَ يصلي بقومه ويطيل بهم ، منهم : عَبْد العزيز ابن صهيب، عَن أَنَس . وأبو الزُّبَيْر ، عَن جابر . ومنهم : محارب بن دثار وأبو صالح ، عَن جابر .","part":5,"page":125},{"id":1048,"text":"الثاني : أن الذين ذكروا : أَنَّهُ كَانَ يصلي خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ يرجع فيؤم قومه ، لَمْ يذكر احد منهم : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك ، إلا ابن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرِو بن دينار ، عَن جابر .\rفَقَالَ أحمد : مَا أرى ذَلِكَ محفوظاً . وَقَالَ - مرة - : ليس عندي ثبتاً ؛ رواه منصور بن زاذان وشعبة وأيوب ، عَن عَمْرِو بن دينار ، ولم يقولوا مَا قَالَ ابن عُيَيْنَة .\rكذا قَالَ ، وقد رواه - أَيْضاً - ابن عجلان ، عَن عُبَيْدِ الله بن مقسم ، عَن جابر، مثل رِوَايَة ابن عُيَيْنَة عَن عَمْرِو .\rوهذا أقوى الوجوه ، وَهُوَ : أن من رَوَى صلاة معاذ خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ورجوعه إلى قومه لَمْ يذكر أحد منهم قصة التطويل والشكوى إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - غير ابن عُيَيْنَة ، وقد تابعه ابن عجلان عَن ابن مقسم ، وليس ابن عجلان بذاك القوي .\rومن ذكر شكوى معاذ إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من الثقات الحفاظ لَمْ يذكروا فِيهِ أن معاذاً كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ يرجع إلى قومه فيومهم .\rولم يفهم كثير من أصحابنا هَذَا الَّذِي أراده الإمام أحمد عَلَى وجهه .\rالثالث : قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبل : هَذَا عَلِيّ جهة التعليم من معاذ لقومه .\rيعني : لَمْ يكن يصلي بهم إلا ليعلمهم صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، كما علم مَالِك بن الحويرث قومه صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد الصلاة ، وقد سبق حديثه .\rولكن الفرق بينه وبين حَدِيْث معاذ : أن مَالِك بن الحويرث علم قومه الصلاة فِي غير وقت صلاة ، فكانوا كلهم متنفلين بالصلاة ، ومعاذ كَانَ يصلي المكتوبة ، ثُمَّ يرجع إلى قومه ، وهم ينتظرونه حَتَّى يؤمهم فيها ، فكانوا مفترضين .\rالرابع : قَالَ فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيْم الحربي : إن صح ، فله معنى دقيق لا يجوز مثله اليوم.\rوقد قيل : إن هَذَا المعنى الَّذِي أشار إليه الإمام أحمد ، هُوَ أَنَّهُ كَانَ فِي أول الإسلام ، وكان من يقرأ القرآن قليلاً ، فكان يرخص لهم فِي ذَلِكَ توسعة عليهم ، فلما كثر القراء انتسخ ذَلِكَ . وقد سبق نحو ذَلِكَ فِي إمامة الصبي - أَيْضاً .\rوكذا رَوَى عَبَّاس الدوري ، عَن يَحْيَى بن معين ، أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيْث معاذ ، أَنَّهُ كَانَ يصلي بأصحابه ، وقد صلى قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ يَحْيَى : لا أرى هَذَا .\rقَالَ عَبَّاس : معنى هَذَا - عندنا - : أن يَحْيَى كَانَ يَقُول : هَذَا فِي بدو الإسلام ، ومن يقرأ القران قليل ، فلا أرى هَذَا . هَذَا قَوْلِ يَحْيَى عندنا .\rوقد ذكر ابن شاهين ، عَن أَبِي بَكْر النجاد ، أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيْم الحربي وسئل عمن صلى فريضة خلف متطوع ؟ فَقَالَ : لا يجوز . فَقِيلَ لَهُ : فحديث معاذ ؟ قَالَ : حَدِيْث معاذ أعيا القرون الأولى .","part":5,"page":126},{"id":1049,"text":"وأجابت طائفة عَن حَدِيْث معاذ بجواب آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ يجوز أن يكون معاذ يصلي خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - تطوعاً ، ثُمَّ يصلي الفريضة بقومه .\rورد ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وأحمد .\rوَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَمْ يكن معاذ يفوت نفسه فضل الصلاة خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي مسجده .\rوخرج الدارقطني والبيهقي من رِوَايَة أَبِي عاصم ، عَن ابن جُرَيْج ، عَن عَمْرِو بن دينار ، عَن جابر ، أن معاذاً كَانَ يصلي مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثُمَّ ينصرف إلى قومه فيصلي بهم ، هِيَ لَهُ تطوع ولهم فريضة .\rومن طريق عَبْد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج نحوه ، إلا امنه قَالَ : فيصلي بهم تلك الصلاة ، هِيَ نافلة ولهم فريضة .\rولعل هَذَا مدرج من قَوْلِ ابن جُرَيْج . والله أعلم .\rوقد ظن بعض فقهاء أصحابنا هذه الزيادة هِيَ الَّتِيْ أنكرنا أحمد عَلَى سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، وهذا وهم فاحش ، فإن هذه الزيادة تفرد بِهَا ابن جُرَيْج لا ابن عُيَيْنَة .\rوأجاب الإمام أحمد عَن حَدِيْث جابر فِي صلاة الخوف بأن هَذَا جائز فِي صلاة الخوف دون غيرها ، لأنه يغتفر فِي صلاة الخوف مَا لا يغتفر فِي غيرها من الأعمال ، وكذلك النيات .\rواستدلوا عَلَى منع ذَلِكَ بقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فلا تختلفوا عَلِيهِ)) . وقالوا : مخالفته فِي النية اخْتِلاَف عَلِيهِ .\rلكن جمهورهم يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض ، ولم يجعلوه اختلافاً عَلِيهِ .\rوأعلم ؛ أن جمهور العلماء فِي هذه المسألة عَلَى المنع ، منهم : مَالِك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والليث وأهل مصر ، وَهُوَ قَوْلِ جمهور التابعين من أهل المدينة والعراق .\rولكن ؛ قَدْ قَالَ بالجواز خلق كثير من العلماء .\rوحديث معاذ ، قَدْ صح أ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عم بِهِ وأقر عَلِيهِ ، وقد توبع سُفْيَان ابن عُيَيْنَة عَلَى ذَلِكَ ، كما أشرنا إليه ، ولم يظهر عَنْهُ جواب قوي .\rفالأقوى : جواز المفترض بالمتنفل ، وقد رجح ذَلِكَ صاحب (( المغني )) وغيره من أصحابنا . والله أعلم .\rوقد عارض بعضهم حديث معاذ بما روى معاذ بن رفاعة الأنصاري ، عن سليم الأنصاري -من بني سلمة - ، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : يا رسول الله ، إن معاذ بن جبل يأتينا بعدما ننام ، ونكون في أعمالنا في النهار ، فينادى بالصلاة ، فنخرج إليه فيطول علينا . فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يا معاذ ، لا تكن فتانا ، إما أن تصلي معي ، وإما أن تخفف على قومك )) .\rخرجه الإمام أحمد .\rوهو مرسل ؛ فإن سليما هذا قتل في يوم أحد ، وقد ذكر ذَلِكَ في تمام هذا الحديث .\rوقال ابن عبد البر : هوَ منكر لا يصح .\rقلت : لو صح فيحتمل أن يكون المراد : إما أن تقتصر على صلاتك معي فتقيم لقومك من يصلي بهم غيرك ، وإما أن تذهب إليهم فتصلي بهم ، وإن صليت معي ، لكن تخفف عليهم ولا تطيل بهم . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r* * *","part":5,"page":127},{"id":1050,"text":"67 - بَابُ\rمَنْ أسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمامِ\r712 - حدثنا مسدد : ثنا عبد الله بن داود : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - مرضه الذي مات فيهِ أتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، قالَ : (( مروا أبا بكر فليصل بالناس )) . قلت : إن أبا بكر رجل أسيف ، إن يقم مقامك يبك ، فلا يقدر على القراءة . فقالَ : (( مروا أبا بكر فليصل )) . فقلت مثله . فقالَ في الثالثة - أو الرابعة - : (( إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل )) ، فصلى . وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يهادي بين رجلين ، كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض ، فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر ، فأشار إليه أن صل ، فتأخر أبو بكر وقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه ، وأبو بكر يسمع الناس التكبير .\rتابعه : محاضر ، عن الأعمش .\rقد سبق ذكر حديث عائشة بألفاظه وطرقه .\rوما ذكر فيهِ في هذه الرواية من تأخر أبي بكر فمنكر مخالف لسائر الرويات .\rوإنما المقصود منه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائم يسمع الناس تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوهذا يدل على شيئين :\rأحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحته لم يكن من عادته أن يبلغ أحد وراءه التكبير ، بل كانَ هوَ يسمع أهل المسجد تكبيره ، فلا يحتاج إلى من يبلغ عنه .\rوقد خرج البخاري - فيما بعد - حديث سعيد بن الحارث ، قالَ : صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع قامته من السجود ، وحين سجد ، وحين قام من الركعتين ، وقال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : فجهر بالتكبير حين افتتح الصلاة ، وحين ركع ، وحين قالَ : سمع الله لمن حمده ، وحين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد ، وحين قام من الركعتين حتى قضى صلاته على ذَلِكَ ، وقال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي .\rوخرجه البيهقي ، وعنده : وبعد أن قالَ : سمع الله لمن حمده .\rوهذا إشارة إلى تكبير السجود ، بدليل : أنه قالَ بعده : وحين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد .\rوزاد البيهقي في روايته : وحين رفع .\rوالثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض ضعف صوته عن إسماع أهل المسجد ، وكان أبو بكر حينئذ يسمع الناس تكبيره ، ويبلغ عنه .\rوقد روي عنه ، أنه فعل ذَلِكَ - أيضا - في مرض آخر عرض لهُ في حياته :\rففي (( صحيح مسلم )) من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قالَ : اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فصلينا وراءه وهو قاعد ، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره - وذكر في الحديث : أنه أشار إليهم أن اجلسوا . وقد سبق بتمامه .\rوفي رواية لمسلم- أيضا - : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر وأبو بكر خلفه ، فإذا كبر كبر أبو بكر يسمعنا .","part":5,"page":128},{"id":1051,"text":"فمتى كانَ الإمام صوته ضعيفا لمرض أو غيره ، ولم يبلغ المأمومين صوته ، وكان المسجد كبيرا لا يبلغه صوت الإمام ، شرع لبعض المأمومين أن يبلغ الباقين التكبير جهرا ، ويكون الجهر على قدر الحاجة إليه ، من غير زيادة على ذَلِكَ .\rوروى وكيع : ثنا المغيرة بن زياد ، قالَ : رأيت عطاء بن أبي رباح صلى في السقيفة التي في المسجد لحرام في نفر ، وهم متفرقون عن الصفوف ، فقلت لهُ : فقالَ : إني شيخ كبير ومكة دونه كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأصابهم مطر ، فصلى بالناس في رحالهم ، وبلال يسمع الناس التكبير .\rوروى بكر بن محمد ، عن الحكم ، عن أبيه ، أنه سأل أحمد عن الرجل يكبر يوم الجمعة يسمع الناس ؟ قالَ : صلاته تامة ، هذا منفعة للناس ؛ قد كانَ عمر يسمع صوته بالبلاط . قيل لهُ : فيأخذ على هذا أجرا في تكبيره يسمع الناس ؟ قالَ : لا أدري .\rقالَ أبو بكر عبد العزيز بن جعفر ، قوله : (( لا أدري )) كأنه - والله أعلم - يكرهه .\rقالَ :وإن أخذ من بيت المال جاز ؛ لأن حقه فيهِ - يعني : أن حق المؤذنين في بيت المال -، وإن أخذ من غيره فهوَ مكروه . انتهى .\rوالأخذ من الوقف كالأخذ من بيت المال في هذا .\rومنى بلغ المأموم زيادة على قدر الحاجة، أو بلغ من غير حاجة إليه كانَ مكروها.\rوظاهر الحديث : يدل على أن المأموم إذا اقتدى بالإمام بسماع التكبير من غيره صح اقتداؤه به ، وعلى هذا أكثر الفقهاء .\rواختلف فيهِ أصحاب مالك ، فمنهم من أجازه . ومنهم من منعه ، وعلل بأنه اقتدى بغير الإمام. ومنهم من قالَ : إن كانَ الإمام إذن للمبلغ في التبليغ صح الاقتداء به .\rواختلفوا - أيضا - فيمن سمع التكبير ، ولم ير الإمام ، ولا من خلفه : هل يصح اقتداؤه بالإمام في هذه الحالة ، أم لا يصح ؟\rيفرق بين أن يكون في المسجد فيصح ، وبين أن يكون خارج المسجد فلا يصح .\rوقد حكي في ذَلِكَ روايات متعددة عن الإمام أحمد ، وربما نذكر المسألة في موضع آخر - إن شاء الله تعالى .\rوقال أحمد - في رواية منهأ - فيمن صلى الجمعة ، فلم يسمع تكبير الإمام ، ولا غير الإمام : ليس عليهِ إعادة . وقال : كل الناس يسمعون التكبير ؟ إنما ينظر بعضهم إلى بعض .\rوقال سفيان الثوري في القوم لا يرون الإمام عندَ الركوع والسجود : أجزأهم أن يتبعوا من قدامهم من الصفوف ؛ الناس أئمة بعضهم لبعض .\r68 - بَابُ\rالرَّجُلِ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ ، وَيأتَمُّ النَّاسُ بالْمَأمُومِ\rويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ : (( ائتموا بي ، وليأتم بكم من بعدكم )) .\rهذا الحديث ، خرجه مسلم من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قالَ : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه تأخرا ، فقالَ : (( تقدموا ، فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله )) .\rوالبخاري لا يخرج لأبي نضرة ، فذلك علق حديثه هذا على هذا الوجه .\rقالَ البخاري :","part":5,"page":129},{"id":1052,"text":"713 - حدثنا قتيبة بن سعيد : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقالَ : (( مروا أبا بكر يصلي بالناس )) . فقلت : يا رسول الله ، أبو بكر رجل أسيف ، وأنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ؟ فقالَ : (( مروا أبا بكر يصلي\rبالناس )) . فقلت لحفصة : قولي لهُ : إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر . قالَ : (( إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس )) . فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه خفة ، فقام يهادى بين رجلين ، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبو بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر .\rقد تقدم ذكر هذا الحديث والإشارة إلى ما قيل في هذه اللفظة ، وهي : (( عن يسار أبي بكر )) ؛ فأن أبا معاوية تفرد بها ، وما قيل فيما بعدها ، وأنه مدرج ، واختلاف الناس : هل كانَ أبو بكر إماما أو مأموما .\rفإن قوله : (( يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )) قد قيل أن المراد به :\rأنه كانَ يراعي في صلاته التخفيف على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويفعل ما كانَ أسهل عليهِ وأخف وأيسر ، فكان ذَلِكَ اقتداؤه به ، من غير أن يكن مؤتما به ، كما قالَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بن أبي العاص لما استعمله على الطائف ، وأمره بتخفيف الصلاة بالناس ، وقال لهُ : (( اقتد بأضعفهم )) - أي : راع حال الضعفاء ممن يصلي وراءك ، فص صلاة لا تشق عليهم .\rوالأكثرون فسروا اقتداء أبي بكر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، بأنه كانَ مؤتما بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إماما لأبي بكر .\rوأما قوله: (( والناس يقتدون بصلاة أبي بكر )) فاختلف الناس في تأوياه - أيضا.\rفقالت طائفة : المعنى أن أبا بكر كانَ يسمعهم التكبير لضعف صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ ، فكان اقتداؤهم بصوت أبي بكر ، وكان مبلغا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لم يكن إماما\rللناس ، فاقتداء أبي بكر والناس كلهم إنما كانَ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما كانَ أبو بكر يبلغ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التكبير ؛ ليتمكنوا من الاقتداء .\rومما يتفرع على ذَلِكَ : أن الشعبي قالَ : إذا انتهيت إلى الصف الآخر ، ولم يرفعوا رؤسهم ، وقد رفع الإمام ، فاركع ؛ فإن بعضكم أئمة بعض .\rوهذا قول غريب ، والجمهور على خلافه ، وأن الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه .","part":5,"page":130},{"id":1053,"text":"وهذا هوَ المعنى الذي بوب عليهِ البخاري هاهنا ، وكذلك عليهِ النسائي وغيره .\rوهو قول أصحاب الشافعي ، على قولهم : إن أبا بكر كانَ مؤتما بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإنهم اختلفوا : هل كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إماما لأبي بكر ، أو مأموما به ؟ على وجهين .\rوقال الإمام أحمد : بل كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - إماما لأبي بكر ، وكان أبو بكر إماما للناس الذين وراءه ، فكانت تلك الصلاة بإمامين .\rواختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الصلاة بإمامين : هل هي من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو هوَ حكم عام يستوي فيهِ جميع الأمة ؟ على ثلاث روايات عنه .\rوأختار أبو بكر ابن جعفر وغيره من أصحابنا رواية اختصاص النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك .\rوروى حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ وجعا ، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، ووجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفة ، فقعد إلى جنب أبي بكر ، فأم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وهو قاعد وأم الناس أبو بكر وهو قائم .\rخرجه الدار قطني وغيره .\rوالصحيح : أن قوله : (( فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفة )) إلى آخر الحديث مدرج من قول عروة ، كما رواه مالك وابن نمير وغيرهما ، عن هشام بغير هذا اللفظ ، وقد سبق ذَلِكَ .\r* * *","part":5,"page":131},{"id":1054,"text":"69 - بَابُ\rهَلْ يَأخُذُ الإِمَامُ - إذا شَكَّ - بِقوْلِ النَّاسِ ؟\r714 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من اثنتين ، فقالَ لهُ ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله ؟ فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى اثنتين آخريين ، ثم سلم ، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول .\r715 - حدثنا أبو الوليد ، قالَ : ثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، قالَ : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ركعتين ، فقيل لهُ : صليت ركعتين ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتين .\rإنما سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين في هذه الصلاة ؛ لأنه كانَ يعتقد أن صلاته قد تمت ، وكان جازما بذلك ، لم يدخله فيهِ شك ، ومثل هذا الاعتقاد يسمى يقينا ، ووقع ذَلِكَ في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة ، فلما قالَ لهُ ذو اليدين ما قالَ حصل لهُ شك حينئذ ، ولما لم يوافق أحد من المصلين ذا اليدين على مقالته مع كثرتهم حصل في قوله ريبة بانفراده بما أخبر به ، فلما وافقه الباقون على قوله رجع حينئذ إلى قولهم ، وعمل به ،وصلى ما تركه ، وسجد للسهو.\rيؤخذ من ذَلِكَ : أن المنفرد في مجلس بخبر تتوافر الهمم على نقله يوجب التوقف فيهِ حتى يوافق عليهِ .\rوليس هذا كالمنفرد بشهادة الهلال ؛ لأن الأبصار تختلف في الحدة ، بخلاف الخبر الذي يستوي أهل المجلس في علمه .\rويؤخذ منه - أيضا - : أن المفرد بزيادة على الثقات يتوقف في قبول زيادته حتى يتابع عليها ، لا سيما إن كانَ مجلس سماعهم واحدا .\rوقد اختلف العلماء فيما إذا أخبر المأمومون الإمام ، فهل يرجع إلى قولهم أم لا ؟\rوهذا على قسمين :\rأحدهما : أن يتيقن صواب نفسه ، فلا يرجع إلى قول من خالفه ولو كثروا .\rوحكي لأصحابنا وجه آخر بالرجوع . وقيل : إنه لا يصح .\rوالثاني : أن يشك ، ثم يخبره المأمومون بسهوه بقول أو إشارة أو تسبيح أو غير ذَلِكَ ، ففيه أقوال :\rأحدهما : أنه يلزمه الرجوع إلى قول واحد فما زاد ؛ لأنه خبر ديني فيقبل فيهِ خبر واحد ثقة ، كوقت الصلاة وطهارة الماء ونجاسته ، وهو قول أبي حنيفة .\rولأصحابنا وجه مثله في الزيادة .\rوالثاني : إن أخبره اثنان فصاعدا لزمه الرجوع إلى قولهما ، وإن أخبره واحد لم يرجع إليه ، وهذا رواية عن مالك ، والمشهور عن أحمد .\rوأحتج : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكتف بخبر ذي اليدين حتى وافقه غيره .\rوالثالث : أنه يستحب لهُ الرجوع إلى قول الأثنين ، ولا يجب ، بل لهُ أن يبني على يقين نفسه ، أو يتحرى ، وله أن يرجع إلى قولهما ، وهو أفضل ، وهو رواية عن أحمد .\rوالرابع : أنا إن قلنا : أن الشاك يبني على اليقين ، فلا يرجع إلى قول واحد . وإن قلنا : يتحرى ويعمل بما يغلب على ظنه رجع إلى قول المأمومين ، هذا قول ابن عقيل من أصحابنا .","part":5,"page":132},{"id":1055,"text":"وجمهورهم قالوا : يرجع على كلا القولين ؛ لأن الرجوع إلى خبر الاثنين رجوع إلى شهادة شرعية ، فيعمل بها على كل حال ، بخلاف التحري والرجوع إلى الأمارات المحضة .\rويشهد لهُ : أن أحمد نص على أنه يرجع إلى تسبيح الاثنين ، وإن غلب على ظنه خطؤهما .\rوالخامس : أنه لا يرجع إلى قول أحد ، بل يبني على يقين نفسه ، كالمفرد ، وهو قول الثوري والشافعي ومالك - في رواية .\rوقال أهل هذا القول : إنما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذكره ، لا إلى قول المأمومين ، كما قالَ : (( إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني .\rفدل على أنه إنما يرجع إلى ذكره ، لا إلى قولهم ، فإنه لم يقل : فإذا نسيت فردوني .\rوالسادس : أنه لا يرجع إلى قول الواحد والاثنين ، ويرجع إليهم إذا كثروا ؛ لأنه يبعد اتفاقهم على الخطأ مع كثرتهم ، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية .\rوإن كانَ المخبر للمصلي ، ليس معه في صلاته ، فهل يرجع إليه كما يرجع إلى قول المأمومين ؟ فيهِ وجهان لأصحابنا .\rأصحهما : أنه يرجع إليهم ، وهو قول أشهب المالكي ، وظاهر كلام أحمد ؛ فإنه نص على أن الطائفين بالبيت يرجع بعضهم إلى قول بعض إذا أخبره اثنان عن عدد\rطوافه ، مع أن كل واحد منهم غير مشارك للآخر في طوافه ، فكذلك هاهنا .\rوأما المأموم إذا شك في عدد الركعات ، ففيه ثلاثة أقوال :\rأحدها : أنه يرجع إلى فعل الإمام والمأمومين ، ويصنع ما صنعوا ، وهو مذهب أصحابنا .\rوالثاني : أنه يبني على اليقين كالمنفرد ، وهو قول طائفة من المالكية والشافعية .\rوالثالث : إن كثروا رجع إلى متابعتهم ، وإلا فلا ، هوَ وجه لأصحاب مالك والشافعي .\rولو كانَ مع الإمام مأموم واحد ، فشك المأموم ، فهل يرجع إلى قول إمامه ؟\rقالَ بعض أصحابنا : قياس المذهب :لا يرجع إليه ، كما لا يرجع الإمام إلى قول مأموم واحد .\rوفيه نظر ؛ فإن الإمام ضامن ، وقد ورد الأمر بأن يصنع المأموم ما صنع إمامه .\rخرجه الدارقطني من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( الإمام ضامن ، فما صنع فاصنعوا )) .\rوفي إسناده مقال .\rوبقية فوائد حديث أبي هريرة تذكر في مواضعه من (( أبواب : سجود السهو )) - أن شاء الله تعالى .\r* * *","part":5,"page":133},{"id":1056,"text":"70-بَابُ\rإذا بَكَى الإِمَامُ في الصَّلاَةِ\rوقال عبد الله بن شداد : سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف ، يقرأ :\r{ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ } [ يوسف: من الآية86 ].\rروى سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد : سمع عبد الله بن شداد بن الهاد يقول : سمعت عمر يقرأ في الصلاة الصبح سورة يوسف ، فسمعت نشيجه ، وإني لفي آخر الصفوف ، وهو يقرأ : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه } [يوسف: من الآية86 ].\rوروي من وجوه أخر :\rروى ابن جريج : أخبرني ابن مليكة ، قالَ : أخبرني علقمة بن وقاص ، قالَ : كانَ عمر يقرأ في العشاء الآخرة بسورة يوسف ، وأنا في مؤخر الصف ، حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه .\rوروى جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، قالَ : إني يوما مع عمر في صلاة الصبح ، وهو يقرأ السورة التي فيها يوسف ، وأنا في آخر الصفوف الرجال مما يلي النساء ، وكان جهير القراءة ، فلما مر بهذه الآية : { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله } [يوسف: من الآية86 ] فبكى حتى انقطعت قراءته ، وسمعت نشيجه .\rوروى عبد الرحمن بن إسحاق ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، قالَ : صليت خلف عمر ، فستمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف .\rوفي رواية : قالَ : غلب : عمر البكاء وهو يصلي بالناس الصبح ، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف .\rوالنشيج : هوَ رفع الصوت بالبكاء - : قاله أبو عبيد وغيره .\rوالخنين - بالخاء المعجمة - : نحوه .\rقالَ : البخاري\r716 - حدثنا إسماعيل ، قالَ حدثني مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه قالَ : (( مروا أبا بكر فليصل بالناس )) . قالت عائشة : قلت : أن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل . فقالَ : ((مروا أبا بكر فليصل للناس )) . قالت عائشة :\rفقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من\rالبكاء ، فمر عمر فليصل للناس . ففعلت حفصة . فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس )) . فقالت حفصة : ما كنت لأصيب منك خيرا .\rمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا بكر أن يصلي بالناس مع تكرار القول لهُ أنه إذا قام مقامه لا يسمع الناس من البكاء ، فدل على أن البكاء من خشية الله في الصلاة لا يضر الصلاة ، بل يزينها ؛ فإن الخشوع زينة الصلاة .\rوقد خرج البخاري في (( كتابه )) هذا حديث عائشة في ذكر الهجرة بطوله ،\rوفيه : ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيهِ ويقرأ القرآن فيتقصف عليهِ نساء المشركين وأبناؤهم ، يتعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن .","part":5,"page":134},{"id":1057,"text":"وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه ، قالَ : انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل .\rخرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وزاد : يعني : يبكي .\rوفي رواية للإمام أحمد : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء .\rوخرجه أبو داود كذلك .\rوهذا الإسناد على شرط مسلم .\rوقد دل القرآن على مدح الباكين من خشية الله في سجودهم ، فقالَ تعالى :\r{ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُون } [الإسراء : من الآية109 ]. وقال : { ِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً } [مريم: من الآية58 ].\rوقد اختلف العلماء في البكاء في الصلاة على الثلاثة أقوال :\rأحدها : إنه إن كانَ لخوف الله تعالى لم يبطل الصلاة ، وإن كانَ لحزن الدنيا ونحوه فهوَ كالكلام ، وهو قول أبي حنيفة وأحمد .\rولأصحابنا وجه ضعيف : أنه إن كانَ عن غير غلبة أبطل .\rوالمنصوص عن أحمد : إن كانَ عن غلبة لا بأس به .\rقالَ القاضي أبو يعلى : إن كانَ عن غلبة لم يكره ، وإن استدعاه كره . قالَ : وإن كانَ معه نحيب أبطل .\rوهذا ليس في كلام الإمام أحمد ، ولو قيده بما إذا استدعاه لكان أجود .\rوقد قالَ ابن بطة من أصحابنا : إن التأوه في الصلاة من خشية الله لا يبطل .\rفالنحيب أولى .\rوالقول الثاني : إنه لا يبطل بكل حال ، وليس هوَ كالكلام ؛ لأنه لا يسمى به متكلما ، وهو قول أبي يوسف .\rوكذا قالَ مالك في الأنين : لا يقطع صلاة المريض ، وأكرهه للصحيح .\rوقال أبو الثور : لا بأس بالأنين ، إلا أن يكون كلام مفهوم .\rوتوقف الإمام أحمد في رواية المروذي والتباكي من مصيبة ، ولم يجزم بالبطلان .\rوقال في رواية أبي الحارث في الصلاة : إن كانَ غالبا عليهِ أكرهه .\rومعنى قوله : (( غالبا )) - أي : كانَ مختارا لهُ ، قادر على رده ، بحيث لم يغلبه الأنين ، ولم يقهره . وظاهر كلامه أنه لا يبطل صلاته .\rوقال القاضي أبو يعلى : إنما أراد إذا كانَ أنينه (( عاليا )) من العلو أو رفع الصوت ؛ لما يخشى من الرياء به ، أو إظهار الضجر بالمرض ونحوه .\rوهذا الذي فسره تصحيف منه . والله أعلم .\rوالثالث : إنه كلام بكل حال ، حكي عن الشعبي والنخعي ومغيرة والثوري .\rوإنما المنقول عنهم في الأنين ، ونقل عن الشعبي في التأوه .\rوهذا محمول على لم يكن من خشية الله ، فقد كانَ الثوري إذا قرأ في صلاته لم تفهم قراءته من شدة بكائه .\rوهو مذهب الشافعي ، وعنده : إن أبان به حرفان أبطل الصلاة ، وإلا كره ولم تبطل .\rوكذا قالَ أصحابنا في البكاء لحزنه ونحوه : إذا لم يغلب عليهِ ، فأن غلب عليهِ صاحبه ففي البطلان به وجهان .\rولا يعرف الإمام أحمد اعتبار حرفين في ذَلِكَ -: قاله القاضي أبو يعلى ومن اتبعه.","part":5,"page":135},{"id":1058,"text":"وما تقدم عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنه - يدل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله حسن جميل ، ويقبح أن يقال : لا يبطلها ؛ فإن ما كانَ زينة الصلاة وزهرتها وجمالها كيف يقنع بأن يقال فيهِ : غير مبطل ؟ ولم يزل السلف الصالح الخاشعون لله على ذَلِكَ .\rروى الإمام أحمد في (( كتاب الزهد )) بإسناده ، عن نافع ، قالَ : كانَ ابن عمر يقرأ في صلاته ، فيمر بالآية فيها ذكر الجنة ، فيقف عندها فيدعوا ويسأل الله الجنة .\rقالَ: ويدعوا ويبكي.قالَ : ويمر بالآية فيها ذكر النار، فيدعوا ويستجير بالله منها.\rوبإسناده ، عن أبن أبي ملكية ، قالَ صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة . قالَ : وكان إذا نزل قام ينتظر الليل ، فسأله أيوب : كيف كانت قراءته ؟\rقالَ : قرأ { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } [ ق : 19 ]\rفجعل يرتل ، ويكثر في ذَلِكَ النشيج .\rوروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن القاسم بن محمد ، قالَ : كنت غدوت يوما فإذا عائشة قائمة تسبح - يعني : تصلي - وتبكي ، وتقرأ { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } [الطور:27 ]. وتدعوا وتبكي ، وترددها . فقمت حتى مللت القيام ، فذهبت إلى السوق لحاجتي ، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي ، تصلي وتبكي .\rوالروايات في هذا عن التابعين ومن بعدهم كثيرة جدا ، وإنما ينكر ذَلِكَ من غلبت عليهِ الشقوة ، أو سبقت لهُ الشقوة .\r* * *","part":5,"page":136},{"id":1059,"text":"71 - بَابُ\rتَسْوِيَةِ الصفُّوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعَدْهَاَ\r717 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك : ثنا شعبة ، قالَ : أخبرني عمرو ابن مرة ، قالَ : سمعت سالم بن أبي الجعد ، قالَ : سمعت النعمان بن بشير ، قالَ : قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين وجوهكم )) .\r718 - حدثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس بن مالك ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ (( أتموا الصفوف ؛ فأني أراكم خلف ظهري )) .\rحديث النعمان ، خرجه مسلم من رواية سماك بن حرب ، عنه بزيادة ، وهي في أوله ، وهي : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي القداح ،حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ، ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر ، فرأى رجلا باديا صدره من الصف ، فقالَ : (( عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم )) .\rومعناه : أنه كانَ يقوم الصفوف ويعدلها قبل الصلاة كما يقوم السهم .\rوقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره :\rيقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صدور الحيوانات أو غيرها ، كما قالَ : (( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه [ رأس ] حمار - أو صورته صورة حمار )) .\rوظاهر هذا الوعيد : يدل على تحريم ما توعد عليهِ .\rوفي(( مسند الإمام أحمد )) بإسناد فيهِ ضعف ، عن أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r(( لتسون الصفوف ، أو لتطمسن وجوهكم ، ولتغضن أبصاركم ، أو لتخطفن\rأبصاركم )) .\rوقد خرج البيهقي حديث سماك ، عن النعمان الذي خرجه مسلم بزيادة في\rآخره ، وهي : (( أو ليخالفن الله بين وجوهكم يوم القيامة )) .\rوهذه الزيادة تدل على الوعيد على ذَلِكَ في الآخرة ، لا في الدنيا .\rوقد روي الوعيد على ذلك بإختلاف القلوب ، والمراد : تنافرها وتبيانها .\rفخرج مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة ، ويقول : (( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم )) .\rوسيأتي من حديث النعمان بن بشير -أيضا _ نحوه .\rوخرج أبو داود والنسائي نحوه من حديث البراء بن عازب .\rوأما أمره في حديث أنس بإقامة الصفوف ، فالمراد به : تقويمها .\rوقوله : (( فإني أراكم من وراء ظهري )) إعلام لهم بأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يخفى عليهِ حالهم في الصلاة ؛ فإنه يرى من وراء ظهره كما يرى من بين يديه ، ففي هذا حث لهم على إقامة الصفوف إذا صلوا خلفه .\rوقد سبق القول في رؤيته وراء ظهره ، وأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كانَ الله قد توفاه ونقله من هنه الدار ، فإن المصلي يناجي ربه وهو قائم بين يدي من لا يخفى عليهِ سره وعلانيته ، فليحسن وقوفه وصلاته ؛ فإنه بمرء من الله ومسمع .\rوقد روي أن تسوية الصفوف وإقامتها توجب تآلف القلوب :","part":5,"page":137},{"id":1060,"text":"فروى الطبراني من طريق سريج بن يونس ، عن أبي خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، قالَ : قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( استووا تستوي قلوبكم ولا تختلفوا ، وتماسوا تراحموا )) .\rقالَ : سريج : (( تماسوا )) - يعني : ازدحموا في الصلاة .\rوقال غيره : (( تماسوا )) : تواصلوا .\rوأعلم ؛ أن الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمة وشرفها به ؛ فإنهم أشبهوا بذلك صفوف الملائكة في السماء ، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا :\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ } [الصافات:165 ]، وأقسم بالصافات صفا ، وهم الملائكة .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن حذيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة )) - الحديث .\rوفيه - أيضا - عن جابر بن سمرة ، قالَ : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ : (( ألا تصفون كما تصف الملائكة عندَ ربها ؟ )) فقلنا : يا رسول الله ، وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قالَ : (( يتمون الصفوف الأولى ، ويتراصون في الصف )) .\rوروى ابن أبي حاتم من رواية أبي نضرة ، قالَ : كانَ ابن عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ، ثم قالَ : أقيموا صفوفكم ، استووا قياما ، يريد الله بكم هدي الملائكة . ثم يقول : { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ } [الصافات:165 ] ، تأخر فلان ، تقدم فلان ، ثم يتقدم فيكبر .\rوروى ابن جريح ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث ، قالَ : كانوا لا يصفون في الصلاة ،حتى نزلت : { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ } [الصافات:165 ].\rوقد روي أن من صفة هذه الأمة في الكتب السالفة : صفهم في الصلاة ، كصفهم في القتال .\r* * *","part":5,"page":138},{"id":1061,"text":"72 - باب\rإِقْبالِ الأمَام عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصٌّفٌوفِ\r719 -حدثنا أحمد بن أبي رجاء : ثنا معاوية بن عمرو : ثنا زائدة بن قدامة : ثنا حميد الطويل : ثنا أنس بن مالك ، قالَ : أقيمت الصلاة ، فأقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه ، فقالَ : (( أقيموا صفوفكم ، وتراصوا ؛ فإني أراكم من وراء ظهري )) .\rالتراص : هوَ التضام والتداني والتلاصق . ومنه قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } [ الصف : 4 ] .\rوفي هذا : دليل على أن ا لإمام يستحب لهُ أن يقبل على المأمومين بعد إقامة الصلاة ، ويأمرهم بتسوية صفوفهم .\rوقد تقدم حديث النعمان بن بشير في هذا .\rوخرج النسائي من حديث ثابت ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقول :\r(( استووا ، استووا ، استووا ؛ فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدي )) .\rوبوب عليهِ : (( كم مرة يقول : استووا )) .\rيشير إلى أنه يكررها ثلاثا ؛ فأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا .\rوخرج أبو داود وابن حبان في ((صحيحه )) من حديث محمد بن مسلم - صاحب المقصورة - ، قالَ : صليت إلى جنب أنس يوماً ، فقالَ : هل تدري لم صنع هذا العود ؟ قلت : لا والله . قالَ : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ، ثم التفت ، فقالَ : (( اعتدلوا ، سووا صفوفكم )) .\rوخرج الدارقطني والحاكم من حديث حميد ، عن انس ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الصلاة قالَ هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله، ثم يقول : (( استووا وتعادلوا )) .وروى مالك في (( الموطأ)) عن نافع ، أن عمر كانَ يأمر بتسوية الصفوف ، فإذا أخبروه أن قد استوت كبر .\rوعن عمه أبي سهيل ، عن أبيه ، عن عثمان بن عفان - أيضاً .\rوروى عمرو بن ميمون ، قالَ : كانَ عمر إذا أقيمت الصلاة أقام الصف ، حتى إذا لم ير فيهِ خللاً كبّر .\rوروى وكيع بإسناده ، عن كعب بن مرة ، قالَ : إن كنت لأدع الصف المقدم من شدة قول عمر : استووا .\rوبإسناده، عن ابن عمر ، أن عمر كانَ يبعث رجالاً يقيمون الصفوف في الصلاة .\rوروى أبو نعيمٍ بإسناده ، عن الحارث ، عن علي ، قالَ : كانَ يسوي صفوفنا ، ويقول : سووا تراحموا ، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم .\r* * *","part":5,"page":139},{"id":1062,"text":"73 -باب\rالصَّف الأَولِ\r720-حدثنا أبو عاصم ، عن مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( الشهداء : الغرق ، والمطعون ، والمبطون ، والهدم )) .\r721 - وقال : (( لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ، ولو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا )) .\rقد سبق هذا الحديث في ((باب : الاستهام في الأذان )) وفي (( باب : فضل التهجير إلى الظهر )) ، وذكرنا معنى الاستهام على الصف .\rوقد روي للصف الأول فضائل عديدة :\rفمنها : أنه على مثل صف الملائكة .\rخرج الأمام أحمد وأبوا داود والنسائي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ -في حديث ذكره - : (( والصف الأول على مثل صف الملائكة ، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه )).\rومنها : أنه خير صفوف الرجال .\rففي (( صحيح مسلم )) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( خير صفوف الرجال أولها ، وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها , وشرها أولها )) .\rومنها : أن الله وملائكته يصلون عليهِ .\rفخرج الأمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب ، عن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول )) .\rوخرجه ابن ماجه ، وعنده : (( على الصف الأول )) .\rوخرجه -أيضاً- بهذا اللفظ من حديث عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوالصواب : إرسال إسناده - : قاله أبو حاتم والدار قطني .\rوخرجه الأمام أحمد بهذا اللفظ من حديث النعمان بن بشير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومن حديث أبي أمامة ، وفي حديثه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالها ثلاثاً . فقيل لهُ :\rيارسول الله ، والثاني ؟ فقالَ - في الثالثة - : (( وعلى الثاني )) .\rومنها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استغفر لهُ ثلاثاً دون ما بعده .\rفخرج ابن ماجه من حديث العرباض بن سارية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يستغفر للصف المقدم ثلاثاً ، وللثاني مرة .\rوخرجه النسائي ، وعنده : (( يصلي )) مكان : (( يستغفر )) .\rومنها : أنه أحصن الصفوف من الشيطان .\rفروى قتادة ، عن أبي قلابة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لأصحابه : (( أي شجرة أبعد من الخارف والخاذف ؟ )) قالوا : فرعها . قالَ : (( فكذلك الصف المقدم ، هوَ أحصنها من الشيطان )) .\rورواه جماعة ، فقالوا : عن قتادة ، عن أنس .\rوالصواب : عن أبي قلابة - : قاله الدارقطني وغيره . وأنكر أبو زرعة وصله .\rوروي نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعاً بإسناد ضعيف .\rومنها : أن الصلاة فيهِ تقتضي التقدم إلى الله ، فإن التأخر عنه يقتضي التأخر .\rففي(( صحيح مسلم )) عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه رأى في أصحابه\rتأخرا ، فقالَ: (( تقدموا ، فائتموا بي ، وليأتم من بعدكم ، لايزال قوم يتأخرون حتى يأخرهم الله - عز وجل - )) .","part":5,"page":140},{"id":1063,"text":"وخرج أبو داود وابن خزيمة في (( صحيحه )) من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( لا يزال أقوام يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار)) .\rواختلف الناس في الصف الأول : هل هوَ الذي يلي الأمام بكل حال ، أم الذي لا يقطعه شيء ؟ وفيه قولان للعلماء .\rوالمنصوص عن أحمد :أن الصف الأول هوَ الذي يلي المقصورة ، وأن ما تقطعه المقصورة فليس هوَ الأول - : نقله عنه المروذي وأبو طالب وأحمد بن القاسم وغيرهم .\rوقال أبو طالب :سئل أحمد عن الصلاة في المقصورة ؟ قالَ : لا يصلي فيها ،هوَ الذي يلي المقصورة ، فيخرج من المقصورة فيصلي في الصف الأول .\rوروى وكيع عن عيسى الحناط ،عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج إلى المسجد .\rوعن شعبة ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار ، قالَ : كانَ أصحاب عبد الله\r-يعني : ابن مسعود- يقولون : الصف الأول الذي يلي المقصورة .\rوروي ذَلِكَ عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود .\rوقال الشعبي : المقصورة ليست من المسجد .\rذكر ذلك كله وكيع في (( كتابه )) .\rفأما الصف الذي يقطعه المنبر ، فهل هوَ الصف الأول ، أم لا ؟\rقالَ أحمد - في رواية أبي طالب والمروذي وغيرهما - : إن المنبر لا يقطع الصف ، فيكون الصف الأول الذي يلي الإمام وإن قطعه المنبر ، بخلاف المقصورة .\rوتوقف في ذَلِكَ في رواية الأثرم وغيره .\rوقالت طائفة : الصف الأول هوَ الذي يلي الإمام بكل حال ، ورجحه كثير من أصحابنا ، ولم أقف على نص لأحمد به .\rوقال آخرون : الصف الأول المراد به أول من يدخل المسجد للصلاة فيهِ .\rقالَ ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة ، وإن لم يصل في الصف الأول ، أفضل ممن تأخر ثم تخطى الصفوف إلى الصف الأول .\rقالَ : وفي هذا ما يوضح أن معنى فضل الصف الأول : أنه ورد من اجل البكور إليه ، والتقدم . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .انتهى .\rوحمل أحاديث فضل الصف الأول على البكور إلى المسجد خاصة لا يصح، ومن تأمل الأحاديث علم أن المراد بالصف الأول الصف المقدم في المسجد، لا تحتمل غير ذَلِكَ.\rوخرج الأمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في (( صحيحه )) من حديث أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( أتموا الصف المقدم ، ثم الذي يليه ، فما كانَ من نقص فليكن في الصف المؤخر )) .\r* * *","part":5,"page":141},{"id":1064,"text":"74 -بَابُ\rإقَامَةِ الصَّف مِن تَمَامِ الصَّلاةِ\r722-حدثنا عبد الله بن محمد : ثنا عبد الرزاق : أنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا عليهِ ، فإذا ركع فأركعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ، وأقيموا الصف في الصلاة ؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة )) .\r723 - حدثنا أبو الوليد : ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( سووا صفوفكم ؛ فأن تسوية الصف من إقامة الصلاة )) .\rفي حديث أبي هريرة : أن إقامة الصف من حسن الصلاة ، والمراد : أن الصف إذا أقيم في الصلاة كانَ ذَلِكَ من حسنها ، فإذا لم يقم نقص من حسنها بحسب ما نقص من إقامة الصف .\rوفي حديث أنس : أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة ، والمراد بإقامتها :الإتيان بها على وجه الكمال .\rولم يذكر في القرأن سوى إقامة الصلاة،والمراد:الإتيان بها قائمة على وجهها الكامل.\rوقد صرح في هذا الحديث بأن تسوية الصفوف من جملة إقامتها ، فإذا لم تسو الصفوف في الصلاة نقص من إقامتها بحسب ذَلِكَ -أيضا- والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":142},{"id":1065,"text":"75- بَابُ\rإثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصَّفَّ\r724 -حدثنا معاذ بن أسد : ثنا الفضل بن موسى : أنا سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار الأنصاري ، عن أنس بن مالك ، أنه قدم المدينة ، فقيل لهُ : ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : ما أنكرت شيئاً ، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف .\rوقال عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار : قدم علينا أنس المدينة - بهذا .\rعقبة بن عبيد الطائي ، هوَ : أخو سعيد بن عبيد الذي روى هذا الحديث عن\rأنس ، ويكنى أبى الرحال .\rلم يخرج لهُ في الكتب الستة سوى هذا الحديث الذي علقه البخاري هاهنا .\rوقد خرج حديثه الإمام أحمد ، عن أبي معاوية ، عن عقبة بن عبيد ، عن بشير بن يسار ، قالَ : قلت لأنس بن مالك : ما أنكرت من حالنا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : أنكرت أنكم لا تقيمون الصفوف .\rوفي هذا الحديث : دليل على أن تسوية الصفوف كانَ معروفا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن الناس غيروا ذَلِكَ بعده .\rوالظاهر : أن أنس بن مالك إنما قالَ هذا في أوائل الأمر ، قبل أن يؤخر بنو أمية الصلوات عن مواقيتها ، فلما غير بنو أمية مواقيت الصلاة قالَ أنس : ما أعرف شيئا مما كانَ على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقيل لهُ : ولا الصلاة ؟ قالَ : أو ليس قد صنعتم فيها ما صنعتم . وقد سبق هذا الحديث في أوائل (( المواقيت )) .\rوأما استدلال البخاري به على إثم من لم يتم الصف ففيه نظر ؛ فإن هذا إنما يدل على أن هذا مما ينكر ، وقد ينكر المحرم والمكروه .\rوكان الاستدلال بحديث : (( لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم )) على الإثم أظهر ، كما سبق التنبيه عليهِ .\r* * *","part":5,"page":143},{"id":1066,"text":"76-بَابُ\rإلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بالْمَنْكِبِ وَالْقَدَمِ بالْقَدَمِ في الصَّفَّ\rوقال النعمان بن بشير : رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه .\r725-حدثنا عمرو بن خالد : ثنا زهير ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ: (( أقيموا صفوفكم ؛ فإني أراكم من وراء ظهري )) . وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وقدمه بقدمه .\rحديث أنس هذا : يدل على أن تسوية الصفوف : محاذاة المناكب والأقدام .\rوحديث النعمان للذي علقه البخاري ، خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة في (( صحيحه )) من رواية أبي القاسم الجدلي ، قالَ : سمعت النعمان ابن بشير يقول : أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه ، فقالَ : (( أقيموا صفوفكم )) - ثلاثا - (( والله لتقيمن صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين قلوبكم )) .قالَ : فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه ، وركبته بركبة صاحبه ، وكعبه بكعبه .\rأبو القاسم الجدلي،أسمه : الحسين بن الحارث الكوفي . قالَ ابن المديني . معروف . ووثقه ابن حبان .\rوفي هذا الحديث : دلالة على أن الكعب هوَ العظم الناتيء في أسفل الساق ، ليس هوَ في ظهر القدم ، كما قاله قوم .\rوقد تقدم من حديث النعمان بن بشير ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى رجلاً ناتئاُ صدره في الصف غضب ، وأمرهم بتسوية الصفوف .\rوفيه :دليل على أن استواء صدور القائمين في الصف - أيضا .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في\r(( صحيحيهما )) من حديث أبان ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ :\r(( رصوا صفوفكم ، وقاربوا بينها ، وحاذوا بالأعناق )) .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي الزاهرية ، عن كثير بن مرة ، عن إبن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين المناكب ، وسدوا الخلل ، ولينوا بأيدي إخوانكم )) .\rوخرجه أبو داود -أيضا- من وجه آخر ، عن أبي الزاهرية ، عن كثير بن مرة - مرسلاً .\rوقيل : عن كثير بن مرة ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولا يصح .\rوخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( سووا صفوفكم ، وحاذوا بين مناكبكم ، ولينوا في أيدي إخوانكم ، وسدوا الخلل )) .\rوخرج الأمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث البراء بن عازب ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية ، يمسح مناكبنا وصدورنا ، يقول : (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم )) .\rوروى أبو نعيم في (( كتاب الصلاة )) بإسناده ، عن عمر ، أنه كانَ يسوي الصفوف في الصلاة ، يقول : سووا مناكبكم في الصلاة .\rوعن عثمان ، أنه قام خطيبا في الناس ، فقالَ : سووا صفوفكم والأقدام ، وحاذوا بالمناكب .\r* * *","part":5,"page":144},{"id":1067,"text":"77-بَابُ\rإذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ وَحَوَّلَهُ\rالإِمَامُ خَلْفَهِ إِلَى يَمِيِنِهِ تَمَّتْ صَلاَتُهُ\r762-حدثنا قتيبة بن سعيد : ثنا داود ، عن عمرو بن دينار ، عن كريب مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، قالَ : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فقمت عن يساره ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأسي من ورائي ، فجعلني عن يمينه فصلى ورقد ، فجاءه المؤذن ، فقام يصلي ، ولم يتوضأ .\rمقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن ابن عباس كانَ قد صف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يساره ، لكنه لما كان موقفه مكروها حوله النبي - صلى الله عليه وسلم - منه ، فأداره من ورائه إلى يمينه ، فدل على أن إزالة بعض من في الصف عن مقامه وتحويله من الصف في الصلاة لمصلحة جائز ، وصلاته تامة ، وإن كانَ قد خرج من الصف وتأخر عنه .\rولا يدخل هذا في ترك تسوية الصفوف المنهي عنه ، وإن كانَ فيهِ تأخر عن الصف ، إلا أن المقصود منه : أن يعود إلى الصف على وجه أكمل من مقامه ، فهوَ شبيه بإبطال الصلاة المكتوبة إذا دخل فيها منفردا ، ثم أقيمت الصلاة ليؤديها في جماعة .\rوقريب منه : تخريب بناء المسجد لأعادته على وجه أكمل منه .\rوفي الحديث-أيضا - : دليل على أن مصير المأموم فذا خلف الإمام -أو خلف الصف-وقتا يسيرا لا تبطل به الصلاة ، إذا زالت فذوذيته قبل الركوع ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرج ابن عباس من جهة يساره إلى ورائه ، فصار فذا في تلك الحالة ، ثم أعاده إلى يمينه في الحال ، فزالت فذوذيته سريعا ، ووقف في موقف هوَ أكمل من مقامه الأول قبل الركوع .\rوسيأتي القول في ذَلِكَ في (( باب : الركوع دون الصف )) - إن شاء الله تعالى .\r* * *","part":5,"page":145},{"id":1068,"text":"78 - باب\rالمَرأَةِ تكونُ وَحْدَهَا صَفاً\r727 -حدثنا عبد الله بنِ محمد: ثنا سفيان ، عَن إسحاق ، عَن أنس بنِ مالك ، قالَ : صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وأمي خلفنا : أم سليمٍ .\rدل هَذا الحديث على أن المرأة إذا صلت معَ الرجال ، ولم تجد امرأةً تقف معها قامت وحدها صفاً خلف الرجالِ .\rوهذا لا اختلاف فيهِ بين العلماء ؛ فإنها منهيةٌ أن تصف معَ الرجال ، وقد كانت صفوفُ النساء خلف الرجال في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين ، ولهذا قالَ ابن مسعود : أخروهنَّ مِن حيث أخرهنَّ الله .\rخرجه وكيعٌ وغيرهُ .\rولا يعلم في هَذا خلاف بين العلماء ، إلا أنَّهُ روي عَن أبي الدرداء ، أن الجارية التي لَم تحضِ تقف معَ الرجال في الصف .\rفأما إن وجدت امرأةً تقفُ معها ، ثُمَّ وقفت وحدها ، فهل تصح صلاتها\rحينئذٍ ؟ فيهِ لأصحابنا وجهان .\rأحدهما : لا تصحُّ ، وَهوَ ظاهر كلام أبي بكرٍ الأثرم ، وقول القاضي أبي يعلى في (( تعليقه )) وصاحب (( المحرر )) ، إلحاقاً للمرأة بالرجل ، معَ القدرة على المصافّةِ .\rوالثاني : تصحُّ ، وَهوَ قول صاحب (( الكافي )) أبي محمد المقدسي ، وَهوَ ظاهر تبويب البخاري ؛ لأن المرأةَ تكون وحدها صفاً ، ولا تحتاج إلى مِن يصافّها ، وكذا قالَ الإمام أحمد في رواية حربٍ : المرأة وحدها صفٌ .\rوقد استدل طائفة مِن العلماء بصلاة المرأة وحدها على صحة صلاة الرجل\rالنفل ، وهذا جمعُ بين ما فرقت السنة بينهُ ؛ فإن السنة دلت على صحة صلاة المرأة وحدها خلف الصفوف ، ونهت الرجل عَن ذَلِكَ ، فأمرتهُ بالإعادة ، على ما يأتي ذكرهُ في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوأقرب مِن هَذا : قولُ مِن قالَ : إن صلاةَ الرجلِ خلف الصفوف وحده إذا تعذَرَ عليهِ مِن يصافه تصحُّ إلحاقاً لها بصلاة المرأة وحدها ، إذا لَم تجد مِن يصافها ، كَما قالَه بعض المتأخرين مِن أصحابنا ، ولكن المذهب خلافهُ .\rواستدل - أيضاً - بحديث أنسٍ هَذا على أن الإمام إذا كانَ خلفهُ رجلانِ أو صبيان قاما خلفه ، وهذا قول جمهور العلماء .\rوكان ابن مسعود يرى ان الاثنين يقومان معَ الإمام عَن يمينه وشماله .\rخرجه مسلم بإسناده عَنهُ .\rوخرجه أبو داود والنسائي ، عنه - مرفوعاً .\rوقال ابن عبد البر : لا يصح رفعهُ .\rفَمِن العلماء مِن قالَ : نُسخ ذَلِكَ ؛ لأن ابن مسعودٍ قرنه بالتطبيق في حديث واحد ، والتطبيق منسوخٌ ، فكذلك القيام .\rومنهم مِن تأوَّله على أنَّهُ فعله لضيقِ المكان ، رويَ ذَلِكَ عَن ابن سيرين .\rوفيه نظرٌ .\rومنهم من تأوَّلهُ على ابن مسعودٍ فعل ذَلِكَ بعلقمة والأسود حيث فاتتهم الجمعةُ ، وقصد إخفاء الجماعة للظهر يومَ الجمعةِ ، وعلى ذَلِكَ حملهُ الإمام أحمد في رواية إسحاق بنِ هانئ ، وفعله -أيضاً- معَ صاحبين لَهُ في مسجدٍ مِن المساجد .","part":5,"page":146},{"id":1069,"text":"ومنهم مِن تأوله على أن علقمة كانَ غلاماً ، فلم يرَ ابن مسعودٍ للأسود أن يصافه في الفريضة ، وعلى ذَلِكَ حمله الإمام أحمد في رواية أخرى عَنهُ ، نقلها عَنهُ ابنه\rعبد الله والميموني وغيرهما .\rوحمل أحمد حديث أنسٍ هَذا في مصافته لليتيم على أن الصلاةَ كانت نفلاً ، والرجلُ يجوز لَهُ أن يصافف الصبيَّ في النفل خاصة .\rوقد خرج هَذا الحديث أبو داود مِن حديث ثابتٍ ، عَن أنسٍ ، وفيه : فصلى بنا ركعتين تطوعاً .\rوقد سبق الكلامُ عليهِ مستوفىً في (( باب : الصلاة على الحصير )) .\rوقال الإمام أحمد - مرة أخرى - : قلبي لا يجسر على حديث إسحاق ، عَن أنسٍ ؛ لأن حديث موسى خلافهُ ، ليسَ فيهِ ذكر اليتيمِ .\rقالَ أبو حفصٍ البرمكيُّ مِن أصحابنا : حديث إسحاق الذِي فيهِ ذكر اليتيمِ .\rوحديث موسى خرجه مسلمٌ مِن طريق شعبةَ ، عَن عبد الله بنِ المختار : سمع موسى بنِ أنس يحدث ، عَن أنس بنِ مالكٍ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى به وبأمه -أو خالته- قالَ : فأقامني عن يمينه ، وأقام المرأةَ خلفَنا .\rوخرج مسلم - أيضاً - مِن طريق سليمانِ بنِ المغيرةِ ، عَن ثابت ، عَن أنسٍ ، قالَ : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - علينا ، وما هوَ إلا أنا وأمِّي وأُمُّ حَرامٍ خالتي ، فقالَ : (( قوموا فلأُصلِّي بكم )) في غير وقت صلاةٍ ، فصلى بنا ، فقالَ رجل لثابت : أين جعل أنساً\rمنهُ ؟ قالَ : جعله عَن يمينه .\rوخرجه أبو داود مِن طريق حماد بنِ سلمة ، عَن ثابتٍ ، وقال فيهِ : فأقامني عَن يمينه وأمَّ حرامٍ خلفنا .\rوفي رواية لَهُ : قالَ ثابت : لا أعلمه إلا قالَ : أقامني عَن يمينه .\rوقد رجَّح الدارقطنيُّ وغيرهُ وقفَ الحديثِ على أنسٍ ، وأنه هوَ الذِي أقام ثابتاً عَن يمينه .\rوفي الجملة ؛ فللعلماء في هَذهِ الأحاديث ، عَن أنسٍ مسلكان :\rأحدهم : تعارُضُهُما ، وترجيح رواية موسى بنِ أنسٍ عَنهُ ؛ لموافقتِهِ لحديث ابن عباسٍ وغيرهِ .\rوالثاني : أنهما قضيَّتان متغايرتانِ ، وَهوَ مسلكُ ابن حبان وغيره .\rوأجاز أحمد مصافة الرجل للصبيِّ في النفل دونَ الفرض ، كَما قال ذَلِكَ في إمامته بالرجال في إحدى الروايتين عَنهُ .\rومن أصحابنا مِن قالَ : يصحّ مصافته في الفرض والنفلِ .\rومنهم مِن قالَ : لا يصحُّ فيهما وحمل كلام أحمد على أن النفل يصحُّ فيهِ صلاةُ الفذِّ خلف الصفوفِ . وهذا بعيدٌ .\rواستدل بعضُ مِن يرى صحةَ صلاةِ الفذِّ بمصافةِ أنسٍ لليتيم ، ذكره الترمذي في (( جامعه )) ، ثُمَّ ردَّهُ . بأنهُ لو كانَ الصبيُّ لا صلاةَ لَهُ لأقام أنساً عَن يمينه .\rويحتمل- أيضاً - أن يكون أنسٌ حينئذٍ كانَ صبياً لم يبلغِ الحلمَ ، أو أن الذِي صلى معه كانَ بالغاً ، وسمى يتيماً تعريفاً لَهُ بما كانَ عليهِ ، كَما يُقال : أبو الأسودِ يتيمٌ عروةَ .\rوأكثر العلماء على أن الرجل يصحُّ أن يصافَّ الصبيَّ ، وَهوَ قولُ الثوريِّ .","part":5,"page":147},{"id":1070,"text":"وقالَ الأوزاعي : إن كانَ الصبِّيان ممن نَبتَ صفَ الرجلُ والصبيان خلف الإمام ، وإن كانَ ممن لا نبت قامَ الرجلُ عَن يمين إمامهِ .\rوقال حرب : سألت إسحاق عَن رجلٍ صلَّى وحضره رجلٌ وغلامٌ ابنُ ستِّ سنينَ ، كيف يقيمهما ؟ قالَ : يقيمهما خلفه : قلت يُقيمهما جميعاً عَن يمينه ؟ فلم يرخص فيهِ ، وذكر حديث أنسٍ : صليت أنا ويتيمٌ لنا خلفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد تقدم عَن الحسن ، أن مِن صلَّى معه رجلٌ وامرأةٌ قام الرجل خلفه والمرأةُ خلفهما .\rوَهوَ مخالفٌ لرواية موسى بنِ أنسٍ وثابتٍ ، عَن أنسٍ .\rوجمهورُ أهلِ العلم على أنَّ الرجل يقوم عَن يمين الإمام ، والمرأة خلفه ، فعلى قول الحسن إذا كانَ معَ الرجل صبيٌّ ، فلا إشكال عنده في مصافة الرجل .\rواستدل - أيضاً - بحديث أنسٍ هَذا على أنَّ الصبي يقوم في صفِّ الرجال مِن غير كراهةٍ ، قَد رُويت كراهته عن عمر بنِ الخطاب وأُبي بنِ كعبٍ ، وكانا يُخرجان الصبيان مِن صفوف الرجال ، وَهوَ قولُ الثوري وأحمد .\rوأجاب أحمد عَن حديث أنسٍ هَذا في إقامةِ اليتيم معَ أنسٍ،بأنَّهُ كانَ في التطوع .\rويُجاب عَنهُ- أيضاً - بأنَّ الكراهة إنما هي حيث كانَ هناك رجالٌ يملئون\rالصفَّ ، فيمنع الصبيُّ ، ويخرج منهُ ليقوم مقامه رجلٌ ، فَهوَ أولى بالصفِّ منهُ ، فأما في حديث أنسٍ ، فإنما هوَ ويتيمٌ واحدٌ في بيت ، فلم يكن مقام اليتيم مانعاً للرجالِ مِن الصلاةِ في الصفِّ مكانه .\rوعلى تقدير أن يكون أنسٌ صبياً إذ ذاكَ لَم يبلغِ الحلمَ ، فَقد كانا جميعاُ صبيين . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r* * *","part":5,"page":148},{"id":1071,"text":"79 - باب\rمَيْمَنَةَ المَسْجِدِ واَلإِمامِ\r728- حدثنا موسى : ثنا ثابتُ بنِ يزيدَ : ثنا عَاصِمٌ ، عَن الشعبي ، عَن ابن عبَّاسٍ ، قالَ قُمتُ ليلةً أُصلِّي عَن يَسارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذَِ بيدي - أو بعضُدي - حَتَّى أقامَني عَن يمينهِ ، وقَالَ بيدهِ مِن ورائِي .\rمرادُ البخاري بهذا الحديث في هَذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حوَّل ابن عباس مِن عَن يساره إلى يمينه دلَّ على أن موقف المأمومِ عَن يمين الإمام ، وأن جهةَ اليمين أشرفُ وأفضل فلذلك يكون موقفُ المأمومِ الواحدِ منها ، فيُستدلُ بذلك على أن جهةَ يمين الإمام للمأمومين الذين يقومون خلف الإمام أشرف وأفضلُ مِن جهة يساره .\rوقد ورد في هَذا أحاديثٌ مصرحةٌ بذلك :\rفخرج ابن ماجه مِن رواية أسامةَ بنِ زيدٍ ، عَن عثمان بنِ عروةَ ، عَن عروةَ ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إنَّ الله وملائكتَه يصلُّون على ميامنِ الصفُوفِ )) .\rخرجه مِن رواية معاوية بنِ هشام ، عَن سفيان ، عَن اسامة ، بهِ .\rوذكر البيهقي : أنه تفرد به معاوية ، عن سفيان . قالَ : ولا أراه محفوظاً ، وإنما المحفوظ بهذا الإسناد : (( إن الله وملائكته يصلُّون على الذين يصلون الصفوف )) .\rوخرج النسائيُّ وابن ماجه مِن حديث ثابت بنِ عبيدٍ ، عَن ابن البراء بنِ عازب ، عَن البراء ، قالَ : كنَّا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - مما نحب - أو أحبُّ - أن نقوم عَن\rيمينه .\rوخرج ابن ماجه مِن رواية ليث بنِ أبي سُليمٍ ، عَن نافعٍ ، عَن ابن عمرَ قالَ : قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن ميسرةَ المسجد تعطلت . فقالت النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( مِن عمَّر ميسرة المسجد كتب لَهُ كفلان مِن الأجر )) .\rوخرج البيهقي بإسناد فيهِ جهالةٌ ، عَن أبي برزة ، قالَ لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن استطعت أن تكون خلف الإمام ، وإلا فعن يمينه )) . وقال : هكذا كانَ أبو بكر وعمرُ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرجه الطبراني -أيضاً- وخرج الطبراني والعقيلي وابن عدي مِن حديث ابن عباس مرفوعاً في فضل الوقوف بإزاء الإمام .\rوخرجه أبو بكر بن أبي داود -أيضاً- من حديث أنس مرفوعاً .\rوكلا الإسسنادين لا يصح .\rوروي مرسلاً ؛ رواه هشيمٌ ، عَن داود بنِ أبي هندٍ أرسله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوروى وكيع في (( كتابه )) عَن إسرائيل ، عَن الحجاج بنِ دينار ، يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( فضل أهل ميمنة المسجد على أهل المسجد بضعٌ وعشرون درجةً )) .\rوعن سفيان ، عَن ابن جريجٍ ، عَن عطاء ، عَن عبد الله بنِ عمرو ، قالَ : أفضلُ المسجد ناحية المقام ، ثُمَّ ميامنُه .\rوعن الربيع ، عَن الحسن ، قالَ : أفضل الصفوف الصف المقدمُ ، وأفضلهُ مما يلي الإمام .\rوكأنه يريد : مقامَ الإمام . والله أعلم وأكثر العلماء على تفضيل ميمنة الصفوف وخلف الإمام .\rوأنكره مالكٌ .","part":5,"page":149},{"id":1072,"text":"ففي (( تهذيب المدونَّةِ )) : ومن دخل المسجد وقد قامت الصفوفُ قامَ حيث شاءَ ، إن شاء خلف الإمام ، وإن شاء عَن يمينه أو عَن يساره . وتعجب مالك ممن قالَ : يمشي حتى يقف حذوَ الإمام .\r* * *","part":5,"page":150},{"id":1073,"text":"80 - باب\rإذا كانَ بينَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ اَوْ سُتْرَةٌ\rوقال الحسنُ : لا بأس أن تصلِّي وبينكَ وبينهُ نهر .\rوقال أبو مجلزٍ : يأتمُّ بالإمامِ - وإنْ كانَ بينهما طَريقٌ أو جدارٌ - إذا سمعَ تكبيرَ الإمامِ .\rمرادُ البخاري بهذا الباب : أنَّهُ يجوز اقتداء المأمومِ بالإمام ، وإن كانَ بينهما طريق أو نهر ، أو كانَ بينهما جدار يمنع المأموم مِن رؤية إمامه إذا سمع تكبيره .\rفهاهنا مسألتان :\rإحداهما :\rإذا كانَ بين الإمام والمأموم طريق أو نهر ، وقد حكى جوازه في صورة النهر عَن الحسن ، وفي صورة الطريق عَن أبي مجلز .\rوقال الأوزاعي في السفينتين ، يأتم مِن في أحداهما بإمام الأخرى : الصلاة\rجائزةٌ ، وإن كانَ بينهما فرجةٌ ، إذا كانَ أمام الأخرى - وبه قالَ الثوري : نقله ابن المنذر .\rوروى الأثرم بإسناده ، عَن هشام بن عروة ، قالَ : رأيت أبي وحميد بنِ\rعبد الرحمن يصليان الجمعة بصلاة الإمام في دار حميدٍ ، وبينهما وبين المسجد جدارٌ .\rوكره آخرون ذَلِكَ :\rروى ليثُ بنُ أبي سليمٍ ، عَن نعيم بنِ أبي هندٍ ، قالَ : قالَ عمر بنِ الخطاب : مِن صلى وبينه وبين الإمام نهرٌ أو جدار أو طريق لَم يصل معَ الإمام .\rخرجه أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر في كِتابِ (( الشافي )) .\rوكره أبو حنيفة وأحمد أن يصلي المأموم وبينه وبين إمامه طريقٌ لا تتصل فيهِ الصفوف ، فإن فعل ، فقالَ أبو حنيفة : لا تجرئه صلاته . وفيه عَن أحمد روايتان .\rوالنهر بصلاة الذِي تجري فيهِ السفن كالطريق عند أحمد . وعن أحمد جوازه .\rواحتج بصلاة أنسٍ في غرفة يوم الجمعة .\rفَمِن أصحابه مِن خصه بالجمعة عند الزحام . والأكثرون لَم يخصُّوه بالجمعة .\rوكذلك مذهب إسحاق :\rقالَ حربٌ : قلت لإسحاق : الرجل يصلي في داره ، وبينه وبين المسجد طريقٌ يمرُّ فيهِ الناس ؟ قالَ : لا يعجبني ، ولم يرخِّص فيهِ . قلت : صلاتهُ جائزةٌ ؟ قالَ : لو كانت جائزةً كنت لا أقول : لا يعجبني . قالَ : إلا أن يكون طريق يقوم فيهِ الناس ، ويصفون فيهِ للصلاة . قلت : فإنَّا حين صلينا لَم يمرَّ فيهِ أحدٌ ، فذهب إلى أن الصلاة جائزةٌ .\rقلت لإسحاق : فرجل صلى وبين يديه نهرٌ يجري فيهِ الماء ؟ قالَ : إن كانَ نهراً تجري فيهِ السفن فلا يصلِّ ، وإن لَم يكن تجري فيهِ السفن فَهوَ أسهل .\rوكره آخرون الصلاة خلف الإمام خارجَ المسجد :\rروي عَن أبي هريرة وقيس بنِ عبادةَ ، قالا : لا جمعة لمن لَم يصلِّ في المسجد .\rورخصت طائفةٌ في الصلاة في الرحاب المتصلة بالمسجد ، منهم : النخعيُّ والشافعيُّ .\rوكذلك قالَ مالك ، وزاد : أنَّهُ يصلي فيما اتصل بالمسجد مِن غيره .\rذكر في (( الموطأِ )) عَن الثقة عنده ، أن الناس كانوا يدخلون حُجَرَ أزواجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يصلُّون فيها الجمعة . قالَ : وكان المسجد يضيقُ على أهله .","part":5,"page":151},{"id":1074,"text":"وحجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليست مِن المسجد ، ولكن أبوابها شارعةٌ في المسجد .\rقالَ مالك : فَمِن صلى في شيء مِن المسجد أو في رحابه التي تليه ، فإن ذَلِكَ مجزئٌ عَنهُ ، ولم يزلْ ذَلِكَ مِن أمر الناس ، لَم يعبه أحدٌ مِن أهل الفقه .\rقالَ مالك : فأما دارٌ مغلقةٌ لا تدخل إلا بإذن ، فإنه لا ينبغي لأحد أن يصلي فيها بصلاةِ الإمام يوم الجمعة ، وإن قربُت ، فإنها ليست مِن المسجد .\rوفي (( تهذب المدونة )) . أن ضابطَ ذَلِكَ : أن ما يُستطرَقُ بغير إذن مِن الدور والحوانيت تجوز الصلاة فيهِ ، وما لا يدخل إليهِ إلا بإذن لا يجوز ، وأن سائر الصلوات في ذَلِكَ كالجمعة .\rوروى الأثرمُ بإسناده ، عَن محمد بن عمرو بنِ عطاءٍ ، قالَ : صليت معَ ابن عباسٍ في حجرة ميمونةَ زوجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الإمام يوم الجمعة .\rوبإسناده ، عَن عطاء بنِ أبي ميمونة ، قالَ كنت معَ أنسِ بنِ مالك يوم جمعة ، فلم يستطع أن يزاحم على أبواب المسجد ، فقالَ : اذهب إلى عبد ربِّه ابن مخارقٍ ، فقل لَهُ : إن أبا حمزة يقول لك : أتأذن لنا أن نصلي في دارك ؟ فقالَ : نعم . فدخل فصلَّى بصلاة الإمام ، والدار عَن يمين الإمام .\rفهذا أنسٌ قَد صلى في دار لا تُدخل بغير إذن ، وحجر أزواجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل هدمها وإدخالها في المسجد لَم تكن تُدخل بغير إذنٍ - أيضاً .\rوقد استدل أحمد بالمروي عَن أنس في هَذا في رواية حرب ، ورخص في الصلاة في الدار خارج المسجد ، وإن كانَ بينها وبين المسجد طريقٌ ، ولم يشترط الإمام أحمد لذلك رؤية الإمام ، ولا مِن خلفه ، والظاهر : أنه اكتفى بسماعِ التكبير .\rواشترط طائفة مِن أصحابه الرؤية . واشترط كثيرٌ مِن متقدميهم اتصال الصفوف في الطريق .\rوشرطه الشَافِعي - أيضاً - قالَ في رواية الربيع فيمن كانَ في دار قرب المسجد ، أو بعيداً منهُ : لَم يجز لَهُ أن يصلي فيها ، إلا أن تتصل الصفوف بهِ ، وَهوَ في أسفل\rالدار ، لا حائل بينه وبين الصفوف .\rواستدلَّ بقول عائشة - مِن غير إسناد - ، وتوقف في صحته عنها .\rوذكره بإسناده في رواية الزعفراني ، فقالَ : حدثنا إبراهيم بنِ محمد ، عَن ليثٍ ، عَن عطاء ، عَن عائشة ، أن نسوةً صلْين في حجرتها ، فقالت : لا تصلِّين بصلاة الإمام ؛ فإنكنَّ في حجابٍ .\rوهذا إسناد ضعيفٌ ، ولذلك توقف الشَافِعي في صحته .\rالمسألة الثانية :\rإذا كانَ بين المأموم والإمام حائلٌ يمنع الرؤية ، فَقد حكى البخاري عَن أبي مجلَزٍ أنه يجوز الاقتداء بهِ إذا سمع تكبير الإمام .\rوأجازه أبو حنيفة وإسحاق . قالَ إسحاق : إذا سمع قراءته واقتدى بهِ .\rوقد تقدم كلام الشافعي في منعه ، واستدلاله بحديث عائشة . قالَ الشَافِعي : هَذا مخالف للمقصورة ، المقصورة شيء مِن المسجد ، فَهوَ وإن كانَ حائلاً بينه وبين ما وراءَها ، فإنما هو كحول الأصطوانِ أو أقلَّ ، وكحول صندوق المصاحف وما أشبهَهَ .","part":5,"page":152},{"id":1075,"text":"وحاصلُه : إن صلَّى في المسجد وراء الإمام لَم يشترط أن يرى فيهِ الإمام بخلاف مِن صلَّى خارج المسجد .\rوحكى أصحابنا روايتين عَن أحمد فيمن صلَّى في المسجد بسماعِ التكبير ، ولم يرَ الإمام ولا مَنْ خلفهُ : هل يصح اقتداؤهُ بهِ ، أو لا ؟\rوحكوا روايةً ثالثةً : أنَّهُ يصحُّ اقتداؤه بهِ ، سواء صلى معه في المسجد ، أو صلى خارجاً مِن المسجد .\rقالَ أحمد في رواية حنبلٍ : إذا صلَّى الرجلُ وَهوَ يسمع قراءة الإمام في دار أو في سطح بيته كانَ ذَلِكَ مجزئاً عَنهُ ، وفي الرحبة .\rقالَ أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر في كِتابِ (( الشافي )) : ذَلِكَ جائزٌ إذا اتصلت الصفوف ، وعلم التكبير والركوع والسجود ، وأن لا يكون الدار والسطح مقدم القبلة ، ولا فوق الإمام ؛ فإنهم لا يمكنهم الاقتداء بهِ ولا اتباعه ، ولا يعرفون ركوعه ولا\rسجوده ، وكذلك في الرحاب والطرق تجوز الصلاة في ذَلِكَ إذا اتصلت الصفوف ، ورأى بعضهم بعضاً ، ولو أغلقت دونهم الأبواب ، وارتفعت الشبابيك بينهم ، أو كانَ عليها أبواب تُغلقُ، فلا يلحظون الصفوف ، ولا يرى بعضُهم بعضاً -يعني : أنَّهُ لا يصح اقتداؤهم بالإمام - قالَ : وَهوَ مذهب أبي عبد الله . انتهى ما ذكره .\rوَهوَ مبني على اشتراط الرؤية خارجَ المسجد ، وفيه خلافٌ سبق ذكره .\rوحُكي عن أحمد رواية : أن الحائل المانع للرؤية ، والطريق الذِي لا تتصل فيهِ الصفوف يمنع الاقتداء في الفرض دونَ النفل .\rوحُكي عَنهُ : أنه لا يمنع في الجمعة في حال الحاجة إليهِ خاصةً .\rوحُكي عَنهُ : إن كانَ الحائل حائِطَ المسجد لَم يمنع ، وإلا منع .\rوإن كانَ الحائل يمنع الاستطراق دونَ الرؤية لَم يمنع .\rوفيه وجهٌ : يمنع ، وحكاه بعضهم روايةً .\rخرج البخاري في هَذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r729 - حدثنا محمد : ثنا عبدةُ ، عَن يحيى بنِ سعيد الأنصاريِّ ، عَن عَمرةَ ،عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُصلي مِن الليل في حجرته ، وجدار الحجرة قَصير ، فرأى الناس شَخْص النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقام أُناسٌ يُصلونَ بصلاته ، فأصبحوا فتحدثوا بذلك ، فقام ليلته الثَّانية ، فقام معه أُناسٌ يصلون بصلاته ، صنعوا ذَلِكَ ليلتين - أو ثلاثاً - ، حتى إذا كانَ بعد ذَلِكَ جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يخرج ، فلما أصبح ذكر ذَلِكَ الناس ، فقالَ :\r(( إنِّي خَشيت أن تكتبُ عليكم صلاةُ الليلِ )) .\rليسَ في هَذهِ الرواية : دليل على جواز الائتمام مِن وراء جدارٍ يحول بين المأموم وبين رؤية إمامه ؛ فإنَّ في هَذا التصريح بأن جدار الحجرة كانَ قصيراً ، وأنهم كانوا يرونَ منهُ شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومثلُ هَذا الجدار لا يمنع الاقتداء .\rلكن ؛ روى هَذا الحديث هُشيمٌ ، عَن يحيى بنِ سعيد ، فاختصر الحديث ، وقال فيهِ : صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجرته ، والناس يأتمون به مِن وراء الحجرة .\rوهذا مختصر .","part":5,"page":153},{"id":1076,"text":"وقد أتم الحديث عبدة بنِ سليمان وعيسى بن يونس وغيرهما ، عَن يحيى بنِ\rسعيد ، وذكروا فيهِ : أن جدار الحجرة قصير ، وأن الناس كانوا يرون شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rالحديث الثاني :\r730 - حدثنا إبراهيم بنِ المنذر : ثنا ابن أبي فديك : ثنا ابن أبي ذئبٍ ، عَن المقبري ، عَن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن ، عَن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ لَهُ حصيرٌ يبسطهُ بالنهار ، ويحتجرهُ بالليلِ ، فثاب إليهِ ناسٌ فصفوا وراءهُ .\rمعنى (( يحتجره )) - أي : يتخذه كالحجرة ، فيقيمه ويصلي وراءه .\rوهذا هوَ المراد بالحجرة المذكورة في الحديث الذي قبله ، ليسَ المراد حجرة عائشة التي كانَ يسكن فيها هوَ وأهلهُ ؛ فإنَّ حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لها جدرات تحجب مِن كانَ خارجاً منها أن يرى مِن في داخلها .\rوقولها : (( فثاب عليهِ ناسٌ )) - أي : رجعوا ، فكأنهم كانوا قد صلوا العشاء وانصرفوا من المسجد ، فرجعوا إليه للصلاة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورُوي : (( فآب )) وبذلك فسَّرهُ الخطابي ، قالَ : معناه : جاءوا من كل أَوب ، آب أوباً وإياباً . ومنه : آب المسافر ، وهو : الرجوع .\rالحديث الثالث :\rقالَ :\r731 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد : ثنا وهيبٌ ، قالَ : ثنا موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت ، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ حجرة - قالَ : حسبت أنه قالَ : من حصير - في رمضان ، فصلى فيها ليالي ، فصلى بصلاته ناس من أصحابه ، فلما علم بهم جعل يقعد ، فخرج إليهم ، فقالَ : (( قد عرفت الذي رأيتُ من صنيعكم ، فصلوا أيها الناس في بيوتكم ؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته ، إلا المكتوبة )) .\rوخرَّجهُ - أيضاً - في (( الاعتصام )) من كتابه هذا من طريق عفان ، عن وهيبٍ ، به ، وقال فيهِ : اتخذ حجرةً في المسجد من حصير - ولم يذكر فيهِ شكاً .\rوخرجه - أيضاً - من رواية عبد الله بن سعيدٍ ، عن سالم مولى ابي النضر ، ولفظُ حديثه : احتجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجيرة مخصفة - أو حصيراً - ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فيها - وذكر الحديث .\rوهذه الحجرة هي المذكورة في حديث عائشة المتقدم ، وقد تبين أنها لم تكنْ تمنع رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن صلى وراءها خلفه .\rوقد روى ابن لهيعة حديث زيد بن ثابت هذا ، عن موسى بن عقبة ، بهذا الإسناد ، وذكر : أن موسى كتب به إليه ، واختصر الحديث وصحفهُ ، فقالَ : (( احتجم\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد )) . فقيل لابن لهيعة : مسجد بيتهِ ؟ قالَ : لا ، مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد خرج حديثه هذا الإمام احمد .\rوقوله : (( احتجم )) غلطٌ فاحش ؛ وإنما هوَ : (( احتجر )) - أي : اتخذ حجرةً .\rوهذا آخرُ (( أبواب : الإمامةِ )) ، وبعدها (( أبواب : صفة الصلاة )) .\r* * *","part":5,"page":154},{"id":1077,"text":"82 - باب\rإيجاب التكبير وافتتاح الصلاة\rفيهِ ثلاثةُ أحاديث :\r732 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب ، عن الزهري ، قالَ : أخبرني أنس بن\rمالك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرساً فجحشَ شقهُ الأيمن . قالَ أنس : فصلى لنا يومئذ صلاةً من الصلوات وهو قاعدٌ ، فصلينا وراءه قعوداً ، ثم قالَ لما سلمَ : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفعَ فارفعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهُ ، فقولوا : ربنا ولك الحمدُ )) .\r733 - حدثنا قُتيبةُ : ثنا الليث ، عن ابن شهابٍ ، عن أنس بن مالك ، قالَ : خرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس فجحشَ ، فصلى لنا قاعداً ، فصلينا معه قعوداً ، ثم انصرف ، فقالَ : (( إنما الإمام )) - أو (( إنما جعلَ الإمام - ليؤتم به ، فإذا كبَّر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهْ ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا )) .\r734 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب : حدثني أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قالَ : قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قالَ : سمع الله لمن حمدهْ ، فقولوا : ربنا ولك الحمدُ ، وإذا سجد\rفاسجدوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعونَ )) .\rحديث أنسٍ ، ساقه من طريقين :\rمن طريق شعيب ، عن الزهري ، وفيه : التصريح بسماع الزهري لهُ من أنسٍ .\rومن طريق الليث ، عن الزهري ، وليس فيهِ ذَلِكَ .\rوقد تقدم من حديث مالكٍ ، عن الزهري كذلك .\rوليس في حديث مالك ولا شعيب ذكر التكبير ، وهو في حديث الليث وحده .\rوقد خرجه مسلم بهذه الزيادة من طريق ابن عيينة وغيرهِ ، عن الزهري .\rوخرجه البخاري بها - أيضاً - فيما تقدم من طريق حميدٍ ، عن أنس .\rوخرجه هاهنا من حديث أبي هريرة - أيضاً .\rوهذه اللفظة ، هي مقصودهُ من هذه الأحاديث في هذا الباب ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من يصلي خلف الإمام أن يكبر إذا كبر الإمام ، فدل على أن التكبير واجب على المأموم ، فدخل في ذَلِكَ تكبيرة الإحرام وغيرها - أيضاً - من التكبير .\rويأتي الكلام في التكبير غير تكبيره الإحرام في غير هذا الموضع - إن شاء الله\rتعالى - ، وإنما المقصود هنا : تكبيرة الإحرام .\rوقوله : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به )) قد فسرهُ بمتابعة الإمام في أقواله وأفعاله .\rوقد أدخل طائفةٌ من العلماء متابعته في نيته ، وقد سبق القول في ذَلِكَ .\rوأدخل بعضهم - أيضاً - متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة ، كرفع اليدين ، فقالَ : لا يرفع المأموم يديه إلا إذا رفع الإمام ، وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة .","part":5,"page":155},{"id":1078,"text":"والجمهور على خلاف ذَلِكَ ، وأن المأموم يتابع إمامه فيما يفعلهُ ، ويفعل ما تركه من السنن عمداً أو سهواً ، كرفع اليدين والاستفتاح والتعوذ والتسمية وغير ذلك ، فيما لا يفعله بعض الأئمة معتقداً لهُ ، فكل هذا يفعله المأموم ، ولا يقتدي بإمامه في تركه .\rومما يدخل في ائتمام المأموم بإمامه : أنه لا يتخلف عنه تخلفاً كثيراً ، بل تكون أفعال المأموم عقب أفعال إمامه ، حتى السلام .\rوقد نص أحمد على أن الإمام إذا سلم وقد بقي على المأموم شيء من الدعاء ، فإنه يسلم معه ، إلا أن يكون بقي عليه شيء يسير ، فيأتي به ويسلم واستدل بقولِهِ : (( إنما الإمام ليؤتم به )) .\rوقوله : (( فإذا كبر فكبروا )) يدل على أن المأموم لا يكبر إلا بعد تكبير الإمام عقيبه ، وقد سبق الكلام على هذه المسألة مستوفىً .\rوكان ذكرَ حديث أبي هريرة في تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - المسيء في صلاته - وقوله : (( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة وكبر )) . وذكر الحديث - وقد خرجه البخاري في موضع آخر - أولى من ذكر : (( إذا كبر فكبروا )) ؛ فإن هذا الحديث إنما فيهِ أمر المأموم بالتكبير ، وأما تكبير الإمام فليس فيهِ الأمر به ، بل فيهِ ما يشعر بأنه لا بد من فعله كركرعه وسجوده .\rوحينئذٍ ؛ فيستدل بحديث أنس على أنه لا بدَّ للإمام من التسميع ، وأن المأموم مأمور بالتحميد عقيب تسميعه .\rوأما حديث تعليم المسيء ، ففيه تصريح بالأمر لكل قائم إلى الصلاة أن يكبر ، وسواء كانَ إماماً أو مأموماً أو منفرداً .\rوأما حديث : (( مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم )) فليس هوَ من شرط البخاري ، مع تعدد طرقه .\rوكذلك حديث عائشة : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير .\rخرجه مسلم من طريق حسين المعلم ، عن بديل بن ميسرة ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة .\rوخالفه حماد بن زيد ، فرواه عن بديل ، عن عبد الله بم شقيق ، عن عائشة .\rومقصود البخاري : أن الصلاة لا تفتتح إلا بالتكبير ، ولا تنعقد بدونه .\rوقد روي عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ والشعبي ، قالوا : تحريم الصلاة التكبير .\rوروي عن ابن المسيب وبكير بن الأشج والنخعي فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح : يستأنف الصلاة .\rوهو قول الثوري وابن المبارك ومالك والشافعي واحمد وإسحاق وغيرهم .\rوقال الحكم وأبو حنيفة وعامةُ أصحابه : تنعقد الصلاة بكل لفظ من ألفاظ الذكر ، كالتهليل والتسبيح .\rوعن النخعي ، قالَ : يجزئه ، ويسجد للسهو .\rوعن الشعبي ، قالَ : بأي أسماء الله تعالى افتتحت الصلاة أجزأكَ .\rوفي الإسناد إليه مجهولٌ .\rخرجه ابن أبي شيبة في (( كتابه )) .\rوهو رواية عن الثوري ، رواها عنه النعمان بن عبد السلام .\rوحكى ابن المنذر ، عن الزهري ، أن الصلاة تنعقد بمجرد النية ، ولا تحتاج إلى لفظ بالكلية .\rقلت : وروي نحوه - أيضاً - عن عطاء :","part":5,"page":156},{"id":1079,"text":"قالَ عبد الرزاق : عن ابن جريجٍ ، قلت لعطاء : أقيمت الصلاة وأنا مع الناس ، فكبر الإمام ورفع من الركعة ، ولم أكبر في ذَلِكَ ؟ قالَ : إن كنت قد اعتدلت في الصف فاعتدَّ بها ، وإن كنت لم تزل تتحدث حتى ركعَ ورفع رأسه من الركعة فكبر ثم اركعْ واعتدَّ بها وإن كنت لم تعتدل في الصف فلا .\rوعن ابن جريج ، عن عطاء ، في رجل دخل المسجد والإمام ساجد ، أو حين رفع رأسه من الركعة أو السجدة ، أو جالساً يتشهد : يكبر تكبيرة استفتاح الصلاة ؟ قالَ : إن شاء فليكبر ، وإن شاء فلا يكبر ، ولكن إذا قام وقد قام الإمام فليكبر ويستفتح .\rوروى - أيضاً - عن معمر ، عن قتادة ، في رجل انتهى إلى قوم وهم جلوس في آخر صلاتهم ؟ قالَ : يجلس معهم ، ولا يكبر .\rولعله أراد : أنه يكتفي بتكبيره إذا قام إلى القضاء ، فلا يكونُ قبل ذَلِكَ قد دخل في الصلاة\rوقريبٌ من هذا : أنه قد روي عن طائفة من السلف ، أن من نسى تكبيرة الافتتاح في الصلاة ، فإنه تجزئه تكبيرة الركوع ، روي هذا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم والأوزاعي ، وهو رواية عن حماد بن أبي سليمان ، حكاه ابن المنذر وغيره .\rوروي عن الزهري ، أنه قالَ : يسجد للسهو إذا سها .\rوهذا يحتاج إلى تحقيق ونظر في مأخذ ذَلِكَ .\rوظاهر ما حكاه ابن المنذر عن هؤلاء : أنهم رأوا تكبيرة الركوع تقوم مقام تكبيرة الافتتاح في انعقاد الصلاة بها ، وهو ظاهر كلامهم - أيضاً - ، حيث قالوا تجزئة تكبيرة الركوع ، وتنعقد بها الصلاة . وقال بكر المزني : يكبر إذا ذكر .\rوظاهر كلامهم : أنه عامٌ في حق الإمام والمأموم والمنفرد ، وقد روي عن الحكم صريحاً في الإمام ، فأما في حق الإمام والمنفرد ، فيحتمل وجهين :\rأحدهما : أن تكون الصلاة انعقدت بمجرد النية ، كما روي عن الزهري .\rوالثاني : أن تكون الصلاة إنما انعقدت بتكبيرة الركوع ، وتكون القراءةُ ساقطةً عنهما في هذه الركعة ، بناء على أن القراءة لا تجب في جميع الركعات وهذا هوَ الذي يتبادر فهمهُ من كلامهم .\rوهو قول سفيان الثوري ، ذكره أصحابه في كتبهم ، لكنه يشترط : أن ينوي بتكبيرته عندَ الركوع تكبيرة الإحرام ، كما سيأتي قوله في ذَلِكَ .\rوأما قول بكر المزني : (( يكبر إذا ذكر )) ، فإن أراد ما يركع ، فهوَ يرجع إلى ما ذكرنا ، وإن كانَ مراده أعمَّ من ذَلِكَ ، فلا يرجع إلا إلى أنَّ الصلاة يدخل فيهِا بمجرد النيةِ - أيضاً - إلا أن يكون أراد أنه يكبر متى ذكر ، ويستأنف الصلاة من حينئذ .\rوأما في حق المأموم ، فقد وافق من تقدم ذكرهُ على قولهم يجزئه تكبيرة الركوع ، مالك وأحمد - في رواية عنهما .\rفذكر مالك في (( الموطأ )) في الإمام والمنفرد أنهما إذا نسيا تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة . وفي المأموم نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع : رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه .\rقالَ ابن عبد البر : قالَ الزهري والأوزاعي وطائفةٌ : تكبيرة الإحرام يبتدئان الصلاة . وفي المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع : رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه .","part":5,"page":157},{"id":1080,"text":"قالَ ابن عبد البر : قالَ الزهري والأوزاعي وطائفة : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة .\rوقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد : أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحدٍ منهما . والصحيح من مذهبه : إيجاب تكبيرة الإحرام ، وأنها فرضٌ ركنٌ من أركان الصلاة .\rقلت : يمكن أن يحمل ما نقل عن السلف ، أو عن بعضهم في المأموم خاصةً ، وكذلك حكاه عنهم ابن عبد البر في المأموم خاصةً ، وهذا أشبه وأظهر .\rويدل عليهِ : ما خرجه حربٌ بإسناده ، عن خليد ، عن الحسن وقتادة قالا : إن نسيت تكبيرة الاستفتاح وكبرت للركوع وأنت مع الإمام فقد مضت صلاتك .\rوبإسناده ، عن الوليد بن مسلم : قالَ أبو عمرو - يعني : الأوزاعي - فيمن نسي تكبيرة الاستفتاح : إن كانَ وحده استأنف الصلاة ، وأن كانَ مع الإمام أجزأته تكبيرة الركوع ، وكان كمن أدرك ركعة الإمام فكبر تكبيرة ، وأمكن كفيه من ركبتيه ، ورفع الإمام رأسه فقد أجزأتهُ تلك الركعة .\rقالَ الوليد : فقلت لأبي عمرو : فإن نسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع ؟ فأخبرني ، أن ابن شهاب قالَ : يضيف إلى صلاته ركعةً ، ولا يعتدُّ بتلك الركعة التي لم يكبِّر لها .\rوقال أبو عمرٍو : وإذا كانَ وحده ، فنسي الأولى والآخرة أعاد الصلاة وإذا كانَ مع الإمام أضاف إلى صلاته ركعةً أخرى .\rفقد فرق الأوزاعي بين المنفرد والمأموم ، وأما الزهري فلم يفرق .\rوالتفريق بينهما لهُ مأخذان :\rأحدهما : أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير ، كما يتحمل عنه القراءة ، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد .\rقالَ حنبل : سألت أبا عبد الله عن قول : إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذَلِكَ مجزئاً عنه ؟ فقالَ أبو عبد الله : يجزئه إن كانَ ساهياً ؛ لأن صلاة الإمام لهُ صلاةٌ .\rفصرح بالمأخذ ، وهو تحملُ الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو .\rذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز في (( كتاب الشافي )) ، وهذه رواية غريبة عن أحمد ، لم يذكرها الأصحاب .\rوالمذهب عندهم : أنه لا يجزئه ، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد ، وقد نقله غير واحد عن أحمد .\rونقل إسماعيل بن سعيد ، عن أحمد فيمن ترك تكبيرة الافتتاح في الصلاة ؟ قالَ : إن تركها عمداً لم تجزئه صلاته .\rومفهومه : أنه إن تركها سهواً أجزأته صلاته .\rوينبغي حمل ذَلِكَ على المأموم خاصةً ، كما نقله حنبل .\rوهذا المأخذ هوَ مأخذ من فرق بين الإمام والمأموم والمنفرد ، كالأوزاعي ؛ ولهذا طرد قوله في المأموم ينسى تكبيرة الافتتاح مع تكبيرة الركوع ، وقال : إن صلاته جائزة ، ويقضي ركعةً .\rولو كانَ مأخذه : أن صلاته انعقدت بالتكبيرة في الركعة الثانية ، لم يكن بين الإمام والمأموم فرقٌ .\rوهو - أيضاً - مأخذ مالك وأصحابه :","part":5,"page":158},{"id":1081,"text":"وفي (( تهذيب المدونة )) : وإن ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الإحرام ، فإن كانَ كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه ، فإن كبرها ولم ينو بها ذَلِكَ تمادى مع الإمام ، وأعاد صلاته احتياطاً ؛ لأنه لا يجزئه عندَ ربيعة ، ويجزئه عندَ ابن المسيب ، وإن لَم يكبر للركوع ولا للافتتاح حتى ركع الإمام ركعةً ركعها معه ، وابتدأ التكبير ، وكان الآن داخلاً في الصلاة ، ويقضي ركعةً بعد سلام الإمام ، ولو كانَ وحده ابتدأ متى ذكر ، قبل ركعةً أو بعد ركعةٍ ، نوى بتكبيره الركوع الإحرام أم لا ، وكذلك الإمام لا يجزئه إن نوى بتكبيرة الإحرام الركوع ، فأن فعل أعاد هوَ ومن خلفه . انتهى .\rوهذا التفريق ، إنما هوَ لتحمل الإمام القراءة .\rوما ذكر مِن أن المسبوق إن لَم ينو بتكبيرته عند الركوع الإحرام يتمادى معَ\rالإمام ، ويعيد صلاته احتياطاً ، مخالف لما نص عليهِ مالك في (( الموطأ )) : أنَّهُ تجزئه صلاته إذا سها عَن تكبيرة الافتتاح .\rولكن في بعض رواية (( الموطأ )) عَن مالك ، أنه اشترط في هَذا الموضع : نية الافتتاح - أيضاً .\rوذكر ابن عبد البر : أن أصحاب مالك اضطربوا في هَذهِ المسألة اضطراباً عظيماً ، ونقضوا أصلهم في وجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم ؛ لأجل الاختلاف فيهِ .\rوقد قالَ مالك في (( الموطأ )) : إن المأموم إذا نسي تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وكبرَّ في الثانية ، أنَّهُ يبتدئ صلاته أحبُّ إليَّ .\rفظاهر هَذا : أنه لَم يوجب عليهِ الإعادة للاختلاف في تحمل الإمام عَنهُ التكبير ، وهذا يدل على أنه رأى الاختلاف في حق المأموم خاصةً ؛ فإنه قالَ في المنفرد : يعيد صلاته جزماً .\rوالمأخذ الثاني : وقد بنى ما روى عَن السلف عليهِ طائفة مِن العلماء ، مِنهُم : عباس العنبري ، وَهوَ : أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع فكبر تكبيرة واحدةً ، فإنه تجزئهُ وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء ، وفيه خلاف عَن ابن سيرين وحماد بنِ أبي سليمان .\rوحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد أنه لا يصح حتى يكبر تكبيرتين ، ولا يصح هَذا عَن أحمد .\rفعلى قول الجمهور : إذا كبر تكبيرةً واحدةً ، فله أربعةُ أحوال :\rإحداها : أن ينوي بها تكبيرة الافتتاح ، فتجزئه صلاته بغير توقف .\rالحالة الثانية : أن ينوي تكبيرة الركوع خاصةً ، فلا تجزئه عند الأكثرين -: قاله الثوري ومالك .\rونص عليهِ أحمد في رواية أبي الحارث ، واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( تحريمها\rالتكبير )) . وهذا لَم يحرم بالصلاة .\rفإن كانَ ساهياً عَن تكبيرة الإحرام ، فقالَ مالك في (( الموطأ )) : تجزئه .\rوَهوَ رواية حنبل عَن أحمد .\rولا تجزئه عند الثوري ، وَهوَ المشهور عَن أحمد ومذهب الأكثرين .\rالحالة الثالثة : أن ينويهما معاً ، ففيه قولان :\rأحدهما : تجزئه ، حكي عَن أبي حنيفة ومالك وأبي ثور ، وحكي رواية عَن أحمد ، اختارها ابن شاقلا .\rوالثاني : لا تجزئه ، وَهوَ المشهور عند أصحابنا ، وقول الشَافِعي وإسحاق .","part":5,"page":159},{"id":1082,"text":"الحالة الرابعة : أن لا ينوي شيئاً ، بل يطلق النية ، فهل تجزئه ، أم لا ؟ في قولان .\rأحدهما : لا تجزئه حتى ينوي بها الافتتاح ؛ فإنه قَد اجتمع في هَذا المحل تكبيرتان ؛ إحداهما فرض ، فاحتاج الفرض إلى تمييزه بالنية ، بخلاف تكبير الإمام أو المنفرد أو المأموم إذا أدرك الإمام قبل الركوع ، فإنه لَم يجتمع في حقه تكبيرتان في وقت واحدٍ .\rوهذا القول حكي عَن أبي حنيفة ، وَهوَ قول الثوري ومالك وإسحاق ، ونقله ابن منصور وغير واحدٍ عَن أحمد .\rوقاله أبو بكر عبد العزيز بنِ جعفر مِن أصحابنا في (( كتب الشافي )) والقاضي أبو يعلى في (( جامعه الكبير )) ، وجعله المذهب روايةً واحدةً ، وتأول ما خالف ذَلِكَ عَن أحمد .\rوالثاني : تجزئه وإن أطلق النية - : نقله ابن منصور- أيضاً - عَن أحمد ، ونقله\r-أيضاً- صالح ومهنا وأبو طالب عَن أحمد .\rوقال : ما علمنا أحداً قالَ : ينوي بها الافتتاح .\rيشير إلى الصحابة والتابعين .\rوعلل : بأنَّهُ خرج مِن بيته وَهوَ يريد الصلاة .\rيشير إلى أن نية الصلاة موجودة معه ؛ بخروجه إلى الصلاة ، فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية ، ولا يكبر للركوع إلا مِن دخل في الصلاة ن فأما مِن لَم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولاً ، ولا يضره عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة ؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائزٌ عنده .\rوللشافعي قولان في هَذهِ المسألة .\rوقد يجاب عَن قول مِن قالَ : إنه قَد اجتمع في حقه تكبيرتان بأنهما لَم تجتمعا عليهِ ؛ فإن تكبيرة الافتتاح محلها القيام ، وتكبيرة الركوع محلها الانحناء للركوع ، فلم تجتمعا في محل واحد .\rوهذا بناءً على أنه لا تنعقد صلاة مدرك الركوع ، إلا بالتكبير قائماً ، وَهوَ قول الشَافِعي وإسحاق وأصحابنا .\rوحكى صاحب (( شرحِ المهذب )) أنه رواية عَن مالك . قالَ : والمشهور عَنهُ : أنه تنعقد صلاته إذا كبر وَهوَ مسبوق في حال الركوع . قالَ : وَهوَ نصه في (( المدونة )) و (( الموطأ )) .\rقلت : هَذا مقتضى الرواية عَن مالك في المأموم إذا نسي تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع : أنه تجزئه ، كذا رواه القعنبي وغيره عَن مالك .\rورواه يحيى بنِ يحيى ، عَن مالك بشرط أن ينوي بها الافتتاح .\rفينبغي على هَذا : أن لا يأتي بها إلا قائماً .\rأو مقتضى قول مِن قالَ : تجزئه تكبيرة الركوع عَن تكبيرة الإحرام : أنه تنعقد الصلا بالتكبير في حال الركوع ؛ لأن تكبيرة الركوع إنما تكون في حال الانحناء\rللركوع .\rوقد روى عبد الرزاق في (( كتابه )) عَن ابن جريج، قالَ: أخبرت عَن ابن مسعود ، أنه كانَ يقول : إذا وجدت الإمام والناس جلوساً في آخر الصلاة فكبر قائماً ، ثم اجلس وكبر حين تجلس ، فتلك تكبيرتان : الأولى وأنت قائم لاستفتاح الصلاة ، الأخرى حين تجلس ؛ كأنها للسجدة .\rوهذا منقطع .\rوهذا التفسير كأنه مِن قول ابن جريج .","part":5,"page":160},{"id":1083,"text":"وروى وكيع ، عَن إبراهيم بن إسماعيل بنِ مجمع ، عَن الزهري ، عن عروة وزيد بنِ ثابت ، أنهما كانا يجيئان والامام راكع ، فيكبران تكبيرة الافتتاح ، لافتتاح الصلاة وللركعة .\rإبراهيم هَذا ، فيهِ مقال .\rوقد رواه معمر وإبراهيم بنِ سعد وابن أبي ذئب ، عَن الزهري ، عَن ابن عمر وزيد بنِ ثابت ، قالا : تجزئه تكبيرة واحدةٌ .\rوروي عَن معمر ، عَز الزهري ، سالم ، عَن ابن عمر وزيد .\rفيصير إسناده متصلاً .\rوليس في رواية أحدٍ مِنهُم يكبر للافتتاح ، ، وهذا أصح - إن شاء الله تعالى .\r* * *","part":5,"page":161},{"id":1084,"text":"83-باب\rرَفعِ اليدَينِ في التَّكبيرَةِ الأُولَى معَ الاِفْتِتَاحِ سَواءً\r735 - حدثنا عبد الله بنِ مسلمة ، عَن مالك ، عَن ابن شهاب ، عَن سالم بنِ\rعبد الله ، عَن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع حَذو منكبيه إذا افتتحَ الصلاة وإذا كبر للركوع ، واذا رفعَ رأسه مِن الركوع رفعهما كذلك أيضاً ، و قالَ : (( سمع الله لمن حمدهُ ، ربنا ولك الحمد )) ، وكان لا يفعل ذَلِكَ في السجود .\rمقصود بهذا الحديث في هَذا الباب مسألتان\rإحداهما :\rأن رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مشروع ، وهذا كالمجمع عليهِ .\rقالَ ابن المنذر : لَم يختلف أهلُ العلم أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة .\rوحكى بعضهم رواية عَن مالك ، أنه لا يرفع يديه في الصلاة بحالٍ - : ذكره ابن عبد البر وغيره .\rولعل ذَلِكَ لا يصح عَن مالك ، وحديثه هَذا مجمع على صحته لا مطعن لأحد فيهِ .\rوالرفع في افتتاح الصلاة سنةٌ مسنونة ، وليس بركنٍ ولا فرض عند جمهور العلماء ، ولا تبطل الصلاة بتركهِ عند أحد مِنهُم .\rوحكي عَن الحميدي وداود وأحمد بنِ يسار مِن الشافعية : أنه تبطل الصلاة بتركه .\rوروي عن علي بنِ المديني ما يشبهه ، وأن الرفع واجب ، لا يحل تركه .\rونقل حرب ، عَن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام ، وأنه واجب .\rوَهوَ قول أبي بكر بنِ أبي شيبة والجوزجاني .\rوقال ابن خزيمة : هوَ ركن مِن أركان الصلاة ، حكاه الحاكم في (( تاريخ\rنيسابور )) عَن خاله أبي علي المؤذن -وأثنى عليهِ - ، أنَّهُ سمع ابن خزيمة يقوله .\rوحكاه ابن بد البر روايةً عَن الأوزاعي ؛ لقوله فيمن ترك الرفع : نقصت صلاته .\rوهذا لا يدل ؛ فإن مراده : لَم يتم سننها ، كَما قالَ ابن سيرين : الرفع مِن تمام الصلاة .\rونص أحمد على أن مِن ترك الرفع نقصت صلاته .\rوفي تسميته : (( مِن تمام الصلاة )) ، عَنهُ روايتان .\rولا خلاف أنَّهُ لا يبطل تركه عمداً ولا سهواً .\rوتوقف إسحاق بنِ راهوية في تسميته : (( ناقص الصلاة )) ، وقال : لا أقول سفيان الثوري ناقص الصلاة .\rواستدل الأكثرون على أنَّهُ غير واجب ، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَم يعلمه المسيء في صلاته ، كَما علمه التكبير لافتتاح الصلاة ، ولو كانَ حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه معه .\rوقد روى الوليد بنِ مسلم ، عَن الأوزاعي : حدثني إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحة ، قالَ : بصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجلٍ يسيء في صلاته ، فقالَ لَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r(( أحسن صلاتك )) ، وأمره برفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة ، وبالقراءة ، وبرفع يديه إذا كبر للركوع ، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع .\rخرجه ابن جوصا في (( مسند الأوزاعي )) .\rوَهوَ مرسل .\rورواه جماعةٌ عَن الوليد ، عَن الأوزاعي ، عَن إسحاق ، عَن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يفعل ذلك في صلاته .\rوَهوَ أصح .","part":5,"page":162},{"id":1085,"text":"وفي رواية : أن الوليد لَم يسمعه مِن الأوزاعي .\rوالوليد مدلس عَن غير الثقات ، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هَذا .\rالمسألة الثانية :\rأن الرفع يكون معَ التكبير سواءً ؛ ولهذا بوبَ عليهِ : (( رفع اليدين في التكبيرة الأولى معَ الافتتاح سواءً )) .\rومراده بالافتتاح : التكبيرة نفسها ؛ فإن هَذهِ التكبيرة هي افتتاح الصلاة ، كَما في حديث عائشة : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير .\rفالصلاة لها مفتاح ، وَهوَ الطهور ، كَما في حديث علي وأبي سعيد مرفوعاً :\r(( مفتاح الصلاة الطهور )) . ولها افتتاح ، وَهوَ التكبير , ولها استفتاح ، وَهوَ ما يقوله بين التكبير والقراءة مِن الذكر والدعاء .\rوممن ذهب إلى أن رفع اليدين معَ تكبيرة الإحرام سواء ، فيبدأُ بهِ معَ ابتدائها ، وينتهي معَ انتهائها : الإمام أحمد وعلي بنِ المديني ، ونص عليهِ الشَافِعي في (( الأم )) ، قالَ : يرفع يديه معَ افتتاح التكبيرة ، ويرد يديه عَن الرفع معَ انقضائه ، ويثبت يديه\rمرفوعتين حتى يفرغ مِن التكبير كله . وقال : إن أثبت يديه بعد انقضاء التكبير قليلاً لَم يضره ، ولا آمره بهِ .\rومن أصحابه مِن قالَ : يرفع يديه ابتداء التكبير ، ولا استحباب في انتهائه .\rومنهم مِن قالَ : يرفعهما قبل التكبير ، ثُمَّ يرسلهما بعد فراغه مِن التكبير .\rوقال إسحاق:إن رفع يديه معَ التكبير أجزأهُ ، وأحب إلينا أن يرفع يديه ، ثُمَّ يكبر .\rوحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد .\rومن أصحابنا مِن قالَ : يخير بين الرفع معَ التكبير وقبله ، وهما سواء في الفضيلة وقد استدل البخاري لقوله بحديث ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة .\rيعني : إذا كبر للافتتاح .\rوقد خرجه فيما بعد ، ولفظهُ : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح التكبير في الصلاة ، فرفع يديه حين يكبر - وذكر الحديث .\rوفي رواية لمسلم مِن طريق ابن جريج ويونس وعقيل ، كلهم عَن الزهري بهذا الإسناد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، ثُمَّ كبر .\rوروى الإمام أحمد ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قالَ : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع التكبير معا .\rقالَ الدارقطني في (( العلل )) : رواه يونس وعقيل وابن أخي الزهري والنعمان ابن راشد والزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه ، ثم يكبر .\rرواه شعيب بن أبي حمزة وإبراهيم ابن أبي عبلة وابن جريج وفليح وهشيم وإسماعيل بن علية وابن عيينة ، عن الزهري ، وقالوا : يرفع يديه حين يكبر .\rوخرج أبو داود من حديث وائل بن حجر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه رفع يديه ثم كبر .\rوخرج -أيضا- من حديث وائل بن حجر ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع التكبيرة .","part":5,"page":163},{"id":1086,"text":"وروى حرب الكرماني : ثنا محمد بن الوزير : ثنا الوليد بن مسلم ، قالَ : قالَ أبو عمرو : أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفعهما مع التكبير .\rوقد تقدم ذكر علة هذا الحديث ، وأنه روي مر سلا ، وأن الوليد لم يسمعه من الأوزاعي ، بل دلسه عنه .\rوروى -أيضا- من طريق ابن إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، قالَ : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام إلى الصلاة قط إلا شهر بيديه إلى السماء قبل أن يكبر ، ثم يكبر .\rوقد حمل بعضهم هذا على أن هذا الرفع كانَ للدعاء قبل الصلاة .\rوخرجه البيهقي ، ولفظه : ما رأيت رسول - صلى الله عليه وسلم - قام في صلاة فريضة ولا تطوع إلا شهر يديه إلى السماء يدعوا ، ثم يكبر .\rوقد روي عن ابن عمر وغيره استحباب رفع رأسه ووجهه إلى السماء _ أيضا _ مع التكبير .\rخرجه حرب بإسناده صحيح ، عن ابن جريج ، قالَ : سألت نافعا ، فقلت : أكان ابن عمر إذا كبر بالصلاة يرفع رأسه ووجهه إلى السماء ؟ فقالَ : نعم قليلا .\rومن طريق ابن جريج -أيضا - ، قالَ : أخبرني ابن سابط ، أن وجه التكبير : أن يكبر الرجل بيديه ووجهه وفيه ، ويرفع رأسه وفاه شيئا حين يبدىء وحين يرفع رأسه .\rوأعلم ؛ أن حديث مالك الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، عن القعنبي ، عنه ليس فيهِ ذكر الرفع إذا ركع ، إنما فيهِ الرفع افتتح الصلاة ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وكذا هوَ في(( موطأ القعنبي )) عن مالك، وكذا رواه عامة رواة (( الموطأ )) عن مالك .\rورواه جماعة عن مالك ، فذكروا فيهِ الرفع إذا كبر للركوع - أيضاً- منهم : الشافعي وابن وهب ويحيى القطان وابن مهدي وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن طهمان ومعن وخالد بن مخلد وبشر بن عمر وغيرهم .\rوكذلك رواه عامة أصحاب الزهري ، عنه ، منهم : يونس وشعيب وعقيل وابن جريج وغيرهم .\rوكذلك رواه سليمان الشيباني والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهما ، عن سالم ابن عبد الله .\rذكر البيهقي وغيره .\rوممن رواه عن مالك بذكر الرفع عندَ الركوع : عبد الله بن يوسف التنيسي وابن المبارك وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن نافع وإسماعيل بن أبي أويس ويحيى بن يحيى النيسابوري .\r* * *","part":5,"page":164},{"id":1087,"text":"84 - بَابُ\rرَفعُ الْيَدَيَنِ إذَا كَبَّر ، وَ إِذَا ركَعَ ، وإِذَا رَفّعَ\rفيهِ حديثان :\rأحدهما :\rقالَ :\r736 - حدثنا محمد بن مقاتل : ثنا عبد الله : أنا يونس ، عن الزهري : أخبرني سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر ، قالَ : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، وكان يفعل ذَلِكَ حين يكبر للركوع ، ويفعل ذَلِكَ إذا رفع رأسه من الركوع ، ويقول : (( سمع الله لمن حمده )) ، ولا يفعل ذَلِكَ في السجود .\rالثاني :\rقالَ :\r737 - حدثنا إسحاق الواسطي : ثنا خالد بن عبد الله ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه ، وإذا أراد أن يركع رفع يديه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ، وحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع هكذا .\rلم يخرج البخاري في ((صحيحه )) في رفع اليدين غير حديث ابن عمر وحديث مالك بن الحويرث ، وقد أفرد للرفع كتابا ، خرج فيهِ الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وكذلك صنف في الرفع غير واحد من أئمة أهل الحديث ، منهم : النسائي ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما .\rوسبب اعتنائهم بذلك : أن جميع أمصار المسلمين ، كالحجاز واليمين ومصر والعراق كانَ عامة أهلها يرون رفع الأيدي في الصلاة عندَ الركوع والرفع منه ، سوى أهل الكوفة ، فكانوا لا يرفعون أيديهم في الصلاة ، إلا في افتتاح الصلاة خاصة ، فاعتنى علماء الأمصار بهذه المسألة ، والاحتجاج لها ، والرد على من خالفها .\rقل الأوزاعي : ما اجتمع عليهِ علماء أهل الحجاز والشام والبصرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة ، وحين يكبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، إلا أهل الكوفة ، فإنهم خالفوا في ذَلِكَ أئمتهم .\rخرجه ابن جرير وغيره .\rوقال البخاري في (( كتابه رفع اليدين )) بعد أن روى الآثار في المسألة :\rفهؤلاء أهل مكة والمدينة واليمن والعراق قد اتفقوا على رفع الأيدي .\rوقال محمد بن نصر المروزي : لا نعلم مصرا من الأمصار تركوا الرفع بأجمعهم في الخفض والرفع منه ، إلا أهل الكوفة .\rوروى البيهقي بإسناده عن الأوزاعي ، أنه تناظر هوَ والثوري في هذه المسألة بمكة، وغضب واشتد غضبه ، وقال للثوري : قم بنا إلى المقام نلتعن أينا على الحق ، فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد رضي الله عنهما .\rوحديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر مما اتفق العلماء كلهم على صحته وتلقيه بالقبول ، وعليه اعتمد أئمة الإسلام في هذه المسألة ، منهم : الأوزاعي وابن\rالمبارك ، وقال : ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rكذلك قالَ الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوأما مالك ، فإنه خرجه في (( كتاب الموطإ )) في (( باب : افتتاح الصلاة )) ، وذكر عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يعمل به .\rوقد روى عامة أصحاب مالك ، أنه كانَ يعمل به ، منهم : ابن وهب وأبو مصعب وأشهب والوليد بن مسلم وسعيد بن أبي مريم .","part":5,"page":165},{"id":1088,"text":"وإنما روى عنه الرفع عندَ افتتاح الصلاة خاصة : ابن القاسم ، قالَ : وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفا . وقال : إن كانَ ففي الإحرام .\rقالَ محمد بن الحكم : لم يرو أحد عن مالك مثل رواية ابن القاسم .\rوذكر ابن عبد البر ، عن أحمد بن خالد _ وهو : ابن الجباب ، وكان أعلم أهل الأندلس بالفقه والحديث في وقته - ، قالَ : كانَ جماعة من أصحابنا يرفعون أيديهم في الصلاة على حديث ابن عمر ، ورواية من روى ذَلِكَ عن مالك وجماعة لا يرفعون ، على رواية ابن القاسم ، ولايعيب هؤلاء على هؤلاء ، ولا هؤلاء على هؤلاء .\rقلت : افترق الناس في هذه المسألة فرقا ثلاثة .\rففرفة منهم : تنكر على من يرفع أو تبدعه ، وهؤلاء عامة فقهاء أهل الكوفة ، حتى غالى بعصهم فجعله مبطلا للصلاة ، وادعى بعضهم أن الرفع نسخ .\rوقد وافقهم بعض المتقدمين من أهل الشام ، حتى ضرب من رفع يديه في صلاته في زمن عمر بن عبد العزيز وغضب عمر من ذَلِكَ وأنكره على من فعله وحجبه عنه .\rوفرقة : لا ينكرون على واحد من الفريقين ، ويعدون ذَلِكَ من مسائل الخلاف السائغ ، ثم منهم من يميل إلى الرفع ، ومنهم من يميل إلى تركه ، ومنهم : سفيان الثوري .\rوقد روى ابن أبي شيبة في (( كتابه )) عن طائفة كثيرة من الصحابة والتابعين ، أنهم لم يرفعوا أيديهم إلا عندَ الافتتاح ، منهم عمر وابن عمر .\rوهي رواية مجاهد عنه ، وقد ضعفها الإمام أحمد والبخاري والدار قطني وغيرهم .\rومنهم : علي وابن مسعود وأصحابهما .\rوقد روى ذَلِكَ عن علي وابن مسعود مرفوعا ، وضعف المرفوع عامة أئمة الحديث قديما وحديثا .\rوأكثر الصحابة والتابعين على الرفع عندَ الركوع ، والرفع منه- أيضا -، حتى قالَ قتادة ، عن الحسن : كانَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاتهم كأن أيديهم أيديهم المراوح ، إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤسهم .\rوقال عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير أنه سئل عن رفع اليدين في الصلاة ، فقالَ : هوَ شيء يزين به الرجل صلاته ؛ كانَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أيديهم في الافتتاح ، وعند الركوع ، وإذا رفعوا رؤسوهم .\rوهو قول عامة التابعين .\rوقال عمر بن عبد العزيز : إن كنا لنؤدب عليها بالمدينة إذا لم نرفع أيدينا .\rوقول عامة فقهاء الأمصار .\rوكان الإمام أحمد لا بيالغ في الإنكار على المخالفة في هذه المسألة :\rروى عنه المروذي وغيره ، أنه سئل عمن ترك الرفع يقال : إنه تارك للسنة ؟\rقالَ : لا تقل هكذا ، ولكن قل : راغب عن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rونقل عنه الميموني ، قالَ : الرفع عندنا أكثر وأثبت ، فإن تأول رجل ، فما\rأصنع ؟ !\rوسئل الإمام أحمد ، فقيل لهُ : إن عندنا قوما يأمروننا برفع اليدين في الصلاة ، وقوما ينهوننا عنه ؟ فقالَ : لا ينهاك إلا مبتدع ، فعل ذَلِكَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ابن عمر يحصب من لا يرفع .\rفلم يبدع إلا من نهى عن الرفع وجعله مكروها ، فأما المتأول في تركه من غير نهي عنه فلم يبدعه .","part":5,"page":166},{"id":1089,"text":"وقد حمل القاضي أبو يعلى قول أحمد : أنه مبتدع ، على من ترك الرفع عندَ تكبيرة الإحرام . وهو بعيد .\rونقل جماعة عن أحمد في تارك الرفع ، أنه يقال : إنه تارك السنة .\rقالَ القاضي أبو يعلى : إنما توقف في ذَلِكَ في رواية المروذي متابعة للفظ المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ : (( من رغب عن سنتي فليس مني )) ، وإلا ففي الحقيقة : الراغب عن الرفع هوَ التارك لهُ .\rونقل حرب ، عن أحمد ، قالَ : أنا أصلي خلف من لا يرفع يديه ، والرفع أحب إلي وأصح .\rوكلام البخاري في (( كتاب رفع اليدين )) لهُ إنما يدل على الإنكار على من أنكر الرفع ، وقال : هوَ بدعة - أيضاً .\rوخرج مسلم في (( صحيحه )) في الرفع عندَ الركوع والرفع منه حديث ابن عمر ومالك بن الحويرث - أيضاً .\rوخرجه - أيضاً- من حديث وائل بن حجر .\rوخرجه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب ، ومن حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة ، منهم : أبو قتادة .\rوخرجه ابن ماجه - أيضا .\rوخرجه أبو داود -أيضا - من حديث أبي هريرة .\rوخرجه ابن ماجه من حديث أنس وجابر وابن عباس .\rوقد روي من وجوه أخر ، حتى قالَ بعضهم : رواه قريب من ثلاثين نفسا من الصحابة .\rوقال غيره : رواه نيف وثلاثون من الصحابة .\rوقال الحاكم : رواه العشرة المشهود لهم بالجنة .\rوفي هذه العبارات تسامح شديد ، وقد ذكرت هذه الأحاديث وطرقها وعللها في (( كتاب شرح الترمذي )) بحمد الله ومنه .\rوأحسن من ذَلِكَ : قول الشافعي : رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر غير ابن عمر .\rوهذه عبارة صحيحة حسنة مليحة .\rوكذا قالَ ابن عبد البر وغيره من الحفاظ .\rوذكر الترمذي في (( جامعه )) لهُ أربعة عشر روايا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rولم يوجب الرفع عندَ الركوع والرفع منه ، ويبطل الصلاة بتركه ، إلا شذوذ من الناس من أصحاب داود ونحوهم .\rوسئل حماد بن زيد، عن معنى رفع اليدين في الصلاة ؟ فقالَ : هوَ من إجلال الله.\rخرجه أبو موسى المديني .\rوقال الشافعي : فعلته إعظاما لجلال الله ، واتباعا لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورجاء لثواب الله .\rخرجه البيهقي في (( مناقبه )) .\r* * *","part":5,"page":167},{"id":1090,"text":"85 - بَابُ\rإلَى أيْنَ يرفَعُ يَدَيْه ؟\rقالَ أبو حميد - في أصحابه - : رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - حذو منكبيه .\rحديث أبي حميد هذا ، قد خرجه البخاري فيما بعد من رواية محمد بن عمرو بن عطاء ، أنه كانَ جالسا في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه _ وذكر بقية الحديث ، ولم يذكر فيهِ رفع اليدين في غير هذا الموضع .\rوخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من وجه آخر ، عن محمد ابن عمرو بن عطاء ، عن أبي حميد ، قالَ : سمعته في عشرة من الصحابة ، منهم : أبو قتادة ، ويقول : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالوا : فاعرض قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ثم قالَ : (( الله أكبر )) ، وركع ، ثم قالَ : (( سمع الله لمن حمده )) ، ورفع يديه .\rوعند أبي داود : ثم يرفع رأسه ، فيقول : (( سمع الله لمن حمده )) ، ثم يرفع يديه حتى تحاذي منكبيه معتدلا .\rوفي حديثه - أيضا- : رفع اليدين إذا قام من الركعتين .\rوفي رواية للترمذي : قالوا : صدقت ؛ هكذا كانَ يصلي النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورواه _ أيضا _ : عباس بن سهل بن سعد ، قالَ : اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة ، فذكروا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فكبر .\rورفع يديه ، ثم رفع حين كبر للركوع ، ثم قام فرفع يديه فاستوى حتى رجع كل عظم إلى موضعه .\rخرجه أبن ماجه .\rوخرجه أبو داود مختصرا .\rوخرجه من وجه آخر ، عن عباس مختصرا -أيضا- ، وذكر أنه كانَ في المجلس : سهل بن سعد وأبو هريرة وأبو حميد وأبو أسيد .\rوقد صحح الترمذي هذا الحديث .\rوذكر الخلال ، عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي ، قالَ : سئل أحمد بن حنبل عن حديث أبي حميد الساعدي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في رفع الأيدي ؟ فقالَ : صحيح .\rقالَ البخاري :\r738 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني سالم بن عبد الله ، أن عبد الله بن عمر قالَ : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افتتح التكبير في الصلاة ، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه ، وإذا كبر للركوع فعل [ مثل ذَلِكَ ] ، وإذا قالَ :\r(( سمع الله لمن حمده )) فعل مثله ، وقال : (( ربنا ولك الحمد )) ولا يفعل ذَلِكَ حين يسجد ، ولا حين يرفع من السجود .\rومراد البخاري : أن حديث ابن عمر فيهِ رفع اليدين إلى المنكبين ، وكذلك حديث أبي حميد ومن معه من الصحابة .\rوكذلك روي من حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .","part":5,"page":168},{"id":1091,"text":"خرج حديثهما أبو داود .\rوخرج مسلم من حديث مالك بن الحويرث ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه إلى فروع أذنيه .\rوقد روى عنه -أيضا- : (( إلى حذو منكبيه )) .\rخرجه الدارقطني .\rواختلفت ألفاظ الروايات في حديث وائل بن حجر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : فروي عنه الرفع إلى حيال أذنيه . وروي عنه : الرفع إلى المنكبين . وروي عنه : أنه جاء بعد ذَلِكَ في الشتاء ، فرآهم يرفعون أيديهم في الأكسية والبرانس إلى صدورهم .\rوقد خرجه أبو داود وغيره بهذه الألفاظ .\rوقد اختلف العلماء في الترجيح :\rفمنهم : من رجح رواية من روى : الرفع إلى المنكبين ؛ لصحة الروايات بذلك ، واختلاف ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين .\rوهذه طريقة البخاري ، وهي _ أيضا _ ظاهر مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، عملا بحديث ابن عمر ، فإنه أصح أحاديث الباب ، وهو _ أيضا _ قول :\rأكثر السلف ، وروي عن عمر بن الخطاب .\rقالَ ابن عبد البر : عليهِ جمهور التابعين ، وفقهاء الأمصار ، وأهل الحديث .\rومنهم : من أخذ بحديث مالك بن الحويرث في الرفع إلى فروع الأذنين ، وهو قول أهل الكوفة ، منهم : النخعي وأبو حنيفة والثوري ، وقول أحمد -في رواية عنه- ، رجحها أبو بكر الخلال .\rومنهم : من قالَ : هما سواء لصحة الأحاديث بهما ، وهو رواية أخرى عن\rأحمد ، اختارها الخرقي وأبو حفص العكبري وغيرهما .\rوقال ابن المنذر : هوَ قول بعض أهل الحديث ، وهو حسن .\rوروى مالك في (( الموطأ)) عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ إذا ابتدأ الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه ، وإذا رفع من الركوع رفعهما دون ذَلِكَ .\rوخرجه أبوداود ، وذكر أنه انفرد به مالك .\rقالَ : وذكر الليث : قالَ ابن جريج : قلت لنافع : أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن ؟ قالَ : لا سواء . قلت : أشر لي . فأشار إلى الثديين أو أسفل من ذَلِكَ .\rوقال حرب الكرماني : ربما رأيت أحمد يرفع يديه إلى فروع أذنيه ، وربما رفعهما إلى منكبيه ، وربما رفعهما إلى صدره ، ورأيت الأمر عنده واسعا .\rوقال طائفة من الشافعية : جمع الشافعي بين الروايات في هذا ، بأنه يرفعهما حتى تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه ، وإبهاماه شحمتي أذنيه ، وراحتاه منكبيه .\rقالوا : ومن حكى للشافعي ثلاثة أقوال في ذَلِكَ فقد وهم .\rواختلفوا في المرأة : كيف ترفع يديها في الصلاة ؟\rفقالت طائفة : ترفع كما يرفع الرجل إلى المنكبين .\rروي عن أم الدرداء ، أنها كانت تفعله ، وهو قول الأوزاعي والشافعي .\rوقالت طائفة : ترفع إلى ثدييها ، ولا تزيد على ذَلِكَ، وهو قول حماد وإسحاق .\rوروي نحوه عن حفصة بنت سيرين ، أنها كانت تفعله .\rوقال أحمد -في رواية عنه- ترفع يديها في الصلاة ، ولا ترفع كما يرفع الرجل ، دون ذَلِكَ .\rونقل عنه جماعة ، أنه قالَ : ما سمعنا في المرأة ، فإن فعلت فلا بأس .\rقالَ القاضي أبو يعلى : ظاهر هذا : أنه رآه فعلا جائزا ، ولم يره مسنونا .\rوقال عطاء : ترفع دون رفع الرجل ، وإن تركته فلا بأس .\r* * *","part":5,"page":169},{"id":1092,"text":"86 - بابُ\rرَفْعِ الَيدَيْنِ إذا قَامَ منَ الرَّكْعَتَيْنِ\r739 - حدثنا عياش : ثنا عبد الأعلى ، قالَ : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كانَ إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا ركع رفع يديه ، وإذا قالَ : (( سمع الله لمن حمده )) رفع يديه ، وإذا قام من الركعتين رفع يديه ، ورفع ذَلِكَ ابن عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورواه حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورواه إبراهيم بن طهمان ، عن أيوب وموسى بن عقبة -مختصرا .\rعياش ، هوَ : ابن الوليد الرقام البصري .\rوعبد الأعلى ، هوَ : ابن عبد الأعلى الشامي البصري .\rوقد روى هذا الحديث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر -مرفوعا .\rوأنما رواه الناس عن عبيد الله -موقوفا - منهم : عبد الوهاب الثقفي ومحمد بن بشر ، إلا أن محمدا لم يذكر فيهِ : الرفع إذا قام من الركعتين .\rوكذلك رواه أصحاب نافع عنه موقوفا .\rفلهذا المعنى احتاج البخاري إلى ذكر من تابعه عبد الأعلى على رفعه ؛ ليدفع ما قيل من تفرده به .\rفقد قالَ الإمام أحمد في رواية المروذي وغيره : رواه عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وبلغني أن عبد الأعلى رفعه .\rوقد روي عن أحمد، أنه صحح رفعه ، وسنذكره _ إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوقال الدار قطني في (( العلل)) : أشبهها بالصواب عن عبيد الله : ما قاله عبد الأعلى . ثم قالَ : والموقوف عن نافع أصح .\rوخرجه أبو داود في (( السنن )) ، عن نصر بن علي ، عن عبد الأعلى ، كما خرجه البخاري مرفوعا .\rثم قالَ : الصحيح : قول ابن عمر ، وليس بمرفوع . قالَ : روى بقية أوله عن عبيد الله وأسنده . قالَ : ورواه الثقفي ، عن عبيد الله ، أوقفه على ابن عمر ، وقال فيهِ : إذا قام من الركعتين يرفعهما إلى ثدييه وهذا هوَ الصحيح .\rورواه الليث بن سعد ومالك وأيوب وابن جريج _ موقوفا . وأسنده حماد بن سلمة وحده ، عن أيوب ، ولم يذكر أيوب ومالك : الرفع إذا قام من السجدتين ، وذكره الليث في حديثه -انتهى .\rوقد رفعه بعضهم عن مالك ، ولا يصح ، قد رواه رزق الله بن موسى ، عن يحيى القطان ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كانَ إذا دخل في الصلاة رفع يديه نحو صدره ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، ولا يرفع بعد ذَلِكَ .\rقالَ العقيلي والدارقطني : لا يتابع رزق الله على رفعه .\rوذكر الدارقطني : أن عبد الله بن نافع الصائغ وخالد بن مخلد وإسحاق الجندي رووه ، عن مالك -مرفوعا .\rقالَ : ولا يصح ذَلِكَ في حديث مالك ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع في كل رفع ووضع . وقال : وهذا وهم على مالك في رفعه ولفظه .\rقالَ : ورواه إسماعيل بن عياش ، عن صالح بن كيسان ، عن نافع ، عن ابن عمر -مرفوعا -أيضا .\rوإسماعيل ، سيء الحفظ لحديث الحجازيين .","part":5,"page":170},{"id":1093,"text":"ورواه إساعيل -أيضا - عن موسى بن عقبة وعبيد الله كلاهما ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا - في التكبير في هذه المواضع الأربعة ، دون الرفع .\rوأما رواية إبراهيم بن طهمان التي استشهد بها البخاري ، فخرجها البيهقي من رواية إبراهيم بن طهمان ، عن أيوب بن أبي تميمة وموسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا استوى قائما من ركوعه حذو منكبيه ، ويقول : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذَلِكَ .\rولم يذكر في حديثه : الرفع إذا قام من الركعتين .\rوهذا هوَ الرفع الذي أشار إليه البخاري .\rقالَ الدارقطني : وتابع إبراهيم بن طهمان : حماد بن سلمة ، عن أيوب _ وقيل : عن هدبة ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، وإنما أراد : حماد بن سلمة : والله أعلم .\rوالصحيح : عن حماد بن زيد ، عن أيوب _ موقوفا .\rوكذا قالَ أبو ضمرة ، عن موسى بن عقبة .\rقالَ : وروي عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر -مرفوعا- : قاله محمد بن شعيب بن شابور .\rوروي عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا .\rورواه إسماعيل بن أمية والليث ، عن نافع ، عن ابن عمر موقوفا .\rقالَ : والموقوف عن نافع أصح . انتهى .\rقالَ : وروي عن يحيى بن أبي كثير ، عن نافع وسالم ، عن ابن عمر _ مرفوعا .\rقلت : هوَ غير محفوظ عن يحيى . وهذا هوَ المعروف عن الإمام أحمد وقول أبي داود والدارقطني .\rفرواية نافع ، عن ابن عمر ، الأكثرون على أن وقفها أصح من رفعها ، وكل هؤلاء لم يذكروا في رواياتهم القيام من الثنتين ، وصحح رفعها البخاري والبيهقي .\rقالَ ابن عبد البر : هذا أحد الأحاديث الأربعة التي اختلف فيها سالم ونافع ، فرفعها سالم ووقفها نافع ، والقول فيها قول سالم ، ولم يلتفت الناس إلى نافع ، هذا أحدهما . والثاني : حديث : (( فيما سقت السماء العشر )) .\rوالثالث : حديث (( من باع عبدا وله مال )) . والرابع : حديث : (( تخرج نار من قبل اليمن )) . انتهى .\rوقال النسائي والدارقطني : أحاديث نافع الثلاثة الموقوفة أولى بالصواب .\rورجح أحمد وقف : (( فيما سقت السماء )) وتوقف في حديث : (( من باع عبدا لهُ مال )) . وقال إذا اختلف سالم ونافع فلا يقضى لأحدهما .\r... يشير إلى أنه لا بد من الترجيح بدليل .\rوقد روي الرفع إذا قام من الركعتين من رواية سالم ، عن ابن عمر .\rخرجه النسائي من طريق معتمر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة , وإذا أراد أن يركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وإذا قام من الركعتين .\rيرفع يديه كذلك حذاء المنكبين .\rوروي -أيضا- عن الثقفي ، عن عبيد الله ، عن الزهري ، عن سالم ،عن أبيه، أنه كانَ إذا نهض رفع يديه .\rفتبسم ، وقال : كم روي هذا عن الزهري ، ليس فيهِ هذا ، وضعفه .","part":5,"page":171},{"id":1094,"text":"ورواه -أيضا- أبو سعيد ابن الأعربي ، عن الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن عاصم ، عن عبيد الله بن عمر كذلك .\rوذكر الدارقطني في (( العلل)) : أن معتمر بن سليمان والثقفي روياه عن\rعبيد الله بن عمر -مرفوعا ، وذكرا فيهِ : الرفع إذا قام من الثنتين .\rورواه ابن المبارك ، عن عبيد الله ، فلم يذكر : الرفع إذا قام من الثنتين من\rالثنتين .\rورواه -أيضا- إبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية ، عن أيوب ، عن سالم ، عن ابن عمر .\rخرجه الطبراني .\rوهذا غير محفوظ عن أيوب .\rوقد روي عن ابن عمر _ مرفوعا _ من وجه آخر .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود من طريق محمد بن فضيل ، عن عاصم بن كليب ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه .\rوخالفه عبد الواحد بن زياد ، فرواه عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر\r-موقوفا- في الرفع عندَ الإحرام والركوع والرفع منه خاصة .\rقالَ الدارقطني : وكذلك رواه أبو إسحاق الشيباني والنضر بن محارب بن دثار ، عن محارب ، عن ابن عمر -موقوفا .\rوقد روي الرفع إذا قام من الركعتين في حديث أبي حميد وأصحابه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد سبق ذكره .\rوفي حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rخرجهما أبو داود وغيره .\rوقد تكلم في حديث أبي هريرة أبو حاتم الرازي والدارقطني .\rوأما حديث علي ، فصححه الإمام أحمد والترمذي .\rوقد اختلف العلماء في الرفع إذا قام من التشهد الأول :\rفأكثرهم على أنه غير مستحب ، حتى ادعى أبو حامد الإسفراييني من أعبان الشافعية الإجماع على ذَلِكَ ، وجعله دليلا على نسخ الأحاديث الواردة فيهِ .\rوليس الأمر كما قالَ .\rواستحبه طائفة من العلماء ، كما ذكره البخاري والنسائي في (( كتابيهما )) .\rوقال حرب الكرماني : حدثنا أحمد بن حنبل : ثنا هاشم بن القاسم :\rحدثنا الربيع بن صبيح ، قالَ : رأيت الحسن وابن سيرين وعطاء وطاوسا ومجاهدا ونافعا وقتادة وابن أبي نجيح والحسن بن مسلم إذا دخلوا في الصلاة كبروا ورفعوا أيديهم وإذا كبروا للركوع رفعوا أيديهم .\rغير أن أهل الحجاز كانوا يرفعون أيديهم إذا قاموا من الركعتين من الفريضة وكانوا يقعون على أعقابهم .\rوالمشهور عن الشافعي وأحمد ، أنه لا يرفع إذا قام من الركعتين .\rقالَ أحمد : أنا لا أستعمله ولا أذهب إليه ، واستدل بحديث ابن عمر ، وقال فيهِ : وكان لا يرفع بعد ذَلِكَ -أي : بعد المواضع الثلاثة .\rوهذا الحديث بهذا اللفظ قد سبق من رواية رزق الله بن موسى ، عن يحيى القطان ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر -مرفوعا - ، وأنه لا يصح رفعه .\rورواه -أيضا- بشير الكوسج ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في أول التكبير ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، ثم يكبر بعد ذَلِكَ ولا يرفع يديه .","part":5,"page":172},{"id":1095,"text":"قالَ بشير : وحدثني الحسن بن عثمان المديني ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذَلِكَ .\rوبشير هذا ، غير مشهور ، وقد ذكره الحاكم في (( تاريخ نيسابور )) ، وذكر أنه روى عنه جماعة .\rوقال إسحاق بن إبراهيم : سئل أحمد : إذا نهض الرجل من الركعتين يرفع\rيديه ؟ قالَ : إن فعله فما أقربه ؛ فيهِ عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي حميد أحاديث صحاح ، ولكن قالَ الزهري في حديثه : ولم يفعل في شيء من صلاته ، وأنا لا أفعله .\rوهذا اللفظ لا يعرف في حديث الزهري .\rوذكر القاضي أبو يعلى : أن هذه الرواية عن أحمد تدل على جوازه ، من غير استحباب .\rوحكي عن أحمد رواية باستحبابه .\rقالَ البيهقي في كتاب (( مناقب الإمام أحمد )) : أنبأني أبو عبد الله الحافظ - يعني : الحاكم - : ثنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه : أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قالَ : سألت أبي عن حديث عبد الأعلى ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر - في رفع اليدين ، وكان إذا قام من الثنتين رفع يديه - ؟ فقالَ : سنة صحيحة مستعملة ، وقد روى مثلها علي بن أبي طالب وأبو حميد في عشرة من الصحابة ، وأنا أستعملها .\rقالَ الحاكم أبو عبد الله : سئل الشيخ أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - عن ذَلِكَ ؟ فقالَ : أنا أستعملها ، ولم أر من أئمة الحديث أحدا يرجع إلى معرفة الحديث إلا وهو يستعملها .\rوهذه الرواية غريبة عن أحمد جدا ، لا يعرفها أصحابنا ، ورجال إسنادها كلهم حفاظ مشهورون ، إلا أن البيهقي ذكر أن الحاكم ذكرها في كتاب (( رفع اليدين )) وفي كتاب (( مزكي الأخبار )) ، وأنه ذكرها في ((كتاب التاريخ )) بخلاف ذَلِكَ ، عندَ القيام من الركعتين ، فوجب التوقف . والله أعلم .\rوحكي ذَلِكَ -أيضا- قولا للشافعي ؛ لأنه ذكر حديث أبي حميد الساعدي بطوله ، قالَ : وبهذا نقول .\rقالَ البيهقي في (( كتاب المعرفة )) : ومذهب الشافعي متابعة السنة إذا ثبتت ، وقد قالَ في حديث أبي حميد : وبهذا أقول .\rوقال البغوي : لم يذكر الشافعي رفع اليدين إذا قام من الثنتين ، ومذهبه اتباع السنة ، وقد ثبت ذَلِكَ .\rوذهب إلى هذا طائفة من أهل الحديث ، منهم : ابن لمنذر ، ومن أصحاب الشافعي ، منهم : أبو علي الطبري والبيهقي والبغوي وغيرهم من المتأخرين ، ورجحه -أيضا- طائفة من المتأخرين من أصحابنا ، قالوا : وهو دون الرفع في الإحرام والركوع والرفع منه في الاستحباب .\rفأما الرفع للسجود وللرفع منه ، فلم يخرج في (( الصحيحين )) منه شيء ، وقد خرج البخاري في حديث ابن عمر : وكان لا يفعل ذَلِكَ في السجود .\rوفي رواية لهُ - أيضا - : وكان لا يفعل ذَلِكَ حين يسجد ،ولا حين يرفع من السجود . وقد سبقت الروايتان .\rوهذا قول جمهور العلماء ، وقد نص عليهِ الشافعي وأحمد .\rوسئل أحمد : أليس يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه فعله ؟ فقالَ : هذه الأحاديث أقوى وأكثر .","part":5,"page":173},{"id":1096,"text":"وروى هذا الحديث بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري - وابن أخي الزهري ، عن عمه - ، وزاد في روايته بعد قوله : ولا يرفعهما في السجود : ويرفعهما في كل تكبيره يكبرها قبل الركوع حتى تنقضي صلاته .\rخرجه أبو داود من طريق بقية .\rوالإمام أحمد من الطريق الأخرى ، وعنده : (( في كل ركعة وتكبيرة )) إلى آخره .\rوذهب طائفة إلى استحباب رفع اليدين إذا قام من السجود ، منهم : ابن المنذر وأبو علي الطبري من الشافعية .\rواستدلوا : بما روى محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة بن وائل ، عن أبيه ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكان إذا كبر رفع يديه .\rقالَ : ثم التحف ، ثم أخذ شماله بيمينه ، فأدخل يديه في ثوبه ، فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما ، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه ، فإذا رفع رأسه -أيضا- من السجود رفع يديه حتى فرغ من صلاته .\rخرجه أبو داود .\rوخرجه مسلم إلى قوله: (( فلما سجد سجد بين كفيه )) ، ولم يذكر ما بعده .\rوقالت طائفة : يرفع يديه مع كل تكبيرة ، وكلما خفض ورفع ، وهو قول بعض أهل الظاهر .\rوقال أحمد بن أصرم المزني : رأيت أحمد يرفع يديه في كل خفض ورفع ، وسئل عن رفع اليدين إذا قام من الركعتين ؟ فقالَ : قد فعل .\rوحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب .\rونقل المروذي ، عن أحمد ، قالَ : لا يرفع يديه بين السجدتين ، فإن فعل فهوَ جائز . ونقل جعفر بن محمد ، عن أحمد ، قالَ : يرفع يديه في كل موضع ، إلا بين السجدتين .\rوروى محارب بن دثار ، أنه رأى ابن عمر يرفع يديه إذا ركع وسجد .\rوروى أبو أسامة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى .\rوروى حماد بن سلمة ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن أنس ، أنه كانَ يرفع يديه من السجدتين .\rوروي ذَلِكَ -أيضا- عن الحسن وابن سيرين وطاوس ونافع وأيوب .\rذكره ابن أبي شيبة في (( كتابه )) .\rوروى شعبة ، عن قتادة ، عن نصر بن عاصم ، عن مالك بن الحويرث ، أنه رأى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الصلاة إذا ركع ، وإذا رفع رأسه من ركوعه ، وإذا\rسجد ، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه .\rخرجه النسائي .\rوخرجه -أيضا- من طريق هشام ، عن قتادة - بنحوه ، إلا أنه [ لم ] يذكر فيهِ : الرفع إذا سجد .\rوخرجه مسلم من رواية سعيد بن أبي عروبة وأبي عوانة ، عن قتادة .\rولم يذكر فيهِ سوى الرفع في المواضع الثلاثة الأول خاصة .\rوروى شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن عبد الرحمن\rاليحصبي ، عن وائل بن حجر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكان يكبر إذا خفض وإذا رفع ، ويرفع يديه عندَ التكبير ، ويسلم عن يمينه وعن يساره .\rقالَ الإمام أحمد : أنا لا أذهب إلى حديث وائل بن حجر ، وهو مختلف في ألفاظه .","part":5,"page":174},{"id":1097,"text":"ويجاب عن هذه الرويات كلها على تقدير أن يكون ذكر الرفع فيها محفوظا ، ولم يكن قد اشتبه [ بذكر ] التكبير بالرفع - بأن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة ، وإنما كانا قد قدما إليها مرة أو مرتين ، فلعلهما رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذَلِكَ مرة ، وقد عارض ذَلِكَ نفي ابن عمر ، مع شدة وملازمته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها ، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين .\rوقد روي في الرفع عندَ السجود وغيره أحاديث معلولة :\rفروى الثقفي : حدثنا حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وإذا سجد .\rخرجه الدارقطني .\rوخرجه ابن ماجه إلى قوله : (( وإذا ركع )) .\rوخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه )) إلى قوله : (( وإذا رفع رأسه )) .\rوقد أعل هذا بأنه قد رواه غير واحد من أصحاب حميد ، عن حميد ، عن أنس - من فعله غير مرفوع .\rكذا قاله البخاري - : نقله عنه الترمذي في (( علله )) .\rوقال الدارقطني : الصواب من فعل أنس .\rوروى إسماعيل بن عياش ، عن صالح بن كيسان ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قالَ : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه ، حين يفتتح\rالصلاة ، وحين يركع ، وحين يسجد .\rخرجه الإمام أحمد وابن ماجه .\rزاد الإمام أحمد : وعن صالح : عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذَلِكَ .\rوإسماعيل بن عياش ، سيء الحفظ لحديث الحجازيين .\rوقد خالفه ابن إسحاق ، فرواه عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة - موقوفا - : قاله الإمام أحمد وغيره .\rوقال الدارقطني في (( علله )) : اختلف على إسماعيل بن عياش في لفظه ، فذكرت عنه طائفة الرفع عندَ الافتتاح والركوع والسجود . وذكرت طائفة عنه الرفع عندَ الافتتاح والركوع والرفع منه .\rقالَ : وهو أشبه بالصواب .\rوروى عمرو بن علي ، عن ابن أبي عدي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي\rسلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كانَ يرفع يديه في كل خفض ورفع ، ويقول : أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الدارقطني في كتاب (( العلل )) ، وقال : لا يتابع عليهِ عمرو بن علي وغيره يرويه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يكبر في كل خفض ورفع ، وهو الصحيح .\rوروى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع .\rوفي رواية : كانَ يرفع يديه حين يهوي للسجود .\rقالَ الوليد : وبهذا كانَ يأخذ الأوزاعي .\rخرجه ابن جوصا في (( مسند الأوزاعي )) .\rوقد اختلف على الوليد في إرساله ووصله ، ولم يسمعه من الأوزاعي ، بل دليه عنه ، وهو يدلس عن [ غيره ] الثقات .","part":5,"page":175},{"id":1098,"text":"وروى الإمام أحمد : ثنا نصر بن باب ، عن حجاج ، عن الذيال بن حرملة ، عن جابر ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في كل تكبيرة في الصلاة .\rنصر بن باب ، وحجاج بن أرطأة ، لا يحتج بهما .\rوروى رفدة بن قضاعة ، عن الأوزاعي ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن أبيه ، عن جده عمير بن حبيب ، قالَ: كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة .\rخرجه ابن ماجه .\rوقال منها : سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث ، فقالا جميعا : ليس بصحيح : قالَ أحمد : لا يعرف رفدة بن قضاعة ، وقال يحيى : هوَ شيخ ضعيف .\rوخرج ابن ماجه -أيضا- من رواية عمر بن رياح ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع يديه عندَ كل تكبيرة .\rوعمر بن رياح ، ساقط الرواية .\rلكن ؛ تابعه النضر بن كثير أبو سهل الأزدي ، قالَ : صلى جنبي عبد الله بن طاوس بمنى في مسجد الخيف ، فكان إذا سجد سجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه ، فأنكرت أنا ذَلِكَ ، فقالَ عبد الله بن طاوس :\rرأيت أبي يصنعه ، وقال أبي : رأيت ابن عباس يصنعه ، وقال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -\rيصنعه .\rخرجه النسائي .\rوخرجه أبو داود ، وعنده : ولا أعلم إلا أنه قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنعه .\rوالنضر بن كثير ، قالَ البخاري : فيهِ نظر . وقال -مرة - : عنده مناكير .\rقالَ أبو أحمد الحاكم : هذا حديث منكر من حديث طاوس .\rوقال العقيلي : لا يتابع النضر عليهِ .\rوقال ابن عدي : هوَ ممن يكتب حديثه .\rوخرج لهُ هذا الحديث ، وعنده : أنه كانَ يرفع يديه كلما ركع وسجد [ويرفع] بين السجدتين .\rوضعف الإمام أحمد النضر هذا .\rوقال أبو حاتم والدارقطني : فيهِ نظر .\rوقال النسائي : صالح .\rوخرج أبو داود من حديث ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن ميمون المكي ، أنه رأى عبد الله بن الزبير يصلي بهم يشير بكفيه حين يقوم ، وحين يركع ، وحين يسجد ، وحين ينهض للقيام ، فيقوم فيشير بيديه . قالَ :\rفانطلقت إلى ابن عباس ، فقلت : إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا صلاها ، ووصفت لهُ هذه الإشارة ، فقالَ : إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير . إسناده ضعيف .\r* * *","part":5,"page":176},{"id":1099,"text":"87 - بَابُ\rوَضْعِ الْيُمْنى عَلَى الْيُسْرَى في الصَّلاةِ\r740 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قالَ : كانَ الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة .\rقالَ أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذَلِكَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقالَ : إسماعيل : ينمي ذَلِكَ ، ولم يقل : ينمي .\rهذا الحديث في (( الموطأ )) ليس فيهِ ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما فيهِ : قالَ أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذَلِكَ ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوكذا رأيناه في (( موطإ القعنبي )) ، وهو الذي خرج عنه البخاري هذا الحديث ، ومراد البخاري : أن إسماعيل -وهو : ابن أبي أويس- رواه بالبناء للمفعول : ينمى.\rومعنى (( ينمى )) يرفع ويسند ، والمراد : إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rورواه عمار بن مطر ، عن مالك ، فقالَ فيهِ : أمرنا أن نضع .\rوعمار ، ليس بحجة .\rوليس في (( صحيح البخاري )) في هذا الباب غير هذا الحديث ، ولا في\r(( صحيح مسلم )) فيه غير حديث محمد بن جحادة : حدثني عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة بن وائل ومولى لهم ، حدثاه عن أبيه وائل بن حجر ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين داخل في الصلاة ، كبر ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من ثوبه ، ثم رفعهما وكبر فركع ، فلما قالَ : (( سمع الله لمن حمده )) رفع يديه ، فلما سجد سجد بين كفيه .\rوله طرق أخرى عن وائل .\rوفي رواية للأمام أحمد : وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد .\rوفي الحديث : دليل على أن المصلي إذا التحف في صلاته بثوبه ، ثم أخرج يديه منه لمصلحة الصلاة لم يضره ذَلِكَ .\rوفي الباب أحاديث كثيرة ، لا تخلو أسانيدها من مقال .\rوقد خرج ابن حبان في (( صحيحه )) من طريق حرملة بن يحيى ، عن أبن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ، أنه سمع عطاء بن رباح يحدث ، عن ابن عباس ، أن\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا ، ونعجل إفطارنا ، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في الصلاة )) .\rوهذا إسناد في الظاهر على شرط مسلم ، وزعم ابن حبان أن ابن وهب سمع هذا الحديث من عمرو بن الحارث وطلحة بن عمرو ، كلاهما عن عطاء ، وفي هذا إشارة إلى أن غير حرملة رواه عن ابن وهب ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، وهذا هوَ الأشبه ، ولا يعرف هذا الحديث من رواية عمرو بن الحارث .\rقالَ البيهقي : إنما يعرف هذا بطلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس\r-ومرة : عن أبي هريرة - وطلحة ليس بالقوي .\rقلت : وقد روي ، عن طلحة ، عن عطاء -مرسلا .\rخرجه وكيع عنه كذلك .\rقالَ الترمذي في (( جامعه )) : العمل عندَ أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومن بعدهم على هذا ، يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة . انتهى .","part":5,"page":177},{"id":1100,"text":"وقد روي ذَلِكَ عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب .\rوروي عن ابن الزبير ، أنه قالَ : هوَ من السنة .\rخرجه أبو داود .\rوعن عائشة ، قالت : هوَ من النبوة .\rخرجه الدارقطني .\rوروي عن أبي الدرداء ، أنه قالَ : هوَ من أخلاق النبيين .\rوروي عن علي وابن عباس ، أنهما فسرا (( النحر )) المذكور في قوله تعالى :\r{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [الكوثر : 2 ] بهذا .\rوهو قول عامة فقهاء الأمصار ، منهم : الثوري وأبو حنيفة والحسن بن صالح والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وغيرهم .\rوحكى ابن المنذر إرسال اليدين في الصلاة عن ابن الزبير والحسن والنخعي ، وحكى عن مالك كقول الأولين .\rوذكر ابن عبد البر : أنه روي عن مالك ، أنه قالَ : لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة . قالَ : وهو قول المدنيين من أصحابه .\rونقل ابن القاسم ، عنه ، قالَ : إنما يفعل في النوافل من طول القيام وتركه أحب إلي .\rقالَ : وقال الليث : سدل اليدين في الصلاة أحب إلي ، أن يطول القيام فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى .\rوقال الأوزاعي : من شاء فعل ، ومن شاء ترك .\rوهو قول عطاء .\rقلت : وحكي رواية عن أحمد ، وحكي عنه : أنه يرسل يديه في النوافل خاصة .\rوهذا عكس ما نقله ابن القاسم عن مالك .\rوروى ابن المبارك في (( كتاب الزهد )) عن صفوان بن عمرو ، عن مهاجر النبال ، أنه ذكر عنده قبض الرجل يمينه على شماله ، فقالَ : ما أحسنه ، ذل بين يدي عز\rوحكي مثل ذَلِكَ عن الإمام أحمد .\rقالَ بعضهم : ما سمعت في العلم أحسن من هذا .\rوروينا عن بشر بن الحارث ، أنه قالَ : منذ اربعين سنة أشتهى أن أضع يدا على يد في الصلاة ، مايمنعني من ذَلِكَ إلا أن أكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في قلبي مثله .\rوروى محمد بن نصر المروزي في (( كتاب الصلاة )) بإسناده ، عن أبي هريرة ، قالَ : يحشر الناس يوم القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة -وقبض بعض رواة الحديث شماله بيمينه ، وانحنى هكذا .\rوبإسناده عن الأعمش ، عن أبي صالح ، قالَ : يبعث الناس يوم القيامة هكذا - ووضع إحدى يديه على الأخرى .\rواختلف القائلون بالوضع : هل يضعهما على صدره ، أو تحت سرته ، أو يخير بين الأمرين ؟ على ثلاثة أقوال ، هي ثلاث روايات عن أحمد .\rوممن روي عنه ، أنه يضعهما تحت سرته : علي وأبو هريرة والنخعي وأبو مجلز ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك وإسحاق .\rوروي عن علي -أيضا- وعن سعيد بن جبير ، أنه يضعهما على صدره ، وهو قول الشافعي .\rوقال أبو إسحاق المروزي من أصحابه : يضعهما تحت سرته .\rوحكى ابن المنذر التخيير بينهما .\rقالَ الترمذي في (( جامعه )) : رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته ، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته ، كل ذَلِكَ واسع عندهم .\r* * *","part":5,"page":178},{"id":1101,"text":"88 -بَابُ\rالْخُشُوعِ في الصَّلاةِ\r741 - حدثنا إسماعيل ، قالَ : حدثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( هل ترون قبلتي هاهنا ، والله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم ، وإني لأراكم من وراء ظهري )) .\r742- حدثنا محمد بن بشار : حدثنا غندر : ثنا شعبة : سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم من بعدي )) -وربما قالَ : (( من بعد ظهري - إذا ركعتم وإذا سجدتم )) .\rقد خرج البخاري حديث أبي هريرة وحديث أنس في (( باب : عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة )) ، وقد سبق الكلام عليهما هناك بما فيهِ كفاية .\rوإنما خرجهما هاهنا ؛ لدلاتهما على الخشوع في الصلاة .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن عثمان بن عفان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة ، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ، مالم تؤت كبيرة ، وذلك الدهر كله )) .\rوقد مدح الله الخاشعين في صلاتهم ، فقالَ : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون:1و2 ] وقال : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ } [البقرة: من الآية45 ] .\rروي عن علي بن أبي طالب ، قالَ : هوَ الخشوع في القلب ، وأن تلين كنفك للمسلم ، وأن لا تلتفت في صلاتك .\rوعنه ، قالَ : الخشوع : خشوع القلب ، وأن لا تلتفت يمينا ولا شمالا .\rوعن ابن عباس ، قالَ : خاشعون : خائفون ساكنون .\rوعن الحسن ، قالَ : كانَ الخشوع في قلوبهم ، فغضوا لهُ البصر ، وخفضوا لهُ الجناح .\rوعن مجاهد ، قالَ : هوَ الخشوع في القلب ، والسكون في الصلاة .\rوعنه ، قالَ : هوَ خفض الجناح وغض البصر ، وكان المسلمون إذا قام أحدهم في الصلاة خاف ربه أن يلتفت عن يمينه وشماله .\rوعنه ، قالَ : العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن - عز وجل - أن يشذ\rنظره ، أو يلتفت ، أو يقلب الحصى ، أو يبعث بشيء ، أو يحدث نفسه بشيء من\rالدنيا ، إلا ناسيا ، مادم في صلاته .\rوعن الزهري ، قالَ : هوَ سكون العبد في صلاته .\rوعن سعيد بن جبير ، قالَ : يعني : متواضعين ، لا يعرف من عن يمينه ، ولا من عن شماله ، ولا يلتفت من الخشوع لله - عز وجل - .\rوروي عن حذيفة ، أنه رأى رجلا يعبث في صلاته ، فقالَ : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .\rوروي عن ابن المسيب .\rوروي مرسلا .\rفأصل الخشوع : هوَ خشوع القلب ، وهو انكساره لله ، وخضوعه وسكونه عن التفاته إلى غير من هوَ بين يديه ، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح كلها تبعا لخشوعه ؛ ولهذا كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه : (( خشع لك سمعي ، وبصري ، ومخي ، وعظامي ، وما استقل به قدمي )) .","part":5,"page":179},{"id":1102,"text":"ومن جملة خشوع الجوارح خشوع البصر أن يلتفت عن يمينه أو يساره ، وسيأتي حديث الإلتفات في الصلاة ، وأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ، فيما بعد - إن شاء الله تعالى .\rوقال ابن سيرين : كانَ رسول - صلى الله عليه وسلم - يلتفت في الصلاة عن يمينه وعن يساره ، فأنزل الله تعالى : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون:2 ] .\rفخشع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن يلتفت يمنة ولا يسرة .\rوخرجه الطبراني من رواية ابن سيرين ، عن أبي هريرة .\rوالمرسل أصح .\rوالظاهر : أن البخاري إنما ذكر الخشوع في هذا الموضع ؛ لأن كثيرا من الفقهاء والعلماء يذكرون في أوائل الصلاة : أن المصلي لا يجاوز بصره موضع سجوده ، وذلك من جملة الخشوع في الصلاة .\rوخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة أم المؤمنين ، قالت : كانَ الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام أحد هم يصلي لم يعد بصره موضع قدمه ، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع جبينه ، فتوفي أبو بكر فكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة ، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة ، فالتفت الناس يمينا وشمالا .\rوقال ابن سيرين : كانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه .\rخرجه سعيد بن منصور .\rوقال النخعي : كانَ يستحب أن يقع الرجل بصره في موضع سجوده .\rوفسر قتادة الخشوع في الصلاة بذلك . وقال مسلم بن يسار : هوَ حسن .\rوفيه حديثان مرفوعان ، من حديث أنس وابن عباس، ولا يصح إسنادهما .\rوأكثر العلماء على أنه يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده ، منهم :\rسليمان بن يسار وأبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور .\rوقال مالك : يستحب أن يكون بصره أمام قبلته . قالَ : واكره ما يصنع الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام .\rوحكي عن شريك بن عبد الله ، قالَ : ينظر في قيامه إلى موضع قيامه ، وإذا ركع إلى قدميه ، وإذا سجد إلى أنفه ، وإذا قعد إلى حجره .\rواستحب ذَلِكَ بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي .\rقالَ أصحابنا : ويستحب إذا جلس للتشهد أن لا يجاوز بصره أصبعه ؛ لما روى ابن الزبير ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا جلس في التشهد أشار بالسبابة ، ولم يجاوز بصره\rإشارته .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوحكى أصحاب الثوري في كتبهم ، عن سفيان ، أنه قالَ : إذا قام في الصلاة فليكن بصره حيث يسجد إن استطاع ، قالَ : وينظر في ركوعه إلى حيث يسجد - ومنهم من قالَ : إلى ركبتيه - ، ويكون نظره في سجوده إلى طرف أنفه .\rوبكل حال ؛ فهذا مستحب ، ولا تبطل الصلاة بالإخلال به ، ولا باستغراق القلب في الفكر في أمور الدنيا ، وقد حكى ابن حزم وغيره الإجماع على ذَلِكَ ، وقد خالف فيهِ بعض المتأخرين من أصحابنا والشافعية .\rوحكى ابن المنذر عن الحكم ، قالَ : من تأمل من عن يمينه أو عن شماله حتى يعرفه فليس لهُ صلاة .","part":5,"page":180},{"id":1103,"text":"وهذا يرجع إلى الالتفات ، ويأتى ذكره في موضعه - إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\rوحكي عن ابن حامد من أصحابنا : أن عمل القلب في الصلاة إذا طال أبطل الصلاة كعمل البدن .\rوهذا يرده حديث تذكير الشيطان المرء في صلاته حتى يظل لا يدري كم صلى وأمره أن يسجد سجدتين ، ولم يأمره بالإعادة .\rوخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث الفضل بن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( الصلاة مثنى مثنى ، تشهد في كل ركعتين ، وتخشع وتضرع ، وتمسكن ، وتقنع يديك - يَقُول : ترفعهما إلى ربك - مستقبلاً ببطونهما وجهك ، وتقول : يَا رب يَا رب ، وإن لَمْ تفعل ذَلِكَ فهو كذا وكذا )) .\rوهذا لفظ الترمذي .\rوللإمام أحمد : (( وتقول : يارب ثلاثاً ، فمن لَمْ يفعل ذَلِكَ فَهِيَّ خداج )) .\rوفي إسناده اخْتِلاَف .\rوخرجه أبو داود وابن ماجه ، وعندهما : عَن المطلب ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد قَالَ أبو حاتم الرَّازِي : هُوَ إسناد حسن .\rوضعفه البخاري ، وَقَالَ : لا يصح .\rوَقَالَ العقيلي : فِيهِ نظر .\rوأما قَوْلِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إني أراكم من وراء ظهري )) ، فليس المراد مِنْهُ : أَنَّهُ كَانَ يلتفت ببصره فِي صلاته إلى من خلفه حَتَّى يرى صلاتهم ، كما ظنه بعضهم ، وقد رد الإمام أحمد عَلَى من زعم ذَلِكَ ، وأثبت ذَلِكَ من خصائص النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وآياته\rومعجزاته ، وقد سبق ذكر كلامه فِي ذَلِكَ .\r* * *","part":5,"page":181},{"id":1104,"text":"89 - بَاب\rمَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ\r743 - حَدَّثَنَا حفص بْن عُمَر : نا شعبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس بْن مَالِك ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r744 - حَدَّثَنَا موسى بن إِسْمَاعِيل : ثنا عَبْد الواحد بن زياد : ثنا عمارة بن القعقاع : ثنا أبو زُرْعَة : ثنا أبو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يسكت بَيْن التكبير وبين القراءة إسكاتة - قَالَ : أحسبه قَالَ : هنية - ، فَقُلْت : بأبي وأمي يَا رَسُول الله ، إسكاتك بَيْن التكبير وبين القراءة ، مَا تَقُول : (( أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب ، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد )) .\rقَالَ الخطابي : قوله : (( إسكاتة )) وزن إفعالة ، من السكوت ، ومعناه : سكوت يقتضي بعده كلاماً ، أو قراءة مَعَ قصر المدة فِيهِ ، وإنما أراد ترك رفع الصوت ، ألا تراه يَقُول : مَا تَقُول فِي إسكاتك .\rقَالَ : وقوله : (( اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد )) ، فإنها أمثال ، ولم يرد أعيان هذه المسميات ، وإنما أراد التوكيد فِي التطهير ، والثلج والبرد ماءان ، لَمْ تمسهما الأيدي ، ولم يمرس ولم يمتهن .\rقَالَ : وفيه مستدل لمن منع من الماء المستعمل ؛ لأنه يَقُول : إن منزلة الخطايا المغسولة بالماء بمنزلة الأوضار الحالة فِي الماء والغسولات المانعة من التطهير .\rقَالَ : وعندي فِي قوله : (( اغسل خطاياي )) عجائب . انتهى مَا ذكره .\rوكأنه يشير إلى مسألة العصمة ، ولا حاجة إلى ذكرها .\rولما كَانَتْ الذنوب تؤثر فِي القلب دنساً ، وَهُوَ المذكور فِي قوله تعالى : { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [ المطففين:14 ] وتوجب للقلب احترافاً ؛ طلب فِي هَذَا الدعاء المباعدة بينه وبينها عَلَى أقصى وجوه المباعدة ، والمراد : المباعدة من تأثيراتها وعقوباتها الدنيوية والأخروية .\rوربما دَخَلَ فِيهِ المباعدة بَيْن مَا قدر مِنْهَا ولم يعلمه بعد ، فطلب مباعدته مِنْهُ ، عَلَى نحو قوله : (( أعوذ بك من شر مَا عملت وما لَمْ أعمل )) .\rوطلب -أَيْضاً - أن ينقي قلبه من دنسها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس .\rوطلب -أَيْضاً - إطفاء حرارتها وحريقها للقلب بأعظم مَا يوجد فِي الدنيا إنقاء وتبريداً ، وَهُوَ الماء والثلج والبرد .\rوفي حَدِيْث عَائِشَة ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُول فِي دعائه : (( اللهم اغسل خطاياي بالثلج والبرد ، وأنق قلبي من الخطايا كما أنقيت الثوب الأبيض من الدنس ، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بَيْن المشرق والمغرب )) .\rوقد خرجه البخاري فِي موضع آخر ، وخرجه مُسْلِم - أَيْضاً .","part":5,"page":182},{"id":1105,"text":"وإنما كَانَ يدعو فِي افتتاح الصلاة المكتوبة بهذا - والله أعلم - ؛ لأن الصلوات الخمس تكفر الذنوب والخطايا ، كما قَالَ تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [ هود: 114] ، فإقامة الصلوات المفروضات عَلَى وجهها يوجب مباعدة الذنوب ، ويوجب - أَيْضاً - إنقاءها وتطهيرها ؛ فإن\r(( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار ، يغتسل فِيهِ كل يوم خمس مرات )) وقد تقدم الحَدِيْث فِي ذَلِكَ ، ويوجب - أَيْضاً - تبريد الحريق الَّذِي تكسبه الذنوب وإطفاءه .\rوخرج الطبراني من حَدِيْث ابن مَسْعُود - مرفوعاً - : (( تحترقون [ تحترقون ] حَتَّى إذا صليتم الفجر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم الظهر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون حَتَّى إذا صليتم العصر غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها ، ثُمَّ تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها )) .\rوقد روي موقوفاً ، وَهُوَ أشبه .\rوخرج -أَيْضاً - من حَدِيْث أَنَس -مرفوعاً- : (( إن الله ملكاً ينادي عِنْدَ كل صلاة ك يَا بني آدم ، قوموا إلى نيرانكم الَّتِيْ أوقدتموها عَلَى أنفسكم فأطفئوها )) .\rوخرج الإسماعيلي من حَدِيْث عُمَر بْن الخَطَّاب - مرفوعاً - : (( يجرقون ، فإذا صلوا الصبح غسلت الصلاة مَا كَانَ قبلها )) حَتَّى ذكر الصلوات الخمس .\rولما كَانَتْ الصلاة صلة بَيْن العبد وربه ، وكان المصلي يناجي ربه ، وربه يقربه مِنْهُ ، لَمْ يصلح للدخول فِي الصلاة إلا من كَانَ طاهراً فِي ظاهره وباطنه ؛ ولذلك شرع للمصلي أن يتطهر بالماء ، فيكفر ذنوبه بالوضوء ، ثُمَّ يمشي إلى المساجد فيكفر ذنوبه بالمشي ، فإن بقي من ذنوبه شيء كفرته الصلاة .\rقَالَ سُلَيْمَان الفارسي : الوضوء يكفر الجراحات الصغار ، والمشي إلى المسجد يكفر أكثر من ذَلِكَ ، والصلاة تكفر أكثر من ذَلِكَ .\rخرجه مُحَمَّد بْن نصر المروزي وغيره .\rفإذا قام المصلي بَيْن يدي ربه فِي الصلاة وشرع فِي مناجاته ، شرع لَهُ أول مَا يناجي ربه أن يسأل ربه أن يباعد بينه وبين مَا يوجب لَهُ البعد من ربه ، وَهُوَ الذنوب ، وأن يطهره مِنْهَا ؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة ، فيستكمل فوائد الصلاة وثمراتها من المعرفة والأنس والمحبة والخشية ، فتصير صلاته ناهية لَهُ عَن الفحشاء والمنكر ، وهي الصلاة النافعة .\rوقد روي ، أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يستعيذ من صلاة لا تنفع .\rخرجه أبو داود .\rوخرجه البزار فِي (( مسنده )) بإسناد فِيهِ ضعف ، عَن سمرة بْن جندب ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُول لنا : (( إذا صلى أحدكم فليقل : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بيني وبين المشرق والمغرب ، اللهم إني أعوذ بك أن تصد عني وجهك يوم القيامة ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم أحيني مسلماً وتوفني مسلماً )) .\rوهذا حَدِيْث غريب .","part":5,"page":183},{"id":1106,"text":"والاستعاذة من الإعراض مناسبة لهذا المقام ؛ فإن المصلي قائم بَيْن يدي الله\rلمناجاته ، فيحسن أن يستعيذ بِهِ من أن يعرض بوجهه عَنْهُ .\rوفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ جواز التفدية بالأبوين ، وفيه كلام يذكر فِي موضع آخر ذو القعدة إن شاء الله تعالى .\rوحديث أَبِي هُرَيْرَةَ استدل بِهِ من يَقُول : إنه يستحب استفتاح [ الصلاة ] بذكر قَبْلَ الشروع فِي القراءة ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر العلماء ، ثُمَّ اختلفوا :\rفَقَالَ كثير منهم : يستحب استفتاح الصلاة بقول : (( سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك )) .\rصح هَذَا عَن عُمَر بْن الخَطَّاب ، روي عَنْهُ من وجوه كثيرة ، وعن ابن مَسْعُود ، وروي عَن أَبِي بَكْر الصديق وعثمان بْن عَفَّانَ ، وعن الْحَسَن وقتادة والنخعي ، وَهُوَ قَوْلِ الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق - فِي رِوَايَة .\rوقد روي فِي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة من وجوه متعددة ، أجودها : من حَدِيْث أَبِي سَعِيد وعائشة .\rوَقَالَ الإمام أحمد : نذهب فِيهِ إلى حَدِيْث [ عُمَر ] ، وقد روي فِيهِ من وجوه ليست بذاك -فذكر حَدِيْث عَائِشَة وأبي هُرَيْرَةَ .\rفصرح بأن الأحاديث المرفوعة ليست قوية ، وأن الاعتماد عَلَى الموقوف عَن الصَّحَابَة ؛ لصحة مَا روي عَن عُمَر .\rوروي عَن أَبِي إِسْحَاق ، عَن عَبْد الله بْن أَبِي الخليل ، قالَ : سَمِعْت علياً حِينَ افتتح الصلاة قَالَ : لا إله إلا أنت سبحانك إني قَدْ ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، فاغفر ذنوبي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .\rوروي عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ افتتح الصلاة ، فَقَالَ : الله أكبر كبيراً ، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً ، اللهم اجعلك أحب شيء إلي ، واخشى شيء عندي .وذهب طائفة إلى الاستفتاح بقول : (( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً )) - الآيات ، وما بعده من الدعاء .\rوقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يستفتح بذلك ، خرجه فِي (( أبواب : صلاة الليل )) .\rوخرجه الترمذي ، وعنده : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يستفتح بِهِ فِي الصلاة المكتوبة .\rوفي إسناده مقال .\rوخرجه الطبراني من وجه آخر كذلك .\rوخرجه النسائي من رِوَايَة مُحَمَّد بْن مسلمة ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذا قام يصلي تطوعاً يَقُول ذَلِكَ .\rوممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا : الشَّافِعِيّ وأصحابه وإسحاق - فِي رِوَايَة .\rوروي عَن عَلِيّ ، أَنَّهُ كَانَ يستفتح بِهِ من وجه منقطع .\rوظاهر كلام الشَّافِعِيّ وبعض أصحابه : أَنَّهُ يستفتح بِهِ كله الإمام وغيره .\rوَقَالَ كثير من أصحابه : يقتصر الإمام عَلَى قوله : (( وأنا من المُسْلِمِين )) .\rوقالت طائفة : يجمع بَيْن قوله : (( سبحانك اللهم وبحمدك )) وقوله : (( وجهت وجهي)).","part":5,"page":184},{"id":1107,"text":"وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف وإسحاق - فِي رِوَايَة - وطائفة من الشافعية ، ومنهم : أبو إِسْحَاق المروزي ، وطائفة قليلة من أصحابنا .\rوقد ورد فِي الجمع بَيْنَهُمَا أحاديث غير قوية الأسانيد .\rوكل هَذَا عَلَى وجه الاستحباب ، فلو لَمْ يستفتح الصلاة بذكر ، بل بدأ بالقراءة صحت صلاته ، ولو استفتح بشيء مِمَّا ورد حصلت بِهِ سَنَة الاستفتاح عِنْدَ الإمام أحمد وغيره من العلماء ، ولو كَانَ الأفضل عِنْدَ بعضهم غيره .\rوَقَالَ أحمد فِي رِوَايَة الميموني : مَا أحسن حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاستفتاح - يعني : الحَدِيْث الَّذِي خرجه البخاري هاهنا - فَقِيلَ لَهُ : فإن بعض النَّاس يَقُول : هَذَا كلام ؟ فَقَالَ - متعجباً - : وهل الدعاء إلا كلام فِي الصلاة ويجوز .\rوالمنكر لهذا هُوَ من يَقُول من الكوفيين : إنه لا يجوز الدعاء فِي الصلاة إلا بلفظ القرآن ، فأما الثناء عَلَى الله فمتفق عَلَى جوازه فِي الصلاة .\rوهذا مِمَّا يرجح بِهِ الاستفتاح بـ (( سبحانك اللهم وبحمدك )) ؛ لاشتماله عَلَى أفضل الكلام ، فإنه إذا جمع مَعَ التكبير صار متضمناً لقول : (( سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر )) ، وقد قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فيهن : (( إنهن أفضل الكلام بعد القرآن )) .\rوذهبت طائفة قليلة : إلى أن من ترك الاستفتاح عمداً أعاد صلاته ، منهم : ابن بطة وغيره من أصحابنا ، وربما حكي رِوَايَة عَن أحمد .\rوَقَالَ الحكم : إذا قَالَ : سبحان الله حِينَ يفتتح الصلاة والحمد لله أجزأه .\rوهذا يشعر بوجوبه .\rوَقَالَ إِسْحَاق : إن تركه عمداً فهو مسيء ، ولا يتبين لِي إيجاب الإعادة ؛ لما ذكر فِي غير حَدِيْث ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذا كبر قرأ فاتحة الكتاب .\rوحكي الترمذي عَن بعض أهل الكوفة : أن حَدِيْث عَلِيّ بْن أَبِي طالب يعمل بِهِ فِي التطوع دون الفريضة .\rوكذلك خرجه مُسْلِم فِي (( أبواب قيام الليل )) .\rوَقَالَ أحمد - فِي رِوَايَة ابن منصور - : أنا أذهب إلى قَوْلِ ابن عُمَر ، وإن قَالَ كما روي عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فلا بأس ، وعامة مَا قَالَ فِي صلاة الليل .\rوَقَالَ الوليد بْن مُسْلِم : ذكرت ذَلِكَ لسعيد بْن عَبْد العزيز ، فأخبرني عَن المشيخة، أنهم كانوا يقولون : هؤلاء الكلمات حِينَ يقبلون بوجوههم إلى القبلة ، قَبْلَ تكبيرة الاستفتاح - يعني : (( وجهت وجهي )) - قَالَ : ثُمَّ يتبعون تكبيرة الاستفتاح بـ (( سبحانك وبحمدك )) إلى آخره .\rوذهب مَالِك إلى أَنَّهُ لا يشرع الاستفتاح فِي الصلاة ، بل يتبع التكبير بقراءة الفاتحة .\rوحكاه الإمام أحمد - فِي رِوَايَة حَنْبل - عَن ابن مَسْعُود وأصحابه .\rوهذا غريب .\rواستدل لمن ذهب إلى هَذَا القول بظاهر حَدِيْث أَنَس الَّذِي خرجه البخاري هاهنا فِي أول الباب .\rوقد تقدم عَن إِسْحَاق ، أَنَّهُ استدل بِهِ عَلَى أن الاستفتاح غير واجب .","part":5,"page":185},{"id":1108,"text":"وحمله آخرون عَلَى أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يتركه أحياناً ؛ ليبين أَنَّهُ غير واجب .\rوحمله آخرون عَلَى أن المراد بِهِ : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يبدأ بقراءة الفاتحة قَبْلَ السورة، ولم يرد بِهِ نفي الاستفتاح والتعوذ ، فالمراد بِهِ - حينئذ - استفتاح قراءة الصلاة بالفاتحة .\rوعلى هَذَا حمله الشَّافِعِيّ وأصحابه .\rويدل عَلِيهِ : أن الترمذي خرج هَذَا الحَدِيْث من رِوَايَة أَبِي عوانة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بَكْر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة بـ\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ولو كَانَتْ رِوَايَة شعبة الَّتِيْ خرجها البخاري عَلَى ظاهرها فِي افتتاح الصلاة لذلت عَلَى أن الصلاة تفتتح بكلمة : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } دون التكبير ، ولم يقل أحد : إن هَذَا هُوَ المراد من هَذَا الحَدِيْث .\rوَقَالَ آخرون : المراد من حَدِيْث أَنَس : أن القراءة فِي الصلاة الجهرية تفتتح بكلمة { الْحَمْدُ لِلَّهِ } دون البسملة .\rواستدلوا لذلك بما خرجه مُسْلِم فِي (( صحيحه )) من طريق غندر ، عَن شعبة ، قَالَ : سَمِعْت قتادة يحدث ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت مَعَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بَكْر وعمر وعثمان فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوخرجه -أَيْضاً- من طريق أَبِي داود ، عَن شعبة ، وزاد : قَالَ شعبة : فَقُلْت لقتادة : أسمعته من أنس ؟ قَالَ : نَعَمْ ، نحن سألناه عَنْهُ .\rففي هذه الرواية : تصريح قتادة بسماعه لَهُ من أَنَس ، فبطل بذلك [ تخيل ] من أعل الحَدِيْث بتدليس قتادة .\rوخرجه مُسْلِم - أَيْضاً - من طريق الأوزاعي ، عَن عبدة ، أن عُمَر بْن الخَطَّاب كَانَ يجهر بهؤلاء الكلمات ، يَقُول : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك .\rوعن قتادة ، أَنَّهُ كتب إليه يخبره عَن أَنَس بْن مَالِك ، أَنَّهُ حدثه ، قَالَ : صليت خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } لا يذكرون (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، لا فِي أول قراءة ولا آخرها .\rوعن الأوزاعي ، قَالَ : أخبرني إِسْحَاق بْن عَبْد الله بْن أَبِي طلحة ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك يذكر ذَلِكَ .\rفهذه الرواية صحيحة ، متصلة الإسناد بالسماع المُتَّصِل عَن قتادة ، وإسحاق عَن أَنَس .\rوقد روي حَدِيْث شعبة ، عَن قتادة بالفاظ آخر .\rفرواه وكيع ، عَن شعبة ، عَن قتادة ، عَن أَنَس ، قَالَ : صليت خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وخلف أَبِي بَكْر وعمر وعثمان ، فكانوا لا يجهرون بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rخرجه الإمام أحمد ، عَن وكيع .\rوخرجه الدارقطني من طرق ، عَن شعبة - بنحوه .\rومن طريق شيبان وهمام عَن قتادة - أَيْضاً - بنحوه .","part":5,"page":186},{"id":1109,"text":"ومن طريق زيد بْن الحباب ، عَن شعبة ، وَقَالَ فِي حديثه : فَلَمْ أسمع ـحد منهم يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوكذا رواه سَعِيد بْن أَبِي عروبة وحجاج ، عَن قتادة ، عَن أَنَس .\rوخرجه النسائي من رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي عروبة وشعبة ، كلاهما عَن قتادة ، ولفظه : فَلَمْ أسمع أحداً منهم يجهر بِهَا .\rوخرجه أبو يعلى الموصلي من طريق غندر ، عَن شعبة ، ولفظه : لَمْ يكونوا يستفتحون الصلاة بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) . قُلتُ لقتادة : أسمعته من أَنَس ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ونحن سألناه عَنْهُ .\rورواه الأعمش ، عَن شعبة ، فَقَالَ : عَن ثابت ، عَن أَنَس - بنحو هَذَا اللفظ .\rوأخطأ فر قوله : (( ثابت )) ، إنما هُوَ : (( عَن قتادة )) - : قاله أبو حاتم الرَّازِي والترمذي فِي (( كِتَاب العلل )) .\rوقيل : إن الخطأ من عمار بْن رزيق ، رِوَايَة عَن الأعمش .\rوقد روي عَن شعبة ، عَن قتادة وحميد وثابت ، عَن أنس من وجه آخر فِيهِ نظر .\rورواه يزيد بْن هارون ، عَن حماد ، عَن قتادة وثابت ، عَن أَنَس .\rوخرجه الإمام أحمد عَن أَبِي كامل ، عَن حماد بْن سَلَمَة ، عَن ثابت وقتادة وحميد، عَن أَنَس، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بَكْر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rورواه حماد بْن سَلَمَة فِي (( كتابه )) كذلك ، [ إلا ] أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يذكر حميد فِي روايته : النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rيعني : أن حميداً وحده وقفه ، ولم يرفعه .\rوقد رواه مَالِك فِي (( الموطإ )) عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : قمت وراء أَبِي بَكْر وعمر وعثمان ، فكلهم لا يقرأ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) إذا افتتح الصلاة .\rوقد رفعه عَن مَالِك الوليد بْن مُسْلِم وأبو قرة الزبيدي وإسماعيل بْن موسى السدي وابن وهب - من رِوَايَة ابن أخيه عَنْهُ .\rوالصحيح عَن مَالِك : ليس فِيهِ ذكر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكذا الصحيح عَن حميد .\rقَالَ أحمد : حميد لَمْ يرفعه .\rوذكر الدارقطني جماعة رووه عَن حميد ورفعوه ، منهم : معمر وابن عُيَيْنَة والثقفي وأبو بَكْر بْن عياش ومروان بْن معاوية وغيرهم .\rثُمَّ قَالَ : والمحفوظ : أن حميداً رواه عَن أَنَس ، وشك فِي رفعه ، وأخذه عَن قتادة، عَن أنس مرفوعاً .\rوخرج النسائي من رِوَايَة أَبِي حَمْزَة ، عَن منصور بْن زاذان ، عَن أَنَس ، قَالَ : صلى بنا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يسمعنا قراءة (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، وصلى بنا أبو بَكْر وعمر فَلَمْ نسمعها منهما .\rوروى مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يسر (( بسم الله الرحمن الرحيم )) وأبو بَكْر وعمر .\rخرجه الطبراني .\rوروي من وجه آخر ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس .","part":5,"page":187},{"id":1110,"text":"وروي عَن أَنَس من وجوه أخر ، مِنْهَا : عَن أَبِي قلابة وثمامة وعائذ بْن شريح وغيرهم .\rوقد اعترض طائفة من العلماء عَلَى هَذَا ، بأن حَدِيْث أَنَس اختلفت ألفاظه ، والمحفوظ من ذَلِكَ رِوَايَة من قَالَ : كَانَ يفتتح الصلاة - أو القراءة - بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، كما هِيَ الرواية الَّتِيْ خرجها البخاري ، وهذه الرواية تحتمل أن المراد : افتتاح القراءة بقراءة سورة الفاتحة دون غيرها من السور .\rوزعم الدارقطني : أن عامة أصْحَاب قتادة رووه عَنْهُ كذلك ، منهم : أيوب وحميد ، وأنه المحفوظ عَن قتادة وغيره ، عَن أَنَس .\rوكذلك رواه جماعة عَن شعبة كما خرجه البخاري ، عَن أَبِي عُمَر الحوضي ، عَنْهُ ، كذا رواه يَحْيَى القطان ويزيد بْن هارون ، عَن شعبة .\rوكذلك ذكر الشَّافِعِيّ : أن أصْحَاب حميد خالفوا مالكاً فِي لفظ حديثه الَّذِي خرجه فِي (( الموطإ )) ، وقالوا : كانوا يفتتحون قراءتهم بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ\rالْعَالَمِينَ } وذكر منهم سبعة أو ثمانية ، منهم : ابن عُيَيْنَة والفزاري والثقفي .\rوالجواب عَن ذَلِكَ : أن مَا ذكروه من اخْتِلاَف ألفاظ الرواية يدل عَلَى أنهم كانوا يروون الحَدِيْث بالمعنى ، ولا يراعون اللفظ ، فإذا كَانَ أحد الألفاظ محتملاً ، والآخر صريحاً لا احتمال فِيهِ ، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل هُوَ مَا دل عَلَيْهَا اللفظ الصريح الَّذِي لا احتمال فِيهِ ، وأن معناهما عندهم واحد ، وإلا لكان الرواة قَدْ رووا الحَدِيْث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذَلِكَ بهم مَعَ علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم.\rلا سيما وبعضهم قَدْ زاد فِي الحَدِيْث زيادة تنفي كل احتمال وشك ، وهي عدم ذكر قراءة البسملة فِي القراءة ، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ ، تقضي عَلَى كل لفظ محتمل ، فكيف لا تقبل ؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم ، مَعَ مَا اشتهر من بلاغته وفصاحته وبلوغه الذروة العليا من ذَلِكَ .\rوالذي رَوَى نفي قراءة البسملة من أصْحَاب حميد هُوَ مَالِك ، ومالك مَالِك فِي فقهه وعلمه وورعه وتحريه فِي الرواية ، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل ؟\rفالواجب فِي هَذَا ونحوه : أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة ؛ فإن هَذَا من بَاب عرض المتشابه عَلَى المحكم ، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز ، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه .\rومن زعم : أن ألفاظ الحَدِيْث متناقضة فلا يجوز الاحتجاج بِهِ فَقَدْ أبطل ، وخالف مَا عَلِيهِ أئمة الإسلام قديماً وحديثاً فِي الاحتجاج بهذا الحَدِيْث والعمل بِهِ .","part":5,"page":188},{"id":1111,"text":"وأيضاً ؛ فأي فائدة فِي رِوَايَة أَنَس أو غيره : أن القراءة تفتتح بفاتحة الكتاب ، فتقرأ الفاتحة قَبْلَ السورة ، وهذا أمر معلوم من عمل الأمة ، لَمْ يخالف فِيهِ منهم أحد ، ولا اختلف فِيهِ اثنان ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، كما أن أحداً من الصَّحَابَة لَمْ يرو فِي أمور الصلاة مَا كَانَ مقرراً عِنْدَ الأمة ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، مثل عدد الركعات بعد استقرارها أربعاً ، ومثل الجهر فيما يجهر بِهِ والإسرار فيما يسر ، ونحو ذَلِكَ مِمَّا لا فائدة فِي الإخبار بِهِ .\rفكذلك ابتداء القراءة بالفاتحة ، لا يحتاج إلى الإخبار بِهِ ، ولا إلى السؤال عَنْهُ ، وقد كَانَ أَنَس يسأل عَن هَذَا - كما قَالَ قتادة : نحن سألناه عَنْهُ ، وقد تقدم - وكان يَقُول -أحياناً- : مَا سألني عَن هَذَا أحد .\rوروي عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا أحفظه .\rوهذا يدل عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يخفى عَلَى السائل والمسئول ، ولو كَانَ السؤال عَن الابتداء بقراءة الفاتحة لَمْ يخف عَلَى سائل ولا مسئول عَنْهُ .\rفخرج الإمام أحمد من طريق شعبة : قَالَ قتادة : سألت أَنَس بْن مَالِك : بأي شيء كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح القراءة ؟ قَالَ : إنك لتسألني عَن شيء مَا سألني عَنْهُ أحد .\rومن طريق سَعِيد ، عَن قتادة ، قَالَ : قُلتُ لأنس - فذكره .\rقَالَ : وحدثنا إِسْمَاعِيل - يعني : ابن علية - : ثنا سَعِيد بْن يزيد : أنا قتادة - أبو مسلمة-، قَالَ : قُلتُ لأنس .\rقَالَ أحمد : وحدثنا غسان بْن مضر ، عَن أَبِي مسلمة سَعِيد بْن يزيد ، قَالَ : سألت أَنَس بْن مَالِك : أكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) أو\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ؟ فَقَالَ : إنك تسألني عَن شيء مَا أحفظه ، أو مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك .\rوخرجه من هَذَا الوجه ابن خزيمة والدارقطني ، وصحح إسناده .\rوقد ذكرنا أَنَّهُ مختلف فِيهِ ، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً ، فالمراد : هَلْ كَانَ يقرأ البسملة فِي نفسه ، أم لا ؟ فَلَمْ يكن عنده مِنْهُ علم ؛ لأنه لَمْ يسمع قراءتها ، فلا يدري : هَلْ كَانَ يسرها ، أم لا ؟\rوأيضاً ؛ فَقَدْ شك الرَّاوي : هَلْ قَالَ : (( لا أحفظه )) ، أو (( مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك )) ، فالظاهر : أَنَّهُ إنما قَالَ : (( مَا سألني عَنْهُ أحد قبلك )) ، كما رواه شعبة وغيره عَن قتادة ، كما تقدم .\rوعلى تقدير : أن يكون قَالَ : (( مَا أحفظه )) ، فيجوز أن يكون نسي مَا أخبر بِهِ قتادة وغيره من قَبْلَ ذَلِكَ ، ويكون قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ كبره وبعد عهده بما سئل عَنْهُ .\rقَالَ ابن عَبْد البر : من حفظ عَنْهُ حجة عَلَى من سأله فِي حال نسيانه . والله\rأعلم .\rفإن قيل : فَقَدْ رَوَى الأوزاعي ، عَن إِسْحَاق بْن عَبْد الله بْن أَبِي طلحة ، عَن أَنَس، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بَكْر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون بأم القرآن ، فيما يجهر فِيهِ .","part":5,"page":189},{"id":1112,"text":"خرجه ابن جوصة والدارقطني .\rوهذا صريح فِي أن المراد ابتداء القراءة بفاتحة الكتاب .\rقيل : ليس المراد الإخبار بأنهم كانوا يقرءون أم القرآن قَبْلَ سور سواها ؛ فإن هذه لا فائدة فِيهِ إنما المراد : أنهم كانوا لا يقرءون قَبْلَ أم القرآن شيئاً يجهرون بِهِ فِي الصلاة ، فتدخل فِي ذَلِكَ البسملة ؛ فإنها ليست من أم القرآن .\rويدل على هَذَا شيئان :\rأحدهما : أن رِوَايَة الأوزاعي الَّتِيْ فِي (( صحيح مُسْلِم )) : لا يذكرون (( بسم الله الرحمن الرحيم )) فِي أول قراءة ولا آخرها .\rوالأوزاعي إمام فقيه عندما يروي ، فرواياته كلها متفقة .\rوالثاني : أن الأوزاعي كَانَ يأخذ بهذا الحَدِيْث الَّذِي رواه ، ولا يرى قراءة البسملة قَبْلَ الفاتحة من أولا جهراً ، وسنذكر قوله فِي ذَلِكَ فيما بعد - إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\rوقد عارض بعضهم حَدِيْث أَنَس هَذَا بما خرجه البخاري فِي (( فضل القرآن )) من (( صحيحه )) هَذَا : حَدَّثَنَا عَمْرِو بْن عاصم : ثنا همام ، عَن قتادة ، قَالَ : سئل أَنَس : كَيْفَ كَانَتْ قراءة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ : كَانَتْ مداً ، ثُمَّ قرأ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، يمد بـ (( بسم الله)) ، ويمد بـ (( الرحمن )) ويمد بـ (( الرحيم )) .\rوخرجه -أَيْضاً - من طريق جرير بْن حَازِم ، عَن قتادة - إلى قوله : (( مداً))، ولم يذكر : (( ثُمَّ قرأ )) وما بعده .\rوقد ذكر ابن أَبِي خيثمة فِي (( كتابه )) : أن يَحْيَى بْن معين سئل عَن حَدِيْث جرير هَذَا ، فَقَالَ : ليس بشيء .\rقُلتُ : وروايات جرير بْن حَازِم عَنْ قتادة فيها مناكير - : قاله الإمام أحمد ويحيى وغير واحد .\rوقد تابعه عَلَى هَذَا : همام .\rقَالَ : وروي عَن قتادة مرسلاً ، وَهُوَ أشبه - : ذكره فِي (( العلل )) .\rقُلتُ : وقد روي بإسناد فِيهِ لين ، عَن حرب بْن شداد ، عَن قتادة ، قَالَ : سألت أَنَس بْن مَالِك : كَيْفَ كَانَتْ قراءة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ : كَانَ إذا قرأ مد صوته مداً .\rخرجه الطبراني .\rوفي الجملة ؛ فتفرد عَمْرِو بْن عاصم عَن همام بذكر البسملة فِي هَذَا الحَدِيْث .\rوقد روي عَن شعبة ، عَن همام بدون هذه الزيادة .\rخرجه أبو الحسين بن المظفر فِي (( غرائب شعبة )) .\rوعلى تقدير أن تكون محفوظة ، فليس فِي الحَدِيْث التصريح بقراءته فِي الصلاة ، فَقَدْ يكون وصف قراءته فِي غير الصلاة ، ويحتمل - وَهُوَ أشبه - : أن يكون أَنَس أو قتادة قرأ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) عَلَى هَذَا الوجه ، وأراد تمثيل قراءته بالمد ، ولم يرد بِهِ حكاية عين قراءته للبسملة .\rويشهد بهذا : مَا خرجه أبو داود من حَدِيْث ابن جُرَيْج ، عَن ابن أَبِي مليكة ، عَن أم سَلَمَة، ذكرت قراءة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) . { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } ، يقطع قراءته آية آية .","part":5,"page":190},{"id":1113,"text":"وخرجه الترمذي ولم يذكر فِي أوله البسملة ، وزاد : وكان يقرأها { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } .\rوقراءة هذه الآيات عَلَى هَذَا الوجه إنما هُوَ من حكاية ابن جُرَيْج لحديث أم سَلَمَة، وقولها : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته آية آية ، كذلك قاله النسائي وأبو داود السجستاني ، حكاه عنهما أبو بَكْر بْن أَبِي داود فِي كتابه (( المصاحف )) .\rوكذا قَالَ الإمام أحمد فِي رِوَايَة ابن الْقَاسِم ، وقالوا : ابن جُرَيْج هُوَ الَّذِي قرأ\r{ ملِكِ } ، وليس ذَلِكَ فِي حَدِيْث أم سَلَمَة .\rيدل على صحة هَذَا : مَا خرجه الإمام أحمد من طريق نَافِع ، عَن ابن أَبِي مليكة، عَن بعض أزواج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ نَافِع : أراها حَفْصَةَ - ، أنها سئلت عَن قراءة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقَالَتْ : إنكم لا تستطيعونها ، فَقِيلَ : أخبرينا بِهَا ، فقرأت قراءة ترسلت فيها . قَالَ نَافِع : فحكى لنا ابن أَبِي مليكة : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ثُمَّ قطع { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، ثُمَّ قطع { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } .\rففي هذه الرواية : تصريح ابن جُرَيْج بأن هذه القراءة إنما هِيَ حكاية مَا قرأ لهم ابن أَبِي مليكة .\rوفي لفظ الحَدِيْث اختلاف فِي ذكر البسملة وإسقاطها .\rوفي إسناده - أَيْضاً - اخْتِلاَف ؛ فَقَدْ أدخل الليث بْن سعد فِي روايته عَن ابن أَبِي مليكة بينه وبين أم سليمة : يعلى بْن مملك ، وصحح روايته الترمذي وغيره .\rوَقَالَ النسائي فِي يعلى هَذَا : ليس بمشهور .\rوَقَالَ بعضهم : عَن يعلى ، عَن عَائِشَة .\rوقد ذكر الاختلاف فِيهِ الدارقطني فِي (( علله )) ، وذكر أن عُمَر بْن هارون زاد فِيهِ : عَن ابن جُرَيْج ، وعد : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) آية .\rوعمر بْن هارون ، لا يلتفت إلى تفرد بِهِ .\rوقد يكون ابن جُرَيْج عدها آية -أو ابن أَبِي مليكة .\rومن زعم : أَنَّهُ صحيح ؛ لتخريج ابن خزيمة لَهُ ، فَقَدْ وهم .\rومن زعم من متقدمي الفقهاء أن حفص بْن غياث رواه عَن ابن جُرَيْج كذلك وأنه أخبره بِهِ عَنْهُ غير واحد ، فَقَدْ وهم ، ورواه بالمعنى الَّذِي فهمه هُوَ ، وَهُوَ وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الَّذِي يفهمونه ، فيغيرون معنى الحَدِيْث .\rوحديث حفص مشهور ، مخرج فِي المسانيد والسنن باللفظ المشهور .\rوقد ادعى طائفة : أن حَدِيْث قتادة وإسحاق بْن أَبِي طلحة ومن تابعهما عَن أَنَس كما تقدم معارض بروايات أخر عَن أَنَس ، تدل عَلَى الجهر بالبسملة ، فإما أن تتعارض الروايات وتسقط ، أو ترجح رِوَايَة الجهر ؛ لأن الإثبات مقدم عَلَى النفي .","part":5,"page":191},{"id":1114,"text":"فروى الشَّافِعِيّ : نا عَبْد المجيد بْن عَبْد العزيز ، عَن ابن جُرَيْج ، قَالَ : أخبرني عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، أن أَبَا بَكْر بْن حفص بْن عُمَر أخبره ، أن أنس بْن مَالِك قَالَ : صلى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فقرأ : (( بسم الله الرحمن الرحيم)) لأم القرآن ، ولم يقرأ بِهَا للسورة الَّتِيْ بعدها حَتَّى قضى تلك القراءة ، ولم يكبر حَتَّى قضى تلك ، فلما سلم ناداه من شهد ذَلِكَ من المهاجرين من كل مكان : يَا معاوية : أسرقت الصلاة ، أم نسيت ؟ فلما صلى بعد ذَلِكَ قرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) للسورة الَّتِيْ بعد أم القرآن ، وكبر حِينَ يهوي ساجداً .\rورواه عَبْد الرزاق عَن ابن جُرَيْج بهذا الإسناد ، وَقَالَ فِيهِ : فَلَمْ يقرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) لأم القرآن ، ولم يقرأ بِهَا للسورةىآQ - _??__?__ __\rbbƒƒ_________ - _ _ل_ل_ _______________ے_____ے_____ے_________]___ - __ہ_ہ___ہ___ہ___ہ___ہ_______ش___-___-___-_8_V_ب_b_ى_ش___ _œ_\"___\"_(_J___J___J___J___J___J___y___{___{___{___{___{___{_$_¯_ô_£_¦_ں_t_________ہ___J___________J___J___J___J___ں__ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، ولم يكبر إذا رفع .\rورواه -أَيْضاً - عَن يَحْيَى بْن سليم ، عَن عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، عَن إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْدِ بن رِفَاعَة ، عَن أَبِيه - فذكر بنحوه .\rقَالَ الشَّافِعِيّ : وأحسب هَذَا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول .\rقَالَ البيهقي : ورواه إِسْمَاعِيل بْن عياش ، عَن ابن خثيم ، عَن إِسْمَاعِيل ابن عُبَيْدِ بْن رِفَاعَة ، عن أبيه ، عَن جده ، أن معاوية قدم المدينة .\rقَالَ : ويحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما ، والله أعلم . انتهى .\rفعلى طريقة الشَّافِعِيّ فِي ترجيح الإسناد الثاني عَلَى الحَدِيْث ، ليس هَذَا الحَدِيْث من رِوَايَة أَنَس بْن مَالِك بالكلية ، فلا يكون معارضاً لروايات أَنَس الصحيحة الثابته .\rوعلى التقدير الآخر ، فليس هَذَا الحَدِيْث مرفوعاً ، وإنما فِيهِ إنكار من كَانَ حاضراً تلك الصلاة من المهاجرين ، وإنما حضر ذَلِكَ قليل منهم ؛ فإن أكابرهم توفوا قَبْلَ ذَلِكَ ، فغاية هَذَا : أن يكون موقوفاً عَلَى جماعة من الصَّحَابَة ، فكيف ترد بِهِ الرواية المرفوعة ، وليس فِيهِ تصريح بإنكار ترك الجهر بالبسملة ، بل يحتمل أنهم إنما أنكروا قراءتها فِي الجملة ، وذلك محتمل بأن يكون معاوية وصل تكبيرة الإحرام بقراءة { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } من غير سكوت بَيْنَهُمَا يتسع للبسملة ، ثُمَّ وصل الفاتحة بقراءة سورة من غير سكوت يتسع للبسملة .\rورواية ابن جُرَيْج صريحة فِي أن معاوية لَمْ يقرأ البسملة مَعَ الفاتحة - أَيْضاً -، فيدل هَذَا عَلَى اتفاقهم عَلَى أن البسملة ليست من الفاتحة ، وإلا لأمروه بإعادة الصلاة ، أو لأعادوا هم صلاتهم خلفه .\rوبكل حال ؛ المضطرب إسناده وألفاظه لا يجوز أن يكون معارضاً لأحاديث أَنَس الصحيحة الصريحة .","part":5,"page":192},{"id":1115,"text":"وقد تفرد بهذا الحَدِيْث عَبْد الله بْن عُثْمَان بْن خثيم ، وليس بالقوي ؛ ترك حديثه يَحْيَى القطان وابن مهدي .\rومن العجب ، قَوْلِ بعضهم : يكفي أن مسلماً خرج لَهُ ، مَعَ طعنه فِي حَدِيْث الأوزاعي الَّذِي خرجه مُسْلِم فِي (( صحيحه )) من حَدِيْث أنس المصرح بنفي قراءة البسملة .\rوقوله : إنه معلول غير ثابت ، بغير حجة ولا برهان ، نعوذ بالله من اتباع الهوى.\rفإن قيل : فَقَدْ روي عَن أَنَس أحاديث صريحة فِي الجهر بالبسملة :\rفروى حاتم بْن إِسْمَاعِيل ، عَن شريك بن عَبْد الله بن أَبِي نمر ، عَن أَنَس ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rخرجه الحَاكِم فِي (( المستدرك )) من طريق أصبع بْن الفرج ، عَن حاتم ، بِهِ .\rوَقَالَ : رواته ثقات .\rقُلتُ : هَذَا لا يثبت ؛ فَقَدْ خرجه الدارقطني من طريق آخر عَن حاتم بْن\rإِسْمَاعِيل ، عَن شريك بْن عَبْد الله ، عَن إِسْمَاعِيل المكي ، عَن قتادة ، عَن أَنَس - فذكره .\rفتبين بهذه الرواية أَنَّهُ سقط من رِوَايَة الحَاكِم من إسناده رجلان : أحدهما إِسْمَاعِيل المكي ، وَهُوَ : ابن مُسْلِم ، متروك الحَدِيْث ، لا يجوز الاحتجاج بِهِ .\rوخرج الدارقطني - أَيْضاً - من طريق معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوفي إسناده مجاهيل لا يعرفون .\rوخرج - أَيْضاً - بإسناد منقطع وجادة وجدها فِي كِتَاب عَن مُحَمَّد بْن المتوكل بْن أَبِي السري العسقلاني ، أَنَّهُ صلى خلف المعتمر بْن سُلَيْمَان ، فكان يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، وَقَالَ : إني مَا آلو أن اقتدي بصلاة المعتمر ، وَقَالَ أَنَس : مَا آلو أن اقتدي بصلاة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوهذا لا يثبت ؛ لوجوه :\rمِنْهَا : انقطاع أول إسناده .\rومنها : أَنَّهُ ليس فِيهِ تصريح برواية معتمر للجهر بالبسملة بهذا الإسناد ، وإنما فِيهِ اقتداء كلي فِي الصلاة ، ومثل هَذَا لا يثبت به نقل تفاصيل أحكام الصلاة الخاصة .\rومنها : أن المعتمر بْن سُلَيْمَان إنما كَانَ يروي حَدِيْث البسملة بإسناد آخر عَن إِسْمَاعِيل بْن حماد ، عَن أَبِي خَالِد ، عَن ابن عَبَّاس ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يفتتح صلاته بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم)) .\rخرجه من طريقه كذلك أبو داود ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيْث ضَعِيف .\rوالترمذي ، وَقَالَ : إسناده ليس بذاك . وقال : إِسْمَاعِيل بْن حماد ، هُوَ : ابن أَبِي سُلَيْمَان ، وأبو خالد ، هُوَ : الوالبي ، كذا قَالَ .\rوَقَالَ الإمام أحمد - فِي رِوَايَة حَنْبل - : إِسْمَاعِيل بْن حماد : ليس بِهِ بأس ، ولا أعرف أبا خَالِد - يعني : أَنَّهُ غير الوالبي .\rكذا قَالَ العقيلي ، قَالَ : إِسْمَاعِيل بْن حماد بْن أَبِي سليمان حديثه غير محفوظ\r- يعني : هَذَا الحَدِيْث - ، ويحكيه عَن مجهول كوفي .","part":5,"page":193},{"id":1116,"text":"وخرجه ابن عدي فِي (( كتابه )) من طريق معتمر ، كما خرجه أبو داود وغيره.\rوخرج - أَيْضاً - من طريق آخر عَن معتمر ، قَالَ : سَمِعْت ابن حماد ، عَن عمران بْن خَالِد ، عَن ابن عَبَّاس .\rثُمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيْث لا يرويه غير معتمر ، وَهُوَ غير محفوظ ، سواء قَالَ : عَن أَبِي خَالِد ، أو عمران بْن خَالِد ؛ جميعاً مجهولان .\rوَقَالَ ابن عَبْد البر : هَذَا الحَدِيْث - والله أعلم - إنه روي عَن ابن عَبَّاس من فعله لا مرفوعاً إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rومنها : أن مُحَمَّد بْن المتوكل لَمْ يخرج لَهُ فِي (( الصحيح )) ، وقد تكلم فِيهِ أبو حاتم الرَّازِي وغيره ولينوه ، وَهُوَ كثير الوهم .\rوقد روي عَنْهُ هَذَا الحَدِيْث عَلَى وجه آخر :\rخرجه الطبراني عَن عَبْد الله بْن وهيب الغزي ، عَن مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن الْحَسَن ، عَن أَنَس ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يسر بـ(( بسم الله الرحمن الرحيم )) وأبو بَكْر وعمر .\rفهذه الرواية المتصلة الإسناد أولى من تلك المنقطعة .\rوأعجب من هَذَا : مَا خرجه الحَاكِم من طريق سيف بْن عَمْرِو أَبِي جابر ، عَن مُحَمَّد بْن أَبِي السري ، عَن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أويس ، عَن مَالِك ، عَن حميد ، عَن أَنَس، قَالَ : صليت خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وخلف أَبِي بَكْر وخلف عُمَر وخلف عُثْمَان وخلف عَلِيّ ، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوتخريج هَذَا فِي (( المستدرك )) من المصائب ، ومن يخفى عَلِيهِ أن هَذَا كذب عَلَى مَالِك ، وأنه لَمْ يحدث بِهِ عَلَى هَذَا الوجه قط ؛ إنما رَوَى عَن حميد ، عَن أَنَس ، أن أَبَا بَكْر وعمر وعثمان كانوا لا يقرأون : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rهكذا خرجه فِي (( الموطإ )) ، ورواه عَنْهُ جماعة ، وذكروا فِيهِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَيْضاً - وقد سبق ذكر ذَلِكَ .\rفمن اتقى وأنصف علم أن حَدِيْث أنس الصحيح الثابت لا يدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ الَّتِيْ لَمْ يرض بتخريجها أصْحَاب الصحاح ، ولا أهل السنن مَعَ تساهل بعضهم فيما يخرجه ، ولا أهل المسانيد المشهورة مَعَ تساهلهم فيما يخرجونه .","part":5,"page":194},{"id":1117,"text":"وإنما جمعت هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لما اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بِهَا، ودخل فِي ذَلِكَ نوع من الهوى والتعصب ، فإن أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباع مَا ظهر لهم من الحق وسنة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لَمْ يكن لهم قصد فِي غير ذَلِكَ - رضي الله عنهم - ، ثُمَّ حدث بعدهم من كَانَ قصده أن تكون كلمة فلان وفلان هِيَ العليا ، ولم يكن ذَلِكَ قصد أولئك المتقدمين ، فجمعوا وكثروا الطرق والروايات الضعيفة والشاذة والمنكرة والغريبة ، وعامتها موقوفات رفعها من ليس بحافظ ، أو من هُوَ ضَعِيف لا يحتج بِهِ ، أو مرسلات وصلها من لا يحتج بِهِ ، مثلما وصل بعضهم مرسل الزُّهْرِيّ فِي هَذَا ، فجعله عَنْهُ ، عَن ابن المُسَيِّب ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ووصله باطل قطعاً .\rوالعجب ممن يعلل الأحاديث الصحيحة المخرجة فِي (( الصحيح )) بعلل لا تساوي شيئاً ، إنما هِيَ تعنت محض ، ثُمَّ يحتج بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة ، ويزعم أنها صحيحة لا علة لها .\rوقد اعتنى بهذه المسألة وأفرادها بالتصنيف كثير من المُحَدِّثِين ، منهم : مُحَمَّد بْن نصر وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وأبو بَكْر الخَطِيْب والبيهقي وابن عَبْد البر وغيرهم من المتأخرين .\rولولا خشية الإطالة لذكرنا كل حَدِيْث احتجوا بِهِ ، وبيان أَنَّهُ لا حجة فِيهِ عَلَى الجهر ؛ فإنها دائرة بَيْن أمرين : إما حَدِيْث صحيح غير صريح ، أو حَدِيْث صريح غير صحيح .\rومن أقوى مَا احتجوا بِهِ : حَدِيْث خَالِد بْن يزيد ، عَن سَعِيد بْن أَبِي هلال ، عَن نعيم المجمر ، أَنَّهُ صلى وراء أَبِي هُرَيْرَةَ ، فقرأ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، ثُمَّ قرأ بأم القرآن ، ثُمَّ قَالَ لما سلم : إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه النسائي وابن خزيمة والحاكم وغيرهم .\rوسعيد وخالد ، وإن كانا ثقتين ، لكن قَالَ أبو عُثْمَان البرذعي فِي (( علله عَن أَبِي زُرْعَة الرَّازِي )) ، أَنَّهُ قَالَ فيهما : ربما وقع فِي قلبي من حسن حديثهما .\rقَالَ : وَقَالَ أبو حاتم : أخاف أن يكون بعضها مراسيل ، عَن ابن أبي فروة وابن سمعان .\rيعني : مدلسة عنهما .\rثُمَّ هَذَا الحَدِيْث ليس بصريح فِي الجهر ، إنما فِيهِ أَنَّهُ قرأ البسملة ، وهذا يصدق بقراءتها سراً .\rوقد خرجه النسائي فِي (( باب : ترك الجهر بالبسملة )) .\rوعلى تقدير أن يكون جهر بِهَا ، فيحتمل أن يكون جهر بِهَا ليعلم النَّاس استحباب قراءتها فِي الصلاة ، كما جهر عُمَر بالتعوذ لذلك .\rوأيضاً ؛ فإنه قَالَ : قرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ثُمَّ قرأ بأم القرآن ، وهذا دليل عَلَى أنها ليست من أم القرآن ، وإنما تقرأ قَبْلَ أم القرآن تبركاً بقراءتها .\rوأيضاً ؛ فليس فِي الحَدِيْث تصريح بأن جميع مَا فعله أبو هُرَيْرَةَ فِي هذه الصلاة نقله صريحاً عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما فِيهِ أن صلاته أشبه بصلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من غيره .","part":5,"page":195},{"id":1118,"text":"وخرج الدارقطني من حَدِيْث أَبِي أويس ، عَن العلاء ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، كَانَ إذا أم النَّاس قرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوهذا مِمَّا تفرد بِهِ أبو أويس ، وقد تكلم فِيهِ ، وإن خرج لَهُ مُسْلِم ، ووثقه غير واحد .\rوليس - أَيْضاً - بصريح فِي الجهر ، بل يحتمل أَنَّهُ كَانَ يقرأها سراً .\rوقد روي بهذا الإسناد بعينة ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لا يجهر بِهَا ، وسنذكره .\rوخرج ابن عَبْد البر بهذا الإسناد : التصريح بالجهر بِهَا ، بإسناد فِيهِ النضر ابن سَلَمَة شاذان ، وَهُوَ متهم بالكذب .\rوخرج الدارقطني - أَيْضاً - من رِوَايَة أَبِي بَكْر الحنفي ، عَن عَبْد الحميد بْن جَعْفَر ، عَن نوح بْن أَبِي بلال ، عَن سَعِيد المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( إذا قرأتم { الْحَمْدُ } فاقرءوا : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ إنها أحد آياتها )) ، وذكر فِيهِ فضل الفاتحة . قَالَ الحنفي : لقيت نوحاً ، فحدثني عَن سَعِيد ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ - بمثله، ولم يرفعه .\rوذكر الدارقطني فِي (( علله )) : أن وقفه أشبه بالصواب .\rقُلتُ : ويدل عَلَى صحة قوله : أن ابن أَبِي ذئب رَوَى الحَدِيْث فِي فضل الفاتحة ، عَن المقبري، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً ، ولم يذكر فِيهِ : البسملة .\rوروى إِبْرَاهِيْم بْن إِسْحَاق السراج ، عَن عقبة بْن مكرم ، عَن يونس بْن بكير : ثنا مِسْعَر ، عَن مُحَمَّد بْن قيس ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر\rبـ (( بسم الله الرحمن الرحيم)) .\rخرجه الدارقطني والحاكم .\rوظن بعضهم أَنَّهُ إسناد صحيح ، وليس كذلك ؛ فإن السراج وهم فِي قوله فِي إسناده : (( حَدَّثَنَا مِسْعَر )) ، إنما هُوَ (( أبو معشر )) ، كذا قَالَ الدارقطني والخطيب ، وقبلهما أبو بَكْر الإسماعيلي فِي (( مسند مِسْعَر )) ، وحكاه عَن أَبِي بَكْر ابن عمير الحافظ .\rوَقَالَ البيهقي : الصواب أبو معشر .\rوأبو معشر ، وَهُوَ نجيح السندي ، ضَعِيف جداً .\rوخرج الدارقطني وغيره من حَدِيْث حميد ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، قَالَ : كَانَتْ لرَسُول الله- صلى الله عليه وسلم - سكتتان : سكتة إذا قرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، وسكتة إذا فرغ من القراءة ، فأنكر ذَلِكَ عمران بْن حصين ، فكتبوا إلى أَبِي بْن كعب ، فكتب : أن صدق سمرة .\rورواة هَذَا الحَدِيْث كلهم ثقات ، كما ذكره غير واحد ، لكن سماع الْحَسَن من سمرة مختلف فِيهِ .","part":5,"page":196},{"id":1119,"text":"وإن ثبت فهو دليل عَلَى الإسرار بالبسملة ، لا عَلَى الجهر ؛ لأنه صرح بأن سكتته الأولى كَانَتْ إذا قرأ البسملة ، ومراده : إذا أراد قراءتها ، فدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يقرأها فِي السكتة الأولى ، وإلا فلا يَقُول أحد : إن السنة أن يقرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) جهزاً، ثُمَّ يسكت بعد ذَلِكَ سكتة ، ثُمَّ يقرأ الفاتحة ، ولا نقل هَذَا أحد عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا عَن أحد من أصحابه ، ولا قَالَ بِهِ قائل .\rوقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث قتادة ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، وفسر قتادة السكتتين : إذا دَخَلَ فِي الصلاة ، وإذا فرغ من القراءة .\rوفي رِوَايَة قَالَ : سكتة إذا كبر ، وسكتة إذا فرغ .\rخرجه أبو داود وغيره .\rوخرج -أَيْضاً- من حَدِيْث يونس ، عَن الْحَسَن ، عَن سمرة ، قَالَ : حفظت سكتتين فِي الصلاة : سكتة إذا كبر الإمام حَتَّى يقرأ ، وسكتة إذا فرغ .\rففي هذه الروايات كلها : تصريح بأن السكتة كَانَتْ بَيْن التكبير والقرءاة ، كما فِي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوخرج الحَاكِم من طريق عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن حسان ، عَن شريك ، عَن سَالِم الأفطس ، عَن سَعِيد بْن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر\rبـ (( بسم الله الرحمن الرحيم)).\rوَقَالَ : صحيح ، ليس لَهُ علة .\rوهذه زلة عظيمة ؛ فإن عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن حسان هَذَا هُوَ الواقعي ، نسبه ابن المديني إلى الوضع . وَقَالَ الدارقطني : كَانَ يكذب . وَقَالَ أبو حاتم الرَّازِي : كَانَ لا يصدق .\rوخرج الدارقطني هَذَا الحَدِيْث من طريق أَبِي الصلت الهروي ، عَن عباد ابن العَوَّامِ، عَن شريك ، وَقَالَ فِيهِ : يجهر فِي الصلاة .\rوأبو الصلت هَذَا ، متروك .\rوخرجه الطبراني فِي (( أوسطه )) من طريق يَحْيَى بْن طلحة اليربوعي ، عَن عباد بْن العَوَّامِ بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) هزأ مِنْهُ المشركون ، وقالوا : مُحَمَّد يذكر إله اليمامة ، وكان مسيلمة يتسمى الرحمن ، فلما نزلت هذه الآية أمر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن لا يجهر بِهَا .\rوهذا لَوْ صح لدل عَلَى نسخ الجهر بِهَا ، ولكن الصحيح أَنَّهُ مرسل ، وكذلك رواه يَحْيَى بْن معين ، عَن عباد بْن العَوَّامِ : ثنا شريك بْن عَبْد الله بْن سنان ، عَن سَالِم الأفطس ، عَن سَعِيد بْن جبير ، فِي قوله تعالى : { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ\rبِهَا } [الاسراء:110]قَالَ : نَزَلَتْ فِي (( بسم الله الرحمن الرحيم )) - وذكر الحَدِيْث بمعناه مرسلاً .\rكذا خرجه عَنْهُ المفضل الغلابي فِي (( تاريخه )) .\rوكذا خرجه أبو داود فِي (( المراسيل )) عَن عباد بْن موسى ، عَن عباد بْن العَوَّامِ، وعنده : فأمر رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بإخفائها ، فما جهر بِهَا حَتَّى مات .","part":5,"page":197},{"id":1120,"text":"وكذا رواه يَحْيَى بْن آدم ، عَن شريك ، عَن سَالِم ، عَن سَعِيد - مرسلاً .\rوَهُوَ أصح .\rوقد روي عَن إِسْحَاق بْن راهويه ، [ عَن إِسْحَاق ] - موصولاً ، ولا يصح .\rذكره البيهقي فِي (( المعرفة )) .\rوروى عُبَيْدِ الله بْن عَمْرِو الرقي ، عَن عَبْد الكريم الجزري ، عَن أَبِي الزُّبَيْر ، عَن ابن عُمَر ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَنَّهُ كَانَ إذا قام إلى الصلاة ، فأراد أن يقرأ قَالَ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rقَالَ ابن عَبْد البر : قَدْ رفعه غيره - أَيْضاً - ، عَن ابن عُمَر ، ولا يصح ؛ لأنه موقوف عَلَى ابن عُمَر من فعله ، كذلك رواه سَالِم ونافع ويزيد الفقير ، عَن ابن عُمَر .\rوَقَالَ البيهقي : الصواب موقوف .\rوقد قَالَ العقيلي فِي (( كتابه )) : لا يصح فِي الجهر بالبسملة حَدِيْث مسند .\rيعني : مرفوعاً إلى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوحكي مثله عَن الدارقطني .\rوما ينقل عَنْهُ فِي (( سننه )) من تصحيح احاديث فِي هَذَا الباب ، فلا توجد فِي جميع النسخ، بل فِي بعضها ، ولعله من زيادة بعض الرواة .\rوفي ترك الجهر بِهَا : حَدِيْث عَبْد الله بْن مغفل ، وَهُوَ شاهد لحديث أَنَس الَّذِي خرجه مُسْلِم ، وَهُوَ من رِوَايَة أَبِي نعامة الحنفي ، عَن ابن عَبْد الله بْن مغفل ، قَالَ : سمعني أَبِي وأنا فِي الصلاة أقول : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rفَقَالَ : أي بني ، محدث ، إياك والحدث . قَالَ : ولم أرأحداً من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أبغض إليهى الحدث فِي الإسلام - يعني : مِنْهُ - قَالَ : وقد صليت مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أَبِي بَكْر ومع عُمَر ومع عُثْمَان ، فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقولها ، إذا أنت صليت فقل : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rخرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي ،وَقَالَ : حَدِيْث حسن .\rوخرجه النسائي مختصراً .\rوأبو نعامة هَذَا ، بصري ، قَالَ ابن معين : ثقة .\rقَالَ ابن عَبْد البر : هُوَ ثقة عِنْدَ جميعهم .\rوله رِوَايَة عَن عَبْد الله بْن مغفل فِي الاعتداء فِي الدعاء والطهور .\rوأما هَذَا الحديث ، فَقَدْ رواه عَن ابن عَبْد الله بْن مغفل ، عَن أَبِيه .\rوابن عَبْد الله بْن مغفل ، يقال : اسمه : يزيد .\rوقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث أبو حنيفة ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن يزيد بْن عبد الله ابن مغفل ، عَن أَبِيه .\rوكذلك خرجه أبو بَكْر عَبْد العزيز بن جَعْفَر فِي (( كِتَاب الشافي )) لَهُ من طريق حَمْزَة الزيات ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن يزيد بْن عَبْد الله بْن مغفل ، قَالَ : صلى بنا إمام فجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : تأخر عَن مصلانا ، تجنب عنا هَذَا الحرف الَّذِي أراك تجهر بِهِ ؛ فإني صليت خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بَكْر وعمر فَلَمْ يجهروا بِهَا . قَالَ لَهُ رَجُل : وعثمان ؟ فسكت .","part":5,"page":198},{"id":1121,"text":"ويزيد هَذَا ، لَمْ نعلم فِيهِ جرحاً ، وقد حسن حديثه الترمذي .\rوما قاله طائفة من المتأخرين : إنه مجهول ، كابن خزيمة وابن عَبْد البر ، فَقَدْ علله ابن عَبْد البر ، بأنه لَمْ يرو عَنْهُ إلاّ واحد فيكون مجهولاً ؛ يجاب عَنْهُ : بأنه قَدْ رَوَى عَنْهُ اثنان ، فخرج بذلك عَن الجهالة عِنْدَ كثير من أهل الحَدِيْث .\rوقد رَوَى سُفْيَان الثوري ، عَن خَالِد الحذاء ، عَن أَبِي نعامة ، عَن أَنَس ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يكن ولا أبو بَكْر ولا عُمَر يجهرون بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rكذا رواه غير واحد عَن سُفْيَان .\rوخالفهم يَحْيَى بْن آدم ، فرواه عَن سُفْيَان ، عَن خَالِد ، عَن أَبِي قلابة ، عَن أنس.\rووهم فِيهِ ، إنما هُوَ أبو نعامة - : قاله الإمام أحمد .\rثُمَّ اختلف الحفاظ :\rفمنهم من قَالَ : الأشبه بالصواب رِوَايَة من رواه عَن أَبِي نعامة ، عَن ابنَ مغفل ، عَن أَبِيه ، ومنهم : الدارقطني ، وكلام أحمد يدل عَلِيهِ - أَيْضاً - ، قالوا : لأنه رواه ثَلاَثَة عَن أَبِي نعامة بهذا الإسناد ، وهم : الجريري وعثمان بْن غياث وراشد الحراني ، فقولهم أولى من قَوْلِ خَالِد الحذاء وحده.\rومنهم من قَالَ : يجوز أن يكون القولان عَن أَبِي نعامة صحيحين .\rومن العجائب تأويل بعضهم لحديث ابن مغفل عَلَى مثل تأويله لحديث أَنَس ، وأن المراد افتتاحهم بالفاتحة .\rوهذا إسقاط لفائدة أول الحَدِيْث وآخره ، والسبب الَّذِي لأجله رواه ابن مغفل ، وإنما الصواب عكس هَذَا ، وَهُوَ حمل حَدِيْث أَنَس عَلَى مثل مَا رواه ابن مغفل .\rوروى عُبَيْدِ الله بْن عَمْرِو الرقي ، عَن زيد بْن أَبِي أنيسة ، عَن عَمْرِو بْن مرة ، عَن نَافِع بْن جبير بْن مطعم ، عَن أَبِيه ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يجهر فِي صلاته بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rذكره الدارقطني ، فِي (( علله )) .\rوهذا الإسناد ، رجاله كلهم ثقات مشهورون ، ولكن لَهُ علة ، وهي : أن هَذَا الحَدِيْث قطعة من حَدِيْث جبير بْن مطعم فِي صفة تكبير النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وتعوذه فِي الصلاة ، وقد رواه الثقات عَن عَمْرِو بْن مرة ، عَن عاصم العنزي ، عَنْ نَافِع بْن جبير ، عَن أَبِيه بدون هذه الزيادة ؛ فإنه تفرد بِهَا الرقي عَن زيد .\rوروى الحافظ أبو أحمد العسال : ثنا عَبْد الله بن العباس الطيالسي : ثنا\rعَبْد الرحيم بْن زياد السكري : ثنا عَبْد الله بْن إدريس ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : صليت خلف رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بَكْر وعمر وعثمان ، فَلَمْ يقنتوا ولم يجهروا .\rوهذا الإسناد - أَيْضاً - كلهم ثقات مشهورون .\rوهذا والذي قلبه خير من كثير من أحاديث الجهر الَّتِيْ يصححها الحَاكِم وأمثاله ، ويحتجون بِهَا ، ولكن لا نستحل كتمان مَا ذكر فِي تعليله .\rفذكر الدارقطني فِي (( العلل )) أَنَّهُ تفرد بِهِ السكري ، عَن ابن إدريس مرفوعاً .","part":5,"page":199},{"id":1122,"text":"قَالَ : ورواه زائدة والقطان ومحمد بْن بشر وابن نمير ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر - موقوفاً .\rقَالَ : وكذلك رواه مَالِك فِي (( الموطإ )) عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر - موقوفاً .\rقَالَ : وَهُوَ الصواب .\rوفي (( صحيح مُسْلِم )) عَن عَائِشَة ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rوفيه : عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذا نهض فِي الثانية استفتح بـ\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، ولم يسكت .\rوروى منصور بْن مزاحم - وَهُوَ صدوق - : ثنا أبو أويس ، عَن العلاء بن\rعَبْد الرحمن ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لا يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rذكره ابن عَبْد البر وغيره .\rوهذا إسناد جيد .\rوقد عضده : أن مسلماً خرج بهذا الإسناد بعينة حَدِيْث : (( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين )) ، وذكر سورة الفاتحة بكمالها ، فَلَمْ يذكر فيها البسملة .\rوروى عمار بْن زربي ، عَن المعتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه ، عَن أَبِي عُثْمَان النهدي ، عَن عُمَر بْن الخَطَّاب ، قَالَ : كَانَ قراءة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مداً { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } حَتَّى يختم السورة .\rعمار هَذَا ، تكلم فِيهِ .\rوليست هذه الأحاديث بدون الأحاديث الَّتِيْ يستدل بِهَا الحَاكِم وأمثاله عَلَى الجهر ، بل إما أن تكون مساوية لها ، أو أقوى مَعَ اعتضادها بالأحاديث الصحيحة والحسنة المخرجة فِي الصحاح والسنن ، وتلك لا تعتضد بشيء من ذَلِكَ .\rوفي الباب : أحاديث أخر ، تركناها اختصاراً ، وبعضها مخرج فِي بعض السنن - أَيْضاً .\rوأما الآثار الموقوفة فِي المسألة فكثيرة جداً .\rوإلى ذَلِكَ ذهب أكثر أهل العلم من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، منهم : أبو بَكْر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وبه يَقُول سُفْيَان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ، لا يرون أن يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) . قالوا : ويقولها فِي نفسه . انتهى .\rوحكى ابن المنذر هَذَا القول عَن سُفْيَان وأهل الرأي وأحمد وأبي عُبَيْدِ ، قَالَ : ورويناه عَن عُمَر وعلي وابن مَسْعُود وعمار بْن ياسر وابن الزُّبَيْر والحكم وحماد .\rقَالَ : وَقَالَ الأوزاعي : الإمام يخفيها .\rوحكاه ابن شاهين عَن عامة أهل السنة ، قَالَ : وهم السواد الأعظم .\rوروى شعبة ، عَن حصين ، عَن أَبِي وائل ، قَالَ : كانوا لا يجهرون بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوروى الأثرم بإسناده ، عَن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْر ، قَالَ : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلاّ بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rوعن الأعرج - مثله .","part":5,"page":200},{"id":1123,"text":"وعن النخعي ، قَالَ : مَا أدركت أحداً يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوعنه ، قَالَ : الجهر بِهَا بدعة .\rوعن عَكْرِمَة ، قَالَ : أنا أعرابي إن جهرت بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوروى وكيع فِي (( كتابه )) عَن همام ، عَن قتادة ، قَالَ : الجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) أعرابية .\rوعن سُفْيَان ، عَن عَبْد الملك بْن أَبِي بشير ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : الجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) قراءة الأعراب .\rوعن إسرائيل ، عَن جابر ، عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بْن عَلِيّ ، قَالَ : لا يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rوهذه الرواية تدل عَلَى أَنَّهُ لا يصح مَا حكي عَن أَبِي جَعْفَر وأهل البيت من الجهر بِهَا ، ولعل الشيعة تفتري ذَلِكَ عليهم .\rوممن روي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لا يجهر بِهَا : بَكْر المزني والحسن وابن سيرين والشعبي وأبو إِسْحَاق السبيعي وعمر بْن عَبْد العزيز - فِي رِوَايَة عَنْهُ ، رواها الوليد ابن مُسْلِم ، عَن عَبْد الله بْن العلاء ، عَنْهُ - ، وقتادة وابن أَبِي ليلى وابن شبرمة والحسن بْن حي .\rوَقَالَ الْحَسَن : الجهر بِهَا أعرابية .\rخرجه حرب الكرماني .\rوروي عَنْهُ من وجه آخر ، قَالَ : الجهر بِهَا قراءة الأعراب .\rوأكثر هؤلاء يكرهون الجهر ، كما أنكره عَبْد الله بْن مغفل ، وكما أنكره من قَالَ : ذَلِكَ قراءة الأعراب ، ومن قَالَ : هُوَ بدعة ، ونص أحمد عَلَى كراهته .\rوروي عَن طائفة ، أَنَّهُ يخير بَيْن الجهر والإسرار ، ولا يكره الجهر وإن كَانَ الإسرار أفضل ، وحكي هَذَا عَن ابن أَبِي ليلى وإسحاق ، ورجحه طائفة من أهل الحَدِيْث.\rومنهم من قَالَ : الجهر أفضل .\rوقالت طائفة : يجهر بِهَا وَهُوَ السنة ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ وأصحابه وأبي ثور ، وروي عَن الليث بْن سعد .\rقَالَ ابن المنذر : وروينا عَن عُمَر وابن عَبَّاس أنهما كانا يستفتحان بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) . انتهى .\rوليس عَن ابن عُمَر تصريح بالجهر ، بل بقراءة البسملة .\rوأما المروي عَن عُمَر ، فَقَدْ ثبت عَنْهُ فِي (( صحيح مُسْلِم )) من حَدِيْث أَنَس ، أَنَّهُ لَمْ يكن يجهر بِهَا ، فلعله جهر بِهَا مرة ليبين جواز ذَلِكَ .\rوخرج ابن أَبِي شيبة بإسناد جيد ، عَن الأسود ، قَالَ : صليت خلف عُمَر سبعين صلاة ، فَلَمْ يجهر فيها بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .\rقَالَ ابن عَبْد البر : روي عَن عُمَر وعلي وعمار بْن ياسر ، أنهم كانوا يجهرون بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، والطرق ليست بالقوية ، وقد قدمنا الاختلاف عنهم فِي ذَلِكَ .\rقَالَ : وروي عَن عُمَر فيها ثلاث روايات : أحدها : أَنَّهُ كَانَ لا يَقْرَؤُهَا .\rوالثانية : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا سراً . والثالثة : أَنَّهُ جهر بِهَا .\rوكذلك اختلف عَن أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الجهر والإسرار ، وعن ابن عَبَّاس - أَيْضاً - ، والأكثر عَنْهُ الجهر بِهَا ، وعليه جماعة أصحابه .","part":5,"page":201},{"id":1124,"text":"وذكر ابن عَبْد البر جماعة ممن كَانَ يرى الجهر بِهَا ، منهم : مكحول وعمر ابن عَبْد العزيز ومحمد بْن كعب القرظي ، قَالَ : وَهُوَ أحد قولي ابن وهب ، إلا أَنَّهُ رجع عَنْهُ إلى الإسرار بِهَا .\rوعن عَطَاء الخراساني ، قَالَ : الجهر بِهَا حسن .\rوَقَالَ الزُّهْرِيّ : من سَنَة الصلاة أن يقرأ : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ثُمَّ فاتحة الكتاب ، ثُمَّ يقرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ثُمَّ يقرأ بسورة . وكان يَقُول : أول من قرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم ) سراً بالمدينة عَمْرِو بْن سَعِيد بْن العاص .\rخرجه البيهقي .\rومراسيل الزُّهْرِيّ من أردإ المراسيل .\rوإنما عنى أول من أسر بِهَا ممن أدركه ، فَقَدْ ثبت عَن أَبِي بَكْر وعمر وعثمان الإسرار بِهَا ، فلا عبرة بمن حدث بعدهم وبعد انتقال عَلِيّ بْن أَبِي طالب من المدينة ؛ فإن هؤلاء هم الخُلَفَاء الراشدون الذين أمرنا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنتهم ، وهم كانوا لا يجهرون بِهَا.\rقَالَ البيهقي : وروينا الجهر بِهَا عَن فقهاء مكة : عَطَاء وطاوس ومجاهد وسعيد بْن جبير .\rوَقَالَ الإمام أحمد -فِي رِوَايَة مهنا - : عامة أهل المدينة يجهر بِهَا : الزُّهْرِيّ\rوربيعة ، وذكر ابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر .\rوأما مَا ذكره الخَطِيْب فِي كتابه فِي الجهر بالبسملة من الآثار الكثيرة فِي المسألة حَتَّى اعتقد بعض من وقف عَلِيهِ أَنَّهُ قَوْلِ الجمهور ، فغالب آثاره أو كثير مِنْهَا معلول لا يصح عِنْدَ التحقيق .\rوكثير منهم يروي الجهر والإسرار ، وقد حكي عَن الدارقطني ، أَنَّهُ قَالَ فِي المنقول عَن الصَّحَابَة [ ... ] منهم : عَمْرِو بْن دينار وابن جُرَيْج ومسلم بْن خَالِد ، وعن بعض أهل المدينة دون سائر الأمصار ، ولقلة من كَانَ يجهر بِهَا اعتقد بعضهم أن الجهر بِهَا بدعة ، وأنه من شعار أهل الأهواء كالشيعة ، حَتَّى تركه بعض أئمة الشافعية ، منهم : ابن أَبِي هُرَيْرَةَ لهذا المعنى .\rوكان سُفْيَان الثوري وغيره من أئمة الأمصار يعدون الإسرار بالبسملة من جملة مسائل أصول الدين الَّتِيْ يتميز بِهَا أهل السنة عَن غيرهم ، كالمسح عَلَى الخفين ونحوه ، حَتَّى قَالَ سُفْيَان لشعيب بْن حرب : لا ينفعك مَا كتبت حَتَّى ترى أن إخفاء : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) أفضل من الجهر بِهَا .\rوَقَالَ وكيع : لا يصلى خلف من يجهر بِهَا .\rوَقَالَ أحمد فِي الصلاة خلف من يجهر بِهَا : إن كَانَ يتأول فلا بأس بِهِ ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ فلا يصلى خلفه .\rيشير إلى أَنَّهُ يصلي خلف من جهر بِهَا من أهل العلم والحديث ، دون من يجهر بِهَا من أهل الأهواء، فإنهم المعروفون بالجهر بِهَا .\rونقل أبو طالب ، عَن أحمد ، وسأله : يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ؟ قَالَ : بالمدينة نَعَمْ ، وهاهنا من كَانَ يرى أنها آية من كِتَاب الله مثلما قَالَ ابن عَبَّاس وأبو هُرَيْرَةَ وابن الزُّبَيْر كانوا يجهرون بِهَا ، ويتأولونها من كِتَاب الله .","part":5,"page":202},{"id":1125,"text":"قَالَ القاضي أبو يعلى : ظاهر هَذَا أَنَّهُ أجاز الجهر لمن كَانَ بالمدينة دون غيرها من البلاد . قَالَ : ولعله ذهب فِي هَذَا إلى أن أهل المدينة يرون الجهر بِهِا ، فإذا خافت استنكروا فعله ، وامتنعوا من الصلاة خلفه .\rقُلتُ : إنما مراد أحمد الإخبار عَن الجهر بِهَا أَنَّهُ سائغ لمثل أهل المدينة ومن يتأول من غيرهم من أهل الحَدِيْث والعلم ، وليس مراده أَنَّهُ يرى الجهر بِهَا بالمدينة .\rوقد حكى أبو حفص العكبري رِوَايَة أَبِي طالب عَن أحمد ، بلفظ صريح فِي هَذَا المعنى ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : سئل أحمد : هَلْ يصلي الرَّجُلُ خلف من يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ؟ قَالَ : بالمدينة نَعَمْ ، وهاهنا من كَانَ يتأول - وذكر بقية الرواية .\rوهذا تصريح بالمعنى الَّذِي ذكرناه ، وَهُوَ أَنَّهُ إنما يسوغ الخلاف فِي هذه المسألة من مثل هؤلاء العلماءالمجتهدين ، دون أهل الأهواء الذين كَانَتْ هذه المسألأة مشهورة عنهم .\rولذلك نقل مهنا عَن أحمد ، أن عامة أهل المدينة يرون الجهر بالبسملة .\rونقل صالح بْن أحمد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : نحن لا نرى الجهر ولا نقنت ؛ فإن جهر رَجُل - وليس بصاحب بدعة ، يتبع مَا روي عَن ابن عَبَّاس وابن عُمَر - فلا بأس بالصلاة خلفه والقنوت هكذا .\rونقل عَنْهُ يعقوب بْن بختان ، قَالَ : يصلى خلف من يجهر من الكوفيين ، إلا أن يكون رافضياً .\rواختلفت الرواية عَن أحمد فِي قراءة البسملة بَيْن السورتين فِي قيام رمضان : فروي عَنْهُ ، أَنَّهُ يسر بِهَا ولا يجهر .\rوروي عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : أرجو .\rوظاهر هذه الرواية : يدل عَلَى أَنَّهُ لا يكره الجهر بِهَا فِي هَذَا الموطن خاصة ؛ فإن النفل يسامح فِيهِ وخصوصاً قيام الليل ؛ فإنه لا يكره الجهر بالقراءة فِيهِ للمنفرد .\rوإلى هَذَا القول ذهب أبو عُبَيْدِ وعلي بْن المديني - : حكاه عنهما الأثرم .\rوذهبت طائفة إلى أَنَّهُ لا يقرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) فِي الصلاة سراً ولا جهراً ، هَذَا قَوْلِ مَالِك وأصحابه ، ورخص فِيهِ فِي السور بعد الفاتحة فِي قيام رمضان خاصة .\rوحكي عَنْهُ إجازته فِي اول الفاتحة وغيرها للمتهجدين ، وفي النوافل .\rوروي عَنْهُ ، أَنَّهُ لا بأس بقراءتها فِي الفرائض والنوافل - : ذكره القاضي إِسْمَاعِيل فِي (( مبسوطه )) من طريق ابن نَافِع ، عَن مَالِك .\rقَالَ ابن عَبْد البر : لا يصح هَذَا عندنا عَن مَالِك ، إنما هُوَ عَن صاحبه عَبْد الله بْن نَافِع .\rوكذلك روي عَن عُمَر بْن عَبْد العزيز ، أَنَّهُ لا يَقْرَؤُهَا سراً ولا جهراً من وجه فِيهِ نظر - : ذكره ابن سعد فِي (( طبقاته )) .\rوكذلك قَالَ الأوزاعي : لا يقرأ بِهَا سراً ولا جهراً - : نقله عَنْهُ الوليد بْن مُسْلِم.","part":5,"page":203},{"id":1126,"text":"قَالَ الوليد : فذكرت ذَلِكَ لخليد ، فأخبرني أن الْحَسَن كَانَ لا يَقْرَؤُهَا . فَقَالَ الَّذِي سأله : أكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرها ؟ فَقَالَ الْحَسَن : لَوْ أسر قراءتها فيما يسر بِهَا لجهر بِهَا فيما يجهر ، ولكنها أعرابية .\rقَالَ الوليد : وأقول أنا : إن قرأتها فحسن ، وذلك لما أخبرنا بِهِ عَبْد الله بْن عُمَر بْن حفص ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ كَانَ لا يدع قراءة (( بسم الله الرحمن الرحيم)) حِينَ يستفتح الحمد والسورة الَّتِيْ بعدها .\rخرجه حرب الكرماني .\rواختاره ابن جرير الطبري ، وَهُوَ مذهب مَالِك والأوزاعي .\rوبهذا المروي عَن ابن عُمَر استدل أحمد عَلَى قراءتها ـ وبالمروي عَن ابن عَبَّاس وابن الزُّبَيْر وأبي هُرَيْرَةَ .\rومالك ومن وافقه تأولوا ظاهر حَدِيْث أَنَس ، وعند التحقيق فِي التأمل إنما يدل عَلَى نفي الجهر لا عَلَى قراءتها سراً ، وبذلك تجتمع ألفاظ الحَدِيْث وعامة الأدلة فِي هذه المسألة . والله أعلم .\rوأكثر من يرى قراءتها فِي الصلاة يرى قراءتها فِي الفاتحة والسورة الَّتِيْ بعدها .\rوقالت طائفة قليلة منهم : إنما يقرأ بِهَا فِي ابتداء الفاتحة دون السورة الَّتِيْ بعدها ، روي عَن طاوس ، وَهُوَ قَوْلِ سُفْيَان الثوري وسليمان بْن داود الهاشمي ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَبِي حنيفة .\rوروى يوسف بْن أسباط ، عَن الثوري ، قَالَ : من قرأ (( بسم الله الرحمن الرحيم)) فِي أول القرآن أجزأه لكل القرآن .\rوأعلم : أن الجهر بقراءة البسملة مَعَ الفاتحة ليس مبنياً عَلَى القول بأن البسملة آية من سورة الفاتحة وغيرها ، كما ظنه طائفة من النَّاس من أصحابنا وغيرهم ، وإنما الصحيح عِنْدَ المحققين من أصحابنا وأصحاب الشَّافِعِيّ وغيرهم أَنَّهُ غير مبني عَلَى ذَلِكَ .\rولهذا اختلفت الرواية عَن أحمد : هَلْ البسملة آية من الفاتحة ، أو لا ؟ وأكثر الروايات عَنْهُ عَلَى أنها ليست من الفاتحة ، وَهُوَ قَوْلِ أكثر أصحابه .\rولم تختلف عَنْهُ فِي أَنَّهُ لا يجهر بِهَا ، وكذا قَالَ الجوزجاني وغيره من فقهاء الحَدِيْث .\rواختلف قَوْلِ الشَّافِعِيّ : هَلْ البسملة آية من كل سورة سوى الفاتحة ، وَهُوَ يرى الجهر بِهَا فِي السور -أَيْضاً .\rوحينئذ ؛ فلا يصح أن يؤخذ الجهر بِهَا من القول بأنها آية من الفاتحة ، كما يفعله كثير من النَّاس ؛ فإنهم يحكون عمن قَالَ : هِيَ آية من الفاتحة : الجهر بِهَا ، وليس ذَلِكَ بلازم .\rومما يستحب الإتيان بِهِ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة : التعوذ ، عِنْدَ جمهور العلماء .\rواستدلوا بقوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [النحل:98] والمعنى : إذا أردت القراءة ، هكذا فسر الآية الجمهور ، وحكي عَن بعض المتقدمين ، منهم : أبو هُرَيْرَةَ وابن سيرين وعطاء : التعوذ بعد القراءة .","part":5,"page":204},{"id":1127,"text":"والمروي عَن ابن سيرين : قَبْلَ قراءة أم القرآن وبعدها ، فلعله كَانَ يستعيذ لقراءة السورة ، كما يقرأ البسملة لها - أَيْضاً .\rوقد جاءت الأحاديث بأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يتعوذ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة :\rفروى عَمْرِو بْن مرة ، عَن عاصم العنزي ، عَن [ ابن ] جبير بْن مطعم ، عَن أَبِيه، أَنَّهُ رأى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة ، قَالَ : (( الله أكبر كبيراً ، والله أكبر كبيراً ، والله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، سبحان الله بكرة وأصيلاً )) - ثلاثاً - (( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من نفخه ونفثه وهمزه )) . قَالَ : نفثه الشعر ، ونفخه الكبر ، وهمزه الموتة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان فِي (( صحيحه )) والحاكم ، وصححه .\rوابن جبير ، هُوَ : نَافِع ، وقع مسمى فِي رِوَايَة كذلك . وعاصم العنزي ، قَالَ أحمد : لا يعرف . وَقَالَ غيره : رَوَى عَنْهُ غير واحد . ذكره ابن حبان فِي (( ثقاته )) .\rوروى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِي عَبْد الرحمن السلمي ، عَن ابن مَسْعُود ، عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَنَّهُ كَانَ إذا دَخَلَ فِي الصلاة يَقُول : (( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان وهمزه ونفخه ونفثه )) .\rخرجه ابن ماجه والحاكم ، وهذا لفظه .\rوَقَالَ : صحيح الإسناد ؛ فَقَدْ استشهد البخاري بعطاء بْن السائب .\rوروى عَلِيّ بْن عَلِيّ الرفاعي ، عَن أَبِي المتوكل ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ، ثُمَّ يَقُول : (( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .\rوَقَالَ : كَانَ يَحْيَى بْن سَعِيد يتكلم فِي عَلِيّ بْن عَلِيّ . وَقَالَ أحمد : لا يصح هَذَا الحَدِيْث .\rكذا قَالَ ، وإنما تكلم فِيهِ يَحْيَى بْن سَعِيد من جهة أَنَّهُ رماه بالقدر ، وقد وثقه وكيع ويحيى بْن معين وأبو زُرْعَة .\rوَقَالَ أحمد : لا بأس بِهِ ، إلا أَنَّهُ رفع أحاديث .\rوَقَالَ أبو حاتم : ليس بِهِ بأس ، ولا يحتج بحديثه .\rوإنما تكلم أحمد فِي هَذَا الحَدِيْث ؛ لأنه روي عَن عَلِيّ بْن عَلِيّ ، عَن الْحَسَن - مرسلاً - ، وبذلك أعله أبو داود ، وخرج فِي (( مراسيله )) من طريق عمران بْن مُسْلِم، عَن الْحَسَن ، أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذا قام من الليل يريد أن يتهجد ، يَقُول - قَبْلَ أن يكبر : (( لا إله إلا الله ، لا إله إلا الله ، والله أكبر كبيراً الله أكبر كبيراً ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفخه ونفثه)) ، ثُمَّ يَقُول : (( الله أكبر )) .\rوفي الباب أحاديث أخر مرفوعة ، فيها ضعف .","part":5,"page":205},{"id":1128,"text":"واعتماد الإمام أحمد عَلَى المروي عَن الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ ؛ فإنه روي التعوذ قَبْلَ القراءة فِي الصلاة عَن عُمَر بْن الخَطَّاب وابن مَسْعُود وابن عُمَر وأبي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلِ جمهور العلماء كما تقدم.\rوالجمهور عَلَى أَنَّهُ غير واجب ، وحكي وجوبه عَن عَطَاء والثوري وبعض الظاهرية ، وَهُوَ قَوْلِ ابن بطة من أصحابنا .\rوالجمهور عَلَى أَنَّهُ يسره فِي الصلاة الجهرية ، وَهُوَ قَوْلِ ابن عُمَر وابن مَسْعُود والأكثرين .\rوروي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الجهر بِهِ .\rوللشافعي قولان .\rوعن ابن أَبِي ليلى : الإسرار والجهر سواء .\rواختلفوا : هَلْ يختص التعوذ بالركعة الأولى ، أم يستحب فِي كل ركعة ؟ عَلَى قولين :\rأحدهما : يستحب فِي كل ركعة ، وَهُوَ قَوْلِ ابن سيرين والحسن والشافعي وأحمد -فِي رِوَايَة .\rوالثاني : أَنَّهُ يختص بالركعة الأولى ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والحسن والنخعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد - فِي رِوَايَة عَنْهُ .\rوَقَالَ هِشَام بْن حسان : كَانَ الْحَسَن يتعوذ فِي كل ركعة ، وكان ابن سيرين يتعوذ فِي كل ركعتين .\rوذهب مَالِك وأصحابه إلى أَنَّهُ لا يتعوذ فِي الصلاة المكتوبة ، بل يفتتح بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة ولا بسملة ، واستدلوا بظاهر حَدِيْث أَنَس : كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، وَهُوَ الحَدِيْث الَّذِي خرجه البخاري فِي أول هَذَا الباب .\rويجاب عَنْهُ ؛ بأنه إنما أراد أَنَّهُ يفتتح قراءة الصَّلاة بالتكبير والقراءة بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، وافتتاح القراءة بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ } إما أن يراد بِهِ افتتاحها بقراءة الفاتحة كما يَقُول الشَّافِعِيّ ، أو افتتاح قراءة الصلاة الجهرية بكلمة { الْحَمْدُ } من غير بسملة كما يقوله الآخرون .\rودل عَلِيهِ : حَدِيْث أَنَس الَّذِي خرجه مُسْلِم صريحاً .\rوعلى التقديرين ، فلا ينفي ذَلِكَ أن يكون يَقُول قَبْلَ القراءة ذكراً ، أو دعاء ، أو استفتاحاً ، أو تعوذاً ، أو بسملةً ؛ فإنه لا يخرج بذلك عَن أن يكون افتتح القراءة بالفاتحة، أو افتتح الجهر بالقراءة بكلمة { الْحَمْدُ } .\rولا يمكن حمل الحَدِيْث عَلَى أَنَّهُ كَانَ أول مَا يفتتح بِهِ الصلاة قراءة كلمة\r{ الْحَمْدُ } ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لكان لا يفتتح الصلاة بالتكبير ، وهذا باطل غير مراد قطعاً . والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":206},{"id":1129,"text":"90 - بَاب\r745 - حَدَّثَنَا ابن أَبِي مريم : أنا نَافِع بْن عُمَر : حَدَّثَنِي ابن أَبِي مليكة ، عَن أسماء بنة أَبِي بَكْر ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الكسوف ، فقام فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ قام فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ رفع ، ثُمَّ سجد فأطال السجود ، ثُمَّ رفع ، ثُمَّ سجد فأطال السجود ، ثُمَّ قام فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ رفع فأطال القيام ، ثُمَّ ركع فأطال الركوع ، ثُمَّ رفع فسجد فأطال السجود ، ثُمَّ رفع ، ثُمَّ سجد فأطال السجود ، ثُمَّ انصرف ، فَقَالَ : (( قَدْ دنت مني الجنة حَتَّى لَوْ اجترأت عَلَيْهَا لجئتكم بقطاف من قطافها ، ودنت مني النار حَتَّى قُلتُ : أي رب ، وأنا معهم ؟ فإذا امرأة )) - حسبت أَنَّهُ قَالَ : تخدشها هرة - (( قُلتُ : مَا شأن هذه ؟ قالوا : حبستها حَتَّى ماتت جوعاً لا هِيَ أطعمتها ولا هِيَ أرسلتها تأكل )) .\rقَالَ نَافِع : حسبته من خشيش الأرض - أو خشاش .\rقَالَ الخطابي : خشيش ليس بشيء ، إنما هُوَ خشاش - مفتوحة الخاء - ، وَهُوَ حشرات الأرض وهوامها ، فأما الخشاش - بكسر الخاء - ، فهو العود الَّذِي يجعل فِي أنف البعير .\rوفي (( الفائق )) : خشاش الأرض : هوامها . الواحدة : خشاشة ، سميت بذلك لاندساسها فِي التراب من خش فِي الشيء إذا دَخَلَ فِيهِ ، يخش وخشه غيره فخشه ، ومنه الخشاش ؛ لأنه يخش فِي أنف البعير ، انتهى .\rوفي هَذَا الحَدِيْث فوائد كثيرة :\rمِنْهَا : مَا يتعلق بصفة صلاة الكسوف ، ويأتي الكلام عَلِيهِ فِي موضعه - إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\rومنها : أَنَّهُ يدل عَلَى وجود الجنة والنار ، كما هُوَ مذهب أهل السنة والجماعة .\rومنها : مَا يدل عَلَى تحريم قتل الحيوان غير المؤذي ، لغير مأكله .\rومنها : مَا هُوَ مقصوده بإيراد الحَدِيْث فِي هذا الباب : أن المصلي لَهُ النظر فِي صلاته إلى مَا بَيْن يديه ، وما كَانَ قريباً ، ولا يقدح ذَلِكَ فِي صلاته .\rولكن المنظور إليه نوعان :\rأحدهما : مَا هُوَ من الدنيا الملهية ، فهذا يكره النظر إليه فِي الصلاة ؛ فإنه يلهي .\rوقد دل عَلِيهِ حَدِيْث الإنبجانية ، وقد سبق .\rوالثاني : مَا ينظر إليه مِمَّا يكشف من أمور الغيب ، فالنظر إليه غير قادح فِي الصلاة ؛ لأنه كالفكر فِيهِ بالقلب ، ولو فكر فِي الجنة والنار بقلبه فِي صلاته كَانَ حسناً .\rوقد كَانَ ذَلِكَ حال كثير من السلف ، ومنهم من كَانَ يكشف لقلبه عَن بعض ذَلِكَ حَتَّى ينظر إليه بقلبه بنور إيمانه ، وَهُوَ من كمال مقام الإحسان .\rوأما النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فإنه كشف ذَلِكَ لَهُ فرآه عياناً بعين رأسه ، هَذَا هُوَ الظاهر ، ويحتمل أن يكون جلي ذَلِكَ لقلبه .","part":5,"page":207},{"id":1130,"text":"وقوله : (( أي رب ، وأنا معهم )) يشير إلى قوله : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } [الأنفال:33] ، فخشي أن يكون إدناؤها مِنْهُ عذاباً أرسل عَلَى الأمة ، فاستفهم عَن ذَلِكَ ، وَقَالَ : (( أتعذبهم وأنا معهم ؟ )) بحذف همزة الاستفهام .\rوهذا القول ، الظاهر : أَنَّهُ كَانَ بقلبه دون لسانه ، وكذلك سؤاله عَن المرأة ؛ فإن عالم الغيب فِي هذه الدار إنما تدركه الأرواح دون الأجساد - غالباً - ، وقد تدرك بالحواس الظاهرة لمن كشف الله لَهُ ذَلِكَ من أنبيائه ورسله ، ويحتمل أن يكون قوله :\r(( وأنا فيهم )) بلسانه ؛ لأن هَذَا من بَاب الدعاء ؛ فإنه إشارة مِنْهُ إلى أَنَّهُ موعود بأنه لا تعذب أمته وَهُوَ فيهم .\rيدل عَلَى ذَلِكَ : مَا رَوَى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِيه ، عَن عَبْد الله بْن عَمْرِو بْن العاص ، قَالَ : كسفت الشمس عَلَى عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحَدِيْث بطوله ، وفيه : فجعل ينفخ فِي آخر سجوده فِي الركعة الثانية ، ويبكي ، ويقول : (( لَمْ تعدني هَذَا وأنا فيهم ، لَمْ تعدني هَذَا ونحن نستغفرك )) - وذكر بقية الحَدِيْث .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوأما سؤاله عَن المرأة فلا يحتمل أن يكون بلسانه . والله أعلم .\rوفي الجملة ؛ فإن كَانَ البخاري ذكر هَذَا الباب للاستدلال بهذا الحَدِيْث عَلَى أن نظر المصلي إلى مَا بَيْن يديه غير قادح فِي صلاته ، فَقَدْ ذكرنا أن الحَدِيْث لا دليل فِيهِ عَلَى النظر إلى الدنيا ومتعلقاتها ، وإن كَانَ مقصوده الاستدلال بِهِ عَلَى استحباب الفكر للمصلي فِي الآخرة ومتعلقاتها ، وجعل نظر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ إلى الجنة بقلبه كَانَ حسناً ؛ لأن المصلي مأمور بأن يعبد الله كأنه يراه ، فينبغي لَهُ أن يسغرق فكره فِي قربه من الله ، وفيما وعد الله أولياءه ، وتوعد بِهِ أعداءه ، وفي الفكر فِي معاني مَا يتلوه من القرآن .\rوقد كَانَ السلف الصالح ينجلي الغيب لقلوبهم فِي الصلاة ، حَتَّى كأنهم ينظرون إليها رأى عين ، فمن كَانَ يغلب عَلِيهِ الخوف والخشية ظهر لقلبه فِي الصلاة صفات الجلال من القهر والبطش والعقاب والانتقام ونحو ذَلِكَ ، فيشهد النار ومتعلقاتها وموقف القيامة ، كما كَانَ سَعِيد بْن عَبْد العزيز - صاحب الأوزاعي - يَقُول : مَا دخلت فِي الصلاة قط إلا مثلت لِي جهنم .\rومن كَانَ يغلب عَلِيهِ المحبة والرجاء ، فإنه مستغرق فِي مطالعة صفات الجلال والكمال والرأفة والرحمة والود واللطف ونحو ذَلِكَ ، فيشهد الجنة ومتعلقاتها ، وربما شهد يوم المزيد وتقريب المحبين فِيهِ .\rوقد روي عَن أَبِي ريحانة - وَهُوَ من الصَّحَابَة - ، أَنَّهُ صلى ليلة ، فما انصرف حَتَّى أصبح ، وَقَالَ : مَا زال قلبي يهوى فِي الجنة وما أعد الله فيها لأهلها حَتَّى أصبحت.","part":5,"page":208},{"id":1131,"text":"وعن ابن ثوبان - وكان من عباد أهل الشام - ، أَنَّهُ صلى ليلة ركعة الوتر ، فما انصرف إلى الصبح ، وَقَالَ : عرضت لِي روضة من رياض الجنة ، فجعلت أنظر إليها حَتَّى أصبحت .\rيعني : ينظرها بعين قلبه .\r* * *","part":5,"page":209},{"id":1132,"text":"91 - بَاب\rرفعِ البصرِ إلى الإمَامِ فِي الصَّلاَةِ\rوقالت عَائِشَة : قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حِينَ رأيتموني تأخرت )).\rحَدِيْث عَائِشَة ، يأتي فِي (( أبواب : الكسوف )) - إن شاء الله تعالى - ، وليس فِيهِ رفع البصر إلى الإمام فِي الصلاة ، إنما فِيهِ مد البصر إلى مَا بَيْن يدي المصلي ، وقد سبق القول فِي هَذَا في الباب الماضي ، وأن النظر إلى الآخرة ومتعلقاتها فِي الصلاة حسن ، سواء كَانَ نظر عين أو قلب .\rوقد خرج فِي هَذَا الباب أربعة أحاديث :\rالأول :\r746 - حَدَّثَنَا موسى : ثنا عَبْد الواحد : ثنا الأعمش ، عَن عمارة بْن عمير ، عَن أَبِي معمر، قَالَ : قلنا لخباب : أكان رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فِي الظهر والعصر ؟ قَالَ نَعَمْ. قلنا : بم كنتم تعرفون ذَلِكَ ؟ قَالَ : باضطراب لحيته .\rفهذا فِيهِ دليل عَلَى أن المأموم ينظر إلى إمامه ، ويراعي أقواله فِي قيامه ؛ لأنهم إنما شاهدوا اضطراب لحية النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فِي صلاته بمدهم بصرهم إليه فِي قيامه .\rوهذا قَدْ يقال : إنه يختص بالصلاة خلف النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، لما يترتب عَلَى ذَلِكَ من معرفة أفعاله فِي صلاته فيقتدي بِهِ ، فأما غيره من الأئمة فلا يحتاج إلى النظر إلى لحيته ، فالأولى بالمصلى وراءه أن ينظر إلى محل سجوده ، كما سبق .\rالحَدِيْث الثاني :\r747 - حَدَّثَنَا حجاج : ثنا شعبة ، أنبأنا أبو إِسْحَاق ، قَالَ : سَمِعْت عَبْد الله بْن يزيد يخطب : حَدَّثَنَا البراء - وكان غير كذوب - ، أنهم كانوا إذا صلوا مَعَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، فرفع رأسه من الركوع ، قاموا قياماً حَتَّى يروه قَدْ سجد .\rقَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث فِي (( بَاب : متى يسجد من وراء الإمام )) من حَدِيْث سُفْيَان ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، وهاهنا خرجه من رِوَايَة شعبة : أنبأنا أبو إِسْحَاق .\rومراد شعبة بقوله : (( أنبأنا )) كقوله : (( أخبرنا )) أو (( حَدَّثَنَا )) ، وليس مراده - كما يقوله المتأخرون - : الإجازة .\rوفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن المأموم يراقب حال إمامه فِي ركوعه وسجوده ؛ ليسجد بعد سجوده ، وتقع أفعاله بعد أفعال إمامه ، وهذا حكم عام فِي جميع النَّاس ، فإن اقتداء المأموم بأفعال إمامه الَّتِيْ يشاهدها أولى من الاكتفاء بمجرد سماع تكبيره ؛ فإنه قَدْ ينهي تكبيره قَبْلَ أن ينهي فعله ، فلذلك كانوا يراعون تمام سجود النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - واستقراره عَلَى الأرض ، حَتَّى يسجدوا بعده .\rقَالَ أصحابنا وغيرهم : ولهذا المعنى كره أن يكون موقف الإمام أعلى من المأموم ؛ لأن المأموم يحتاج إلى رفع بصره إلى إمامه ، فإذا كَانَ عالياً عَلِيهِ احتاج إلى كثرة رفع بصره ، وَهُوَ مكروه فِي الصلاة .\rالحَدِيْث الثالث :","part":5,"page":210},{"id":1133,"text":"748 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل : حَدَّثَنِي مَالِك ، عَن زيد بْن أسلم ، عَن عَطَاء بْن يسار ، عَن عَبْد الله بْن عَبَّاس ، قَالَ : خسفت الشمس عَلَى عهد رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى، قالوا : يَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، رأيناك تناولت شيئاً فِي مقامك ، ثُمَّ رأيناك تكعكعت؟ قَالَ : (( إني رأيت الجنة فتناولت مِنْهَا عنقوداً ، ولو أخذته لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدنيا )).\rقَالَ الخطابي : التكعكع التأخر ، واصله فِي الجبن . كع الرَّجُلُ عَن الأمر إذا جبن وتأخر . وأصله : تكعع ، فأدخل الكاف لئلا : يجمع بَيْن حرفين .\rويقال : كاع يكيع : مثله . انتهى .\rوفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن رفع بصر المصلي إلى مَا بَيْن يديه ، ومد يده لتناول شيء قريب مِنْهُ لا يقدح فِي صلاته .\rوليس فِيهِ نظر المأموم إلى إمامه ، إنما فِيهِ نظر الإمام إلى مَا بَيْن يديه ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن هَذَا النظر والتناول ليس هُوَ مَا يكره فِي الصلاة ؛ لأنه نظر إلى الآخرة لا إلى الدنيا ، ومد يده إلى العنقود كَانَ فِيهِ مصلحة دينية ، ليري أصحابه بعض مَا وعدوا به عياناً فِي الجنة ، لكنه أوحي إليه أن لا يفعل ؛ فإنه كَانَ يصير الغيب شهادة ، فتزول فائدة التكليف بالإيمان بالغيب .\rوقوله : (( فتناولت مِنْهُ عنقوداً )) . يعني : أَنَّهُ مد يده يريد تناول العنقود ، ولكنه لَمْ يتناوله، ولهذا قَالَ : (( لَوْ أخذته لأكلتم مِنْهُ )) .\rوقوله : (( لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدنيا )) إشارة إلى أن مَا فِي الجنة لا ينفد ؛ فإنه كُلَّمَا أكل مِنْهُ استخلف فِي الحال مثلاه .\rوفي رِوَايَة أخرى : (( لأكل مِنْهُ من بَيْن السماء والأرض ، لا ينقصونه شيئاً )) .\rولهذا يروى أن الطير يمر بأهل الجنة ، فيشتهونه ، فيخر بَيْن أيديهم ، فيأكلون مِنْهُ مَا يشاءون ثُمَّ يطير ، والكأس يشربون مَا فِيهِ ثُمَّ يعود ممتلئاً فِي الحال ، لا حرمنا الله خير مَا عنده بشر مَا عندنا بمنه ورحمته .\rالحَدِيْث الرابع :\r749 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سنان : ثنا فليح : ثنا هلال ، عَن أَنَس بْن مَالِك ، قَالَ : صلى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ رقى المنبر ، فأشار بيده قَبْلَ قبلة المسجد ، ثُمَّ قَالَ : (( لَقَدْ رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين فِي قبلة هَذَا الجدار ، فَلَمْ أر كاليوم فِي الخير والشر )) - ثلاثا .\rالظاهر : أن هذه الصلاة كَانَتْ غير صلاة الكسوف وأن الجنة والنار مثلتا لهُ في هذه الصلاة في جدار القبلة تمثيلاً ، وأما إدناء الجنة والنار في صلاة الكسوف ، فكان حقيقة . والله أعلم .\rوفيه : أن رفع بصر المصلي إلى مَا مثل لَهُ من أمور الآخرة إذا ظهرت لَهُ غير قادح فِي الصلاة.\rوليس فِيهِ -أَيْضاً - : نظر المأموم إلى إمامه ، كما بوب عَلِيهِ . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":5,"page":211},{"id":1134,"text":"92 - بَاب\rرَفْعِ الْبَصَرِ إلى السَّمَاءِ فِي الصَّلاَةِ\r750 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد الله : أنا يَحْيَى بْن سَعِيد : أنا ابن أَبِي عروبة : نا قتادة ، أن أنس بْن مَالِك حدثهم ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( مَا بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء فِي صلاتهم )) ، فاشتد قوله قي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : (( لينتهين عَن ذَلِكَ أو ليخطفن الله أبصارهم )) .\rهَذَا الإسناد كله مصرح بسماع رواته بعضهم من بعض ، وقد أمن بذلك تدليس قتادة فِيهِ .\rوفي الحَدِيْث : دليل عَلَى كراهة رفع بصره إلى السماء فِي صلاته .\rوقد روي هَذَا الحَدِيْث عَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - من رِوَايَة عدة من الصَّحَابَة .\rوروي النهي عَن حذيفة وابن مَسْعُود .\rوَقَالَ سُفْيَان : بلغنا أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يرفع بصره إلى السماء فِي الصلاة ، حَتَّى نَزَلَتْ { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون:2] فرمى ببصره نحو مسجده.\rوالمعنى فِي كراهة ذَلِكَ : خشوع المصلي وخفض بصره ، ونظره إلى محل سجوده؛ فإنه واقف بَيْن يدي الله - عز وجل - يناجيه ، فينبغي أن يكون خاشعاً منكساً رأسه ، مطرقاً إلى الأرض .\rوقد تقدم فِي تفسير الخشوع أن خشوع البصر : غضه .\rوإنما يكره رفع البصر إلى السماء عبثاً ، فأما لحاجة فيجوز .\rوقد أشارت عَائِشَة لأختها أسماء إلى السماء فِي صلاة الكسوف .\rوقد نَصَّ أحمد عَلَى أن من تجشأ فِي صلاته فإنه يرفع رأسه إلى السماء ؛ لئلا يتأذى من إلى جانبه برائحة جشائه .\rولكن ؛ قَدْ يقال - مَعَ رفع رأسه - : إنه يغض بصره .\rوقد سبق عَن عُمَر وابن سابط : رفع الوجه إلى السماء عِنْدَ تكبيره الإحرام .\rوزاد ابن سابط : وإذا رفع رأسه .\rوأما تغميض البصر فِي الصلاة ، فاختلفوا فِيهِ :\rفكرهه الأكثرون ، منهم : أبو حنيفة والثوري والليث وأحمد .\rقَالَ مُجَاهِد : هُوَ من فعل اليهود .\rوفي النهي عَنْهُ حَدِيْث مرفوع ، خرجه ابن عدي ، وإسناده ضَعِيف .\rورخص فِيهِ مَالِك .\rوَقَالَ ابن سيرين : كَانَ يؤمر إذا كَانَ يكثر الالتفات فِي الصلاة أن يغمض عينيه .\rخرجه عَبْد الرزاق .\r* * *","part":5,"page":212},{"id":1135,"text":"93 - بَاب\rالالْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ\rفِيهِ حديثان :\rالأول :\r751 - حَدَّثَنَا مسدد : ثنا أبو الأحوص : ثنا أشعث بْن سليم - هُوَ : أبو الشعثاء - ، عَن أَبِيه ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : سألت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن الالتفات فِي الصلاة : فَقَالَ : (( هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد )) .\rالثاني :\r752- حَدَّثَنَا قتيبة : ثنا سُفْيَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى فِي خميصة لها أعلام ، فَقَالَ : (( شغلتني أعلام هذه ، اذهبوا بِهَا إلى أَبِي جهم ، وأتوني بأنبجانية )) .\rحَدِيْث عَائِشَة فِي خميصة ، قَدْ سبق فِي (( أبواب : الصلاة فِي الثيات )) فِي\r(( بَاب : إذا صلى فِي ثوب وله أعلام ونظر إلى علمها )) ، وسبق الكلام عَلِيهِ مستوفى .\rوبعده حَدِيْث أنس ، أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لعائشة : (( أميطي عنا قرامك ؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض فِي صلاتي )) .\rوذكرنا أن الحديثين دليلاً عَلَى كراهة أن يصلي إلى مَا يلهي النظر إليه أ أو لبسه فِي الصلاة .\rوأما حَدِيْث عَائِشَة الَّذِي خرجه هاهنا فِي الالتفات ، فتفرد بِهِ دون مُسْلِم ، وفي إسناده اخْتِلاَف عَلَى أشعث بْن أَبِي الشعثاء .\rفالأكثرون رووه عَنْهُ ، كما رواه عَنْهُ أبو الأحوص ، كما أسنده البخاري من طريقه .\rقَالَ الدارقطني : وَهُوَ الصحيح عَنْهُ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، لَمْ يذكر :\r(( مسروقاً )) فِي إسناده .\rورواه إسرائيل ، عَن أشعث ، عَن أَبِي عطية الهمداني ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة.\rورواه مِسْعَر ، عَن أشعث ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة وكلهم رفعوه .\rورواه الأعمش موقوفاً ، واختلف عَلِيهِ :\rفرواه الأكثرون ، عَنْهُ ، عَن عمارة ، عَن أَبِي عطية ، عَن عَائِشَة موقوفاً .\rوَقَالَ شعبة ، عَن الأعمش ، عَن خيثمة ، عَن أَبِي عطية ، عَن عَائِشَة موقوفاً .\rولهذا الاختلاف - والله أعلم - تركه مُسْلِم فَلَمْ يخرجه .\rوفي الالتفات أحاديث أخر متعددة ، لا تخلو أسانيدها من مقال .\rومن أجودها : مَا رَوَى الزُّهْرِيّ ، عَن أَبِي الأحوص ، عَن أي ذر ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا يزال الله مقبلاً عَلَى العبد وَهُوَ فِي صلاته مَا لَمْ يلتفت ، فإذا التفت انصرف عَنْهُ )) .\rرواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة فِي (( صحيحه )) .\rوأبو الأحوص ، قَدْ قيل : إنه غير معروف .\rوخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حَدِيْث الحارث، عَن النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيْث طويل ذكره - : (( إن الله ينصب وجهه لوجه عبده مَا لَمْ يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا )) .\rوصححه الترمذي .","part":5,"page":213},{"id":1136,"text":"وروى عَبْد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج ، عَن عَطَاء : سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول : إذا صلى أحدكم فلا يلتفت ؛ فإنه يناجي [ ربه ] إن ربه أمامه ، وإنه يناجيه ، فلا يلتفت .\rقَالَ عَطَاء : وبلغنا أن الرب - عز وجل - يَقُول : (( يابن آدم ، إلى أين تلتفت ، أنا خير ممن تلتفت إليه)) .\rورواه إِبْرَاهِيْم بْن يزيد الخوزي وعمر بْن قيس المكي سندل - وهما ضعيفان - ، عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ - مرفوعاً كله .\rوالموقوف أصح - : قاله العقيلي وغيره .\rوكذا رواه طلحة بْن عَمْرِو ، عَن عَطَاء ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : مَا التفت عَبْد فِي صلاته قط إلا قَالَ الله : (( أنا خير لَكَ مِمَّا تلتفت إليه )) .\rوالأشبه : أن هَذَا قَوْلِ عَطَاء ، كما سبق .\rوقوله : (( هُوَ اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد )) يعني : أن الشيطان يسترق من العبد فِي صلاته التفاته فيها ويختطفه مِنْهُ اختطافاً حَتَّى يدخل عَلِيهِ بذلك نقص في صلاته وخلل ولم يأمره بالإعادة لذلك ، فدل على أنه نقص لا يوجب الإعادة والالتفات نوعان :\rأحدهما : التفات القلب إلى غير الصلاة ومتعلقاتها ، وهذا يخل بالخشوع فيها ، وقد سبق ذكر الخشوع في الصلاة وحكمه .\rوالثاني : التفات الوجه بالنظر إلى غير ما فيه مصلحة الصلاة ، والكلام هاهنا في ذلك .\rوروي عن ابن مسعود ، قال : لا يقطع الصلاة إلا الالتفات.\rخرجه وكيع بإسناد فيه ضعف .\rوروى بإسناد جيد ، عن ابن عمر ، قال : يدعى الناس يوم القيامة المنقوصين . قيل : وما المنقوصون ؟ قالَ : الذي أحدهم صلاته في وضوئه والتفاته .\rقالَ ابن المنذر -: فيما يجب على الملتفت في الصلاة -:\rفقالت طائفة : تنقص صلاته ، ولا إعادة .\rروي عن عائشة ، أنها قالت : الالتفات في الصلاة نقص .\rوبه قال سعيد بن جبير .\rوقال عطاء : لا يقطع الالتفات الصلاة .\rوبه قال مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي .\rوقال الحكم : من تأمل من عن يمينه في الصلاة أو عن شماله حتى يعرفه فليس له صلاة .\rوقال أبو ثور : إذا التفت ببدنه كله تفسد صلاته .\rوروينا عن الحسن ، أنه قال : إذا استدبر القبلة استقبل ، وإن التفت عن يمينه وعن شماله مضى في صلاته .\rوالذي قاله الحسن حسن . انتهى .\rقال ابن المنصور : قلت لأحمد : إذا التفت في الصلاة يعيد الصلاة ؟ قالَ : ولا أعلم أني سمعت فيهِ حديثاً أنه يعيد .\rقال إسحاق : كما قال .\rوقال أصحابنا : الالتفات الذي لا يبطل أن يلوي عنقه ، فأما إن استدار بصدره بطلت صلاته ، لأنه ترك استقبال القبلة بمعظم بدنه ، بخلاف ما إذا استدار بوجهه ، فإن معظم بدنه مستقبل للقبلة .\rوحكوا عن المالكلية ، أنه لا يبطل بالتفاته بصدره حتى يستدبر ، إلحاقاً للصدر على الوجه .\rفأما الالتفات لمصلحة الصلاة ، كالتفات أبي بكر لما صفق الناس خلفه وأكثروا التصفيق - وقد سبق حديثه - فلا ينقص الصلاة .\rويدل عليه : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( من نابه شيء في صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه )) .","part":5,"page":214},{"id":1137,"text":"وكذلك التفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى من صلى خلفه ، لما صلى بهم جالساً وصلوا وراءه قياماً ، وقد سبق -أيضاً.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة غير مصلحة الصلاة :\rفروى سهل بن الحنظلية ، قال : ثوب بالصلاة - يعني : صلاة الصبح - ، فجعل رسول الله يصلي ، وهو يلتفت إلى الشعب .\rخرجه أبو داود .\rوقال : كان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس .\rوخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه )) والحاكم وصححه .\rوهذا فيه جمع بين الصلاة والجهاد .\rومن هذا المعنى : قول عمر : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يلحظ في صلاته .\rفروى الفضل بن موسى ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلحظ يميناً وشمالاً ، ولا يلوي عنقه خلف ظهرة .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي .\rوقال : غريب ثم خرجه من طريق وكيع ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن بعض أصحاب عكرمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلحظ في الصلاة - فذكر نحوه .\rوخرجه أبو داود في بعض نسخ (( سننه )) .\rثم خرجه من طريق رجلٍ ، عن عكرمة .\rوقال : هو أصح .\rوأنكر الدارقطني وصل الحديث إنكاراً شديداً ، وقال : هو مرسل .\rوقد رواه - أيضاً - مندل ، عن الشيباني عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى يلاحظ يميناً وشمالاً .\rخرجه ابن عدي .\rومندل ، ضعيف .\rوروى الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلمح في الصلاة ، ولا يلتفت .\rخرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه جهالة ، وهو مرسل .\rوقد وصله بعضهم ، وأنكر ذلك الإمام أحمد ، وضعف إسناده ، وقال : إنما هو : عن رجل ، عن سعيد .\rوقد يحمل هذا - إن صح - على الالتفات لمصلحة .\rوقد روى عن علي بن شيبان الحنفي ، قال : قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلينا معه ، فلمح بمؤخر عينه رجلا لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود فقال : (( لا صلاة لمن لا يقيم صلبه )) .\rخرجه الإمام أحمد وابن حبان وابن ماجه .\rوقد روي الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً عن طائفة من السلف ، منهم أنس والنخعي وعبد الله بن معقل بن مقرن .\rوروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يلتفت في صلاته حتى يقضيها .\rوعن أبي جعفر القارئ ، قال كنت أصلي وابن عمر ورائي ، ولا أعلم فالتفت ، فغمزني .\rوروى حميد ، عن معاوية بن قرة ، قال : قيل لابن عمر : إن الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا هكذا ؟ قال : لكنا نقول كذا وكذا .\rوفي رواية : ونكون مثل الناس .\rوقد رويت الرخصة في الالتفات في النافلة .\rفخرج الترمذي في حديث علي بن زيد ، عن ابن المسيب ، عن أنس ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يابني ، إياك والالتفات في الصلاة ؛ فإن الالتفات في الصَّلاة","part":5,"page":215},{"id":1138,"text":"هلكة ، فإن كان لا بد ففي التطوع ، لا في الفريضة )) .\rوقال : حديث حسن .\rوذكر في (( كتاب العلل )) : أنه ذاكر به البخاري ، فلم يعرفه ، ولم يعرف لابن المسيب عن أنس شيئا .\rوقد روي عن أنس من وجوه أخر ، وقد ضعفت كلها .\rوخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف ، عن أبي الدرداء مرفوعاً .\rولايصح إسناده - أيضاً .\rقال الدار قطني : إسناده مضطرب ، لا يثبت .\rوالله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r* * *","part":5,"page":216},{"id":1139,"text":"94 - باب\rهل يلتفت لأمر ينْزل به\rأو يَرَى شيئاً أو بصاَقاً في القِبلْةِ ؟\rوقال سهل : التفت أبو بكر ، فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rحديث سهل ، قد سبق بتمامه في التفات أبي بكر لما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأكثر الناس التصفيق خلف أبي بكر .\rخرج فيه حديثين :\rأحدهما :\rقال :\r753- حدثنا قتيبة : ثناليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - نخامة قبلة المسجد ، وهو يصلى بين يدي الناس فحتها ، ثم قال حين أنصرف : (( إن أحدكم إذا كان في الصلاة ، فإن الله قبل وجهه ، فلا يتنخمن أحد قبل وجهه في\rالصلاة )) .\rرواه موسى بن عقبة وابن أبي رواد ، عن نافع .\rهذا الحديث ، قد خرجه البخاري في مواضع أخر من طريق مالك وجويرية ابن أسماء ، عن نافع .\rومراده بتخريجه هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآها في حال صلاته ،كما في رواية الليث التي خرجها هاهنا ، وذكر أنه تابعه على ذلك موسى بن عقبة وابن أبي رواد .\rوقد خرج مسلم حديث موسى ، إلا أنه لم يتم لفظه .\rوقد رواه أيوب ، عن نافع ، وذكر فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى النخامة وهو يخطبُ .\rخرجه أبو داود .\rوظاهر رواية الليث يدل على أنه حتها وهو في الصلاة .\rوقد روى : أنه حتها حين فرغ من الصلاة .\rخرجه الإمام أحمد من رواية عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فرأى نخامة ، فلما قضى صلاته قال : (( إن أحدكم إذا صلى في المسجد فإنه يناجي ربه ، وإن الله تبارك وتعالى يستقبله بوجهه ، فلا يتنخمن أحدكم في القبلة ، ولا عن يمينه )) ثم دعا بعود فحكه ، ثم دعا بخلوق فخضبه .\rفهذه رواية ابن أبي رواد التي أشار إليها البخاري .\rوأما رواية موسى بن عقبة [. . . . . ]\rوبكل حال ؛ فليس في الحديث دليل على الالتفات في الصلاة ، إنما فيه دليل على جواز نظر المصلي إلى قبلته ، ورؤيته ما فيها ، وأن ذلك لا ينافي الخشوع كما يحكى عن بعضهم ، وأنه لا يكره للمصلي أن ينظر في قيامه إلى ما بين يديه ، ويزيد رفع بصره عن محل سجوده .\rوأما حديث سهل المتقدم ، ففيه جواز التفات المصلي في صلاته لأمر يعرض له في صلاته ، ولا سيما إذا نبهه المأمومون بالتسبيح ونحوه ؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( فإنه إذا سبح به التفت )) .\rوقد سبق في (( أبواب : المساجد )) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المصلي : (( إنه يبزق عن يساره ، أو تحت قدمه )) .\rوبصاقه يساره إنما يكون بنوع من الالتفات يسير ، ولكنه لمصلحة الصلاة ؛ فلذلك أمر به .\rالحديث الثاني :","part":5,"page":217},{"id":1140,"text":"754 - حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك ، قال : بينما المسلمون في صلاة الفجر ، لم يفجأهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفوف ، فتبسم يضحك ، ونكص أبو بكر على عقبيه ، ليصل الصف ، فظن أنه يريد الخروج ، وهم المسلمون أن يفتتنوا في\rصلاتهم ، فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم ، وأرخى الستر ، وتوفي في آخر ذلك اليوم - صلى الله عليه وسلم - .\rقد تقدم هذا الحديث - أيضاً .\rوالمقصود منه في هذا الباب : أن أبا بكر ومن كان خلفه في صلاة الفجر رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كشف ستر حجرة عائشة ، وظنوا أنه خارج للصلاة ، حتى نكص أبو بكر على عقبيه ، ليصل إلى الصف ؛ لأجل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حتى يجيء فيقوم مقامه في الإمامة .\rوإنما يكون نظرهم إليه في الصلاة بنوع من الالتفات ، فإن حجرة عن يسار المسجد ، ليست في قبلته ، على ما لا يخفى ، وقد أشار إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أتموا صلاتكم ، ولم ينههم عن نظرهم إليه فدل على جواز التفات المصلى التفاتاً يسيراً يتعلق بالصلاة ، فإنه غير منهي عنه .\r* * *","part":5,"page":218},{"id":1141,"text":"95- باب\rوجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها\rفي الحضر والسفر ، وما يجهر فيها وما يخافت\rقد ذكرنا هذا الباب بكماله عند تفسير قوله تعالى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } [الأعراف:204] في آخر سورة الأعراف،فأغنى عن إعادته هنا.\rولله الحمد .\r* * *","part":5,"page":219},{"id":1142,"text":"96 - باب\rالقراءة في الظهر\rفيه ثلاثة أحاديث :\rالأول :\r758 - حدثنا أبو النعمان : ثنا أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن جابر ابن سمرة ، قال : قال سعد : قد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، صلاة العشي ، لا أخرم عنها ، أركد في الأوليين ، وأحذف في الأخريين . قال عمر : ذلك الظن بك .\rصلاة العشي : هي صلاة الظهر والعصر ، لأن العشي هو ما بعد الزوال .\rوركودهُ في الأوليين وتطويله ، إنما هو لطول القراءة ، وقد خالف ابن عباس في ذلك .\rوقد خرج البخاري فيما بعد من حديث أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر ، وسكت فيما أمر { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } [ مريم : 64 ] و { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة } [ الأحزاب : 21 ] .\rفهذا يدل على أن ابن عباس كان يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقرأ في صلاة الظهر والعصر شيئاً .\rوقد تأوله الإسماعيلي وغيره على أنه لم يكن يجهر بالقراءة ، بل يقرأ سراً وهذا لايصح ؛ فإن قراءة السر لاتسمى سكوتا .\rوقد روي عن ابن عباس التصريح بخلاف بذلك .\rوخرج الإمام أحمد حديث أيوب ، عن عكرمة بزيادة في أوله ، وهي لم يكن ابن عباس يقرأ في الظهر والعصر - وذكر الحديث .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث موسى بن سالم : ثنا عبد الله بن\rعبيد الله ، قال : دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم ، فقلنا لشباب منا : سل ابن عباس : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر ؟ قال : لا . قيل له : فلعله كان يقرأ في نفسه فقال : خمشاً ، هذه شر من الأولى ، وكان عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به - وذكر الحديث .\rوخرج الإمام أحمد من رواية أبي يزيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس نحو حديث أيوب ، وزاد : قيل له : فلعله كان يقرأ في نفسه ، فغضب منهم وقال : أيتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟!\rوقال : لم يسنده عن سفيان إلاّ يزيد بن هارون ، ولم نسمعه من أحد إلاّ من الحسن بن منصور ، وذكرته لأبي : فأعجب به ، وقال : حديث غريب .\rوزيد العمي ، متكلم فيهِ .\rالحديث الثاني :\r759- ثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين ، يطول في الأولى ويقصر في الثانية ، ويسمع الآية أحياناً ، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين ، وكان يطول [ في الأولى ، وكان يطول ] في الركعة الأولى من صلاة الصبح ، ويقصر في الثانية .\rفي هذا الحديث : دليل على استحباب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر بسورة سورة مع الفاتحة ، وهذا متفق على استحبابه بين العلماء ، وفي وجوبه خلاف سبق ذكره .","part":5,"page":220},{"id":1143,"text":"وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت القراءة بسورة تامة ، وهذا هوَ الأفضل بالاتفاق ؛ فأن قرأ السورة في ركعتين لم يكره -أيضاً- وقد فعله أبو بكر الصديق . قالَ : الزهري : أخبرني أنس ، أن أبا بكر صلى بهم صلاة الفجر ، فافتتح بهم سورة البقرة ، فقرأها في ركعتين ، فلما سلم قام إليه عمر ، فقالَ : ما كنت تفرغ حتَّى تطلع الشمس . قالَ : لو طلعت لألفتنا غير غافلين .\rورخص فيهِ سعيد بن جبير وقتادة وأحمد ، ولا نعلم فيهِ خلافاً إلاّ رواية عن\rمالك . وسيأتي حديث قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأعراف في ركعتين من المغرب . وفي (( صحيح مسلم )) عن عبد الله بن السائب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم صلاة الفجر فافتتح بسورة المؤمنين ، حتى أتى عليهِ ذكر موسى وهارون فأخذته سعلة فركع .\rوكذلك لو قرأ في ركعة بسورة وفي أخرى ببعض سورة ، وقد روي عن عمر وابن مسعود .\rوإن قرأ في الركعتين ببعض سورة : إما في أوائلها ، أو أواسطها ، أو أواخرها ففي كراهته خلاف عن أحمد ، وسنذكره فيما بعد -إن شاء الله - سبحانه وتعالى - ؛ فإن البخاري أشار إلى هذه المسائل .\rوليس في حديث أبي قتادة تعيين السورتين المقروء بهما في الظهر والعصر ، وقد ورد تعيين السور ، وتقدير قراءته في أحاديث أخر .\rفخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، قالَ : كنا نحزر قيام رسول الله ، في الظهر والعصر ، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة { ألم\rتَنْزِيلُ } السجدة ، وروى ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس أنه سئل : أفي الظهر والعصر قراءة ؟ قال : لا قيل له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا ؟ قال : لا ، ثم قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو قرأ علم ذلك الناس .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود - أيضاً - من طريق حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لا أدري أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر ، أم لا ؟\rوهذه الرواية تقتضي أنه شك في ذلك ، ولم يجزم فيه بشيء .\rوخرج الإمام أحمد من رواية الحسن العرني ، عن ابن عباس ، قال : ما أدري أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر ، أم لا ، ولكنا نقرأ .\rالحسن العرني ، لم يسمع من ابن عباس .\rوروى موسى بن عبد العزيز القنباري ، عن الحكم - هو ابن أبان - عن\rعكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لم أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الظهر والعصر ، ولم يأمرنا به ، وقد بلغ - صلى الله عليه وسلم - .\rقد روي عن ابن عباس من وجه آخر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ ، ولكن في إسناده ضعف .","part":5,"page":221},{"id":1144,"text":"خرجه أبو داود في (( كتاب الصلاة )) من طريق سفيان ، عن زيد العمي ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، قال رمق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحزروا قراءته في الظهر والعصر ، بقدر { تَنْزِيلُ } [السجدة : 2] ، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذَلِكَ ، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر قدر قيامه من الأخريين في الظهر ، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذَلِكَ .\rوفي رواية لهُ أيضاً : كانَ يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية ، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية - أو قالَ : نصف ذَلِكَ - وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة ، وفي الأخريين قدر نصف ذَلِكَ .\rوخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي سعيد ، قالَ : اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : تعالوا حتى نقيس قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما لم يجهر به من الصلاة ، فما اختلف منهم رجلان ، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية ، وفي الركعة الأخرى بقدر النصف من ذَلِكَ ، وقاسوا ذَلِكَ في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر .\rوفي إسناده : زيد العمي ، وفيه مقال .\rوخرج مسلم -أيضاً - من حديث جابر بن سمرة ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى ، وفي العصر نحو ذَلِكَ ، وفي الصبح أطول من ذَلِكَ .\rوفي رواية : كانَ يقرأ في الظهر { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } .\rوخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، وعندهم : كانَ يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج ، والسماء والطارق ، وشبهها .\rوقد سبق حديث عمران بن حصين ، أن النبي ، صلى بهم الظهر والعصر ، ثم قالَ : (( أيكم قرأ خلفي بـ { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } ؟ )) قالَ رجل : أنا .\rقالَ : (( قد علمت أن بعضكم خالجنيها )) .\rخرجه مسلم - أيضاً .\rوخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا الظهر ، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات .\rوخرج النسائي من حديث أنس ، أنه صلى بهم الظهر ، قالَ : إني صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظهر فقرأ لنا بهاتيين السوررتين في الظهر : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } و { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } .\rوذكر الترمذي - تعليقاً - أن عمر كتب إلى أبي موسى ، يأمره أن يقرأ بأوساط المفصل .\rوهو قول طائفة من أصحابنا .\rوقال إسحاق : الظهر تعدل في القراءة بالعشاء . لكنه يقول : إن الظهر يقرأ فيها بنحو الثلاثين آية .\rوحديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم كما تقدم : يدل على أن قراءة الظهر أقصر من قراءة الصبح .","part":5,"page":222},{"id":1145,"text":"وقال طائفة : يقرأ في الظهر بطوال المفصل كالصبح ، وهو قول الثوري والشافعي وطائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلي في (( جامعه الكبير )) ، لكنه خصه بالركعة الأولى من الظهر .\rوروى وكيع بإسناده ، عن عمر ، أنه قرأ في الظهر بـ { ق } { والذاريات } .\rوعن عبد الله بن عمرو ، أنه قرأ في الظهر بـ { كهيعص } .\rوروى حرب بإسناده ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ { ق }\r{ والذاريات } .\rوخرجه ابن جرير ، وعنده : بـ { ق } { والنازعات } .\rقالَ : وكان عمر يقرأ بـ { ق } .\rوروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ في الظهر بـ { الَّذِينَ كَفَرُوا } [محمد : 1] و { إِنَّا فَتَحْنَا لَك } [الفتح: 1] .\rوممن رأي استحباب القراءة في الظهر بقدر ثلاثين آية : إبراهيم النخعي والثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق .\rوقال الثوري وإسحاق : كانوا يستحبون أن يقرأوا في الظهر قدر ثلاثين في الركعة الأولى ، وفي الثانية بنصفها - زاد إسحاق : أو أكثر .\rوظاهر كلام أحمد وفعله يدل على أن المستحب أن يقرأ في الصبح والظهر في الركعة الأولى من طوال المفصل ، وفي الثانية من وسطه .\rوروي عن خباب بن الأرت ، أنه قرأ في الظهر بـ { إِذَا زُلْزِلَتِ } [الزلزلة :1].\rقالَ أبو بكر الأثرم : الوجه في اختلاف الأحاديث في القراءة في الظهر أنه كله جائز ، وأحسنه استعمال طول القراءة في الصيف ، وطول الأيام ، واستعمال التقصير في القراءة في الشتاء وقصر الأيام ، وفي الأسفار ، وذلك كله معمول به . انتهى .\rومن الناس من حمل اختلاف الأحاديث في قدر القراءة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يراعي أحوال المأمومين ، فإذا علم أنهم يؤثرون التطويل طول ، أو التخفيف خفف ، وكذلك إذا عرض لهُ في صلاته ما يقتضي التخفيف ، مثل أن يسمع بكاء صبي مع أمه ، ونحو ذَلِكَ .\rوفي حديث أبي قتادة : يطول الركعة الأولى على الثانية .\rوقد ذهب إلى القول بظاهره في استحباب تطويل الركعة الأولى على ما بعدها من جميع الصوات طائفة من العلماء ، منهم : الثوري وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن ، وطائفة من أصحاب الشافعي ، وروى عن عمر - رضي الله عنه - .\rوقد خرج الإمام أحمد وأبو داود حديث أبي قتادة ، وزاد فيهِ : فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى .\rوخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، قالَ : لقد كانت صلاة الظهر\rتقام ، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ، ثم يتوضأ ، ثم يأتي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى ؛ مما يطولها .\rوقد سبق حديث أبي سعيد الذي خرجه مسلم ، أن قراءته في الثانية كانت على النصف من قراءته في الأولى .\rوخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن أبي مالك الأشعري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن ، لكي يثوب الناس .","part":5,"page":223},{"id":1146,"text":"وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا يطيل سوى الركعة من الفجر ؛ لأنه وقت غفلة ونوم ، ويسوي بين الركعات في سائر الصلوات .\rوقال مالك والشافعي : يسوى بين الركعتين الأولتين في جميع الصلوات واستدل لذلك بقول ( سعد ) : (( أركد في الأوليين )) ، وليس بصريح ولا ظاهر في التسوية بينهما .\rواستدل أيضاً - بحديث أبي سعيد ، أنهم حزروا قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهر في الركعتين الأوليين قدر قراءة ثلاثين آية ، وقد سبق .\rولكن في رواية أحمد وابن ماجه : أن قيامه في الثانية كانَ على النصف من ذَلِكَ ، وهذه الرواية توافق أكثر الأحاديث الصحيحة ، فهي أولى .\rواستدل لهم بقراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( سبح )) و (( الغاشية )) و (( الجمعة ))\rو (( المنافقين )) و (( تَنزِيُلُ السجدة )) و (( هلُ أَتَى )) و (( ق )) و (( اقتْرَبَتْ )) ، هي سور متقاربة .\rوأما تطويل الركعة الثالثة على الرابعة ، فالأكثرون على أنه لا يستحب ، ومن الشافعية من نقل الاتفاق عليهِ ، ومنهم من حكى لأصحابهم فيهِ وجهين .\rوهذا إنما يتفرع على أحد قولي الشافعي باستحباب القراءة في الأخريين بسور مع الفاتحة .\rوقد خرج البزار والبيهقي من حديث عبد الله بن أبي أوفي ، قالَ : كانَ\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطيل الركعة الأولى من الظهر ، فلا يزال يقرأ قائماً ما دام يسمع خفق نعال القوم ، ويجعل الركعة الثانية أقصر من الأولى ، والثالثة أقصر من الثانية ، والرابعة أقصر من الثالثة وذكر مثل ذَلِكَ في صلاة العصر والمغرب وفي إسناده : أبو إسحاق الحميسي ، ضعفوه .\rوقد خرجه بقي بن مخلد في (( مسنده )) بإسناد أجود من هذا ، لكن ذكر أبو حاتم الرازي أن فيهِ انقطاعاً ، ولفظه في الظهر : ويجعل الثانية أقصر من الأولى ، والثالثة أقصر من الثانية ، والرابعة كذلك ، وقال في العصر : يطيل في الأولى ، ويقصر الثانية والثالثة والرابعة كذلك . وقال في المغرب : يطيل في الأولى ، ويقصر في الثانية والثالثة .\rوهذا اللفظ لا يدل على تقصير الرابعة عن الثالثة .\rوقوله : (( ويسمعنا الآية أحياناً )) مما يحقق أنه - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأ في الظهر والعصر ، ويأتي بقية الكلام على ذَلِكَ فيما بعد - إن شاء الله تعالى .\rالحديث الثالث :\r760 - حدثنا عمر - هوَ : ابن حفص بن غياث - : ثنا أبي : ثنا الأعمش : حدثني عمارة ، عن أبي معمر ، قالَ : سألنا خبابا : أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهرِ\rوالعصر ؟ ، قالَ : نعم قلنا : بأي شيء كنتم تعرفون ذَلِكَ ؟ قالَ : باضطراب لحيته .\rيعني : بحركة شعر لحيته .\rهكذا رواه جماعة عن الأعمش .\rورواه بعضهم عنه ، قالَ : بتحريك لحيته .\rورواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، فقالَ : باضطراب لحييه - بيائين تثنية لحي ، وهو عظم الفك .\rوقد كانَ غير واحد من الصحابة يستدل بمثل هذا على قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة النهار .","part":5,"page":224},{"id":1147,"text":"وروى سفيان ، عن أبي الزعراء ، عن أبي الأحوص ، عن بعض أصحاب النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : كانت تعرف قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظهر بتحريك لحيته .\rخرجه الإمام أحمد .\rوخرج - أيضاً - من رواية كثير بن زيد ، عن المطلب بن عبد الله ، قالَ : تماروا في القراءة في الظهر والعصر ، فأرسلوا إلى خارجه بن زيد ،\rفقالَ : قالَ أبي : قام - أو كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يطيل القيام ، ويحرك شفتيه ، فقد أعلم ذَلِكَ لم يكن إلا بقراءة ، فأنا أفعله .\rوفي هذه الأحاديث : دليل على أن قراءة السر تكون بتحريك اللسان والشفتين وبذلك يتحرك شعر اللحية ، وهذا القدر لابد منه في القراءة والذكر وغيرهما من الكلام .\rفأما إسماع نفسه فاشترطه الشافعي وبعض الحنفية وكثير من أصحابنا .\rوقال الثوري : لا يشترط ، بل يكفي تصوير الحروف ، وهو قول الحرقي من الحنفية ، وظاهر كلام أحمد .\rقالَ أبو داود : قيل لأحمد : كم يرفع صوته بالقراءة ؟ فقالَ : قالَ ابن مسعود : من أسمع أذنية فلم يخافت .\rفهذا يدل على أن إسماع الأذنين جهر ، فيكون السر دونه .\rوكذا قالَ ابن أبي موسى من أصحابنا : القراءة التي يسرها في الصلاة يتحرك اللسان والشفتان بالتكلم بالقرآن ، فأما الجهر فيسمع نفسه ومن يليه .\r* * *","part":5,"page":225},{"id":1148,"text":"97 - باب\rالقراءة في العصر\r761 - حدثنا محمد بن يوسف : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن عمارة ابن عمير ، عن أبي معمر ، قالَ : قلنا لخباب بن الأرت : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر ؟ قالَ : نعم . قلت : بأي شيء كنتم تعلمون قراءته ؟ قالَ : باضطراب لحيته .\r762 - حدثنا مكي بن إبراهيم ، عن هشام ، عن يحيى بن كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين ( الأوليين ) من الظهر والعصر بفاتحه الكتاب وسورة ( سورةٍ ) ، ويسمعنا الآية أحيانا .\rهذان الحديثان سبقا في الباب الماضي .\rوالمقصود منهما هاهنا : القراءة في صلاة العصر .\rوقد ذكرنا حديث أبي سعيد الخدري الذي خرجه مسلم ، وفيه : أن قيامه في الركعتين الأوليين من صلاة العصر كانَ على قدر قيامه في الأخريين من الظهر .\rوفي رواية : أنه قدر خمس عشرة آية .\rوفي رواية ابن ماجه : أن قيامه في صلاة العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر .\rواختلف العلماء في القراءة في العصر :\rفقالَ النخعي : العصر مثل المغرب في القراءة :\rيعني : أن قراءتها تخفف .\rوعنه قالَ : تضاعف الظهر على العصر أربعة أضعاف .\rوكذا قالَ الثوري في قراءة العصر : إنها كقراءة المغرب بقصار المفصل .\rوقال إسحاق : الظهر يعدل في القراءة بالعشاء ، والعصر تعدل المغرب .\rيعني : أنه يقرأ فيها بقصار المفصل .\rوسياتي في الباب الذي بعده في تقصير العصر حديث مرفوع .\rوقالت طائفة : قراءة العصر على نصف قراءة الظهر ، وقراءة الظهر نحو ثلاثين آية ، ونص على ذَلِكَ الإمام أحمد ، واحتج بحديث أبي سعيد الخدري .\rوقال أصحاب الشافعي : يقرأ في الصبح بطوال المفصل كالحجرات والواقعة ، وفي الظهر بقريب من ذَلِكَ ، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل ، وفي المغرب بقصاره ولإن خالف وقرأ بالطول أو القصر جاز .\rوقالت طائفة : يسوى بين قراءة الظهر والعصر ، روي ذَلِكَ عن أنس بن مالك ، وروي عن ابن عمر من وجه ضيعف .\rوحديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم يشهد لذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى ، وفي العصر نحو ذَلِكَ .\r* * *","part":5,"page":226},{"id":1149,"text":"98 - باب\rالقراءة في المغرب\rفيهِ حديثان :\rالأول :\r763 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، أنه قالَ : إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ :\r{ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً } ، فقالَت : يابني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة ، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب .\rوخرجه مسلم من طريق مالك وسفيان ومعمر وصالح بن كيسان ، كلهم عن الزهري بنحوه .\rوزاد صالح في حديثه : ثم ما صلى بعد حتى قبضه الله .\rوالمراد - والله أعلم - ما صلى بعدها إماماً بالناس .\rوخرجه الترمذي من حديث ابن إسحاق ، عن الزهري ، ولفظه : قالَ : خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عاصب رأسه في مرضه ، فصلى المغرب ، ثم قراً بالمرسلات ، فما صلى بها بعد حتى لقي الله .\rوخرجه الطبراني من رواية أسامة بن زيد ، عن الزهري ، عن أبي رشدين - وهو : كريب - ، عن أم الفضل ، أنها كانت إذا سمعت أحداً يقرأ بالمرسلات قالت : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قرأ في المغرب بالمرسلات ، ثم يصل لنا عشاء حتى قبضه الله .\rوهذا يبين أن المعنى أنه لم يصل لهم بعدها صلاة المغرب إماماً ولكن قوله : (( عن كريب )) في هذا الإسناد وهم ، إنما هوَ : عبد الله ابن عباس .\rوخرج النسائي من حديث موسى بن داود ، عن عبد العزيز الماجشون ، عن حميد ، عن أنس ، عن أم الفضل ، قالت : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته المغرب ، فقرأ بالمرسلات ، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض الله روحه - صلى الله عليه وسلم -.\rوهذا الإسناد كلهم ثقات ، إلا أنه معلول ، فإن الماجشون روى ، عن حميد ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في ثوب واحد ، ثم قالَ الماجشون عقب ذَلِكَ : وذكر لي عن أم الفضل - فذكر هذا الحديث ، فوهم فيهِ موسى بن دواد ، فساقه كله عن حميد ، عن أنس - : ذكر ذَلِكَ أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان .\rالحديث الثاني .\r764 - حدثنا أبو عصام ، عن ابن جريح ، عن ابن أبي مليكة ، عن عروة بن الزبير ، عن مروان بن الحكم ، قالَ : قالَ لي زيد بن ثابت : مَا لكَ تقرأ في المغرب بقصار المفصل ، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بطولي الطوليين ؟!\rطولى : وزنه فعلى ، والطوليين : تثنية الطولى .\rويقال : إنه هاهنا أراد الأعراف : فإنها أطول من صاحبتها الأنعام _ : ذكره الخطابي .\rوخرج أبو داود هدا الحديث من طريق ابن جريح - أيضاً- ، وعنده (( بقصار المفصل )) ، وزاد فيهِ : قالَ : قلت : وما طولى الطوليين ؟ قالَ : الأعراف قالَ : فسألت ابن أبي ملكية ، فقالَ لي من قبل نفسه المائدة والأعراف .\rوخرجه النسائي - أيضاً - ، وعنده : بقصار السور ، وعنده : بأطول الطوليين ، قلت : يا أبا عبد الله ، ما أطول الطوليين ؟ قالَ : الأعراف .\rوهذا يدل على أن المسئول والمخبر هوَ عروة .","part":5,"page":227},{"id":1150,"text":"ثم خرجه من طريق شعيب بن أبي حمزة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة المغرب الأعراف ، فرقها في ركعتين .\rوخرجه -أيضاً- من طريق أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث ، عن زيد بن ثابت ، قالَ لمروان : أتقرأ في المغرب بـ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } و { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ\rالْكَوْثَرَ } ؟ قالَ : نعم . قالَ : فمحلوفة ، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فيها بأطول الطوليين { الَمَصَ } .\rفهذا ثلاثة أنواع من الاختلاف في إسناده :\rأحدها : عروة ، عن مروان ، وهي رواية ابن أبي مليكة عنه .\rوهذا أصح الروايات عندَ البخاري ، وكذلك خرجه في (( صحيحه )) ونقل عنه ذَلِكَ الترمذي في (( علله )) صريحاً ، ووافقه الدار قطني في (( العلل )) .\rوهو الصحيح عن هشام - : قاله البخاري ، حكاه الترمذي عنه في (( علله )) ، وقاله - أيضاً - الدارقطني في (( علله )) وقالا : كانَ هشام يشك في إسناده .\rوقال ابن أبي الزناد : عن هشام ، عن أبيه ، عن مروان ، عن زيد.\rخرجه الإمام أحمد من طريقه .\rوهذا موافق لقول ابن أبي مليكة ، عن عروة .\rوروي عن هشام ، عن أبيه - مرسلاً .\rوفي رواية : عن هشام : سورة الأنفال ، بدل : الأعراف .\rولعل مسلماً أعرض عن تخريج هذا الحديث لاضطراب إسناده ؛ ولأن الصحيح عنده إدخال (( مروان )) في إسناده ، وهو لا يخرج لهُ استقلالاً ، ولا يحتج بروايته . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\rوسيأتي حديث جبير بن مطعم في قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المغرب بالطور ، في الباب الذي يلي هذا - إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\rوقد اختلف في القراءة في المغرب :\rفذهبت طائفة من السلف إلى تطويلها ، وقد سبق عن زيد بن ثابت أنه أنكر على مروان القراءة فيها بقصار المفصل .\rوروي عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ فيها بـ { يسَ } .\rوروى عنه مرفوعاً .\rوالموقوف أصح - : ذكره الدارقطني في (( علله )) .\rوخرج العقيلي المرفوع ، وقال : هوَ غير محفوظ .\rوخرج الدارقطني في (( علله )) - أيضاً - من رواية عامر بن مدرك : ثنا\rسفيان ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن عائشة ، قالت : كانت صلاة\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ركعتين ، إلا المغرب ؛ فإنها كانت وتراً ، فلما رجع إلى المدينة صلى مع كل ركعتين ركعتين ، إلا المغرب والفجر ؛ لأنه كانَ يطيل فيهما القراءة .\rوهذا لفظ غريب .\rوقد سبق في أول (( المواقيت )) بلفظ آخر : إلا المغرب ؛ لأنها وتر ، والفجر ؛ لأنه كانَ يطيل فيها القراءة .\rوهذا اللفظ أصح .\rوذهب أكثر العلماء إلى استحباب تقصير الصلاة في المغرب . روى مالك في","part":5,"page":228},{"id":1151,"text":"(( الموطإ )) بإسناده عن الصنابحي ، أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق ، فصلى وراء أبي بكر الصديق المغرب ، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل ، ثم قام في الركعة الثالثة ، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه ، فسمعته قرأ بأم القرآن ، وبهذه الآية { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } [آل عمران:\r8 ]الآية .\rوكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ، أن يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل .\rذكره الترمذي - تعليقاً - وخرجه وكيع .\rوروى وكيع في (( كتابه )) عن سيفان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن\rميمون ، قالَ : سمعت عمر يقرأ في المغرب في الركعة الأولى بالتين والزيتون ، وفي الثانية { أَلَمْ تَرَ } و { لِإِيلافِ قُرَيْشٍ } .\rوعن الربيع ، [ عن الحسن ] ، أنه كانَ يقرأ في المغرب { إِذَا زُلْزِلَتِ }\r{ وَالْعَادِيَاتِ } لا يدعهما ، قالَ الربيع : وحدثني الثقة عن ابن عمر ، أنه كانَ لا يدعهما في المغرب .\rوخرج أبو داود في (( سننه )) عن ابن مسعود ، أنه قرأ في المغرب : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rوعن هشام بن عروة ، أن أباه كانَ يقرأ في المغرب بنحو ما تقرءون\r{ وَالْعَادِيَاتِ } ونحوها من السور .\rوهذا مما يعلل به حديثه عن مروان ، عن زيد بن ثابت ، كما تقدم وكان النخعي يقرأ في المغرب { أَلَمْ تَر } أو { لإيلافِ قُرَيْشٍ } .\rوذكر الترمذي : أن العمل عندَ أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل . وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليهِ .\rوممن استحب ذَلِكَ ابن مبارك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال : كانوا يستحبون ذَلِكَ .\rوقد دل على استحباب ذَلِكَ : ماروى الضحاك بن عثمان ، عن بكير بن\rالأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن أبي هريرة ، قالَ : ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان .\rقالَ سليمان : يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ، ويخفف العصر ، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل ، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل.\rخرجه الإمام أحمد والنسائي .\rوخرج ابن ماجه بعضه .\rوفي رواية للنسائي : ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها ، وأشباهها ، ويقرأ في الصبح سورتين طويلتين .\rوفي رواية للإمام أحمد : قالَ الضحاك : وحدثني من سمع أنس بن مالك يقول : ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى . قالَ الضحاك : فصليت خلف عمر بن عبد العزيز ، فكان يصنع مثلما قالَ سليمان بن يسار .\rوخرج ابن سعد وغيره حديث أنس ، عن ابن أبي فديك ، عن الضحاك ، قالَ : حدثني يحيى بن سعيد - أو شريك بن أبي نمر ، لا ندري أيهما حدثه - عن أنس - فذكر الحديث .\rوالفتى : هوَ عمر بن عبد العزيز ، كذا قالَ ابن أبي فديك ، عن الضحاك بالشك.\rورواه الواقدي ، عن الضحاك ، عن شريك - من غير شك .","part":5,"page":229},{"id":1152,"text":"فهذا حديث صحيح عن أبي هريرة وأنس ، ويدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأ في المغرب بقصار المفصل .\rويشهد لهُ - أيضاً - : ما خرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن\rأبيه ، عن جده ، قالَ : ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة .\rفهذا يدل على إكثار النبي - صلى الله عليه وسلم - من قراءة سور المفصل في الصلوات الجهريات الثلاث . قصارها ، وطوالها ، ومتوسطها ، فإن كانَ يقرأ في الصبح بطول المفصل وفي المغرب بقصاره وفي العشاء بأوساطه ؛ فهوَ موافق لحديث أبي هريرة وأنس ، وهذا هوَ الظاهر ، وإن يقرأ بقصار سور المفصل في العشاء أو في الصبح ، فقراءتها في المغرب أولى .\rوخرج النسائي من رواية سيفان ، عن محارب بن دثار ، عن جابر ،قالَ : مر رجل من الأنصار بناضحين على معاذ ، وهو يصلى المغرب ، فافتتح سورة البقرة ، فصلى الرجل ، ثم ذهب ، فبلغ ذَلِكَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ : (( أفتان يا معاذ ؟ أفتان يا معاذ ؟ ألا قرأت { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } ونحوهما )) .\rورواه مسعر ، عن محارب بن دثار ، قالَ في حديثه : (( إنما يكفيك أن تقرأ في المغرب بالشمس وضحاها وذواتها )) .\rوروه أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن محارب ، وقال في حديثه :\r(( ألا يقرأ أحدكم في المغرب { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } ، { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } )) .\rوخرج ابن ماجه : حدثنا أحمد بن بديل : ثنا حفص بن غياث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rابن بديل ، قالَ النسائي ليس به بأس ، وقال ابن أبي حاتم : محله الصدق ، وقال ابن عدي : حدث بأحاديث أنكرت عليهِ ، ويكتب حديثه مع ضعفه .\rوقد أنكر عليهِ هذا الحديث بخصوصه أبو زرعة الرازي وغيره . قالَ الدارقطني : لم يتابع عليهِ .\rقلت : وقد تابعه عبد الله بن كرز على إسناده ، فرواه عن نافع ، عن ابن عمر ، وخالفه في متنه ، فقالَ : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأ في المغرب بالمعوذتين .\rولم يتابع عليهِ ، قالَ الدار القطني : ليس بمحفوظ ، وابن كرز ضعيف .\rوروى سعيد بن سماك بن حرب : ثنا أبي ، ولا أعلمه إلا عن جابر ابن سمرة ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ }\rو { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة : سورة الجمعة والمنافقين .\rخرجه الحاكم والبيهقي .\rوروي عن أبي عثمان الصابوني أنه صححه ، وكان يعمل به حضراً وسفراً ، وعن ابن حبان أنه ذكر في (( ثقاته )) : أن المحفوظ عن سماك مرسلا .\rوسعيد بن سماك بن حرب ، قالَ أبو حاتم الرازي : متروك الحديث .","part":5,"page":230},{"id":1153,"text":"قالَ علي بن سعيد : قلت لأحمد : ما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة المغرب بالطور والأعراف والمرسلات ؟ قالَ : قد روي عنه ذَلِكَ ، حديث معاذ .\rوأشار أبو داود إلى نسخ القراءة بالأعراف ، واستدل لهُ بعمل عروة بن الزبير بخلافه ، وهو روايه .\rوقد قالَ طائفة من السلف : إذا اختلفت الأحاديث فانظروا ما كانَ عليهِ أبو بكر وعمر .\rيعني : أن ما عملا به فهوَ الذي استقر عليهِ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تقدم عنهما القراءة في المغرب بقصار المفصل ، وعضد ذَلِكَ -أيضاً- حديث عثمان بن أبي العاص ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد إليه أن يخفف ، ووقت لهُ أن يقرأ بـ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } وأشباهها من السور .\rوعثمان بن أبي العاص قدم مع وفد ثقيف بعد فتح مكة ، وذلك في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rفإن قرأ في المغرب بهذه السور الطوال ففي كراهته قولان :\rأحدهما : يكره ، وهو قول مالك .\rوالثاني : لا يكره ، بل يستحب ، وهو قول الشافعي ؛ لصحة الحديث بذلك ، حكى ذَلِكَ الترمذي في (( جامعه )) ، وكذلك نص أحمد على أنه لا بأس به ولكن أن كانَ ذَلِكَ يشق على المأمومين ، فإنه يكره أن يشق عليهم ، كما سبق ذكره .\rوهذا على قول من يقول بامتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق ظاهر ، فأما على قول من يقول : إن وقتها وقت واحد مضيق فمشكل .\rوكذلك كرهه مالك .\rوأما أصحاب الشافعي ، فاختلوا فيمن دخل فيها في أول وقتها : هل لهُ أن يطيلها ويمدها إلى مغيب الشفق ، أم لا ؟ على وجهين .\rورجح كثير منهم جوازه ؛ لحديث زيد بن ثابت ، فأجازوا ذَلِكَ في الاستدامة دون الابتداء ، والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":231},{"id":1154,"text":"99- باب\rالجهر في المغرب\r756 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن محمد ابن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قالَ : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور .\rوخرجه في (( المغازي )) من طريق معمر ، عن الزهري ، وزاد فيهِ : وذلك أول ما دخل الإيمان في قلبي .\rوهذا كانَ قبل أن يسلم جبير بن مطعم ، وكان قدم المدينة لفداء أسارى بدر .\rوخرج الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم : سمعت بعض إخوتي يحدث ، عن أبي ، عن جبير بن مطعم ، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في فداء المشركين _ وفي رواية : في فداء أهل بدراً _ وما أسلم يومئذ ، قالَ : فانتهيت إليه وهو يصلي المغرب ، وهو يقرأ فيها بالطور ، قالَ : فكانما صدع قلبي حين سمعت القرآن .\rوفي هذا : دليل على قبول رواية المسلم لما تحمله من العلم قبل إسلامه .\rوقد روي أنه سمع صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خارج من المسجد .\rوفيه : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يرفع صوته بالقراءة في صلاة الليل .\rوالأحاديث المذكورة في الباب الماضي تدل على الجهر بالقراءة في المغرب ؛ فإن عامة من روى عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - القراءة في [المغرب] بسورة ذكر أنه سمعه يقرأ بها ، وفي ذَلِكَ دليل الجهر .\rوالجهر بالقراءة في المغرب إجماع [ المسلمين ] رأياً وعملا به لم يزل المسلمون يتداولونه بينهم ، من عهد نيبهم - صلى الله عليه وسلم - حتى الآن .\r[ وأدنى ] الجهر : أن يسمع من يليه ، هذا قول أصحابنا والشافعية وغيرهم .\rوقد سبق عن ابن مسعود ، قالَ : من أسمع أذنيه فلم يخافت ، وهو يدل على أدنى الجهر : أن يسمع نفسه .\rروى وكيع ، عن سفيان ، عن أشعت بن أبي الشعثاء ، عن الأسود بن هلال ، عن ابن مسعود ، قالَ : لم يخافت من أسمع أذنيه .\rومنتهى الجهر : أن يسمع من خلفه إن أمكن ذَلِكَ من غير مشقة ، وقد كانَ عمر بن الخطاب يسمع قراءته في المسجد من خارجه .\rوقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا } [الإسراء:110] قالَ : نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوار بمكة ، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، سمع ذَلِكَ المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ، ومن جاء به ، فقالَ الله لنبيه : { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } فيسمع المشركون قراءتك { وَلا تُخَافِتْ بِهَا } عن أصحابك ، أسمعهم القرآن لا تجهر ذَلِكَ الجهر { وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً } ، يقول : بين الجهر والمخافتة .\rخرجاه في (( الصحيحين )) ولفظه لمسلم .\rوالجهر فيما يجهر فيهِ سنة ، لا تبطل الصلاة بتركه عندَ جمهور العلماء .\rوحكى عن ابن أبي ليلى أنه تبطل الصلاة بتركه . وهو وجه ضعيف لأصحابنا إذا تعمد ذَلِكَ .\rوإنما يجهر الإمام إذا صلى من يأتم به ، فأما المنفرد ، فاختلفوا : هل يسن لهُ\rالجهر ، أم لا ؟\rفقالَ الشافعي وأصحابه : يسن لهُ الجهر . وحكاه بعضهم عن الجمهور .","part":5,"page":232},{"id":1155,"text":"ومذهب أبي حنيفة وأحمد : إنما يسن الجهر لإسماع من خلفه ؛ ولهذا أمر من خلفه بالإنصات لهُ ، كما قالَ تعالى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204] ، وقد سبق أنها نزلت في الصلاة وأما المنفرد فيجوز لهُ الجهر ولا يسن .\rقالَ أحمد : إن شاء جهر ، وإن شاء لم يجهر ؛ إنما الجهر للجماعة .\rوكذا قالَ طاوس : إن شاء جهر ، وإن شاء لم يجهر .\rومن أصحابنا من كرهه للمنفرد .\rونص أحمد على أن المنفرد إذا صلى الكسوف جهر فيها بالقراءة ، فخرج القاضي أبو يعلى من ذَلِكَ رواية باستحباب الجهر للمنفرد في الفرائض .\rوبينهما فرق ؛ فإن صلاة الكسوف تطول فيها القراءة ، فيحتاج المنفرد إلى الجهر فيها ؛ كقيام الليل ، بخلاف الفرائض .\r* * *","part":5,"page":233},{"id":1156,"text":"100 - باب\rالجهر في العشاء\r766 - حدثنا أبو النعمان : ثنا معتمر ، عن أبيه ، عن بكر ، عن أبي رافع ، قالَ : صليت مع أبي هريرة العتمه ، فقرأ { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فسجد ، فقلت لهُ . فقالَ : سجدت خلف أبي القاسم ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه .\r767 - حدثنا أبو الوليد : ثنا شعبة ، عن عدي ، قالَ : سمعت البراء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ في سفر ، فقرأ في العشاء بالتين والزيتون .\rلم يذكر في هذا الباب حدثنا مرفوعاً إلا على الجهر في العشاء .\rأما حديث أبي هريرة : فغايته أن يدل على أن أبا هريرة جهر في قراءة صلاة العشاء ، وسجد ، وأخبر أنه سجد بهذه السجدة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل : في صلاة العشاء ، فيحتمل أنه سجد بها خلفه في صلاة جهر فيها بالقراءة غير صلاة العشاء ، ويحتمل أنه سجد بها في غير صلاة ؛ فإن القارئ إذا قرأ وسجد سجد من سمعه ، ويكون مؤتماً به عندَ كثير من العلماء ، وهو مذهب أحمد وغيره ، ويأتي ذكر ذَلِكَ في مواضع أخر - إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\rوأما حديث البراء : فليس في هذه الرواية التي خرجها هاهنا تصريح بالجهر ، ولكنه خرجه فيما بعد ، وزاد فيهِ : (( قالَ : فما سمعت أحسن صوتاً منه )) وهذا يدل على الجهر .\rوبكل حال ؛ فالجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من العشاء متفق عليهِ بين المسلمين ، وقد تداولته الأمة عملاً به قرنا بعد قرن ، من عهد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وإلى الآن .\rوحكم الجهر في العشاء حكم الجهر في المغرب ، وقد سبق ذكره .\r* * *","part":5,"page":234},{"id":1157,"text":"101 - باب\rالقراءة في العشاء بالسجدة\r768 - حدثنا مسدد : ثنا يزيد بن زريع : ثنا التيمي ، عن بكر ، عن أبي رافع ، قالَ : صليت مع أبي هريرة العتمة ، فقرأ { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فسجد . فقلت :\rما هذه ؟ قالَ : سجدت بها خلف أبي القاسم ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه .\rقد ذكرنا أن هذا الحديث إنما فيهِ التصريح بالسجود في صلاة العشاء عن أبي هريرة ، وليس فيهِ تصريح برفع ذَلِكَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسيأتي في موضع آخر - إن شاء الله تعالى- قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في فجر يوم الجمعة بـ { الم تَنْزِيل } (السجدة ) .\rوالظاهر : أنه كانَ يسجد فيها ، ولو لم يكن يسجد فيها لنقل إخلاله بالسجود فيها ، فإنه يكون مخالفا لسنته المعروفة في السجود فيها ، ولم يكن يهمل نقل ذَلِكَ ، فإن هذه السورة تسمى سورة السجدة ، وهذا يدل على أن السجود فيها مما استقر عليهِ العمل به عندَ الأمة .\rوجمهور العلماء على أن الإمام لا يكره لهُ قراءة سجدة في صلاة الجهر ، ولا السجود لها فيها ، وروى ذَلِكَ عن ابن عمر وأبي هريرة ، وهو قول الشافعي وأحمد وغيرهما .\rواختلف فيهِ عن مالك ، فروي عنه كراهته ، وروي عنه أنه قالَ : لا بأس به إذا لم يخف أن يغلط على من خلفه صلاته .\rوكأنه يشير إلى أنه إذا كثر الجمع وأدى السجود إلى تغليط من بعد عن الإمام ؛ لضنّه أنه يكبر للركوع فركع .\rوأما قراءة الإمام في صلاة السر سورة فيها سجدة ، فاختلفوا في ذَلِكَ :\rفكرهه كثير من العلماء ، منهم : مالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد .\rوعللوا الكراهة بتغليط المأمومين ، وأنه ربما اعتقدوا أنه سها في صلاته فيتخلف بعضهم عن متابعته وتختبط صلاتهم .\rثم اختلفوا فيما إذا قرأها : هل يسجد ، أم لا ؟\rفقالَ : أكثرهم : يسجد ، وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة .\rوالسجود عندَ مالك مستحب ، وعندهما واجب ؛ بناء على أصلهما في وجوب سجود التلاوة .\rوقالوا : متى سجد لزم المأمومين متابعته في السجود .\rوقال أحمد وأصحابه : يكره أن يسجد ، فإن فعل لم يلزم المأموم متابعته ، بل يخير في ذَلِكَ ؛ لأن إمامه فعل مكروها لا يبطل صلاته ، فخير في متابعته وترك متابعته .\rوكذا قالَ الثوري في إمامٍ سجد ، يظن أنه قرأ سجدة فسجد فيها : لا يتبعه من خلفه .\rوقالت طائفة : لا يكره قراءة السجدة في صلاة السر ولا السجود لها ، وعلى المأموم متابعته ، وهو قول الشافعي وإسحاق .\rومن الشافعية من قالَ : يستحب تأخير السجود لها حتى يفرغ من الصلاة ، فيسجد حينئذ للتلاوة .\rواستدلوا بما روى سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر ، فرأى أصحابه أنه قرأ { تَنْزِيلُ } [ السجدة ] .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rولم يسمعه التيمي عن أبي مجلز .\rقالَ الدارقطني : وقيل : عنه ، عن أبي أمية ، عن أبي مجلز . قالَ : ويشبه أن يكون : عبد الكريم أبو أمية . وكذا قاله إبراهيم بن عرعرة .","part":5,"page":235},{"id":1158,"text":"وقال في موضع آخر : أمية مجهول .\rوذكر البيهقي أنه قيل فيهِ : (( مية )) -أيضاً- بغير ألف .\rوروى بهذا الإسناد عن أبي مجلز مرسلا .\rقالَ الإمام أحمد في هذا الحديث : ليس لهُ إسناد . وقال -أيضاً - : لم يسمعه سليمان من أبي مجلز ، وبعضهم لا يقول فيهِ : عن ابن عمر -يعني : جعله مرسلا .\rوخرج أبو يعلى الموصلي في (( مسنده )) من طريق يحيى بن عقبة بن أبي العيزار ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قالَ : سجدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر ، فظننا أنه قرأ\r{ تَنْزِيلُ } [السجدة] .\rويحيى هذا ضعيف جداً .\r* * *","part":5,"page":236},{"id":1159,"text":"102- باب\rالقراءة في العشاء\r769- حدثنا خلاد بن يحيى : ثنا مسعر : ثنا عدي بن ثابت : سمع البراء ، قالَ : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العشاء بالتين والزيتون ، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه -أو قراءة .\rهذا الحديث ، رواه عن عدي بن ثابت : مسعر ، ومن طريقه خرجه البخاري هاهنا .\rوشعبة ، وقد خرجه من حديثه فيما سبق .\rويحيى بن سعيد الأنصاري ، وقد خرجه من طريقه الترمذي وابن ماجه .\rوفي أحاديثهم : أن ذَلِكَ كانَ في العشاء .\rوخرجه الإمام أحمد ، عن أبي خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد ، وقال في حديثه : (( المغرب )) ، بدل : (( العشاء )) .\rرواه كذلك عبد الوهاب ، عن شعبة .\rخرجه من طريقه ابن أبي داود في (( كتاب الصلاة )) .\rوروى ذَلِكَ عن مسعر- أيضاً .\rخرجه الإسماعيلي في (( جمعه حديث مسعر )) .\rوفي رواية خرجها الإسماعيلي -أيضاً - ، عن البراء ، قالَ : مشيت إلى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء -فذكر الحديث . وزاد في آخره : وكان في قراءته ترسيل ، أو ترتيل .\rوذكر المشي إلى المسجد غريب لا يثبت ، وهو يوهم أنه كانَ بالمدينة ، وترده رواية شعبة المتفق عليها في (( الصحيحين )) : أن ذَلِكَ كانَ في سفر .\rوهذا الحديث : يدل على القراءة في صلاة العشاء بقصار المفصل .\rوقد بوب عليهِ أكثر من صنف في العلم ، كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه : (( القراءة في العشاء )) . وظاهر كلامهم : يدل على أنه يستحب القراءة في العشاء بقصار المفصل ، ولا يعلم قائل من الفقهاء يقول باستحباب ذَلِكَ مطلقاً .\rوبوب عليهِ أبو داود : (( قصر القراءة في السفر )) ، فحمله على الصلاة في السفر خاصة .\rوروى عمرو بن ميمون ، أنه سمع عمر يقرأ بمكة في العشاء بالتين والزيتون ،\r{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } وهذا -أيضاً - كانَ في سفر .\rوقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تقصير القراءة في السفر .\rوقال أصحابنا : لا يكره تخفيف القراءة في الصبح وغيرها في السفر دون الحضر .\rوقال إبراهيم النخعي : كانَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرءون في السفر بالسور القصار .\rخرجه ابن أبي شيبة . وخرج -أيضاً - بإسناده ، عن عمرو بن ميمون ، قالَ : صلى بنا عمر الفجر بذي الحليفة فقرأ : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون } ، { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rوبإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه صلى بأصحابه الفجر في سفر ، فقرأ بآخر بني إسرائيل : { الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } ، ثم ركع .\rوروى حرب بإسناده ، عن المعرور بن سويد ، قالَ : حججت مع عمر ، فقرأ بنا في صلاة الصبح بمكة { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } و { لإِيلافِ قُرَيْشٍ } .\rويروى عن أنس أنه كانَ يقرأ في السفر في الفجر بالعاديات وأشباهها .\rوروي عن عقبة بن عامر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى به الفجر في سفر ، فقرأ بالمعوذتين .\rخرجه وكيع في (( كتابه )) بإسناد منقطع .","part":5,"page":237},{"id":1160,"text":"وخرجه الإمام أحمد بإسناد متصل ، ولم يذكر السفر ، لكن ذكر أنه كانَ يقود بالنبي - صلى الله عليه وسلم - راحلته ، ثم ذكر صلاته عقب ذَلِكَ ، وهو دليل على السفر .\rوخرجه أبو داود والنسائي مختصراً .\rوكان الأولى أن يخرج في هذا الباب حديث جابر في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ، { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } ، { وَاللَّيْلِ\rإِذَا } وقد خرجه البخاري فيما تقدم في (( أبواب : الإمامة )) .\rوفي رواية لهُ -أيضاً - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره يقرأ سورتين من وسط المفصل .وعلى هذا جمهور العلماء : أن المستحب أن يقرأ في صلاة العشاء سورتين من أواسط المفصل ، وهو قول الشافعي وأحمد .\rوقد سبق من حديث أبي هريرة وأنس ما يدل على ذَلِكَ -أيضاً .\rوروى ابن لهعية ، عن ابن أبي جعفر ، عن خلاد بن السائب ، عن أبي قتادة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( لا يقرأ في الصبح دون عشرين آية ، ولا في العشاء دون عشر آيات)).\rخرجه أبو الشيخ الأصبهاني .\rوهو غريب .\rوقد روي عن عمر ، أنه كتب إلى أبي موسى أن يقرأ في الفجر بوسط المفصل .\rذكره الترمذي - تعليقاً.\rوذكر عن عثمان أنه كانَ يقرأ في العشاء بأوساط المفصل ؛ مثل سورة المنافقين ونحوها .\rوقد تقدم عن أبي هريرة ، أنه قرأ فيها بـ { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } وروى مثله عن عمر ، وعن ابن مسعود ، أنه قرأ في الركعة الأولى من العشاء من أول الأنفال إلى رأس الأربعين { وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ثم ركع ، ثم قام فقرأ بسورة من المفصل .\rوقال النخعي وإسحاق : كانوا يعدلون الظهر في القراءة بالعشاء .\rومن قولهما : إن الظهر يقرأ فيها بنحو ثلاثين آية .\rوقد سبق حديث في قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة العشاء ، وأن من أهل الحديث من كانَ يعمل به حضراً وسفراً .\rوروى حرب بإسناده ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قالَ : كانوا يستحبون أن يقرءوا ليلة الجمعة سورة الجمعة ، كي يعلم الناس أن الليلة ليلة الجمعة .\rقالَ حرب : قلت لأحمد : فنقرأ ليلة الجمعة في العتمة بسورة الجمعة { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } - ؟ قالَ : لا ؛ لم يبلغني في هذا شيء . وكأنه كره ذَلِكَ .\rوروى الخلال من طريق الحسن بن حسان ، قالَ : قلت لأحمد : فنقرأ في ليلة الجمعة بسورة الجمعة ؟ قالَ : لا بأس ، ما سمعنا بهذا شيئاً أعلمه ، ولكن لا يدمن ، ولا يجعله حتماً .\r* * *","part":5,"page":238},{"id":1161,"text":"103- باب\rيطول في الأوليين ويحذف في الأخريين\r770- حديثاً سليمان : ثنا شعبة ، عن أبي عون ، قالَ : سمعت جابر بن سمرة ، قالَ : قالَ عمر لسعد : قد شكوك في كل شيء حتى الصلاة ؟ قالَ : أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ، ولا آلو ما اقتديت به من [صلاة] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ : صدقت ، ذَلِكَ الظن بك - أو ظني بك .\rمعنى : (( لا آلو )) : لا أقصر ولا أدع جهداً في الاقتداء بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد روي حديث سعد هذا بثلاثة ألفاظ :\rأحدها : هذا ، وهو ذكر الصلاة مطلقاً .\rوالثاني : ذكر صلاة العشي ، والمراد : صلاة الظهر والعصر .\rوالثالث : ذكر صلاة العشاء ، فإن كانَ محفوظاً كانَ الأنسب ذكره في هذا الباب .\rوإنما خرجه البخاري في صلاة الظهر والعصر ، وخرج هاهنا الرواية المطلقة التي تدخل فيها كل صلاة رباعية ، لقوله : أمد في الأوليين وأحذف في الأخريين .\rومراد البخاري : الاستدال بحديث سعد هاهنا على تطويل الأوليين من صلاة العشاء ، فيكون ذَلِكَ مخالفاً لحديث البراء بن عازب الذي خرجه في الباب الماضي .\rوقد ذكرنا عن النخعي وإسحاق ما يدل على أنه يشرع تطويل القراءة في العشاء ، وأن الجمهور على أنه يقرأ فيها من أوساط المفصل ، كما دل عليهِ حديث جابر في قصة معاذ بن جبل . والله - صلى الله عليه وسلم - أعلم .\r* * *","part":5,"page":239},{"id":1162,"text":"104- باب\rالقراءة في الفجر\rوقالت أم سلمة : قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطور .\rحديث أم سلمة هذا ، قد خرجه البخاري فيما سبق في (( أبواب : المسجد )) في (( باب : إدخال البعير المسجد لعلة )) وخرجه - أيضاً - في (( كتاب : الحج )) ولفظه : عن أم سلمة ، قالت : شكوت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي ، فقالَ : (( طوفي من وراء الناس وأنت راكبة )) فطفت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جنب البيت ، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور .\rوخرجه مسلم - أيضاً - ، وفي رواية لهُ : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لها : (( إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون )) قالت : ففعلت .\rوهذا يرد ما قاله ابن عبد البر : أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه كانت تطوعاً ، ثم تردد : هل كانت ليلاً ، أو نهار ؟ وقال : فيهِ دليل على الجهر في تطوع النهار .\rوهذا كله ليس بشيء .\rفيهِ حديثان :\rأحدهما :\rقالَ :\r771- حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا سيار بن سلامة - هوَ : أبو المنهال - ، قالَ : دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي ، فسألناه عن وقت الصلاة . فقالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر حين تزول الشمس ، والعصر ويرجع الرجل إلى أقصى المدينة ، والشمس حية ، ونسيت ما قالَ في المغرب ، ولا يبالى بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ، ولا يحب النوم قبلها ، ولا الحديث بعدها ، ويصلي الصبح ، ( فينصرف ) فيعرف الرجل جليسه ، وكان يقرأ في الركعتين - أو إحداهما - ما بين الستين إلى المائة .\rقد سبق هذا الحديث في (( أبواب : المواقيت )) في مواضع متعددة ، وفيها : أنه كانَ يقرأ فيها - يعني : صلاة الصبح - ما بين الستين إلى المائة .\rوكذا خرجه مسلم .\rوأما هذه الرواية التي فيها التردد بين القراءة في الركعتين ، أو أحداهما ما بين الستين إلى المئة ، فتفرد بها البخاري ، وهذا الشك من سيار .\rوخرجه الإمام أحمد ، عن حجاج ، عن شعبة ، وفي حديثه : وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المئة . قالَ سيار : لا أدري أفي إحدى الركعتين أو كلتيهما .\rوالظاهر - والله أعلم - : أنه كانَ يقرأ بالستين إلى المائة في الركعتين كلتيهما ؛ فإنه كانَ ينصرف حين يعرف الرجل جليسه ، ولو كانَ يقرأ في كل ركعة بمائة آية لم ينصرف حتى يقارب طلوع الشمس .\rيدل على ذَلِكَ : ما رواه الزهري وقتادة ، عن أنس ، أن أبا بكر صلى بالناس الصبح ، فقرأ سورة البقرة ، فقالَ لهُ عمر : كادت الشمس أن تطلع . فقالَ : لو طلعت لم تجدنا غافلين .\rوروي ، عن قتادة في هذا الحديث : أنه قرأ بال عمران .\rورواه مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، أن أبا بكر صلى الصبح ، فقرأ فيها سورة البقرة في الركعتين كلتيهما .","part":5,"page":240},{"id":1163,"text":"وروى مالك - أيضاً - ، عن هشام ، عن أبيه ، أنه سمع عبد الله بن عامر قالَ : صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح ، فقرأ فيها سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة . قالَ هشام : فقلت لهُ : إذا ، لقد كانَ يقوم حين يطلع الفجر . قالَ : أجل .\rوقد رواه وكيع وأبو أسامة ، عن هشام ، أنه سمع عبد الله بن عامر .\rوزعم مسلم : أن قولهم أصح، وأن مالكاً وهم في زيادته في إسناده: (( عن\rأبيه )).\rقالَ ابن عبد البر : والقول عندي قول مالك ؛ لأنه أقعد بهشام .\rوقد كانَ عمر هوَ الذي مد في صلاة الفجر ، كما روى ثابت ، عن أنس قالَ : ما صليت خلف أحد أوجز من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمام ، كانت صلاته متقاربة ، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة ، فلما كانَ عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر .\rخرجه مسلم .\rورواه حميد عن أنس ، قالَ : كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقاربة ، وصلاة أبي بكر وعمر ، حتى مد عمر في صلاة الفجر .\rخرجه الإمام أحمد .\rفهذا يدل على أن زيادة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قراءة صلاة الفجر على سائر الصلوات لم يكن كثيراً جداً ، وأن صلواته كلها لم يكن بينها تفاوت كثير في القراءة ، وأن هذا هوَ الغالب على صلاته ، وقد يطيل أحياناً ويقصر أحياناً ؛ لعارض يعرض لهُ ، فيحمل حديث أبي برزة على أنه كانَ يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة ، أحيانا ، لا غالباً .\rوقد سبق حديث عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يطيل القراءة في الفجر .\rوالمراد : أنه يقرأ في الفجر أطول مما يقرأ في غيرها من الصلوات ، وإنما كانت قراءة أبي بكر بالبقرة مرة واحدة ، وكان عمر يقرأ في الفجر ببني إسرائيل والكهف ويونس وهود ونحو ذَلِكَ من السور .\rوكان عثمان يكرر قراءة سورة يوسف في صلاة الفجر كثيراً . وكذلك كانَ ابن مسعود يقرأ فيها ببني إسرائيل في ركعة و { طسم } في ركعة .\rوكان ابن الزبير يقرأ في الصبح بيوسف وذواتها .\rوكان عليّ يخفف ، فكان يقرأ { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } و { إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ } ونحو ذَلِكَ من السور .\rوالظاهر : أنه كانَ يسفر بالفجر ، وكان من قبله يغلس بها .\rوقد روي ، أن عمر لما قتل أسفر بها عثمان .\rخرجه ابن ماجه .\rوقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التخفيف في الفجر - أيضاً - ، وقد تقدم أنه قرأ بالطور.\rوفي (( صحيح مسلم )) عن قطبة بن مالك ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر\r{ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ } [ ق:10 ] .\rوفي رواية لهُ : أنه قرأ في أول ركعة { ق } .\rوفيه - أيضاً - : عن عمرو بن حريث ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } [ التكوير:17] .\rوفيه - أيضاً - : عن جابر بن سمرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأ في الفجر بـ { ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } ونحوها .\rوفي رواية : وكانت صلاته بعد تخفيفاً .","part":5,"page":241},{"id":1164,"text":"والظاهر : أنه أراد أن صلاته بعد الفجر كانت أخف من صلاة الفجر .\rوروى أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الفجر بسورة الروم ، وبسورة { يّس } و { حم }\rو { الم } السجدة ، و { هَلْ أَتَى } .\rوفي (( سنن أبي داود )) أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصبح { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا } في الركعتين كلتيهما .\rيعني : أنه أعادها في الركعة الثانية ، ولعل ذَلِكَ كانَ سفراً .\rوروى عقبة بن عامر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الفجر في السفر بالمعوذتين وقد سبق ذكره .\rوأكثر العلماء على أن المستحب أن يقرأ في الفجر بطول المفصل ، كما كتب به عمر إلى موسى الأشعري ، ودل عليهِ حديث أبي هريرة وأنس ، وقد سبق .\rوهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوروي عن أحمد ما يدل على أن الركعة الأولى يقرأ فيها بطول المفصل ، والثانية يقرأ فيها متوسطة .\rوروي عن الزهري ، أنه كانَ يقرأ في الأولى من طوال المفصل ، وفي الثانية من قصاره .\rوهذا مبني على القول باستحباب تطويل الأولى على الثانية كما سبق .\rوروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرأ في الصبح في السفر بالعشر السور الأول من المفصل ، في كل ركعة بسورة .\rوظاهر هذا : يدل على أنه كانَ يرى القراءة في الصبح بطوال المفصل مختصاً بالسفر .\rوقد نص أحمد على أنه يكره قراءة السورة القصيرة في صلاة الفجر ؛ مثل { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } و { أَرأَيْتَ } إلا في السفر ، وأنه لا تكره القراءة فيها بمريم و { طه } وأشباهما من السور .\rوقال : قد قرأ أبو بكر بالبقرة ، وكأنه استحب موافقة من خلفه .\rيعني : مراعاة أحوالهم من ضعفهم وقوتهم وما يؤثرونه من التخفيف والإطالة .\rالحديث الثاني :\rقالَ :\r772- حدثنا مسدد : ثنا إسماعيل بن إبراهيم : ثنا ابن جريح : أخبرني عطاء ، أنه سمع أبا هريرة يقول : في كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم ، وما أخفى علينا أخفينا عنكم ، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وأن زدت فهوَ خير .\rهذا الحديث : يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأ في جميع الصلوات ما جهر فيهِ وما خافت ، فيجهر في الجهريات فيسمعه من خلفه ، ويخفي في غيرها .\rوهذا شبيه بحديث خباب المتقدم ، وكان الأولى تخريجه في (( أبواب : القراءة في الظهر والعصر )) ؛ فإن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة السر خفيت على ابن عباس وغيره ، وأما قراءته في صلوات الجهر فلم تخف على أحد .\rفأكثر ما يستفاد من هذا الحديث في هذا الباب : أنه - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأ في صلاة الصبح ويجهر بالقراءة ، وليس فيهِ ذكر ما كانَ يقرأ به ، ولا تقديره ، فأول الحديث وآخره موقوف على أبي هريرة .\rوقد وقع أوله مرفوعاً :\rخرجه مسلم من رواية حبيب بن الشهيد : سمعت عطاء يحدث ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( لا صلاة إلا بقراءة )) . قالَ أبو هريرة : فما أعلن لنا","part":5,"page":242},{"id":1165,"text":"رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلنا لكم ، وما أخفاه أخفيناه لكم .\rوذكر الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي وغيرهما : أن رفعه وهم ، وإنما هوَ موقوف .\rوقد رفعه - أيضاً - ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قالَ : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( لا صلاة إلا بقراءة )) قالَ أبو هريرة : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا فيجهر ويخافت ، فجهرنا فيما جهر ، وخافتنا فيما خافت .\rخرجه الحارث بن أبي أسامة .\rوابن أبي ليلى ، سيء الحفظ جداً ، ورفعه وهم . والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":243},{"id":1166,"text":"105- باب\rالجهر بقراءة الفجر\rوقالت أم سلمة : طفت وراء الناس والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي يقرأ بالطور .\rحديث أم سلمة ، قد ذكرنا في الباب الماضي .\rفيهِ حديثان :\rالأول :\r773- حدثنا مسدد : ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر -هوَ : جعفر بن أبي\rوحشية- ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قالَ : انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب . قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب . قالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث ، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها ، فانظروا ما الذي حال بينكم وبين خبر السماء . فانصرف الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة- عامدين إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القران [ استمعوا لهُ ، فـ] قالوا : هذا- والله - الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرانا عجبا ، يهدي إلى الرشد فامنا به ، ولن نشرك بربنا أحداً ، فأنزل الله على نبيه : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيّ } ، وإنما أوحي إليه قول الجن .\rهذه القصة كانت في أول البعثة .\rوهذا الحديث مما أرسله ابن عباس ، ولم يسم من حدثه به من الصحابة ، ويحتمل أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن نفسه . والله أعلم .\rوسوق عكاظ نحو نخلة ، كانَ يجتمع فيهِ العرب ، ولهم فيهِ سوق ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج إليهم ، فيدعوهم إلى الله عز وجل ، وقد كانت الشهب يرمى بها في الجاهلية ، وإنما كثرت عندما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد قالَ السدي وغيره : إن السماء لم تحرس إلا حيث كانَ في الأرض نبي أو دين لله ظاهر .\rوالمقصود من هذا الحديث هاهنا : أن الشياطين لما مروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بأصحابه صلاة الصبح ، وقفوا واستمعوا القرآن . وهذا يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كانَ يجهر بالقراءة في صلاة الصبح ، فلما سمعوا عرفوا أنه هوَ الذي حال بينهم وبين خبر السماء .\rوظاهر هذا السياق : يقتضي أن الشياطين آمنوا بالقرآن ، وكذا قالَ السدي وغيره .\rوقد اختلف في الجن والشياطين : هل هم جنس واحد ، أو لا ؟\rفقالت طائفة : الجن كلهم ولد إبليس ، كما أن الإنس كلهم ولد آدم .\rروي هذا عن ابن عباس من وجه فيهِ نظر . وأنهم لا يدخلون الجنة .\rوروي - أيضاً - عن الحسن ، وأنه قالَ : مؤمنهم ولي لله لهُ الثواب ، ومشركهم شيطان لهُ العقاب .\rوقالت طائفة : بل الشياطين ولد إبليس ، وهم كفار ولا يموتون إلا مع إبليس ، والجن [ولد] الجان وليسوا الشياطين ، وهم يموتون ، وفيهم المؤمن والكافر .\rروي هذا عن ابن عباس بإسناد فيهِ نظر - أيضاً .","part":5,"page":244},{"id":1167,"text":"وقوله : (( وإنما أوحي إليه قول الجن )) . يشير ابن عباس إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير الجن ، ولا قرأ عليهم ، وإنما أوحي إليه استماعهم القرآن منه وإيمانهم به .\rوقد روي ذَلِكَ صريحاً عنه ، أنه قالَ في أول هذا الحديث : ما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجن ولا رآهم - ثم ذكر هذا الحديث .\rالحديث الثاني :\r774- حدثنا مسدد : ثنا إسماعيل : ثنا [أيوب ، عن] عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر ، وسكت فيما أمر ، وما كانَ ربك نسيا ، ولقد كانَ لكم في رسول الله أسوة حسنة .\rوخرجه الإمام أحمد ، عن عبد الصمد بن الوراث ، عن أبيه ، عن أيوب ، عن عكرمة ، قالَ : لم يكن ابن عباس يقرأ في الظهر والعصر ، قالَ : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أمر أن يقرأ فيهِ ، وسكت فيما أمر أن يسكت فيهِ ، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، وما كان ربك نسيا .\rوهذا يرد قول من تأول كلام ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسر القراءة في بعض صلاته ، ويجهر في بعضها ، كما نقله الإسماعيلي والخطابي وغيرهما .\rوقد روي ذلك صريحاً عن ابن عباس من وجوه أخر ، قد ذكرنا بعضها فيها سبق في (( باب : القراءة في الظهر )) ، وذكرنا اختلاف الروايات عن ابن عباس في ذلك.\rوالمراد من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الفجر ، ويجهر بالقراءة فيها ؛ فإن ابن عباس أخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ فيما يجهر فيه .\rولا خلاف بين أحد من المسلمين كان يجهر بالقراءة في صلاة الفجر كلها .\rفيستفاد من حديث ابن عباس هذا قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر جهراً وهو المقصود في هذا الباب . والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":245},{"id":1168,"text":"106-باب\rالجمع بين السورتين في الركعة ، والقراءة بالخواتيم\rوسورة قبل سورة ، بأول سورة\rويذكر ، عن عبد الله بن السائب : قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين في الصبح ، حتى إذا جاء ذكر موسى [وهارون] - أو ذكر عيسى - أخذته سعلة فركع .\rهذا الحديث خرجه مسلم من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريح سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول : أخبرني أبو سلمة بن سفيان ، وعبد الله ابن عمرو ، وعبد الله بن المسيب العابدي ، عن عبد الله بن السائب ، قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح بمكة ، فاستفتح بسورة المؤمنين ، حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر عيسى - محمد بن عباد يشك ، أو اختلفوا عليه - أخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - سعلة فركع . وعبد الله بن السائب حاضر ذلك .\rوخرجه - أيضاً - من طريق حجاج ، عن ابن جريح ، وقال فيه : وعبد الله بن عمرو بن العاص - في أحد الرواة الثلاثة عن ابن السائب .\rوقيل : إنه وهم ؛ فإن عبد الله بن عمرو هذا ليس بابن العاص .\rوكذا رواه أبو عاصم ، عن ابن جريح ، كما رواه عنه عبد الرزاق وحجاج .\rسبق في (( باب : القراءة في الظهر )) وذكرنا اختلاف الروايات عن ابن عباس في ذلك .\rوالمراد من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الفجر ، ويجهر بالقراءة فيها ؛ فإن ابن عباس أخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ فيما يجهر فيه .\rولا خلاف بين أحد من المسلمين كان يجهر بالقراءة في صلاة الفجر كلها .\rفيستفاد من حديث ابن عباس هذا قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر جهراً وهو المقصود في هذا الباب . والله أعلم .\r* * *","part":5,"page":246},{"id":1169,"text":"106-باب\rالجمع بين السورتين في الركعة ، والقراءة بالخواتيم\rوسورة قبل سورة ، وبأول سورة\rويذكر ، عن عبد الله بن السائب : قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين في الصبح ، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون -أو ذكر عيسى - أخذته سعلة فركع .\rهذا الحديث خرجه مسلم من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج : سمعت محمد بن عباد بن جعفر ، يقول : أخبرني أبو سلمة بن سفيان ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن المسيب العابدي ، عن عبد الله بن السائب ، قالَ : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح بمكة ، فاستفتح بسورة المؤمنين ، حتى جاء ذكر موسسى وهارون -أو ذكر عيسى- محمد بن عباد يشك ، أو اختلفوا عليهِ - أخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - سعلة فركع . وعبد الله بن السائب حاضر ذَلِكَ .\rوخرجه -أيضا- من طريق حجاج ، عن ابن جريج ، وقال فيهِ : وعبد الله بن عمرو بن العاص - في أحد الرواة الثلاثة عن ابن السائب .\rوقيل : إنه وهم ، فإن عبد الله بن عمرو هذا ليس بابن العاص .\rوكذا رواه أبو عاصم ، عن ابن جريج ، كما رواه عنه عبد الرزاق وحجاج .\rورواه يحيى بن سعيد عن ابن جريح ، فقال : - مرة - : عن أبي سفيان ، عن عبد الله بن السائب .\rورواه ابن عيينة ، عن جريح ، عن ابن أبي ملكية ، عن ابن السائب .\rوقال أبو حاتم الرازي : هو خطأ من ابن عيينة .\rو (( السعلة )) : من السعال ، قيد كثير من الناس بفتح السين . وقيل : إنه ، وهم ، وإن الصواب بضمها . والله أعلم .\rوهذا الحديث : قد يستدل به على قراءة السورة في الركعتين ، وقد سبق ذكر ذلك ، إلا أنه ليس فيه تصريح بأنه أتمها في الركعة الثانية ، فإنما يستدل به على جواز قراءة أول السور في ركعة .\rوأكثر العلماء على أنه لا يكره قراءة أوائل السور وأوساطها وخواتمها في الصلاة.\rوقد روي عن ابن مسعود ، أنه كان يقرأ في المفروضة بخواتيم السور وعن أحمد ، يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها .\rوعنه ، أنه يكره قراءة أواخر السور .\rكذا حكاها طائفة من أصحابنا عن أحمد ، ومنهم من حملها على كراهة المدوامة على ذلك دون فعله أحياناً ؛ لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الغالب عليهم قراءة السورة التامة ، فيكره مخالفتهم في أفعالهم .\rثم قال البخاري :\rوقرأ عمر في الركعة الأولى بمئة وعشرين [آية] من البقرة ، وفي الثانية بسورة من المثاني .\rهذا يدل على قراءة سورة وبعض أخرى في ركعتين . وقد سبق ذكر حكم\rذلك ، وأنه غير مكروه .\rوالقرآن : ينقسم إلى (( السبع الطوال )) ، وهي : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس ، كذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما . وإلى (( المئين )) ، وهي ما كان من السور وعدد آياته مائة آية ، أو يزيد ، أو ينقص شيئا . وإلى (( المفصل )) ، وأوله الحجرات - على الأشهر و (( المثاني )) ، وهو ما عدا ذلك .","part":5,"page":247},{"id":1170,"text":"وقد سأل ابن عباس عثمان ، فقال : ما حملكم على أن عمدتم إلى (( براءة )) - وهي من المئين - وإلى الأنفال - وهي من المثاني - فجعلتموها في السبع الطوال - وذكر الحديث .\rخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه .\rوفي (( المسند )) عن واثلة بن الأسقع مرفوعا : (( أعطيت مكان التوراة السبع الطول ، وأعطيت مكان الزبور المئين ، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفصلت\rبالمفصل )) .\rوروى الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن أدريس : أبنا يزيد بن أبي زياد ، عن\rعبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن أبزى ، قال : صليت خلف عمر ، فقرأ بسورة يوسف حتى إذا بلغ { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ } [يوسف : 84 ] وقع عليه البكاء فركع ، ثم قرأ سورة النجم ، فسجد فيها ، ثم قام ، فقرأ { إذا زلزلت الأرض } .\rوهذا فيه - أيضاً - جمع قراءة سورتين في ركعة و بعض سورة في آخرى .\rقال البخاري :\rوقرأ الأحنف الكهف في الأولى ، وفي الثانية بيوسف أو يونس ، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما .\rهذا يدل على أنه لا يكره قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف ، فيقرأ في الركعة الأولى سورة ، وفي الثانية بسورة قبلها في ترتيب المصحف .\rوقد روي هذا عن عمر من وجه آخر ، وعن أنس :\rوروى وكيع بإسناده ، عن عمرو بن ميمون ، قال : أمنا عمر في المغرب فقرأ بالتين في الركعة الأولى ، ثم قرأ { وَطُورِ سِينِينَ } ، ثم قرأ في الثانية { ألم تر }\rو { لإيلاف } .\rوفي هذا جمع بين سورتين في الركعة - أيضاً .\rوروى عن أنس ، أنه قرأ في صلاة المغرب في أول الركعة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rوقد روي مثل هذا من حديث ابن عمر مرفوعاً .\rخرجه حرب الكرماني .\rولا يصح إسناده .\rوالأكثرون على أن ذلك غير مكروه . وعن أحمد رواية أنه يكره تعمد ذلك ؛ لمخالفته ترتيب المصحف .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ في قيامه من الليل سورة البقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران .\rوترتيب سور المصحف على هذا الترتيب ليس توقيفاً على الصحيح ، بل هو أمر اجتهد فيه عثمان مع الصحابة ، وحديث سؤال ابن عباس لعثمان المشار إليه فيما سبق يدل عليه .\rقال البخاري :\rوقرأ مسعود بأربعين آية من الأنفال وفي الثانية بسورة من المفصل .\rهذا الأثر رواه وكيع في (( كتابه )) ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن\rعبد الرحمن بن يزيد ، قال : أمنا عبد الله في العشاء ، فقرأ الأنفال ، فلما بلغ رأس الأربعين { ونعم النصير } ركع ، ثم قام ، فقرأ في الثانية بسورة من المفصل .\rوهذا فيه قراءة سورة وبعض أخرى في ركعتين كما تقدم عن عمر .\rقال البخاري :\r[و] قال قتادة فيمن يقرأ سورة واحدة في الركعتين ، أو يردد سورة واحدة في ركعتين : كل كتاب الله - عز وجل - .","part":5,"page":248},{"id":1171,"text":"أما قراءة سورة يقسمها في ركعتين فغير مكروه ، وقد فعله أبو بكر وعمر وغيرهما ، وقد سبق ذكره . وكذلك ترداد السورة في الركعتين كلتيهما ، قد سبق حديث الرجل الجهيني أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصبح { إذا زلزلت الأرض } في الركعتين كلتيهما ، قال : فلا أدري أنسي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أم قرأ ذلك عمداً ؟\rخرجه أبو داود .\rونص أحمد على أنه جائز في الفرض من غير كراهة .\rقال البخاري :\r774م- وقال عبيد الله بن عمر ، عن ثابت عن أنس بن مالك : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الاخلاص:1] حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى\rمعها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمة أصحابه ، فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى ، فإما أن تقرأ بها أما أن ، تدعها وتقرأ بأخرى ، فقال : ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتكم . وكان يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبروه الخبر . فقال (( يا فلان ، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ )) قال : إني أحبها قال : (( حبك إياها أدخلك الجنة )) .\rهذا الحديث خرجه الترمذي في (( جامعه )) عن البخاري : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس : حدثني عبد العزيز بن محمد ، عن عبيد الله بن عمر - فذكره وقال : حسن غريب من هذا الوجه .\rوإنما لم يخرجه البخاري - هاهنا - مسنداً ؛ لأن حماد بن سلمة رواه عن ثابت ، عن حبيب بن سبيعة ، عن الحارث ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال الدارقطني : هو أشبه بالصواب .\rوحماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه أثبت الناس في حديث ثابت ، وأعرفهم به .\rوالحارث هذا اختلف : هل هو صحابي ، أو لا ؟ فقال أبو حاتم الرازي : له صحبة . وقال الدارقطني : حديثه مرسل .\rوخرجا في (( الصحيحين )) معنى هذا الحديث من رواية أبي الرجال ، عن\rعمرة ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلاً على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم ، فيختم بـ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص:1] فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : (( سلوه لأى شيء يصنع ذلك )) ؟ فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، فأنا أحب أن أقرأها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أخبروه أن الله يحبه )) .\rوقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينهه عن ذلك .\rويدل على أنه ليس هو الأفضل ؛ لأن أصحابه استنكروا فعله وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في صلاتهم ؛ ولهذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ؟ )) .","part":5,"page":249},{"id":1172,"text":"فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسناً ، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة .\rوأكثر العلماء على أنه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة ، وروي فعله عن عمر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعلقمة ، وهو قول قتادة والنخعي ومالك ، وعن أحمد في كراهته روايتان . وكرهه أصحاب أبي حنيفة .\rقال البخاري :\r775- حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا وائل قال : جاء رجل إلى ابن مسعود ، فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة . قال : هذا كهذ\rالشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل ، سورتين في كل ركعة .\r(( الهذ )) : متابعة القراءة في سرعة ، وكرهه ابن مسعود لما فيه من قلة التدبر لما يقرءوه .\rو (( النظائر )) : قيل : إنها سميت بذلك ؛ لأنها متشابهة في الطول ، فتكون جمع نظيرة . وقيل لفظ لما [ . . .] فيكون جمع نظورة ، وهي الخيار ، يقال : نظائر الجيش بمعنى أفاضلهم وأماثلهم .\rوسمى المفصل مفصلاً لكثرة الفصول بين ، وأول المفصل سورة { ق } وروي ذلك في حديث مرفوع . وقيل : أوله [سورة] القتال . وكان ابن مسعود أول مفصله\r(( الرحمن )) ، لكن ترتيب سوره على غير هذا الترتيب .\rوقد روي تفسير هذه السور التي ذكرها ابن مسعود في روايات أخر عنه .\rوفي رواية لمسلم في هذا الحديث : ثمان عشرة من المفصل ، وسورتين من آل\rحم .\rوفي رواية لأبي داود من طريق أبي إسحاق ، عن الأسود وعلقمة ، عن عبد الله : تفسير ذلك فقال : { الرحمن } { والنجم } في ركعة ، و { اقتريب } و { الحاقة } في ركعة ، { والطور } و { والذاريات } في ركعة ، و { إذا وقعت الواقعة }\rو { نَ } في ركعة ، و { سأل سائل } { والنازعات } في ركعة ، و { ويل للمطففين } و { عبس } في ركعة ، و { المدثر } و { المزمل } في ركعة ، و { هل أتى } و { لا أقسم بيوم القيامة } في ركعة و { عم يتساءلون } { والمرسلات } في ركعة ،\rو { الدخان } و { إذا الشمس كورت } في ركعة .\rقال أبو داود : هذا تأليف من ابن مسعود .\rوليس في هذه الرواية من آل حم سوى سورة الدخان ، وهذا يخالف رواية مسلم المتقدمة : وسورتين من آل حم .\rوخرج الإمام أحمد من رواية إبراهيم ، عن نهيك بن سنان السلمي ، أنه أتى ابن مسعود فقال : إني قرأت المفصل الليلة في ركعة . فقال : هذا مثل هذ الشعر ، أو نثرا كنثر الدقل ، إنما فصل لتفصلوا ، لقد علمت النظائر التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن : عشرين سورة : { الرحمن } { والنجم } ، على تأليف ابن مسعود ، كل سورتين في ركعة ، وذكر { الدخان } و { عم يتساءلون } في ركعة .\rوخرجه يعقوب بن شيبة في (( مسنده )) ، وقال : هو حسن الإسناد .\rوفي هذه الرواية اقتران الدخان بـ { عم يتساءلون } ، وهي تخالف رواية أبي داود السابقة في اقتران الدخان بـ { إذا الشمس كورت } .","part":5,"page":250},{"id":1173,"text":"وخرج الطبراني من رواية محمد بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي وائل ، قالَ : قالَ عبد الله : لقد علمت النظائر التي كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بهن :\r{ الذاريات } ، { والطور } ، { والنجم } ، و { اقتربت } ، و { الرحمن }\rو { الواقعة } ، و { نَ } و { الحاقة } ، و { سأل سائل } و { المزمل } و { لا أقسم بيوم القيامة } و { هل أتي على الانسان } ، { والمرسلات } ، و { عم يتساءلون } ، { والنازعات } ، و { عبس } و { ويل للمطففين } ، و { إذا الشمس كورت } .\rوهذه الرواية تخالف ما تقدم ، وتلك الرواية أصح ، ومحمد بن سلمة بن كهيل تكلم فيه ، وتابعة عليه أخوه يحيى ، وهو أضعف منه .\rوخرج أبو داود من رواية عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة : هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن بين السور ؟ قالت : من المفصل .\rوالظاهر : أن حديث ابن مسعود وعائشة إنما هو في صلاة الليل .\rوخرج مسلم من حديث حذيفة ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتتح البقرة ، فقلت : يركع عند المائة ، ثم مضى ، فقلت : يصلي بها في ركعة [ فمضى ] ، فقلت : يركع بها ، ثم افتتح سورة النساء فقرأها ، ثم افتتح آل عمران فقرأها - وذكر الحديث .\rوهذا كله يدل على جواز الجمع بين السور في صلاة التطوع .\rوروى أبو العالية ، قال : أخبرني من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( لكل سورة حظها من الركوع والسجود )) .\rوخرجه الإمام أحمد .\rوقد حمل هذا - تقدير صحته - على الصلاة المفروضة .\rوروى وكيع ، عن عيسى الخياط ، عن الشعبي ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال: ما أحب أني قرنت سورتين في ركعة ، وأن لي حمر النعم .\rعيسى هذا ، فيه ضعف .\r* * *","part":5,"page":251},{"id":1174,"text":"107- باب\rيقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب\r776-حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا همام ، عن يحيى ، عن عبد الله بن أبي\rقتادة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر [ في الأوليين ] بأم الكتاب وسورتين ، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ، ويسمعنا الآية ، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في [ الركعة ] الثانية ، وهكذا في العصر ، وهكذا في الصبح .\rقد خرج البخاري هذا الحديث فيما سبق من رواية شيبان وهشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، وليس في حديثهما : ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب .\rوخرجه هاهنا من طريق همام ، عن يحيى بهذه الزيادة .\rوخرجه مسلم في (( صحيحه )) من راوية همام وأبان العطار ، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير .\rوقد سأل الأثرم الإمام أحمد عن هذه الزيادة : أثبت هي ؟ قال : روها عدة ، ورواها بعضهم عن الأوزاعي ، فقال له الأثرم : هشام لا يقولها ؟ قال نعم ، هشام لا يقولها .\rوقد ذهب أكثر العلماء إلى القول بذلك ، وأنه لا يزيد في الركعتين الأخريين والثالثة من المغرب على فاتحة الكتاب .\rوروي نحو ذلك عن علي وابن مسعود وعائشة وأبي هريرة وجابر وأبي الدرادء .\rوعن ابن سيرين ، قال :لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب .\rوقد دل على ذلك - أيضاً - : حديث سعد في الحذف في الأخريين . وقد تقدم في مواضع من الكتاب .\rوروى مالك عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعا ، في كل ركعة بأم القرآن وسورة .\rوذهب الشافعي - في أحد قوليه - أنه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في الركعات كلها .\rومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد ، وأكثر أصحابنا قالوا : لا يستحب - : رواية واحدة .\rوفي كراهيته عنه روايتان .\rوقد تقدم عن أبي بكر الصديق ، أنه قرأ في الثالثة من المغرب بعد الفاتحة :\r{ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } [آل عمران : 8 ] .\rوقد استحب أحمد ذلك في رواية .\rقال القاضي أبو يعلى : يحتمل أنه استحبه ؛ لأنه دعاء ، فإنه قال في رواية الأثرم : إن شاء قاله . قال : ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء .\rوقد تقدم من حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الركعتين الأخريين على قدر نصف قراءته في الأوليين .\rوحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أن هذا كان يفعله أحياناً لبيان الجواز ، فيدل على أنه غير مكروه ، خلافا لمن كرهه . والله أعلم\r* * *","part":5,"page":252},{"id":1175,"text":"108- باب\rمن خافت القراءة في الظهر والعصر\r777- حدثنا قتيبة : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي معمر ، قال : قلنا لخباب : أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر ؟ قال نعم . قلنا : من أين علمت ؟ قال : باضطراب لحيته .\rقد تقدم هذا الحديث من طريق عن الأعمش .\rومقصود بهذا الباب : أن قراءة الظهر والعصر تكون سراً ، وهذا مما لا اختلاف فيه بين المسلمين علماً وعملاً ، متداولا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى الآن .\rوالمخافته سنة كالجهر . وأوجب ذلك ابن أبي ليلى وقليل من الناس ، وهو وجه للمالكية .\rولأصحابنا : أنه تبطل الصلاة بتركه عمداً .\rوخرج الطبراني وابن عدي من طريق أبي الرحال البصري ، عن النضر ابن أنس ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر بالهاجرة ، فرفع صوته ، فقرأ { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } ، { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } فقال أبي بن كعب : يارسول الله ، أمرت في هذه الصلاة بشيء ؟ قال : (( لا ، ولكني أردت أن أوقت لكم صلاتكم )) .\rأبو الرحال ، اسمه : خالد بن محمد ، قال البخاري : منكر الحديث وأخرجه العقيلي من طريقه .\rوقال : لا يتابع عليه . قال : والصحيح من الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنه لم يكن يجهر في صلاة النهار بالقراءة إلا في الجمعة .\rوخرجه النسائي من رواية عبد الله بن عبيد ، قال : سمعت أبا بكر بن النضر يقول : كنا عند أنس ، فصلى بهم الظهر ، فلما فرغ قال : إني صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين بـ { )سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } و { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } .وخرجه أبو بكر بن أبي داود في (( كتاب الصلاة )) ، وعنده : أن أنسا أسمعهم قراءته في الركعتين الأوليين ، فلما قضى صلاته أقبل عليهم ، وقال : عمداً أسمعتكم قراءة هاتين السورتين ، أني صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر فقرأ بهاتين السورتين .\rوخرج الطبراني من حديث قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك الأشعري ، أنه صلى بهم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فصلى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ، يسمع من يليه - وذكر الحديث .\rوشهر بن حوشب ، مختلف فيه .\rوقد رواه عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، وذكر في حديثه : أنه أسر القراءة .\rخرجه الإمام أحمد من طريقه .\rوهو أصح ، وعبد الحميد أحفظ لحديث شهر بن حوشب بخصوصه من غيره .\rولو صح شيء من ذلك لحمل على أنه جهر لإرادة تعليم القراءة وقدرها وروي هذا المعنى عن أنس وخباب بن الأرت .\rولهذا المعنى روي عن عمر الجهر بالاستفتاح ، عن ابن عباس الجهر بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة .\rوأما الجهر بالتطوع في النهار ؛ فإن كانَ في صلاة جماعة ويطول فيهِ القراءة كصلاة الكسوف ، فإنه يجهر فيهِ بالقراءة ، وستأتي المسألة في مواضع آخر - إن شاء الله تعالى -.","part":5,"page":253},{"id":1176,"text":"وكذا لو صلى الكسوف وحده جهر فيها - : نص عليه أحمد .\rوأما غير ذلك من التطوع فالأكثرون على أنه لا يجهر فيها بالقراءة .\rقالَ أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود : قراءة النهار عجماء .\rوقال الحسن : صلاة النهار عجماء .\rأي : لا تسمع فيها قراءة .\rوكثير من العلماء جعله حديثاً مرفوعاً ، منهم : ابن عبد البر وابن الجوزي ، ولا أصل لذلك .\rوحكى عن أبي حامد الإسفراييني ، سأل الدارقطني عنه فقال : لا أعرف صحيحاً ولا فاسداً .\rوروى أبو عبيد في كتابه (( غريب الحديث )) حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن\rأبيه ، عن أبي سلمة ، قال : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن حذافة يقرأ في المسجد ، يجهر يالقراءة في صلاة النهار ، فقال : (( يابن حذافة سمع الله ولا تسمعنا )) .\rوقد رواه بعضهم ، فجعله : عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - موصولا وإرساله أصح - : قاله الدارقطني وغيره .\rوروى وكيع ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قالوا : يارسول الله ، إن هاهنا قوم يجهرون بالقرآن بالنهار ؟ فقال : (( ارموهم بالبعر )) .\rمراسل يحيى بن أبي كثير ضعيفة .\rوقد رواه يوسف بن يزيد الدمشقي ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن بريدة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فوصله .\rوهو خطأ لا أصل له - : قاله صالح بن محمد الحافظ وغيره .\rويوسف هذا ، ضعيف .\rوروي موصولا من وجوه أخر ، لا تصح .\rوروي ابن أبي شيبة بإسناده ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ، أنه سمع رجلا يجهر بالقراءة نهاراً ، فدعاه فقال : إن صلاة النهار لا يجهر فيها فأسر قراءتك .\rورخصت طائفة في الجهر في التطوع بالنهار إذا لم يؤذ أحداً ، وهو قول النخعي والثوري وإسحاق ، وروي - أيضاً - عن خالد بن معدان وسعيد بن جبير .\rوقال بشر بن حرب : رأيت ابن عمر يصلي بالنهار ، فكان يسمعنا قراءته وبشر بن حرب ، تكلموا فيه .\rولأصحابنا وجه : أنه لابأس به .\r109- باب\rإذا أسمع الإمام الآية\r778- حدثنا محمد بن يوسف : ثنا الأوزاعي : حدثني يحيى بن أبي كثير : حدثني عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها ، في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر و [ صلاة ] العصر ويسمعنا الآية أحياناً ، وكان يطيل في الركعة الأولى .\rقوله : (( كان يسمعنا الآية أحياناً )) ظاهرة : أنه كان يقصد ذلك ، وقد يكون فعله ليعلمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر ، فإنه حصل لبعضهم شك في ذلك كما تقدم .\rوقد يكون فعله ليعلمهم هذه السورة المعينة ، كما روي ذلك عن أنس وغيره ؛ أو ليبين جواز الجهر في قراءة النهار ، وأن الصلاة لا تبطل به .","part":5,"page":254},{"id":1177,"text":"وقالت طائفة من العلماء : لم يكن إسماعهم الآية أحياناً عن قصد ، إنما كا يقع اتفاقاً عن غير قصد ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ لنفسه سراً ، فربما استغرق في تدبر ما يقرأه ، أو لعله كان يقصد تحقيق القراءة ، فيقع سماع قراءته للآية أحياناً لذلك من غير أن يتعمد إسماعهم ، أو أن يكون وقع الإسماع منه على وجه السهو وفي هذا نظر .\rقال الشافعي : لا نرى بأسا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن ليعلم من خلفه أنه يقرأ . قال : وهم يكرهون هذا ، ويوجبون السهو على من فعله .\rيشير إلى أهل الكوفة .\rواختلف كلام الإمام أحمد في ذلك :\rفنقل عنه حنبل في قراءة النهار : ترى للرجل أن يسمع من يليه ؟ قال : الحرف ونحو ذلك ، ولا يغلط صاحبه ؛ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمعهم الآية أحياناً وقال : صلاة النهار عجماء لا يجهر فيما .\rونقل عنه إسماعيل بن سعيد الشالنجي في الإمام يسمع من يليه ، فكره ذلك في صلاة النهار ، وقال : لا أرى عليه سهوا في ذلك - أي : سجود سهو .\rوروى الشافعي بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه سمع قراءة في الظهر والعصر .\rقال الشافعي : وهذا عندنا لا يوجب سهواً - يعني : سجوداً .\rوروى وكيع في (( كتابه )) عن سيف المكي ، عن مجاهد ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بـ { كهيعص } .\rوروى الجوزجاني بإسناده ، عن أبي عثمان النهدي ، قالَ : سمعت من ابن عمر نغمة من { ق } في صلاة الظهر .\rوروى حماد بن سلمة ، عن حميد وثابت وقتادة والتيمي ، أن أنساً صلى بهم الظهر والعصر ، وكان يسمعهم النغمة أحياناً .\rوروى عنه مرفوعاً .\rووقفه أصح - : قاله أبو حاتم والدار قطني وغيرهما .\rوروي عن خباب بن الأرت ، أنه قرأ بهم في الظهر بـ { إذا زلزلت } ، فسمع قراءته حتى تعلمها من خلفه .\rوعنه : قرأ بهم في العصر { إذا زلزلت } فجهر بها .\rوقال علقمة : صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود بالنهار ، فلم أدر أي شيء قرأ ، حتى سمعته يقول : { رب زدني علماً } ( طه : 114 ) ، فظننته يقرأ { طه } .\rوقال النخعي : كان بعضهم يسمعهم الآية في الظهر والعصر .\rوخرج النسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا الظهر ، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات .\rواختلفوا فيمن جهر فيما يخافت فيه : هل يسجد للسهو ، أم لا ؟\rفقالت طائفة : لا يسجد ، وروي عن أنس وعلقمة والأسود ، أنهم فعلوه ولم يسجدوا .\rوهو قول الأوزاعي والشافعي .\rوقال النخعي والثوري وأبوحنيفة : يسجد لذلك .\rوعن أحمد فيه روايتان .\rوقال مالك : إن تطاول ذلك سجد للسهو ، ولا أرى عليه في السر سهوا .\rواستدل أحمد بأنه لا يجب السجود لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسمع منه نغمة في صلاة الظهر ، وبأن أنساً جهر فلم يسجد .\rقلت : المروي عن الصحابة قد تقدم أنه كان عمداً منهم فعلوه ؛ لتعليم من وراءهم سنة القراءة ، والعمد لا يسجد له .","part":5,"page":255},{"id":1178,"text":"وفيه رد على من قال : تبطل صلاته بتعمد الجهر فيما يسر فيه ، كما تقدم .\rفقد حكي عن ابن أبي ليلى ، أنه تبطل الصلاة بتركه عمداً ونسياناً وهو بعيد جداً .\r* * *","part":5,"page":256},{"id":1179,"text":"110- باب\rيطول في الركعة الأولى\r779- حدثنا أبو نعيم : ثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطول في الركعة الأولى من صلاة الظهر ، ويقصر في الثانية ، ويفعل ذلك في صلاة الصبح .\rفي هذه الرواية : التطويل في الركعة الأولى من صلاة الظهر والصبح .\rوقد سبق من حديث همام ، عن يحيى بن أبي كثير ذكر التطويل في الأولى من العصر - أيضاً .\rوكذا في بعض النسخ من رواية شيبان ، عن يحيى .\rوقد خرجها في (( باب : القراءة في الظهر )) .\rوقد سبق الكلام على التطويل في الأولى من الصلوات في (( باب : القراءة في الظهر )) فلا حاجة إلى إعادته هاهنا .\r* * *","part":5,"page":257},{"id":1180,"text":"111- باب\rجهر الإمام بالتأمين\rوقال عطاء : أمين دعاء ، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة ، وكان أبو هريرة ينادي الإمام : لا تسبقني بآمين .\rوقال نافع : كان ابن عمر لا يدعه ، ويحضهم ، وسمعت منه في ذلك خبراً .\rقال عبد الرزاق : أنا ابن جريج : قلت لعطاء : كان ابن الزبير يؤمن على إثر أم القرآن ؟ قال : نعم ، حتى إن للمسجد للجة . قال : إنما آمين دعاء قال : وكان أبو هريرة يدخل المسجد ، وقد قام الإمام فيه ، فيقول : لا تسبقني بآمين .\rوروى يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كان مؤذنا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين ، فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين .\rوروى عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، قالَ : قالَ بلال : يارسول الله ، لا تسبقني بآمين .\rوهذا مرسل .\rوخرجه أبو داود ، وعنده عن أبي عثمان ، عن بلال .\rوهو خطأ - : قاله أبو حاتم الرازي . قال : وهو مرسل .\rوقيل : إن أبا عثمان لم يسمع من بلال بالكلية ؛ لأنه قدم المدينة في خلافة\rعمر ، وقد كان بلال انتقل إلى الشام قبل ذلك .\rوقد رواه هشام بن لاحق ، عن عاصم ، عن أبي عثمان ، عن سلمان ، عن\rبلال ، فوصله .\rوهشام ، تركه الإمام أحمد وغيره .\rوقول عطاء في آمين : إنها دعاء ، يريد به - والله أعلم - أن معنى آمين اللهم استجب ، ونحو هذا من الدعاء .\rوفي (( سنن أبي داود )) عن أبي زهير النميري - وكان من الصحابة - أنه كان يقول : إذا دعا أحدكم بدعاء فليختمه بآمين ؛ فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة . وذكر أنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، قال : فأتينا على رجل قد ألح في المسألة ، فوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمع منه ، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أوجب إن ختم بآمين )) .\rوخرج ابن عدي بإسناد ضعيف ، عن أبي هريرة - مرفوعاً - : (( آمين قوة الدعاء )) .\rوفي (( آمين )) لغتان : المد ، والقصر ، والميم مخففة ، وحكي عن بعضهم تشديدها ، وقالوا : معناها قاصدين نحوك . وزعم بعضهم أن آمين اسم من أسماء الله . وفيه أقوال أخر لا تكاد تصلح .\rو (( اللجة )) - بفتح اللام وتشديد الجيم - : اختلاط الأصوات والضجات\rو (( الرجة )) - بالراء - مثلها .\rوقول أبي هريرة : (( لا تسبقني بآمين )) يدل على فضل شهود المأموم مع إمامه آمين .\rوروي عن أبي الدرداء ، أنه سمع إقامة الصلاة ، فقالَ : أسرعوا بنا ندرك آمين .\rوقد قال وكيع : من أدرك آمين مع إمامه فقد أدرك معه فضلية تكبيرة الإحرام .\rوأنكر الإمام أحمد ذلك ، وقال : لا تدرك فضلية تكبيرة الإحرام إلا بإدراكها مع الإمام .\rقال البخاري :\r780- حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، أنهما أخبراه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r(( إذا أمن الإمام فأمنوا ؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر لهُ ما تقدم من ذنبه )) .","part":5,"page":258},{"id":1181,"text":"وقال ابن شهاب : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( آمين )) . قول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - :\r(( آمين )) هوَ مما أرسله الزهري في آخر الحديث . وقد روي عن الزبيدي ، عن الزهري بهذا الإسناد ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته ، فقالَ :\r(( آمين )) .\rخرجه الدارقطني .\rوقال : إسناده حسن .\rكذا قال ، ووصله وهم ، إنما هو مدرج من قول الزهري ، كما رواه مالك .\rوروي ابن وهب هذا الحديث ، عن مالك ويونس ، عن الزهري ، وزاد فيه بعد قوله : (( إذا أمن الإمام فأمنوا )) : (( فإن الملائكة تؤمن )) - وذكر باقي الحديث .\rخرجه البيهقي .\rوخرجه ابن ماجه بهذه الزيادة - أيضاً - من رواية سفيان ، عن الزهري .\rدل هذا الحديث على أن الإمام والمأمومين يؤمنون جميعاً ، وهذا قول جمهور أهل العلم .\rروي عن أبي بكر وعمر وابن عمر وأبي هريرة .\rوقال عطاء : لقد كنت أسمع الآئمة يقولون على إثر أم القرآن : أمين ، هم أنفسهم ومن وراءهم ، حتى إن للمسجد للجة .\rوبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد .\rوهو رواية المدنيين عن مالك واختيارهم .\rوروى ابن القاسم ، عن مالك ، أن الإمام لا يؤمن ، إنما يؤمن من خلفه ، وهو اختيار المصريين من أصحابه .\rوحملوا قوله : (( إذا أمن الإمام فأمنوا )) على أن المراد بتأمين الإمام دعاؤه بقراءة آخر الفاتحة ، بدليل رواية أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا قال الإمام { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقولوا : آمين )) وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله .\rوليس فيه ما يدل على أن الإمام لا يؤمن ، بل فيه دليل على اقتران تأمين المأمومين بتأمين الإمام .\rوقد خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث معمر ، عن الزهري ، عن ابن\rالمسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا قال الإمام { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقولوا : آمين ، فإن الملائكة تقول : آمين ، وإن الإمام يقول : آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه )) .\rواختلفوا في الجهر بها على ثلاثة أقوال :\rأحدها : يجهر بها الإمام ومن خلفه ، وهو قول عطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن أبي شيبة ، وعامة أهل الحديث .\rواستدل بعضهم بقوله : (( إذا أمن الإمام فأمنوا )) فدل على سماعهم لتأمينه وروي عن عطاء ، قال : أدركت مائتين من أصحاب محمد ، إذا قال الإمام : { وَلا الضَّالِّينَ } سمعت لهم ضجة بـ(( آمين )) .\rخرجه حرب .\rوالثاني : يخفيها الإمام ومن خلفه ، وهو قول الحسن والنخعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأصحابة .\rوالثالث : يخفيها المأموم كما يخفي سائر الأذكار ، ويجهر بها الإمام ، وهو قول للشافعي .","part":5,"page":259},{"id":1182,"text":"ومن أصحابه من حمله على حال على قلة المأمومين أو صغر المسجد بحيث يبلغهم تأمين الإمام ، فإن لم يكن كذلك جهر المأمومون قولا واحداً .\rوفي الجهر بالتأمين للإمام أحاديث مرفوعة يطول ذكرها .\rوقال الإمام أحمد - في رواية أبي داود - : يجهر الإمام حتى يسمع كل من في المسجد . قال أبو داود : وكان مسجده صغيراً .\rوقال حرب : سمعت أحمد يجهر بآمين جهراً خفيفاً رقيقاً ، وربما لم أسمعه يجهر بها . قال : وسمعت إسحاق قال : يجهر بها حتى يسمع الصف الذي يليه . قال : ويجهر بها كل صف حتى يسمع الصف الذي يليهم ، حتى يؤمن أهل المسجد كلهم .\rويكون تأمين المأمومين مع تأمين الإمام ، لا قبله ولا بعده عند أصحابنا وأصحاب الشافعي ، وقالوا : لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير هذا ، فإن الكل يؤمنون على دعاء الفاتحة ، والملائكة يؤمنون - أيضاً - على هذا الدعاء ، فيشرع المقارنة بالتأمين للإمام والمأموم ، ليقارن ذلك تأمين الملائكة في السماء ؛ بدليل قوله في رواية معمر :\r(( فإن الملائكة تقول : آمين ، والإمام يقول : آمين )) ، فعلل باقتران تأمين الإمام والملائكة ، ويكون معنى قوله (( إذا أمن الإمام فأمنوا )) - أي : إذا شرع في التأمين ، أو أراده .\rوورد أثر يدل على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام ، من رواية ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله بن عتاب العدوي ، قال : صليت مع أبي بكر وعمر والأئمة بعدهما ، فكان إذا فرغ الإمام من قراءة فاتحة الكتاب فقال : { وَلا الضَّالِّينَ } قال : آمين ، ورفع بها صوته ، ثم أنصت ، وقال من خلفه : آمين ، حتى يرجع الناس\rبها ، ثم يستفتح القراءة .\rإسناده ضعيف .\rوتأمين الملائكة هو على دعاء القارئ ، هذا هو الصحيح الذي يفهم من\rالحديث .\rوقد ذكر ابن عبد البر وغيره فيهِ أقوالاً أخر ، مرغوباً عن ذكرها ؛ لبعدها وتعسفها من غير دليل .\rوقد قال عكرمة : إذا أقيمت الصلاة فصف أهل الأرض صف أهل السماء ، فإذا قال أهل الأرض : { وَلا الضَّالِّينَ } قالت الملائكة : آمين ، فوافق آمين أهل الأرض آمين لأهل السماء ؛ غفر لأهل الأرض ما تقدم من ذنوبهم .\rوروى العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قرأ الإمام بأم القرآن فاقرأ بها واسبقه ؛ فإنه إذا قال : { وَلا الضَّالِّينَ } قالت الملائكة : آمين . فمن وافق ذلك قمن أن يستجاب لهم .\rولا يستجب أن يصل آمين بذكر آخر ، مثل أن يقول : آمين رب العالمين ؛ لأنه لم تأت به السنة ، هذا قول أصحابنا .\rوقال الشافعي : هو حسن :\rولا يسحتب أن يقدم على التأمين دعاء ؛ لأن التأمين على دعاء الفاتحة ، وهو هداية الصراط المستقيم ، وهو أهم الأدعية وأجلها .\rومن السلف من استحب ذلك للمأموم ، منهم : الربيع بن خثيم والثوري .","part":5,"page":260},{"id":1183,"text":"وروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة )) حدثنا أبو مالك النخعي ، عن المغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : إذا قال الإمام : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فسل موجبة ، ثم قل : آمين .\rأبو مالك هذا ، ضعيف .\rوروى أبو بكر النهشلي ، عن أبي إسحاق عن أبي عبد الله اليحصبي ، عن وائل بن حجر ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } قال :\r(( رب اغفر لي ، آمين )) .\rخرجه البيهقي وغيره .\rوهذا الإسناد لا يحتج به .\rوروى أبو حمزة ، عن إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يستحبون ذلك .\rوأبو حمزة ، هو ميمون الأعور ، ضعيف .\rوظاهر الأحاديث : يدل على أن يوصل التأمين بالفاتحة من غير سكوت .\rوروى ابن المبارك : ثنا عاصم الأحوال ، عن حفصة بنت سيرين ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : إذا قرأ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } ووصل بآمين ، فوافق تأمينه تأمين الملائكة استجيبت الدعوة .\rحفصة ، لم تسمع من ابن مسعود .\rواستحب الشافعية أن يسكت بين الفاتحة والتأمين سكتة لطيفة ؛ ليفصل القرآن عما ليس منه .\rوالتأمين سنة في الصلاة ، وليس بواجب عند جمهور العلماء .\rوروى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ ، عن أحمد ، قال : آمين أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا أمن القارئ فأمنوا )) فهذا أمر منه ، والأمر أوكد من الفعل .\r* * *","part":5,"page":261},{"id":1184,"text":"112- باب\rفضل التأمين\r781- حدثنا عبد الله بن يوسف : ثنا مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا قال أحدكم آمين [ و ] قالت الملائكة في السماء : آمين ، فوافقت إحدهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه )) .\rوخرج مسلم من رواية يونس ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا قال أحدكم في الصلاة : آمين ، والملائكة في السماء : آمين ، فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه )) .\rومن رواية سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا قال القارئ : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقال من خلفه : آمين ، فوافق قوله قول أهل السماء ، غفر له ما تقدم من ذنبه )) .\rوروى إسحاق بن راهوية : حدثنا جرير : ثنا ليث ، عن كعب ، عن أبي\rهريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا قال الإمام { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقال : آمين ، فوافق آمين أهل الأرض آمين أهل السماء ، غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه . ومثل من لا يقول : آمين كمثل رجل غزا مع قوم فاقترعوا ، فخرجت سهامهم ولم يخرج سهمه ، فقال : لم لم يخرج سهمي ؟ فقيل : إنك لم تقل آمين )) .\rقال أبو هريرة : وكان الإمام إذا قال : { وَلا الضَّالِّينَ } جهر بآمين .\rكعب هذا ، قال أحمد : لا أدري من هو . وقال أبو حاتم : مجهول لا يعرف .\rوقد ذكرنا - فيما تقدم - أن الحديث على ظاهره ، وأن الملائكة في السماء تؤمن على قراءة المصلين في الأرض للفاتحة .\rوفي (( صحيح مسلم )) من رواية العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( قال الله - عز وجل - : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما\rسأل ، فإذا قال العبد : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قال الله : حمدني عبدي ، فإذا قال : { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قال الله : أثنى على عبدي ، فإذا قال { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } قال : مجدني عبدي - وقال مرة : فوض إلي عبدي - وقال مرة : فوّض إلي عبدي - { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قالَ : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل فإذا قال : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } قال : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل )).\rفهذا الحديث يدل على أن الله يستمع لقراءة المصلي حيث كان مناجيا له ، ويرد عليه جواب ما يناجيه به كلمة كلمة ، فأول الفاتحة حمد ، ثم ثناء ، وهو تثنية الحمد وتكريره ، ثم تمجيد ، والثناء على الله بأوصاف المجد والكبرياء والعظمة ، ثم ينتقل العبد من الحمد والثناء والتمجيد إلى خطاب الحضور ، كأنه صلح حينئذ للتقريب من الحضرة فخاطب خطاب الحاضرين ، فقال { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .","part":5,"page":262},{"id":1185,"text":"وهذه الكلمة قد قيل : أنها تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها ؛ لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة ، كما قالَ : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }\r[ الذاريات : 56 ] ، وأنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك ، فالعبادة حق الله على عباده ، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم ، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده ؛ لأن العبادة حق الله على عبده ، والإعانة من الله فضل من الله على عبده .\rوبعد ذلك الدعاء بهداية الصراط المستقيم ؛ صراط المنعم عليهم ، وهم الأنبياء وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين ، كما ذكر ذلك في سورة النساء .\rفمن استقام على هذا الصراط حصل له سعادة الدنيا والآخرة ، واستقام سيره على الصراط يوم القيامة ، ومن خرج عنه فهو إما مغضوب عليه ، وهو من يعرف طريق الهدى ولا يتبعه كاليهود ، أو ضال عن طريق الهدى كالنصارى ونحوهم من المشركين .\rفإذا ختم القارئ في الصلاة قراءة الفاتحة ، أجاب الله دعاءه فقال : (( هذا لعبدي ولعبدي ماسأل )) . وحينئذ تؤمن الملائكة على دعاء المصلى ، فيشرع للمصلين موافقتهم في التأمين معهم ، فالتأمين مما يستجاب به الدعاء .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا قال الإمام : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقولوا : آمين ، يجبكم الله )).\rولما كان المأموم مأموراً بالإنصات لقراءة الإمام ، مأموراً بالتأمين على دعائه عند فراغ الفاتحة ؛ لم يكن عليهِ قراءة ؛ لأنه قد أنصت للقراءة ، وأمن على الدعاء ، فكأنه دعا ؛ كما قال كثير من السلف في قول الله تعالى لموسى وهارون : { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } [ يونس :89 ] . قالوا : كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فسماهما داعيين.\r* * *","part":5,"page":263},{"id":1186,"text":"113 - باب\rجهر المأموم بالتأمين\r782- حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا قال الإمام : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } فقولوا آمين ؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه )) .\rتابعة : محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونعيم المجمر ، عن أبي هريرة .\rحديث محمد بن عمرو الذي أشار إليه :\rخرجه البيهقي ، ولفظه : (( إذا قال القارئ { وَلا الضَّالِّينَ } فقال من خلفه : آمين ، فوافق ذلك قول أهل السماء آمين ؛ غفر له ما تقدم من ذنبة )).\rوحديث نعيم المجمر ، عن أبي هريرة .\rخرجه النسائي ولفظه : عن نعيم ، قال : صليت وراء أبي هريرة ، فقرأ\r(( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، ثم قرأ بأم القرآن ، حتى بلغ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } ، فقال : آمين . فقال الناس : آمين ، ويقول كلما سجد : الله أكبر ، وإذا قام من الجلوس من الاثنتين : الله أكبر ، وإذا سلم قال : والذي نفسي بيده ، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوحديث أبي صالح الذي خرجه البخاري وحديث محمد بن عمرو الذي أشار إليه : استدل بهما من يقول : إن الإمام لا يؤمن ولا يجهر بالتأمين ؛ فإنه أمر المأموم أن يؤمن عقيب فراغ الإمام من قراءة : { وَلا الضَّالِّينَ } .\rوأجاب عنه من قال : يؤمن جهراً ، بأنه إشارة إلى أن تأمينه يكون مع تأمين الإمام لا بعده ؛ فإنه قد سبق في رواية بأن الإمام يقول : آمين . والملائكة تقول : آمين .\rوأجاب بعضهم - كالخطابي - ، بأنه يحتمل أن يكون هذا محمولا على من بعد عن الإمام ولم يسمع تأمينه ، وسمع قراءته ؛ فإن جهر الإمام بالتأمين دون جهره بالقراءة فقد يسمع قراءته من لا يسمع تأمينه .\rوأما حديث نعيم ، عن أبي هريرة ، فلا حجة فيه ؛ فإن أبا هريرة أمن على قراءة نفسه حيث كان إماماً ، وقال : إني أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوفي استدلال البخاري بقوله : (( فقولوا : آمين )) على جهر المأموم بالتأمين نظر ، إلا أن يقال : قد سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين قول الإمام : ((ولا الضالين )) وقول المأوم : آمين ، وسماهما قولا ، وجعل قول المأموم كالمجاوبة للإمام ، وقول المأموم إنما يكون\rجهراً ؛ لأن هذا الخطاب مختص بالصلاة الجهرية بالاتفاق فيكون مجاوبته بالتأمين جهراً -\rأيضا .\r* * *","part":5,"page":264},{"id":1188,"text":"كتاب الأذان\r(تابع )\r114-باب\rإذا ركع دون الصف\r783-حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا همام ، عن الأعلم - وهو : زياد - ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع ، فركع قبل أن يصل إلى الصف ، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ((زادك الله حرصاً ولا تعد )) .\rفي إسناد هذا الحديث شيئأن :\rأحدهما : أنه اختلف فيه على الحسن :\rفرواه زياد الأعلم وهشام ، عن الحسن ، عن أبي بكرة.\rوفي رواية : عن زياد ، عن الحسن ، أن أبا بكرة حدثه - فذكره .\rخرَّجه أبو داود .\rورواه يونس وقتادة ، واختلف عنهما :\rفقيل : عنهما كذلك .\rوقيل : عنهما ، عن الحسن -مرسلاً - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكرة .\rوكذا روي ، عن حماد بن سلمة ، عن زياد الأعلم- أيضاً .\rخرَّجه من طريقه أبو داود .\rالثاني : أنه اختلف في سماع الحسن من أبي بكرة ، فأثبته ابن المديني والبخاري وغيرهما ، وكذلك خرج حديثه هذا ، ونفاه يحيى بن معين - : نقله عنه ابن أبي خيثمة .\rويؤيده : أنه روي عن الحسن مرسلاً ، وأن الحسن روى عن الأحنف ، عن أبي بكرة حديث : ((إذا التقى المسلمأن بسيفيهما )) .\rوهذا مما يستدل به على عدم سماعه منه ، حيث أَدخل بينه وبينه في حديث آخر واسطةً.\rوقد روى هشام بن حسأن ، عن الحسن ، أنه دخل مع أنس بن مالك ٍعلى أبي بكرة وهو مريض .\rوروى مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : أخبرني أبو بكرة - فذكر حديث صلاة الكسوف .\rإلا أن مبارك بن فضاله ليس بالحافظ المتقن .\rوقال الشافعي في حديث أبي بكرة هذا : إسناده حسن .\rوقد استدل بهذا الحديث على مسألتين .\rالمسألة الأولى :\rمن أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة ، وإن فاته معه القيام وقراءة\rالفاتحة .\rوهذا قول جمهور العلماء ، وقد حكاه إسحاق بن راهويه وغيره إجماعا من\rالعلماء . وذكر الإمام أحمد في رواية أبي طالب أنه لم يخالف في ذلك أحد من أهل الإسلام ، هذا مع كثرة اطلاعه وشدة ورعه في العلم وتحريه .\rوقد روي هذا عن عليٍ وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابتٍ وأبي هريرة - في رواية عنه رواها عبد الرحمن بن إسحاق المديني ، عن المقبري ، عنه .\rوذكر مالك في ((الموطأ )) أنه بلغه عن أبي هريرة، أنه قال : من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة .\rوهو قول عامة علماء الأمصار .\rثم من رأى أن القراءة لا تجب على المأموم استدل به على أن القراءة غير لازمة للمأموم بالكلية ، ومن رأى لزوم القراءة له كالشافعي قال : إنها تسقط ها هنا للضرورة وعدم التمكين منها .\rوجعله إسحاق دليلاً على أن القراءة لا تجب إلا في ثلاث ركعاتٍ من الصلاة .\rولازم هذا : أنه لو أدرك الركوع في ركعةٍ من الصبح أنه لا يعتد بها ؛ لأنه فاتته القراءة في نصف الصلاة .\rوهذا التفصيل محدث مخالف الإجماع .\rوقد روي أن الصلاة التي ركع فيها أبو بكرة هي صلاة الصبح ، وسيأتي - إن شاء الله .","part":6,"page":1},{"id":1189,"text":"وذهبت طائفة إلى أنه لا يدرك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام ، لأنه فاته مع الإمام القيام وقراءة الفاتحة ، وإلى هذا المذهب ذهب البخاري في (( كتاب القراءة خلف الإمام )) ، وذكر فيه عن شيخه علي بن المديني أن الذين قالوا بإدراك الركعة بإدراك الركوع من الصحابة كانوا ممن لا يوجب القراءة خلف الإمام ، فأما من رأى وجوب القراءة خلف الإمام ، فأنه قال : لا يدرك الركعة بذلك ، كأبي هريرة ، فأنه قال : للمأموم : أقرأ بها في نفسك . وقال : لا تدرك الركعة بإدراك الركوع .\rوخرَّج البخاري في ((كتاب القراءة )) من طريق ابن إسحاق : أخبرني الأعرج ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام : قائماً قبل أن تركع .\rثم ذكر أنه رأى ابن المديني يحتج بحديث ابن إسحاق ، ثم أخذ يضَّعف عبد الرحمن بن إسحاق المديني الذي روى عن المقبري ، عن أبي هريرة خلاف رواية ابن إسحاق ، ووهَّن أمره جداً .\rوقد وافقه على قوله هذا ، وأن من أدرك الركوع لا يدرك به الركعة ، قليل من المتأخرين من أهل الحديث ، منهم : ابن خزيمة وغيره من الظاهرية وغيرهم وصَّنف فيه أبو بكر الصبغي من أصحاب ابن خزيمة مُصنفاً .\rوهذا شذوذٌ عن أهل العلم ومخالفةٌ لجماعتهم .\rوقد روي عن زيد بن وهب ، أنه أدرك الركوع وقضى تلك الركعة ، وهذا يحتمل أنه شك في إدراكها إدراكاً يعتد به ، فلا ينسب به إليه مذهب .\rوقد روي عن ابن عمر ، أنه إذا امترى : هل ركع قبل رفع إمامه أم لا ، لم يعتد بتلك الركعة ، وهو قول جمهور العلماء .\rوأيضا ؛ فقد قال زيد بن وهب : إنه كان وابن مسعودٍ ، وإنهما ركعا دون الصف ، قال : فلما فرغ الإمام قمت أقضي ، وأنا أرى أني لم أدرك .\rفقال ابن مسعودٍ : قد أدركته.\rفتمام الرواية يدل على أن ما فعله قد أنكره عليه ابن مسعود ، ولم يكن أحد من التابعين يصر على فعله مع إنكار الصحابة عليه .\rوالمروي عن أبي هريرة قد اختلف عنه فيه ، وليس عبد الرحمن بن إسحاق المديني عند العلماء بدون ابن إسحاق ، بل الأمر بالعكس ؛ ولهذا ضَّعف ابن عبد البر وغيره رواية ابن إسحاق ، ولم يثبتوها ، وجعلوا رواية عبد الرحمن مقدمة على روايته .\rقال ابن عبد البر في المروي عن أبي هريرة : في إسناده نظر . قال :\rولا نعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال به . وقد روي معناه عن أشهب .\rوعبد الرحمن بن إسحاق هذا يقال له : عباد . وثَّقه ابن معين . وقال أحمد : صالح الحديث .\rوقال ابن المديني : هو عندنا صالح وسط -: نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة ، وأنه قال في محمد بن إسحاق كذلك : إنه صالح وسط .\rوهذا تصريح منه بالتسوية بينهما .\rونقل الميموني ، عن يحيى بن معين ، أنه قال في محمد بن إسحاق :\rضعيف . وفي عبد الرحمن بن إسحاق الذي يري عن الزهري : ليس به بأس . فصرح بتقديمه على ابن إسحاق .\rوقال النسائي : ليس به بأس . وقال أبو داود : محمد بن إسحاق قدري معتزلي ، وعبد الرحمن بن إسحاق قدري ، إلا أنه ثقة .","part":6,"page":2},{"id":1190,"text":"وهذا تصريح من أبي داود بتقديمه على ابن إسحاق ، فأنة وثقه دون ابن إسحاق ، ونسبه إلى القدر فقط ، ونسب ابن إسحاق إلى القدر مع الاعتزال .\rوعامة ما أنكر عليه هو القدر ، وابن إسحاق يشاركه في ذلك ويزيد عليه ببدع أخر كالتشيع والاعتزال ؛ ولهذا خرَّج مسلم في (( صحيحه )) لعبد الرحمن بن إسحاق ولم يخّرج لمحمد بن إسحاق إلا متابعة .\rوأيضاً ؛ فأبو هريرة لم يقل : إن من أدرك الركوع فاتته الركعة ؛ لأنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب كما يقوله هؤلاء ، إنما قال : لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائماً قبل أن يركع ، فعلل بفوات لحوق القيام مع الإمام .\rوهذا يقتضي أنه لوكبر قبل أن يركع الإمام ، ولم يتمكن من القراءة فركع معه كان مدركاً للركعة ، وهذا لا يقوله هؤلاء ، فتبين أن قول هؤلاء محدث لا سلف لهم\rبه .\rوقد روي عن أبي سعيد وعائشة : لا يركع أحدكم حتى يقرأ بام القرآن .\rهذا - إن صح - محمول على من قدر على ذلك وتمكن منه .\rوقد أجاب البخاري في (( كتاب القراءة)) عن حديث أبي بكرة بجوأبين :\rأحدهما : أنه ليس فيه تصريح بأنه اعتد بتلك الركعة .\rوالثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن العود إلى ما فعله .\rفأما الأول ، فظاهر البطلان ، ولم يكن حرص أبي بكرة على الركوع دون الصف إلا لإدراك الركعة ، وكذلك كل من أمر بالركوع دون الصف من الصحابة ومن بعدهم أنما أمر به لإدراك الركعة ، ولو لم تكن الركعة تدرك به لم يكن فيه فائدة بالكلية ، ولذلك لم يقل منهم أحد : أن من ادركه ساجداً فأنه يسجد حيث أدركته السجدة ، ثم يمشي بعد قيام الإمام حتى يدخل الصف ، ولو كان الركوع دون الصف للمسارعة إلى متابعة الإمام فيما لا يعتد به من الصلاة ، لم يكن فرق بين الركوع والسجود في ذلك .\rوهذا أمر يفهمه كل أحد من هذه الأحاديث والآثار الواردة في الركوع خلف الصف ، فقول القائل : لم يصرحوا بالاعتداد بتلك الركعة هو من التعنت والتشكيك في الواضحات ، ومثل هذا إنما يحمل عليه الشذوذ عن جماعة العلماء، والأنفراد عنهم بالمقالات المنكرة عندهم .\rفقد أنكر ابن مسعود على من خالف في ذلك ، واتفق الصحابة على موافقته ، ولم يخالف منهم أحدٌ ، إلا ما روي عن أبي هريرة ، وقد روي عنه من وجه أصح منه أنه يعتد بتلك الركعة .\rواما الثاني ، فإنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرة عن الإسراع إلى الصلاة ، كما قال : ((لا تأتوها وأنتم تسعون )) ، كذلك قاله الشافعي وغيره من الأئمة ،وسيأتي الكلام على ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعإلى .\rوكان الحامل للبخاري على ما فعله شدة إنكاره على فقهاء الكوفيين أن سورة الفاتحة تصح الصلاة بدونها في حق كل أحدٍ ، فبالغ في الرد عليهم ومخالفتهم ، حتى التزم ما التزمه مما شذ فيه عن العلماء ، واتبع فيه شيخه ابن المديني ، ولم يكن ابن المديني من فقهاء أهل الحديث ، وأنما كان بارعا في العلل والأسانيد .","part":6,"page":3},{"id":1191,"text":"وقد روي عن النبي ، أن (( من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة )) ، من حديث أبي هريرة ، وله طرق متعددة عنه . ومن حديث معاذ وعبد الرحمن بن الأزهر وغيرهم . وقد ذكرناها مستوفاة في (( كتاب شرح الترمذي )) .\rوأكثر العلماء على أنه لا يكون مدركا للركعة إلا إذا كبر وركع قبل أن يرفع إمامه ، ولم يشترط أكثرهم أن يدرك الطمأنينة مع الإمام قبل رفعه .\rولأصحابنا وجه باشتراط ذلك .\rومن العلماء من قال : إذا كَّبر قبل أن يرفع إمامه فقد أدرك الركعة ، وإن لم يركع قبل رفعه ، منهم : ابن أبي ليلى والليث بن سعد وزفر ، وجعلوه بمنزلة من تخَّلف عن إمامه بنومٍ ونحوه .\rولكن الجمهور إنما قالوا بالمتخلف بالنوم ونحوه أنه يركع ثم يلحقه ؛ لأنه كان متابعاً له قبل الركوع فيغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء .\rوروي عن هؤلاء الثلاثة - أيضاً.\rوعن الحسن بن زياد -أيضاً - : أنه إذا كبر بعد رفع رأسه من الركوع قبل أن يسجد اعتد له بالركعة .\rوقد تقدم عن الشعبي ، أنه قال : إذا أنتهيت إلى الصف المؤخر ، ولم يرفعوا رءوسهم ، وقد رفع الإمام رأسه ، فركعت معهم ، فقد أدركت ، لأن بعضهم أئمة لبعض .\rالمسألة الثانية :\rأن من صلى خلف الصف وحده ، فإنه يعتد بصلاته ، ولا إعادة عليه ، فإن أبا بكرة ركع خلف الصف وحده ، ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة صلاته .\rوقد استدل بذلك الشافعي وغيره من الأئمة .\rوممن روي عنه الركوع دون الصف والمشي راكعاً : ابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ وابن الزبير ، وكان يعلّم الناس ذلك على المنبر .\rوروي عنه أنه قال : هو السنة .\rوورد - أيضاً - أنه فعله ، ولم يصححه الإمام أحمد عنه ،وذكر أن الصحيح عنه النهي عنه .\rوروي -أيضاً - فعله عن أبي بكر الصديق .\rخرَّجه البيهقي بإسنادٍ منقطعٍ .\rوهو قول سعيد بن جبير وعطاء ، وقالا : يركع وإن لم يصل إلى صف النساء ، ثم يمشي .\rقال عطاء : ويرفع مع إمامه ، ويسجد حين تدركه السجدة ، فإن تشهد إمامه عقب ذلك تشهد معه ، ثم قام إذا قام إلى الثالثة ، فدخل في الصف حينئذٍ .\rوممن رأي الركوع دون الصف والمشي راكعاً : زيد بن ثابت وعروة ومجاهد وأبو سلمة وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وابن جريج ومعمر .\rوقاله القاسم والحسن : بشرط أن يظن أنه يدرك الصف .\rووجه هذا : أن المشي في الصلاة عملٌ فيها ، فيغتفر فيه اليسير دون الكثير ؛ فأنه منافٍ الصَّلاة فيبطلها ، وهذا مخالف لقول سعيد بن جبير وعطاء : أنه يركع من حين دخوله المسجد خلف صفوف النساء .\rوحكى ابن عبد البر عن مالكٍ والليث : لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف ، ويمشي إلى الصف إذا كان قريباً قدر ما يلحق .\rوذكر عن القاضي إسماعيل ، أن ابن القاسم روى عن مالكٍ : أنه لا يركع دون الصف ، إلا أن يطمع أن يصل إلى الصف قبل رفع الإمام رأسه .","part":6,"page":4},{"id":1192,"text":"قال : وقال غيره : له أن يركع خلف الصف ، ويتم ركعته ، كما له أن يصلي خلف الصف وحده . قال : وهو قول مالكٍ وأصل مذهبه قبل أن يرفعوا رءوسهم .وقال الزهري والأوزاعي : إن كان قريباً من الصفوف فعل ، وإلا لم يفعل .\rوكذلك قاله الإمام أحمد -: نقله عنه ابن منصور .\rوقالت طائفة : لا يركع حتى يقوم في الصف .\rرواه محمد بن عجلان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : إذا دخلت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف .\rوروي مرفوعاً ، ووقفه أصح .\rوروي-أيضاً- النهي عن ذلك عن الحسن والنخعي .\rوهو رواية عن أحمد - : نقلها عنه أبو طالبٍ والحسن بن ثوابٍ والاثرم وغيرهم .\rوقالت طائفة : أن كان منفرداً لم يركع حتى يدخل الصف ، وإن كان مع غيره ركعوا دون الصف ، وهو قول إسحاق وأبي بكر بن أبي شيبة ، ونقله إسحاق بن هأنئ ، عن أحمد ، وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة .\rومن العجائب : أن البخاري ذكر في (( كتاب القراءة خلف الإمام )) أن المروي عن زيد بن ثابت لا يقول به من خالفه في هذه المسألة ، فإنه قال :روى الأعرج ، عن أبي أمامة بن سهلٍ ، قال : رأيت زيد بن ثابت ركع وهو بالبلاط لغير القبلة ، حتى دخل في الصف .\rثم قال : وقال هؤلاء : إذا ركع لغير القبلة لم يجزئه . أنتهى .\rوهذه رواية منكرة لا تصح ، وإنما ركع زيد للقبلة ؛ كذلك رواه الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، قال : رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع ، فاستقبل فكبر ، ثم ركع ، ثم دب راكعاً حتى وصل الصف .\rخرَّجه عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عنه .\rورواه ابن وهب ، عن يونس وابن أبي ذئب ، عن ابن شهابٍ : أخبرني أبو أمامة بن سهل ، أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكعٌ . فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل الصف وهو راكعٌ كبر ، فركع ، ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف .\rوهذه الرواية تدل -أيضاً- على أنه كبر مستقبل القبلة ، ولا يمكن غير ذلك\rالبتة . فأما من قال : تصح صلاة المنفرد خلف الصف وحده و [ ... ] حديث أبي بكرة على ذلك .\rوالقول بصحة الصلاة فذاً خلف الصف : قول مالك وأبي حنيفة والثوري - في أشهر الروايتين عنه - والشافعي وابن المبارك والليث بن سعد . وروي عن أبي جعفر محمد بن عليٍ .\rوأما القائلون بأنه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف : الحسن بن صالح والأوزعي - فيما حكاه ابن عبد البر ، وخَّرجه حرب بإسناده ، عنه - وقول أحمد وإسحاق ووكيع ويحيى بن معينٍ وابن المنذر ، وأكثر أهل الظاهر ، ورواية عن الثوري ، رواها عصام ،\rعنه .\rوروي -أيضاً- عن النخعي وحمادٍ والحكم وابن أبي ليلى .\rوقيل : أنه لم يصح عن النخعي ، وأنه إنما قال: يعتد بها ، فصحفها من قرأها فقال : يعيدها .\rوروي ذلك عن شريك ، أنه قاله .\rفهؤلاء لهم في الجواب عن حديث أبي بكرة طريقأن :\rأحدهما : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن ذلك ، فلا تصح الصلاة بعد النهي عنه ، وتصح إذا لم يعلم النهي .\rقال أحمد ، في رواية أبي طالب في الرجل يركع دون الصف ، وهو جاهلٌ :","part":6,"page":5},{"id":1193,"text":"أجزأه . وقيل له : لا يعيد ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكرة : ((لا تعد )) فأجاز له صلاته لما لم يعلم ، ونهاه أن يصلي بعد ذلك ، فقال : (( زادك الله حرصا ولا تعد )) . قيل له : فإن كان لا يعلم ، يقول : صلى فلأن وصلى فلأن ؟\rقال : لا تجزئه صلاته ، يعيد الصلاة ، قال أبو هريرة : لا يركع أحدكم حتى يأخذ مقامه من الصف .\rففرق بين الجاهل والمتأول ، فأمر بالاعادة دون الجاهل .\rوهذه الرواية إختيار الخرقي وابن أبي موسى وجماعة من متقدمي الأصحاب .\rوقال بعض الأصحاب : أن هذا مطرد فيمن لم يتم الركعة وهو فذ ، منهم : القاضي في (( شرح المذهب)) .\rومنهم من قال : بل يطرد ، ولو أتم الركعة فذاً.\rولم يذكر أكثرهم أنه مطرد فيما لو صلى -فذاً -الصلاة كلها جاهلاً بالنهي .\rفظاهر كلام أحمد وتعليله يدل على أنه مطرد فيه - أيضاً -، وقد حكاه بعضهم رواية عن أحمد .\rوقد حكى أبو حفص وغيره من أصحابنا فيمن فعل كفعل أبي بكرة -مع العلم بالنهي - هل تبطل صلاته ؟ روايتين عن أحمد .\rفادخلوا في ذلك من كبرَّ ثم دخل في الصف قبل رفع الإمام .\rوفي هذا الطريق نظر ؛ فأن الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاعادة في حديث وابصة ابن معبد الظاهر أنه لم يكن عالماً بالنهي ، ولم يسأله : هل علم النهي أم لا .\rوالطريق الثاني : أن أبا بكرة دخل في الصف قبل رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه .\rوقد خرَّج حديثه أبو داود ، وقال فيه : ثم مشى حتى دخل في الصف .\rوخَّرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من وجه أخر ، عن الحسن ، عن أبي بكرة .\rوحينئذٍ ، فقد زالت فذوذيته قبل أن تفوته الركعة ، فيعتد له بذلك .\rوعلى هذا يحمل ما روي عن الصحابة في ذلك -أيضاً .\rوقد اشار أحمد إلى هذا -أيضاً- في رواية أبي الحارث ،وسأله عن رجل كَّبر قبل أن يدخل في الصف وركع دون الصف ؟ فقال : قد كبر أبو بكرة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((زادك الله حرصاً ، ولا تعد )) ولم يأمره أن يعيد -أيضاً .\rوقد روي ، عن ابن مسعودٍ وزيدٍ ، أنهما ركعا دون الصف .\rوهذه الرواية تخالف ما رواه الأثرم وغيره ، أنه قال : لا يعجبني فعل زيد وابن مسعود ، ورده بحديث أبي بكرة .\rولكن هذه الرواية توافق رواية ابن منصور المتقدمة بجواز الركوع خلف الصف ، إذا ظن أنه يصل إليه قبل رفع الإمام.\rوقد استدل طائفة من أصحابنا ، منهم : أبو حفص البرمكي لهذه الرواية بحديث أبي بكرة ، وحملوا قوله : (( ولا تعد)) على شدة السعي إلى الصلاة ، كما قاله\rالشافعي .\rوذكر ابن عبد البر أن معنى قوله : (( ولا تعد )) عند العلماء : لا تعد إلى الإبطاء عن الصلاة حتى يفوتك منها شيء.\rوهذا بعيد جداً ، ولا يعرف هذا عن أحد من العلماء من المتقدمين .","part":6,"page":6},{"id":1194,"text":"وقد روى الإمام أحمد من طريق عبد العزيز بن أبي بكرة ، عن أبي بكرة ، أنه جاء والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكع ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوت نعلي أبي بكرة وهو يحضر ؛ يريد أن يدرك الركعة ، فلما أنصرف قال : (( من الساعي ؟ )) قال أبو بكرة : أنا . قال : ((زادك الله حرصا ، ولا تعد )) .\rوفي رواية عبد العزيز : بشار الخياط ، وهو غير معروف .\rوخَّرجه ابن عبد البر من بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن جده ، أنه دخل المسجد -ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس ، وهم ركوع - ، فسعى إلى الصف ، فلما أنصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من الساعي ؟ )) قال أبو بكرة : أنا يا رسول الله . قال : (( زادك الله حرصاً ، ولا تعد )).\rوبكار ، فيه ضَّعف .\rوخَّرجه البخاري في \"كتاب القراءة خلف الإمام \" بإسناد ضعيف ،عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح ، فسمع نفساً شديداً - أو بهراً - من خلفه ، فلما قضى الصلاة قال لأبي بكرة : ((أنت صاحب هذا النفس ؟ )) قال : نعم يا رسول الله ، خشيت أن تفوتني ركعة معك ، فاسرعت المشي . فقال له : (( زادك الله حرصاً ، ولا تعد ، صل ما أدركت ، وأقض ما سُبقت )) .\rوفي إسناده : عبد الله بن عيسى الخزاز ، ضعفوه .\rوفي هاتين الروايتين : ما يدل على اعتداده بتلك الركعة ، وهذا أمر غير مشكوكٍ فيه ، وأنما يحتاج إليه لتعنت من يتعنت .\rومن أغرب ما روي في حديث أبي بكرة : ما خرَّجه عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن رجل ، عن الحسن ، قال : التفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( زادك الله حرصاً ، ولا تعد )) قال : فثبت مكانه .\rوهذا يوهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ذلك في الصلاة ، وأنه لم يدخل الصف ، فيستدل به على أن كلام الإمام لمصلحة الصلاة عمداً غير مبطل ، ويستدل به -أيضاً- على صحة صلاة الفذ وحده ، ولكنها مرسلة ، في إسنادها مجهول ، وابن جريج كان يدلس عن الضعفاء ومن لا يعتمد عليه كثيراً .\rوعلى هذه الطريقة : فهل يختص جواز الركوع دون الصف بمن أدرك الركوع في الصف ، أو لا يختص بذلك ؟\rظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور أنه يختص بمن أدرك الركوع في الصف ؛ لأنه إنما أجاز الركوع خلفه لمن ظن أنه يدركه ، فأنه إذا زالت فذوذيته في حال\rالركوع ، فلم يصل ركعة فذاً ، والمنهي عنه أن يصلي فذاً ركعةً فأكثر ، وأما إذا زالت فذوذيته قبل أن يرفع من الركوع فقد أدرك الركعة في الصف ، فلا يكون بذلك فذاً ؛ ولهذا لو قام خلف الإمام اثنأن فأحرم أحدهما قبل إحرام الآخر ، لم يكن في تلك الحالة فذاً بالاتفاق .\rوقد حكي عن جماعة من أصحابنا الاتفاق على تكبيرة الإحرام فذاً ، لكن منهم من قال : كان القياس بطلأنها ، وإنما ترك لحديث أبي بكرة .\rوحكى ابن حامد -من أصحابنا - أنه تبطل تكبيرة الفذ خلف الإمام كالركوع .","part":6,"page":7},{"id":1195,"text":"وهذا إذا لم يكن لغرض إدراك الركعة ، فأما أن كان لغرض إدراك الركعة ، فهي المسألة التي سبق ذكرها .\rوقد نص أحمد على التفريق بين أن يصل إلى الصف قبل رفع الإمام رأسه وبعده .\rوفي رواية حرب ، قال : لا بأس أن يركع دون الصف إذا أدرك الإمام راكعاً .\rقلت : فأن رفع الإمام رأسه قبل أن يصل هو إلى الصف ، فكانه أحب أن لا يعتد بهذه الركعة .\rومن الأصحاب من حكى فيما إذا زالت فذوذيته بعد الركوع وقبل السجود ، فهل تصح صلاته ؟ على روايتين .\rكذلك حكى ابن أبي موسى في (( كتابه )) ، وحكاه -أيضاً- جماعة بعده .\rوحكاها -أيضاً- من المتقدمين أبو حفص ، وقال : روى أبو داود ، عن أحمد - فيمن ركع دون الصف ، ثم مشى حتى دخل الصف ، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف - : تجزئه ركعة ، فإن صلى خلف الصف وحده ، أعاد الصلاة .\rوظاهر هذه الرواية أنه يجزئه ، ولو دخل في الصف بعد رفع إمامه ، ما لم يصل ركعة كاملة وحده ، وليس في حديث أبي بكرة أنه دخل في الصف قبل رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - .ووجه ذلك : أنه أدرك معظم الركعة في الصف ، وهو السجدتان ، فاكتفى بذلك في المصافة .\rوقد قال بعض التابعين : أنه يكتفي بذلك في ادراك الركعة - أيضاً .\rوإنما أبطل أحمد ومن وافقه صلاة الفذ خلف الصف ؛ لحديث وابصة ، وله طرق، من أجودها : رواية شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن هلال بن يسافٍ ، عن عمرو بن راشدٍ ، عن وابصة بن معبدٍ ، أن رجلاً صلى خلف الصف وحده ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد الصلاة .\rخرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه .\rوخَّرجه ابن حبان -أيضاً- من طريق زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد.\rوخَّرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حصين ، عن هلال بن يسافٍ ، عن\rزياد بن أبي الجعد ، عن وابصة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوحسَّنه الترمذي .\rورواه -أيضاً - منصور ، عن هلال بن يساف .\rكذلك خرَّجه أبو القاسم البغوي في \" معجمه \" .\rوأشار إلى ترجيح رواية حصين بمتابعة منصور له .\rورجح أحمد وأبو حاتم الرازي رواية عمرو بن مرة .\rورجح عبد الله الدارمي والترمذي رواية حصين ؛ لأن الحديث معروف عن\rزياد بن أبي الجعد ، عن وابصة من غير طريق هلال بن يساف ، فإنه رواه يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن عبيد بن أبي الجعد ، عن وابصة .\rوقد خرَّجه من هذه الطريق ابن حبان في (( صحيحه )) -أيضاً- ، وذكر أن هلال بن يساف سمعه من زياد بن أبي الجعد ، ومن عمرو بن راشد ، كلاهما عن وابصة من غير واسطة بينهما .\rورجح الترمذي صحة ذلك ، وأن هلالاً سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد .\rوقد روي من وجوه متعدده ما يدل لذلك .\rوقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطراباً في الحديث يوجب التوقف ، وإلى ذلك يميل الشافعي في الجديد ، وحكاه عن بعض أهل الحديث ، بعد أن قال في القديم : لو صح قلت به . فتوقف في صحته .\rوممن رجح ذلك : البزار وابن عبد البر .","part":6,"page":8},{"id":1196,"text":"وأنكر الإمام أحمد على من قال ذلك ، وقال : إنما اختلف عمرو بن مرة\rوحصين . وقال : عمرو بن راشد معروف.\rوكذلك يحيى بن معين أخذ بهذا الحديث ، وعمل به ، حكاه عنه عباس الدوري ، وهو دليل على ثبوته عنده .\rوقد روي هذا الحديث عن وابصة من وجوه أخر .\rوروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر ، من أجودها : رواية ملازم بن عمرو ، عن عبد الله بن بدر ، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبأن ، عن أبيه علي بن شيبأن ، قال : خرجنا حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فبايعناه وصلينا خلفه . قال : ثم صلينا وراءه صلاة أخرى ، فقضى الصلاة ، فرأى رجلاً فرداً يصلي خلف الصف وحده ، فوقف عليه نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أنصرف ، قال : (( استقبل صلاتك ، لا صلاة للذي خلف الصف )) .\rخرَّجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وهذا لفظه .\rوفي رواية للامام أحمد : (( فلا صلاة لفرد خلف الصف )) .\rوكذلك خرَّجه ابن خزيمة وابن حبان في (( صحيحهما )) .\rوقال الإمام أحمد : حديث ملازم في هذا -أيضاً- حسن .\rورواته كلهم ثقات من أهل اليمامة ، فأن عبد الله بن بدر ثقة مشهور ،وثقه يحيى بن معينٍ وأبو زرعة والعجلي وغيرهم .\rوملازم ، قال الإمام أحمد : كان يحيى القطان يختاره على عكرمة بن عمار ، ويقول : هو أثبت حديثاً . وقال ابن معين : هو ثبت ، وهو من أثبت أهل اليمامة .\rوعبد الرحمن بن علي بن شيبأن ،مشهور ، وروى عنه جماعة من أهل اليمامة ،وذكره ابن حبان في (( الثقات )).\rوقد قال الإمام أحمد : لا اعرف لحديث وابصة مخالفاً .\rيعني : لا يعرف له حديثاً يخالفه ، فإن حديث أبي بكرة يمكن الجمع بينه وبينه بما تقدم ، والجمع بين الأحاديث والعمل بها أولى من معارضة بعضها ببعض ، واطرادها واطراحها بعضها ، إذا كان العمل بها كلها لا يؤدي إلى مخالفة ما عليه السلف الأول .\rوقد تأول بعضهم قوله : (( لا صلاة لفذ خلف الصف )) على نفي الكمال دون الصحة : ويرد هذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالإعادة .\rواختلف أصحابنا : هل تقع صلاة الفذ باطلة غير منعقدة ، أو تنقلب نفلا ؟ لهم فيه وجهان .\rوأختار ابن حمادٍ وغيره أنها تنقلب نفلاً ، وظاهر كلام الخرقي أنها تبطل بالكلية .\rوتظهر فائدتها لو صلى ركعة فذاً خلف الصف ، ثم جاء آخر فصف معه في الركعة الثانية ، فإن قلنا : صلاته باطلة ، فالثاني فذ - أيضاً - وإن قلنا : هو متنفل صحت مصافته .\rولأصحابنا وجه آخر : أن جماعته تبطل وتصح صلاته منفرداً .\rوهو مروري عن النخعي ، قال : صلاته تامةٌ وليس له تضعيفٌ .\rخرَّجه البيهقي .\rوعلى هذا ، فيكون أمره بالإعادة في الجماعة ليحصل ثوابها ومضاعفتها ، وليس ذلك في الحديث .\rوقد يستدل به أن على من صلى منفرداً فعلية الإعادة ، كما يقوله من يجعل الجماعة شرطاً لصحة الصلاة .\rوهذا الوجه -أعني : بطلأن جماعته وصحة صلاته منفرداً - جزم به ابن عقيل من أصحابنا في موضع من كتابه ((الأصول)).","part":6,"page":9},{"id":1197,"text":"وحكى في موضع آخر منه وجهين : أحدهما : كذلك ، وعلله بأن البطلأن يختص بالجماعة ، فيصح فرضه ويكون منفرداً . والثاني : يبطل فرضه وتصير صلاته نفلاً .\rالوجهأن مطردأن في كل صلاة وجد فيها خلل يعود إلى الجماعة خاصة ؛ كمن صلى فذاً قدام الإمام ، أو أنتقل من الجماعة إلى الإنفراد لغير عذر ، أو عكسه ، أو أئتم بمن لا يجوز الإئتمام به .\rومن أصحابنا من قال : أن لم يعلم امتناع ذلك أنقلبت الصلاة نفلاً ، وإن علم ففي البطلأن وأنقلابها نفلاً وجهأن ، والأظهر الأول .\rوإن صلى الفذ خلف الصف لا يسقط فرضه ، وعليه إعادتها كما نص عليه أحمد وأكثر أصحابه .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤكد أمر الصفوف وتعديلها وتسويتها ، وهي من خصائص هذه الأمة كما سبق ذكره ، فالمصلي في جماعة من غير مخل بما يلزم من القيام في الصف ، فعليه الإعادة إذا تركه عمداً ، وهو عالم بالنهي ، قادر على الصلاة في الصف . فأما إن كان جاهلاً ففيه خلاف سبق ذكره . وإن كان عاجزاً ففيه خلاف يأتي ذكره - إن شاء الله تعإلى .\rوقد عارض بعضهم حديث وابصة بحديث ابن عباس ، لما صلى عن يسار النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، فأداره من ورائه إلى يمينه ، قال : فهو في حال إدارته فذ .\rوهذا ليس بشيء ، فإن المصلي في صف إذا زال اصطفافه ثم عاد سريعا على وجه أكمل من الأول لم يضره ذلك ، كما أن الإمام في صلاة الخوف تفارقه طائفة ، ويبقى منتظراً لطائفة أخرى ، ولا يضره ذلك . والله أعلم .\rونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه : أن صلى الصلاة كلها خلف الصف أعاد صلاته ، فأن صلى ركعة فذاً ، ثم جاء أخر فقام إلى جنبه ، فإنه يعيد تلك الركعة ، فلم تبطل سوى ركعته التي كان فيها فذاً ، وأمره أن يبني على تكبيرة الإحرام ومذهب أحمد : أنه إذا صلى ركعةً تامةً في أول صلاته فذاً أنه يعيد صلاته كلها واختلفت الرواية عنه : إذا صلى ركعة في الصف ثم صار فذاً.\rونقل مهنا عن أحمد في رجل صلى يوم الجمعة ركعة وسجدتين في الصف ، ثم زحموه ، فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده : يعيد تلك الركعة التي صلاها وحده .\rونقل عنه بعض أصحابه : أنه يعيد الصلاة كلها في هذه المسألة ، منهم : ابناه صالح وعبد الله والأثرم وغيرهم .\rوحمل القاضي أبو يعلى في (( خلافه الكبير )) رواية حنبلٍ على أحد وجهين :\rأحدهما : ما أومأ إليه أبو بكر : أن الصلاة في هذه الحال أنعقدت في الصف ، وإنما صار فذاً في أثنائها ، ولا يمتنع أن ينافي الابتداء في الاستدامة ، كالعدة والردة والإحرام في عقد النكاح .\rوالثاني : أنه في هذه الحال صار فذاً بغير اختياره ، فهي حال ضرورة .\rهكذا حكى القاضي أبو يعلى وأصحابه مذهب أحمد .\rوحكى أبو حفص الخلاف عن أحمد فيمن صلى ركعة فذاً : هل تبطل ركعته\rفقط ، أم صلاته كلها ؟ وحكى في ذلك روايتين ، وسوَّى بين الركعة الأولى وغيرها ، ولم يفرق بين حال ضرورة وغيرها .","part":6,"page":10},{"id":1198,"text":"وذكر أن الحسن بن محمد روى عن أحمد ، قال : إذا ركع ركعة سجد ، ثم دخل في الصف ، يعيد التي صلاها ولا يعيد الصلاة كلها .\rقال أبو حفصٍ : والأصح عندي أنه يعيد ما صلى دون الصف حسب ، فيعيد الركعة أو الركعتين ، ولا يعيد ما صلى مع غيره ، قال : لأن تكبيرة الإحرام لم تفسد لأنه لا يختلف قوله أنه إذا كبر وحده أنها صحيحة .\rفصرح أبو حفص بأنه لو صلى ركعتين فذاً ، ثم دخل في الصف ، أو وقف مع غيره أنه يعيد ما صلى فذاً وحده .\rورد القاضي أبو يعلى قوله - فيما قرأته بخطه - بأن القياس يقتضي بطلان الصلاة فذاً في تكبيره والركوع ، لأن ما أبطل جميع الصلاة يفسد بعضها ، كالحدث . قال : إنما أجاز ذلك القدر لحديث أبي بكرة .\rيعني : أن أحمد اجاز صلاة الفذ إذا لم يتم الركعة فذاً ، لحديث أبي بكرة .\rفإن دخل في الصف ، أو قام معه آخر قبل رفع الإمام ، فمن الأصحاب من قال : يصح له ركعة بغير خلافٍ ، لإدراكه الركعة في الصف ، ومنهم من حكى فيه روايتين أيضاً .\rوأن كان ذلك بعد أن رفع وقبل السجود ففيه روايتأن :\rأصحهما : أنه لا يعتد بتلك الركعة ، لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به\rالركعة .\rوالثانية : لأنه أدرك في الصف السجدتين ، وهما معظم الركعة .\rوفي بطلأن صلاته من أصلها وبنائه على تكبيرته روايتأن - أيضاً - ، على ما حكاه أبو حفص .\rوأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فقالوا : تبطل صلاته روايةً واحدةً .\rوأكثر النصوص عن أحمد تدل على البطلأن . والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":11},{"id":1199,"text":"115-باب\rإتمام التكبير في الركوع\rقاله ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوفيه : مالك بن الحويرث .\r784-حدثنا إسحاق الواسطي : ثنا خالد ، عن الجريري ، عن أبي العلاء ، عن مطرف ، عن عمرأن بن حصين، قال : صلى مع عليٍ -رضي الله عنه - بالبصرة، فقال : ذكرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر أنه كان يكَّبر كلما رفع وكلما وضع .\r[ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ].\rمضطرب إسناده ، والحسن بن عمرأن مجهول ، وابن عبد الرحمن بن أبزى ، قيل : أنه عبد الله ، وقيل : أنه سعيد .\rقال أحمد : هو أشبه .\rوروي أنه محمد ، ومحمد هذا غيرُ معروفٍ .\rوفسر الإمام أحمد نقص التكبير بأنهم لا يكبرون في الأنحطاط للسجود ، ولا في الانحطاط للسجدة الثانية : نقله عنه ابن منصور .\rونقل عن إسحاق ، أنه قال : إنما نقصوا التكبير للسجدة الثانية خاصةً .\rوقد روي عن أبي موسى الأشعري ، قال : لما صلى خلف علي بالبصرة مثل قول عمران بن حصينٍ ، لقد ذكرنا علي بن أبي طالب صلاة كنا نصليها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إما نسيناها ، وإما تركناها عمداً ، يكَّبر كلما خفض ، وكلما رفع ، وكلما سجد .\rخرَّجه الإمام أحمد .\rوفي إسناده اختلاف ؛ رواه أبو إسحاق السبيعي ، واختلف عنه :\rفقيل : عنه ، عن الاسود بن يزيد ، عن أبي موسى .\rوقيل : عنه ، عن بريد بن أبي مريم ، عن أبي موسى .\rوقيل : عنه ، عن بريد بن أبي مريم ، عن رجل من بني تمميم ، عن أبي موسى .\rورجَّحه الدارقطني .\rولذلك لم يخّرج حديثه هذا في ((الصحيح )) .\rوأكثر العلماء على التكبير في الصلاة في كل خفضٍ ورفعٍ ، وقد كان ابن عمر وجابر وغيرهما من الصحابة يفعلونه ويامرون به .\rوممن روي عنه إتمام التكبير : عمر بن الخطاب وابن مسعودٍ وعلي وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس .\rوروى عبد الرحمن بن الأصم ، قال : سمعت أنس بن مالك قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يتمون التكبير.\rخرَّجه الإمام أحمد .\rوخَّرجه النسائي ، وزاد فيه : وعثمان .\rوقال سفيان عن منصور ، عن إبراهيم : أول من نقص التكبير زياد .\rوقال : ثوير بن أبي فاختة ، عن أبيه ، عن ابن مسعود : أن اول من نقص التكبير : الوليد بن عقبة ، فقال ابن مسعود : نقّصوها نقَّصهم الله .\rخرَّجه البزار وغيره .\rوخرَّج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعود ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكَّبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود ، وأبو بكر وعمر .\rزاد النسائي : وعثمان .\rوكان بنو أمية ينقصون التكبير ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، والظن به أنه لم تبلغه السنة الصحيحة في ذلك ، ولو بلغته لكان أتبع الناس لها .\rوروي عن القاسم وسالم وسعيد بن جبيرٍ ، أنهم كانوا لا يتمون التكبير .\rذكره ابن المنذر وغيره .\rوقد سبق تفسير ترك إتمام التكبير ، ومن فهم عنهم أنهم كانوا لا يكبرون في الصلاة غير تكبيرة الإحرام فقد وهم فيما فهم .","part":6,"page":12},{"id":1200,"text":"وأما ما حكاه ابن عبد البر ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يكَّبر إذا صلى وحده ، وذكر أن أحمد بن حنبل حكاه عنه في رواية ابن منصور . فهذا وهم منه -رحمه الله - على أحمد ، فأن مراد أحمد التكبير في أدبار الصلوات أيام التشريق .\rويدل عليه : أن أحمد في تمام هذه الرواية حكى - أيضاً -، عن قتادة ، أنه كان يكَّبر إذا صلى وحده ، ثم قال : واحب الي أن يكَّبر من صلى وحده في الفرض ، وأما النافلة فلا .\rولم يرد أحمد أن صلاة النافلة لا يكَّبر فيها للركوع والسجود والجلوس ، فإن هذا لم يقله أحمد قط ، ولا فَّرق أحد بين الفرض والنفل في التكبير .\rوأما حديث ابن أبزى ، فقد تقدم الكلام على ضعفه ، ولو صح حمل على أنه لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - اتمام التكبير ، لا أنه لم يكن يكَّبر في سجوده ورفعه .\rوهكذا المروي عن عثمان ، فإنه لما كبر وضعف خفض صوته به أو أسره .\rوأكثر الفقهاء على أن التكبير في الصلاة - غير تكبيرة الإحرام - سنة ، لا تبطل الصلاة بتركه عمداً ولا سهواً .\rوذهب أحمد واسحاتق إلى أن من ترك تكبيرة من تكبيرات الصلاة عمداً فعليه الإعادة ، وأن كان سهواً فلا إعادة عليه في غير تكبيرة الإحرام .\rوأنكر أحمد أن يسمي شيء من أفعال الصلاة واقوالها سنة ، وجعل تقسيم الصلاة إلى سنة وفرض بدعة ، وقال : كل ما في الصلاة واجب ، وإن كانت الصلاة لا تعاد بترك بعضها .\rوكذلك أنكر مالك تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة ، وقال : هو كلام الزنادقة . وقد ذكرنا كلامه في موضع آخر .\rوكذلك ذكر الأبري في (( مناقب الشافعي )) بإسناده عن الواسطي ، قال : سمعت الشافعي يقول : كل أمور الصلاة عندنا فرض .\rوقال -أيضاً - : قرأت عن الحسين بن علي ، قال : سُئل الشافعي عن فريضة الحج ؟ قال : الحج من أوله إلى آخره فرض ، فمنه ما إن تركه بطل حجة ، فمنه\rالإحرام ، ومنه الوقوف بعرفات ، ومنه الافاضة .\rوقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : كل شيء في الصلاة مما ذكره الله فهو فرض .\rوهذا قيد حسن .\rوسمى أصحاب أحمد هذه التكبيرات التي في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام واجبات ، لأن الصلاة تبطل بتركها عمداً عندهم .\rوحكي عن أحمد رواية أن هذه التكبيرات من فروض الصلاة ، لا تسقط الصلاة بتركها عمداً ولا سهواً .\rوحكي عنه رواية أخرى : إنها فرض في حق غير المأموم ، وأما المأموم فتسقط عنه بالسهو .\rوروي عن ابن سيرين وحماد ، أنه من أدرك الإمام راكعاً وكبر تكبيرة واحدة للإحرام لم يجزئه حتى يكَّبر معها تكبيرة الركوع .\rوقال ابن القاسم -صاحب مالك -:من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد للسهو قبل السلام ، فإن لم يسجد بطلت صلاته ، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد للسو -أيضاً- ، فإن لم يفعل فلا شيء عليه .\rوروي عنه ، أن التكبيرة الواحدة لا سجود على من سها عنها .\rقال ابن عبد البر : هذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض ، وأن اليسير منه متجاوز عنه .","part":6,"page":13},{"id":1201,"text":"وأكثر أصحاب مالك على أن هذه التكبيرات تسمى سنناً ، كما يقوله أصحاب الشافعي وغيرهم ، وأن الصلاة لا تبطل بتركها عمدا ولا سهواً ، وحكي رواية عن\rأحمد .\rوقال سعيد بن جبيرٍ في التكبير : كلما خفض ورفع ، إنما هو شيء يزين به الرجل الصلاة .\rوذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : من نسي شيئاً من تكبيرات الصلاة ، أو (( سمع الله لمن حمده )) فإنه يقضيه حين يذكره .\rوهذا مذهب غريب ، وجمهور العلماء على أنه يفوت بفوات محله ، فلا يعاد في غير محله .\rواستدل من أوجب ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه قال : (( صلوا كما رأيتموني\rأصلي )) . وكان يصلي بهذا التكبير ، وقال في الإمام : (( إذا كبر فكبروا )) .\rوهذا يعم كل تكبير في الصلاة . وقال - في حديث أبي موسى - : (( فإذا كبر الإمام وركع فاركعوا )) . وكذا قال في السجود .\rخرَّجه مسلم .\rوبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الصلاة : (( إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن )) ، فدل على أن الصلاة لا تخلو من التكبير ، كما لا تخلو من قراءة القرآن ، وكذلك\rالتسبيح .\rوقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم المسيء في صلاته التكبير للركوع والسجود ، من حديث رفاعة بن رافع ، وأخبره أنه لا تتم صلاته بدون ذلك .\rخرَّجه أبو داود وغيره .\rواستدل الإمام أحمد لسقوطه بالسهو بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نسي التشهد الأول ، فأتم صلاته ، وسجد للسهو . وقد ترك بتركه التشهد التكبيرة للجلوس له ، فدل على أنها تسقط بالسهو ، ويجبر بالسجود له .\rواستدل -أيضاً -على سقوطه بالسهو بحديث : (( كان لا يتم التكبير )) ، فكأنه حمله على حالة السهو .\rالحديث الثاني :\r785-حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كان يصلي بهم ، فيكبر كلما خفض ورفع ، فاذا أنصرف قال : إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد رواه عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، أن أبا هريرة كان يكَّبر في الصلاة كلما رفع ووضع ، فقلنا : يا أبا هريرة ، فما هذا التكبير ؟ قال : إنها لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rخرَّجه مسلم .\rوقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة من وجوه متعددة ، وسيأتي بعضها فيما بعد - إن شاء الله .\rوقد استدل به بعضهم على أن التكبير لغير الإحرام غير واجب في الصلاة ، لأن هذا كان يستنكره الناس على أبي هريرة ، كما استنكره عكرمة على من صلى خلفه\rبمكة ، وكما دل حديث عمرأن بن حصين وأبي موسى على ترك الناس له .\rوخَّرجه النسائي وابن حبان في (( صحيحه )) ، من حديث سعيد بن سمعان ، قال : دخل علينا أبو هريرة المسجد ، فقال : ثلاث كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل بهن ، تركهن الناس : كان إذا قام إلى الصلاة رفع يده مداً ، وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله من فضله ، وكان يكَّبر في الصلاة كلما ركع وسجد .\rولو كان ذلك من واجبات الصلاة لما أقرت الصحابة على تركه .","part":6,"page":14},{"id":1202,"text":"وقد أجاب بعضهم بأنهم إنما تركوا الجهر به فقط ، وقد سبق عن الإمام أحمد أن نقص التكبير الذي احدثوه إنما هو ترك التكبير للسجدة الأولى والثانية ، وأن إسحاق قال : إنما تركوا التكبير للسجدة الثانية فقط .\rفلعل بني أمية كانوا يرون أن المأمومين يشاهدون الإمام في سجوده فلا يحتاج إلى إسماعهم التكبير في هذه الحال ، بخلاف رفعه فإنهم لا يشاهدونه ، فيحتاج إلى إسماعهم التكبير فيه .\rوفي هذا نظر . والله أعلم .\rوقد سبق ما يدل على أنهم تركوا تكبيرتي الركوع والسجود خاصة ، وأن علياً\r- رضي الله عنه- أحيا ما تركوه من ذلك وأماتوه .\rوروى مسعر ، عن يزيد الفقير ، قال : كان ابن عمر ينقص التكبير في الصلاة . قال مسعر : إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكَّبر ، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكَّبر .\rخرَّجه ابن أبي شيبة .\rفتفسير مسعر لنقص التكبير يدل على أن نقصه هو ترك التكبير للسجدتين معاً ، كما فسره الإمام أحمد .\rوهذه الرواية عن ابن عمر تخالف رواية مالك ، عن الزهري ، عن سالمٍ ، عن\rأبيه ، أنه كان يكَّبر كلما خفض ورفع.\rكذا رواه مالك في (( الموطأ )) .\rورواه أشهب ، عن مالك ، فزاد فيه : يخفض بذلك صوته .\rوهذه الرواية يجمع بها بين الروايتين بأن يكون سالم سمع أباه يكَّبر ويخفض صوته ، ويزيد الفقير لم يسمعه لخفض صوته ، أو لبعده عنه .\rوروى - أيضاً - عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يتم التكبير .\rونافع وسالم أعرف بابن عمر من غيرهما .\r116-باب\rاتمام التكبير في السجود\rفيه حديثان :\rالأول :\r786-حدثنا أبو النعمان : حدثنا حماد ، عن غيلان بن جرير ، عن مطرف بن عبد الله ، قال : صليت خلف علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - أنا وعمران بن حصين ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر ، وإذا نهض من الركعتين كَّبر ، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين ، فقال: لقد ذكرني هذا صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم -- أو قال : لقد صلى بنا صلاةَ محمدَ - صلى الله عليه وسلم - .\rفيه ما يستدل به على أن نقص التكبير الذي كان معهوداً بينهم : هو تركه عند السجود ، وعند القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة .\rقد روي عن طائفة من التابعين التكبير للسجود وللنهوض من الركعتين .\rوهذا يدل على أن هذا هو الذي كان تركه من نقص التكبير ، فإما التكبير للرفع من السجود فإنما ذكر - والله أعلم - تبعاً للتكبير للسجود ، ويكون المراد : أنه كان يكَّبر للهوي إلى السجود ، كما كان يكَّبر للرفع منه . والله أعلم .\rالحديث الثاني :\r787-ثنا عمرو بن عون : ثنا هشيم ،عن أبي بشرٍ ، عن عكرمة ، قال : رأيت رجلاً عند المقام كبر في كل خفضٍ ورفع ، وإذا قام وإذا وضع ، فاخبرت ابن عباس ، فقال : أو ليس تلك صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لا أم لك؟!\rمراده بالخفض : خفض الرأس للركوع والسجود .\rوبالرفع : رفعه من السجود خاصة .\rوبالقيام : قيامه من السجود ومن التشهد الأول إلى الركعة الأخرى .","part":6,"page":15},{"id":1203,"text":"وبالوضع : وضع الرأس للسجود .\rومقصود البخاري بهذا الباب : إثبات تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم - للسجود ، وهو الذي كان قد اشتهر تركه في زمن بني امية ، كما سبق .\r* * *","part":6,"page":16},{"id":1204,"text":"117-باب\rالتكبير إذا قام من السجود\rفيه حديثان :\rالأول :\r788-ثنا موسى بن إسماعيل : نا همام ، عن قتادة ، عن عكرمة ، قال : صليت خلف شيخ بمكة ، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة ، فقلت لابن عباس : إنه أحمق ، فقال : ثكلتك أمك ، سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال موسى : نا أبان : نا قتادة : نا عكرمة .\rإنما ذكر رواية أبان العطار تعليقاً ؛ لأن فيها تصريح قتادة بسماع هذا الحديث من عكرمة ، فأمن بذلك تدليسه فيه .\rوهذه الصلاة التي صلاها عكرمة خلف هذا الشيخ كانت رباعية ، فإن الصلاة الرباعية تشتمل على أربع ركعات ، في كل ركعة خمس تكبيرات تكبيرة للركوع ؛ تكبيرتان للسجدتين ، وتكبيرة للجلوس بينهما ، وتكبيرة للرفع من السجدة الثانية ، فهذه عشرون تكبيرة في الأربع . وتكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول .\rفأما صلاة المغرب ، ففيها سبع عشرة تكبيرة ؛ لأنه يسقط منها تكبيرات ركعة كاملة ، وهي خمس تكبيرات .\rوأما صلاة الفجر ، ففيها إحدى عشرة تكبيرة ، لأن في الركعتين عشر تكبيرات وتكبيرة الإحرام .\rوهذا كله في حق غير المأموم المسبوق ببعض الصلاة ، فإن المسبوق قد يزيد تكبيرة على ذلك لأجل متابعة إمامه ، كما أنه يزيد في صلاته أركانا لا يعتد بها متابعة لإمامه ، ولا سجود عليه لذلك عند الأكثرين ، وفيه خلاف سبق ذكره .\rومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن القائم من السجود إلى الركعة الثانية أو الرابعة يكَّبر في قيامة.\rالحديث الثاني :\r789ـ نا يحيى بن بكير : ناالليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكَّبر حين يقوم ، ثم يكَّبر حين يركع ، ثم يقول: (( سمع الله لمن\rحمده ))حين يرفع صلبه من الركعة ،ثم يقول وهو قائم :(( ربنا لك الحمد )) ، ثم يكَّبر حين يرفع رأسه ،ثم يكَّبر حين يسجد ،ثم يكَّبر حين يرفع رأسه ،ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ،ويكَّبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.\rقال عبد الله ،عن الليث(( ولك الحمد )) عبد الله ،هو:أبو صالح كاتب الليث .ومراده :أنه رواه عن الليث . وقال في روايته (( ربنا ولك الحمد )) بالواو ، بخلاف رواية يحيى بن بكير عن الليث ،فإنها بإسقاط الواو.وخَّرجه مسلم من طريق حجين ،عن الليث به ، وقال فيه : بمثل حديث ابن جريح.وخَّرجه قبل ذلك من طريق ابن جريح ،عن الزهري ، وفي حديثه(( ولك الحمد )) بالواو . والمقصود من هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يكَّبر حين يرفع رأسه ويقوم من السجدة الثانية ،كما كان يكبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى للجلوس بين السجدتين.\r* * *","part":6,"page":17},{"id":1205,"text":"118- باب\rوضع الأكف على الركب في الركوع\rوقال أبو حميد في أصحابه : أمكن النبي - صلى الله عليه وسلم -يديه من ركبتيه.\rحديث أبي حميد هذا ،قد خرَّجه بإسناده ،وسيأتي في موضعه - إن شاء الله\rتعالى .\r790- حدثنا أبو الوليد :نا شعبة،عن أبي يعفور ،قال :سمعت مصعب بن سعد يقول :صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي ،ثم وضعتهما بين فخذي،فنهاني أبي،وقال:كنا نفعله فنهينا عنه،وامرنا أن نضع أيدينا على الركب .\rأبو يعفور ، هو : العبدي الكوفي ، اسمه : وقدان . وقيل : واقد ، وهوأبو يعفور الأكبر.\rوهذا الحديث قد ذكر ابن المديني وغيره أنه غير مرفوع،ومرادهم:أنه ليس فيه تصريح بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -،لكنه في حكم المرفوع ،فإن الصحابي إذا قال ((أمرنا- أو نهينا - بشيء )) ، وذكره في معرض الاحتجاج به قوي الظن برفعه ؛ لأنه غالباً إنما يحتج بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -ونهيه.\rوقد ورد التصريح برفعه من وجه فيه ضَّعف،من رواية عكرمة بن ابراهيم\rالأزدي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مصعب بن سعد ، قالَ : قلت لأبي : رأيت أصحاب ابن مسعود يطبقون أيديهم ، ويضعونها بين ركبهم إذا ركعوا ، فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يفعل الشيء زماناً ، ثم يدعه ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يركع -أو قال-: أشهد أني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - إذا ركع يضع راحتيه على ركبتيه ، ويفرج بين أصابعه .\rخرَّجه يعقوب بن شيبة في (( مسنده )) .\rوقال : عكرمة بن إبراهيم ، منكر الحديث .\rوذكر يحيى بن معين ، أنه قالَ : ليس فيه شيء .\rوروى عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -الصلاة ، فكبر ورفع يديه ، فلما ركع طبق يديه بين\rركبتيه . قال : فبلغ ذلك سعداً ، فقال : صدق أخي ، كنا نفعل هذا ، ثم أمرنا بهذا.\rيعني : الامساك على الركبتين.\rخرَّجه أبو داود والنسائي والدارقطني.\rوقال : إسناد صحيح ثابت.\rوهذه الرواية-أيضاً-تدل على رفع الأمر بالإمساك بالركبتين ،لأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -لا يترك بأمرغيره بما يخالفه.\rوروى أبو عبد الرحمن السلمي قال : قال لنا عمر:إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب.\rخرَّجه الترمذي .\rوقال حديث حسن صحيح.\rوخَّرجه النسائي، ولفظه : قال : قال عمر : إنما السنة الأخذ بالركب . وفي رواية عن أبي عبد الرحمن ، عن عمر ، قالَ : سنت لكم الركب ، فأمسكوا بالركب.\rوسماع أبي عبد الرحمن من عمر، قد أنكره شعبة ويحيى بن معين.\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -من وجوه متعددة وضع اليدين على الركبتين في الركوع من فعله وأمره،وليس شيءُ منها على شرط البخاري.\rوهذا هو السنة عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم،وأجمع عليه أئمة الأمصار.\rوكان ابن مسعود يطبق في ركوعه ، فيجعل أحد كفيه على الأخر ، ويجعلها بين ركبتيه ، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كان يأمر أصحابه بذلك.","part":6,"page":18},{"id":1206,"text":"وقد خرَّج حديثه مسلم في ((صحيحه )).\rوبه أخذ أصحابه، منهم : علقمة والأسود وأبو عبيدة بن عبد الله .\rوكان النخعي يذهب إليه ثم رجع إلى ما روي عن عمر -:ذكره الإمام أحمد وغيره.\rوذكر أكثر العلماء :أن التطبيق كان شرع أولاً، ثم نسخ حكمه،واستدلوا بحديث سعد وما في معناه.\rوروى حصين ، عن عمرو بن مرة ، عن خيثمة ، عن أبي سبرة الجعفي ، قال : قدمت المدينة فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله وأركع ، فقال رجل: ما حملك على هذا ؟ قلت : كانَ عبد الله يفعله ، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يفعله . قالَ : صدق عبد الله ، ولكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم -ربما صنع الأمر ثم أحدث الله له الأمر الأخر،فأنظر ما أجمع عليه المسلمون فاصنعه . فلما قام كان لا يطبق .\rوذكره الأثرم - تعليقا - بمعناه ، فقال لي رجل من المهاجرين-فذكره.\rوأكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سنن الصلاة،ولا تبطل الصلاة بتركه ولا بالتطبيق .\rوروى عاصم بن ضمرة ، عن علي ، أن الراكع مخير بين أن يضع يدية على ركبتيه أو يطبق.\rوذهب طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق ، وابطال الصلاة به ؛ للنهي\rعنه كما دل حديث سعد ، منهم : أبو خيثمة زهير بن حرب وأبو إسحاق\rالجوزجاني .\rوقال أبو بكر بن أبي شيبة-فيمن طبق ولم يضع يدية على ركبتيه-:أحب إلي أن يعيد .\rونقل إسحاق بن منصور ، عن أحمد ، أنه سئل عن قول سفيان : من صلى بالتطبيق يجزئه؟فقالَ أحمد : أرجو أن يجزئه . فقالَ إسحاق بن راهويه كما قالَ : إذا كانَ به علة .\rوحمل أبو حفص البرمكي -من أصحابنا- قول أحمد على ما إذا كان به علة ، فإن لم يكن به علة فلا تجزئه صلاته ، إلا أن لا يعلم بالنهي عنه.\rوتوقف أحمد في إعادة الصلاة مع التطبيق في رواية أخرى.\rفعلى قول هؤلاء : يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة.\rوقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك ، فإنه روي عن جماعة،أنهم قالوا:إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع.\rوممن روي ذلك عنه : سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن سيرين ومجاهد وعطاء ، وقال : هو أدنى ما يجريء في الركوع .\r* * *","part":6,"page":19},{"id":1207,"text":"119- باب\rإذا لم يتم الركوع\r791- حدثنا حفص بن عمر : نا شعبة ، عن سليمان ، قالَ : سمعت زيد بن وهب ، قالَ : رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود .قالَ : ما صليت ، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - عليها.\rسليمان ، هو : الاعمش .\rوقد روي هذا الحديث من رواية عثمان بن الأسود ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوإسناده لا يصح.\rوالصحيح : أنه من قول حذيفة ، لكنه في حكم المرفوع ؛ بذكره فطرة محمد - صلى الله عليه وسلم -.\rوالمراد بفطرة محمدٍ شرعه ودينه ، ولذلك عاد الضمير في قوله : ((عليه)) بلفظ التذكير ، وفي بعض النسخ : ((عليها)) ولا إشكال على ذلك.\rوخرَّج الطبراني من روايه بيأن ،عن قيس ،عن بلال، أنه ابصر رجلاً يصلي لا يتم الركوع والسجود ، فقال : لو مات هذا لمات على غير ملة عيسى - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد روي مرفوعاً من وجه آخر بمعناه :\rخرَّجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة : ثنا الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن البراء بن عثمان الأنصاري ، أن هانيء بن معاوية الصدفي حدثه ، قال : حججت في زمأن عثمان بن عفأن، فجلست في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا رجل يحدثهم ، قال :كنا مع\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً ، فاقبل رجل إلى هذا العمود، فعجل قبل أن يتم صلاته ،ثم خرج، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : ((إن هذا لو مات لمات وليس هو من الدين على شيء ، أن الرجل ليخفف ويتمها)) . فسألت عن الرجل:من هو ؟ فقيل :لعله عثمان بن حنيف الأنصاري.\rوهذا الإسناد فيه ضَّعف . ...\rوروى الوليد بن مسلم :أنا شيبة بن الأحنف ،أنة سمع أبا سلام الأسود يحدث عن أبي صالح الأشعري أنه حدثة عن أبي عبد الله الأشعري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نظر إلى رجل يصلي ، لايتم ركوعه ولاسجوده ،ينقر صلاته كما ينقر الغراب ، فقال ((إن مثل الذي يصلي ولايتم ركوعه ولاسجوده كمثل الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئاً ، فأتموا الركوع والسجود ،وويل للأعقاب من النار )) .\rقال أبو صالح :فقلت لأبي عبد الله الأشعري :من حدثك بهذا عن رسول الله\r- صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ: خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن","part":6,"page":20},{"id":1208,"text":"حسنة ،كل هولاء سمعوه من النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - خرجة أبو القاسم البغوي في معجمه ، وخرجه الطبرأني وزاد فيهِ :فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((لو مات على حالته هذه مات على غير ملة محمد - صلى الله عليه وسلم - )) وخرَّج ابن ماجه من هذا الحديث : ((ويلٌ للأعقاب من النار )) فقط وقد دلت هذه الأحاديث على أن إتمام الركوع والسجود في الصَّلاة واجب ، وأن تركة محرم ،ولولا ذَلِكَ لم يكن تاركه خارجاً من الدين ،بل هوَ يدل على أن تاركه تارك للصلاة ،فأنه لا يخرج من الدين بدون ترك الصَّلاة ،كما في الحديث عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ ((بين العبد وبين الكفر ترك الصَّلاة )) وفي رواية (( فمن تركها فقد كفر )) وأما المثل المضروب في هذا الحديث لمن لا يتم ركوعه ولا سجوده ففي غاية الحسن ، فإن الصلاة هي قوت قلوب المؤمنين وغذاؤها ، بما اشتملت عليه من ذكر الله ومناجاته وقربه فمن أتم صلاته فقد استوفى غذاء قلبه وروحه ،فما دام على ذلك كملت قوته ، ودامت صحته وعافيته ، ومن لم يتم صلاته فلم يستوف قلبه وروحه قوتها وغذاءها ، فجاع قلبه وضعف ، وربما مرض أو مات ؛ لفقد غذائه ،كما يمرض الجسد ويسقم إذا لم يكمل تناول غذائه وقوته الملائم له .\r* * *","part":6,"page":21},{"id":1209,"text":"120-121 باب\rاستواء الظهر في الركوع\rوقال أبو حميد - في أصحابه - ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم هصر ظهره . وحد إتمام الركوع والاعتدال فيه ، والاطمأنينة. حديث أبي حميد واصحابه قد خرجه . البخاري بتمامه ، ويأتي فيما بعد -إن شاء الله - ولفظ حديثه : ((وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره )) .\rومعنى : ((هصر ظهره )) :ثناه وأماله . ويقال :الهصر عطف الشيء الرطب كالغصن إذا ثناه ولم يكسره ، فشبه إمالة الظهر وإنحناءه في الركوع بذلك ويظهر من تبويب البخاري تفسير الهصر بالاستواء والاعتدال ، وكذا قال الخطابي قال :هصر ظهره : أي ثناه ثنياً شديداً في استواءٍ من رقبته ومتن ظهره لايقوسه ، ولا يتحادب فيه والطمأنينة : مصدر . والاطمأنينة : المرة الواحدة منه .\rوقيل :أن الاطمأنينة غلطٌ قال - رحمه الله - :\r792 - نا بدل بن المحبر : نا شعبة :أخبرني الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان ركوع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع - ماخلا القيام والقعود - قريباً من السواء .\rمعنى هذا :أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت متقاربةً في مقدارها ، فكان ركوعه ورفعه من ركوعه وسجوده ورفعه من سجوده قريباً من الاستواء في مقداره ، وأنما كان يطيل القيام للقراءة والقعود للتشهد .\rومقصوده بهذا الحديث في هذا الباب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث في ركوعه زمناً ، فيحصل بذلك طمأنينته فيه واعتداله.\rوقد تقدم في تفسير ((هصر ظهره )) أنه استواؤه .\rوقد روي هذا المعنى صريحاً من حديث البراء ، من رواية سنان بن هارون ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع فلو أن إنسانا وضع على ظهره قدحا من الماء ما اهراق .\rوسنان ، ضعيف .\rوذكر عبد الله بن الإمام أحمد ، أنه وجده في كتاب أبيه ، قال : اخبرت عن سنان بن هارون : ثنا بيان ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن علي بن أبي طالب - فذكره .\rوخَّرجه أبو داود في ((مراسيله )) من طريق شعبة ، عن أبي فروة ، عن ابن أبي ليلى - مرسلاً -.\rوهو أصح .\rوقد خّرج ابن ماجه معناه من حديث وابصة بن معبد .\rوإسناده ضعيف جداً .\rوخرَّج الطبراني معناه-أيضاً - من حديث أنسٍ .\rوخَّرجه البزار من رواية وائل بن حجرٍ .\rوإسناده ضعيفٌ - أيضاً .\r122-باب\rأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة","part":6,"page":22},{"id":1210,"text":"793-حدثنا مسدد : نا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله : حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد ، فدخل رجل فصلى ، ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( ارجع فصل فإنك لم تصل )) ، فصلى ثم جاء ، فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ((ارجع فصل فأنك لم تصل )) - ثلاثاً- ، فقال : والذي يعثك بالحق ما أحسن غيره ، فعلمني . قال : (( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تطئمن جالساً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )) .\rاستدل بعضهم بهذا الحديث على أن من دخل المسجد وفيه قوم جلوس ، فإنه يبدأ فيصلي تحية المسجد ، ثم يسلم على من فيه ، فيبدأ بتحية المسجد قبل تحية الناس .\rوفي هذا نظر ، وهذه واقعة عين ، فيحتمل أنه لما دخل المسجد صلى في مؤخره قريباً من الباب ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في صدر المسجد ، فلم يكن قد مر عليهم قبل صلاته ، أو أنه لما دخل المسجد مشى إلى قريبٍ من قبلة المسجد ، بالبعد من الجالسين في المسجد ، فصلى فيه ، ثم أنصرف إلى الناس .\rيدل على ذلك : أنه روي في هذا الحديث : أن رجلاً دخل المسجد ، فصلى ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناحية المسجد ، فجاء فسلم - وذكر الحديث -.\rخرَّجه ابن ماجه .\rفأما من دخل المسجد فمر على قوم فيه ، فإنه يسلم عليهم ثم يصلى .\rوفيه : دليل على أن من قام عن قوم لحاجته ، ثم عاد إليهم ، فأنه يسلم عليهم وإن لم يكن قد غاب عنهم .\rوفيه : دليل على أن من أساء في الصلاة فإنه يؤمر بإحسان صلاته مجملاً ، حتى يتبين أنه جاهلٌ ، فيعلم ما جهله .\rوفيه : دليل على أن من أساء في صلاة تطوعٍ فأنه يؤمرُ باعادتها .\rوهذا مما يتعلق به من يقول بلزوم النوافل بالشروع ، ووجوب إعادتها إذا\rأفسدها .\rومن خالف في ذلك حمل الامر بالاعادة على الاستحباب ، وأن الأمر بالإعادة كان تغليظاً على هذا المسيء في صلاته ؛ لأن ذلك أزجرُ له عن الإساءة ، وأقرب إلى عدم عوده إليها .\rوقد ذكرنا -فيما تقدم - الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التكبير والقراءة .\rوالمقصود منه في هذا الباب : وجوب إتمام الركوع والطمأنينة فيه ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يركع حتى يطمئن راكعاً .\rوقد أشار البخاري إلى أنه أنما أمر بالإعادة ؛ لأنه لم يتم الركوع ، وليس في سياق هذا الحديث مايدل على ذلك .\rولكن ؛ روي في حديث رفاعة بن رافع : أن الداخل إلى المسجد صلى وأخفُ صلاته .\rخرَّجه الترمذي وغيره .\rوخَّرجه النسائي ، وعنده : فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمق صلاته ، ولا يدري ما يعيب منها .","part":6,"page":23},{"id":1211,"text":"وقد قيل : أن المذكور في حديث رفاعة غير المذكور في أبي هريرة ؛ لأن في حديث رفاعة تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض مستحبات الصلاة ؛ كالاستفتاح وغيره ، بخلاف حديث أبي هريرة ؛ فإنه ليس فيه غير تعليم فرائض الصلاة .\rوأكثر أهل العلم على أن إتمام الركوع بالطمأنينة فرض ، لا تصح الصلاة بدون ذلك .\rقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن\rبعدهم ؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود .\rوقال الشافعي وأحمد وإسحاق : من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة ؛ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود )) .\rوهذا الحديث الذي أشار إليه ، خرَّجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في (( صحيحه )) من حديث أبي مسعود الأنصاري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال الترمذي : حسن صحيح .\rولفظ أبي داود : (( لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع\rوالسجود )) .\rوإقامة الظهر في الركوع والسجود : هو سكونه من حركته .\rوقدر الطمأنينة المفروضه : أدنى سكونٍ بين حركتي الخفض والرفع عند أصحاب الشافعي ، وأحد الوجهين لأصحابنا.\rوالثاني لأصحابنا : أنها مقدرة بقدر تسبيحة واحدة .\rوذهب أبو حنيفة إلى أن الطمانينة ليست فرضاً في ركوع ولا غيره ، لظاهر قوله : { ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } [الحج :77] .\rوللجمهور : أن الأمر بالركوع والسجود مطلقٌ ، وقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيَنه بفعله وأمره ، فرجع إلى بيانه في ذلك كما رجع إلى بيانه في عدد السجود وعدد الركعات ، ونحو ذلك .\r***\r123-باب\rالدعاء في الركوع\r794-حدثنا حفص بن عمر : ثنا شعبة ، عن المنصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه وسجوده : ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم أغفر لي )) .\rفي هذا حديث : دليل على الجمع بين التسبيح والتحميد والإستغفار في الركوع والسجود .\rوخرَّج الإمام أحمد من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه ، قال : لمَّا نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } [النصر:1] كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول : ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ،اللهم أغفر لي ، إنك أنت التواب الرحيم )) -ثلاثا- .\rوأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه ، لكن رواياته عنه صحيحة .\rوخرَّج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث عون بن عبد الله ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات : سبحان ربي العظيم ، وذلك ادناه ، وإذا سجد فليقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثاً ، وذلك\rأدناه )) .\rوهو مرسل ، يعني : أن عون بن عبد الله لم يسمع من ابن مسعود -: قاله الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم .\rوقد روي بهذا الإسناد موقوفاً .","part":6,"page":24},{"id":1212,"text":"وقد روي من وجوه أخر عن ابن مسعودٍ مرفوعاً -أيضاً- ، ولا تخلو من مقالٍ .\rوفي (( صحيح مسلم )) من حديث حذيفة ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات\rليلة ، فافتتح البقرة - وذكر الحديث ، إلى أن قال : ثم ركع فجعل يقول : ((سبحان ربي العظيم )) ، وكان ركوعه نحواً من قيامه ، ثم قال : (( سمع الله لمن حمده )) ، ثم قام قياماً طويلاً قريباً مما ركع ، ثم سجد فقال : (( سبحان ربي الأعلى )) ، فكان سجوده قريبا من قيامه .\rوخرَّج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في (( صحيحه )) والحاكم من حديث موسى بن أيوب الغافقي: حدثني عمي إياس بن عامر ، قال : سمعت عقبة بن عامر الجهني ، قال : لما نزلت { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :\r(( اجعلوها في ركوعكم )) ، فلما نزلت { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } [الأعلى:1] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( اجعلوها في سجودكم )) .\rموسى ، وثقة ابن معين وأبو داود وغيرهما ، لكن ضَّعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة .\rوفي ((صحيح مسلم )) عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده : (( سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح )) .\rوفيه - أيضاً - : عن علي ، أنه وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : وإذا ركع قال : (( اللهم لك ركعت ، وبك أمنت ، ولك أسلمت ، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي )) -وذكر بقية الحديث -.\rوخَّرجه الترمذي بمعناه ، وعنده : أن ذلك كان يقوله في المكتوبة .\rوفي إسناد الترمذي لين .\rولكن خَّرج البيهقي هذه اللفظة بإسنادٍ جيدٍ .\rوخرَّج النسائي نحو حديث علي من حديث جابرٍ ومحمد بن مسلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوفي حديث محمد بن مسلمة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك في صلاة التطوع .\rوخرَّج - أيضاً - هو وأبو داود من حديث عوف بن مالك ، قال : قمت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة ، يقول في ركوعه : (( سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة )).\rوفي الباب أحاديث أخر متعددة يطول ذكرها .\rوالكلام هاهنا في حكم التسبيح في الركوع ، وفي الدعاء فيه .\rفاما التسبيح في الركوع :\rفمشروع عند جمهور العلماء .\rقال جابر : كنا نسبح ركوعاً وسجوداً ، وندعو قياماً وقعوداً .\rخرَّجه البيهقي .\rوقال أصحاب مالك : لا باس به - : هكذا في (( تهذيب المدونة )) ، قال : ولا حد له .\rوأما الجمهور ، فأدنى الكمال عندهم ثلاث تسبيحات ، وتجزئ واحدة .\rوروي عن الحسن وإبراهيم أن المجزئ ثلاث .\rوقد يتأول على أنهما أرادا المجزئ من الكمال ، كما تأول الشافعي وغيره حديث ابن مسعود المرفوع الذي فيه : (( وذلك أدناه )) على أدنى الكمال .\rوروي عن عمر ، أنه كان يقول في ركوعه وسجوده قدر خمس تسبيحات .\rوعن الحسن ، قال : التام من ذلك قدر سبع تسبيحات .","part":6,"page":25},{"id":1213,"text":"وعنه ، قال : سبع أفضل من ثلاث ، وخمس وسط بين ذلك .\rوكذا قال إسحاق : يسبح من ثلاث إلى سبع .\rوقالت طائفة ، يستحب للإمام أن يسبح خمساً ليدرك من خلفه ثلاثاً ، هكذا قال ابن المبارك وسفيان الثوري وإسحاق وبعض أصحابنا .\rومنهم من قال : يسبح من خمس إلى عشر .\rوقال بعض أصحابنا : يكره للإمام أن ينقص عن أدنى الكمال في الركوع والسجود ، ولا يكره للمنفرد ؛ ليتمكن المأموم من سنة المتابعة .\rولأصحابنا وجه : أنه لا يزيد على ثلاث .\rوذكر القاضي أبو يعلى في (( الأحكام السلطانية )) : أن الإمام المولى إقامة الحج بالناس ليس له أن ينفر في النفر الأول ، بل عليه أن يلبث بمنى ، وينفر في اليوم الثالث ؛ ليستكمل الناس مناسكهم .\rوقال أصحاب الشافعي : لا يزيد الإمام على ثلاث تسبيحات -ومنهم من قال : خمس - ، إلا أن يرضى المأمون بالتطويل ، ويكونون محصورين لا يزيدون .\rوهذا خلاف نص الشافعي في الإمام ، فإنه نص على أنه يسبح ثلاثاً ، ويقول مع ذلك ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي الذي سبق ذكره . قال : وكل ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركوعٍ أو سجودٍ أحببت أن لا يقصر عنه ، إماماً كان أو منفرداً ، وهو تخفيف لا تثقيل .\rواختلف أصحابنا في [ ... ] الكمال في التسبيح : هل هو عشر تسبيحات ، أو سبع ؟\rولهم وجهان آخران في حق المنفرد : أحدهما : يسبح بقدر قيامه .\rوالثاني : ما لم يخف سهواً .\rوخرَّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أنس ، قال : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفتى - يعني : عمر بن عبد العزيز -قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات ، وفي سجوده عشر تسبيحات .\rولو لم يسبح في ركوعه ولا سجوده ، فقال أكثر الفقهاء : تجزئ صلاته ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والثوري والشافعي وغيرهم .\rوقال أحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق : إن تركه عمداً بطلت صلاته ، وإن تركه سهواً وجب عليه أن يجبره بسجدتي السهو .\rوقالت طائفة : هو فرض لا يسقط في عمدٍ ولا سهوٍ ، وحكى رواية عن أحمد ، وهو قول داود ، ورجحه الخطابي ، وقد روى الحسن والنخعي ما يدل عليه ، وهو قول يحيى بن يحيى ، علي بن دينارٍ من أئمة المالكية .\rقال القرطبي : وقد تأوله المتأخرون بتأويلات بعيدة .\rويستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة : (( إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة\rالقرآن )) .\rوكذلك سمى الله الصلاة تسبيحاً ، كما سماها قرآناً ، فدل على أن الصلاة لا تخلو عن القرآن والتسبيح.\rوعلى القول بالوجوب ، فقال أصحابنا : الواجب في لركوع : (( سبحان ربي العظيم )) ، وفي السجود : (( سبحان ربي الأعلى )) ، لا يجزئ غير ذلك ، لحديث ابن مسعود وعقبة ، وقد سبقا .\rوقال إسحاق : يجزئ كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من تسبيح وذكر ودعاء وثناء .\rوهو قياس مذهبنا في جواز جميع أنواع الاستفتاحات والتشهدات الواردة في الصلاة .","part":6,"page":26},{"id":1214,"text":"وفي ((المسند )) وغيره ، عن أبي ذر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام ذات ليلة بآية يرددها ، بها يقوم ، وبها يركع ، وبها يسجد . والاية { إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } (المائدة :118) .\rقال أصحاب الشافعي : يستحب أن يأتي بالتسبيح ، ثم يقول بعده : (( اللهم ، لك ركعت )) -إلى آخره . كما رواه علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقالوا : فإن أراد الإقتصار على أحدهما ، فالتسبيح أفضل .\rقال بعضهم : والجمع بين التسبيح ثلاثاً ، وهذا الذكر أفضل من الاقتصار على التسبيح ، وزيادته على الثلاث .\rوأما الدعاء في لركوع ، فقد دل حديث عائشة الذي خرَّجه البخاري هاهنا على استحبابه ، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا ، وهو قول أكثر العلماء .\rوروي عن ابن مسعود .\rوقال مالك : يكره الدعاء في الركوع دون السجود ، واستدل بحديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( أما الركوع ، فعظموا فيه الرب ، وأما السجود ، فاجتهدوا فيه في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم )) .\rخرَّجه مسلم .\rوروي ، عن أحمد رواية ، أنه قال : لا يعجبني الدعاء في الركوع والسجود في الفريضة .\rقال بعض أصحابنا : وهي محمولة على الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين أو نقص بدعائه ألتسبيح عن أدنى الكمال ، فأما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه .\rوفي ((صحيح مسلم )) ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء )) .\rوفيه - أيضاً - ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوده :\r(( اللهم أغفر ذنبي كله ، دقه وجله ، أوله وآخره ، وعلانيته وسره )) .\rوخرَّج النسائي من حديث ابن عباس ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده : (( اللهم اجعل في قلبي نوراً ، وفي سمعي نوراً )) -وذكر الحديث بطوله .\rوخَّرجه مسلم ،وعنده : أنه قال : في صلاته ، أو في سجوده -بالشك .\rوفي ((المسند )) عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : (( رب أغفر لي ما أسررت وما أعلنت )) .\rوفيه : عنها -أيضاً - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ليلة في سجوده : (( رب أعط نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها )) .\r* * *","part":6,"page":27},{"id":1215,"text":"باب\rالقراءة في الركوع والسجود\rبوب البخاري على هذا ، ولم يخرج فيه شيئاً ، وفيه أحاديث ليست على شرطه :\rأشهرها : حديث علي ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود .\rخرَّجه مسلم .\rوفي بعض الروايات : الاقتصار على ذكر الركوع .\rوكذا رواه مالك ، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه ، عن علي .\rوقد خرَّجه مسلم من طريقه كذلك .\rوفي إسناده اختلاف كثير ، قد ذكر مسلم منه في (( صحيحه )) ستة أنواع ، وذكر الدارقطني فيه أكثر من ذلك ، ولم يرجح منه شيئاً .\rوالظاهر : أن البخاري تركه ، لأنه رأى الاختلاف مؤثراً فيه .\rوله طرق أخرى ، عن علي :\rخرَّجه النسائي من رواية أشعث ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرَّج مسلم -أيضاً - من رواية إبراهيم بن عبد الله بن معبد ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ، فقال :\r(( أيها الناس ، أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة ، يراها المسلم أو ترى له، ألا وأني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم )) .\rوقد قال الإمام أحمد فيه : ليس إسناده بذاك .\rوإبراهيم هذا وأبوه ، لم يخّرج لهما البخاري شيئاً .\rوأكثر العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود ، ومنهم من حكاه\rإجماعاً .\rوهل الكراهة للتحريم ، أو للتنزيه ؟ فيه اختلاف .\rوحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز .\rومذهب الشافعي وأكثر أصحابنا : أنه مكروه .\rوهل تبطل به الصلاة ، أو لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا . والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك .\rوللشافعية وجه : إن قرأ بالفاتحة خاصة بطلت ، لأنه نقل ركنا إلى غير موضعه .\rورخصت طائفة في القراءة في الركوع والسجود .\rروي عن أبي الدرداء ، أنه كان يقرأ البقرة في سجوده .\rوعن سليمان بن ربيعة ، وعبيد بن عمير ، والمغيرة .\rوعن النخعي فيمن نسي الآية أو تركها ، فذكرها وهو راكع ، قال : يقرؤها وهو راكع .\rوعن المغيرة ، قال : كانوا يفعلون ذلك .\rوسئل عطاء ، عن القراءة في الركوع والسجود ؟ فقال : رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع في المكتوبة .\rورخص بعضهم في ذلك في النفل دون الفرض :\rروى سليمان بن موسى ، عن نافع ، عن علي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القراءة في الركوع والسجود في الصلاة المكتوبة ، فأما الصلاة في التطوع ، فلا جناح .\rخرَّجه الإسماعيلي .\rوإسناده منقطع ، فإن نافعاً إنما يرويه عن ابن حنين ، عن أبيه ، عن علي ، كما سبق .\rوآخر الحديث ، لعله مدرج من قول بعض الرواة .\rوسليمان بن موسى ، مختلف فيه .\r***\r124-باب\rما يقول الإمام ومن خلفه\rإذا رفع رأسه من الركوع","part":6,"page":28},{"id":1216,"text":"795-حدثنا آدم : نا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ،قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال : (( سمع الله لمن حمده )) قال : (( اللهم ، ربنا ولك الحمد )) ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع وإذا رفع رأسه يكَّبر ، وإذا قام من السجدتين قال : (( الله\rأكبر )) .\rقد خَّرج البخاري فيما تقدم ، في (( باب : التكبير إذا قام من السجود )) ، من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث . عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول :\r(( سمع الله لمن حمده )) حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : (( ربنا لك الحمد )) .\rفتبين بذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : (( سمع الله لمن حمده )) في حال رفعه ، ثم إذا أنتصب واستوى قائماً يقول : (( ربنا لك الحمد )) .\rوفي رواية سعيد المقبري ، عن أبي هريرة المخرجة في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال : (( سمع الله لمن حمده )) قال : (( اللهم ، ربنا ولك الحمد )) .\rوالمراد : أنه يصلها بها من غير فصل ، وإن كانت الأولى في حال الرفع ، والثانية في حال القيام .\rوقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المأمومين أن يقولوا : (( ربنا ولك الحمد )) إذا قال الإمام :\r(( سمع الله لمن حمده )) ، وسيأتي الحديث بذلك - ، فدل هذا كله على أن الإمام والمأمومين يشتركون في قول : (( ربنا ولك الحمد )) .\rلكن من قال : أن المأموم يقول : (( سمع الله لمن حمده )) كالامام ، يقول :أنه يقوله في حال رفعه ، فإذا أنتصب قال : (( ربنا ولك الحمد )) كالإمام .\rومن قال : يقتصر المأموم على التحميد ، قال : يأتي به في حال رفعه .\rوسيأتي ذكر الاختلاف في ذلك فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوقوله : (( وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع وإذا رفع رأسه يكَّبر )) يوهم أنه كان يكَّبر إذا رفع رأسه من الركوع ، وليس المراد ذلك .\rوقد حمله البيهقي على أن المراد : أنه كان إذا رفع رأسه من ركوعه ، ثم اراد أن يسجد ،كبر حينئذ للسجود .\rويحتمل أن المراد : أنه كان إذا رفع رأسه من السجود كبر ؛ فإنه قد ذكر قبل ذلك ما كان يقوله إذا رفع رأسه من الركوع ، وهو : (( اللهم ، ربنا ولك الحمد )) ثم ذكر بعد ذلك ما كان يقوله إذا رفع من السجود ، وهو التكبير.\r***\r125-باب\rفضل : (( اللهم ربنا ولك الحمد ))\r796-حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن سميًّ ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد ، فإنه من وافق قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه )) .","part":6,"page":29},{"id":1217,"text":"قد تقدم في الباب الماضي : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في حال رفعه من الركوع : ((سمع الله لمن حمده )) ، ثم يقول بعد إنتصابه منه : (( ربنا ولك الحمد )) ، فدل على أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد ، وهو قول الثوري والأوزعي والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد ، وروي عن علي وأبي هريرة .\rوأما مالك وأبو حنيفة ، فعندهما : يقتصر الإمام على التسميع والمأموم على التحميد ؛ ظاهر حديث أبي هريرة هذا .\rوحمل بعض أصحابهما حديث أبي هريرة السابق في الجمع بينهما على النافلة ، وهو بعيد جداً .\rوقد خرَّج مسلم في (( صحيحه)) : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بينهما إذا رفع رأسه من الركوع من حديث علي وابن أبي أوفى . ومن حديث حذيفة -أيضاً - ، لكن في صلاة النافلة .\rوفي هذا الحديث : الأمر للمأمومين أن يقولوا : (( اللهم ربنا ولك الحمد )) إذا قال : ((سمع الله لمن حمده )) ، فيجتمع الإمام والمأمومون في قول : (( ربنا ولك\rالحمد )) .\rواستدل بهذا من قال : أن المأموم لا يقول : (( سمع الله لمن حمده )) كالإمام ، وهو قول مالك والثوري والأوزعي وأبي حنيفة وأحمد .\rوروي عن أبي مسعود وأبي هريرة والشعبي .\rوقالت طائفة : يجمع المأموم بين الأمرين -أيضاً- ، فيسمع ويحمد .\rوهو قول عطاء وأبي بردة وابن سيرين والشافعي وإسحاق ؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((صلوا كما رأيتموني اصلي )) .\rوفيه حديثان صريحان في المأموم أنه يجمع بينهما ، ولكنهما ضعيفان - : قاله البيهقي وغيره .\rوروي - أيضاً - عن أبي موسى ، وضعفه البيهقي - أيضاً -.\rومعنى قوله : ((سمع الله لمن حمده )) : استجاب الله لحامده كما استعاذ من دعاء لا يسمع ، أي لا يستجاب ؛ فكذلك يشرع عقب ذلك الاجتماع على حمد الإمام من الإمام ومن خلفه .\rوظاهر هذا الحديث : يدل على أن الملائكة تحمد مع المصلين ، فلهذا علل أمرهم بالتحميد بقوله : (( من وافق قوله قول الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه )) .\rوفي حديث أبي موسى الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( وإذا قال الإمام : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، يسمع الله لكم ، فإن الله تعإلى قال على لسان نبيه : سمع الله لمن حمده)) .\rخرَّجه مسلم .\rوفي حديث أبي هريرة المخَّرج في هذا الباب : ((اللهم ، ربنا لك الحمد )) بغير واو .\rوفي حديث أبي هريرة المخرج في الباب قبله : ((اللهم ، ربنا ولك الحمد )) - بالواو .\rوفي رواية أخرى عن أبي هريرة -سبق تخريجها - : (( ربنا لك الحمد )) بغير\rواو .\rوفي روايات آخر : (( ربنا ولك الحمد ))-بالواو .\rوكله جائز ، وأفضله عند مالك وأحمد : ((ربنا ولك الحمد )) بالواو .\rوقال أحمد : روى الزهري فيه ثلاثة أحاديث عن أنس بن مالك ، وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، وعن سالم عن أبيه .\rيعني: كلها بالواو .\rوقال في حديث علي الطويل : ((ولك الحمد )) .\rوحديث علي ، خرَّجه مسلم .","part":6,"page":30},{"id":1218,"text":"وقد ذكر الأصمعي أنه سال أبا عمرو عن الواو في قوله : ((ربنا ولك الحمد )) . فقال :هي زائدة .\rوذكر غيره أنها عاطفة على محذوف ، تقديره : ربنا أطعناك وحمدناك ولك\rالحمد .\rقال أصحابنا : فإن قال : ((ربنا ولك الحمد )) فالأفضل أثبات الواو ، وإن زاد في أولها : ((اللهم )) فالأفضل إسقاطها ، ونص عليه أحمد في رواية حرب ؛ لأن أكثر أحاديثها كذلك ، ويجوز إثباتها ، لأنه ورد في حديث أبي هريرة ، كما خرَّجه البخاري في الباب الماضي .\rوذهب الثوري والكوفيون إلى أن الافضل : ((ربنا لك الحمد )) بغير واو .\rوالله سبحانه وتعالى أعلم .\r***\r126-باب\rالقنوت\r797-حدثنا معاذ بن فضالة : نا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : لأقربن لكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - .فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء ، وصلاة الصبح ، بعدما يقول : ((سمع الله لمن حمده )) فيدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار .\r798-حدثنا عبد الله بن أبي الأسود : نا إسماعيل ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : كان القنوت في المغرب والفجر .\rليس مقصود البخاري بهذا الباب ذكر القنوت ؛ فإن القنوت قد أفرد له باباً في اواخر ((أبواب الوتر )) ، ويأتي الكلام عليه في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rإنما مراده بتخريج هذين الحديثين في هذا الباب : أن المصلي يشرع له بعد أن يقول : ((سمع الله لمن حمده ،ربنا ولك الحمد )) أن يدعو ، ولا يقتصر على التسميع والتحميد خاصة .\rوقد وردت أحاديث صريحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه كان يزيد في الثناء على التسميع والتحميد ، ولم يخرجها البخاري ، فإنها ليست على شرطه ، وخرَّج مسلم كثيراً منها .\rفخَّرج من حديث عليٍ ، أنه وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر فيها : قال :وإذا رفع من الركوع قال : ((اللهم ، ربنا لك الحمد ، ملء السموات وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد )) .\rوفي رواية أخرى له: ((سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد )) -إلى آخره .\rوخرَّج -أيضاً - من رواية قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : ((اللهم ، ربنا ولك الحمد ، ملء السموات وملء الارض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد ، لامأنع لما أعطيت ،ولا معطى لما منعت ،ولاينفع ذا الجد منك الجد )) .\rوخرَّج -أيضاً- من حديث الاعمش ، عن عبيد بن الحسن ، عن ابن أبي أوفى ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع ظهره من الركوع قال : ((سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا لك الحمد ، ملء السموات وملء الارض ، وملء ما شئت من شيء بعد )) .\rوخَّرجه من حديث شعبة ، عن عبيد ، عن ابن أبي اوفى ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهذا الدعاء ، ولم يذكر فيه : رفع رأسه من الركوع .\rورجح الإمام أحمد رواية شعبة ، وقال : اظن الأعمش غلط فيه .","part":6,"page":31},{"id":1219,"text":"يعني : في ذكره : أنه كان يقوله بعد رفع رأسه من الركوع .\rوقد بين ذلك أبو داود في ((سننه)) ، وبسط القول فيه .\rوفي رواية لمسلم زيادة : ((اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد ، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الوسخ )) .\rوليس في هذه الرواية : ذكر رفع رأسه من الركوع -أيضاً.\rوخرَّج مسلم -أيضاً- من حديث قزعة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع قال : ((ربنا لك الحمد ، ملء السموات ، وملء الارض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ،ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجدُ )).\rوفي إسناده بعض اختلاف ، وروي مرسلاً .\rوفي الباب أحاديث أخر، ليست أسانيدها بالقوية .\rوقد أستحب الشافعي وإسحاق قول هذه الاذكار المروية بعد التسميع والتحميد في الصلاة المكتوبة وغيرها .\rولم يستحب الكوفيون الزيادة على التسميع والتحميد في الصلاة المكتوبة ، وحملوا ما ورد في الزيادة عليها على صلاة النافلة .\rوظاهر مذهب الإمام أحمد : أن الإمام والمنفرد يقول كل منهما بعد التحميد : ((ملء السموات والارض )) ، إلى قوله : ((من شيء بعد )) في الصلاة المفروضة وغيرها .\rوأما المأموم فيقتصر على قول : ((ربنا ولك الحمد )) .\rقيل لأحمد : فيزيد -يعني الإمام والمنفرد - على هذا ، فيقول : ((أهل الثناء\rوالمجد )) ؟ قال : قد روي ذلك ، وأما أنا فاني أقول إلى ((ملء ما شئت من شيء بعد )) -يعني : لا يزيد عليه .\rوحكي عن أحمد رواية أخرى : أنه يستحب قولها في المكتوبة - أيضاً- ،\rوهي إختيار أبي حفص العكبري .\rومن أصحابنا من قال : من أكتفى في ركوعه وسجوده بأدنى الكمال من التسبيح لم يستحب له الزيادة على ذلك ، ومن زاد على ذلك في التسبيح أستحب له قولها ؛ لتقع أركان الصلاة متناسبةً في طولها وقصرها ، وحمل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها وتركه على مثل ذلك .\rوعن أحمد رواية : أن المأموم يستحب له أن يأتي بالتحميد وما بعده من الدعاء ، كالإمام والمنفرد ، غير أنه لا ياتي بالتسميع ، ورجحها بعض أصحابنا المتأخرين .\rقال البخاري -رحمه الله - :\r799-حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالكٍ ، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن علي بن يحيى بن خلادٍ الزرقي ، عن أبيه ، عن رفاعة بن رافع الزرقي ، قال : كنا يوماً نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رفع رأسه من الركعة قال : ((سمع الله لمن حمده )) فقال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد ، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه . فلما أنصرف قال : ((من المتكلم ؟ )) قال : أنا . قال : ((رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها ، أيهم يكتبها أول )) .\rقوله : ((أول )) روي على وجهين : بضم اللام وفتحها . فالضم على أنه صفة لأي .\rوقد سبق نحوه في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : ((لقد ظننت أن لا يسألني أحد أول منك )) .","part":6,"page":32},{"id":1220,"text":"و((البضع )) : ما بين الثلاث إلى التسع ، في الأشهر .\rوقال أبو عبيدة : ما بين الثلاث إلى الخمس . وقيل غير ذلك .\rوقد قيل في مناسبة هذا العدد : أن هذه الكلمات المقولة تبلغ حروفها بضعاً وثلاثين حرفاً ، فكان الملائكة ازدحموا على كتابتها ورضوا أن يكتب كل واحد منهم حرفاً منها .\rوفي هذا نظر ؛ فأنه ليس في الحديث ما يدل على أنهم توزعوا كتابتها .\rوقد دل الحديث على فضل هذا الذكر في الصلاة ، وأن المأوم يشرع له الزيادة على التحميد بالثناء على الله عز وجل ، كما هو قول الشافعي وأحمد -في رواية -، وأن مثل هذا الذكر حسنٌ في الاعتدال من الركوع في الصلوات المفروضات ؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم - أنما كانوا يصلون وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلوات المفروضة غالباً ، وأنما كانوا يصلون وراءه التطوع قليلاً .\rوفيه-أيضاً- : دليل على أن جهر المأموم أحيانا وراء الإمام بشيء من الذكر غير مكروه ، كما أن جهر الإمام أحياناً ببعض القراءة في صلاة النهار غير مكروه .\rوقد سبق ذكر الجهر مستوفى .\r***\r127-باب\rالاطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع\rوقال أبو حميد : رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - واستوى حتى يعود كل فقار مكانه.\rهكذا في كثير من النسخ : ((الاطمأنينة )) . وفي بعضها ((الاطمأنينة))وقيل : أنه الصواب ، والمراد بها السكون .\rوحديث أبي حميد قد خرَّجه فيما بعد ، وذكر أن بعضهم رواه (( كل قفار )) بتقديم القاف على الفاء .\rوالصواب الرواية الأولى بتقديم الفاء .\rومنه : سمي سيف العاص بن منبه السهمي الذي نفله النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر لعلي حين قتل صاحبه يومئذٍ .\rو((الفقار )) جمع فقارة ، وهو خرزات الصلب ، ويقال لها : الفقرة والفَقرة -بالكسر والفتح .\rخَّرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r800-ثنا أبو الوليد : ثنا شعبة ، عن ثابت ، قال : كان أنس ينعت لنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فكان يصلي ،وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول : قد نسي .\rوخَّرجه في موضع آخر من حديث حماد بن زيد ، عن ثابت ، قال : قال لنا أنس : أني لا ألو أن اصلي بكم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يصلي بنا . قال حماد : قال ثابت : وكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه ، كان إذا رفع رأسه من الركوع أنتصب قائماً ، حتى يقول القائل : قد نسي .\rففي هذا الحديث : دليل على أن الرفع من الركوع ينتصب فيه حتى يعتدل قائماً ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي علمه الصلاة : (( ثم أرفع حتى تعتدل قائماً )) .\rوأكثر العلماء على أن الرفع من الركوع ركن من اركان الصلاة ، وهو قول الشافعي وأحمد .\rوقال أبو حنيفة ومالك -في رواية عنه - : ليس بركن ، فلو ركع ثم سجد\rأجزأه .\rوهذا يرده فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره بالاعتدال .\rوالطمأنينة في هذا الاعتدال ركن -أيضاً- عند الشافعي وأحمد وأكثر أصحابهما .","part":6,"page":33},{"id":1221,"text":"ومن الشافعية من توقف في ذلك ؛ لأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرنا بالاعتدال دون\rالطمأنينة .\rوالصحيح : أن الطمأنينة فيه ركن ، وهو قول الأكثرين ، منهم : الثوري والأوزعي وأبو يوسف وإسحاق .\rوقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطمأنينة في الجلوس بين السجدتين ، فالطمأنينة في الرفع من الركوع مثلها .\rوقد روي من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم المسئ في صلاته ، وأمره أن يرفع حتى يطمئن قائماً .\rخرَّجه الإمام أحمد وغيره .\rوقد سبق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود )) .\rوخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده )) .\rومن حديث طلق بن علي الحنفي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -معناه .\rوحديث طلق أصح من حديث أبي هريرة .\rوفيه : دليل على استحباب اطالة ركن الرفع من الركوع ، ولا سيما مع إطالة الركوع والسجود ، حتى تتناسب أركان الصلاة في القدر .\rوذهب بعض الشافعية إلى أن من اطال ذلك فسدت صلاته ؛ لأنه غير مقصود لنفسه ، بل للفصل بين الركوع والسجود .\rوهذا قول مردود ؛ لمخالفته السنة .\rالحديث الثاني :\r801-ثنا أبو الوليد : ثنا شعبة ،عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان ركوع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسجوده ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وبين السجدتين قريباً من السواء .\rهذا الحديث صريح في إطالة النبي - صلى الله عليه وسلم - للرفع من الركوع والسجود ،وأن رفعه منهما كان قريباً من ركوعه وسجوده، فدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يناسب بين أركان الصلاة وهي الركوع والسجود والرفع منهما ، ويقارب بين ذلك كله ، فإن أطال منها شيئا اطال الباقي ، وإن أخف منها شيئاً أخف الباقي .\rويستدل بذلك على تطويل الرفع من الركوع والسجود في صلاة الكسوف ، كما سيأتي ذكره في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rالحديث الثالث :\r802-ثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : قام مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك في غير وقت الصلاة ، فقام فأمكن القيام ،ثم ركع فأمكن الركوع ، ثم رفع رأسه فأنصت هنية . قال : فصلى بنا صلاة شيخنا هذا : أبي بريد ، وكان أبو بريد إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة أستوى قاعداً ، ثم نهض .\rقوله : ((فأنصت )) -يعني من الإنصات ، والمعنى : أنه سكت هنية بعد رفع رأسه من الركوع ،والمراد بإنصاته : أنه لم يجهر بذكر يسمع منه ، لا أنه لم يقل شيئاً في نفسه .\rويروى : ((فأنتصب )) من الإنتصاب ، وهو القيام .\rوقوله : ((هنَّية )) ، هو بالياء المشددة بغير همز ، ويروى بالهمز ، ويروى\r((هنيهة )) بهاءين ، والكل بمعنى ، وهو تصغير ((هنَّة)) ، وهي كلمة يكنى بها عن\rالشيء ، أي : شيئاً قليلاً من الزمان .","part":6,"page":34},{"id":1222,"text":"وفي هذا الحديث : أن قيامه بعد الركوع كان قليلاً ، بخلاف ما دل عليه حيديث أنس ، لعل سائر أركان الصلاة كانت خفيفة ، فناسب ذلك تقصير القيام من الركوع ، ويكون حديث أنس في حالة يطيل فيه الركوع والسجود .\rوحديث البراء بن عازب يدل على هذا الجمع ؛ فأنه يدل على أن ركوعه واعتداله وسجوده وقعوده من سجوده كان متقاربا .\rوقوله : ((صلاة شيخنا هذا أبي بريد )) ، يريد به : عمرو بن سلمة الجرمي ،وسلمة بكسر الام .\rووقع في عامة الروايات : ((يزيد )) -بالياء المثناة والزاي المعجمة .\rوقال مسلم : إنما هو : أبو بريد -بالباء الموحدة والراء المهملة .\rقال عبد الغني بن سعيد : لم أسمع من أحد إلا بالزاي ، لكن مسلم أعلم باسماء المحدثين .\rوكذا ذكره الدارقطني وأبو ذر الهروي كما ذكره مسلم .\rوكذا ضبطه أبو نصر الكلاباذي بخطه.\rوذكر ابن ماكولا أنه أبو بريد - بالباء والراء - ، ثم قال ، وقيل : أبو يزيد .\r***\r128-باب\rيهوي بالتكبير حين يسجد\rوقال نافع : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه .\rبوب على أن التكبير للسجود يكون في حال الهوي إلى الأرض بالسجود .\rوذكر فيه أحكاماً أخرى من أحكام السجود .\rفأما التكبير في حال الهوي ، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة .\rوكان عبد الله بن يزيد الخطمي يهوي بالتكبير ، فكانه في أرجوحة حتى يسجد .\rوقال النخعي : كبر وأنت تهوي ،وأنت تركع .\rيشير إلى أن التكبير للركوع يكون -أيضاً- في حال الهوي إليه كالسجود .\rوالهوي : هو السقوط والأنخفاض ، وهو بتشديد الياء ، وأما الهاء فمضمومة . وقيل : بفتحها : ثم قيل : هما لغتان . وقيل : بل هو بالضم الصعود ، وبالفتح النزول .\rوقال بعض أصحابنا : يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الأنتقال ، وأنتهاؤه مع أنتهائه ، فإن كمله في جزء من الانتقال ، ولم يستوعبه به أجزأه ، لأنه لم يخرج به عن محله ، وأن شرع فيه قبله أو كمله بعده ، فوقع بعضه خارجاً منه ، فهو كتركه ، لأنه لم يكمله في محله ، فهو كمن تمم قراءته في الركوع .\rقال : هذا هو قياس المذهب .\rقال : ويحتمل أن يعفى عن ذلك ؛ لأن التحرز منه يعسر ، والسهو به يكثر ، ففي ابطال الصلاة بعمده ،وإيجاب السجود لسهوه مشقة .\rوقال أصحاب الشافعي : يبتدئ تكبير الركوع قائماً ، ويمده إلى أن يصل إلى حد الراكع .\rقالوا : هذا هو الذي نص عليه الشافعي في ((الأم )) . وقطع به العراقيون .\rوحكى الخراسانيون قولين : أحدهما : هذا . قالوا : وهو الجديد .\rوالثاني -وهو القديم - : لا يديم التكبير بل يسرع به .\rقالوا : والقولان جاريان في جميع تكبيرات الأنتقالات: هل تحذف ، أم تمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها ؟ والصحيح : المد .","part":6,"page":35},{"id":1223,"text":"وقالوا في تكبير السجود : أنه يشرع به من حين يشرع في الهوي ، ولم يقولوا : أنه يبتدئه قائماً ، كما قالوا في تكبير الركوع ، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه حكوا عنه أنه قال في ((الأم)) : أحب أن يبتدئ التكبير قائماً وينحط مكانه ساجداً . قال : وأن أخر التكبير عن ذلك - يعني : عن الإنحطاط -، أو كبر معتدلاً ، أو ترك التبكير كرهت ذلك . أنتهى .\rوهذا يدل على أن تأخير التكبير عن الأنحطاط وتقديمه عليه كتركه.\rوممن رأى التكبير في الهوي للسجود وغيره . مالك والثوري وأحمد وغيرهم .\rوأما ما ذكره البخاري ، عن نافع -تعليقاً - ، قال : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه .\rفخَّرج ابن خزيمة في (( صحيحه )) والدارقطني من رواية أصبغ بن الفرج ، عن الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك .\rوخَّرجه الحاكم والبيهقي من رواية محرز بن سلمة ، عن الدراوردي ، به .\rوقال البيهقي : ما أراه إلا وهماً - يعني : رفعه.\rوقد رواه ابن أخي ابن وهب ، عن عمه، عن الدراوردي كذلك .\rوقيل : أن أشهب رواه عن الدراوردي كذلك .\rورواه أبو نعيم الحلبي ، عن الدراوردي ، فوقفه على ابن عمر .\rقال الدارقطني : وهو الصواب .\rوروى عن ابن عمر خلاف ذلك ؛ روى ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه ، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه .\rخرَّجه ابن أبي شيبة .\rوروى شريك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه .\rخرَّجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن .\rوخَّرجه الحاكم ، وصححه .\rوهو مما تفرد به شريك ، وليس بالقوي .\rوخَّرجه أبو داود من طريق همام ، عن محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن\rوائل ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال همام : ونا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -بمثله .\rفهذا الثاني مرسل ، والأول منقطع ، لأن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه .\rوفي الباب أحاديث أخر مرفوعة ، لا تخلو من ضَّعف .\rوروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة ، ولا يثبت -أيضاً- ، وأجود طرقه : من رواية محمد بن عبد الله بن حسن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل\rركبتيه )) .\rخرَّجه أبو داود والنسائي والترمذي مختصراً ، وقال : غريب .\rوقال حمزة الكناني : هو منكر .\rومحمد راويه ، ذكره البخاري في ((الضعفاء )) ، وقال : يقال : ابن حسن ، ولا يتابع عليه ، ولا أدري سمع من أبي الزناد ، أم لا ؟\rفكأنه توقف في كونه محمد بن عبد الله بن حسين بن حسن الذي خرج بالمدينة على المنصور ، ثم قتله المنصور بها .","part":6,"page":36},{"id":1224,"text":"وزعم حمزة الكناني ، أنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي يقال له : الديباج ، وهو بعيد .\rواختلفت العلماء في الساجد : هل يضع ركبتيه قبل يديه ، أم يديه قبل ركبتيه ؟ فقال الأكثرون : يضع ركبتيه قبل يديه .\rقال الترمذي : وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله .\rوهو قول مسلم بن يسار ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .\rوقال حجاج ، عن أبي إسحاق : كان أصحاب عبد الله إذا أنحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم .\rوكره النخعي أن يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : هل يفعله إلا مجنون ؟!\rوقالت طائفة : يبدأ بيديه قبل ركبتيه ، وهو مروي عن الحسن ، وقد روي عن ابن عمر كما تقدم ، وحكي رواية عن أحمد .\rومن أصحابنا من خصها بالشيخ الكبير والضعيف خاصة ، وهو أصح .\rوقال الأوزاعي : أدركت الناس يصنعونه .\rوهو قول مالك . وروي عنه ، أنهما سواء .\rوقال قتادة : فيضع أهون ذلك عليه .\rخَّرج البخاري في هذا الباب حديثين :\rالحديث الأول :\r803-نا أبو اليمان : أنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة كان يكَّبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضأن وغيره ، فيكبر حين يقوم ، ثم يكَّبر حين يركع ، ثم يقول : (( سمع الله لمن حمده )) ، ثم يقول : (( ربنا ولك الحمد )) قبل أن يسجد ، ثم يقول :\r(( الله اكبر )) حين يهوي ساجداً ، ثم يكَّبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكَّبر حين يسجد ، ثم يكَّبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكَّبر حين يقوم من الجلوس في الاثنين ، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، ثم يقول حين ينصرف : والذي نفسي بيده ، أني لأقربكم شبهاً بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا .\r804-قالا : وقال أبو هريرة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يرفع رأسه يقول :\r(( سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد )) يدعو لرجال ، فيسمهم باسمائهم ، فيقول :\r(( اللهم ، أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، والمستضعفون من المؤمنين ، اللهم ، اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف )) . وأهل المشرق يومئذ من مضر ، مخالفون له .\rمقصوده من هذا الحديث في هذا الباب : التكبير للسجود حين يهوي ساجداً ، وقد فعله أبو هريرة ، وذكر أن هذه الصلاة كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى فارق\rالدنيا .\rوقد خرَّجه مختصراً فيما تقدم من رواية مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وحده.\rومن رواية عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وحده.\rوفي هذه الرواية زيادة القنوت بعد الركوع ؛ للدعاء على المشركين ، والدعاء للمستضعفين من المؤمنين .\rفأما القنوت ، فيأتي الكلام عليه في موضعه - إن شاء الله تعالى .","part":6,"page":37},{"id":1225,"text":"وأما تسمية الرجال المدعو لهم وعليهم في الصلاة ، فجائز عند أكثر العلماء ، منهم : عروة والأوزاعي والشافعي وأحمد وغيرهم ، وروي عن أبي الدرداء .\rوكرهه عطاء والنخعي وأحمد - في رواية .\rوعند الثوري وأبي حنيفة : أن ذلك كلام يبطل الصلاة .\rواستدل لهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرف أصحابه عن سلامهم في التشهد على جبريل وميكائيل ، وأمرهم أن يسلموا على عباد الله الصالحين عموماً .\rولا حجة في ذلك ؛ لأنه إنما قصد جوامع الكلم واختصاره .\rوسيأتي ذلك في موضع أخر - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوقوله : (( وأهل المشرق من مضر مخالفون له )) ، يريد : قبائل من مضر ، كانوا مشركين ، وكانت اقامتهم بأرض نجد وما والاها ؛ لأن ذلك مشرق المدينة ، ولهذا قال له عبد القيس - عند قدوم وفدهم عليه - : بيننا وبينك هذا الحي من مضر ، ولن نصل إليك إلا في شهر حوام ، وكان عبد القيس يسكنون بالبحرين .\rوروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال فيهم : (( هم خير أهل المشرق )) .\rالحديث الثاني :\r805-نا علي بن عبد الله : نا سفيان -غير مرة-، عن الزهري ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس - وربما قال سفيان : من فرس - ، فجحش شقه الأيمن ، فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت الصلاة ، فصلى بنا قاعداً فقعدنا - وقال سفيان مرة : صلينا قعوداً - ، فلما قضى الصلاة قال : (( أنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كَّبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فأرفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا سجد فأسجدوا )) .\rكذا جاء به معمر ؟ قلت : نعم . قال : لقد حفظ كذا قال الزهري : (( ولك الحمد )) ، حفظت منه ((شقه الأيمن )) ، فلما خرجنا من عند الزهري ، قال ابن جريج - وأنا عنده - : (( فجحش ساقة الأيمن )) .\rهذا الحديث خرَّجه البخاري عن شيخه علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، وذكر أن سفيان لما حدثه به سأله : أهكذا جاء معمر ؟ فقال ابن المديني : نعم ، فقال سفيان : لقد حفظ ، فاثتنى ابن عيينة على معمر بالحفظ حيث وافقه على رواية هذا الحديث عن الزهري .\rوذكر ابن عيينة : أن الزهري قال في هذا الحديث : (( ولك الحمد )) -يعني : بالواو- ، وأنه حفظ منه : (( فجحش شقه الأيمن )) ، فلما خرجوا من عند الزهري قال لهم ابن جريج : إنما هو (( فجحش ساقه الأيمن )) .\rوالمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب : أن سجود المأموم يكون عقيب سجود الإمام ، وكذلك سائر افعاله تكون عقيب أفعال الإمام .\rوقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى ، وعلي بقية فوائد هذا الحديث ، من الصلاة خلف الجالس ، وهل يصلي من خلفه من قعود أو قيام ؟ بما فيه كفاية - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\r***\r129-باب\rفضل السجود","part":6,"page":38},{"id":1226,"text":"806-حدثنا أبو اليمان : نا شعيب ، عن الزهري : أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي ، أن أبا هريرة أخبرهما ، أن الناس قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : (( هل تمارون في القمر ليلة البدر ، ليس دونه سحاب ؟ )) قالوا : لا يا رسول الله . قال : (( هل تمارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ؟ )) قالوا : لا ، قال : ((فإنكم ترونه كذلك ، يحشر الناس يوم القيامة ، فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فياتيهم الله ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فاذا جاء ربنا عرفناه ، فياتيهم الله عز وجل فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فيدعوهم ، ويضرب الصراط بين ظهرأني جهنم ، فأكون أول من يجوز من الرسل بامته ، ولا يتكلم يومئذٍ أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان ، هل رايتم شوك السعدان ؟ )) قالوا ، نعم . قالَ : (( فإنها مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله ، ومنهم من يخردل ، ثُمَّ ينجو ، حتَّى إذا أراد الله رحمة من اراد من أهل النار ، أمر الله عز وجل الملائكة أن يخرجوا من النار من كانَ يعبد الله ، فيخرجونهم ، ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله عز وجل على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار ، فكل ابن آدم تأكله النار إلا اثر السجود ، فيخرجون من النار قد امنحشوا ، فيصب عليهم ماء الحياة ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل\rالسيل )) .\rوذكر بقية الحديث في آخر من يدخل الجنة ، وقد خرَّجه بتمامه - أيضاً- في\r(( كتاب التوحيد )) ، ويأتي في موضعه -أن شاء الله سبحانه وتعالى - ، فإن هذا القدر من الحديث فيه ها هنا كفاية .\rفأما ما يتعلق برؤية الله عز وجل يوم القيامة من اول الحديث ، فقد سبق الكلام على ألفاظه ومعانيه في (( مواقيت الصلاة )) في (( باب : فضل صلاة العصر )) ، وفي\r(( باب : فضل صلاة الفجر )) ، فلا حاجة إلى أعادتها هاهنا .\rوفي الحديث : دليل على أن المشركين الذين كانوا يعبدون في الدنيا من دون الله ألهة يتبعون ألهتهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة ، فيردنهم النار ، كما قال تعإلى في حق فرعون : { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ } [هود:98] .\rويبقى من كان يعبد الله وحده ظاهراً ، مؤمناً كان أو منافقاً ، فهؤلاء ينظرون من كانوا يعبدونه في الدنيا ، وهو الله وحده لا شريك له .\rففي هذا الحديث : أن الله يأتيهم أول مرة فلا يعرفونه ، ثم يأتيهم في المرة الثانية فيعرفونه .\rوفي الحديث السابق اختصار ، وقد ساقه في مواضع أخر بتمامه .","part":6,"page":39},{"id":1227,"text":"وقد دل القرآن على ما دل عليه هذا الحديث في مواضع ، كقوله : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ } [البقرة :210] . وقال : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } [الأنعام :\r158] ، وقال : { وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ } [الفجر :22] .\rولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئاً من ذلك ، ولا أخرجوه عن مدلوله ، بل روي عنهم ؛ يدل على تقريره والإيمان به وامراره كما جاء .؟\rوقد روي عن الإمام أحمد ، أنه قال في مجيئه : هو مجيء أمره .\rوهذا مما تفرد به حنبل عنه .\rفمن أصحابنا من قال : وهم حنبل فيما روى ، وهو خلاف مذهبه المعروف المتواتر عنه .\rوكان أبو بكر الخلال وصاحبه لا يثبتان بما تفرد به حنبل ، عن أحمد رواية .\rومن متأخريهم من قال : هو رواية عنه ، بتأويل كل ما كان من جنس المجيء والإتيان ونحوهما .\rومنهم من قال : إنما قال ذلك إلزاماً لمن ناظره في القرآن ، فأنهم استدلوا على خلقه بمجيء القرآن ، فقال : إنما يجيء ثوابه ، كقوله : { وجاء ربك } ، أي : كما تقولون أنتم في مجيء الله ، أنه مجيء أمره .\rوهذا أصح المسالك في هذا المروي .\rوأصحابنا في هذا على ثلاث فرق :\rفمنهم من يثبت المجيء والإتيان ، ويصرح بلوازم ذلك في المخلوقات ، وربما ذكروه عن أحمد من وجوه لا تصح أسانيدها عنه.\rومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره.\rومنهم من يقر ذلك ، ويمره كما جاء ، ولا يفسره ، ويقول : هومجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه .\rوهذا هو الصحيح عن أحمد ، ومن قبله من السلف ، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة .\rوكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية ؛ لأن جهماً وأصحابه أول من أشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات ، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات ، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم ، وردوا مادلت على نفيه بزعمهم ، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم .\rوزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال ، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله اسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، بل هي افتراء على الله ، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله .\rوزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وأنتشاره - من باب التوسع والتجوز ، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة ، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنةوالنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة ، وحملهم نصوص الامروالنهي على مثل ذلك ،وهذا كله مروق عن دين الإسلام .","part":6,"page":40},{"id":1228,"text":"ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه ، إلا خوفاً من الوقوع في مثل ذلك ، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين ، فكيف كان ينصحون الأمة فيما يتعلق بالاحكام العملية ويدعون نصيحتمهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات ، هذا من أبطل الباطل .\rقال أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي : سمعت عبد الرحمن بن محمد بن جابر السلمي يقول : سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول : جاء رجل إلى المزني يسأله عن شيء من الكلام ،فقال : أني أكره هذا ، بل أنهي عنه ، كما نهى عنه الشافعي ؛ فإني سمعت الشافعي يقول : سئل مالك عن الكلام والتوحيد ، فقالَ مالك : محال أن يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه علم أمته الإستنجاء ولم يعلمهم التوحيد ، فالتوحيد ما قاله النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - :\r(( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم )) ، فما عصم الدم والمال فهو حقيقة التوحيد . أنتهى .\rوقد استوفينا الكلام على ذلك في أوائل (( كتاب العلم )) في الكلام على أول الواجبات .\rوقد صح عن ابن عباس أنه أنكر على من أستنكر شيئاً من هذه النصوص ، وزعم أن الله منزه عما تدل عليه :\rفروى عبد الرزاق في (( كتابه)) عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال : سمعت رجلاً يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة : ((تحاجت الجنة والنار )) ، وفيه :\r(( فلا تمتلي حتى يضع رجله )) -أو قال : (( قدمه - فيها )) .\rقال : فقام رجل فانتفض ، فقال ابن عباس : ما فرق هؤلاء ، يجدون رقة عند محكمة ، ويهلكون عند متشابهه .\rوخَّرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده )) عن عبد الرزاق .\rولو كان لذلك عنده تأويل لذكره للناس ولم يسعه كتمانه .\rوقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائف آخرون ،فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية ، وردوا على النفاة ، ووسعوا القول في ذلك ، وبينوا أن لازم النفي التعطيل\rالمحض .\rوأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الامة : فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين ، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت ، ونفي الكيفية عنها والتمثيل .\rوقد قال الخطابي في (( الأعلام )) : مذهب السلف في أحاديث الصفات :\rالإيمان ، وإجراؤها على ظاهرها ، ونفي الكيفية عنها .\rومن قال : الظاهر منها غير مراد ، قيل له : الظاهر ظاهران : ظاهر يليق ببالمخلوقين ويختص بهم ، فهو غير مراد ، وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام ، فهو مراد ، ونفيه تعطيل .\rولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية ، الذي يحسن به الظن المتكلمون : إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام ، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني ، والمعاني محدثة كالأجسام ، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات .\rوهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول ، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول .","part":6,"page":41},{"id":1229,"text":"وأما أهل العلم والايمأن ، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مماجاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه ، ولا عدول عنه ، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه ، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهرة كفر أو تشبيه ، أو مستحيل ، بل كل ما أثبته الله لنفسه ، أو أثبته له رسوله ، فإنه حق وصدقٍ ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه ، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته ، فكذلك في صفاته .\rوما أشكل فهمه من ذلك ، فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم ، أنهم يقولون عند المتشابهات : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [آل عمران :7] .\rوما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متشابه الكتاب ، أنه يرد إلى عالمه ، والله يقول الحق ويهدي السبيل .\rوكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت ، من غير تشبيه ولا تمثيل ، ولا تحريف ولا تعطيل .\rقال أبو هلال : سأل رجل الحسن عن شيء من صفة الرب عز وجل ، فقال : أمروها بلا مثال .\rوقال وكيع : أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعراً يحدثون بهذه الأحاديث ، ولا يفسرون شيئاً .\rوقال الأوزاعي : سُئل مكحول والزهري عن تفسير هذه الأحاديث ، فقالا : أمرها على ما جاءت .\rوقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي ومالكاً وسفيان وليثاً عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن ،فقالوا : أمروها بلا كيف .\rوقال ابن عيينة : ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله عز وجل .\rوكلام السلف في مثل هذا كثير جداً .\rوقال أشهب : سمعت مالكاً يقول : إياكم وأهل البدع ، فقيل : يا أبا عبد الله : وما البدع ؟ قال : أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان .\rخرّجه أبو عبد الرحمن السُلمي الصوفي في كتاب ((ذم الكلام )) .\rوروى - أيضاً - بأسانيده ذم الكلام وأهله عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ،وابن مهدي ، وأبي عبيد ، والشافعي ، والمزني ، وابن خزيمة .\rوذكر ابن خزيمة النهي عنه عن مالك والثوري و الأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى ومحمد بن يحيى الذهلي .\rوروى -أيضاً - السلمي النهي عن الكلام وذمه عن الجنيد وإبراهيم الخواص .\rفتبين بذلك أن النهي عن الكلام إجماع من جميع أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ،وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين .\rومن جملة صفات الله التي نؤمن بها ، وتمر كما جاءت عندهم : قوله تعالى :\r{ وَجَاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ } [الفجر :22] ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة .\rوقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما .\rوعندهما : أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره .","part":6,"page":42},{"id":1230,"text":"وكذلك قاله الفضيل بن عياض وغيره من مشايخ الصوفية أهل المعرفة .\rوقد ذكر حرب الكرماني أنه أدرك على هذا القول كل من أخذ عنه العلم في البلدان ، سمى منهم : أحمد وإسحاق والحميدي وسعيد بن منصور .\rوكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بـ - الإبانة - ، وهو من أجل كتبه ، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه ، كالبيهقي وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم ابن عساكر وغيرهم .\rوقد شرحه القاضي أبو بكر ابن الباقلاني .\rوقد ذكر الأشعري في بعض كتبه أن طريقة المتكلمين في الاستدلال على قدم الصانع وحدوث العالم بالجواهر والأجسام والأعراض محرمة عند علماء المسلمين .\rوقد روي ذم ذلك وإنكاره ونسبته إلى الفلاسفة عن أبي حنيفة .\rوقال ابن سريج : توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين : الشهادتان ، وتوحيد أهل الباطن من المسلمين : الخوض في الأعراض والأجسام ، وإنما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنكار ذلك .\rخرّجه أبو عبد الرحمن السلمي .\rوكذلك ذكره الخطابي في رسالته في - الغنية عن الكلام وأهله - .\rوهذا يدل على أن ما يؤخذ من كلامه في كثير من كتبه مما يخالف ذلك ويوافق طريقة المتكلمين فقد رجع عنه ، فإن نفي كثير من الصفات إنما هو مبني على ثبوت هذه الطريقة .\rقال الخطابي في هذه الرسالة في هذه الطريقة في إثبات الصانع : إنما هو شيء أخذه المتكلمون عن الفلاسفة ، وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة ، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء ، فأما مثبتوا النبوات ، فقد أغناهم الله عن ذلك ، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يؤمن العنت على من ركبها ، والإبداع والانقطاع على سالكها .\rثم ذكر أن الطريق الصحيحة في ذلك : الاستدلال بالصنعة على صانعها ، كما تضمنه القرآن ، وندب إلى الاستدلال به في مواضع ، وبه تشهد الفطر السليمة\rالمستقيمة .\rثم ذكر طريقتهم التي استدلوا بها ، وما فيها من الاضطراب والفساد والتناقض والاختلاف .\rثم قال : فلا تشغل -رحمك الله- بكلامهم ، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم ؛ فأنها سريعة التهافت ، كثيرة التناقض ، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه ويفارقه ، فكل بكل معارض ، وبعضهم ببعض مقابل .\rقال : وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفلجه على خصمه بقدر حظه من الثبات والحذق في صنعة الجدل والكلام ، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم [ ... ] تقودها وطردها ، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق [ ... ] وه مبطلاً ، وحكموا بالفلج لخصمه عليه ، والجدل لا يقوم به حق [...]به حجة .\rوقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين ، كلاهما باطل ، ويكون الحق في ثالث غيرهما ، فمناقضة أحدهما صاحبة غير مصحح مذهبه ، وإن كان مفسداً به قول خصمه ؛ لأنهما مجتمعان معاً في الخطأ ، مشتركان فيهِ ، كقول الشاعر :","part":6,"page":43},{"id":1231,"text":"حقاً ، وكلٌ واهن مكسور\r... ... حجج تهافتت كالزجاج تخالها\rومتى كان الأمر كذلك ، فإن أحد من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي نصرها أصلاً صحيحاً ، وإنما هو أوضاع وأراء تتكافأ وتتقابل ، فيكثر المقال ، ويدوم\rالاختلاف ، ويقل الصواب ، كما قال تعالى : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً } [النساء :82] ، فأخبر تعالى أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده ، وهو من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة ؛ لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل .\rوذكر بقية الرسالة ، وهي حسنة متضمنة لفوائد جليلة ، وإنما ذكرنا هذا القدر منها ليتبين به أن القواعد العقلية التي يدعي أهلها أنها قطعيات لا تقبل الاحتمال ، فترد لأجلها -بزعمهم -نصوص الكتاب والسنة ، وتصرف عن مدلولاتها ، إنما هي عند الراسخين شبهات جهليات ، لا تساوي سماعها ، ولا قراءتها ، فضلا عن أن يرد لأجلها ما جاء عن الله ورسوله ، أو يحرف شيء من ذلك عن مواضعه .\rوإنما القطعيات ما جاء عن الله ورسوله من الآيات المحكمات البينات ، والنصوص الواضحات ، فترد إليها المتشبهات ، وجميع كتب الله المنزلة متفقة على معنى واحد ، وإن ما فيها محكمات ومتشابهات ، فالراسخون في العلم يؤمنون بذلك كله ، ويردون المتشابهة إلى المحكم ، ويكلون ما أشكل عليهم فهمه إلى عالمه ، والذين في قلوبهم ريع يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض ، ويردون\rالمحكم ، ويتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة ، ويحرفون المحكم عن مواضعه ، ويعتمدون على شبهات وخيالات لا حقيقة لها ، بل هي من وسواس الشيطان وخيالاته ، يقذفها في القلوب .\rفأهل العلم وإلايمان يمتثلون في هذه الشبهات ما أمروا به من الاستعاذة بالله ، والانتهاء عما ألقاه الشيطان ، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من علامات الأيمان ، وغيرهم فيصغون إلى تلك الشبهات ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات ، لا حرمة لها في نفسها ، وليس لها معنىً يصح ، فيجعلون تلك الألفاظ محكمة لا تقبل التأويل ، فيردون كلام الله ورسوله إليها ، ويعرضونه عليها ، ويحرفونه عن مواضعه لأجلها .\rهذه طريقة طوائف أهل البدع المحضة من الجهمية والخوارج والروافض والمعتزلة ومن أشبههم ، وقد وقع في شيء من ذلك كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحابنا وغيرهم في بعض الأشياء دون بعض .\rوأما السلف وأئمة أهل الحديث ، فعلى الطريقة الأولى ، وهي الأيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أثبته له ، مع نفي التمثيل والكيفية عنه ، كما قاله ربيعة ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء، وروي عن أم سلمة أم المؤمنين ، وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول ، وكذلك القول في سائر الصفات ، والله سبحانه وتعالى الموفق .","part":6,"page":44},{"id":1232,"text":"وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( فأكون أول من يجوز بأمته )) حتى يقطع الجسر بأمته ، وروي : ((يجيز )) ، وهما لغتان ، يقال : جزت الوادي وأجزته ، وهما بمعنى .\rوعن الأصمعي ، قال : أجزته : قطعته ، وجزته : مشيت عليه .\rوقوله : ((منهم الموبق بعمله )) -أي : الهالك .\rوقوله : ((ومنهم المخردل )) ، هو بالدال المهملة والمعجمة- : لغتان مشهورتان ، والمعنى : المقطع ، والمراد -والله أعلم- : أن منهم من يهلك فيقع في النار ، ومنهم من تقطعه الكلاليب التي على جسر جهنم ، ثم لا ينجو ولا يقع في النار .\rوقيل : معناه أنه ينقطع عن النجاة واللحاق بالناجين .\rوالمقصود من تخريج الحديث بطوله في هذا الباب : أن أهل التوحيد لا تأكل النار منهم مواضع سجودهم ، وذلك دليل على فضل السجود عند الله وعظمته ، حيث حرّم على النار أن تأكل مواضع سجود أهل التوحيد .\rواستدل بذلك بعض من يقول : إن تارك الصلاة كافر ؛ فإنه تأكله النار كله ، فلا يبقى حاله حال عصاة الموحدين.\rوهذا فيمن لم يصلِ لله صلاة قط ظاهر .\rوقوله : ((امتحشوا)) أي : احترقوا ، وضبطت هذه الكلمة بفتح التاء والحاء . وفي بعض النسخ بضم التاء وكسر الحاء .\rو((الحبة)) -بكسر الحاء - قال الأصمعي : كل نبت له حب فاسم جميع ذلك الحب : الحبة .\rوقال الفراء : الحبة : بذور البقل .\rوقال أبو عمرو : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار .\rوقال الكسائي : الحبة بذر الرياحين ، وأحدها حبة ، وأما الحنطة فهو الحب لا غير -يعني : بالفتح .\rو((الحميل)) : ما حمله السيل من كل شيء ، فهو حميل بمعنى محمول ، كقتيل بمعنى مقتول .\rويأتي الكلام على باقي الحديث في موضع آخر - أن شاء الله تعالى .\r***\r30-باب\rيبدي ضبعيه ويجافي في السجود\r807-ثنا يحيى بن بكير : حدثني بكر بن مضر ، عن جعفر ، عن ابن هرمز ، عن عبد الله بن مالك بن بحينة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه .\rوقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة - نحوه .\r((الضبع))-بسكون الباء -:العضد .ويقال : الإبط .\rوعن الأصمعي ، قال : الضبعان ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه .\rوابن هرمز ، هو : عبد الرحمن الأعرج .\rورواية الليث بن سعد التي ذكرها تعليقاً ، أسندها مسلم في - صحيحه - من رواية ابن وهب : أنا عمرو بن الحارث والليث بن سعد ، كلاهما عن جعفر بهذا\rالإسناد .\rوفي رواية عمرو : ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه )) .\rوفي رواية الليث : ((أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه )) .\rوفي استحباب التجافي في السجود أحاديث كثيرة ، لم يخرج البخاري منها غير هذا .\rوالقول باستحبابه قول جمهور العلماء ، وذكر الترمذي أن العمل عندهم عليه ، وهذا يشعر بأنه إجماع منهم .\rولكن روى نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا سجد ضم يديه إلى جنبيه ولم يفرجهما .","part":6,"page":45},{"id":1233,"text":"وروى عنه ابنه واقد بن عبد الله ، أن أباه كان يفرج بين يديه .\rوروى عنه آدم بن علي ، أنه أمر بذلك .\rوقد حمل بعضهم ما رواه نافع على حالة التضايق والازدحام ، وقد يحمل على حالة إطالة السجود ، وعلى ذلك حمله إلاوزاعي وغيره .\rوروي عن ابن عمر ، قال : أسجد كيف تيسر عليك .\rورخص ابن سيرين في الاعتماد بمرفقيه على ركبتيه .\rوقال قيس بن سكن :كل ذلك قد كانوا يفعلون ، كان بعضهم يضم ، وبعضهم يجافي .\rفان أطال السجود ولحقته مشقة بالتفريج ، فله أن يعتمد بمرفقيه على ركبتيه .\rوقد روى ابن عجلان ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : أشتكى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا ، فقال : ((استعينوا\rبالركب )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي -وهذا لفظه- وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم .\rوزاد هو والإمام أحمد : قال ابن عجلان : وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا .\rورواه الثوري وابن عيينة وغيرهما ، عن سمي ، عن النعمان بن أبي عياش ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -مرسلاً .\rوالمرسل أصح عند البخاري وأبي حاتم الرازي والترمذي والدارقطني وغيرهم .\rوقد روي - أيضاً - عن زيد بن أسلم -مرسلاً .\rورخص فيه عمر بن عبد العزيز وإلاوزاعي ومالك في النافلة .\rوكذلك قال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي .\rوالمنصوص عن أحمد في رواية حرب أنه لا يفعل ، بل يجافي .\rومتى كان التجافي يضر بمن يليه في الصف للزحام فإنه يضم إليه من جناحه -: قاله إلاوزاعي .\rوهذا في حق الرجل ، فأما المرأة فلا تتجافى بل تتضام ، وعلى هذا أهل العلم - أيضاً - ، وفيه أحاديث ضعيفة .\rوخرّج أبو داود في ذلك حديثاً مرسلاً في ((مراسيله)) .\r***\r131-باب\rيستقبل بأطراف رجليه القبلة\rقاله أبو حميد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rحديث أبي حميد ، قد خرّجه البخاري فيما بعد ، ولفظه : فإذا سجد وضع يديه ، غير مفترش ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف رجليه القبلة ، وسيأتي بتمامه في موضعه -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوعلقه البخاري -أيضاً -فيما سبق في ((باب : فضل استقبال القبلة)) وذكرنا هناك الأحاديث وإلاثار في استقبال القبلة بأصابع اليدين والرجلين في السجود ، وأن ابن عمر كان يفعله ، وكذلك الإمام أحمد ، ونص عليه الشافعي .\rوخالف فيه بعض أصحابه ، وقالوا : يضع أصابع رجليه من غير تحامل عليها .\rورده عليه صاحب ((شرح المهذب )) ، وقال : هذا شاذ مردود مخالف للأحاديث الصحيحة ، ولنص الشافعي .\rوخرّج البيهقي من حديث البراء بن عازب ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد فوضع يديه بإلارض استقبل بكفيه وأصابعه القبلة .\rوفي رواية له -أيضاً - : وإذا سجد وجه أصابعه قبل القبلة فتفلج .\rوفي إلاسنادين مقال .\r***\r132-باب\rإذا لم يتم سجوده\r808-ثنا الصلت بن محمد : ثنا مهدي ، عن واصل ، عن أبي وائل ، عن","part":6,"page":46},{"id":1234,"text":"حذيفة ، أنه رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده ، فلما قضى صلاته، قال له حذيفة : ما صليت - وأحسبه قال- : لو مت على غير سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - .\rقد تقدم هذا الحديث في ((باب : إذا لم يتم الركوع )) من وجه آخر عن\rحذيفة ، وفيه : لو مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمد - صلى الله عليه وسلم -من غير شك .\rويستدل بهذه الرواية على أن المراد بالفطرة السنة .\rومعنى إتمام الركوع والسجود : التمكن فيهما والطمأنينة . وسبق الكلام على ذلك .\r***\r133-باب\rالسجود على سبعة أعظم\r809-حدثنا قبيصة : ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبعة أعضاء ، ولا يكف شعراً ، ولا ثوباً : الجبهة ، واليدين ، والركبتين ، والرجلين .\r810-حدثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا شعبة ، عن عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( أُمرنا أن نسجد على سبعة أعظم ، ولا نكف ثوباً ، ولا شعراً )) .\r811-حدثنا آدم : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن يزيد : قال البراء بن عازب - وهو غير كذوب - : كنا نصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا قال : ((سمع الله لمن حمده )) . لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي - صلى الله عليه وسلم - جبهته على الأرض .\rحديث البراء هذا ، قد سبق في مواضع ، وإنما خرجه هاهنا ؛ لما فيه من ذكر سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبهته .\rفأما حديث ابن عباس ، فقد خرجه هاهنا من طريق سفيان وشعبة ، كلاهما عن عمرو بن دينار ، وفي حديث سفيان : ذكر الأعضاء وعددها .\rوللحديث طرق عن طاوس ، يأتي بعضها - إن شاء الله .\rوله طرق عن ابن عباس .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعدده ، أصحها : حديث ابن عباس هذا .\rوروى عامر بن سعد ، عن العباس بن عبد المطلب ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول :\r(( إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب : وجهه ، وكفاه ، وركبتاه ، وقدماه )) .\rوقد عزاه غير واحد من الحفاظ إلى (( صحيح مسلم )) ، ولم نجده فيه .\rوصححه الترمذي وأبو حاتم الرازي .\rوقد روي هذا المعنى عن عمر وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة من قولهم .\rقال أبو هريرة : يسجد من الإنسان سبعة : وجهه ، ويداه ، وركبتاه ، وأطراف أصابعة ، كل ذلك بمنزلة الوجه ، لا يرفع شيئا من ذلك .\rخرّجه الجوز جاني .\rوقال ابن سيرين :كانوا يستحبون السجود على هذه السبعة .\rخرّجه ابن أبي شيبة .\rوقال الترمذي : عليه العمل عند أهل العلم .\rولا خلاف في أن السجود على هذه الأعضاء هو السجود الكامل ، واختلفوا في الواجب من ذلك :\rفقالت طائفة : يجب السجود على جميعها ،وهو أحد القولين للشافعي ، ورجحه كثير من أصحابه ، والصحيح المشهور عن أحمد ، وعليه أصحابه ، وأكثرهم لم يحك عنه فيه خلافا ، وهو قول مالك وإسحاق وزفر ، وحكى عن طاوس .","part":6,"page":47},{"id":1235,"text":"ويدل على هذا القول : هذه الأحاديث الصحيحة بالامر بالسجود على هذه الأعضاء كلها ، والامر للوجوب .\rوقالت طائفة : إنما يجب بالجبهة فقط ، ولا يجب بغيرها ، وهو القول الثاني للشافعي ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه .\rوالمنقول عن أحمد فيمن سجد ورفع أطراف أصابع قدميه من الأرض : أنه ناقص الصلاة ، وتوقف في الإعادة على من صلى وسجد وقد رفع إحدى رجليه ، وقال : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم )) .\rورأى مسروق رجلاً ساجداً قد رفع رجليه أو إحداهما ، فقال : أن هذا لم يتم صلاته .\rوروي عن أحمد ، أنه صلى وسجد ووضع ثلاث أصابع رجليه على الأرض .\rقال القاضي أبو يعلي : ظاهر هذا : أنه يجزئه ، يضع بعض أصابع رجليه .\rونقل إسماعيل بن سعيد ، عن أحمد : إذا وضع من يديه على الأرض قدر الجبهة أجزأه .\rقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : وكذا من الرجلين .\rوقال القاضي أبو يعلى : يجزئه أن يضع من يديه وجبهته على الأرض شيئاً ، وإن قل .\rومن أصحابنا من حكى الإجماع على ذلك .\rوهذا مخالف لرواية الشالنجي ؛ فانها تدل على أنه لا يجزئ دون وضع الجبهة ، وقدرها من الكفين .\rوحكي عن ابن حامد من أصحابنا :أنه يجب استيعاب الكفين بالسجود عليهما ، وهو قول أبي خيثمة بن حرب .\rوقال داود بن سلمان الهاشمي : إذا وضع أكثر كفيه أجزأه .\rومذهب الشافعي الذي عليه أكثر أصحابه ، ونص عليه في (( إلام )) : أنه لو سجد على بعض جبهته كره ، وأجزأه .\rولأصحابه وجه : لا يجزئه حتى يسجد على جميع الجبهة .\r***\r134-باب\rالسجود على الأنف\r812-حدثنا معلى بن أسد : ثنا وهيب ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة )) - وأشار بيده على أنفه - ((واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين ، ولا نكفت الثياب والشعر )) .\rمعنى ((نكفت)) -أي : نضم ونجمع ، ومنه قوله تعالى: { أَلَمْ نَجْعَلِ إلاَرْضَ كِفَاتاً - أَحْيَاءً وأَمْوَاتاً } [المرسلات :25،26] أي : نكفتهم ونضمهم ونجمعهم وهم أحياء على ظهرها ،وإذا ماتوا ففي بطنها .\rوفي هذه الرواية : أنه لما ذكر الجبهة أشار بيده إلى أنفه ، وقد خرّجه مسلم من حديث وهيب ، وخرّجه - أيضاً - من طريق ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((أمرت أن أسجد على سبع ، ولا أكفت الشعر ولا الثياب : الجبهة وإلانف واليدين ، والركبتين ، والقدمين )).\rواستدل بهذا من يقول : أنه يجب السجود على الأنف مع الجبهة ، وهو قول مالك وأحمد -في رواية عنهما - وإسحاق ، وأختار هذه الرواية عن أحمد أبو بكر عبد العزيز وغيره من أصحابنا -وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة .\rوحكي قولاً للشافعي ، رجحه بعض المتأخرين من أصحابه ، إلا أنه خصه بحال الذكر .\rوروي معناه عن طاوس والنخعي وسعيد بن جبير .","part":6,"page":48},{"id":1236,"text":"وروي عن ابن عمر، قال : السجود على الأنف تحقيق السجود .\rوسئل طاوس : الأنف من الجبين ؟ قال : هو خيره .\rوروى عاصم ، عن عكرمة ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي لا يمس أنفه الأرض ، قال : ((لا تقبل صلاة لا يمس فيها الأنف ما يمس الجبين )) .\rوخرّجه الدارقطني والحاكم -موصولاً- ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوصحح الحاكم وصله ، وصحح إلاكثرون إرساله ، منهم : أبو داود في ((مراسيله)) والترمذي في ((علله)) والدارقطني وغيرهم .\rوإلى ذلك يميل الإمام أحمد ، وهو مرسل حسن .\rولو اقتصر على السجود على أنفه دون جبهته ، لم يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف ، غير أبي حنيفة ، وهي رواية عن الثوري ، رواها عنه\rحسان بن إبراهيم .\rوقال كثير من العلماء : السجود على الأنف مستحب غير واجب ،وروي عن الحسن والشعبي والقاسم وسالم ، وهو قول الشافعي وسفيان وأحمد -في الرواية الثانية عنهما .\rوحمل من قال بذلك حديث ابن عباس على الاستحباب دون الوجوب ، قالوا : لأنه عد الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعاً ، ولو كان الأنف معها لكانت ثمانياً .\rوهذا مردود ، فان الأنف من الجبهة ، كما قال طاوس : هو خيرها .\rوروي عنه ، أنه كان يعد الأنف والجبهة واحداً .\rفان قيل : فالجبهة لا يجب السجود على جميعها بإلاجماع ، ولو وجب السجود على الأنف لوجب استيعابها بالسجود عليها .\rقيل : هذا الإجماع غير صحيح ، وقد سبق قول من قال بوجوب استيعابها بالسجود عليها .\rولكن ؛ قد قيل : إن ذكر الأنف منها إنما هوَ من كلام طاوس -: قاله البيهقي وغيره .\rوفي ((سنن ابن ماجه)) من رواية ابن عيينة ، عن ابن طاوس هذا الحديث ، وفيه : قال ابن طاوس : وكان أبي يقول: الركبتين واليدين والقدمين ، وكان يعد الجبهة وإلانف واحداً .\rكذا خرّجه عن هشام بن عمار ، عن سفيان .\rوخرّجه النسائي من طريق سفيان -أيضاً - ، وعنده : قال سفيان : قال لنا ابن طاوس : وضع يديه على جبهته ، وأمرها على أنفه ، وقال : هذا واحد .\rورواه - أيضاً - الشافعي وابن المديني ، عن ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه -بمعناه .\rخرّجه البيهقي .\rوقال : في حديث سفيان ما دل على أن ذكر الأنف في الحديث من تفسير\rطاوس .\rوخرّجه -أيضاً - من طريق إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد منه على سبع ، قال ابن ميسرة : فقلت لطاوس : أرابت الأنف ؟ قالَ : هوَ خيره .\rوأيضاً ؛ فقد قال : ((سبعة أعظم )) ، وطرف الأنف المسجود عليه ليس عظماً ، فعلم أنه تابع لعظم الجبهة ، وليس عضواً مستقلاً .\rفلو تعذر السجود على الجبهة لعذر ، وقدر على السجود على أنفه ، فهل يلزمه عند من لا يوجب السجود عليه ؟ فيه قولان :\rأحدهما : نعم ، وينتقل الفرض إليه ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي .","part":6,"page":49},{"id":1237,"text":"والثاني : لا ينتقل الفرض إليه ، بل يومي بجبهته ، ولا يلزمه السجود على أنفه ، وهو قول مالك وأصحابنا ، كما لا ينتقل فرض غسل اليدين والرجلين في الوضوء إلى موضع الحلية ، إذا قدر على غسله ، وعجز عن غسل اليدين والرجلين .\r***\r135-باب\rالسجود على الأنف في الطين\r813-حدثنا موسى : ثنا همام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : انطلقت إلى أبي سعيد الخدري ، فقلت : إلا تخرج بنا إلى النخل نتحدث ؟ فخرج ، فقلت : حدثني ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة القدر ؟ فقال : اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر الأول من رمضان ، واعتكفنا معه ، فأتاه جبريل ، فقال : (( أن الذي تطلب أمامك)) ، فأعتكف العشر الأوسط ، فاعتكفنا معه ، فأتاه جبريل ، فقال : (( أن الذي تطلب أمامك )) ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيباً صبيحة عشرين من رمضان ، فقال : (( من كان أعتكف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فليرجع ؛ فأني أريت ليلة القدر وإني نسيتها ، وإنها في العشر الأواخر في وتر ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء )) ، وكان سقف المسجد عريش النخل ، وما نرى السماء شيئاً ، فجاءت قزعة ، فامطرنا ، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأرنبته ، تصديق رؤياه )) .\rقال أبو عبد الله : كان الحميدي يحتج بهذا الحديث ، إلا يمسح الجبهة في الصلاة ، بل يمسحها بعد الصلاة ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رُئي الماء في أرنبته وجبهته بعد ما صلى .\rقد خرّج البخاري هذا الحديث في أواخر ((الصيام )) من ((كتابه)) هذا من\rطرق ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد ، ليس في شيء منها ذكر اعتكاف النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأول ، إنما فيها اعتكافه في العشر الأوسط ، ثم العشر الأواخر ، ولم يخرج اعتكافه في العشر الأول في غير هذه الرواية هاهنا .\rوقد خرّج ذلك مسلم في ((صحيحه)) من رواية عمارة بن غزية ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد -أيضاً .\rومقصود البخاري بهذا الحديث هاهنا : ذكر سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبهته وأرنبة أنفه ، وأنه سجد عليهما في الطين .\rوأرنبة الأنف : طرفه .\rوقد سبق ذكر السجود في الماء والطين ، وما للعلماء في ذلك من الاختلاف والتفصيل ، عند ذكر البخاري ، عن ابن عمر ، أنه صلى على الثلج في ((باب : الصلاة في المنبر والسطوح والخشب )) ، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا .\rوأما ما ذكره عن الحميدي ، فقد بوّب عليه البخاري باباً منفرداً ، وعاد فيه الحديث مختصرا ، ويأتي في موضعه -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\r***\r136-باب\rعقد الثياب وشدها\rومن ضم إليه ثوبه إذا خاف أن تنكشف عورته\r814-حدثنا محمد بن كثير : أنا سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كان الناس يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم من الصغر على رقابهم ، فقيل للنساء : لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً .","part":6,"page":50},{"id":1238,"text":"قد خرّج البخاري هذا الحديث فيما سبق في ((باب : إذا كان الثوب ضيقاً )) .\rومقصودة بتخريجه في هذا الباب : أن عقد الثياب وشدها وضمها في الصلاة إذا كان لضيق الثوب أو تخرقه خشية انكشاف العورة منه ، فإنه جائز غير مكروه ، فإذا كان عليه إزار صغير ، فعقده على منكبه ليستر به منكبه وعورته فهو حسن .\rواختلفت الرواية عن أحمد في كراهة شد الوسط في الصلاة ، فكرهه في رواية ، وقال : هو تشبه بأهل الكتاب ، ورخص فيه في رواية .\rفمن الأصحاب من قال : عنه في كراهته روايتان .\rومنهم من قال : هما منزلان على حالين : فإن كان يشبه شد الزنار كره ، وإلا لم يكره ، بل يستحب ، خصوصاً لمن ليس عليه إزار ولا سراويل ؛ لأنه أستر لعورته .\rوقد نص أحمد على التفريق بينهما ، وقال إسحاق بن هاني في ((مسائله)) :سألت أحمد عن الرجل يصلي مشدود الوسط ؟ فقال : هو عندي أسهل ، إذا كان يريد بشد وسطه أن لا يتترب ثوبه ، فلا يصلي مشدود الوسط إلا أن يكون لعمل .\rومعنى هذه الرواية : إن شد وسطه خشية أن يصيبه التراب في سجوده كره له ذلك ؛ لمّا فيهِ من التكبر ، فان ترتيب المصلى بدنه وثيابه من الخشوع والتواضع لله\rعز وجل ، وان كان شده لغير ذلك من عمل يعمله لم يكره .\rوفهم طائفة من أصحابنا من كلام أحمد عكس هذا ، ولا وجه لذلك .\rوقال الشعبي : كان يقال : شد حقوك في الصلاة ولو بعقال .\rوقال يزيد بن الأصم وإبراهيم النخعي شد حقوك ولو بعقال .\rوروى شعبة ، عن يزيد بن خمير ، عن مولى لقريش ، قال : سمعت أبا هريرة يحدث معاوية ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الرجل حتى يحتزم .\rخرّجه الإمام أحمد .\rوخرّجه أبو داود ، ولفظه : نهى أن يصلي الرجل بغير حزام واستدل به أحمد على أنه لا يكره شد الوسط في الصلاة .\r***\r127-باب\rلا يكف شعراً\r815-حدثنا أبو اليمان : نا حماد -هو ابن زيد-،عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبعة أعظم ، ولا يكف\rثوبه ، ولا شعره .\rكف الشعر المنهي عنه ، يكون تارة بعقصه ، وتاره بإمساكه عن أن يقع على الأرض في سجوده ، وكله منهي عنه.\rأما الأول :\rففي ((صحيح مسلم )) عن كريب ، أن ابن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه ، فجعل يحله ، وأقر له الأخر ، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس ، فقال : مالك ورأسي ؟ فقال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف )) .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي رافع ، أنه مر بالحسن بن علي وهو يصلي ، وقد عقص ضفيرته في قفاه ، فحلها ، فالتفت أليه الحسن مغضبا ، فقال : أقبل على صلاتك ولا تغضب ، فإني سمعت\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( ذلك كفل الشيطان )) .\rوقال الترمذي : حديث حسن .","part":6,"page":51},{"id":1239,"text":"وخرّجه الإمام أحمد وابن ماجه من وجه آخر ، عن أبي رافع ، أنه رأى الحسن بن علي يصلي وقد عقص شعره ، فاطلقه - أو نهى عنه - ، وقال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره .\rوفي باب أحاديث أخر .\rوممن نهى عن الصلاة مع عقص الشعر : علي وابن مسعود وأبو هريرة ، وقالا : إن الشعر يستجد مع صاحبه .\rزاد ابن مسعود : وله بكل شعرة حسنة .\rوفي رواية: أن رجلاً قال لابن مسعود: إني أخاف أن يتترب، قال : تربه خير لك.\rوعن عثمان بن عفان ، قال : مثل الذي يصلي وقد عقص شعره مثل الذي يصلي وهو مكتوف .\rوقطع حذيفة ضفيرة ابنه لما رآه يصلي وهو معقوص .\rوأما الثاني :\rفقال ابن سيرين : نبئت أن عمر بن الخطاب مر على رجل قد طوّل شعره ،كلما سجد قال هكذا ، فرفع شعره بظهور كفيه ، فضربه ، وقال : إذا طول أحدكم فليتركه يسجد معه .\rوروى عبد الله بن محرر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يسجد وهو يقول بشعره هكذا بكفه بكفه عن التراب ، فقال : ((اللهم ، قبح شعره )) قال : فسقط .\rخرّجه ابن عدي .\rوابن محرر ، ضعيف جداً من قبل حفظه ، وكان شيخاً صالحاً .\rقال الإمام أحمد : إذا صلى فلا يرفعن ثوبه ولا شعره ولا شيئاً من ذلك ؛ لأنه يسجد .\rوكف الشعر مكروه كراهة تنزيه عند أكثر الفقهاء ، وحرمه طائفة من أهل الظاهر وغيرهم ، وأختاره ابن جرير الطبري ، وقال : لا إعادة على من فعله ، لإجماع الحجة وراثة عن نبيها -عليه السلام- أن لا إعادة عليه .\rوحكى ابن المنذر الإعادة منه عن الحسن .\rورخص فيه مالك إذا كان ذلك قبل الصلاة ، لمعنى غير الصلاة ، وسنذكره -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\r* * *","part":6,"page":52},{"id":1240,"text":"138-باب\rلا يكف ثوبه في الصلاة\r816-حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا أبو عوانة ، عن عمرو ، عن طاوس عن أبن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ، ولا أكف شعراً ولا ثوباً )) .\rظاهر تبويب البخاري : يدل على أن النهي عنده عن كف الثياب مختص بفعل ذلك في الصلاة نفسها ، فلو كفها قبل الصلاة ، ثم صلى على تلك الحال لم يكن منهياً عنه .\rوهذا قول مالك ، قال : إن كان يعمل عملاً قبل الصلاة فشّمر كمه أو ذيله ، أو جمع شعره لذلك فلا بأس أن يصلي كذلك ، كما لو كان ذلك هيئته ولباسه ، وإن فعل ذلك للصلاة ، وإن يصون ثوبه وشعره عن أن تصيبها الأرض كره ؛ لأن فيه ضرباً من التكبر وترك الخشوع .\rقال بعض أصحابنا : وقد أومأ إلى ذلك أحمد في رواية محمد بن الحكم ، فقال : قلت لأحمد : الرجل يقبض ثوبه من التراب إذا ركع وسجد ؛ لئلا يصيب ثوبه ؟ قال : لا ؛ هذا يشغله عن الصَّلاة .\rقلت : ليس في هذه الرواية دليل على اختصاص الكراهة بهذه الصورة ، إنما بها تعليل الكراهة في الصَّلاة بالشغل عنها ، وقد تعلل كراهة استدامة ذلك في الصلاة بعلة أخرى ، وهي سجود الشعر والثياب ، كما صّرح به في رواية أخرى ، وقد يعلل الحكم الواحد بعلتين ، فكراهة الكف في الصلاة له علتان ، وكراهة الكف قبل الصلاة واستدامته لها معلل بإحداهما .\rوأكثر العلماء على الكراهة في الحالين ، ومنهم : إلاوزاعي والليث وأبو حنيفة والشافعي ، وقد سبق عن جماعة من الصحابة ما يدل عليه ، منهم :عمر وعثمان وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو رافع وغيرهم .\rوكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يحل شعره وينشره إذا أراد الصلاة ،ويعقصه بعد ذلك .\rوقال عطاء : لا يكف الشعر عن الأرض .\rوظاهر تبويب البخاري : يدل على أن كف الشعر في الصلاة مكروه ، سواء فعله في الصلاة أو قبلها ثم صلى كذلك ، بخلاف كف الثوب ، فإنه إنما يكره فعله في الصَّلاة خاصة ؛ لما فيه من العبث .\rوالجمهور على التسوية بينهما .\rوقد كره أحمد كف الخف في الصلاة ، وجعلها من كف الثياب .\r* * *","part":6,"page":53},{"id":1241,"text":"139-باب\rالتسبيح والدعاء في السجود\r817-حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن سفيان ، قال : حدثني منصور ، عن مسلم ، عن مسروق ،عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم أغفر لي)) يتأول القرآن .\r- قد تقدم هذا الحديث في ((باب :الدعاء في الركوع )) من حديث شعبة ، عن منصور -بنحوه .\rوفي هذه الرواية : زيادة ذكر الإكثار .\rوفيها -أيضاً - أنه يتأول القرآن ،والمراد : أنه يمتثل ما أمره الله به بقوله :\r{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } [النصر :3] .\rفتأويل القرآن ، تارة يراد به تفسير معناه بالقول ، وتارة يراد به امتثال أوامره بالفعل .\rوبهذا يقال : من ارتكب شيئاً من الرخص لتأويل سائغ أو غيره : أنه فعله\rمتأولاً .\rوقد سبق ذكر حكم التسبيح في السجود والدعاء فيه ((في باب : الدعاء في الركوع )) .\r* * *","part":6,"page":54},{"id":1242,"text":"40-باب\rالمكث بين السجدتين\rفيه ثلاثة أحاديث :\rالأول :\r818-حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، أن مالك بن الحويرث قال لأصحابه: إلا أنبئكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ -قالَ : وذلك في غير حين صلاة - ، فقام ، ثُمَّ ركع فكبرّ ، ثُمَّ رفع رأسه، فقام هنية ، ثُمَّ سجد ، ثُمَّ رفع رأسه\rهنية ، فصلى صلاة عمرو بن سلمة ، شيخنا هذا .\rقال أيوب : كان يفعل شيئاً لم أرهم يفعلونه ،كان يقعد في الثالثة أو الرابعة .\r819-قال : فأتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ،فاقمنا عنده ، فقال : ((لو رجعتم إلى أهاليكم،صلوا صلاة كذا في حين كذا ، وصلوا صلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم )) .\rقد سبق هذا الحديث في مواضع ، تاماً ومختصراً .\rوالمراد منه في هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد رفع رأسه هنية ، والمراد : أنه يجلس بين السجدتين هنية ، ثم يسجد السجدة الثانية .\rالحديث الثاني :\r820-ثنا محمد بن عبد الرحيم : ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري : ثنا مسعر ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ، قال : كان سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - وركوعه وقعوده بين السجدتين قريباً من السواء .\rالحديث الثالث :\r821-ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : اني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا .\rقال ثابت : كان أنس بن مالك يصنع شيئاً لم أركم تصنعونه ، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل : قد نسي ، وبين السجدتين حتى يقول القائل : قد نسي .\rوقد تقدمت هذه الأحاديث الثلاثة في ((باب : الرفع من الركوع )) .\rوحكم الرفع من السجود والجلوس بين السجدتين حكم الرفع من الركوع ،على ما سبق ذكره .\rوذكرنا هنالك : أن تطويل النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك في حديث أنس إنما كان حين يطيل القيام والركوع والسجود ، وأن تخفيفه كما في حديث مالك بن الحويرث كان إذا لم يطل القيام والركوع والسجود ، وأن حديث البراء بن عازب يفسر ذلك ، حيث قال : كان سجوده وركوعه وقعوده بين السجدتين قريباً من السواء .\rولم يخرج البخاري في الدعاء والذكر بين السجدتين شيئاً ؛ فإنه ليس في ذلك شيء على شرطه .\rوفيه : عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين السجدتين : (( اللهم ، أغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني )).\rخرّجه أبو داود .\rوالترمذي ؛ وعنده : (( وأجبرني )) بدل : (( عافني )) .\rوابن ماجه ، وعنده : ((وارفعني )) بدل : ((اهدني )) ، وعنده : أنه كان يقوله في صلاة الليل .\rوفي إسناده كامل بن العلاء ؛ وثقه ابن معين وغيره ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وتكلم فيه غير واحد .\rوقد اختلف عليه في وصله وإرساله .\rوقد روي هذا من حديث بريدة- مرفوعاً- ، وإسناده ضعيف جداً .","part":6,"page":55},{"id":1243,"text":"وروي عن علي بن أبي طالب -موقوفاً عليه - ، وعن المقدام بن معدي كرب .\rوخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حذيفة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين السجدتين : ((رب اغفر لي)).\rواستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة ، فإنه أصح عنده من حديث ابن عباس ، وقال : يقول : ((رب اغفر لي )) ثلاث مرات ، أو ما شاء .\rومن أصحابه من قال : يقولها مرتين فقط .\rومنهم من قال : يقولها ثلاثاً كتسبيح الركوع والسجود ، وحمل حديث حذيفة أنه كان يكرر ذلك ؛ فإن في حديثه : أن جلوسه بين السجدتين كان نحوا من سجوده .\rوروي عن أكثر العلماء استحباب ما في حديث ابن عباس ، منهم : مكحول والثوري وأصحاب الشافعي .\rوقال إسحاق : كله جائز ، وعنده : إن قال ما في حديث ابن عباس لم يكرره ، وإن قال : ((رب اغفر لي )) كرره ثلاثاً .\rوحكم هذا الذكر بين السجدتين عند أكثر أصحاب أحمد حكم التسبيح في الركوع والسجود ، وأنه واجب تبطل الصلاة بتركه عمداً ، ويسجد لسهوه .\rوروي عن أحمد ، أنه ليس بواجب :\rقال حرب : مذهب أحمد : أنه إن قال جاز ، وإن لم يقل جاز ، والأمر عنده واسع .\rوكذا ذكر أبو بكر الخلال ، أن هذا مذهب أحمد .\rوهذا قول جمهور العلماء .\rوحكي عن أبي حنيفة ، أنه ليس بين السجدتين ذكر مشروع بالكلية .\rوعن بعض أصحابه ، أنه يسبح فيه .\r* * *","part":6,"page":56},{"id":1244,"text":"141-باب\rلا يفترش ذراعيه في السجود\rوقال أبو حمُيد : سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ووضع يديه ، غير مفترش ، ولا قابضهما .\rحديث أبي حميد ، قد خرّجه البخاري ، وسيأتي بتمامه قريباً - إن شاء الله تعالى .\r822-حدثنا محمد بن بشار : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة، قال : سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((اعتدلوا في السجود ، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب )) .\rفي هذا الإسناد : التصريح بالسماع من أوله إلى قتادة ، وليس فيه تصريح بسماع قتادة له من أنس ، وقتادة مدلس كما قد عرف .\rوخرّجه الترمذي من طريق أبي داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن قتادة : سمعت أنساً .\rوكذلك خرّجه النسائي من طريق خالد الواسطي ، عن شعبة .\rفصح اتصاله كله . ولله الحمد .\rوفي النهي عن افتراش الذراعين في السجود أحاديث أخر :\rوقد خرج مسلم من حديث عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع .\rومن حديث البراء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا سجدت فضع يديك ، وارفع مرفقيك )) .\rوقد ذكر الترمذي أن العمل على هذا عند أهل العلم ، يختارون الاعتدال في السجود .\rوهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه ، وهو قول جمهور العلماء ، وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر .\rوفي ((المسند )) عن شعبة مولى ابن عباس ، قال : جاء رجل إلى ابن عباس ، فقال : أن مولاك إذا سجد وضع رأسه وذراعيه وصدره بالارض ، فقال له ابن عباس : ما يحملك على ما تصنع ؟ قال : التواضع . قال : هكذا ربضة الكلب ، رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد رئي بياض إبطيه .\rولكن ؛ روي عن ابن مسعود ، أنه كان يفرش ذراعيه .\rقال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد الله -: كان ابن مسعود يذهب إلى ثلاثة أشياء : إلى التطبيق ، وإلى افتراش الذراعين ، وإذا كانوا يقوم في وسطهم ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجافي في السجود ، ولم تبلغه هذه الآثار .\rوروى ابن أبي شيبة منة غير وجه ، عن ابن مسعود ، أنه قال : اسجدوا حتى بالمرفق .\rوبإسناده ، عن الحكم بن الأعرج ، قال : أخبرني من رأى أبا ذر مسوداً ما بين رصغه إلى مرفقه .\rوقوله : (( اعتدلوا في السجود )) يريد به : اعتدال الظهر فيه ، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين ، إنما يكون مع التجافي .\rوقول أبي حميد: (( ولا قابضهما )) ، يعني : أنه بسط كفيه ، ولم يقبضهما .\r* * *","part":6,"page":57},{"id":1245,"text":"142-باب\rمن استوى قاعداً في وتر من صلاته ثم نهض\r832-ثنا محمد بن الصباح : ثنا هشيم : أنا خالد ، عن أبي قلابة : انا مالك بن الحويرث الليثي ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً .\rوقد خرّجه في الباب الأتي من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك ، وفي حديثه : أنه جلس واعتمد على الأرض ، ثم قام .\rوقد سبق من وجه آخر بهذا الإسناد ، وفيه : كان يقعد في الثالثة أو الرابعة .\rوهذا لا معنى له ؛ لأن قعوده في الرابعة لابد منه للتشهد.\rوروى هذا الحديث أنيس بن سوار الحنفي ، قال : حدثني أبي ، قال : كنت مع أبي قلابة ، فجاءه رجل من بني ليث، يقال له: مالك بن الحويرث ، من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إلا أريكم كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ؟ قلنا: بلى ، فصلى لنا ركعتين ، فأوجز فيهما .\rقال أبي : فاختلفت أنا وأبو قلابة ، قال أحدنا : لزق بالارض ، وقال الأخر : تجافى .\rخرّجه الخلال في ((كتاب العلل )) .\rوقال الإمام أحمد في حديث مالك بن الحويرث في الاستواء إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى ، قال : هو صحيح ، إسناده صحيح .\rوقال -أيضاً - : ليس لهذا الحديث ثان .\rيعني : أنه لم ترو هذه الجلسة في غير الحديث .\rوهذا يدل على أن ما روي فيه هذه الجلسة من الحديث غير حديث مالك بن الحويرث ، فانه غير محفوظ ، فإنها قد رويت في حديث أبي حميد وأصحابه في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرّجه الإمام أحمد وابن ماجه .\rوذكر بعضهم أنه خرّجه أبو داود والترمذي ، وإنما خرّجا أصل الحديث ، ولم نجد في ((كتابيهما )) هذه اللفظة .\rوالظاهر -والله أعلم - : إنها وهم من بعض الرواة ، كرر فيه ذكر الجلوس بين السجدتين غلطاً .\rوبعضهم ذكر سجوده ، ثم جلوسه ، ثم ذكر أنه نهض .\rكذا في رواية الترمذي وغيره .\rفظن بعضهم ، أنه نهض عن جلوسٍ ، وليس كذلك ، إنما المراد بذلك الجلوس : جلوسه بين السجدتين ، ولم يذكر صفة الجلسة الثانية لاستغنائه عنها بصفة الجلسة\rالأولى .\rوقد خرج أبو داود حديث أبي حميد وأصحابه من وجه آخر ، وفيه : أنه\rسجد ، ثم جلس فتورك ، ثم سجد ، ثم كبر فقام ولم يتورك .\rوهذه الرواية صريحة في أنه لم يجلس بعد السجدة الثانية .\rويدل عليه : أن طائفة من الحفاظ ذكروا أن حديث أبي حميد ليس فيه ذكر هذه الجلسة .","part":6,"page":58},{"id":1246,"text":"واستدل بعضهم -أيضاً - بالحديث الذي خرّجه البخاري في ((صحيحه)) هذا في ((كتاب الاستئذان)) و((أبواب السلام)) في ((باب من رد فقال : عليك السلام )) ، خرج فيه حديث المسيء في صلاته ، من رواية ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رجلاً دخل المسجد فصلى ، ثم جاء فسلم-فذكر الحديث بطوله ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ((إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء ، ثم استقبل القبلة فكبر ، ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تستوي قائماً ، ثم أسجد حتى تطمئن ساجداً ، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها )) .\rقال : وقال أبو أسامة في الأخير : (( حتى تستوي قائماً )) .\rيعني : أنه ذكر بدل الجلوس : القيام .\rثم خرّج من حديث يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ثم ارفع حتى تطمئن جالساً )).\rيعني : أنه وافق ابن نمير في ذكر الجلوس .\rفهذه اللفظة قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة هذا ، فمن الرواة من ذكر أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين ، ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما ، وهذا هو ألاشه ؛ فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه شيئاً من سنن الصلاة المتفق عليها ، فكيف يكون قد أمره بهذه الجلسة ؟ هذا بعيد جداً .\rثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا ، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذه الجلسة الثانية بعد السجدتين . قال : والصحيح عنه : أنه قال بعد ذكر السجدتين : ((ثم ارفع حتى تستوي قائماً )) .\rقال : وقد رواه البخاري في ((صحيحه)) عن إسحاق بن منصور ، عن أبي أسامة - وذكر رواية ابن نمير ، ولم يذكر تخريج البخاري لها ، ولم يذكر يحيى بن سعيد في روايته السجود الثاني ، ولا ما بعده من القعود أو القيام .\rقال: والقيام أشبه بما سيق الخبر لأجله من عد الأركان دون السنن . والله أعلم .\rقلت : وهذا يدل على أن ذكر الجلسة الثانية غير محفوظة عن يحيى .\rوفي حديث يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه ، عن عمه رفاعة بن رافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه علم المسيء في صلاته ، وقال له بعد أن أمره بالسجود ، ثم بالقعود ، ثم بالسجود ، فقال له: (( ثم قم )) .\rوخرّجه الإمام أحمد بهذا اللفظ .\rواستدل به على أنه لا يجلس قبل قيامه.\rوخرّجه الترمذي -أيضاً - ، وحسنه .\rمع أن حديث رفاعة هذا فيه تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا المسيء أشياء من مسنونات الصلاة .\rوقد روي في حديث رفاعة هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ((ثم انهض قبل أن تستوي قاعداً )).\rخرّجه الحافظ أبو محمد الحسن بن علي الخلال .\rولكن إسناده ضعيف .\rوخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه ، فقال : اجتمعوا أعلمكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر","part":6,"page":59},{"id":1247,"text":"الحديث ، وفيه : أنه صلى بهم ، وذكر صفة صلاته ، وقال فيها : ثم كبرّ وخر ساجداً ، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم كبر فسجد ، ثم كبر فانتهض قائماً ، فلما قضى صلاته قال : احفظوا ؛ فإنها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرج أبو داود بعض الحديث ، ولم يتمه .\rوفي جلسة الاستراحة :حديث عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، قال : إذا رفع أحدكم رأسه من السجد الثانية فليلزق اليتيه بالارض ، ولا يفعل كما تفعل الإبل ؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( ذَلِكَ توقير الصَّلاة )).\rخرّجه العقيلي من رواية أبي خالد القرشي ، عن علي بن الحزور ، عن ألاصبغ بن نباته ، عن علي .\rوهذا إسناد ساقط ، والظاهر : أن الحديث موضوع ، وأبو خالد ، الظاهر: أنه عمرو بن خالد الواسطي ، كذاب مشهور بالكذب ، وعلي بن الحزور ، قال ابن معين : لا يحل لأحد أن يروي عنه ، وإلاصبغ بن نباته ، ضعيف جداً.\rوهذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة ، وأكثر الأحاديث ليس فيها ذكر شيء من ذلك ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره.\rوقد اختلف العلماء في استحبابها في الصلاة:\rفقالت طائفة :هي مستحبة . وهو قول حماد بن زيد والشافعي -في أشهر قوليه- وأحمد -في رواية عنه ، ذكر الخلال: أن قوله استقر عليها ، واختارها الخلال وصاحبة أبو بكر بن جعفر .\rوقال إلاكثرون : هي غير مستحبة ، بل المستحب إذا رفع رأسه من السجدة الثانية أن ينهض قائماً ، حكاه أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود ، وذكره ابن المنذر عن ابن عباس .\rوذكر بإسناده ، عن النعمان بن أبي عياش ، قال : أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة - أول ركعة والثالثة - قام كما هو ولم يجلس .\rوروي- أيضاً - عن أبي ريحانة صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوروي معناه عن ابن عمر - أيضاً .\rخرجهما حرب الكرماني .\rوقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم .\rوممن قال ذلك : عبادة بن نسي وأبو الزناد والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في أحد قوليه - وأحمد - في المشهور من مذهبه عند عامة أصحابه .\rومن أصحابنا وأصحاب الشافعي من قال : هي مستحبة لمن كبر وثقل بدنه ؛ لأنه يشق عليه النهوض معتمدا على ركبته من غير جلسة .\rوحمل أبو إسحاق المروزي القولين للشافعي على اختلاف حالين ، لا على اختلاف قولين ، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على مثل ذلك ، وان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقعد أحيانا لمّا كبر وثقل بدنه ؛ فإن وفود العرب إنما وفدت على النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في آخر\rعمره .\rويشهد لذلك ، أن أكابر الصحابة المختصين بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم ، فدل على أنهم علموا أن ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقاً .\rوروى حرب الكرماني ، عن إسحاق بن راهويه روايتين:\rأحداهما : تستحب جلسة الاستراحة لكل أحد .\rوالثانية : لا تستحب إلا لمن عجز عن النهوض عن صدر قدميه.","part":6,"page":60},{"id":1248,"text":"وهي رواية ابن منصور ، عن إسحاق -أيضاً .\rومن لم يستحب هذا الجلوس بالكلية ، قال : إنه من الأفعال المباحة التي تفعل في الصلاة للحاجة إليها ، كالتروح لكرب شديد ، ودفع المؤذي ، ونحو ذلك مما ليس بمسنون ، وإنما هو مباح .\r* * *","part":6,"page":61},{"id":1249,"text":"143-باب\rكيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة\r824-حدثنا معلى بن أسد :حدثنا وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : جاءنا مالك بن الحويرث ، فصلى بنا في مسجدنا هذا ، فقال : إني لأصلي بكم ولا أريد\rالصلاة ، لكني أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي .\rقال أيوب : فقلت لأبي قلابة : وكيف كانت صلاته؟ قال : مثل صلاة شيخنا هذا- يعني : عمرو بن سلمة .\rقال أيوب : وكان ذلك الشيخ يتم التكبير ، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ، ثم قام .\rهذه الرواية ليست صريحة في رفع الاعتماد على الأرض بخصوصه ؛ لان فيها أن صلاة عمرو بن سلمة مثل صلاة مالك بن الحويرث ، وصلاة مالك مثل صلاة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وليس ذلك تصريحاً برفع جميع حركات الصلاة ، فان الممائلة تطلق كثيراً ولا يراد بها التماثل من كل وجه ، بل يكتفي فيها بالممائلة من بعض الوجوه ، أو أكثرها .\rلكن رواية الثقفي ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة - بنحوه ، وقال فيه: كان مالك إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى ، فاستوى قاعداً قام واعتمد على الأرض .\rخرّجه النسائي وغيره .\rوقد اختلف العلماء في القائم إلى الركعة الثانية من صلاة : كيف يقوم ؟فقالت طائفة : يعتمد بيديه على الأرض ، كما في حديث مالك بن الحويرث هذا .\rوروي عن عطاء ، وقال : يتواضع لله عز وجل .\rوهو من رواية ابن لهيعة ، عنه .\rوهو قول مالك والشافعي وإسحاق .\rوروي عن أحمد ، أنه كان يفعله ، وتأوله القاضي أبو يعلى وغيره على أنه فعله لعجز وكبر .\rوقد روي عن كثير من السلف ، أنه يعتمد على يديه في القيام إلى الركعة\rالثانية ، منهم : عمر وعبادة بن نسي وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري - وقال : هو سنة الصلاة - ، وهو قول إلاوزاعي وغيره ، ورخص فيه قتادة .\rوقالت طائفة : ينهض على صدور قدميه، ولا يعتمد على يديه ، بل يضعهما على ركبتيه، صح ذلك عن ابن مسعود، وروي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، أنه قال : هو من سنة الصلاة ، وعن ابن عمر -أيضاً -وابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة وأحمد.\rوحكى ابن المنذر عن أحمد الاعتماد على يديه ، وهو خلاف مذهبه المعروف\rعنه .\rوإلاكثرون على أنه لا تلازم بين الجلسة والاعتماد ، فقد كان من السلف من يعتمد ولا يجلس للاستراحة ، منهم : عبادة بن نسي ، وحكاه عن أبي ريحانة الصحابي .\rوهذا مذهب أصحاب الشافعي وأحمد ؛ فان أصحاب الشافعي قالوا : يعتمد ، سواء قلنا : يجلس للاستراحة أو قلنا لا يجلس . وقال أصحاب أحمد : لا يعتمد ، سواء قلنا : يجلس ، أو قلنا : لا يجلس ، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على أنه فعل الاعتماد لحاجته أليه : لضعف أو كبر ونحو ذلك .\rولا يبعد إذا قلنا : إن جلسة الاستراحة فعلها تشريعاً للأمة ، أن يكون الاعتماد فعله كذلك.","part":6,"page":62},{"id":1250,"text":"وكلام أحمد في رواية ابنه عبد الله وغيره من أصحابه يدل على تلازم الجلسة والاعتماد ، فيحتمل أن يقال : أن قلنا : يجلس للاستراحة اعتمد على الأرض ، لا سيما إن فعل ذلك لعجز أو كبر ، وإن نهض من غير جلوس نهض على صدور قدميه ، معتمداً على ركبتيه.\rويدل على ذلك : أن أحمد استدل على النهوض على صدور القدمين بحديث رفاعة بن رافع وحديث أبي حميد المتقدمين ، وفيهما : ذكر القيام بعد السجدتين ، من غير ذكر النهوض على صدور القدمين ، فدل على أنه يرى تلازم الأمرين ، وأنه يلزم من ترك جلسة الاستراحة النهوض على صدور القدمين .\rوقد روى الهيثم ، عن عطية بن قيس بن ثعلبة ، عن الازرق بن قيس ،قال : رأيت ابن عمر وهو يعجن في الصلاة يعتمد على يديه إذا قام ، فقلت : ما هذا ؟ قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجن في الصلاة -يعني : يعتمد .\rخرّجه الطبراني في (( أوسطه )).\rوالهيثم هذا ، غير معروف .\rوقال بعضهم : العاجن ، هو الشيخ الكير الذي يعتمد إذا قام ببطن يديه ، ليس هو عاجن العجين .\rوفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة ، أسانيدها ليست قوية ، أجودها :حديث مرسل ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه .\rوقد خرّجه أبو داود بالشك في وصله وإرساله .\rوالصحيح : إرساله جزماً . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":6,"page":63},{"id":1251,"text":"144-باب\rيكبر وهو ينهض من السجدتين\rوكان ابن الزبير يكبر في نهضته .\rوقد سبق في ((باب :يهوي بالتكبير حين يسجد )) حديث أبي هريرة ، أنه كان يكبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى والثانية ، ويقول حين ينصرف : إني لأقربكم شبهاً بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا .\rوهو يدل على أنه كان يكبر في حال نهوضه وقيامه من السجود إلى الركعة التي بعده .\rوخرّج هاهنا حديثين :\rالحديث الأول :\r825-حدثنا يحيى بن صالح : ثنا فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، قال :صلى لنا أبو سعيد ، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود ، وحين سجد ، وحين رفع ، وحين قام من الركعتين ، وقال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rالثاني :\r826-حدثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد : ثنا غيلان بن جرير ، عن مطرف ، قالَ : صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب -رضي الله\rعنه - ، فكان إذا سجد كّبر ، وإذا رفع كبر ، وإذا نهض من الركعتين كّبر ، فلما سلم أخذ عمران بيدي ، فقال : لقد صلى بنا هذا صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم -أو قال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم - .\rووجه استدلال البخاري بهذين الحديثين على ما بوب عليه : أن حديث أببي سعيد فيه التكبير حين يرفع من السجود، وهذا ظاهر في شروعه في التكبير مع شروعه في الرفع ، وأما حديث عمران ، ففيه: (( إذا رفع كّبر )) ، ويحُمل -أيضاً - على أنه كّبر حين شرع في الرفع .\rوحديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه أصرح من ذلك كله ؛ فإن فيه: أنه كان يكّبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى والثانية ، وهذا لا اختلاف فيه .\rوفي حديث أبي سعيد : التكبير حين قام من الركعتين ، وفي حديث عمران :إذا نهض من الركعتين كّبر .\rوقد اختلف في تأويل ذلك ، فحمله إلاكثرون على أنه كان يكّبر حين يشرع في القيام والنهوض .\rوفي حديث أبي هريرة المشار إليه في أول الباب : (( ويكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين )) .\rوهذا قول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد .\rوقال مالك-في أشهر الروايتين عنه - : لا يكبر إذا قام من الركعتين حتَّى يستوي قائماً ؛ لأنه روي في بعض ألفاظ حديث أبي حميد وأصحابه : ((حتى إذا قام من الركعتين كّبر )) .\rخرّجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان .\rوروي نحوه من حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما .\rوهذه الأحاديث محمولة على أنه كان يكبر إذا أراد القيام من التشهد الأول ؛ بدليل ما روي في رواية أخرى في حديث أبي حميد وأصحابه : ((ثم جلس بعد ركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام قام بتكبيرة)) .\rخرّجه أبو داود .\rفهذه الرواية تدل على أن معنى تلك الرواية :أنه كان إذا شرع في القيام من الركعتين كبر.\r* * *","part":6,"page":64},{"id":1252,"text":"145 - باب\rسنة الجلوس في التشهد\rوكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل ، وكانت فقيهة قال حرب الكرماني : نا عمرو بن عثمان : نا الوليد بن مسلم ، عن ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة جلسة الرجل إلا إنها تميل على شقها الأيسر ، وكانت فقيهةً .\rوهذا قول مالك والاوزاعي والشافعي ، وهو رواية عن النخعي وروى عن نافع ، أن أبن عمر كان يأمر نساءه أن يتربعن في الصلاة وروي من وجه آخر عن صفية بنت أبي عبيد امرأة عمر ، أنها كانت تتربع في الصلاة .\rوقال زرعة بن إبراهيم ، عن خالد بن اللجلاج ، كن النساء يؤمرن بأن يتربعن إذا جلسن في الصلاة ، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن ، يتقى ذلك عن المرأة ، مخافة أن يكون الشيء منها .\rخرّجه ابن أبي شيبة .\rوقال الإمام أحمد : تتربع في جلوسها أو تسدل رجليها عن يمينها ، والسدل عنده أفضل .\rوهو قول النخعي والثوري وإسحاق ؛ لأنه أشبه بجلسة الرجل ، وأبلغ في الاجتماع والضم . وحمل بعض أصحابنا فعل أم الدرداء على مثل ذلك ، وأما الإمام أحمد فصرّح بأنه لا يذهب إلى فعل أم الدرداء .\rوروى سعيد بن منصور بإسناده ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، قال كانت عائشة تجلس في الصلاة عن عرقيها وتضم فخذيها ، وربما جلست متربعة .\rوقال الشعبي : تجلس كما تيسر عليها وقال قتادة : تجلس كما ترى أنه أستر .\rوقال عطاء : لا يضرها أي ذلك جلست ، إذا اجتمعت . قال : وجلوسها على شقها الأيسر أحب إلى من الأيمن وقال حماد : تفعل كيف شاءت خرج فيه حديثين :\rالحديث الأول :\r827 - ثنا عبد الله بم مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم عن\rعبد الله بن عبد الله ، أنه اخبره أنه كان يرى ابن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس ففعلته وأنا يومئذ حديث السن ، فنهاني عبد الله بن عمر ، وقال : إنما سنة الصلاةُ أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى فقلت : إنك تفعل ذلك ؟ فقالَ أن رجلي لا\rتحملاني .\rوخرّجه النسائي من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن\rعبد الله بن عمر عن أبيه قال : من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة ، والجلوس على اليسرى وفي رواية - أيضاً- بهذا إسناد: من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى .\rوهذا حكمه حكم المرفوع ؛ لقوله : (( من سنة الصَّلاة )) وقد رواه مالك عن يحيى بن سعيد فجعله عن ابن عمر من فعله ولم يذكر : السنة خرّجه أبو داود وذكر فيه الجلوس على وركه الأيسر وسيأتي لفظه فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوظاهر الروايات التي قبل هذه : إنما تدل على الافتراش لا على التورك ورواية النسائي صريحة بذلك .\rالحديث الثاني :\r828-ثنا يحيى بن بكير:ثنا الليث عن خالد عن سعيد عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء- .","part":6,"page":65},{"id":1253,"text":"وثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالساً في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيته إذا كّبر جعل يديه حذاء منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف رجليه القبلة فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته .\rوسمع الليث بن يزيد بن أبي حبيب ويزيد من محمد بن حلحلة وابن حلحلة من ابن عطاء وقال أبو صالح ، عن الليث: كل فقار وقال ابن المبارك عن يحيى بن أيوب حدثني يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن عمرو بن حلحلة حدثه : كل فقار مقصود البخاري بما ذكره :\rاتصال إسناد هذا الحديث وأن الليث سمع من يزيد بن أبي حبيب وأن يزيد سمع من محمد بن عمرو بن حلحلة وأن ابن حلحلة سمع من محمد بن عمرو بن عطاء .\rوفي رواية يحيى بن أيوب التي علقها : التصريح بسماع يزيد من محمد بن عمرو بن حلحلة وأما سماع محمد بن عطاء من أبي حميد والنفر من الصحابة الذين معه ففي هذا رواية أنه كان جالساً معهم وهذا تصريح بالسماع من أبي حميد وقد صّرح البخاري في تأريخه بسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد كذلك . وقد روى هذا الحديث\rعبد الحميد أبن جعفر : حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : أبو قتادة بن ربعي - فذكر الحديث وفي آخره : قالوا : صدقت هكذا صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .\rوقال الترمذي : حسن صحيح .\rوسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي قتادة قد أثبته البخاري والبيهقي ورد على الطحاوي في إنكاره له وبين ذلك بياناً شافياً . وأنكر آخرون محمد بن عمرو بن عطاء لهذا الحديث من أبي حميد - أيضاً- وقالوا : بينهما رجل وممن قال ذلك : أبو حاتم الرازي والطحاوي وغيرهما . ولعل مسلماً لم يخّرج في صحيحه الحديث لذلك واستدلوا لذلك بأن عطاف بن خالد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء : حدثنا رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جلوساً - فذكر الحديث .\rوروى الحسن بن الحر الحديث بطوله ، عن عبد الله بن عيسى بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس - أو عياش - بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فيهم أبو ه وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي - فذكر الحديث","part":6,"page":66},{"id":1254,"text":"خرّجه أبو داود مختصراً وخرّجه -أيضاً- مختصراً من رواية بقية بن الوليد : حدثني عتبة بن أبي حكيم : حدثني عبد الله بن عيسى ، عن العباس بن سهل عن أبي حميد الساعدي - فذكره .. وكذلك رواه إسماعيل بن عياش عن عتبة أيضاً خرّجه من طريقه بقي بن مخلد في مسنده . وقال إسماعيل : عن عتبة عن عيسى بن عبد الله وهو أصح ورواه ابن المبارك عن عتبة عن عباس بغير واسطة وخرّجه أبو داود - أيضاً - من رواية فليح بن سليمان : حدثني عباس بن سهل ، قال أجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو وحميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث .\rوخّرج بعضه ابن ماجه والترمذي وصّححه . قال أبو داود : ورواه ابن المبارك : أخبرنا فليح ، قال : سمعت عباس بن سهل يحدث فلم أحفظه فحدثنيه أراه عيسى بن\rعبد الله أنه سمعه من عباس بن سهل قال : حضرت أبا حميد الساعدي - فذكره .\rوخرّجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق : حدثني عباس بن سهل بن سعد قال : جلست بسوق المدينة الضحى مع أبي أسيد وأبي حميد وأبي قتادة فذكر الحديث . قال أبو حاتم الرازي : هذا الحديث إنما يعرف من رواية عباس بن سهل وهو صحيح من حديثه ؛ كذا رواه فليح وغيره .فيتوجه أن يكون محمد بن عمرو إنما أخذه عن عباس فتصير رواية عبد الحميد بن جعفر مرسله ، وكذا رواية ابن حلحلة التي خرّجها البخاري ها هنا . ويجاب عن ذلك :\rبأن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي قد روى هذا الحديث عن محمد بن عمر بن عطاء أنه سمع أبا حميد يحدثه فكيف يعارض ذلك برواية عطاف بن خالد عن محمد بن عمرو بن عطاء وعطاف لا يقاوم ابن حلحلة ولا يقاربه .\rوقد تابع ابن حلحلة على ذكر سماع ابن عمرو له من أبي حميد : عبد الحميد بن جعفر وهو ثقة جليل مقدم على عطاف وأمثاله . وأما رواية عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو فعيسى ليس بذلك المشهور فلا يقضي بروايته على رواية الثقات الإثبات ؛ فان رواية عيسى كثيرة الاضطراب وإلاكثرون رووه عن عيسى عن عباس بغير واسطة منهم : عتبة بن أبي حكيم وفليح بن سليمان .\rواختلف فيه عن الحسن بن الحر : فروي عنه عن عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو بن عطاء : أخبرني مالك عن عباس - أو عياش - بن سهل أنه كان في مجلس فيه أبوه ففي هذه الرواية بين محمد بن عمرو وبين أبي حميد رجلان .\rوقد خرّجه البيهقي كذلك ثم قال روي -أيضاً- عن الحسن بن الحر عن عيسى عن محمد بن عمرو بن عطاء : حدثني مالك عن عباس وقوله : عباس أو عياش يدل على عدم ضبطه لهذا الاسم وإنما هو عباس بغير شك .\rوفي حديث الحسن بن الحر وهم في هذا الحديث وهو أنه ذكر أنه تورك في جلوسه بين السجدتين دون التشهد وهذا مما لا شك أنه خطأ فتبين أنه لم يحفظ متن هذا الحديث ولا إسناده .\rوالصحيح في اسم هذا الرجل أنه عيسى بن عبد الله بن مالك الدار وجده مولى عمر بن الخطاب ومن قال فيه : عبد الله بن عيسى -كما وقع في روايتين لأبي داود- فقد وهم .","part":6,"page":67},{"id":1255,"text":"وزعم الطبراني أنه : عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو وهم - أيضاً - وأما هو : عيسى بن عبد الله ابن مالك الدار -: قال البخاري في تأريخه وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين . وقال ابن المديني فيه : هو مجهول\rوحينئذ ؛ فلا يعتمد على روايته مع كثرة اضطرابها وتعلل بها رويات الحفاظ الإثبات .\rفظهر بهذا : أن أصح روايات هذا الحديث رواية لبن حلحلة عن محمد بن عمرو التي أعتمد عليها البخاري ورواية عبد الحميد المتابعة لها ورواية فليح وغيره عن عباس بن سهل مع أن فليحاً ذكر أنه سمعه من عباس ولم يحفظه عنه إنما حفظه عن عيسى عنه .\rوأما ما تضمنه حديث أبي حميد من الفقه في أحكام الصلاة فقد سبق ذكر عامة مافيه من الفوائد مفرقاً في مواضع متعددة وبقي ذكر صفة جلوسه للتشهد وهو مقصود البخاري في هذا الباب .\rوقد دل الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في التشهد الأول مفترشاً ، وفي التشهد الثاني متوركاً .\rخرّجه أبو داود من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب بإسناده ولفظه : فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة .\rولم يذكر أحد من رواة حديث أبي حميد التشهدين في حديثه سوى ابن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء وقد ذكر غيره من الرواة التشهد الأول خاصة وبعضهم ذكر الأخير خاصة .\rففي رواية فليح عن عباس بن سهل عن أبي حميد - فذكر الحديث وفيه : ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ووضع كفه اليمن على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بإصبعه . خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصحّحه ..\rورواه -أيضاً- عتبة بن أبي حكيم عن عيسى -أو ابن عيسى عن العباس - بمعناه - أيضاً .\rففي هذه الرواية : ذكر التشهد الأول خاصة .\rوأما ذكر التشهد الأخيرة ففي رواية عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو عن أبي حميد - فذكر الحديث وفيه : حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وصحّحه الترمذي .\rوقد خرّجه الجوزجاني في كتابه المترجم عن أبي عاصم عن [ ... .. أنه كانَ] في الثنتين يثني رجله اليسرى فيقعد عليها معتدلاً حتى يقر كل عظم منه موضعه ثم ذكر : توركه في تشهده الأخير وهذه زيادة غريبة .\rوقد خرّج أبو داود وابن ماجه الحديث من رواية أبي عاصم وخرّجه الإمام أحمد عن أبي عاصم ولم يذكروا صفة جلوسه في الركعتين إنما ذكروا ذلك في جلوسه بين السجدتين .\rوفي حديث عبد الحميد : زيادة ذكر رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول وكذلك في حديث عتبة بن أبي حكيم -أيضاً .\rوقد أخذ بهذا الحديث في التفريق بين الجلوس في التشهد الأول وإلاخر في الصلاة فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق . ثم اختلفوا :","part":6,"page":68},{"id":1256,"text":"فقال الشافعي : يتورك في التشهد الذي يعقبه السلام بكل حال سواء كانت الصلاة فيها تشهد واحد أو تشهدان ؛ لأن التشهد الذي يسلم فيه يطول بالدعاء فيه فيتورك فيه ؛ لأن التورك أهون من الافتراش . وقال أحمد وإسحاق : إن كان فيها تشهدان تورك في الأخير منهما وإن كان فيها تشهد واحد لم يتورك فيه ، بل يفترش .\rفيكون التورك للفرق بين التشهدين ويكون فيه فائدتان : نفي السهو عن المصلي ومعرفة الداخل معه في التشهد : هل هو في الأول أو الثاني . واتفقوا - أعني : هؤلاء الثلاثة - على أنه يفرش في التشهد الأول الذي لا يسلم فيه .\rوقد خرّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث وائل بن حجر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي فلما جلس أفترش . لكن اختلفت ألفاظ الروايات فيه :\rففي رواية الترمذي : (( يعني للتشهد )) وهذا التفسير من بعض الرواة وفي رواية للإمام أحمد : أن ذلك كان في جلوسه بين السجدتين . وفي رواية للنسائي : أنه كان يفعل ذلك إذا جلس في الركعتين وهذه الرواية ، إنما تدل على افتراشه في جلوسه ، بعد الركعتين وأحمد وإسحاق يقولان بذلك .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى . وهو محمول على صلاة الركعتين ،بدلالة سياق أول الكلام .\rوخّرج أبو داود من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته: (( إذا قعدت فاقعد على فخذك اليسرى )) .\rوفي رواية أخرى له - : (( فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وأفترش فخذك اليسرى ، ثم تشهد )) .\rوهذه الرواية تدل على أنه إنما أمره بالافتراش في التشهد الأول خاصة . وفي\r(( المسند )) من طريق ابن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه ،عن ابن مسعود ، قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها . فكنا نحفظ عن ابن مسعود ، حين أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه إياه ، فكان يقول : إذا جلس في وسط الصلاة وفي أخرها على وركه اليسرى : (( التحيات لله )) - إلى آخر التشهد .\rوالظاهرُ : أن قوله (( على وركه )) يعود إلى قوله : (( وفي آخرها خاصة )).\rوذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يفترش في جميع التشهدات ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك ، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم . وقال طائفة : يتورك في جميعها ، وهو قول مالك ، وكذا قال في الجلوس بين السجدتين .وجميع ما سبق ذكره العلماء : أنه يفترش فيه . وفي (( صحيح مسلم )) عن ابن الزبير ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه اليمنى وقد فسره بالتورك حرب الكرماني وغيره .","part":6,"page":69},{"id":1257,"text":"وقد روى التورك في الجلوس في الصلاة عن ابن عمر ، ذكره مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه أراهم الجلوس في التشهد منضب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى ، وجلس على وركه الأيسر ، ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وأخبرني أن أباه كان يفعل ذلك . وخرّجه أبو داود من طريقه .\rوقال ابن جرير الطبري : كل ذلك جائز ؛ لأنه يروى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيخير المصلي بينه ، فيفعل منه ما شاء . ومال إلى قوله ابن عبد البر .\rوقد نص أحمد في رواية إلاثرم عل الجواز التورك في التشهد الذي يسلم فيه من ركعتين ، مع قوله : إن الافتراش فيه أفضل . وقد روي النهي عن التورك في الصلاة ، ولا يثبت ، وفيه حديثان : أحدهما : من رواية يحيى بن إسحاق ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك وإلاقعاء في الصلاة خرّجه أبو داود في كتاب التفرد )) . وقال : هذا الحديث ليس بالمعروف .\rوخرّجه البزار في (( مسنده )) .\rوقال : لا يروى عن أنس إلا من هذا الوجه ، وأظن يحيى أخطأ فيه . وقال أبو بكر البرديجي في كتاب (( أصول الحديث )) له : هذا حديث لا يثبت ؛ لأن أصحاب حماد لم يجاوزوا به قتادة . كأنه يشير إلى أن يحيى أخطأ في وصله بذكر انس ، وأنما هو مرسل .\rوثانيهما : من رواية سعيد بن بشير ، عن الحسن ، عن سمرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك وإلاقعاء ، وأن لا نستوفز في صلاتنا . خرّجه البزار .\rوقال : سعيد بن بشير ، لا يحتج به . وخرّجه الإمام أحمد ، ولفظه : أمرنا\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نعتدل في الجلوس ، وأن لا نستوفز .\r* * *","part":6,"page":70},{"id":1258,"text":"146 - باب\rمن لم يرى التشهد الأول واجباً\rلان النبي - صلى الله عليه وسلم - قام من الركعتين ولم يرجع\r829 - حدثنا أبو اليمان : أخبرنا شعيب ، عن الزهري : حدثني عبد الرحمن بن هرمز مولى بني عبد المطلب - وقال مرة : مولى ربيعة بن الحارث - أن عبد الله بن بحينه - وهو من أزد شنوءة ، وهو حليف لبني عبد مناف ، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ، لم يجلس ، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس ، فسجد سجدتين قبل أن\rيسلم ، ثم سلم .\rعبد الرحمن بن هرمز : هو الأعرج ؛ وهو مولى ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب ، فلذلك نسبه الزهري مرة إلى ولاء بني عبد المطلب ، ومرة إلى مولاه .\rوقد استدل بهذا الحديث كثير من العلماء - كما أشار إليه البخاري - على أن التشهد الأول ليس بواجب ؛ لأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نسيه ، ولم يرجع بعد قيامه إلى الركعة الثالثة . وممن ذهب إلى أن التشهد الأول والجلوس لهُ سنة لا تبطل الصَّلاة بتركهما عمداً : النخعي وأبو حنيفة وإلاوزاعي ومالك والشافعي وحكي رواية عن أحمد .والمنصوص عن أحمد : إنكار تسميته سنة ، وتوقف في تسميته فرضاً ؛ وقال : هو أمر أمر به\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال الثوري وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق وأبو ثور وداود : أن ترك واحداً منها عمداً بطلت الصلاة ، وإن تركه سهواً سجد لسهو. وحكى الطحاوي مثله عن مالك .\rلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يداوم عليه، وقال : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) ، وإنما تركه نسياناً ، وجبره بسجود السهو، وقد روى عنه الأمر به . كما خرّجه أبو دواد من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته : (( فإذا جلست في وسط الصلاة فأطمئن وأفترش فخذك اليسرى ثم تشهد )) .\rوالعجب أن من المخالفين في ذلك من يقول في خطبتي الجمعة : إذا لم تجلس بينهما لم تصح الخطبة ، وهو يقول : لو صلى الظهر أربعاً من غير جلوس في وسطها صحت صلاته .\rوأما التشهد الأخر والجلوس به ، فقال كثير من العلماء : إنهما من فرائض\rالصلاة ، ومن تركهما لم تصح صلاته ، وهو قول الحسن ومكحول ونافع مولى ابن عمر والشافعي وأحمد - في ظاهر مذهبه - وإسحاق وأبي ثور وداود .\rوحكى ابن المنذر مثله عن مالك ، إلا أنه قال : إذا نسيه خلف الإمام حمله\rعنه ، وروي عن إلاوزاعي نحوه . ونقل مهنا عن أحمد ما يدل على مثل ذلك . وقال أبو مصعب : من ترك التشهد بطلت صلاته ، ونقله عن مالك وأهل المدينة . وقالت طائفة : هو سنة كالتشهد الأول ، لا تبطل الصلاة بتركه ، منهم : النخعي وقتادة وحماد وإلاوزاعي ، وهو المشهور عن مالك .\rونقل محمد بن يحيى الكحال ، عن أحمد ، فيمن سلم ولم يتشهد : لا إعادة ، واستدل بحديث ابن بحينه . ونقل ابن وهب ، عن مالك ، قال : كل أحد يحسن\rالتشهد ؟ وإذا ذكر الله أجزاء عنه .","part":6,"page":71},{"id":1259,"text":"وقال أحمد - في رواية عنه ،نقلها حرب - : إذا لم يقدر أن يتعلم التشهد يدعو بما أحب . وأوجب أبو حنيفة الجلوس له بقدر التشهد ، دون التشهد ، وهو رواية عن الثوري .\rوروي عنه : أن أحدث قبل التشهد تمت صلاته . وحكي القول بأنه رواية عن أحمد - أيضاً - حكاه عنه الترمذي في (( جامعه )) ، فأنه قال في رواية ابن منصور ، وقد قيل : فأن لم يتشهد وسلم ؟ قال : التشهد أهون ؛ قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثنتين ولم يتشهد فحمله هؤلاء على أن التشهد غير واجب .\rومنهم من حملة على التشهد الأول ؛ لاستدلاله عليهِ الحديث ، والحديث إنما ورد في الأول ، وقالوا : قد فرق بين الأول والثاني في روايات آخر عنه . وقال طائفة : هوَ واجب ، تبطل الصَّلاة بتركه عمداً ، ويسجد لسهوه ، وهو قول الزهيري والثوري ، وحكي عن إلاوزاعي -أيضاً- ونقله إسماعيل بن سعيد وأبو طالب وغيرهما عن\rأحمد .\rوذكر أبو حفص البرمكي من أصحابنا : أن هذا هو مذهب أحمد ، وأنه لا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني ، وإنهما واجبان تبطل الصلاة بتركهما عمداً ، ويسجد لسهوهما .\rوهو - أيضاً - قول أبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي وابن أبي شيبة واستدل من قال :\rأنه فرض ، بما روي عن ابن مسعود ، أنه قال : كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد : (( السلام على الله )) - الحديث ، وذكر فيه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بالتشهد وتعليمه لهم .\rخرّجه الدارقطني ، وقال : إسناده صحيح .\rوخرّج البزار والطبراني من حديث ابن مسعود،أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم التشهد ، وقال لهم : (( تعلموا ؛ فإنه لا صلاة إلا بتشهد )) . وفي إسناده أبو حمزة ، ضعيف جداً .\rوخرّج الطبراني نحوه من حديث علي مرفوعاً ، بإسناد لا يصح . وقد روى موقوفاً على ابن مسعود ، وهو أشبه .\rوروى شعبة، عن مسلم أبي النضر ، قال : سمعت حملة بن عبد الرحمن ، عن\rعمر ، أنه قالَ : لا تجزي صلاة إلا بتشهد . خرّجه الجوزجاني وغيره .\rوفي رواية : قالَ : من لم يشهد فلا صلاة لهُ . وخرّجه البهقي ، وعنده التصريح بسماع حملة لهُ من عمر .\r* * *","part":6,"page":72},{"id":1260,"text":"147- باب\rالتشهد في الأولى\r383 - حدثنا قتيبة : ثنا بكر - هو ابن مضر - ، عن جعفر بن ربيعة ، عن الأعرج ، عن عبد الله بن مالك بن بحينة ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فقام وعليه جلوس ، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالسٌ .\rيعني البخاري : التشهد في الجلسة الأولى في الصلاة وحديث ابن بحينة قد سبق في الباب الماضي وفيه : دليل على أن من تركه نسياناً لم تبطل صلاته ، وأنه يسجد للسهو لتركه ، وقد سبق حكم تركه نسياناً وعمداً في الباب الماضي . ومذهب أحمد : إن تركه نسياناً لزمه (( بسجود به أن يجبره بسهوويه )) وإن تركه عمداً بطلت صلاته ؛ كما سبق ذكره .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في كل ركعتين التحية .\rوخرّجه البهيقي ، ولفظه : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين كل ركعتين تحية .\rوخرّج أبو داود من حديث سمرة بن جندب ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدؤوا قبل التسليم : (( التحيات والطيبات والصلوات والملك لله )) ، ثم سلموا .\rوالتشهد بعد الركعتين - وإن لم يسلم منه - إشارة إلى أن كل صلاة ركعتين صلاة تامة ، فيتشهد عقبها ، وإن كان يقوم منها إلى صلاة ؛ فان الصلاة التي يقوم إليها كالصلاة المستقبلة .\rولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أكثر من ركعتين بغير تشهد غير صلاة الليل ؛ فإنه قد روي عنه أنه كان يصلي ثمانياً واربعاً ثم يتشهد .\r* * *","part":6,"page":73},{"id":1261,"text":"148 - باب\rالتشهد في الآخرة\rيعني : في الجلسة الأخيرة في الصلاة\r831 - حدثنا أبو نعيم :ثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، قال : قال عبد الله :كنا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا :السلام على جبريل ومكائيل ، السلام على فلان السلام على فلان ، فالتفت إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إن الله هو السلام )) فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله عز وجل صالح في السماء وإلا رض ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )) .\rوإنما خص البخاري هذا الحديث بالتشهد الأخير . لأنه روي في آخره الأمر بالتخيير من الدعاء ، كما سيأتي ، والدعاء يختص بالأخير ، ولكن المراد بالتشهد الأخير : كل تشهد يسلم منه ، سواء كان تشهد آخر أم لا .\rوخرج الإمام أحمد والنسائي حديث ابن مسعود بلفظ آخر وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات لله )) - فذكره وقال في آخره :\r(( ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ، فليدع به ربه عز وجل )) .\rوهذا اللفظ صريح في أنه يتشهد بهذا التشهد في كل ركعتين يسلم منهما .\rوخرّجه الترمذي والنسائي - أيضاً بلفظ آخر وهو : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعدنا في الركعتين أن نقول : (( التحيات لله )) - فذكره ، ولم يذكر بعده الدعاء . وخرّجه الإمام أحمد بلفظ ، وهو : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها - وذكر الحديث ، وقد سبق ذكر إسناده ، وقال في آخره : ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده ، وإن كان في آخرها ، دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ، ثم يسلم .\rوهذه الرواية صريحة في أنه يتشهد به في التشهد الأول وإلاخر . وخرّجه النسائي بلفظ آخر ، وهو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : (( قولوا في كل جلسة : التحيات لله )) - فذكره .\rوهذا يشمل الجلوس الأول والثاني .وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( أن الله هو السلام )) إنما قاله نهياً لهم على أن يقولوا : (( السلام على الله من عباده )) ، وكانوا يقولون ذلك ، ثم يسلمون على جبريل وميكائيل وغيرهما .\rوقد خرّج البخاري في رواية أخرى ، يأتي ذكرهما - إن شاء الله تعالى ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الصلوات التي قالوا فيها ذلك ، واستدل بذلك على أن كلام الجاهل لا يبطل الصلاة ؛ فإن هذا الكلام منهيٌ عنه في الصلاة وغيرها؛ فإن الله تعالى هو السلام ؛ لأنه القدوس بالمبدأ من الآفات والنقائص كلها ، وذلك واجب له لذاته ، ومنه يطلب السلامة لعباده ؛ فإنهم محتاجون إلى السلامة من عقابه وسخطه وعذابه .","part":6,"page":74},{"id":1262,"text":"وفي قولهم هذا الكلام قبل أن يعلموا التحيات : دليل على أنهم رأوا أن المنصرف من صلاته لا ينصرف حتى يحيي الله تعالى وخواص عباده بعده ، ثم ينصرف ، ثم يسلم ؛ لأن المصلي يناجي ربه ما دام يصلي ،فلا ينصرف حتى يختم مناجاته بتحية تليق به ، ثم يحيي خواص خلقه ، ثم يدعو لنفسه ، ثم يسلم على الحاضرين معه ، ثم ينصرف .\rوقد أقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما قصدوه من ذلك، لكنه أمرهم أن يبدلوا قولهم :\r(( السلام على الله )) ، بقولهم : (( التحيات لله )) . والتحيات : جمع تحية ، وفسرت التحية بالملك ، وفسرت بالبقاء والدوام وفسرت بالسلامة ؛ والمعنى : أن السلامة من الآفات ثابت لله ، واجب له لذاته .\rوفسرت بالعظمة ، وقيل : إنها تجمع ذلك كله ، وما كان بمعناه ، وهو أحسن .\rقال ابن قتيبة : إنما قيل (( التحيات ))بالجمع ؛ لأنه كان لكل واحد من ملوكهم تحية يحيا بها ،فقيل لهم : (( قولوا : التحيات لله )) أي : أن ذلك يستحقه الله وحده .\rوقوله : (( والصلوات )) فسرت بالعبادات جميعها ، وقد روي عن طائفة من المتقدمين : أن جميع الطاعات صلاة ، وفسرت الصلوات هاهنا بالدعاء ، وفسرت بالرحمة ، وفسرت بالصلوات الشرعية ، فيكون ختام الصلاة بهده الكلمة كاستفتاحها بقول : { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام:162] وقوله : (( والطيبات )) ، فسرت بالكلمات الطيبات ، كما في قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ } [فاطر 10 ] فالمعنى : إن ما كان من كلام فإنه لله ، يثنى به عليه ويمجد به .\rوفسرت (( الطيبات )) بالاعمال الصالحة كلها ؛ فإنها توصف بالطيب ، فتكون كلها لله بمعنى : أنه يعبد بها ويتقرب بها إليه .\rفهذا جعله النبي- صلى الله عليه وسلم - بدل قوله : (( السلام على الله )) وأما سلامهم على جبريل وميكائيل وفلان وفلان من خواص الخلق ، فأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذكر السلام ؛ لأن الخلق كلهم يطلب السلام من الله . وفي تفسير (( السلام على فلان)) قولان :\rأحدهما : أن المراد بالسلام اسم الله - يعني : فكأنه يقول : اسم الله عليك .\rوالثاني : أن المراد : سلّم الله عليك تسليماً وسلاماً ، ومن سلّم عليه الله فقد سلم من الآفات كلها ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداءً ؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم ، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق ؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان بتعليمه وإرشاده - صلى الله عليه وسلم - تسليماً ، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته .\rوالسلام على النبي بلفظ : (( السلام عليك أيها النبي )) ، وهكذا في سائر الروايات ؛ ولذلك كان عمر يعلم الناس في التشهد على المنبر بمحضر من الصحابة .","part":6,"page":75},{"id":1263,"text":"وقد اختار بعضهم أن يقال بعد زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( السلام على النبي )) ، وقد ذكر البخاري في موضع آخر من (( كتابه )) أنهم كانوا يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في التشهد كذلك ، وهو رواية عن ابن عمر وعائشة .\rثم عطف على ذكر السلام على النبي : (( ورحمة الله وبركاته )) ، وهذا مطابق لقول الملائكة لإبراهيم عليه سلام : { رَحْمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ } [ هود : 73 ]ويستدل بذلك على جواز الدعاء بالرحمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه اختلاف بين العلماء .\rثم أمرهم بعد ذلك بأن يقولوا : (( السلام علينا )) والضمير عائد على المصلي نفسه ، وعلى من حضره من الملائكة والمصلين وغيرهم .\rوفي هذا مستند لمن أستجب لمن يدعوه لغيره أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبله ، وهو قول علماء الكوفة ، وخالفهم آخرون ، وقد أطال الاستدلال لذلك في (( كتاب\rالدعاء )) من (( صحيحه )) هذا ، ويأتي - أن شاء الله تعالى - في موضعه بتوفيق الله وعونه .\rوقوله : (( وعلى عباد الله الصالحين )) هو كما قال - صلى الله عليه وسلم - : (( فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض )) . فيعني ذلك عن تعيين أسمائهم ؛ فإن حصرهم لا يمكن ، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها - صلى الله عليه وسلم - وقد خرّج النسائي حديث ابن مسعود في التشهد ، ولفظه : قال عبد الله : كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا ، فعلمنا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم : (( التحيات لله )) - فذكره . وفي رواية أخرى له : كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين ، غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا ، وأن محمد - صلى الله عليه وسلم - علم فواتح الكلم وخواتمه ، فقال : (( إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات الله )) - فذكره .\rثم أمرهم أن يختموه بالشهادتين ، فيشهدون لله بتفرده بإلالهية ، ويشهدون لمحمد بالعبودية والرسالة ؛ فإن مقام العبودية أشرف مقامات الخلق ؛ ولهذا سمى الله محمد - صلى الله عليه وسلم - في أشرف مقاماته وأعلاها بالعبودية ، كما قال تعالى في صفة ليلة الإسراء : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } [الإسراء : 1] ، وقال : { فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } [النجم :\r10 ] .\rوقال في حقه في مقام الدعوة : { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ } [ الجن :19] ،\rوقال : { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } [ البقرة : 23 ] .\rولهذا المعنى لما سلّم على الصالحين في هذا التشهد سماهم : (( عبادا الله )) ، والصالحون هم القائمون بما لله عليهم من الحقوق له ولخلقه ، وإنما سمي التشهد تشهداً لختمه بالشهادتين .","part":6,"page":76},{"id":1264,"text":"ولم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود ، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التشهد من روايات أخر فيها بعض المخالفة لحديث ابن مسعود بزيادة ونقص ، وقد خرج مسلم منها حديث ابن عباس وأبي موسى الأشعري ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وإسحاق .\rوحديث أبي موسى فيه : (( التحيات الطيبات الصلوات لله )) ، وباقيه كتشهد ابن مسعود . وحديث ابن عباس فيه : (( التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله )) وباقيه كتشهد ابن مسعود ، غير أن في آخره : (( وأشهد أن محمداً رسول الله )) . وكل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التشهدات ، فإنه يصح الصلاة به ، حكى طائفة الإجماع على ذلك ، لكن اختلفوا في أفضل التشهدات :\rفذهب إلاكثرون إلى ترجيح تشهد ابن مسعود ، وتفضيله ، والأخذ به وقد روى ابن عمر ، أن أبا بكر الصديق كان يعلمهم على المنبر كما يُعلم الصبيان في الكتاب ، ثم ذكره بمثل تشهد ابن مسعود . خرّجه ابن أبي شيبة .\rوروى - أيضاً - نحوه عن أبي سعيد الخدري وغيره ، وهو قول علماء العراق من أهل الكوفة والبصرة ، من التابعين ومن بعدهم .\rقال أبو إسحاق ، عن الأسود : رأيت علقمة يتعلم التشهد من عبد الله ، كما يتعلم السورة من القرآن . وقال إبراهيم ، عن الأسود : كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القران ، يأخذ علينا الألف والواو .\rوقال إبراهيم : كانوا يتحفظون هذا التشهد - تشهد عبد الله - ويتبعونه حرفاً حرفاً .\rخرّجه ابن أبي شيبة وغيره وذكر الترمذي أن العمل على تشهد ابن مسعود عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ، وأنه قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وأهل الرأي وكثير من أهل المشرق وحكاه ابن البر عن أكثر أهل الحديث .\rوروي عن خصيف قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت : يا رسول الله ، اختلف علينا في التشهد : فقال : (( عليك بتشهد ابن مسعود )) . وقد نص أحمد على أنه لو تشهد بغيره بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجزئه .\rوذكر القاضي أبو يعلى : أن كلام أحمد في التشهد بما روي عن الصحابة ، كعمر أو غيره : هل يجزئ ، أو لا ؟ - محتمل ، والأظهر : أنه يجزئ . وقد روي عن علي وابن عمر وعائشة تشهدت أخر .\rوقد نص إسحاق على جواز التشهد بذلك كله - : نقله حرب ومن أصحابنا من قال : يجب التشهد بتشهد ابن مسعود ، ولا يجزئ أن يسقط منه واواً ولا الفاً . وهذا خلاف أحمد .\rوالمحققون من أصحابنا على أنه يجوز التشهد بجميع أنواع التشهدات المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نص عليه أحمد .\rوقال طائفة ، منهم : القاضي أبو يعلى في كتابه (( الجامع الكبير )) : إذا أسقط من التشهد ما هو ساقط في بعض الروايات دون بعض صحت صلاته ، وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح .\rوقيل لأحمد : لو قال في تشهده : (( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله )) :","part":6,"page":77},{"id":1265,"text":"هل يجزئه ؟ قالَ : أرجو .\rوقد ورد مثل ذَلِكَ في بعض روايات حديث أبي موسى ، وهو في بعض نسخ\r(( صحيح مسلم )) ، وهي رواية لأبي دواد والنسائي .\rوالأفضل عند الشافعي : التشهد بتشهد ابن عباس ، الذي نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرّجه مسلم ، وهو قول الليث بن سعد .\rوالأفضل عن مالك تشهد عمر بن الخطاب ، وقد ذكره في (( الموطأ )) موقوفاً على عمر ، أنه كان يعلمه الناس على المنبر يقول : قولوا : (( التحيات لله ، الزاكيات\rلله ، الصلوات لله )) وباقيه كتشهد ابن مسعود وإليه ذهب الزهري ومعمر .\rوقد روى عن عمر مرفوعاً من وجوه لا تثبت ، والله أعلم .\rوطائفة مم علماء الأندلس اختاروا تشهد ابن مسعود ، وكان يقال عنه : أنه لم يكن بالاندلس من اجتمع له علم الحديث والفقه أحد قبله مثله . وقد روي من حديث سلمان الفارسي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد حرفاً حرفاً - فذكر مثل حديث تشهد ابن مسعود سواء ، قال : ثم قال : (( قلها يا سلمان في صلاتك ، ولا تزد فيها حرفاً ، ولا تنتقص منها حرفاً )) .\rخرّجه البزار في (( مسنده )) وفي إسناده ضعف . والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":78},{"id":1266,"text":"149 - باب\rالدعاء قبل السلام\rفيه حديثان\rالأول :\r832 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب ، عن الزهري : أنا عروة ، عن عائشة أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في الصلاة : (( اللهم أني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات ، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم )) ، فقال له قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ؟ فقالَ :\r(( إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فاخلف )) .\r833 - وعن الزهري ، قال : أخبرني عروة ، أن عائشة قالت : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال .\rإنما في هذا الحديث أنه كان يدعو بذلك في صلاته ، وليس فيه أنه كان يدعو به في تشهده قبل السلام ، كما بوب عليه . وقد روى مسروق ، عن عائشة في ذكر عذاب القبر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يصل صلاة بعد ذلك إلا تعوذ من عذاب القبر . وقد خرّجه البخاري في موضع آخر .\rوخرّجه النسائي من رواية جسرة بنت دجاجة ، عن عائشة ، وفي حديثها : أنه كان يقول في ذلك دبر كل صلاة . وهذا يدل على أنه كان يقوله في تشهده .\rويستدل على ذلك - أيضاً- بحديث أخر ، خرّجه مسلم من رواية إلاوزاعي ، عن حسان ابن عطية ، عن محمد بن أبي عائشة ، عن أبي هريرة وعن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r(( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع ، يقول : اللهم أني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال )) .\rوفي رواية له بالطريق الأول خاصة : (( إذا فرع أحدكم من التشهد فليقل )) .\rوفي رواية أخرى له أيضاً -: (( التشهد الأخير )) .\rوخرّج -أيضاً- من رواية هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من ذلك - ولم يذكر : الصلاة .\rوكذلك خرّجه البخاري في (( الجنائز )) من رواية هشام .\rوهذا يدل على أن رواية إلاوزاعي حمل فيها حديث يحيى ، عن أبي سلمة على لفظ حديث حسان ، عن ابن أبي عائشة ، ولعل البخاري لم يخرّجه لذلك ؛ فإن المعروف ذكر الصلاة في رواية ابن أبي عائشة خاصة ، ولم يخرج له البخاري .\rوخرّج أبو داود من رواية عُمر بن يونس اليمامي : حدثني ابن عبد الله بن\rطاوس ، عن أبيه ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يقول بعد التشهد : (( اللهم ، إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، وأعوذ بك من فتنة الدجال )) .\rوروى مالك ، عن أبي الزبير ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهم الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن - فذكره ، ولم يذكر : الصلاة .\rوخرّجه من طريقه مسلمٌ .","part":6,"page":79},{"id":1267,"text":"وكذلك خرج - أيضاً- من طريق ابن عيية ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة -ومن طريق عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يأمر بهذا التعوذ ، ولم يذكر : الصلاة - أيضاً .\rوذكر مسلم ، أنّ طاوساً كان يروي هذا الحديث عن ثلاثة ، أو عن أربعة ، وأنه أمر ابنه أن يعيد الصلاة حيث لم يتعوذ فيها من ذلك .\rوخرّجه الحاكم من طريق ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوذكر الدارقطني أن ابن طاوس كانَ يرويه ، عن أبيه مرسلاً .\rوسماع عائشة دعاء النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاته يدل على أنه كانَ أحياناً يسمع من يليه دعاءه ، كما كانَ أحياناً يسمع من يليه الآية من القرآن .\rالحديث الثاني :\r834 - حدثنا قتيبة : ثنا الليثُ ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن أبي بكر الصديق ، أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمني دعاء أدعو به في صلاتي . قال :\r(( قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فأغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم )) .\rوهذا الحديث - أيضاً - إنما فيه : ذكرُ الدعاء في الصلاة من غير تخصيص بالتشهد ، وقد سبق ذكرُ الدعاء في الركوع والسجود والاختلاف فيه . والكلام على الاختلاف في إسناد هذا الحديث ، وفي بعض ألفاظه وفي معانيه يأتي في موضع آخر - أن شاء الله سبحانه وتعالى .\r* * *","part":6,"page":80},{"id":1268,"text":"150- باب\rما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب\r835 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن الأعمش : حدثني شقيق ، عن عبد الله ، قال : كُنا إذا كُنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة قلنا : السلام على الله من عباده ، السلام على فلان وفلان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء - أو بين السماء والأرض - أشهد إلا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسولهُ ، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فبدعوا )) .\rوقد سبق في رواية للإمام أحمد التصريح بأن هذا الدعاء إنما هو في التشهد الأخير خاصةً ، فأما التشهد الأول فلا يدعو بعده عند جمهور العلماء ، ولا يزاد عليه عند أكثرهم ، حتى قال الثوري -في رواية عنه- إن فعل ذلك عمداً بطلت صلاته .\rإلا أن الشافعي - في الجديد - قال : يصلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده دون آله .\rوقال مالك : يدعى فيه كالتشهد الأخير .\rوروي عن ابن عمر .\rوخرّج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل تسع ركعات ، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ، فيحمد الله ويثني على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ويدعو بينهن ، ولا يسلم ، ثم يصلي التاسعة ويقعد، ويحمد الله ويصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ويدعو ، ثم يسلم تسليماً يسمعناً .\rوحمل بعض أصحابنا هذا على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله أحيانا في صلاة النفل ، لبيان الجواز دون الاستحباب .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عبيدة ، عن أبيه عبد الله بن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الركعتين كأنه على الرضف حتى يقوم .\rوحسّنه .\rوأبو عبيدة ، وإن لم يسمع من أبيه ، إلا أن أحاديثه عنه صحيحة ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه - : قاله ابن المدني وغيره .\rوروي عن أبي بكر الصديق نحو ذلك .\rفأما الدعاء قبل السلام في التشهد الأخير ، فإنه مشروع بغير خلاف .\rوحكى ابن المنذر ، عن الحسن ، أنه كَرِه الدعاء في المكتوبة ، وأباحه في\rالتطوع .\rولعله أراد في غير التشهد . وقد دل عليه حديثُ ابن مسعود هذا ، وليس هو بواجب كما ذكره البخاريّ ، ومن العلماء من حكى الإجماع على ذلك .\rقد يستدل بما روى الحسن الحر ، عن القاسم بن مخيمرة ، قال أخذ علقمة\rبيدي ، فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده ، فعلّمه التشهد في الصلاة - فذكر إلى آخره ، ثم قال : إذا قلت هذا - أو قضيتُ هذا- فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وان شئت أن تقعد فاقعد .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود .\rوقال إسحاق بن راهويه : صح هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.","part":6,"page":81},{"id":1269,"text":"وهذا ظاهر في أن ما بعد التشهد ليس بواجب ، ولكن قد قيل : إن القائلَ :\r(( إذا قلت هذا )) إلى آخره ، هو ابن مسعود ، وليس مرفوعاً - ؛ كذلك قاله الدارقطني وأبو علي النيسابوري والبيهقي وأبو بكر الخطيب وغيرهم من الحفاظ .\rعلى هذا التقدير ، فإذا قال ابن مسعود هذا ، وهو راوي الحديث الذي فيه :\r(( ثم ليتخير من الدعاء )) دل على أنه فهم من ذلك الاستحباب دون الوجوب ؛ ولهذا ردّه إلى اختياره ومشيئته وإعجابه ، وراوي الحديث أعلم بمعنى ما روى ، فيرجع إليه فهم ذلك .\rوقد سبق عن طاوسٍ : ما حكاه عنه مسلم ، أنه بلغه عنه ، أنه أمر ابنه بالاعادة إذا لم يتعوذ في صلاته من تلك الأربع .\rوحكي بعض أصحابنا وجهاً لهم بمثل ذلك .\rوحكُي عن أبي طالب ، عن أحمد ، أنه قال : من ترك شيئاً من الدعاء في الصلاة عمداً يعيد .\rوقوله : (( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو )) يستدل به على أنه يجوز الدعاء في الصلاة بما لا يوافق لفظه لفظ القرآن ، وعامة الأدعية المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته كذلك ، وقد سبق في الباب الماضي بعض ذلك .\rوهذا قول جمهور العلماء ، خلافاً لأبي حنيفة والثوري في قولهما : لا يدعو في صلاته إلا بما يوافق لفظَ القرآن ، فإن خالف بطلت صلاته .\rوحكى أصحاب سفيان الثوري مذهبه كذلك .\rوالصحيح - المنصوص عن أحمد- : أنه يجوز الدعاء بما يعود بمصلحة الدين بكل حالٍ ، وهو قول جمهور العلماء .\rوفي (( سنن أبي داود )) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : (( كيف تقول في الصلاة ؟ )) قالَ : أتشهد ، ثُمَّ أقول : اللهمّ إني أسألك الجنة ، وأعوذُ بك من النار ، أما إني لا أحسنُ دندنتك ولا دندنة معاذ ، قالَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( حولها ندندن )) . وهذا يشعر بأنه يجوز الدعاء بمصالح الآخرة بأي لفظٍ كان .\rواختلفوا : هل يجوز الدعاء في الصلاة بالمصالح الدنيوية خاصة ؟\rفقالت طائفة : يجوز ، منهم : عروة ومالك والشافعي ، وحُكي روايةً عن أحمد ، واستدلوا بعموم حديث ابن مسعود .\rوقالت طائفة : لا يجوز ذلك ، وهو المشهور عن أحمد ، واختاره أبو محمد الجويني من الشافعية . وإنما هذا فيما لم يرد النص بمثله كالرزق والعافية والصحة ونحو ذلك مما ورد الدعاء به في الأخبار في الصلاة وغيرها ، فإنه يجوز الدعاء به في الصلاة ، وإنما الممنوع طلبُ تفاصيل حوائج الدنيا ؛ كالطعام الطيب والجارية الوضيئة .\rوالثوب الحسن ونحو ذَلِكَ ،فان هذا عندهم من جنس كلام الآدميين الذي قالَ فيهِ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( أن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس )) .\rولا فرق في استحباب الدعاء بين الإمام والمأموم والمنفرد عند جمهور العلماء . واستحب إسحاق للإمام أن يدعو في هذا الموضع بصيغة الجمع ؛ ليشمل المأمومين معه ، وكره أن يخص نفسه ؛ للحديث المروي في النهي عن ذلك .","part":6,"page":82},{"id":1270,"text":"وللشافعية وجه ضعيف : أن الإمام لا يدعو ، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه قال في كتاب (( الأم )) : أحبُّ لكلَُ مصلًّ أن يزيد على التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الله عز وجل وتحميده ودعاءً في الركعتين الأخيرتين ، وأرى أن تكون زيادته ذلك إن كان إماماً أقل من قدر التشهد ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها قليلا ؛ للتخفيف عمن خلفه ، وأرى أن يكون جلوسه إذا كان وحده أكثر من ذلك ، ولا أكره ما طال ما لم يخرجه ذلك إلى سهو أو خاف فيه سهواً ، وإن لم يزد على التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كرهت ذلك ، ولا إعادة عليه ، ولا سجود سهو .انتهى كلامه .\rوقد تضمن : أنه بعد التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرع له ذكر الله وتحميده ، وهو خلاف نص أحمد ؛ فإنه نص على أنه يدعو بعد التشهد من غير ثناء وحمد .\rوسئل أحمد -أيضاً- : هل يحمد الله الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : لا أعرفه .\rوقال القاضي أبو يعلى :وظاهر هذا أنه لم يستحب ذلك .\rولا يستحب للأمام أن يدعو أكثر من قدر التشهد خشية الإطالة على المأمومين ، فأما المنفرد فإنه يطيل ما لم يخف السهو فيكره له الزيادة .\rوقد بوّب النسائيّ في ((سننه)) : ((باب : الذكر بعد التشهد )) ، وخرج فيه حديث عكرمة بن عمار : ثنا إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنسٍ ، قال : جاءت أم سليٍم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله ، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي ، قال : ((سبحي الله عشراً ، واحمديه عشراً ، وكبريه عشرا ، ثم سليه حاجتك ، يقول : نعم ، نعم )) .\rوخرّج -أيضاً - بعد ذلك من حديث جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في صلاته بعد التشهد : ((أحسن الكلام كلام الله ، وأحسن الهدي هدي محمدٍ)) .\rوهذا الحديث إنما يعرف فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله في تشهده في الخطبة ، كما في ((صحيح مسلمٍ )) وغيره ، فلعل ذكر الصلاة فيه مما توهمه بعض الرواة ، حيث سمع أنه كان يقوله في تشهده ، فظنّ أنه تشهد الصلاة .\rوحديث أنسٍ المتقدم ، خرّجه الترمذيّ والحاكمُ في ((باب : صلاة التسبيح )) .\rوحسّنه الترمذي ، وصححه الحاكم ، وجعلاه من جملة أحاديث صلاة التسبيح .\rوخرّجه الإمام أحمد ، ولم يذكر فيه: ((في صلاتي )) .\rوقد روي الحديث بلفظٍ آخر بإسنادٍ آخر ، وهو : (( إذا صليت الصلاة المكتوبة فسبحي )) .\rوهذا اللفظ يحمل على أنها تقول ذلك إذا فرغت من صلاتها ، فيستدل به حينئذٍ على فضل الذكر والدعاء عقب الصلاة المكتوبة ، وعلى ذلك حمله ابن حبان وغيره .\rوقد روي عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح قيام الليل ، يكبر عشراً ، ويسبح عشراً ، ويحمد عشراً ، ويهلل عشراً ، ويستغفر عشراً ، ويقول : (( اللهم ، اغفر لي واهدني وارزقني )) -عشراً ، ويقول : (( اللهم ، أني أعوذ بك من ضيق المقام يوم الحساب ))-عشراً .\rخرّجه النسائي .","part":6,"page":83},{"id":1271,"text":"وخرّجه من وجوهٍ متعددةٍ بألفاظٍ متقاربةٍ ، وفي بعضها : ثم يستفتح الصلاة .\rوهذه الرواية تشهد لأنه كان يقول ذلك قبل دخوله في الصلاة .والله أعلم .\rوروى جعفر الفريابي في ((كتاب الذكر )) بإسنادٍ صحيحٍ ، عن ابن عمر ، أنه رأى رجلاً دخل في الصلاة ، فكبر ، ثم قال : اللهم اغفر لي وأرحمني ، فضرب ابن عمر منكبيه وقال : أبدأ بحمد الله عز وجل والثناء عليه .\rوهذا يدل على استحباب ذلك عند افتتاح الصلاة .\rومما يستدل به على استحباب الثناء على الله عز وجل في التشهد قبل الدعاء : ما روى أنس قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورجل قائم يصلي ، فلما ركع وسجد وتشهد دعا ، فقال في دعائه : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت المنان ، بديع السموات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا حي يا قيوم ، إني أسألك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : (( هل تدرون بما دعا ؟ )) قالوا : الله ورسوله أعلم . قالَ :\r(( والذي نفسي بيده ، لقد دعا باسمه العظيم ، الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سُئل به أعطى )) .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم وقال : صحيح على شرطهما .\rوعن محجن بن الأدرع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد ، فإذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد ، فقال : اللهم ، إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد ،الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي ، إنك أنت الغفور الرحيم ، فقال\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( قد غفر له )) -ثلاثاً .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم ، وقال : على شرطهما .\rوخرّج الترمذي من حديث ابن مسعود ، قال كنت أصلي والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر معه ، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى ، ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم دعوت لنفسي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( سل تعطه .سل تعطه )) .\rوقال : حسن صحيح .\rوعن فضالة بن عبيدٍ ، قال : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يدعو في صلاته ، فلم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( عجل هذا ))، ثم دعاه ، فقال له -أو لغيره -: (( إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ليدع بما شاء )) .\rخرّجه الترمذي ، وقال : حسن .\rوخرّجه الإمام أحمد وأبو داود وعنده : (( فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه )) .\rوخرّجه النسائي ، وزاد : فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي فمجد الله وحمده ، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أدع تجب ، وسل تعطه )) .\rوخرّجه الترمذي بهذا المعنى -أيضاً- ، وعنده : فقال : (( عجلت أيها\rالمصلي ، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصلَّ عليَّ ، ثم ادعه )) -وذكر باقيه بمعناه .","part":6,"page":84},{"id":1272,"text":"وفي هذا الحديث وحديث ابن مسعودٍ : استحباب تقديم الثناء على الله على الصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا قد يصدق بالدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لأن التشهد فيه ثناء على الله عز وجل ، فلا يحتاج إلى إعادة الثناء .\rوقال إسحاق : يحمد الله بعد التشهد وقبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -: نقله عنه حرب .\rواستحب إسحاق وبعض الشافعية أن يبتدئ التشهد بـ((بسم الله )) ،وفيه حديث مرفوع ضعفه غير واحدٍ .\rوقد روي عن ابن عمر ، أنه كان إذا تشهد التشهد الأخير دعا فيه ، ثم أخر السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى نفسه وعباد الله الصالحين إلى بعد الدعاء ، ثم يختم دعاءه بالسلام ، ثم يسلم عن يمينه .\rولم يذكر البخاري الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد ، وقد دّل هذان الحديثان - أعنى : حديث ابن مسعود وفضالة -عليها ، ولكن ليسا على شرطه .\rوقد روى ابن إسحاق : حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن محمد بن\rعبد الله بن زيدٍ ، عن عقبة بن عمرو ، قال : قالوا : يا رسول الله ، أما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ؟ قالَ : (( قولوا : اللهم ، صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميدٌ مجيد)).\rخرّجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) والدارقطني -وقال : إسناد حسن متصل -والحاكم - وقال : صحيح الإسناد .\rويشهد لذلك : قول الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (( هذا السلام عليك قد عرفناه )) ، وإنما عرفوا السلام عليه في التشهد في الصلاة ، وهو : (( السلام على النبي ورحمة الله\rوبركاته )) ، فيكون سؤالهم عن الصلاة عليه في الصلاة -أيضاً .\rوقد خرّج ابن عدي من حديث طلحة ، قال قلت : يا رسول الله ، هذا التشهد قد عرفنا ، فكيف الصلاة عليك -فذكره .\rوفي إسناده : سليمان بن أيوب الطلحي ، وقد وثقه يعقوب بن شيبة وغيره وقال ابن عديً : عامة أحاديثه أفراد لا يتابعه عليها أحد .\rوخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن مسعودٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا تشهد أحدكم في الصلاة ،فليقل : اللهم صل على محمد وآل محمدٍ ، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ ، وارحم محمداً وآل محمد ، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميدٌ مجيدٌ )) .\rوفي إسناده : رجل غير مسمىً .\rوخرّج الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهدٍ ، عن مجاهدٍ ، قال : أخذ بيدي ابن أبي ليلى -أو أبو معمرٍ-، قال : علمني ابن مسعودٍ التشهد ، وقال : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( التحيات لله )) -فذكره إلى آخره ، وزاد بعده : الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال : ابن مجاهد هذا ، ضعيف الحديث .\rوخرّج البيهقي من رواية إسرائيل ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص ، عن","part":6,"page":85},{"id":1273,"text":"عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : (( إذا جلستم بين الركعتين فقولوا : التحيات لله )) - إلى آخر التشهد . قال عبد الله : وإذا قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصابت كل عبدٍ صالحٍ أو نبيً مرسلٍ ، ثم يبدأ بالثناء على الله والمدحة له بما هو أهله ، وبالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يسأل بعد ذلك .\rوالظاهر : أن آخره من قول ابن مسعود .\rوفيه : استحباب الثناء على الله بعد التشهد قبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rولا نعلم خلافاٌ بين العلماء في أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأخير مشروعة ، واختلفوا : هل تصح الصلاة بدونها ؟ على ثلاثة أقوالٍ :\rأحدها : لا تصح الصلاة بدونها بكل حال ، وهو مذهب الشافعي وأحمد -في رواية عنه .\rوروي عن أبي مسعودٍ الأنصاري ، قال : ما أرى أن لي صلاة تمت لا أصلي فيها على محمد وآله .\rوخرّج ابن ماجه من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعدٍ ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا صلاة لمن لم يصل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - )) .\rوعبد المهيمن ، تكلموا فيه .\rوالثاني : تصح الصلاة بدونها مع السهو دون العمد ، وهو رواية أخرى عن أحمد وإسحاق .\rوروي معناه عن ابن عمر من قوله .\rخرّجه المعمري في كتاب ((عمل يومٍ وليلةٍ )) .\rواستدل بعض من قال ذلك بحديث فضالة بن عبيد المتقدم ذكره ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من صلى ولم يصل عليه بالإعادة حيث لم يكن يعلم ذلك ، وإنما علمه أن يقولها فيما بعد .\rوالثالث : تصح الصلاة بدونها بكل حال ، وهو قول أكثر العلماء ، منهم : أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق -في رواية عنهما - وداود وابن جريرٍ وغيرهم .\rوقال النخعي : كانوا يكتفون بالتشهد من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرّجه سعيد بن منصورٍ .\rولعله أراد : أن التسليم عليه والشهادة له بالرسالة تكفي من الصلاة عليه .\rوقد روي عنه ما يدل على أن ذلك مراده ، وعن منصور والثوري نحوه -\rأيضاً .\rواستدل لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم المسيء في صلاته الصلاة عليه ، ولا صح عنه أنه علمها أصحابه مع التشهد ، مع أنه علمهم الدعاء بعده ، وليس بواجبٍ كما\rسبق .\rوالأمر بها في حديث ابن إسحاق لا يدل على الوجوب ؛ فإنه إنما أمرهم عندَ سؤالهم عنه ، وهذه قرينة تخرج الأمر عن الوجوب ،على ما ذكره طائفة من الأصوليين ؛ فإنه لو كان أمره للوجوب لا بتدأهم به ، ولم يؤخره إلى سؤالهم ، مع حاجتهم إلى بيان ما يجب في صلاتهم ؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فدل على أنه اكتفى بالسلام عليه عن الصلاة .","part":6,"page":86},{"id":1274,"text":"يدل على ذلك : أن عمر كان يعلم الناس التشهد على المنبر ، ولم يذكر فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك روي صفة التشهد عن طائفةٍ من الصحابة ، منهم : ابن عمر وعائشة وغيرهما ، ولم يذكروا فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .\r* * *","part":6,"page":87},{"id":1275,"text":"151-باب\rمن لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى\rقال أبو عبد الله : رأيت الحميدي يحتج بهذا الحديث أن لا يمسح الجبهة في الصلاة.\r836-حدثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : سألت أبا سعيدٍ الخدري ، فقال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجد في الماء والطين ، حتى رأيت أثر الطين في جبهته .\rهذا مختصر من الحديث الذي فيه ذكر طلب ليلة القدر ، وقد سبق بتمامه في ((أبواب السجود )) ، وسيأتي في آخر ((الصيام )) -إن شاء الله سبحانه وتعالى -بألفاظٍ أخر ، وفي بعضها : أانه قال : فبصرت عيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلىء .\rولا شك أنه لم ينظر إلى وجهه إلا بعد انصرافه من الصلاة ، فدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمسح أثر الطين من جبهته وأنفه في الصلاة ، وهذا هو الذي أشار إليه الحميدي .\rوقد اتفقوا على أن تركه في الصلاة أفضل ، فإنه يشبه العبث ، واختلفوا : هل هو مكروهُ ، أم لا ؟\rقال ابن المنذر : روينا عن ابن مسعودٍ ، أنه قال : من الجفاء مسح الرجل أثر سجوده في الصلاة .\rوكره ذلك الأوزاعي وأحمد ومالك .\rوقال الشافعي : تركه أحب إلي ، وإن فعل فلا شيء عليه .\rورخص مالك وأصحاب الرأي فيه .انتهى .\rوروي عن ابن عباس ، أنه قال : لا يمسح وجهه من التراب في الصلاة حتى يتشهد ويسلم .\rوعن سعيد بن جبير : أنه عدّه من الجفاء .\rوعن الحسن : أنه رخص فيه .\rوقال سفيان -في نفض التراب عن اليدين في الصلاة -: يُكره .\rوأما عن الوجه فهو أيسر ، وفي كراهته حديثان مرفوعان :\rأحدهما : خرّجه ابن ماجه من روايةٍ هارون بن هارون بن عبد الله بن الهدير ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إن من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته )) .\rوهارون هذا ، قال البخاري : لا يتابع على حديثه .وضَّعفه النسائي والدارقطني .\rوالثاني : من رواية سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((ثلاث من الجفاء : أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته ، أو ينفخ في سجوده )) .\rخَّرجه البزار في ((مسنده)) والطبراني والدارقطني وغيرهم .\rوسعيد هذا ، احتج به البخاري ووثقه أحمد وابن معينٍ وأبو زرعة وغيرهم .\rلكنه خولف في إسناد هذا الحديث :\rفرواه قتادة والجريري ، عن ابن بريدة ، عن ابن مسعودٍ من قوله .\rورواه كهمس ، عن ابن بريدة ، قال : كان يقال ذلك .\rوهذا الموقوف أصح .\rوحكى البيهقي ، عن البخاري ، أنه قال في المرفوع : هو حديث منكر يضطربون فيه .\rوأشار الترمذي إليه في ((باب : البول قائما )) ، ولم يخرجه ، ثم قال :حديث بريدة في هذا غير محفوظٍ .\rقال البيهقي : وقد روي فيه من أوجه أخرى ، كلها ضعيفة .\rفأما مسح الوجه من أثر السجود بعد الصلاة ، فمفهوم ما روي عن ابن مسعودٍ وابن عباسٍ يدل على أنه غير مكروهٍ.","part":6,"page":88},{"id":1276,"text":"وروى الميموني ، عن أحمد ، أنه كان اذا فرغ من صلاته مسح جبينه .\rوقد روي من حديث أنسٍ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان اذا قضى صلاته مسح جبهته بكفه اليمنى .\rوله طرق عن أنس ،كلها واهية .\rوكرهه طائفة ؛ لما فيه من إزالة أثر العبادة ، كما كرهوا التنشيف من الوضوء والسواك للصائم .\rوقال عبيد بن عميرٍ : لا تزال الملائكة تصلي على إلانسان ما دام أثر السجود في وجهه .\rخَّرجه البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ .\rوحكى القاضي أبو يعلي روايةً عن أحمد ، أنه كان في وجهه شيء من أثر السجود فمسحه رجل ، فغضب ، وقال : قطعت استغفار الملائكة عني .\rوذكر إسنادها عنه ، وفيه رجل غير مسمىً .\rوبوب النسائي ((باب : ترك مسح الجبهة بعد التسليم )) ، ثم خرج حديث أبي سعيد الخدري الذي خَّرجه البخاري هاهنا ، وفي آخره : قال ابو سعيدٍ : مطرنا ليلة أحدى وعشرين ، فوكف المسجد في مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ، ووجهه مبتل طيناً وماءً .\r* * *","part":6,"page":89},{"id":1277,"text":"152-باب\rالتسليم\r837-حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا إبراهيم بن سعد :ثنا الزهري ، عن هند بنت الحارث ، أن أم سلمة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ، ومكث يسيراً قبل أن يقوم .\rقال ابن ئهاب : فأرى -والله أعلم- أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم .\rالمقصود من هذا الحديث : ذكر تسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ، وتسليمه من الصلاة مذكور في أحاديث كثيرة جداً ، قد سبق بعضها ، ويأتي بعضها ، كمثل حديث ابن بحينة في قيام النبي- صلى الله عليه وسلم - من الثنتين ولم يجلس ، ومثل حديث عمران بن حصين حين صلى خلف علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما - ، ومثل حديث أبي هريرة في سلام\rالنبي- صلى الله عليه وسلم - من اثنتين ،وكلام ذي اليدين له ، وحديث ابن مسعودٍ في سجود السهو -أيضاً.\rوالاحاديث في ذلك كثيرة جداً .\rولعله ذكر هاهنا هذا الحديث لما ذكر فيه من قيام النساء حين يقضي تسلميه ؛ فإن هذا الكلام يشعر بإنه كانَ يسلم تسليمتين ، فإذا قضاهما قام النساء ، فإنه لا يقال : ((قضى الله )) بمعنى الفراغ منه إلا فيما لهُ أجزاء متعددة تنقضي شيئاً فشيئاً ، كما قالَ تعالى : { فإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ } [النساء :103] ، { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ }\r[الجمعة :10] ، { فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ } [البقرة:200] .\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشيطان وهربه من الأذان والتثويب به : (( فإذا قضي الأذان -وإذا قضي التثويب -أقبل )) .\rولا يكاد يقال لمن سلم على قومٍ مرة : قضى سلامه ، بمعنى فرغ ، ولا لمن كبر للإحرام : قضى تكبيره ، ولا لمن عطس فحمد الله : قضى حمده .\rولم يخرج البخاري الأحاديث المصرحة بتسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - تسليمتين عن يمينه وشماله في الصلاة شيئاً ، ولعله كان يميل إلى قول من يقول بالتسليمة الواحدة ، وقد كان شيخه ابن المديني يميل إلى ذلك ، متابعة لشيوخه البصريين .\rوخَّرج مسلم في ((صحيحه )) من أحاديث التسليمتين عدة أحاديث :\rمنها : حديث مجاهد ، عن أبي معمر ، أن أميراً كان يسلم تسليمتين بمكة ، فقال - يعني : ابن مسعودٍ - : أنى علقها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله .\rوقد اختلف في رفعه ووقفه ، وخَّرجه مسلم بالوجهتين .\rوخرّج -أيضاً- من حديث سعد بن أبي وقاصٍ ، قال : كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه وعن يساره ، حتى أرى بياض خده .\rوهو من رواية عبد الله بن جعفرٍ المخرمي ،ولم يخرج له البخاري .\rوخرّج -أيضاً- من حديث عبيد الله بن القبطية ، عن جابر بن سمرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله )) .\rوروى أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وعن يساره : ((السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله )) .","part":6,"page":90},{"id":1278,"text":"خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .\rوفي روايةٍ لهم : حتى يرى بياض خده .\rوخرّجه الترمذي بدون ذلك ، وصححه .\rوخرّجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما )) والحاكم وصححه .\rوصححه العقيلي ، وقال : الأحاديث صحاح ثابتةٌ من حديث ابن مسعودٍ في تسليمتين .\rوفي رواية للنسائي : ورأيت أبا بكرٍ وعمر يفعلان ذلك .\rقد اختلف في إسناده على أبي إسحاق على أقوالٍ كثيرةٍ ، وفي رفعه ووقفه ، وكان شعبةُ ينكر أن يكون مرفوعاً .\rوروى عمرو بن يحيى المازني ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن عمه واسع بن حبان ، أنه سأل ابن عمر عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف كانت ؟ قال : ((الله أكبر )) ، كلما وضع ورفع ، ثم يقول : ((السلام عليكم ورحمه الله )) عن يمينه ، ((السلام عليكم ورحمه الله )) عن يساره .\rخَّرجه الإمام أحمد والنسائي .\rوهذا إسناد جيد .\rقال ابن عبد البر : هو إسناد مدني صحيح ، إلا أنه يعلل بأن ابن عمر كان يسلم تسليمةً واحدةً ، فكيف يروي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يخالفه ؟\rوقد ذكر البيهقي أنه اختلف في إسناده ، لكنه رجح صحته .\rورواه -أيضاً- بقية ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن سالمٍ ، عن ابن عمر -مرفوعاً- أيضاً .\rقال أبو حاتم : هو منكر .\rوقال الدارقطني : اختلف على بقية في لفظه : روي أنه كان يسلم تسليمتين ، وروي تسليمةً واحدةً ، وكلها غير محفوظةٍ .\rوقال الأثرم : هو حديث واهٍ ، وابن عمر كان يسلم واحدةً ، قد عرف ذلك عنه من وجوهٍ ، والزهري كان ينكر حديث التسليمتين ، ويقول : ما سمعنا بهذا .\rوروي -أيضاً- من حديث حميدٍ الساعدي ، أنه لما وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - :سلم عن يمينه وشماله .\rخرّجه أبو داود من رواية الحسن بن الحر : حدثني عيسى بن عبد الله بن مالكٍ ، عن محمد بن عمرة وابن عطاءٍ ، عن عباس بن سهلٍ ، عنه .\rوقد سبق الكلام على هذا الإسناد .\rوفي الباب أحاديث كثيرة ، لا تخلو أسانيد غالبها من كلام .\rوقد قال الإمام أحمد -في رواية ابنه عبد الله -: ثبت عندنا ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجهٍ ، أنه كان يسلم عن يمينه وعن شماله ، حتى يرى بياض خده .\rوقال العقيلي : الأحاديث الصحاح عن ابن مسعودٍ وسعد بن أبي وقاص وغيرهما في تسليمتين .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يسلم تسليمةً واحدةً من وجوهٍ لا يصح منها شيء -:قاله ابن المديني والأثرم والعقيلي وغيرهم .\rوقال الإمام أحمد : لا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التسليمة الواحدة إلا حديثاً مرسلاً لابن شهابٍ الزهري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .انتهى.\rومرسيل ابن شهابٍ من أوهى المراسيل وأضعفها .\rومن أشهرها : حديث زهير بن محمدٍ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن\rعائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم في الصلاة تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه ،ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئاً .","part":6,"page":91},{"id":1279,"text":"خرّجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التنيسي ، عن زهير ، به .\rوقال : لا نعرفه مرفوعاً إلا من من هذا الوجه . قال محمد بن إسماعيل : زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه .\rوخرّجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن زهير ، به ، مختصراً .\rوخرّجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما .\rوأخطأ فيما قال ؛ فإن روايات الشاميين عن زهيرٍ مناكير عند أحمد ويحيى بن معينٍ والبخاري وغيرهم .\rقال أحمد -في رواية الأثرم- : أحاديث التنيسي عن زهيرٍ بواطيل . قال :وأظنٌّه قال : موضوعةٌ . قال : فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة .فقال :مثلُ هذا .\rوذكر ابن عبد البر: أن يحيى بن معين سئل عن هذا الحديث ، فضعفه .\rوقال أبو حاتم الرازي : هو منكر ، إنما هو عن عائشة -موقوفٌ .\rوكذا رواه وهيب بن خالد ، عن هشام .\rوكذا رواه الوليد بن مسلمٍ عن زهير بن محمدٍ ، عن هشامٍ ، عن أبيه -موقوفاً .\rقال الوليد : فقلت لزهيرٍ : فهل بلغك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء ؟ قال :نعم ، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلم تسليمةً واحدةً .\rقال العقيلي : حديث الوليد أولى .\rيعني : من حديث عمرو بن أبي سلمة .\rقال : وعمرو في حديثه وهم .\rقال الدارقطني : الصحيح وقفه ، ومن رفعه فقد وهم .\rوخرج النسائي من حديث سعد بن هشامٍ، عن عائشة في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، أنه كان يسلم تسليمةً يسمعنا.\rوخَّرجه الإمام أحمد ، ولفظه :يسلم تسليمةً واحدةً : ((السلام عليكم )) يرفع بها صوته، حتى يوقظنا .\rوقدحمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة ،ويسر الثانية.\rوروي عبد الوهاب الثقفي ، عن حميدٍ ، عن أنسٍ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة واحدة .\rخَّرجه الطبراني والبيهقي .\rورفعه خطأ ، إنما هو موقوف ، كذا رواه أصحاب حميدٍ ، عنه ، عن أنسٍ ، من فعله .\rوروى جرير بن حازمٍ ، عن أيوب ، عن أنسٍ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ وعمر كانوا يسلمون تسليمةً واحدةً.\rخَّرجه البزار في ((مسنده)).\rوأيوب ، رأى أنساً ، ولم يسمع منه-: قاله أبو حاتمٍ.\rوقال الأثرم : هذا حديث مرسل ، وهو منكر ، وسمعت أبا عبد الله يقول :جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب .\rوروى روح بن عطاء بن أبي ميمونة : ثنا أبي ، عن الحسن ، عن سمرة : كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يسلم في الصلاة تسليمةً واحدةً قبالة وجهه ، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره .\rخَّرجه الدارقطني والعقيلي والبيهقي وغيرهم ، وخَّرجه بقي بن مخلدٍ مختصراً .\rوروح هذا ، ضعفه ابن معين وغيره ، وقال الأثرم : لا يحتج به .\rوفي الباب أحاديث أخر لا تقوم بها حجة ، لضعف أسانيدها .\rوقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك : فمنهم من كان يسلم ثنتين ، ومنهم من كان يسلم واحدةً .","part":6,"page":92},{"id":1280,"text":"قال عمار بن أبي عمارٍ : كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين ، ومسجد المهاجرين يسلمون تسليمةً واحدةً .\rوأكثر أهل العلم على التسليمتين .\rوممن روي عنه ذلك من الصحابة : أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعودٍ وعمار وسهل بن سعدٍ ونافع بن عبد الحارث.\rوروي عن عطاءٍ والشعبي وعلقمة ومسروقٍ وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمونٍ وأبي وائلٍ وأبي عبد الرحمن السلمي .\rوهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثورٍ ، وحكي عن الأوزاعي .\rوروي التسليمة الواحدة عن ابن عمر وأنسٍ وعائشة وسلمة بن الأكوع ، وروى عن عثمان وعليً -أيضاً- ، وعن الحسن وابن سيرين وعطاءٍ -أيضاً - وعمر بن عبد العزيز والزهري ، وهو قول مالكٍ والاوزاعي والليث .\rوهو قول قديم للشافعي .\rوحكاه أحمد عن أهل المدينة ، وقال : ما كانوا يسلمون إلا واحدةً .قال :وإنما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشمٍ.\rيعني : في ولاية بني العباس .\rوقال الليث : أدركت الناس يسلمون تسليمةً واحدةً .\rوقد اختلف على كثيرٍ من السلف في ذلك ، فروى عنهم التسليمتان ، وروي عنهم التسليمة الواحدة ، وهو دليلٌ على أن ذلك كان عندهم سائغاً ، وإن كان بعضه أفضل من بعضٍ ، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة، وعلى أهل العراق التسليمتان .\rوحكي للشافعي قولٌ ثالثٌ قديمٌ -أيضاً- ، وقيل : إن الربيع نقله عنه ، فيكون حينئذٍ جديداً - :أنه إن كان المصلي منفرداً أو في جماعةٍ قليلةٍ ولا لغط عندهم فتسليمةٌ واحدةٌ ، وإلا فتسليمتان .\rوالقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه ، وصحت صلاته ، وذكره ابن المنذر إجماعاً ممن يحفظ عنه من أهل العلم .\rوذهب طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمتين معاً ، وهو قول الحسن بن حي وأحمد -في روايةٍ عنه - وبعض المالكية وبعض أهل الظاهر .\rواستدلوا بقوله عليه السلام : ((تحليلها التسليم )) ، وقالوا : التسليم إلى ما عهد منه فعله ، وهو التسليمتان ، وبقوله: (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) ، وقدكان يسلم تسليمتين .\rومن ذهب إلى قول الجمهور ، قال : التسليم مصدرٌ ، والمصدر يصدق على القليل والكثير ، ولا يقتضي عدداً ، فيدخل فيه التسليمة الواحدة .\rواستدلوا بأن الصحابة قد كان منهم من يسلم تسليمتين ، ومنهم من يسلم تسليمةً واحدةً ، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء ، بل قد روي عن جماعةٍ منهم التسليمتان والتسليمة الواحدة ، فدل على أنهم كانوا يفعلون أحياناً هذا وأحياناً هذا ،وهذا اجماع منهم على أن الواحدة تكفي .\rقال أكثر أصحابنا : ومحل الخلاف عن أحمد في الصلاة المكتوبة ، فأما التطوع فيجزئ فيه تسليمة ، واستدلوا بحديث عائشة في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ،وقد سبق ذكره .\rوخرّج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يفصل بين الشفع والوتر بتسليمةٍ يسمعناها .","part":6,"page":93},{"id":1281,"text":"وقد تأول حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يسمعهم واحدةً ويخفي\rالثانية ، وقد نص أحمد على ذلك ، وأن الأولى تكون أرفع من الثانية في الجهر .\rوقد روى أبو رزينٍ ، قال : سمعت علياً يسلم في الصلاة عن يمينه وعن شماله ، والتي عن شماله أخفض .\rومن أصحابنا من قال: يجهر بالثانية ويخفض بالأولى ، وهو قول النخعي .\rواختلفوا في صفة التسليم :\rفقالت طائفةٌ : صفة التسليم : ((السلام عليكم ورحمه الله )) ، وهذا مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، إليه ذهب أكثر العلماء .\rولو اقتصر على قوله (( السلام عليكم )) أجزأه عند جمهورهم ، ولأصحاب أحمد فيه وجهان .\rوقالت طائفة : يزيد مع ذلك : ((وبركاته )) ،ومنهم : الأسود بن يزيد ، كان يقولها في التسليمة الأولى .\rوقال النخعي : أقولها وأخفيها .\rواستحبه طائفة من الشافعية .\rوقد خرّج أبو داود من حديث وائل بن حجر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكان يسلم عن يمينه : ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) ، وعن شماله : ((السلام عليكم ورحمة الله )).\rومن أصحابنا من قال : إنما فعل ذلك مرةً لبيان الجواز .\rوكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى : (( السلام عليكم ورحمه الله )) ، ويقتصر في الثانية على ((السلام عليكم )) ، وروي عن عمار وغيره.\rوقد تقدم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك .\rوقالت طائفة : بل يقتصر على قوله : ((السلام عليكم )) بكل حالٍ ، وهو قول مالك والليث بن سعدٍ ، وروي عن علي وغيره .\rوكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع .\rوفي بعضها زيادة : ((ورحمه الله )) .\rوقد خَّرجه مسلم بالوجهين .\rواكثر العلماء على أنه لا يخرج من الصلاة بدون التسليم ، واستدلوا بحديث : ((تحليلها التسليم)) .\rوممن قال من الصحابة : تحليل الصلاة التسليم : ابن مسعودٍ وابن عباسٍ ، وحكاه الإمام أحمد إجماعاً .\rوذهب طائفة إلى أنه يخرج من الصلاة بفعل كل منافٍ لها ، من أكلٍ أو شربٍ أو كلامٍ أو حدثٍ ، وهو قول الحكم وحماد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق .\rولم يفرقوا بين أن يوجد المنافي باختيار المصلي أو بغير اختياره إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : إن وجد باختياره خرج من الصلاة بذلك ، وإن وجد بغير اختياره بطلت صلاته ، وجعل الفرض الخروج منها بفعل المنافي باختيار المصلى لذلك.\rوخالفه صاحباه في اشتراط ذلك .\rوقد حكي عن طائفة من السلف : أن من أحدث بعد تشهده تمت صلاته، منهم : الحسن وابن سيرين وعطاء - على خلاف عنه - والنخعي .\rوروي ذلك عنن علي بن أبي طالب ، وقد أنكر صحته أحمد وأبو حاتمٍ الرازي وغيرهما .\rوروي -أيضاً- عن ابن مسعود من طريقٍ منقطعٍ .\rواستدل لهؤلاء بحديث ابن مسعود : ((إذا قلت هذا وقضيت هذا فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد )) .\rوقد سبق ذكره ، والاختلاف في رفعه ووقفه على ابن مسعودٍ .","part":6,"page":94},{"id":1282,"text":"واختلف في لفظه -أيضاً- : فرواه بعضهم ، وقال : قال ابن مسعودٍ : فإذا فرغت من صلاتك ، فإن شئت فاثبت ، وإن شئت فانصرف .\rخَّرجه البيهقي .\rوهذه الرواية تدل على أنه إنما خيره إذا فرغ من صلاته ، وإنما يفرغ بالتسليم ؛ بدليل ما روى شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : مفتاح الصلاة التكبير ، وانقضاؤها التسليم ، إذا سلم الإمام فقم إن شئت .\rقال البيهقي : وهذا أثر صحيح .\rوقال : ويكون مراد ابن مسعودٍ : الإنكار على من زعم أن المأموم لا يقوم حتى يقوم إمامه.\rوحمل أبو حنيفة وإسحاق حديث : ((تحليلها والتسليم )) على التشهد ، وقالوا : يسمى التشهد تسليماً ؛ لما فيه من التسليم على النبي والصالحين .\rوهذا بعيد جداً .\rواستدلوا -أيضاً- بما روى عبد الرحمن بن زيادٍ الأفريقي ، أن عبد الرحمن بن رافعٍ وبكر بن سوادة أخبراه ، عن عبد الله ابن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا أحدث وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم جازت صلاته)) .\rخَّرجه الترمذي .\rوقال : إسناده ليس بالقوي ، وقد اضطربوا في إسناده ، والأفريقي ضعفه القطان وأحمد بن حنبلٍ .\rوخَّرجه أبو داود بمعناه.\rوخَّرجه الدارقطني ، ولفظه : ((إذا أحدث بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة واستوى جالساً تمت صلاته )) .\rوقد روي بهذا المعنى عن الأفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو -مرفوعاً .\rوهذا اضطراب منه في إسناده ، كما أشار اليه الترمذي ، ورفعه منكر جداً ، ولعله موقوف ، والأفريقي لا يعتمد على ما ينفرد به .\rقال حربٌ: ذكرت هذا الحديث لأحمد ، فرده ، ولم يصححه.\rوقال الجوزجاني : هذا الحديث لا يبلغ القوة أن يدفع أحاديث : ((تحليلها\rالتسليم )) .\rوأجاب بعضهم عن هذا ، وعن حديث ابن مسعودٍ -على تقدير صحتهما -بالنسخ ، واستدل بما روى عمر بن ذرَّ، عن عطاء بن أبي رباحٍ ، قالَ :كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في آخر صلاته قدر التشهد أقبل على الناس بوجهه ، وذلك قبل أن ينزل التسليم .\rخَّرجه البيهقي .\rوخَّرجه وكيعٌ في((كتابه)) عن عمر بن ذرَّ ، عن عطاءٍ - بمعناه - ، وقال :حتَّى نزل التسليم .\rوقد ذكرنا -فيما تقدم في أول ((كتاب الصَّلاة )) -حديثاً ، عن عمر ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصلي في أول الاسلام ركعتين ، ثُمَّ أمر أن يصلي أربعا ، فكان يسلم بين كل ركعتين ، فخشينا أن ينصرف الصبي والجاهل ، يرى أنه قد أتم الصَّلاة ، فرأيت أن يخفي الإمام التسليمة الأولى ، ويعلن بالثانية ، فافعلوا ذَلِكَ .\rخَّرجه الإسماعيلي .\rوإسناده ضعيف .\rولم يقل بذلك أحد من علماء المسلمين : إن الصَّلاة الرباعية المكتوبة يسلم فيها مرتين : مرة في التشهد الأول ، ومرة في الثاني ، ولكن الإمام يسر السلام الأول ، ويعلن بالثاني ، والأحاديث كلها تدل على أنه لم يكن يسلم فيها إلا مرةً واحدةً ، في التشهد الثاني خاصةً .\r* * *","part":6,"page":95},{"id":1283,"text":"153-باب\rيسلم حين يسلم الإمام\rوكان ابن عمر يستحب إذا سلم الإمام أن يسلم من خلفه .\rروى وكيع بإسناده ، عن مجاهد ، قال : سألت ابن عمر ، يسلم الإمام وقد بقي شيءٌ من الدعاء ، أدعو أو أسلم ؟ قال : لا ، بل سلم.\rوقد نص الإمام أحمد على هذه المسالة ، وأن يسلم مع الإمام ويدع الدعاء ،إلا أن يكون قد بقي عليه منه شيءٌ يسيرٌ، فيتمه ثم يسلم .\rومذهب سفيان-فيما نقله عنه أصحابه-: إذا سلم الإمام سلم من خلفه ،وإن كان بقي عليه شيءٌ من التشهد قطعه .\rولعل مراده : الدعاء بعد التشهد .\rولكن نقل حسان بن إبراهيم ، عن سفيان : أنه قال : إن كان بقي عليه شيءٌ من التشهد فليسلم ، فإنه أحب إلي .\rواستحب أحمد وإسحاق سلام المأموم عقب سلام الإمام ، وجعله أحمد من جملة الائتمام به ، وعدم الاختلاف عليه.\rوالأولى للمأموم أن يسلم عقب فراغ الإمام من التسليمتين ، فان سلم بعد تسليمته الأولى جاز عند من يقول : إن الثانية غير واجبةٍ ؛ لأنه يرى أن الإمام قد خرج من الصلاة بتسليمته الأولى ، ولم يجز عند من يرى أن الثانية واجبةٌ ، لا يخرج من الصلاة بدونها .\rواختلف أصحاب الشافعي :هل الأفضل أن يسلم المأموم بعد تسليمة الإمام\rالأولى ، أو بعد تسليمته الثانية ؟ على وجهين .\rوقال الشافعي - في ((البويطي )) -: من كان خلف إمامٍ ، فإذا فرغ الإمام من سلامه سلم عن يمينه وعن شماله.\rوهذا يدل على أنه لا يسلم إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين ،ويدل -أيضاً-، على أنه لا يستحب للمأموم التخلف عن سلام الإمام ، بل يسلم عقب سلامه.\rوهذا على قول من قال من أصحابه -كالمتولي - : إنه يستحب للمأموم أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى -أظهر .\rوقال القاضي أبو الطيب الطبري منهم : المأموم بالخيار ، إن شاء سلم بعده ، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ والدعاء وأطال لك ، وعلل : أنه قد انقطعت قدوته بالإمام بسلامه .\rوهذا مخالفة لنص الشافعي ، وعامة أصحابه ، وللمأثور عن الصحابة .\rولو سلم المأموم مع تسلم إمامه ، ففي بطلان صلاته لأصحابنا وأصحاب الشافعي وجهان ، سبق ذكرهما عند ذكر متابعة المأموم للإمام .\rوالأصح عندنا وعندهم : أنه لا تبطل صلاته، كما لو قارنه في سائر الأركان ، سوى تكبيرة الإحرام .\rومذهب مالك : البطلان .\rوقد استحب طائفة من السلف التسليم مع الإمام .\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يسلم مع تسليم الإمام .\rوبإسناده ، عن إبراهيم ، قال : إن شئت سلمت معه ، وإن شئت سلمت بعده .\rوعن عطاءٍ ، أنه كان ربما سلم تسليمه ، وربما سلم بعده .\rوقد يحتمل أن يكون مراد هؤلاء السلف بالسلام معه : السلام عقبيه ، من غير مهلةٍ ، وبالسلام بعده : التأخر عنه . والله أعلم .\rوقد وقع في كلام المتقدمين في إسلام الزوجين معاً ما يدل على أن مرادهم به : اجتماعهما في الإسلام في مجلسٍ واحدٍ ، أو يومٍ واحدٍ ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ يشهد\rبذلك .","part":6,"page":96},{"id":1284,"text":"وإن سلم المأموم قبل سلام إمامه لم يجز ، وبطلت صلاته إن تعمد ذلك ولم ينو مفارقته على وجه يجوز معه المفارقة ، إلا عند من يرى أن السلام ليس من الصلاة ، ويخرج منها بإنهاء التشهد ، أو بدون التشهد عند من يرى أن التشهد الأخير سنة .\rلكن من قال منهم : لا يخرج من الصلاة إلا بالإتيان بالمنافي ، فإنه لا يجيز للمأموم أن يخرج من الصلاة قبل خروج إمامه بذلك .\rوظاهر ما روي عن ابن مسعودٍ يدل على جوازه ، وأنه يخرج من الصلاة بإنهاء التشهد ، وقد تقدم قوله : فإذا قلت ذلك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد .\rوروي ذلك عن علي صريحاً ، فروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : إذا تشهد الرجل وخاف أن يحدث قبل أن يسلم الإمام فليسلم ، فقد تمت صلاته .\rوقد رواه الحكم ، عن عاصمٍ ، عن علي ، ولفظه : إذا جلس مقدار التشهد ، ثم أحدث فقد تمت صلاته.\rفيكون أمره بالمبادرة بالسلام على وجه الاستحباب ، فإنه لو أحدث لم تبطل صلاته عنده .\rوقد حكي مذهب أبي حنيفة مثل ذلك . والله أعلم .\rقال البخاري :\r838-ثنا حبان بن موسى : ثنا عبد الله - هو : ابن المبارك -: أنا معمر ، عن الزهري ، عن محمود بن الربيع ، عن عتبان ،قال صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسلمنا حين سلم .\rهذا مختصر من حديث عتبان الطويل في إنكاره بصره ، وطلبه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي إلى بيته فيصلي فيه في مكان يتخذه مسجدا ، وقد خَّرجه بتمامه في الباب الذي يلي هذا عن عبدان ، عن ابن المبارك.\rوقد خَّرجه فيما مضى من طريق عقيل ومالك وإبراهيم بن سعدٍ ، عن الزهري - مختصراً ومطولاً - ، وليس في رواياتهم : ((فسلمنا حين سلم )) ، إنما هذه في رواية معمرٍ المخَّرجة في هذا الباب .\rوقوله : ((سلَّمنا حين سلم )) ظاهرة يقتضي أنهم سَّلموا مع سلامه ؛ لأن\r((الحين )) معناه الوقت ، فظاهر اللفظ يقتضي أن سلامهم كانَ في وقت سلامه مقارناً لهُ ، وليس هذا هوَ المراد -والله أعلم - وإنما المراد : أنهم سلمو ا عقيب سلامه من غير تأخر عنه ، وعبر عن ذَلِكَ باتحاد الوقت ، والحيز ؛ فإن التعاقب شبيه بالتقارب وهو - أيضاً -المراد -والله اعلم .من المروري عن ابن عمر وغيره من السلف في السلام مع\rالإمام ، وأنهم أرادوا بالمعية : التعاقب ، دون التقارن .\r* * *","part":6,"page":97},{"id":1285,"text":"154-باب\rمن لم يرد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة\rخَّرج فيه حديث عتبان -أيضاً:\r839-840-عن عبدان ، عن ابن المبارك ، بالإسناد المتقدم ، وذكر الحديث بتمامه ، وفي آخر قالَ :\rفغدا علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكرٍ معه بعدما أشتد النهار ، فأستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأذنت له ، فلم يجلس حتى قال : (( اين تحب أن اصلي من بيتك ؟ )) فأشار إليه من المكان الذي أحب أن يصلي فيه ، فقام وصففنا خلفه ، ثم سلم ، وسلمنا حين سلم .\rمراده بهذا الحديث في هذا الباب : أن الذين صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت عتبان سلموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سلم من الصلاة ، ولم يوجد منهم سوى السلام من الصلاة كسلام النبي- صلى الله عليه وسلم - منها ، وفي ذلك ردٌ على من قال : إن المأموم يرد على الإمام سلامه مع تسليمه من السلام إما قبله أو بعده .\rوقد قال بذلك طوائف من السلف ، منهم : ابن عمر وأبو هريرة :\rفروي عن ابن عمر ، أنه كان إذا سلم الإمام رد عليه ، ثم سلم عن يمينه ، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه وإلاّ سكت .\rوروي عنه ، أنه كان يسلم عن يمينه ، ثم يرد على الإمام .\rوعن أبي هريرة ، أنه كان إذا سلم الإمام قال : السلام عليك أيها القارئ .\rوقال عطاء : ابدأ بالامام ، ثم سلم على من عن يمينك ، ثم على من عن شمالك .\rوعن الحسن وقتادة نحوه .\rوقال الشعبي : إذا سلم الإمام فَّرد عليه .\rوكان سالمٌ يفعله .\rوقاله النخعي .\rوقال الزهري : هو سنةٌ .\rقال مكحولٌ : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يردون على الإمام إذا سلم عليهم .\rوقال عطاء -أيضاً- : حق عليك أن ترد على الإمام إذا سلم.\rوقال - مرةً - : هو مخيرٌ ، إن شاء رد عليه ، وإن شاء صبر حتى يسلم لنفسه ، وينوي به الإمام ، ومن صلى على جانبيه .\rوقال في الرد على الإمام : يرد في نفسه ، ولا يسمعه .\rوكذا قال حمادٌ .\rفإن كان مرادُ من قال : يرد على الإمام : أنه يرد عليه السلام في نفسه ،ولا يتكلم به ، فهذا الرد إذا فعله في الصلاة لا تبطل به الصلاة ،وإن كان مراده : أنه يرد بلسانه ، كما هو ظاهر أكثرهم ، فإنه ينبني على أن ردَّ السلام في الصلاة لا يبطل الصلاة ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة من السلف ، ويأتي ذكره في موضعٍ آخر - إن شاء الله تعالى .\rوقد ينبني -أيضاً - ، على أن السلام ليس من فروض الصلاة ، وأنه يخرج من الصلاة بكل منافٍ لها من الكلام ونحوه ، كما قال ذلك من ذكرنا قوله من قبل .\rوأما من قال : إن الرد على الإمام يكون بعد السلام من الصلاة ، فهذا لا إشكال فيه ؛ فإنه قد خرج من الصلاة بالسلام ، وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من الأئمة المشهورين .\rقال مالكٌ ، في المأموم : يسلم تسليمةً عن يمينه ، وأخرى عن يساره ، ثم يرد على الإمام .","part":6,"page":98},{"id":1286,"text":"قال ابن عبد البر : تحصيل قول مالكٍ في ذلك : أن الإمام يسلم واحدةً تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلاً - وأن المصلي لنفسه -يعني : منفرداً -يسلم اثنين - في رواية ابن القاسم ، وأن المأموم يسلم ثلاثا إن كان عن يساره أحد .\rواختلف قوله في موضع رد المأموم على الإمام : فمرةً قال : يسلم عن يمينه وعن يساره، ثم يرد على الإمام . ومرة قال : يرد على الإمام بعد أن يسلم عن يمينه ، ثم يسلم عن يساره .\rوقد روى أهل المدينة عن مالك وبعض المصريين ، أن الإمام والمنفرد سواءٌ ، يسلم كل واحد منهما تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه ، ويتيامن بها قليلاً .\rقال : وكان الليث بن سعد يبدأ بالرد على الإمام ، ثم يسلم عن يمينه وعن يساره.\rونقل أبو داود عن أحمد في الرد على الإمام قبل السلام ، قال : لا .\rقيل له : فبعده ؟ قال : نعم ، وإن شاء نوى بالسلام الرد . قال : وما أعرف فيه حديثاً عالياً يعتمد عليه .\rقال القاضي أبو يعلى : زظاهر هذا : أنه مخير في الرد على الإمام بالنية في حال سلامه، أو بالقول بعده ، فيقول : السلام عليك أيها القارئ . قال : ويسر به، ولا يجهر.\rنقل المروذي عن أحمد في الرجل يرد السلام على الإمام ، فقال : إذا نوى بتسليمه الردَّ فقد ردَّ عليه ، فإن فعل رجلٌ فليخفه .\rقال : ومعناه : إن ردَّ عليه بالقول فليخفه .\rوقال إسحاق : لا اختلاف بين أهل العلم في الرد على الإمام إذا سلم كما سلم ، ولكن اختلفوا : هل يبدأ بالرد عليه قبل السلام ، أم يرد عليه بعد السلام ؟ قال : وأحب إلي أن يرد بعد السلام . قال واذا رفع صوته بالردَّ قدر ما يسمع الإمام والصف الذي يليه جاز ، وإن أسره وأسمع أذنيه بالرد على الإمام أجزأه .\rوكل من قال : يرد على الإمام قال : يرد عليه بلفظ السلام من غير زيادة ، إلا ما روي عن أبي هريرة ، أنه يقال : السلام عليك أيها القارئ ، كما سبق .\rواختلفوا في المأموم : هل ينوي بسلامه من الصلاة الرد على إمامه ، أم لا؟ وفيه قولان :\rأحدهما : لا ينوي ذلك ، ونص عليه أحمد في رواية مُهنا وغيره ، وهو اختيار ابن حامدٍ من أصحابنا ؛ لأن السلام ركن من أركان الصلاة ، لا يخرج منها بدونه ، على ما تقدم ، والصلاة لا يردّ فيها السلام على أحدٍ ، بل هو مبطلٌ للصلاة ؛ لأنه خطاب آدمي ، هذا مذهبنا ، وقول جمهور العلماء .\rوعلى هذا : فهل تبطل صلاته بذلك ؟\rقالَ ابن حامد من أصحابنا : إن لم ينو سوى الرد بطلت صلاته ، وإن نوى الردَّ والخروج من الصَّلاة ففي البطلان وجهان ؛ لأنه لم يخلص النية لخطاب المخلوق ، فأشبه ما لو قال لمن دق عليه الباب : { ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } [الحجر :46] ينوي به القراءة والإذن له ؛ فإن في بطلان الصَّلاة بذلك روايتين ، أصحهما : لا تبطل .\rقالَ أحمد - في رواية جعفر بن محمدٍ - : السلام على الإمام لا نعرف لهُ موضعاً ، وتسليم الإمام هوَ انقضاء الصَّلاة ، ليس هوَ سلام على القوم ، فيجب عليهم أن يردوا ، ولكن ابن عمر شدد في هذا ، يسلم الرجل وينوي به السلام من الصَّلاة والرد على","part":6,"page":99},{"id":1287,"text":"الإمام ، كأنه يقوله على وجه الإنكار لذلك . قيل له: أنهم يقولون : إن ردَّ السلام على الإمام واجبٌ . قال : أرجو أن لا يكون واجباً ، وإن رد فلا بأس .\rوالقول الثاني : أنه ينوي المأموم بسلامه الرد على إمامه ، وهو قول عطاءٍ والنخعي وحماد والثوري ، ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه .\rوهل هو مسنونٌ مستحبٌ ، أو جائز ؟ فيه روايتان -أيضاً- عن أحمد : قال - في رواية يعقوب بن بختان - : ينوي بسلامه الرد .\rوهو اختيار أبي حفصٍ العكبري .\rوقال - في رواية غيره - : لا بأس به .\rفظاهره : جوازه فقط ، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره .\rوقال- في رواية ابن هانئ - : إذا نوى بتسليمه الردَّ على الإمام أجزأه .\rوظاهر هذا : أنه واجبٌ ؛ لأنه رد سلامٍ ، فيكون فرض كفاية ، إلا أن يقال : إن المسلم في الصلاة لا يجب الرد عليه، أو يقال : أنه يجوز تأخير الرد إلى بعد السلام . ولكن إذا جوزنا تأخيره وجب أحد أمرين : إما أن ينوي الرد بالسلام ، أو أن يرد بعد ذلك ، وهو قول عطاءٍ كما تقدم .\rوتبويب البخاري قد يشعر بذلك ؛ لقوله : ((واكتفى بتسليم الإمام )) ،ويحتمل أنه أراد أن تسليم الصلاة كافٍ عن الردَّ ، وإن لم ينو به الردَّ ، كما قاله أحمد في روايةٍ.\rوقال يحيى بن سعيدٍ الأنصاري : إذا سلمت عن يمينك أجزأك من الرد عليه .\rوكذا قال النخعي .\rولم يشترطا أن ينوي بسلامه الردَّ .\rقال أبو حفصٍ العكبري : وينوي بالأولى الخروج من الصلاة ، وبالثانية الرد على الإمام والحفظة .\rوممن رأى أن ينوي بسلامة الرد على الإمام: أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما .\rثم قال أصحاب الشافعي : إن كان المأموم عن يمين الإمام نوى بتسليمه الأولى السلام على من عن يمينه من الملائكة والمسلمين من الإنس والجن ، وينوي بالثانية ذلك مع الرد على إمامه ، وإن كان المأموم عن يسار إمامه نواه في الأولى، وإن كان محاذياً له نواه في أيتهما شاء ، والأولى افضل - : نص عليه الشافعي في (( الأم )) ، وينوي الإمام بسلامه من عن يمينه ويساره يمينه ويساره من الملائكة والمسلمين من المأمومين وغيرهم ، وينوي بعض المأمومين الردَّ على من بعضٍ . قالوا : وكل هذه النيات مستحبةٌ ، لا يجب منها شيءٌ .\rوقال أصحاب أبي حنيفة ينوي المصلي بكل تسليمةٍ من في تلك الجهة من الناس والحفظة .\rوهل يقدم الآدميين على الملائكة في النية ؟ على روايتين عندهم :\rأحدهما : يقدم الملائكة ؛ لأنهم عندهم أفضل .\rوالثانية : يقدم الناس ؛ لمشاهدتهم .\rويدخل المأموم الإمام في الجهة التي هو فيها . فإن كان بحذائه أدخله في اليمين ؛ لأنهما أفضل .\rوروى عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عن حمادٍ ، قال : إذا كان الإمام عن يمينك ثم سلمت عن يمينك ، ونويت الإمام كفى ذلك ، وإذا كان عن يسارك ثم سلمت عن يسارك ونويت الإمام كفى ذلك -أيضاً- ، وإن كان بين يديك فسلم عليه في نفسك ، ثم سلم عن يمينك وشمالك .","part":6,"page":100},{"id":1288,"text":"وأما نية الخروج من الصلاة ، فهل هي واجبةٌ ، تبطل الصلاة بتركها ، أم لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا ، اختار ابن حامد وجوبها ، واختار الأكثرون عدم الوجوب ، وهو ظاهر كلام أحمد .\rوينوي الخروج بالأولى ، سواءٌ قلنا : يخرج بها من الصلاة ، أو قلنا : لا يخرج إلا بالثانية ؛ لأن النية تستصحب إلى الثانية .\rومن الأصحاب من قال : أن قلنا : الثانية سنةٌ نوى بالأولى الخروج ، وإن قلنا : الثانية فرضٌ نوى الخروج بالثانية خاص . والصحيح : الأول .\rولأصحاب الشافعي في وجوب نية الخروج بالسلام وبطلان الصلاة بتركها وجهان -أيضاً.\rونص الشافعي على أن ينوي بالسلام الخروج .\rولكن اختلفوا : هل هو محمولٌ على الاستحباب ، أو الوجوب ؟\rوإنما ينوي الخروج عندهم بالأولى ؛ لان الثانية ليست عندهم واجبةً بغير خلافٍ .\rواستدل من استحب أن ينوي بسلامه الحفظة والامام والمأمين بما خَّرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كنا إذا صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلنا : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله ، وأشار بيده إلى الجانبين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيلٍ شمسٍ ، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ، ثميسلم على إخيه من على يمينه وشماله )) .\rوفي رواية له : فقال : (( ما شأنكم تشيرون بأيديكم ، كأنها أذناب خيلٍ شمسٍ ، إذا سلم احدكم فليلتفت إلى صاحبه ، ولا يومئ بيده )) .\rوخرّج أبو داود من حديث سمرة بن جندب ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نرد على الإمام ، وأن نتحاب ، وأن يسلم بعضنا على بعض .\rوخرّج أبو داود -أيضاً- ، من طريقٍ اخرٌ ، عن سمرة ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( ابدأوا قبل التسليم، فقولوا : التحيات الطيبات الصلوات ، والملك لله ، ثم سلموا على اليمين ، ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم)) .\rوخرّجه ابن ماجه بمعناه .\rوفي رواية له باسناد فيه ضعفٌ : (( إذا سلم الإمام فردوا عليه )) .\rوخرّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن ضمرة ،عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل العصر أربعاً ، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين ، والنبيين والمرسلين ، ومن تبعهم من المؤمنين .\rوقال الترمذي : حديث حسنٌ .\rوظاهره : يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينوي بسلامه في صلاة التطوع السلام على الملائكة ومن ذكر معهم .\rوتأوله إسحاق على أنه اراد بذلك التشهد؛ فإنه يسلم فيه على عباد الله الصالحين.\rوهو خلاف الظاهر . والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":101},{"id":1289,"text":"155-باب\rالذكر بعد الصلاة\rفيه ثلاثة أحاديث :\rالأول : حديث ابن عباس :\r841-حدثنا إسحاق بن نصرٍ : حدثنا عبد الرزاق : أنا ابن جريجٍ : أخبرني عمرو ، أن أبا معبد مولى ابن عباسٍ أخبره ، أن ابن عباس أخبره ، أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rقال ابن عباسٍ : كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته .\r842-حدثنا عليٌ : ثنا سفيان : ثنا عمرو : أخبرني أبو معبدٍ ، عن ابن عباسٍ ، قال : كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتكبير .\rحدثنا عليٌ : ثنا سفيان ، عن عمروٍ ، قال : كان أبو معبدٍ أصدق موالي ابن عباسٍ .\rقال عليٌ : واسمه : نافذٌ .\rأبو معبدٍ مولى ابن عباسٍ ، اسمه ، نافذٌ ،وهو ثقةٌ ؛ وثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة ، واتفق الشيخان على تخريج حديثه .\rولكن في رواية لمسلمٍ في هذا الحديث من طريق ابن عيينة ، عن عمروٍ ، أن أبا معبدٍ حدثه بذلك ، ثم أنكره بعد ، وقال : لم أحدثك بهذا .\rورواه الإمام أحمد ، عن سفيان ، عم عمروٍ ، به ، وزاد : قال عمروٌ :قلت له : إن الناس كانوا إذا سلم الإمام من صلاة المكتوبة كبروا ثلاث تكبيرات وهكذا هنا ثلاث تهليلات [ ... ] .\rوقال حنيلٌ : سمعت أبا عبد الله يقول : ثنا عليٌ بن ثابتٍ : ثنا واصلٌ ، قال : رأيتُ علي عبد الله بن عباسٍ إذا صلى كبر ثلاث تكبيراتٍ . قلت لأحمد : بعد الصلاة ؟ قال : هكذا .قلت له : حديث عمرو ، عن أبي معبد ،عن ابن عباسٍ : ((كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بالتكبير )) ، هؤلاء أخذوه عن هذا ؟. قال نعم -: ذكره\rأبو بكرٍ عبد العزيز ابن جعفر في كتابه (( الشافي )) .\rفقد تبين بهذا أن معنى التكبير الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة المكتوبة : هو ثلاث تكبيراتٍ متواليةٍ .\rويشهد لذلك : ما روي عن مسعرٍ ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن طيسلة ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من قال في دبر الصلوات ،وإذا أخذ مضجعه : الله أكبر كبيراً ، عدد الشفع والوتر ، وكلمات الله الطيبات المباركات - ثلاثاً- ، ولا إله إلا الله - مثل ذلك - كن له في القبر نوراً ، وعلى الحشر نوراً ، وعلى الصراط نوراً ، حتى يدخل الجنة )) .\rوخَّرجه -أيضاً- بلفظ آخر ، وهو : (( سبحان الله عدد الشفع والوتر ، وكلمات ربي الطيبات التامات المباركات - ثلاثاً - والحمد لله ، والله أكبر ، ولا إله إلا الله )) .\rوذكر الإسماعيلي : أن محمد بن عبد الرحمن ، هو : مولى آل طلحة ، وهو ثقةٌ مشهورٌ ، وخرّج له مسلمٌ .\rوطيسلة ، وثقه ابن معينٍ ، هو : ابن علي اليمامي ، ويقال : ابن مياسٍ ، وجعلهما ابن حبان اثنين ، وذكرهما في (( ثقاته )) ، وذكر أنهما يرويان عن ابن عمر.\rوخرّجه ابن أبي شيبة في ((كتابه )) عن يزيد بن هارون ، عن مسعر بهذا الإسناد - موقوفاً على ابن عمر .","part":6,"page":102},{"id":1290,"text":"وأنكر عبيدة السلماني على مصعب بن الزبير تكبيره عقب السلام ، وقال :قاتله الله ، نعار بالبدع ، واتباع السنة أولى.\rوروى ابن سعدٍ في ((طبقاته)) بإسناده عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يكبر : الله اكبر ولله الحمد - ثلاثاً - دبر كل صلاةٍ .\rوقد دل حديث ابن عباسٍ على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة ، وقد ذهب الىظاهره أهل الظاهر ، وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك ، وأن ألافضل الإسرار بالذكر ؛ لعموم قوله تعالى : { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً } [الأعراف :205] وقوله تعالى : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } [الأعراف :55] ، ولقول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمن جهر بالذكر من أصحابه : (( إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً )) .\rوحمل الشافعي حديث ابن عباسٍ هذا على أنه جهر به وقتاً يسيراً حتى يعلمهم صفة الذكر ؛ لا أنهم جهروا دائماً . قال : فأختار للإمام والمأموم أن يذكروا الله بعد الفراغ من الصلاة ، ويخفيان ذلك ، إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلم منه ، فيجهر حتى يعلم ، أنه قد تعلم منه ، ثم يسر .\rوكذلك ذكر أصحابه .\rوذكر بعض أصحابنا مثل ذلك - أيضاً.\rولهم وجهٌ آخر : أنه يكره الجهر به مطلقاً .\rوقال القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير )) :ظاهر كلام أحمد : أنه يسن للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات بحيث يسمع المأموم ، ولا يزيد على ذلك .\rوذكر عن أحمد نصوصاً تدل على أنه كان يجهر ببعص الذكر ، ويسر الدعاء ، وهذا هو الأظهر ، وأنه لا يختص ذلك بالإمام ؛ فإن حديث ابن عباس هذا ظاهره يدل على جهر المأمومين -أيضاً.\rويدل عليه - أيضاً - : ما خَّرجه مسلمٌ في ((صحيحه )) من حديث ابن الزبير ، أنه كان يقول في دبر كل صلاةٍ حين يسلم : ((لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة ، وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون )) ، وقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل بهن في دبر كل صلاةٍ .\rومعنى : ((يهل )) . يرفع صوته ، ومنه : إلاهلال في الحج ، وهو رفع الصوت بالتلبية ، واستهلال الصبي إذا ولد .\rوقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهرون بالذكر عقب الصلوات ، حتى يسمع من يليهم :\rفخَّرج النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) من رواية عون بن عبد الله بن عتبة ، قال صلى رجلٌ إلى جنب عبد الله بن عمرو بن العاص ، فسمعه حين سلم يقول : ((أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلاب والاكرام )) ، ثم صلى إلى جنب عبد الله بن عمر ، فسمعه حين سلم يقول مثل ذلك ، فضحك الرجل ، فقال له ابن عمر : ما أضحكك ؟ قال : إني صليت إلى جنب عبد الله بن عمروٍ ، فسمعته يقول مثلما قلت : قال ابن عمر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك .","part":6,"page":103},{"id":1291,"text":"وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر ، فإنما المراد به : المبالغة في رفع الصوت ؛ فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته : ((لا إله إلا الله ، والله اكبر )) فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((أربعوا على أنفسكم ، إنكم لا تنادون أصم ولا غائباً )) ، وأشار إليهم بيده يسكنهم ويخفضهم .\rوقد خرّجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ .\rوقال عطية بن قيسٍ : كان الناس يذرون الله عند غروب الشمس ، يرفعون أصواتهم بالذكر ، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن يرددوا الذكر .\rخرّجه جعفر الفريابي في ((كتاب الذكر )) .\rوخرّج - أيضاً- من رواية ابن لهيعة ، عن زهرة بن معبدٍ ، قال : قال :رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاء كبر كبر ، حتى يبلغ منزله ، ويرفع صوته .\rوروى محمد بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن جابرٍ ، أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر ، فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((دعه ؛ فإنه أواه)) .\rوهذا يدل على أنه يحتمل ذلك ممن عرف صدقه وإخلاصه دون غيره .\rوخرّج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ ، يقال له : ذو البجادين : ((إنه أواهٌ)) ، وذلك أنه رجلٌ كثير الذكر لله في القرآن ، ويرفع صوته في الدعاء .\rوفي إسناده : ابن لهيعة .\rوقال الأوزاعي في التكبير في الحرس في سبيل الله : أحب إلي أن يذكر الله في\rنفسه ، وإن رفع صوته فلا بأس .\rفأما قول ابن سيرين : يكره رفع الصوت إلا في موضعين : الأذان والتلبية ، فالمراد به -والله أعلم - : المبالغة في الرفع ، كرفع المؤذن والملبي .\rوقد روي رفع الصوت بالذكر في مواضع ، كالخروج إلى العيدين ،وايام العشر ، وأيام التشريق بمنىً .\rوأما الدعاء ، فالسنة إخفاؤه .\rوفي ((الصحيحين )) عن عائشة ، في قوله تعالى : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } [الإسراء :110] ، أنها نزلت في الدعاء .\rوكذا روي عن ابن عباس وأبي هريرة ،وعن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة وعروة ومجاهدٍ ولإبراهيم وغيرهم .\rوقال الإمام أحمد :ينبغي أن يسر دعاءه ؛ لهذه الآية . قال : وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء .\rوقال الحسن : رفع الصوت بالدعاء بدعةٌ .\rوقال سعيد بن المسيب : أحدث الناس الصوت عند الدعاء .\rوكرهه مجاهدٌ وغيره .\rوروى وكيعٌ ، عن الربيع ، عن الحسن -والربيع ، عن يزيد بن أبانٍ ، عن\rأنسٍ - ، أنهما كرها أن يسمع الرجل جليسه شيئاً من دعائه .\rوورد فيه رخصةٌ من وجهٍ لا يصح :\rخرّجه الطبراني من رواية أبي موسى : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه ، يقول : ((اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري )) -ثلاث مرات - ((اللهم ، أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي )) -ثلاث مرات ، ((اللهم ، أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي ))-ثلاث مراتٍ - وذكر دعاء آخر.\rوفي إسناده : يزيد بن عياضٍ ، متروك الحديث . وإسحاق بن طلحة ،ضعيفٌ .","part":6,"page":104},{"id":1292,"text":"فأما الحديث الذي خَّرجه مسلمٌ وغيره ، عن البراء بن عازبٍ ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه ؛ ليقبل علينا بوجهه .\rقال : فسمعته يقول : ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك )) .\rفهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس ، إنما فيه كان يقوله بينه وبين نفسه ، وكان يسمعه منه -احيانا - جليسه ، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحياناً في صلاة النهار .\rوروى هلال بن يسافٍ ، عن زاذان : نا رجل من الأنصار ، قال : سمعت\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في دبر الصلاة : ((اللهم ، اغفر لي ، وتب عليَّ ، إنك أنت التواب الغفور )) -مائة مرةٍ .\rخرّجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلدٍ في ((مسنده )) .\rالحديث الثاني :\r843-حدثنا محمد بن أبي بكر : ثنا المعتمر ، عن عبيد الله ، عن سمىً ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ،قال : جاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضلٌ من أموال يحجون بها ويعتمرون ، ويجاهدون ويتصدقون ، قال : (( ألا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ، ولم يدركم أحدٌ بعدكم ، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم ، إلا من عمل مثله ، تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين )) .\rفاختلفنا بيننا ، فقال بعضنا : نسبح ثلاثاً وثلاثين ، ونحمد ثلاثاً وثلاثين ، ونكبر أربعاً وثلاثين .فرجعت إليه ، فقال : تقول : سبحان الله ، والحمد لله ، والله اكبر ، حتى يكون منهنكلهن ثلاثٌ وثلاثون .\rذكر الخطابي : أن لفظ هذه الرواية : ((ذهب أهل الدور )) ، وقال :والصواب ((الدثور )) .\rوذكر غيره : أن هذه رواية المرزوي ، وأنها تصحيفٌ ، والرواية المشهورة : ((أهل الدثور )) على الصواب .\rو((الدثور )) : جمع دثرٍ ، بفتح الدال ، وهو : المال الكثير .\rوفي الحديث : دليل على قوة رغبة الصحابة -رضي الله عنهم- في الأعمال الصالحة الموجبة للدرجات العلى والنعيم المقيم ، فكانوا يحزنون على العجز عن شيءٍ مما يقدر عليه غيرهم من ذلك .\rوقد وصفهم الله في كتابه بذلك ، بقوله : { وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا\rيُنفِقُونَ } [التوبة :92] .\rولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لا حسد إلا في اثنين )) ، فذكر منهما : ((رجل آتاه الله مالاً ، فهو ينفقه في وجهه ، فيقول رجل : لو أن لي مالاً ، لفعلت فيه كما فعل ذلك )).","part":6,"page":105},{"id":1293,"text":"فلذلك كان الفقراء إذا رأوا أصحاب الأموال يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون وينفقون حزنوا على عجزهم عن ذلك ، وتأسفوا على امتناعهم من مشاركتهم فيه ، وشكوا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فدلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمل ، إن أخذوا به أدركوا من سبقهم ، ولميدركهم أحدٌ بعدهم ، وكانوا خير من هم بين ظهرانيهم ، إلا من عمل مثله ، وهو التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين.\rوهذا يدل على أن الذكر أفضل ألاعمال ، وأنه أفضل من الجهاد والصدقة والعتق وغير ذلك .\rوقد روي هذا المعنى صريحاً عن جماعةٍ كثيرةٍ من الصحابة ، منهم :أبو الدرداء ومعاذ وغيرهما .\rوروي مرفوعاً من وجوهٍ متعددةٍ -أيضاً .\rولا يعارض هذا حديث الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يعدل الجهاد ، فقال : ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر ، وتقوم فلا تفتر )) -الحديث المشهور ،لأن هذا السائل سأل عن عمل يعمله في مدة جهاد المجاهد من حين خروجه من بيته إلى\rقدومه . فليس يعدل ذلك شيء غير ما ذكره ، والفقراءُ دلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمل يستصحبونه في مدة عمرهم ، وهو ذكر الله الكثير في أدبار الصلوات ، وهذا أفضل من جهاد يقع في بعض الأحيان ، ينفق صاحبه فيه ماله .\rفالناس منقسمون ثلاثة أقسامٍ ، أهل ذكر يدومون عليه إلى أنقضاء أجلهم ،وأهل جهادٍ يجاهدون وليس لهم مثل ذلك الذكر . فالأولون أفضل من هؤلاء .\rوقومٌ يجمعون بين الذكر والجهاد ، فهؤلاء أفضل الناس .\rولهذا لما سمع الأغنياء الذين كانوا يحجون ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون بما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الفقراء من ذلك عملوا به ، فصاروا أفضل من الفقراء حينئذ ؛ ولهذا لما يألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، قال : ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )) .\rومن زعم من الصوفية أنه أراد أن الفقر فضل الله ، فقد اخطأ ، وقال ما لا يعلم .\rوقد دَّل الحديث على فضل التسبيح والتحميد والتكبير خلف كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين .\rوخرّجه مسلمٌ من طريق بن عجلان ، عن سميٍ ، وذكر فيه : أن المختلفين هم سميٌ وبعض أهله ، وان القائل له هو أبوه أبو صالحٍ السمان ، وأن ابن عجلان قال : حدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة ، فحدثني بمثله عن أبي صالحٍ .\rوخرّجه البخاري في أواخر كتابه ((الصحيح )) -أيضاً- من طريق ورقاء ، عن سمي بهذا الإسناد ، بنحوه ، ولكن قال فيه : ((تسحبون في دبر كل صلاةٍ عشراً ، وتحمدون عشراً ، وتكبرون عشراً )) .\rوقال : تابعه عبيد الله بن عمر ، عن سمي . قال : ورواه ابن عجلان عن سميَ ورجاء بنحيوة .ورواه جريرٌ ، عن عبد العزيز بن رفيعٍ ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي الدرداء . ورواه سهيلٌ ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .انتهى .\rومراده : المتابعة على إسناده .\rورواية عبيد الله بن عمر ، هي التي خرجها في هذا الباب .\rورواية ابن عجلان ، هي التي خرجها مسلمٌ ، كما ذكرناه .","part":6,"page":106},{"id":1294,"text":"ورواية سهيلٍ ، خرجها مسلمٌ -أيضاً- بمثل حديث ابن عجلانٍ ، عن سمي ، وزاد في الحديث: يقول سهيلٌ : إحدى عشرة إحدى عشرة ، فجميع ذلك كله ثلاثةٌ وثلاثون.\rوأما رواية جريرٍ التي أشار إليها البخاري ، قوله : عن أبي صالحٍ ، عن أبي\rالدرداء ، فقد تابعه عليها - أيضاً - أبو الأحوص سلام بن سليمٍ ، عن عبد العزيز .\rوالظاهر : أنه وهمٌ ، فإن أبا صالحٍ إنما يرويه عن أبي هريرة ، لا عن أبي الدرداء ، كما رواه عنه سمي وسهيلٌ ورجاء ابن حيوة .\rوإنما رواه عبد العزيز بن رفيعٍ ، عن أبي عمر الصيني ، عن أبي الدرداء ، كذلك رواه الثوري ، عن عبد العزيز ، وهو أصح - :قاله أبو زرعة ، والدارقطني .\rوأما ألفاظ الحديث ، فهي مختلفةٌ :\rففي رواية عبيد الله بن عمر التي خرجها البخاري هاهنا : ((تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثاً وثلاثين)) ، وفسره بأنه يقول : ((سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر )) حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين .\rوقد تبين أن المفسر لذلك هو أبو صالح ، وهذا يحتمل أمرين :\rأحدهما : أنه يجمع بين هذه الكلمات الثلاث ، فيقولها ثلاثاً وثلاثين مرةً ،فيكون مجموع ذلك تسعاً وتسعين .\rوالثاني : أنه يقولها إحدى عشرة مرةً ، فيكون مجموع ذلك ثلاثاً وثلاثين .\rوهذا هو الذي فهمه سهيلٌ ، وفسر الحديث به ، وهو ظاهر رواية سمي ، عن أبي صالحٍ - أيضاً .\rولكن ؛ قد روي حديث أبي هريرة من غير هذا الوجه صريحاً بالمعنى الأول :\rفخرج مسلمٌ من حديث سهيل ، عن أبي عبيد المذحجي -وهو : مولى سليمان بن عبد الملك وحاجبه - ، وعن عطاء بن يزيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من سبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين ، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين ، فتلك تسعة وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، غفرت خطاياه ، وإن كانت مثل زبد البحر )) .\rوقد روي عن سهيل بهذا الإسناد -موقوفاً على أبي هريرة .\rوكذا رواه مالك في ((الموطإ )) عن أبي عبيدٍ -موقوفاً .\rوخرّجه ابن حبان في ((صحيحه)) من طريق مالكٍ -مرفوعاً .\rوالموقوف عن مالكٍ أصح .\rوخرّجه النسائي في ((اليوم والليلية)) بنحو هذا اللفظ ، من رواية ابن عجلان ، عن سهيلٍ ، عن أبيه ، عن أبي هريرة -مرفوعاً .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان في ((صحيحه)) من طريق الأوزاعي : حدثني حسان بن عطية : حدثني محمد بن أبي عائشة : حدثني أبو هريرة ، قال : قال أبو ذر : يا رسول الله ، ذهب أصحاب الدثور بالأجور -فذكر الحديث ، بمعناه ، وقال فيه : ((تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ، وتحمده ثلاثاً وثلاثين ، وتسبحه ثلاثاً وثلاثين ، تختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، غفرت له ذنوبه ، ولوكانت مثل زبد البحر )) .\rفهذا ما في حديث أبي هريرة من الاختلاف .","part":6,"page":107},{"id":1295,"text":"وقدروي عنه نوعٌ آخر ، وهو : التسبيح مائة مرةٍ ، والتكبير مائة مرةٍ والتهليل مائة مرةٍ ، والتحميد مائة مرةٍ .\rوخرّجه النسائي في ((كتاب اليوم والليلة )) بإسنادٍ فيه ضعفٌ .\rوروي موقوفاً على أبي هريرة .\rوخرّجه النسائي في ((السنن)) بإسنادٍ آخر عن أبي هريرة- مرفوعاً- : ((من سبح في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحةٍ ، وهلل مائة تهليلةٍ ، غفر له ذنوبه ، ولو كانت مثل زبد البحر )) .\rوروي عن أبي هريرة -موقوفاً عليه - : التسبيح عشرٌ ، والتحميد عشرٌ ، والتكبير عشرٌ .\rوقد تقدم أن البخاري خَّرجه في آر ((كتابه)) عنه - مرفوعاً .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث أبي هريرة في هذا الباب أنواعٌ أخر من الذكر :\rفمنها : التسبيح والتحميد والتكبير مائة ، فالتسبيح والتحميد كلٌ منهما ثلاثٌ وثلاثون ، والتكبير وحده أربعٌ وثلاثون.\rخرّجه مسلمٌ من حديث كعب بن عجرة .\rوخرّجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث زيد بن ثابتٍ .\rوخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي ذر ، لكن عنده : أن التحميد هو الأربع .\rوخرّجه ابن ماجه ، وعنده : أن ابن عيينة قال : لا أدري أيتهن أربع .\rومنها : التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل مائة مرةٍ ، من كل واحدٍ خمسٌ وعشرون .\rوخرّجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث زيد بن ثابتٍ .\rوخرّجه النسائي من حديث ابن عمر .\rومنها : التسبيح ثلاثاً وثلاثين ، والتحميد مثله ، والتكبير أربعاً وثلاثين ، فذلك مائةٌ ، ويزيد عليهن التهليل عشراً .\rخرّجه النسائي والترمذي من حديث ابن عباسٍ .\rومنها : التسبيح عشرٌ مراتٍ ، والتحميد مثله ، والتكبير مثله ، فذلك ثلاثون .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.\rوخرّجه النسائي في ((اليوم والليلة )) من حديث سعدٍ .\rومنها : التكبير إحدى عشرٌ مرةً ، والتحميد مثله ، والتهليل مثله والتسبيح مثله ، فذلك أربعٌ وأربعون.\rخرّجه البزار من حديث ابن عمر .\rوإسناده ضعيفٌ ، فيه موسى بن عبيدة .\rويجوز الأخذ بجميع ما ورد من أنواع الذكر عقب الصلوات ، والأفضل أن لا ينقص عن مائةٍ ، لأن أحاديثها أصح أحاديث الباب .\rواختلف في تفضيل بعضها على بعض :\rفقال أحمد - في رواية الفضل بن زيادٍ - ، وسئل عن التسبيح بعد الصلاة ثلاثةً وثلاثين أحب إليك ، أم خمسةً وعشرين ؟ قال : كيف شئت .\rقال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا : التخيير بينهما من غير ترجيح .\rوقال - في رواية علي بن سعيدٍ -: أذهب إلى حديث ثلاثٍ وثلاثين.\rوظاهر هذا : تفضيل هذا النوع على غيره .\rوكذلك قال إسحاق : الافضل أن تسبح ثلاثاً وثلاثين ، وتحمد ثلاثاً وثلاثين ، وتكبر ثلاثاً وثلاثين ، وتختم المائة يالتهليل . قال : وهو في دبر صلاة الفجر آكد من سائر الصلوات ؛ لما ورد من فضيلة الذكر بعد الفجر إلى طلوع الشمس.\rنقل ذلك عنه حربٌ الكرماني .","part":6,"page":108},{"id":1296,"text":"وهل الأفضل أن يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير في كل مرةٍ ، فيقولهن ثلاثاً وثلاثين مرةٍ ، ثم يختم بالتهليل ، أم الأفضل أن يفرد التسبيح والتحميد والتكبير على\rحدةٍ ؟\rقال أحمد -في رواية محمد بن ماهان ، وسأله : هل يجمع بينهما ، أو يفرد ؟ قال : لا يضيق .\rقال أبو يعلى : وظاهر هذا : أنه مخيرٌ بين الافراد والجمع .\rوقال أحمد -في رواية أبي داود - : يقول هكذا : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله اكبر ، ولا يقطعه.\rوهذا ترجيحٌ منه للجمع ، كما قاله أبو صالحٍ ، لكن ذكر التهليل فيه غرابةٌ .\rوقد روى عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عن قتادة -مرسلاً- ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يقولوا دبر كل صلاةٍ : ((لا إله إلا الله ، والله اكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله عشرٌ مراتٍ )) .\rوقال إسحاق : الأفضل أن يفرد كل واحدٍ منها .\rوهو اختيار القاضي أبي يعلى من أصحابنا ، قال : وهو ظاهر الأحاديث ؛ لوجهين :\rأحدهما : أنه قال : ((تسبحون وتحمدون وتكبرون )) ، والواو قد قيل : إنها للترتيب ، فإن لم تقتض وجوبه أفادت استحبابه .\rوالثاني : أن هذا مثل نقل الصحابة -رضي الله عنهم - لوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه تمضمض ثلاثاً ، واستنشق ثلاثاً ، وغسل وجهه ثلاثاً ، وذراعيه ثلاثاً ، ولا خلاف في المراد : أنه غسل كل عضوٍ من ذلك بانفراده ثلاثاً ثلاثاً ، قبل شروعه في الذي بعده ، ولم يغسل المجموع مرةً ، ثم اعاده مرةًثانيةً ، وثالثةً .\rقلت : هذا على رواية من روي التسبيح ثلاثاً وثلاثين ، والتحميد ثلاثاً وثلاثين ، والتكبير ثلاثاً وثلاثين ظاهرٌ ، وأما رواية من روى ((تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثاً وثلاثين )) فمحتملةٌ ، ولذلك وقع الاختلاف في فهم المواد منها .\rالحديث الثالث :\r844-حدثنا محمد بن يوسف : ثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عميرٍ ، عن ورادٍ-كاتب المغيرة بن شعبة - ، قالَ : أملى علي المغيرة في كتاب إلى معاوية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبةٍ : ((لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قديرٌ ، اللهم ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما\rمنعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) .\rوقال شعبة ،عن عبدالملك بن عمير بهذا ، وعن الحكم ،عن القاسم بن مخيمرة ، عن ورادٍ بهذا .\rهذا الحديث ، أسنده البخاري من طريق سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن\rعميرٍ ، عن ورادٍ .\rوعَّلقه عن شعبة بإالافضل سنادين :\rأحدهما : عن عبد الملك -أيضاً- بهذا الإسناد .\rوالثاني : عن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن ورادٍ .\rرواية شعبة لهذا الحديث غريبةٌ لم تخرج في شيءٍ من الكتب الستة ، ولا في ((مسند الإمام أحمد )) .\rوخرّجه مسلمٌ من طريق عبدة بن أبي لبابة والمسيب بن رافعٍ وغيرهما ، عن ورادٍ .\rوخرّجه البخاري في موضعٍ آخر من رواية المسيب ، وفي روايته : ((بعد\rالسلام )) .","part":6,"page":109},{"id":1297,"text":"وخرّجه الإمام أحمد والنسائي من طريق مغيرة ، عن الشعبي ، عن ورادٍ ، أن المغيرة كتب إلى معاوية : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند انصرافه من الصلاة : ((لا إله إلا الله ، وحده لا سريك له ، له المللك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير )) -ثلاث مراتٍ .\rوهذه زيادةٌ غريبةٌ .\rوقد روي في الحديث زيادة : ((بيده الخير )) .\rخرجها الإسماعيلي من طريق مسعرٍ ، عن زياد بن علاقة ، عن ورادٍ .\rوروي فيه -أيضاً- زيادة : (( يحيى ويميت )) .\rذكرها الترمذي في ((كتابه )) -تعليقاً ، ولم يذكر رواتها .\rوقد خَّرجه البزار بهذه الزيادة من رواية ابن علاقة ، عن عبد الله بن محمد بن\rعقيلٍ ، عن جابرٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -بمثل حديث المغيرة ، بهذه الزيادة .\rوفي اسنادها ضعفٌ .\rوخرّجه -أيضاً - من حديث ابن عباسٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه زيادة : (( بيده الخير )) .\rوفي إسنادها ضعفٌ .\rوخرّجه ابن عدي ، وزاد فيه : (( يحيى ويميت )) .\rوقال : هو غير محفوظٍ .\rوخَّرجه أبو مسلم الكجي في ((سننه)) من حديث أبان بن أبي عياشٍ ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه : (( يحيي ويميت ، بيده الخير )) .\rوأبانٌ ، متروكٌ .\rوخرج النسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم من حديث كعب الأحبار ، عن صهيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند انصرافه من الصلاة : (( اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي ، اللهم ، اني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ [ ... ] بعفوك من نقمتك ، وأعوذ بك منك ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) .\rوفي إسناده اختلافٌ .\rوخرج مسلمٌ من حديث عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقعد إلا مقدار ما يقول : (( اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ذا الجلال والإكرام )) .\rوفي رواية له - أيضاً - : ((يا ذا الجلال والإكرام )) .\rوخرج -أيضاً- من حديث ثوبان ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينصرف من صلاته استغفر ثلاث مراتٍ ، ثم قال : ((اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تبارك ذا الجلال والإكرام )) .[ ... ]، ((يا ذا الجلال والإكرام )) .\rوفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أخر.\rوجمهور أهل العلم على استحبابه ، وقد روي عن علي وابن عباسٍ وابن الزبير وغيرهم ، وهو قول عطاءٍ والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوخالف فيه طائفةٌ قليلةٌ من الكوفيين ، وقد تقدم عن عبيدة السلماني ، أنه عد التكبير عقب الصلاة من البدع ، ولعله أراد بإنكاره على مصعبٍ ، أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر ، كذلك هو في ((كتاب عبد الرزاق)) ، وإذا صحت السنة بشيءٍ وعمل بها الصحابة ، فلا تعدل عنها .\rواستحب -أيضاً- أصحابنا وأصحاب الشافعي الدعاء عقب الصلوات ، وذكره بعض الشافعية اتفاقاً .","part":6,"page":110},{"id":1298,"text":"واستدلوا بحديث أبي أمامة ، قال : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الدعاء أسمع ؟ قال : ((جوف الليل الآخر ، ودبر الصلوات المكتوبات )) .\rخرّجه الإمام أحمد والترمذي ، وحَّسنه .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث معاذٍ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : (( لا تدَعن دبر كل صلاةٍ تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )).\rوقال طائفةٌ من أصحابنا ومن الشافعية : يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر ؛ لأنه لا تنفل بعدهما .\rفظاهر كلامهم : أنه يجهر به ، ويؤمنون عليه ، وفي ذلك نظرٌ .\rوقد ذكرنا فيما تقدم حديث دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة جهراً ، وأنه لا يصح ، ولم يصح في ذلك شيءٌ عن السلف .\rوالمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة ، ثم يسر بالباقي ، ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سراً ، ويدعو سراً .\rومن الفقهاء من يستحب للإمام الدعاء للمأمومين عقب كل صلاة ، وليس في ذلك سنةٌ ولا أثرٌ يتبع . والله أعلم .\rوفي بعض نسخ البخاري :\rوقال الحسن : الجد غنىً .\rوهذا تفسير لقوله: (( ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) ،والجد -بفتح الجيم - المراد به في هذا الحديث : الغنى ،والمعنى : لا ينفع ذا الغنى منك غناه .\rوهذا كقوله تعالى : { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى } [سبأ:37] ، وقوله : { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } [الشعراء :88] .\rوقدروي تفسير الجد بذلك مرفوعاً :\rففي ((سنن ابن ماجه )) ، عن أبي جحيفة ، قالَ : ذكرت الجدود عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصَّلاة ، فقالَ رجلٌ: جد فلانٌ في الخيل . وقال آخر : جد فلان في الابل ، فقالَ آخر : جد فلانٌ في الغنم ، وقال آخر : جد فلان في الرقيق ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ، ورفع رأسه من آخر الركعة ، قالَ : ((اللَّهُمَّ ،ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، اللَّهُمَّ ، لا مانع لما أعطيت ،ولا معطي لما منعت ،ولا ينفع ذا الجدَّ منك الجدّ )) ، وطول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته بالجد ؛ ليعلم أنه ليس كما يقولون .\r* * *","part":6,"page":111},{"id":1299,"text":"156-باب\rيستقبل الإمام الناس إذا سلم\rفيه ثلاثة أحاديث :\rالأول :\r845-حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا جرير بن حازم : ثنا أبو رجاءٍ ، عن سمرة بن جندبٍ ، قال :كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه .\rهذا أول حديثٍ طويلٍ ، ساقه بتمامه في ((الجنائز)) ومواضع أخر وفيه : دليلٌ على أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - الاقبال على الناس بوجهه بعد الصلاة .\rالحديث الثاني :\r846-حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالكِ ، عن صالح بن كيسان ، عن\rعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن زيد ابن خالد الجهني ، أنه قال :صلى لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة ، فلما انصرف أقبل على الناس ، فقال : ((هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ )) قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافرٌ ))-الحديث .\rوسيأتي بتمامه في ((الاستسقاء )) -إن شاء الله تعالى .\rوالمقصود منه هاهنا : إقباله - صلى الله عليه وسلم - بعد انصرافه من صلاة الصبح ، والمعنى :بعد فراغه منها .\rالحديث الثالث :\r847-ثنا عبد الله بن منيرٍ : سمع يزيد : أنا حميدٌ ، عن أنسٍ ، قال : أخر\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ذات ليلةٍ إلى شطر الليل ، ثم خرج علينا ،فلمَّا صلى أقبل علينا بوجهه ، فقال : (( إن الناس قد صلوا ورقدوا ،وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة )) .\rقد تقدم في ((باب : وقت العشاء )) بسياق أتم من هذا .\rوالمقصود منه هاهنا : إقباله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه بعد الصلاة .\rوخرّج مسلمٌ في ((صحيحه )) من حديث البراء بن عازبٍ ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه ؛ ليقبل علينا بوجهه .\rقال : فسمعته يقول : ((رب قني عذابك يوم تبعث عبادك ))-وفيه : ذكر الدعاء بعد الصلاة -أيضاً .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن الأسود ، قال : صليت خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، فكان إذا انصرف انحرف .\rوصححه الترمذي .\rوفي رواية بعضهم : فصلى ، ثم انحرف .\rوروى عبد الله بن فروخٍ : أنا ابن جريج ، عن عطاءٍ ، عن أنس بن مالكٍ ، قال : صليت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، فكان ساعة يسلم يقوم ، ثم صليت مع أبي بكر ، فكأن إذا سلم وثب مكانه ، كانه يقوم على رضفٍ .\rخرّجه البيهقي .\rوقال :تفرد به عبد الله بن فروخ المصري ، وله أفرادٌ ، والله أعلم .\rقلت :وثقه قومٌ ،وخرج له مسلمٌ في ((صحيحه)) ، وتكلم فيه آخرون .\rوقد رواه عبد الرزاق في (( كتابه )) عن ابن جريجٍ ، قال :نبئت عن أنس بن مالكٍ-فذكر الحديث بتمامه .\rوهذا أصح .\rقال البيهقي : والمشهور : عن أبي الضحى ،عن مسروقٍ ، قال : كان أبو بكرٍ الصديق إذا سلم قام كأنه جالسٌ على الرضف .\rقال : وروينا عن عليّ ،أنه سلم ثم قام .","part":6,"page":112},{"id":1300,"text":"ثم خرج بإسناده ، عن خارجة بن زيدٍ ،أنه كان يعيب على الأئمة جلوسهم بعد أن يسلموا ، ويقول : السنة في ذلك أن يقوم الإمام ساعة يسلم .\rقال : وروينا عن الشعبي والنخعي ، أنهما كرهاه .\rويذكر عن عمر بن الخطاب .والله أعلم .\rوروى عبد الرزاق بإسنادٍ صحيحٍ ، عن ابن عمر ، قال : كان الإمام إذا سلم انكفت وانكفتنا معه .\rوعن ابن مسعودٍ ، قال : إذا سلم الإمام فليقم ،ولينحرف عن مجلسه .\rوعنه ، أنه كان إذا سلم قام عن مجلسه أو انحرف .\rوممن روي عنه ، أن الإمام ينحرف ويستقبل القوم بوجهه : علي بن أبي طالبٍ وطلحة والزبير .\rوقال النخعي : إذا سلم الإمام ثم استقبل القبلة فأحصبوه .\rوكره ذلك الثوري وأحمد وغيرهما من العلماء .\rولم يرخص في إطالة استقبال الإمام القبلة بعد سلامه للذكر والدعاء إلا بعض المتأخرين ممن لا يعرف السنن والآثار ، ومنهم من استحب في عقب صلاة الفجر أن يأتي بالتهليل عشرٌ مراتٍ .\rذكره طائفةٌ من أصحابنا وغيرهم ، لما روى شهر بن حوشبٍ ، عن عبد الرحمن بن غنمٍ ،عن أبي ذر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثانٍ رجله قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ -عشرٌ مرات - كتب له عشرٌ حسناتٍ ومحي عنه عشرٌ سيئاتٍ ، ورفع له عشرٌ درجاتٍ ،وكان يومه ذلك في حرزٍ من كل مكروهٍ ، وحرس من الشيطان ، ولم ينبغ لذنبٍ أن يدركه في ذلك اليوم ،إلا الشرك بالله)).\rخَّرجه الترمذي بهذا اللفظ ، وقال : حسنٌ غريبٌ صحيحٌ .\rوخَّرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) بنحوه .\rوخَّرجه -أيضاً -من وجهٍ آخر من حديث شهرٍ ، عن عبد الرحمن ، عن معاذٍ بن جبلٍ ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم -بنحوه ، ولم يذكر : (( وهو ثانٍ رجله )) ، إنما قال : (( قبل أن يتكلم )) ، وذكر في صلاة العصر مثل ذلك .\rوخرّجه الإمام أحمد من حديث شهرٍ ، وعن ابن غنمٍ-مرسلاً ، وعنده (( من قال من قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح )) -وذكر الحديث .\rوشهر بن حوشبٍ ، مختلفٌ فيه ، وهو كثير الاضطراب ،وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث كما ترى .\rوقيل : عنه ، عن ابن غنم عن أبي هريرة .\rوقيل : عن شهر ، عن أبي أمامة .\rقال الدارقطني : الاضطراب فيه من قبل شهرٍ .\rوقد روي نحوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ أخر ، كلها ضعيفةٌ .\rوحكى بعض أصحاب سفيان الثوري ، عنه ، أنه قال : يستحب للإمام إذا صلى أن لا يجلس مستقبل القبلة ، بل يتحول من مكانه أو ينحرف ، إلا في العصر والفجر .\rولم يأخذ الإمام أحمد بحديث أبي ذر ، فإنه ذكر له هذا الحديث ، فقال : أعجب إليّ أن لا يجلس ، لأن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الغداة أقبل عليهم بوجهه .\rيعني : أن هذا أصح من حديث شهر بن حوشبٍ هذا ، مع أنه ليس في جميع رواياته : (( قبل أن يثنى رجله )) ، بل في بعضها .\r* * *","part":6,"page":113},{"id":1301,"text":"157-باب\rمكث الإمام في مصلاه بعد السلام\r848-وقال لنا آدم : ثنا شعبة ، عن أيوب ، عن نافعٍ ، قال : كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة .\rوفعله القاسم .\rويذكر عن أبي هريرة -رفعه- : (( لا يتطوع الإمام في مكانه )) . ولم يصح .\rهذا الذي ذكر أنه لا يصح ، خَّرجه الإمام وأبو داود وابن ماجه من رواية ليث ، عن حجاج بن عبيدٍ ، عن إبراهيم ابن إسماعيل ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر ، أو عن يمينه أو شماله في الصلاة )) -يعني : في السبحة .\rوليس في هذا ذكر الإمام ، كما أورده البخاري .\rوضعف إسناده من جهة ليث بن أبي سليمٍ ، وفيه ضعفٌ مشهورٌ .ومن جهة إبراهيم بن إسماعيل ، ويقال فيه : إسماعيل بن إبراهيم ، وهو حجازي ، روى عنه عمرو بن دينارٍ وغيره . قال أبو حاتمٍ الرازي : مجهولٌ .\rوكذا قال في حجاج بن عبيد ، وقد اختلف في اسم أبيه .\rواختلف في إسناد الحديث على ليثٍ -أيضاً.\rوخرج أبو داود وابن ماجه -أيضاً- من حديث عطاءٍ الخراساني ، عن المغيرة بن شعبة ، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا يصلي الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة حتى يتنحى عنه )) .\rوقال أبو داود : وعطاء الخراساني لم يدرك المغيرة .\rوقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة ، فأما قبلها فيجوز بالاتفاق -:قاله بعض أصحابنا:\rفكرهت طائفةٌ تطوعه في مكانه بعد صلاته ، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالكٌ وأحمد وإسحاق .\rوروي عن علي -رضي الله عنه- ، أنه كرهه .\rوقال النخعي : كانوا يكرهونه .\rورخص فيه ابن عقيلٍ من أصحابنا ، كما رجحه البخاري ، ونقله عن ابن عمر والقاسم بن محمدٍ .\rفأما المروي عن ابن عمر ، فإنه لم يفعله وهو إمامٌ ، بل كان مأموماً ، كذلك قال الإمام أحمد ، .\rوأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك ، وهو قول مالكٍ وأحمد .\rوقد خرج أبو داود حديثاً يقتضي كراهته من حديث أبي رمثة ، قال : صلى بنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، وكان أبو بكرٍ وعمر يقومان فيالصف المقدم عن يمينه ، وكان رجلٌ قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة ، فصلى نبي الله- صلى الله عليه وسلم - ، ثم سلم عن يمينه وعن يساره ، حتى رأيت بياض خديه ، ثم انفتل ، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع ، فوثب إليه عمر ، فاخذ بمنكبيه فهزَّه ، ثم قال : أجلس ؛ فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل ، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - بصره ، فقال : (( أصاب الله بك يا بن الخطاب )) .\rوهذا الحديث يدل على كراهة أن يصل المكتوبة بالتطوع بعدها من غير فصل ، وإن فصل بالتسليم .","part":6,"page":114},{"id":1302,"text":"ويدل عليه-أيضاً- : ما روى السائب بن يزيد ، قال : صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة ، فلما سلم قمت في مقامي فصليت ، فلما دخل أرسل إلي ، فقال : لا تعد لما فعلت ، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاةٍ حتى تتكلم أو تخرج ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بذلك ، أن لا توصل صلاةٌ بصلاةٍ حتى نتكلم أو نخرج .\rخَّرجه مسلمٌ -بمعناه.\rوروى حربٌ بإسناده ، عن عطاءٍ ، أنه قال فيمن صلى المكتوبة : لا يصلي مكانه نافلةً إلا أن يقطع بحديثٍ ، أو يتقدم أو يتأخر .\rوعن الأوزاعي ، قال : إنما يجب ذلك على الإمام ، أن يتحول من مصلاه .\rقيل له : فما يجزئ من ذلك ؟ قال : أدناه أن يزيل قدميه من مكانه . قيل له : فإن ضاق مكانه ؟ قال : فليتربع بعد سلامه ؛ فإنه يجزئه .\rوروى - أيضاً- : بإسناده ،عن ابن مسعودٍ ، أنه كان إذا سلم قام وتحول من مكانه غير بعيدٍ .\rقال حربٌ : ثنا محمد بن آدم : ثنا أبو المليح الرقي ، عن حبيبٍ ، قال :كان ابن عمر يكره أن يصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة ، حتى يتقدم أو يتأخر أو يتكلم .\rوهذه الرواية تخالف رواية نافع التي خرجها البخاري .\rوقد ذكر قتادة ، عن ابن عمر ، أنه رأى رجلاً صلى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة ، فنهاه عنه ، وقال : لا أراك تصلي في مقامك .\rقال سعيدٌ : فذكرته لابن المسيب ، فقال : إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة .\rوعن عكرمة ،قال : إذا صليت الجمعة فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحولٍ أو كلامٍ .\rخرَّجهما عبد الرزاق .\rومذهب مالك : أنه يكره في الجمعة أن يتنفل في مكانه من المسجد ،ولا ينتقل منه وإن كان مأموماً ، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكل حالٍ .\rوقد قال الشافعي في ((سنن حرملة)) : حديث السائب بن يزيد ، عن معاوية في هذا ثابتٌ عندنا ، وبه نأخذ . قال : وهذا مثل قوله لمن صلى وقد أقيمت الصلاة :\r(( أصلاتان معاً ؟!)) كأنه أحب أن يفصلهما منها حتى تكون المكتوبات منفرداتٍ مع السلام بفصلٍ بعد السلام.\rوقدروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطجع بعد ركعتي الفجر .\rوروى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن عمروٍ ، عن عطاءٍ ، عن ابن عباسٍ ، أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة ، فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلم أو يتقدم .\rقال ابن عبد البر : هذا حديثٌ صحيحٌ .\rقال : وقال الشعبي : إذا صليت المكتوبة ، ثم اردت أن تتطوع ، فاخط خطوةً .\rوخالف ابن عمر ابن عباسٍ في هذا ، وقال : وأي فصلٍ أفصل من السلام ؟\rوقد ذكر الفقهاء من أصحابنا والشافعية : أن هذا كله خلاف الأولى من غير كراهةٍ فيه ، وحديث معاوية يدل على الكراهة.\rقال البخاري -رحمه الله-\r849-حدثنا أبو الوليد : ثنا إبراهيم بن سعد : ثنا الزهري ، عن هند بنت الحارث ، عن أم سلمة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلم مكث في مكانه يسيراً .\rقال ابن شهاب : فنرى -والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء .","part":6,"page":115},{"id":1303,"text":"850-وقال ابن أبي مريم : أنا نافع بن يزيد : حدثني جعفر بن ربيعة ، أن ابن شهاب كتب إليه ، قال : حدثتني هند ابنت الحارث الفراسية ، عن أن سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -وكانت من صواحباتها - ، قالت : كان يسلم ، فينصرف النساء فيدخلن في بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rثم ذكر رواياتٍ أخر عن الزهري ، حاصلها يرجع إلى قولين في نسبة هند بنت الحارث :\rمنهم من قال : (( الفراسية )) .\rومنهم من قال : (( القرشية )) .\rوقيل : انها فراسيةٌ بالنسب ، قرشية بالحلف ، كانت تحت معبد بن المقداد بن الأسود .\rوفي الحديث : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث في المسجد بعد تسليمه من الصلاة يسيراً ، وإنما كان يمكث بعد إقباله على الناس بوجهه ، لا يمكث مستقبلاً للقبلة ، وبهذا يجمع بين هذا الحديث والأحاديث المذكورة في الباب الماضي .\rويدل على أنه كان يجلس قبل انصرافه يسيراً : ما خَّرجه مسلمٌ من حديث البراء بن عازبٍ ، قال : رمقت الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فوجدت قيامه ، فركعته ، فاعتداله بعد ركوعه ، فسجدته ، فجلسته بين السجدتين ، فسجدته ، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء .\rفهذا الحديث : صريحٌ في أنه كان يجلس بعد تسليمه قريباً من قدر ركوعه أو سجوده أو جلوسه بين السجدتين ، ثم ينصرف بعد ذلك .\rوخرّج مسلمٌ -أيضاً -من حديث عائشة ، قالت :كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول : (( اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ذا الجلال والاكرام )) .\rوقد سأل أبو داود الإمام أحمد عن تفسير حديث عائشة ، وهل المعنى : أنه يجلس في مقعده حتى ينحرف ؟ قال : لا أدري .\rفتوقف : هل المراد جلوسه مستقبل القبلة يسيراً ؟\rقال :وقال أبو يحيى الناقد : صليت خلف أبي عبد الله -يعني : أحمد - ، فكان إذا سلم من الصلاة لبث هنيةً ، ثم ينحرف .قال : فظننته يقول ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rفحكى القاضي في كراهة جلوس الإمام مستقبل القبلة بعد سلامه يسيراً روايتين عن أحمد .\rوالمنصوص عن أحمد في تكبير أيام التشريق : أن الإمام يكبر مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ، وحكاه عن النخعي .\rقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفرٍ : والعمل على ذلك .\rوهذا يدل على أنه يستحب اليسير للإمام قبل انحرافه .\rومن المتأخرين من أصحابنا من قال : إنما يكبر الإمام بعد استقباله للناس ، واستدلوا فيه بحديثٍ مرفوعٍ ، لا يصح إسناده .\rوالمنقول عن السلف يدل على أن الإمام ينحرف عقب سلامه ، ثم يجلس إن شاء.\rروى عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمرٍ ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعودٍ ، قال : إذا سلم الإمام فليقم ولينحرف عن مجلسه . قلت : يجزئه ينحرف عن مجلسه ويستقبل القبلة ؟ قال : الانحراف يغرب أو يشرق ، عن غير واحدٍ .\rوكان المسئول معمراً . والله أعلم .","part":6,"page":116},{"id":1304,"text":"وروى -أيضاً- بإسناده ، عن مجاهدٍ ، قال : ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم ، ثم يقعد بعد إن شاء.\rوعن سعيد بن جبيرٍ ، أنه كان يفعله .\rوعن عطاءٍ ، قال : قد كان يجلس الإمام بعد ما يسلم -وأقول أنا : التسليم :الانصراف - قدر ما ينتعل نعليه .\rوعن عبيدة ، أنه قال لما سمع مصعباً يكبر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة : ماله ، قاتله الله ، نعار بالبدع .\rويستثنى من ذلك : الجلوس بعد الفجر ، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسناً .\rففي (( صحيح مسلم )) عن جابر بن سمرة ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس ، فإذا طلعت قام .\rوروى وكيعٌ بإسناده ، عن النخعي ، أنه كان إذا سلم قام ، إلا الفجر والعصر . فقيل له في ذلك ؟ فقالَ : ليس بعدهما صلاة .\rقالَ أحمد -في الإمام إذا صلى يقوم الفجر أو العصر - : أعجب إلي أن ينحرف ، ولا يقوم من موضعه .\rوكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس .\rفأما جلوسه بعد الظهر ، فقال أحمد : لا يعجبني .\rقال القاضي أبو يعلى : ظاهر كلامه : أنه يستحب بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها ، ولا يستحب بعد غيرها .\rقال : وروى الخلالُ بإسناده ، عن عابدٍ الطائيَّ ، قال : كانوا يكر هونَ جلوسَ الإمام في مصلاهُ بعد صلاةٍ يصلي بعدها ، فإذا كانت صلاةٌ لا يصلى بعدها فإن شاءَ قامَ، وإن شاءَ جلسَ .\rوحكي عن أصحاب الشافعيَّ: أن المستحب للإمامِ أن يقومَ ولا يجلسَ في كل الصلواتِ .\rوقد نصَّ الشافعيَّ في (( المختصر )) على أنه يستحبَُ للإمامِ أن يقومَ عقبَ سلامهِ إذا لم سكن خلفهَ نساءٌ .\rفأما المأموم فلا يكره له الجلوسُ بعدَ الصلا ة في مكانه ، يذكرُ اللهَ ، حصوصاً بعد الصبحِ والعصرِ ، ولا نعلمُ في ذلك خلافاً .\rوقد صحَ الحديثُ في أن الملائكةَ تصليَّ على العبدِ ما دامَ في مصلاه، ما لم يحدثُ، وقد سبق ذكرهُ ، ووردت أحاديثُ في الجلوسِ بعد الصبحِ والعصرِ ، وكان السلفُ الصالحُ يحافظونَ عليه.\rومتى أطال الإمامُ الجلوس في مصلاهُ ، فإن للمأمومِ ان ينصرفَ ويتركه ، وسواءٌ كان جلوسهُ مكروهاً أو غير مكروهٍ.\rقال ابنُ مسعودٍ : إذا فرغَ الإمامُ ولم يقم ولم ينحرفُ ، وكانت لك حاجةٌ فاذهب ودعه ، فقد تمتَّ صلاتك .\rخرجه عبد الرزاقِ .\rوذكر بإسناده عن عطاء ، قال : كلامهُ بمنزلةِ قيامه ، فإن تكلم فليقم المأمومُ إن شاءَ .\rوإن لم يطل الإمام الجلوس ، فالسنة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام ، كذا قال الزهري والحسن وقتادة وغيرهم .\rوقال الزهري : إنما جعل الإمام ليؤتم به .\rيشير إلى أن مشروعية الاقتداء به لا تنقطع إلا بانصرافه .\rوفي ((صحيح مسلمٍ )) عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أيها الناس ، إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف )) .","part":6,"page":117},{"id":1305,"text":"وحديث أم سلمة المخرج في هذا الباب يدل عليه ، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان يجلس يسيراً حتى ينصرف النساء ، فلا يختلط بهن الرجال ، وهذا يدل على أن الرجال كانوا يجلسون معه ، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه .\rوقد روي ذلك صريحاً في هذا الحديث :\rخَّرجه البخاري فيما بعد من رواية يونس ، عن ابن شهاب ، ولفظه : إن النساء كن إذا سلمن من الصلاة قمن وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الرجال ما شاء الله ، فإذا قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قام الرجال.\rوفي هذا الحديث : دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاء عاما للمأمومين ، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء ، كما أمر بشهود النساء العيدين حتى الحيض ، وقال : (( يشهدن الخير ودعوة المسلمين )) ، فلو كان عقبٌ الصلاة دعاء عام لشهده النساء مع الرجال -أيضاً.\rوقال الشافعي في (( الأم )) : فإن قام الإمام قبل ذلك ، أو جلس أطول من ذلك ، فلا شيء عليه .قال : وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام ، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام أو معه أحب إلي .\rوظاهر كلام كثير من السلف : كراهة ذلك ، كما تقدم .\rوفي (( تهذيب المدونة )) للمالكية، ولا يقيم الإمام في مصلاه إذا سلم ، إلا أن يكون في سفرٍ أو فنائه ،وإن شاء تنحى وأقام .\r* * *","part":6,"page":118},{"id":1306,"text":"158-باب\rمن صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم\r851-حدثنا محمد بن عبيد : ثنا عيسى بن يونس ، عن عمر بن سعيد : أخبرني ابن أبي مليكة ، عن عقبة ، قال : صليت وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة العصر ، فسلم ، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلي بعض حجر نسائه ، ففزع الناس من سرعته ، فخرج عليهم ، فرأى أنهم عجبوا من سرعته ، فقال : ((ذكرت شيئاً من تبرٍ عندنا ، فكرهت أن يحبسني ، فأمرت بقسمته )) .\rفيه : دليل على أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهلٍ لم يكن من عادة النبي- صلى الله عليه وسلم - ،ولهذا تعجبوا من سرعته في هذه المرة، وعلم منهم ذلك ، فلذلك أعلمهم بعذره.\rوفيخ : دليلٌ على أن التخطي للإمام لحاجةٍ جائزٌ، وإن كان بعد فراغه من الصلاة، كما له أن يتخطى الصفوف في حال دخوله -أيضاً- ، وأما غيره ، فيكره له ذلك .\rوظاهر كلام أحمد أنه يكره للإمام -أيضاً .\rقال إسحاق بن هانئٍ : سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلي بالقوم ، فإذا فرغ من الصلاة خرج من بين رجلين ، أفهو متخطً ؟ قال : نعم ، وأحب إلى أن يتنحى عن القبلة قليلاً حتى ينصرف النساء ، فإن خرج مع الحائط فهذا ليس بمتخط .\rوظاهر هذا : كراهةٌ تخطيهم للإمام ، وقد يكون مراده : إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى ذلك .\rوالتبر : هو قطع الذهب قبل أن يضرب .\rوالظاهر : أنه كان من مال الصدقة أو غيرها من الأموال التي يجب قسمتها على المساكين ونحوهم .\rوقد خَّرجه البخاري في موضعٍ آخر ، وذكر فيه : أنه كان تبراً من الصدقة ، وقال : ((كرهت أن أبيته ، فقسمته)).\r* * *","part":6,"page":119},{"id":1307,"text":"159-باب\rالانفتال والانصراف عن اليمين والشمال\rوكان أنسٌ ينفتل عن يمينه وعن يساره ، ويعيب على من يتوخى -أو يعمد - الانفتال عن يمينه .\rالانفتال: هو الانحراف عن جهة القبلة إلى الجهة التي يجلس اليها الإمام بعد انحرافه، كما سبق ذكره .\rوحكمه : حكم الانصراف بالقيام نم محل الصلاة .\rوقد نص عليه إسحاق وغيره .\rوقد ذكر البخاري ، عن أنسٍ ، أنه كان ينفتل عن يمينه ويساره ، ويعيب على من يتوخى الانفتال عن يمينه- يعني : يتحراه ويقصده .\rوفي ((مسند الإمام أحمد)) من رواية أبي الأوبر الحارثي ، عن أبي هريرة ،قال : كان النبي- صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وشماله.\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ ، عن أبيه ، عن\rجده ، قال : رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم - ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة .\rوفي رواية للإمام أحمد : (( ينصرف )) بدل : ((ينفتل )) .\rوخرج مسلمٌ في هذا الباب حديث البراء بن عازب ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أحببنا أن نكون عن يمينه فيقبل علينا بوجهه .\rوخرّجه من روايةٍ أخرى ليس فيها : ((ثم يقبل علينا بوجهه )).\rولكن روي تفسير هذه اللفظة بالبداءة بالتفاته إلى جهة اليمين بالسلام .\rخرّجه الإسماعيلي في ((حديث مسعرٍ من جمعه)) ، ولفظه : كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، لأنه كان يبدأ بالسلام عن يمينه .\rوفي رواية أخرى له : أنه كان يبدأ بمن علي يمينه ، فيسلم عليه .\rقال أبو داود : كان أبو عبدالله -يعني : أحمد - ينحرف عن يمينه .\rقال ابن منصورٍ : كان أحمد يقعد ناحية اليسرى ، ويتساند .\rقال القاضي أبو يعلى : وهما متفقان ؛ لأنه إذا انحرف عن يمينه حصل جلوسه ناحية يساره .\rقال : وقال ابن أبي حاتمٍ : سمعت يقول : تدبرت الاحاديث التي رويت في إستقبال النبي- صلى الله عليه وسلم - الناس بوجهه ، فوجدت انحرافه عن يمينه أثبت .\rوقال ابن بطة من أصحابنا : يجلس عن يسرة القبلة .\rونقل حربٌ ، عن إسحاق ، أنه كان يخير في ذلك كالانصراف .\rوللشافعية وجهان : أحدهما : التخيير كقول إسحاق . والثاني : أن الانفتال عن يمينه أفضل .\rثم لهم في كيفيته وجهان :\rأحدهما -وحكوه عن أبي حنيفة - : أنه يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى\rالناس ، ويجلس على يمين المحراب .\rوالثاني -وهو أصح عند البغوي وغيره - : بالعكس .\rواستدلوا له بحديث البراء بن عازبٍ الذي خَّرجه مسلمٌ .\rوأما الانصراف : فهو قيام المصلي وذهابه من موضع صلاته إلى حاجته ، فيذهب حيث كانت حاجته ، سواءٌ كانت من وجهة اليمين أو اليسار ، ولا يستحب له أن يقصد جهة اليمين مع حاجته إلى غيرها ، هذا قول جمهور العلماء ، وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر والنخعي وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوإنما كان أكثر انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يساره ؛ لأن بيوته كانت من جهة اليسار .","part":6,"page":120},{"id":1308,"text":"وقد خَّرجه الإمام أحمد مصرحاً بذلك من رواية ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، أن ابن مسعودٍ حدثه ، أن النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم - كانَ عامةً ما ينصرف من الصَّلاة على يساره إلى الحجرات .\rفإن لم يكن له حاجةٌ في جهةٍ من الجهات ، فقال الشافعي وكثيرٌ من أصحابنا : انصرافه إلى اليمين أفضل ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمن في شأنه كله .\rوحمل بعضهم على ذلك حديث السدي ، قال : سألت أنساً : كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري ؟ فقال : أما أنا فأكثر ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصرف عن يمينه .\rخرّجه مسلمٌ .\rوالسدي ، هو : إسماعيل بن عبد الرحمن ، وقد تكلم فيه غير واحدٍ ،ووثقه أحمد وغيره . وعن يحيى فيه روايتان .\rولم يخرج له البخاري ، وأظنه ذكر هاهنا الأثر الذي علقه عن أنسٍ ليعلل به هذا الذي رواه عنه السدي . والله أعلم.\rوحكى ابن عبد البر ، عن الحسن وطائفة من العلماء : أن الانصراف عن اليمين أفضل .\rوقد حكاه ابن عمر عن فلانٍ ، وأنكره عليه ، ولعله يريد به ابن عباسٍ -رضي الله عنهما .\rوسئل عطاءٌ : أيهما يستحب ؟ قال : سواءٌ ، ولم يفرق بين أن يكون له حاجة ، أو لا .\rوخرّج الإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة . أن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان ينصرف عن يمينه وشماله .\rوهو من رواية بقية ، عن الزبيدي ، أن مكحولاً حدثه ، إن مسروق بن الاجدع حدثه ، عن عائشة .\rوهذا إسنادٌ جيدٌ .\rلكن رواه عبد الله بن سالمٍ الحمصي -وهو ثقةٌ ثبتٌ- ، عن الزبيدي ، عن سليمان بن موسى ، عن مكحولٍ بهذا الإسناد .\rقالَ الدارقطني : وقوله أشبه بالصواب .\rوسليمان بن موسى ، مختلفٌ في أمره .\rوروى قبيصة بن الهلب ، عن أبيه ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا ،فينصرف على جانبيه جميعاً ، عن يمينه وشماله .\rخَّرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حديثٌ حسنٌ ، وعليه العمل عندَ أهل العلم .\rقالَ وصح الأمران عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\r* * *","part":6,"page":121},{"id":1309,"text":"160-باب\rما جاء في الثوم النئ والبصل والكراث\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( من أكل الثوم والبصل ، من الجوع أو غيره ، فلا يقربن مسجدنا )) .\rخرّج فيه : عن ابن عمر ، وجابر ، وأنسٍ :\rفاما حديث ابن عمر :\rفقال :\r853-ثنا مسددٌ : ثنا يحيى ، عن عبيد الله : حدثني نافعٌ ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في غزوة خيبر- : ((من أكل من هذه الشجرة -يعني :الثوم - فلا يقربن مسجدنا )) .\rوخَّرجه مسلم ، ولفظه : ((فلا يقربن المساجد )) .\rوهذا صريحٌ بعموم المساجد ، والسياق يدل عليه ؛ فإنه لم يكن بخيبر مسجد بني للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، إنما كان يصلي بالناس في موضع نزوله منها .\rوقد روي ، أنه أتخذ بها مسجداً ، والظاهر : أنه نصب احجاراً في مكان ، فكان يصلي بالناس فيه ، ثم قد نهى من أكل الثوم عن قربان موضع صلاتهم .\rيدل عليه : ما خَّرجه مسلمٌ من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : لم نعد أن فتحت خيبر ، فوقعنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك البقلة الثوم ، والناس جياعٌ ، فاكلنا منها أكلاً شديداً ، فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الريح ، فقال : ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد )) ، فقال الناس :حرمت ، حرمت .فبلغ ذلك\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ((يأيها الناس ، إنه ليس بي تحريم ما أحل الله ، ولكنها شجرةٌ أكره ريحها )) .\rوخرّج الإمام أحمد من حديث معقل بن يسار ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسيرٍ له ، فنزلنا في مكان كثير الثوم ، وإن أناساً من المسلمين أصابوا منه ، ثم جاءوا إلى المصلى يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنهاهم عنها ، صم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى ، فوجد ريحها\rمنهم ، فقال : (( من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا )) .\rوأما حديث جابرٍ ، فمن طريقين :\rأحدهما :\r854-حدثنا عبد الله بن محمد : ثنا أبو عاصمٍ : أنا ابن جريجٍ : أخبرني عطاءٌ ، قال : سمعت جابر بن عبد الله قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( من أكل من هذه الشجرة -يريد : الثوم - فلا يغشانا في مساجدنا )) .\rقلت : ما يعنى به ؟ قال : ما أراه يعني إلا نيئه .\rوقال مخلد بن يزيد ، عن ابن جريجٍ : إلا نتنه .\rوهذه الرواية -أيضاً- صريحة بعموم المساجد ، والمسئول والمجيب لعله عطاءٌ وفي أبي عاصم .\r(( نيئه )) ، بالهمز ، ويقال بالتشديد بدون همزة ، والمراد به : ما ليس بمطبوخٍ ، فإنه قد ورد في المطبوخ رخصةٌ ، لزوال بعض ريحه بالطبخ .\rوقد قال عمر -رضي الله عنه - في خطبته -: إنكم تأكلون شجرتين ، لا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحها من الرجل في المسجد أمر به وأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا.\rخَّرجه مسلمٌ .","part":6,"page":122},{"id":1310,"text":"وخرّج أبو داود والنسائي من حديث معاوية بن قرة ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : ((من أكلهما فلا يقربن مسجدنا )) وقال : ((إن كنتم لابد آكلوهما ، فاميتوهما طبخاً )) .\rقال : يعني : البصل والثوم .\rوقال البخاري -فيما نقله عنه الترمذي في ((علله)) -: حديثٌ حسنٌ .\rوخرّج الطبراني معناه من حديث أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال فيه :(( فإن كنتم لابد آكلوهما فاقتلوهما بالنار قتلاً )) .\rوخرّج أبو داود من حديث علي ، قال : نهي عن أكل الثوم ، إلا مطبوخاً .\rخَّرجه الترمذي .\rثم خَّرجه-موقوفاً- عن علي ، أنه كره أكله إلا مطبوخاً .\rوخرّج ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: (( لا تأكلوا البصل )) ، ثم قال كلمة خفية : (( النئ )) .\rوأما رواية مخلد بن يزيد الحراني ، عن ابن جريج ، التي ذكرها البخاري -تعليقاً-، فمعناها : نتن ريحه ، ولأجلها كره دخول المسجد لآكله .\rوخرّج مسلم حديث جابر هذا من رواية يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، ولفظه : (( من أكل من هذه البقلة : الثوم )) -وقال مرةٍ - : (( من أكل من البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم )) .\rوخرّج معناه من حديث أبي الزبير ، عن جابر -أيضاً .\rوخرّج مسلم -أيضاً- من حديث الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا ، ولا يؤذينا بريح الثوم )) .\rفدل هذا الحديث - مع الذي قبله - على أن علة المنع من قربان المسجد تأذى من يشهده من المؤمنين والملائكة بالرائحة الكريهة .\rوفي عامة هذه الأحاديث : تسمية الثوم شجرةً .\rقال الخطابي : فيه أنه جعل الثوم من جملة الشجر ، والعامة انما يسمون الشجر ما كان له ساق يحمل أغصانه دون غيره .\rوعند العرب : أن كل ما بقيت له أرومة في الأرض تخلف ما قطع فهو شجر ، وما لا أرومة له فهو نجمٌ ، فالقطن شجرٌ ، يبقى في كثير من البلدان سنين ، وكذلك الباذنجان ،فأما اليقطين والريحان ونحوهما فليس بشجر ، فلو حلف رجل على شيء من الأشجار فالاعتبار من جهة الاسم والحقيقة على له ذكرت ،وفي العرف ما تعارفه الناس . انتهى .\rوأما قوله تعالى : { وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ } [الصافات :146] ، فلا يرد على ذكره ؛ فإنها شجرة مقيدة بكونها من يقطين ، وكلامه إنما هوَ في اطلاق اسم\rالشجر .\rوقد اختلف أصحابنا الفقهاء فيما يتكرر حمله من أصول الخضروات ونحوهما : هل هو ملتحق بالشجر ، أو بالزرع ؟ وفيه وجهان ، ينبني عليهما مسائل متعددة ، قد ذكرناها في ((كتاب القواعد في الفقه )) .\rالطريق الثاني :","part":6,"page":123},{"id":1311,"text":"855- ثنا سعيد بن عفير : ثنا ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب : زعم عطاء ، أن جابر بن عبد الله زعم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا - أو قال : فلعتزل مسجدنا - ، وليقعد في بيته )) .\rوأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بقدر فيه خضروات من بقول ، فوجد لها ريحا ، فسأل ، فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : ((قربوها )) -الي بعض أصحابه كان معه - ،فلما رأه كره أكلها .قال : ((كل ، فإني أناجي من لا تناجي )) .\rوقال أحمد بن صالح ، عن ابن وهب : ((أُتي بِبَدرٍ )) .\rقال ابن وهب : يعني : طبقاً فيه خضرواتٌ .\rولم يذكر الليث وأبو صفوان ، عن يونس قصةَ القدرِ ، فلا أدري : هو من قول الزهري ، أو في الحديث ؟\rقالَ الخطابي : قول ابن شهاب : (( زعم عطاء ، أن جابراً زعمَ )) ليس على معنى التهمة لهما ، ولكن لما كان أمراً مختلفاً فيه حكىعنهم بالزعم ، وقد يستعمل فيما يختلف فيه كما يستعمل فيما يرتاب به ، ويقال : في قولِ فلانٍ مزاعمٌ ، إذا لميكن موثوقاً به .\rوذكر : أن رواية ((القدر)) تصحيفٌ ، إنما الصواب ((ببدرٍ)) وهو الطبق ، كما قاله ابن وهب ، وسمي بدراً لاستدارئه وحسن اتساقه ، تشبيهاً بالقمر .\rقال : وإن لم يكن (( القدر )) تصحيفاً ، فلعله كان مطبوخاً ، ولذلك لم يكره أكله لأصحابه ، ثم بين أن كراهته لا تبلغُ التحريمَ لقوله : (( أناجي من لا تناجي )) ، يريد : الملك .انتهى .\rوخرج ابن جرير الطبري بإسناد فيه ضعفٌ من حديث أبي أيوب الأنصاري ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال -لما امتنعَ من أكل الطعام الذي أرسله إليه - : (( إن فيها هذه البقلةَ : الثومَ ، وأنا رجلٌ أقربُ الناسَ وأناجيهم ، فأكره أن يجدُوا مني ريحهُ ، ولكن مُر أهلكَ أن يأكلوها )) .\rوهذه الرواية : تدلُ على أنه كره أكلها لكثرةِ مخالطتهِ للناس وتعليمهم القرآن والعلمَ ، فيستفاد من ذلك : أن من كان على هذه الصفة ، فإنه يكره ذلك من ذلك ما لا يكره لمن لم يكن مثلَ حاله .\rولكن ؛ روى مالكٌ ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار ، قالَ : كانَ\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه ، مِن أجل أنه يكلم جبريل عليه السلام .\rوهذا مرسلٌ .\rولا ينافي التعليلُ بمناجاتِ الملك التعليلَ بمناجاةِ بني آدم ، كما وردً تعليلٌ النهي عن قربانِ أكل الثومِ للمساجد بالعلتين جميعاً ، كما سبق ذكرُه .\rوقد ذكر البخاري : أن قصة إتيانه بقدرٍ أو بدرٍ لم يذكرها في هذا إلا ابن وهبٍ عن يونسَ ، وأن الليث بن سعدٍ وأبا صفوان -وهو : عبدُ الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان -رويا عن يونس أول الحديث دون هذه القصةِ الآخرة ، وأن ذلك يوجب التوقفَ في أن هذه القصةَ : هل هي من تمام حديثِ جابرٍ ، أو مدرجةٌ من كلامِ الزهري ؛ فإن الزهريَ كان كثيراً ما يروي الحديث ، ثم يدرجُ فيه أشياءَ ، بعضها مراسيلُ ، وبعضها من رأيه وكلامه .","part":6,"page":124},{"id":1312,"text":"وقد خرّج البخاري في ((الأطعمةِ )) الحديث من رواية أبي صفوان ، عن يونس ، مقتصراً على أول الحديثِ .\rوخرّج البخاري في ((الأطعمةِ)) الحديثَ عن أحمد بن صالح ، عن ابن وهب ، وفي حديثه : ((ببدر )) ، وذكر مخالفة سعيد بن عفيرٍ له ، وأنه قال : (( بقدرٍ )).\rوأما حديث أنسٍ :\rفقال :\r856-حدثنا أبو معمرٍ : ثنا عبدُ الوارثِ ، عن عبد العزيز ، قال : سأل رجلٌ أنساً : ما سمعتَ نبيَ الله- صلى الله عليه وسلم - في الثوم ؟ فقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ، ولا يصلين معنا )) .\rوخَّرجه في موضع آخر ، وقال : ((فلا يقرَبنَّ مسجدنا )) .\rوفي النهي لمن أكلهما عن قربان الناس : دليلٌ على أنه يكره له أن يغشى الناس حتى يذهب ريحها ، ولكن حضوره مجامع الناسِ للصلاةِ والذكر ومجالسته لأهل العلمِ والدين أشد كراهةً من حضوره الأسواق ومجالسته الفساق .\rولهذا في حديث جابر المتقدم : (( وليقعد في بيته )) .\rوفي (( صحيح مسلمٍ )) من حديث أبي سعيدٍ الخدريَ ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على زراعة بصل هو وأصحابه ، فنزلَ ناسٌ منهم ، فأكلوا منه ، ولم يأكل اخرون ، فرحنا إليهِ ، فدعا الذين لم يأكلوا البصلَ ، وأخر الاخرينَ ، حتى ذهب ريحها .\rوقد روي عن عمرَ ، أنه قال : من أكل البصل والكراث فلا يأكله عند قراءة القرآن ، ولا عند حضورِ المساجد .\rخرّجه عثمان الدارمي في ((كتاب الأطعمةِ )) .\rومن أغرب ما روي في هذا الباب : ما خَّرجه أبو داود وابن حبان في\r(( صحيحه )) من حديث حذيفةَ -بالشكَّ في رفعه - : ((من أكل منهذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثاً )) .\rوهذا مشكوك في رفعه .\rوقدرواه جماعةٌ من الثقات ، فوقفوه على حذيفة بغير شك ، وهو الأظهر والله أعلم .\rويحتمل أن في الكلام حذفاً ، تقديره : قالها ثلاثاً . يعني : أنه اعاد هذه الكلمة ثلاث مراتٍ .\rوقد دلت أحاديث هذا الباب على أن أكل الثوم غير محرمٍ في الجملة ، وإنما ينهى من أكله عن دخولِ المسجدِ حتى يذهبَ ريحه ، وعلى هذا جمهور العلماءِ .\rوذهب إلى تحريمِ أكله طائفةٌ قليلةٌ من أهل الظاهرِ .وروي عن بعض المتقدمين -أيضاً- ، والنصوصُ الصحيحةُ صريحةٌ برد هذا الكلامِ .\rوأما كراهةٌ أكل ذلك ، فمن العلماء من كره أكله نيئاً حتى يُطبخ ، منهم : عمر وابن عمر والنخعي ، وهو قول أحمد ، وقال : الثوم أشدُّ .\rوروي عنه روايةٌ ، أنه قال : لا أحب أكل الثوم خاصة ، وإن طبخ ، لأنه لا يذهب ريحه إذا طبخ ، قال : وإن أكله من علةٍ فلا بأس ، وقال : الذي يأكلها يتجنب المسجد ، وكل ما له ريحٌ ، مثلُ البصلِ والثومِ والكراثِ والفجلِ فإنما أكرهه لمكانِ الصلاةِ .\rوسئل عن أكل ذلك بالليلِ ؟ فقال : أليس يتأذى به الملكُ .\rوظاهرُ هذا : يدل على كراهةِ أكل ما له ريحٌ كريهةٌ ، وان كان وحده .\rوقد روي عن سعد بن أبي وقاصٍ ، أنه كان إذا اراد أن ياكل الثوم بدا -يعني : خرج إلى البادية .","part":6,"page":125},{"id":1313,"text":"وعن عكرمة ، قال : كنا نأكله ونخرجُ من الكعبةِ .\rخَّرجه ابن جريرٍ الطبريُ .\rولو أكله ، ثم دخل المسجد كُره له ذلكَ .\rوظاهر كلامِ أحمد : أنه يحرمُ ، فإنه قال في رواية إسماعيل بن سعيد : إن أكل وحضر المسجدَ أثمَ .\rوهو قولَ ابن جرير - أيضاً- وأهل الظاهر وغيرهم .\rقال ابنُ جرير: وإذا وجد منه ريحةً في المسجد ، فإن السلطان يتقدم اليه بالنهي عن معاودة ذلك ، فإن خالف وعاد ، أمر بإخراجه من البلد إلى أن تذهب منه الرائحة . واستدل بحديث عمر -رضي الله عنه- ، وقد سبق ذكره .\rوقد استدل قومٌ من العلماء بأحاديث هذا الباب على أن حضور الجماعة في المساجد ليست فرضاً ؛ لأنها لو كانت فرضاً لم يرخص في أكل الثوم وينهى من أكله عن حضور المسجد ، وجعلوا أكل هذهِ البقولِ التي لها ريحٌ خبيثةٌ عذراً يبيح ترك الجماعةِ .\rورد عليهم آخرون :\rقال الخطابي : قد توهم هذا بعضُ الناس ؛ قال : وإنما هو - يعني : النهي عن دخول المسجد - توبيخٌ له وعقوبةٌ على فعله إذ حرم فضيلة الجماعةَ .\rونقل ابن منصورٍ ، عن إسحاق ، قال : إن أكل الثوم من علةٍ حادثةٍ به فإن ذلك مباح ، وان لم يكن علة لا يسعه أكله ، لكي لا يترك الجماعةَ .\rوهذا مجمولٌ على ما إذا أكله بقربِ حضورٍ الصلاة ويعلم [ ... ]فريضة.\rودخولُ المسجد مع بقاء ريح الثوم محرمٌ ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا وابن جرير وغيرهم من العلماء .\rويشهدُ لهذا : أن الخمر قبل أن تحرم بالكلية كانت محرمة عند حضور الصلاةِ ، كيلا يمنع من الصلاةِ ، حيث كان الله قد انزل فيها { لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } [النساء :43] ، فكان منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - ينادي : ((لا يقرب الصلاة سكرانٌ )) . وفي ضمن ذلك ، النهي عن السكر بقرب وقت الصلاة ، ثم حرمت بعد ذلك على الإطلاق بالآية التي في سورة المائدة .\rوقد تقدم نص أحمد بإنه قال: أكرهه في وقت الصلاة ، لمكانِ المسجدِ .\rوهذا يحتملُ كراهة التنزيه ، وكراهة التحريم .\rوروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه سئل عن أكل الثوم يوم الجمعة ؟ فقال : بئسما صنع حين أكل الثوم وهو ممن يجب عليه حضورُ الجمعة .\rوقد ذكرنا : أن هذ الحكم يتعدى إلى كل مأكول له رائحةٌ كريهةٌ ، كالفجل وغيره ، وأن أحمد نص عليه .\rوكذلك قال مالكٌ : الكراثُ كالثوم ، إذا وجدت ريحهما يؤذي .\rوألحق أصحاب مالكٍ به : كل من له رائحةٌ كريهةٌ يتأذى بها ، كالحراث والحوات .\rوفيه نظر ، فإن هذا أثر عملٍ مباحٍ ، وصاحبه مخحتاج اليه ، فينبغي أن يؤمر إذا شهد الصلاة في جماعته بالغسل وإزالة ما يتأذى برائحته منه ، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان يشهد الجمعة من الأنصار الذين كانوا يعملون في نخلهم ويلبسون الصوف ويفوح ريحهم بالغسل ، وأمرهم بشهود الجمعة في ثوبين غير ثوبي المهنة .","part":6,"page":126},{"id":1314,"text":"وذكر ابن عبد البر عن بعض شيوخه ، أنه ألحق بأكل الثوم من كان أهل المسجد يتأذون بشهوده معهم من اذاه لهم بلسانه ويده ، لسفهه عليهم وإضراره بهم ، وأنه يمنع من دخول المسجد ما دام كذلك ، وهذا حسنٌ .\rوكذلك يمنعُ المجذومُ من مخالطة الناس في مساجدهم وغيره ؛ لما روي من الامر بالفرار منه . والله أعلمَ .\rوفي ((تهذيب المدونةِ )) : ويقامُ الذي يقعدُ في المساجد يوم الخميس وغيره لقراءة القرآن .\rولعلَ مراده : إذا كان يقرأ جهراً ، ويحصلُ بقراءته أذى لأهلِ المسجدِ ، ويشوش عليهم . والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":127},{"id":1315,"text":"161-باب\rوضوء الصبيان ، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور\rوحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز ،وصفُوفهم\rلما أن تعين ذكر صفة الصلاة ، وكان الغالبُ على أحكامها يختصً بالرجال المكلفين ، افرد لحكم الصبيان باباً مفرداً ، ذكر فيه حكم طهارتهم من الوضوء والغسل ، وذكر صلاتهم وحضورهم الجماعات مع الرجال فيالصلوات المفروضات وفي العيدين والجنائز ، وصفوفهم مع الرجال .\rوذكر في الباب أحاديث ستة ، يُستنبط منها هذهِ الأحكام التي بوب عليها .\rولم يبوب على وقت وجوب الصلاة عليهم ؛ لأن الأحاديث في ذلك ليست على شرطهِ .\rوهي نوعان :\rأحاديث : (( مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم على تركها لعشرٍ )) .\rوقد رُويت من وجوهٍ متعددةٍ ، أجودها : من حديث سبرة بن معبدٍ الجهني ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( مروا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغَ سبعَ سنينَ ، واذا بلغ عشر سنينَ فاضربوه عليها )) .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والترمذي -وقال : حسنٌ صحيحٌ -وابن خزيمة في (( صحيحه )) والحاكمُ -وقال : على شرط مسلم .\rوقد ذهبَ إلى هذا الحديث جماعةٌ من العلماء ، وقالوا : يُؤمر بها الصبيُ لسبعٍ ، ويضرب على تركها لعشرٍ ، وهو قولُ مكحولٍ والأوزاعي وأحمد وإسحاق .\rوتقل ابن منصورٍ ، عنهما ، أنهما قالا : إذا ترك الصلاة بعد العشر يعيد .\rواختلف أصحابنا : هل هي واجبةٌ عليه في هذه الحال ، أم لا ؟ فأكثرهم على أنها لا تجب على الصبي ، لكن يجب على الولي أمره بها لسبعٍ ، وضربه إذا نركها لعشر .\rومنهم من قال : هي واجبةٌ عليه إذا بلغ عشراً ، يضربه على تركها .\rوقد قيل : إن الضرب على الترك ، تارةً يكون في الدنيا والآخرة كالوضوء على المسلمِ البالغِ العاقل ، وتارةً يكون في الآخرة دون الدنيا كوجوب فروع الاسلام على الكفار ، وتارةً يكون فغي الدنيا خاصة كضرب الصبي إذا ترك الصلاة لعشر ، ولا يلزم من ذلك أن يعاقب عليها في الآخرة .\rومن العلماء من قال : يؤمر الصبي بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، روي عن ابن سيرين والزهري ، وروي عن الحسن وابن عمر ، وفيه حديث مرفوع ، خَّرجه أبو داود ، وفي إسناده جهالةٌ ، وهو اختيار الجوزجاني .\rوروي عن عمر ، أنه مر على امرأة توقظ ابنها لصلاة الصبح وهو يتلكا ، فقال : دعيه لا يعنيه ، فإنها ليست عليه حتى يعقلها .\rوعن عروة ، وميمون بن مهران ، قالا : يؤمر بها إذا عقلها .\rوعن بعض التابعين : يؤمر بها إذا أحصى عدد عشرين .\rوعن النخعي ومالك : يؤمر بها إذا ثغر -يعني : تبدلت اسنانه .\rالنوع الثاني : أحاديث : (( رُفع القلم عن ثلاث )) ، منهم : (( الصبي حتى\rيحتلم )) .\rوفي ذلك أحاديث متعددة :\rمنها : عن عمر وعلي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخَّرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذيُ والنسائي .\rوقد اختلف في رفعه ووقفه ، ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وغيرهم وقفه على عمر ، وعلى عليّ من قولهما .\rوله طرق عن علي .","part":6,"page":128},{"id":1316,"text":"ومنها : عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : (( وعن الصبي حتى يكبر )) .\rخَّرجه أبو داود وابن حبان في ((صحيحه)) من رواية حماد بن سلمة ، عن حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة .\rوقال النسائي : ليس في هذا الباب صحيحٌ إلاحديث عائشة ؛ فإنه حسن .\rونقل الترمذي في (( علله )) عن البخاري ، أنه قالَ : ارجو أن يكون محفوظاً . قيل له : رواه غير حماد ؟ قال : لا أعلمه .\rوقال ابن معين : ليس يرويه أحد ، إلا حماد بن سلمة ، عن حمادٍ .\rوقال ابن المنذر : هو ثابت عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rوالى هذا الحديث ذهب أكثر العلماء ،وقالوا : لا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ . والله أعلم .\rوقد تقدم : أن البخاري خرج في هذا الباب ستة أحاديث :\rالأول :\r857-حدثنا محمد بن المثنى : ثنا غندر : ثنا شعبة : سمعت سليمان الشيباني : سمعت الشعبي ، قال : أخبرني من مر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على قبرٍ منبوذ ، فأمهم وصفوا عليه ، فقلت : يا أبا عمرو : من حدثك ؟ قالَ : ابن عباس .\rمراد البخاري من هذا الحديث في هذا الباب : أن ابن عباس صلى خلف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه على القبر ، وابن عباس كانَ صغيراً لم يبلغ الحلم ، وقد سبق ذكر الاختلاف في سنه عندَ وفاة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في ((كتاب العلم)) ، فدّل على أن الصبي يشهد صلاة الجنائز مع الرجال ، ويصلي معهم عليها ، ويصف معهم .\rوقدر خَّرجه البخاري في موضع آخر من (( كتابه )) هذا بلفظ آخر ، وفيه:\r(( فقام فصففنا خلفه ، قال ابن عباس : وأنا فيهم ، فصلى عليه )) .\rوقد خَّرجه الدارقطني من طريق شريك ، عن الشيباني بهذا الإسناد ، وقال في حديثه : (( فقام فصلى عليه ، فقمت عن يساره ، فجعلني عن يمينه )) .\rوهذه زيادة غريبة ، لا أعلم ذكرها غير شريك ، وليس بالحافظ ، فإن كانت محفوظة استدل بها على صفوف الجنائز كصفوف سائر الصلوات .\rوقد اختلف أصحابنا في ذلك :\rفمنهم من قال : كذلك ، وهو ظاهر كلام أحمد ؛ لأنه نص على كراهة صلاة الفذ وحده في صلاة الجنازة .\rومنهم من قال : يصلي على الجنازة الرجل وحده ، منفرداً خلف الصفوف ، منهم : القاضي أبو يعلى في(( خلافه )) وابن عقيل .\rصفاً وحده كان أفضل .\rواستدل بما روى عبد الله بنعمر العمري ، قال : سمعت أم يحيى قالت : سمعت أنس بن مالك يقول : مات ابن أبي طلحة ، فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام أبو طلحه خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأم سليمٍ خلف أبي طلحة كأنهم عرفُ ديكٍ ، وأشار بيده .\rخَّرجه الإمام أحمد .","part":6,"page":129},{"id":1317,"text":"وخرج أبو حفص العكبري - من أصحابنا - بإسناده . عن خير بن نعيم الحضرمي ، أن أبا الزبير - أو عطاء بن أبي رباح - أخبره . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازةٍ ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابعهم ، فجعلهم ثلاثة صفوفٍ ، الصف الأول ثلاثة ، والصف الثاني رجلين ، والصف الثالث رجلاً ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أيديهم .\rوهذا مرسلٌ .\rوقد نص أحمد على أنه يستحب جعلهم في صلاة الجنائز ثلاثة صفوف ، إذا أمكن أن يكون في كل صف اثنان فصاعداً ، واستدل بحديث مالك بن هبيرة ، أنه كان إذا صلى على جنازة فتقال الناس عليها جزأئهم ثلاثة اجزاء ، ثم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب )) .\rخَّرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حديث حسن .\rالحديث الثاني :\r858-ثنا علي بن عبد الله : ثنا سفيان : حدثني صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم )) .\rمراده بهذا الحديث هاهنا : الاستدلال به على أن الغسل الواجب لا يجب إلا على من بلغ الحلم ، وهو المراد بالمحتلم في هذا الحديث ، كما أن قوله : (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمارٍ )) ، إنما أراد به من بلغت المحيض .\rوقد اختلف العلماء في معنى الوجوب في هذا الحديث : هل هو على ظاهره ، أم المراد به التأكيد ؟ وفيه خلاف يأتي في موضع آخر -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rفإن قيل : أنه علي ظاهره ، وإنه يأثم بتركه ، فإن هذا الوجوب يختص بالبالغ ولا يدخل فيه الصبي ، اللهم ، إلا على رأي من أوجب الصلاة على من بلغ عشراً من الصبيان ، كما هو قول طائفةٍ من أصحابنا ، فإنهم اختلفوا في وجوب الجمعة عليه ، ولهم فيه وجهان ، أصحهما : لا يجب .\rفإن قيل بوجوبها عليه توجه وجوب الغسل عليه - أيضاً- ، وهو ضعيف لأنه مبطلٌ فائدة تخصيص الوجوب في هذا الحديث بالمحتلم .\rوإن قيل : أن الوجوب في الحديث إنما أريد به تأكيد الاستحباب ، فهل يدخل فيه الصبي ؟\rلا يخلو الصبي ، إما أن لا يريد حضور الجمعة ، فلا يؤمر بالغسل لها ، وإما أن يريد حضورها مع الرجال ، ففي استحباب الغسل له وجهان لأصحابنا .\rوينبغي أن لا يتأكد الاستحباب في حقه كتاكيده على الرجال ؛ لئلا تبطل فائدة تخصيص الوجوب بالمحتلم في الحديث.\rومذهب مالك ؛ أنه يغتسل إذا أراد شهود الجمعة .\rوأما وجوب الغسل على الصبي إذا وجد منه ما يوجب الغسل على البالغ ، مثل أن يطأ ويولج في فرج امرأة ، أو تكون الزوجة الموطأة صغيرةً لم تبلغ ، فيطؤها الرجل ، فهل يجب عليها وعلى الصبي الواطء- بغير إنزال - الغسل ؟ فيه قولان مشهوران\rللفقهاء :\rأحدهما : يجب ، وهو نص أحمد ، واختيار ابن شاقلا وغيره من أصحابنا ، وهو قول إسحاق بن راهويه .\rوقالت الشافعية : يصير بذلك جنباً ، ويمنع مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل ، ويلزم وليه أن لا يمكنه مما يمنع منه الجنب حتى يغتسل .","part":6,"page":130},{"id":1318,"text":"ولم يقولوا : أن غسله واجبٌ ، لئلا يتوهم أنه مكلف به .\rوالثاني : لا يجب ، بل يستحب ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وأبي ثور ، وأصحابنا ؛ لأن الغسل عبادة بدنية ، فلا تلزم الصبي ،كالصوم والصلاة .\rقال المحققون من أصحابنا : وهذا لا يصح ؛ لأنه ليس المعني بوجوبه تأثيمه بتركه لينافيه الصغر ، بل فائدته اشتراطه لصحة صلاته وطوافه ، وتمكينه من مس المصحف ، وقراءة القرآن ، واللبث في المسجد ، وإلزامه به إذا بلغ ، وتغسيلنا له يشبه ما لو قتل شهيداً قبل أن يغتسل ، وغير ذلك من الأحكام ، والصغر لا ينافي ذلك ، كما لم يناف إيجاب الوضوء عليه بموجباته بهذا المعنى -أيضاً .\rولا نعلم خلافاً أن الصبي المميز تصح طهارته ويرتفع حدثه ، ولو بلغ بعد أن توضأ لجاز أن يصلي بذلك الوضوء الفرض ، ولا نعلم في ذلك خلافاً ، إلا وجهاً شاذاً للشافعية ، لا تعويل عليه .\rولكن ؛ هل يوصف وضوؤه قبل بلوغه بالوجوب ؟ فيه لأصحابنا وجهان .\rوهذا الخلاف يشبه الخلاف في تسمية غسله واجباً ، على ما سبق .\rويشبه تخريج هذا الخلاف في تسميته واجباً عليه بدون إرادة الصلاة ، على الخلاف في أن الموجب للطهارة ، هل هو الحدث ، أو إرادة الصلاة ؟ وفيه اختلافٌ مشهورٌ .\rويمكن أخذه من اختلاف الروايتين عن أحمد في غسل الحائض للجنابة في حال حيضها .\rوأما أن الصبي ممنوعٌ من الصلاة بدون الطهارة ، فمتفقٌ عليه .\rنعم ؛ في جواز تمكين الصبي من مس لوحه الذي يكتب فيه القرآن روايتان عن أحمد ، ومن أصحابنا من حكى الخلاف في مسهم لمصاحفهم .\rووجه عدم اشتراطه : أن حاجتهم إلى ذلك داعيةٌ، ويشق منعهم منه بدون طهارة، لتكرره ، ووضوؤهم لا يحتفظ غالباً .\rوهو- أيضاً - قول الحنفية ، وأصح الوجهين للشافعية ؛ لهذا المعنى .\rوهذا كله في حق الصبي المميز ، فأما من لا تميز له فلا طهارة له ولا صلاة ،ولو توضأ لم يؤثر استعماله في الماء شيئاً .\rوأما المميز إذا توضأ بالماء ، فهل يصير مستعملاً ؟ فيه لأصحابنا وجهان .\rويحسن بناؤها على أن وضوءه : هل يوصف بالوجوب ، أو بالاستحباب ؟\rوالأظهر : أنه يصير مستعملاً ، لأنه قد رفع حدثه ، وأزال منعه من الصلاة .\rوهو - أيضاً - أصح الوجهين للشافعية .\rوالثاني لهم : ليس بمستعمل ، لأنه لم يؤدَّ به فرضاً .\rقالوا : والصحيح : أنه مستعمل ؛ لأن المراد بفرض الطهارة ما لا تجوز الصلاة ونحوها إلا به ، لا ما يأثم بتركه .\rالحديث الثالث :\r859-حديث ابن عباس : بت عند خالتي ميمونة ليلة ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كان في بعض الليل قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ من شنَّ معلقٍ ، وضوءا خفيفا ، ثم قام يصلي ، فقمت فتوضأت نحواً مما توضأ ، ثم جئت فقمت عن يساره ، فحولني فجعلني عن يمينه ، ثم صلى -وذكر الحديث .\rوقد تقدم في أوائل ((كتاب الوضوء )) بهذا الاسناد والسياق الذي خرَّجه في هذا الباب .","part":6,"page":131},{"id":1319,"text":"والمقصود منه هاهنا : أن ابن عباسٍ توضأ كما توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قام إلى جانب النبي- صلى الله عليه وسلم - يصلي معه ، وأنه لما قام عن يساره ولم يكن موقفاً للمأموم حوله عن يمينه إلى موقف المأموم ، فهذا يدل على صحة طهارة الصبي وصلاته ، وإئتمامه بالإمام ، ومصافته للإمام ، فإن ابن عباس كان إذ ذاك صبياً ، كما سبق ذكره .\rوقد تقدم الكلام على انعقاد الجماعة بالصبي ، وعلى أن من وقف مع صبي ، فهل هو فذٌ ، أم لا ؟\rالحديث الرابع :\r861-حديث ابن عباس : أقبلت راكباً على حمارٍ أتانٍ ، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنىً إلى غير جدارٍ ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك علي أحدٌ .\rقد سبق هذا الحديث في ((باب : سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه )) من طريق مالك ، خرَّجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالكٍ ، وخرَّجه هنا عن عبد الله بن مسلمة -هو : القعنبي - ، عن مالكٍ .\rوالمراد بتخريجه هاهنا : الاستدلال على صحة صلاة النبي ، وأنه يدخل في صف الرجال ويقف معهم .\rوقد استدل بهذا مالكٌ على أن الأفضل أن يجعل في الصف بين كل رجلين صبياً ؛ ليتعلم أدب الصلاة وخشوعها .\rوهو أحد الوجهين للشافعية .\rوالثاني لهم : يقف الصبيان إذا كثروا صفاً خلف الرجال .\rوهومذهبنا ومذهب أبي حنيفة .\rاستدلوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( ليلني أولوا الأحلام منكم والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) .\rخرَّجه مسلم .\rوبما روى شهر بن حوشبٍ : حدثنا عبد الرحمبن غنمٍ ، أن أبا مالكٍ الأشعري جمع قومه ، فقال : اجتمعوا واجمعوا نسائكم وأبنائكم أعلمكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم ، وأراهم كيف يتوضأ ، فأحصى الوضوء أماكنه ، حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن ، وصف الرجال في أدنى الصف ، وصف الولدان خلفهم ، وصف النساء خلف الولدان ، ثم اقام الصلاة ، فتقدم فصلى - وذكر قصة الصلاة ، ثم قال : إنها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rخرَّجه الإمام أحمد بتمامه ، وخرَّجه أبو داود مختصراً .\rولو قام الصبي في وسط الصف ، ثم جاء رجلٌ ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه ، نص عليه ، وفعله أبي بن كعبٍ بقيسِ ابن عبادٍ ، وروي نحوه عن عمر - أيضاً - ، فهذا قول الثوري وأحمد ، وقد سبق ذكره في ((أبواب الصفوف )) .\rولو كان الصبي في آخر الصف ، فقام رجلٌ خلفه في الصف الثاني ، فقال أحمد : لا بأس به ، هو متصلٌ بالصف .\rوحمله القاضي على أن الصف إذا كان فيه خللٌ ، فوقف رجلٌ لم يبطل اتصاله ؛ لأن الصبي لا يصاف في الفرض ، على المنصوص لأحمد .\rومن أصحابنا من قال : لا يصاف في الفرض ولا في النفل ، ولو قلنا : تصح إمامته في النفل .\rوهذه طريقة أبي الخطاب ، أنه تصح مصافته في الفرض والنفل ، وهو قول الأوزاعي وإسحاق ؛ لأنه محكومٌ بصحة صلاته ، وان لم تصح إمامته للرجال .","part":6,"page":132},{"id":1320,"text":"وكذا قال الثوري ومالكٌ وأبو حنيفة والشافعي ، لكنه يجيز إمامته للرجال ومصافته أولى .\rوكل هؤلاء يقولون فيمن أم رجلاً وصبياً : إنهما يقفان خلفه ، وعند أحمد : يقفان عن يمينه ، أو يقف بينهما ، وعليه حمل وقوف ابن مسعودٍ بين علقمة والأسود ، وقال : كان الأسود غلاماً .\rوحديث ابن عباسٍ الذي خرَّجه البخاري في هذا الباب يدل على أن دخول الصبي المميز في صف الرجال في الصلاة المفروضة هو السنة .والله أعلم .\rالحديث الخامس :\r862-حديث عائشة : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العشاء ، حتى ناداه عمر : قد نام النساء والصبيان ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- وذكر الحديث .\rوقد سبق في ((أبواب المواقيت )) ، وذكرنا هنالك إسناد هذه الرواية التي في هذا الباب ، وأنها من وجهين : مسندٍ ومعلقٍ ، وبقية الحديث .\rوالمقصود منه هاهنا : أن الصبيان كانوا يشهدون مع الرجال الصلاة المكتوبة في المسجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rالحديث السادس :\r863-حدثنا عمرو بن عليَّ : ثنا يحيى : حدثنا سفيان : حدثني عبد الرحمن بن عابس ، قال : سمعت ابن عباسٍ ، وقال له رجلٌ : شهدت الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، ولولا مكاني منه ما شهدته -يعني : من صغره - وذكر بقية الحديث .\rويأتي في ((صلاة العيدين )) - إن شاء الله .\rوقد خرَّجه هناك عن مسددٍ ، عن يحيى ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن عباسٍ : أشهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم .\rوالمراد في هذه الرواية بالخروج : الخروج للعيد .\rوالمقصود من الحديث هاهنا : أن الصبيان كانوا يشهدون صلاة العيد مع النبي\r- صلى الله عليه وسلم - .\rقوله : ((لولا مكاني منه ما شهدته -يعني : من صغره )) ، يدل على أن من كان في سنه لم يكن خروجه إلى العيد معتاداً ، وإنما أخرج ابنٍ عباس لقربه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ،فكأن الإمام له مزية على الناس في الخروج إلى العيد ، حتى يخرج حاشيته كلهم ، صغيرهم وكبيرهم .\rولعل ابن عباسٍ أشار إلى خروجه في عيد وهو صغيرٌ في أول سن التمييز ، والإ فقد أدرك من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك مدةً ؛ فإنه كان في حجة الوداع مناهزاً للاحتلام ، كما سبق في الحديث الماضي .\r* * *","part":6,"page":133},{"id":1321,"text":"162-باب\rخروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس\rلما فرغ من ذكر أحكام صلاة الرجال وصلاة الصبيان شرع في ذكر حكم صلاة النساء ، فأفرد لذلك أبواباً وابتدأها بخروجهن إلى المساجد في الليل وغلس الفجر .\rوخرج فيه ستة أحاديث :\rالحديث الأول :\r864-حدثنا أبو اليمان : أنا شعيبٌ ، عن الزهري : أخبرني عروة ، عن عائشة ، قالت : أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة ، حتى ناداه عمر : نام النساء والصبيان - وذكر بقية الحديث .\rوقد ذكرنا باقيه في ((أبواب المواقيت)) .\rوالمقصود منه هاهنا : الاستدلال على شهود النساء صلاة العشاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rالحديث الثاني :\r865-ثنا عبيد الله بن موسى ، عن حنظلة ، عن سالم بن عبد الله ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المساجد فأذنوا لهن )) .\rتابعه :شعبة ،عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\r((حنظلة )) ، هو : السدوسي .\rوقد رواه الترمذي -أيضاً- عن سالم .\rوخرَّجه البخاري فيما بعد ، ويأتي قريباً -إن شاء الله .\rوليس فيها : ذكر الليل .\rوكذلك رواه نافعٌ ، عن ابن عمر ، وغيرهم -أيضاً.\rورواية الأعمش ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عمر التي علقها البخاري ، خرَجها مسلمٌ في ((صحيحه)) من رواية أبي معاوية وعيسى بن يونس ، كلاهما عن الأعمش ، به ، ولفظه : (( لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل )).\rوخرَّجه - أيضاً - من رواية عمروٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد )) .\rوخرّج البخاريُّ في ((كتاب الجمعة )) من طريق عمروٍ - أيضاً- ، وسياتي -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rومراد البخاري بالمتابعه ، ذكر الليل ، مع أن مسلماً خَرج حديث حنظلة عن سالمٍ ، ولم يذكر فيه : ((بالليل )) .\rوقال الإمام أحمد في رواية حنظلة ، عن سالم عن أبيه : إسنادٌ حسنٌ .\rالحديث الثالث :\r866-حدثنا عبد الله بن محمد : حدثنا عثمان بن عمر : أخبرنا يونس ، عن الزهري:حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمه زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرتها ، أن النساء في عهد الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ومن صلى من الرجال ما شاء الله ، فاذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام الرجال .\rقد سبق هذا الحديث وهذا السياق أتم مما تقدم .\rوليس في هذا الحديث :ذكر الليل ، والظاهر أنه كان نهاراً ، أو أعم من ذلك.\rالحديث الرابع :\r867-حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالكٍ -ح وحدثنا عبد الله بن يوسف :أخبرنا مالكٌ ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشه ، قالت : إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي ، الصبح فينصرف النساء متلفعاتٍ بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس .","part":6,"page":134},{"id":1322,"text":"قد سبق هذا الحديث في\"أبواب المواقيت \"من روايه الزهري ، عن عروة عن ، عائشة -بمعناه.\rوفيه : دليلٌ على شهود النساء صلاة الصبح مع النبي- صلى الله عليه وسلم - ورجوعهن في غلس الظلام.\rالحديث الخامس :\r868-حدثنا محمد بن مسكين-يعني :ابن نملية-:ثنا بشر بن بكرٍ :أنبأ الأوزاعي :حدثني يحيى بن أبي كثيرٍ ، عن عبد الله ابن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال :قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :(( إني لأقوم إلى الصلاة ، وأنا أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز في صلاتي كراهة أن أشق على أمه )) .\r(( نملية )) بالنون ، ذكره ابن ماكولا ، وهو يماميٌ ثقةٌ.\rوقد تقدم هذا الحديث في \"أبواب الإمامه\"مع أحاديث أخر متعددةٍ في هذا المعنى .\rوالمراد هاهنا من ذلك : أن النساء كن يشهدن الصلاة خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، ومعهن صبيانهن ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يعلم ذلك ، ويراعي في صلاته حالهن ، ويؤثر ما عليهن ، ويجتنب ما يشق عليهن ، وذلك دليل على أن حضورهن الجماعه معه غير مكروهٍ ، ولولا ذلك لنهاهن عن الحضور معه للصلاة.\rالحديث السادس:\r869-حدثنا عبد الله بن يوسف :أنا مالكٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عمرة ، عن عائشه : قالت لو أدرك رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء [ بعده ] لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل .\rقلت لعمرة : أو منعن ؟ قالت : نعم .\rتشير عائشةُ - رضي الله عنها -إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرخص في بعض ما يرخص فيه حيث لم يكن في زمنه فسادٌ، ثم يطرأ الفساد ويحدث بعده ، فلو أدرك ما حدث بعده لما استمر على الرخصه ، بل نهى عنه ؛ فإنه إنما يأمرُ بالصلاح، وينهى عن الفساد.\rوشبيهٌ بهذا :ما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكرٍ وعمر من خروج الإماء إلى الأسواق بغير خمارٍ حتى كان عمر يضرب الأمه إذا رآها منتقبةً أو مستترةً ، وذلك لغلبة السلامه في ذلك الزمان ، ثم زال ذلك وظهر الفساد وانتشر ، فلا يرخص حينئذٍ فيما كانوا يرخصون فيه.\rفقد اختلف العلماء في حضور النساء مساجد الجماعات للصلاة مع الرجال :فمنهم من كرهه بكل حالٍ، وهو ظاهر المروي عن عائشه-رضي الله عنها- ، وقد استدلت بأن الرخصة كانت لهن حيث لم يظهر منهن ما ظهر ، فكانت لمعنىً وقد زال ذلك المعنى .\rقال الإمام أحمد :أكره خروجهن في الزمان ؛ لأنهن فتنتةٌ .\rوعن أبي حنيفة روايةٌ :لا يخرجن الإ للعيدين خاصةً .\rوروى أبو إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، قال : حقٌ على كل ذاتِ نطاقٍ أن تخرج للعيدين .ولم يكن يرخص لهن في شيء من الخروج الإ في العيدين .\rومنهم من رخص فيه للعجائز دون الشوابَّ ، وهو قول مالكٍ -في رواية-والشافعي وأبي يوسف ومحمدٍ ، وطائفةٍ من أصحابنا أو أكثرهم .\rحكاه ابن عبد البر عن العلماء ، وحكاه عن مالكٍ من روايه أشهب :أن العجوز تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد، وأن الشابه تخرج مرةً بعد مرة.","part":6,"page":135},{"id":1323,"text":"وقال ابن مسعودٍ :ما صلت امرأة صلاةً أفضل من صلاتها في بيتها ، الإ أن تصلي عند المسجد الحرام ، إلا عجوزاً في منقلها .\rخرَّجه وكيع وأبو عبيدٍ .\rوقال : يعني : خفها .\rوخرَّجه البيهقي ، وعنده :إلا في مسجد الحرام ، أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - .\rومنهم من رخص فيه للجمع ، إذا أمنت الفتنه ، وهو قول مالكٍ-في رواية ابن القاسم ، ولم يذكر في (( المدونة )) سواه-، وقول طائفه من أصحابنا المتأخرين.\rثم اختلفوا :هل يرخص لهن في الليل والنهار ، أم في الليل خاصةً ؟على قولين.\rأحدهما : يرخص لهن في كل الصلوات ، وهو المحكي عن مالكٍ والشافعي وأبي يوسف ومحمدٍ ، وقول أصحابنا .\rواستدلوا بعموم الأحاديث المطلقة ، وبخروجهن في العيدين ، فأما المقيدة بالليل ، فقالوا : هو تنبيهٌ على النهار من طريق الفحوى ؛لأن تمكن الفساق من الخلوة بالنساء والتعرض لهن بالليل أظهر ،فإذا جاز لهن الخروج بالليل ففي النهار أولى .\rوقالت طائفةٌ : إنما يرخص لهن في الليل ، وتبويب البخاري يدل عليه ، وروي مثله عن أبي حنيفة ، لكنه خصه بالعجائز .\rوكذا قال سفيان :يرخص لهن في العشاء والفجر .قال :وينهى عن حضورهن تراويح رمضان.\rومذهب إسحاق كأبي حنيفة والثوري في ذلك ، الإ أنه رخص لهن في حضور التراويح في رمضان .\rوهؤلاء استدلوا بالأحاديث المقيدة بالليل ، وقالوا :النهار يكثر انتشار الفساق\rفيه ، فأما الليل فظلمته مع الاستتار تمنع النظر غالباً ، فهو أستر وروي عن أحمد ما يدل على أنه يكره للمراة أن تصلي خلف رجلٍ صلاةً جهرية.\rوهذا عكس قول من رخص في خروج المرأة إلى المسجد بالليل دون النهار .\rقال مهنا : قال أحمد :لا يعجبني أن يؤم الرجل النساء ، الإ أن يكون في بيته ، يؤم أهل بيته ، أكره أن تسمع المرأة صوت الرجل .\rوهذه الروايه مبينة -والله أعلم- على قول أحمد : إن المرة لا تنظر إلى الرجل الأجنبي ، فيكون سماعها صوته كنظرها إليه ، كما أن سماع الرجل صوت المرأة مكروهٌ كنظره إليها ؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة.\rوإن صلى الرجل بنساءٍ لا رجلٌ معهن ، فإن كن محارم له أو بعضهن جاز ، وإن كن أجنبياتٍ فإنه يكره.\rوإنما يكره إذا كان في بيتٍ ونحوه ، فأما في المسجد فلا يكره ؛ لاسيما إن كان فيه رجالٌ لا يصلون معهم .\rفقد روي أن عمر -رضي الله عنه-جعل للنساء في قيام رمضان إماماً يقوم بهن على حدة كما جعل للرجال إماماً.\rوأما في بيت ونحوه فيكره ؛ لما فيه من الخلوة.\rفإن كان امرأةٌ واحدةٌ ، فهو محرمٌ ، وإن كان امرأتان فهل يمنع ذلك الخلوة ؟ فيه لأصحابنا وجهان .\rومتى كثر النساء فلا يحرم ، بل يكره .\rومن أصحابنا من علل الكراهة بخشيه مخالطة الوسواس له في صلاته .\rومذهب الشافعي : إن صلى بامرأتين أجنبيتين فصاعداً خالياً بهن فطريقان ،قطع جمهورهم بالجواز .والثاني : في تحريمه وجهان .","part":6,"page":136},{"id":1324,"text":"وقيل : أن الشافعي نص على تحريم أن يؤم الرجل نساء منفرداتٍ، إلا أن يكون فيهن محرمٌ له ، أو زوجةٌ ، وإن خلا رجلان أو رجالٌ فالمشهور عندهم تحريمه.\rوقيل : إن كانوا ممن يبعد مواطأتهم على الفاحشة جاز .\rفإن صلي بهن في حال يكره ، كرهت الصلاة وصحت ، وإن كان في حال\rتحريم ، فمن أصحابنا من جزم ببطلان صلاتهما .\rوكره طائفة من السلف أن يصلي الرجل بالنساءِ الأجنبيات وليس خلفه صفٌ من الرجال منهم : الجزري .\rوكذلك قال الإمام أحمد -في روايه الميموني -:إذا كان خلفه صف رجال صلى خلفه النساء ؛ لأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -صلى بأنس واليتيم وأم سليم وراءهم.\rقيل لهُ : فإن لم يكن رجال ، كانوا نساء ؟\rقالَ : هذه مسأله مشتبهةٌ . قيل لهُ : فصلاتهم جائزة ؟\rقال : أما صلاته فهي جائزة قيل له : فصلاة النساء ؟ هذه مسألةٌ مشتيهةٌ .\rفتوقف في صحة صلاتهن دونه .\r* * *","part":6,"page":137},{"id":1325,"text":"164-باب\rصلاة النساء خلف الرجال\rفيه حديثان :\rالأول:\r870- حديث أم سلمة:كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث في مقامه هو يسيراً قبل أن يقوم .\rقال :فنرى -والله أعلم -أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحدٌ من الرجال .\rخرَّجه عن يحيى بن قزعة ، عن إبراهيم بن سعد .وقد خرَّجه فيما تقدم من طريقتين . عنه.\rووجه استدلاله به على تأخير النساء :أن النساء إذا كن يصلين في مؤخر المسجد أمكن أن يتبادرن إلى القيام والخروج قبل الرجال فلو كن يصلين في مقدم المسجد لم يتمكن من ذلك .\rالثاني:\r871-حديث أنس:صلى النبي- صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سليم ، فقمت ويتيم خلفه ، وأم سليم خلفنا.\rخرَّجه عن أبي نعيم ، عن ابن عيينه ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أنس .\rووجه الاستدلال به ظاهرةٌ الإ أن الأول هذه الجماعة لم تكن في المسجد.\rوقد خرج فيما تقدم حديث سهل بن سعدٍ :كان الناس يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم من الصغر على رقابهم، فقيل للنساء : (( لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرحال جلوساً )) .\rخرَّجه في (( أبواب :اللباس )) وفي (( أبواب : السجود )) .\rوهو صريح في أن النساء كن يصلين خلف الرجال.\rوخرج أبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر ، قالت :سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( من كان منكنَّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤسهم )) كراهية من أن يرين عورات الرجال .وقد تقدم حديث أبي مالكٍ الأشعري في وصفه صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وصفهٍ الرجال ، ثم الصبيان ، ثم النساء.\rوقد روي عن ابن مسعود ، أنه قال : أخروهن من حيث أخرهن الله .\rوخرّج مسلم من حديث سهيل ،عن أبيه ،عن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، قال :\r(( خيرُ صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها )).\rولا خلاف بين العلماء في أن المراد بتأخير مقامها في الصلاة عن مقام الرجل ، إلا أن تكون صغيرة ،لم تبلغ فإنه قد روي ، عن أبي الدرداء ، أنه كان يفهم أم الدرداء -وهي صغيرة لم تبلغ - صف الرجال . والجمهور على خلافه .\rوقد سبق حكم إبطال الصلاة بمصافتها الرجال ، أو تقدمها عليهم في (( باب : إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد )) .\r* * *","part":6,"page":138},{"id":1326,"text":"165-باب\rسرعة انصراف النساء من الصبح\rوقلة مقامهن في المسجد\r872-حدثنا يحيى بن موسى : ثنا سعيد بن منصور : ثنا فليح ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الصبح بغلس ، فينصرفن نساء المؤمنين ، لا يعرفن من الغلس -أو لا يعرف بعضهنَّ بعضاً .\rقد سبق هذا الحديث في ((المواقيت )) من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة -بمعناه - ، وفيه : ((ثم ينقلين إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ، لا يعرفهن أحد من\rالغلس )) .\rوهذا يدل على سرعة خروجهن من المسجد عقيب انقضاء الصلاة مبادرة لما بقي من ظلام الغلس ، حتى ينصرفن فيه، فيكون أستر لهن .\rوهذا المعنى لا يوجد في غير الصبح من سائر الصلوات ؛ فلذلك خصه البخاري بالتبويب عليه . والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":139},{"id":1327,"text":"166-باب\rاستئذان المراة زوجها بالخروج إلى المسجد\r873-حدثنا مسدد : ثنا يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها )) .\rقد تقدم هذا الحديث بأتم من هذا السياق .\rوقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه أخر :\rخرَّجه الإمام أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ، ولكن ليخرجن وهن تفلات )) .\rخرَّجه الإمام أحمد من حديث زيد بن خالد الجهني وعائشة ، وفي حديث عائشة أنها قالت : لو رأى حالهنَّ اليوم لمنعهن .\rفهذه الأحاديث : تدل على أمرين :\rأحدهما :\rأن المرأة لا تخرج إلى المسجد بدون اذن زوجها ، فإنه لو لم يكن له اذن في ذلك لأمرها أن تخرج أن اذن أو لم يأذن.\rوخرج ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر - مرفوعاً - : (( حق الزوج على زوجته لا تخرج من بيتها إلا بأذنه ، فإن فعلت لعنتها ملائكة الله ، وملائكة الرحمة ، وملائكة الغضب ، حتى تتوب أو تراجع )) .\rوفي إسناده : ليث بن أبي سليم ، وقد اختلف عليه في إسناده .\rوخرج البزار نحوه من حديث ابن عباسٍ .\rوفي إسناده : حسين بن علي الرحبي ، ويقال له : حنش ، وهو ضعيف الحديث .\rوخرج الترمذي وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث قتادة ، عن مورق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( المرأة عورة ، فاذا خرجت استشرفها الشيطان )) .\rزاد ابن حبان : (( وأقرب ما تكون من ربها إذا هي في قعر بيتها )) .\rوصَححه الترمذي .\rوإسناده كلهم ثقات .\rقال الدارقطني : رفعه صحيح من حديث قتادة ، والصحيح عن أبي إسحاق وحميد بن هلال ، أنهما روياه عن أبي الأحوص ، عن عبد الله موقوفاً .\rولا نعلم خلافاً بين العلماء : أن المرأة لا تخرج إلى المسجد الإ بأذن زوجها ، وهو قول ابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم .\rلكن من المتقدمين من كان يكتفي في اذن الزوج بعلمه بخروج المرأة من غير منع ؛ كما قال بعض الفقهاء : إن العبد يصير مأذونا له في التجارة بعلم السيد بتصرفه في ماله من غير منعٍ .\rفروى مالكٍ ، عن يحيى بن سعيد ، أن عاتكة بنت زيد كانت تستأذن زوجها عمر بن الخطاب إلى المسجد ، فيسكت ، فتقول : والله ، لأخرجنَّ ، إلا أن تمنعني ، فلا يمنعها .\rوروي عن ابن عمر ، قال : كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في جماعة ، فقيل لها : لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار ؟ فقالت : ما يمنعه أن ينهاني ؟ قالوا : يمنعه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله )) .\rخرَّجه البخاري من حديث عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر .\rوخرَّجه الإمام أحمد من رواية سالم ، عن عمر - منقطعاً .\rوالأمر الثاني :","part":6,"page":140},{"id":1328,"text":"أن الزوج منهيٌ عن منعها إذا استأذنته ، وهذا لابد من تقييده بما إذا لم يخف فتنةً أو ضرراً .\rوقد أنكر ابن عمر على ابنه لما قال له : والله ، لمنمعهن ، أشد الأنكار ، وسبه ، وقال له : تسمعني اقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتقول : لنمنعهن ؟! .\rوقد تقدم من عمر عدم المنع .\rوممن قال : لا يمنعن : ابن المبارك ومالك وغير واحد .\rوحكي عن الشافعي ، أن له المنع من ذلك وقاله القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا .\rوروى سعيد بن أبي هلال ، عن محمد بن عبد الله بن قيس ، أن رجالاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : إن نساءنا استاذنونا في المسجد ، فقال : (( احبسوهن )) ، ثم إنهن عدن إلى أزواجهن ، فعاد أزواجهن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال :\r(( احبسوهن )) ، ثم إنهن عدن إلى أزواجهن ، فقالوا : يا رسول الله ، قد استأذننا حتى إنا لنخرج. قال : (( فإذا أرسلتموهن ، فأرسلوهن تفلات )) .\rوهذا مرسلٌ غريب .\rومن هؤلاء من حمل قوله : (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله )) على النهي عن منعهن من حجة الاسلام ، وهو في غاية البعد، ورواية من روى تقييده بالليل تبطل ذلك.\rومنهم من حمله على الخروج للعيدين ، وهو بعيد -أيضاً- ؛ فان النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من عادته صلاة العيدين في المسجد .\rومن أصحابنا من قال : يكره منعهن إذا لم يكن في خروجهن ضررٌ ولا فتنهٌ ، فحملوا النهي على الكراهة .\rوقال صاحب (( المغني )) منهم : ظاهر الحديث يمنعه من منعها .\rقلت : وهوظاهر ما روي عن عمر وابن عمر ، كما تقدم .\rوكذلك مذهب مالكٍ : لا يمنع النساء من الخروج إلى المسجد .\rوبكل حال ؛ فصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد .\rخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا تمنعوا نساءكم المساجد ، وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ )) .\rوخرج الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما )) من حديث أم حميد -امرأة أبي حميد- ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : (( صلاتك في بيتك خيرٌ من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي)) .\rقال : فأمرت ، فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها واظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل .\rوخرج أبو داود معناه من حديث ابن مسعود .\rوالبيهقي معناه -أيضاً- من حديث عائشة .\rوخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( خيرُ مساجد النساء قعر بيوتهن )) .\rوخرَّجه الطبراني من وجه أخر عن أم سلمة ، بمعنى الأحاديث التي قبله .\rوقد تقدم عن ابن مسعود ، أن صلاتها في مسجد مكة والمدينة أفضل من صلاتها في بيتها .\r* * *","part":6,"page":141},{"id":1329,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r11\rكتاب الجمعة\r1-باب\rفرض الجمعة\rلقول الله عز وجل : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة :9 ]الآية .\rصلاة الجمعة فريضة من فرائض الأعيان على الرجال دون النساء ، بشرائط أخر ، هذا قول جمهور العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعاً كابن المنذر .\rوشذ من زعم أنها فرض كفايةٍ الشافعية ، وحكاه بعضهم قولاً للشافعي ، وأنكر ذلك عامة أصحابه ، حتى قال طائفة منهم : لا تحل حكايته عنه .\rوحكاية الخطابي لذلك عن أكثر العلماء وهم منه ، ولعله أشتبه عليه الجمعة\rبالعيد .\rوحكي عن بعض المتقدمين : أن الجمعة سنةٌ.\rوقد روى ابن وهبٍ ، عن مالكٍ ، أن الجمعة سنة .\rوحملها ابن عبد البر على أهل القرى المختلف في وجوب الجمعة عليهم خاصة ، دون أهل الأمصار .\rونقل حنبلٌ ، عن أحمد ، أنه قال : الصلاة -يعني : صلاة الحمعة -فريضةٌ ، والسعي إليها تطوعٌ ، سنةٌ مؤكدةٌ .\rوهذا إنما هو توقف عن اطلاق الفرض على اتيان الجمعة ، وأما الصلاة نفسها ، فقد صرح بأنها فريضةٌ ، وهذا يدل على أن ما هو وسيلة إلى الفريضة ولا تتم الإ به لا يطلق عليه اسم الفريضة ؛ لأنه وإن كان مأموراً به فليس مقصوداً لنفسه ، بل لغيره .\rوتأول القاضي أبو يعلى كلام أحمد بما لا يصح .\rوقد دل على فرضيتها : قول الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّه وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ\rتَعْلَمُونَ } [الجمعة :9] .\rوالمراد بالسعي : شدة الاهتمام بإتيانها والمبادرة إليها . فهو من سعي القلوب ، لا من سعي الأبدان ، كذا قال الحسن وغيره ، وسيأتي بسط ذلك فيما بعد -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوفي (( صحيح مسلم )) عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ، إنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد منبره : ((لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين )) .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي الجعد الضمري -وكانت له صحبة-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من ترك الجمعة تهاوناً ثلاث مرات طبع على قلبه )) .\rوقال الترمذي : حديثٌ حسنٌ .\rوخرَّجه ابن حبان في ((صحيحه)) .\rوروي معناه من وجوهٍ كثيرةٍ :\rوفي ((صحيح مسلمٍ )) عن ابن مسعودٍ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هم أن يحرق على من يتخلف عن الجمعة بيوتهم ، وقد سبق ذكره .\rوخرج أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ ، عن طارق بن شهابٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r(( الجمعة حقٌ واجبٌ في جماعةٍ ، إلا أربعة : عبدٌ مملوكٌ ، أو امرأةٌ ، أو صبيٌ ، أو\rمريضٌ )) .","part":6,"page":142},{"id":1330,"text":"قال أبو داود : طارق بن شهابٍ راى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يسمع منه شيئاً .قال البيهقي : وقد وصله بعضهم عن طارق ، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس وصله بمحفوظٍ . وخرج النسائي من حديث حفصة ،عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال :(( رواح الجمعة واجبٌ على كل محتلم )).\rوخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبهم ، فقال في خطبيه : (( إن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا ، في يومي هذا ، في شهري هذا ، من عامي هذا الى يوم القيامة ، فمن تركها في حياتي أو بعدي ، وله إمام عادل أو جائرٌ ، استخفافاً بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة له ، ولا زكاة له ، ولا حج له ، ولا صوم له ، ولا بركة حتى يتوب ، فمن تاب تاب الله\rعليه )) .\rوفي إسناده ضعفٌ واضطرابٌ واختلافٌ ، قد أشرنا إلى بعضه فيما تقدم في ((أبواب الإمامة ))وفيه : دليلٌ على أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة ؛ لأن جابراً إنما صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهد خطبته بالمدينة ، وهذا قول جمهور العلماء .\rويدل عليه -أيضاً - : أن سورة الجمعة مدنيةٌ ، وأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة بمكة قبل هجرته .\rونص الإمام أحمد على أن أول جمعةٍ جمعت في الإسلام هي التي جمعت بالمدينة مع مصعب بن عميرٍ.\rوكذا قال عطاء والأوزاعي وغيرهما .وزعم طائفةٌ من الفقهاء : أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة ، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان يصليها بمكة قبل أن يهاجر .\rواستدل لذلك : بما خرَّجه النسائي في ((كتاب الجمعة )) من حديث المعافى بن عمران ، عن إبراهيم بن طهان ، عن محمد ابن زياد ، عن أبي هريرة قال : إن أول جمعةٍ جمعت -بعد جمعة جمعت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة -بجواثاء بالبحرين -قرية لعبد القيس .\rوقد خرَّجه البخاري -كما سيأتي في موضعه - من طريق أبي عامر العقدي ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة ، عن ابن عباسٍ ، أن أول جمعة جمعت -بعدجمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين.\rوكذا رواه وكيع ، عن إبراهيم بن طهمان ، ولفظه : إن أول جمعة جمعت في الإسلام -بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة -لجمعة جمعت بجواثاء - قرية من قرى البحرين .\rخرَّجه أبو داود .\rوكذا رواه ابن المبارك وغيره ، عن إبراهيم بن طهمان .\rفتبين بذلك : أن المعافى وهم في إسناد الحديث ومتنه ، والصواب : رواية\rالجماعة ، عن إبراهيم بن طهمان .\rومعنى الحديث ، أن أول مسجدٍ جمع فيه -بعد مسجد المدينة -: مسجد جواثاء ، وليس معناه : أن الجمعة التي جمعت بجواثاء كانت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جمعت بالمدينة ، كما قد يفهم من بعض ألفاظ الروايات ؛ فإن عبد القيس إنما وفد على\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، كما ذكره ابن سعد ، عن عروة بن الزبير وغيره .","part":6,"page":143},{"id":1331,"text":"وليس المراد به -أيضاً- أن أول جمعة في الإسلام في مسجد المدينة ، فإن أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات ، قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وقبل أن يبني مسجده .\rيدل على ذلك : حديث كعب بن مالكٍ ، أنه كان كلما سمع أذان الجمعة استغفر لأسعد بن زرارة ، فسأله ابنه عن ذلك ، فقال : كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم - من مكة في نقيع الخضمات ، في هزم النبيت ، من حرة بني بياضة ، قيل له : كم كنتم يومئذ ؟ قال : أربعين رجلاً .\rخرَّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه -مطولاً .\rوروى أبو إسحاق الفزاري في (( كتاب السير )) له ، عن الأوزاعي ، عمن\rحدثه ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير القرشي إلى المدينة ، قبل أن يهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( أجمع من بها من المسلمين ، ثم انظر اليوم الذي تجمر فيه اليهود لسبتها ، فإذا مال النهار عن شطره فقم فيهم ، ثم تزلفوا إلى الله بركعتين )) .\rقال : وقال الزهري : فجمع بهم مصعب بن عمير في دار من دور الأنصار ، فجمع بهم وهم بضعة عشر .\rقال الأوزاعي : وهو أول من جمع بالناس .\rوقد خرّج الدارقطني -أظنه في ((أفراده)) -من رواية أحمد بن محمد بن غالب الباهلي : نا محمد بن عبد الله أبو زيد المدني : ثنا المغيرة بن عبد الرحمن : ثنا مالكٌ ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباسٍ ، قال : أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجمعة قبل أن يهاجر ، ولم يستطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بمكة ولا يبين لهم ، وكتب إلى مصعب بن عمير : (( أما بعد ، فانظر اليوم الذي تجمر فيه اليهود لسبتهم ، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم ، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين )) .\rقال : فهو أول من جمع مصعب بن عمير ، حتى قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فجمع عند الزوال من الظهر ، وأظهر ذلك .\rوهذا إسنادٌ موضوعٌ ، والباهلي هو : غلام خليلٍ ، كذاب مشهور بالكذب ، وإنما هذا أصله من مراسيل الزهري ، وفي هذا السياق ألفاظٌ منكرةٌ .\rوخرج البيهقي من رواية يونس ، عن الزهري ، قال : بلغنا أن أول ما جمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجمع بالمسلمين مصعب بن عميرٍ .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمر ، عن الزهري ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير إلى أهل المدينة ليقرئهم القرآن ، فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجمع بهم ، فاذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليس يومئذٍ بأميرٍ ، ولكنه انطلق يعلم أهل امدينة.\rوذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : من أول من جمع ؟ قال : رجلٌ من بني عبد الدار -زعموا- ، قلت : أفبأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فمه .","part":6,"page":144},{"id":1332,"text":"وخرَّجه الأثرم من رواية ابن عيينة ، عن ابن جريج ، وعنده : قال : نعم ، فمه .قال ابن عيينة : سمعت من يقول : هو مصعب بن عميرٍ .\rوكذلك نص الإمام أحمد في- رواية أبي طالب - على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو امر مصعب بن عمير أن يجمع بهم بالمدينة .\rونص أحمد -أيضاً- على أن أول جمعة جمعت في الإسلام هي الجمعة التي جمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير .\rوقد تقدم مثله عن عطاء والأوزاعي .\rفتبين بهذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإقامة الجمعة بالمدينة ، ولم يقمها بمكة ، وهذا يدل على أنه كان قد فرضت عليه الجمعة بمكة .\rوممن قال : إن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة : أبو حامد الاسفراييني من الشافعية ، والقاضي أبو يعلى في ((خلافه الكبير )) من أصحابنا ، وابن عقيل في ((عمد الادلة )) ، وكذلك ذكره طائفة من المالكية ، منهم : السهيلي وغيره .\rوأما كونه لم يفعله بمكة ، فيحمل أنه إنما امر بها أن يقيمها في دار الهجرة ، لا في دار الحرب ، وكانت مكة إذ ذاك دار حربٍ ، ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم ، وكانوا خائفين على أنفسهم ، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة ، والجمعة تسقط بأعذارٍ كثيرةٍ منها الخوف على النفس والمال .\rوقد أشار بعض المتأخرين من الشافعية إلى معنى آخر في الامتناع من إقامتها بمكة ، وهو : أن الجمعة إنما يقصد بإقامتها اظهار شعار الإسلام ، وهذا إنما يتمكن منه في دار الإسلام .\rولهذا لا تقام الجمعة في السجن ، وإن كان فيه أربعون ، ولا يعلم في ذلك خلافٌ بين العلماء ، وممن قاله : الحسن ، وابن سيرين ، والنخعي ، والثوري ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق وغيرهم .\rوعلى قياس هذا :لو كان الأسارى في بلد المشركين مجتمعين في مكانٍ واحدٍ ؛ فإنهم لا يصلون فيه جمعةً ، كالمسجونين في دار الإسلام وأولى ؛ لا سيما وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن الإقامة في دار الحرب - وإن طالت - حكمها حكم السفر ، فتقصر فيها الصلاة أبداً ، ولو اقام المسلم باختياره ، فكيف إذا كان أسيراً مقهوراً ؟\rوهذا على قول من يرى إشتراط إذن الإمام لإقامة الجمعة ، أظهر ، فأما على قول من لا يشترط إذن الإمام ، فقد قال الإمام أحمد في الأمراء إذا أخروا الصلاة يوم الجمعة : فيصليها لوقتها ويصليها مع الإمام ، فحمله القاضي أبو يعلى في ((خلافه )) على أنهم يصلونها جمعة لوقتها .\rوهذا بعيدٌ جداً ، وإنما مراده : أنهم يصلون الظهر لوقتها ، ثم يشهدون الجمعة مع الأمراء .\rوكذلك كان السلف الصالح يفعلون عند تأخير بني أمية للجمعة عن وقتها ،ومنهم من كان يومئ بالصلاة وهو جالسٌ في المسجد قبل خروج الوقت ، ولم يكن أحد منهم يصلي الجمعة لوقتها ، وفي ذلك مفاسد كثيرة تسقط الجمعة بخشية بعضها .\rوفي ((تهذيب المدونة)) للمالكية : وإذا أتى من تأخير الأئمة ما يستنكر جمع الناس لأنفسهم أن قدروا ، وإلا صلوا ظهراً ، وتنفلوا بصلاتهم معهم .\rقال : ومن لا تجب عليه الجمعة مثل المرضى والمسافرين وأهل السجن فجآئز أن يجمعوا .","part":6,"page":145},{"id":1333,"text":"وأراد بالتجميع هنا : صلاة الظهر جماعةً ، لا صلاة الجمعة ؛ فإنه قال قبله: وإذا فاتت الجمعة من تجب عليهم فلا يجمعوا .\rوالفرق بين صلاة الظهر جماعةً يوم الجمعة ، ممن تجب عليه وممن لا تجب عليه : أن من تجب عليه يتهم في تركها ، بخلاف من لا تجب عليه فإن عذره ظاهرٌ .\rوقد روي عن ابن سيرين ، أن تجميع الانصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم ، من غير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكلية ، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة .\rقال عبد الله ابن الإمام أحمد في ((مسائله)) : ثنا أبي : ثنا اسماعيل -هو : ابن عليه - : ثنا ايوب ، عن محمد بن سيرين ، قال : نبئت أن الانصار قبل قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم المدينة قالوا : لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه ، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله علينا\rبه ، فقالوا : يوم السبت ، ثم قالوا : لا نجامع اليهود في يومهم ، قالوا : يوم الأحد ، قالوا : لا نجامع النصارى في يومهم .\rقالوا : فيوم العروبة : قال : وكانوا يسمون يوم الجمعة : يوم العروبة ، فاجتمعوا في بيت أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فذبحت لهم شاةٌ ، فكفتهم .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) عم معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقبل أن تنزل الجمعة ، وهم الذين سموها الجمعة ، فقالت الأنصار : لليهود يومٌ يجتمعون فيه كل ستة أيامٍ ، وللنصارى -أيضاً- مثل ذلك ، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه ، ونذكر الله عز وجل ،ونصلي ونشكره -أو كما فقالوا - ، فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوا يوم\rالعروبة ، وكانوا يسمون يوم الجمعة : يوم العروبة ، فاجتمعوا إلى اسعد بن زرارة ، فصلى بهم وذكرهم ، فسموه : يوم الجمعة حين اجتمعوا اليه ، فذبح أسعد بن زراره لهم شاة ، فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة ليلتهم ، فأنزل الله بعد ذلك : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة :9] .\rفوقع في كلام الإمام أحمد : أن هذه هي الجمعة التي جمعها مصعب بن عميرٍ ، وهي التي ذكرها كعب بن مالكٍ في حديثه ، أنهم كانوا أربعين رجلاً .\rوفي هذا نظرٌ .\rويحتمل أن يكون هذا الاجتماع من الأنصار كان باجتهادهم قبل قدوم مصعبٍ إليهم ، ثم لما قدم مصعب عليهم جمع بهم بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان الإسلام حينئذ قد ظهر وفشا ، وكان يمكن إقامة شعار الإسلام في المدينة ، وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك ، فكأن في بيت اسعد بن زرارة قبل ظهور الإسلام بالمدينة وفشوه ، وكان باجتهاد منهم ، لا بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rقال البخاري -رحمه الله -:","part":6,"page":146},{"id":1334,"text":"876-نا أبو اليمان : أنا شعيب : نا أبو الزناد ، أن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج مولى ربيعة بن الحارث حدثه ، أنه سمع أبا هريرة ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ،بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا ، والنصارى بعد غدٍ )) .\rقوله : (( نحن الآخرون )) -يعني : في الزمان ؛ فإنه- صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين ، وأمته آخر الأمم .\rوقوله : (( السابقون )) -يعني : في الفضل والكرامة على الله ؛ قالَ الله تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران :11] .\rوفي حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( أنتم موفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل )) .\rوفي رواية أبي حازم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -لهذا الحديث -: ((نحن الآخرون من أهل الدنيا ، الأولون يوم القيأمة ، المقضى لهم قبل الخلائق )) .\rخرَّجه مسلم . امة\rوخرَّجه من حديث حذيفة -بمثله .\rوخرّج من حديث أبي صالحٍ ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، في هذا الحديث زيادةٌ : (( ونحن أول من يدخل الجنة )) .\rوهذا كله -أيضاً- من سبقهم ؛ فإنهم أول من يحاسب يوم القيأمة ، ومن يجوز على الصراط ، ومن يدخل الجنة .\rوقوله : (( بيد )) ، هو اسمٌ ملازم للإضافة إلى (( أن )) وصلتها ، ومعناه-هاهنا - : غير ، ولا يستثنى به في الاتصال ، بل في الانقطاع .\rوالمعنى : لكن أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتينا نحن الكتاب من\rبعدهم ، فلهم السبق في الزمان بهذا الاعتبار في الدنيا ، لا في الفضل ، ولا في الآخرة .\rونقل الربيع ، عن الشافعي : أنه قال : ((بيد أنهم )) : من أجل أنهم -فجعله تعليلاً.\rوقوله : ((ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه )) .\r(( ثم )) -هاهنا- لترتيب الاخبار ، ويحتمل أنه لترتيب المخبر به ، والمراد : أنهم أوتوا الكتاب ، ثم فرض عليهم هذا اليوم -والاشارة إلى يوم الجمعة -، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق باذنه، فالناس لنا فيه تبعٌ .\rوهذا-أيضاً- مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم ، فإن اليهود والنصارى لما فرض عليهم تعظيم الجمعة ، والعبادة فيه لله ، واتخاذه عيداً للاجتماع فيه لذكر الله فيه ، ضلوا عنه ، فاختارت اليهود السبت ؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق ، واختارت النصارى الأحد ؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق ، فهدانا الله للجمعة ، فصار عيدنا أسبق من عيدهم ، وصاروا لنا في عيدنا تبعاً ، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة ، ومنهم من عيده بعد\rغدٍ .\rوإنما ضلت الطائفتان قبلنا لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وانبياؤهم ، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسلهم عن ربهم ، من غير تغيير له ولا تبديلٍ .","part":6,"page":147},{"id":1335,"text":"وفي الحديث : دليلٌ على أن الجمعة فرض من الله واجب علينا ، كما كان على من قبلنا ، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة ، واتخاذه عيداً ومجمعاً لذكر الله\rوعبادته ، فبدلوه بغيره من الايام ، وهدانا الله لهُ ، فدل ذَلِكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه ، واتخاذه عيداً ؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته ، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة .\r* * *","part":6,"page":148},{"id":1336,"text":"2-باب\rفضل الغسل يوم الجمعة\rوهل على الصبي شهود يوم الجمعة ، أو على النساء ؟\rفيه ثلاثة أحاديث :\rالحديث الأول :\r877-ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالكٌ ، عن نافعٍ ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل )) .\rليس في هذا الحديث ، ولا فيما بعده من الأحاديث المخرجة في هذا الباب ذكر فضل الغسل وثوابه ، كما بوب عليه، بل الأمر به خاصةً .\rوقد خرج فيما بعد هذا الباب أحاديث في فضل الغسل مع الرواح ، أو مع الدهن والطيب ، وستأتي في مواضعها -إن شاء الله تعالى .\rوقد بوب على أن الصبي والمرأة : هل عليهما شهود الجمعة ؟\rفأما الصبي ، فسيأتي الحديث الذي يؤخذ منه حكمه.\rوأما حكم المرأة ، فكأنه أخذه من هذا الحديث ، وهو قوله : ((إذا جاء أحدكم الجمعة )) ، فإن الخطاب كان للرجال ، والضمير يعود إليهم ، لأنه ضمير تذكيرٍ ، فلا يدخل فيه النساء .\rوقد اختلف المتكلمون في أصول الفقه في صيغ الجموع المذكرة : هل يدخل فيها النساء تبعاً ، أم لا ؟ وفي ذلك اختلاف مشهورٌ بينهم .\rوأكثر أصحابنا على دخولهن مع الذكور تبعاً .\rومن أصحابنا من قال : لا يدخلن معهم ، وهو قول أكثر الشافعية والحنفية ولفظة : (( أحد )) وإن لم تكن جمعاً ، إلا أنها مقتضية للعموم ،إما بطريق البدلية ، أو الشمول ، كما في قوله : { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } [البقرة :285] .\rولكن الأمر هنا بالغسل ، لا بمجيء الجمعة ، ولكن المأمور به بالغسل هو الذي يأتي الجمعة ، بلفظ يقتضي أنه لابد من المجيء إلى الجمعة ، فإن ((إذا )) إنما يعلق بها الفعل المحقق وقوعه غالبا قد يقتضي -أيضاً -العموم ، لكن هذا العموم يخرج منه المرأة ، بالأحاديث الدالة على أنه لا جمعة عليها ، وقد سبق بعضها .\rوخرّج أبو داود من حديث أم عطية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيتٍ ، فأرسل إليهن عمر ، فقال : أنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكن ، وأمرنا بالعيدين أن نخرج فيهما الحيض والعتق ، ولا جمعة علينا .\rوقد حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على أن النساء لا تجب عليهن الجمعة ، وعلى أنهن إذا صلين الجمعة مع الرجال أجزأهن من الظهر .\rومن حكى من متأخري أصحابنا في هذا خلافاً ، فقد غلط ، وقال ما لا حقيقة\rله .\rوروى أبو داود في (( مراسليه )) بإسناده ، عن الحسن ، قال :كن النساء يجمعن مع النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rوعن واصلٍ ، عن مجاهدٍ ، قال : كان الضعفاء من الرجال والنساء يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم لا يأوون إلى رحالهم إلا من الغد ، من الضعف .\rوواصلٌ ، فيه ضعفٌ .\rوروي ، عن ابن مسعودٍ ، أنه قال للنساء يوم الجمعة : إذا صليتن مع الإمام فبصلاته ، وإذا صليتن وحدكن فتصلين أربعاً .\rوعنه ، أنه كان يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ، ويقول : أخرجن ؛ فإن هذا ليس لكن .\rخرّجهما البيهقي .","part":6,"page":149},{"id":1337,"text":"ولعله كره أن يضيقن المسجد على الرجال لكثرة زحام الجمعة ، أو كره لهن الخروج من بيوتهن بالنهار .\rومن الشافعية من استجب للعجائز حضور الجمعة .\rوعند أصحابنا : لا يكره للعجائز حضور الجمعة .\rوفي كراهته للشواب وجهان .\rالحديث الثاني :\r878-ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء : أنا جويرية ، عن مالكٍ ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن عمر بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة ، إذ دخل رجلٌ من المهاجرين الأولين من اصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - ، فناداه عمر : اية ساعةٍ هذه ؟ قالَ : إني\rشغلت ، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت المنادي ، فلم أزد أن توضأت ،فقال : والوضوء أيضاً ؟! وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغسل .\rوهذا -أيضاً-ليس فيه ذكر فضل الغسل ، إنما فيه إلامر به ، ولعل مراده بتخريجه في هذا الباب : أن فيه ما يشعر بأن الأهل لا يخرجن إلى الجمعة ؛ فإن هذا الرجل لما قال لعمر : ((لم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت المنادي ، فلم أزد أن توضأت )) ، وسمع ذلك عمر ومن حضره من الصحابة ، دل على اتفاقهم على أن خروج الأهل إلى الجمعة غير واجب . والله أعلم .\rالحديث الثالث :\r879-ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالكٌ ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسارٍ ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلمٍ )) .\rوهذا الحديث إنما يدل على تخصيص المحتلمين بوجوب الغسل ، كما سبق ذكره في ((باب : وضوء الصبيان وطهارتهم )) .\rوقد تقدم ما يدل على أن المأمورين بالغسل هم الآتون للجمعة ، فيستدل بذلك على اختصاص إلاتيان للجمعة بمن بلغ الحلم ، دون من لم يبلغ .\rوقد خرج النسائي من رواية عياش بن عباسٍ ، عن بكير بن الأشج ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( رواح الجمعة واجبٌ على كل\rمحتلم )) .\rوهذا صريحٌ بأن الرواح إنما يجب على المحتلم ، فيفهم منه أنه لا يجب على من لم يحتلم .\rوخرَّجه أبو داود وابن حبان في ((صحيحه)) ، ولفظ أبي داود: ((على كل محتلمٍ رواح الجمعة ، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل )) .\rوقد أعل ، بأن مخرمة بن بكيرٍ رواه عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -من غير ذكر حفصة .\rوهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما ؛ فإن ابن عمر صرح بأنه سمع حديث الغسل من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن هل حديث مخرمة موافق لحديث عياش في لفظه ، أم لا ؟\rوقد سبق القول في وجوب الجمعة على من لم يحتلم من الصبيان في ((باب :وضوء الصبيان)) .\rوحديث عمر وابن عمر فيهما التصريح بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل للجمعة ، وحديث أبي سعيد فيه التصريح بوجوبه .\rوقد أختلف العلماء في غسل الجمعة : هل هو واجبٌ -بمعنى : أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير ضرر -، أم هو مستحبٌ -فلا ياثم بتركه بحال -؟","part":6,"page":150},{"id":1338,"text":"ولم يختلفوا أنه ليس بشرط لصحة صلاة الجمعة ، وأنها تصح بدونه ، ولهذا أقر عمر والصحابة من شهد الجمعة ولم يغتسل ، ولم يأمروه بالخروج للغسل .\rوقد استدل -أيضاً- بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب ؛ لأنه لو كان واجباً لأمروه بالخروج له .\rوأجاب بعضهم عن ذلك : بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة لضيق الوقت .\rوأكثر العلماء على أنه يستحب ، وليس بواجب .\rوذكر الترمذي في ((كتابه)) أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم .\rوهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك .\rوقد حكي عن عمر وعثمان ، ومستند من حكاه عنهما : قصة عمر مع الداخل إلى المسجد ؛ فإنه قد وقع في روايةٍ أنه كان عثمان ، وسنذكرها -إن شاء الله تعالى .\rوممن قال : هو سنة : ابن مسعودٍ .\rوروي عن عباسٍ ، أنه غير واجبٍ ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة ، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار : الثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد -في ظاهر مذهبه - ، وإسحاق .\rورواه ابن وهبٍ عن مالكٍ ، وأنه قيل له : في الحديث : ((هو واجبٌ)) ؟ قال ليس كل ما في الحديث : ((هو واجبٌ)) يكون كذلك .\rوهواختيار عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه .\rواستدل من قال : ليس بواجبٍ : بما روي عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن أغتسل فالغسل أفضل )) .\rخرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه .\rوقد أختلف في سماع الحسن من سمرة .\rوخرَّجه ابن ماجه من حديث يزيد الرقاشي ، عن انس -مرفوعاً- أيضاً .\rويزيد ، ضعيف الحديث.\rوفي ((صحيح مسلمٍ)) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وزيادة ثلاثة أيام )) .\rوهذا يدل على أن الوضوء كافٍ ، وان المقتصر عليه غير أثمٍ ولا عاصٍ ، وأما إلامر بالغسل فمحمول على إلاستحباب .\rوقد روي من حديث عائشة وابن عباسٍ ما يدل على ذلك ، وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .\rوأما رواية الوجوب ، فالوجوب نوعان : وجوب حتم ، ووجوب سنةٍ وفضلٍ .\rوذهبت طائفة إلى وجوب الغسل ، وروي عن أبي هريرة ، والحسن ، وروي-أيضاً- عن سعدٍ ، وعمارٍ ، وابن عباسٍ -في رواية أخرى عنه -، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود ، وعطاء بن السائب ، وعمرو بن سليمٍ وغيرهم من المتقدمين .\rوحكي رواية عن أحمد ، قال أحمد- في رواية حربٍ وغيره -: أخاف أن يكون واجباً ، إلا أن يكون بردٌ شديدٌ .\rوهذا لا يدل على الوجوب جزماً .\rوهو رواية عن مالكٍ ، ولم يذكر في ((تهذيب المدونة )) سواها .\rذكر ابن عبد البر : أنه لا يعلم أحداً قال : إنه يأثم بتركه ، غير أهل الظاهر ، وأن من أوجبه ، قال : لا يأثم بتركه .\rوحكى -أيضاً- إلاجماع على أنه ليس بفرضٍ واجبٍ .\rوذكر عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاءٍ : غسل الجمعة","part":6,"page":151},{"id":1339,"text":"واجبٍ ؟ قال : نعم ، من تركه فليس بأثمٍ.\rقال عبد الرزاق : وهو أحب القولين إلى سفيان ، يقول : هو واجبٌ .\rيعني : وجوب سنةٍ .\rوذكر ابن عبد البر قولين للعلماء ، وذكر أنه أشهر الروايتين عن مالكٍ .\rوالثاني : أنه مستحب وليس بسنةٍ ، بل كالطيب والسواك ، وحكاه رواية عن مالكٍ .\rوحكى عن بعضهم : أن الطيب يغني عنه ، حكاهٌ عن عطاء الخراساني ، وعن\rعبد الكريم بن الحارث المصري ، وعن موسى بن صهيبٍ ، قالَ : كانوا يقولون ذَلِكَ .\rوعن النخعي ، قالَ : ما كانوا يرون غسلاً واجبً إلا غسل الجنابة ، وكانوا يستحبون غسل الجمعة .\rفابن عبد البر لم يثبت في وجوب غسل الجمعة -بمعنى كونه فرضاً يأثم بتركه - اختلافاً بين العلماء المعتبرين ، وإنما خص الخلاف في ذَلِكَ باهل الظاهر .\rوالأكثرون : أطلقوا حكاية الخلاف في وجوب غسل الجمعة ، وحكوا القول بوجوبه عن طائفة من السلف ، كما حكاه ابن المنذر ، عن أبي هريرة وعمار ، وعن مالكٍ -أيضاً .\rوالذي ذكره ابن عبد البر هوَ التحقيق في ذَلِكَ -والله أعلم- ،وأن من أطلق وجوبه إنما تبع في ذَلِكَ ما جاء عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من إطلاق اسم ((الواجبٍ )) عليهِ ، وقد صرح طائفة منهم بأن وجوبه لا يقتضي إلاثم بتركه ،كما حمل أكثر العلماء كلام النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - على مثل ذَلِكَ -أيضاً .\rوممن صرح بهذا : عطاءٌ ، كما سبق ذكره عنه ، ومنهم : يحيى بن يحيى النيسابوري ، والجوزجاني.\rوقد تبين بهذا أن لفظ ((الواجبٍ )) ليس نصاً في إلالزام بالشيء والعقاب على تركه ، بل قد يراد به ذَلِكَ- وهو الأكثر -،وقد يراد به تأكد إلاستحباب والطلب .\rولهذا قالَ إسحاق : إن كل ما في الصَّلاة فهوَ واجبٌ .وإن كانت الصَّلاة تعاد من ترك بعضه ، كما سبق ذكره عنه.\rوسبق -أيضاً- ، عن الشافعي وأحمد في لفظ : ((الفرض ما يدل على نحو ذَلِكَ ، فالواجب أولى ؛ لأنه دون الفرض.\rونص الشافعي -في رواية البويطي -على أن صلاة الكسوف ليست بنفلٍ ، ولكنها واجبةٌ وجوب السنة.\rوهذا تصريح منه بأن السنة المتأكدة تسمى (( واجباً )) .والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":152},{"id":1340,"text":"3-باب\rالطيب للجمعة\r880-حدثنا علي : ثنا حرمي بن عمارة : ثنا شعبة ، عن أبي بكر بن المنكدر ، قال : حدثني عمرو بن سليم إلانصاري ، قال : اشهد على أبي سعيد ، قال : أشهد على رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( الغسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم ، وان يستن ، وأن يمس طيباً إن وجد )) .\rقال عمروٌ : أما الغسل ، فأشهد أنه واجبٌ ، وأما الاستنان والطيب ، فالله أعلم واجبٌ هو ، أم لا ؟ ولكن هكذا في الحديث .\rقال أبو عبد الله : هو أخو محمد بن المنكدر ، ولم يسم أبو بكرٍ هذا ، روى عنه بكير بن الأشج وسعيد بن أبي هلال وعدةٌ .\rوكان محمد بن المنكدر يكنى بأبي بكرٍ ، وأبي عبد الله .\r(( علي )) شيخ البخاري ، هو : ابن المديني ، وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث -فيما ذكره الدارقطني في (( علله )) -:\rفرواه عنه تمتامٌ ، كما رواه عنه البخاري .\rورواه الباغندي عنه ، فزاد في إسناده : (( عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ )) ، جعله : عن عمرو بن سليمٍ ، عن عبد الرحمن، عن أبيه .\rوكذا رواه سعيد بن أبي هلالٍ ، عن أبي بكر بن المنكدر ، عن عمروٍ، عن\rعبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه .\rخرَّجه مسلمٌ من طريقه كذلك .\rوخرَّجه -أيضاً- من رواية بكير بن الأشج ، عن أبي بكرٍ بن المنكدر ، ولم يذكر في إسناده : (( عبد الرحمن )) .\rوعن الدارقطني : أنه ذكر (( عبد الرحمن )) في إسناده أصح من إسقاطه .\rوتصرف البخاري يدل على خلاف ذلك ؛ فإنه لم يخرج الحديث إلا بإسقاطه ، وفي روايته : أن عمروٍ بن سليم شهد على أبي سعيدٍ ، كما شهد أبو سعيدٍ على النَّبيّ\r- صلى الله عليه وسلم - ، وهذا صريح في أنه سمعه من أبي سعيد بغير واسطةٍ .\rوكذا رواه إبراهيم بن عرعرة ، عن حرمي بن عمارة -أيضاً .\rوخرَّجه عنه المروزي في ((كتاب الجمعة )) .\rوكذا رواه القاضي إسماعيل ، عن علي بن المديني ، كما رواه عنه البخاري .\rخرَّجه من طريقه ابن منده في ((غرائب شعبة )) .\rوكذا خرَّجه البيهقي من طريق الباغندي ، عن ابن المديني .\rوهذا يخالف ما ذكره الدارقطني عن الباغندي .\rوذكر الدارقطني : أن بكير بن الأشج زاد في إسناده : (( عبد الرحمن بن أبي\rسعيدٍ )) ، وهو -أيضاً- وهم منه .\rفالظاهر : أن إسقاط عبد الرحمن من إسناده هو الصواب ،كما هي طريقة البخاري .\rوأما أبو بكر بن المنكدر ، فهو : اخو محمد بن المنكدر ، وهو ثقة جليل ، ولم يسم ، كذا قاله البخاري هاهنا ، وأبو حاتمٍ الرازي .\rوإنما نبه البخاري على ذلك لئلا يتوهم أنه محمد بن المنكدر ، وأنه ذكر بكنيته ؛ فإن ابن المنكدر كان يكنى بابي بكرٍ وبأبي عبد الله .\rويعضد هذا الوهم : أن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام روي عنه هذا الحديث ، عن محمد بن المنكدر ، عن عمرو بن سليمٍ ، عن أبي سعيدٍ ، وروي عنه ، عن محمد بن المنكدر ، عن اخيه أبي بكرٍ ، عن عمرو ، عن أبي سعيدٍ ، وهو الصواب .\rوفي الطيب للجمعة أحاديث أخر ، يأتي بعضها -إن شاء الله تعالى .\rوأكثر العلماء على استحباب الطيب للجمعة :","part":6,"page":153},{"id":1341,"text":"روى وكيعٌ ، عن العمري ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، أن عمر كان يجمر ثيابه للمسجد يوم الجمعة .\rوروى عبيد الله بن عمر ، عن نافعٍ ، قال : كان عمر إذا راح إلى الجمعة أغتسل وتطيب بأطيب طيب عنده .\rوروي عنه ، أنه كان يستجمر للجمعة بالعود .\rوروي عن عمر ، أنه كان يأمر بتجمير المسجد يوم الجمعة .\rولم تزل المساجد تجمر في أيام الجمع من عهد عمر .\rوفي الأمر بتجميرها في الجمع حديثٌ مرفوعٌ ، خرَّجه ابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع ، وإسناده ضعيف جداً .\rومذهب مالكٍ : أن يتصدق بثمن ما يجمر به المسجد ، أو يحلق ، وقال : هو أحب إلي : - ذكره في ((تهذيب المدونة )) .\rوسيأتي عن ابن عباسٍ التوقف في الطيب للجمعة .\rوقد يقال : إنما توقف في وجوبه ، كما توقف عمروٍ بن سليم الأنصاري ، فقد روى ابن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوسٍ ، قال : سمعت أبا هريرة يوجب الطيب يوم الجمعة ، فسألت ابن عباسٍ عنه، فقال : لا أعلمه .\rقال سفيان : وأخبرني ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ ، عن ابن عباسٍ ، قال :من أتى الجمعة فليمس طيبا ، أن كان لأهله ، غير مؤثمٍ من تركه .\rوخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث البراء بن عازب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( حقاً على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة ، وليمس أحدهم من طيب أهله ،فإن لم يجد فالماء طيب )) .\rوقال الترمذي : حسنٌ .\rوذكر في ((علله)) أنه سأل البخاري عنه ، فقال : الصحيح : عن البراء موقوف .\r* * *","part":6,"page":154},{"id":1342,"text":"4-باب\rفضل الجمعة\r881-ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالحٍ السمان ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ، ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكانما قرب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فاذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر )) .\rقوله : ((من اغتسل يوم الجمعة ، ثم راح )) يدل على أن الغسل المستحب للجمعة أوله طلوع الفجر ، وآخره الرواح إلى الجمعة ، فإن اغتسل قبل دخول يوم الجمعة لم يات بسنة الغسل ، كما لو اغتسل بعد صلاة الجمعة .\rوممن قال : لا يصيب السنة بالغسل للجمعة قبل طلوع الفجر : مالكٌ، والشافعي، وأحمد ، وأكثر العلماء .\rوروى معناه عن ابن عمر .\rخرَّجه حربٌ الكرماني بإسناد فيه نظرٌ .\rوأجازه الأوزاعي ،وهذا الحديث حجةٌ عليه ، وكذلك حديث أبي سعيدٍ المتقدم : ((غسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلم )) .\rوحكي عن أحمد ما يدل على صحته سحراً - أيضاً .\rوروي عن الشعبي ومجاهدٍ ، وهو وجه للشافعية -أيضاً- وقول يحيى بن يحيى النيسابوري .\rوقوله : ((غسل الجنابة )) في تأويله قولان :\rأحدهما : أن المراد به : تعميم بدنه بالغسل ، كما يعمه بغسل الجنابة .\rويشهد لذلك : الحديث الآخر الذي فيه : ((فيغسل رأسه وجسده)) .\rفيكون المعنى : اغتسأله للجمعة كاغتسألة للجنابة ، في المبالغة وتعميم البدن\rبالماء ، وهذا قول اكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم .\rوالثاني : أن المراد به : غسل الجنابة حقيقةً ، وأنه يستحب لمن له زوجة أو أمة أن يطأها يوم الجمعة ، ثم يغتسل ، وهذا هو المنصوص عن أحمد ، وحكاه عن غير واحد من التابعين ، منهم : هلال بن يساف ، وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهما .\rوروي عن عبد الرحمن بن الأسود ، قال : كان يعجبهم أن يواقعوا النساء يوم الجمعة ؛ لأنهم قد أمروا أن يغتسلوا ، وأن يغسلوا .\rوقول طائفةٍ من الشافعية ، وحملوا عليه -أيضاً- حديث أوس بن أوسٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من غسل يوم الجمعة واغتسل )) -الحديث .\rوقالوا : المراد : من اغتسل بنفسه وغسل من يطؤه من زوجة أو أمةٍ .\rفعلى هذا : يستدل بالحديث على أن من عليه غسل الجنابة ، فاغتسل للجنابة يوم الجمعة ، فإنه يجزئه عن غسل الجمعة ، وسواء نوى به الجمعة ، أو لم ينو .\rأما إن نواهما بالغسل ، فإنه يحصل له رفع حدث الجنابة وسنة غسل الجمعة بغير خلافٍ بين العلماء ، روي ذلك عن ابن عمر ، وتبعه جمهور العلماء .\rوللشافعية وجهٌ ضعيفٌ : لا يجزئه عنهما ، وقاله بعض الظاهرية .\rوحكي عن مالكٍ ، وقيل : إنه لا يصح عنه ، إنما قاله بعض المتأخرين من\rأصحابه ، وقد ذكر ذلك للإمام أحمد عن مالكٍ فأنكره .\rوأما أن نوى بغسله الجنابة خاصةً ، فإنه يرتفع حدثه من الجنابة .","part":6,"page":155},{"id":1343,"text":"وهل يحصل له سنة إلاغتسأل للجمعة ؟ على قولين : أشهرهما : لا يحصل له ، وروي عن أبي قتادة الأنصاري صأحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ((الأعمال بالنيات ، وإنما لامريءٍ ما نوى )) ، وهو المشهور عن مالكٍ ، وروي نحوه عن الأوزاعي ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي وأحمد ، ونص عليه أحمد في رواية الشالنجي .\rوالثاني : يحصل له غسل الجمعة بذلك ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقول أشهب المالكي ، وهو نص الشافعي ، وقول أبي حنيفة وإسحاق ، مع كون أبي حنيفة يعتبر النية لنقل الطهارة ، وحكاه ابن عبد البر عن عبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والشافعي والليث بن سعد والطبري ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا .\rوأما إن نوى الجنب غسل الجمعة ، ولم ينو غسل الجنابة ، فهل يرتفع حدث الجنابة بذلك ؟ فيه قولان للشافعي ، وروايتان عن أحمد .\rومن أصحابنا من رجح : أنه لا يرتفع ، لأن غسل الجنابة ليس سببه الحدث ؛ ولهذا يشرع للطاهر .\rوعلى هذا : فهل يحصل له به سنة غسل الجمعة مع بقاء غسل الجنابة عليه ؟ فيه وجهان لأصحابنا والشافعية ، أصحهما : أنه يحصل له ذلك .\rوأختلف أصحاب مالكٍ : هل يرتفع حدثه بنية غسل الجمعة ؟\rفقال : ابن القاسم : لا يجزئه ، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالكٍ .\rوقال أشهب وابن وهب والأكثرون منهم : يجزئه : وهو قول المزني .\rوقوله : (( ثم راح )) يدل على أنه لا تحصل سنة إلاغتسأل للجمعة إلا قبل صلاة الجمعة ، وأنه لو اغتسل بعد الصلاة في بقية اليوم لم يكن آتياً بفضيلة الغسل المأمور به ، وقد حكى ابن عبد البر وغيره إلاجماع على ذلك .\rوأظن بعض الظاهرية يخالف فيه ، ويزعم : أن الغسل لليوم لا للصلاة ، ولا يعبأ بقوله في ذلك .\rويدل على أنه يحصل المقصود بالغسل ، وإن اغتسل أول نهار الجمعة إذا كان الرواح متعقباً له .\rفإن لم يتعقبه الرواح ، بل أخر الرواح إلى بعده ، فقال أكثر العلماء : تحصل له -أيضاً- سنة الغسل ، فقالوا : (( ثُمَّ )) تقتضي التراخي ، فيصدق ذلك بأن يؤخر الرواح إلى الزوال .\rوتأخير الغسل إلى حين الرواح أفضل ، نص عليه أحمد وغيره .\rوذهب طائفة إلى أنه لا تحصل له فضيلة الغسل إلا بأن يتعقبه الرواح ، وهو قول مالكٍ ، وحكاه الطحاوي عن الأوزاعي ، وهو يخالف قوله المشهور عنه : أن الغسل للجمعة يجزئ من الليل ، كما تقدم.\rومذهب مالكٍ في ذلك ، أنه لا يجزئ الغسل إلا متصلا بالروح ، فإن اغتسل وراح ، ثم أحدث أو خرج من المسجد إلى موضع قريب ، لم ينتقض غسله ، وإن تباعد أو تغدى أو نام انتقض غسله وأعاده - : ذكره في ((تهذيب المدونة)) .\rواستدلوا بقوله : ((إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل )) .\rويجاب عنه : بأن هذا كقوله تعالى { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } [المائدة :6] الآية ، المراد : أنه يتضيق الوجوب على القائم للصلاة ، فكذلك يتضيق وقت الغسل على الآتي إلى الجمعة .\rفاما أن كان قد فعله قبل ذلك فإنه يجزئه ، ولا اعادة عليه منذ قيامه ورواحه .","part":6,"page":156},{"id":1344,"text":"كمن أدى الدين الواجبٍ عليه قبل تضايق وقت أدائه ، فإنه لا يؤمر بأدائه مرة آخرى بعد ذلك .\rولو اغتسل للجمعة ثم انتفض وضؤوه ، فهل يستحب له اعادته ، أم يكفيه الوضوء ؟ فيهِ قولان :\rأحدهما : يكفيه الوضوء ، وهو قول عبد الرحمن بن أبزى والحسن ومجاهدٍ ومالكٍ والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد .\rوالثاني : أنه يعيد غسله ، وهو قول طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثيرٍ .\rوروى ابن أبي شيبة باسناده ، عن إبراهيم التيمي ، قال : كانوا يحبون لمن اغتسل يوم الجمعة أن لا يكون بينه وبين الجمعة حدثٌ . قال : وكانوا يقولون : إذا أحدث بعد الغسل عاد إلى حاله التي كان عليها قبل أن يغتسل .\rوعن أبي يوسف ، أنه بنى هذا إلاختلاف على أن الغسل هل هو لليوم أو للصلاة ، فمن قال : أنه لليوم قال : يجزئه غسله ، ومن قال : إنه للصلاة قال : يعيده ؛ لأنه إذا توضأ فإنما شهد الصلاة بوضوء لا بغسلٍ .\rوخالف الأكثرون في ذلك ، وقالوا : بل شهد الصلاة بغسلٍ ، لأن الحدث الموجب للوضوء ليس منافياً للغسل ، وحصول النظافة به .\rولو أحدث حدثاً موجباً للغسل ، مثل أن اجنب ، فحكي عن الأوزاعي ، أنه يعيد غسل الجمعة -أيضاً -؛ لأنه قد أتى بما يبطل الغسل .\rوعن الجمهور خلافه ؛ لأنه إنما أتى بما يوجب غسل الجنابة ، فيكتفي به ، ولا حاجة إلى إعادته لغسل الجمعة .\rوقوله : (( ثم راح فكانما قرب بدنةً )) المراد : راح في الساعة الأولى؛بدليل قوله : (( ومن راح في الساعة الثانية )).\rوقد خرَّجه مالكٍ في ((الموطإ)) عن سمي بهذا إلاسناد ، وفيه التصريح بذكر الساعة الأولى .\rوقد اختلف العلماء في المراد بهذه الساعات : هل هي من أول النهار ، أو بعد زوال الشمس ؟ على قولين :\rأحدهما : أن المراد بها أخر الساعة التي بعد زوال الشمس ؛ لأن حقيقة الرواح إنما تكون بعد الزوال ، والغدو يكون قبله ، كما قال تعالى : { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } [سبأ:12] .\rواستدلوا -أيضاً -بالحديث الآخر : ((المهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنةٍ )) ، فجعل البدنة بالتهجر ، والتهجير إنما هو إلاتيان بالمهاجرة ، وإنما يكون ذلك بعد الزوال .\rهذا تأويل مالكٍ وأكثر أصحابه ، ووافقهم طائفة من الشافعية على ذلك .\rوالقول الثاني : أن المراد بالساعات من أول النهار ، وهو قول الأكثرين .\rثم اختلفوا : هل أولها من طلوع الفجر ، أو من طلوع الشمس ؟\rفقالت طائفةٌ : أولها من طلوع الفجر ، وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد .\rواستدلوا بقوله : (( إذا كان الجمعة ، كان على أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الناس الأول فالأول ))- الحديث ، كما سيأتي ذكره -أن شاء الله تعالى .\rوظاهره : أن ذلك يكون بعد طلوع الفجر .\rوقالت طائفة : أولها من طلوع الشمس ، وحكي عن الثوري وأبي حنيفة ومحمد بن إبراهيم البوشنجي ، ورجحه الخطابي وغيره ، لأن ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر .\rورجح هذا القول عبد الملك بن حبيبٍ المالكي .","part":6,"page":157},{"id":1345,"text":"وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة ، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم .\rوأما ذكر الرواح ، فعنه جوابان :\rأحدهما : أنه لما كان آخر الساعات بعد الزوال ، وهو رواحٌ حقيقيٌ ، سميت كلها رواحاً ، كما يسمى الخارج للحج والجهاد حاجاً وغازياً قبل تلبسه بالحج والغزو ؛ لأن امره ينتهي إلى ذلك .\rوالثاني : أن الرواح هنا اريد به القصد والذهاب ، مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده .\rقال الأزهري وغيره : الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير ، أي وقتٍ كان من ليلٍ أو نهارٍ ، يقال : راح في أول النهار وآخره ، وغدا بمعناه .\rوأما التهجير ، فيجاب عنه ، بأنه استعمل في هذا المعنى بمعنى التبكير -أيضاً - لا بمعنى الخروج في الهاجرة .\rوقيل : أنه ليس من الهاجرة ، بل من الهجرة ، والمراد بها : هجر الأعمال الدنيوية للسعي إلى الجمعة .\rوقد دل على استحباب التبكير من أول النهار حديث أوس بن أوسٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكرٍ وابتكر ، ودنا واستمع كان له بكل خطوة يخطوها اجر سنة صيامها وقيامها )).\rخرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في\r(( صحيحه )) .\rوحسنه الترمذي .\rوله طرقٌ متعددةٌ ، قد ذكرناها في (( شرح الترمذي )) .\rوفي رواية للنسائي : ((وغدا وابتكر )) .\rوفي بعض رواياته : ((ومشى ولم يركب )) .\rوظاهر الحديث : يدل على تقسيم يوم الجمعة إلى اثني عشر ساعة ، وأن الخطبة والصلاة يقعان في السادسة منها .\rومتى خرج الخطيب طوت الملائكة صحفها ، ولم يكتب لأحدٍ فضل التبكير ، وهذا يدل على أنه بعد الزوال لا يكتب لأحد شيءٌ من فضل التبكير إلى الجمعة بالكلية .\rوظاهر الحديث : يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثني عشر ساعةً مع طول النهار وقصره ، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة ؛ فإن ذَلِكَ يختلف باختلاف طول النهار وقصره .\rويدل على هذا : حديث جابر ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ((يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه ، فالتمسوها آخر ساعةٍ بعد\rالعصر )) .\rخرَّجه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقاتٌ .\rوظاهره : يدل علي أن ساعة إلاجابة جزء من هذه إلاجزاء إلاثني عشر المتساوية في جميع فصول السنة .\rوزعم بعض الشافعية : أنه ليس المراد بالساعات في التبكير الأربع والعشرون ، بل ترتيب الدرجات ، وفضل السابق على الذي يليه ، لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة .\rورد ذلك آخرون منهم ، وقالوا : من جاء في أول ساعةٍ من هذه الساعات وآخرها مشتركان في تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش مثلا ، ولكن بدنة الأول أو بقرته أكمل مما للذي جاء في آخرها ، وبدنة المتوسط متوسطةٌ .\rوهذا هو الأقرب ، وعليه يحمل الحديث الذي خرَّجه عبدالرزاق ، عن ابن","part":6,"page":158},{"id":1346,"text":"جريج ، عن سميَّ ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال : ((إذا كان يوم الجمعة فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة ، ثم غدا في أول ساعةٍ ، فله من إلاجر مثل الجزور ، وأول الساعة وآخرها سواء ))-وذكر مثل ذلك في الثانية ، والثالثة ، والرابعة، يقول : ((أولها وآخرها سواءٌ )) ،وزاد في آخر الحديث : ((ثم غفر له إذا استمع وأنصت ما بين الجمعتين ، وزيادة ثلاثة أيامٍ )) .\rوفي هذه الرواية : ذكر الغدو إلى الجمعة ، والغدو يكون من أول النهار .\rوقوله : (( فكأنما قرب بدنةً ، فكأنما قرب بقرةً )) -إلى آخره - يدل على أن أفضل ما يتقرب به من الهدايا البدن ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وهو قول الجمهور ، خلافاً لمالكٍ ، ويذكر في موضعٍ آخر مستوفىَ -أن شاء الله تعالى .\rويدل -أيضاً- على أن الجمعة فيها شبهٌ من الحج ، وقد روي في حديث ضعيف : (( الجمعةُ حجُ المساكين )) .\rقال ابن المسيب : شهود الجمعة أحب الي من حجةٍ نافلةٍ .\rوخرج البيهقي من حديث سهل بن سعد -مرفوعاً - : (( إن لكم في كل جمعة حجةً وعمرةً ، فالحجة التهجير للجمعة ، والعمرة انتظار العصر بعد الجمعة )) .\rوقال : هو ضعيف ٌ .\rوقد روي : ((إن المؤمن يصبح يوم الجمعة كالمحرم ، فلا يأخذ من شعره ، ولا من أظفاره حتى يصلي )) .\rوقد حكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما كرها أن يجعل يوم الجمعة ميقاتاً لأخذ الشعر والظفر ، واستدل لهما بهذا الحديث .\rوقدروي من حديث علي -مرفوعاً- : أن ذلك يكون يوم الخميس ،وإسناده لا يصح .\rواستحب بعض أصحابنا فعله يوم الخميس ؛ لذلك .\rوالحديث الذي ذكر فيه إلاحرام ، هو بإسنادٍ مجهولٍ ، عن أبي معشرٍ ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر -مرفوعاً -: ((يصبح الرجل محرماً يوم الجمعة ، فلا يحل حتى يصلي ، فاذا جلس في مكانه حتى يصلي العصر رجع بحجةٍ وعمرةٍ )) .\rوهو منكرٌ ، لا يصح .\rقال البيهقي : قد روي عن ابن عباسٍ - مرفوعاً - في ((المؤمن يوم الجمعة كهيئة المحرم ، لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى تنقضى الصلاة )) ، وعن ابن عمر - مرفوعاً - : ((المسلم يوم الجمعة محرمٌ ، فاذا صلى فقد أحل))، فانما رويا عنهما باسنادين ضعيفين ، لا يحتج بمثلهما .\rقال : وفي الرواية الصحيحة عن ابن عمر من فعله دليلٌ على ضعف ما خالفه .\rوروي من طريق ابن وهبٍ ، بإسنادٍ صحيح ، عن نافعٍ ، أن ابن عمر كان يقلم أظفاره ويقص شاربه في كل جمعةٍ .\rقال : وروينا عن أبي جعفرٍ -مرسلاً- ، النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستحب أن ياخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة .\rوروى بإسناده ، عن معاوية بن قرة : قال : كان لي عمان قد شهدا الشجرة ، يأخذان من شواربهما وأظفارهما كل جمعة .\rوخرّج البزار في (( مسنده )) والطبراني من رواية إبراهيم بن قدامه ، عن الأغر ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة ، قبل أن يخرج إلى الصلاة .","part":6,"page":159},{"id":1347,"text":"قال البزار : لم يتابع إبراهيم بن قدامة عليه ، وهو إذا انفرد بحديثٍ لم يكن حجةً ؛ لأنه ليس بمشهورٍ .\rقلت : وقد روي عنه ، عن عبد الله بن عمروٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال ابن أبي عاصمٍ : أحسب هذا - يعني : عبد الله بن عمروٍ -رجلاً من بني\rجمحٍ ، أدخله يعقوب بن حميد بن كاسبٍ في (( مسند قريش )) في الجمحيين .\rيشير إلى أنه ليس ابن العاص .\rوكذا ذكر ابن عبد البر ، وزاد أن في صحبته نظرا .\rوفي الباب - أيضاً- من حديث ابن عباسٍ وعائشة وأنسٍ ، أحاديث مرفوعة ، ولا تصح أسانيدها .\rوقال راشد بن سعد : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : من اغتسل يوم الجمعة واستاك وقلم أظفاره فقد اوجب.\rخرَّجه حميد بن زنجويه .\rوممن استحب ذلك : النخعي .\rقال مكحولٌ : من قص شاربه وأظفاره يوم جمعة لم يمت من الماء الأصفر .\rوقال حميدٌ الحميري من قص أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه الداء ، وادخل فيه الشفاء .\rوكان الإمام أحمد يفعله .\rواستحبه أصحاب الشافعي وغيرهم ؛ فإنه من كمال التنظف والتطهر المشروع في يوم الجمعة ، فيكون مستحبا فيه ، كالطيب والدهن ،والمحرم بخلاف ذلك .\rويشهد لذلك : ما خرَّجه ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من فطرة إلاسلام : الغسل يوم الجمعة ، والاستنان ، وأخذ الشارب ، وإعفاء اللحى ؛ فإن المجوس تحفى شواربها وتحفى لحاها ، فخالفوهم ، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم )) .\rفقرن أخذ الشارب بغسل يوم الجمعة والاستنان ، وقد صح الأمر بالاستنان في يوم الجمعة -أيضاً .\r* * *","part":6,"page":160},{"id":1348,"text":"5-باب\r882-حدثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن عمر بن الخطاب بينما هو يخطب يوم الجمعة ، إذ جاء رجلٌ ، فقال عمر بن الخطاب : لم تحتسبون عن الصلاة ؟ فقالَ الرجل : ما هوَ إلا أن سمعت النداء ، فتوضأت . فقالَ : ألم تسمعوا النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( إذا راح أحدكم إلى الجمعة\rفليغتسل )) ؟ .\rوخرَّجه مسلم من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، وسمى الداخل :\r(( عثمان بن عفان )) وقال في حديثه : فعرض به عمر ، فقال : ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ؟\rوهذا يستدل به على إنكار الإمام علي من يتأخر إلى بعد النداء ، خصوصاً إن كان من أهل الفضائل الدينية ، وكذلك ينكر عليه تقصيره في إلاخلال ببعض سنن الجمعة ومندوباتها المكتوبة ، كالغسل ونحوه .\rوقد روي هذا المعنى - مرفوعاً - من وجوه :\rخرّج ابن حبان في ((صحيحه)) من حديث ابن إسحاق : حدثني أبان بن صالحٍ ، عن مجاهدٍ ، عن جابرٍ ، قال : دخل سليكٌ الغطفاني المسجد ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس ، فقال له : (( أركع ركعتين ، ولا تعودن لمثل هذا )) ، فركعهما ، ثم جلس .\rقال ابن حبان : أراد : لا تعودن إلى إلابطاء في المجيء الىالجمعة ، لأن في حديث أبي سعيدٍ ، أنه امره بالركعتين -أيضاً - في الجمعة الثانية .\rوخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن يسر ، قال : جاء رجلٌ يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، والنبي- صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((أجلس ، فقد آذيت\rوآنيت )) .\rوخرَّجه أبو داود والنسائي ، وليس عندهما : ((وآنيت )) .\rومعنى : ((آنيت )) : ابطأت في المجيء ، وأخرته عن آوانه .\rوخرَّجه ابن ماجه من حديث جابر ، بإسنادٍ ضعيفٍ .\rوخرّج الطبراني وغيره من رواية عمر بن الوليد الشني ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ ، قال : جاء رجلٌ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يلهو أحدكم ، حتى إذا كادت الجمعة تفوته جاء يتخطى رقاب الناس يؤذيهم )) . فقال :\rيا رسول الله ، ما فعلت ، ولكني كنت راقداً ، فاستيقظت ، ثم تؤضأت وجئت . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أو يوم وضوءٍ هذا ؟!)) .\rوعمر بن الوليد : ضعيف الحديث .\rوقد روى عبد الرزاق ، عن ابن جريجٍ : اخبرني عمروٍ بن دينارٍ ، عن عكرمة ، أن عثمان جاء وعمر يخطب -فذكر الحديث بمعنى رواية أبي سلمة ، عن أبي هريرة التي خرجها البخاري هاهنا .\rوهذا أصح . والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":161},{"id":1349,"text":"6-باب\rالدهن للجمعة\rفيه عن سلمان ، وأبي هريرة :\rأما حديث سلمان :\rفقال :\r883-ثنا آدم : ثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : أخبرني أبي ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ، ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه - أو يمس من طيب بيته - ، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ماكتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى )) .\rهذا الحديث تفرد بتخريجه البخاري دون مسلمٍ ؛ لاختلاف وقع في إسناده .\rوقد خرَّجه البخاري هاهنا عن آدم بن أبي إياسٍ ،عن ابن أبي ذئبٍ . ثم خرَّجه بعد ذلك من طريق\rابن المبارك ، عن ابن أبي ذئب بهذا إلاسناد -أيضاً وكذا رواه جماعةً عن ابن أبي ذئب .\rورواه بعضهم ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيدٍ المقبري ، عن ابن وديعة ، عن سلمان - لم يذكر في إسناده : (( أبا سعيدٍ المقبري )) .\rورواه الضحاك بن عثمان ، عن المقبري بهذا إلاسناد -أيضاً- مع إلاختلاف عليه في ذكر (( أبي سعيدٍ )) وإسقاطه .\rوزاد الضحاك في حديثه : قال سعيدٌ المقبري : فحدثت بذلك عمارة بن عمرو بن حزمٍ ، فقال : أوهم ابن وديعة ؛ سمعته من سلمان يقول : (( وزيادة ثلاثة أيامٍ )) .\rورواه ابن عجلان ، عن سعيدٍ بن أبي سعيدٍ المقبري ، عن أبيه ، عن عبد الله بن وديعة ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه .\rقال ابن عجلان : فذكرته لعبادة بن عامر بن عمرو بن حزمٍ ، فقال : صدق ،\r(( وزيادة ثلاثة أيامٍ )).\rخرَّجه الإمام أحمد وابن ماجه ، ولم يذكر آخره .\rوقد روى ابن أبي حاتم -مرةً - ، عن أبي زرعة ، أنه قال : حديث ابن عجلان أشبه .\rيعني : قوله : (( عن أبي ذر )) .\rونقل -مرةً أخرى - ، عن أبيه وأبي زرعة ، أنهما قالا : حديث سلمان الأصح .\rوكذا قال علي بن المديني والدارقطني ، وهو الذي يقتضيه تصرف البخاري .\rوكذا قال ابن معينٍ : ابن أبي ذئبٍ أثبتُ في المقبري من ابن عجلان .\rوعبيد الله بن وديعه - ويقال : عبد الله - ، قال أبو حاتمٍ الرازي : الصحيح\rعبيد الله .\rوقال أبو زرعة : الصحيح عبد الله .\rوقد رواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئبٍ ، فسماه : عبيد الله بن عدي بن الخيار ، وهو وهم منه -: قاله أبو حاتمٍ .\rوقد رواه جماعةً ، عن سعيدٍ المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم : ابن جريجٍ وعبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله وغيرهم . وزاد ابن جريجٍ : وعن عمارة بن عامرٍ الأنصاري .\rقال الدارقطني : ووهم في ذلك ؛ إنما أراد عمارة بن عمرو بن حزمٍ ، كما ذكر الضحاك .\rورواه صالحٌ بن كيسان ، عن سعيدٍ المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال أبو زرعة وأبو حاتم : هو خطأ ؛ إنما هوَ ما قاله ابن أبي ذئبٍ وابن عجلان .","part":6,"page":162},{"id":1350,"text":"ولا ريب أن الذي قالوا فيهِ : (( عن أبي هريرة )) جماعةٌ حفاظٌ ، لكن الوهم يسبق كثيراً إلى هذا إلاسناد ؛ فإن رواية (( سعيدٍ المقبري ، عن أبي هريرة-أو عن أبيه ، عن أبي هريرة )) سلسلةٌ معروفةُ ، تسبق إليها الالسن ،بخلاف رواية (( سعيدٍ )) عن\rأبيه ، عن ابن وديعة ، عن سلمان )) ؛ فانها سلسلةٌ غريبةٌ ، لا يقولها إلا حافظ لها متقنٌ .\rورجح ابن المديني قول من رواه عن سلمان ، [ بأن حديثه ... ] ، فإنه قدر رواه النخعي ، عن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rفقوله : ((لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة )) يؤخذ منه اختصاص الغسل بالرجال ، كما هو قول أحمد ، ويأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى .\rوقوله : ((ويتطهر ما استطاع من طهر )) ، الظاهر : أنه أراد به المبالغة في\rالتنظف ، وإزالة الوسخ ، وربما دخل فيه تقليم الأظفار ، وإزالة الشعر من قص الشعر وحلق العانة ونتف إلابط ؛ فإن ذَلِكَ كله طهارة .\rويدل عليهِ : ما خرَّجه البزار من حديث أبي الدرداء ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ :\r(( الطهارات أربعٌ : قص الشارب ، وحلق العانة ، وتقليم الأظفار ، والسواك )) .\rوفي إسناده : معاوية بن يحيى ، قال البزار : ليس بالقوي ، وقد حدث عنه أهل العلم ، واحتملوا حديثه .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بن عمروٍ بن العاص ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( أمرت بيوم الأضحى عيداً جعله الله لهذه الأمة )) .فقال رجلٌ : أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى ، أفأضحي بها ؟ قالَ :\r(( لا ، ولكن تأخذ من شعرك ، وتقلم أظفارك ، وتقص شاربك ،وتحلق عانتك ، فذلك من تمام أضحيتك عند الله عز وجل )) .\rوهذا يشعر باستحباب هذه الطهارات في الأعياد كلها ، وأنها من تمام النسك المشروع فيها ، والجمعة من جملة الأعياد ، وهي عيد الأسبوع ، كما أن عيد الفطر والأضحى عيد العام .\rوقوله : ((ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته )) ، ظاهره : التخيير بين الأمرين ، إما الأدهان ، أو التطيب ، وأن أحدهما كاف .\rوقوله : (( من طيب بيته )) يشير إلى أنه ليس عليه أن يطلب ما لا يجده ، بل يجتزئ بما وجده في بيته .\rوالأدهان : هو دهن شعر الرأس واللحية مع تسريحه ، وهو الترجل ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله .\rوفي (( صحيح مسلمٍ )) عن جابر بن سمرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شمط مقدم رأسه ولحيته فكأن إذا ادهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين ، وكان كثير شعر الرأس واللحية - صلى الله عليه وسلم -.\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل الطيب في شعره .\rوقد خرّج البخاري في ((كتابه )) هذا من حديث ربيعة ، قال : رأيت شعراً من شعره - يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم -أحمر ، فسألت عنه ، فقيل لي : أحمر من الطيب .\rوخرّج البزار في (( مسنده )) من حديث ابن عقيل ، عن أنس ، أن عمر بن","part":6,"page":163},{"id":1351,"text":"عبد العزيز سأله عن خضاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال له : اني رأيت شعراً من شعره قد لون ؟ فقال : إنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول - صلى الله عليه وسلم - .\rوقوله : (( ثم يخرج )) يشير إلى أنه يفعل ذلك كله في بيته قبل خروجه ، ثم بعد ذلك يخرج إلى المسجد .\rوقوله : (( فلا يفرق بين أثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم\rالإمام )) .\rيأتي الكلام على هذه الثلاثة فيما بعد - إن شاء الله تعالى .\rوقوله : (( إلاّ غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى )) . والمراد بذلك : الصغائر ؛ بدليل ما خرَّجه مسلم من حديث أبي هريرة ،عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ((الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر )) .\rوفي حديث عمارة بن عمروٍ بن حزم ، عن سلمان : ((وزيادة ثلاثة أيام)) .\rوخرج مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من اغتسل ، ثم أتى الجمعة ، فصلى ما قدر له ، ثم انصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ، فصلى معه غفر له ما بينه وبين الجمعة إلاخرى ، وفضل ثلاثة أيام )) .\rوخرَّجه أبو داود من وجهٍ آخر عن أبي هريرة ، وجعل ذكر الثلاثة من قول أبي هريرة ، قال : وكان أبو هريرة يقول : (( وثلاثة أيامٍ زيادةً ؛ إن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها )) .\rوأما حديث ابن عباسٍ :\rفقال :\r884-ثنا أبو اليمان : نا شعيب ، عن الزهري : قال طاوسٌ : قلت لابن عباسٍ : ذكروا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رءوسكم ، وان لم تكونوا جنباً وأصيبوا من الطيب )) ؟ قال ابن عباسٍ : أما الغسل ، فنعم ، وأما الطيب ، فلا أدري .\r885-حدثنا إبراهيم بن محمد بن موسى : أنا هشام ، أن ابن جريجٍ أخبرهم ، قال : أخبرني إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوسٍ ، عن ابن عباسٍ ، أنه ذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغسل يوم الجمعة ، فقلت لابن عباسٍ : أيمس طيبا ، أو دهناً ، إن كان عند أهله ؟ فقال : لا أعلمه .\rمضمون هذا : أن ابن عباسٍ روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الغسل للجمعة ، وأنه لم يكن عنده من ذكر الطيب والدهن علمٌ ، فيحتمل أنه نفى أن يكون يعلم ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويحتمل أنه نفى أن يكون ذلك مستحباً بالكلية ؛ فإنه إذا لم يكن عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء ، فإنه يقتضي التوقف في استحبابه .\rوفي سماع الزهري لهذا الحديث من طاوسٍ نظرٌ ، ولعله بلغه عنه ؛ فإنه كانَ كثير الإرسال .\r* * *","part":6,"page":164},{"id":1352,"text":"7- باب\rيلبس أحسن ما يجد\r886- حدثنا عبد الله بن يوسف :أنا مالكٌ عن نافعٍ عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلةً سيراء عند باب المسجد فقال يا رسول الله لو اشتريت هذه ، فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخره ))- وذكر بقيه حديث .\rوقد خرَّجه بتمامه في (( اللباس )) وغيره .\rوالمقصود منه هاهنا : أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر على ما ذكره من التجمل بحسن اللباس للجمعة والظاهر : أن ذلك كان عادته - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلهذا قال له عمر ما قال وإنما امتنع من هذه الحلة لإنها كانت حريراً خالصاً أو أكثرها حريرٌ وقد قيل :أن السيراء نوعٌ من البرود ، يخالطة حريرٌ ، سمي سيراء لتخطيطٍ فيه ، والثوب المسير الذي فيه سيرٌ ، أي: طرائق .\rوقال الخطابي : الحله السيراء هي المضلعة بالحرير ، وسميت سيراء لما فيها من الخطوط التي تشبه السيور.\rوفي حديث عبد الله بن وديعه عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ((من اغتسل يوم الجمعه فأحسن الغسل ،ثم لبس من صالح ثيابه ))- وذكر بقيه الحديث .\rخرَّجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وقد سبق ذكره .\rوخرّج أبو داود معناه من حديث أبي هريره وأبي سعيدٍ وعبد الله بن عمروٍ بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرج - أيضاً- من حديث يوسف بن سلام أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر\r(( ما على أحدكم إن وجد ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته )).\rوفي روايةٍ له : عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rوخرَّجه ابن ماجه وعنده :يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rوخرَّجه - أيضاً- من حديث عائشه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسنادٍ ضعيفٍ .\rوخرَّجه البيهقي من روايه حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفرٍ ، عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة .\rكذا رواه حفص بن غياثٍ عن حجاجٍ .\rورواه هشيم عن حجاج عن أبي جعفرٍ - مرسلاً- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ويعتم يوم العيدين.\rخرَّجه ابن سعدٍ في (( طبقاته )).\rوكذا خرَّجه عبد الرزاق ، عن ابن جريحٍ ، عن جعفرٍ، عن أبيه - مرسلاً.\rوهذا المرسل أشبه .\rوخرّج الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه عن علي بن حسينٍ عن ابن عباسٍ قالَ : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبس يوم العيد بردة حمراء .\rوهذا إلاسناد غير محفوظٍ .\rوخرّج الإمام أحمد من رواية فليح بن سليمان ، عن أبي بكرٍ بن المنكدر ، عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( حقٌ على كل محتلمٍ الغسل يوم الجمعه ، ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كان له طيبٌ مس منه )).\rكذا رواه فليحٌ ، إنما رواه أبو بكرٍ بن المنكدر ، عن عمرو بن سيلمٍ ، عن أبي سعيدٍ .","part":6,"page":165},{"id":1353,"text":"وقد خرَّجه البخاري فيما تقدم بغير هذا اللفظ.\rولا خلاف بين العلماء - فيما نعلمه- في استحباب لبس الثياب أجود الثياب لشهود الجمعة والأعياد .\rوروى وكيعٌ في (( كتابه )) عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : أدركت أشياخ الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانَ يوم الجمعه اغتسلوا ، ولبسوا أحسن ثيابهم ، وتطيبوا بأطيب طيبهم ، ثُمَّ راحوا إلى الجمعة .\r* * *","part":6,"page":166},{"id":1354,"text":"8- باب\rالسواك يوم الجمعة\rوقال أبو سعيدٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :يستن .\rحديث أبي سعيدٍ قد خرَّجه فيما سبق في (( باب : الطيب للجمعة )) ولفظه\r(( الغسل يوم الجمعة واجبٍ على كل محتلم ،وأن يستن ، وأن يمس طيباً إن وجد )).\rقال عمروٍ : أما الغسل ، فأشهد أنه واجبٌ وأما الطيب وإلاستنان فالله أعلم .\rوهذا مما استدل به جمهور العلماء على أن المراد بالوجوب هاهنا :تأكد الاستحباب ؛ لأنه قرنه بما ليس بواجبٍ اجماعاً وهو الطيب والسواك .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن إسحاق : حدثني محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة وأبي أمامة بن سهلٍ عن أبي هريرة وأبي سعيدٍ ، قالا: سمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( من اغتسل يوم الجمعة ، واستن ، ومس من طيب - إن كانَ عنده - ولبس أحسن ثيابه ثُمَّ جاء إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثُمَّ ركع ما شاء الله أن يركع ثُمَّ انصت إذا خرج إمامه حتَّى يصلي ، كانت كفارةً لما بينها وبين الجمعة التي كانت\rقبلها )) . يقول أبو هريرة : وثلاثة أيامٍ زيادةً ؛ لأن الله قد جعل الحسنة بعشر أمثالها .\rوفي إسناده اختلافٌ .\rوروى مالكٍ في ((الموطإ)) عن ابن شهاب ، عن عبيد بن السباق ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في جمعة من الجمع -: ((يا معشر المسلمين ، أغتسلوا ، ومن كان عنده طيبٌ فلا يضره أن يمس منه ، وعليكم بالسواك )) .\rوقد روي عن الزهري ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوالمرسل : هو الصحيح .\rورواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عبيد بن السباق ، عن ابن\rعباسٍ ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rخرَّجه ابن ماجه .\rولا يصح -أيضاً- ، والصحيح : رواية مالكٍ .\rويدل عليه : إنكار ابن عباسٍ للطيب ، كما سبق عنه .\rوخرّج الإمام أحمد من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن رجلٍ من الأنصار من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((حقٌ على كل مسلمٍ أن يغتسل يوم الجمعة ، ويتسوك ، ويمس من طيب أن كان لاهله )) .\rوخرَّجه بهذا إلاسناد موقوفاً -أيضاً .\rوروي -أيضاً - عن ثوبان ، عن أبي سعيدٍ الخدري - مرفوعاً .\rوروي عن ابن ثوبان ، عن رجلٌ ، عن أبي سعيدٍ الخدري -مرفوعاً وموقوفاً .\rوعن أبي زرعة وأبي حاتمٍ : أن الموقوف أصح .\rخرّج البخاري في هذا الباب أحاديث ثلاثة ، في السواك للصلاة ، ولكن لا اختصاص لها بالجمعة :\rالحديث الأول :\r887-ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالكٌ ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((لولا أن أشق على أمتي -أو على الناس - لأمرتهم بالسواك مع كل صلاةٍ )) .\rوفيه : دليلٌ على أن الحرج والمشقة مرفوعاًن عن هذه الأمة ، كما قال تعالى : { مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج : 78] .","part":6,"page":167},{"id":1355,"text":"وقد سبق ذكر ذلك في تأخير عشاء الآخرة ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب تأخيرها ، ولولا المشقة على أمته لجعل وقتها ثلث الليل أو نصفه .\rوفيه : دليل على أن السواك ليس بفرض كالوضوء للصلاة ، وبذلك قال جمهور العلماء ، خلافاً لمن شذ منهم من الظاهرية .\rوقد حكي عن إسحاق ، أنه لو تركه عمداً اعاد الصلاة .وقيل : أنه لا يصح عنه.\rوهذا الحديث : نص على أنه غير واجبٍ على الأمة ؛ فإن المراد : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك أمر فرضٍ وأيجابٍ ، لا أمر ندبٍ واستحبابٍ ؛ فإنه قد ندب اليه واستحبه ، ولكن لم يفرضه ، ولم يوجبه .\rوقد صرح بذلك في حديث آخر :\rخرَّجه الإمام أحمد من حديث تمام بن العباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك ، كما فرضت عليهم الوضوء )) .\rوخرّج ابن أبي شيبة نحوه من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن رجلٍ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rويروى نحوه من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيدٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوفي الحديث : دليل على استحباب السواك مع كل صلاةٍ ، فدخل في ذلك صلاة الجمعة وغيرها .\rوالسواك مع الصلاة نوعان :\rأحدهما : السواك مع الوضوء للصلاة ، وقد سبق ذكره في ((الطهارة )) .\rوالثاني : السواك للصلاة عند القيام إليها .\rوقد خرّج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث زيد بن خالدٍ الجهني ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل\rصلاةٍ )) فكأن زيد بن خالدٍ يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب ، لا يقوم إلى صلاةٍ إلا استن ، ثم رده إلى موضعه .\rوقال الترمذي : حسنٌ صحيحٌ .\rوهذا مذهب الشافعي وأصحابنا .\rوروى أبو يحيى الحماني ، عن أبي سعدٍ ، عن مكحولٍ ، عن واثلة بن الأسقع ، قال : كان أناسٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يربطون مساويكهم بذوائب سيوفهم ، فاذا حضرت الصلاة استاكوا ، ثم صلوا .\rخرَّجه البيهقي في ((صلاة الخوف )) من ((سننه)) .\rوقال : أبو سعدٍ البقال ، غير قوي .\rوقد أنكر طائفة من العلماء السواك عند إرادة الصلاة المفروضة في المسجد ، وقالوا : ليس فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل للتهجد في بيته .\rوحكي عن مالكٍ ، أنه يكره السواك في المساجد ، والذي رأيناه في ((تهذيب المدونة )) : أنه يكره أن يأخذ المعتكف من شعره أو أظفاره في المسجد ، وإن جمعه\rوألقاه ؛ لحرمة المساجد .\rوقد روي عن عثمان بن عفان ، أنه كانَ يخطب يوم الجمعة ، فذكر أنه لم\rيستك ، فنزل فاستاك .\rوهذا يدل على أنه إنما نزل ليستاك خارج المسجد ، وأنه رأى السواك في الجمعة عند الوضوء لا عند الصلاة .\rوخرج الحاكم في ((أماليه)) من رواية أبي ايوب الأفريقي ، عن صالح بن أبي","part":6,"page":168},{"id":1356,"text":"صالح ، أظنه عن أبيه ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من بيته لشيءٍ من الصلوات حتى يستاك .\rوهذا غريبٌ .\rويستدل به : على أنه إنما كان يستاك في بيته قبل خروجه إلى المسجد .\rالحديث الثاني :\r888-نا أبو معمر : نا عبد الوارث : نا شعيب : نا أنس بن مالكٍ ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( قد أكثرت عليكم في السواك )) .\rالمراد بإكثاره عليهم في السواك : كثرة حثهم عليه ؛ وترغيبهم فيهِ ، بذكر فضله .\rوقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ : (( السواك مطهر للفم ، مرضاة للرب )) .\rوقد علقه البخاري في موضع آخر ، ويأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى .\rوقدروي عنه - صلى الله عليه وسلم - ، أنه أكثر عليه في امره بالسواك :\rففي (( مسند الإمام أحمد )) من رواية إبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن\rعباسٍ . أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لقد أمرت بالسواك ، حتى خشيت أن يوحى الي فيه )) .\rالتميمي ، اسمه : أربد ، ويقال : أربدة .\rومن حديث واثلة بن الأسقع ،قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( أمرت بالسواك ، حتى خشيت أن يكتب علي )) .\rوفي إسناده : ليث بن أبي سليمٍ .\rويستدل به : على أن السواك لم يكن واجباً على النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد قيل : إنه كان واجباً عليه .\rوخرّج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن حنظلة بن الغسيل ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أمر بالوضوء لكل صلاة ، طاهراً كان أو غير طاهرٍ ، فلما شق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالسواك عند كل صلاة ، ووضع عنه الوضوء ، إلا من حدثٍ .\rوخرَّجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما )) والحاكم .\rوقال : على شرط مسلم .\rوليس كما قال .\rوخرَّجه البزار في (( مسنده )) ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالوضوء عند كل صلاةٍ ، فلما شق عليهم أمر بالسواك عند كل صلاة .\rوقد روي من حديث عنبسة -مرفوعاً- أن السواك كان عليه فريضةً ، وهو لأمته تطوعٌ .\rخرَّجه الطبراني .\rولا يصح إسناده . والله أعلم .\rالحديث الثالث :\r889-نا محمد بن كثير : نا سفيان ، عن منصور وحصين ، عن أبي وائلٍ ، عن حذيفة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يشوص فاه .\rقد سبق هذا الحديث في (( الطهارة )) من رواية جريرٍ ، عن منصورٍ وحده ، وسبق الكلام على معناه مستوفى .\r* * *","part":6,"page":169},{"id":1357,"text":"9-بابٌ\rمن تسوك بسواك غيره\r890- حدثنا إسماعيل : حدثني سليمان بن بلال : قال هشام بن عروة : أخبرني أبي ، عن عائشة ، قالت : دخل عبد الرحمن بن أبي بكرٍ ، ومعه سواكٌ يستن به ، فنظر اليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، فقلت له : أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن ، فاعطانيه ، فقصمته ، ثم مضغته ، فاعطيته رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، فاستن به ، وهو مستند إلى صدري .\rيروي : ((فقصمته )) بفتح الصاد المهملة ، أي : كسرته ، فأبنت منه الموضع الذي كان استن به عبد الرحمن ، والقصأمة : ما يكسر من رأس السواك .\rهذا هو الذي ذكره الخطابي ، وقال : أصل القصم : الدق .\rويروى : (( فقصمته )) ، بكسر الضاد المعجمة ، من القضم ، وهو العض بالأسنان ، ومنه : الحديث : (( فيقضمهما كما يقضم الفحل )) .\r[ ... ] الإستياك بسواك غيره في ((باب : دفع السواك إلى الأكبر )) من ((كتاب الطهارة )) فأغنى عن إعادته هاهنا .\rوفي الحديث : دليلٌ على أن إلاستياك سنةٌ في جميع الأوقات ، عند إرادة الصلاة وغيرها ، فإن استياك النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا السواك كان في مرض موته عند خروج نفسه ، ولم يكن قاصداً حينئذ لصلاةٍ ولا تلاوة .\rوقد قيل : إنه قصد بذلك التسوك عند خروج نفسه الكريمة ؛ لأجل حضور الملائكة الكرام ، ودنوهم منه لقبض روحه الزكية الطاهرة الطيبة .\rوقد أمر سلمان الفارسي -رضي الله عنه - امرأته عند احتضاره أن تطيب موضعه بالمسك ؛ لحضور الملائكة فيه ، وقال : أنه يزورني أقوام ، يجدون الريح ، ولا يأكلون الطعام -أو كما قال .\r* * *","part":6,"page":170},{"id":1358,"text":"10-باب\rما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة\r891-حدثنا أبو نعيمٍ ومحمد بن يوسف : ثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن -هو : ابن هرمز-، عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر يوم الجمعة { آلم تنزيل } السجدة ، { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ } [إلانسان :1] .\rهذا الحديث خرَّجه البخاري هاهنا ، وفي ((سجود القرآن )) .\rفي أحدهما : خرَّجه عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان -هو: الثوري .\rوفي الآخر : عن أبي نعيمٍ ، عن سفيان .\rوفي رواية محمد بن يوسف زيادة : ذكر السجدة .\rففي بعض النسخ في هذا الباب : رواية محمد بن يوسف ، وفي الآخر : رواية أبي نعيمٍ ، وفي بعضها-في الموضعين : -عن محمد بن يوسف .\rوإلاول : أصح . والله أعلم .\rوقد ذكر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في ((مستخرجه)) : أن البخاري خرَّجه في هذا الباب ، عن أبي نعيمٍ .\rوقد رواه يحيى القطان ، عن سفيان ، فقال في حديثه : وفي الثانية { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ } [الغاشية:1] .\rخرَّجه من طريقه إلاسماعيلي في ((صحيحه)) .\rوالظاهر : أن ذلك وهمٌ منه .\rوقد روي هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية جماعةٍ من الصحابة ، ولم يخرجه البخاري إلاّ من هذا الوجه .\rوخرَّجه مسلم منه ، ومن حديث ابن عباسٍ -أيضاً.\rوقوله: (( كان يقرأ )) يدل على تكرر ذلك منه ، ومداومته عليه .\rوقد روي ، أنه كان يديم ذلك :\rخرَّجه الطبراني من طريق عمروٍ بن قيس الملائي ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرا في صلاة الصبح يوم الجمعة { آلم تنزيل } السجدة و { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ } [الإنسان:1] .\rيديم ذلك .\rورواته كلهم ثقاتٌ ، إلا أنه روي عن أبي إلاحوص مرسلاً.\rوإرساله أصح عند البخاري وأبي حاتم والدارقطني .\rوقد خرَّجه ابن ماجه من وجه أخر عن أبي الأحوص ،عن عبد الله ، موصولاً -أيضاً- ، بدون ذكر المداومة .\rوقد اختلف العلماء في قرءاة سورةٍ معينةٍ في صلاةٍ معينةٍ .\rفكرهة طائفة ، وحكي عن أبي حنيفة ومالك .\rولم يكرهه الأكثرون ، بل استحبوا منه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوممن استحب قراءة سورة { آلم } سورة السجدة و { هلْ أَتَى } في صلاة الفجر يوم الجمعة : الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وسليمان بن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث .\rوهذا هو المروي عن الصحابة ، منهم : عليٌ وابن عباسٍ وأبو هريرة .\rثم اختلفوا : هل يستحب المداومة على ذلك في كل جمعةٍ ؟\rفقال بعضهم : لا يستحب ذلك ، بل يستحب فعله أحياناً ، وهو قول الثوري وأحمد -في المشهور عنه-وإسحاق .\rوعللا بأنه يخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه ، وان صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة ، أو أنها ثلاث ركعات ، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض من هو مفرطٌ في الجهل .","part":6,"page":171},{"id":1359,"text":"وقال الأكثرون : بل يستحب المداومة عليه ، وهو قول الشافعي ، وسائر من سمينا قوله .\rوهو ظاهر ما نقله اسماعيل بن سعيدٍ الشالنجي عن أحمد ؛ فإنه قالَ : سألته عن القراءة في الفجر يوم الجمعة ؟ فقال : نراه حسناً ، أن تقرأ { آلم تنزيل } السجدة ،\rو { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ } [الإنسان:1] .\rورجحه بعض أصحابنا ، وهو الأظهر .\rوكان السلف يداومون :\rقال الأعرج : كان مروان وأبو هريرة يقرءان في صلاة الصبح بـ { آلم تنزيل } سورة السجدة و { هلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ } [إلانسان:1] .\rوقال الشعبي : ما شهدت ابن عباسٍ قرأ يوم الجمعة إلا { تنزيل } و { هلْ أَتَى } [الإنسان:1] .\rخرَّجه ابن أبي شيبة .\rواعتقاد فرضية ذلك بعيدٌ جداً ، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة ، واتباع عمل الصحابة .\rوكان كثيرٌ من السلف يرى أن السجدة مقصودةٌ قراءتها في فجر يوم الجمعة :قال سعيدٍ بن جبيرٍ : ما صليت خلف ابن عباسٍ يوم الجمعة الغداة إلا قرأ سورة فيها سجدةً .\rوعن ابن عوان ، قال : كانوا يقرءون يوم الجمعة سورة فيها سجدةٌ ، قال : فسألت محمداً -يعني : ابن سيرين -، فقال : لا أعلم به بأساً .\rوعن النخعي ، أنه صلى بهم يوم جمعة الفجر ، فقرأ بـ { كهيعص } [مريم :1] .\rخرج ذلك ابن أبي شيبة في ((كتابه)) .\rونقل حربٌ ، عن إسحاق ، قال : لا بأس أن يقرأ الإمام في المكتوبة سورة فيها سجدةٌ ، وأحب السور الينا { آلم تزيل } السجدة ، { هلْ أَتَى } [إلانسان:1] ، ويقرأ بهما في الجمعة ، ولابد منهما في كل جمعة ، وان أدمنهما جاز .\rوهذا يدل على أنه يستحب قراءةٌ فيها سجدةٌ ، وافضلها { آلم تنزيل } .\rوروى أبو بكرٍ بن أبي داود باسناده ، عن ابن عباسٍ ، قال : غدوت على\rرسول الله- صلى الله عليه وسلم - يوم جمعة في صلاة الفجر، فقرأ في الركعة الأخيرة سورةً من المئين فيها سجدةٌ ، فسجد فيها .\rوقد روي عن أحمد ما يشهد لهذا -أيضاً- ، وأن السجدة مقصودة في صلاة الفجر يوم الجمعة ؛ فإن أبا جعفر الوراق روى ، أن أحمد صلى بهم الفجر بوم الجمعة ، فنسي قراءة آية السجدة ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو .\rقال القاضي أبو يعلى : إنما سجد للسهو ، لأن هذه السجدة من سنن الصلاة ، بخلاف بقية السجداًت في الصلاة ؛ فإنها من سنن القراءة .\rوقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا والشافعية : أن تعمد قراءة سورة سجدة غير { آلم تنزيل } في فجر الجمعة بدعةٌ، وقد تبين أن الأمر بخلاف ذلك .\rوقدصلى الإمام أحمد صلاة الفجر يوم الجمعة بـ { آلم } السجدة ، وسورة\r{ عبس } ، وهذا يدل -أيضاً- على أن ابدال { هلْ أَتَى } بغيرها غير مكروه .\rوفي هذه الصلاة نسي قراءة السجدة ، وسجد سجدتي السهو ، وهو يدل على أن من نسي أن يسجد في صلاته للتلاوة لم يعد السجود بعد فراغه من الصلاة،وقد صرح به أصحابنا .\rقال القاضي أبو يعلى في (( الجامع الكبير )) : ظاهره : أن من نسي سجود التلاوة سجد للسهو ،كما إذا نسي دعاء القنوت .","part":6,"page":172},{"id":1360,"text":"قال : ولا يلزم على هذا بقية سجود التلاوة في غير صلاة ؛ لأنه يحتمل أن يقال فيه مثل ذلك ، ويحتمل أن يفرق بينهما ، بأن الحث والترغيب وجد في هذه السجدة اكثر ،وهو مداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقراءتها .انتهى ما ذكره .\rوالتحقيق في الفرق : ما ذكره في موضعٍ آخر : أن السجدة في فجر يوم الجمعة من سنن الصلاة ، فهي كقنوت الوتر، وفي غيرها من سنن القراءة التي لا تختص بالصلاة .\rوممن قال : إن من نسي السجود للتلاوة في صلاته سجد للسهو إذا قضى صلاته : حمادٌ وابن جريجٍ -: ذكره عبد الرزاق عنهما في ((كتابه)) ، ولم يفرق بين سجدة يوم الجمعة وغيرها ، ويحتمل أن مذهبهما وجوب سجود التلاوة ، فيجبره إذا نسيه بسجود السهو .\rومذهب مالكٍ : أن نسي سجودها في الركعة الأولى من النافلة حتَّى يرفع رأسه من ركوعه ، قالَ : فأحب الي أن يقرأها في الثانية ، ويسجدها ، ولا يفعل ذَلِكَ في الفريضة ، وإن ذكرها وهو راكعٌ في الثانية من النافلة تمادى ، ولا شيء عليهِ ، إلا أن يدخل في نافلة اخرى ، فإذا قام قرأها وسجد .\rذكره في ((تهذيب المدونة)) ، ولم يذكر لذلك سجود سهوٍ.\rوعند أصحاب الشافعي : إذا نسي سجود التلاوة حتَّى سلم ، فإن لم يطل الفصل سجد للتلاوة بعد سلامه ، وان طال ففي قضاء السجود لهم قولان .\rوأما من أوجب السجود للتلاوة ، فقالَ سفيان فيمن قرأ سجدةً ، فركع ناسياً ، فذكر في آخر صلاته : سجدها ، ثُمَّ ركع .\r* * *","part":6,"page":173},{"id":1361,"text":"11-باب\rالجمعة في القرى والمدن\rفيه حديثان :\rأحدهما :\rقال :\r892-نا محمد بن المثنى : نا أبو عامرالعقدي : نا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباسٍ ، قال : أن أول جمعة جمعت في الأسلام -بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين .\rقد ذكرنا هذا الحديث في أول ((كتاب الجمعة)) ، وذكرنا بعض الأختلاف في إسناده ومتنه ،وأن معناه : أنه لم يجمع في الأسلام بعد التجميع بالمدينة إلا في مسجد عبد القيس بالبحرين ، فكأن أول بلدٍ أقيمت الجمعة فيه المدينة ، ثم بعدها قرية جوثاء بالبحرين .\rوهذا يدل على أن عبد القيس أسلموا قبل فتح مكة ، وجمعوا في مسجدهم ، ثم فتحت مكة بعد ذلك ، وجمع فيها .\rوالمقصود : أنهم جمعوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في قرية جواثاء ، وإنما وقع ذلك منهم باذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمره لهم ؛ فإن وفد عبد القيس أسلموا طائعين ، وقدموا راغبين في إلاسلام ، وسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مهمات الدين ، وبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قواعد إلايمان وأصوله ، وقد سبق ذكر حديثهم في ((كتاب الإيمان)) .\rفيدل ذلك على جواز إقامة الجمعة بالقرى ، وأنه لا يشترط لإقامة الجمعة المصر الجامع ، كما قاله طائفة من العلماء.\rوممن ذهب إلى جواز إقامة الجمعة في القرى : عمر بن عبد العزيز وعطاءٌ ومكحولٌ وعكرمة والأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوروى القناد ، عن سفيان نحوه .\rوكان ابن عمر يمر بالمياه بين مكة والمدينة ، فيرى أهلها يجمعون ، قلا يعيب عليهم .\rذكره عبد الرزاق ، عن العمري ، عن نافعٍ ، عنه .\rوروى ابن المبارك ، عن أسامة بن زيدٍ ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر : لا جمعة في سفر ، ولا جمعة إلا في مصر جامع .\rوهذا -مع الذي قبله - يدل على أنه أراد بالمصر القرى .\rوروى الأثرم بإسناده ، عن أبي ذر ، أنه كان يجمع بالربذة مع الناس .\rوقالت طائفة : لا جمعة إلا في مصرٍ جامعٍ ، روي ذلك عن علي ، وبه قال النخعي والثوري - في المشهور عنه - وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن .\rوقال الحسن وابن سيرين : لا جمعة إلا في مصرٍ .\rوقد روي عن علي خلاف ذلك ، روى وكيعٌ ، عن قيس بن الربيع ، عن طالب بن السميدع ، عن أبيه ، أن علياً جمع بالمدائن .\rوعن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، أن حذيفة جمع بالمدائن .\rوعن شعبة ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أبي رافعٍ ، عن أبي هريرة ، قال : كتبت إلى عمر بن الخطاب أسأله عن الجمعة بالبحرين ، فكتب الي : أن اجمعوا حيثما كنتم .\rقال الإمام أحمد :هذا إسنادٌ جيدٌ .\rوروى وكيعٌ باسناده ، عن النخعي ، أنه جمع بحلوان .\rوهذا كله يدل على أن من قال : لا جمعة إلا في مصرٍ جامعٍ ، فإنه أراد بذلك القرى التي فيها والٍ من جهة الإمام ، فيكون مراده : أنه لا جمعة إلا بإذن الإمام في مكان له فيه نائب يقيم الجمعة بإذنه .\rوبذلك فسره أحمد في روايةٍ عنه .","part":6,"page":174},{"id":1362,"text":"وكذلك روى عن محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- تفسير المصر : أن الإمام إذا بعث إلى قرية نائبا له لإقامة الحدود ، فهو مصرٌ ، فلو عزله ألحق بالقرى .\rوروي نحوه عن أبي يوسف ، وعن أبي حنيفة -أيضاً .\rقال أحمد : المصر إذا كان به الحاكم ، ولا يقال للقرى : مصرٌ .\rوقال إسحاق : كل قرية فيها أربعون رجلاً يقال لها :مصرٌ .\rوهذا بعيدٌ جداً .\rوعن سفيان روايتان في تفسير المصر :\rإحدهما : أنه كل مصرٍ فيه جماعةً وإمامٌ .\rوالثانية-نقلها عنه ابن المبارك -: أن المصر الجامع ما عرفه الناس أنه جامعٌ .\rوقال عمرو بن دينارٍ : سمعنا : أن لا جمعة إلا في قريةٍ جامعةٍ.\rوعنه ، قال : إذا كان المسجد تجمع فيه الصلوات فلتصل فيه الجمعة .\rوقد تقدم حديث كعب بن مالك ، أن أول جمعةٍ جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم من حرة بني بياضة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع أول ما قدم المدينة في مسجد بني سالم .\rوهذه كلها في حكم القرى خارج المدينة .\rالحديث الثاني :\r893-نا بشر بن محمد : أنا عبد الله بن المبارك : أنا يونس ، عن الزهري ، قال : أخبرني سالمٌ ، عن ابن عمر ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((كلكم راع )) .\rوزاد الليث : قال يونس : كتب رزيق بن حكيم الىابن شهابٍ ، وأنا معه يومئذ بوادي القرى : هل ترى أن أجمع ؟ ورزيقٌ عاملٌ على أرض يعملها ، وفيها جماعةً من السودان وغيرهم ، ورزيقٌ يومئذ عاملٌ على أيلة ، فكتب ابن شهاب-وأنا اسمع - يامره أن يجمع ، يخبره أن سألما حدثه ، أن عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته ، الإمام راع ومسول عن رعيته )) -وذكر بقية الحديث .\rوالمقصود منه : أن الزهري استدل بهذا الحديث -في رواية الليث ، عن يونس ، عنه ، التي ذكرها البخاري تعليقاً - على أن الأمير في البلدان والقرى - وإن لم يكن من الأمصار الجامعة - أن يقيم الجمعة لأهلها ، لأنه راع عليهم ، ومسئول عنهم ، ومما يجب عليه رعايته : أمر دين رعيته ، واهمه الصَّلاة .\rوقال الخطابي : فيه دليلٌ على جواز إقامة الجمعة بغير سلطانٍ .\rوفيما قاله نظر ؛ وابن شهابٍ إنما استدل به على أن نائب السلطان يقيم الجمعة لأهل بلدته وقريته، وان لم يكن مصراً جامعاً ، ولا يتم إلاستدلال بذلك حتَّى يقوم دليل على جواز اقأمة الجمعة في غير الأمصار الجامعة ، وإلا فاذا اعتقد الإمام أو نائبة أنه لا جمعة إلا في مصر جامع ، ولم يقم الجمعة في قريته وبلدته الصغيرة ؛ فإنه لا يلام على\rذلك ، ولا يأثم أهل قريته وبلدته بترك الجمعة في هذه الحال .\rقال أحمد- في الإمام إذا لم يول عليهم من يصلي بهم الجمعة -: ليس عليهم في ذلك إثمٌ .\rوروى حجاج بن أرطاة ، عن الزهري ، قال : كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ناس من أهل المياه ، بين مكة والمدينة ، أن يصلوا الفطر والأضحى ، وأن يجمعوا .\rخرَّجه حربٌ الكرماني وغيره .","part":6,"page":175},{"id":1363,"text":"وهو مرسلٌ ضعيفٌ ، وحجاجٌ مدلسٌ ، ولم يسمع من الزهري .\r* * *","part":6,"page":176},{"id":1364,"text":"12-باب\rهل على من لم يشهد الجمعة غسلٌ من النساء والصبيان وغيرهم ؟\rوقال ابن عمر : إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة .\rمراده : أن من لا يلزمه شهود الجمعة من النساء والصبيان وغيرهم كالمسافرين ، هل عليهم غسلٌ ، أم لا ؟\rوالمعنى : هل يلزمهم الغسلٌ على قول من يرى الغسلٌ واجباً ، أو يستحب لهم على قول من يراه مستحباً ؟\rوقد ذكر عن ابن عمر -تعليقاً- ، أنه قالَ : إنما الغسلٌ على من تجب عليهِ\rالجمعة .\rوروى وكيعٌ : نا خالج بن عبد الرحمن بن بكيرٍ ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، قال : إنما الغسلٌ على من أتى الجمعة .\rيعني : ليس على النساء جمعةٌ .\rوروى عبد الرزاق بإسناده ، عن سالمٍ ونافعٍ ، أن ابن عمر كان لا يغتسل في السفر يوم الجمعة .\rوإنما ذهب ابن عمر إلى هذا ، تمسكاً بما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ((من أتى الجمعة فليغتسل )) ، فحمله على أن المراد : من لزمه إتيان الجمعة فليغتسل ، وهو أعلم بما روى ، وأفهم له .\rوقد فهم آخرون منه أنه: من أراد إتيان الجمعة فلغتسل ، سواء كان إتيانه للجمعة واجباً عليه ، أو غير واجبٍ ، وأما من لم يرد إتيانها كالمسافر والمريض المنقطع في بيته ، ومن لا يريد حضور الجمعة من النساء والصبيان ، فلم يدل الحديث على غسل أحدٍ\rمنهم .\rوقد ذهب إلى أنهم يغتسلون للجمعة طائفةٌ من العلماء ، فصارت إلاقوال في المسألة ثلاثةٌ :\rاما اختصاص الغسلٌ بمن تلزمه الجمعة .\rأو بمن يريد شهود الجمعة ، سواءٌ لزمته ، أو لا .\rوأما أنه يعم الغسلٌ كل مكلف يوم الجمعة ، سواءٌ أراد شهودها ،أو لم يرده .\rوالقول الأول -: وجه لأصحابنا ،وهوظاهر اللفظ الذي ذكره البخاري عن ابن عمر -تعليقاً- ، وتبويب البخاري يدل على اختياره .\rوالثاني -: هو قول الأكثرين ، كمالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، إلا أن أحمد استثنى منه المرأة خاصة ، الحاقا لغسلٌها بتطيبها ، وهي منهيةٌ عنه إذا حضرت المسجد .\rواستحبه الآخرون ، وبعض أصحاب أحمد ، حيث لم يكن خروجها للجمعة مكروهاً .\rوقال عطاءٌ والشعبي : ليس على المسافر غسلٌ يوم الجمعة .\rوأما القول الثالث - : فهو قول طائفة من العلماء ، أن كان من أهل وجوب الجمعة ، وإن كان له عذر يمنع الوجوب ؛ فإنه يغتسل يوم الجمعة ، مريضاً كان أو مسافراً ، أو غير ذلك .\rوروي عن طلحة بن عبيد الله ومجاهدٍ وطاوسٍ وسعيدٍ بن جبير ،وهو قول إسحاق وأبي ثورٍ ، ووجهٌ للشافعية .\rولهم وجه آخر : يسن لكل أحدٍ ، مكلفاً كان بها أو غير مكلف ، كفسل العيد ، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ((حقٌ على كل مسلمٍ أن يغتسل في سبعة أيامٍ يوماً )) ، وسيأتي ذكره .\rوروى الحسن ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاه بثلاثٍ ، لا يدعهن في حضرٍ ولا سفرٍ ، فذكر منها : ((والغسلٌ يوم الجمعة )) .\rخرَّجه الإمام أحمد .\rوالحسن ، لم يسمع من أبي هريرة ، على الصحيح عند الجمهور .","part":6,"page":177},{"id":1365,"text":"والمعروف : حديث وصية أبي هريرة بثلاثٍ ، ليس فيها : ((غسلٌ الجمعة )) ، كما يأتي في موضعه -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rواستدل الأكثرون بقوله : ((من أتى الجمعة فليغتسل )) .\rوفي رواية : ((إذا أراد أن يأتي الجمعة فلغتسل )) .\rوبأن الغسل مقرونٌ بالرواح إلى الجمعة في غير حديث ، وهذا مقيد ، فيقضي على المطلق .\rولأنه شرع للنظافة ؛ لئلا يؤذي الحاضرون بعضهم بعضاً بالرائحة الكريهة ، وهذا غير موجود في حق من لا يحضر الجمعة .\rخرج في هذا الباب خمسة أحاديث :\rالحديث الأول :\r894-نا أبو اليمان : أنا شعيبٌ ، عن الزهري : حدثني سالم بن عبد الله ، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( من جاء منكم الجمعة فليغتسل )) .\rلما كان الخطاب في هذا للرجال لمن جاء منهم الجمعة ، دل على أنه لا غسل على من لا يأتي منهم الجمعة ، كالمسافر والمريض والخائف على نفسه ، ولا على من ليس من الرجال ، كالنساء والصبيان ؛ فإن الصبيان لا يدخلون في خطاب التكليف .\rالحديث الثاني .\r895-حديث: أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : (( غسلٌ يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلمٍ )) .\rخرَّجه : عن القعنبي ، عن مالكٍ .\rوقد سبق إسناده .\rويستدل به على أن من لم يبلغ الحلم فلا غسلٌ عليه .\rالحديث الثالث :\r896-نا مسلم بن إبراهيم : نا وهيبٌ ، عن ابن طاوسٍ ، عن أبيه ، عن أبي\rهريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( نحن الآخرون السابقة يوم القيامة ، أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأتيناه من بعدهم ، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه ، وهدانا الله اليه ، فغداً\rلليهود ، وبعد غد للنصارى )) .\r897-فسكت ، ثم قال : ((حقٌ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام\rيوماً ، يغسلٌ فيه رأسه وجسده )) .\r898-رواه أبان بن صالح ، عن مجاهدٍ ، عن طاوسٍ ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( الله تعالى على كل مسلم حق : أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً )) .\rإنما ذكر رواية أبان بن صالح المعلقة ؛ ليبين أن آخر الحديث -وهو :ذكر الغسلٌ -مرفوع إلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، لئلا يتوهم أن القائل : ((حقٌ على كل مسلمٍ )) في آخر حديث وهيبٍ ، عن ابن طاوسٍ ، عن أبيه - : هو أبو هريرة ، وأنه مدرج في آخر الحديث .\rوقد خرج مسلمٌ في ((صحيحه)) ذكر الغسلٌ من طريق وهيبٍ ، وصرح برفعه إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - .\rوتوهم آخرون : أن ذكر الغسل في آخر الحديث مدرج من قول أبي هريرة .","part":6,"page":178},{"id":1366,"text":"قال الدارقطني : رفعه أبان بن صالحٍ ، عن مجاهدٍ : عن طاوسٍ ، عن أبي هريرة ، واختلف عن عمروٍ بن دينار : فرفعه عمر بن قيس ، عنه .وقيل :عن شعبة ، عنه -مرفوعاً . وقيل :عنه -موقوفٌ . ورواه ابن جريجٍ وابن عيينة ، عن عمروٍ-موقوفاً. وكذلك رواه إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس -موقوفاً، وروي عن ابن جريجٍ ، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس -مرسلاً- ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح الموقوف على أبي هريرة .انتهى .\rولم يذكر رواية وهيبٍ المخرجة في ((الصحيحين )) .\rوكذا رواه أبو الزبير ، عن طاوسٍ ، عن أبي هريرة -موقوفاً .\rورواه داود بن أبي هند ، عن أبي الزبير ، عن جابر -مرفوعاً- : ((على كل رجلٍ مسلمٍ في كل سبعة أيامٍ غسل ))، وهو يوم الجمعة .\rخرَّجه الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) .\rوقال أبو حاتم الرازي : هو خطأ ، إنما هو -على ما رواه الثقات - :عن أبي الزبير ، عن طاوسٍ ، عن أبي هريرة -موقوفاً .\rوهذا الحديث هو الذي استدل به من قال : إن غسل الجمعة يكون لليوم لا لشهود الجمعة ، فيغتسل من حضر الجمعة ، ومنلم يحضرها ، كما سبق ذكره عنهم .\rواستدل بع بعضهم على أن الغسلٌ للأسبوع ، لا لخصوص يوم الجمعة ، وأن من اغتسل في الأسبوع مرةً كفاه من غسلٌ الجمعة .\rنقل حربٌ ، عن إسحاق ، قال : إن كان مغتسلاً سبعة أيام مرةً ، فجاء يوم الجمعة ، وقدكان غسلٌ رأسه واغتسل في كل سبعة أيامٍ مرةً جاز له ترك غسلٌ يوم الجمعة ؛ قال ذلك ابن عباسٍ ومن بعده ، أنهم كانوا يؤمرون بغسل رءوسهم وأجسادهم في كل سبعة أيام مرةً ، فحول الناس إلى يوم الجمعة.\rوقوله : ((يغسل رأسه وجسده)) يشير إلى أنه يعم بدنه بالغسل ، فإن الرأس إلى الغسلٌ [ ... ] لشعره ، وقد كانت لهم شعورٌ في رءوسهم .\rوعلي مثل هذا حمل طائفةٌ من العلماء قوله ((من غسل واغتسل )) ، فقالوا : غسل رأسه واغتسل في بدنه ، وقالوا : كانت للقوم جممٌ .\rالحديث الرابع :\r899-نا عبد الله بن محمد : نا شبابة : نا ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن\rمجاهدٍ ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد )) .\rوقد سبق من وجه أخر عن ابن عمر - بنحوه .\rالحديث الخامس :\r900-نا يوسف بن موسى : نا أبو اسأمة :نا عبيد الله بن عمر ،عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، قال : كانت امرأةٌ لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد ، فقيل لها : لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار ؟ قالت : فما يمنعه أن\rينهاني ؟ قالَ : يمنعه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله عز وجل)).\rومراده بهذين الحديثين في هذا الباب : أن إلاذن في خروج النساء إلى المساجد إنما كانَ بالليل خاصةً ، وحديث عمر يبين انهن إنما كن يخرجن كذلك ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ في (( باب : خروج النساء إلى المساجد في الليل والغلس )) .","part":6,"page":179},{"id":1367,"text":"وحينئذ ؛ فلا تكون الجمعة مما اذن لهن في الخروج اليها ؛ لانها منصلاة النهار ، لا من صلوات الليل ، وإنما أمر بالغسلٌ من يجيء إلى الجمعة ، كما في حديث ابن عمر المتقدم ، فيدل ذلك على أن المرأة ليست مأمورة بالغسلٌ للجمعة ، حيث لم يكن مأذونا لها بالخروج إلى الجمعة .\rوقد رود لفظٌ صريحٌ بالغسل للنساء يوم الجمعة .\rخرَّجه ابن حبان في (( صحيحه )) من طريق عثمان بن واقد العمري ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل )) .\rوخرَّجه بلفظٍ أخر ، وهو : ((الغسل يوم الجمعة على كل حالم من الرجال ، وعلى كل بالغٍ من النساء )) .\rوخرَّجه البزار في ((مسنده )) باللفظ الأول .\rوقال : أحسب عثمان بن واقدٍ وهم في هذا اللفظ .\rوعثمان بن واقدٍ هذا ، وثقه ابن معين ، وقال أحمد والدارقطني : لا بأس به .\rقال أبو داود : هو ضعيفٌ ، حدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل )) لا نعلم أن أحداً قال هذا غيره .\rيعني : أنه لم يتابع عليه ، وأنه منكرٌ لا يحتمل منه تفردا به .\r14-باب\rالرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر\r901-حدثنا مسددٌ : نا إسماعيل : أخبرني عبد الحميد -صاحب الزيادي -: نا عبد الله بن الحارث -ابن عم محمد بن سيرين -: قال ابن عباس لمؤذنه يوماً مطيراً : اذا قلت : ((أشهد أن محمداً رسول الله )) فلا تقل : ((حي على الصلاة)) ، قل : ((صلوا في بيوتكم )) ، فكان الناس استنكروا ، فقال : فعله من هو خيرٌ مني ، إن الجمعة عزمة ، وإني كرهت أن أخرجكم ، فتمشون في الطين والدحض .\rقد سبق هذا الحديث في موضعين : في((باب : الكلام في الأذان )) ، وفي ((أبواب الجماعة )) في ((باب : هل يصلي لمن حضر ، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر )) .\rوفي هذه الرواية : زيادةٌ ، وهي قوله : ((إن الجمعة عزمةٌ )) ، ولم يذكر فيما تقدم لفظ الجمعة .\rوقد قال الإسماعيلي في ((صحيحه)) : هذه اللفظة ما إخالها صحيحةً ، فإن في هذا الحديث بيان أن العزمة قوله : ((حي على الصلاة )) فكأن الدعاء إليها يوجب على السامع الإجابة ، ولا أدري هذا في الجمعة أو غيرها ، فلو كان المعنى : الجمعة عزمةٌ ، لكانت العزمة لا تزول بترك بقية الأذان ، لأن الجمعة قائمة ، وإن لم يدع إليها الناس ، والعزمة -إن شاء الله - هي الدعاء إلى الصلاة . والله أعلم .انتهى ما ذكره .\rولكن ذكر الخطبة يشهد لأنه كان في يوم جمعة .\rوقد ورد التصريح بان ذلك كان يوم جمعةٍ في رواياتٍ أخر :\rفخرج مسلمٌ ذكر الجمعة في هذا الحديث ، من طريق شعبة ، عن عبد الحميد .\rقال البيهقي : ورواه -أيضاً- معمر ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث . وذكره -أيضاً- وهيبً ، عن أيوب ، عن عبد الله بن الحارث .","part":6,"page":180},{"id":1368,"text":"والظاهر : أن المراد : أن الجمعة فرض عينٍ حتمٌ ، لا رخصة لأحدٍ في تركه ، إلا بإذن الإمام للناس في التخلف في الأذان ؛ فإن الأذان الذي بين يدي الإمام هوَ الموجب للسعي إليها على الناس ، فلذلك احتاج أن يرخص للناس فيهِ في التخلف .\rوقد ذكرنا فيما تقدم ، عن أحمد ، أنَّهُ قالَ : إذا قالَ المؤذن في أذانه : ((صلوا في الرحال )) فلك أن تتخلف ، وإن لم يقل ، فقد وجب عليك أذاً قالَ : ((حي على الصَّلاة ، حي على الفلاح )) .\rولم يفرق بين جمعةٍ وغيرها .\rوسبق ذكر حكم التخلف عن حضور الجمعة للمطر والوحل بما فيهِ كفاية .والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":181},{"id":1369,"text":"15-باب\rمن أين تؤتى الجمعة ، وعلى من تجبُ ؟\rلقول الله عز وجل : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة :9] .\rوقال عطاء : إذا كنت في قرية جامعةٍ ، فنودي بالصلاة من يوم الجمعة ، فحقٌ عليك أن تشهدها ، سمعت النداء أو لم تسمعه .\rوكان أنس بن مالكٍ في قصره ، أحيانا يجمع ، وأحياناً لا يجمع ،وهو بالزاوية على فرسخين .\rتضمن هذا الذي ذكره مسألتين :\rإحدهما :\rأن من هو في قرية تقام فيها الجمعة ، فإنه إذا نودي فيها بالصلاة للجمعة وجب عليه السعي إلى الجمعة ، وشهودها ، سواء سمع النداء أو لم يسمعه ، وقد حكاه عن\rعطاء .\rوهذا الذي فيالقرية ، إن كان من أهلها المستوطنين بها ، فلا خلاف في لزوم السعي إلى الجمعة له ، وسواءُ سمع النداء أو لم يسمع ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد ، ونقل بعضهم الاتفاق عليه .\rوإن كان من غير أهلها ، فإن كان مسافراً يباح له القصر ، فأكثر العلماء على أنه لا يلزمه الجمعة مع أهل القرية ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن المسافر لا جمعةٍ عليه .\rوحكي عن الزهري والنخعي ، أنه يلزمه تبعاً لأهل القرية .\rوروي عن عطاءٍ -أيضاً- ، أنه يلزمه .\rوكذا قال الأوزاعي : أن أدركه الأذان قبل أن يرتحل فليجب .\rوإن كان المسافر قد نوى إقامة بالقرية تمنعه من قصر الصلاة ، فهل يلزمه الجمعة ؟ وفيه وجهان لأصحابنا .\rوأوجب عليه الجمعة في هذه الحال : مالكٌ وأبو حنيفة ، ولم يوجبها عليه الشافعي وأصحابه .\rالمسألة الثانية :\rأن من كان خارج القرية أو المصر الذي تقام فيه الجمعة ، هل تلزمه الجمعة مع أهل القرية أو المصر ، أم لا ؟ هذا مما اختلف فيه العلماء :\rفقالت طائفةٌ : لا تلزم من كان خارج المصر أو القرية الجمعة مع أهله بحالٍ ، إذا كان بينهم وبين المصر فرجة ، ولو كانوا من ربض المصر .\rوهذا قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ، الحاقاً لهم بأهل القرى ، فإن الجمعة لا تقام عندهم في القرى .\rوقال أكثر أهل العلم : تلزمهم الجمعة مع أهل المصر أو القرية ، مع القرب دون البعد .\rثم اختلفوا في حد ذلك :\rفقالت طائفةٌ : المعتبر : إمكان سماع النداء ، فمن كان مو موضع الجمعة بحيث يمكنه سماع النداء لزمه ، وإلا فلا . هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق .\rواستدلوا : بظاهر قول الله تعالى : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة :9] .\rوروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب .\rوروي عن أبي أمامة الباهلي -معناه .\rوخَّرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :\r(( الجمعة على من سمع النداء )) .\rوروي موقوفاً ، وهو أشبه .","part":6,"page":182},{"id":1370,"text":"وروى إسماعيل ، عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاءٍ ، عن عبيد الله بن كعب بن مالكٍ ، عن أبيه -يرفعه- ، قال : ((لينتهين أقوامٌ يسمعون النداء يوم الجمعة ، ثم لا يشهدونها ، أو ليطبعن الله على قلوبهم ، وليكونن من الغافلين ، أو ليكونن من أهل النار )) .\rعبد العزيز هذا ، شامي تكلموا فيه .\rوقالت طائفةٌ : تجب الجمعة على من بينه وبين الجمعة فرسخٌ ، وهو ثلاثة أميالٍ ، وهوقول ابن المسيب والليث ومالكٍ ومحمد بن الحسن ، وهو رواية عن أحمد .\rومن أصحابنا من قال : لا فرق بين هذا القول والذي قبله ، لأن الفرسخ هو منتهى ما يسمع فيه النداء - غالباً- ، فإن أحمد قال : الجمعة على من سمع النداء ، والنداء يسمع من فرسخٌ ، وكذلك راواه جماعة عن مالكٍ ، فيكون هذا القول والذي قبله\rواحدا .\rوخرّج الخلال من رواية مندل ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((عسى أحدكم أن يتخذ الصبة على رأس ميلين أو ثلاثة ، تأتي عليه الجمعة لا يشهدها ، ثم تأتي الجمعة لا يشهدها -ثلاثاً- ، فيطبع على قلبه )) .\rمندل ، فيه ضعف .\rوخرّج الطبراني نحوه من حديث ابن عمر - مرفوعاً .\rوفي إسناده : إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وهو ضعيف .\rوروى معدي بن سليمان ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلا ، فيرتفع ، ثم تجئ الجمعة ، فلا يجيء ولا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه )) .\rخرّجه ابن ماجه .\rوخرّجه أبو بكر النحاد وابن عبد البر ، وفي روايتيهما : ((ميلين أو ثلاثة )) .\rومعدي هذا ، تكلم فيه أبو زرعة غيره ، وقال أبو حاتم : شيخ .\rوقالت طائفةٌ : تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميالٍ ؟، وروي عن ابن المنكدر والزهري وعكرمة وربيعة .\rوروي عن الزهري -أيضاً- تحديده بستة أميالٍ ، وهي فرسخان .\rوروي عن أبي هريرة ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين .\rخرّجه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف .\rوروى عبد الرزاق بإسناد منقطع ، عن معاذ ، أنه كان يقوم على منبره ، فيقول لقوم بينهم وبين دمشق أربع فراسخ وخمس فراسخ : إن الجمعة لزمتكم ، وأن لا جمعةٍ الا معنا .\rوبإسناد منقطع ، عن معاوية ، أنه كان يامر بشهود الجمعة من بينه وبين دمشق أربعة عشر ميلاً .\rوقال بقية : عن محمد بن زياد : أدركت الناس بحمص تبعث الخيل نهار الخميس إلى جوسية وحماة والرستن يجلبون الناس إلى الجمعة ، ولم يكن يجمع إلا بحمص .\rوعن عطاءٍ ، أنه سئل : من كم تؤتى الجمعة ؟ قال : من سبعة أميالٍ .\rوعنه ، قال : يقال : من عشرة أميالٍ إلى بريد .\rوعن النخعي ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين .\rوعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، أنه أمر أهل قباء ، وأهل ذي الحليفة ، وأهل القرى الصغار حوله : لا يجمعوا ، وأن يشهدوا الجمعة بالمدينة .","part":6,"page":183},{"id":1371,"text":"وعن ربيعة -أيضاً- ، أنه قال : تجب الجمعة على من إذا نودي بصلاة الجمعة خرج من بيته ماشياً أدرك الجمعة .\rوقالت طائفةٌ : تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله .\rقال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع مولى ابن عمر ، وكذلك قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور .انتهى .\rوهو قول أبي خيثمة زهر بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي .\rوحكى إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد نحوه ، واختاره الجوزاني .\rوفيه حديث مرفوع ، من حديث أبي هريرة .\rوقد ذكره الترمذي ، وبين ضعف إسناده ، وأن أحمد أنكره أشد الإنكار .\rوفيه-أيضاً- ، عن عائشة ، وإسناده ضعيف .\rوفيه -أيضاً- من مراسيل أبي قلابة ، وفي إسناده ضعف .\rوقالت طائفةٌ : تؤتى الجمعة من فرسخين ، قاله النخعي وإسحاق -: نقله عنه حرب .\rلكنهما لم يصرحا بوجوب ذلك ، وقد تقدم نحوه عن غير واحد .\rوخرّج حرب من طريق ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أنه كان يجمع من الزاوية ، وهي فرسخان .\rوروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، أنه كان يكون بينه وبين البصرة ثلاثة أميالٍ ، فيشهد الجمعة بالبصرة .\rوقد ذكر البخاري ، عنه ، أنه كان أحياناً لا يجمع .\rوكذلك روي عن أبي هريرة ، أنه كان بالشجرة -وهي ذو الحليفة -، فكان أحياناً يجمع ، وأحياناً لا يجمع .\rوقد روي عنه الأمران جميعاً .\rوكذلك سعد بن أبي وقاص ، كان في قصره بالعقيق ، فكأن أحياناً يجمع ، وأحياناً لا يجمع ، وكان بينه وبين المدينة سبعة أميالٍ أو ثمانية .\rوكذلك روي عن عائشة بنت سعد ، أن أباها كان يفعل .\rقال البخاري :\r902-نا أحمد : نا عبد الله بن وهبٍ : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، أن محمد بن جعفرٍ بن الزبير حدثه ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة -زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي ، فياتون في الغبار ، يصيبهم الغبار والعرق ، فيخرج منهم العرق ، فأتى إنسان منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم --وهو عندي - ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا )) .\r((أحمد )) هذا ، قد سبق الاختلاف فيه : هل هو ابن أخي ابن وهبٍ ، أو ابن صالح ، أو ابن عيسى التستري ؟\rوذكر أبو نعيم في ((مستخرجه)) : أنه ابن عبد الله.\rكذا قال ، ولم يبين من هو ؟\rوفي أكثر النسخ : ((فيأتون في الغبار )) ، وفي بعضها : ((في العباء )) ،وهو الأشبه .\rوفي النسخ : (( فيخرج منهم العرق )) ، وفي (( صحيح مسلم )) : (( فيخرج منهم الريح )) .\rوفيه-أيضاً-: (( العباء )) .\rوهذا من أوضح الأدلة على أن غسل الجمعة ليس بواجب ، حتى ولا على من له ريح تخرج منه ، وإنما يؤمر به ندباً واستحباباً ، لقوله : (( لو أنكم تطهرتم ليومكم\rهذا )) .","part":6,"page":184},{"id":1372,"text":"ومقصود البخاري من هذا الحديث : أن أهل العوالي كانوا يشهدون الجمعة مع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وليس في هذا ما يدل على وجوب الجمعة على من كانَ خارج المصر ، فإنه ليس فيهِ أمر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم بشهود الجمعة .\rوكذا ، ما خرّجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : إن أهل قباء كانوا يجمعون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rلكن قد روي عنه ، أنه أمرهم بذلك .\rخرّجه الترمذي من رواية إسرائيل ، عن ثوبر -هوَ : ابن أبي فاختة-،عن رجل من أهل قباء ، عن أبيه - وكان من أصحاب النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : أمرنا النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن نشهد الجمعة من قباء .\rوقال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه .\rقالَ : ولا يصح في هذا الباب شيء . انتهى ؟\rوثوير ، ضعيف الحديث : وشيخه مجهول .\rوقد خرّجه وكيع في ((كتابه)) عن إسرائيل ، به ، ولفظه : كنا نجمع من قباء- ولم يذكر : أمرهم بذلك .\rوقال الزهري : كانوا يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة .\rخرّجه ابن أبي شيبة وغيره .\rومراسيل الزهري ضعيفة .\rوقد ذكر الإمام أحمد أن بين ذي الحليفة والمدينة فرسخين ، وقال : كانوا يتطوعون بذلك من غير أن يجب عليهم .\rويشهد لقوله : أن أبا هريرةكان بذي الحليفة ، وكان أحياناً ياتي الجمعة ، وأحياناً لا يأتيها .\rوكذلك ذكر عمرو بن شعيب ، أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكون بالرهط ، فلا يشهد الجمعة مع الناس بالطائف ، وانما بينه وبين الطائف أربعة أميالٍ أو ثلاثة .\rخرّجه عبد الرزاق .\rوروى عطاءٍ بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، أنه كان يشهد الجمعة بالطائف من الرهط .\rوهذا يدل على أنه كان يشهدها أحياناً ، ويتركها أحياناً ، كما فعل غيره من الصحابة - رضي الله عنهم .\r* * *","part":6,"page":185},{"id":1373,"text":"16-باب\rوقت الجمعة إذا زالت الشمس\rوكذلك يروى عن عمر ، وعلي ، والنعمان بن بشيرٍ ، وعمرو بن حريثٍ .\rاما المروي عن عمر : فروى مالكٌ في ((الموطإ)) ، عن عنه أبي سهيل ، عن أبيه ، قال : كنت ارى طنفسةً لعقيل بن أبي طالبٍ يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي ، فاذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خَّرج عمر بن الخطاب فصلى الجمعة .قال : ثم نرجع بعد الجمعة فنقبل قائلة الضحى .\rوأما المروي عن عليّ : فمن طريق إسماعيل بن سميع ، عن أبي رزينٍ ،قال : صليت خلف علي بن أبي طالب الجمعة حين زالت الشمس .\rوأما المروي عن النعمان بن بشيرٍ وعمرو بن حريثٍ : فخرجه ابن أبي شيبة من طريق سماكٍ ، قال : كان النعمان بن بشيرٍ يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس .\rومن طريق الوليد بن العيزار ، قال : ما رأيت إماماً كان أحسن صلاةً للجمعة من عمرو بن حريث ، وكان يصليها إذا زالت الشمس .\rوقد روي هذا -أيضاً- عن معاذ بن جبل ، لكن من وجهٍ منقطعٍ .\rوهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : الحسن ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالكٌ ، والشافعي .\rوذهب كثير من العلماء إلى أنه يجوز إقامتها قبل الزوال ، وسنذكر ذلك فيما بعد - أن شاء الله تعالى.\rخَّرج البخاري في ها الباب ثلاثة احاديث :\rالحديث الأول :\r903-ثنا عبدان : أنا عبد الله -هو : ابن المبارك - : أنا يحيى بن سعيد ؟ أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة ، فقالت : قالت عائشة : كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم ،فقيل لهم : ((لو اغتسلتم)) .\rهذا مما يستدل به على أن الغسل للجمعة غير واجبٍ ، كما سبق .\rوالمراد بالمهنة : الخدمة ، وقضاء الحوائج والأشغال ، وذلك يوجب الوسخ والشعث .\rووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب : أن فيه ذكر رواح الناس إلى الجمعة ، والرواح إنما يكون بعد الزوال ، فدل على أن الجمعة إنما كانت تقام في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الزوال .\rوقد يقال : ذكر الرواح في هذا الحديث كذكر الرواح في قوله : (( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنةً)) - الحديث ، ولم يحمله أكثر العلماء على ما بعد\rالزوال ، كما سبق ، فالقول في هذا كالقول في ذاك .\rالحديث الثاني :\r904-نا سريج بن النعمان : ثنا فليح بن سليمان ، عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، عن أنس بن مالكٍ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس .\rومعنى (( تميل )) : أي تزول عن كبد السماء ، بعد استوائها في قائم الظهيرة.\rوهذا يدل على انهذه كانت عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - الغالبة ، ولا يدل على أنه لم يكن يخل بذلك .\rوقد قال أنسٌ : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس مرتفعةٌ.\rوقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس في حجرتي.\rوقال أبو برزة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الهجير حين تدحض الشمس -الحدث\rبطوله .","part":6,"page":186},{"id":1374,"text":"وإنما أرادوا : أن ذلك كان الغالب عليه ، وإلا فقد يؤخرها عن ذلك أحياناً ، كما أخرها لما سأله السائل عن مواقيت الصلاة ، وأخرها يوم الخندق ، وغير ذلك .\rالحديث الثالث :\r905-ثنا عبدان : أنا عبد الله : أنا حميد ، عن أنس : قال : كنا نبكر بالجمعة ، ونقيل بعد الجمعة .\rهذا ما يستدل به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال ، لأن التبكير والقائلة لايكون إلا قبل الزوال. وقد تقدم إنهم كانوا في عهد عمر يصلون معه الجمعة ، ثم يرجعون فيقيلون قائلة الضحى ، وهذا يدل على أن وقت الضحى كان باقياً .\rوكل ما استدل به من قال : تمنع إقامة الجمعة قبل الزوال ليس نصاً صريحاً في\rقوله ، وإنما يدل على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال أو على استحبابه ، إما منع إقامتها قبله فلا ، فالقائل بأقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة ، ويجمع بينها كلها ، ولا يرد منها شيئاً .\rفروى جعفر بن برقان ، عن ثابت بن الحجاج ، عن عبد الله بن سيدان ، قال : شهدت الجمعة مع أبي بكر الصديق، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ، ثم شهدتها مع عمر ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول : انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان ، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول : مال النهار ، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره .\rخرّجه وكيع في ((كتابه)) عن جعفر ، به .\rوخرّجه عنه ابن أبي شيبة في ((كتابه)) .\rوخرّجه عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمر ، عن جعفر ، به .\rوخرّجه الأثرم والدارقطني .\rورواه الإمام أحمد -في رواية ابنه عبد الله - ، عن وكيع ، عن جعفر ، واستدل\rبه .\rوهذا إسنادٌ جيدٌ :\rوجعفر : حديثه من غير الزهري حجةٌ يحتج به - : قاله الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما .\rوثابت بن الحجاج : جزري تابعيٌ معروفٌ ، لا نعلم أحداً تكلم فيه ، وقد خَّرج له أبو داود .\rوعبد الله بن سيدان السلمي المطرودي ، قيل : إنه من الربذة ، وقيل : إنه\rجزريٌ ، يروي عن أبي بكر وحذيفة وأبي ذر ، وثقه العجلي ، وذكره ابن سعدٍ في\r((طبقة الصحابة)) ممن نزل الشام ، وقال : ذكروا أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال القشيري في ((تاريخ الرقة)) : ذكروا أنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوأما البخاري ، فقال : لا يتابع على حديثه - كأنه يشير إلى حديثه هذا .\rوقول ابن المنذر : إن هذا الحديث لا يثبت . هو متابعة لقول البخاري ، وأحمد أعرف الرجال من كل من تكلم في هذا الحديث ، وقد استدل به وأعتمد عليه .\rوقد عضد هذا الحديث : أنه قد صح من غير وجه أن القائلة في زمن عمر وعثمان كانت بعد صلاة الجمعة ، وصح عن عثمان أنه صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بمللٍ . خرّجه مالك في ((الموطإ)) ، وبين المدينة ومللٍ اثنان وعشرون ميلاً ، وقيل : ثمانية عشر ميلاً ، ويبعد أن يلحق هذا السائر بعد زوال الشمس.\rوروى شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، قال : صلى بنا عبد الله بن مسعود الجمعة ضحى : وقال : خشيت عليكم الحر .","part":6,"page":187},{"id":1375,"text":"وروى الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن سويد ، قال صلى بنا معاوية الجمعة ضحى .\rوروى إسماعيل بن سميع ، عن بلالٍ العبسي ، أن عماراً صلى للناس الجمعة ، والناس فريقان ، بعضهم يقول : زالت الشمس ، وبعضهم يقول : لم تزل .\rخرّج ذلك كله ابن أبي شيبة .\rوخرّج -أيضاً- من طريق الأعمش ، عن مجاهد ، قال : ما كان للناس عيدٌ إلا أول النهار .\rومن طريق يزيد بن أبي زياد ، عن عطاءٍ ، قال : كان من كان قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) عن ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ ، قال : كل عيد حين يمتد الضحى : الجمعة ، والأضحى ، والفطر ، كذلك بلغنا .\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن جعفر بن برقان ، عن حبيب بن أبي مرزوق ، عن عطاءٍ ، قال : كل عيد في صدر النهار .\rوعن شعبة ، عن الحكم ، عن حماد ، قال : كل عيد قبل نصف النهار .\rوروى أبو سعدٍ البقال ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعودٍ ، قال : ما كان عيدٌ قط إلا في صدر النهار ، ولقد رأيتنا وأنا لجمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ظل الخطبة .\rأبو سعدٍ ، فيه ضعفٌ .\rوحكى الماوردي في كتابه ((الحاوي)) عن ابن عباسٍ ، أنه يجوز صلاة الجمعة قبل الزوال .\rوهو مذهب أحمد وإسحاق -: نقله عنهما ابن منصورٍ ، وهو مشهورٌ عن أحمد ، حتى نقل أنه لا يختلف قوله في جواز إقامة الجمعة قبل الزوال ، كذا قاله غير واحد من أصحابه ، ومنهم : ابن شاقلا وغيره .\rوقد روى حنبل ، عن أحمد ، قال : صلاة الجمعة تعجل ، يؤذن المؤذن قبل أن تزول الشمس ، وإلى أن يخطب الإمام ، وتقام الصلاة ، قد قام قائم الظهيرة ، ووجبت الصلاة ، ويقال : إن يوم الجمعة صلاةٌ كله لا تحرى فيها الصلاة ، وكان أصحاب\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحرون بصلاة الجمعة ، إلا أنه لا ينبغي أن تصلى حتى تزول الشمس لأول الوقت ، هذه السنة التي لم يزل الناس يعملون عليها بالمدينة والحجازٍ ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على ذلك .\rوظاهر هذه الرواية : أنه إنما يقدم على الزوال الأذان والخطبة خاصة ، وظاهرها : أنه يجوز الصلاة في وقت الزوال يوم الجمعة خاصةً .\rوقال صالح بن أحمد : سألت أبي عن وقت الجمعة ؟ فقالَ : إذا زالت الشمس .\rونقل صالح-أيضاً- ، عن أبيه - في موضع أخر - ، أنه قال : إن فعل ذلك قبل الزوال فلا أعيبه ، فأما بعده فليس فيه شكٌ .\rونحوه نقل ابن منصورٍ ، عن أحمد وإسحاق .\rونقل أبو طالب ، عنه ، قال : ما ينبغي أن يصلي قبل الزوال ، وقد صلى ابن مسعودٍ .\rونقل عنه جماعة ما يقتضي التوقف .\rونقل عنه عبد الله ، أنه قال : لا بأس أن يصلي قبل الزوال ، قد صلى ابن\rمسعود .\rوقد نقل عنه ابن القاسم ، قال : وقت الجمعة قبل الزوال وبعد الزوال ، أي ذلك فعل جاز .\rونقل عنه أحمد بن الحسن الترمذي ، أنه قال : على ما جاء من فعل أبي بكر وعمر : لا أرى به بأسا ، لأنها عيد ، والأعياد كلها في أول النهار .","part":6,"page":188},{"id":1376,"text":"وكذا نقل عبد الله ، عن أبيه ، قال : يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال ، يذهب إلى أنها كصلاة العيد .\rقال أبو بكر : وعلى هذا استقرت الروايات عنه ، وعليه العمل .\rواختلف أصحابنا في الوقت الذي يجوز فعلها فيه :\rفقال الخرقي : في الساعة السادسة -وفي بعض النسخ : الخامسة .\rوقال القاضي وكثير من أصحابه : يجوز فعلها في وقت جواز صلاة العيد ، وهو إذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها ،وزال وقت النهي .\rوهو ظاهررواية عبد الله ، عن أبيه .\rومن أصحابنا من ثال : يجوز فعلها من وقت طلوع الفجر يوم الجمعة ، إذا دخل وقت الفجر ، حكاه ابن عقيل في ((مفرداته)) و ((عمد الأدلة)) .\rوهذا القول غلوٌ من قائله ، وكيف يجوز إقامة الجمعة في وقت صلاة الفجر ؟! وهل فعل هذا أحدٌ سلفاً أو خلفاً ؟! وإذا كانت صلاة لا تفعل قبل طلوع الشمس ، ووقتها قبل الزوال دون ما بعده ، فكيف تصلي الجمعة قبل طلوع الشمس ، وإنما جاز تقديمها على الزوال إلحاقاً لها بالعيد، وتشبيهاً لها بها .\rوبكل حالٍ ؛ فلا يجب فعلها إلا بعد الزوال ، على الصحيح من المذهب .وعليه جمهور الأصحاب .\rوإنما يجوز تقديمها قبله وتعجيلها كما تعجل الصلاة المجموعة ؛ فإن صلاة الجمعة سببها : اليوم ؛ ولهذا تضاف إليه ، فيقال : صلاة الجمعة ، وشرطها :\rالزوال ، فيجوز تقديمها على شرطها بعد وجود سببها ، وهو اليوم ، كما يجوز تعجيل الزكاة بعد كمال النصاب ، وهو سبب الوجوب ، وقيل : الحول ،وهوشرطه .\rوهذا هو الذي تخيله من قال من الأصحاب : يجوز فعلها في وقت صلاة الفجر ، لكن الصحيح : أنه غير جائز ، ما دام وقت الفجر باقياً ؛ لئلا يتداخل وقت الصلاتين ، فإذا خرج وقت صلاة الفجر ، وزال وقت النهي ، ودخل وقت صلاة العيد والضحى جاز تقديم صلاة الجمعة حينئذٍ .\rومع هذا ، فلا تصلى في حال استواء الشمس في السماء ، ويجوز قبله ، نص عليه أحمد ، وقال : ما يعجبني ، وأتوقاه في صلاتها في قائم الظهيرة ، مع قوله : يجوز صلاتها قبل الزوال .\rوأما آخر وقت الجمعة : فهو آخر وقت الظهر ، هذا هو قول جمهور العلماء ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والحسن بن حي ، ومالك - في رواية -، والشافعي ، وأحمد ، وعبد العزيز بن الماجشون.\rواتفقوا : على أنه متى خَّرج وقت الظهر ، ولم يصل الجمعة فقد فاتت ويصلي الظهر .\rوأما أن صلى الجمعة ، ثم خَّرج الوقت وهم في الصلاة ، فقال أبو حنيفة والشافعي : تبطل الصلاة ، إلا أن يخرج قبل السلام -على رأي أبي حنيفة وحده .\rوالمنصوص عن أحمد : أنه أن خَّرج الوقت وهم في التشهد أتموا الجمعة .\rواعتبر الخرقي من أصحابنا أن يكون قد أدرك في الوقت ركعة فصاعدا ، فإن خرج الوقت قبل إدراك ركعةٍ صلوا ظهراً .\rوحكي رواية عن مالكٍ كذلك .\rومن أصحابنا من قال : تلحق الجمعة بتكبيرة الإحرام في الوقت كسائر\rالصلوات .\rونقل ابن القاسم ، عن مالكٍ ، أن آخر وقتها : غروب الشمس .\rقال ابن القاسم : من صلى من الجمعة ركعةً ، ثم غربت الشمس صلى الركعة الثانية بعد غروب الشمس ، وكانت جمعةً .","part":6,"page":189},{"id":1377,"text":"والعجب ممن ينصر هذا القول ، ويحتج له ، مع أنه لا يعرف العمل به إلاّ عن ظلمة بني أمية واعوانهم ، وهو مما ابتدعوه في الإسلام ، ثم ينكر على من قدم الجمعة على الزوال متابعة لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكثيرٍ من التابعين لهم بإحسان لِلَّهِ\rفإن قيل : فقد كان الصحابة يصلون مع من يؤخر الجمعة إلى بعد العصر ، والى قريب من غروب الشمس ؟\rقيل : كانوا يصلون الظهر والعصر في بيوتهم قبل مجيئهم ، ثم يجيئون إتقاء شر الظلمة ، كما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، ومنهم من كان يومئ بالصلاة ، وهو جالسٌ في المسجد إذا خاف فوت الوقت .\rوسنذكر ذلك في الباب الآتي - أن شاء الله تعالى .\r* * *","part":6,"page":190},{"id":1378,"text":"17-بابٌ\rإذا اشتد الحر يوم الجمعة\r906-حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي : ثنا حرمي بن عمارةً : ثناابو خلدة -هو : خالد بن دينار -، قال : سمعت أنس بن مالكٍ يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذا أشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا أشتد الحر أبرد بالصلاة -يعني : الجمعة .\rوقال يونس بن بكير : أنا أبو خلدة ، وقال : (( بالصلاة )) ،ولم يذكر :\r(( الجمعة )) .\rوقال بشر بن ثابت : ثنا أبو خلدة : صلى بنا أمير المؤمنين الجمعة ، ثم قال لأنسٍ : كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر؟\rخرّج الإسماعيلي في ((صحيحه)) -وهو ((المستخرج على صحيح البخاري )) -من طريق هارون بن عبد الله ، عن حرمي بن عمارة : حدثني أبو خلدة ، قالَ : سمعت أنس بن مالكٍ -وناداه يزيد الضبي : يا أبا حمزة ، قد شهدت الصَّلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وشهدت الصَّلاة معنا ، فكيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الجمعة ؟ -فقال : كان إذا أشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا أشتد الحر أبرد بالصلاة .\rوخرّجه -أيضاً- من رواية محمد بن المثنى ، عن حرمي ، ولم يذكر في حديثه :\r(( الجمعة )) .\rوخرّج -أيضاً- رواية يونس بن بكير التي علقها البخاري ، ولفظ حديثه :كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بها -يعني : الظهر .\rوخرّج -أيضاً- حديث بشر بن ثابت الذي علقه البخاري -أيضاً- ، ولفظ حديثه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الشتاء يبكر بالظهر ، وإذا كان الصيف أبرد بها ، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء .\rوخرّجه البيهقي من رواية بشر بن ثابت - بهذا المعنى .\rوخرّج -أيضاً- رواية يونس بن بكيرٍ : ثنا أبو خلدة : سمعت أنس بن مالكٍ - وهو جالسٌ مع الحكم أمير البصرة على السرير - يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الحر أبرد بالصلاة ، وإذا كان البرد بكر بالصلاة .\rوروى هذا الحديث - أيضاً - خالد بن الحارث : ثنا أبو خلدة ، أن الحكم ابن أيوب أخر الجمعة يوماً ، فتكلم يزيد الضبي .وقال : دخلنا الدار وأنس معه على السرير ، فقال له يزيد : يا أبا حمزة ، قد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضرت صلاتنا ، فأين صلاتنا من صلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : إذا كان الحر برد بالصلاة ، وإذا كان البرد يبكر بالصلاة ، ولم يسمعه ، ولكنه قد شهد الأمر .\rخرّجه النسائي في ((كتاب الجمعة )) .\rوهذه الرواية تخالف رواية البخاري التي فيها التصريح بالسماع .","part":6,"page":191},{"id":1379,"text":"وقد رواه سهل بن حمادٍ ، عن أبي خلدة ، قال : بينا الحكم بن أيوب يخطب في البصرة إذ قام يزيد الضبي ، فناداه ، فقال : أيها الأمير : إنك لا تملك الشمس ، فقال : خذاه ، فأخذ ، فلما قضى الصلاة أدخل عليه ، ودخل الناس ، وثم أنس بن مالكٍ ، فأقبل على أنس ، فقال : كيف كنتم تصلون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبرد بالصلاة في الحر ، ويبكر بها في الشتاء .\rخرّجه المروزي في ((كتاب الجمعة )) .\rفقد تبين بهذه الروايات أن سبب سؤال أنس إنما كان تأخير الحكم بن أيوب .\rوقضية يزيد الضبي مع الحكم بن أيوب في إنكاره عليه تأخير الجمعة وهو يخطب معروفة ، وكان أنس بن مالكٍ حاضراً .\rوقد خرّجها بتمامها ابن أبي الدنيا في ((كتاب الأمر بالمعروف )) من رواية جعفر بن سليمان : حدثني المعلى بن زياد ، قال : حدثني يزيد الضبي ، قال : أتيت الحسن ثلاث مراتٍ ، فقلت : يا أبا سعيدٍ ، غلبنا على كل شيء ، وعلى صلاتنا نغلب ؟! فقال الحسن : إنك لن تصنع شيئاً ، إنما تعرض نفسك لهم .\rقال : فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب ، فقلت : الصلاة يرحمك الله ، قال : فجاءتني الزبانية ، فسعوا الي من كل جانب ، فأخذوا بلبتي ، وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء ، وجعلوا يضربوني بنعالهم وسيوفهم ، قال : وسكت الحكم بن\rأيوب ، وكدت أن أقتل دونه ، ففتح باب المقصورة ، فادخلت عليه ، فقال : أمجنونٌ أنت ؟! قلت : ما بي من جنون ، قالَ : أوما كنا في صلاة ؟ قلت : أصلحك الله ، هل من كلام أفضل من كتاب الله ؟ قال : لا ، قلت : لو أن رجلاً نشر مصحفه فقرأه غدوة حتى يمسي ، ولا يصلي فيما بين ذلك ، كان ذلك قاضياً عنه صلاته ؟ قال الحكم : إني لأحسبك مجنوناً : قال : وأنس بن مالكٍ جالس قريباً من المنبر ، على وجههٌ خرقة\rخضراء ، فقلت : يا أبا حمزة ، أذكرك الله ، فانك صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخدمته ، أحقٌ أقول أم باطلٌ ؟ قال : فو الله ما أجابني بكلمةٍ ، فقال له الحكم : يا أنس ، قال : لبيك ، أصلحك الله - قال : وقد كان فات ميقات الصلاة - قال : يقول له أنس : قد كان بقي من الشمس بقيةٌ ؟ فقال : احبساه . قال : فحبست ، فشهدوا أني مجنونٌ .\rقال جعفر : فإنما نجا من القتل بذلك - وذكر بقية القصة .\rفقد تبين بهذا السياق أن الصحابة والتابعين كانوا كلهم خائفين من ولاة السوء الظالمين ، وإنهم غير قادرين على الإنكار عليهم ، وأنه غير نافع بالكلية ؛ فإنهم يقتلون من أنكر ، ولا يرجعون عن تأخير الصلاة على عوائدهم الفاسدة .\rوقد تكلم بعض علماء أهل الشام في زمن الوليد بن عبد الملك في ذلك ، وقال : أبعث نبيٌ بعد محمدٍ يعلمكم هذا - أو نحو ذلك ؟ فأخذ فأدخل الخضراء ، فكان آخر العهد به .","part":6,"page":192},{"id":1380,"text":"ولهذا لم يستطع أنس أن يجيب يزيد الضبي بشئ حين تكلم يزيد ، وإنما قال للحكم لما سأله : قد بقي من الشمس بقيةٌ - يريد : قد بقي من ميقات العصر بقيةٌ -، وهو كما قال لكن وقت الجمعة كان قد فات ، ولم يستطع أن يتكلم بذلك ، فلما دخل الحكم داره ، وأدخل معه أنساً ويزيد الضبي ، فسئل أنس في ذلك الوقت عن وقت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبر أنه كان يعجل في البرد ، ويبرد في الحر ، ومراده -والله أعلم - : صلاة الظهر ، وهذا هو الذي امكن أنسا أن يقوله فيذلك الوقت ، ولم يمكنه الزيادة على\rذلك .\rوأكثر العلماء على أن الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال ، بل تعجل في أول الوقت ، وللشافعية في ذلك وجهان .\rوقد كان الصحابة والتابعون مع أولئك الظلمة في جهدٍ جهيدٍ ، لا سيما في تأخير الصلاة عن ميقاتها ، وكانوا يصلون الجمعة في أخر وقت العصر ، فكان أكثر من يجيء إلى الجمعة يصلي الظهر والعصر في بيته ، ثم يجيء إلى المسجد تقية لهم ، ومنهم من كان إذا ضاق وقت الصلاة وهو في المسجد أومأ بالصلاة خشية القتل .\rوكانوا يحلفون من دخل المسجد أنه ما صلى في بيته قبل أن يجيء .\rقال إبراهيم بن مهاجرٍ : كنت أنا وسعيد بن جبيرٍ وإبراهيم نصلي الظهر ، ثم نجلس فنتحدث والحجاج يخطب يوم الجمعة .\rخرّجه أبو نعيمٍ الفضل بن دكين في ((كتاب الصلاة )) .\rوخَّرج -أيضاً- بإسناده ، عن أبي بكر بن عتبة ، قال صليت إلى جنب أبي جحيفة ، فتمسى الحجاج بالصلاة ، فقام يصلي الجمعة ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم قال : يا أبا بكر ، أشهدك أنها الجمعة .\rوهذا غريبٌ ، يدل على أنه يصح أن يصلي الرجل الجمعة وحده .\rوبإسناده : عن الأعمش ، عن إبراهيم وخيثمة ، أنهما كانا يصليان الظهر\rوالعصر ، ثم يأتيان الحجاج يوم الجمعة ، فيصليان معه .\rوعن أبي وائل ، أنه كان يأمرهم أن يصلوا في بيوتهم ، ثم يأتوا الحجاج فيصلون معه الجمعة .\rوعن محمد بن أبي إسماعيل ، قال : كنت في مسجد منى ، وصحف تقرأ للوليد ، فأخروا الصلاة : قال : فنظرت إلى سعيدٍ بن جبير وعطاء يومئان ، وهما قاعدان .\rوقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري في ((كتاب أدب السلطان )) باباً في تأخير الأمراء الصلاة ، خَّرج فيه الأحاديث المرفوعة ، والآثار الموقوفة في ذلك ، وقد سبق ذكر بعضها في ((أبواب: المواقيت)) .\rوروى فيه بإسناده : أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر ، فيجلس فينتظر ، فيقول : ماله قاتله الله ؟!\rيصيح على منبره صياحاً ، وقد فاتته العصر ، ولم يصل الظهر بعد .\rوبإسناده : عن عمرو بن هرم ، قال : كان أنس بن مالكٍ يصلي الظهر والعصر في بيته ، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة .","part":6,"page":193},{"id":1381,"text":"وبإسناده : عن عبد الله بن أبي زكريا ، أنه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة ، ويعتد بها جمعةً ، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعاً إيماءً ، ثم صلى الجمعة معه ، وجعلها تطوعا ، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها ايماءً .\rوبإسناده : عن حصينٍ ، قال : كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة ، يومئ ايماءً : يتناعس .\rوبإسناده : عن جريرٍ ، قال : شهدت الجمعة مع ابن هبيرة ، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر ، فرأيت الناس يخرجون ، فرأيت أبا حنيفة خَّرج ، فكأن شيخ يصيح في المسجد : لو كان الحجاج ما خرجوا ، وجعل فضيل بن غزوان ويقول : إنهم ، إنهم .\rوبإسناده : عن ابن سيرين ، أنه حضر الجمعة ، فأخر الأمير الصلاة ، فأدمى\rظفره ، ثم قام فخرج ، وأخذته السياط حتى خَّرج من المسجد .وعن عطاءٍ بن السائب : قال : رأيت سعيدٍ بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة ، والحجاج\rيخطب ، وهم جلوسٌ .\rوعن محمد بن إسماعيل ، قال : رأيت سعيد بن جبير وعطاء ، وأخر الوليد الجمعة والعصر ، فصلاهما جميعاً ، قال : فأومئا إيماءً ، ثم صليا معه بمنىً .\rوبإسناده : عن حميدٍ ، أن الوليد بن عبد الملك خَّرج بمنىً بعد العصر ، فخطب حتى صارت الشمس على رؤس الجبال ، فنزل فصلى الظهر ، ثم صلى العصر ، ثم صلى المغرب .\rوروى بإسنادٍ له : عن سالم ، أنه ذكر أن الوليد قدم عليهم المدينة ، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة ، ثم مضى وقت العصر ، فقال القاسم بن محمد لسالم :أما قمت فصليت ؟ قال : لا .قال : أفما اومأت ؟ قال: لا . وقال : خشيت أن يقال : رجل من آل عمر .\rوروى بإسناده : عن عمارة بن زاذان : حدثني مكحولٌ ، قال : خطب الحجاج بمكة ، وأنا إلى جنب ابن عمر ، يحبس الناس بالصلاة ، فرفع ابن عمر راسه ، ونهض ، وقال : يا معشر المسلمين ، انهضوا إلى صلاتكم ، ونهض الناس ، ونزلالحجاج ، فلما صلى قال : ويحكم ، من هذا ؟ قالوا : ابن عمر .\rقال : أما والله لولا أن به لمماً لعاقبته .\rوروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة )) :ثنا زهير ، عن جابر -وهو : الجعفي -، عن نافع ، قال : كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ، فلما اخرهاترك الصلاة معه .\rوكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم ، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج ، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج ، والحسن متوار عنه بالبصرة .\rوقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب ((مناقب الحسن )) بإسناد له ، أن الحسن شهد الجمعة مع الحجاج ، فرقى الحجاج المنبر ، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر ، فقال الحسن : أما من رجل يقول : الصلاة جامعةٌ ؟ فقالَ رجل : يا أبا سعيدٍ ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب ؟ فقال : إنما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر\rديننا ، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا ، قوموا ، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن ، فقطع الحجاج خطبته ، ونزل فصلى بهم ، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه .","part":6,"page":194},{"id":1382,"text":"وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أن تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام .\rولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة .\rفروى إسماعيل بن عياش ، عن عمرو بن مهاجرٍ ، أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعا ونحوه ، وذلك في الساعة السابعة .\rوقال ابن عونٍ : كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية .\r* * *","part":6,"page":195},{"id":1383,"text":"18-باب\rالمشي إلى الجمعة\rوقول الله عز وجل: { فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة :9] ومن قال : السعي العمل والذهاب ، لقوله { وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } [الإسراء :19] .\rوقال ابن عباسٍ : يحرم البيع حينئذ .\rوقال عطاءٌ : تحرم الصناعات كلها .\rوقال إبراهيم بن سعدٍ ، عن الزهري : إذا اذن المؤذن يوم الجمعة وهو مسافر ، فعليه أن يشهد .\rاشتمل كلامه -هاهنا- على مسائل :\rإحداها :\rالمشي إلى الجمعة ، وله فضل .\rوفي حديث أوس بن أوس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((من بكر وابتكر ، وغسل واغتسل ، ومشى ولم يركب )) . وقد سبق.\rوفي حديث اختصام الملأ الأعلى ، (( إنهم يختصمون في الكفارات والدرجات ،والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات ، والمشي على الأقدام إلى الجمعات )) .\rوقد خرّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذٍ .\rوله طرق كثيرة ، ذكرتها مستوفاة في (( شرح الترمذي )) .\rوروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ فيه انقطاعٌ ، أن عبد الله بن رواحة كان يأتي الجمعة ماشياً ، فإذا رجع كيف شاء ماشياً ، وإن شاء راكباً .\rوفي رواية : وكان بين منزلة وبين الجمعة ميلان .\rوعن أبي هريرة ، أنَّهُ كان يأتي الجمعة من ذي الحليفة ماشياً .\rوذكر ابن سعدٍ في ((طبقاته)) بإسناده ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كتب ينهى أن يركب أحد إلى الجمعة والعيدين .\rوقال النخعي : لا يركب إلى الجمعة .\rالمسألة الثانية :\rأنه يستحب المشي بالسكينة مع مقاربة الخطا ، كما في سائر الصلوات ، على ماسبق ذكره في موضعه .\rفأما قول الله عز وجل : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ\rاللَّهِ } [الجمعة :9] ، فقد حمله قوم من المتقدمين علىظاهره ، وأنكر ذلك عليهم\rالصحابة .\rفروى البيهقي من حديث عبد الله بن الصامت ، قال : خرجت إلى المسجد يوم الجمعة ، فلقيت أبا ذر ، فبينا أنا امشي اذ سمعت النداء ، فرفعت في المشي ؛ لقول الله عز وجل : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } ، فجذبني جذبة\rكدت أن ألاقيه ، ثم قال : أو لسنا في سعي ؟ .\rفقد أنكر أبو ذر على من فسر السعي بشدة الجري والعدو ، وبين أن المشي إليها سعي ؛ لأنه عمل ، والعمل يسمى سعياً ، كم قال تعالى : { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } [الليل :4] ، وقال : { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } [الإسراء :19] ومثل هذا كثير في القرآن .\rوبهذا فسر السعي في هذه الآية التابعون فمن بعدهم ، ومنهم : عطاءٍ ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، ومحمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، ومالك ، والثوري ، والشافعي وغيرهم .\rوروي عن ابن عباسٍ -أيضاً- من وجه منقطع .\rومنهم من فسر السعي بالجري والمسابقة ، لكنه حمله على سعي القلوب والمقاصد والنيات دون الأقدام ، هذا قول الحسن .\rوجمع قتادة بين القولين -في روايةٍ -، فقال : السعي بالقلب والعمل .","part":6,"page":196},{"id":1384,"text":"وكان عثمان وابن مسعودٍ وجماعة من الصحابة يقرءونها : ((فامضوا إلى ذكر\rالله )) .\rوقال النخعي : لو قرأتها ((فسعوا)) لسعيت حتى يسقط ردائي.\rوروي هذا الكلام عن ابن مسعودٍ من وجهٍ منقطعٍ .\rالمسألة الثالثة :\rفي تحريم البيع وغيره مما يشغل به عن السعي بعد النداء .\rوقد حكى عن ابن عباسٍ تحريم البيع وغيره .\rوروى القاضي إسماعيل في كتابه ((أحكام القرآن )) من روايةٍ سليمان بن معاذ ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ ، قال : لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة ، فاذا قضيت الصلاة فاشتر وبع .\rوبإسناده : عن ميمون بن مهران ، قال : كان بالمدينة إذا نودي بالصلاة من يوم الجمعة نادوا : حرم البيع ، حرم البيع .\rوعن أيوب ، قال : لأهل المدينة ساعة ، وذلك عند خروج الإمام ، يقولون : حرم البيع ، حرم البيع .\rوعن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يمنع الناس من البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة .\rوعن الحسن وعطاء والضحاك : تحريم البيع إذا زالت الشمس من يوم الجمعة .\rوعن الشعبي ، أنه محرمٌ .\rوكذا قال مكحولٌ .\rوحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع بعد النداء .\rوحكى القاضي إسماعيل ، عمن لم يسمه ، أن البيع مكروه ، وانه استدل بقوله { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ } [الجمعة :9] .\rورد عليه : بأن من فعل ما وجب عليه وترك ما نهي عنه فهو خيرٌ له ، كما قال تعالى : { وَلاَ تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ } [النساء :171] .\rوحكي القول بأن البيع مردود عن القاسم بن محمد وربيعة ومالكٍ .\rورواه ابن عيينة ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد أو غيره .\rوهو مذهب الليث والثوري وإسحاق وأحمد وغيرهم من فقهاء أهل الحديث .\rوخالف فيه أبو حنيفة والشافعي واصحابهما وعبيد الله العنبري ، وقالوا : البيع غير مردودٍ ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهياً عنه لذاته بل لوقته .\rوالأولون يقولون : النهي يقتضي فساد المنهي عنه ، سواء كان لذات المنهي عنه أو لوقته ، كالصوم يوم العيد ، والصلاة وقت النهي ، فكذلك العقود .\rوقال الثوري -فيما إذا تصارفا ذهباً بفضة وقبضا البعض ، ثم دخل وقت النداء يوم الجمعة -: فإنهما يترادان البيع .\rوهذا يدل على أن القبض عند شرط لانعقاد الصرف ، فلا يتم العقد الا به ، وهو الصحيح عند المحققين من أصحابنا -أيضاً .\rوأما ما ذكره عن عطاءٍ ، أنه تحرم الصناعات حينئذ ، فإنه يرجع إلى أنه إنما حرم البيع ؛ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكر الله والصلاة ، فكل ما قطع عن ذلك فهو محرم من صناعة أو غيرها ، حتى الاكل والشرب والنوم والتحدث وغير ذلك ، وهذا قول الشافعية وغيرهم -أيضاً .\rلكن لأصحابنا في بطلان غير البيع من العقود وجهان ، فإن وقوعها بعد النداء نادر ، بخلاف البيع ، فإنه غالب ، فلو لم يبطل لادى إلى الاشتغال عن الجمعة به ، فتفوت الجمعة غالباً .\rوأكثر أصحابنا حكوا الخلاف في جواز ذلك ، وفيه نظرٌ ؛ فإنه إذا وجب السعي إلى الجمعة حرم كل ما قطع عنه .","part":6,"page":197},{"id":1385,"text":"وقد روي عن زيد بن أسلم ، قال : لم يأمرهم الله أن يذروا شيئاً غيره ، حرم البيع ، ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا .\rوهذا ضعيف جدا ؛ فإن البيع إنما خص بالذكر لأنه أكثر ما يقع حينئذ مما يلهي عن السعي ، فيشاركه في المعنى كل شاغل .\rوأستدل بعض أصحابنا على جواز غير البيع من العقود بالصدقة ،وقال : قد أمر به النبي- صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب .\rوهذا لا يصح ؛ فإن الصدقة قربة وطاعة ، وإذا وقعت في المسجد حيث لا يكره السؤال فيه فلا وجه لمنعها .\rفإن الحق بذلك عقد النكاح في المسجد قبل خروج الإمام كان متوجهاً ، مع أن بعض أصحابنا قد خص الخلاف بالنكاح ، وهو ابن عقيل .\rوعن أحمد روايةٍ : إنه يحرم البيع بدخول وقت الوجوب ، وهو زوال الشمس .\rوقد سبق مثله عن الحسن ، وعطاء ، والضحاك ، وهو- أيضاً- قول مسروق ، ومسلم بن يسارٍ ، والثوري ، وإسحاق .\rوقياس قولهم : إنه يجب السعي بالزوال ، ويحرم حينئذ كل شاغلٍ يشغل عنه .\rوالجمهور : على أنه لا يحرم بدون النداء .\rثم الأكثرون منهم على أنه النداء الثاني الذي بين يدي الإمام ؛ لأنه النداء الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلا ينصرف النداء عند إطلاقه إلا إليه .\rوفي ((صحيح الإسماعيلي )) من حديث الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة إذا خَّرج الإمام ، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر .\rوعن أحمد روايةٌ : أنه حرم البيع ويجب السعي بالنداء الأول .\rوهو قول مقاتل بن حيان ، قال : وقد كان النداء الأول قبل زوال الشمس .\rونقله ابن منصورٍ ، عن إسحاق بن راهويه -صريحاً.\rوعن أحمد ، أنه قال : أخاف أن يحرم البيع ، وإن أذن قبل الوقت .\rومجرد الشروع في الأذان يحرم به البيع عند أصحابنا والشافعية ؛ لأنه صار نداءً مشروعاً مسنوناً سنة الخلفاء الراشدين.\rقال أصحابنا : ولو اقتصر عليه اجزأ ، وسقط فرض الأذان .\rوعند أصحاب الشافعي : يحرم البيع بمجرد الشروع في النداء الثاني بين يدي\rالإمام ، إذا كان قاطعاً عن السعي ، فأما إن فعله وهو ماش في الطريق ولم يقف ، أو هو قاعد في المسجد كره ولم يحرم .\rوهذا بعيد ، والتبايع في المسجد بعد الأذان يجتمع فيه نهيان ؛ لزمانه ومكانه ، فهو أولى بالتحريم .\rالمسألة الرابعة :\rحكى عن الزهري : أن المسافر إذا سمع النداء للجمعة ، فعليه أن يشهدها ، وقد سبق ذكر ذلك عنه ، وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاءٍ : أن عليه شهودها ، سمع الأذان أو لم يسمعه ، وأن الجمهور على خلاف ذلك .\rوهل للمسافر أن يبيع ويشتري بعد سماع النداء ؟ فيهِ اختلاف بين أصحابنا ، يرجع إلى أن من سقطت عنه الجمعة لعذر ، كالمريض : هل لهُ أن يبيع بعد النداء ، أم\rلا ؟ فيه روايتان عن أحمد .\rوأما من ليس من أهل الجمعة بالكلية ، كالمرأة ، فلها البيع والشراء بغير خلاف ، وكذا العبد ، إذا قلنا : لا يجب عليه الجمعة .\rخَّرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالأول :","part":6,"page":198},{"id":1386,"text":"907-ثنا علي بن عبد الله : ثنا الوليد بن مسلمٍ : ثنا يزيد بن أبي مريم : ثنا عباية بن رفاعة ، قال : أدركني أبو عبسٍ وأنا اذهب إلى الجمعة ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار )) .\r((يزيد بن أبي مريم )) ، هو : الأنصاري الشامي ، وهو بالياء المثناة من تحت ، وبالزاي .\rوأما : بريد بن أبي مريم -بالباء الموحدة ، والراء المهملة -، فبصري ، لم يخرج له البخاري في ((صحيحه)) شيئاً .\rوخرّج الإسماعيلي في ((صحيحه)) هذا الحديث بسياق تام ، ولفظه : عن يزيد بن أبي مريم : بينما أنا رائحٌ إلى الجمعة إذ لحقني عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج\rالأنصاري ، وهو راكب وأنا ماشٍ ، فقال : احتسب خطاك هذه في سبيل الله ، فاني سمعت أبا عبس بن جبر الأنصاري يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار )) .\rوخرّجه الترمذي والنسائي -بمعناه .\rففي هذه الرواية أن هذه القصة جرت ليزيد مع عباية ، وفي روايةٍ البخاري أنها جرت لعباية مع أبي عبس ، وقد يكون كلاهما محفوظاً . والله أعلم .\rوليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ذكر المشي إلى الجمعة ، إنما فيه فضل المشي في سبيل الله ، فأدخل الرواي المشي إلى الجمعة في عموم السبيل ، وجعله شاملاً له\rوللجهاد .\rوالأظهر في اطلاق سبيل الله : الجهاد ، وقد يؤخذ بعموم اللفظ ، كما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جعل بعيره في سبيل الله أن يحج عليه ، وقال : ((الحج من سبيل الله )) ، وقد ذكرناه في موضع آخر .\rوقد كان كثير من السلف يختارون المشي إلى الجمعة ، كما سبق من غير واحدٍ من الصحابة .\rوقد روي عن عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه -، أنه كان يبكر إلى الجمعة ، ويخلع نعليه ، ويمشي حافياً ، ويقصر في مشيه .\rخرّجه الأثرم بإسناد منقطع .\rالحديث الثاني :\r908-حديث : أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، وأتوها تمشون ، وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فاتموا )) .\rوقد تقدم في ((كتاب : الصلاة )) باختلاف أسانيده وألفاظه .\rالحديث الثالث :\r909-حديث : يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة -قال أبو عبد الله : ولا أعلمه إلاّ عن أبيه - ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ((لا تقوموا حتَّى تروني ، وعليكم السكينة )) .\rوقد تقدم -أيضاً- باختلاف ألفاظه .\rوليس في هذا - والذي قبله - ذكر الجمعة ، إنما فيهِ ذكر الصَّلاة ، وهي تعم الجمعة وغيرها .\rوحديث أبي هريرة إنما يدل على النهي عن السعي عندَ سماع الإقامة ، وحديث أبي قتادة إنما فيهِ الأمر بالسكينة في القيام إلى الصَّلاة ، لا في المشي إليها .\r* * *","part":6,"page":199},{"id":1387,"text":"19-باب\rلا يفرق بين اثنين يوم الجمعة\r910-ثنا عبدان : أنا عبد الله : أنا ابن أبي ذئب ، عن سعيدٍ المقبري ، [عن\rأبيه ] ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((من اغتسل يوم الجمعة ، وتطهر بما استطاع من طهر ، ثم ادهن أو مس من طيبٍ ، ثم راح ولم يفرق بين اثنين ، فصلى ما كتب له ، ثم إذا خَّرج الإمام أنصت ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى )) .\rالتفريق بين اثنين يدخل فيه شيئان :\rأحدهما :\rأن يتخطاهما ويتجاوزهما إلى صف متقدمٍ .\rوقد خرج أبو داود نحو هذا الحديث من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيدٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه : ((ولم يتخط رقاب الناس )) .\rومن حديث عبد الله بن عمرو -أيضاً -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرّجه الإمام أحمد من حديث أبي أيوب ، ومن حديث نبيشة الهذلي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي حديثهما : ((ولم يؤذ أحداً )) .\rومن حديث أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي حديثه : ((ولم يتخط أحداً ، ولم يؤذه )) .\rوقد تقدم حديث عبد الله بن بسر ، قال : جاء رجلٌ يتخطى رقاب الناسِ يوم الجمعة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((اجلس ، فقد آذيت )) .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوخرّجه ابن ماجه من حديث جابر .\rوخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث زبان بن فائد ، من حديث سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من تخطي رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم )) .\rوزبان ، مختلف في أمره .\rورواه عنه ابن لهيعة ورشدين بن سعدٍ .\rوخرّج الإمام أحمد من حديث أرقم بن الأرقم المخزومي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :\r(( الذي يتخطى الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبة إلى النارِ )).\rوفي إسناده : هشام بن زياد أبو المقدام ، ضعفوه ، وقد اختلف عليه في إسناده .\rوأكثر العلماء على كراهة تخطي الناس يوم الجمعة ، سواء كان الإمام قد خَّرج أو لم يخرج بعد .\rوقالت طائفةٌ : لا يكره التخطي إلا بعدَ خروجهِ ، كما دل عليه حديث الأرقم ، منهم : الثوريُ ، ومالكٌ ، والأوزاعي - في روايةٍ -، ومحمد بن الحسنِ .\rوذكر مالكٌ ، عن أبي هريرة ، قال : لأن يصلي أحدكم بظهرة الحرة خيرٌ له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام يخطبُ جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعةِ .\rفإن وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ، ففيه قولان :\rأحدهما : يجوز له التخطي حينئذ ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، والأوزاعي والشافعي ، وكذا قال مالكٌ في التخطي قبل خروج الإمام ، وكذا روى معمر عن الحسن وقتادة .\rوالثاني : أنه يكره ، وهو قولُ عطاءٍ ، والثوريّ .\rوعن أحمد روايتان في ذلك ، كالقولين .\rوعنه روايةٌ ثالثةٌ : إن كان يتخطى واحداً أو اثنين جاز ، وان كان أكثر كره .","part":6,"page":200},{"id":1388,"text":"وحمل بعض أصحابنا رواية الجواز عن أحمد على ما إذا كان الجالسون قد جلسوا في مؤخر الصفوف ، وتركوا مقدمها عمداً ، ورواية الكراهة على ما إذا لم يكن منهم تفريطٌ .\rوفي كلام الأوزاعي وغيره ما يدل على مثل هذا-أيضاً-، وكذلك قال الحسن ، قال : لا حرمة لهم .\rومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لابد منها من وضوء أو غيره ، أو لكونه لا يجد موضعا للصلاة بدونه ، أو كان إماماً لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي ، لم\rيكره .\rوقد سبق حديث عقبة بن الحارث في قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاته مسرعاً ، يتخطى رقاب الناسِ .\rوكذا لو ضاق الموضع وآذتهم الشمسُ ، فلهم -إذا أقيمت الصلاة - أن يشقوا الصفوف ويدخلوا لأذى الشمس ، نص عليه أحمد في روايةٍ الأثرمِ .\rوحكى ابن المنذر عن أبي نضرة : جواز تخطيهم بإذنهم ،وعن قتادة : يتخطاهم إلى مجلسه .\rثم قال ابن المنذر : لا يجوز شيء من ذلك عندي ، لأن الأذى يحرم قليلة وكثيرة ، وهذا اذى ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( اجلس ، فقد آذيت )) .\rفظاهر كلامه : تحريمه بكل حال ، والاكثرون جعلوا كراهته كراهة تنزيهٍ .\rومتى كان بين الجالسين فرجة ، بحيث لا يتخطاهما ، جاز له أن يمشي بينهما ، فإن تماست ركبهما بحيث لا يمشي بينهما إلاّ بتخطي ركبهما كره له ذلك ، فإن كانا قائمين يصليان ، فمشى بينهما ولم يدفع أحداً ، ولم يؤذه ، ولم يضيق على أحد جاز ، وإلاّ فلا .\rقال ذلك كله عطاءٍ -: ذكره عبد الرزاق ، عن ابن جريجٍ ، عنه .\rالثاني -مما يدخل في التفريق بين اثنين -:\rالجلوس بينهما إن كانا جالسين ، أو القيام بينهما أن كانا قائمين في صلاة .\rفإن كان ذلك من غير تضييق عليهما ولا دفع ولا أذى ، مثل أن يكون بينهما فرجة ، فإنه يجوز ، بل يستحب ،لأنه مامور بسد الخلل في الصف ، وإلاّ فهو منهي عنه ، إلاّ أن ياذنا في ذلك .\rوروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :\r(( لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين ، إلا باذنهما )) .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .\rوقال : حديثٌ حسنٌ .\rفإن كان الجالسان بينهما قرابة ، أو كانا يتحدثان فيما يباح ، كان أشد كراهةً .\rوفي ((مراسيل أبي داود )) عن المطلب بن حمطب ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((لا يفرق بين الرجل ووالده )) .\rوخرّجه الطبراني من حديث سهل بن سعدٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لا يجلس الرجل بين الرجل وابيه في المجلس )) .\rوفي إسناده نظر .\rوروي عن ابن عمر - مرفوعاً ، وموقوفاً - : ((إذا كان اثنان يتناجيان فلا يدخل بينهما إلا بإذنهما )) .\rقال الإمام أحمد في الرجل ينتهي إلى الصف وقد تم فيدخل بين رجلين : أن علم أنه لا يشق عليهم .\rقال القاضي أبو يعلى : أن شق عليهم لم يجز ؛ لأن فيهِ أذية لهم ، وشغلاً لقلوبهم .\r* * *","part":6,"page":201},{"id":1389,"text":"20-باب\rلا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه\r911-حدثنا محمد بن سلام : ثنا مخلد : أنا ابن جريجٍ : سمعت نافعا يقول : سمعت ابن عمر يقول : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم الرجلُ الرجل من مقعده ، ثم يجلس فيهِ )) .\rقلت لنافع : الجمعة ؟ قال : الجمعة وغيرها .\rوقد خرّجه البخاري في مواضع متعددة ، وفي بعضها زيادة : (( ولكن تفسحوا وتوسعوا )) .\rوخرّج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الحمعة ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ، ولكن يقول : افسحوا )) .\rوخَّرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ، ولكن افسحوا يفسح الله لكم )) .\rوروى ابن أبي حاتم بإسناده ، عن مقاتل بن حيان ، قال : أنزلت هذه الآية - يعني : قوله : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا } [المجادلة:11] -في يوم جمعة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ في الصفة ، وفي المكان ضيقٌ ، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء اناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس ، فقاموا حيال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسلموا عليه ، ثم سلموا على القوم ، فقاموا على ارجلهم ينتظرون أن يفسح لهم ، فلم يوسع لهم ، فشق ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار -من غير أهل بدر - : ((قم أنت يا فلان ، وأنت\rيا فلان )) ، فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه ، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه ، وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - الكراهة في وجوههم ، وتكلم في ذلك المنافقون ، فبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((رحم الله رجلاً فسح لاخيه)) ، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعاً ، فيفسح القوم لاخوانهم ،ونزلت الآية يوم الجمعة .\rفظاهر هذا : يدل على أن إقامة الجالس نسخ بهذه الآية ، وانتهى الأمر إلى التفسح المذكور فيها .\rوقال قتادة : كان هذا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن حوله خاصة .\rيشير إلى إقامة الجالسين ليجلس غيرهم ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك إكراماً لأهل الفضائل والاستحقاق ، وغيره لا يؤمن عليه أن يفعله بالهوى .\rويستثنى من ذلك : الصبي ، إذا كان في الصف ، وجاء رجلٌ ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه ، كما فعله أبي بن كعب بقيس بن عباد ، وقد ذهب اليه الثوري وأحمد ، وقد تقدم ذلك .\rفإن كان الذي في الصف رجلاً ، وكان أعرابياً أو جاهلاً ، لم يجز تاخيره من موضعه .\rقال أحمد: لا أرى ذلك .\rوفي ((سنن أبي داود )) ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من سبق إلى ما لم يسبق اليه أحد فهو أحق به )) .\rواستثنى بعض الشافعية - أيضاً- ثلاث صور ،وهي : أن يقعد في موضع الإمام ، أو طريق الناس ويمنعهم الاجتياز ، أو بين يدي الصف مستقبل القبلة .","part":6,"page":202},{"id":1390,"text":"ويستثنى من ذلك ، أن يكون المتاخر قد ارسل من ياخذ له موضعاً في الصف ، فاذا جاء الجالس وجلس الباعث فيه . وقد ذكره الشافعي وأصحابنا وغيرهم .\rوروي عن ابن سيرين ، أنه كان يفعله .\rواما إن قام احد من الصف تبرعاً واثر الداخل بمكانه ، فهل يكره ذلك ، أم لا ؟ أن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره ، وإن انتقل إلى ما دونه فكرهة الشافعية .\rوقال أحمد فيمن تاخر عن الصف الأول ، وقدم اباه فيه : هو يقدر أن يبرَّ أباه بغير هذا .\rوظاهره : الكراهة ، وأنه يكره الإيثار بالقرب .\rوأم الموثر ، فهل يكره له أن يجلس في المكان الذي اوثر به ؟ فيهِ قولان\rمشهوران .\rأشهرهما : لا يكره ، وهو قولُ أصحابنا والشافعية وغيرهم .\rوالثاني : يكره ، وكان ابن عمر لا يفعل ذلك ، وكذلك أبو بكرة .\rوخَّرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ، قال : جاء رجل إلى\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام له رجل من مجلسه ، فذهب ليجلس فيه ، فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرّج أحمد وأبو داود من حديث أبي بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه -أيضاً.\rولو بادر رجلٌ وسبق المؤثر إلى المكان ، فهل هو أحق به من الموثر ، أم لا ؟ فيه وجهان لأصحابنا وغيرهم .\rوأما من فسح له في مجلسٍ اوصفٍ ، فلا يكره له الجلوس فيه .\rوفي مراسيل خالد بن معدان ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا جاء أحدكم إلى المجلس ، فوسع له ، فليجلس ؛ فإنها كرامة )) .\rخرّجه حميد بن زنجوية .\rفإن كان في جلوسه تضييق على الناس ، أو لم يصل إلى المكان الا بالتخطي ، فلا يفعل .\rوقد روي عن أبي سعيدٍ الخدري ، أنه أوذن بجنازة في قومه ، فتخلف حتى جاء الناس واخذوا المجالس ، ثم جاء بعد، فلما رآه القوم توسعوا له ، فقال : لا ؛ إني سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول : (( إن خيرٌ المجالس أوسعها )) ، ثم تنحى فجلس في مجلس واسع .\rوخَّرج أبو داود منه المرفوع فقط .\rوروى الخرائطي -بإسناد فيه جهالة - ، عن أبي هريرة -مرفوعاً- : ((لا توسع المجالس إلا لثلاثة : لذي علم لعلمه ، وذي سن لسنه ، وذي سلطان لسلطانه )) .\rودخل خالد بن ثابت الفهمي المسجد يوم الجمعة ، وقد امتلأ من الشمس ، فرآه بعض من في الظل ، فأشار اليه ليوسع له ، فكره أن يتخطى الناس إلى ذلك الظل ، وتلا : { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ } [لقمان :17]، ثم جلس في الشمس.\rخرّجه حميد بن زنجويه .\r* * *","part":6,"page":203},{"id":1391,"text":"21- باب\rالأذان يوم الجمعة\r912- حدثنا آدم : ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، قال : كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر ، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان ، وكثر الناس ، زاد النداء الثالث على الزوراء .\rقال أبو عبد الله : الزوراء : موضع بالسوق بالمدينةِ .\rالأذان يوم الجمعة قد ذكره الله تعالى في كتابه ، وفي قوله { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة :9] ، وقد ذهب طائفةٌ من العلماء إلى وجوبه ، وان قيل : أن الأذان سنة ، وهو الذي ذكره ابن أبي موسى من أصحابنا ، وقاله طائفةٌ من الشافعية -أيضاً .\rوقد دل الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو النداء الذي بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر ، وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء .\rولهذا قال أكثرهم : أنه هو الأذان الذي يمنع البيع ، ويوجب السعي إلى الجمعة ، حيث لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سواه .\rوما ذكره ابن عبد البر عن طائفةٌ من أصحابهم ، أن هذا الأذان الذي يمنع البيع ،لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أحدثه هشام بن عبد الملك ، فقد بين ابن عبد البر أن هذا جهل من قائله ، لعدم معرفته بالسنة والاثار .\rفإن قال هذا الجاهل : أنه لم يكن أذان بالكلية في الجمعة ، فقد باهت ، ويكذبه قولُ الله عز وجل : { إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } .\rوإن زعم أن الأذان الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر هو الأذان الأول الذي قبل خروج الإمام ، فقد أبطل ، ويكذبه هذا الحديث واجتماع العلماء على ذلك .\rوقوله في هذه الرواية : ((أوله إذا جلس الإمام على المنبر )) ، معناه : أن هذا الأذان كان هو الأول ، ثم تليه الإقامة ، وتسمى : أذاناً ، كما في الحديث المشهور : ((بين كل اذانين صلاةٌ)) .\rوخرّجه النسائي من روايةٍ المعتمر ، عن أبيه ، عن الزهري ، ولفظه : كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يوم الجمعة ، فاذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر ، فلما زاد عثمان النداء الثالث صار هذا الثالث هو الأول ، وصار الذي بين يدي الإمام هو الثاني .\rوقد خَّرج أبو داود هذا الحديث من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن السائب ، قال : كان يؤذن بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد ، وأبي بكر وعمر .\rففي هذه الرواية : زيادة : أن هذا الأذان لم يكن في نفس المسجد ، بل على بابه ، بحيث يسمعه من كان في المسجد ومن كان خارج المسجد ، ليترك أهل الأسواق البيع ويسرعوا إلى السعي إلى المسجد.","part":6,"page":204},{"id":1392,"text":"وقوله : ((فلما كان عثمان)) -يريد : لما ولي عثمان -((وكثر الناس في زمنه زاد النداء الثالث على الزوراء )) ، وسماه: ثالثاً ؛ لأن به صارت النداآت للجمعة ثلاثة ، وإن كان هو أولها وقوعاً .\rوخرّجه ابن ماجه ، وعنده -بعد قوله : ((على دار في السوق ، يقال لها :\rالزوراء )) -: ((فاذا خَّرج أذن ، وإذا نزل أقام )) .\rوهو من روايةٍ : ابن إسحاق ، عن الزهري .\rوروى الزهري ، عن ابن المسيب : معنى حديثه عن السائب بن يزيد ، غير أنه قال : ((فلما كان عثمان كثر الناس ، فزاد الأذان الأول ، واراد أن يتهيأ الناس للجمعة )) .\rخرّجه عبد الرزاق في ((كتابه)) عن معمر ، عنه .\rوقد رواه إسماعيل بن يحيى التميمي - وهو ضعيف جداً - ، عن مسعر ، عن القاسم ، عن ابن المسيب ، عن أبي أيوب الأنصاري ، قال ما كان الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة إلا قدام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو على المنبر ، فاذا نزل أقاموا الصلاة ، فلما ولي عثمان أمر أن يؤذن على المنارة ليسمع الناس .\rخرّجه الإسماعيلي في ((مسند مسعر )) ، وقال في القاسم : هو مجهولٌ .\rقلت : والصحيح : المرسل .\rوقد أنكر عطاءٍ الأذان الأول ، وقال : إنما زاده الحجاج ، قال : وإنما كان عثمان يدعو الناس دعاء.\rخرّجه عبد الرزاق .\rوقال عمرو بن دينار : إنما زاد عثمان الأذان بالمدينة ، وأما مكة فأول من زاده الحجاج ، قال : ورأيت ابن الزبير لا يؤذن له حتى يجلس على المنبر ، ولا يؤذن له إلا أذان واحد يوم الجمعة .\rخرّجه عبد الرزاق -أيضاً.\rوروى مصعب بن سلام ، عن هشام بن الغاز ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : إنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد على المنبر أذن بلالٌ ، فإذا فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من خطبته اقام الصلاة ، والاذان الأول بدعة .\rوروى وكيع في ((كتابه )) عن هشام بن الغاز ، قال : سألت نافعاً عن الأذان يوم الجمعة ؟ فقالَ : قالَ ابن عمر : بدعةٌ ، وكل بدعة ظلالة ، وإن رآه الناس حسناً .\rوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم يكن في زمان النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلا أذانان : أذان حين يجلس على المنبر ، وأذان حين تقام الصَّلاة . قال : وهذا الأخير شيء أحدثه الناس بعد .\rخرّجه ابن أبي حاتمٍ .\rوقال سفيان الثوري : لا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس ، وإذا أذن المؤذن قام الإمام عى المنبر فخطب ، وإذا نزل أقام الصلاة ، قال : والأذان الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر أذان وأقامة ، وهذا الأذان الذي زادوه محدثٌ .\rوقال الشافعي -فيما حكاه ابن عبد البر - : أحب إلي أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر بين يديه ، فإذا قعد أخذ المؤذن في الأذان ، فإذا فرغ قام فخطب ، قال : وكان عطاءٍ ينكر أن يكون عثمان أحدث الأذان الثاني ، وقال : إنما أحدثه معاوية .","part":6,"page":205},{"id":1393,"text":"قال الشافعي : وأيهما كان ، فالأذان الذي كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ،وهو الذي ينهى الناس عنده عن البيع .\rولأصحابه في أذان الجمعة - على قولهم : الأذان سنة-وجهان :\rأحدهما : أنه سنة -أيضاً.\rوالثاني : أنه للجمعة خاصة فرض كفاية .\rفعلى هذا : هل تسقط الكفاية بالأذان الأول ، أو لا تسقط الا بالاذان بين يدي الإمام ؟ على وجهين -أيضاً .\rومن أصحابنا من قال : يسقط الفرض بالأذان الأول ، وفيه نظر .والله أعلم .\rوقال القاضي أبو يعلى : المستحب أن لا يؤذن الا أذان واحد ، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر ، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز ، ولم يكره .\rثم ذكر حديث السائب بن يزيد هذا .\rونقل حرب ، عن إسحاق بن راهويه : أن الأذان الأول للجمعة محدث ، احدثه عثمان ، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين ، ليعلم الأبعدين ذلك ، فصار سنة : لأن على الخلفاء النظر في مثل ذلك للناس .\rوهذا يفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإمام ، فإن احتاج اليه لكثرة الناس فعله ، وإلا فلا حاجة إليه .\r* * *","part":6,"page":206},{"id":1394,"text":"22-باب\rالمؤذن الواحد يوم الجمعة\r913-حدثنا أبو نعيمٍ : ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، أن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان ، حين كثر أهل المدينة ، ولم يكن للنبي- صلى الله عليه وسلم - غير مؤذنٍ واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام -يعني : على المنبر .\rقوله : ((ولم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مؤذن واحد )) -يعني : في الجمعة ؛ فإن في غير الجمعة كان له مؤذنان ، كما سبق في ((الأذان)) .\rوقد قيل : إنه يحتمل أن يكون مراد السائب : أنه لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة إلا تأذين واحد ، فعبر بالمؤذن عن الأذان -: ذكره الإسماعيلي .\rوهذا يرده قوله : ((فزاد عثمان النداء الثالث )) ، فإنه يدل على أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أذانان -يعني : الأذان والاقامة -والمؤذن الواحد في الجمعة .\rوقد تقدم في روايةٍ النسائي لحديث السائب بن يزيد ، ويفهم من حديث ابن عمر -أيضاً .\rوخرّج ابن ماجه من روايةٍ عبد الرحمن بن سعدٍ بن عمار : حدثني أبي ، عن\rأبيه ، عنجده -وهو : سعدٍ القرظ -، أنه كان يؤذن يوم الجمعة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الفيء مثل الشراك .\rوهذا إسنادٌ ضعيف ، ضعفه ابن معين وغيره .\rوإنما كان سعدٍ يؤذن بقباء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن بقباء جمعةٌ .\rوقد حكى ابن عبد البر اختلافاً بين العلماء في الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام : هل يكون من مؤذن واحد ، أو مؤذنين ؟\rفذكر من روايةٍ ابن عبد الحكم ،عن مالكٍ ، أنه قالَ : إذا جلس الإمام على\rالمنبر ، ونادى المنادي منع الناس من البيع .\rقال : وهذا يدل على أن النداء عنده واحدٌ بين يدي الإمام .\rوفي ((المدونة)) من قول ابن قاسم ، وروايته ، عن مالكٍ : إذا جلس الإمام على المنبر ، وأخذ المؤذنون في الأذان حرم البيع .\rفذكر ((المؤذنين ))بلفظ الجماعة .\rقال : ويشهد لهذا حديث مالكٍ ، عن ابن شهاب ، عن ثعبلة بن أبي مالكٍ ، أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ، فاذا خَّرج وجلس على المنبر وأخذ المؤذنون .\rهكذا بلفظ الجماعة .\rقال : ومعلوم عند العلماء أنه جائز أن يكون المؤذنون واحداً وجماعة في كل\rصلاة ، إذا كان ذلك مترادفاً ، لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها .\rوذكر من كلام الشافعي ، أنه قال : إذا قعد الإمام اخذ المؤذنون في الأذان .\rومن كلام الطحاوي في ((مختصره )) : حكاية قولُ أبي حنيفة وأصحابه : إذا جلس الإمام على المنبر ، وأذن المؤذنون بين يديه - بلفظ الجمع .\rووقع في كلام الخرقي من أصحابنا : واخذ المؤذنون في الأذان -بلفظ الجمع .\rوقال مكحول : إن النداء كان في الجمعة مؤذنٌ واحدٌ حين يخرج الإمام ، ثم تقام الصلاة ، فأمر عثمان أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس .\rخرّجه ابن أبي حاتم .","part":6,"page":207},{"id":1395,"text":"قال حربٌ : قلت لأحمد : فالأذان يوم الجمعة إذا أذن على المنارة عدة ؟ قال : لا بأس بذلك ، قد كان يوذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن أم مكتوم ، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله ، فأذن أبو محذورة .\rوظاهر هذا : أنه لو أذن على المنارة مؤذن بعد مؤذن جاز ،وهذا قبل خروج الإمام .\rوقال القاضي أبو يعلى : يستحب أن يكون المؤذن للجمعة واحداً ، فإن أذن أكثر من واحد جاز ، ولم يكره .\rومراده : إذا أذنوا دفعة واحدة بين يدي الإمام ، أو اذنوا قبل خروجه تترى ، فأما أن أذنوا بعد جلوسه على المنبر ، مرةً بعد مرة ، فلا شك في كراهته ، وأنه لم يعلم وقوعها في الإسلام قط .\rوكذا قال كثيرٌ من أصحاب الشافعي : أنه يستحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر ، ويستحب أن يكون المؤذن واحداً ؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بلالٌ .\rونقل المحاملي هذا الكلام عن الشافعي ، والذي نقله البويطي عن الشافعي يخالف ذلك ؛ فإنه نقل عنه ، أنه قال : النداء للجمعة هو الذي يكون والإمام على المنبر ، يكون المؤذنون يستفتحون الأذان فوق المنارة جملة حين يجلس الإمام على المنبر ، ليسمع الناس فيؤبون إلى المسجد .\rوهذا تصريح بأنهم يكونون جماعة ، وأنهم يؤذنون على المنارة لإسماع الناس ، لا بين يدي المنبر في المسجد .\rوقد خرّج البخاري في ((صحيحه)) هذا في ((باب : رجم الحُبلى )) ، من حديث ابن عباسٍ ، قال : جلس عمر على المنبر يوم الجمعة ، فلما سكت المؤذنون قام ، فأثنى على الله -وذكر الحديث .\rوروي عن المغيرة بن شعبة ، أنه كان له في الجمعة مؤذنٌ واحدٌ .\rوخرّج الإمام أحمد من روايةٍ ابن إسحاق ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد ، يكتبون من جاء ، فاذا أذن وجلس الإمام على المنبر طووا الصحف ، ودخلوا المسجد يستمون الذكر )) .\rوهذا لفظ غريب .\rوروى عبد الرزاق بإسناده ، عن موسى بن طلحة ،قال : رأيت عثمان بن عفان جالساً على المنبر في يوم الجمعة ، والمؤذنون يؤذنون يؤم الجمعة ، وهو يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم .\rويحتمل أن يكون مراد من قال : ((المؤذن)) -بلفظ الافراد -: الجنس ، لا\rالواحد ، فلا يبقى فيهِ دلالة على كونه واحداً .\r* * *","part":6,"page":208},{"id":1396,"text":"23-باب\rيجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء\r914-ثنا ابن مقاتل : أنا عبد الله : أنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، قال : سمعت معاوية بن أبي سفيان ، وهو جالس على المنبر ، اذن المؤذن ، فقال : ((الله أكبر الله أكبر)) .قال معاوية : ((الله أكبر الله أكبر )) , فقال : ((أشهد أن لا إله الا الله )) .فقال معاوية : ((وأنا )) قال : ((أشهد أن محمداً رسول الله )) . قال معاوية : ((وأنا)) ، فلما قضى التاذين قال : يأيها الناس ، إني سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالي .\rالمقصود من هذا الحديث في هذا الباب : أن الإمام يجيب المؤذن على المنبر إذا أذن بين يديه ، كما يجيبه غيره من السامعين ، وليس في ذلك خلافُ ؛ فإن الإمام من جملة السامعين للمؤذن ، فيدخل في عموم قوله : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول )) .\rوقد سبق في ((الأذان)) الكلام على اجابة المؤذن مستوفىً .\rوفي حديث معاوية : دليل على أن من سمع مخبراً يخبر عن نفسه بشئ ، فقال هو-مجيباً له- : ((وأنا)) ، أنه يصير مقراً بمثل ما أقر به .\rوعلى هذا : فلو سمع الكافر مؤذناً يؤذن ، فقال -مجيباً له - : ((وأنا)) ، فهل يصير مسلماً ؟\rوقد قال أحمد في ذمي مر بمؤذن ، يؤذن ، فقال له : كذبت : إنه يقتل .\rوكذا لو سمع رجل رجلاً قال لامرأته : أنت طالق ، أو قال : امرأتي طالق ، فقال : وأنا ، ونوى الطلاق ، فهل تطلق امرأته ؟\rوقد حكى القاضي أبو يعلى في ((تعليقه)) فيما إذا قالَ رجل لرجل : يا زان ، فقالَ لهُ : لا ، بل أنت ، فهل يحد الثاني ، لكونه قاذفا ، أم لا ؟ على وجهين .\r* * *","part":6,"page":209},{"id":1397,"text":"24-باب\rالجلوس على المنبر عند التأذين\r915-حدثنا يحيى بن بكير : ثنا الليث ، عن عقيلٍ ، عن ابن شهابٍ ، أن السائب بن يزيد أخبره ، أن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام .\rإنما سماه ((الثاني)) باعتبار الأذان عند الجلوس على المنبر ، فهما أذانان بهذا الاعتبار ، و((الإقامة)) لا تسمى أذاناً عند الاطلاق .\rوجلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة إذا رقى المنبر حتى يفرغ من الأذان سنة مسنونة ، تلقاها الأمة بالعمل بها خلفاً عن سلف .\rإلا أن ابن عبد البر حكى عن أبي حنيفة : أنه غير مسنون . ولا خلاف أنه غير واجبٍ .\r* * *","part":6,"page":210},{"id":1398,"text":"25-باب\rالتأذين عند الخطبة\r916-حدثنا محمد بن مقاتل : أنا عبد الله : أنا يونس : عن الزهري ، قال : سمعت السائب ين يزيد يقول : إن الأ ان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر ، في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، فلما كان في خلافة عثمان وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء ، فثبت الأمر على ذلك .\rالمقصود بهذا الباب : أن الأذان يوم الجمعة يكون عند جلوس الإمام على المنبر للخطبة ، فهذا هو الأذان الذي كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، وهو المجتمع على مشروعيته .\rوهل يكون بين يدي المنبر في المسجد ، أو على المنارة ؟ فيه كلام سبق ذكره ، وان الشافعي نص في ((كتاب البويطي )) على أنه يكون على المنارة .\rوكذا مذهب مالكٍ ، قال في ((تهذيب المدونة)) : يجلس الإمام في أول خطبته حتى يؤذن المؤذنون على المنار ، ثم يخطب .\rونقل مثنى الأنباري عن أحمد ، أنه سئل عن الأذان الذي يجب على من كان خارجاً من المصر ، أن يشهد الجمعة ؟ قال : هو الأذان الذي في المنارة .\rوهذا يحتمل أنه يريد به ما قاله الشافعي : أن أذان الجمعة بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر يكون على المنارة .\rويحتمل أنه يريد به : أنه يجب السعي بالأذان الأول ، كما يحرم البيع به ، على روايةٍ عنه ؛ فإن قوله : ((الذي على المنارة )) إخبار عن الواقع في زمانه ، ولم يعهد في زمانه الأذان على المنارة سوى الذي زاده عثمان .\rويحتمل أنه إنما قال ذلك فيمن كان خارج المصر ؛ لأن الأذان الأول يكون لإعلامهم ، فليزمهم السعي به ، بخلاف أهل المصر ، فإنهم يلزمهم السعي من غير سماع أذان ، فلا يجب عليهم السعي بالأذان الأول ، بل بالثاني ، والله أعلم.\rوقد تقدم في روايةٍ ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد لهذا الحديث : أن هذا الأذان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكرٍ وعمر كان على باب المسجد .\rوقوله في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا : ((فثبت الأمر على ذلك )) ، يدل على أن هذا من حين حدده عثمان أستمر ، ولم يترك بعده .\rوهذا يدل على أن علياً اقر عليه ، ولم يبطله ، فقد أجتمع على فعله خليفتان من الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم أجمعين .\r* * *","part":6,"page":211},{"id":1399,"text":"26-باب\rالخطبة على المنبر\rوقال أنس : خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر .\rحديث أنس هذا : الظاهر أنه يريد به حديثه في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستسقاء يوم الجمعة على المنبر ، وسيأتي في مواضع أخر من الكتاب - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rفيه ثلاثة أحاديث :\rالأول :\r917-نا قتيبة : نا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري الاسكندراني : نا أبو حازم بن دينار ، أن رجالاً أتوا سهل بن سعدٍ الساعدي ، وقد امتروا في المنبر : مم عوده ؟ فسألوه عن ذَلِكَ ، فقالَ : إني والله : لأعرف مما هوَ ، ولقد رأيته أول يوم وضع ، وأول يوم جلس عليهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فلانة -امرأة قد سماها سهل - : ((مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس )) ، فأمرته ، فعملها من طرفاء الغابة ، ثُمَّ جاء بها ، فارسلت إلى\rرسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، فامر بها فوضعت هاهنا ، ثُمَّ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عليها ، وكبر وهو عليها ، ثُمَّ ركع وهو عليها ، ثُمَّ نزل القهقري فسجد في أصل المنبر ثُمَّ عاد ، فلما فرغ أقبل على الناس ، فقال : ((ياأيها الناس ، إنما صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلموا صلاتي )) .\rقد خرّجه فيما تقدم من حديث ابن عيينة عن أبي حازم ، وهذا السياق أتم .\rوفي روايةٍ ابن عيينة : ((من أثل الغابة)) ، و((الأثل)) و((الطرفاء)) : يشبه بعضه بعضاً . و((الغابة)) : خارج المدينة مشهورة .\rوخرّجه البخاري -أيضاً- مختصراً في ((أبواب المساجد)) ،في ((باب : الاستعانة بالصناع والنجار في عمل المسجد والمنبر )) من حديث عبد العزيز بن أبي حازم ، وذكرنا الاختلاف في رسم الذي عمل المنبر .\rوخرّجه مسلم من حديث عبد العزيز بتمامه ، وفي حديثه : أن المنبر كان ثلاث درجاتٍ .\rوقد روي هذا الحديث عن سهل من وجه أخر ، وفيه : حنين الخشبة .\rخرّجه ابن سعدٍ في ((طبقاته)) : ثنا أبو بكر بن أبي أويس : حدثني سليمان بن بلال ، عن سعدٍ بن سعيدٍ بن قيس ، عن عباسٍ بن سهل بن سعدٍ ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فرضتين -قال : أراه كانت من دومة كانت في مصلاه - ، فكأن يتكئ عليها ، فقال له أصحابه : يا رسول الله ، إن الناس قد كثروا، فلو أتخذت شيئاً تقوم عليه إذا خطبت نراك ؟ فقال : ((ما شئتم)) .\rقال سهل : ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذلك النجار إلى الخانقين ، فقطعنا هذا المنبر من أثله .قال : فقام عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فحنت الخشبة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ألا تعجبون لحنين هذه الخشبة ؟ )) فأقبل الناس وفرقوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتاها ، فوضع يده عليها ، فسكنت ، فامر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفنت تحت منبره - أو جعلت في السقف .","part":6,"page":212},{"id":1400,"text":"ورواه أبو إسماعيل الترمذي ، عن أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر ابن أبي أويس ، به .\rوهذا إسنادٌ جيد ، ورجاله كلهم يخرج لهم البخاري ، الا سعدٍ بن سعيدٍ بن قيس -وهو : اخو يحيى بن سعيدٍ -؛ فإن البخاري استشهد به ، وخَّرج له مسلم ، وتكلم بعضهم في حفظه .\rالحديث الثاني :\r918-نا سعيدٍ بن أبي مريم : أنا محمد بن جعفر بن أبي كثير : أخبرني يحيى بن سعيدٍ : أخبرني ابن أنس : سمع جابر بن عبد الله قال : كان جذع يقوم اليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار ، حتى نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده\rعليه .\rقال سليمان ، عن يحيى : أخبرني حفص بن عبيد الله بن أنس : سمع جابر بن\rعبد الله .\rروايةٍ سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيدٍ : قد أسندها البخاري في ((أعلام النبوة)) .\rوالمقصود من ذكرها هاهنا : أن فيها تسمية ابن أنس الذي ابهم في روايةٍ محمد بن جعفر ، وأنه حفص بن عبيد الله بن أنس .\rوالظاهر : أن البخاري أبهمه في روايةٍ محمد بن جعفر ، لأن محمد بن جعفر سماه : ((عبيد الله بن حفص بن أنس )) ، ووهم في ذلك -: قاله الدارقطني .\rوقد خرّجه الإسماعيلي من طريق سعيدٍ بن أبي مريم ، عن محمد بن جعفر ، عن حفص بن عبيد الله بن أنس على الصواب .\rوخرّجه من طريق يعقوب بن محمد : نا عبد الله بن يعقوب بن إسحاق : ثنا\rيحيى بن سعيدٍ : حدثني عبيد الله بن حفص بن أنس .\rقال يعقوب : وإنما هو : حفص بن عبيد الله ، ولكن هكذا ثنا .\rوفي روايةٍ البخاري : التصريح بسماع حفص لهذا الحديث من جابر ، وهذا يرد ما قاله أبو حاتم الرازي : إنه لا يدري : هل سمع من جابر ، أم لا ؟ قال : ولا يثبت له السماع إلا من جده أنس .\rورواه سليمان بن كثير ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن سعيدٍ بن المسيب ، عن جابر ، ووهم في قوله : ((سعيدٍ بن المسيب)) -:قاله أبو حاتم وأبو زرعة والدار قطني .\rو(( العشار )) : النوق الحوامل ، واحدتها :عشراء ، وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر ، فتسمى بذلك حتى تضع ، وبعد أن تضع .\rوقد خَّرج البخاري هذا الحديث في ((الأعلام)) من روايةٍ عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن جابر -نحوه .\rالحديث الثالث :\r919-نا آدم : نا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : ((من جاء إلى الجمعة فلغتسل )) .\rوالمقصود من هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على المنبر ، ويعلم الناس دينهم\rعليه .\rولو جمعت الأحاديث التي فيها ذكر خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر وكلامه عليه لكانت كثيرة جدا ، وكذلك احاديث اتخاذ المنبر كثيرةٌ -أيضاً.\rوقد خَّرج منها البخاري في ((دلائل النبوة)) من حديث ابن عمر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إلى الجذع ، فلما أتخذ المنبر تحول إليه ، فحن الجذع ، فأتاه فمسح يده عليه .","part":6,"page":213},{"id":1401,"text":"خرّجه عن محمد بن المثنى : نا يحيى بن كثير أبو غسان : نا أبو حفص -واسمه : عمر بن العلاء ، أخو أبي عمرو بن العلاء -، قال : سمعت نافعاً ، عن ابن عمر -\rفذكره .\rثم قال :\rوقال عبد الحميد : أنا عثمان بن عمر : أنا معاذ بن العلاء ، عن نافع ، عن ابن عمر - بهذا .\rورواه أبو عاصم ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . انتهى .\rوعبد الحميد هذا ، قيل : أنه عبد بن حميد .\rوقد خرّجه الترمذي عن أبي حفص الفلاس ، عن عثمان بن عمر ويحيى ابن كثير -كلاهما - ، عن معاذ بن العلاء ، عن نافع .\rوخرّجه البيهقي من روايةٍ عباسٍ الدوري ، عن عثمان بن عمر ، عن معاذ .\rوكذا رواه غير واحدٍ عن عثمان بن عمر .\rوخرّجه ابن حبان في ((صحيحه)) من روايةٍ أبي عبيدة الحداد ، عن معاذ بن العلاء -أيضاً .\rوكذا رواه وكيع ويحيى بن سعيدٍ ومعتمر بن سليمان ، عن معاذ بن العلاء .\rوليس لأبي حفص عمر بن العلاء ذكر في غير روايةٍ البخاري المسندة ، وقد قيل أنها وهم من محمد بن المثنى .\rولكن خرّجه أبو أحمد الحاكم من روايةٍ عبد الله بن رجاء الغذاني ، عن أبي حفص بن العلاء -أيضاً .\rوقد رواه يحيى بن سعيدٍ ومعتمر بن سليمان عن معاذ بن العلاء ، وكنياه : ((أبا غسان)) .\rقال أبو أحمد الحاكم : والله أعلم ، أهما أخوان : أحدهما يسمى : عمر ، والآخر : معاذ ، وحدثا بحديث واحد ؟ أو أحدهما محفوظ ، والآخر غير محفوظ ؟\rوذكر : أن معاذ بن العلاء أخا أبي عمرو مشهورٌ ، وأن أبا حفص لا يعرفه إلا في هاتين الروايتين . قال : والله أعلم بصحة ذلك . انتهى .\rوالصحيح في هذا الحديث : معاذ بن العلاء -: قاله أحمد والدارقطني وغيرهما .\rوأما روايةٍ أبي عاصم ، عن ابن أبي رواد التي علقها البخاري ، فخرجها أبو\rداود ، ولفظ حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بدن ، قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك منبراً يارسول الله ، يجمع عظامك ، أو يحمل عظامك ؟ قالَ : ((بلى)) ، فاتخذ لهُ منبراً\rمرقاتين .\rولم يزد على هذا .\rوخرّجه البيهقي ، وزاد : ((فاتخذ له مرقاتين-أو ثلاثة- ، فجلس عليها .\rقال : فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فحن جذع في المسجد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب يستند\rإليه ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحتضنه ، فقال شيئاً لا أدري ما هو ؟ ثم صعد المنبر ، وكانت اساطين المسجد جذوعاً ، وسقائفه جرائد )) .\rوعنده- في أوله- : ((لما أسن وثقل )) .\rورواه عامر بن مدرك ، عن ابن أبي رواد ، عن نافع ، عن تميم الداري -بنحوه ، وفي حديثه : ((فصنع له منبراً مرقاتين ، والثالثة مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائماً ، فإذا عي قعد فاستراح ، ثم قام فخطب -ووذكر الحديث .\rورواية أبي عاصم أصح .","part":6,"page":214},{"id":1402,"text":"ومن أغرب سياقات أحاديث اتخاذ المنبر : ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الطفيل بن أبي بن كعب ، عن أبيه ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جذع ، إذ كان المسجد عريشاً ، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله ، هل لك أن نجعل لك شيئاً تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم ؟ قالَ :\r(( نعم )) ، فصنع له ثلاث درجات التي على المنبر -ثم ذكر حنينه إليه وسكونه بمسحه بيده- ، ثم قال : وكان إذا صلى صلى إليه ، فلما هدم المسجد وغير اخذ ذلك الجذع أبي بن كعب ، فكأن عنده حتى بلي وأكلته الأرضة ، وعاد رفاتاً .\rخرّجه الإمام أحمد .\rوفي روايةٍ له : أن القائل : ((فلما هدم المسجد )) -إلى اخره ، هو الطفيل بن أبي بن كعب .\rوخرّجه ابن ماجه -بمعناه.\rوخرّجه عبد الله بن الإمام أحمد في ((زيادات المسند )) ، وعنده : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ((أن تشأ غرستك في الجنة فياكل منك الصالحون ، وإن تشأ أعيدك كما كنت حطباً )) فاختار الآخرة على الدنيا ، فلما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع إلى أبي ، فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة .\rوقد خرّجه الطبراني بنحو هذه الزيادة ، بإسناد ضعيف ، عن عائشة ، وفيه : أن المنبر كان أربع مراقٍ . وفي آخره : أن الجذع غار فذهبَ .\rوفي ((مسند البزار)) ، بإسناد لا يصح ، عن [ ... ]معاذ ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : ((إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وان اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم )) .\rوقد أنكره أبو حاتم الرازي وغيره .\rوقد قالَ بعض السلف : إن إبراهيم -عليهِ السلام - هوَ أول من خطب على المنابر .\rوالصحيح : أن المنبر كانَ ثلاث مراق ، ولم يزل على ذَلِكَ في عهد خلفائه الراشدين ، ثُمَّ زاد فيهِ معاوية .\rوقد عد طائفةٌ من العلماء : تطويل المنابر من البدع المحدثة ، منهم : ابن بطة من أصحابنا وغيره .\rوقد روي في حديث مرفوع : أن ذَلِكَ من أشراط الساعة ، ولا يثبت إسناده .\rوكره بعض الشافعية المنبر الكبير جداً ، إذا كانَ يضيق به المسجد .\r* * *","part":6,"page":215},{"id":1403,"text":"27-باب\rالخطبة قائما\rوقال أنس : بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائماً .\rحديث أنس ، هو الذي فيه ذكر الاستسقاء في الجمعة ، وسيأتي -أن شاء الله سبحانه وتعالى- فيما بعد .\r920-حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري : نا خالد بن الحارث : نا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائماً ، ثم يقعد ، ثم يقوم كما يفعلون الان .\rوفي الخطبة قائماً احاديث أخر .\rوخَّرج مسلم من حديث سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائماً ، ثم يجلس ، ثم يقوم فيخطب قائماً ، فمن نبأك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب ، فقد -والله - صليت معه أكثر من ألفي صلاةٍ .\rوخَّرج مسلم بإسناده من حديث كعب بن عجرة ، أنه دخل المسجد\rوعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً ، فقال: انظروا الخبيث ، يخطب قاعداً ، وقد قال الله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً } [الجمعة :11] .\rوخرّج ابن ماجه من حديث إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعودٍ ، أنه سئل: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائماً أو قاعداً ؟ قالَ : إما تقرأ { تَرَكُوكَ قَائِماً } [الجمعة :11] ؟\rوهذا إسنادٌ جيد .\rلكن روي ، عن إبراهيم ، عن علقمة من قوله . وعن إبراهيم ، عن عبد الله منقطعاً .\rواستدل بهذه الآية على القيام في الخطبة جماعة ، منهم : ابن سيرين ، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ .\rوإنما احتاجوا إلى السؤال عن ذلك ، لأنه كان في زمن بني امية من يخطب\rجالساً ، وقد قيل : أن أول من جلس معاوية -: قاله الشعبي والحسن وطاوس .\rوقال طاوس : الجلوس على المنبر يوم الجمعة بدعة .\rوقال الحسن : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان يخطبون قياماً ، ثم أن عثمان لما رق وكبر كان يخطب ، فيدركه ما يدرك الكبير فيستريح ولا يتكلم ، ثم يقوم فيتم خطبته .\rخرّجه القاضي إسماعيل .\rوخَّرج -أيضاً- من روايةٍ ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ ، أنه قال : أول من جعل في الخطبة جلوساً عثمان ، حين كبر واخذته الرعدة جلس هنية ، قيل له : هل كان يخطب عمر إذا جلس ؟ قال : لا أدري .\rوقد روي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يخطب الخطبة الأولى جالساً ، ويقوم في الثانية .\rخرّجه ابن سعدٍ .\rوالظن به أنه لم تبلغه السنة في ذلك ، ولو بلغته كان أتبع الناس لها .\rوقد قيل :أن ذلك لم يصح عنه ؛ فإن الأثرم حكى : أن الهيثم بن خارجة قال لأحمد : كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته ؟ قال : فظهر منه أنكار لذلك .\rورواية ابن سعدٍ له عن الواقدي ، وهو لا يعتمد .\rوقد روي عن ابن الزبير -أيضاً- الجلوس في الخطبة الأولى -أيضاً.\rخرّجه القاضي إسماعيل .\rواختلف العلماء في الخطبة جالساً : فمنهم من قال : لا يصح ، وهو قولُ\rالشافعي ، وحكى روايته عن مالكٍ وأحمد.","part":6,"page":216},{"id":1404,"text":"وقال ابن عبد البر : اجمعوا على أن الخطبة لا تكون إلا قائماً لمن قدر على القيام .\rولعله أراد إجماعهم على استحباب ذلك ؛ فإن الاكثرين على أنها تصح من\rالجالس ، مع القدرة على القيام ، مع الكراهة . وهو قولُ أبي حنيفة ومالك ، والمشهور عن أحمد ، وعليه أصحابه ، وقول إسحاق -أيضاً .\r* * *","part":6,"page":217},{"id":1405,"text":"28-باب\rيستقبل الإمام القوم\rواستقبال الناس الإمام إذا خطب\rواستقبل ابن عمر وأنس الإمام .\r921-حدثنا معاذ بن فضالة : نا هشام ، عن يحيى ، عن هلال بن أبي ميمونة : نا عطاءٍ بن يسار : سمع أبا سعيدٍ الخدري : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر ، وجلسنا حوله .\rهذا أول حديث طويل ، ذكر فيه قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)) ، وضرب مثل الدنيا بنبات الربيع .\rوهو حديث عظيم ، قد خرجاه بتمامه في ((الصحيحين)) من حديث هشام الدستوائي .\rوهذا لم يكن في خطبة الجمعة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يجلس في خطبة الجمعة .\rوأما ما ذكره عن ابن عمر وأنس .\rفمن طريق ابن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام ، فاذا خَّرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله .\rومن طريق ابن المبارك ، قال : قال أبو الجويرية : رأيت أنس بن مالك إذا أخذ الإمام يوم الجمعة في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ الإمام من الخطبة .\rوقال يحيى بن سعيدٍ الأنصاري : هو السنة .\rوقال الزهري : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ في خطبة استقبلوه بوجوههم .\rخرجها البيهقي .\rوخَّرج الأثرم من حديث الضحاك بن عثمان ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يتهيأ للإمام قبل أن يخرج ، ويتوجه قبل المنبر .\rوروى وكيع ، عن العمري ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يستقبل الإمام يوم الجمعة إذا خطب .\rوفي الباب أحاديث مرفوعة متصلة ، لا تصح أسانيدها -: قاله الترمذي ، وقد ذكرتها بعللها في ((شرح الترمذي )).\rوذكر الترمذي : أن العمل على ذلك عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم : يستحبون استقبال الإمام إذا خطب ، قال : وهو قولُ سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوقال ابن المنذر : هو كالإجماع .\rوروي عن الشعبي ، قال : هو السنة .\rوقد تقدم مثله عن يحيى بن سعيدٍ ، وكذا قال مالكٍ .\rوقال ابن عبد البر : لا أعلمهم يختلفون فيه .\rوقال عمر بن عبد العزيز : كل واعظ قبلة .\rيعني : أنه يستقبل كما تستقبل القبلة .\rوقد روي عن بعض التابعين : أنه يستقبل القبلة حال الخطبة . وهو محمول على إنهم كانوا يفعلونه مع أمير ظالم يسب السلف ، ويقول ما لا يجوز استماعه ، وكانوا قد ابتلوا بذلك في زمن بني أمية .\rوالأكثرون على إنهم إنما يستقبلوه في حال الخطبة ، وهو قولُ أحمد .\rوقال إسحاق : يستقبلونه إذا خرج ، وهو قولُ أبي بكر بن جعفر من أصحابنا .\rوقال الأوزاعي : يغفى بصره ، ويلقي السمع ، فإن نظر إلى الإمام فلا حرج .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول - وذكر يوم الجمعة -: (( إذا جلس الرجل مجلساً يستمكن فيه من الإستماع والنظر ، فأنصت ولم يلغ كان له كفلان من الأجر )) .\rوفي إسناده من ليس بمشهورٍ .","part":6,"page":218},{"id":1406,"text":"وخرّج ابن سعدٍ بأسانيد له متعددةً حديثاً طويلاً ، فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب استقبله الناس بوجوههم ، وأصغوا بأسماعهم ، ورمقوه بأبصارهم .\rوهذا لا يصح . والله أعلم .\rأما استقبال الإمام أهل المسجد واستدباره القبلة فمجمع عليه -أيضاً- ، والنصوص تدل عليه -أيضاً- ؛ فإنه يخاطبهم ليفهموا عنه -أيضاً .\rوذلك كله سنة ، فلو خالفها الإمام فقد خالف السنة ، وصحت جمعته .\rولأصحاب الشافعي وجه صعيف : أنها لا تصح . والله أعلم .\r* * *","part":6,"page":219},{"id":1407,"text":"29-باب\rمن قال في الخطبة بعد الثناء : ((أما بعد))\rرواه عكرمة ، عن ابن عباسٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rحديث عكرمة ، عن ابن عباسٍ قد أسنده في آخر الباب ، فلا أدري لأي معنى علقه في اوله ؟\rوقد ذكر أبو نعيم في ((مستخرجه)) هذا في الباب الذي قبله .\rقال :\r922-وقال محمود : نا أبو أسامة : نا هشام بن عروة : أخبرتني فاطمة ابنة\rالمنذر ، عن أسماء ابنة أبي بكر ، قالت : دخلت على عائشة والناس يصلون .\rفذكرت حديث الكسوف ، وفيه :\rقالت : ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تجلت الشمس ، فحمد الله واثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : ((إما بعد)) -وذكر بقيةٌ الحديث .\rهكذا ذكره هنا تعليقاً عن محمود -وهو : ابن غيلان -، عن أبي اسامة .\rوذكر بعضه في ((الكسوف )) تعليقاً-أيضاً- عن أبي أسامة .\rوأسند الحديث في ((كتاب:العلم)) من حديث وهيب . وفي ((الكسوف)) وغيره من حديث مالكٍ -كلاهما - ، عن هشام ، وليس في حديثهما : ذكر : ((أما بعد)) .\rوخرّج مسلم الحديث بهذه اللفظة من طريق ابن نمير وأبي أسامة -كلاهما-عن هشام ، به .\rثم قال البخاري :\r923-نا محمد بن معمر : نا أبو عاصم ، عن جريرٍ بن حازم ، قال : سمعت الحسن : نا عمرو بن تغلب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتي بمال -أو سبي- ، فقسمه ، فاعطى رجالاً وترك رجلاً ، فبلغه أن الذين ترك عتبوا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ((أما بعد ، فوالله ، إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب الي من الذين أعطي )) .وذكر\rالحديث .\rسماع الحسن من عمرو بن تغلب مختلف فيه ، فأثبته أبو حاتم والبخاري ، ونفاه علي بن المديني شيخ البخاري .\rوكذلك يحيى بن معين -فيما نقله عنه جعفر بن محمد بن أبان الحراني -، قال : لم يسمع منه ، ولم يرو حديثه إلاّ جريرٍ بن حازم ، وليس بشيء .\rواختلف عن أحمد :\rفنقل عنه ابنه صالح ، قال : سمع الحسن من عمر بن تغلب أحاديث .\rونقل عنه ابنه عبد الله ، قال : كانت سجية في جريرٍ بن حازم : نا الحسن ، نا عمرو بن تغلب ، وأبو الأشهب يقول : عن الحسن ، قال : بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو بن تغلب .\rيريد : أن قول جريرٍ بن حازم : نا الحسن : نا عمرو بن تغلب كانت عادة له ، لا يرجع فيها إلى تحقيق .\rوقد ذكر أبو حاتم نحو هذا في أصحاب بقيةٌ بن الوليد ، أنهم يروون عنه ، عن شيوخه ، ويصرحون بتحديثه عنهم ، من غير سماع له منهم .\rوكذلك قال يحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة : أنه كان يقول : ((ثنا فلان بحديث )) ، ثم يدخل بينه وبينه رجلاً أخر ، كان ذلك سجية منه .\rذكره العقيلي في ((كتابه)) .\rوكذا ذكر الإسماعيلي : أن أهل الشام ومصر يتسامحون في قولهم : ((ثنا)) من غير صحة السماع ، منهم : يحيى بن أيوب المصري .\rوقال :","part":6,"page":220},{"id":1408,"text":"924- نا يحيى بن بكير : نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني عروة ، أن عائشة-رضي الله عنها - اخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خَّرج ليلة من جوف الليل ، فصلى في المسجد ، فصلى رجال بصلاته .\rفذكره ، وفيه :\rفلما قضى الفجر اقبل على الناس ، فتشهد ، ثم قال : ((أما بعد ، أنه لم يخف علي مكانكم ، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها )) .\rتابعه : يونس .\rيعني : عن الزهري ، في لفظه : ((أما بعد)) ، وهو من روايةٍ ابن وهبٍ ، عن يونس .\rورواه مالكٍ عن الزهري ، لم يذكر فيه هذه اللفظة .\rوخرّج البخاري حديثه في موضع آخر .\rثم قال :\r925-نا أبو اليمان : أنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني عروة ، عن أبي حميد الساعدي ، أنه أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام عشية بعد الصلاة ، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : ((أما بعد)) .\rتابعه : أبو معاوية وأبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن أبي حميد الساعدي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((أما بعد)).\rوتابعه : العدني ، عن سفيان .\rهذا قطعة من حديث بعث ابن اللتبية على الصدقة ، وقد خرّجه في مواضع تأتي -أن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوخرّجه في ((الأحكام )) بتمامه من طريق عبدة ، عن هشام ، وفيه : فقام\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس ، فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال : ((أما بعد ، فإني استعمل رجالاً منكم)) -وذكر الحديث .\rوقد ذكر أن هذه اللفظة ذكرها في الحديث : أبو معاوية وأبو أسامة .\rوقد خرّجه في ((الزكاة)) من طريق أبي أسامة ، فاختصره ولم يتمه .\rوخرّجه مسلم من طريق أبي أسامة بتمامه ، وفيه ((أما بعد )) .\rوخرّجه مسلم -أيضاً- من روايةٍ أبي معاوية ، ولم يسق لفظ حديثه بتمامه . وكذلك خرّجه عن العدني ، عن سفيان ، ولم يسقه بلفظه .\rثم قال :\r926-نا ابواليمان : أنا شعيب ، عن الزهري : حدثني علي بن الحسين ، عن المسور بن مخرمة ، قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسمعته حين تشهد يقول : ((أما بعد )) .\rتابعه : الزبيدي ، عن الزهري .\rوالحديث مختصر من قصة خطبة علي لابنة أبي جهل ، وقيام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيباً ، فذكر فضل فاطمة عليها السلام .\rوقد خرّجه بتمامه في ((مناقب فاطمة )) .\rوذكره متابعة الزبيدي ، لأن جماعة من أصحاب الزهري رووا الحديث ، فلم يذكروا فيه : لفظة : ((أما بعد )) .\rوللمسور حديث آخر في المعنى ، في قصة قدوم هوازن وإسلامهم ، ورد سبيهم عليهم .\rخرّجه البخاري في ((الهبة)) من روايةٍ الزهري ، عن عروة ، عن المسور بن\rمخرمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين جاءه وفد هوزان قام في الناس ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : ((أما بعد ، فإن أخوانكم جاءونا تائبين )) -الحديث .\rثم قال :","part":6,"page":221},{"id":1409,"text":"927-ثنا إسماعيل بن ابان-هو : الوراق -: نا ابن الغسيل -واسمه : عبد الرحمن بن سليمان -:نا عكرمة ، عن ابن عباسٍ ، قال : صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر -وكان أخر مجلس جلسه -متعطفاً ملحفة على منكبه ، قد عصب رأسه بعصابة دسمة ، فحمد الله وأثنى\rعليه ، ثم قال : ((أيها الناس ، إلي )) ، فثابوا اليه ، ثم قال : ((أما بعد ، فإن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس ، فمن ولي شيئاً من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فاستطاع أن يضر فيه أحداً أو ينفع فيه أحداً ،فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم )) .\rوفي الباب أحاديث أخر .\rوقد خَّرج البخاري في ((المغازي)) حديث عائشة في قصة الافك بطولها، وفيه: فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ثم قال : ((أما بعد ، يا عائشة ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا )) -الحديث .\rوخرّجه في موضع أخر ، وليس فيه : ((أما بعد )) .\rوخرّج مسلم في ((صحيحه)) من حديث جريرٍ البجلي ، قال : ((كنت جالساً عند النبي- صلى الله عليه وسلم - ، فأتاه قوم مجتابي النمار ، فصلى الظهر ، ثم صعد منبراً صغيراً ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : (( إما بعد ؛ فإن الله أنزل في كتابه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } [النساء:1] -)) وذكر الحديث في الحثّ على الصدقة .\rوخرّجه من طريق أخرى ، ليس فيها لفظه : ((أما بعد )) .\rوخرّج - أيضاً- من حديث سعيدٍ بن جبير ، عن ابن عباسٍ ، أن ضماداً قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا محمد ، إني أرقي من هذه الريح ، وان الله يشفي على يدي من\rيشاء ، فهل لك ؟ فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((الحمد لله نستعينه ، من يهده الله فلا مضل\rله ، ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد )) .\rفدلت هذه الأحاديث كلها على أن الخطب كلها ، سواء كانت للجمعة أو\rلغيرها ، وسواء كانت على المنبر أو على الارض ، وسواء كانت من جلوس أو قيام ، فإنها تبتدا بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله ، ثم يذكر بعد ذلك ما يحتاج إلى ذكره من موعظة أو ذكر حاجة يحتاج إلى ذكرها ، ويفصل بين الحمد والثناء ، وبين ما بعده بقوله: أما بعد .\rوقد قيل : أن هذه الكلمة فضل الخطاب الذي أوتيه داود -عليه السلام-، وقد سبق ذكر ذلك في أول الكلام في الكلام على حديث كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل : ((أما بعد ؛ فاني ادعوك بدعاية الإسلام)) .\rوالمعنى في الفصل بأما بعد : الإشعار بأن الأمور كلها وان جلت وعظمت فهي تابعة لحمد الله والثناء عليهِ ، فذاك هوَ المقصود بالاضافة ، وجميع المهمات تبع له من أمور الدين والدنيا .\rولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع )) ، وفي روايةٍ : ((أجذم )) .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة .\rوقد روي مرسلاً .","part":6,"page":222},{"id":1410,"text":"فالحمد لله متقدم على جميع الكلام ، والكلام كله متأخر عنه وتبع له .\rولا يستثنى مما ذكرناه من الخطب إلا خطبة العيد ، فقد قيل : إنها تستفتح\rبالتكبير .\rوقد روى عن أبي موسى الأشعري ، أنه استفتح خطبتي العيدين بالحمد ، ثم كبر بعد الحمد . وهو الأظهر .\rوكذا قيل في خطبة الاستسقاء .\rومن الناس من قال : تستفتح بالحمد -أيضاً.\rوقد ذكر بعض ائمة الشافعية : أن الخطب كلها تستفتح بالحمد بغير خلافٍ ، وإنما التكبير في العيد يكون قبل الخطبة ، وليس منها ، وإن ذلك نص الشافعي .\rوكذا ذكر طائفةٌ من أصحابنا : أن ظاهر كلام أحمد أنه يكبر إذا جلس على المنبر قبل الخطبة ، وأنه ليس من الخطبة، فإذا قام استفتح الخطبة بالحمد .\rوذكروا : قولُ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : يكبر الإمام على المنبر يوم العيد قبل الخطبة تسعاً ، وبعدها سبعاً .\rفأما خطبة الجمعة ، فلا خلاف أنها تستفتح بالحمد .\rوخرّجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب أحمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش ، يقول : ((صبحكم ومساكم )) ، ويقول ((بعثت أنا والساعة\rكهاتين )) ، ويقرن بين أصبعيه : السبابة والوسطى ، ويقول : ((أما بعد ؛ فإن خيرٌ الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل بدعة\rضلالة )) ، ثم يقول : ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، من ترك مالاً فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي )) .\rوفي روايةٍ له-أيضاً- بهذا الإسناد : كانت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ، ثم يقول على إثر ذلك ، وقد علا صوته-ثم ساق الحديث بمثله .\rوفي روايةٍ له - أيضاً- : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس ، يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ، ثم يقول : ((من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وخير الحديث كتاب الله )) -ثم ساق الحديث بمثل الرواية الأولى .\rوقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بهذه الخطبة لكل من له حاجة ، أن يبدأ بها قبل ذكر\rحاجته ، كما خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن مسعودٍ ، قال : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة الحاجة : ((إن الحمد لله نستعينه ونستغفرة ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، واشهد أن لا إله الا الله ، واشهد أن محمداً عبده ورسوله ، { يا ايها الذين امنوا اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام أن الله كان عليكم رقيبا } ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }\r[آل عمران:102] ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا } -إلى قوله -: { فَوْزاً عَظِيماً } [الأحزاب :7107] .\rوهذا لفظ أبي داود .","part":6,"page":223},{"id":1411,"text":"وفي روايةٍ له : ((الحمد لله )) ، بغير (( إن )) ، وهي روايةٍ الأكثرين .\rوفي روايةٍ له : ((في خطبة الحاجة في النكاح وغيره )) .\rوعند ابن ماجه : ((الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفرة ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا )) -وذكر الحديث ، وفيه : زيادة : ((وحده لا شريك\rله )) .\rوحسن الترمذي هذا الحديث ، وصححه جماعة ، منهم : ابن خراش وغيره.\rوخرّج النسائي في ((اليوم والليلة)) من حديث أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ((فإن شئت أن تصل خطبتك بآيٍ من القرآن ))-فذكر آلايات الثلاث ، ثم قال : ((أما بعد ، ثم يتكلم بحاجته)) .\rوخرّجه أبو داود من وجه آخر ، عن ابن مسعودٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان إذا تشهد قال : ((الحمد لله))- فذكره كما تقدم ، زاد فيه -بعد قوله : ((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) -: ((أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئاً )) .\rوروى أبو مالكٍ الأشجعي ، عن نبيط بن شريط ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب عند الجمرة فقال : ((الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفرة ، وأشهد أن لا إله الا الله ، وان محمداً عبده ورسوله ، واوصيكم بتقوى الله )) -وذكر الحديث .\rوخرّج أبو داود في ((مراسليه)) من روايةٍ يونس ، عن ابن شهاب ، أنه سأله عن تشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ؟ فقالَ ابن شهاب : ((أن الحمد لله وحده واستعينه\rواستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهده الله فلا مضل لهُ ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله الا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعص الله فقد غوى ، نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ، ويطيع رسوله ، ويتبع رضوانه ، ويجتنب سخطه ؛ فإنما نحن به وله )) .\rوخرّجه في ((السنن)) مختصراً .\rوخرّجه في ((المراسيل )) -أيضاً- من روايةٍ عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : كان صدرخطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره)) - فذكره بمثله .\rومن روايةٍ يونس ، عن ابن شهاب ، قال : بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كان يقول إذا خطب : ((كل ما هو آت قريب ، لا بعد لما هو آت ، لا يعجل الله فيعجله أحد ، ولا يخف لامر الناس ، ما شاء الله لا ما شاء الناس ، يريد الناس أمراً ، ويريد الله أمراً ، ما شاء الله كان ، ولو كره الناس ، ولا مبعد لما قرب الله ، ولا مقرب لما بعد الله ، لا يكون شيء إلا بإذن الله عز وجل )) .\rومن طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، أنه قال : كان أكثر ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : ((أتقوا الله وقولوا قولاً سديداً)) .\rوفي خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث أخر مرسلة ، يطول ذكرها .","part":6,"page":224},{"id":1412,"text":"فظهر بهذا : أن خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تشتمل على حمد الله والثناء عليه بما هو\rأهله ، وعلى الشهادة لله بالتوحيد ، ولمحمد بالرسالة .\rوقد خرّج أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : ((كل خطبة ليس فيها تشهدٌ فهي كاليد الجذماء )) .\rورجاله ثقاتٌ .\rوأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعظ الناس ويذكرهم بالله وبوحدانيته ، وتفرده بالربوبية والمشيئة ، ويحثهم على تقواه وطاعته .\rوكان-غالباً- يفصل بين التحميد وتوابعه من الشهادتين ، وما بعد ذلك من الوعظ والأمر والنهي ، بقوله : ((أما بعد)) .\rوكان -أيضاً- يتلو من القرآن في خطبته .\rوفي ((الصحيحين)) عن يعلى بن أمية ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على المنبر :\r{ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ } [الزخرف:77] .\rوفي ((صحيح مسلم )) ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ كل جمعةٍ على المنبر ، إذا خطب الناس : { ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ } [ق:1].\rوفيه-أيضاً- ، عن جابر بن سمرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت له خطبتان ، يجلس\rبينهما ، يقرأ القرآن ، ويذكر الناس .\rوخرّجه النسائي ، ولفظه : ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائماً ، ثم يجلس ، ثم يقوم ، ويقرأ آيات ، ويذكر الله )) .\rوترجم عليه : ((القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها )) .\rوخرّجه ابن ماجه ، ولفظه : ((ثم يقوم فيقرأ آياتٍ )) .\rفإن كان ذلك محفوظاً فهو صريح فيما بوب عليه النسائي .\rوظاهر كلام الخرقي من أصحابنا يدل على مثله -أيضاً.\rوفي القراءة في الخطبة أحاديث كثيرةٌ:\rوروى ابن لهيعة : حدثني أبو صخر -وهو : حميد بن زياد -، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدع قراءة سورة الأعراف في كل جمعةٍ .\rخرّجه ابن عدي .\rفإن كان هذا محفوظاً فلعله كان يواظب على ذلك ؛ لما فيها من قوله : { وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الأعراف:204) فيكون مقصوده : الأمر بالاستماع والانصات للخطبة والموعظة .\rوقد قال الإمام أحمد : أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة ، وفي الخطبة .\rوكان عثمان بن عفان يأمر في خطبته بالإنصات ؛ ولهذا اعتاد الناس في هذه الأزمان أن يذكروا قبل الخطبة بين يدي الخطيب بصوت عال يسمع الناس حديث أبي هريرة في الأمر بالإنصاف ، كما سيأتي ذكره -أن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوكان مع ذلك مقتصداً في خطبته ولا يطيلها ، بل كانت صلاته قصداً وخطبته قصداً .\rخرّجه مسلم من حديث جابر بن سمرة .\rوخَّرج -أيضاً- من حديث عمار ،عن { النبي - صلى الله عليه وسلم - :قال } : ((أن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ؛ فإن من البيان سحراً )) .","part":6,"page":225},{"id":1413,"text":"ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي على نفسه في الخطبة ، بل كان يشهد لنفسه بالعبودية والرسالة ؛ ولكن روي عنه الأمر بالإكثار من الصلاة عليه في يوم الجمعة وليلة الجمعة ،وان الصلاة عليه معروضة عليه .\rوقد روي في حديث مرسل ، رواه ابن إسحاق ، عن المغيرة بن عثمان بن محمد بن الاخنس ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : أول خطبة خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، أن قام فيهم ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : ((أما بعد ، ايها الناس ، فقدموا لأنفسكم ، تعلمن والله ، ليصعقن أحدكم ، ثم ليدعن غنمه ،ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه -ليس له ترجمانٌ ،ولا حاجب يحجبه دونه -: ألم يأتك رسولي ، فيبلغك ، وآتيتك مالاً ، وأفضلت ،فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يميناً وشمالا ، فلا يرى شيئاً ، ثم ينظر قدامه ، فلا يرى غير جهنم ، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم يفعل فبكلمة طيبة؟ فإن بها تجزئ الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلام على رسول الله ورحمته وبركاته )) .\rفالصلاة والسلام عليه في الخطبة يوم الجمعة حسنٌ متأكد الاستحباب ، لكن لا يظهر أنه تبطل الخطبة بتركه ، بل الواجب الشهادتان مع الحمد والموعظة .\rوأما القراءة ، فالأكثرون على وجوبها في الخطبة ، وهو المشهور عن أحمد .وحكي عنه روايةٍ ، أنها مستحبةٌ غير واجبةٍ.\rواكثر أصحابنا على ايجاب الصلاة علىالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومنهم من قال : الواجب الشهادة له بالرسالة والعبودية .\rوفي وجوب ذلك كله -في كل واحدة من الخطبتين -نظر ، والأشهر عند أصحابنا : وجوبه .\rوظاهر كلام الخرقي : أن الموعظة تكون في الخطبة الثانية .\rولأصحابنا وجه في القراءة ، أنها تجب في احدى الخطبتين .\rوالمنصوص عن أحمد : ما نقله عنه محمد بن الحكم ، وقد سأله عن الرجل يخطب يوم الجمعة ، فيكبر ، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويحمد الله ، تكون خطبةً ؟ وقلت له : إن أصحاب ابن مسعودٍ يقولون : إذا كبر ، وصلى { على } النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحمد الله ، تكون خطبةً ؟ قال : لا تكون خطبةً ،إلا كما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو خطبةً تامةً .\rوهذا يدل على أنه لا بد من ذلك من موعظةٍ .\rوقد صرح به في روايةٍ حنبل ، فقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب وعظ فأنذر وحذر الناس .\rفهذا تفسير قوله : لا تكون خطبةً إلا كما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومذهب الشافعي وأصحابه : لا يصح ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...\r35-باب\rالاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة","part":6,"page":226},{"id":1414,"text":"933-حدثنا إبراهيم بن المنذر : ثنا الوليد : ثنا أبو عمرو : حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالكٍ ، قال : اصابت الناس سنةٌ على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فبينا - صلى الله عليه وسلم - يخطب في يوم جمعةٍ قام أعرابيٌ ، فقال : يا رسول الله ، هلك المال ، وجاع العيال ، فادع الله لنا ، فرفع يديه-وما نرى في السماء قزعة-ـ،فوالذي نفسي بيده ، ما وضعها حتى ثار السحاب امثال الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته - صلى الله عليه وسلم - ، فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ، وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى .وقام ذلك الأعرابي -أو قال : غيره- ، فقال : يا رسول الله، تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله لنا ، فرفع يديه فقال : ((اللهم ،حوالينا ، ولا علينا )) .فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب الا انفرجت ،وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي -قناة-شهراً ،ولم يجئ احد من ناحية الا حدث بالجود )) } .\rباهرة من آيات النبوة ومعجزاتها .\rو ((لجوبة)) -بفتح الجيم - : الفجوة بين البيوت ، والفجوة متسع في الارض -وغيرها -فارغ .\rوقال الخطابي : المراد بالجوبة : الترس .قال : وفي حديث أخر : ((فبقيت المدينة كالترس )) ،والمراد : أنها بقيت في استدارتها غير ممطورةٍ .\rورواه بعضهم : ((الجونة)-بالنون- ،وهو تصحيفٌ .\rوالمراد :أن السحاب انكشط عن المدينة وبقي على ما حولها .\rوهذا يدل على أن القائم إليه في الجمعة الثانية كان من أهل المدينة ، وأنه شكا ضررهم ؛ ولذلك لم يدع برفع المطر عن غيرهم .\rو((قناة)) : اسم وادٍ بالمدينة ، تجري عند السيول و((الجود)) -بفتح الجيم - : المطر العظيم .\r36-باب\rالإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب\rوإذا قال لصاحبه : ((أنصت )) ، فقد لغا\rوقال سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((وينصت إذا تكلم الإمام )).\rحديث سلمان ، خرّجه البخاري فيما تقدم في موضعين .\r934-حدثنا يحيى بن بكير : نا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أخبرني سعيدٍ بن المسيب ، أن أبا هريرة أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : انصت -والإمام يخطب -فقد لغوت )) .\rحدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالكٍ ،عن أبي الزناد ، عن الاعرج ،عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا قلت لصاحبك : أنصت ، فقد لغوت)) .\rهذا الحديث الثاني ، يوجد في بعض روايات هذا الكتاب ، ولا يوجد في أكثرها .\rالفضل في الجمعة ، وحصول التكفير بها مشروط بشروط ، منها : أن يدنو من الإمام ، ويستمع وينصت ،ولا يلغو .\rوقد ورد ذلك في أحاديث متعددة ، قد ذكرنا بعضها فيما تقدم .\rو((اللغو)) : هو الكلام الباطل المهدر ، الذي لا فائدة فيه .\rومنه : لغو اليمين ، وهو مالا يعبأ به ولا ينعقد .\rومنه : قوله تعالى : { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما } (الفرقان:72) ،وقوله { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } (النبأ:35) .","part":6,"page":227},{"id":1415,"text":"وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذ الحديث الأمر بالإنصات في حال الخطبة لغواً ، وإن كان أمر بمعروف ونهيا عن منكرٍ ،فدل على أن كل كلام يشغل عن الاستماع والإنصات فهو في حكم اللغو ، وإنما يسكت المتكلم بالإشارة .\rوكان ابن عمر يشير اليه ، وتارة يحصبه بالحصى .\rوكره علقمة رميه بالحصى .\rولا خلاف في جواز الإشارة اليه بين العلماء ، الا ما حكي عن طاوس وحده ، ولا يصح ؛ لأن الإشارة في الصلاة جائزةٌ ، ففي حال الخطبة اولى .\rوروى أنس ، أن رجلاً دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ،فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ فأشار الناس اليه أن اسكت ، فساله ثلاث مراتٍ ، كل ذلك يشيرون اليه أن اسكت ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( ويحك ، ما أعددت لها )) -وذكر الحديث .\rخرّجه البيهقي وغيره .\rولا يستثنى من ذلك إلا ما لابد منه ، مما يجوز قطع الصلاة لأجله ، كتحذير الأعمى من الوقوع في بئر ونحوه .\rفأما رد السلام وتشميت العاطس ، ففيه اختلاف سبقت الإشارة اليه ، وكذلك حكم كلام الإمام ومن يكلمه لمصلحةٍ .\rوأجمع العلماء على أن الأفضل لمن سمع خطبةً الإمام أن ينصت ويستمع ، وانه افضل ممن يشتغل عن ذلك بذكر الله في نفسه ، أو تلاوة قرآن أو دعاءٍ .\rقال عبد الرزاق ، عن ابن جريجٍ ، قلت لعطاء : أسبح في يوم الجمعة واهلل ، وأنا اعقل الخطيب . قال : لا ،إلا الشيء اليسير ، واجعله بينك وبين نفسك .\rوروى بإسناده ، عن طاوسٍ ،قال : إذا كان الإمام على المنبر فلا يدع احد بشيء ، ولا يذكر الله ، إلا أن يذكر الإمام.\rوقول مالكٍ كقول عطاءٍ -: ذكره في ((تهذيب المدونة )) .\rوروى حرب بإسناده ، عن سفيان ،عن منصورٍ ، عن إبراهيم ، قال : سألت علقمة : متى يكره الكلام يوم الجمعة ؟ قال : إذا خَّرج الإمام ،وإذا خطب الإمام . قلت : فكيف ترى في رجل يقرأ في نفسه؟ قال : لعل ذلك لا يضره ، أن شاء الله .\rقال سفيان : ذاك إذا لم يسمع الخطبة .\rوروي عن سعيدٍ بن جبير والنخعي : الرخصة في القراءة والإمام يخطب .\rولعله إذا لم يسمع الخطبة أو إذا تكلم الإمام بما لا يجوز استماعه .\rوكره الأوزاعي لمن سمع الخطبة أن يتشهد ، وقال : قد جهل ، ولم تذهب جمعته.\rواختلفوا : في الإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة : هل يوافقه المأموم ؟\rفقالت طائفةٌ: يصلي المأموم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفسه ، وهو قولُ مالكٍ وأبي يوسف وأحمد وإسحاق .\rواستدلوا : بأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - خصوصاً يوم الجمعة متأكدة الاستحباب ، ومختلف في وجوبها كلما ذكر ، فيشرع الاتيان بها في حال الخطبة عند ذكره ، لأن سببها موجود ، فهو كالتأمين على دعاء الإمام ، وأولى .\rوقال بعض الشافعية : إذا قرأ الإمام : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى\rالنَّبِيِّ } (الأحزاب:56) -الآية ، جاز للمأموم أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويرفع بها صوته .","part":6,"page":228},{"id":1416,"text":"وقالت طائفةٌ : بل ينصت ، وهو قولُ سفيان وأبي حنيفة ومحمد والليث بن سعدٍ ومالك -في روايةٍ - والشافعي .\rوقال الأوزاعي : ينبغي للإمام إذا صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة أن يسكت حتى يصلي الناس ، فإن لم يسكت فأنصت ، وأمن على دعائه .\rواختلفوا فيمن لم يسمع الخطبة لبعده : هل يذكر الله ويقرأ القرآن في نفسه ، أو ينصت ؟ على قولين :\rأحدهما : يذكر الله في نفسه ويقرأ ، وهو قولُ علقمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق .\rوقولهم هذا شبه قول الأكثرين في قراءة المأموم إذا لم يسمع قراءته .\rوالثاني : أنه ينصت ولا يتكلم بشيء ، وهو قولُ الزهري والأوزاعي ومالك وأبي حنيفة.\rواستدلوا : بقول عثمان : إن للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للسامع المنصت .\rخرّجه مالكٌ في ((الموطإ)) .\rوقالت طائفةٌ : من لا يسمع لا إنصات عليه ، بل يباح له الكلام ، وهو قولُ عروة بن الزبير ، وطائفة من أصحاب الشافعي .\rوأومأ إليه أحمد ، فإنه قال : يشرب الماء إذا لم يسمع الخطبة .\rواختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا .\rوقال ابن عقيل منهم : له أن يقرئ القرآن ، ويذاكر بالعلم .\rوهو بعيدٌ ؛ فإن رفع الصوت ربما منع من أقرب منه إلى الإمام ممن يسمع من السماع ، بخلاف الذكر في نفسه والقراءة .\rواختلفوا : هل انصات من سمع الخطبة واجبٌ ، وكلامه في تلك الحال محرم ، أو هو مكروه فقط ، فلا يأثم به ؟ على قولين :\rأحدهما : أنه محرم ، وهو قول الأكثرين ، منهم : الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي -في القديم - وأحمد -في المشهور عنه .\rوالمنقول عن أكثر السلف يشهد له .\rوقال عطاءٌ ومجاهد : الانصات يوم الجمعة واجبٌ .\rوقد أمر ابن مسعودٍ بقرع رأس المتكلم بالعصى ، وكان ابن عمر يحصبه\rبالحصباء .\rوروي عنه ، أنه قال : المتكلم لا جمعةٍ له ، ولمن أجابه : أنت حمارٌ .\rوقال ابن مسعودٍ وغيره لمن تكلم في جمعةٍ : هذا حظك من صلاتك .\rويدل على تحريمه : قولُ الله تعالى : { وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا } [الأعراف:204] ، وقد تقدم قولُ الإمام أحمد : اجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة .\rولأن الخطبة وجبت في الجمعة تذكيراً للناس وموعظةً لهم ، فاذا لم يجب استماعها لم تبق فائدة في وجوبها في نفسها؛ فإن إيجاب المتكلم بما لا يجب استماعه يصير لغواً لا فائدة له .\rوفي ((مسند الإمام أحمد )) من حديث مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباسٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً ، والذي يقول له : أنصت ،لا جمعةٍ له )) .\rوإنما شبهه بالحمار يحمل أسفاراً ، لأن الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار بشيء ، فكذلك من لم يستمع الإمام يوم الجمعة .\rوهذا المثل ضربه الله لليهود الذين لم ينتفعوا بشيء من علمهم ، وليس لنا مثل بالسوء ، ولا التشبه بمن ذمه الله من أهل الكتاب قبلنا ، فيما ذموا عليه .","part":6,"page":229},{"id":1417,"text":"وخَّرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((من دنا من الإمام فلغا ، ولم يستمع ولم ينصت ، كان له كفل من الوزر ، ومن قال له: مه فقد لغا ، ومن لغا فلا جمعةٍ له )) .\rوالقول الثاني : أنه مكروه غير محرم ، وهو قولُ الشافعي -الجديد - وحكي روايةً عن أحمد .\rواختلف من قال بتحريمه : هل تبطل به الجمعة ؟\rواختلف من قال بتحريمه : هل تبطل به الجمعة ؟\rفحكي عن طائفةٌ أنه تبطل به الجمعة .\rقال عطاءٌ الخراساني وعكرمة : من لغا فلا جمعةٍ له .\rوقال الأوزاعي : من تكلم عمداً صارت جمعته ظهراً ، ومن تكلم ساهياً لم يتره الله فضلها ، إن شاء الله تعالى .\rوزعم بعضهم أن قولُ الأوزاعي هذا يخالف الإجماع ، وليس كذلك ، ولم يرد الأوزاعي أنه يصلي ظهراً ، إنما أراد أن ثواب جمعته يفوته ، ويبقى له فضل صلاة الظهر ، وتبرأ ذمته منها .\rوكذلك قال فيمن قال كتاباً والإمام يخطب ، قال : ذاك حظه من جمعته ، ولم يامره باعادة الصلاة .وكذلك قال فيمن شرب الماء والإمام يخطب .\rوقد روي في احاديث متعددةٍ مرسلةٍ ، وبعضها متصلة الأسانيد ، وفيها ضعف ، أن من لغا لا جمعةٍ له ، وأن ذلك حظه منها .\rوالمراد : أنه يفوته ثواب الجمعة ، وبذلك فسره عطاءٍ وابن وهبٍ -صاحب\rمالكٍ .\rوقال إسحاق : يخشى عليه فوات الأجر .\rقال عبد الرزاق ، عن ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ : يقال : من تكلم فكلامه حظه من الجمعة -يقول : من أجر الجمعة ، فأما أن يوفي أربعاً ،فلا .\rوقال -أيضاً - : قلت لعطاء : هل تعلم شيئاً يقطع جمعةٍ الإنسان ، حتى يجب أن يصلي أربعاً ، من كلام أو تخطي رقاب الناس ، أو شيء غير ذلك ؟ قال : لا .\rوكذا قال الحسن والزهري ، فيمن تكلم والإمام يخطب : يصلي ركعتين .\rوقال الثوري : يستغفر الله ، ويصلي .\rولا يصح عن أحدٍ خلاف ذلك . والله أعلم .\rواختلفوا : متى يجب الإنصات يوم الجمعة ؟\rفقال الجمهور : بشروع الإمام في الخطبة ، وهو المروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ، وكانوا يفعلونه في زمانه ، وروي عن سعدٍ بن أبي وقاص وابن عباسٍ .\rوقالت طائفةٌ : ينقطع بخروج الإمام ، وإن لم يتكلم ، كما تنتطع الصلاة\rبخروجه ، وهو قولُ طائفةٌ من الكوفيين ، منهم : الحكم ، وحكي عن أبي حنيفة ، وروي عن ابن عمر وابن عباسٍ .\rوقد خرّج البخاري حديث سلمان الفارسي في الانصات بلفظين : في أحدهما : ذكر خروج الإمام ، وفي الآخر : ذكر كلامه .\rفمن الناس من قال : رواية الخروج مطلقة ، تحتمل حالة الكلام وغيرها ، ورواية الكلام مقيدة فتقضي على المطلقة .\rومنهم من قال : إن الرواية المطلقة إنما دلت على اثبات فضل ترك الكلام\rبالخروج ، لا على منعه وتحريمه .\rواستحب عطاءٌ : أن يتكلم من حضر الجمعة قبل أن يخطب الإمام .","part":6,"page":230},{"id":1418,"text":"وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ : قال : إذا خرج الإمام يوم الجمعة فافصل بكلام قبل أن يخطب . قلت : سلم الإمام ، فرددت عليه أيكون ذلك فصلا ؟ قال : إني أحب أن تزيد -أيضاً- بكلام ، السلام في القرآن .\rيعني : أن السلام لا يكفي في الفصل ؛ لأنه مما في القرآن ، والمقصود : الفصل بكلام من كلام الآدميين .\rوهذا قولُ غريبٌ .\rواختلفوا : إلى أي وقتٍ ينتهي النهي عن الكلام ؟\rفقال الجمهور : ينتهي بفراغ الإمام من الخطبتين ، ويجوز الكلام مع نزوله ، وبين الصلاة والخطبة .\rوقالت طائفةٌ : ينتهي النهي إلى الدخول في الصلاة .\rوقد سبق ذكر ذلك عند ذكر الكلام بين الإقامة والصلاة بما يغني عن إعادته\rهاهنا .\rواتفقوا على أن النهي عن الكلام يستمر ما دام يتكلم بما يشرع التكلم به في الخطبة ، من حمد الله والثناء ، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقراءة القرآن ، والموعظة وغير ذلك .\rوحكى ابن عبد البر عن طائفةٌ ، منهم : الشعبي وأبو بردة ، أنه لا ينهى عن الكلام إلاّ في حال قراءة القرآن خاصةً ، ويجوز في غيرها .\rوهذا لا يصح عنهم ، وسنذكر وجه ما روي عنهم فيما بعد -أن شاء الله تعالى .\rولو شرع الإمام في خطبته في كلامٍ مباحٍ أو مستحب كالدعاء ، فإنه يستمع له وينصت ، وهذا قولُ جمهور العلماء، منهم : عطاءٌ وغيره .\rولأصحابنا ثلاثة أوجهٍ : أحدها : تحريم الكلام في الحالين . والثاني : لا يحرم . والثالث : أن كان مستحباً كالدعاء حرم الكلام معه ، وإن كان مباحاً لم يحرم .\rفأما أن تكلم بكلام محرم ، كبدعةٍ أو كسب السلف ، كما كان يفعله بنو أمية ، سوى عمر بن عبد العزيز -رحمة الله عليه - ، فقالت طائفةٌ : يلحق بالخطب وينصت لهُ، روي عن عمرو بن مرة وقتادة .\rوالأكثرون على خلاف ذلك ، منهم : الشعبي وسعيد بن جبيرٍ وأبو بردة وعطاءٌ والنخعي والزهري وعروة والليث ابن سعدٍ .\rوهو الصحيح ؛ فإن الله تعالى يقول : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [الأنعام :68] الآية ، وما كانَ محرماً حرم استماعه والانصات إليه ، ووجب التشاغل عنه كسماع الغناء والآت اللهو ، ونحو ذلك .\rولعل قول عمرو بن مرة وقتادة في كلامٍ مباحٍ لا في محرمٍ .\rوفي بطلان الخطبة بالكلام المحرم قبل فراغ أركان الخطبة وجهان لأصحابنا ، كالوجهين لهم في بطلان الأذان بالكلام المحرم في أثنائه .\rوفي جواز الكلام في جلوس الإمام بين الخطبتين وجهان لأصحابنا والشافعية ، ومنعه أصحاب مالكٍ .\rوهذا كله في حق الجالس في المسجد من حين خروج الإمام ، فأما من دخل المسجد في حال الخطبة ، فقال طائفةٌ: إنما يمتنع عليه الكلام إذا جلس وأخذ مجلسه ، وما دام يمشي فله أن يتكلم ويكلم من معه ، وهذا قولُ الزهري وقتادة والثوري والشافعي .\rوعموم قوله : ((إذا قلت لصاحبك : أنصت-والإمام يخطب - فقد لغوت )) ، ويشمل القائم والقاعد والماشي .\r* * *","part":6,"page":231},{"id":1419,"text":"37-باب\rالساعة التي في يوم الجمعة\r935-حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالكٍ عن أبي الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - ذكر يوم الجمعة ، فقال : ((فيه ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ ،وهو قائمٌ يصلي يسال الله شيئاً ، إلا أعطاه إياه ))-وأشار بيده يقللها .\rوخرّجه في ((كتاب الطلاق )) في ((باب : الإشارة في الطلاق وغيره )) من طريق آخر ، فقال :\rنا مسددٌ : نا بشر بن المفضل : نا سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - : ((في الجمعة ساعةٌ ، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ ، قائمٌ يصلي ، يسأل الله خيراً ، إلا أعطاه )) -وقال بيده ، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر ، قلنا : يزهدها .\rوخرّجه في ((الدعوات ))-أيضاً- من روايةٍ أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - بمعناه ، وقال فيه : وقال بيده. قلنا :يقللها ، يزهدها .\rقوله : ((في الجمعة ))-وفي الرواية الأخرى : ((في يوم الجمعة -ساعةٌ )) .\rيقتضي أنها في كل يوم جمعةٍ : وهذا قولُ جمهور العلماء .\rوقد تنازع في ذلك أبو هريرة وكعب ،فقال : أبو هريرة في كل يوم جمعةٍ .\rوقال كعبٌ : في السنة مرةً ، ثم رجع كعب إلى قولُ أبي هريرة ، ثم ذكر أبو هريرة لعبد الله بن سلامٍ ما قاله كعبٌ أولاً ، فكذبه فقال له : إنه رجع عنه .\rوقد زعم قوم أن ساعة الإجابة في الجمعة رفعت .\rفروى عبد الرزاق في ((كتابه)) بإسناده ، أن أبا هريرة قيل له : زعموا أن ليلة القدر رفعت .قال : كذب من قال ذلك . قيل له : فهي في كل رمضان نستقبله ؟ قال : نعم . فقيل له : إنهم زعموا أن الساعة في يوم الجمعة التي لا يدعو فيها مسلم إلا استجيب له رفعت .قال : كذب من قال ذلك .قيل له : هي في كل جمعةٍ نستقبلها ؟ قال : نعم .\rوقوله : ((ساعةٌ)) يحتمل أنه أراد بها الساعة الزمنية من ساعات النهار .\rزقال عبد الله بن سلامٍ : النهار اثنا عشرة ساعةً ، والساعة التي تذكر من يوم الجمعة آخر ساعات النهار .\rخرّجه عبد الرزاق ، عن ابن جريجٍ : حدثني موسى بن عقبة ، أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن ، أنه سمع عبد الله بن سلام يقوله .\rوهذا إسنادٌ صحيحٌ .\rوقد رواه الجلاح أبو كثيرٍ ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -بمعناه .\rخرّجه أبو داود والنسائي .\rوعندي : أن روايةٍ موسى بن عقبة الموقوفة أصح .\rويعضده : أن جماعةً رووه ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلام ، ومنهم من قال : عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن عبد الله بن سلامٍ ، كما سياتي .\rوظاهر هذا : أنها جزء من اثني عشر جزء من النهار ، فلا تختلف بطول النهار وقصره ، ولكن الإشارة إلى تقليلها يدل على أنها ليست ساعةً زمانيةً ، بل هي عبارة عن زمن يسيرٍ .\rوقوله -في الرواية الأخرى- : ((يزهدها )) ، معناه : يقللها -أيضاً- ، ومنه الزهد في الدنيا ، وهو احتقارها وتقليلها وتحقيرها ، هو من اعمال القلوب ، لا من أعمال الجوارح .","part":6,"page":232},{"id":1420,"text":"وقد روي حديث يدل على أنها بعض ساعةٍ :\rفروى الضحاك بن عثمان ، عن سالمٍ أبي النضر ، عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلامٍ ، قال : قلت -ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسٌ - : إنا لنجد في كتاب الله : في يوم الجمعة ساعة ، لا يوافقها عبد مؤمن يصلي ، يسأل الله شيئاً ، إلا قضى له حاجته .قال عبد الله : فاشار الي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أو بعض ساعة )) .قلت : صدقت ((أو بعض ساعة)). قلت : أي ساعة هي ؟ قال : ((آخر ساعة من ساعات النهار )) . قلت : إنها ليست ساعة صلاةٍ ؟ قال : ((بلى ،أن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس ، لا يجلسه إلا الصلاة ، فهو في صلاة )) .\rخرّجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وهذا لفظه .\rورواته كلهم ثقات ؛ لكن له علةٌ مؤثرةٌ ، وهي أن الحفاظ المتقنين رووا هذا الحديث ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، في ذكر ساعة الإجابة ، وعن عبد الله بن سلامٍ في تعيينها بعد العصر .\rكذلك رواه محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .\rخرّجه من طريقه مالكٍ في ((الموطإ)) ، وأحمد وأبو داود والترمذي ، وصححه .\rوذكر فيه : ((خيرٌ يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أهبط منها ، وفيه ساعة الإجابة )) ورفع ذلك كله .\rثم ذكر أبو هريرة ، عن عبد الله بن سلامٍ ، أنه قال له : هي بعد ، وأنه ناظره في الصلاة فيها .\rوكذا رواه محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة مختصراً .\rورواه سعيدٍ بن الحارث ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة -مرفوعاً .\rوفي روايةٍ عنه بالشك في رفعه في ساعة الإجابة ، وجعل ذكر تعيينها من روايةٍ أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلامٍ .\rوكذا رواه معمرٌ ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة .\rورواه الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، فجعل الحديث كله عن كعب في : ((خيرٌ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة )) .\rلم يرفع منه شيئاً ، وقال : لم اسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حدثني به كعبٌ .\rورواه حسين المعلم ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن كعب ، قال : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم جمعةٍ ، فيه خلق الله آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، وفيه تقوم الساعة .\rورواه معاوية بن سلامٍ ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة -موقوفاً .\rورواه محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، فرفعه .\rورفعه خطأٌ .\rورجح هذه الرواية أبو زرعة الدمشقي .\rويعضده -أيضاً- : روايةٍ حماد بن سلمة ، عن قيس بن سعدٍ ، عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، فرفع منه ذكر ساعة الإجابة ، وجعل باقي الحديث في فضل يوم الجمعة ،وما فيه من الخصال ، وتعيين ساعة الإجابة كله من قولُ كعب .\rولعل هذا هو الأشبه .\rوقد سبق أن موسى بن عقبة روى عن أبي سلمة ، عن عبد الله بن سلامٍ قوله في تعيين ساعة الإجابة -أيضاً .","part":6,"page":233},{"id":1421,"text":"وخَّرج الإمام أحمد من روايةٍ فليح بن سليمان ، عن سعيدٍ بن الحارث ، عن أبي سلمة ، أنه سمع أبا هريرة يحدث ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ساعة الإجابة .\rقال : فلما توفي أبو هريرة قلت : لو جئت أبا سعيدٍ فسألته عن هذه الساعة .\rأن يكون عنده منها علم ، فاتيته ، فسالته ، فقال : سألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها ، فقال : ((إني كنت أعلمتها ، ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر )) . قال : ثم خرجت من\rعنده ، فدخلت على عبد الله بن سلامٍ .\rهكذا ساقه الإمام أحمد ، ولم يذكر ما قاله ابن سلامٍ .\rوقد خرّجه البزار بتمامه ، وذكر فيه : أن ابن سلامٍ قال له : خلق الله آدم يوم الجمعة ، وأسكنه الجنة يوم الجمعة ، وأهبطه إلى الأرض يوم الجمعة ، وتوفاه يوم الجمعة ، وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة ، وهي آخر ساعةٍ من يوم الجمعة . قلت : ألست تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((في صلاةٍ)) ؟ قال : أولست تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من انتظر الصلاة فهو في صلاة))؟ .\rفهذه الرواية -أيضاً- تدل على أن ذكر فضل يوم الجمعة وما فيه من الخصال إنما هو من رواية أبي سلمة عن عبد الله بن سلامٍ ، ورواية الأوزاعي وغيره تدل على أن هذا القدر كان أبو هريرة يرويه عن كعبٍ .\rوقد روي عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((خيرٌ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة )) ، وذكر ما فيه من الخصال من طرق متعددة ، وهي معللة بما ذكرناه ؛ ولذلك لم يخرّج البخاري منها شيئاً .\rوقد خرّجه مسلم من طريق الاعرج ، عن أبي هريرة -مرفوعاً .\rوخرّجه ابن حبان من روايةٍ العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة -مرفوعاً .\rوروي عن العلاء ، عن إسحاق أبي عبد الله ، عن أبي هريرة -مرفوعاً .\rفتحرر من هذا : أن المرفوع عن أبي هريرة من الحديث ذكر ساعة الجمعة .\rوزعم ابن خزيمة : أن قوله : ((خيرٌ يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة )) مرفوع -أيضاً- بغير خلافٍ ، وأن الاختلاف عن أبي هريرة فيما بعد ذلك من ذكر الخصال التي في الجمعة .\rوحديث أبي سعيدٍ يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنسي معرفة وقتها ، كما انسي معرفة ليلة القدر .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعيينها أحاديث متعددةٌ :\rومن أغربها : أن ساعة الإجابة هي نهار الجمعة كله .\rوهو من روايةٍ هانئ بن خالدٍ ، عن أبي جعفر الرازي ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ((الساعة التي في يوم الجمعة ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس )) .\rخرّجه العقيلي .\rوقال : هانئ بن خالد حديثه غير محفوظ ، وليس بمعروف بالنقل ، ولا يتابع\rعليه ، ولا يعرف إلا به .\rومنها : أنها آخر نهار الجمعة :\rروى عبد السلام بن حفص ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إن الساعة التي يتحرى فيها الدعاء يوم الجمعة هي آخر ساعة من\rالجمعة )) .\rخرّجه ابن عبد البر .","part":6,"page":234},{"id":1422,"text":"وقال : عبد السلام هذا مدني ثقةٌ .\rقلت : رفعه منكرٌ ، وعبد السلام هذا وان وثقه ابن معين ، فقد قال فيه أبو حاتم الرزاي : ليس بالمعروف .\rولا يقبل تفرده برفع هذا .\rوليته يصح موقوفاً ، فقد روى شعبة والثوري ، عن يونس بن خباب ، عن\rعطاء ، عن أبي هريرة ، قال : الساعة التي في الجمعة بعد العصر .\rوخرّجه عبد الرزاق ، عن الثوري ، به، ولفظه : الساعة التي تقوم في يوم الجمعة ما بين العصر إلى أن تغرب الشمس .\rوخرّجه وكيعٌ عن يونس ، به .\rويونس بن خباب ، شيعيٌ ضعيفٌ .\rقال الدارقطني في ((العلل)): ومن رفعه عن الثوري فقد وهم .\rوقال : وفيه نائلٌ : ((عن يونس بن عبيدٍ )) ، ووهم فيه-أيضاً .\rوروى إسماعيل بن عياش ، عن سهيل بن أبي صالحٍ ، عن مسلم بن مسافر ، عن أبي رزين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إن في الجمعة ساعةً)) -يقللها بيده- ((لا يوافقها عبدٌ مؤمنٌ وهو يصلي ،فيسأل الله فيها إلا استجاب له )) . قيل : أي الساعات هي يا رسول الله ؟ قال : ((ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس )) .\rخرّجه أبو أحمد الحاكم وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر .\rوإسناده لا يصح ، وروايات إسماعيل بن عياش عن الحجازيين رديئةٌ .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن ابن جريجٍ : حدثني العباس ، عن محمد بن مسلمة الأنصاري ، عن أبي سعيدٍ الخدري وأبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((إن في الجمعة ساعةً ، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ ، يسأل الله عز وجل فيها خيراً ، إلا أعطاه إياه ، وهي بعد العصر)) .\rوخرّجه الإمام أحمد في ((مسنده)) ، عن عبد الرزاق .\rوخرّجه العقيلي في ((كتابه)) .\rوقال : العباس رجلٌ مجهولٌ ، لا نعرفه، ومحمد بنمسلمة -أيضاً- مجهولٌ . وذكر عن البخاري ، أنه قال : محمد بن مسلمة الأنصاري ، عن أبي سعيدٍ وأبي هريرة- في ساعة الجمعة -: لا يتابع عليه .\rقال العقيلي : الرواية في فضل الساعة التي في يوم الجمعة ثابتهٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير هذا الوجه ، فأما التوقيت ، فالرواية فيه لينةٌ .\rيعني بالتوقيت : تعيين ساعة الإجابة .\rوروى فرج بن فضالة ، عن علي بن أبي طلحة ، عنابي هريرة ، قال : قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لأي شيءٍ سمي يوم الجمعة ؟ قال : ((لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم ، وفيها الصعقة والبعثة ، وفيها البطشة ، وفي أخر ثلاث ساعاتٍ منها ساعةٌ ، من دعا الله فيها استجيب له )) .\rخرّجه الإمام أحمد .\rوفرج بن فضالة ، مختلفٌ فيه ، وقد ضعفه ابن معينٍ وغيره .\rوعلي بن أبي طلحة ، لم يسمع من أبي هريرة .\rوروى محمد بن أبي حميد ، عن موسى بن وردان ، عن أنسٍ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إلتمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر ، إلى غيبوبة الشمس )) .\rخرّجه الترمذي .\rوقال : غريبٌ .\rومحمد بن أبي حميد ، منكر الحديث .","part":6,"page":235},{"id":1423,"text":"وخرّجه الطبراني من طريق ابن لهيعة ، عن موسى بن وردان -بنحوه ، وزاد في آخر الحديث : ((وهي قدر هذا )) -يعني : قبضةً.\rويروى من حديث فاطمة -عليها السلام- ، عن أبيها - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال في هذه الساعة : ((إذا تدلى نصف الشمس للغروب )) .\rوفي إسناده اضطرابٌ وانقطاعٌ وجهالةٌ ، ولا يثبت إسناده .\rوروى عبد الرزاق ، عن عمر بن ذر ، عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - كان في صلاة العصر يوم الجمعة ، والناس خلفه إذ سنح كلبٌ ليمر بين أيديهم ، فخر الكلب فمات قبل أن يمر ، فلما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه على القوم قال : (( أيكم دعا على هذا الكلب ؟ )) فقال رجل من القوم : أنا دعوت عليه . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((دعوت عليه في ساعة يستجاب فيها الدعاء )) .\rوهذا مرسلٌ .\rويروى بإسنادٍ منقطعٍ ، عن أبي الدرداء -نحوه ، إلا أن فيه : أنه دعا الله باسمه الأعظم ، ولم يذكر الساعة .\rومنها : أنها الساعة التي تصلى فيها الجمعة :\rفخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث ابن وهبٍ ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، قال : قال عبد الله بن عمر : أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شأن الجمعة ؟ قلت : نعم ، سمعته يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ((هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة )) .\rوروى البيهقي بإسناده ، عن مسلمٍ ، أنه قال : هذا أجود حديث وأصحه في ساعة الجمعة .\rوقال الدارقطني : تفرد به ابن وهبٍ ، وهو صحيح عنه . ورواه أبو إسحاق ، عن أبي بردة ، واختلف عليه ، فرواه إسماعيل بن عمرو ، عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rثم خرّجه بإسناده من هذه الطريق ، ولفظه : ((الساعة التي يرجى فيها يوم الجمعة عند نزول الإمام )) .\rوخالفه النعمان بن عبد السلام ، فرواه عن الثوري بهذا الإسناد -موقوفاً .\rيعني : على أبي موسى .\rثم أسنده من طريقه كذلك ، ولفظه : ((الساعة التي تذكر في الجمعة ما بين نزول الإمام عن منبره إلى دخوله في الصلاة )) .\rقال : وخالفهما يحيى القطان ، فرواه عن الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة - قوله .\rوكذلك رواه عمار بن رزيق ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة - قوله .\rوكذلك رواه معاوية بن قرة ومجالد ، عن أبي بردة - من قوله .\rوحديث مخرمة بن بكرٍ أخرجه مسلم في ((الصحيح)) .\rوالمحفوظ : من روايةٍ الآخرين ، عن أبي بردة -قوله ، غير مرفوع . انتهى .\rوكذلك رواه واصل بن حيانٍ ، عن أبي بردة ، قال : ذكر عند ابن عمر الساعة التي في الجمعة ، فقلت : إني أعلم أي الساعة هي . قال : وما يدريك ؟ قلت : هي الساعة التي يخرج فيها الإمام ، وهي أفضل الساعات . قال : بارك الله عليك .","part":6,"page":236},{"id":1424,"text":"وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً ألا آتاه إياه )) . قالوا :\rيا رسول الله ، أية ساعة هي ؟ قال : ((حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها )) .\rخرّجه ابن ماجه والترمذي .\rوقال : حسنٌ غريبٌ .\rوكثيرٌ هذا ، يحسن البخاري والترمذي وغيرهما أمره . وقال بعضهم : أحاديثه عن أبيه عن جده أحبُ إلينا من مراسيل ابن المسيب .وضعف الأكثرون حديثه . وضرب الإمام أحمد عليه ، ولم يخرجه في ((مسنده)) .\rقال أبو بكر الأثرم : إما وجه اختلاف هذه الأحاديث ، فلن يخلو من وجهين : إما أن يكون بعضها أصح من بعضٍ، وإما أن تكون هذه الساعة تنتقل في الأوقات ، كانتقال ليلة القدر في ليالي العشر .\rقال : وأحسن ما يعمل به في ذلك : أن تلتمس في جميع هذه الأوقات ، احتياطاً واستظهاراً . انتهى .\rفأما القول بانتقالها فهو غريبٌ .\rوقد روي عن كعبٍ ، قال : لو قسم إنسان جمعة في جمع أتى علي تلك الساعة .\rيعني : أنه يدعو كل جمعةٍ في ساعة ساعة حتى يأتي على جميع ساعات اليوم .\rقال الزهري : ما سمعنا فيها بشيء عن احد احدثه الا هذا .\rوهذا يدل على أنها لا تنتقل ، وهو ظاهر أكثر الأحاديث والآثار .\rوأما التماسها في جميع مظانها ، فقد روي نحوه عن أبي هريرة .\rفحكى ابن المنذر ، عنه ، أنه قال : هي بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس .\rوهذا رواه ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد وطاوس ، عن أبي هريرة ، وفي ليث مقال ، لا سيما إذا جمع في الاسناد بين الرجال .\rولم يرد أبو هريرة -والله أعلم - أنها ساعتان : في أول النهار وآخره ، إنما أراد أنها تلتمس في هذين الوقتين .\rونقل ابن منصورٍ ، عن إسحاق ، قال : بعد العصر ، لا أكاد أشك فيه ، وترجى بعد زوال الشمس .\rكذا نقله ابن منصورٍ في ((مسائله)) عنه ، ونقله الترمذي في ((جامعه)) عن\rأحمد .\rوإنما نقله ابن منصورٍ عن أحمد ، والترمذي إنما ينقل كلام أحمد وإسحاق من ((مسائل ابن منصورٍ ، عنهما )) كما ذكر ذلك في آخر ((كتابه)) .\rولا أعلم في التماسها في أول النهار عن أحدٍ من السلف غير هذا .\rوالمشهور عنهم قولان :\rأحدهما : أنها تلتمس بعد العصر إلى غروب الشمس ، وقد سبق عن أبي هريرة وعبد الله بن سلامٍ .\rوروى سعيدٍ بن منصورٍ بإسناده ، عن أبي سلمة ، قال : اجتمع ناسٌ من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة ، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعةٍ من يوم الجمعة .\rوروى سعيدٍ بن جبير ، عن ابن عباسٍ ، أنه سئل عن تلك الساعة التي في الجمعة ، فقال : خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة ، وخلقه من أديم الأرض كلها ، فأسجد له ملائكته ، وأسكنه جنته فلله ما أمسى ذلك اليوم حتى عصاه ، فأخرجه منها .\rخرّجه عبد الرزاق وغيره .","part":6,"page":237},{"id":1425,"text":"وهذا يدل على ترجيح ابن عباسٍ لما بعد العصر في وقت هذه الساعة ؛ لخلق آدم فيها ، وإدخاله الجنة ، وإخراجه منها، وهو يشبه استنباطه في ليلة القدر ، أنها ليلة سابعة .\rوكذلك كان طاوس يتحرى الساعة التي في يوم الجمعة بعد العصر .\rوعنه ، أنه قال : الساعة من يوم الجمعة التي تقوم فيها الساعة ، والتي أنزل فيها آدم ، والتي لا يدعو الله فيها المسلم بدعوة صالحة إلا استجيب له : من حين تصفر الشمس إلى أن تغرب .\rوهذا يشبه قول عبد الله بن سلامٍ ، أنها آخر ساعةٍ من نهار الجمعة .\rوروي مثله عن كعبٍ -أيضاً.\rفأهل هذا القول ، منهم من جعل وقت التماسها ما بين العصر وغروب الشمس ، ومنهم من خصه بآخر ساعةٍ من الساعات .\rوقال أحمد -في روايةٍ ابن منصورٍ -: أكثر الأحاديث بعد العصر .\rوقال-في روايةٍ الميموني -كذلك ، وزاد : قيل له : قبل أن تطفل .\rالشمس للغروب ؟ قالَ : لا أدري ، إلا أنها بعد العصر .\rوظاهر هذا : أن ما بعد العصر إلى غروب الشمس كله في التماسها سواءٌ .\rوالقول الثاني : أنها بعد زوال الشمس .\rوقد تقدم عن ابن عمر وأبي بردة ، أنها ساعةٍ صلاة الجمعة .\rوروى عبد الله بن حجيرة عن أبي ذر ، أنها من حين تزيغ الشمس بشبر إلى\rذراعٍ .\rوعن عائشة ، أنها إذا أذن المؤذن بصلاة الجمعة .\rوقال عوف بن مالكٍ : اطلبوا ساعةٍ الجمعة في إحدى ثلاث ساعات : عند تأذين الجمعة ، أو ما دام الإمام على المنبر ، أو عند الاقامة .\rخرّجه محمد بن يحيى الهمداني في ((صحيحه)) .\rوعن الحسن وأبي العالية ، قالا : عند زوال الشمس .\rوعن الحسن ، قال : هي إذا قعد الإمام على المنبر حتى يفرغ .\rوعن أبي السوار العدوي ، قال : كانوا يرون أن الدعاء مستجابٌ ما بين أن تزول الشمس إلى أن تدركك كل صلاة .\rوعن ابن سيرين ، قال : هي الساعة التي كان يصلي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوعن الشعبي ، قال : هي ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل .\rوعنه ، قال : مابين خروج الإمام إلى انقضاء الصلاة .\rوعن الشعبي ، عن عوف بن حصيرة ، قال : هي من حين تقام الصلاة إلى انصراف الإمام .\rوروي ، أن عمر سأل ابن عباسٍ عنها ؟ فقال : أرجو أنها الساعة التي يخرج لها الإمام .\rخرّجه الإسماعيلي في ((مسند عمر )) بإسنادٍ ضعيفٍ .\rوذكر عن أبي القاسم البغوي ، أنه قال : هذا واهٍ ، وقد روي عن ابن عباسٍ خلافه .\rيشير إلى أن المعروف عنه أنها بعد العصر ، كما رواه عنه سعيد بن جبير ، وقد تقدم .\rفهذه الاقوال متفقة على أنها بعد زوال الشمس ، ومختلفة في الظاهر في قدر امتدادها .\rفمنهم من يقول : وقت الأذان .\rومنهم من يقول : ما دام الإمام على المنبر .\rومنهم من يقول : عند الاقامة .\rومنهم من يقول : من حين تقام الصلاة إلى انصراف الإمام فيها .\rومنهم من يقول : ما بين أن يحرم البيع بالنداء أو تزول الشمس -على اختلاف لهم فيما يحرم به البيع - إلى أن يحل بانقضاء الصلاة .","part":6,"page":238},{"id":1426,"text":"وهذا القول -أعني : أنها بعد زوال الشمس إلى انقضاء الصلاة ، أو أنها ما بين أن تقام الصلاة إلى أن يفرغ منها -أشبه بظاهر قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ قائمٌ يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه إياه )) ، فإنه أن أريد به صلاة الجمعة كانت من حين إقامتها إلى الفراغ منها ، وإن أريد به صلاة التطوع كانت من زوال الشمس إلى خروج الإمام ؛ فإن هذا وقت صلاة تطوعٍ ، وإن أريد بها أعم من ذلك -وهو الأظهر - دخل فيه صلاة التطوع بعد زوال الشمس ، وصلاة الجمعة إلى انقضائها .\rوليس في سائر الأوقات التي قالها أهل القول الأول وقت صلاة ؛ فإن بعد العصر إلى غروب الشمس ، وبعد الفجر إلى طلوع الشمس وقت نهي عن الصلاة فيه ، اللهم إلاّ أن يراد بقولهم : بعد العصر : دخول وقت العصر والتطوع قبلها .\rومرسل يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة يشهد له .\rمن قال : إن منتظر الصلاة في صلاةٍ صحيحٌ ، لكن لا يقال فيه قائم .\rوقول يصلي ؛ فإن ظاهر هذا اللفظ حمله على القيام الحقيقي في الصلاة الحقيقية .\rوقد روى عبد الرزاق في ((كتابه)) نا يحيى بن زمعة : سمعت عطاءً يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((في يوم الجمعة ساعةٌ ، لا يوافقها عبدٌ وهو يصلي ، أو ينتظر الصلاة ، يدعو الله فيها بشيء إلا استجاب له )) .\rوهذا غريبٌ .\rويحيى بن زمعة هذا ، غير مشهورٌ ، ولم يعرفه ابن أبي حاتم باكثر من روايته عن عطاءٍ ، ورواية عبد الرزاق عنه .\rوهذه الرواية تدل على أن المراد بالصلاة حقيقة الصلاة ؛ لأنه فرق بين المصلي ومنتظر الصلاة ، وجعلهما قسمين .\rوتدل على أن ساعةٍ الجمعة يمكن فيها وقوع الصلاة وانتظارها ، وهذا بما بعد الزوال أشبه ؛ لأن أول تلك الساعة ينتظر فيها الصَّلاة ويتنفل فيها بالصلاة ، وآخرها يصلى فيهِ الجمعة .\rوخَّرج ابن أبي شيبة بإسناده ، عن هلال بن يساف ، قالَ : قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إن في الجمعة لساعةً ، لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ ، يسأل الله فيها خيراً ، إلا أعطاه )) فقالَ رجل : يا رسول الله ، فماذا اسال ؟ فقال : ((سل الله العافية في الدنيا والآخرة )) .\rوهذا مرسلٌ .\r* * *","part":6,"page":239},{"id":1427,"text":"38-باب\rإذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة\rفصلاة الإمام ومن بقي تامةٌ\r936-حدثنا معاوية بن عمرو : ثنا زائدة ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد : ثنا جابر بن عبد الله ، قال : بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - اذ أقبلت عيرٌ تحمل طعاماً فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلاّ إثنا عشر رجلاً ، فنزلت هذه الآية : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً } [الجمعة :11] وخرّجه في \"التفسير \" عن حفص بن عمر قالَ : ثنا خالد بن عبد الله : أنبا حصين ، عن سالم بن أبي الجعد -وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله -فذكره بمعناه .\rوفي هذه الرواية : متابعة أبي سفيان لسالم بن أبي الجعد على روايته عن جابر ، وإنما خرّج لأبي سفيان متابعةً .\rوقد خرّجه مسلم بالوجهين - أيضاً .\rوفي أكثر رواياته : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب يوم الجمعة .\rوفي روايةٍ له : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائماً يوم الجمعة - فذكره بمعناه .\rوفي روايةٍ له : فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً ، أنا فيهم .\rوفي روايةٍ له -أيضاً-: فيهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما.\rوقوله في الرواية التي خرجها البخاري :(( بينا نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - )) لم يرد به أنهم انفضوا عنه في نفس الصلاة ، إنما أراد -والله أعلم - إنهم كانوا مجتمعين للصلاة ، فانفضوا وتركوه .\rويدل عليه : حديث كعب بن عجرة ، لما قال : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً ، وقد قال الله تعالى : { انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً } [الجمعة: 11] .\rوكذلك استدلال ابن مسعودٍ وخلق من التابعين بالآية على القيام في الخطبة.\rوروى علي بن عاصمٍ هذا الحديث عن حصين ، فقال فيه : فلم يبق معه الا أربعون رجلاً ، أنا فيهم .\rخرّجه الدارقطني والبيهقي .\rوعلي بن عاصمٍ ، ليس بالحافظ ، فلا يقبل تفرده بما يخالف الثقات .\rوقد استدل البخاري وخلقٌ من العلماء على أن الناس إذا نفروا عن الإمام وهو يخطب للجمعة ، وصلى الجمعة بمن بقي ، جاز ذلك ، وصحت جمعتهم .\rوهذا يرجع إلى أصلٍ مختلفٍ فيه ، وهو : العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وقد اختلف في ذلك : فقالت طائفةٌ : لا تنعقد الجمعة بدون أربعين رجلاً ، روي ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعمر بن عبد العزيز ، وهو قولُ الشافعي وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق ورواية عن مالكٍ .\rوقالت طائفةٌ : تنعقد بخمسين ، روي عن عمر بن عبد العزيز-أيضاً -وهو روايةٍ عن أحمد .\rوقالت طائفةٌ تنعقد بثلاثة ، منهم : ابن المبارك والأوزاعي والثوري وأبو ثور ، وروي عن أبي يوسف ، وحكي رواية عن أحمد . وقالت طائفةٌ : تنعقد بأربعةٍ ، وهو قولُ أبي حنيفة وصاحبيه -في المشهور عنهما - والأوزاعي ومالك والثوري - في رواية عنهما - والليث بن سعدٍ .\rوحكي قولاً قديماً للشافعي ، ومنهم من حكاه أنها تنعقد بثلاثةٍ .","part":6,"page":240},{"id":1428,"text":"وقالت طائفةٌ : يعتبر أربعون في الأمصار وثلاثةٌ في القرى ، وحكي روايةً عن أحمد ، صححها بعض المتأخرين من أصحابه .\rوقالت طائفةٌ : تنعقد بسبعة ، وحكي عن عكرمة ، ورواية عن أحمد .\rوقالت طائفةٌ : تنعقد باثني عشر رجلاً ، حكي عن ربيعة .\rوقد قام الزهري : أن مصعب بن عمير أول ما جمع بهم بالمدينة كانوا إثنى عشر رجلاً .\rوتعلق بعضهم لهذا الحديث بحديث جابر المخرج في هذا الباب .\rوقال طائفةٌ : تنعقد الجمعة بما تنعقد به الجماعة ، وهو رجلان ، وهو قولُ الحسن بن صالح وأبي ثور - في روايةٍ - وداود ، وحكي عن مكحولٍ .\rوتعلق القائلون بالأربعين كعب بن مالكٍ ، أن أول جمعةٍ جمع بهم أسعد بن\rزرارة ، كانوا أربعين ، وقد سبق ذكره في أول (( كتاب الجمعة )) .\rوقد ذكر القاضي أبو يعلى وغيره وجه الاستدلال به : أن الجمعة فرضت بمكة ، وكان بالمدينة من المسلمين أربعةٌ وأكثر ممن هاجر إليها وممن أسلم بها ، ثم لم يصلوا [ ... ] كذلك حتى كمل العدد أربعين ، فدل على أنها لا تجب على أقل منهم ، ولم يثب أبو بكر الخلال خلافه عن أحمد في اشتراط الأربعين .\rقال : وإنما يحكى عن غيره ، أنه قال بثلاثةٍ ، وباربعةٍ ، وبسبعةٍ ، ولم يذهب إلى شيء من ذلك ، وهذا الذي قاله الخلال هو الأظهر . والله أعلم .\rوفي عدد الجمعة أحاديث مرفوعة ، لا يصح فيها شيء ، فلا معنى لذكرها .\rوإذا تقرر هذا الأصل ، فمن قال : أن الجمعة تنعقد بإثني عشر رجلاً أو بدونهم ، فلا إشكال عنده في معنى حديث جابر ؛ فإنه يحمله على أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - صلى الجمعة بمن بقي معه ، وصحت جمعتهم .\rومن قال : لا تصح الجمعة بدون أربعين ، فإنه يشكل عليه حديث جابرٍ .\rوقد أجاب بعضهم : بأن الصحيح أنهم انفضوا وهو في الخطبة . قال : فيحتمل أنهم رجعوا قبل الصلاة ، أو رجع من تم به الأربعون ، فجمع بهم .\rقال : والظاهر أنهم انفضوا ابتداءً سوى إثني عشر رجلاً ، ثم رجع منهم تمام أربعين ، فجمع بهم ، وبذلك يجمع بين روايةٍ علي بن عاصم وسائر الروايات .\rوهذا الذي قاله بعيدٌ ، ورواية علي بن عاصم غلطٌ محضٌ ، لا يلتفت إليها .\rوسلك طائفةٌ مسلكاً آخر ، وظاهر كلام البخاري هاهنا وتبويبه يدل عليه ، وهو : أن انفضاضهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في نفس الصلاة ، وكان قد افتتح بهم الجمعة بالعدد المعتبر ، ثم تفرقوا في أثناء الصلاة ، فأتم بهم صلاة الجمعة ؛ فإن الاستدامة يغتفر فيها ما لا يغتفر في الابتداء .\rوهذا قولُ جماعة من العلماء ، منهم : أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومالك والشافعي - في القديم - وإسحاق ، وهو وجه لأصحابنا .\rوعلى هذا ؛ فمنهم من اعتبر أن يبقى معه واحد فأكثر ؛ لأن أصل الجماعة تنعقد بذلك ، ومنهم من شرط أن يبقى معه اثنان ، وهو قولُ الثوري وابن المبارك ، وحكي قولاً للشافعي .\rوقال إسحاق : أن بقي معه اثنا عشر رجلاً جمع بهم وإلاّ فلا ؛ لظاهر حديث جابر .\rوهو وجهٌ لأصحابنا .\rولأصحابنا وجه أخر : يتمها الإمام جمعة ، ولو بقي وحده .","part":6,"page":241},{"id":1430,"text":"وهذا بعيد جداً .\rوفرق مالكٌ بين أن يكون انفضاضهم قبل تمام ركعة فلا تصح جمعتهم ويصلون ظهراً ، وبين أن يكون بعد تمام ركعةٍ فيتمونها جمعة .\rووافقه المزني ، وهو وجه لأصحابنا .\rوقال أبو حنيفة : إن انفضوا قبل أن يسجد في الأولى فلا جمعةٍ لهم ، وان كان قد سجد فيها سجدةً أتموها جمعةً .\rوقال صاحباه : بل يتمونها جمعةٍ بكل حال ، ولو انفضوا عقب تكبيرة الإحرام .\rومذهب الشافعي - في الجديد - وأحمد والحسن بن زياد : أنه لا جمعةٍ لهم ، حتى يكمل العدد في مجموع الصلاة .\rقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : لم يختلف قولُ أحمد في ذلك .\rوقد وجدت جواباً آخر عن حديث جابر ، وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد صلى بأصحابه الجمعة ، ثم خطبهم فانفضوا عنه في خطبته بعد صلاة الجمعة ، ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك قدم خطبة الجمعة على صلاتها .\rفخرج أبو داود في ((مراسيله)) بإسناده ، عن مقاتل بن حيان ، قال : كان\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلى الجمعة قبل الخطبة مثل العيد ، حتى إذا كان يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، وقد صلى الجمعة ، فدخل رجل ، فقال : إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارته - وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف- ، فخرج الناس ، لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء ، فانزل الله عز وجل : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً } [الجمعة :11] ، فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الخطبة يوم الجمعة ، وأخر الصلاة .\rوهذا الجواب أحسن مما قبله .\rومن ظن بالصحابة أنهم تركوا صلاة الجمعة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد دخولهم معه\rفيها ، ثم خرجوا من المسجد حتى لم يبق معه إلاّ إثنا عشر رجلاً ، فقد أساء بهم الظن ، ولم يقع ذلك بحمد الله تعالى .\rوأصل هذه المسائل : أن الجمعة يشترط لها الجماعة ، فلا تصح مع الانفراد ، وهذا إجماع لا نعلم فيه خلافاً ، إلاّ ما تقدم حكايته عن أبي حنيفة ، أنه صلى ركعتين عند تأخير بعض الأمراء للجمعة ، وقال : أشهدكم أنها جمعةٌ .\rوحكي مثله عن الفاشاني ، والفاشاني ليس ممن يعتد بقوله بين الفقهاء .\rوذهب عطاءٌ إلى أن من حضر الخطبة فقد أدرك الجمعة ، فلو أحدث بعد حضوره الخطبة ، فذهب فتوضأ ثم رجع وقد فرغ الإمام من صلاة الجمعة ، أنه يصلي ركعتين ؛ لأنه قد حضر الخطبة - : نقله عبد الرزاق ، عن ابن جريجٍ ، عنه .\rوخالفه جمهور العلماء ، فقالوا : يصلي أربعاً .\rوفي مراسيل يحيى بن أبي كثيرٍ : من أدرك الخطبة فقد أدرك الصلاة .\rخرّجه عبد الرزاق .\rومراسيل يحيى ضعيفةٌ جداً .\rواختلفوا فيمن جاء والإمام يخطب ، قد فرغ من الخطبة .\rفقالت طائفةٌ : لم يدرك الجمعة ، ويصلي أربعاً ، روي ذلك عن عمر ، وعن طاوسٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ ومكحولٍ ، وقالوا : الخطبة بدلٌ عن الركعتين .\rقال عطاءٌ : أن جلس قبل أن ينزل الإمام من المنبر فقد أدرك الخطبة ، فيصلي جمعةٍ ، وإلا صلى أربعاً .","part":6,"page":243},{"id":1431,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r12\rصلاة الخوف\rوقول الله - عز وجل -: { وَإذا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً - وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } إلى قوله : { إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَأبا مُهِيناً } [النساء: 101-102] قوله تعالى : { وَإذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } .\rقد ذكر طائفة من السلف أنها نزلت في صلاة في السفر ، لا في صلاة السفر بمجرده ؛ ولهذا ذكر عقبيها قوله تعالى : { وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } ، ثم ذكر صفة صلاة الخوف ، فكان ذلك تفسيرا للقصر المذكور في الآية الأولى .وهذا هو الذي يشير إليه البخاري ، وهو مروي عن مجاهد والسدي والضحاك وغيريهم ، واختاره ابن جرير وغيره .\rوتقدير هذا من وجهين :\rأحدهما : أن المراد بقصر الصلاة قصر أركانها بالإيماء ونحوه ، وقصر عدد الصلاة إلى ركعة . فأما صلاة السفر ، فإنها ركعتان ، وهي تمام غير قصر ، كما قاله عمر - رضي الله عنه - .\rوروى سماك الحنفي ، قال : سمعت ابن عمر يقول : الركعتان في السفر تمام غير قصر ، إنما القصر صلاة المخافة .\rخرجه ابن جرير وغيره .\rوروى ابن المبارك عن المسعودي ، عن يزيد الفقير ، قال: سمعت جابر بن عبد الله يسأل عن الركعتين في السفر : أقصرٌهما ؟ قالَ : إنما القصر ركعةٌ عندَ القتال ، وإن الركعتين في السفر ليستا بقصرٍ .\rوخرج الجوزجاني من طريق زائدة بن عمير الطائي ، أنه سأل ابن عباس عن تقصير الصلاة في السفر ؟ قال : إنها ليست بتقصير ، هما ركعتان من حين تخرج من أهلك إلى أن ترجع إليهم.\rوخرج الإمام أحمد بإسناد منقطع ، عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ركعتين ، وحين أقام أربعا أربعا .\rوقال ابن عباس : فمن صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين .\rوقال ابن عباس : لم تقصر الصلاة إلاّ مرة واحدة حيث صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، وصلى الناس ركعة واحدة . يعني : في الخوف .\rوروى وكيع ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ركعة ركعة . قال سعيد : كيف تكون مقصورة وهما ركعتان .","part":7,"page":1},{"id":1432,"text":"والوجه الثاني : أن القصر المذكور في هذه الآية مطلق ، يدخل فيه قصر العدد ، وقصر الأركان ومجموع ذلك يختص بحالة الخوف في السفر ، فأما إذا انفرد أحد الأمرين - وهو السفر أو الخوف - فإنه يختص بأحد نوعي القصر ، فانفراد السفر يختص بقصر العدد ، وانفراد الخوف يختص بقصر الأركان . لكن هذا ممالم يفهم من ظاهر القرآن ، وإنما بين دلالةٌ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والآية لا تنافيه . وإن كان ظاهرها لا يدل عليه . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوقيل : إن قوله: { وَإذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ } نزلت بسبب القصر في السفر من غير خوف ، وإن بقية الآية مع الآيتين بعدها نزلت بسبب صلاة الخوف 0\rروي ذلك عن عَلِيّ - رضي الله عنه - .\rخرجه ابن جرير، عنه بإسناد ضعيف جداً ، لايصح . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\rوقد روي ما يدل على أن الآية الأولى المذكور فيها قصر الصلاة إنما نزلت في صلاة الخوف .\rفروى منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعُسفان -وعلى المشركين خالد بن الوليد - فصلينا الظهر ، فقال المشركونَ : لقد أصبنا غرةً ، لقدأصبنا غفلةً ، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة ، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر ، فلما حضرت العصر قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة والمشركون\rأمامه ، فصف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صف ، وصف بعد ذلك الصف صف آخر ، فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعاً ، ثم سجدوا وسجد الصف الذين يلونه ، وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما صلى هؤلاء سجدتين وقاموا ، سجد الآخرون الذين كانوا خلفه ، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين ، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول ، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعاً ، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه ، وقام الاخرون يحرسونهم ، فلما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه سجد الآخرون ، ثم جلسوا جميعاً فسلم عليهم جميعاً ، فصلاها بعسفان ، وصلاها يوم بني سليم .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود- وهذا لفظه -والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم .\rوقال : على شرطهما .\rوفي رواية للنسائي وابن حبان ، عن مجاهد : نا أبو عياش الزرقي ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- فذكره .\rورد ابن حبان بذلك على من زعم : أن مجاهداً لم يسمعه من أبي عياش ، وأن أبا عياش لا صحبة له .\rكأنه يشير إلى ما نقله الترمذي في ((علله)) عن البخاري ، أنه قال: كل الروايات عندي صحيحٌ في صلاة الخوف ، إلاحديث مجاهد ، عن أبي عياش الزرقي، فأني أراه مرسلاً .","part":7,"page":2},{"id":1433,"text":"وابن حبان لم يفهم ما أراده البخاري ، فإن البخاري لم ينكر أن يكون أبو عياش له صحبةٌ ، وقد عدَة في ((تاريخه)) من الصحابة ، ولا أنكر سماع مجاهد من أبي عياش ، وإنما مراده : أن هذا الحديث الصواب : عن مجاهد إرساله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر أبي عياش ؛ كذلك رواه أصحاب مجاهد ، عنه بخلاف رواية منصور ، عنه ، فرواه عكرمة بن خالد وعمر بن ذر وأيوب بن موسى ثلاثتهم ، عن مجاهد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً من غير ذكر أبي عياش .\rوهذا أصح عند البخاري ، وكذلك صحح إرساله عبد العزيز النخشبي وغيره من الحفاظ .\rوأما أبو حاتم الرازي ، فإنه قال -في حديث منصور ، عن مجاهد ، عن أبي عياش - : إنه صحيح . قيل له : فهذه الزيادة (( فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر )) محفوظةٌ هي ؟ قال : نعم .\rوقال الإمام أحمد : كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح .\rوقد جاء في رواية : فنزلت { وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } وهذا لاينافي رواية : (( فنزلت آية القصر )) بل تبين أنه لم تنزل آية القصر بانفرادها في هذا اليوم ، بل نزل معها الآيتان بعدها في صلاة الخوف . وهذا كله مما يشهد لان آية القصر أريد بها قصر الخوف في السفر ، وإن دلت على قصر السفر بغير خوف بوجه من الدلالة . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r942- نا أبو اليمان : ثنا شعيب ، عن الزهري ، قال : سألته : هل صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ فقالَ أخبرني سالم ، أن عبد الله بن عمر قالَ : غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد ، فوازينا العدو ، فصاففنا لهم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي لنا ،فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو ، وركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه وسجد سجدتين ، ثُمَّ انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل ، فجاءوا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم ركعة وسجد سجدتين ، (( ثُمَّ سلم ، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين )) .\rوخرجه في موضع آخر من رواية معمر .\rوخرجه مسلم من رواية معمر وفليح كلاهما ، عن الزهري ، به - بمعناه. وقد روي عن حذيفة نحو رواية ابن عمر -أيضا .\rوخرجه الطبراني من رواية حكام بن سلم ، عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، قال :صلى بنا أبو موسى الأشعري بأصبهان صلاة الخوف .\rوما كان كبير خوفٍ ؛ ليرينا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام فكبر ، وكبر معه طائفة من القوم ، وطائفة بإزاءالعدو ، فصلى بهم ركعة فانصرفوا ، وقاموا مقام اخوانهم ، فجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة أخرى ، ثُمَّ سلم ، فصلى كل واحد منهم الركعة الثانية وحدانا .","part":7,"page":3},{"id":1434,"text":"ورواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي العالية ، أن أبا موسى كان بالدار من أرض اصبهان ، وما بها كبير خوف ، ولكن أحب أن يعلمهم دينهم وسنة نبيهم ، فجعلهم صفين : طائفة معها السلاح مقبلة على عدوها ، وطائفة من ورائها ، فصلى بالذين بإزائه ركعة ، ثم نكصوا على أدبارهم حتى قاموا مقام الأخرى ، وجاءوا يتخللونهم حتى قاموا وراءه فصلى بهم ركعة أخرى ، ثم سلم ، فقام الذين يلونه والآخرون فصلوا ركعة ركعة ، ثم سلم بعضهم على بعض ، فتمت للإمام ركعتان في جماعة ، وللناس ركعة ركعة .يعني في جماعة .\rخرجه ابن أبي شيبة ، وعنه بقي بن مخلد في مسنده .\rوهو إسناد جيد . وهو في حكم المرفوع ؛ لما ذكر فيه من تعليمهم بسنة نبيهم .\rورواه أبو داود الطيالسي ، عن أبي حرة ، عن الحسن ، عن أبي موسى ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -صلى بأصحابه -فذكر نحوه ، وفيه زيادة على حديث ابن عمر : أن الطائفة الأولى لما صلت ركعة وذهبت لم تستدبر القبلة ، بل نكصت على أدبارها .\rوروي-أيضا- عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ذلك ، من رواية خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، فقاموا صفين ، فقام صف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف مستقبل العدو ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصف الذين يلونه ركعة ، ثم قاموا فذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، وجاءوا أولئك فقاموا مقامهم ، فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، ثم سلم ، ثم قاموا فصلوا لأنفسهم ركعة ، ثم سلموا ثم ذهبوا ، فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو ، ورجع أولئك إلى مقامهم ، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا .\rخرجه الإمام أحمد -وهذا لفظه- وأبو داود - بمعناه .\rوخصيف ، مختلف في أمره . وأبو عبيدة ، لم يسمع من أبيه ، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته ، فهي صحيحة عندهم . وهذه الصفة توافق حديث ابن عمر وحذيفة ، إلاّ في تقدم الطائفة الثانية بقضاء ركعة .\rوذهابهم إلى مقام أولئك مستقبلي العدو ، ثُمَّ مجيء الطائفة الأولى إلى مقامهم فقضوا ركعة .\rوحديث ابن عمر وحذيفة فيهما : قيام الطائفتين يقضون لأنفسهم ، وظاهره : أنهم قاموا جملة وقضوا ركعة ركعة واحدانا .\rوقد رواه جماعة ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، وزادوا فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر وكبرالصفان معه جميعاً. وقد خرجه كذلك الإمام أحمد وأبو داود .\rوزاد الإمام أحمد : ((وهم في صلاة كلهم)) واختلف العلماء في صلاة الخوف على الصفة المذكورة في حديث ابن عمر ، وما وافقه : فذهب الأكثرون إلى أنها جائزة وحسنة ، وإن كان غيرها أفضل منها ، هذا قول الشافعي -في أصح قوليه- وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوقالت طائفة : هي غير جائزة على هذه الصفة ؛ لكثرة ما فيها من الأعمال المباينة للصلاة من استدبار القبلة والمشي الكثير ، والتخلف عن الإمام ، وادعوا أنها منسوخة ، وهو أحد القولين للشافعي .","part":7,"page":4},{"id":1435,"text":"ودعوى النسخ هاهنا لا دليل عليها .\rوقالت طائفة : هي جائزة كغيرها من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا فضل لبعضها على بعض ، وهو قول إسحاق : نقله عن ابن منصور ونقل حرب ،عن إسحاق ، أن حديث ابن عمر وابن مسعود يعمل به إذا كان العدو في غير جهة القبلة .\rوكذلك حكى بعض أصحاب سفيان كلام سفيان في العمل بحديث ابن عمر على ذلك .\rوقالت طائفة : هي افضل انواع صلاة الخوف ، هذا قول النخعي ، واهل الكوفة وأبي حنيفة وأصحابه ، ورواية عن سفيان ، وحكي عن الأوزاعي واشهب المالكي .\rوروى نافع ، ان ابن عمر كان يعلم الناس صلاة الخوف على هذا الوجه . وحكي عن الحسن بن صالح ، أنه ذهب إلى حديث ابن مسعود ، وفيه : أن الطائفة الثانية تصلي مع الإمام الركعة الثانية ، ثم إذا سلم قضت ركعة ، ثم ذهبت إلى مكان الطائفة الأولى ، ثم قضت الطائفة الأولى ركعة ، ثم تسلم وقد قيل : إن هذا هو قول أشهب .\rوحكى ابن عبد البر ، عن أحمد ، أنه ذهب إلى هذا -أيضا.\rوقال بعض أصحابنا : هو أحسن من الصلاة على حديث ابن عمر ؛ لأن صلاة الطائفة الثانية خلت عن مفسد بالكلية .\rوحكي عن أبي يوسف ومحمد والحسن بن زياد والمزني : أن صلاة الخوف لا تجوز بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لظاهر قول الله تعالى : { وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } [النساء: 102] الآية . قالوا : وإنما يصلي الناس صلاة الخوف بعده بإمامين ، كل إمام يصلي بطائفة صلاة تامة ، ويسلم بهم .\rوهذا مردود باجتماع الصحابة على صلاتها في حروبهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد صلاها بعده : علي بن أبي طالب ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو موسى الاشعري ، مع حضور غيرهم من الصحابة ، ولم ينكره أحد منهم .\rوكان ابن عمر وغيره يعلمون الناس صلاة الخوف ، وجابر ، وابن عباس وغيرهما يروونها للناس تعليما لهم ، ولم يقل أحد منهم : أن ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوخطابه- صلى الله عليه وسلم - لا يمنع مشاركة أمته له في الأحكام ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [الطلاق:1] وقوله : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِم } [التوبة: 103]\rوحكي عن مالك ، أنها تجوز في السفر دون الحضر ، وهو قول عبد الملك بن الماجشون من أصحابه .\rويحتج له بحمل اية القصر على صلاة الخوف ، وقد شرط لها شرطان : السفر والخوف ، كما سبق ؛ ولأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -إنما كانَ يصلي صلاة الخوف في أسفاره ، ولم يصلها في الحضر مع أنه حوصر بالمدينة عام الخندق ، وطالت مدة الحصار ، واشتد الخوف ، ولم يصل فيها صلاة الخوف . وقد قيل : إن صلاة الخوف إنما شرعت بعد غزوة الأحزاب في السنة السابعة .","part":7,"page":5},{"id":1436,"text":"وقد ذكر البخاري في ((المغازي)) من كتابه هذا -تعليقا- من حديث عمران القطان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة : غزوة ذات الرقاع .\rوخرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست مرار قبل صلاة الخوف ، وكانت صلاة الخوف في السابعة .\rوقد تقدم في حديث أبي عياش ، أن أول صلاة الخوف كانت بعسفان وعلى المشركين خالد .\rوقد روى الواقدي بإسناد له ، عن خالد بن الوليد ، أن ذلك كان في مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمرة الحديبية .\rوقد تقدم أن أبا موسى صلى بأصبهان هذه الصلاة ، ولم يكن هناك كبير خوف ، وإنما صلى بهم ليعلمهم سنة صلاة الخوف .\rوهذا قد يحمل على أنه كان ثم خوف يبيح هذه الصلاة ، ولم يكن وجد خوف شديد يبيح بالإيماء .\rوقد قال أصحابنا وأصحاب الشافعي : لو صلى صلاة الخوف على ما في حديث ابن عمر في غير خوف لم تصح صلاة المأمومين كلهم ؛ لإتيانهم بما لا تصح معه الصلاة في غير حالة الخوف من المشي والتخلف عن الإمام .\rفأما الإمام ، فلأصحابنا في صلاته وجهان ، بناء على أن الإمام إذا بطلت صلاة من خلفه ، فهل تبطل صلاته لنيته الإمامة وهو منفرد ، أو يتمها منفردا وتصح ؟ وفيه وجهان للأصحاب .\r* * *","part":7,"page":6},{"id":1437,"text":"2- باب\rصلاة الخوف رجالاً وركباناً\rراجلٌ : قائمٌ .\r943 - حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي : أنا أبي : نا ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر- نحوا من قول مجاهد : إذا اختلطوا قياما .\rوزاد ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما\rوركبانا )) .\rوخرج مسلم من حديث سفيان عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه ، فقامت طائفة معه ، وطائفة بإزاء العدو ، فصلى بالذين معه ركعة ، ثم ذهبوا ، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ، ثم قضت الطائفتان ركعة ، ركعة . قالَ : وقال ابن عمر : فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكبا أو قائما تومىء إيماء .\rفجعل هذا الوجه من قول ابن عمر ، ولم يرفعه .\rوروى أبو إسحاق الفزاري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر الحديث مرفوعا ، ولم يذكر في آخره : ((فإذا كان خوف أكثر من ذلك )) - إلى\rآخره .\rوخرج ابن ماجه وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث جرير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف فذكر صفتها بمعنى حديث موسى بن عقبة ، وقال في آخر الحديث : فإن كان خوفا أشد من ذلك فرجالا أو ركبانا .\rوقد خالف جريرا يحيى القطان وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر وغيرهم ، رووه عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر - موقوفا كله .\rورواه مالك في ((الموطإ)) ، عن نافع عن ابن عمر - في صفة صلاة الخوف بطوله - وفي آخره : فإن كان خوفا هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم ، أو ركبانا ، مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها .\rقال مالك : قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلاّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرجه البخاري في ((التفسير)) من طريق مالك كذلك .\rقال ابن عبد البر : رواه مالك ، عن نافع على الشك في رفعه ، ورواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه ، منهم : ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى .\rوذكرالدارقطني : أن إسحاق الطباع رواه عن مالك ورفعه من غير شك .\rوهذا الحديث ينبغي أن يضاف إلى الأحاديث التي اختلف في رفعها نافع وسالم ، وهي أربعة سبق ذكرها بهذا الاختلاف في رفع أصل الحديث في صلاة الخوف عن نافع .\rوبقي اختلاف آخر، وهو : في قوله في آخر الحديث : (( فإن كان [خوفا] أكثر من ذَلِكَ)) إلى آخره ؛ فإن هذا قد وقفه بعض من رفع أصل الحديث ، كما وقفه\rسفيان ، عن موسىبن عقبة ، وجعله مدرجاً في الحديث .\rوقد ذكر البخاري: أن ابن جريج رفعه عن موسى ، وخرجه من طريقه كذلك.\rوأما قول مجاهد المشار إليه في رواية البخاري: روى ابن أبي نجيح،عن مجاهد:\r{ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانا } [البقرة: 239] إذا وقع الخوف صلى على كل وجهةٍ ، قائما أو راكبا أو ما قدر ، ويومئ برأسه ، ويتكلم بلسانه .","part":7,"page":7},{"id":1438,"text":"وروى أبو إسحاق الفزاري ، عن ابن أبي أنيسة ، عن أبي الزبير ، قال : سمعت جابرا سُئل عن الصلاة عند المسايفة ؟ قالَ : ركعتين ركعتين ، حيث توجهت على دابتك تومئ إيماء .\rابن أبي أنيسة ، أظنه : يحيى ، وهو ضعيف .\rوخرجه الإسماعيلي في ((صحيحه)) ، وخرجه من طريقه البيهقي ، من رواية حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن ابن كثير ، عن مجاهد ، قالَ : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس .\rقال ابن جريج : حدثني موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس .\rوزاد : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( فإن كثروا فليصلوا ركبانا أو قياما على أقدامهم )) يعني : صلاة الخوف .\rوخرجه- أيضا - من رواية سعيد بن يحيى الأموي ، عن أبيه ، عن ابن جريج ، ولفظه : عن ابن عمر - نحواً من قول مجاهد : إذا اختلطوا ، فإنما هو الذكر وإشارة بالرأس .\rوزاد ابن عمر : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( وإن كانوا أكثرمن ذلك فليصلوا قياما\rوركبانا )) .\rكذا قرأته بخط البيهقي .\rوخرجه أبو نعيم في (( مستخرجه على صحيح البخاري)) من هذا الوجه ، وعنده : ((قياما وركبانا)) وهو أصح .\rوهذه الرواية أتم من رواية البخاري .\rومقصود البخاري بهذا : أن صلاة الخوف تجوز على ظهور الدواب للركبان ،كما قال تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً } ويعني : ((رجالا)) : قياما على أرجلهم ، فهو جمع راجل ، لا جمع رجل ، و((الركبان)) على الدواب . وقد خرج فيه حديثا مرفوعاً .\rوقد روي عن ابن عمر وجابر ، كما سبق .\rوقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن المطلوب يصلي على دابته -كذلك قال عطاء بن أبي رباح ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور- وإذا كان طالبا نزل فصلى بالأرض .\rقال الشافعي : إلا في حالة واحدة ، وذلك أن يقل الطالبون عن المطلوبين ، ويقطع الطالبون عن أصحابهم ، فيخافون عودة المطلوبين عليهم ، فإذا كانوا هكذا كان لهم أن يصلوا يومئون إيماءً . انتهى .\rوممن قال : يصلي إلى دابته ويومئ: الحسن والنخعي والضحاك ، وزاد : أنه يصلي على دابته طالبا كان أو مطلوباً .\rوكذا قال الأوزاعي .\rواخلفت الرواية عن أحمد : هل يصلي الطالب على دابته ، أم لا يصلي إلا على الأرض ؟ على روايتين عنه ، إلا أن يخاف الطالب المطلوب ، كما قال الشافعي ، وهوقول أكثر العلماء.\rقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : أما المطلوب ، فلا يختلف القول فيه ، أنه يصلي على ظهر الدابة ، واختلف قوله في الطالب فقالوا عنه : ينزل فيصلي على الأرض ، وإن خاف على نفسه صلى وأعاد ، وإن أخر فلا بأس ، والقول الآخر: أنه إذا خاف أن ينقطع عن أصحابه أن يعود العدو عليه ، فإنه يصلي على ظهر دابته ، فإنه مثل المطلوب لخوفه ، وبه أقول . انتهى .\rوما حكاه عن أحمد من أن الطالب إذا خاف فإنه يصلي ويعيد ، فلم يذكر به نصا عنه ، بل قد نص على أنه مثل المطلوب .","part":7,"page":8},{"id":1439,"text":"قال -في رواية أبي الحارث - : إذا كان طالبا وهو لا يخالف العدو ، فما علمت أحدا رخص له في الصلاة على ظهر الدابة ، فإن خاف إن نزل أن ينقطع من الناس ، ولا يأمن العدو فليصل على ظهر دابته ويلحق بالناس ، فإنه في هذه الحال مثل المطلوب .\rونقل هذا المعنى عنه جماعة ، منهم: أبو طالب والأثرم .\rوله أن يصلي مستقبل القبلة وغير مستقبلها على حسب القدرة .\rوفي وجوب استفتاح الصلاة إلى القبلة روايتان عن أحمد : فمن أصحابنا من قال : الروايتان مع القدرة ، فأما مع العجز فلا يجب رواية واحدة .\rوقال أبو بكر عبد العزيز عكس ذلك ، قالَ : يجب مع القدرة ، ومع عدم الإمكان ، روايتان . وهذا بعيد جدا - أعني : وجوب الاستفتاح إلى القبلة مع العجز ، ولعل فائدة إيجاب الإعادة بدونه .\rولهم أن يصلوا صلاة شدة الخوف رجالا وركبانا في جماعة ، نص عليه أحمد ، وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن .\rوقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : لا يصلون جماعة بل فرادى ؛ لأن المحافظة على الموقف والمتابعة لا تمكن .\rوقال أصحابنا ومن وافقهم : يعفى عن ذلك هاهنا ، كما يعفى عن استدبار القبلة والمشي في صلوات الخوف ، وإن كان مع الانفراد يمكن ترك ذَلِكَ .\rقالوا : ومتى تعذرت المتابعة لم تصح الجماعة بلا خلاف .\r* * *","part":7,"page":9},{"id":1440,"text":"3-باب\rيحرس بعضهم بعضا في صلاة الخوف\r944-حدثنا حيوة بن شريح: نا محمد بن حرب ، عن الزبيدي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، قالَ : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام الناس معه ، فكبر وكبروا معه ، وركع وركع ناس منهم ، ثم سجد وسجدوامعه ، ثم قام للثانية ، فقام الذين سجدوا وحرسوا اخوانهم ، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه ، والناس كلهم في صلاة ، ولكن يحرس بعضهم بعضا .\rوخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير ، عن محمد بن حرب بهذا الإسناد ، وزاد فيه الفاظا بعد قوله : (( ثم قام إلى الركعة فتاخر الذين سجدوا معه وحرسوا أخوانهم)) .\rورواه النعمان بن راشد، عن الزهري بهذا الإسناد ، وزاد فيه زيادات كثيرة ، ولفظه : (( قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمنا خلفه صفين ، فكبر وركع وركعنا جميعا ، الصفان كلاهما ، ثم رفع رأسه ، ثم خر ساجدا ، وسجد الصف الذي يليه وثبت الآخرون قياما يحرسون أخوانهم ، فلما فرغ من سجوده وقام خر الصف المؤخر سجودا ، فسجد سجدتين ، ثم قاموا فتأخر الصف المقدم الذي بين يديه ، وتقدم الصف المؤخر ، فركع وركعوا جميعا ، وسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه ، وثبت الآخرون قياما يحرسون أخوانهم ، فلما قعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خر الصف المؤخر سجودا ، ثم سلم النبي\r- صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الدارقطني ، ومن طريقه البيهقي .\rوفي هذه الرواية : أن الصفين ركعوا معه ، ورواية الزبيدي تدل على أن بعضهم ركع معه ، وبعضهم لم يركع .\rورواه أبو بكر بن أبي الجهم ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بذي قرد ، فصف الناس خلفه صفين ، صف خلفه ، موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ، ولم يقضوا .\rخرجه النسائي من طريق سفيان ، عنه .\rوخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بذي قرد- أرض من أرض بني سليم -، فصف الناس خلفه صفين ، صفا موازي العدو ، وصفا\rخلفه ، فصلى بالذي يليه ركعة ، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، فصلى بهم ركعة أخرى .\rوفي رواية أخرى لهُ : ثم سلم ، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ، ولكل طائفة ركعة وهذه الزيادة مدرجة من قول سفيان ؛ كذلك هوَ في رواية البيهقي .\rوخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) .\rوقال البخاري في ((المغازي)) : (( وقال ابن عباس : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخوف بذي قرد)) - ولم يزد على ذَلِكَ .\rوقال الشافعي : هو حديث لا يثبت أهل العلم بالحديث مثله . قالَ : وإنما تركناه لاجتماع الأحاديث على خلافه ، ولأنه لا يثبت عندنا مثله لشيء في بعض إسناده . انتهى .","part":7,"page":10},{"id":1441,"text":"وإذا اختلف أبو بكر بن أبي الجهم والزهري ، فالقول قول الزهري ، ولعل مسلما ترك تخريج هذا الحديث للاختلاف في متنه ، وقد صحح الإمام أحمد إسناده .\rقال- في رواية علي بن سعيد في صلاة الخوف -: قد روي ركعة وركعتان ، ابن عباس يقول : ركعة ركعة ، إلاّ أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان وللقوم ركعة ، وما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها صحاح .\rوقال - في رواية حرب -: كل حديث روي في صلاة الخوف فهو صحيح الإسناد ، وكل ما فعلت منه فهو جائز .\rوقد حمل بعضهم معنى رواية أبي بكر أبي الجهم على معنى رواية الزهري ، وقال : إنما المراد أن الصفين صلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم حرس أحد الصفين في الركعة الأولى ، والآخر في الثانية ، وإنما لم يقضوا بعد سلام النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم قضوا ما تخلفوا به عنه قبل سلامه ، كما في رواية النعمان بن راشد ، عن الزهري .\rوأما قوله: (( فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان وللقوم ركعة )) ، فهو من قول سفيان ، كما هو مصرح به في رواية البيهقي ، وذلك ظن ظنه ، قد خالفه غيره فيهِ .\rويشهد لهذا التأويل : أنه قد روي عن ابن عباس التصريح بهذا المعنى من وجه .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن إسحاق : حدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ : ما كانت صلاة الخوف إلا كصلاة أحراسكم هؤلاء اليوم خلف أئمتكم هؤلاء إلاّ أنها كانت عقبا ، قامت طائفة منهم وهم جميعا مع\rرسول الله- صلى الله عليه وسلم - ، وسجدت معه طائفة ، ثم قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وسجد الذين كانوا قياما لأنفسهم ، ثم قام الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاموا معه جميعاً، ثم ركع وركعوا معه جميعاً ، ثم سجد فسجد معه الذين كانوا قياما أول مرة ، فلما جلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم - والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم سجد الذين كانوا قياما لأنفسهم ، ثم جلسوا فجمعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتسليم .\rوخرج الإمام أحمد من رواية النضر أبي عمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قالَ : خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم - في غزاة فلقي المشركين بعسفان فأنزل الله { وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } الآية ، فلما صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - العصر وكانوا في القبلة صلى المسلمون خلفه صفين فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبروا معه -فذكر صلاة الخوف- وفيه : تأخر الصف الذين يلونه في الركعة الثانية وتقدم الآخرين- وقال في آخر الحديث : فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعضهم ينظر إليهم ، قالوا : لقد أخبروا بما أردناهم .\rوقال : صحيح على شرط البخاري .\rوليس كما قال ؛ والنضر أبو عمر، ضعيف جدا.\rوخرجه البزار- أيضا.\rوقد تقدم حديث أبي عياش الزرقي في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان بهذا المعنى .\rوروي-أيضا- من حديث جابر ، من رواية عبد الملك بن أبي سليمان ، عن","part":7,"page":11},{"id":1442,"text":"عطاء ، عن جابر ، قالَ : شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ، وصفنا صفين ، صف خلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم - والعدو بيننا وبين القبلة ، فكبر النبي- صلى الله عليه وسلم - وكبرنا جميعا ، ثم ركع وركعنا جميعا ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه ، وقام الصف المؤخر في نحر العدو ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود ، وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وركعنا جميعا ، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى ، وقام الصف المؤخر في نحور العدو ، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا جميعا .\rقال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء [ بأمرائهم] .\rخرجه مسلم .\rوخرجه-أيضا- من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، قالَ : غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوما من جهينة ، فقاتلونا قتالا شديدا - ثم ذكره بمعناه .\rوروي -أيضا- من حديث حذيفة .\rخرجه الإمام أحمد من رواية أبي إسحاق ، عن سليم بن عبد السلولي ، قال : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان ، فقال : أيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقالَ حذيفة: أنا ، فأخر أصحابك يقومون طائفتين ، طائفة خلفك وطائفة بازاء العدو ، فتكبر فيكبرون جميعا ، ثُمَّ تركع فيركعون جميعا ، ثُمَّ ترفع فيرفعون جميعا ، ثُمَّ تسجد ويسجد معك الطائفة التي تليك ، والطائف التي بازاء العدو قيام بازاء العدو ، فإذا رفعت رأسك من السجود [ يسجدون] ، ثُمَّ يتأخر هؤلاء ويتقدم الآخرون ، فقاموا مقامهم ، فتركع ويركعون جميعا ، ثُمَّ ترفع ويرفعون جميعا ، ثُمَّ تسجد فتسجد الطائفة التي تليك ، والطائفة الأخرى قائمة بازاء العدو ، فإذا رفعت رأسك من السجود سجدوا ، ثُمَّ سلمت ويسلم بعضهم على بعض ، وتأمر أصحابك أن هاجهم هيج من العدو ، فقد حل لهم القتال والكلام .\rوسليم بن عبد ، ذكره ابن حبان في (( ثقاته)) .\rوقد روي حديث حذيفة بالفاظ محتملة ، وهذه الرواية مفسرة لما أجمل في تلك .\rكما روى الأسود بن هلال ، عن ثعلبة بن زهدم ، قالَ : كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان ، فقام ، فقال : إيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ فقالَ حذيفة : أنا ، فصلى بهؤلاء ركعة ، وبهؤلاء ركعة، وانفضوا .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وهذا لفظه .\rوخرجه النسائي ، ولفظه : فقام حذيفة ، فصف الناس خلفه صفين ، صفا\rخلفه ، وصفا موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا .","part":7,"page":12},{"id":1443,"text":"وفي رواية : قال له حذيفة : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف بطائفة ركعة ، صف خلفه ، وأخرى بينه وبين العدو ، فصلى بالطائفة التي تليه ركعة ، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف أولئك ، فصلى بهم ركعة .\rوروى أبو روق ، عن مخمل بن دماث ، قال : غزونا مع سعيد بن الحارث ، فقال : من شهد منكم صلاة الخوف مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقالَ حذيفة : أنا ، صلى بإحدى الطائفتين ركعة ؛ والأخرى مستقبلة العدو ، ثُمَّ ذهبت هذه الطائفة فقامت مقام\rأصحابهم ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة ، فصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولكل طائفة ركعة ركعة . وقد خرجه الإمام أحمد وغيره-أيضا .\rفهذا الإختلاف في حديث حذيفة يشبه الاختلاف في حديث ابن عباس ، وبعضه محتمل ، وبعضه مفسر ، فيرد المحتمل إلى المفسر المبين ، كما قلنا في حديث ابن عباس . والله -سبحانه وتعالى- أعلم . وقد ذهب أكثر العلماء إلى صحة الصلاة على وجه\rالحرس ، على ما في حديث أبي عياش الزرقي وما وافقه من رواية جابر وابن عباس وحذيفة ، وقد أمر بها حذيفة كما سبق .\rوروى حطان بن عبد الله ، أن أبا موسى صلاها في بعض حروبه ، واستحبها طائفة منهم إذا كان العدو في جهة القبلة ، منهم : سفيان وإسحاق وأبويوسف .\rوروي عن أبي حنيفة : أنه لا يجوز الصلاة بها ، ولا يجوز إلا على حديث ابن مسعود وما وافقه ، كما سبق .\rوالصلاة بهذه الصفة والعدو في جهة القبلة إذا لم يخش لهم كمين حسن ؛ فإن أكثر ما فيها تأخر كل صف عن متابعة الإمام في السجدتين وقضاؤهما في الحال قبل سلامه ، وتكون الحراسة في السجود خاصة ، وهذا قول الشافعي وأصحابه .\rوللشافعية وجه آخر : أنهم يحرسون في الركوع مع السجود ، وقد سبق في رواية البخاري لحديث ابن عباس ما يدل عليهِ .\rوأعلم ؛ أن البخاري لم يخرج في ((أبواب صلاة الخوف)) مما ورد عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في أنواع صلاة الخوف سوى حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وخرج في ((المغازي)) حديث جابر وسهل بن أبي حثمة ، وذكر حديث أبي هريرة - تعليقاً .\rفأما حديث جابر ، فقال : (( وقال أبان : نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ، عن جابر ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع -فذكر الحديث إلى أن قال-: وأقيمت الصَّلاة ، فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، وكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربع ركعات وللقوم ركعتين )) .\rهكذا ذكره تعليقاً . وخرجه مسلم مسنداً من حديث أبان ، ولفظه : قالَ : فنودي بالصلاة -وذكره .\rفي الحديث : دليل على أن صلاة الخوف ينادي لها بالإذان والإقامة كصلاة\rالأمن ، ولا أعلم في هذا خلافاً ، إلا ما حكاه أصحاب سفيان الثوري في كتبهم، عنه ، أنه قالَ : ليس في صلاة الخوف إذان ولا إقامة في حضر ولا سفر .","part":7,"page":13},{"id":1444,"text":"وخرج الدارقطني من حديث الحسن ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحاصر بني محارب بنخل ، ثم نودي في الناس : أن الصلاة جامعة - وذكر معنى حديث أبي سلمة ، وصرح فيه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم بين كل ركعتين .\rوقد خرجه النسائي -مختصراً- من رواية حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن\rالحسن ، عن جابر- بذكر السلام - أيضا ، وليس فيه : ذكر الصلاة جامعة .\rورواه قتادة -أيضا- عن سليمان اليشكري ، عن جابر -بذكر السلام بين كل ركعتين ، وفيه: أن يومئذٍ أنزل الله في إقصار الصلاة ، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح ، وفي الحديث أن ذلك كان بنخلٍ .\rوالحسن ، لم يسمع من جابر ، وقتادة ، لم يسمع من سليمان اليشكري .\rوقد رواه أشعث ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه صلى في خوف ثقيف ركعتين ، ثم سلم ، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين ، ثم سلم ، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربعاً ، ولأصحابه ركعتين ركعتين .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في (( صحيحه)) .\rوعند أبي داود : وبذلك كان يفتي الحسن .\rوصلاة الخوف على هذه الصفة : أن يصلي الإمام أربع ركعات ويصلي كل طائفة خلفه ركعتين ، لها صورتان :\rإحداهما : أن يسلم الإمام من كل ركعتين ، فهو جائز عن الشافعي وأصحابه .\rواختلفوا : هل هي أفضل من صلاة ذات الرقاع - التي يأتي ذكرها ؟ على وجهين لهم .\rوكذلك اختار الجوزجاني هذه الصلاة على غيرها من أنواع صلوات الخوف ؛ لما فيها من تكميل الجماعة لكل طائفة .\rواختلف أصحابنا في ذلك :\rفمنهم من أجازها في صلاة الخوف دون غيرها ، وهو منصوص أحمد ، وهو قول الحسن البصري -أيضا- واختاره طائفة من أصحابنا .\rومن أصحابنا من قال : هي مُخرجة على الاختلاف عن أحمد في صحة ائتمام المفترض بالمتنفل ، كما سبق ذكره .\rومنع منها أصحاب أبي حنيفة ؛ لذلك .\rوالصورة الثانية : أن لايسلم الإمام ، ويكون ذلك في سفر ، فينبني على أنه : هل يصح أن يقتدي القاصر بالمتم في السفر ؟\rوالأكثرون على أنه إذا اقتدى المسافر بمن يتم الصلاة فأدرك معه ركعة فصاعداً ، فإنه يلزمه الإتمام .\rفإن أدرك معه دون ركعة ، فهل يلزمه الإتمام ؟\rقالَ الزهري وقتادة والنخعي ومالك : لا يلزمه ، وهو رواية أحمد . والمشهور ، عنه : أنه يلزمه الإتمام بكل حال ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي وأبي ثور .\rوقالت طائفة : لا يلزمه الإتمام ، وله القصر بكل حال وهو قول الشعبي وطاوس وإسحاق .\rفعلى قول هؤلاء : لاتردد في جواز أن يصلي الإمام أربع ركعات في السفر ، وتصلي معه كل طائفة ركعتين .\rوعلى قول الأولين : فهل يجوز ذلك في صلاة الخوف خاصة ؟ فيه لأصحابنا وجهان .\rومن منع ذلك قال : ليس في حديث جابر تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسلم بين كل ركعتين بل قد ورد ذلك صريحاً في روايات متعددة ، فتحمل الروايات المحتملة على الروايات المفسرة المبينة .","part":7,"page":14},{"id":1445,"text":"ثم قال البخاري : (( وقال أبو الزبير ، عن جابر : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنخل ، فصلى الخوف )) . وقال -أيضا- : (( وقال معاذ : ثنا هشام ، عن أبي الزبير ، عن جابر : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بنخل - فذكر صلاة الخوف )) .\rوقد خرجه النسائي من رواية سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قالَ : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنخل ، والعدو بيننا وبين القبلة ، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكبروا جميعاً ، ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما قاموا سجد الآخرون مكانهم الذي كانوا فيهِ ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم رفع فرفعوا جميعاً ، ثم سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصف الذين يلونه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما سجدوا وجلسوا سجد الآخرون مكانهم ، ثم سلم .\rقال جابر : كما يفعل أُمراؤكم .\rوخرجه مسلم -بمعناه- من رواية زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير ، وليس عنده : ((بنخلٍ)) .\rوذكر البخاري - أيضاً - تعليقاً ، عن جابر من طريقين آخرين ، فقال : ((وقال بكر بن سوادة : حدثني زياد بن نافع ، عن أبي موسى ، أن جابراً حدثهم : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم يوم محارب وثعلبة .\rوقال ابن إسحاق : سمعت وهب بن كيسان : سمعت جابراً : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذات الرقاع من نخل ، فلقي جمعاً من غطفان ، فلم يكن قتال ، وأخاف الناس بعضهم بعضاً ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتي الخوف )) . انتهى .\rوأبو موسى ، ليس هو الأشعري ، بل تابعي ، ذكره أبو داود ، وذكر في حديثه : أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولكل طائفة ركعة .\rوقد رواه ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكر بن سوادة بهذا الإسناد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة ، بكل طائفة ركعة وسجدتين .\rوذكر أبو مسعود الدمشقي وغيره : أن أبا موسى هذا هو علي بن رباح\rاللخمي ، وقيل : إنه أبو موسى الغافقي ، واسمه : مالك بن عبادة ، وله صحبةٌ .\rقال صاحب ((التهذيب)) : والقول الأول أولى . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوأما حديث سهل بن أبي حثمة : فقال البخاري : (( ثنا قتيبة ، عن مالك ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف : أن طائفة صفت معه ، وطائفة وجاه العدو ، فصلى بالتي معه ركعة ، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى ، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم .\rقال مالك : وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف .","part":7,"page":15},{"id":1446,"text":"حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، قال : يقوم الإمام مستقبل القبلة ، وطائفة منهم معه ، وطائفة من قبل العدو ، ووجوههم إلى العدو ، فيصلي بالذين معه ركعة ، ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم ، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك ، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة ، فله ثنتان ، ثم يركعون ويسجدون سجدتين .\rحدثنا مسدد: ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rحدثنا محمد بن عبيد الله : ثنا ابن أبي حازم ، عن يحيى : سمع القاسم : أخبرني صالح بن خوات ، عن سهل ، حدثه- قوله )) .\rحاصل الاختلاف في إسناد هذا الحديث الذي خرجه البخاري هاهنا : أن يزيد بن رومان رواه عن صالح بن خوات ، عمن شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع ، ولم\rيسمه .\rورواه القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن سهل بن أبي حثمة ، واختلف عليه في رفعه ووقفه :\rفرواه يحيى بن سعيد الانصاري ، عن القاسم ، فوقفه على سهل .\rوقد خرجه البخاري هاهنا من طريق يحيى القطان وابن أبي حازم ، عن يحيى الأنصاري .\rكذلك رواه شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، فرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال الإمام أحمد : رفعه عبد الرحمن ، ويحيى لم يرفعه . ثم قالَ : حسبك\rبعبد الرحمن ، هو ثقة ثقة ثقة . قيل له : فرواه عن عبد الرحمن غير شعبة ؟ قالَ : ما علمت .\rثم قال : قد رواه يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عمن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهذا يشد ذاك .\rيريد : أنه يقوي رفعه .\rونقل الترمذي في ((العلل)) عن البخاري ، أنه قال : حديث سهل بن أبي حثمة هوحديث حسن ، وهومرفوع ، رفعه شعبة ، عن عبد الرحمن بن القاسم . انتهى .\rولكن رواه حرب الكرماني ، عن إسحاق بن راهويه ، عن الثقفي ، عن يحيى الأنصاري ، وقال في حديثه : ((من السنة)) .\rوهذا -أيضا- رفعٌ له .\rوهو غريب عن الأنصاري .\rورواه عبد الله العمري ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم بن محمد ، عن صالح بن خوات ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوأخطأَ في قوله : ((عن أبيه)) ، إنما هو: ((عن سهل)) : قاله أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان .\rوقالا -أيضا- رواه أبو أويس ، عن يزيد بن رومان ، عن صالح بن خوات ، عن أبيه -أيضا- ، وأخطأ -أيضاً- في قوله : ((عن أبيه)) .\rوقد ذكر أبو حاتم الرازي وغيره : أن الذي قال صالح بن خوات في رواية يزيد بن رومان ، عنه : ((حدثني من شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - )) ، هو سهل بن أبي حثمة ، كما قاله القاسم ، عن صالح .\rقال أبو حاتم : وسهل بن أبي حثمة بايع تحت الشجرة ، وكان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أحد ، وشهد المشاهد كلها إلا بدراً .\rقالَ عبد الرحمن بن أبي حاتم : سمعت رجلاً من ولده ، سأله أبي عن ذلك ، فأخبره به .","part":7,"page":16},{"id":1447,"text":"ولكن ذكر أكثر أهل السير كالواقدي والطبري وغيرهما : أن سهل بن أبي حثمة توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثمان سنين .\rقال الواقدي والطبري : وقد حفظ عنه ، وقيل : إن الذي كان دليل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد وشهد معه المشاهد هو أبو حثمة والد سهل . والله سبحانه أعلم .\rوقد ذكر الإمام أحمد وأبو داود أن رواية يحيى بن سعيد ، عن القاسم تخالف رواية يزيد بن رومان في السلام ؛ فإن في رواية يزيد بن رومان : أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - سلم بالطائفة الثانية ، وفي رواية يحيى بن سعيد : أنهم قضوا الركعة بعد سلامه .\rوقد خرجه أبو داود من رواية مالك ، عن يحيى بن سعيد كذلك ، وفي حديثه : فركع بهم وسجد بهم ويسلم ، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية ، ثم يسلمون .\rوقد روى يحيى القطان الحديث ،عن يحيى الأنصاري ، ورواه عن شعبة عن\rعبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، وقال : لا أحفظ حديثه ، ولكنه مثل حديث يحيى .\rكذا خرجه الترمذي وابن ماجه .\rوكذلك في رواية البخاري : أن يحيى القطان رواه عن شعبة مثل حديث يحيى بن سعيد .\rولكن بينهما فرق في السلام :\rفقد رواه معاذ بن معاذ ، عن شعبة ، عن عبد الرحمن بهذا الإسناد ، وقال فيه : وتأخر الذين كانوا قدامهم ، فصلى بهم ركعة ، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ، ثم سلم .\rكذلك خرجه مسلم من طريقه .\rورجح ابن عبد البر رواية يحيى القطان ، عن شعبة ، على رواية معاذ بن معاذ ، عنه ، وقال في القطان : هو أثبت الناس في شعبة . وخالفه البيهقي ، ورجح رواية معاذ بن معاذ ؛ لان يحيى القطان لم يحفظ حديث شعبة .\rوقال : رواه -أيضا- روح بن عبادة ، عن شعبة ، كما رواه عنه معاذ . قالَ : وكذلك رواه الثوري ، عن يحيى الأنصاري بخلاف رواية مالك ، عنه . قالَ : وهذا أولى أن يكون محفوظاً ؛ لموافقته رواية عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، ورواية مالك . عن يزيد بن رومان .\rقلت : فقد رواه أحمد ، عن غندر ، عن شعبة ، عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم ، وقال : أما عبد الرحمن فرفعه ، وساق الحديث ، وفي آخره : ثم يقعد حتى يقضوا ركعة أخرى ، ثم يسلم عليهم .\rوهذا يوافق رواية معاذ ، وغندر مقدم في أصحاب شعبة .\rوقد ذهب كثير من العلماء إلى استحباب صلاة الخوف على ما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع في هذا الحديث .\rقال القاسم بن محمد : ما سمعت في صلاة الخوف أحب إلي منه .\rوبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود والثوري -في رواية- وحكاه إسحاق عن أهل المدينة وأهل الحجاز ، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي ، وحكاه الترمذي ، عن إسحاق .\rوصرح إسحاق في رواية ابن منصور على أنه يجوز العمل به ، ولا يختاره على غيره من الوجوه . إلاّ أنهم اختلفوا : هل تقضي الطائفة الركعة الثانية قبل سلام الإمام ، أو بعده ؟","part":7,"page":17},{"id":1448,"text":"فعند الشافعي وأحمد وداود : تقضي قبل سلام الإمام ، ثُمَّ يسلم بهم وهو رواية عن مالك ، ثُمَّ رجع عنها ، وقال : إنما يقضون بعد سلام الإمام ، وهو قول أبي ثور وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، ذكره في كتابه ((الشافي)) .\rونص أحمد على أن هذه الصلاة تصلى وأن كان العدو في جهة القبلة . وقال القاضي أبو يعلى : إنما تصلى إذا كان العدو في غير جهة القبلة ، وكذلك حمل بعض أصحاب سفيان قوله على ذلك .\rقال بعض أصحابنا : نص أحمد محمول على ما إذا لم يمكن صلاة عسفان لاستتار العدو ، وقول القاضي محمول على ما إذا أمكن أن يصلوا صلاة عسفان لظهور العدو .\rوكذا قال أصحاب الشافعي ، لكنهم جعلوا ذلك شرطا لاستحباب صلاة ذات الرقاع ، لا لجوازها .\rقال البخاري :\r(( وقال أبو هريرة : صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة نجد صلاة الخوف)) وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية حيوة وابن لهيعة- إلا أن النسائي كنى عنه برجل آخر - كلاهما ، عن أبي الاسود ، أنه سمع عروة بن الزبير\rيحدث ، عن مروان بن الحكم ، أنه سأل أبا هريرة : هل صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف ؟ قالَ أبو هريرة : نعم . قالَ مروان : متى ؟ قالَ أبو هريرة : عام غزوة\rنجد ، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة العصر ، فقامت طائفة معه ، وطائفة أخرى مقابل العدو ، وظهورهم إلى الكعبة ، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبروا جميعا : الذين معه والذين مقابلو العدو ، ثُمَّ ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة واحدة ، وركعت الطائفة الذين معه ، ثُمَّ سجد فسجدت الطائفة التي تليه ، والآخرون قيام مقابل العدو، ثُمَّ قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقامت الطائفة التي معه ، فذهبوا إلى العدو فقابلوه ، واقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم كما هوَ ، ثُمَّ قاموا فركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة أخرى وركعوا معه ، وسجد وسجدوا معه ، ثُمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو ، فركعوا وسجدوا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد ، ومن كان معه ، ثم كان السلام ، فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلموا جميعا ، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة .\rواللفظ لأبي داود .\rولفظ النسائي : فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان . فتحمل -حينئذ- رواية أبي داود على أنه كان لكل واحد من الطائفتين ركعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والركعة الأخرى هو صلاها لنفسه ، وعلى مثل ذلك تحمل كثير من أحاديث صلاة الركعة في الخوف .\rورواية ابن إسحاق ، عن أبي الاسود ، عن عروة أنه سمع أبا هريرة ومروان بن الحكم يسأله- فذكر الحديث بمعناه .\rخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما )) .","part":7,"page":18},{"id":1449,"text":"ورواية من روى عن عروة ، عن مروان ، عن أبي هريرة أشبه بالصواب-: قاله الدارقطني .\rونقل الترمذي في ((علله)) عن البخاري ، أنه قال : حديث عروة ، عن أبي\rهريرة ، حسن .\rوقد روي هذا الحديث عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن أبي هريرة .\rخرجه الأثرم .\rوليس في حديثه : أن الطائفتين كبَرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول صلاته . وروي عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر ، عن عروة ، عن عائشة .\rخرجه أبو داود .\rولفظ حديثه : قالت : كبَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكبرت الطائفة الذين صفوا معه ، ثم ركع فركعوا ، ثم سجد فسجدوا ، ثم رفع فرفعوا ، ثم مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا ، ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانية ، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقري حتى قاموا من ورائهم ، وجاءت الطائف [الأخرى فقاموا] فكبروا ، ثُمَّ ركعوا لأنفسهم ، ثم سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجدوا معه ، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم سجدوا لأنفسهم الثانية ، ثم قامت الطائفتان جميعا فصلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فركع فركعوا ، ثم سجد فسجدوا جميعا ، ثم عاد فسجد الثانية فسجدوا معه سريعا كأسرع الإسراع جاهدا ، لا يألون إسراعا ، ثم سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلموا ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شاركه الناس في الصلاة كلها .\rفقد اضطرب ابن إسحاق في لفظ الحديث وإسناده .\rوقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه - مرسلا- ، بنحو حديث أبي عياش الزرقي .\rذكره أبو داود- تعليقا .\rوقد أجاز الإمام أحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وابن جرير وجماعة من الشافعية صلاة الخوف على كل وجه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن رجحوا بعض الوجوه على بعض .\rوأما صلاة الخوف ركعة ، فيأتي الكلام عليه فيما بعد- إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\rوظاهر كلام البخاري : أنه يجوز .\rوقد نقل الترمذي عنه في (( العلل)) ، أنه قال : كل الروايات في صلاة الخوف عندي صحيح ، وكل يستعمل ، وإنما هو على قدر الخوف ، إلا حديث مجاهد ، عن أبي عياش ، فإني أراه مرسلا .\rوهذا يدل على أنه يستعمل كل وجه من وجوه صلاة الخوف على قدر ما تقتضيه حال الخوف ، ويكون ذلك الوجه أصلح له .\rوروي نحو ذلك عن سليمان بن داود الهاشمي ، وحكي عن إسحاق -أيضا-، وقاله بعض أصحابنا .\r* * *","part":7,"page":19},{"id":1450,"text":"4- باب\rالصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو\rوقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء ، كل امرىء لنفسه، فإن لم يقدروا على الايماء أخروا [ الصلاة] حتى ينكشف القتال أو يأمنوا ، فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير . ويؤخرونها حتى يامنوا .\rوبه قال مكحول .\rإنما يقول مكحول بتأخير الصلاة للمطلوب دون الطالب .\rقال الفزاري ، عن يزيد بن السمط ، عن مكحول ، قال : إذا حضر القتال فلزم بعضهم بعضا ، لم يطيقوا أن يصلوا ، أخروا الصلاة حتى يصلوا علىالأرض ، وقال : صلاة الطالب : أن ينزل فيصلي ، فيؤثر صلاته على ما سواها ، وصلاة الهارب : أن يصلي حيث كان ركعة .\rقال أبو إسحاق ، وقال الأوزاعي : الصلاة حيث وجهوا على كل حال ، لأن الحديث جاء أن البصر لا يرفع ما دام الطلب ، وصلاة الخوف : أن يصلي القوم كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن كان خوف أكثر من ذلك صلوا فرادى ، مستقبلي القبلة ، يركعون ويسجدون ، فإن كان خوف أكثر من ذلك أخروا الصلاة حتى يقدروا ، فيقضوها .\rقالَ : وقال الأوزاعي: إن ثلموا في الحصن ثلمة ، وحضرت الصلاة فإن قدروا أن يصلوا جلوسا أو يومئون إيماءً أو يتعاقبون فعلوا وإلاّ أخروا الصلاة إن خافوا إن صلّوا أن يغلبوا عليهِ ، وقد طمعوا في فتحه ، صلوا حيث كانت وجوههم ، ويتمموا أن خافوا .\rوقد تضمن ما حكاه البخاري عن الأوزاعي مسائل .\rمنها :\rأن الطالب يصلي صلاة شدة الخوف راكبا وماشيا كالمطلوب ، وهو رواية عن أحمد .\rوقال إسحاق- فيما نقله عن حرب - : يصلي بالأرض ويومىء إيماءً .\rوفي صلاة الطالب ماشيا بالإيماء حديث ، خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن أنيس، وهو مما تفرد به ابن إسحاق .\rوذهب الجمهور إلى أن الطالب لا يصلي إلاّ بالأرض صلاة الأمن ، إلاّ أن يخاف ، منهم : الحسن ومكحول ومالك والثوري والشافعي وأحمد- في رواية عنه- وقد سبق ذكر ذَلِكَ .\rومنها :\rأن صلاة شدة الخوف لا تكون جماعة ، بل فرادى ، وقد سبق أن الجمهور على خلاف ذَلِكَ .\rومنها :\rأنهم إذا لم يقدروا على الإيماء في حال شدة الخوف أخروا الصلاة حتى يأمنوا .\rوممن قال بتأخير الصلاة مكحول كما سبق عنه ، وهو قال أبي حنيفة وأصحابه .\rوحكى ابن عبد البر ، عن ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأصحابه أنه لا يصلي أحد في الخوف إلاّ إلى القبلة ، ولا يصلي في حال المسايفة ، بل يؤخر الصلاة .\rوعن أحمد رواية : أنه يخير بين الصلاة بالإيماء وبين التأخير .\rقال أبو داود : سألت أبا عبد الله عن الصلاة صبيحة المغار ، فيؤخرون الصلاة حتى تطلع الشمس ، أو يصلون على دوابهم ؟ قَالَ : كلٌ أرجوا .\rواستدل أصحابنا لهذه الرواية بصلاة العصر فِي بني قريظة وفي الطريق ، وأنه لم يعنف واحد منهما ، وسيأتي ذكره والكلام على معناه قريبا - إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .","part":7,"page":20},{"id":1451,"text":"وجمهور أهل العلم على أنه لا يجوز تأخير الصلاة في حال القتال ، وتصلى على حسب حاله ، فإنه لا يأمن هجوم الموت في تلك الحال .\rفكيف يجوز لأحد أن يؤخر فرضاً عن وقته ، مع أنه يخاف على نفسه مداركة الموت له في الحال ، وهذا في تأخير الصلاة عن وقتها التي لا يجوز تأخيرها للجمع . فأما صلاة يجوز تأخيرها للجمع فيجوز تأخيرها للخوف ، ولو كان في الحضر عند أصحابنا وغيرهم من العلماء .\rوقول ابن عباس : جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بالمدينة من غير خوف ، يدل بمفهومه على جواز الجمع للخوف ؛ فإن الخوف عذر ظاهر ، فالجمع له أولى من الجمع للمطر والمرض ونحوهما .\rفأما قصر الصلاة في حال الخوف في الحضر ، فالجمهور على منعه . وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد بجوازه ، مخرجة عن رواية حنبل عنه ، بجواز الفطر في رمضان لقتال العدو .\rوروي عن عثمان بن عفإن ، أنه قالَ : لايقصر الصلاة إلاّ من كان شاخصاً أو بحضرة العدو .\rوظاهره : أنه يجوز القصر بحضرة العدو في غير السفر -أيضاً- وبذلك فسره أبو عبيدة في ((غريبه)) .\rوذكر ابن المنذر عن عمران بن حصين مثل قول عثمان -أيضاً .\rوقد يفسر بأنه لايجوز القصر إلاّ في حال السفر أو الإقامة في دار الحرب لقتال\rالعدو ، وهذا قول كثير من العلماء ، ويأتي بيانه في ((كتاب قصر الصَّلاة)) إن شاء الله\r- سبحانه وتعالى - .\rوسيذكر البخاري في هذا الباب ما يستدل به على جواز التأخير في حال شدة\rالخوف .\rومنها :\rأنهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جاز لهم أن يصلوا ركعة واحدة تامةً .\rوهذا قول كثير من العلماء ، منهم :ابنُ عباس .\rففي ((صحيح مسلم)) ، عنه ، قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في السفر ركعتين ، وفي الحضر أربعاً ، وفي الخوف ركعة .\rوقد روي نحو ذلك عن جابر وابن عمر ، وقد سبق ذكر قولهما .\rورواه الحسن ، عن حطان الرقاشي ، عن أبي موسى -أيضاً- أنه فعله .\rوهو مروي -أيضاً- عن الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي والضحاك والحكم وقتادة وحماد ،وقول إسحاق ومحمد بن نصر المروزي .\rحتى قاله في صلاة الصبح ، مع أن ابن حزم وغيره حكوا الإجماع على أن الفجر والمغرب لاينقص عن ركعتين وثلاث ، في خوف ولا أمن ، في حضر ولا سفرٍ .\rولم يفرق هؤلاء بين حضر ولاسفر ، وهذا يدل على أنهم رأوا قصر الصَّلاة في الحضر للخوف أشد القصر وأبلغه ، وهو عود الصلوات كلها إلى ركعةٍ واحدةٍ .\rوحكي رواية عن أحمد ، وهوظاهر كلامه في رواية جماعة ، ورجحه بعض المتأخرين من أصحابنا ، والمشهورعنه : المنع .\rوقد نقل جماعة عنه ، أنه قال : لايعجبني ذلك . وهو قول [....] أصحابنا .\rوالمنع منه قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي .\rوتقدم من حديث ابن عباس ، أن كل طائفة من الناس صلوا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة ركعة وأنهم لم يقضوا . ومن حديث حذيفة -أيضاً- وما في ذلك من التأويل .","part":7,"page":21},{"id":1452,"text":"وروى يزيد الفقير ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم صلاة الخوف ، فقام صف بين يديه ، وصف خلفه ، صلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين ، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم ، وجاء أولئك فقاموا مقام هؤلاء ، فصلى لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة وسجدتين ، ثم سلم ، فكانت للنبي- صلى الله عليه وسلم - ركعتان ، ولهم ركعة .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) .\rوفي رواية النسائي: ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم فسلم الذين خلفه ، وسلم أولئك .\rوذكر أبو داود في ((سننه)) : أن بعضهم قال في حديث يزيد الفقير: أنهم قضوا ركعة أخرى .\rوروى عبد الله بن شقيق : نا أبوهريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل بين ضجنان\rوعسفان ، فقال المشركون : أن لهؤلاء صلاةً هي أحب إليهم من آباهم وأبنائهم ، وهي العصر ، فأجمعوا أمركم ، فميلوا عليهم ميلةً واحدة ، وأن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يقيم أصحابه شطرين ، فيصلي بهم ، وتقوم طائفة أخرى وراءهم ، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ثم يأتي الأخرون ويصلون معه ركعة ، ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ، فيكون لهم ركعة ركعة ، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان .\rخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في ((صحيحه)) .\rوقال الترمذي : حسنٌ صحيحٌ .\rونقل الترمذي في ((العلل)) عن البخاري ، أنه قال: هوحديثٌ حسنٌ .\rوقد حمله بعضهم على أن كل واحدة من الطائفتين كانت لهم ركعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأما الأخرى فإنها صلتها مفردة .\rوخرجه النسائي عنده : يكون لهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتان .\rوخرج ابن حبان في ((صحيحه)) هذا المعنى من حديث زيد بن ثابت ، عن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، وأصله في ((سنن النسائي)) .\rوقد أجاب بعضهم بأن الروايات إذا اختلفت ، وكان في بعضها عدم القضاء ، وفي بعضها القضاء ، فالحكم للإثبات ؛ لأن المثبت قد حفظ ما خفي على الباقي وهذا صحيح أن لو كانت الروايات كلها حكاية عن واقعة واحدة ، فأما مع التعدد فيمكن أن القضاء وجد في واقعة ولم يوجد في الأخرى .\rوقد زعم مجاهد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة الخوف إلاّ مرتين ، مرة بذات الرقاع ، ومرة بعسفان .\rواختلاف الروايات في صفة صلاة الخوف يدل على أن ذلك وقع أكثر من مرتين .\rواستدل بعض من رأى أن صلاة الخوف ركعة بأن ظاهر القرآن يدل عليهِ ؛ فإن الله تعالى ذكر أن الطائفة الأولى تصلي معه حتَّى يسجد ، فتكون من وراء الناس ، وأن الطائفة الثانية التي لم تصل تأتي وتصلي معه ، فظاهره : أن الطائفة الأولى تجتزئ بما صلت معه من تلك الركعة ، وأن الثانية تكتفي بما أدركت معه ، ولم يذكر قضاء على واحدة من\rالطائفتين .\rومنها :\rأنهم إذا عجزوا عن الصلاة بأركانها في حال الخوف ، فقال الأوزاعي : لا يجزئهم التكبير بمجرده .","part":7,"page":22},{"id":1453,"text":"وإلى هذا ذهب الأكثرون ، وهو : أنه لا يجزئ في حال شدة الخوف الاقتصار على التكبير ، وهوقول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق .\rونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق ، قإلاّ : لابد من القراءة ، ولا يجزئهم\rالتكبير .\rونقل جماعة عن أحمد ، أنه قال : لابد في صلاة الخوف من القراءة والتشهد\rوالسلام .\rوذهب آخرون إلى أنهم يجزئهم التكبير .\rروي عن جابر وابن عمر : تجزئهم تكبيرةٌ واحدة ، وعن مجاهد والسدي .\rوكذا قال عبد الوهاب بن بخت ، وزاد :وإن لم يقدر على التكبير ، فلا يتركها في نفسه .\rيعني : النية .\rوروي عن عبد الله بن الزبير ، أنه ارتث يوم الجمل قبل غروب الشمس ، فقيل له : الصلاة . فقال : لا استطيع أن أصلي ، ولكني أكبر .\rوعن الضحاك : إن لم يستطع أن يومئ كبر تكبيرة أو تكبيرتن .\rوقال الثوري : إن لم يستطع أن يقرأ يجزئه التكبير في كل خفض ورفع ، وإن لم يستطع أن يتوضأ تيمم بغبار سرجه .\rوكذلك مذهب الثوري في المريض المدنف : إذا لم يستطع أن يصلي على جنبه ، فإنه يكبر لكل ركعة تكبيرة ، مستقبل القبلة ، وتجزئه .\rونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : إن لم يقدروا على ركعة فسجدة واحدة ، فإن لم يقدروا فتكبيرةٌ واحدة ، واستدل بقولِهِ : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] .\rفإذا قدر على الإتيان بشيء من الصلاة ، وعجز عن الباقي لزمه أن يأتي به في وقته ويجزئه ، ولا يجوز له تأخيره عن الوقت .\rوذكر ابن جرير بإسناده ، أن هرم بن حيان كان معه أصحابه يقاتلون العدو مستقبلي المشرق ، فحضرت الصلاة ، فقالوا : الصلاة الصلاة ، فسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة ، وهم مستقبلوا المشرق .\rويستدل للجمهور بأن ما دون الركعة ليس بصلاة ، فلا يكون مأموراً به من عجز عن الصلاة ، وأقل ما ورد في صلاة الخوف أنها ركعة ، فما دون الركعة ليس بصلاة ، ولا يؤمر به في خوف ولا غيره ، ولا يسقط به فرض الصلاة .\rثم قال البخاري - رحمه الله -:\rوقال أنس بن مالك : حضرت مناهضة حصن تستر عند صلاة الفجر-واشتد اشتعال القتال- ، فلم يقدروا على الصلاة ، فلم نُصل إلاّ بعد ارتفاع النهار ، فصليناها ونحن مع أبي موسى ، ففتح لنا .\rقال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها .\rهذه الواقعة كانت في زمن عمر -رضي الله عنه- سنة عشرين .\rقال خليفة بن خياط في ((تاريخه)) : نا ابن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن\rأنس ، قالَ : لم نصل يومئذ صلاة الغداة حتى انتصف النهار ، فما يسرني بتلك الصلاة الدنيا كلها .\rقال خليفة : وذلك سنة عشرين .\rثم قال البخاري :\r945- حدثني يحيى : ثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر بن عبد الله ، قال جاء عمر يوم الخندق ، فجعل يسب كفار قريش ، ويقول : يارسول الله ، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( وأنا ما صليتها بعد )) . قال : فنزل إلى بطحان ، فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس ، ثم صلى المغرب بعدها .","part":7,"page":23},{"id":1454,"text":"((يحيى)) شيخ البخاري ، قيل : إنه ابن جعفر بن أعين البيكندي . وقيل : إنه ابن موسى بن عبد ربه ابن ختّ البخلي ، وكلاهما يروي عن وكيع .\rوقد خرجه البخاري في آخر ((المواقيت)) من غير وجهٍ ، عن يحيى بن أبي كثير .\rوسبق الكلام على وجه تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في ذلك اليوم : هل كان نسياناً ، أو اشتغإلاّ بالحرب ؟\rوعلى هذا التقدير : فهل هوَ منسوخ بنزول آيات صلاة الخوف ، كما روي ذَلِكَ عن أبي سعيد الخدري ، أو هو محكم باقٍ ؟\rوالبخاري يشير إلى بقاء حكمه من غير نسخ .\rوقال كثير من العلماء : إنه نسخ بصلاة الخوف ، وحديث أبي سعيد يدل عليه ، وقد ذكرناه هنالك ، وممن ذكر ذلك : الشافعي ، وكثير من أصحابنا وغيرهم .\rوأما قول ابن إسحاق : إن صلاة عسفان وذات الرقاع كانت قبل الخندق ، ففيه\rنظر . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوكذلك ذكر ابن سعد : أن غزوة ذات الرقاع كانت على رأس سبعة وأربعين شهراً من الهجرة ، وفيها صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو أول ما صلاها .\rوقد رد البخاري في((المغازي)) من ((صحيحه)) هذا بوجهين :\rأحدهما : أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع ، وأبو موسى إنما جاء بعد خيبر، وذلك بعد الخندق .\rوالثاني : أن جابراً ذكر أن صلاة الخوف إنما كانت في السنة السابعة ، وقد ذكرنا حديثه هذا في الباب الأول من ((أبواب صلاة الخوف)) .\rوقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث -أعني :حديث جابر في تأخير الصلاة يوم الخندق- على جواز تأخير الصلاة في حال الخوف لمن لم يقدر على الوضوء إلاّ بعد الوقت -في رواية جماعة من أصحابه .\rوعنه رواية أخرى : أنه يتيمم ويصلي في الوقت ، وقد سبق ذلك في ((التيمم)) .\rفحمل الإمام أحمد تأخير الصلاة يوم الخندق على أنه كان للاشتغال بالحرب ،كما حمله البخاري .\rقال الإمام أحمد : وقد قيل : إن ذلك كان قبل نزول هذه الآية : { فإن خِفْتُمْ فَرِجَإلاّ أَوْ رُكْبَاناً } [البقرة:239] يعني : حديث أبي سعيد .\rوحديث أبي سعيد إنما يدل على أن ذلك قبل نزول صلاة شدة الخوف بالإيماء رجإلاّ وركبانا ، لم يدل على أن صلاة الخوف لم تكن نزلت .\rوالبخاري قد قرر في (( كتاب المغازي)) أن صلاة [ الخوف] إنما شرعت في السنة السابعة ، وذلك بعد الخندق بلا ريب ، ومع هذا فجعل التأخير يوم الخندق محكما غير منسوخ بصلاة الخوف ، ويكون الجمع بينهما بأنه مخير حال شدة الخوف بين التأخير وبين الصلاة بالإيماء ، كما يقوله الإمام أحمد- في رواية عنه .\rواجتماع الصحابة كلهم على النسيان يوم الخندق بعيد جدا ، إلاّ أن يقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الناسي ، وأن الصحابة اتبعوه على التأخير من غير سؤال له عن سببه .\rويشهد لهُ : أنه جاء في رواية للإمام أحمد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟)) قالوا : لا ، فصلاهما .\rوفيه: دليل على رجوع الشاك في أصل صلاته : هل صلاها ، أو لا ؟ إلى قول غيره ، كما يرجع إلى قوله في الشك في عدد ما صلى .","part":7,"page":24},{"id":1455,"text":"وقد قال الحسن- في الرجل يشك : هل صلى ، أم لا ؟ -: يعيد ما كانَ في وقت تلك الصَّلاة ، فإذا ذهب الوقت فلا إعادة عليهِ .\rذكره عبد الرزاق ، بإسناده عنه .\r* * *","part":7,"page":25},{"id":1456,"text":"5- باب\rصلاة الطالب والمطلوب راكبا وايماء او قائما\rوقال الوليد : ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر\rالدابة ، فقال : ذلك الأمر عندنا ، إذا تخوفت الفوت .\rواحتج الوليد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((لا يصلين أحد العصر إلاّ في بني قريظة )) .\r946- حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء : نا جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من الأحزاب: (( لا يصلين أحد العصر إلاّ في بني قريظة)) فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، وقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذَلِكَ . فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم .\rوقد تقدم أن الأوزاعي وأصحابه-ومنهم : الوليد بن مسلم- يرون جواز صلاة شدة الخوف للطالب ، كما يجوز للمطلوب 0 وهو رواية عن أحمد ، وأنهم يرون تأخير الصلاة عن وقتها إذا لم يقدروا على فعلها في وقتها على وجه تام ، كما تقدم- أيضا .\rوقد استدل الوليد بن مسلم لذلك بحديث ابن عمر في البعث إلى قريظة .\rوأما صلاة شرحبيل بن السمط التي استدل بها الأوزاعي [ ....] . ومما يتفرع على جواز صلاة الطالب صلاة شدة الخوف : أن من كان ليلة النحر قاصدا لعرفة ، وخشي أن تفوته عرفة قبل طلوع الفجر ، فإنه يصلي صلاة شدة الخوف وهو ذاهب إلى عرفة ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا ، ولأصحاب الشافعي -أيضا .\rوضعفه بعض أصحابهم ، بأنه ليس بخائف بل طالب .\rوالصحيح : أنا إن قلنا : تجوز صلاة الطالب جازت صلاته ، وإلاّ فلا تجوز ، أو يكون فيه وجهان .\rوهل يجوز تأخير العشاء إلى بعد طلوع الفجر ؟ فيهِ - أيضا - وجهان للشافعية ولأصحابنا .\rوأما استدلال الوليد بحديث ابن عمر في ذكر بني قريظة ، فإنما يتم ذلك إذا كان الذين لم يصلوا العصر حتى بلغوا بني قريظة لم يصلوها إلاّ بعد غروب الشمس ، وليس ذلك في هذا الحديث ، فإن حديث ابن عمر إنما يدل على ان بعضهم أخر العصر إلى بني قريظة ، فقد يكونوا صلوها في آخر وقتها ، وهذا لا إشكال في جوازه .\rوممن ذهب إلى ذلك : الخطابي ، وردَ به على من استدل بالحديث على أن كل مجتهد مصيب .\rوذهب آخرون إلى أن الذين صلوا في بني قريظة صلوا بعد غروب الشمس . واستدلوا بأن مسلما خرج الحديث ، ولفظه : عن ابن عمر ، قالَ : نادى [فينا] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف من الأحزاب : أن (( لا يصلي أحد العصر إلاّ في بني قريظة )) فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلي إلاّ حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن فاتنا الوقت . قال : فما عنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين .","part":7,"page":26},{"id":1457,"text":"وخرج البيهقي ، بإسناد فيه نظر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عمه عبد الله أخبره ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عزم على الناس لما رجع من الأحزاب أن لا يصلوا صلاة العصر إلاّ في بني قريظة . قالَ : فلبس الناس السلاح ، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس ، فاختصم الناس عند غروب الشمس ، فقال بعضهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزم علينا إلاّ نصلي حتى نأتي بني قريظة ، فإنما نحن في عزيمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس علينا إثم ، وصلى طائفة من الناس احتسابا ، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس ، فصلوها حين جازوا بني قريظة احتسابا ، فلم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين .\rوهذا مرسل .\rوقد ذكره موسى بن عقبة في (( مغازيه )) عن الزهري - مرسلا-، بغير إسناد للزهري بالكلية ، وهو أشبه .\rوخرج البيهقي نحوه- أيضا- من طريق عبد الله بن عمر العمري ، عن أخيه\rعبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، وفي حديثها : (( فغربت الشمس قبل أن يأتوهم ، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا ، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ، ولم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا من الفريقين)) .\rوالاستدلال بهذا الحديث على تأخير الصلاة للاشتغال بالحرب ، استدلال ضعيف ، وكذلك الاستدلال به على تأخير الصلاة لطالب العدو ؛ فإن يوم ذهابهم إلى بني قريظة لم تكن هناك حرب تشغل عن صلاة ، ولا كانوا يخافون فوات العصر ببني قريظة بالاشتغال بالصلاة بالكلية ، وإنما وقع التنازع بين الصحابة في صلاة العصر في الطريق ، إلتفاتا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى معنى كلامه ومراده ومقصوده :\rفمنهم من تمسك بظاهر اللفظ ، ورأى أنه ينبفي أن يصلي العصر إلاّ في بني قريظة ، وإن فات وقتها ، وتكون هذه الصلاة مخصوصة من عموم أحاديث المواقيت بخصوص هذا ، وهو النهي عن الصلاة إلاّ في بني قريظة .\rومنهم من نظر إلى المعنى ، وقال لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، وإنما أراد منا تعجيل الذهاب إلى بني قريظة في بقية النهار ، ولم يرد تأخير الصلاة عن وقتها ، ولا غير وقت صلاة العصر في هذا اليوم ، بل هو باق على ما كان عليه في سائر الأيام .\rوهذا هو الأظهر . والله أعلم .\rولا دلالة في ذلك على أن كل مجتهد مصيب ، بل فيه دلالة على أن المجتهد سواء أصاب أو أخطأ فإنه غير ملوم على اجتهاده ، بل إن أصاب كان له أجران ، وإن أخطأ فخطؤه موضوع عنه ، وله أجر على اجتهاده .\rومن استدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمداً يقضي بعد الوقت فقد وهم ؛ فإن من أخر الصَّلاة في ذَلِكَ كانَ باجتهاد سائغ ، فهوَ في معنى النائم والناسي ، وأولى ؛ فإن التأخير بالتأويل السائغ أولى بأن يكون صاحبه معذوراً .\r* * *","part":7,"page":27},{"id":1458,"text":"6-باب\rالتبكير والتغليس بالصبح والصلاة عند الإغارة والحرب\r947- حدثنا مسدد : ثنا حماد بن زيد ، عن عبد العزيز بن صهيب\rوثابت ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح بغلس ، ثم ركب ، فقال : ((الله\rأكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ٍ، فساء صباح المنذرين )) .\rوذكر بقية الحديث ، وفي آخره قصة صفية ، وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لها ، وجعل عتقها صداقها .\rوقد تقدم أول الحديث في ((أبواب الأذان)) من حديث عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس .\rوالمقصود منه هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الإغارة على أهل خيبر ، ولم يكن عندهم علم من قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصبح ، وصلاها بغلس ، ثم أغار عليهم .\rفيستفاد من ذلك : أنه يستحب لمن أراد الإغارة على المشركين أن يعجل بصلاة الصبح في أول وقتها ، ثم يغير بعد ذلك :\rوروى وكيع في ((كتابه)) ، عن عمران بن حدير ، عن أبي عمران ، قال : صليت مع أبي موسى الغداة ثلاث مرات في غداة واحدة ، كأنه أراد أن يغير على قوم .\rومعنى هذا : أن أبا موسى الأشعري لما أراد الإغارة عجل بصلاة الصبح ، ثم تبين أنه صلاها قبل طلوع الفجر ، فأعادها ، فعل ذلك ثلاث مرات في يوم واحد .\r* * *","part":7,"page":28},{"id":1459,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r13\rأبواب العيدين\r1-باب\rفي العيدين والتجمل فيهما\r948- حدثنا أبو اليمان: انا شعيب ، عن الزهري ، قالَ : أخبرني سالم بن\rعبد الله ، أن عبد الله بن عمر قالَ : أخذ عمر جبة من استبرق تباع في السوق فأخذها فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود . فقال لهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنما يلبس هذه من لا خلاق لهُ)) .\rثم ذكر بقية الحديث في إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم -بجبة ديباج إلى عمر .\rوقد سبق في (( كتاب الجمعة)) من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وفيه : (( لو اشتريت هذه للجمعة والوفود؟)) وهي قضية واحدة والله أعلم .\rوقد يكون أريد بالعيد جنس الأعياد ، فيدخل فيهِ العيدان والجمعة .\rوقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد ، وأنه كان معتادا بينهم .\rوقد تقدم حديث لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في العيدين برده الأحمر . وإلى هذا ذهب الأكثرون ، وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا وغيرهم .\rوقال ابن المنذر : كان ابن عمر يصلي الفجر وعليه ثياب العيد .\rوقال مالك : سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد .\rواستحبه الشافعي .\rوخرج البيهقي بإسناد صحيح ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه .\rوالمنصوص عن أحمد في المعتكف : أنه يخرج إلى العيد في ثياب اعتكافه ، وحكاه عن أبي قلابة .\rوأما غير المعتكف ، فالمنصوص عن أحمد : أنه يخير بين التزين وتركه .\rقال المروذي : قلت لأحمد : أيما أحب إليك : أن تخرج يوم العيد في ثياب جياد أو ثياب رثة ؟ قالَ : أما طاوس فكان يأمر بزينة الصبيان حتَّى يخضبوا ، وأما عطاء فقالَ : لا ، هوَ يوم تخشع . فقلت لأحمد : فإلى ما تذهب ؟ قالَ : قد روي هذا وهذا ، واستحسنهما جميعا .\rذكره أبو بكر ابن جعفر في كتابه (( الشافي)) ، عن الخلال ، عنه .\rوحكاه القاضي في (( شرح المذهب)) مختصرا ، وفيه : وقال عطاء : لا ، هو يوم تخشع ، وهذا أحسن .\rومما يتصل بذلك : الغسل للعيدين ، وقد نص أحمد على استحبابه .\rوحكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ .\rوكان ابن عمر يفعله ، كذا رواه نافع ، عنه ، ورواه عن نافع : مالك وعبيدالله بن عمر وموسى بن عقبة وابن عجلان وابن إسحاق وغيرهم .\rوروى أيوب ، عن نافع ، قالَ : ما رأيت ابن عمر اغتسل للعيد ، كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ، ثم يغدو منه إذا صلى الصبح إلى المصلى .\rذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه .\rوعجب ابن عبد البر من رواية أيوب ، لمخالفتها رواية مالك وغيره ، عن نافع .\rولا عجب من ذلك ، فقد يجمع بينهما : بأن ابن عمر كان إذا اعتكف بات ليلة الفطر في المسجد ، ثم يخرج إلى العيد على هيئة اعتكافه ، كما قاله أحمد ومن قبله من السلف ، وهو قول مالك - أيضا- وإن لم يكن معتكفا ، اغتسل وخرج إلى المصلى .\rوممن روي عنه الغسل للعيد- أيضا- من الصحابة : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وسلمة بن الأكوع ، والسائب بن يزيد .","part":7,"page":29},{"id":1460,"text":"وقال ابن المسيب : هو سنة الفطر .\rوروى مالك ، عن الزهري ، عن عبيد بن السباق ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في جمعة من الجمع : (( يا معشر المسلمين ، إن هذا اليوم جعله الله عيدا ، فاغتسلوا ، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه ، وعليكم بالسواك )) .\rوهذا تنبيه على أن ذلك مأمور به في كل عيد للمسلمين .\rرواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عبيد ، عن ابن عباس .\rخرجه ابن ماجه .\rورواية مالك أصح .\rورواه بعضهم ، عن مالك ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه كذلك الطبراني وغيره .\rوهو وهم على مالك : قاله أبو حاتم الرازي والبيهقي وغيرهما .\rوروى صبيح أبو الوسيم : ثنا عقبة بن صهبان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((الغسل واجب في هذه الأيام : يوم الجمعة ، ويوم الفطر ، ويوم النحر ، ويوم عرفة )) .\rغريب جداً . وصبيح هذا ، لايعرف .\rوخرج ابن ماجه من رواية الفاكه بن سعد -وله صحبة- ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الجمعة ، ويوم عرفة ، ويوم الفطر ، ويوم النحر ، وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام .\rوفي إسناده : يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف جداً .\rوخرج ابن ماجه عن جبارة بن مغلس ، عن حجاج بن تميم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى .\rوحجاج بن تميم وجبارة بن مغلس ، ضعيفان .\rوروى مندل ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل للعيدين .\rخرجه البزار .\rومحمد هذا ، ضعيف جداً .\rوالغسل للعيد غير واجب . وقد حكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ ، ولأصحابنا وجه ضعيف بوجوبه .\rوروى الزهري ، عن ابن المسيب ، قال : الاغتسال للفطر والأضحى قبل أن يخرج إلى الصلاة حقٌ .\rوخرج أبوبكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب ((الشافي)) بإسناد ضعيف ، عن الحارث ، عن علي ، قال: كان بعضنا يغتسل وبعضنا يتوضأ ، فلا يصلي أحد منا قبلها ولا بعدها حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rويستحب -أيضاً- التطيب والسواك في العيدين .\rوكان ابن عمر يتطيب للعيد .\rوروى أبو صالح ، عن الليث بن سعد ، حدثني إسحاق بن بزرجٍ ، عن الحسن بن علي ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نلبس أجود ما نجد ، ونتطيب بأجود ما نجد ، وأن نضحي بأسمن ما نجد ، وأن نظهر التكبير ، وعلمنا السكينة والوقار .\rخرجه الطبراني والحاكم .\rوقال : لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمنا للحديث بالصحة .\rقلت : ورويناه من وجه آخر ، من طريق ابن لهيعة : حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عتبة بن حميد ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، قالَ : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -إذا غدا إلي المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب ، وأن نخرج وعلينا السكينة ، وأن نجهر بالتكبير .","part":7,"page":30},{"id":1461,"text":"وهذا منكر جداً .\rولعله مما وضعه المصلوب ، وأسقط أسمه من الإسناد ؛ فإنه يروى بهذا الإسناد أحاديث عديدة منكرة ترجع إلى المصلوب ، ويسقط اسمه من إسنادها كحديث التنشف بعد الوضوء .والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة والجالس في بيته ، حتى النساء والأطفال .\rوقد تقدم ذلك عن طاوس .\rوقال الشافعي : تزين الصبيان بالمصبغ والحلي ، ذكوراً كانوا أو إناثاً ؛ لأنه يوم\rزينة ، وليس على الصبيان تعبد ، فلا يمنعون لبس الذهب .\rقال بعض أصحابه : اتفق الأصحاب على إباحة زينة الصبيان يوم العيد بالمصبغ وحلي الذهب والفضة ، واختلفوا في غير يوم العيد على وجهين .\rوأما أصحابنا ، فلم يفرقوا بين عيد وغيره ، وحكوا في جواز إلباس الولي الصبي الحرير والذهب روايتين .\r* * *","part":7,"page":31},{"id":1462,"text":"2-باب\rالحرب والدرق يوم العيد\r949-حدثنا أحمد : نا ابن وهب : انا عمرو، أن محمد بن عبد الرحمان الأسدي حدثه ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ، ودخل أبو بكر\rفانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فأقبل عليهِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ : ((دعهما)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا .\r950-وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحرب ، فإما سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإما قال : ((تشتهين تنظرين ؟ )) ، فقلت : نعم . فأقامني وراء خدي على خده ، وهو يقول : (( دونكم يابني أرفدة )) ، حتَّى إذا مللت قالَ : ((حسبك ؟)) ، قلت : نعم . قال : ((فأذهبي)) .\r((أحمد)) الراوي عن ابن وهب سبق الاختلاف فيه .\rو((عمرو)) ، هو : ابن الحارث .\rوشيخه ، هو : أبو الأسود يتيم عروة .\rوقد سبق الحديث باختلاف طرقه وألفاظه في ((أبواب المساجد)) في ((باب : أصحاب الحراب في المسجد)) .\rوذكرنا فيه : أن هذا العيد كان أحد عيدي الإسلام ، وأنه قد قيل : إنه كان يوم عاشوراء . والظاهر : أن هذا كان قبل نزول الحجاب ؛ لقولها : ((خدي عَلَى خده)) .\rويحتمل أنه كَانَ بعده ؛ فإن البخاري خرجه في ((باب : أصحاب الحراب في المسجد)) بزيادة : ((وهو يسترني بردائه)) .\rواللعب بالحراب والدرق في الأعياد مما لاشبهة في جوازه ، بل واستحبابه ؛ لأنه مما يتعلم به الفروسية ، ويتمرن به على الجهاد .\rوقد رخص إسحاق وغيره من الأئمة باللعب بالصولجان والكرة ، للتمرن على\rالجهاد .\rوأما ذكر الغناء ، فنذكره في الباب الآتي-إن شاء الله - سبحانه وتعالى - .\r* * *","part":7,"page":32},{"id":1463,"text":"3-باب\rسنة العيدين لأهل الإسلام\rفيه حديثان :\rالأول :\r951- حدثنا حجاج : انا شعبة : أخبرني زبيد : سمعت الشعبي ، عن البراء : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال: ((إن أول ما نبرأ في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل هذا فقد أصاب سنتنا)) .\rومراده : الاستدلال بهذا الحديث على أن سنة أهل الإسلام التي سنها لهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في عيد النحر :الصلاة ثم النحر بعد رجوعهم من الصلاة .\rوهذا مما اتفق المسلمون على أنه سنة في يوم النحر ، وإنما اختلفوا : هل هو واجب ، أم لا ؟\rفأما النحر ، فيأتي الكلام عليه في موضع آخر -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوأما صلاة العيد ، فاختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال :\rأحدها : أنها سنة مسنونة ، فلو تركها الناس لم يأثموا .\rهذا قول الثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي يوسف ، وحكي رواية عن أحمد .\rواختلفوا : هل يقاتلون على تركها ؟ وفيه وجهان للشافعية . وقال أبويوسف : آمرهم وأضربهم ؛ لأنها فوق النوافل، ولا أقاتلهم ؛ لأنها دون الفرائض .\rوقد يتعلق لهذا القول بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المصلي يوم العيد أنه أصاب السنة .\rولا دليل فيه ؛ فإن السنة يراد بها الطريقة الملازمة الدائمة ، كقوله : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } [الفتح:23] .\rوالقول الثاني : أنها فرض كفاية فإذا أجمع أهل بلد على تركها أثموا وقوتلوا على تركها .\rوهو الظاهر مذهب أحمد ، نص عليه في رواية المروذي وغيره . وهو قول طائفة من الحنفية والشافعية .\rوالقول الثالث : أنها واجبة على الأعيان كالجمعة .\rوهو قول أبي حنيفة ، ولكنه لا يسميها فرضاً .\rوحكى أبو الفرج الشيرازي - من أصحابنا- رواية عن أحمد : أنها فرض عين .\rوقال الشافعي -في ((مختصر المزني)) - : من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين .\rوهذا صريح في أنها واجبة على الأعيان .\rوليس ذلك خلافاً لإجماع المسلمين ، كما ظنه بعضهم .\rوكثيرمن أصحابه تأولوا نصه بتأويلات بعيدة ، حتى إن منهم من حمله على أن الجمعة فرض كفاية كالعيد .\rوأقرب ما يتأول به : أن يحمل على أن مراده : أن العيد فرض كفاية ؛ لأن فروض الكفاية كفروض الأعيان في أصل الوجوب ، ثُمَّ يسقط وجوب فرض الكفاية بفعل البعض دون فرض العين .\rفقد يقال : إن الشافعي أراد أن يعلق الوجوب في العيد بمن يتعلق به وجوب الجمعة وإن كانت العيد تسقط بحضور بعض الناس دون الجمعة .\rوهذا أشبه مما تأوله به أصحابه ، مع مخالفته لظاهر كلامه وبعده منه ؛ فإنه صرح بوجوب الحضور في العيد كحضور الجمعة .\rالحديث الثاني:\r952- نا عبيد بن اسماعيل : نا أبو اسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الانصار ، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم","part":7,"page":33},{"id":1464,"text":"بعاث . قالت : وليستا بمغنيتين . فقال أبو بكر : مزامر الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يا أبا بكر ، إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا )) .\rفي هذا الحديث : الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب والغناء بغناء الأعراب. وإن سمع ذلك النساء والرجال ، وإن كان معه دف مثل دف العرب ، وهو يشبه الغربال .\rوقد خرجه البخاري في آخر (( كتاب العيدين)) من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وجهه ، فقال: (( دعهما يا أبا\rبكر ؛ فإنها أيام عيد)) ، وتلك [ الأيام] أيام منى.\rولا ريب أن العرب كانَ لهم غناء يتغنون به ، وكان لهم دفوف يضربون بها ، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من قتل فيها ، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل ، ليس فيها جلاجل ، كما في حديث عائشة ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( أعلنوا النكاح واضربوا عليهِ بالغربال )) .\rوخرجه الترمذي وابن ماجه ، بإسناد فيه ضعفٌ .\rفكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرخص لهم في أوقات الأفراح ،كالأعياد والنكاح وقدوم الغياب في الضرب للجواري بالدفوف ، والتغني مع ذلك بهذه الأشعار ، وما كان في معناها .\rفلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد أعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة ، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس ، المجبول محبته فيها ، بآلات اللهو المطربة ، المخرج سماعها عن الاعتدال ، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه ، ونهوا عنه وغلظوا فيه .\rحتى قال ابن مسعود : الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل . وروي عنه - مرفوعا .\rوهذا يدل على أنهم فهموا أن الغناء الذي رخص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه لم يكن هذا الغناء ، ولا آلاته هي هذه الآلات ، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده ، مما يتعارفه العرب بآلاتهم .\rفأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة ، وإن سمي غناءً ، وسميت آلاته دفوفا ، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل ، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى ، ويغير الطباع ، ويدعو إلى المعاصي ، فهو رقية الزنا . وغناء الأعراب المرخص به ، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة ، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظا ولا معنى ، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناء ولا دفا ، وإنما هي قضايا أعيان ، وقع الإقرار عليها ، وليس لها [ من ] عموم .","part":7,"page":34},{"id":1465,"text":"وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة ، لأن غنائهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات ، بخلاف غناء الأعراب ، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل ، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب .\rوقد صحت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذم من يستمع القينات في آخر الزمان ، وهو إشارة إلى تحريم سماع آلات الملاهي الماخوذة عن الأعاجم .\rوقد خرج البخاري في (( الأشربة)) حديث عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك -أو أبي عامر- الأشعري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، كما سياتي في موضعه- إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rفقال فيه : (( قال هشام بن عمار )) - فذكره .\rوالظاهر: أنه سمعه من هشام .\rوقد رواه عن هشام الحسن بن سفيان النسوي .\rوخرجه من طريقه البيهقي وغيره .\rوخرجه الطبراني : نا محمد بن يزيد بن عبد الصمد : نا هشام بن عمار.\rفصح واتصل عن هشام .\rوخرجه أبو داود من وجه آخر مختصرا .\rوقد بينت عائشة أن الجاريتين إنما كانا يغنيان بغناء بعاث ، ويوم بعاث يوم من أيام حروب الجاهلية مشهور .\rوباؤه مثلثة وعينه مهملة ، ومنهم من حكى أنها معجمة ، قال الخطابي : هو يوم مشهور من أيام العرب ، كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج ، وبقيت الحرب قائمة مائة وعشرين سنة إلى الإسلام ، على ما ذكره ابن إسحاق وغيره .\rقالَ : وكان الشعر الذي تغنيان به في وصف الشجاعة والحرب ، وهو إذا صرف إلى جهاد الكفار كان معونة في أمر الدين ، فأما الغناء بذكر الفواحش والابتهار للحرم ، فهو المحظور من الغناء ، حاشاه أن يجري بحضرته شيء من ذلك فيرضاه ، أو يترك النكير لهُ ، وكل من جهر بشيء بصوته وصرح به فقد غنى به .\rقالَ : وقول عائشة : (( ليستا بمغنيتين)) ، إنما بينت ذلك ؛ لأن المغنية التي اتخذت الغناء صناعة وعادة ، وذلك لا يليق بحضرته ، فأما الترنم بالبيت والتطريب للصوت إذا لم يكن فيهِ فحش ، فهوَ غير محظور ولا قادح في الشهادة .\rوكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- لا ينكر من الغناء النصب والحداء\rونحوهما ، وقد رخص فيه غير واحد من السلف .\rقالَ : وقوله : (( هذا عيدنا )) يريد أن إظهار السرور في العيد من شعار الدين ، وحكم اليسير من الغناء خلاف الكثير . انتهى .\rوفي الحديث ما يدل على تحريمه في غير أيام العيد ؛ لأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - علل بأنها أيام عيد ، فدل على أن المقتضي للمنع قائم ، لكن عارضه معارض وهو الفرح والسرور العارض بأيام العيد .\rوقد أقر أبا بكر على تسمية الدف مزمور الشيطان ، وهذا يدل على وجود المقتضي للتحريم لولا وجود المانع .\rوقد قال كثير من السلف ، منهم : قتادة : الشيطان قرآنه الشعر ، ومؤذنه المزمار، ومصايده النساء .\rوروي ذلك من حديث أبي أمامة - مرفوعا .","part":7,"page":35},{"id":1466,"text":"وقد وردت الشريعة بالرخصة للنساء لضعف عقولهن بما حرم على الرجال من التحلي والتزين بالحرير والذهب ، وإنما أبيح للرجال منهم اليسير دون الكثير ، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعا .\rولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال ؛ فإنه من التشبه بالنساء ، وهو ممنوع منه ، هذا قول الأوزاعي وأحمد ، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية .\rوإنما كان يضرب بالدفوف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء ، أو من يشبه بهن من المخنثين ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفي المخنثين وإخراجهم من البيوت .\rوقد نص على نفيهم أحمد وإسحاق ، عملا بهذه السنة الصحيحة .\rوسئل أحمد عن مخنث مات ووصى أن يحج عنه ، فقال : كسب المخنث خبيث ، كسبه بالغناء ، نقله عنه المروذي .\rوفي تحريم ضرب المخنث بالدف حديث مرفوع ، خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف . فأما الغناء بغير ضرب دف ، فإن كان على وجه الحداء والنصب فهو جائز . وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة .\rوالنصب : شبيه الحداء- : قاله الهروي وغيره .\rوهذا من باب المباحات التي تفعل أحيانا للراحة .\rفأما تغني المؤمن فإنما ينبغي أن يكون بالقرآن ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) والمراد : أنه يجعله عوضا عن الغناء فيطرب به ويلتذ ، ويجد فيه راحة قلبه وغذاء روحه ، كما يجد غيره ذلك في الغناء بالشعر .\rوقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود- أيضاً .\rوأما الغناء المهيج للطباع ، المثير للهوى ، فلا يباح لرجل ولا لامرأة فعله ولا\rاستماعه ؛ فإنه داع إلى الفسق والفتنة في الدين والفجور فيحرم كما يحرم النظر بشهوة إلى الصور الجميلة[....] ؛ فإن الفتنة تحصل بالنظر وبالسماع؛ ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم -زنا العينين النظر، وزنا الأذن الاستماع .\rولا خلاف بين العلماء المعتبرين في كراهة الغناء وذمه وذم استماعه ، ولم يرخص فيه أحد يعتد به .\rوقد حكيت الرخصة فيه على بعض المدنيين .\rوقد روى الإمام أحمد ، عن إسحاق الطباع ، أنه سأل مالكا عما يرخص فيه أهل المدينه من الغناء ؟ فقالَ : إنما يفعله عندنا الفساق . وكذا قالَ إبراهيم بن المنذر الحزامي ، وهو من علماء أهل المدينة - أيضا .\rوقد نص أحمد على مخالفة ما حكي عن المدنيين في ذَلِكَ . وكذا نص هو وإسحاق على كراهة الشعر الرقيق الذي يشبب به النساء .\rوقال أحمد : الغناء الذي وردت فيه الرخصة هو غناء الراكب : أتيناكم أتيناكم .\rوأما استماع آلات الملاهي المطربة المتلقاة من وضع الأعاجم ، فمحرم مجمع على تحريمه ، ولا يعلم عن أحد منه الرخصة في شيء من ذَلِكَ ، ومن نقل الرخصة فيه عن إمام يعتد به فقد كذب وافترى .\rوأما دف الأعراب الخالي من الجلاجل المصوتة ونحوها فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب :\rأحدها : أنه يرخص فيه مطلقا للنساء .","part":7,"page":36},{"id":1467,"text":"وقد روي عن أحمد ما يشهد له ، واختاره طائفة من المتأخرين من أصحابنا ، كصاحب ((المغني)) وغيره .\rوالثاني : إنما يرخص فيه في الاعراس ونحوها ، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ، وهو قول كثير من أصحابنا أو أكثرهم .\rوالثالث : أنه لا يرخص فيه بحال . وهو قول النخعي وأبي عبيد .\rوجماعة من أصحاب ابن مسعود كانوا يتبعون الدفوف مع الجواري في الأزقة فيحرقونها .\rوقال الحسن : ليس الدف من أمر المسلمين في شيء . ولعله أراد بذلك دفوف الأعاجم المصلصلة المطربة .\rوقد سئل أحمد على ذلك فتوقف ، وكأنه حصل عنده تردد : هل كانت كراهة من كره الدفوف لدفوف الأعراب أو لدفوف الاعاجم فيه جرس ؟ وقد قيل لأحمد : الدف فيهِ جرس ؟ قال : لا .\rوقد نص على منع الدف المصلصل .\rوقال مالك في الدف : هو من اللهو الخفيف ، فإذا دعي إلى وليمة ، فوجد فيها دفاً فلا أرى أن يرجع .\rوقاله القاسم من أصحابه .\rوقال أصبغ -منهم- : يرجع لذلك .\rوفي الرخصة في الدف في العيد أحاديث أخر :\rخرج ابن ماجه من رواية الشعبي ، قال : شهد عياض الأشعري عيداً بالأنبار ، فقال : ما لي لا أراكم تقلسون كما يقلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.\rومن رواية الشعبي ، عن قيس بن سعد ، قال : ما كان شيء على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلاّ وقد رأيته ، إلاّ شيء واحد ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقلس له يوم الفطر .\rقال يزيد بن هارون : التقليس : ضرب الدف .\rوقال يوسف بن عدي : التقليس : أن يقعد الجواري والصبيان على أفواه الطرق ، يلعبون بالطبل وغير ذلك .\rوقد بسطنا القول في حكم الغناء وآلات اللهو في كتاب مفرد ، سميناه : ((نزهة الأسماع في مسألة السماع)) ، وإنما أشرنا إلى ذلك هاهنا إشارة لطيفة مختصرة .\rومما يدخل في هذا الباب : ما روى حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال : (( ما هذان اليومان؟)) قالوا : نلعبهما في الجاهلية . فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما : يوم\rالفطر ، ويوم الأضحى)) .\rخرجه أبو داود والنسائي .\r* * *","part":7,"page":37},{"id":1468,"text":"4- باب\rالأكل يوم الفطر قبل الخروج\r953- حدثنا محمد بن عبد الرحيم : نا سعيد بن سليمان ، أنا هشيم : أنا عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس بن مالك ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لا يغدو يوم الفطر حتى ياكل تمرات .\rوقال مرجأ بن رجاء : حدثني عبيد الله بن أبي بكر : حدثني أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وياكلهن وتراً .\rهذا الحديث مما تفرد به البخاري ، ولم يخرجه مسلم .\rوإنما ذكر متابعة مرجى بن رجاء لثلاثة فوائد :\rأحدها :\rأنه حديث أنكره الإمام أحمد من حديث هشيم ، وقال : إنما كان هشيم يحدث به عن محمد بن إسحاق ، عن حفص بن عبيد الله ، عن أنس . قَالَ : وإنما ثناه علي بن عاصم ، عن عبيد الله بن أبي بكر .\rكذا نقله عن أحمد ابنه عبد الله .\rوقد رواه[ قتيبة] ، عن هشيم ، عن ابن إسحاق ، عن حفص ، كما قاله الإمام أحمد ومن هذه الطريق خرجه الترمذي ، وصححه .\rوقد رواه كذلك عن هشيم بهذا الإسناد الإمام أحمد ، ويحيى ، وابن أبي شيبة\rوغيرهم .\rقال البيهقي : ورواه سعيد بن سليمان ، عن هشيم بالإسنادين معا .\rوهذا يدل على أنهما محفوظان عن هشيم ، فبين البخاري أنه قد توبع عليه هشيم .\rوقد خرجه الإمام أحمد من حديث مرجى (( ويأكلهن أفرادا)) .\rوخرجه ابن خزيمة في (( صحيحه)) والدارقطني من حديثه ، وعندهما : ((ويأكلهن وترا)) .\rومرجى بن رجاء ، مختلف في أمره . وثقه أبو زرعة ، وضعفه غيره وتابعه- أيضا- : علي بن عاصم ، فرواه عن عبيد الله بن أبي بكر : سمعت أنسا يقول : (( ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر قط حتى يأكل تمرات)) .\rخرجه الإمام أحمد ، عنه .\rوخرجه ابن شاهين في (( كتاب العيدين)) ، وزاد: (( ثلاثا ، وكان أنس [يأكل] ثلاث تمرات أو خمسا ، وإن شاء زاد ، إلاّ أنه يجعلهن وترا)) .\rورواه- أيضا- عتبة بن حميد : نا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس : سمعت أنسا قالَ : ما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فطر حتى يأكل ثمرات ، ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، أو أقل من ذلك أو أكثر ، وتراً .\rخرجه الطبراني .\rوخرجه ابن حبان في (( صحيحه)) إلى قوله : (( سبعا)) .\rورواه- أيضا - أبو جزي نصر بن طريف ، عن عبيد الله بن أبي بكر ، عن أنس .\rفقد رواه جماعة ، عن عبيد الله ، عن أنس - كما ترى- ، وإنما استنكره أحمد من حديث هشيم .\rالفائدة الثانية :\rإن في رواية مرجى زيادة الوتر .\rوالثالثة :\rإن فيها التصريح بسماع عبيد الله له من أنس .\rوقد ذكرنا أنه توبع على هاتين الزيادتين .\rوفي الباب أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري .\rوقد استحب أكثر العلماء الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى ، ومنهم علي وابن عباس .\rوروي عنهما أنهما قالا : هو السنة .\rوكان ابن عمر يفعله .\rوعن أم الدرداء ، أنها قالت : خالفوا أهل الكتاب ، فإنهم لا يفطرون في أعيادهم حتى يرجعوا .\rوعن ابن المسيب ، قال : كان الناس يؤمرون بذلك .\rوعن الشعبي ، قال : هو السنة .","part":7,"page":38},{"id":1469,"text":"وعن عَكْرِمَة ، قال : كَانَ الناس يفعلونه .\rوهو قول أبي حنيفة والثوري ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم .\rوروي عن النخعي ، قالَ : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل .\rوروي عنه ، أنه قال: كانوا لا يبالون بذلك .\rوعن ابن مسعود : إن شاء لم ياكل .\rولعله أراد به بيان أن الأكل قبل الخروج ليس بواجب ، وهذا حق ، وان أراد أنه ليس هو الأفضل فالجمهور على خلافه ، والسنة تدل عليهِ .\rونص الشافعي على أن تركه مكروه .\rوقد علل الأكل يوم الفطر قبل الخروج بالمبادرة إلى الفطر في يوم العيد ، ليظهر مخالفته لرمضان حيث كان تحريم الأكل في نهاره .\rوقد تقدم ، عن أبي الدرداء : تعليله بمخالفة أهل الكتاب .\rوقد علل بأن السنة تأخير الصلاة يوم الفطر ، فيكون الأكل قبل الخروج اسكن للنفس ، بخلاف صلاة النحر ؛ فإن السنة تعجيلها .\rوقد رَوَى الإمام أحمد : ثنا عَبْد الرزاق ، عَن ابن جُرَيْج : أخبرني عَطَاء ، أنه سَمِعَ ابن عَبَّاس يَقُول : إن استطعتم أن لا يغدوا أحدكم يوم الفطر حَتَّى يطعم فليفعل قَالَ : فَلَمْ أدع أن أكل قَبْلَ أن أغدو منذ سَمِعْت ذَلِكَ من ابن عَبَّاس . قُلتُ : فعلى ماذا تأول هَذَا ؟ قال : أظن سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال : كانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى ، فيقولون : نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا .\rوذكر بعضهم معنى آخر ، وهو أن يوم الفطر قبل الصلاة تشرع الصدقة على المساكين بما يأكلونه خصوصا التمر ، فشرع له أن يأكل معهم ويشاركهم ، وفي النحر لا تكون الصدقة على المساكين إلاّ بعد الرجوع من الصلاة ، فيؤخر الأكل إلى حال الصدقة عليهم ، ليشاركهم- أيضا .\rويشهد له : ما خرجه ابن ماجه ، عن ابن عمر ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يغدي أصحابه من صدقة الفطر .\rوإسناده ضعيف جدا .\rوقد قيل : إن صوابه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الإمام . قاله العقيلي .\r* * *","part":7,"page":39},{"id":1470,"text":"5-باب\rالأكل يوم النحر\r954-حدثنا مسدد: نا إسماعيل ، عن أيوب ،عن محمد بن سيرين ، عن انس بن مالك : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( من ذبح قبل الصلاة فليعد)) . فقام رجل ، فقال : هذا يوم يشتهى فيه اللحم ، وذكر من جيرانه ، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقه ، فقال : وعندي جذعة أحب إلي من شاتي لحمٍ ،فرخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه ، أم لا .\r* * *","part":7,"page":40},{"id":1471,"text":"7- باب\rالمشي والركوب إلى العيد بغير اذان ولا اقامة\r957- حدثنا إبراهيم بن المنذر: نا أنس ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في الأضحى والفطر ، ثم يخطب بعد الصَّلاة .\r958- حدثنا إبراهيم بن موسى : أنا هشام ، أن ابن جريج أخبرهم ، قال : أخبرني عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قالَ : سمعته يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة .\r959- قال : وأخبرني عطاء ، أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع لهُ : أنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر ، وإنما الخطبة بعد الصَّلاة .\r960- وأخبرني عطاء ، عن ابن عباس ، وعن جابر بن عبد الله ، قالا : لم يكن يؤذن يوم الفطر ، ولا يوم الأضحى .\r961- وعن جابر بن عبد الله ، قال : سمعته يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد ، فلما فرغ نبي الله - صلى الله عليه وسلم -نزل ، فأتى النساء فذكرهن ، وهو يتوكأ على يد بلال ، وبلال باسط ثوبه ، يلقي فيه النساء صدقة0\rقلت لعطاء : أترى حقا على الإمام الآن أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ ؟ قالَ : إن ذَلِكَ لحق عليهم ، ومالهم أن لا يفعلوا؟\r[0000000000000000000000000000000]\rولا إقامة\rوخرج- أيضا- من طريق عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة .\rوخرج أبو داود من طريق الحسن بن مسلم ، عن طاوس، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيد بلا أذان ولا إقامة وأبا بكر وعمر - أو عُثْمَان .\rوخرجه ابن ماجة مختصرا .\rوخرج أبو داود من حديث سفيان ، عن عبد الرحمن بن عباس ، قال : [ سأل رجل ابن عباس : أشهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ : نَعَمْ، ولولا منزلتي مِنْهُ مَا شهدته من الصغر، فـ ] أتى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - العلم الَّذِي عِنْدَ[ دار] كثير بْن الصلت ، فصلى ثُمَّ خَطَبَ ، ولم يذكر إذانا ولا إقامة-وذكر الحَدِيْث .\rوفي الباب: عن ابن عُمَر .\rخرجه الإمام أحمد والنسائي .\rوفي إسناده مقال .\rخرجه الإمام أحمد من رواية الزهري ، عن سالم ، عن أبيه- وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر .\rوهو من رواية عبد الرزاق بن عمر والنعمان بن راشد ، عن الزهري .\rوقال أبو حاتم : هو حديث منكر .\rوخرجه النسائي ، من رواية الفضل بن عطية ، عن سالم ، عن أبيه - ولم يذكر أبا بكر وعمر .\rوالفضل بن عطية ، مختلف فيهِ .\rوروي عنه عن عطاء عن جابر .\rوخرج مسلم من حديث سماك ، عن جابر بن سمرة ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد غير مرة بغير أذان ولا إقامة .\rولا خلاف بين أهل العلم في هذا ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة .","part":7,"page":41},{"id":1472,"text":"قال مالك : تلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا .\rواتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث .\rوممن قالَ : إنه بدعة : عبد الرحمن بن أبزى والشعبي والحكم .\rوقال ابن سيرين : وهو محدث .\rوقال سعيد بن المسيب والزهري : أول من أحدث الأذان في العيدين معاوية .\rوقال ابن سيرين : أول من أحدثه آل مروان .\rوعن الشعبي ، قالَ : أول من أحدثه بالكوفة ابن دراج ، وكان المغيرة بن شعبة استخلفه .\rوقال حصين : أول من أذن في العيدين زياد .\rوروى ابن أبي شيبة : نا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن يسار ، أن ابن الزبير سأل ابن عباس - وكان الذي بينهما حسنا يومئذ- فقال : لا تؤذن ولا تقم، فلما ساء الذي بينهما أذن وأقام .\rوقال الشافعي : قال الزهري : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم -يأمر في العيدين المؤذن فيقول : الصلاة جامعة .\rواستحب ذلك الشافعي وأصحابنا .\rواستدلوا بمرسل الزهري ، وهو ضعيف ، وبالقياس على صلاة الكسوف ؛ فإن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - صح عنه أنه أرسل مناديا ينادي : الصَّلاة جامعة .\rوقد يفرق بين الكسوف والعيد ، بأن الكسوف لم يكن الناس مجتمعين لهُ ، بل كانوا متفرقين في بيوتهم وأسواقهم ، فنودوا لذلك ، وأما العيد ، فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الإمام .\rوقول جابر: (( ولا إقامة ولا نداء ولا شيء )) يدخل فيه نفي النداء\rبـ (( الصَّلاة جامعة)) .\rوقد يقال: إن (( الصَّلاة جامعة )) هي بدل إقامة الصَّلاة للمكتوبات عندَ خروج الإمام حتَّى يعلم الناس حضور الصَّلاة ؛ فيتهيئون لها بالقيام ، وليس كلهم يشاهد الإمام ودخوله وصلاته ، فاحتيج إلى ما يعلم به ذلك .\rوالإقامة مكروهة لهذه الصَّلاة ، فتعين إبدالها بـ (( الصَّلاة جامعة)) .\rوفي كراهة : (( حي على الصَّلاة )) بدل (( الصَّلاة جامعة )) وجهان للشافعية .\rوالمنصوص عن الشافعي : أنه خلاف الأولى .\rوفي الحديث : أن الإمام إذا رأى أنه لم يسمع الموعظة النساء ، فإنه يأتيهن بعد فراغه من موعظة الرجال ، فيعظهن ويذكرهن .\rوقد قال عطاء : إن ذلك حق عليهِ .\rولعله أراد أنه مندوب إليه ، متأكد الندب .\rقال طائفة من أصحاب الشافعي : إذا علم الإمام أن قوما فاتهم سماع الخطبة استحب أن يعيد لهم الخطبة ، سواء كانوا رجالا أو نساءً ، واستدلوا بهذا الحديث .\r* * *","part":7,"page":42},{"id":1473,"text":"8- باب\rالخطبة يوم العيد\rفيه ثلاثة أحاديث :\rالأول :\r962- نا أبو عاصم : أنا ابن جريج : أخبرني الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : شهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة .\rفيهِ : دليل على أنهم كانوا يخطبون للعيدين ، وأنهم كانوا يخطبون بعد الصَّلاة .\rوخرجه فيما بعد من طريق عبد الرزاق ، بسياق طويل .\rالحديث الثاني :\r963- نا يعقوب بن إبراهيم: نا أبو اسامة: نا عبيد الله، عن نافع ، عن ابن عمر، قال : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة .\rوقد خرجه مسلم بنحوه من حديث أبي أسامة وعبدة بن سليمان كلاهما ، عن عبيد الله .\rوقد قال الإمام أحمد- في رواية ابنه عبد الله -: ما سمعت من أحد يقول في هذا الحديث: (( أبو بكر وعمر )) إلا عبدة .\rكذا قال ، وكأنه لم يسمعه من أبي أسامة .\rالحديث الثالث :\r964- نا سليمان بن حرب : نا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن سعيد بن\rجبير ، عن ابن عباس ، قالَ : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفطر ركعتين ، لم يصل قبلهما ولا بعدهما ، ثم أتى النساء ومعه بلال ، فأمرهن بالصدقة ، فجعلن يلقين ، تلقي المرأة خرصها وسخابها .\rظاهره : أنه بعد الصلاة خطب النساء ، وليس كذلك ، وإنما خطب الرجال ثم أتى النساء بعد الرجال ، وسيأتي ذلك من حديث طاوس .\rو(( الخرص)) ، و(( القرط)) حلقة في الإذن ، وربما كانت فيها حبة .\rو(( السخاب)) : قلادة تتخذ من أنواع الطيب .\rوفي الحديث : دليل على جواز صدقة المرأة بدون إذن زوجها .\rالحديث الرابع :\r965- نا آدم : نا شعبة : نا زبيد ، قال : سمعت الشعبي ، عن البراء بن عازب ، قالَ : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن أول ما نبدأ في يومنا هذا ، أن نصلي، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ، ليس من النسك في شيء )) ، فقال رجل من الأنصار- يقال له: أبو بردة بن نيار-: يا رسول الله، ذبحت ، وعندي جذعة خير من مسنة ؟ قالَ : (( اجعله مكانه ، ولن توفي - أو تجزي- عن أحد بعدك)) .\rفي هذا الحديث : دليل على أن الخطبة كانت بعد الصَّلاة ؛ لقوله: (( إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي)) ولو كانَ يخطب قبل ، لكان أول ما بدأ به الخطبة . وهذا القول قاله في خطبته ، كما خرجه البخاري فيما بعد ، عن سليمان بن حرب ، عن\rشعبة ، بهذا الإسناد .\rوقد تقدم : أن الإمام أحمد خرجه من رواية أبي جناب الكلبي ، عن يزيد بن","part":7,"page":43},{"id":1474,"text":"البراء ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله قبل الصَّلاة ، ثم صلى ، ثم خطب ، وذكر أنه قال في خطبته : (( من كان منكم عجل ذبحا فإنما هي جزرة اطعمها أهله)) - وذكر قصة أبي بردة-، ثم قال : (( يا بلال)) قال : فمشى ، واتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى النساء ، فقال : (( يا معشر النسوان ، تصدقن ، الصدقة خير لكن )) . قال: فما رأيت يوما قط أكثر خدمة مقطوعة ، ولا قلادة ، ولا قرطا من ذلك اليوم .\rوقال الإمام أحمد- أيضا- : نا يحيى بن آدم : نا أبو الأحوص ، عن منصور ، عن الشعبي ، عن البراء بن عازب ، قال : خطبنارسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بعد الصلاة- ولم يزد على ذَلِكَ .\rوأما ذكر الخطبتين في العيد ، فخرجه ابن ماجه من رواية إسماعيل بن مسلم : نا أبو الزبير ، عن جابر ، قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر- أو أضحى- فخطب قائما، ثم قعد قعدة ، ثم قام .\rوإسماعيل ، هو المكي . ضعيف جدا .\r* * *","part":7,"page":44},{"id":1475,"text":"9-باب\rما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم\rوقال الحسن : نهوا عن حمل السلاح يوم العيد ، إلا أن يخافوا عدواً .\rهذا الذي ذكره عن الحسن ، قد روي مرفوعاً :\rفروى أبو داود في ((مراسيله)) بإسناده، عن الضحاك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخرج يوم العيد بالسلاح .\rوبإسناده ، عن مكحول ، قال : إنما كانت الحربة تحمل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد لأنه كانَ يصلي إليها .\rوخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف جداً ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يلبس السلاح في بلاد الاسلام في العيدين ، إلا أن يكونوا بحضرة العدو .\rوفي إسناده : إسماعيل بن زياد ، متروك .\rقال البخاري -رحمه الله- :\r966-حدثنا زكريا بن يحيى أبو السكين : نا المحاربي: نا محمد بن سوقة ، عن سعيد بن جبير، قال :كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه ، فلزقت قدمه بالركاب ، فنزلت فنزعتها ، وذلك بمنى ، فبلغ الحجاج فجاء يعوده ، فقال الحجاج : لو نعلم من أصابك ؟ قالَ : أنت أصبتني . قالَ : وكيف ؟ قال : حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه ، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم .\r976-حدثنا أحمد بن يعقوب : حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ، عن أبيه ، قال : دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده ، فقال :كيف هو ؟ قالَ : صالح . قالَ : من أصابك ؟ قال : أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله -يعني : الحجاج .\rزكريا بن يحيى أبو السكين الطائي الكوفي ، روى عنه البخاري هذا الحديث ، ولم يرو عنه في ((كتابه)) ، ولم يخرج لهُ أحد من أهل الكتب الستة سواه .\rوكذلك أحمد بن يعقوب المسعودي الكوفي ، لم يروعنه البخاري من أهل\rالكتب ، لكنه روى عنه في موضوع أخر من ((كتابه)) .\rوظاهر كلام ابن عمر : يقتضي أن حمل السلاح يوم النحر غير جائز ، سواء كان في الحرم أو غيره ، وكذلك حمله في الحرم .\rوفي ((صحيح مسلم)) من حديث معقل ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن\rالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((لايحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح)) .\rوقول ابن عمر قالَ : ((لم يكن يحمل فيه )) ، في معنى رفعه ؛ لأنه إشارة إلى أن ذلك كان عادة مستمرة من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -إلى ذلك الزمان .\rولعل النهي إنما هو عن إشتهار السلاح لا عن حمله في القراب ، كما نهى عن ذلك في المساجد .\rويدل عليه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضى أهل مكة عام الحديبية على أن يدخلها من قابل ، وأن لا يدخلها إلا بجلبان السلاح ، وهي السيوف في القراب .\rولكن ألفاظ الأحاديث عامة ، وقد يكون دخوله مكة عام القضية بالسلاح ؛ لأنه كانَ خائفاً .\rوقد حكي عن عطاء ومالك والشافعي ، أنه يكره إدخال السلاح إلى الحرم لغير حاجة إليه .\rوأما حمل السلاح يوم العيد ، فقد حكى البخاري عن الحسن ، أنه قال : نهوا\rعنه ، إلا أن يخافوا عدواً .\rوقد روي عنه مرفوعاً .","part":7,"page":45},{"id":1476,"text":"خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) ، من طريق علي بن عياش : ثنا إسماعيل ، عن ابن أبي نعم ٍ ، عن الحسن ، عن جابر ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج السلاح في العيدين .\rإسماعيل : كأنه : ابن عياش .\rوالصحيح : الموقوف .\rوبوب عليه أبو بكر : ((باب : القول في لبس السلاح في العيدين وذكر\rالثغور )) .\rيشير إلى أنه في الثغور التي يخاف فيها من هجم العدو غير منهي عنه .\r* * *","part":7,"page":46},{"id":1477,"text":"10-باب\rالتبكير إلى العيد\rوقال عبد الله بن بسر: إن كنا قد فرغنا في هذه الساعة ، وذلك حين التسبيح .\r968- حدثنا سليمان بن حرب : نا شعبة ، عن زبيد ، عن الشعبي ، عن البراء ، قال : خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ، فقال : (( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر )) .\rثم ذكر بقية الحديث -يعني حديث آدم ، عن شعبة - ، وقد سبق قريباً ، إلا أنه قال : ((اجعلها مكانها)) -أو قال- : (( اذبحها ، ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك)) .\rوجه الاستدلال بحديث البراء على التبكير بصلاة العيد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن أول ما يبدأ به في يوم النحر الصَّلاة ، ثُمَّ النحر بعد رجوعه ، والمراد باليوم\rها هنا : ما بعد طلوع الشمس ، فإنه لا يجوز صلاة العيد قبل [ ذَلِكَ ] بالاتفاق .\rوهذا مما يرد قول من قال من أصحابنا بجواز صلاة الجمعة قبل طلوع الشمس .\rوقد يستدل به من يرى أن صلاة العيد تجوز قبل زوال وقت النهي 0\rويجاب عنه بان ذكره أول ما يبدأ به في وقت متسع ، لا يلزم منه أن يكون فعله له في أول الوقت 0\rوقال الشافعي : أنا الثقة ، أن الحسن كان يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس ، فيتتام طلوعها .\rوأما حديث عبد الله بن بسر الذي ذكره تعليقاً :\rفخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث يزيد بن خمير الرحبي ، قال : خرج عبد الله بن بسر- صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الناس في يوم عيد فطر - أو أضحى - ، فأنكر إبطاء الإمام ، وقال : أنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه ، وذلك حين التسبيح .\rوالمراد بصلاة التسبيح : صلاة الضحى .\rوالمراد بحينها : وقتها المختار ، وهو إذا اشتد الحر .\rفهذا التأخير هو الذي أنكره عبد الله بن بسر ، ولم ينكر تأخيرها إلى أن يزول وقت النهي ؛ فان ذَلِكَ هوَ الأفضل بالاتفاق ، فكيف ينكره .\rوقد اختلف في أول وقت صلاة العيد :\rفقال أبو حنيفة وأحمد : أول وقتها إذا ارتفعت الشمس ، وزال وقت النهي .\rوهو أحد الوجهين للشافعية .\rوالثاني- لهم-: أول وقتها إذا طلعت الشمس ، وان لم يزل وقت النهي .\rوهو قول مالك .\rويتخرج لأصحابنا مثله ، على قولهم : إن ذوات الأسباب كلها تفعل في أوقات النهي .\rوقد خرجه بعضهم في صلاة الاستسقاء ، وصلاة العيد مثلها .\rوعمل السلف يدل على الأول ؛ فإنه قد روي عن ابن عمر ورافع بن خديج وجماعة من التابعين ، أنهم كانوا لا يخرجون إلى العيد حتَّى تطلع الشمس ، وكان بعضهم يصلي الضحى في المسجد قبل أن يخرج إلى العيد .\rوهذا يدل على أن صلاتها إنما كانت تفعل بعد زوال وقت النهي .\rواختلفوا : هل يستحب إقامة العيدين في وقت واحد بالسوية ، أو يعجل أحدهما عن آخر ؟ على قولين .\rأحدهما : انهما يصليان بالسوية ، وهو قول مالك .\rوقال ربيعة : إذا طلعت الشمس فالتعجيل بهما -يعني : الفطر والأضحى-أحسن من التأخير .\rقال الزهري : كانوا يؤخرون العيدين حتى يرتفع النهار جداً .","part":7,"page":47},{"id":1478,"text":"وروى عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يبكر بالخروج إلى الصلاة ؛ كيلا يصلي أحد قبلها.\rخرجه كله جعفر الفريابي في ((كتاب العيدين)) 0\rوالثاني : يستحب أن يؤخر صلاة الفطر ، وتقدم الأضحى ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد .\rوفي حديث مرسل ، خرجه الشافعي ، أن النبي كتب إلى عمرو بن حزم - وهو بنجران - أن عجل الأضحى ، وأخر الفطر .\rوفي إسناده : إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، وهو ضعيف جداً .\rوالمعنى في ذلك : أنه بتأخير صلاة عيد الفطر يتسع وقت إخراج الفطرة المستحب إخراجها فيه ، وبتعجيل صلاة الأضحى يتسع وقت التضحية ، ولا يشق على الناس أن يمسكوا عن الأكل حتَّى يأكلوا من ضحاياهم .\rوقد تقدم في حديث ابن عباس المخرج في ((المسند)) : وكانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى ، فيقولون : نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا .\rو أظنه من قول عطاء .\rويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذبحهم -نص عليه أحمد في رواية حنبل- ؛ ليكون أهل الأمصار تبعاً للحاج في ذَلِكَ ؛ فإن رمي الحاج الجمرة بمنزلة صلاة العيد لأهل الأمصار .\rوأما آخر وقت صلاة العيد فهو : زوال الشمس .\rقال عطاء : كل عيد في صدر النهار .\rوقال مجاهد : كانوا يعدون العيد في صدر النهار .\rوقال مجاهد : كل عيد للمسلمين فهو قبل نصف النهار .\rوقال أحمد : لا يكون الخروج للعيدين إلا قبل الزوال .\rوأما إن لم يعلم بالعيد إلا في أثناء النهار ، فإن علم به قبل زوال الشمس خرجوا من وقتهم ، وصلوا صلاة العيد .\rوإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار ، فقال أكثر العلماء : يخرجون من الغد للصلاة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي والليث وإسحاق وأحمد وابن المنذر 0\rواستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس ، قال : حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : غم علينا هلال شوال ، فأصبحنا صياماً ، فجاء ركب من آخر النهار ، فشهدوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم ، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .\rوصححه إسحاق بن راهويه والخطابي والبيهقي .\rواحتج به أحمد .\rوتوقف فيه الشافعي، وقال : لو ثبت قلنا به .\rوقالت طائفة : تسقط ولا تصلي بعد ذلك ، كما لا تقضى الجمعة إذا فاتت ، وهو قول مالك وأبي ثور والشافعي - في قول له .\rوالقول المشهور ، عنه : أنه إن أمكن جمع الناس في بقية يومهم لصغر البلد\rخرجوا ، وصلوا في بقية اليوم ، وإلا أخروه إلى الغد .\rوبنى ذلك أصحابه على أن التأخير إلى الغد قضاء ، أو أداء .\rفإن قيل : إنه أداء ، لم تصل بعد الزوال ؛ لأن وقت أدائها قد فات .\rوإن قيل : إنَّهُ قضاء - وهو أصح عندهم - ، قضيت في بقية النهار ، إذا أمكن جمع الناس فيهِ .","part":7,"page":48},{"id":1479,"text":"وهو أفضل -عندهم - من تأخيرها إلى الغد ، في أصح الوجهين عندهم . ولا خلاف عندهم ، أنه إذا لم يعلم بالعيد إلاّ في الليلة الثانية ، أنه يصلي من الغد .\rقالوا : ويكون أداء ، بغير خلاف .\rواتفقوا على أن هذه الشهادة لا تقبل بالنسبة إلى صلاة العيد ، بل تصلى من الغد أداء بغير خلاف .\rقال في (( شرح المهذب )) : قال أصحابنا : ليس يوم الفطر أول شوال مطلقا وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس ؛ بدليل حديث :\r(( فطركم يوم تفطرون )) وكذلك يوم النحر ، وكذلك يوم عرفة هوَ اليوم الذي يظهر للناس ، أنه يوم عرفة ، سواء كانَ التاسع أو العاشر وقال الشافعي في (( الأم )) عقب هذا الحديث : فبهذا نأخذ . قالَ : وإنما كلف العباد الظاهر ، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا . انتهى .\rوقال أصحاب أبي حنيفة - فيمن شهد بيوم عرفة بعرفة ، على وجه لا يتمكن الناس فيه من تلافي الوقوف ، على تقدير صحة شهادتهم في ذلك العام - : إن شهادتهم غير مقبولة ؛ لما يؤدى إليه قبولها من إيقاع الناس في الفتنه ، بتفويت حجهم .\rذكره صاحب ((الكافي)) - منهم .\r* * *","part":7,"page":49},{"id":1480,"text":"11- باب\rفضل العمل في أيام التشريق\rوقال ابن عباس ((واذكروا الله في أيام معلومات )) : أيام العشر . والأيام المعدودات : أيام التشريق .\rوكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر ، ويكبران ويكبر الناس بتكبيرهما .\rوكبر محمد بن علي خلف النافلة .\rبوب على فضل أيام التشريق والعمل فيها .\rوذكر في الباب أيام التشريق وأيام العشر ، وفضلهما جميعاً .\rوذكر ابن عباس : أن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر ، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق .\rوفي كل منهما اختلاف بين العلماء :\rفأما المعلومات :\rفقد روي عن ابن عباس ، أنها أيام عشر ذي الحجة ، كما حكاه عنه البخاري .\rوروي -أيضاً- عن ابن عمر ، وعن عطاء والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة .\rوهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد - في المشهور ، عنه .\rوقالت طائفة : الأيام المعلومات : يوم النحر ويومان بعده ، روي عن ابن عمر وغيره من السلف . وقالوا : هي أيام الذبح .\rوروي - أيضاً - عن علي وابن عباس ، وعن عطاء الخراساني والنخعي وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وأحمد - في رواية عنه .\rومن قال : أيام الذبح أربعة ، قال : هي يوم النحر وثلاثة أيام بعده .\rوقد روي عن أبي موسى الأشعري ، أنه قال - في خطبته يوم النحر- : هذا يوم الحج الأكبر ، وهذه الأيام المعلومات التسعة التي ذكر الله في القرآن ، لا يرد فيهن\rالدعاء ، هذا يوم الحج الأكبر ، وما بعده من الثلاثة اللائي ذكر الله الأيام المعدودات ، لا يرد فيهن الدعاء .\rوهؤلاء جعلوا ذكر الله فيها هو ذكره على الذبائح .\rوروي عن محمد بن كعب ، أن المعلومات أيام التشريق خاصة .\rوالقول الأول أصح ؛ فان الله سبحانه وتعالى قالَ - بعد ذكره في هذه الأيام المعلومات : { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } [الحج:29] .\rوالتفث : هو ما يصيب الحاج من الشعث والغبار .\rوقضاؤه : إكماله .\rوذلك يحصل يوم النحر بالتحلل فيه من الإحرام ، فقد جعل ذلك بعد ذكره في الأيام المعلومات ، فدل على أن الأيام المعلومات قبل يوم النحر الذي يقضى فيه التفث ويطوف فيه بالبيت العتيق .\rفلو كانت الأيام المعلومات أيام الذبح لكان الذكر فيها بعد قضاء التفث ووفاء النذور والتطوف بالبيت العتيق ، والقران يدل على أن الذكر فيها قبل ذلك .\rوأما قوله تعالى : { عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنعام } [ الحج:28] .\rفأما أن يقال : إن ذكره على الذبائح يحصل في يوم النحر ، وهو أفضل أوقات الذبح ، وهو آخر العشر .\rوإما أن يقال : إن ذكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، ليس هو ذكره على الذبائح ، بل ذكره في أيام العشر كلها ، شكراً على نعمة رزقه لنا من بهيمة الأنعام ؛ فإن لله تعالى علينا فيها نعماً كثيرة دنيوية ودينية .","part":7,"page":50},{"id":1481,"text":"وقد عدد بعض الدنيوية في سورة النحل ، وتختص عشر ذي الحجة منها بحمل أثقال الحاج ، وإيصالهم إلى قضاء مناسكهم والانتفاع بركوبها ودرها ونسلها وأصوافها وأشعارها .\rوأما الدينية فكثيرة ، مثل : إيجاب الهدي وإشعاره وتقليده ، وغالبا يكون ذلك في أيام العشر أو بعضها ، وذبحه في آخر العشر ، والتقرب به إلى الله ، والأكل من لحمه ، وإطعام القانع والمعتر .\rفلذلك شرع ذكر الله في أيام العشر شكراً على هذه النعم كلها ، كما صرح به في قوله تعالى: { كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } [الحج: 37] ، كما أمر بالتكبير عند قضاء صيام رمضان ، وإكمال العدة ، شكراً على ما هدانا إليه من الصيام والقيام المقتضي لمغفرة الذنوب السابقة .\rوأما الأيام المعدودات :\rفالجمهور على أنها أيام التشريق ، وروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما .\rواستدل ابن عمر يقوله : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } [البقرة: 203] وإنما يكون التعجيل في ثاني أيام التشريق .\rقال الإمام أحمد : ما أحسن ما قال ابن عمر .\rوقد روي عن ابن عباس وعطاء ، أنها أربعة أيام : يوم النحر ، وثلاثة بعده .\rوفي إسناد المروي عن ابن عباس ضعف .\rوأما ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة ، فهو من رواية سلام أبي المنذر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران ، لا يخرجان إلاّ لذلك .\rخرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) وأبو بكر المروزي القاضي في ((كتاب العيدين)) .\rورواه عفان : نا سلام أبو المنذر -فذكره ، ولفظه : كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر ، فيكبران ، ويكبر الناس معهما ، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك .\rوروى جعفر الفريابي ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، قال : رأيت سعيد بن جبير\rوعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهدا - أو اثنين من هؤلاء الثلاثة - ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر : ((الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر . الله أكبر ولله الحمد )) .\rوروى المروزي ، عن ميمون بن مهران ، قال : أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر ، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها ، ويقول : إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير .\rوهو مذهب أحمد ، ونص على أنه يجهر به .\rوقال الشافعي : يكبر عند رؤية الأضاحي .\rوكأنه أدخله في التكبير على بهيمة الأنعام المذكور في القران ، وهو وإن كان داخلا فيه ، إلا أنه لا يختص به ، بل هو أعم من ذلك كما تقدم .\rوهذا على اصل الشافعي وأحمد: في أن الأيام المعلومات هي أيام العشر، كما\rسبق .\rفأما من قال : هي أيام الذبح ، فمنهم من لم يستحب التكبير في أيام العشر ، وحكي عن مالك وأبي حنيفة .\rومن الناس من بالغ ، وعده من البدع ، ولم يبلغه ما في ذلك من السنة .\rوروى شعبة ، قال : سالت الحكم وحماداً عن التكبير أيام العشر ؟ فقالا: لا ؛ محدث .\rخرّجه المروزي .","part":7,"page":51},{"id":1482,"text":"وخرّج الإمام أحمد من حديث ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ما من أيام اعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيه من هذه الأيام العشر ؛ فاكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد )) .\rويروي نحوه من حديث ابن عباس - مرفوعاً ، وفيه : (( فاكثروا فيهن التهليل والتكبير ؛ فإنها أيام تهليل وتكبير وذكر الله عز وجل )) .\rوأما ما ذكره عن محمد بن علي في التكبير خلف النافلة ، فهوَ في أيام التشريق .\rومراده : أن التكبير يشرع في أيام العشر وأيام التشريق جميعاً ، وسيأتي ذكر التكبير في أيام التشريق فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rقال البخاري -رحمه الله تعالى - :\r969- نا محمد بن عرعرة : نا شعبة، عن سليمان ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام -يعني : أيام العشر -)) قالوا : ولا الجهاد ؟ قالَ : (( ولا الجهاد ، إلاّ رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء )) . هكذا في أكثر النسخ المعتمدة ، وفي أكثر النسخ : (( ما العمل في العشر أفضل منه في هذه الأيام )) -وكأنه يشير إلى أيام التشريق- ، والحديث بهذا اللفظ غير معروف .\rوفيه : تفصيل العمل في أيام التشريق وأيام العشر جميعاً .\rولعل هذا من تصرف بعض الرواة ، حيث أشكل عليه إدخال الحديث باللفظ المشهور في (( باب : فضل العمل في أيام التشريق )) .\rوالبخاري اتبع عبد الرزاق ؛ فانه خرج هذا الحديث في (مصنفه) في (( باب: فضل أيام التشريق )) -أيضاً .\rوقد ذكر أن البخاري وإن بوب على أيام التشريق ، لكنه ذكر في الباب فضل أيام العشر وأيام التشريق جميعا ، ولهذا ذكر عن ابن عباس تفسير الأيام المعلومات ، والأيام المعدودات . وعن ابن عمر وأبي هريرة التكبير في أيام العشر . وعن محمد بن علي التكبير في أيام التشريق خلف النوافل ، فعلم انه أراد ذكر فضائل هذه الأيام جميعها ، وليس في فضل العمل في أيام التشريق حديث مرفوع ، فخرج فيه حديث فضل العمل في أيام العشر .\rوهذا الحديث حديث عظيم جليل .\rوسليمان الذي رواه عنه شعبة هو الأعمش ، وقد رواه جماعة عن الأعمش بهذا الإسناد ، وهو المحفوظ -: قاله الدارقطني وغيره .\rواختلف على الأعمش فيه :\rورواه عن مسلم البطين مع الأعمش : حبيب بن أبي عمرة ومخول بن راشد .\rورواه عن سعيد بن جبير مع البطين : أبو صالح ومجاهد وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق والحكم وعدي بن ثابت وغيرهم ، مع اختلاف على بعضهم فيه .\rورواه عن ابن عباس مع سعيد بن جبير ، عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة\rومقسم ، مع اختلاف على بعضهم يطول ذكره .\rولعل مسلماً لم يخرجه للاختلاف في إسناده . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوهذا الحديث نص في أن العمل المفضول يصير فاضلا إذا وقع في زمان فاضل ، حتى يصير أفضل من غيره من الأعمال الفاضلة ؛ لفضل زمانه .\rوفي أن العمل في عشر ذي الحجة أفضل من جميع الأعمال الفاضلة في غيره .","part":7,"page":52},{"id":1483,"text":"ولا يستثنى من ذلك سوى أفضل أنواع الجهاد ، وهو أن يخرج الرجل بنفسه\rوماله ، ثم لا يرجع منهما بشيء .\rوقد سئل : (( أي الجهاد أفضل ؟ )) ، قالَ : (( من عقر جواده ، وأهريق\rدمه )) .\rوسمع رجلا يقول : اللَّهُمَّ اعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين، فقالَ لهُ :\r(( إذن يعقر جوادك ، وتستشهد )) .\rفهذا الجهاد بخصوص يفضل على العمل في العشر ، وأما سائر أنواع الجهاد مع سائر الأعمال ، فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل منها .\rوفي رواية : (( وأحب الله عز وجل )) .\rفإن قيل : فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد ؛ لأن الحج يختص بهده العشر ، وهو من أفضل أعماله ، ومع هذا فالجهاد أفضل منه ؛ لما في ((الصحيحين)) ، عن أبي هريرة ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قالَ : (( أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله ، ثُمَّ الجهاد في سبيل الله ، ثُمَّ حج مبرور )) .\rقيل : للجمع بينهما وجهان :\rأحدهما : بان يكون الحج أفضل من سائر أنواع الجهاد ، إلاّ الجهاد الذي لا يرجع صاحبه منه بشيء من نفسه وماله ، فيكون هذا الجهاد هو الذي يفضل على الحج\rخاصة .\rوقد روي عن طائفة من الصحابة تفضيل الحج على الجهاد ، ومنهم : عمر وابنه وأبو موسى وغيرهم ، عن مجاهد وغيره .\rفيحمل على تفضيله على ما عدا هذا الجهاد الخاص ، ويجمع بذلك بين النصوص كلها .\rالوجه الثاني : أن الجهاد في نفسه أفضل من الحج ، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد ، وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد أفضل منه حينئذ .\rولذلك أمثله :\rمنها : أن يكون الحج مفروضا ، فيكون حينئذ أفضل من التطوع بالجهاد ، هذا قول جمهور العلماء .\rوقد روي صريحاً ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص .\rوروي -مرفوعاً- من وجوه متعددة ، في أسانيدها لين .\rونص عليه الإمام أحمد وغيره .\rوقد دل عليه : قول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن ربه عز وجل: ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه)) .\rوقد خرجه البخاري في ((كتابه)) هذا .\rومنها : أن يكون الحاج ليس من أهل الجهاد ، فحجه أفضل من جهاده ،\rكالمرأة .\rوقد خرج البخاري حديث عائشة ، أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قالَ : (( لكن أفضل الجهاد حج مبرور )) 0\rومنها : أن يستوعب عمل الحج جميع أيام العشر ، ويؤتي به على أكمل الوجوه ، وجوه البر من أداء الواجبات وفعل المندوبات واجتناب المحرمات والمكروهات ، مع كثرة ذكر الله عز وجل والإحسان إلى عباده ، وكثرة العج والثج ، فهذا الحج قد يفضل على الجهاد .\rوقد يحمل عليه ما روي عن الصحابة من تفضل الحج على الجهاد ، كما سبق .\rوإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر، ولم يؤت به على الوجه الكامل من البر ، فإن الجهاد حينئذ أفضل منه .\rويدل عليه - أيضاً - : أن النبي لما سئل عن عمل يعدل الجهاد ، فقال : (( هل تستطيع إذا خرج المجاهد ، أن تقوم فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ )) .","part":7,"page":53},{"id":1484,"text":"فدل على أن العمل من [فتور] في أي وقت كانَ يعدل الجهاد ، فإذا وقع هذا العمل الدائم في العشر بخصوصه في عدد أيامه من سائر السنة ، إلا من أفضل الجهاد بخصوصه كما تقدم .\rولهذا كان سعيد بن جبير - وهو راوي هذا الحديث ، عن ابن عباس - إذا دخل العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه .\rوروي عنه ، أنه قال : لا تطفئوا مصابيحكم في العشر -يعجبه العبادة .\rفإن قيل : هل المراد : تفضيل العمل في هذه العشر على العمل في كل عشر غيره من أيام الدنيا ، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره ، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام ، وإن طالت المدة ؟\rقيل : أما تفضيل العمل فيهِ على العمل في كل عشر غيره ، فلا شك في ذَلِكَ .\rويدل عليه : ما خرجه ابن حبان في ((صحيحه)) ، من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة )) . فقال رجل : يا رسول الله ، هو أفضل أو عدتهن جهاد في سبيل الله ؟ قالَ: (( هوَ أفضل من عدتهن جهاد في سبيل الله عز وجل )) .\rفيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في جميع أعشار الشهور كلها ، ومن ذلك عشر رمضان .\rلكن فرائض عشر ذي الحجة أفضل من فرائض سائر الأعشار ، ونوافله أفضل من نوافلها ، فأما نوافل العشر فليست أفضل من فرائض غيره ، كما سبق تقريره في الحج والجهاد .\rوحينئذ؛ فصيام عشر رمضان أفضل من صيام عشر ذي الحجة ؛ لأن الفرض أفضل من النفل.\rوأما نوافل عشر ذي الحجة فأفضل من نوافل عشر رمضان ، وكذلك فرائض عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفة فرائض غيره .\rوقد كان عمر يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة ؛ لفضل أيامه ، وخالفه في ذَلِكَ علي ، وعلل قوله باستحباب تفريغ أيامه للتطوع وبذلك علله أحمد وإسحاق ، وعن أحمد في ذَلِكَ روايتان .\rوأما تفضيل العمل في عشر ذي الحجة على العمل في أكثر من عشرة أيام من\rغيره ، ففيه نظر .\rوقد روي ما يدل عليهِ :\rفخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم ، عن قتادة ، عن ابن\rالمسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي قالَ : (( ما من أيام احب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة ، يعدل صيام كل يوم منها بسنة ، وكل ليلة منها بليلة القدر )) .\rو النهاس ، ضعفوه .\rوذكر الترمذي عن البخاري ، أن الحديث يروى عن قتادة ، عن ابن المسيب - مرسلا .\rوروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قالَ : ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ، ليس العشر ؛ فإن العمل فيهِ يعدل عمل سنة .\rوممن روي عنه : أن صيام كل يوم من العشر يعدل سنة : ابن سيرين وقتادة وعن الحسن : صيام يوم منه يعدل شهرين .\rوروى هارون بن موسى النحوي : سمعت الحسن يحدث ، عن أنس ، قالَ : كان يقال في أيام العشر بكل ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة الآف يوم .\rوفي (( صحيح مسلم ))، من حديث أبي قتادة - مرفوعا- (( إن صيامه كفارة سنتين )) .","part":7,"page":54},{"id":1485,"text":"وهذه النصوص : تدل على أن كل عمل في العشر فإنه أفضل من العمل في غيره ، أما سنة أو أكثر من ذلك أو اقل . والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك كله .\rوحديث جابر الذي خرجه ابن حبان : يدل على أن أيام العشر أفضل من الأيام مطلقا .\rوقد خرجه أبو موسى المديني من الوجه الذي خرجه ابن حبان ، بزيادة فيهِ ، وهي : (( ولا ليالي أفضل من لياليهن )) .\rوفي ((مسند البزار)) من وجه آخر ، عن جابر ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( أفضل أيام الدنيا العشر )) .\rوروي مرسلاً .\rوقيل : إنه أصح .\rوقد سبق قول ابن عمر في تفضيل أيام العشر على يوم الجمعة ، الذي هوَ أفضل أيام الدنيا .\rوقال مسروق في قوله : { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } هي أفضل أيام السنة .\rوهذه العشر تشتمل على يوم عرفة .\rوفي (( صحيح ابن حبان )) عن جابر- مرفوعا- : (( إنه أفضل أيام الدنيا )) وفيه: يوم النحر .\rوفي حديث عبد الله بن قرط ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : (( أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر )) .\rخرّجه أبو داود وغيره .\rوقد سبق في الحديث المرفوع : أن صيام كل يوم [ منه ] بسنة ، وقيام كل ليلة منه يعدل ليلة القدر.\rوهذا يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من عشر رمضان ، لياليه وأيامه .\rوقد زعم طائفة من أصحابنا : أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر .\rوقد تقدم عن ابن عمر ، أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة ، فلا يستنكر حينئذ تفضيل ليالي عشر ذي الحجة على ليلة القدر .\rوعلى تقدير أن لا يثبت ذلك ، فقال بعض أعيان أصحابنا المتأخرين: مجموع عشر ذي الحجة أفضل من مجموع عشر رمضان ، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا تفضل عليها غيرها . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوروى سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن كعب : أحب الزمان إلى الله الشهر الحرام ، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة ، وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول .\rوروي عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعا ، ولا يصح ، وكذا قال سعيد بن جبير: ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة .\rوفي (( مسند البزار )) من حديث أبي سعيد- مرفوعا- : (( سيد الشهور\rرمضان ، و أعظمها حرمة ذو الحجة )) .\rوفي إسناده مقال .\rوفي (( مسند الإمام أحمد )) ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال- في خطبته في حجة الوداع يوم النحر -: (( ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ، وأحرم الشهور شهركم هذا ، وأحرم البلاد بلدكم هذا )) .\rوروي هذا من حديث جابر ، ووابصة ، ونبيط بن شريط وغيرهم -أيضاً .\rوهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم ؛ حيث كانَ أعظمها حرمة .\rوروي عن الحسن : أن أفضلها المحرم .\rوأما ما قاله بعض الفقهاء الشافعية : أن أفضلها رجب : فقوله ساقط مردود . والله تعالى أعلم .\r* * *","part":7,"page":55},{"id":1486,"text":"12-باب\rالتكبير أيام منى ، وإذا غدا إلى عرفة\rوكان عمر يكبر في قبته بمنى فيسمع أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتَّى ترتج منى تكبيرا .\rوكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه ، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه ، تلك الأيام جمعا .\rوكانت ميمونة تكبر يوم النحر .\rوكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد .\rقد تقدم : أن الأيام المعدودات التي أمر الله بذكره فيها هي أيام منى .\rوهل هي الأربعة كلها ، أو أيام الذبح منها ؟ فيهِ خلاف سبق ذكره .\rوهو مبني على أن ذكر الله فيها : هل هوَ ذكره على الذبائح . أو أعم من ذَلِكَ ؟\rوالصحيح : أنه أعم من ذَلِكَ .\rوفي ((صحيح مسلم )) ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ في أيام منى : (( إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل )) .\rوذكر الله في هذه الأيام نوعان :\rأحدهما : مقيد عقيب الصلوات .\rوالثاني : مطلق في سائر الأوقات .\rفأما النوع الأول :\rفاتفق العلماء على أنه يشرع التكبير عقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة ، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح ، بل إنما فيهِ آثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ .\rوهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليهِ لم ينقل إلينا فيهِ نص صريح عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، بل يكتفى بالعمل به .\rوقد قالَ مالك في هذا التكبير : إنه واجب .\rقالَ ابن عبد البر : يعني وجوب سنة .\rوهو كما قالَ .\rوقد اختلف العلماء في أول وقت هذا التكبير وآخره .\rفقالت طائفة : يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق .\rفإن هذه أيام العيد ، كما في حديث عقبة بن عامر ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ :\r(( يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وصححه .\rوقد حكى الإمام أحمد هذا القول إجماعاً من الصحابة ، حكاه عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس .\rفقيل له : فابن عباس اختلف عنه ؛ فقالَ: هذا هوَ الصحيح عنه، وغيره لا يصح عنه.\rنقله الحسن بن ثواب ، عن أحمد .\rوإلى هذا ذهب أحمد ؛ لكنه يقول : إن هذا في حق أهل الأمصار، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنهم قبل ذَلِكَ مشتغلون بالتلبية .\rوحكاه عن سفيان بن عيينة ، وقال : هوَ قول حسن .\rويمتد تكبيرهم إلى آخر أيام التشريق- أيضاً- على المشهور عنه .\rونقل حرب ، عنه ، أنهم يكبرون إلى صلاة الغداة من آخر أيام التشريق .\rوممن فرق بين الخارج وأهل الأمصار : أبو ثور . وروى الخضر الكندي ، عن\rعبد الله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، قال : إذا كان عليه تكبير وتلبية بدأ بالتكبير ، ثم التلبية .\rقال أبو بكر بن جعفر : لم يروها غيره .","part":7,"page":56},{"id":1487,"text":"قلت : الخضر هذا ، غير مشهور ، وهو يروي عن عبد الله بن أحمد المناكير التي تخالف روايات الثقات ، عنه ، والذي نقل الثقات ، عن أحمد ، أن الحاج لا يكبر حتى يقطع التلبية ، فكيف يجتمعان عليهِ ؟\rوقد حملها أبو بكر إلى ما إذا اخر الحاج رمي جمرة العقبة حتَّى صلى الظهر ؛ فإنه يجتمع عليهِ في صلاة الظهر- حينئذ- تلبية وتكبير .\rووجهه : بأن هذا الوقت وقت التكبير ، وإنما صار وقت تلبية في حق هذا لتأخيره الرمي، وهو نوع تفريط منه، فلذلك بدأ بالتكبير قبل التلبية .\rوالاجماع الذي ذكره أحمد، إنما هو في ابتداء التكبير يوم عرفة من صلاة الصبح .\rأما اخر وقته، فقد اختلف فيه الصحابة الذين سماهم .\rفأما علي ، فكان يكبر من صبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق .\rوهي الرواية التي صححها الإمام أحمد ، عن ابن عباس .\rوكذلك روي عن عمر .\rوروي ، عنه : إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق .\rوأنكره يحيى القطان .\rوإلى قول علي ذهب الثوري وابن أبي ليلى وشريك وإسحاق .\rولم يفرق بين أهل منى وغيرها .\rوكذلك أكثر العلماء ، وهو قول الثوري .\rوكذلك قال : إذا أجتمع التكبير والتلبية بدأ بالتكبير .\rوأما ابن مسعود ، فإنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى الصلاة العصر يوم النحر .\rوهو قول أصحابه ، كالأسود وعلقمة ، وقول النخعي وأبي حنيفة .\rوروى خصيف، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : التكبير من الصلاة الظهر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق .\rوهذه الرواية التي ضعفها أحمد ، وذكر أنها مختلفة .\rقال عبد الرزاق : وبلغني عن زيد بن ثابت- مثله .\rوعن الحسن ، قال : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول .\rوروى العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر ، من آخر أيام التشريق .\rوروى الواقدي بأسانيده ، عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد-\rنحوه .\rوعن عطاء ، أن الأئمة كانوا يكبرون صلاة الظهر يوم النحر ، يبتدؤن بالتكبير كذلك إلى آخر أيام التشريق .\rوقد روي عن عمر بن عبد العزيز التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق .\rوإليه ذهب مالك والشافعي - في أشهر أقواله .\rوله قول آخر كقول علي ومن وافقه .\rوله قول ثالث : بيدأ من ليلة النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق .\rوالمحققون من أصحابه على أن هذه الاقوال الثلاثه في حق أهل الأ مصار ، فأما أهل الموسم بمنى ، فإنهم يبدءون بالتكبير عقيب صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق بغير خلاف ، ونقلوه عن الشافعي .\rوهذا يوافق قول أحمد في ابتدائه .\rوأختار جماعة من أصحابه القول بأن ابتداءه في الأمصار من صبح يوم عرفة وانتهاءه عصر آخر يوم من أيام التشريق .\rمنهم المزني وأبن سريج وابن المنذر والبيهقي وغيرهم من الفقهاء المحدثين منهم .\rقالوا : وعليه عمل الناس في الأمصار .\rوفي المسألة للسلف أقوال أخر .\rوفي الباب حديث مرفوع ، لايصح إسناده .","part":7,"page":57},{"id":1488,"text":"وخرجه الحاكم من حديث علي وعمار .\rوضعفه البيهقي ، وهو كما قال .\rوقد أشار البخاري إلى مسألتين من مسائل هذا التكبير .\rإحداهما :\rأن التكبير يكون خلف الفرائض .\rوهل يكبر خلف صلاة التطوع ؟\rفقد تقدم في باب الماضي ، عن محمد بن علي -وهو: أبو جعفر -، أنه كانَ يكبر خلف النوافل .\rوإلى قوله ذهب الشافعي - في أشهر قوليه - وابن المنذر .\rوقال أكثر العلماء : لايكبر عقب النوافل .\rوأختلفوا في التكبير عقب صلاة عيد النحر :\rفقال مجاهد : يكبر .\rوقال أحمد : إن ذهب رجل إلى ذا فقد روي فيه عن بعض التابعين ، والمعروف في المكتوبة .\rوقال أبو بكر ابن جعفر -من أصحابنا-: يكبر؛ لأن صلاة العيد عندنا فرض كفاية ، فهي ملحقة بالفرائض ، وهو قول إسحاق بن راهويه ،وحكاه عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والشعبي وعطاء الخراساني وغيرهم .\rوللشافعي قولان .\rواختلفوا : هل يكبر من صلى الفرض وحده ؟ على قولين .\rأحدهما : لايكبر ، وهومروي عن ابن عمر .\rوذكره سفيان الثوري ، عن أبي جعفر ، عن أنس .\rوقال ابن مسعود : ليس بالتكبير في أيام التشريق على الواحد والاثنين ، التكبير على من صلى في جماعة .\rوممن قال : لايكبر إذا صلى الفرض وحده : الثوري وأبو حنيفة وأحمد- في\rرواية .\rوالقول الثاني : وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري - في رواية\rأخرى - والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى .\rوقال هؤلاء كلهم : يكبر في السفر والحضر .\rوقال أبو حنيفة : لايكبر المسافر إلا إذا اقتدى بالمقيم ، تبعاً له ، واتفقوا على أن الحاج يكبرون بمنى .\rالمسألة الثانية :\rأن النساء كن يكبرن إذا صلين مع الرجال في المسجد خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز - يعني : مسجد المدينة- في ليالي أيام التشريق .\rوهذا يدل على أن النساء إنما كن يشهدن المساجد بالليل ، كما سبق .\rولا خلاف في أن النساء يكبرن مع الرجال تبعاً ، إذا صلين معهم جماعة ، ولكن المرأة تخفض صوتها بالتكبير .\rوإن صلت منفردة ، ففي تكبيرها الرجل المنفرد ، بل هي أولى بعدم التكبير .\rوإن صلى النساء جماعة ، ففي تكبيرهن قولان - أيضاً- ، وهما روايتان عن الثوري وأحمد .\rومذهب أبي حنيفة : لايكبرن .\rومذهب مالك والشافعي : يكبرن .\rالنوع الثاني :\rالتكبير المطلق، الذي لا يتقيد بوقت .\rوقد ذكر البخاري عن عمر وابن عمر، أنهما كانا يكبران بمنى - يعني : في غير إدبار الصلوات -، وأن الناس كانوا يكبرون بتكبير عمر حتى ترتج منى .\rوعن ميمونة ، أنها كانت تكبر يوم النحر .\rوقد روى أبو عبيد : حدثني يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، أن عمر كان يكبر في قبته بمنى ، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، فيسمعه أهل السوق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيراً .\rوخرجه عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن عمر بن دينار : سمعت عبيد بن عمير - فذكره بمعناه .\rوخرجه وكيع في (( كتابه )) ، عن طلحة ، عن عطاء .","part":7,"page":58},{"id":1489,"text":"وخرجه -أيضاً - ، عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، أن عمر كان يكبر تلك الأيام بمنى ، ويقول : التكبير واجب على الناس ، ويتأول هذه الآية : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أيام مَعْدُودَاتٍ } [البقرة: 203] .\rوذكر مالك في (( الموطأ )) ، انه بلغه ، أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر ، حين ارتفع النهار شيئاً ، فكبر الناس بتكبيره ، ثم خرج حين زاغت الشمس ، فكبر ، فكبر الناس بتكبيره ، حتى يتصل التكبير ويبلغ البيت ، فيعلم أن عمر قد خرج يرمي .\rوهذا منصوص الشافعي ، قال في المصلي : إذا سلم كبر خلف الفرائض والنوافل وعلى كل حال .\rوذكر في ((الأم )) من هذا الباب ، أنه يكبر الحائض والجنب وغير المتوضىء في جميع الساعات من الليل والنهار ومذهب مالك ، انه لا يكبر في أيام التشريق في غير دبر الصلوات . قال : كذلك كان من يقتدي به يفعل .\rذكره صاحب ((تهذيب المدونة )) .\rوتأول بعض أصحابه تكبير عمر بمنى على أنه كان عند رمي الجمار وهو تأويل فاسد ولم يذكر أصحابنا التكبير في عيد النحر إلا في أدبار الصلوات ، غير أنهم ذكروا إظهار التكبير في ليلة العيد ، وفي الخروج إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام ، والتكبير مع الإمام إذا كبر في خطبته .\rوحكى بعضهم خلافاً عن أحمد في التكبير في حال الرجوع من المصلي إلى المنزل .\rخرج البخاري في هذا الباب حديثين :\rالأول :\r970-ثنا أبونعيم : ثنا مالك بن أنس ، حدثني محمد بن أبي بكر الثقفي ، قال : سألت أنساً- ونحن غاديان من منى إلى عرفات - عن التلبية : كيف كنتم تصنعون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : كانَ يلبي الملبي ، لاينكر عليهِ، ويكبر المكبر، لا ينكر عليهِ 0\rوقد أعاده في ((كتاب الحج)) ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي حديثه : كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال : كان يهل منا المهل فلا ينكر\rعليه ، ويكبر منا المكبر، فلا ينكر عليه .\rفي هذا الحديث : دليل على أن إظهار التكبير يوم عرفة مشروع ، ولو كان صاحبه محرماً قاصداً عرفة للوقوف بها ، مع أن شعار الإحرام التلبية .\rفإذا لم ينكر عليه إظهار التكبير للمحرم الذي وظيفته إظهار التلبية ، فلغير المحرم من أهل الأمصار أولى .\rفهذا من أحسن ما يستدل به على استحباب إظهار التكبير يوم عرفة في الأمصار وغيرها ؛ فإن يوم عرفة أول أيام العيد الخمسة لأهل الإسلام ؛ ولذلك يشرع إظهار التكبير في الخروج إلى العيدين في الأمصار .\rوقد روي ذلك عن عمر وعليّ وابن عمر وأبي قتادة ، وعن خلق من التابعين ومن بعدهم .\rوهو إجماع من العلماء لايعلم بينهم فيه خلاف في عيد النحر ، إلا ما روى\rالأثرم ، عن أحمد ، أنه لا يجهر به في عيد النحر ، ويجهر به في عيد الفطر .\rولعل مراده : أنه يجهر به في عيد النحر دون الجهر في عيد الفطر ؛ فإن تكبير عيد الفطر - عنده - آكد .\rوقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: كانوا في عيد الفطر أشد منهم في الأضحى .\rيعني : في التكبير .","part":7,"page":59},{"id":1490,"text":"وروي عن شعبة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، انه سمع تكبير الناس يوم\rالعيد ، فقال : أيكبر الإمام ؟ قالوا : لا . قالَ : ما شأن الناس أمجانين ؟ وشعبة هذا ، متكلم فيه .\rولعله أراد التكبير في حال الخطبة .\rوروي التكبير في الخروج يوم الفطر عن أبي أمامة وغيره من الصحابة .\rخرجه الجوزجاني بإسناد ضعيف .\rوعن النخعي وأبي حنيفة ، أنه لا يكبر في عيد الفطر بالكلية .\rوروي عنهما موافقة الجماعة .\rوقال أحمد في التكبير في عيد الفطر : كأنه واجب ؛ لقوله : { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } [البقرة : 185] .\rوهذه الآية نظيرها قوله تعالى في سياق ذكر الهدايا : { كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } [الحج : 37] ، فأستوى العيدان في ذلك . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rالحديث الثاني :\r971-ثنا عمر بن حفص : ثنا أبي ، عن عاصم ، عن حفصة ، عن أم عطية ، قالت :كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها ،وحتى نخرج الحيض ، فيكن خلف الناس ، فيكبرون بتكبيرهم ، ويدعون بدعائهم ، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته .\rفي هذا الحديث : دليل على أن إظهار التكبير للرجال مشروع في يوم العيد ، ولولا إظهاره من الرجال لما كبر النساء خلفهم بتكبيرهم .\rوإظهار التكبير يكون في حال انتظار الإمام قبل خروجه .\rوهذا مما يستدل به على أن التكبير لا ينقطع ببلوغ المصلى ، كما هو قول طائفة .\rويكون في حال تكبير الإمام في خطبته ؛ فإن الناس يكبرون معه ، كما كانَ ابن عمر يجيب الإمام بالتكبير إذا كبر على المنبر .\rوكان عطاء يأمر بذلك بقدر ما يسمعون أنفسهم .\rخرجه الجوزجاني .\rوفيه -أيضاً- : ما يدل على ان إظهار الدعاء مشروع في ذلك اليوم ، ولعل إظهار الدعاء حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو في خطبته ، ويؤمن الناس على دعائه .\rوروي عن أبي موسى الأشعري ، أنه كان يقول في خطبتة في العيدين : هذا يوم لا يرد فيه الدعاء ، فارفعوا رغبتكم إلى الله عز وجل ، ثم يرفع يديه ويدعو .\rخرجه الفريابي .\r* * *","part":7,"page":60},{"id":1491,"text":"13-باب\rالصلاة إلى الحربة يوم العيد\r972- حدثنا محمد بن بشار : ثنا عبد الوهاب : ثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تركز له الحربة قدامه يوم الفطر والنحر ، ثم يصلي .\rقد سبق هذا الحديث والكلام عليه في ((أبواب: سترة المصلي)) .\rوذكرنا أن ابن ماجه خرجه من رواية الأوزاعي ، عن نافع ، وفي أول حديثه زيادة : ((أن العنزة كانت تحمل بين يديه)) ، وفي آخره: ((أن المصلىكان فضاءً ، ليس شيء يستتر به)) .\rولعل هذه الزيادة في آخره مدرجة .\rوقد خرجه البخاري بدونهما في الباب الآتي .\rوتقدم -أيضاً- قول مكحول : إنما كانت تحمل الحربة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد ؛ لأنه كانَ يصلي إليها .\rوفي هذا : إشارة إلى أنه لم يكن يفعل ذلك تعاظماً وتكبراً ، كما كان أمراء بني أمية ونحوهم يفعلونه .\rوقد يريد به -أيضاً- : أن الحربة من السلاح ، والسلاح يكره حمله في العيدين ، إلا من حاجه ، كما سبق ذكره ، والحاجه إلى الحربة الصلاة إليها في الفضاء .\rفأما إن كان في المصلى سترة مبنيةٌ ، فلا حاجه إلى حمل عنزة مع الإمام .\rوقد أشار إلى هذا جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم ، منهم : أبو بكر\rعبد العزيز بن جعفر .\rولا يقال : فقد يحتاج إليها الإمام ليعتمد عليها في حال خطبته ؛ لأن هذا لم ينقل عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه كانَ يعتمد في خطبته للعيدين على العنزة من وجه يعتمد عليهِ .\rفقد رواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد -هو: ابن أبي يحيى- ، عن ليث ، عن عطاء ،أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذاخطب يعتمد على عنزة إعتماداً .\rوفي رواية : على عنزة أو عصاً . وهذا مرسل ضعيف .\rوقد سبق من حديث البراء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي قوساً أو عصاً ، فاتكأ عليه لما خطب .\r* * *","part":7,"page":61},{"id":1492,"text":"14-باب\rحمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد\r973-حدثنا إبراهيم بن المنذر : ثنا الوليد : ثنا أبو عمرو -هو: الأوزاعي -: حدثني نافع ، عن ابن عمر ، قالَ : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغدوإلى المصلى والعنزة بين يديه\rتحمل ، وتنصب بالمصلى بين يديه ، فيصلي إليها .\rقد ذكرنا في الباب الماضي معنى حمل العنزة بين يديه ، فلا حاجة إلى إعادته .\rوسبق الفرق بين العنزة والحربة في ((أبواب السترة)) .\rوفي هذه الرواية : التصريح بسماع الأوزاعي لهذا الحديث من نافع .\rوقد رواه الوليد بن مزيد ، عن الأوزاعي : حدثني الزهري ، عن نافع -فذكره .\rوقد ذكر غير واحد : أن الأوزاعي لم يصح له سماع من نافع ، منهم ابن معين ويحيى بن بكير .\rوقيل : سمع منه حديثا واحداً .\rوقد قيل : إن الشاميين كانوا يتسمحون في لفظة ((أ نا)) ، و(( ثنا )) ، ويستعملونها في غير السماع .\rذكره الإسماعيلي وغيره .\r* * *","part":7,"page":62},{"id":1493,"text":"15-باب\rخروج الحُيض إلى المُصلى\r974- حدثنا عبدالله بن عبد الوهاب : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أم عطية ، قالت : أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور .\rوعن أيوب ، عن حفصة- بنحوه ، وزاد في حديث حفصة : أو قالت : العواتق وذوات الخدور ويعتزلن الحُيض المصلى .\rقد سبق هذا الحديث بتمامه في (( كتاب الحيض )) في (( باب : شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين )) ، وفيه : أن حفصة قالت لأم عطية : الحيض ؟ فقالت : أليست تشهد عرفة وكذا وكذا .\rوتقدم هنالك الكلام عليه مستوفى .\rوفي الحديث : أمر النساء بالخروج إلى العيدين حتى شوابهن وذوات الخدور\rمنهن .\rوقد تقدم تفسير ((العواتق )) وأنها جمع عاتق ، وهي البكر البالغ التي لم تُزوج . ...\rوفي خروج النساء إلي العيدين أحاديث كثيرة، قد سبق بعضها ، ويأتي بعضها-أيضاً .\rوقد اختلف العلماء فيه على أقوال :\rأحدها : أنه مستحب ، وحكي عن طائفة من السلف ، منهم علقمة .\rوروي عن ابن عمر ، أنه كان يخرج نساءه . وروى عنه، أنه كان يحبسهن .\rوروى الحارث ، عن علي قال: حق على كل ذات نطاق أن تخرج في العيدين .\rولم يكن يرخص لهن قي شيء من الخروج إلا في العيدين .\rوهو قول إسحاق وابن حامد من أصحابنا .\rوقال أحمد -في رواية ابن منصور- : لا أحب منعهن إذا أردن الخروج .\rوالثاني : أنه مباح ، غير مستحب ولا مكروه ، حكى عن مالك ،وقاله طائفة من أصحابنا .\rالثالث : أنه مكروه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو قول النخعي ويحيى الأنصاري والثوري وابن المبارك .\rوأحمد -في رواية حرب-، قال : لايعجبني في زماننا ؛لانه فتنةٌ واستدل هؤلاء بأن الحال تغير بعد النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد قالت عائشة : لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء بعده لمنعهن\rالمساجد ، وقد سبق .\rوالرابع : أنه يرخص فيه للعجائز دون الشواب ، روي عن النخعي -أيضاً- وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، ونقله حنبل عن أحمد .\rوروي عن ابن عباس بإسناد فيه ضعف ، أنه أفتى بذلك سعيد بن العاص ، فأمر مناديه أن لا تخرج يوم العيد شابة ، وكل العجائز يخرجن .\rالخامس :-قول الشافعي- : يستحب الخروج للعجائز ومن ليست من ذوات الهيئات .\rوفسرأصحابه ذوات الهيئات بذوات الحسن والجمال،ومن تميل النفوس إليها ، فيكره لهن الخروج ؛ لما فيهِ من الفتنة .\r* * *","part":7,"page":63},{"id":1494,"text":"16-باب\rخروج الصبيان إلى المُصلى\r975-حدثنا عمرو بن عباس :ثنا عبد الرحمن : ثنا سفيان ،عن عبد الرحمن ابن عابس ، قال : سمعت ابن عباس يقول : خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -يوم فطر - أو أضحى -، فصلى ثم خطب ، ثم أتى النساء ، فوعظهن وذكرهن ، وأمرهن بالصدقة .\r977-حدثنا مسدد: ثنا يحيى: قال سفيان : حدثني عبد الرحمن بن عابس ، قال : سمعت ابن عباس-وقيل له-:أشهدت العيد مع رسول ألله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ: نعم ' ولولا مكاني من الصغر ما شهدته' خرج حتَّى اتى العلم الذي عندَ دار كثير بن الصلت'فصلى'ثُمَّ خطب ثُمَّ أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة فرأيتهن يهوين بايديهن يقذفنه في ثوب بلال ، ثُمَّ انطلق هوَ وبلال إلى بيته .\rقد سبق هذا الحديث في ((باب : وضوء الصبيان وصلاتهم)) وذكرنا هنالك مايتعلق به من خروج الصبيان إلى العيد ؛ وإن هذا الحديث يدل على أن الأصاغر من الصبيان لم يكونوا يشهدون العيد إلا من كانَ منهم أقارب الإمام فلهم خصوصية على غيرهم .\rوقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج إلى العيد ومعه من أهله كبارهم وصغارهم .\rخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) عن ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن\rعبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ، رافعاً صوته بالتهليل والتكبير ، فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلى ، فإذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله .\rوقال : في القلب من هذا الخبر ، وأحسب الحمل فيه على العمري ، إن لم يكن الغلط من ابن اخي ابن وهب . انتهى .\rوالحمل فيه على ابن أخي ابن وهب ؛ فقد رواه جماعة عن ابن وهب ، وعن العمري ليس فيهِ شيء من هذه الألفاظ المستنكرة .\rوروى حجاج بن أرطاة ،عن عبد الرحمن بن عابس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج نساءه وبناته في العيدين .\rواحتج به إسحاق بن راهويه .\rوخرج الإمام أحمد من رواية حجاج -أيضاً- ، عن عطاء عن جابر قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج في العيدين ويخرج أهله .\rوالعلم الذي عند دار كثير بن الصلت ، ودار كثير بن الصلت ، الظاهر أن ذلك كله محدث ، أحدث بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكان المصلى .\rوقد تقدم أن المصلى كان فضاء ، ليس فيه سترة ؛ فلذلك كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - تحمل لهُ الحربة ؛ ليصلي إليها .\r* * *","part":7,"page":64},{"id":1495,"text":"17- باب\rاستقبال الإمام الناس [ في خطبة العيد ]\rوقال أبو سعيد : قام النبي - صلى الله عليه وسلم -مقابل الناس .\rحديث أبي سعيد ، قد خرجه فيما سبق .\r976- حدثنا أبو نعيم : ثنا محمد بن طلحة ، عن زبيد ، عن الشعبي ، عن\rالبراء ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم -يوم الاضحى إلى البقيع ، فصلى ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه ، وقال: (( إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ،ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ، ومن ذبح قبل ذلك ، فإنه شيء عجله لأهله ، ليس من النسك في شيء)) . فقام رجل ، فقال : يارسول الله ، إني ذبحت ، وعندي جذعة خير من مسنة . قال : ((أذبحها ، فلا تفي عن أحد بعدك)) .\rفي هذا الحديث : أن خروجه وصلاته كانت بالبقيع ، وليس المراد به : أنه صلى في المقبرة ، وإنما المراد : أنه صلى في الفضاء المتصل بها ، واسم البقيع يشمل الجميع 0\rوقد ذكر ابن زبالة ، بإسناد له ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيد خارج المدينة في خمسة مواضع ، حتَّى استقر من صلاته في الموضع الذي عرف به ، وصلى فيه الناس بعده .\rوأما استقباله الناس ، فالمراد به : بعد الصلاة عند الخطبة .\rوذكر استقباله الناس : يدل على أنه لم يرق منبراً ، وأنه كان على الأرض والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":7,"page":65},{"id":1496,"text":"19- باب\rموعظة الإمام النساء يوم العيد\r978- حدثنا اسحاق: ثنا عبد الرزاق : ثنا ابن جريج : أخبرني عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قالَ : سمعته يقول : قام النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر فصلى ، فبدأ بالصلاة ، ثم خطب ، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن ، وهو يتوكأ على بلال ، وبلال باسط\rثوبه ، يلقي فيه النساء الصدقة .\rقلت لعطاء : زكاة يوم الفطر؟ قالَ : لا . ولكن صدقة يتصدقن حينئذ ، تلقي فتخها ويلقين .\rقلت : أترى حقا على الإمام ذلك ، يأتيهن ويذكرهن؟ قالَ: إنَّهُ لحق عليهم ، وما لهم لا يفعلون ؟\r979- قالَ ابن جريج : واخبرني حسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قالَ : شهدت الفطر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان ، يصلونها قبل الخطبة ، ثُمَّ يخطب بعد ، خرج النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كأني أنظر إليه حين يجلس بيده ، ثُمَّ أقبل يشقهم حتَّى جاء النساء ، معه بلال ، فقالَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ } [الممتحنة: 12] الآية ، ثُمَّ قالَ- حين فرغ منها -: (( أأنتن على ذَلِكَ؟ )) ، قالت امرأة واحدة منهن ، لم يجبه غيرها : نعم- لا يدري حسن من هي - قال : فتصدقن ، فبسط بلال ثوبه، ثم قال، هلم لكن فداء أبي وأمي ، فيلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال .\rقال عبد الرزاق : الفتخ : الخواتيم العظام ، كانت في الجاهلية .\rقد تقدم الكلام على قوله : (( فلما فرغ نزل)) وأنه يشعر بانه كان على موضع عالٍ .\rوموعظته للنساء وهو يتوكأ على بلال : دليل على أن الإمام إذا وعظ قائما على قدميه فله أن يتوكأ على إنسان معه ، كما يتوكأ على قوس أو عصا .\rوفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -لما انتقل من مكان خطبته للرجال ، اشار اليهم بيده أن لا يذهبوا .\rوفيه : دليل على أن الأولى للرجال استماع خطبة النساء - أيضاً- لينتفعوا بسماعها وفعلها ، كما تنتفع النساء .\rوقد تقدم : أن الإمام يفرد النساء بموعظة إذا لم يسمعوا موعظة الرجال ، وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأصحابنا .\rوقال النخعي : يخطب قدر ما ترجع النساء إلى بيوتهن .\rوهذا يخالف السنة ، ولعله لم يبلغه ذلك .\rوقد روي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خير الناس بين استماع الخطبة والذهاب .\rفروى عطاء ، عن عبد الله بن السائب ، قال: شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد ، فلما قضى الصلاة قالَ: (( أنا نخطب ، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب )) .\rخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة في (( صحيحه)) ، من رواية الفضل بن موسى السيناني ، عن ابن جريج ، عن عطاء .\rوقال أبو داود : ويروى - مرسلا- عن عطاء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rوروى عباس الدوري، عن ابن معين، قال: وصله خطأ من الفضل ، وإنما هو عن عطاء مرسلا .\rوكذا قال أبو زرعة : المرسل هو الصحيح .\rوكذا ذكر الإمام أحمد أنه مرسل .\rوكان عطاء يقول به ، ويقول: إن شاء فليذهب .","part":7,"page":66},{"id":1497,"text":"قال أحمد : لا نقول بقول عطاء ، أرأيت لو ذهب الناس كلهم على من كان يخطب ؟\rولم يرخص بالانصراف قبل فراغ الخطبة ، ولعله أراد انصراف الناس كلهم ، فيصير الإمام وحده فتتعطل الخطبة . والله اعلم .\rواختلف قول الإمام أحمد في جواز الكلام والإمام يخطب في العيد ، على\rروايتين ، عنه .\rوروى وكيع بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه كره الكلام في أربع مواطن : في الجمعة ، والفطر، والأضحى ، والاستسقاء ، والإمام يخطب .\rوكرهه الحسن وعطاء .\rوقال مالك : من صلى مع الإمام فلا ينصرف حتى ينصرف الإمام .\rوكذلك مذهبه فيمن حضر من النساء العيدين ، فلا ينصرف إلا بإنصراف\rالإمام . ذكره في (( تهذيب المدونة)) .\rومذهب الشافعي[ من أصحابنا ] كقول عطاء : إن استماع الخطبة مستحب غير لازم .\rوظاهره : أنه يجوز للرجال كلهم الإنصراف وتعطيل الخطبة ؛ لأنها مستحبة غير واجبة .\rوقد رأيت كلام أحمد مصرحاً بخلاف ذلك .\rوفي حديث ابن عباس ، أنه يجوز للإمام أن يشق الناس ويتخطاهم إذا كان له في ذلك مصلحة .\rوفي اكتفائه - صلى الله عليه وسلم -بأجابة امراة واحدة بعد قوله للنساء : (( أأنتن على ذلك؟)) دليل على أن إقرار واحد من الجماعة في الأمور الدينية كاف ، إذا سمع الباقون ، وسكتوا عن الإنكار .\rوقوله: (( لا يدري حسن من هي )) حسن ، هو : ابن مسلم- صاحب طاوس .\rوفي رواية مسلم في(( صحيحه)) لهذا الحديث : ((لا يدرى حينئذ من هي)) .\rوقد قال بعض الحفاظ المتأخرين : إن رواية البخاري هي الصحيحة .\rوقد فسر عبد الرزاق في رواية البخاري ((الفتخ)) بالخواتيم العظام .\rوقيل : ((الفتخة)) حلقة من ذهب أو فضة لا فص لها ، وربما اتخذ لها فص .\rوقيل: إنها تكون في أصابع اليدين والرجلين من النساء .\rوهي بفتح الفاء والتاء والخاء المعجمة .\rويفرق بين مفردها وجمعها تاء التأنيث ، كأسماء الجنس الجمعي ، وهو في المخلوقات كثير كتمرة وتمر ، وفي المصنوعات قليل كعمامة وعمام . ومنه : فتخة وفتخ .\rوتجمع((فتخة))على فتخات وفتوخ-أيضاً .\rوفي الحديث : التفدية بالأب والأم ، ولبسط القول فيه موضع آخر ، يأتي -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوفيه جواز صدقة المرأة بدون إذن زوجها تطوعاً .\rولعل ابن جريج استشكل ذلك فظن أن هذه الصدقة كانت صدقة الفطر ؛ لأن الصدقة الواجبة لا إشكال في إخراج المرأة لها بدون إذن زوجها ، فسأل عطاء عن ذَلِكَ ، فأخبره عطاء أنها لم تكن صدقة الفطر ، وإنما هي صدقة تطوع .\rولم يستدل عطاء بأن صدقة الفطر لاتؤخذ فيها القيمة ، فلعله كان يرى جواز إخراج القيمة فيها .\rوإنما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم -معه بلال ليتوكأ عليهِ ، وليحمل الصدقة التي تلقيها النساء .\rوفيه : دليل على أن الإمام يستصحب معه المؤذن في الصلوات التي يجمع لها ويخطب ، وإن لم يكن يؤذن لها ويقام ، ويستعين به .\r* * *","part":7,"page":67},{"id":1498,"text":"20- باب\rإذا لم يكن لها جلبابٌ في العيد\r980-حدثنا أبو معمر:ثنا عبد الوارث :ثنا أيوب ،عن حفصة بنت سيرين ، قالت : كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد ، فجاءت امرأة فنزلت قصر بني خلف ، فأتيتها فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -ثنتي عشرة غزوة ، فكانت أختها معه في ست غزوات . قالت :وكنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى فقالت : يارسول الله ، أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لاتخرج ؟ قالَ : ((لتلبسها صاحبتها من جلبابها ، فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين )) .\rقالت حفصة : فلما قدمت أم عطية أتيتها ، فسألتها : أسمعت في كذا ؟ فقالت : نعم بأبي - وقلما ذكرت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلا قالت : بأبي - قالَ : (( ليخرج العواتق ذوات الخدور)) -أو قالَ : ((العواتق وذوات الخدور)) -شك أيوب - ((والحُيض ، فيعتزل الحُيض المصلى ، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين)) .\rفقلت لها: الحُيض ؟ قالت : نعم ، أليس الحائض تشهد عرفات ، وتشهد كذا\rوكذا ؟\r((قصر بني خلف)) بالبصرة ، منسوب إلى بني خلف الخزاعيين ، وخلف هذا جدُ طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف .\rوفي هذه الرواية عن أيوب : بيان أن ذكر الجلباب إنما روته حفصة بنت سيرين ، عن امرأة غير مسماة ، عن أختها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن بقية الحديث ترويه حفصة ، عن أم عطية ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوكذا رواه ابن علية ، عن أيوب - أيضاً .\rونحوه رواه حماد بن زيد وابن عيينة ، عن أيوب .\rوهذا هو الصحيح عند أبي بكر الخطيب وغيره .\rوروى حماد بن سلمة الحديث كله ، عن أيوب ويونس بن حبيب ويحيى بن عتيق وهشام في آخرين ، عن محمد بن سيرين ، عن أم عطية - بتمامه .\rوكذا رواه أبو جعفر الرازي ، عن هشام بن حسان ، عن محمد وحفصة ، كلاهما عن أم عطية - بتمامه .\rوقد خرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن حفصة ، عن أم عطية -بتمامه ، حتى ذكر فيه : قصة الجلباب .\rوكذا خرجه الترمذي من حديث منصور بن زاذان ، عن ابن سيرين ، عن أم عطية -أيضاً .\rوخرجه البخاري الحديث بتمامه ، وفيه قصة الجلباب في ((كتاب الحيض)) -كما تقدم- من طريق يزيد بن إبراهيم ، عن ابن سيرين ، عن أم عطية -أيضاً .\rوفي الحديث : تأكيد في خروج النساء في العيدين .\rوقد ورد التصريح بوجوبه .\rفخرج الإمام أحمد من رواية طلحة بن مصرف ، عن امرأة من بني عبد القيس ، عن أخت عبد الله بن رواحة الانصاري ،عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( وجب الخروج على كل ذات نطاق)) .\rوفيه : امرأة لا تُعرف .\rوخرج ابن شاهين في (( كتاب العيدين )) من حديث ابن عباس ، عن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( العيدان واجبان على كل حالم ، من ذكر وأنثى)) .\rوفي إسناده : عمرو بن شمر ، ضعيف جدا .\rوروى الحارث عن علي ، قالَ : حق على كل ذات نطاق أن تخرج في العيدين .\rوهذا مما لا يعلم به قائل - أعني : وجوب الخروج على النساء في العيد .\r* * *","part":7,"page":68},{"id":1499,"text":"21-باب\rاعتزال الحيض المصلى\r981- حدثنا محمد بن المثنى : ثنا ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، عن محمد : قالت أم عطية : أمرنا أن نخرج ، فنخرج الحيَض والعواتق وذوات الخدور - وقال ابن عون : أو العواتق ذوات الخدور - فأما الحيَض ، فيشهدون جماعة المسلمين ودعوتهم ، ويعتزلن مصلاهم .\rقد سبق الكلام على هذا الحديث في (( كتاب الحيض )) وذكرنا وجه اعتزال الحيض المصلى : هل هو لأن حكم المصلى حكم المساجد ، أو خشية التضييق على من يصلي من النساء ، فيكون الاعتزال في حالة الصلاة خاصة ؟\rوهو الأظهر . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":7,"page":69},{"id":1500,"text":"22-باب\rالنحر والذبح بالمصلى\r982- حدثنا عبد الله بن يوسف : ثنا الليث : حدثني كثير بن فرقد ، عن نافع عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينحر- أو يذبح - بالمصلى .\rوخرجه في (( الأضاحي)) عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، وقال فيهِ : كان يذبح وينحر بالمصلى .\rوخرج-أيضاً- من رواية عبيد الله ، عن نافع، قال: كان عبد الله ينحر في المنحر .\rقال عبيد الله : يعني منحر النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرج أبو داود من رواية أسامة بن زيد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذبح أضحيته بالمصلى ، وكان ابن عمر يفعله .\rوخرجه ابن ماجه- مختصرا.\rوقال الإمام أحمد - في رواية حنبل- هو منكر .\rوخرج ابن ماجه بإسناد فيه ضعف ، عن سعد القرظ ،أن النبي - صلى الله عليه وسلم -ذبح أضحيته عند طرف الزقاق طريق بني زريق بيده بشفرة .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث المطلب ، عن جابر قال : شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الأضحى بالمصلى ، فلما قضى خطبته نزل من منبره ، فأتي بكبش فذبحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، وقال : (( بسم الله ، وبالله ، والله أكبر ، هذا عني وعمن لم يضحِ من أمتي)) .\rوهذا لفظ الترمذي .\rوقال : غريب ، والمطلب يقال : إنه لم يسمع من جابر .\rوخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن علي بن حسين، عن أبي رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين ، فإذا صلى وخطب أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه ، فذبحه بنفسه بالمدية ،- وذكر\rالحديث .\rوقد يعارض هذه الأحاديث حديث البراء بن عازب ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ، ثم نرجع فننحر)) .\rوخرج النسائي من رواية عبد الله بن سليمان : حدثني نافع ، عن عبد الله بن\rعمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -نحر يوم الأضحى بالمدينة . قال: وكان إذا لم ينحر ذبح\rبالمصلى .\rفهذه الرواية يجمع بها بين سائر الروايات ، وأنه كان إذا نحر ما ينحر نحره\rبالمدينة ، فإن ذبح الغنم ذبحها بالمصلى .\rوعلى هذا ، فتكون رواية البخاري الصحيحة لحديث ابن عمر: (( كان يذبح- أو ينحر - بالمصلى)) - بالشك .\rوذبح ابن عمر بالمصلى يدل على أنه كان يرى استحباب ذلك للإمام وغيره .\rومن العلماء [ من ] يستحب ذلك للإمام ، منهم مالك . وقال : لا نرى ذلك على غيره .\rوفيه : إشارة إلى أن غيره لا يتأكد في حقه ذلك كالإمام .\rوقال سفيان : للإمام أن يحضر أضحيته عند المصلى ؛ ليذبح حين يفرغ من الصَّلاة والخطبة ؛ لئلا يذبح أحد قبله . قالَ : وذلك من الأمر المعروف .\rوروى الواقدي بأسانيد لهُ متعددة ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يذبح يوم النحر عندَ طرف الزقاق ، عندَ دار معاوية .\rثم قال الواقدي : وكذلك يصنع الأئمة عندنا بالمدينة .","part":7,"page":70},{"id":1501,"text":"وروى- أيضاً- عن عمرو بن عثمان ، أنه رأى عمر بن عبد العزيز- رحمه الله- خطب يوم النحر ، ثم أتي بكبش في مصلاه ، فذبحه بيده ، ثم أمر به فقسم على\rالمساكين ، ولم يحمل إلى منزله منه شيئاً .\r* * *","part":7,"page":71},{"id":1502,"text":"23-باب\rكلام الإمام والناس في خطبة العيد\rفيه ثلاثة أحاديث .\rالأول :\r983- ثنا مسدد : ثنا أبو الأحوص : ثنا منصور ، عن الشعبي ، عن البراء بن عازب ، قالَ : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يوم النحر بعد الصَّلاة ، فقالَ : (( من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم)) .\rفقام أبو بردة بن نيار ، فقالَ : يا رسول الله ، والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة ، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب ، فعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( تلك شاة لحم)) . قال : فإن عندي عناقا جذعة ، هي خير من شاتي لحم ، فهل تجزي عني ؟ قالَ : (( نعم ، ولن تجزي عن أحد بعدك)) .\rمقصود البخاري بهذا الحديث : الاستدلال على جواز أن يكلم الإمام أحدا من الناس أو يكلمه أحد ، وهو يخطب للعيد .\rوقد تقدم : أن الكلام في حالة خطبة العيد قد كرهه الحسن وعطاء ، وأباحه الشافعي وغيره .\rوروى الشافعي بإسناد ضعيف ، عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يترك المساكين يطوفون يسألون الناس في المصلى في خطبته الأولى يوم الأضحى والفطر ، فإذا خطب خطبته الأخيرة أمر بهم فأجلسوا .\rقال الشافعي : وسواء الأولى والآخرة ، أكره لهم المسألة ، وإن فعلوا فلا شيء عليهم فيها ، إلا ترك الفضل في الاستماع .\rوعن أحمد- في تحريمه وإباحته- روايتان .\rويستثنى من ذلك - عنده -: كلام الإمام لمصلحة ، وكلام من يكلمه لمصلحة ، كما قال في خطبة الجمعة .\rوهذا الذي في هذا الحديث من هذا الجنس ، فلا يستدل به على إباحة الكلام مطلقا .\rالحديث الثاني :\r984- ثنا حامد بن عمر ، عن حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، أن أنس بن مالك قالَ : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -صلى يوم النحر ، ثم خطب ، فأمر من ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحه ، فقام رجل من الأنصار ، فقالَ : يا رسول الله ، جيران لي- إما قالَ : بهم\rخصاصة ، وإما قالَ : فقراء- وإني ذبحت قبل الصَّلاة ، وعندي عناق لي أحب [ إلي] من شاتي لحم ، فرخص له فيها .\rوهذا الحديث ، كالذي قبله في الدلالة .\rالحديث الثالث :\r985- ثنا مسلم : ثنا شعبة ، عن الأسود ، عن جندب ، قالَ : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -يوم النحر ، ثم خطب ، ثم ذبح ، فقال : (( من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله )) .\rفي الاستدلال بهذا الحديث على الكلام في خطبة العيد نظر ؛ لوجهين:\rأحدهما : أنه ليس فيهِ التصريح بأن ذَلِكَ كانَ في الخطبة فيحتمل أنه قاله قبلها ، أو بعدها .\rوقد وقع في رواية لمسلم في (( صحيحه)) من هذا الحديث ما يدل على أنه قاله قبل الخطبة ؛ فإنه قالَ : فلم يعد إن صلى وفرغ من صلاته سلم ، فإذا هوَ يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته ، فقالَ : (( من كانَ ذبح)) - إلى آخره .\rولكن رواه غير واحد ، عن شعبة ، فذكروا فيهِ : أنه قاله في خطبته .","part":7,"page":72},{"id":1503,"text":"والثاني : أن هذا لم يكن خطابا لأحد معين ، ولا في الحديث أن أحدا قام إليه فخاطبه ، كما في حديث البراء وحديث أنس المتقدمين .\rوحينئذ ؛ فيكون ذكره لهذا في الخطبة من جملة تعليم أحكام الأضاحي ، ولا شك في أن الإمام لهُ أن يعلم الناس في خطبة عيد النحر أحكام الأضاحي ، وما يحتاجونه إلى معرفته منها .\rوحديث البراء وأنس يدلان على ذلك - أيضاً .\rوهذا كله مستحب، وقد نص عليه الشافعي وأصحابنا .\rوقالوا- أيضاً- يسن للإمام أن يعلم الناس في خطبة عيد الفطر حكم إخراج الفطرة .\rوقد روي عن ابن عباس ، أنه خطب بالبصرة يوم الفطر ، فعلم الناس صدقة الفطر .\rخرجه ابن شاهين في (( كتاب العيدين)) .\rوفي إسناده : ضعف .\rوالصحيح : ما روى الحسن ، قالَ : خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة ، فقالَ : أخرجوا صدقة صومكم . فكأن الناس لم يعلموا ، فقال : من هاهنا من أهل المدينة ؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم -وذكر بقية الحديث .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوالحسن ،لم يسمع من ابن عباس ، ولم يكن بالبصرة يوم خطب ابن عباس .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود ، من رواية الزهري ، قال : قال عبد الله بن ثعلبة بن صعير : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس قبل الفطر بيومين ، فقال : ((ادوا صاعاً من بر)) -الحديث .\rوفي إسناده : اختلاف كثير على الزهري .\rواختلف في عبد الله بن ثعلبة : هل له صحبة ، أم لا ؟\rوقد روى عبد الله ابن الإمام أحمد في ((مسائله)) بإسناده ، عن الزهري عن ابن المسيب : كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -يخطب قبل الفطر بيومين ، ويأمرهم بأداء زكاة الفطر ، فيخرجونها قبل الصَّلاة .\rوروى الواقدي بأسانيد له متعددة ، عن عائشة وابن عمر وأبي سعيد حديثاً طويلاً ،فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يخطب قبل الفطر بيومين ، فيأمر بإخراج صدقة الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى .\rدكره ، عنه محمد بن سعد .\rوذكر ابن سعد ، عنه -أيضاً- : ثنا عمرو بن عثمان بن هانئ ، قال : سمعت عمر بن عبد العزيز بخناصرة ، وهوخليفة ، خطب الناس قبل يوم الفطر بيوم ، وذلك يوم الجمعة ، فذكر الزكاة فحض عليها ، وقال :\rعلى كل انسان صاع تمراً ومدان من حنطة . وقال : انه لا صلاة لمن لازكاة له ، ثم قسمها يوم الفطر .\rويدل على أن الإمام إنما يعلم الناس حكم صدقة الفطر قبل يوم الفطر :\rحديث ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة .\rوقد خرجه البخاري في موضع آخر .\rوفيه : دليل واضح على انه كان يامر بذلك قبل يوم الفطر ، والافكيف كان يأمر بعد الصلاة بأن تؤدى قبل الصلاة ؟\rوبقية ما دل عليهِ هذه الأحاديث ، من الذبح قبل الصَّلاة ، ومن الأمر لمن ذبح قبلها بالاعادة ، ومن أحكام الجذع من الضأن والمعز موضعه غيرهذا ، ويأتي فيهِ - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\r* * *","part":7,"page":73},{"id":1504,"text":"24-باب\rمن خالف الطريق إذا رجع يوم العيد\r986- حدثنا محمد : ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ، عن فليح بن سلمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عيد خالف الطريق .\rتابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة .\rوحديث جابر أصح .\rكذا في بعض النسخ : (( تابعه : يونس ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي\rهريرة )) وهي رواية ابن السكن .\rويقال : إن ذلك من إصلاحه .\rوفي أكثر النسخ : (( تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، وحديث جابر\rأصح)) .\rوذكر أبو مسعود الدمشقي : أن البخاري قالَ : (( تابعه يونس بن محمد ، عن فليح . قال : وقال : محمد بن الصلت : عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وحديث جابر أصح)) .\rثم ذكر أن ذلك وهم منه- يعني : متابعة يونس لأبي تميلة-، وإنما رواه يونس ومحمد بن الصلت ، كلاهما عن فليح ، عن سعيد، عن أبي هريرة .\rوكذا رواه الهيثم بن جميل، عن فليح، وأن البخاري أراد أن يونس قال فيهِ : ((عن جابر )) .\rوفيه : إشارة إلى أن غيرهما خالف في ذكر جابر ، وإن ذكره أصح ، وما ذكره أبو مسعود تصريح بذلك .\rوقوله : ((وحديث جابر)) يدل عليه ، والله أعلم .\rوحاصل الأمر : أنه اختلف في إسناده على فليح :\rفرواه ، عنه الأ كثرون ، منهم : محمد بن الصلت والهيثم بن جميل وسريج ، فقالوا : عن سعيد بن الحارث ، عن أبي هريرة .\rوخالفهم أبو تميلة يحيى بن واضح ، فرواه عن سعيد بن الحارث ، عن جابر .\rوعند البخاري ، أن هذا أصح .\rوأما يونس بن محمد ، فرواه عن فليح ، واختلف عنه :\rفذكر البخاري والترمذي في ((جامعه)) : أنه رواه عن فليح عن سعيد ، عن\rجابر ، متابعة لأبي تميلة .\rوكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان في (( صحيحيهما)) .\rوكذلك خرجه البيهقي من رواية محمد بن عبيد الله المنادي ، عن يونس .\rوقد قال مهنا : قلت لأحمد : هل سمع سعيد بن الحارث من أبي هريرة ؟ فلم يقل شيئاً .\rوقد ذكر البيهقي : أن أبا تميلة روي عنه ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة -أيضاً .\rثم خرجه من طريق أحمد بن عمرو الحرشي ، عن أبي تميلة كذلك .\rفتبين بهذا : أن ابا تميلة ويونس اختلف عليهما في ذكر : (( أبي هريرة وجابر))، وأن اكثر الرواة قال فيه : (( عن أبي هريرة )) ، ومنهم من اختلف عليه في ذكر ((أبي هريرة وجابر)) .\rوقد ذكر الإمام أحمد ، أنه حديث أبي هريرة ، وهذا يدل على أن المحفوظ قول من قالَ : ((عن أبي هريرة)) ، كما قاله أبو مسعود ، خلاف ما قاله البخاري .\rوفي الباب : أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري .\rومن أجودها : حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم العيد في طريق ، ثم رجع من طريق آخر .\rخرجه أبو داود .\rوخرجه ابن ماجه ، وعنده: أن ابن عمر كان يخرج إلى العيد في طريق ، ويرجع في أخرى ، ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله .","part":7,"page":74},{"id":1505,"text":"وقد استغربه الإمام أحمد ، وقال : لم أسمع هذا قط .\rوقال -أيضاً- : العمري يرفعه ، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه .\rيعني : يقفانه على ابن عمر من فعله .\rقيل له : قد رواه عبيد الله -يعني : أخا العمري ، عن نافع ،عن ابن عمر ؟\rفأنكره ، وقال : من رواه ؟ قيل لهُ : عبد العزيز بن محمد - يعني : الدراوردي .\r-قالَ : عبد العزيز يروي مناكير .\rوقال البرقاني : سألت الدارقطني : هل رواه عن نافع غير العمري ؟ قَالَ : من وجه يثبت ، لا . ثُمَّ قالَ : روي عن مالك ، عن نافع ، ولكن لايثبت . انتهى .\rوالصحيح عن مالك وغيره : وقفه دون رفعه .\rوكذا رواه وكيع عن العمري-موقوفا .\rوقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد .\rوألحق الجمعة بالعيد في ذلك .\rولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره .\rوفي (( سنن أبي داود )) حديث ، فيه : أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يفعلون ذلك في زمانه ..\rوتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يسحب مخالفة الطريق ، وكثر قولهم في ذلك ، وأكثره ليس بقوي .\rوقد روي في حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو من طريق ويرجع من اخر ؛ ليتسع الناس في الطريق .\rوعبد الرحمن هذا ، ضعيف جداً .\rومعنى الاتساع في الطريق : أنه يخشى كثرة الزحام في الطريق الأول .\rوهذا أحد ما قيل في معناه .\rوقيل : ليشهد به الطريقان .\rوقيل : ليتصدق على من كان فيهما من السؤال .\rوقيل : ليكثر التقاء المسلمين بعضهم ببعض للسلام والتودد .\rوقيل : للتفاؤل بتغير الحال إلى الرضى والمغفرة ؛ فإنه يرجى لمن شهد العيد أن يرجع مغفوراً لهُ .\rوقيل : كان يغدو في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما ؛ لتكثر خطاه في المشي إلى الصَّلاة .\rوهذا هو الذي رجحه كثير من الشافعية .\rوقد روي في حديث عكس هذا :\rفرواه سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعثمان إذا خرجوا إلى العيد من طريق رجعوا في طريق آخر أبعد منه .\rوسليمان بن أرقم ، متروك .\rولا أصل لحديثه هذا بهذا الإسناد .\rوعلى تقدير أن يكون له أصل ، فيمكن توجيهه بأن القاصد لصلاة العيد ينبغي له قصدها من أقرب الطرق ؛ لأنه إن كانَ أماماً فلئلا يطول انتظاره ، وان كانَ مأموماً فخشية أن يسبق بالصلاة أو بعضها ، أو أن يتمكن من صلاتها في مكان يمكنه الاقتداء فيهِ بالإمام ؛ ولهذا شرع له التبكير ؛ ليقرب من الإمام .\rوالراجع من الصَّلاة قد أمن ذَلِكَ كله ، فيمشي حيث شاء ، ويسلك أبعد الطرق ، ويقف فيها لحاجته وللقاء الناس والسلام عليهم والدعاء لهم ، وغير ذَلِكَ من المصالح .\rوقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ، أنهم كانوا يتلاقون يوم العيد ، ويدعو بعضهم لبعض بالقبول .","part":7,"page":75},{"id":1506,"text":"ورخص فيه الإمام أحمد ، وقال : لا أبتدئ به أحداً ، فإن قاله لي ، رددت عليه .\rوقال-مرة- : ما أحسنه ، إلا أن يخاف الشهرة .\rكأنه يشير إلى أنه يخشى أن يشتهر المعروف بالدين والعلم بذلك ، فيقصد لدعائه ، فيكره لما فيه من الشهرة .\rوقد خرج الإمام أحمد من حديث المنكدر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائماً في السوق يوم العيد ، ينظر والناس\rيمرون .\rورواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد : حدثني معاذ بن عبد الرحمن التيمي ، عن أبيه ، عن جده ، أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من المصلى في يوم عيد، فسلك على التمارين أسفل السوق ، حتى إذا كان عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج\rأسلم ، فدعا ثم انصرف .\rقال الشافعي : فأحب أن يصنع الإمام مثل هذا ، وأن يقف في موضع يدعو الله - عز وجل -، مستقبل القبلة .\r* * *","part":7,"page":76},{"id":1507,"text":"25-باب\rإذا فاته العيد يصلي ركعتين ، وكذلك النساء ، ومن كان في البيوت والقرى ؛ لقول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : ((هذا عيدنا أهل الإسلام)) .\rوأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية ، فجمع أهله وبنيه ، فصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم .\rوقال عكرمة : أهل السواد يجتمعون في العيد، يصلون ركعتين، كما يصنع الإمام 0\rوكان عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين .\rذكر البخاري في هذا الباب مسائل .\rأحدها :\rمن فاته صلاة العيد مع الإمام من أهل المصر ، فإنه يصلي ركعتين .\rوحكاه عن عطاء .\rوحكي -أيضا- عن أبي حنيفة والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد -في رواية ، عنه .\rثم اختلفوا: هل يصلي ركعتين بتكبيركتكبيرالإمام، أم يصلي بغير تكبير ؟\rفقالَ الحسن والنخعي ومالك والشافعي وأحمد -في رواية -: يصلي بتكبير ، كما يصلي الإمام .\rواستدلوا بالمروي عن أنس ، وأنس لم يفته في المصر بل كان ساكناً خارجاً من المصر بعيداً منه ، فهوفي حكم أهل القرى .\rوقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد -في رواية عنه .\rوالقول بانه يصلي كما يصلي الإمام قول أبي حنيفة وأبي بكر بن أبي شيبة ، حتى قالَ : لايكبر إلا كما يكبر الإمام ، لا يزيد عليه ولا ينقص .\rوكذا قاله الإمام أحمد -في رواية أبي طالب .\rوعن ابن سيرين ، قال : كانوا يستحبون إذا فات الرجل العيدان أن يمضي إلى الجبان ، فيصنع كما يصنع الإمام .\rوقال أحمد -في رواية الأثرم -: أن صليت ذهب إلى الجبان فصلى ، وإن شاء صلى مكانه .\rوقال- في رواية إسماعيل بن سعيد -: إذا صلى وحده لم يجهربالقراءة ، وإن جهر جاز .\rوهذا عنده حكم المصلي الصلاة الجهرية مفرداً ، فلو صلاها في جماعة جهر بها بغير إشكال ، كما فعله الليث بن سعد .\rوقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الإمام لايجهر بالقرأة في صلاة العيدين إلا بمقدار ما يسمع من يليه ، روي ذلك عن علي ، وهو قول الحسن والنخعي والثوري .\rوذكر الحسن ، عن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسمعون القراءة في العيدين والجمعة من يليهم .\rخرجه المروزي في ((كتاب العيدين)) .\rوهو قول الثوري في الجمعة والعيدين جميعاً .\rوقال عطاء والأوزاعي وأحمد -في الرواية الأخرى -: يصلي من فاته العيد ركعتين بغير تكبير .\rهذه الرواية ، حكاها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب ((الشافي)) .\rوقال أحمد : إنما التكبير مع الجماعة .\rوجعله أبو بكر عبد العزيز كالتكبير خلف المكتوبة في أيام التشريق .\rوروى حنبل ، عن أحمد ، أنه مخير ، إن شاء صلى بتكبير ، وإن شاء صلى بغير تكبير .\rوقالت طائفة : من فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى أربع ركعات .\rروي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه .\rوسوى ابن مسعود بين من فاتته الجمعة ، ومن فاته العيد ، فقال- في كل منهما -: يصلي أربعاً .\rواحتج به الإمام أحمد .\rولا عبرة بتضعيف ابن المنذر له ؛ فإنه روي بأسانيد صحيحة .","part":7,"page":77},{"id":1508,"text":"وهذا قول الشعبي والثوري وأحمد -في رواية أخرى ،عنه- ،وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، بناءً على اختيارهم اشتراط الجماعة للعيد والاستيطان ، ويكون الأربع عيداً .\rنص عليه أحمد في رواية الميموني .\rوهذا يشبه قول ابن شاقلا : إن أدرك تشهد الجمعة يصلي أربعاً ، وهي جمعة له ، كما سبق ذلك .\rوعلى هذا ، فيصلي وحده من غير جماعة ، نص عليه أحمد في رواية محمد بن\rالحكم ، وكذا ذكره أبو بكر عبد العزيز .\rوإنما يصلي في جماعة إذا قلنا : يصلي صلاة العيد على صفتها .\rوهل يصلي الأربع بسلام واحد ، أو يخير بين ذلك وبين صلاتها بسلامين ؟\rفيهِ عن أحمد روايتان .\rواختار أبو بكر صلاتها بسلام واحد ، تشبيهاً لصلاتها بصلاة من تفوته الجمعة .\rوعن أحمد : يخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعاً .\rوهذا مذهب الثوري الذي حكاه أصحابه ، عنه .\rواستدل أحمد ، بأنه روي عن أنس ، أنه صلى ركعتين ، وعن ابن مسعود أنه صلى أربعاً .\rوكذلك روي عن علي ، أنه أمر من يصلي بضعفة الناس في المسجد أربعاً ، ولا يخطب بهم .\rوروي أحمد بن القاسم ، عن أحمد الجمع بين فعل أنس وقول ابن مسعود على وجه آخر ، وهو : إن صلى من فاته العيد جماعة صلى كصلاة الإمام ركعتين ، كما فعل أنس ، وإن صلى وحده صلى أربعاً ، كما قال ابن مسعود .\rوقال إسحاق : إن صلاها في بيته صلاها أربعاً كالظهر ، وإن صلاها في المصلى صلاها ركعتين بالتكبير ؛ لأن علياً أمر الذي يصلي بضعفة الناس في المسجد أن يصلي\rأربعا ، ركعتين مكان صلاة العيد ، وركعتين مكان خروجهم إلى الجبان ، كذا رواه حنش بن المعتمر عن علي .\rواعلم ؛ أن الاختلاف في هذه المسألة ينبني على أصل ، وهو: أن صلاة العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ؟\rفيهِ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد .\rوأكثر العلماء ، على أنه لايشترط لها ذَلِكَ ، وهو قول مالك والشافعي .\rومذهب أبي حنيفة وإسحاق : أنه يشترط لها ذلك .\rفعلى قول الأولين : يصليها المنفرد لنفسه في السفر والحضر والمرأة والعبد ومن\rفاتته ، جماعة وفرادى .\rلكن لا يخطب لها خطبة الإمام ؛ لأن فيهِ افتئاتاً عليهِ ، وتفريقاً للكلمة .\rوعلى قول الآخرين : لايصليها إلا الإمام أو من أذن لهُ ، ولا تصلى إلا كما تصلى الجمعة ، ومن فاتته ، فإنه لايقضيها على صفتها ، كما لايقضي الجمعة على صفتها .\rثم اختلفوا :\rفقال أبو حنيفة وأصحابه : لاتقضى بالكلية ، بل تسقط ، ولا يصلي من فاتته مع الإمام عيدا أصلا ، وإنما يصلي تطوعاً مطلقاً ، إن شاء صلى ركعتين ، وإن شاء صلى\rأربعاً .\rوقال أحمد وإسحاق : بل تقضى كما قال ابن مسعود وغيره من الصحابة .\rوليست العيد كالجمعة ؛ ولهذا يصليها الإمام والناس معه إذا لم يعلموا بالعيد إلا من آخر النهار من غد يوم الفطر ، والجمعة لا تقضى بعد خروج وقتها ، ولأن الخطبة ليست شرطاً لها ، فهي كسائر الصلوات ، بخلاف الجمعة .","part":7,"page":78},{"id":1509,"text":"والذين قالوا : تقضى إذا فاتت مع الإمام ،لم يختلفوا أنها تقضى ما دام وقتها باقياً 0\rفإن خرج وقتها ، فهل تقضى ؟\rقالَ مالك : لاتقضى .\rوعن الشافعي قولان .\rوالمشهور عندنا : إنما تقضى .\rوخرجوا فيها رواية اخرى : أنها لاتقضى .\rوأصل ذلك : أن السنن الرواتب : هل تقضى في غير وقتها ، أم لا ؟\rوفيه قولان ، وروايتان عن أحمد ؛ فإن فرض العيد يسقط بفعل الإمام ، فيصير في حق من فاتته سنة .\rولو أدرك الإمام وقد صلى وهو يخطب للعيد ففيه أقوال :\rأحدها : أنه يجلس فيسمع الخطبة ، ثم إذا فرغ الإمام صلى قضاءً ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور ، ونص عليه أحمد -أيضا .\rوالثاني : أنه يصلي والإمام يخطب ،كما يصلي الداخل في خطبة الجمعة والإمام يخطب ، وهو قول الليث ؛ لكن الليث صلى العيد بأصحابه والإمام يخطب .\rوقال الشافعية : إن كانَ الإمام يخطب في المصلى ، جلس واستمع ؛ لأنه مالم يفرغ من الخطبة فهو في شعار اقامة العيد ، فيتابع فيما بقي منه ، ولا يشغل عنه بالصلاة ، وإن كان يخطب في المسجد ؛ فإنه يصلي قبل أن يجلس .\rثم لهم وجهان :\rأحدهما: يصلي تحية المسجد ، كالداخل يوم الجمعة ، وهو قول بعض أصحابنا -أيضا .\rوالثاني : يصلي العيد ؛ لأنها آكد ، وتدخل التحية ضمنا وتبعاً ،كمن دخل المسجد يوم الجمعة وعليه صلاة الفجر ؛ فإنه يقضيها وتدخل التحية تبعاً .\rووجه قول الأوزاعي وأحمد : أن استماع الخطبة من كمال متابعة الإمام في هذا اليوم ، فإذا فاتت الصَّلاة معه لم يفوت استماع الخطبة ، وليس كذلك الداخل في خطبة الجمعة ؛ لأن المقصود الاعظم الصلاة ، وهي لاتفوت بالتحية .\rالمسألة الثانية :\rصلاة النساء في بيوتهن في المصر ، وكذلك المريض ونحوه .\rوهذا مبني على أن صلاة العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ، أم لا ؟\rفمن قالَ : لا يشترط ذَلِكَ جوز للمرأة أن تصلي صلاة العيد في بيتها على وجهها ، وكذلك المريض، بل يجيز ذَلِكَ لكل من تخلف في بيته ، أن يصلي كما يصلي الإمام ، ولا سيما إن كانَ يقول مع ذَلِكَ أن صلاة العيدين سنة ، كما يقوله الشافعي وغيره .\rوقال الحسن - في المسافر يدركه الأضحى-: فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين ، ويضحي إن شاء .\rوأما من يشترط لها العدد وإذن الإمام ، فلا يرى لمن تخلف في بيته أن يصلي صلاة العيد على وجهها ، بل يصلي ركعتين بغير تكبير -أو أربعاً- ، على ما سبق .\rقال الثوري وإسحاق -في النساء-: يصلين في بيوتهن أربعاً .\rوعند أبي حنيفة وأصحابه : لاتقضي بحال ، كما تقدم .\rالمسألة الثالثة :\rأهل القرى : هل يصلون العيد في قراهم كما يصلي الإمام في المصر ونوابه في الأمصار ؟\rوقد حكى عن عكرمة ، أنهم يصلونها كصلاة أهل الأمصار .\rقال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر :ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، في القوم يكونون في السواد في سفرتهم عيد فطر أو أضحى ، قال : فيجتمعون ، فيصلون ، يؤمهم أحدهم .\rوقد تقدم أن جمهور العلماء على أن الجمعة تقام في القرى ، فالعيد أولى .","part":7,"page":79},{"id":1510,"text":"لكن من يشترط العدد لصلاة العيد ،كأحمد -في رواية-وإسحاق ، يقول : لابد أن يكون في القرية أربعون رجلا كالجمعة .\rقال إسحاق : وإن لم يخطب بهم صلوا أربعا -أيضا- قال : وإذا لم تكن خطبة فليس بعيد .\rوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لاعيد إلا في مصر جامع ، كقولهم في الجمعة .\rولا خلاف أنه يجب على أهل القرى والمسافرين ، وإنما الخلاف في صحة فعلها منهم ، والأكثرون على صحته وجوازه .\rويستدل لذلك بفعل أنس بن مالك ؛ فإنه كانَ يسكن خارجا من البصرة على أميال منها .\rفروى الإمام أحمد -فيما رواه عنه ابنه عبد الله في ((مسائله))-: ثناهشيم : أنا\rعبيد الله بن أبي بكر ، عن جده أنس بن مالك ، أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الناس بالبصرة ، وكان منزله بالطف جمع أهله وولده ومواليه ،ثم يامر مولاه عبد الله بن أبي عتبة أن يصلي بهم .قال : يكبر بهم تسع تكبيرات ، خمس في الأولى ، وأربع في الآخرة ، ويوالي بين القراءتين .\rوروى محمد بن الحكم ، عن أحمد -فيمن تفوته صلاة العيد- : يجمع أهله\rوولده ، كما فعل أنس ، ويكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين .\rوهذا يدل على أنه أخذ بجميع ما روي عن أنس فيمن تفوته صلاة العيد مع\rالإمام ، سواء كان لبعده عن الإمام أو لغير ذَلِكَ ، وأنه يكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين .\rوهذا خلاف مذهبه في تكبير الإمام ونوابه في الامصار، فإنه يرى أنهم يكبرون في الأولى سبع تكبيرات ، وفي الثانية خمس تكبيرات .\rوفي موالاته بين القراءتين روايتان عنه :\rأشهرهما : أنه يكبر قبل القراءة في الركعتين .\rوالثانية : أنه يوالي بينهما . واختارها أبو بكر بن جعفر .\rفأما التكبير في الاولى سبعاً وفي الثانية خمساً ،وهو قول جمهور العلماء ، وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة ، عن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري ، وقال: مضت السنة به .\rوحكاه ابن أبي الزناد عن فقهاء المدينة السبعة .\rوهو قول مكحول وربيعة والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود .\rوأكثر أهل الحديث ، منهم : ابن المديني وابن أبي شيبة وأبو خثيمة وسليمان بن داود الهاشمي وغيرهم .\rولكن اختلفوا : هل يكبر في الأولى سبعاً غير تكبيرة افتتاح الصلاة ، أم بها ؟\rفقالَ مالك وأحمد : يحسب منها تكبيرة الافتتاح .\rوروي ذلك عن ابن عباس صريحاً .\rوقال الشافعي : لا يحسب منها .\rوعن الليث والأوزاعي قولان ، كالمذهبين .\rوقالت طائفة : يكبر في الأولى خمساً بتكبيرة الافتتاح ، وفي الثانية أربعاً بعد\rالقراءة ، بتكبيرة الركوع .\rروى ذلك عن ابن مسعود وإسحاق ، وهو قول سفيان وأهل الكوفة .\rوروي عن ابن عباس -في رواية عنه .\rوفي عدد التكبير أقوال متعددة للسلف ، فيه احاديث مرفوعة معددة-أيضا- ،لم يخرج منها البخاري شيئاً ، وليس منها على شرطه شيء .","part":7,"page":80},{"id":1511,"text":"وقد روى هارون بن عبد الله ، عن أحمد ، أنه قالَ : ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rذكره الخلال .\rوروى حرب ، عن أحمد قريباً من ذلك .\rقال حرب: وسألت ابن المديني : هل صح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قالَ : حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ويروى عن أبي هريرة -من قوله- صحيح . انتهى .\rوحكى الترمذي في ((علله)) ، عن البخاري ، أنه صحح هذا الحديث .\rوقال أحمد -في رواية -: أنا اذهب إليه .\rوقد خرجه في ((المسند)) وأبو داود وابن ماجة بألفاظ مختلفة ، ومعناها واحد : أن التكبير في الأولى سبع ، وفي الثانية خمس .\rوفي رواية أحمد وأبي داود : أن القراءة بعدهما .\rوقد استوفينا الأحاديث في ذَلِكَ ، والكلام عليها في ((شرح الترمذي)) بحمد\rالله ومنه .\rونقل الميموني ، عن أحمد ، قال : التكبير في العيدين سبعاً في الأولى وخمساً ، وقد اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التكبير ، وكله جائز .\rوهذا نص منه على أنه يجوز التكبير على كل صفة رويت عن الصحابة من غير كراهة ، وإن كانَ الافضل عنده سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية .\rورجح هذا ابن عبد البر ، وجعله من الاختلاف المباح ، كأنواع الأذان والتشهدات ونحوها .\rثم خرج البخاري في هذا الباب :\r987-حديث عائشة في الجاريتين اللتين كانتا عندها تدففان وتغنيان .\rوقد ذكرنا لفظه في (( باب : سنة العيدين لأهل الإسلام)) إلى قوله : ((دعهما يا أبا بكر ؛ فإنها أيام عيد)) وتلك الأيام أيام منى .\rوزاد فيه :\r988- وقالت عائشة : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسترني ، وأنا أنظر إلى الحبشة ، وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر، فقال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : ((دعهم ، أمنا بني أرفدة )) -يعني : من الأمن .\rخرجه عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .\rولكن ؛ ليس فيهِ اللفظ الذي احتج به في أول الباب ، وهو قوله : ((هذا عيدنا أهل الإسلام)) ، إنما خرجه بهذا اللفظ في ((باب : سنة العيدين)) كما تقدم .\rوليس فيه لفظة : ((أهل الإسلام)) ، ولم أجده بهذه الزيادة في شيء من الكتب الستة ، وإنما تعرف هذه اللفظة في حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((يوم عرفة ، ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام)) .\rووجه الاستدلال به على ما بوب عليه البخاري : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العيد عاما لأهل الإسلام كلهم ، فدل على أنهم يشتركون فيمايشرع فيه جميعهم ، رجالهم\rونساؤهم ، أهل أمصارهم ، وأهل قراهم فتكون صلاة العيد مشروعة لجميعهم من غير تخصيص لأحد منهم .","part":7,"page":81},{"id":1512,"text":"والمنازع في ذلك قد يقول : أنا لا أمنع ذلك ، ولا أن يشهد العيد جميع المسلمين إذا صلاها الإمام أو نائبه في المصلى ، فأما الإنفراد بصلاتها لآحاد الناس في بيوتهم ، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فعله ، ولو كان مشروعاً لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل .\rوأيضا ؛ فمما يدل عَلَى أن الاستيطان يعتبر لها : أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يفعلها قط فِي اسفاره مَعَ كثرة أسفاره ، وقد ادركه عيد النحر بمنى ، وأدركه عيد الفطر فِي غزوة الفتح وَهُوَ مسافر ، ولم ينقل أنهُ صلى العيدين فِي شيء من أسفاره ، ولو فعل ذَلِكَ لما أهمل\rنقله ؛ لتوفر الدواعي على نقله ، وكثرة الحاجة إليه . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\rوأيضا ؛ فالحديث إنما ورد في ايام منى ، وظاهره : أنها أيام التشريق .\rولو قيل : إن يوم النحر يدخل فيها ، فلا يلزم من كونها عيداً للمسلمين جميعاً أن يشترك المسلمون جميعهم في كل ما يشرع فيها ؛ فإنه يشرع فيها للحاج ما لا يشرع لغيرهم من أهل الأمصار ، فلا يمتنع أن يشرع لأهل الأمصار الاجتماع على مالا يشرع لغيرهم بإنفرادهم ، كالنساء والمسافرين . والله - سبحانه وتعالى - أعلم .\r* * *","part":7,"page":82},{"id":1513,"text":"26-باب\rالصلاة قبل العيد وبعدها\rوقال أبو المعلى : سمعت سعيداً ، عن ابن عباس : كره الصلاة قبل العيد .\r989-حدثنا أبو الوليد : ثنا شعبة : أخبرني عدي بن ثابت ، قالَ : سمعت سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم عيد الفطر ، فصلى ركعتين ، ولم يصل قبلها ولا بعدها ، ومعه بلال .\r((أبو المعلى)) ، هو : يحيى بن ميمون الكوفي ، ثقة مشهور .\rوقد اختلف الناس في معنى ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم العيد قبلها وبعدها : فمنهم من قال : لأنه كان إماماً ، والإمام لايتطوع موضع صلاة العيد قبلها ولا بعدها ؛ لأن حضوره كاقامة الصَّلاة ، فلا يتطوع بعده ، وإذا خطب انصرف وانصرف الناس معه ، فلو صلى فلربما احتبس الناس لهُ ، وفيه مشقة .\rوهذا تأويل جماعة ، منهم : سليمان بن حرب وطائفة من الشافعية وغيرهم .\rوأنكر ذلك الإمام أحمد ، وقال : إنما لم يصل قبلها ولا بعدها ؛ لأنه لا صلاة قبلها ولا بعدها .\rواستدل بأن ابن عباس وابن عمر رويا أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قبلها ولا بعدها وكرها الصلاة قبلها وبعدها استدلالاً بما روياه ، فعلهم أنهما فهما مما روياه كراهة الصلاة قبلها وبعدها ، وهما أعلم بما رويا .\rفأما كراهة ابن عباس ، فقد ذكره البخاري تعليقاً ، وروي عنه من وجوه أخرَ .\rوأما حديث ابن عمر ، فمن رواية أبان بن عبد الله البجلي ، عن أبي بكر بن\rحفص ، عن ابن عمر ، أنه خرج يوم عيد فطر ، ولم يصل قبلها ولابعدها ، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله .\rخرجه الإمام أحمد والترمذي .\rوقال : حسن صحيح .\rوحكى في ((علله)) عن البخاري ، أنه قال : هو حديث صحيح ، وأبان البجلي صدوق .\rوأبان هذا ، وثقه ابن معين ، وقال أحمد : صدوق صالح الحديث .\rوروى مالك وغيره ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يصلي قبل العيد ولا بعدها - ولم يرفعه .\rوكذا رواه عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر .\rقال الإمام أحمد : روي عن ابن عمر وابن عباس وسلمة بن الأكوع وبريدة ، أنهم لم يصلوا قبلها ولا بعدها . انتهى .\rوروي -أيضا- عن علي وجابر وابن أبي أوفى .\rوقال الزهري : ما علمنا أحداً كانَ يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد ولا بعده .\rذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه .\rوخرجه جعفر الفريابي من رواية يونس ، عن الزهري ، قال : لم يبلغنا أن احداً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح يوم الفطر والأضحى قبل الصلاة ولا بعدها ، إلا أن يمر منهم مار بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيسبح فيه .\rوخرجه الأثرم من رواية الزبيدي ، عن الزهري ، قال : لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر عن أحد من سلف هذه الأمة ، أنه كان يصلي قبلها ولا بعدها .\rوكان عمر بن عبد العزيز لا يسبح قبلها ولا بعدها ، ويبكر بالخروج إلى الخطبة والصلاة ، كما لا يصلي أحد قبلها .\rوحكى الإمام أحمد هذا القول عن أهل المدينة .","part":7,"page":83},{"id":1514,"text":"وروي عن الشعبي ، قالَ : أتيت المدينة وهم متوافرون ، فلم أر أحداً من الفقهاء يصلي قبلها ولا بعدها .\rخرجه الفريابي .\rوهو قول مالك وأحمد وإسحاق .\rوحكاه الترمذي عن الشافعي .\rوهؤلاء ، منهم من كان ينهى عن الصلاة قبلها ، ويزجر عنه ، وروي عن أبي قتادة الأنصاري وحذيفة وغيرهما .\rومنهم من كان يخبر بأنه ليس من السنة ، ولا ينهى عنه ، ومنهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .\rوحكى الإمام أحمد عن أهل البصرة ، أنهم رجعوا في الصلاة قبلها وبعدها ، روي عن أنس وأبي برزة الاسلمي والحسن وأخيه سعيد وجابر بن زيد وأبي بردة بن أبي موسى ، وهو المشهور عن الشافعي .\rوقد حكاه الإمام أحمد -في رواية الأثرم- عن أنس وأبي برزة .\rوروى الإمام أحمد -في رواية ابنه عبد الله-: نا محمد بن جعفر : نا سعيد ، عن\rقتادة ، أن أبا برزة الأسلمي وأنس بن مالك والحسن وعطاء بن يسار ، كانوا لا يرون بالصلاة قبل الإمام ولا بعده بأساً .\rوقد خرج البيهقي من رواية الداناج ، أنه رأى أبا بردة يصلي يوم العيد قبل الإمام .\rفظن صاحب ((شرح المهذب)) ، أن من حكاه عنة أبي برزة الأسلمي فقد وهم وصحف ، وليس كما قال .\rورخصت طائفة أخرى في الصلاة بعدها دون ما قبلها ، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الكوفة .\rوقد روي عن علي من وجه ضعيف .\rوعن ابن مسعود وأصحابه .\rوعن ابن أبي ليلى والنخعي والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي .\rوفرقت طائفة بين أن يصلي العيد في المصلى ، فلا يصلي قبلها ولا بعدها ، وبين أن يصلي في المسجد فيصلي قبلها وبعدها ، وهو قول الليث ، ورواية عن مالك .\rولم يذكر في ((تهذيب المدونة)) سواها .\rوعنه ، الرخصة أن يصلي قبلها في المسجد خاصة .\rوهذا كله في حق غير الإمام ، فأما الإمام فلا نعلم في كراهة الصلاة له خلافاً قبلها وبعدها .\rوكل هذا في الصلاة في موضع صلاة العيد ، فأما الصلاة في غير موضع صلاة\rالعيد ، كالصلاة في البيت أو في المسجد ، إذا صليت العيد في المصلى ، فقال أكثرهم : لا تكره الصلاة فيه قبلها وبعدها .\rروي ذلك عن بريدة ورافع بن خديج .\rوذكره عباس بن سهل ، عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنهم كانوا يفعلونه .\rوكان عروة يفعله .\rوروي عن ابن مسعود ، أنه كان يصلي بعد العيد في بيته .\rوهو مذهب أحمد وإسحاق .\rوروى عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي قبل العيد شيئاً ، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين .\rخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه)) والحاكم .\rوقال : سنة عزيزة ، بإسناد صحيح .\rكذا قال ؛ وابن عقيل مختلف فيهِ .\rوقالت طائفة : لا صلاة يوم العيد حتَّى تزول الشمس .\rوصح عن ابن عمر ، أنه كان يفعله .\rوعن كعب بن عجرة ، أنه أنكر على من صلى بعد العيد في المسجد ، وذكر أنه خلاف السنة ، وقال : هاتان الركعتان سبحة هذا اليوم حتى تكون الصلاة تدعوك .","part":7,"page":84},{"id":1515,"text":"واختار هذا القول أبو بكر الآجري ، وأنه تكره الصلاة يوم العيد حتى تزول الشمس ، وحكاه عن أحمد .\rوحكايته عن أحمد غريبة .\rوعند أحمد وأكثر أصحابه : لاتصلي قبل العيد ، ولو صليت في المسجد ودخل إليه بعد زوال وقت النهي .\rوسئل أحمد- في رواية أحمد بن القاسم - : لو كان على رجل صلاة في ذلك الوقت: هل يصلي ؟ قالَ : أخاف أن يقتدي به بعض من يراه . قيل لهُ : فإن يكن ممن يقتدى به ؟ قال : لا أكرهه ، وسهل فيه .\r* * *","part":7,"page":85},{"id":1516,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r14\rأبواب الوتر\r1-باب\rما جاء في الوتر\rفيه أربعة أحاديث :\rالحديث الأول :\r990-حدثنا عبد الله بن يوسف : انا مالك ، عن نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر ، أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -عن صلاة الليل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح ، صلى ركعه واحدة ، توتر له ما قد صلى )) .\r991- وعن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر ، حتى يأمر ببعض حاجته .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( صلاة الليل مثنى مثنى )) -يعني :ركعتين ركعتين.\rوالمراد : انه يسلم في كل ركعتين ، وبذلك فسره ابن عمر .\rأخرجه مسلم في((صحيحه)).\rويدل بمفهومه على أن صلاة النهار ليست كذلك ، وأنه يجوز أن تصلى أربعا .\rوقد كان ابن عمر -وهو راوي الحديث - يصلي بالنهار أربعا ، فدل على أنه عمل بمفهوم ما روى .\rفروى يحيى الأنصاري وعبيد الله بن عمر ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار (( بأربعٍ )) ، لا يفصل بينهن .\rوبهذا رد يحيى بن معين وغيره الحديث المروي ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ، من رواية شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن علي الازدي ،عن ابن عمر .\rوقد أعله الترمذي ، بأن شعبة اختلف عليه في رفعه ووقفه .\rوذكر الإمام أحمد : أن شعبة كان يتهيبه .\rوأعله ابن معين وغيره ، بأن أصحاب ابن عمر الحفاظ رووا كلهم ، عنه ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم - : (( صلاة الليل مثنى مثنى )) ، من غير ذكر النهار ، أكثر من خمسة عشر نفسا ، فلا يقبل تفرد علي الازدي بما يخالفهم .\rوأعله الإمام أحمد وغيره بأنه روي عن ابن عمر، أنه كان يصلي بالنهار أربعاً ، فلو كان عنده نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يخالفه .\rوتوقف أحمد -في رواية ،عنه - في حديث الأزدي .\rوقال -مرة- : إسناده جيد ، ونحن لا نتقيه .\rوقد روي ،عن ابن عمر موقوفاً عليه -أيضاً- ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) .\rوروي عنه- مرفوعاً- من وجه آخر .\rوقيل : إنه ليس بمحفوظ .\rقاله الدارقطني وغيره .\rوذكر مالك ، أنه بلغه ، أن ابن عمر كان يقول : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ، يسلم من كل ركعتين .\rقلت : من يقول : لا مفهوم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( صلاة والليل مثنى مثنى )) يقول : إن ذكر الليل إنما كان جوابا لسؤال سائل ، سأل عن صلاة الليل ، ومثل هذا يدفع أن يكون له مفهوم معتبر. والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوقد بوب البخاري في ((أبواب صلاة التطوع )) على أن ((صلاة النهار مثنى\rمثنى )) ، ويأتي الكلام فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوالكلام هنا في صلاة الليل .\rوهذا الحديث : يدل على أن التطوع بالليل كله مثنى مثنى ، سوى ركعة الوتر ، فإنها واحدة .","part":7,"page":86},{"id":1517,"text":"وقد عارض هذا حديث عائشة الذي خرجه مسلم ،خرجه من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر في ذلك بخمس ،لا يجلس في شيء منهن ، إلا في آخرهن .\rوقد تكلم في حديث هشام هذا غير واحد .\rقال ابن عبر البر : قد أنكر مالك . وقال: مذ صار هشام إلى العراق أتانا عنه ما لم يعرف منه .\rوقد أعله الأثرم ، بأن يقال في حديثه : ((كان يوتر بواحدة )) ، كذا رواه مالك وغيره عن الزهري .\rورواه عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري ، وفي حديثهما : ((يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة )) .\rوقد خرجه مسلم من طريقهما - أيضا .\rوكذا رواه ابن أبي ذئب والأوزاعي ، عن الزهري .\rخرج حديثهما أبو داود 0\rقال الأثرم: وقد روى هذا الحديث عن عائشة غير واحد ،لم يذكروا في حديثهم ما ذكره هشام عن أبيه ، من سرد الخمس .\rورواه القاسم ، عن عائشة ، في حديثه : (( يوتر بواحدة)) .\rولم يوافق هشاماً على قوله إلا ابن إسحاق ، فرواه عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - بنحو رواية هشام .\rوخرجه أبو داود من طريقه كذلك .\rورواه- أيضا- سعد بن هشام ، عن عائشة ، واختلف عليه فيه :\rفخرجه مسلم من رواية قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، أنه سال عائشة عن وتر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: كان يصلي تسع ركعات ، لا يجلس إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثُمَّ ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلي ركعة ، ثم يقعد ، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ، ثم يسلم تسليماً يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ، فتلك إحدى عشرة ركعة ، فلما أسن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذه اللحم أوتر بسبع ، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول ، فتلك تسع يا بني .\rوفي رواية له : أن قتادة اخبره سعد بن هشام بهذا ، وكان جاراً له .\rوقد خرّجه أبو داود بلفظ آخر ، وهو : أنه - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي ثمان ركعات ، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ، فيجلس فيذكر الله ، ثم يدعو ، ثم يسلم تسليماً ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم ، ثم يصلي ركعة ، فتلك إحدى عشرة ركعة .\rوفي هذه الرواية :أنه كان يصلي الركعتين جالساً قبل الوتر ، ثم يوتر بعدها بواحدة .\rوهذا يخالف ما في رواية مسلم .\rورواه سعد بن هشام ، عن عائشة ، واختلف عليه في لفظه :\rفروي عنه : الوتر بتسعٍ ، وروى عنه : بواحدة .\rورواه أبان عن قتادة بهذا الإسناد ، ولفظه : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ، ولا يقعد إلا في آخرهن .\rقال الإمام أحمد : فهذه الرواية خطأ .\rيشير إلى إنها مختصرة من رواية قتادة المبسوطة .\rوقد روي في هذا المعنى من حديث ابن عباس وأم سلمة .\rوقد تكلم الأثرم في إسنادهما .\rوطعن البخاري في حديث أم سلمة بانقطاعه ، وذكر أن حديث ابن عمر في الوتر بركعة أصح من ذلك .","part":7,"page":87},{"id":1518,"text":"وكذلك الروايات الصحيحة عن ابن عباس في وصفه صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -ليلة بات عند خالته ميمونة ، يدل عليه : أنه - صلى الله عليه وسلم - من كل ركعتين وأوتر بواحدة .\rفلهذا رجحت طائفة حديث ابن عمر وابن عباس ، وقالوا : لا يصلي بالليل إلا مثنى مثنى ، ويوتر بواحدة .\rوهذه طريقة البخاري والأثرم .\rوقال ابن عبد البر : هو قول أهل الحجاز ، وبعض أهل العراق 0\rثم حكى عن مالك والشافعي وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد ، أن صلاة الليل مثنى مثنى .\rقال : وقال أبو حنيفة في صلاة الليل : إن شئت ركعتين ، وإن شئت أربعا ، وإن شئت ستاً وثمانياً ، ولا تسلم إلا في آخرهن .\rوقال الثوري والحسن بن حي : صلاة الليل ما شئت ، بعد أن تقعد في كل ركعتين وتسلم في آخرهن .\rوحكى الترمذي في ((كتابه)) أن العمل عند أهل العلم على أن صلاة الليل مثنى مثنى .\rقال : وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوحكاه ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وعمار ، وعن الحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وسعيد بن جبيرٍ وحماد ومالك والأوزاعي .\rوحكي عن عطاء ، أنه قال : في صلاة الليل والنهار : يجزئك التشهد .\rوهذا يشبه ما حكاه ابن عبد البر ، عن الثوري والحسن بن حي .\rوهو مبني على أن السلام ليس من الصلاة ، وأنه يخرج منها بدونه ، كما سبق ذكره .\rوقد روي عن النخعي نحوه .\rومذهب سفيان الذي حكاه أصحابه أنه لا بأس أن يصلي بالليل والنهار أربعا أو ستا أو أكثر من ذلك ، لا يفصل بينهنً إلا في آخرهن .\r... قال : وإذا صلى بالليل مثنى ، فهو أحب إليّ .\rوحمل هؤلاء كلهم قول عائشة : ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي أربعا ، ثم أربعا )) على أنه كان لا يسلم بينها ، وسيأتي حديثها بذلك -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوحمله الآخرون على أنه كان يفصل بينها بسلام .\rوهذا كله في التطوع المطلق في الليل،فأما الوتر فاختلفوا فيه على أقوال :\rأحدها : أنه ركعة واحدة ، مفصولة مما قبلها ، على مقتضى حديث ابن عمر ، وبعض ألفاظ حديث عائشة .\rقال ابن المنذر : [ روينا عن ابن عمر ، أنه] يقول: الوتر ركعة . ويقول: كان ذلك وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وأبي بكر وعمر .\rقالَ : وممن روينا عنه : الوتر ركعة : عثمان وسعد وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية وأبو موسى وابن الزبير وعائشة ، وفعله معاذ القاري ، ومعه رجال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا ينكر ذلك منهم أحد .\rوبه قال ابن المسيب وعطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق [ أبو ثور ، غير أن مالكاً والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق ] رأوا أن يصلي ركعتين ، ثم يسلم ، ثم يوتر بركعة . انتهى .\rوذكر الزهري وغيره : أن عمل المدينة كان على ذلك إلى زمن الخير .\rوممن قال الوتر :ركعة -أيضاً- : فقهاء أهل الحديث ،سليمان بن داود الهاشمي أبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم .\rوالأفضل عندهم : أن يصلي ركعة يوتر بها بعد ركعتين .","part":7,"page":88},{"id":1519,"text":"أما إن اقتصر على ركعة يوتر بها ، ففي كراهته قولان :\rأحدهما : أنه يكره . وهو قول أحمد -في أكثر الروايات ، عنه .\rويستثني من ذلك من يستيقظ قرب الفجر ، ويخاف أن يطلع عليه الفجر ، فيوتر بواحدة .\rوهو قول إسحاق ، قال : إلا من عذر مرض أو سفر .\rوكذا قال أبو بكر من أصحابنا .\rقال أحمد : إنما جاء الوتر بركعة بعد تطوع مثنى .\rوقال سفيان : إن خشي الفجر فأوتر بواحدة أجزأه ، والثلاث أحب إلينا .\rومذهب مالك : لابد أن يكون قبل ركعة الوتر شفع يسلم بينهما في الحضر والسفر .\rوقال مجاهد : ما أحب إن يكون وتري إلا على صلاة .\rوروى ابن عبد البر ، بإسناد فيه نظر ، عن عثمان بن محمد بن ربيعة ، عن الدراوردي ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه نهى عن البتيراء ، أن يصلي الرجل ركعة واحدة ، يوتر بها .\rوعثمان هذا ، قال العقيلي : الغالب على حديثه الوهم .\rوقبله في الإسناد من لا يعرف .\rوقد روي هذا -مرسلاً .\rخرجه سعيد بن منصور ، من حديث محمد بن كعب القرظي -مرسلاً .\rوالقول الثاني : لا يكره .\rوروي عن سعد بن أبي وقاص ، وأبي موسى ، ومعاوية أنهم فعلوه .\rوعن ابن عباس ، أنه صوب فعل معاوية .\rوقال أحمد -في رواية الشالنجي-: لا بأس به .\rوهو قول الشافعي .\rواختلف أصحابه : هل الركعة المفردة أفضل من ثلاث موصولة ؟ على وجهين\rلهم .\rومنهم من قالَ : المنفردة افضل من إحدى عشرة موصولة .\rوقال الأوزاعي : حدثني المطلب بن عبد الله المخزومي ، قال : أتى ابن عمر رجل ، فقال : كيف أوتر ؟ قالَ : أوتر بواحدة . قالَ : إني أخشى أن يقول الناس : إنها البتيراء . قالَ : سنة الله ورسوله - يريد : هذه سنة الله ورسوله .\rالمطلب ، لم يسمع من ابن عمر .\rوروى ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي منصور مولى سعد ابن أبي وقاص ، قال : سألت ابن عمر عن الوتر ، فقال : وتر الليل واحدة ، بذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قلت : يا أبا عبد الرحمن ، إن الناس يقولون : البتيراء ؟ قالَ : يا بني ، ليس تلك البتيراء ، إنما البتيراء إن يصلي الرجل الركعة التامة في ركوعها وسجودها وقيامها ، ثُمَّ يقوم في الأخرى ولا يتم لها ركوعاً ولا سجوداً ولا قياماً ، فتلك البتيراء .\rخرجهما البيهقي .\rوأجاز أحمد وأصحابه وإسحاق : أن يوتر بثلاث موصولة ، وأن يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن ، وبتسع لا يجلس إلا في الثامنة ، ولا يسلم ثم يقوم فيصلي ركعة ، ثم يسلم ؛ لما جاء في حديث عائشة المتقدم .\rوجعلوا هذه النصوص خاصة ، تخص عموم حديث صلاة الليل مثنى مثنى ، وقالوا- في التسع والسبع والخمس -: الأفضل أن تكون بسلام واحد ؛ لذلك .\rفأما الوتر بسبع ، فنص أحمد على أنه لا يجلس إلا في آخرهن .\rومن أصحابنا من قالَ : يجلس عقيب السادسة بتشهد ، ولا يسلم .\rوقد اختلف ألفاظ حديث عائشة في ذلك .","part":7,"page":89},{"id":1520,"text":"فأما الوتر بإحدى عشرة ، فيكون بست تسليمات ، وإن صلاه بتسليمة واحدة ، وتشهد عقب العاشرة ، ولم يسلم جاز - : قاله بعض [....] .\rومنهم من حكى في الجميع وجهين :\rأحدهما : أن الأفضل أن يسلم من كل ركعتين ، وصححه غير واحد من أصحابنا .\rوالثاني : الأفضل سرد الجميع بسلام واحد ، ولا يجلس إلا في آخر الاشفاع ، فيتشهد ، ثم يصلي ركعة ويسلم .\rومذهب إسحاق : أن أوتر بإحدى عشرة ركعة في كل ركعتين .\rو[يجوز] عند أصحابنا أن يتطوع بأربع ، وبأكثر من أربع ، بسلام واحد ، وحكوه عن أكثر العلماء ، إلا عن محمد بن الحسن وزفر ، فإنهما قإلا : لا بد أن يتشهد عقيب كل ركعتين .\rوفي صحة التنفل بالإشفاع ، كثلاث ركعات ، وخمس ركعات ، وسبع في غير صلاة الوتر عن أحمد روايتان .\rومذهب الشافعي وأصحابه : أنه يجوز أن يصلي بسلام واحد ، ما شاء من الركعات ، من واحدة إلى ما لانهاية له بالليل والنهار ، وإن كان الأفضل أن يسلم فيهما في كل ركعتين ، والوتر وغيره .\rونص الشافعي في ((الإملاء)) على أنه يجوز له أن يصلي عدداً لا يعلمه ، ثم يسلم ، كما روى عن أبي ذر أنه فعله .\rولأصحابه وجه : أنه لا يجوز الزيادة على ثلاثة عشر ركعة بتسليمة واحدة ؛لأنه أكثر المنقول في الوتر ، هوَ ضعيف عندهم .\rفإن صلى ركعة واحدة تشهد عقيبها وسلم ، وإن صلى أكثر من ذلك فله أن يقتصر على تشهد في آخر الركعات -وإن كثرت- ، ويسلم عقيبه بغير خلاف عندهم ، إلا في وجه ضعيف لا يعبأ به .\rوإن أراد الزيادة على تشهد واحد ، ففيه أوجه لهم :\rأحدها : أن له أن يتشهد في كل ركعتين ، وإن كثرت التشهدات ، ويتشهد في الأخيرة ، وله أن يتشهد في كل أربع ، أو ثلاث أو ست ، أو غير ذلك .\rولا يجوز أن يتشهد في كل ركعة ؛ لأنه اختراع صورة في الصَّلاة لا عهد بها .\rوالثاني : لهُ أن يتشهد في كل ركعتين ، وفي كل ركعة . وضعفه المحققون منهم .\rوالثالث : لا يجلس إلا في الأخيرة ، وغلطوه -أيضا .\rوالرابع : لا يجوز الزيادة على تشهدين بحال في الصلاة الواحدة ، ولا يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين ، أن كان العدد شفعاً ، وإن كان وتراً لم يجز بينهما أكثر من ركعة .\rقال صاحب ((شرح المهذب)) :وهو قوي ، وظواهر السنة تقتضيه .\rوهذا كله في النوافل المطلقة ، فأما في الوتر بخصوصه ، فهل يجوز أن يزاد فيه على\rتشهدين ؟ فيهِ وجهان :\rأصحهما -عندهم - : لا يجوز ؛ لأنه خلاف المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ،ولأن النوافل المطلقة لا حصر لركعاتها وتشهداتها ، بخلاف الوتر .\rوذهبت طائفة إلى أنها لا تجوز الزيادة على ركعتين بتسليمة واحدة ، ولا زياد الوتر على\rركعة .\rوهو الذي رجحه الأثرم ، وقال لم يصح في الوتر بثلاث فما زاد من غير تسليم حديث واحد ، ولا أكثر منه .\rوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الوتر بثلاث ركعات بتشهدين من غير تسليم كالمغرب لا يجوز زيادته ولا نقصه .\rوروي الوتر بثلاث عن جماعة من الصحابة والتابعين .\rوحكاه الحسن ، عن عمر وأبي بن كعب .","part":7,"page":90},{"id":1521,"text":"وهو منقطع عنهما .\rوروى الأعمش ، عن مالك بن الحارث ، عن عبد الرحمان بن يزيد ، قال : قال عبد الله بن مسعود : الوتر بثلاث كوتر النهار المغرب .\rقال البيهقي : هو صحيح عن ابن مسعود ، ورفعه رجل ضعيف عن الأعمش 0 وكذا قال الدارقطني : إن رفعه لا يصح .\rوروي -أيضا- عن أنس بن مالك .\rوهو قول ابن المسيب ، وأبي العالية ومكحول والنخعي وعمر بن عبد العزيز .\rوقال الأوزاعي : إن فصل فحسن ، وإن لم يفصل فحسن .\rوأجاز أحمد الفصل وتركه ، والفصل عنده أحسن ، وقال : الأحاديث فيه أقوى وأكثر وأثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوكذلك مذهب الشافعي ، كما سبق .\rولأصحابنا وجه : أن الوتر بثلاث موصولة بتشهد واحد .\rوروي عن عطاء ، أنه كان يوتر بثلاث لا يجلس فيهن ، ولا يتشهد إلا في آخرهن .\rوروى البخاري في ((تاريخه)) بإسناده ، عن إسماعيل بن زيد بن ثابت ، أن زيدا كان يوتر بخمس ، لا يسلم إلا في الخامسة ، وكان أبي يفعله .\rقال البيهقي : كذا وجدته ((أبي)) مقيداً .\rيعني : بالتشديد ، يريد : ابن أبي بن كعب .\rوروى وكيع ، عن الأعمش ، عن بعض أصحابه ، قال : قالَ عبد الله : الوتر سبع أو خمس ، ولا أقل من ثلاث .\rوروي عن عراك ، عن أبي هريرة ، قال: لا توتروا بثلاث ؛ تشبهوا بالمغرب ولكن أوتروا بخمس ، أو سبع ، أو تسع ، أو إحدى عشرة أو أكثر من ذَلِكَ .\rوروي ، عنه- مرفوعاً .\rخرجه الحاكم ، وصححه .\rوفي رفعه نكارة .\rوقال أبو أيوب الأنصاري : أوتر بخمس ، أو بثلاث ، أو بواحدة .\rخرجه النسائي وغيره - موقوفا .\rوخرجه أبو داود والنسائي -أيضا- وابن ماجه مرفوعاً .\rوالموقوف أصح عند أبي حاتم والنسائي والأثرم وغيرهم .\rوقال ابن سيرين: كانوا يوترون بخمسٍ ، وبثلاثٍ ، وبركعة ، ويرون كل ذلك حسناً .\rخرجه الترمذي .\rقال : وقال سفيان : إن شئت أوترت بخمسٍ ، وإن شئت أوترت بثلاث ، وإن شئت أوترت بواحدة . قال : والذي استحب أن يوتر بثلاث .\rوحكى أصحاب سفيان ، عنه ، أنه إن شاء أوتر بخمسٍ ، أو سبع ، أو تسعٍ ، أو إحدى عشرة ، لا يسلم إلا في آخرهن ، إذا فرغ .\rومن العلماء من قال : الوتر ثلاث عشرة ، وهو قول بعض الشافعية ، ووجه لأصحابنا .\rولو زاد على ذلك لم يجز ولم يصح وتره عند جمهور الشافعية .\rولهم وجه آخر : بصحته وجوازه .\rوهذا إذا كان الجميع بسلام واحد ، أو نوى بالجميع الوتر .\rوروى الشافعي بإسناده ،عن كريب ، عن ابن عباس ، قال : هي واحدة ، أو خمس ، أو سبع ، أو أكثر من ذلك ، الوتر ما شاء .\rوقد كره قوم الوتر بثلاث ، وقالوا : لا يكون إلا سبع أو خمس .\rفروى شعبة ، عن الحكم ، قالَ : قلت لمقسم : إني أسمع الأذان فأوتر بثلاث ، ثم أخرج إلى الصلاة ؛ خشية أن تفوتني ؟ قالَ : أن ذَلِكَ لا يصلح إلا بخمس ، إلا سبع . فسألته عمن ؟ فقالَ : عن الثقة ، عن الثقة ، عن عائشة وميمونة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rخرجه الإمام أحمد .\rوروى الشافعي بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه كان يوتر بخمس أو سبع .","part":7,"page":91},{"id":1522,"text":"[و] بإسناد منقطع عنه ، أنه كان يكره أن يكون ثلاثا تترى ، ولكن خمساً أو سبعا .\rوقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر : (( صلاة الليل مثنى مثنى ،فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ،توتر له ما قد صلى )) يدل على أن هذه الركعة الواحدة جعلت مجموع ما صلى قبلها وتراً ، فيكون الوتر هو مجموع صلاة الليل الذي يختم بوتر .\rوهذا قول إسحاق بن راهويه 0 واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( أوتروا يا أهل القرآن )) ، وإنما أراد صلات الليل ..\rوقالت طائفة : الوتر هو الركعة الأخيرة ، وما قبله فليس منه .\rوهو قول طائفة من أصحابنا ، منهم : الخرقي وأبو بكر وابن أبي موسى .\rوفي كلام أحمد ما يدلُّ عليه .\rومن أصحابنا من قال : الجميع وتر .\rوقد اختلفت الرواية عن أحمد فيمن فاته الوتر ، وقلنا : يقضيه : هل يقضي ركعة واحدة ؟ أو ثلاث ركعات ؟ على روايتين ، عنه .\rويحسن أن يكون مأخذهما أن الوتر : هل هو الركعة الواحدة ، وما قبله تنفل مطلق ؟ أو الوتر مجموع الثلاث ؟\rوإلى هذا أشار أبو حفص البرمكي من أصحابنا .\rوقد نقل الأثرم وغيره ، عن أحمد ، أنه إذا قضى الوتر بعد طلوع الفجر فإنه يقضي ثلاث ركعات .\rوقال : لم يرد التطوع ، وإنما أراد الوتر .\rوهذا ظاهر في أن المجموع وتر ، ويحتمل أن يكون مراده أن الركعتين قبل الوتر متأكدة تابعة للوتر ، فتقضي معه في أوقات النهي -أيضا .\rوقد تقدم عن المالكية ، أن ما قبل الوتر هو شفع له .\rوقاله بعض أصحابنا - أيضا .\rوقد ذكر أبو عمرو ابن الصلاح : أن أصحاب الشافعي اختلفوا في ذلك على أوجه :\rأحدها : أن من أوتر بثلاث ينوي بالركعتين مقدمة الوتر ، وبالأخيرة الوتر- : قاله أبو محمد الجويني .\rوالثاني : أنه ينوي بالركعتين سنة الوتر وبالثالثة الوتر-: حكاه الروياني .\rقال : وفي هذين الوجهين تخصيص للوتر بالركعة الأخيرة ، والثاني يشعر بأن للوتر سنة ، ولا عهد لنا بسنة لها سنة هي صلاة .\rوفي الوجهين أن الركعتين قبل الوتر لهما تعلق بالوتر .\rوالثالث : أن ينوي بما قبل الركعة الأخيرة التهجد أو قيام الليل ، وفي هذا قطع لذلك عن الوتر .\rقال : وما اتفقت عليه هذه الوجوه من تخصيص الوتر بالركعة المفردة على وفق قول الشافعي في رواية البويطي - : الوتر ركعة واحدة .\rوقال الماوردي : لا يختلف قول الشافعي : أن الوتر ركعة واحدة .\rويشهد للوجه الثالث حديث ابن عمر : (( صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح ، فأوتر بواحدة )) .\rوالرابع : أنه ينوي بالجميع الوتر - : قاله القاضي أبو الطيب الطبري ، واختاره الروياني .\rويشهد له: قول الشيخ أبي إسحاق وغيره : أقل الوتر ركعة ، وأكثره إحدى عشرة ركعة .\rوفي بعض كلام الشافعي إيماء إليه .\rقال : وهو المختار ؛ لأن فيهِ جمعا بين الأحاديث كلها ؛ إذ الواحدة الأصل في الإيتار ، وبها يصير ما قبلها وتراً .","part":7,"page":92},{"id":1523,"text":"واستدل برواية من روى : ((توتر له ما قد صلى)) ، كما خرجه البخاري ، وبأن نافعا ذكر عن ابن عمر ، أنه كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر فإنه يدل على أن الجميع من الوتر .\rورواية من روى : ((فأوتر بواحدة)) فيها محذوف ، تقديره : فأوتر ما مضى من صلاتك بواحدة ، كما صرح به في الرواية الأخرى .\rقالَ : ويلي هذا الوجه في القوة الوجهان الأولان ، وأبعدها الثالث . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوفي ((شرح المهذب)) : الصحيح المنصوص - يعني : عن الشافعي في ((الأم)) و ((المختصر)) - : أن الوتر يسمى تهجداً .\rوفيه وجه : أنه لا يسمى تهجدا بل الوتر غير التهجد .\rوهذا هو الذي ذكره بعض أصحابنا .\rوينبغي أن يكون مبنياً على القول بأن الوتر هو الركعة المنفردة وحدها، فأما إن قلنا : الوتر الركعة بما قبلها ، فالوتر هو التهجد ، وإن لم ينو به الوتر .\rوقد كان ابن عمر يفصل بين الركعة التي يوتر بها وما قبلها بكلام ، كما في رواية البخاري .\rواستحب أحمد أن يكون عقيبها ، ولا يؤخرها عما قبلها . وقال: كان ابن عمر يستحب أن يتكلم بينهما بالشيء ، ثم يقوم فيوتر بركعة 0وقال : هذا عندنا ثبت ، ونحن نأخذ به .\rوينبغي أن يكون الاختلاف في تسمية ما قبل الركعة الأخيرة وتراً مختصاً بما إذا كانت الركعات مفصولة بالتسليم بينها ، فأما إن أوتر بتسع ، أو بسبع ، أو بخمس ، أو ثلاث بسلام\rواحد ، فلا ينبغي التردد في أن الجميع وتر .\rويدل عليه : ما خرجه مسلم ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ن يوتر في ذلك بخمس ، ولا يجلس إلا في آخرهن .\rفجعلت الوتر الخمس الموصولة بسلام واحد ، دون ما قبلها .\rوقوله - صلى الله عليه وسلم -- في حديث ابن عمر- : ((فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ، توتر له ما صلى)) -وفي رواية تأتي فيما بعد : ((فاركع ركعة واحدة))- يدل على أن الأفضل تأخير الوتر الإمام آخر الليل . ويأتي الكلام فيه فيما بعد - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rويدل على أن الوتر مأمور به .\rوهل الأمر به للوجوب ، أم لتأكد الاستحباب ؟ فيهِ قولان مشهوران .\rوأكثر العلماء على أنه للاستحباب ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوروي عن علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت .\rوروي عن أبي أيوب الأنصاري ، أنه واجب .\rوعن معاذ ، من وجه منقطع .\rوهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، أبي بكر بن جعفر من أصحابنا ، ذكره في ((كتاب التنبيه)) .\rوكذا قال في صلاة التراويح ، مع أنه صرح في ((كتاب الشافي)) بأن الوتر ليس بواجب ، وليس هو بفرض كالصلوات الخمس بغير خلاف .\rوقد سبق الكلام في ذلك في ((كتاب الإيمان)) عند ذكر حديث طلحة ، أن أعرابيا سال النبي- صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام ، فذكر له الصلوات الخمس فقالَ : هل علي غيرها ؟ قالَ : ((لا ، إلا أن تتطوع)) .\rوذكرنا قول من قال : أن الوتر واجب على أهل القرآن دون غيرهم ، وأنه يرجع إلى القول بوجوب قيام شيء من الليل على أن أهل القرآن خاصة .","part":7,"page":93},{"id":1524,"text":"وعن الحسن وابن سيرين : لابد من قيام الليل ، ولو قدر حلب شاة .\rوعن عبيدة السلماني .\rوفيه حديث مرفوع ، ولا يصح .\rومن المتأخرين من قال : من صلى بالليل تهجدا وجب عليه أن يوتره ، ويجعل آخره وترا ؛ لحديث ابن عمر ، ومن لم يتهجد فلا وتر عليهِ .\rوقال أحمد : من ترك الوتر فهو رجل سوء ؛ هوَ سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوقال - في رواية جعفر بن محمد : هوَ رجل سوء ، لا شهادة لهُ .\rفاختلف أصحابنا في وجه ذلك :\rفمنهم من حمله على أنه أراد أنه واجب ، كما قاله أبو بكر ابن جعفر، وهو بعيد ؛ فإن أحمد صرح بأنه سنة .\rومنهم من قال : أراد إن داوم على تركه أو أكثر منه ؛ فإنه ترد شهادته بذلك ؛ لما فيه من التهاون بالسنن المؤكدة . وكذا حكم سائر السنن الرواتب ، وهذا قول المحققين من أصحابنا .\rومنهم من قال : هو يدل على أن ترك المستحبات المؤكدة يلحق بها إثم دون إثم ترك الفرائض.\rوقال القاضي أبو يعلى: من داوم على ترك السنن الرواتب أثم .\rوهو قول إسحاق بن راهويه ، قال في ((كتاب الجامع)) : لا يعذب أحد على ترك شيء من ترك النوافل ، وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنناً غير الفرائض التي فرضها الله ، فلا يجوز لمسلم أن يتهاون بالسنن التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مثل الفطر والأضحى والوتر والأضحية ، وما أشبه ذلك ؛ فإن تركها تهاوناً بها فهوَ معذب ، إلا أن يرحمه الله ، وإني لأخشى في ركعتي الفجر والمغرب ؛ لما وصفهما الله في كتابه وحرض عليها ، قالَ : { فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } [قّ: 40] ،وقال : { فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } [الطور: 49] .\rوقال سعيد بن جبير: لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي . انتهى .\rالحديث الثاني :\r992-حديث: ابن عباس ، أنه بات عند ميمونة وهي خالته .\rفذكر الحديث في وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلاته بالليل ركعتين ركعتين ست مرات .\rثم اضطجع حتى جاءه المؤذن ، فقام ، فصلى ركعتين ، ثم خرج فصلى الصبح .\rوقد خرّجه في ((الوضوء)) في ((باب : القراءة بعد الحدث)) ، عن إسماعيل ، عن مالك .\rوخرجه هاهنا ، عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك .\rوقد خرجه أبو داود ، عن القعنبي ، وقال القعنبي : ست مرات -يعني : لفظة : ((الركعتين)).\rقال ابن عبد البر :لم يختلف على مالك في إسناده ، ولا في لفظه .\rوقد خرجه البخاري في أواخر ((كتاب العلم)) ، في ((باب: السمر في العلم)) ، من حديث شعبة ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وفيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -صلى قبل أن ينام أربع ركعات ، ثم نام ، ثم لما قام من الليل صلى خمس ركعات ، ثم صلى ركعتين ، ثم نام ،ثم خرج إلى الصلاة .\rوهذا قد يشعر بأنه أوتر بخمس لم يسلم إلا في آخرهن .\rوخرّجه في ((أبواب الصفوف)) -أيضا- بنحوه .\rوخرّجه فيها -أيضا- من رواية كريب ،فقال فيه ، فصلى ثلاث عشرة ركعة ، ثم نام حتى نفخ .","part":7,"page":94},{"id":1525,"text":"وخرّج أبو داود من حديث يحيى بن عباد ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس -في هذا الحديث- ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أوتر بخمس لم يجلس بينهن .\rوخرّجه أبو داود من حديث محمد بن قيس الأسدي ، عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وفيه : ثم صلى سبعاً أو خمسا ، أوتر بهن ، لم يجلس إلا في آخرهن .\rورده الأثرم بمخالفته الروايات الكثيرة الصحيحة عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر تلك الليلة بركعة بعد أن صلى قبلها ركعتين ، ثم ركعتين ستاً أو خمساً .\rوفي رواية مالك : أن اضطجاع النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبل ركعتي الفجر .\rوأكثر الروايات تدل على خلاف ذلك ، كرواية سلمة بن كهيل ، عن كريب ، ورواية عبد ربه بن سعيد ، عن مخرمة ، عن كريب .\rوكلاهما مخرجة في ((الصحيحين)) .\rوكذلك رواية بكير بن الأشج ، عن كريب .\rوهي مخرجة في ((صحيح مسلم)) .\rلكن رواه الضحاك بن عثمان ، عن مخرمة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، وقال في حديثه : أنه صلى إحدى عشرة ركعة ، ثم احتبى حتى أني لأسمع نفسه راقداً ، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين .\rخرجه مسلم .\rوهذا يوافق [رواية] مالك ، إلا أنه يخالفها في ذكر الاحتباء دون الاضطجاع .\rورواه سعيد بن أبي هلال ، عن مخرمة -بنحو رواية مالك- أيضاً .\rخرّجه أبو داود والنسائي .\rوقد روي في هذا الحديث ، عن ابن عباس ، أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -صلى تلك الليلة ثمان ركعات ، ثم أوتر بثلاث -من وجوه غير قوية .\rخرّجه أبو داود من بعضها .\rوخرّج مسلم من رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده ، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -صلى تلك الليلة ست ركعات ، ثم أوتر بثلاث ، ثم أذن المؤذن ، فخرج إلى الصلاة .\rوخرجه أبو داود ، وزاد فيه : أنه صلى ركعتي الفجر حين طلع الفجر .\rفعلى هذه الرواية : تكون كل صلاته إحدى عشرة ركعة .\rوأكثر الروايات تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم -صلى ثلاث عشرة ركعة .\rلكن رواية مالك وسعيد بن أبي هلال ، فيهما : أن الثلاث عشرة بدون ركعتي الفجر .\rوكذلك رواه الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن كريب ، عن ابن عباس .\rخرج حديثه النسائي .\rوذكر الإمام حمد ، أن الأعمش وهم في إسناده .\rوأكثر الروايات تدل على أن ركعتي الفجر من الثلاث عشرة ، ورواية الضحاك عن مخرمة مصرحة بذلك .\rوقد خرّجها مسلم .\rوخرّج البخاري -أيضا- ذلك من رواية شريك بن أبي نمر ، عن كريب ، عن ابن عباس وكذلك خرّج أبو داود ، من رواية ابن طاوس ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس -فذكر الحديث ، فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم -صلى ثلاث عشرة ركعة ، منها ركعتا الفجر ،حزرت قيامه في كل ركعة بقدر { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } [المزمل:1 ] .\rوفي رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس التي خرجها البخاري ، أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى قبل نومه أربعا ، ثم بعد قيامه من نومه خمساً ، ثم صلى ركعتين .\rفهذه إحدى عشرة ركعة .","part":7,"page":95},{"id":1526,"text":"والظاهر : أن الركعتين بعد الخمس هما ركعتا الفجر .\rوخرّجه أبو داود ، وعنده : أن نومه كان قبل الركعتين ، ثم صلى الركعتين، ثم خرج فصلى الغداة .\rوهو يدل على ما قلناه 0.\rوخرّجه النسائي ، وعنده : أنه صلى خمسا ، ثم ركعتين ، ثم نام ، ثم صلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصلاة .\rفعلى هذه الرواية : صلاته ثلاث عشرة ركعة .\rوكل هذه الروايات : من رواية شعبة ، عن الحكم .\rالحديث الثالث :\r993- ثنا يحيى بن سليمان : ثنا ابن وهب : أخبرني عمرو ، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر ، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر لك ما صليت)) .\rقال القاسم : ورأينا: أناسا منذ أدركنا يوترون بثلاث ، وإن كلاً لواسع ، أرجو أن لا يكون بشيء منه باس .\rهذه الروية بمعنى رواية نافع ، عن ابن عمر المتقدمة .\rوما ذكره القاسم بن محمد يدل على أنه يجوز الوتر بركعة واحدة ، وبثلاث ركعات ، وأنه أدرك أناسا يوترون بثلاث .\rوقد سبق الكلام في قدر الوتر بما فيه كفاية .\rالحديث الرابع :\r994-ثنا أبو اليمان : انا شعيب ، عن الزهري : حدثني عروة ، أن عائشة أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك صلاته- تعني :بالليل -، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ، قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للصلاة .\rكذا روى شعيب ، عن الزهري هذا الحديث .\rورواه عمرو بن الحارث ويونس ،عن الزهري -بمعناه-،وفي حديثهما:أنه كان فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ، يسلم من كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للإقامة .\rخرّجه مسلم من طريقهما .\rوخرّجه أبو داود من طريق الأوزاعي وابن أبي ذئب ، عن الزهري -بنحوه أيضاً .\rوخرّج ابن ماجه من طريق الأوزاعي وحده .\rوخرّجه النسائي من طريق عقيل ، عن الزهري -بمعناه .\rورواه مالك ، عن الزهري ، ولفظه : أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة ، يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها أضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين .\rخرجه مسلم .\rوخرجه البخاري فيما بعد ، في (( ما يقرأ في ركعتي الفجر )) - مختصرا- ، ولفظه : كانَ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين .\rكذا خرّجه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك .\rولفظ : (( ثلاث عشرة)) غريب ، وإنما هو في (( الموطأ)) كما خرجه مسلم : ((إحدى عشرة)) .\rوكذا خرّجه الترمذي وغيره من طريق مالك .\rواسقط البخاري منه : ذكر : ((الاضطجاع)) ؛ لأن مالكاً خالف أصحاب ابن شهاب فيهِ ، فإنه جعل الاضطجاع بعد الوتر ، وأصحاب ابن شهاب كلهم جعلوه بعد ركعتي الفجر .","part":7,"page":96},{"id":1527,"text":"وهذا مما عده الحفاظ من أوهام مالك ، منهم : مسلم في ((كتاب التمييز)) .\rوحكى أبو بكر الخطيب مثل ذلك عن العلماء .\rوحكاه ابن عبد البر عن أهل الحديث ، ثم قال : يمكن أن يكون ذلك صحيحاً ، وأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم -كان مرة يضطجع قبل ركعتي الفجر ، ومرة بعدها .\rوعضده برواية مالك ، عن مخرمة ،عن كريب ، عن ابن عباس ، كما سبق .\rوقد عضد ذلك أحاديث آخر :\rمنها : رواية أبي سلمة ، عن عائشة : ما ألفى رسول الله ، السحر الأعلى في بيتي إلا نائماً .\rخرّجاه في (( الصحيحين )) ، ولفظه لمسلم .\rوخرّجه مسلم ، وزاد فيه : ((يعني : بعد الوتر)) .\rوفي رواية أبي سلمة ،عن عائشة ،أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينام قبل الوتر - أيضا- وأن عائشة سألته عن ذلك ، فقال : (( أن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي )) وهذا يدل على أن وقت نومه كان يختلف .\rكذا في رواية مالك ، عن المقبري ، عن أبي سلمة .\rوقد خرّجها البخاري - فيما بعد .\rورواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن المقبري ، فذكر في حديثه : أنه كان ينام بعد العشاء ، ثم يقوم فيصلي أربعا،ثم ينام ،ثم يقوم فيصلى أربعا ، ثم ينام ، ثم يقوم فيصلي ثلاثا ، يوتر بواحدة ، ثم يضطجع ما شاء الله ، حتى إذا سمع النداء قام فصلى ركعتين ، حتى يأتيه المؤذن ، فيخرج إلى الصلاة .\rخرجه بقي بن مخلد في (( مسنده )) .\rوفي (( الصحيحين )) - أيضا- عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام أول الليل ، ويقوم آخره ، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه ، فإذا أذن المؤذن وثب ، فإن كان به حاجة اغتسل ، وإلا توضأ وخرج .\rوهذا لفظ البخاري .\rوزاد مسلم - في رواية -: (( ثم صلى الركعتين )) .\rوفي رواية غيرهما : أنه كان يوتر ، ثم ينام .\rوخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ، ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين جالسا ، ثم يضع جنبه ، وربما جاء بلال فآذنه قبل أن يغفى ، وربما أغفى ، وربما شككت أغفى أم لا .\rقالت: فما زالت تلك صلاته - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرّجه أبو داود - مختصرا .\rوروى الإمام أحمد : نا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد : نا أبي ، عن أنس ابن سيرين ، قال : قلت لابن عمر : ركعتا الفجر ، أطيل فيهما القراءة ؟ فقالَ : كانَ النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي الصبح أوتر بركعة ، ثم يضع رأسه ، فإن شئت قلت : نام ، وإن شئت قلت : لم ينم ، ثم يقوم إليهما والأذان في أذنيه ، فأي طول يكون ثم ؟\rوخرّجه في ((الصحيحين)) من طريق حماد ، عن أنس بن سيرين- مختصرا .\rوقد استحب طائفة من السلف الفصل بين صلاة الليل والنهار بالاضطجاع\rبينهما .\rروى وكيع في ((كتابه)) ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن القاسم ابن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، قال : اضطجع ضجعة بعد الوتر .","part":7,"page":97},{"id":1528,"text":"وعن عاصم بن رجاء ، عن أبيه ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن أبي الدرداء ، قال : مر بي أبو الدرداء من آخر الليل وأنا اصلي ، فقال : افصل بضجعة بين صلاة الليل وصلاة النهار .\rيعني : يعني بعد الوتر ، قبل الركعتين .\rفهذه رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .\rوقد سبق أن هشام بن عروة رواه ، عن أبيه ، عن عائشة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر منها بخمس ، لا يجلس إلا في آخرهن .\rوقد خرجه مسلم- بمعناه .\rوفي رواية عن هشام ، أنه كان يصلي قبل هذه الخمس ثمان ركعات ، يجلس في كل ركعتين ويسلم .\rورواه ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة ، بركعتيه قبل الصبح ، يصلي ستا مثنى مثنى ،ويوتر بخمس، لا يقعد بينهن إلا في آخرهن .\rخرّجه أبو داود .\rوذكر البيهقي في ((كتاب المعرفة)) ، عن الشافعي ، أنه اختار حديث الزهري ، من غير أن يضيق غيره ؛ لفضل حفظ الزهري على حفظ غيره ؛ ولموفقته رواية القاسم ، عن عائشة ، ورواية الجمهور عن [ ابن] عمر وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rقال : وبهذا النوع من الترجيح ترك البخاري رواية هشام في الوتر ، ورواية سعد بن هشام، عن عائشة في الوتر ، فلم يخرج واحدة منهما في ((صحيحه)) ، مع كونهما من شرطه في سائر الروايات .\rثم ذكر بإسناده ، عن أبي معين ، قال : الزهري اثبت في عروة من هشام بن عروة في عروة 0\rوخرّج مسلم من حديث عراك، عن عروة عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، بركعتي الفجر .\rوقد روى هذا المعنى ، عن عائشة : أبو سلمة والقاسم بن محمد ومسروق .\rوقد خرّج البخاري أحاديثهم ، وتأتى- فيما بعد .\rولفظه حديث مسروق ، عنده : قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، فقالت : سبع وتسع وإحدى عشرة .\rوخرّج مسلم من حديث عبد الله بن شقيق ، عن عائشة ، أن النبي ، كان يصلي في بيتها بعد العشاء ركعتين ، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر .\rففي هذه الرواية : أن الإحدى عشرة التي كان يصليها بالليل منها ركعتان بعد العشاء ، قبل أن ينام .\rوقد تقدم في رواية عمرو بن الحارث ويونس ،عن الزهري ، عن عروة عن عائشة ما يشهد لذلك -أيضا .\rوقد روي عنها ، أن الإحدى عشرة ركعة منها ركعتان كان يصليهما بعد الوتر .\rروى ذلك عنها : أبو سلمة وسعد بن هشام .\rوسنذكر حديثهما فيما بعد - أن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوفي حديث سعد ، عنها : أنه كان يصلي إحدى عشرة ، ثم لما أسن واخذ اللحم صلى تسعاً.\rخرّجه مسلم .\rوخرّج أبو داود من رواية أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ، ثم أنه صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين ، ثم قبض حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات .","part":7,"page":98},{"id":1529,"text":"وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي من الليل تسع ركعات .\rوحسنه الترمذي .\rوفي إسناده : اختلاف عن الأعمش .\rوقد روي عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن يحيى بن الجزار ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل تسع ركعات ، فلما كثر لحمه وسن صلى سبع ركعات .\rخرّجه النسائي .\rورواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن يحيى بن الجزار ، عن أم سلمة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث عشرة ، فلما كبر وضعف أوتر بسبع .\rخرّجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي ، وحسنه .\rأبو معاوية ، مقدم على أصحاب الأعمش ، إلا أن الدارقطني قال : من قال فيه : (( عن عمارة بن عمير )) فهو أشبه بالصواب من قول من قال : (( عمرو بن مرة )) .\rوقال الأثرم : اضطرب الأعمش في إسناده وفي متنه .قال : ويحيى الجزار ، لم يلق عائشة ، ولا أم سلمة .\rوخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، قال : سألت عائشة : بكم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر ؟ قالت : بأربع وثلاث ، وست وثلاث ، وثمان وثلاث ، وعشرة وثلاث ، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ، ولا بأنقص من سبع ، وكان لا يدع ركعتين قبل الفجر .\rففي هذه الرواية : أن مجموع صلاة الليل تسمى وتراً ، وأنه كان يوتر بثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر ، ولعلها أدخلت في ذلك الركعتين بعد صلاة العشاء حتى توافق سائر الروايات عنها 0\rوأما إطالة السجود المذكور في حديث عائشة الذي خرجه ، فقد بوب عليه في (( أبواب قيام الليل )) ، و اعاد فيه الحديث ، ويأتي الكلام على معناه هنالك -إن شاء الله سبحانه وتعالى .\r* * *","part":7,"page":99},{"id":1530,"text":"2-باب\rساعات الوتر\rوقال أبو هريرة : أوصاني النبي- صلى الله عليه وسلم - بالوتر قبل النوم .\rحديث أبي هريرة هذا ، قد أسنده في ((أبواب صلاة الضحى)) من رواية شعبة : ثنا الجريري ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة ، قال : أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث ، لا أدعهن حتى أموت : صيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ ، وصلاة الضحى ، ونوم على وتر0.\rوخرّجه مسلم ، وزاد فيه : عن عباس الجريري وأبي شمر الضبعي كلاهما ، عن أبي عثمان .\rوخرّجاه - أيضا - من رواية أبي التياح ، عن أبي عثمان ، عن أبي هريرة -بنحوه ، وفي حديثه : وأن أوتر قبل أن أنام .\rوخرجه مسلم وحده من رواية أبي رافع الصائغ ، عن أبي هريرة ، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -مثل حديث أبي عثمان ، عنه .\rوله طرق كثيرة جدا ، عن أبي هريرة ، قد ذكرت كثيرا منها في ((كتاب شرح الترمذي)) .\rوذكر الحافظ أبو موسى المديني ، أنه رواه عن أبي هريرة قريب من سبعين رجلا .\rوفي متنه -أيضا - اختلاف ، إلا أن المحفوظ منه : ذكر هذه الخصال الثلاث المذكورة في رواية أبي عثمان .\rوقد روي عن أبي الدرداء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاه بهذه الخصال الثلاث -أيضا .\rخرّجه مسلم في ((صحيحه)) .\rوروي -أيضا-عن أبي ذر ، أن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاه بها .\rخرّجه الإمام أحمد والنسائي .\rوخرّج ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب ، أن النبي ، قال : ((لا تنم إلا على وتر)) .\rوخرّجه الحاكم ، وقال : صحيح الإسناد .\rوهو قطعة من حديث ، خرج بعضه أبو داود -أيضا .\rوقال على بن المديني : إسناده مجهول .\rوخرج الإمام أحمد بإسناد فيه انقطاع ، عن سعد بن أبي وقاص ، أنه كان يوتر بعد العشاء بركعة ، يقول : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( الذي لا ينام حتى يوتر حازم )) .\rوخرّج البزار بإسناد ضعيف جداً ، عن علي بن أبي طالب : نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنام إلا على وتر .\rوخرّج ابن عدي بإسناد ضعيف ، عن عمار بن ياسر ، قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أوتر قبل أن تنام)) .\rوروى الإمام أحمد : ثنا أبو سلمة الخزاعي : ثنا عبد الرحمن بن أبي الموالي: أخبرني نافع بن ثابت ، عن ابن الزبير ،قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى العشاء ركع أربع ركعات ، وأوتر بسجدة ، ثم نام حتى يصلي بعد صلاته بالليل .\rنافع ، هو ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير ، ورواياته عن جده ابن الزبير منقطعة -في ظاهر كلام البخاري وأبي حاتم .\rخرّج البخاري في هذا الباب حديثين :\rالأول :\r995- نا أبو النعمان : نا حماد بن زيد : نا أنس بن سيرين ، قال : قلت لابن عمر : أرأيت ركعتين قبل صلاة الغداة ، أطيل فيهما القراءة ؟ قالَ : كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة ، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة ، وكان الأذان بأذنيه . قالَ حماد : أي : سرعة .\rوخرّجه مسلم - بمعناه .","part":7,"page":100},{"id":1531,"text":"وخرّجه من حديث شعبة ، عن أنس بن سيرين ، وزاد فيه :ويوتر بركعة من آخر الليل .\rوخرّجه الإمام أحمد من حديث حبيب بن الشهيد ، عن أنس بن سيرين ، وفيه : فإذا خشي الصبح أوتر بركعة .\rوقد تقدم لفظه بتمامه .\rوقد تقدم حديث نافع ، عن ابن عمر ،عن النبي- صلى الله عليه وسلم -: (( صلاة الليل مثنى مثنى ،فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة )) .\rخرج مسلم من حديث أبي مجلز : سمعت ابن عمر يحدث ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( الوتر ركعة من آخر الليل )) .\rوفي رواية - أيضا - : سألت ابن عباس عن الوتر ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( ركعة من آخر الليل )) ، وسألت ابن عمر ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( ركعة من آخر الليل )) .\rالحديث الثاني :\r996- نا عمر بن حفص : نا أبي : نا الأعمش : نا مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وانتهى وتره إلى السحر .\r(( مسلم )) ، هو : ابن صبيح أبو الضحى ، وصُبيح بضم الصاد .\rوخرّجه مسلم - أيضا - من طريق الأعمش ، ولفظه : (( من كل الليل قد\rأوتر )) - الحديث .\rوخرّجه من حديث سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى ، كما خرجه البخاري - أعني : ((كل الليل أوتر)) - ، إلا أنه قال : (( فانتهى وتره إلى آخر الليل )) .\rوخرّجه أيضا من رواية أبي حصين ، عن يحيى بن وثاب ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : من كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أول الليل ، وأوسطه ، وآخره ، فانتهى وتره إلى السحر 0\rوهذه الرواية تصرح بأن المراد : أنه - صلى الله عليه وسلم - كانَ يوتر أحيانا من أول الليل ، وأحيانا من وسطه ، و أحيانا من آخره ، وأنه ليس المراد : أن وتره وقع في كل ساعة ساعة من الليل ، أو في كل جزء جزء منه .\rوروي هذا الحديث عن عائشة -بمعناه - من رواية ربيعة الجرشي ، وعبد الله بن أبي قيس عنها ، وغضيف بن الحارث ، ويحيى بن يعمر .\rوروي عن علي من رواية أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : من كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أوله ، وأوسطه ، وانتهى وتره إلى السحر .\rخرّجه الإمام أحمد وابن ماجه .\rوخرّجه أحمد -أيضا - من رواية أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي - بنحوه .\rوقال علي بن المديني : هو إسناد كوفي حسن .\rوروي عن عبد خير ، عن علي - بنحوه - أيضا .\rوخرّج الإمام أحمد -أيضا - بإسناد جيد ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر من أول الليل وأوسطه وآخره .","part":7,"page":101},{"id":1532,"text":"وخرّج الإسماعيلي في (( مسند عمر )) من رواية أبي بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، عن الحارث بن معاوية ، قال : سألت عمر عن الوتر في أول الليل ، أو في وسطه ، أو في آخره ؟ فقالَ عمر : كل ذَلِكَ قد عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن ائت أمهات المؤمنين فسلهن عن ذَلِكَ ؛ فإنهن أبصر بما كان يصنع من ذلك ، فأتاهن فسألهن ، فقلن له : كل ذلك قد عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقبض وهو يوتر من آخر الليل .\rأبو بكر بن أبي مريم ، ضعيف .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه حسن الوتر من أول الليل ومن آخره .\rكما خرّجه الإمام أحمد وابن ماجه من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لأبي بكر : (( أي حين توتر ؟ )) قالَ : أول الليل بعد العتمة 0 قالَ : ((فأنت يا عمر؟)) قال : آخر الليل . قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( أما أنت يا أبا بكر فقد أخذت بالوثقى ، وأما أنت يا عمر فقد أخذت بالقوة )) .\rوخرّجه أبو داود من حديث عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة الأنصاري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -- نحوه .\rوإسناده ثقات ، إلا أن الصواب عند حذاق الحفاظ : عن ابن رباح - مرسلا .\rوقد روي هذا الحديث من رواية ابن عمر وعقبة بن عامر وغيرهما ، بأسانيد لينة .\rورواه الزهري ، عن سعيد بن المسيب -مرسلا - ، وهو من أجود المراسل .\rكذا رواه الزبيدي وغيره عن الزهري .\rورواه بعضهم ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة .\rوالصواب إرساله -: قاله الدارقطني .\rورواه مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، واختلف عنه : فقيل : عن مسعر ، عن سعد ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري .\rوقيل : عنه ، عن سعد ، عن أبي سلمة - مرسلا .\rوقيل : عنه ، عن سعد ، عن ابن المسيب ، عن أم سلمة .\rوالظاهر : أنه غير ثابت .\rوخرّجه ابن مردويه من هذا الوجه ، وفي حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( أما أنت يا أبا بكر، كما قال القائل : أحرزت نهبي وأبتغي النوافل 0 وأما أنت يا عمر، فتأخذ - أو تعمل - عمل الأقوياء )) .\rورواه وكيع في ((كتابه)) عن معسر ، عن ابن المسيب -مرسلا - ، وزاد فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر : (( أنت مثل الذي قال : أحرزت نهبي وأبتغي النوافل )) .\rوهذه الرواية أصح 0 والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوقد رواه الشافعي ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن المسيب - مرسلا - بهذه الزيادة - أيضا .\rوالكلام في وقت الوتر في مسألتين :\rإحداهما :\rفي وقت جوازه .\rفذهب أكثر أهل العلم إلى أن أول وقته من بعد صلاة العشاء ، فلو أوتر من قبل صلاة العشاء لم يقع موقعا وأمر بإعادته .\rولو كان ناسيا ، أو ظانا أنه قد صلى العشاء ، مثل أن يصلي العشاء محدثا ناسيا ، ثم يتوضأ ويصلي الوتر ، ثم يذكر بعد الصلاة أنه صلى العشاء ناسيا ، فإنه يقضي القضاء ثم الوتر .","part":7,"page":102},{"id":1533,"text":"هذا قول جمهور العلماء ، منهم : الثوري و الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد ..\rوقال أبو حنيفة : وقته وقت العشاء ؛ فإنه واجب عنده ، ويجب الترتيب بينهما ، بشرط الذكر ويسقط بالسهو ، فلا يعيد الوتر - عنده - في الصورة المذكورة .\rوكذلك مذهب سفيان ، إذا صلى الوتر ناسيا للعشاء ، ثم ذكر ، أنه يصلي العشاء ولا يعيد الوتر .\rوللشافعية وجهان آخران :\rأحدهما : أن وقته يدخل بدخول وقت العشاء ، ويجوز فعله قبل صلاة العشاء ، تعمد ذلك أو لم يتعمد .\rوالثاني : أن وقته لا يدخل إلا بعد العشاء وصلاة أخرى ، فإن كان وتره بأكثر من ركعة صح فعله بعد صلاة العشاء ، وإن أوتر بركعة لم يصح حتى يتقدمه نفل بينه وبين صلاة العشاء .\rواستدل لقول الجمهور بحديث خارجة بن حذافة ، قال : خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،فقال : (( إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم : الوتر ، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر )) .\rخرّجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي - وغربه - والحاكم -وصححه .\rوقال الأثرم : ليس بقوي .\rوخرّجه الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي بصرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إن الله زادكم صلاة ، وهي الوتر ، فصلوها ما بين العشاء إلى أن يطلع الفجر )) .\rوبإسناد فيه انقطاع ، عن معاذ ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((زادني ربي صلاة ، هي الوتر ، ووقتها بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر )) .\rوأما آخر وقته ، فذهب الأكثرون إلى أنه يخرج وقته بذهاب الليل ، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء ، وما دام الليل باقيا ، فإن وقته باق .\rولا نعلم في ذلك خلافا ، إلا ما ذكره القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتابه (( شرح المذهب )) ، أنه إذا أخره حتى خرج وقت العشاء المختار - وهو نصف الليل ، أو ثلثه - صار قضاء.\rوهذا قول ساقط جدا ؛ لأن صلاة العشاء لا تصير قضاء بتأخيرها حتَّى يخرج وقتها المختار ، وإن قيل : إن تأخيرها إليه عمدا لا يجوز ، كما سبق ذكره في (( المواقيت )) ، فكيف يصير تأخير الوتر إلى ذَلِكَ الوقت قضاء ؟ وأما إذا خرج الليل بطلوع الفجر ، فإنه يذهب وقت أدائه عند جمهور العلماء ، ويصير قضاء حينئذ .\rوهو قول الشافعي وأحمد -في المشهور عنهما -، وقول أبي حنيفة والثوري .\rوروي عن عمر وابن عمر وأبي موسى وأبي الدرداء وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي .\rحتى قال النخعي : لأن يدركني الفجر وأنا أتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر .\rويدل عليه : حديث : (( فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة )) ، وسيأتي حديث : (( اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا )) . وخرّج مسلم من طرق ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر ، أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: كيف صلاة الليل ؟ قالَ: (( مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فصل ركعة ، واجعل آخر صلاتك وترا )) .","part":7,"page":103},{"id":1534,"text":"وخرّجه من طريق ابن أبي زائدة ، عن عاصم الأحوال ، عن عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( بادروا الصبح بالوتر )) .\rوهذا لعله رواه بالمعنى من الحديث الذي قبله .\rوخرّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث ابن أبي زائدة ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( بادروا الصبح بالوتر )) .\rوصححه الترمذي .\rوقد ذكر الدارقطني وغيره : أن ابن أبي زائدة تفرد بهذا الحديث بالإسنادين .\rوذكر الأثرم : أنه ذكر لأبي عبد الله - يعني : أحمد بن حنبل - حديث ابن أبي زائدة هذا من الوجهين ، فقال : في الإسناد الأول : عاصم ، لم يرو عن عبد الله بن شقيق شيئا ، ولم يروه إلا ابن أبي زائدة ، وما أدري . فذكر له الإسناد الثاني ، فقال أحمد : هذا أراه اختصره من حديث : (( صلاة الليل مثنى مثنى،فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة )) ، وهو بمعناه . قالَ : فقلت له : روى هذين أحد غيره ؟ قالَ: لا .\rقلت : والظاهر أنه اختصر حديث عبد الله بن شقيق ، عن ابن عمر أيضا -، كما اختصر حديث عبيد الله ، عن نافع ، عنه . والله أعلم .\rوخرج مسلم - أيضا - من حديث ابن جريج : أخبرني نافع ، أن ابن عمر كان يقول : من صلى بالليل فليجعل صلاته وترا قبل الصبح ، كذلك كان رسول الله يأمرهم .\rخرجه ، عن هارون بن عبد الله :نا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج - فذكره .\rوخرجه الترمذي عن محمود بن غيلان ، عن عبد الرزاق : أنا ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا طلع الفجر فقد ذهب [كل] صلاة الليل والوتر ، فأوتروا قبل طلوع الفجر )) .\rوقال : تفرد به سليمان بن موسى على هذا اللفظ .\rوذكر المروذي عن أحمد ، أنه قال: لم يسمعه ابن جريج من سليمان بن موسى ، إنما قال : (( قال سليمان )) . قيل له : إن عبد الرزاق قد قال : عن ابن جريج : أنا سليمان ؟ فأنكره ، وقال : نحن كتبنا من كتب عبد الرزاق ، ولم يكن بها ، وهؤلاء كتبوا عنه بأخرة .\rوخرجه الحاكم من طريق محمد بن الفرج الأزرق : نا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج : حدثني سليمان بن موسى : نا نافع ، أن ابن عمر كان يقول : من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك ، فإذا كانَ الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال : (( أوتروا قبل الفجر )) .\rوقال : إسناد صحيح .\rوهذه الرواية أشبه من رواية الترمذي ؛ فإن فيها أن ذهاب كل صلاة الليل بطلوع الفجر ، إنما هوَ من قول ابن عمر ، واستدل لهُ بأمر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالوتر قبل الفجر .\rورواية ابن جريج التي صرح فيها بسماعه من نافع - كما خرجه مسلم- ليس فيها شيء مما تفرد به سليمان بن موسى ، وسليمان مختلف في توثيقه .","part":7,"page":104},{"id":1535,"text":"وخرج مسلم -أيضا - من رواية يحيى بن أبي كثير : أخبرني أبو نضرة، أن أبا سعيد أخبرهم ، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوتر ، فقال : (( أوتروا قبل الصبح )) .\rوخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : قال : (( الوتر بليل )) .\rوخرجه ابن خزيمة والحاكم ، من حديث قتادة ، عن أبي نضرة ،عن أبي سعيد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له )) .\rوقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم .\rوذهب طائفة إلى أن الوتر لا يفوت وقته حتى يصلي الصبح : فروي عن علي وابن مسعود ، وقال : الوتر ما بين الصلاتين .\rيريدان : صلاة العشاء وصلاة الفجر .\rوعن عائشة -معنى ذلك .\rوممن روي عنه ، أنه أوتر بعد طلوع الفجر : عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وحذيفة وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وفضالة بن عبيد وغيرهم .\rوقال أيوب وحميد الطويل : أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر .\rوهو قول القاسم بن محمد وغيره .\rوذكر ابن عبد البر : أنه لا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف في قولهم 0 قال: ويحتمل أن يكونوا قالوه فيمن نسيه أو نام عنه ، دون من تعمده .\rوممن ذهب إلى هذا : مالك والشافعي - في القديم - وأحمد - في رواية عنه - وإسحاق0\rوقد ذكرنا - فيما تقدم - حديث أبي بصرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال: (( صلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر )) .\rوخرج الطبراني بإسناد ضعيف ، عن عقبة بن عامر وعمرو بن العاص كلاهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال - في صلاة الوتر - : (( هي لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الشمس )) .\rوقد حكى يحيى بن آدم ، عن قوم ، أن الوتر لا يفوت وقته حتى تطلع الشمس .\rوظاهر هذا : أنه يوتر بعد صلاة الصبح ، ما لم تطلع الشمس ، وتكون أداء .\rوفي (( المسند )) ، عن علي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر عند الآذان .\rوقد سبق ذكره في الصلاة إذا أقيمت الصلاة .\rوفيه -أيضا - بإسناد فيه جهالة ، عن علي ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نوتر هذه الساعة ، ثم أمر المؤذن أن يؤذن أو يقيم .\rوخرّج الطبراني من حديث أبي ذر ، قال : أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوتر بعد\rالفجر .\rوفي إسناده اختلاف .\rوروي مرسلا .\rوالمرسل أصح عند أبي حاتم وأبي زرعة الرزايين .\rوروى ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد ، أن أبا نهيك أخبره ، أن أبا الدرداء خطب ، فقال : من أدركه الصبح فلا وتر له 0 فقالت عائشة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدركه الصبح فيوتر .\rخرّجه الطبراني .\rوخرّجه الإمام أحمد ، ولفظه : كان يدركه بصبح فيوتر .\rوأبو نهيك ، ليس بالمشهور . ولا يدرى : هل سمع من عائشة ، أم لا ؟\rوقد روي عن أبي الدرداء خلاف هذا .\rوخرّج الحاكم من رواية أبي قلابة ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : ربما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر ، وقد قام الناس لصلاة الصبح .\rوقال : صحيح الإسناد .","part":7,"page":105},{"id":1536,"text":"وخرّج - أيضا - من رواية محمد بن فليح ، عن أبيه ، عن هلال بن علي ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر )) .\rوقال : صحيح على شرطهما .\rوالبخاري يخرج بهذا الإسناد كثيرا .\rوروى زهير بن معاوية ، عن خالد بن أبي كريمة ، عن معاوية بن قرة ،عن الأغر المزني ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، أصبحت ولم أوتر ؟ فقالَ : (( إنما الوتر بليل )) - ثلاث مرات أو أربعة - ، ثُمَّ قالَ : (( قم فأوتر )) .\rوخرجه البزار - مختصرا ، ولفظه : (( من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له )) .\rورواه وكيع في ((كتابه)) عن خالد بن أبي كريمة ، عن معاوية بن قرة - مرسلا .\rوهو أشبه .\rوروى وكيع ، عن الفضل بن دلهم ، عن الحسن ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله - ، إلا أنه قال : عن الوتر حتى أصبحت .\rوفي المعنى -أيضا - عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا - من وجهين ، لا يصح واحد منهما.\rوروى أيوب بن سويد ، عن عتبة بن أبي حكيم ، عن طلحة بن نافع ، عن ابن عباس ، أنه بات عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فصلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فجعل يسلم من كل ركعتين ، فلما انفجر الفجر قام فأوتر بركعة، ثم ركع ركعتي الفجر ، ثم اضطجع .\rخرّجها الطبراني وابن خزيمة في (( صحيحه )) .\rوحمله : إنما أوتر بعد طلوع الفجر الأول .\rثم خرج من رواية عباد بن منصور ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس ، أنه بات ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وفيه [ فذكر ] فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان عليه من الليل ، مثنى مثنى ،ركعتين ركعتين ، فلما طلع الفجر الأول ، قام فصلى تسع ركعات ، يسلم في كل ركعتين ، وأوتر بواحدة ، وهي التاسعة ، ثم أمسك حتى إذا أضاء الفجر جدا قام فركع ركعتي الفجر ، ثم نام .\rقلت : وكلا الحديثين إسناد ضعيف . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوعلى تقدير صحة هذه الأحاديث ، أو شيء منها ، فقد تحمل على أن الوتر يقضى بعد ذهاب وقته ، وهو الليل ، لا على أن ما بعد الفجر وقت له .\rوالمشهور عن أحمد : أن الوتر يقضى بعد طلوع الفجر ، ما لم يصل الفجر ، وإن كان لا يتطوع عنده في هذا الوقت بما لا سبب له . وفيما له سبب عنه فيه خلاف ، فأما الوتر فإنه يقضى في هذا الوقت .\rومن الأصحاب من يقول : لا خلاف عنه في ذلك ، منهم : ابن أبي موسى\rوغيره .\rوحكي للشافعي قول كذلك : أنه يقضي الوتر ما لم يصل الفجر .\rوقال أبو بكر - من أصحابنا - : يقضي ما لم تطلع الشمس .\rوهذا القول يرجع إلى أن الوتر يقضيه من نام عنه أو نسيه .\rوقد اختلف العلماء في قضاء الوتر إذا فات :\rفقالت طائفة : لا يقضى ، وهو قول أبي حنيفة ومالك ، ورواية عن أحمد وإسحاق ، وأحد قولي الشافعي .\rوحكاه أحمد عن أكثر العلماء .\rويروى عن النخعي ، أنه لا يقضى بعد صلاة الفجر ، وعن الشعبي .","part":7,"page":106},{"id":1537,"text":"وقالت طائفة : يقضى ، وهو قول الثوري والليث بن سعد ، والمشهور عن الشافعي ، ورواية عن أحمد .\rوالصحيح عند أصحاب الشافعي : أن الخلاف في قضاء الوتر والسنن الرواتب سواء .\rومنهم من قال : يقضي ما يستقل بنفسه كالوتر ، دون ما هو تبع كالسنن الرواتب .\rوالمنصوص عن أحمد وإسحاق : أنه يقضي السنن الرواتب دون الوتر ، إذا صلى الفجر ولم يوتر .\rونص عليه في رواية غير واحد من أصحابه .\rواستدل من قال : لا يقضي الوتر بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نام أو شغله مرض أو غيره عن قيام الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة .\rخرجه مسلم من حديث عائشة .\rفدل على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر .\rويجاب عن هذا : بأنه يحتمل أنه كان إذا كان له عذر يوتر قبل أن ينام ، فلم يكن يفوته الوتر حينئذ .\rهذا في حال المرض ونحوه ظاهر ، وأما في حال غلبة النوم فيه نظر .\rوخرج النسائي حديث عائشة ، ولفظه : كان إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك نوم [غلبه عنه] أو وجع ، صلى من النهار ثلاث عشرة ركعة .\rفإن كانت هذه الرواية محفوظة دلت على أنه كان يقضي الوتر .\rواستثنى إسحاق أن يكون نام عن الوتر وصلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، فقال : يقضي الوتر ، ثم يصلي سنة الفجر ، ثم يصلي المفروضة .\rوقد ورد في هذا حديث ، ذكرناه في قضاء الصلوات .\rوخرجه النسائي من حديث محمد بن المنتشر ، عن أبيه ، أنه كان في منزل عمرو بن شرحبيل ، فأقيمت الصلاة ، فجعلوا ينتظرونه ، فجاء فقال : إني كنت أوتر . وقال: سئل عبد الله : هل بعد الأذان وتر؟ قالَ : نعم ،وبعد الإقامة ، وحدث عن النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ نام عن الصَّلاة حتَّى طلعت الشمس ، ثُمَّ صلى .\rفإن كان مراده : أنه نام عن الوتر فذاك ، وإن كان مراده : أنه نام عن الفريضة ثم قضاها ، فيكون مراده إلحاق القضاء الوتر بالقياس .\rوكذا روي عن ابن عمر ، أنه قاس قضاء الوتر على قضاء الفرض .\rو أخذه بعضهم من عموم قوله : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) .\rخرجه مسلم . وقد سبق في موضعه .\rفيدخل في عمومه الوتر .\rوجاء في حديث التصريح به ، من رواية عبد الرحمن بن زيد بن اسلم ، عن أبيه ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ،عن النبي- صلى الله عليه وسلم -، قال : ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا ذكره)) .\rخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه .\rوخرجه الترمذي -أيضا- من رواية عبد الله بن زيد بن اسلم ،عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال : ((من نام عن وتره فيصله إذا أصبح)) .\rوقال : هذا أصح .\rوذكر : أن عبد الله بن زيد ثقة ، وأخاه عبد الرحمن ضعيف . ولكن خرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي غسان محمد بن مطرف ،عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ، عن أبي سعيد -مرفوعاً .\rوقال الحاكم : صحيح على شرطهما .\rوخرجه الدارقطني من وجه آخر ، عن زيد -كذلك .\rلكنه إسناد ضعيف .","part":7,"page":107},{"id":1538,"text":"ورده بعضهم بأن أبا سعيد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( أوتروا قبل أن تصبحوا)) ، وهذا يخالفه وليس كذلك ؛ فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته ، فإذا فات وخرج وقته ، ففي هذا أمر بقضائه ، فلا تنافي بينهما .\rوفي تقييد الأمر بالقضاء لمن نام او نسيه يدل على أن العامد بخلاف ذلك ،وهذا متوجه ؛ فإن العامد قد رغب عن هذه السنة ، وفوتها في وقتها عمداً ،فلا سبيل لهُ بعد ذَلِكَ إلى استدراكها، بخلاف النائم والناسي .\rوممن روي عنه الأمر بقضاء الوتر من النهار :علي وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبي وحماد .\rوهو قول الشافعي -في صحيح عنه- وأحمد -في رواية .\rوالأوزاعي ، إلا أنه قال : يقضيه نهاراً وبالليل ما لم يدخل وقت الوتر بصلاة العشاء الآخرة ، ولا يقضيه بعد ذلك ؛ لئلا يجتمع وتران في ليلة .\rوعن سعيد بن جبير ، قالَ : يقضيه من الليل القابلة .\rوظاهر هذا : أنه لا يقضيه إلا ليلاً ؛ لأن وقته الليل ، فلا يفعل بالنهار .\rالمسألة الثانية :\rفي وقت أفضل الوتر .\rقد كان كثير من الصحابة يوتر من أول الليل ،منهم :أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان وعائذ بن عمرو وأنس ورافع بن خديج وأبو هريرة وأبو ذر وأبو الدرداء .\rوهؤلاء الثلاثة أوصاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -بذلك ، فتمسكوا بوصيته .\rومنهم من كان يفعل ذلك خشية من هجوم الموت في النوم ؛ فإنهم كانوا على نهاية من قصر الأمل .\rوذهب طائفة إلى أن الوتر قبل النوم افضل ،وهو أحد الوجهين للشافعية .\rوهو مقتضى قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا في كتابه ((شرح المذهب)) ، حيث ذكر أن وقت الوتر تابع لوقت العشاء ، وأنه يخرج وقته بخروج وقت العشاء المختار .\rوقال أبو حفص البرمكي من أصحابنا -في شهر رمضان خاصة لمن صلى التراويح خلف الإمام -: فإن الأفضل أن لا ينصرف المأموم حتى ينصرف إمامه .\rونقل مهنا ، عن أحمد ، أنه كان يوتر قبل أن ينام ، وقال : هو أحوط ، وما يدريه ؟ لعله لا ينتبه .\rوهذا يدل على أن الأخذ بالاحتياط أفضل .\rوروى شهر بن حوشب ، عن ابن عباس ، قال : النوم على وتر خير .\rوقال عمر : الأكياس يوترون أول الليل ، والأقوياء يوترون آخر الليل .\rخرجهما وكيع .\rوقد سبق هذا المعنى مرفوعاً من وجوه .\rوالكيس :هو الحذر الحازم المحتاط لنفسه ، الناظر إلى عواقب الأمور .\rوممن كان يقدم الوتر : ابن المسيب والشعبي .\rوكان أكثر من السلف يوتر في آخر الليل ، منهم : عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم .\rوروى وكيع ، عن الربيع بن صبيح ، عن ابن سيرين ، قال : ما يختلفون أن الوتر من آخر الليل أفضل .\rواستحبه النخعي ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد -في المشهور عنه-وإسحاق ، إن قوي ووثق بنفسه القيام من آخر الليل ، فأما من ليس كذلك فالأفضل في حقه أن يوتر قبل النوم .\rوروي هذا المعنى عن عائشة .","part":7,"page":108},{"id":1539,"text":"واستدلوا بما خرجه مسلم من حديث أبي سفيان ، عن جابر ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -،قال : ((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل ، فان صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك افضل )) .\rوفي رواية له : ((محضورة)) .\rوخرجه -أيضا- من رواية ابي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم --بنحوه .\rوحمل بعض هؤلاء أحاديث الأمر بالوتر قبل النوم على من خاف أن لا يقوم آخر الليل .\rوهذا بعيد جداً في حق أولئك الصحابة ، الذين أمروا بالوتر قبل النوم ، مع ما عرف من شدة اجتهادهم ، وكثرة تهجدهم .\rومنهم من حمله على بيان الجواز ، وعدم الكراهة .\rومنهم من أشار إلى نسخة .\rوروى الإسماعيلي في ((مسند علي)) بإسناد مجهول ، عن السدي ، عن الربيع بن خثيم ، قال : خرج علينا على حين يبلج الصبح ، فقال : إن جبريل أتى نبيكم النبي - صلى الله عليه وسلم -،فأمره أن يوتر أول الليل ، فأوتر كما أمره الله ، ثم أتاه فأمره أن يوتر وسطاً من الليل ، فأوتر كما أمره الله ، ثم أتاه فأمره أن يوتر هذه الساعة ، فقبض نبيكم - صلى الله عليه وسلم -وهو يوتر من هذه الساعة ،أين السائلون عن الوتر ، نعم ساعة الوتر .\rوحديث عائشة : (( أنه انتهى وتره الى السحر)) قد يشعر بذلك ، وأنه ترك الوتر من أول الليل ووسطه ، واستقر عمله على الوتر من آخر ، وإنما كان ينتقل من الفاضل إلى الأفضل وعلى هذا : فهل الأفضل الوتر إذا خشي طلوع الفجر ، كما دل عليه حديث ابن عمر ، وكان ابن عمر يفعل ذلك ، ويوتر من السحر .\rقال الثوري : كانوا يحبون أن يؤخروا الوتر آخر الليل ، وقد بقي عليهم من الليل شيء .\rوقال إسحاق : [كانوا] يستحبون أن يوتروا آخر الليل ، وأن يوتروا وقد بقي من الليل نحو مما ذهب منه من صلاة المغرب ، واستدل بقول عائشة : ((فانتهى وتره الى السحر)) .\rنقله عنه حرب .\rوروى وكيع في ((كتابه)) عن الأعمش ، عن إبراهيم ، أنه بات عند عبد الله ابن مسعود ، فسئل : أي ساعة أوتر ؟ قالَ : إذا بقي من الليل مثل ما مضى إلى صلاة المغرب .\rوعن سفيان ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن ابن عباس -بنحوه .\rومعنى ذلك :أنه يوتر وقد بقي من الليل قبل طلوع الفجر مقدار ما يصلي فيه صلاة المغرب ، بعد دخول الليل وغروب الشمس .\rوالمراد : أنه لا يوتر إلا في ليل محقق بقاؤه .\rوهو معنى قول النخعي : الوتر بليل ، والسحور بليل .\rفجعل وقته كوقت السحور بل أشد ؛ فإنه قالَ لأن يدركني الفجر وأنا اتسحر أحب إلي من أن يدركني وأنا أوتر .\rوكان علي بن أبي طالب يرخص في تأخير الوتر حتى ينشق الفجر ، وربما روي عنه أنه أفضل .\rوقد سبق عن طائفة من السلف نحوه .\rوهؤلاء ، منهم من رخص في تأخير السحور -أيضا- ، كما يأتي في موضعه - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rولأصحابنا وجه شاذ : أن الوتر في الليل كله ، سواء في الفضل .\r* * *","part":7,"page":109},{"id":1540,"text":"3-باب\rفي إيقاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله بالوتر\r997-حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، ثنا هشام : ثنا أبي ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه ، فإذا أراد ان يوتر أيقظني فأوترت .\rقد سبق هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه في ((باب : الصلاة خلف النائم )) .\rوقد دل هذا الحديث على إيقاظ النائم بين يدي المصلي .\rلكن هل كان إيقاظها لتوتر أو لتتنحى عن قبلته في الوتر ؟\rقد وردت أحاديث تدل على الثاني ، قد سبق ذكرها في (( باب: من قالَ : لا يقطع الصَّلاة شيء)) .\rوروى الأعمش ، عن تميم بن سلمة ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت :كان النبي- صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ، فإذا انصرف قال لي: ((قومي فأوتري)) .\rخرّجه الإمام أحمد .\rفإن كان إيقاظها للايتار استدل به على إيقاظ النائم للصلاة ، لا سيما إذا تضايق وقتها ؛ فإن ايتار النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - استقر في آخر عمره على أنه كانَ في السحر ، كما سبق في الباب الماضي .\rوقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان للصلاة بالليل والذكر والدعاء ، ففي سائر السنة كان إيقاظه لهم للوتر خاصة ؛ فإنه من آكد السنن الرواتب .\rوإن كانَ إيقاظها لتتنحى عن قبلته في الوتر ، استدل به على الرخصة في الصَّلاة إلى النائم في النفل المطلق دون النفل المعين المؤكد ، فالفرض أولى .\rوقد أشار إليه الإمام أحمد ، كما سبق ذكره في موضعه .\rوعلى التقديرين ، فيستدل به على ان من له من يوقظه للوتر في آخر الليل لا يكره له ان ينام قبل ان يوتر ، ولو كان امرأة أو صبياً ، ممن يغلب عليه النوم ؛ فان قولها : ((فأوترت)) يدل على أنها كانت تؤخر الوتر إلى ذَلِكَ الوقت ، وتنام قبله .\r* * *","part":7,"page":110},{"id":1541,"text":"4-باب\rليجعل آخر صلاته وتراً\r998-حدثنا مسدد: نا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله : حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال : ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً )) .\rوخرّجه مسلم .\rوخرّج -أيضا- من حديث الأسود ، عن عائشة ، ان النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر .\rوخرّجه أبو داود -مطولاً .\rجعل الوتر آخر صلاة الليل يستفاد منه فوائد عديدة .\rفمنها : تأخير الوتر إلى آخر الليل ؛ فان صلاة وسط الليل وآخر الليل أفضل من صلاة أوله ، فتأخير الوتر يتسع به وقت الصَّلاة في وسط الليل وآخره .\rومنها : أنه لا ينبغي التنفل في الليل بوتر غير الوتر الذي يقطع عليه صلاة الليل ، كما لا ينبغي التنفل في النهار بوتر -أيضا- ، حتى تكون صلاة المغرب وتره .\rفروى الإمام أحمد : ثنا يزيد بن هارون : أنا هشام ، عن محمد -هو: ابن\rسيرين- ، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالَ : ((صلاة المغرب وتر النهار ، فاوتروا صلاة الليل )) .\rقال الدارقطني : رواه أيوب ، عن نافع وابن سيرين ، عن ابن عمر-موقوفاً . ورواه مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر - موقوفاً .\rورفعه بعضهم عن مالك .\rوهذا قد يستدل به على جواز الوتر ، بعد طلوع الفجر ، ويكون ايتاراً لصلاة الليل ، وان كان بعد خروج الليل، كما يوتر صلاة النهار بالمغرب ، وإنما يفعل بعد خروج النهار .\rفهذا يدل على ان لا وتر لصلاة النهار غير صلاة المغرب ، ولا وتر لصلاة الليل غير الوتر المأمور به ، فمن تطوع في ليل أو نهار بوتر غير ذلك ،فقد زال ايتاره لصلاته ، وصارت صلاته شفعاً .\rوفي صحة التطوع بشفع في الليل والنهار عن أحمد روايتان . والصحة قول الشافعي ، وعدم الصحة قول أبي حنيفة . وقد ذكرنا ما يستدل به للمنع .\rواستدل الشافعي ومن وافقه بان عمر دخل المسجد ، فصلى ركعة ، ثم قال : هو تطوع ، فمن شاء زاد ، ومن شاء نقص .\rوقد يعارض ذلك بالحديث المرفوع والموقوف : ((صلاة الليل والنهار مثنى\rمثنى )) .\rواستدلوا -أيضا- بأن جماعة نقضوا وترهم بركعة .\rوهذا استدلال مردود ؛ لوجهين :\rأحدهما : أنه قد أنكره عليهم غيرهم من الصحابة .\rوالثاني : أنهم إنما نقضوه لتصير صلاتهم شفعاً ، ثم يوترون .\rومن تطوع بركعة في الليل ، من غير نقض ، ثم أوتر لم يبق لوتره فائدة ؛ فإنه صار وتره شفعاً .\rونحن نذكر هاهنا مسألة نقص الوتر :\rوهي : إذا أوتر الإنسان من الليل ، ثم أراد أن يصلي :\rفقال كثير من الصحابة : يصلي ركعة واحدة فيصير بها وتره الماضي شفعاً ، ثم يصلي ما أراد ، ثم يوتر في آخر صلاته 0\rوهؤلاء اخذوا بقوله : ((اجعلوا آخر صلاتكم وتراً)) ، ولهذا روى ابن عمر هذا الحديث ، وهو كان ينقض وتره ، فدل على أنه فهمه منه .\rوروي عن أسامة بن زيد وغير واحد من الصحابة ، حتى قال أحمد : وروي ذلك عن اثني عشر رجلاً من الصحابة .","part":7,"page":111},{"id":1542,"text":"وممن روي ذلك عنه ، منهم : عمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وابن عباس -في رواية- ،وهو قول عمرو بن ميمون وابن سيرين وعورة ومكحول .\rوأحمد -في رواية اختارها أبو بكر وغيره .\rقال ابن أبي موسى : هي الأظهر عنه .\rوقول إسحاق ، قال إسحاق : وإن لم يفعل ذلك لم يكن قد عمل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً )) .\rوهو -أيضا- وجه للشافعية .\rورد بعضهم هذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( لا وتران في ليلة)) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان في ((صحيحه)) ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوحسنه الترمذي .\rوقالوا : هذا يؤدي إلى ثلاثة أوتار ، فيكون منهيا عنه .\rوقال الأكثرون : لا ينقض وتره ، بل يصلي مثنى مثنى .\rوهو قول ابن عباس -في المشهور عنه - وأبي هريرة وعائشة وعمار وعائذ بن عمرو وطلق بن علي ورافع بن خديج .\rوروي عن سعد .\rورواه ابن المسيب ، عن أبي بكر الصديق .\rوفي رواية ، عنه : أن الصديق ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فاقره عليه ، ولم ينكره .\rخرجه حرب الكرماني .\rورواه خلاس ، عن عثمان ، ولم يسمع منه .\rوهو قول علقمة وطاوس وسعيد بن جبير وأبي مجلز والشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد -في رواية عنه وصححها بعض أصحابنا .\rواستدلوا بحديث : (( لا وتران في ليلة )) ، وقد تقدم ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قام أحدكم من الليل يصلي ، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين )) .\rخرجه مسلم من حديث أبي هريرة .\rوهو عام فيمن كان أوتر قبل ذلك ، ومن لم يوتر .\rواستدلوا -أيضا- بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي ركعتين بعد وتره ، وسنذكره - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوبأن النقض يفضي إلى التطوع بالأوتار المعددة ، وهو مكروه أو محظور .\rوقد روي عن عائشة ، أنها قالت : ذاك يلعب بوتره .\rقال أحمد : كرهته عائشة ، وأنا أكرهه .\rوعن أحمد : أنه مخير بين الأمرين ؛ لأنهما جميعاً مرويان عن الصحابة .\rوقد روي عن علي ، أنه خير بين الأمرين .\rخرجه الشافعي بأسناد عنه ، فيه ضعيف .\rوخرج الطبراني : نا مقدام بن داود : نا عبد الله بن يوسف : نا ابن لهيعة ،عن عياش بن عباس القتباني ،عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يصلي العتمة ، ثم يصلي في المسجد قبل أن يرجع إلى بيته سبع ركعات ، يسلم في الأربع في كل ثنتين ،ويوتر بثلاث ، يتشهد في الأوليين من الوتر تشهده في التسليم ، ويوتر بالمعوذات ، فإذا رجع إلى بيته صلى ركعتين ويرقد ، فإذا انتبه من نومه صلى ركعتين -وذكرت الحديث ، ولم تذكر أنه أوتر في آخر الليل .\rوهو غريب جداً ، ومنكر؛ مخالف جميع الروايات الصحيحة عن عائشة .\rومقدام بن داود ، من فقهاء مصر ، ولم يكن في الحديث محموداً قالَ ابن يونس : تكلموا فيهِ . وقال النسائي : ليس بثقة .","part":7,"page":112},{"id":1543,"text":"ويتصل بهذا : الكلام على حكم الصلاة بعد الوتر :\rوقد كرهه طائفة من السلف . ومستندهم : قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)) ، وما أشبهه .\rوروى عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه كره الصلاة بعد الوتر . وكان أبو مجلز لا يصلي بعد الوتر إلا ركعتين .\rوقال قيس بن عباد : إذا أوترت ثم قمت فاقرأ وأنت جالس .\rوظاهر هذا : أنه يقرا من غير صلاة .\rو أما الأكثرون ، فلم يكرهوا الصلاة بعد الوتر . ولكن اختلفوا في نقضه - كما سبق .\rومذهب مالك : إذا أوتر قي المسجد ، ثم أراد أن يتنفل بعده تربص قليلا ، وإن انصرف بعد وتره إلى بيته تنفل ما أحب .\rنقله في (( تهذيب المدونة )) .\rواستحب أحمد أن يكون بين وتره وبين صلاته بعد الوتر فصل .\rقال حرب : قلت لأحمد : الرجل يوتر ، ثم يصلى بعد ذلك ؟ قالَ : لا بأس به ، يصلي مثنى مثنى . قالَ : وأحب أن يكون بينهما ضجعة أو نوم أو عمل أو شيء . قلت : ضجعة من غير نوم ؟ فما أدري ما قالَ .\rوروى المروذي ، عن أحمد - في الرجل يصلي شهر رمضان ، يقوم فيوتر بهم ، وهو يريد يصلي بقوم آخرين - : يشتغل بينهما بشيء ، يأكل أو يشرب أو يجلس .\rقال أبو حفص البرمكي : وذلك لأنه يكره أن يوصل بوتره صلاة ، ويشتغل بينهما بشيء ؛ ليكون فصلا بين وتره وبين الصَّلاة الثانية ، وهذا إذا كانَ يصلي بهم في موضعه ، فإما إن كانَ موضع آخر ، فذهابه فصل ، ولا يعيد الوتر ثانية ؛ لأنه لا وتران في ليله 0 انتهى .\rوالمنصوص عن أحمد خلاف ذلك :\rقال - في رواية صالح - في رجل أوتر مع الإمام ، ثم دخل بيته -: يعجبني أن يكون بعد ضجعة أو حديث طويل واختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان ، وهو : أن يقوموا في جماعة في المسجد ،ثم يخرجون منه ، ثم يعودون إليه فيصلون جماعة في آخر الليل .\rوبهذا فسره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره من أصحابنا . فنقل المروذي وغيره ، عنه : لا بأس به ، وقد روي عن أنس فيه .\rونقل عنه ابن الحكم ، قالَ : أكرهه ، أنس يروى عنه أنه كرهه ، ويروى عن أبي مجلز وغيره أنهم كرهوه ، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل ، كما قال عمر .\rقال أبو بكر عبد العزيز : قول محمد بن الحكم قول له قديم ، والعمل على ما روى الجماعة ، أنه لا بأس به . انتهى .\rوقال الثوري : التعقيب محدث .\rومن أصحابنا من جزم بكراهيته ، إلا أن يكون بعد رقدة ، أو يؤخره إلى بعد نصف الليل ، وشرطوا : أن يكون قد اوتروا جماعة في قيامهم الأول ، وهذا قول ابن حامد والقاضي وأصحابه . ولم يشترط أحمد ذلك .\rوأكثر الفقهاء على أنه لا يكره بحالٍ .\rوكره الحسن أن يأمر الإمام الناس بالتعقيب ؛ لما فيهِ من المشقة عليهم ، وقال : من كانَ فيهِ قوة فليجعلها على نفسه ، ولا يجعلها على الناس .\rوهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر .","part":7,"page":113},{"id":1544,"text":"ونقل ابن المنصور ، عن إسحاق بن راهويه ، أنه إن أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى ؛ لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته . وإن لم يتم بهم في أول الليل وآخر تمامها إلى آخر الليل لم يكره .\rفأما صلاة ركعتين بعد الوتر ، فقد رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، ولم يخرج البخاري منها شيئاً .\rلكنه خرج من حديث عراك ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصلي بعد العشاء ثمان ركعات ، وركعتين جالساً ، وركعتين بين النداءين .\rولم تذكر الوتر في هذه الرواية ، ولا بد منه .\rوالظاهر : أن الركعتين اللتين صلاهما جالسا كانتا بعد وتره ، ويحتمل أن يكون قبله .\rفقد خرج مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم -:كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ، يصلي ثمان ركعات ، ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ، فإذا أراد أن يركع قام فركع ، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح .\rوخرج -أيضا- من رواية زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -كان يوتر بتسع ركعات- وذكرت صفتها - ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ، فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ، صنع في الركعتين مثل صنيعه الأول .\rوفي رواية لأبي داود في هذا الحديث : كان يصلي ثمان ركعات ، لا يسلم إلا في آخرهن ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم ، ثم يصلي ركعة .\rفعلى هذه الرواية : تكون صلاته ركعتين جالسا قبل الوتر ، لا بعده .\rوخرج أبو داود -أيضا- من رواية بهز بن حكيم ، عن زرارة ، عن عائشة ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -كان يوتر بتسع ، يسلم في التاسعة تسليمة شديدة ، ثم يقرأ وهو قاعد بأم\rالكتاب ، ويركع وهو قاعد ، ثم يقرأ في الثانية ، فيركع ويسجد وهو قاعد ، ثم يدعو ما شاء أن يدعو ، ثم يسلم .\rوهذه الرواية تخالف رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنه كان إذا أراد أن يركع\rقام .\rوخرج أبو داود من رواية علقمة بن وقاص ، عن عائشة ،أن النبي- صلى الله عليه وسلم -كان يوتر بتسع ركعات ، ثم اوتر بسبع ركعات ، وركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر ، فقرأ فيهما ، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم سجد .\rوخرجه مسلم ، ولفظه : عن علقمة ، قال : قلت لعائشة : كيف كان يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في الركعتين وهو جالس ؟ قالت: يقرأ فيهما ، فإذا أراد أن يركع قام\rفركع .\rوقد روي عن عائشة ، من وجوه أخر .\rوخرج النسائي من حديث شعبة ، عن الحاكم : سمعت سعيد بن جبير يحدث ، عن ابن عباس ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -صلى من الليل خمس ركعات ، ثم ركعتين ، ثم نام ، ثم صلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصَّلاة .\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ميمون المرئي ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -كان يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس .\rوخرجه الترمذي إلى قوله : ((ركعتين)) .","part":7,"page":114},{"id":1545,"text":"وذكر العقيلي أن ميموناً تفرد برفعه ، وغيره يرويه موقوفا على أم سلمة .\rوفيه -أيضا- عن أبي أمامة وأنس وثوبان وغيرهم .\rواختلف العلماء في الركعتين بعد الوتر ؟\rفمنهم من استحبها وأمر بها ، ومنهم : كثير بن ضمرة وخالد بن معدان .\rوفعلها الحسن جالساً .\rوتقدم عن أبي مجلز ، أنه كان يفعلها .\rومن أصحابنا من قال : هي من السنن الرواتب .\rوفي حديث سعد بن هشام ما يدل على مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم -عليهما .\rومن هؤلاء من قال : الركعتان بعد الوتر سنة له ، كسنة المغرب بعدها ، ولم يخرج بذلك المغرب عن أن يكون وتراً لها .\rومن العلماء من رخص فيهما ، ولم يكرههما ، هذا قول الأوزاعي وأحمد .\rوقال : ارجوا إن فعله أن لا يضيق ، ولكن يكون ذلك وهو جالس ، كما جاء في الحديث . قيل له : تفعله أنت ؟ قالَ : لا .\rوقال ابن المنذر :لا يكره ذَلِكَ .\rومن هؤلاء من قال : إنما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم -ذلك أحيانا لبيان الجواز فقط .\rوحكي عن طائفة كراهة ذلك ، منهم قيس بن عبادة ومالك والشافعي .\rفأما مالك ، فلم يعرف هاتين الركعتين بعد الوتر -: ذكره عنه ابن المنذر .\rوأما الشافعي ، فحكي عنه أنه قال : أمر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن نجعل آخر صلاتنا بالليل وتراً ، فنحن نتبع أمره ، وأما فعله فقد يكون مختصا به .\rو أشار البيهقي إلى أن هاتين الركعتين تركهما النبي - صلى الله عليه وسلم -بعد فعلهما ، وانتهى أمره إلى أن جعل آخر صلاته بالليل وتراً .\rوهذا إشارة إلى نسخهما ، وفيه نظر .\rوإذا كان مذهب الشافعي أنه لا تكره الصلاة بعد الوتر بكل حال ، فكيف تكره هاتان الركعتان بخصوصهما ، مع ورود الأحاديث الكثيرة الصحيحة بها ؟\rوقد ذكر بعض الناس : أن النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم -كانَ يصلي ركعتين بعد وتره جالساً ، لما كانَ يوتر من الليل ويجعل الركعتين جالسا كركعة قائمًا ، فيكون كالشفع لوتره ، حتَّى إذا قام ليصلي من آخر الليل لم يحتج إلى نقضه بعد ذَلِكَ .\rوربما استأنسوا لذلك بحديث ثوبان : كنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال : (( إن هذا السفر جهد وثقل ، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين ، فإن استيقظ ، وإلا كانتا له )) .\rخرجه ابن حبان في (( صحيحه )) .\rوهذا القول مردود ؛ لوجهين :\rأحدهما : أن حديث عائشة يدل -لمن تأمله- على أن هذا كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يفعله في وتره من آخر الليل ، لا من أوله ، وكذلك حديث ابن عباس .\rوثانيهما : أن صلاته جالساً لم تكن كصلاة غيره من أمته على نصف صلاة\rالقائم .\rيدل عليه : ما خرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجدته يصلي جالساً ، فقلت : حُدّثتُ يا رسول الله ، إنك قلت :\r(( صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة )) ، وأنت تصلي قاعداً ؟ قالَ : (( أجل ؛ ولكني لست كأحد منكم)) .\rو أما حديث ثوبان ، فتأوله بعضهم على أن المراد : إذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين .","part":7,"page":115},{"id":1546,"text":"وكأنه يريد أنه لا يقتصر في وتره في السفر على ركعة واحدة ، بل يركع قبلها ركعتين ، فيحصل له بهما نصيب من صلاة الليل ، فإن لم يستيقظ من آخر الليل كان قد اخذ بحظ من الصلاة ، وإن استيقظ صلى ما كتب له ، وهذا متوجه . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوروي عن النبي- صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يصلي في السفر صلاته من الليل قبل أن ينام .\rففي ((المسند)) من حديث شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فصلى العتمة -وجابر إلى جنبه- ، ثم صلى بعدها ثلاث عشرة سجدة .\rوشرحبيل ، مختلف فيه .\r* * *","part":7,"page":116},{"id":1547,"text":"5- باب\rالوتر على الدابة\r999-حدثنا إسماعيل : حدثني مالك ، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن سعيد بن يسار، أنه قالَ :كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة . قال سعيد : فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ، ثم لحقته ، فقال\rعبد الله بن عمر : أين كنت ؟ فقلت : خشيت الصبح فنزلت فأوترت . قالَ عبد الله : أليس لك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة ؟ فقلت : بلى ؛ والله . قال فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كان يوتر على البعير .\rهذا الحديث قد روي عن ابن عمر من وجوه متعددة ، قد خرجاه في ((الصحيحين)) من هذا الوجه ، ومن حديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه .\rوخرجه البخاري من حديث نافع ، ومسلم من حديث عبد الله بن دينار .\rوهذا مما استدل به على أن الوتر غير واجب ، وأنه ملتحق بالنوافل ؛ فإنه لو كانَ واجبا لألحق بالفرائض ، ولم يفعل على الدابة جالساً ، مع القدرة على القيام .\rوقد اختلف العلماء في جواز الوتر على الراحلة :\rفذهب أكثرهم إلى جوازه ، ومنهم : ابن عمر ، وروي عن علي وابن عباس ، وهو قول سالم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور .\rوقال الثوري : لا بأس به ، وبالأرض أحب إلي .\rوكذا مذهب مالك :\rفي ((تهذيب المدونة)) : أن المسافر إذا كان له حزب ، فليوتر على الأرض ، ثم يتنفل في المحمل بعد الوتر .\rوهذا يدل على أن تقديم الوتر على الأرض على قيام الليل أفضل من تأخيره مع على الراحلة .\rومنع من الوتر على الراحلة من يرى أن الوتر واجب ، وهو قول أبي حنيفة .\rوقال النخعي : كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض .\rوحكى ابن أبي موسى - من أصحابنا - عن أحمد في جواز صلاة ركعتي الفجر على الراحلة روايتين ، دون الوتر .\rوحكي عن بعض الحنفية ، أنه لا يفعل الوتر ولا ركعتا الفجر على الراحلة .\rوروى الإمام أحمد : ثنا إسماعيل : ثنا أيوب ، عن سعيد بن جبير ، أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعاً ، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض .\rولعله فعله استحباباً ، وإنما أنكر [على] من لا يراه جائزاً .\rوروى محمد بن مصعب : ثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن\rعبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر ، قالَ : كان النبي- صلى الله عليه وسلم - يصلي على راحلته حيث توجهت به تطوعا ، فإذا أراد أن يصلي الفريضة أو يوتر أناخ فصلى بالأرض .\rقال ابن جوصا في ((مسند الأوزاعي من جمعه)) : لم يقل أحد من أصحاب الأوزاعي : ((أو يوتر )) غير محمد بن مصعب وحده .\rوخرجه من طرق كثيرة عن الأوزاعي ، ليس في شيء منها : ذكر الوتر .\rومحمد بن مصعب ، قال يحيى : ليس حديثه بشيء . وقال ابن حبان : ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به .\r* * *","part":7,"page":117},{"id":1548,"text":"6-باب\rالوتر في السفر\r1000-حدثنا موسى بن إسماعيل : ثنا جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان النبي- صلى الله عليه وسلم -يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به ، يومئ إيماء ، صلاة الليل ، إلا الفرائض ، ويوتر على راحلته .\rالوتر في السفر مستحب كالوتر في الحضر ، وقد كان ابن عمر يوتر في سفره .\rوروى وكيع ، عن شريك ، عن جابر، عن عامر ، عن ابن عباس وابن عمر ، أنهما قالا : الوتر في السفر سنة .\rوقال مجاهد : لا يترك الوتر في السفر إلا فاسق .\rوروى وكيع- أيضا- عن خالد بن دينار ، عن شيخ ، قال : صحبت ابن عباس في سفر ، فلا أحفظ أنه أوتر .\rوهذا إسناد مجهول .\rوقوله : ((لم أحفظ)) لا يدل على أنه لم يوتر .\rوالوتر تابع لصلاة الليل ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم -يصلي صلاته بالليل وتراً .\rوإنما اختلف العلماء في فعل السنن الرواتب في السفر ؛ لأنها تابعة للفرائض ، والفرائض تقصر في السفر تخفيفاً ، فكيف يحذف شطر المفروضة ويحافظ على سننها ؟\rولهذا قالَ ابن عمر : لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي .\rوقد روي ، أنه - صلى الله عليه وسلم -كان يصلي في السفر ركعتي الفجر والمغرب ؛ لأن فريضتهما لا تقصر .\rوهو من مراسيل أبي جعفر محمد بن علي .\rونص عليه أحمد -في رواية المروذي - ، أنه لا يدع في السفر ركعتي الفجر والمغرب .\r* * *","part":7,"page":118},{"id":1549,"text":"7- باب\rالقنوت قبل الركوع وبعده\rلم يبوب البخاري على القنوت إلا في عقب أبواب الوتر ، وهذا يدل على أنه يرى القنوت في الوتر ، إما دون غيره من الصلوات أو مع غيره منها .\rوخرج فيه حديث أنس بن مالك من طرق أربعة .\rالطريق الأول :\r1001-ثنا مسدد : نا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، قال : سئل أنس بن مالك : أقنت النبي - صلى الله عليه وسلم -في الصبح ؟ قالَ : نعم . فقيل : أو قبل الركوع ؟ قال : بعد الركوع يسيراً .\rهذا الحديث -بهذا اللفظ- : يدل على أن النبي- صلى الله عليه وسلم -قنت في الصبح ، وأنه قنت بعد الركوع ، وأنه قنت يسيراً .\rوقوله : ((يسيراً)) يحتمل أن يعود إلى القنوت ، فيكون المراد : قنت قنوتاً يسيراً ، ويحمتل أنه يعود إلى زمانه ، فيكون المعنى: قنوته زماناً يسيراً ، فيدل على أنه لم يدم\rعليه ، بل ولا كان غالب أمره ، وإنما كان مدة يسيرة فقط .\rويدل عليه : ما روى علي بن عاصم : أخبرني خالد وهشام ، عن محمد بن سيرين :حدثني أنس ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -قنت شهرا في الغداة ، بعد الركوع ، يدعو .\rوقد خرجه أبو داود ، وعنده : بدل ((يسيراً)) : ((يسراً)) أو ((يسر)) .\rوهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنما تدل على أنه اسر بالقنوت ، ولم يجهر به .\rالطريق الثاني :\r1002-ثنا مسدد: ثنا عبد الواحد : ثنا عاصم ،قال : سألت أنس بن مالك ، عن القنوت ؟ فقالَ : قد كانَ القنوت . قلت : قبل الركوع أو بعده ؟ قال : قبله . قلت : فإن فلانا أخبرني عنك ، أنك قلت : بعد الركوع ؟ فقال : كذب ، إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرا ، أراه كان بعث قوما ، يقال لهم : القراء ، زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك ، وكان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد ، فقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا يدعو عليهم .\rوخرّجه - أيضا - في ((المغازي)) عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد ،\r[ عن ] عاصم ، بأتم من هذا .\rوخرّجه في أواخر ((الجهاد)) من طريق ثابت بن يزيد ، عن عاصم : سألت أنساً عن القنوت ، [ قال] : قبل الركوع ، فقلت : إن فلانا يزعم أنك قلت : بعد الركوع ؟ قالَ : كذب ، ثُمَّ حدث عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قنت شهراً بعد الركوع -فذكره .\rوخرّجه في ((الأحكام)) من طريق عباد بن عباد ، عن عاصم . وفي ((الدعاء)) من طريق أبي الأحوص ، عن عاصم -مختصراً ، في القنوت شهراً ، ولم يذكر فيه\r: ((قبل)) .\rوخرجه مسلم من رواية أبي معاوية ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : سألته عن القنوت قبل الركوع ، أو بعد الركوع ؟ فقالَ : قبل الركوع . قلت: فإن ناسا يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع ؟ فقال : إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا ، يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه ، يقال لهم : القراء .\rوخرجه من طرق أخرى ، عن عاصم ، عن أنس -في قنوت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرا\rفقط .","part":7,"page":119},{"id":1550,"text":"وليس في شيء من هذه الروايات : مدوامة القنوت ، كما في رواية عبد الواحد بن زياد التي خرجها البخاري ، مع أنه لا دلالة فيها على ذلك -على تقدير أن تكون محفوظة - ؛ فإنه ليس فيها تصريح بأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - هوَ الذي كانَ يقنت قبل الركوع ، فيحتمل أن يريد أن مدة قنوت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانت شهرا بعد الركوع ، وكان غيره من الخلفاء يقنت قبل الركوع ، ولعله يريد قنوت عمر ، لما كانَ يبعث الجيوش إلى بلاد الكفار ، فكان يقنت ويستغفر لهم .\rولكن روى الطبراني ، عن الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن أبي جعفر الرازي ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصبح يدعو على احياء من احياء العرب ، وكان قنوته -قبل الركوع .\rولكن هذه الرواية شاذه منكرة ، لا يعرج عليها .\rوأبو جعفر الرازي ، اسمه : عيسى بن ماهان ، قد وثقه يحيى وغيره ؛ فإنه من أهل الصدق ولا يتعمد الكذب ، ولكنه سيئ الحفظ ؛ فلذلك نسبه ابن معين إلى الخطإ والغلط مع توثيقه له .\rوقال ابن المديني : هو يخلط مثل موسى بن عبيدة . وقال أحمد والنسائي : ليس بالقوي في الحديث . وقال أبو زرعة : يهم كثيراً . وقال الفلاس : فيه ضعف ، وهو من أهل الصدق سيئ الحفظ . وقال ابن خراش : سيئ الحفظ صدوق . وقال ابن حبان : ينفرد بالمناكير عن المشاهير .\rوقد روى أبو جعفر هذا ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس ، قال : ما زال النبي - صلى الله عليه وسلم - يقنت حتى فارق الدنيا .\rخرجه الإمام أحمد وغيره .\rوهذا - أيضا - منكر .\rقال أبو بكر الأثرم : هو حديث ضعيف ، مخالف للأحاديث .\rيشير إلى أن ما ينفرد به أبو جعفر الرازي لا يحتج به ، ولا سيما إذا خالف\rالثقات .\rوقد تابعه عليه : عمرو بن عبيد الكذاب المبتدع ، فرواه عن الحسن ، عن أنس - بنحوه .\rوتابعه -أيضا- : إسماعيل بن مسلم المكي ، وهو مجمع على ضعفه ، فرواه عن الحسن ، عن أنس .\rوقد خرج حديثه البزار ، وبين ضعفه .\rوروي -أيضا- ذلك عن أنس من وجوه كثيرة ، لا يثبت منها شيء ، وبعضها موضوعة .\rوروى خليد بن دعلج ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت في صلاة الفجر بعد الركوع ، وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من خلافته ، ثم طلب إليه المهاجرون والأنصار تقديم القنوت قبل الركوع .\rخليد بن دعلج ، ضعيف ، ولا يعتمد .\rوقد روى مصعب بن المقدام ، عن عاصم الأحول ، عن أنس ، قال : قنت\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهراً قبل الركوع .\rوروى الحسن بن الربيع ، عن أبي الأحوص ، عن عاصم ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرا في صلاة الفجر ، يدعو على خيبر .\rقال عاصم : سألت أنساً عن القنوت ؟ قالَ : هوَ قبل الركوع .\rوهاتان الروايتان : تدل على أن القنوت قبل الركوع كانَ شهرا ، بخلاف رواية عبد الواحد ، عن عاصم .","part":7,"page":120},{"id":1551,"text":"وروى قيس بن الربيع ، عن عاصم ، قال : قلنا لأنس : إن قوماً يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت بالفجر ؟ قالَ : كذبوا ؛ إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا واحداً ، يدعو على حي من أحياء المشركين .\rفهذه تعارض رواية أبي جعفر الرازي ،عن عاصم ، وتصرح بأن مدة القنوت كلها تزد على شهر .\rوليس قيس بن الربيع بدون أبي جعفر الرازي ، وإن كان قد تكلم فيه ؛ لسوء حفظه -أيضا- فقد أثنى عليهِ أكابر ، مثل : سفيان الثوري وابن عيينة وشريك وشعبة وأبي حصين .\rوأنكر شعبة على القطان كلامه فيه ، وأنكر ابن المبارك على وكيع كلامه فيه .\rوقال محمد الطنافسي : لم يكن قيس عندنا بدون سفيان ، إلا أنه استعمل ، فأقام على رجل حداً ، فمات ، فطفئ أمره .\rوقال يعقوب بن شيبة : هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح ، إنما حفظه فيه شيء .\rوقال ابن عدي : رواياته مستقيمة ، وقد حدث عنه شعبة وغيره من الكبار ، والقول فيه ما قال شعبة : أنه لا بأس به .\rوقد توبع قيس على روايته هذه :\rفروى أبو حفص ابن شاهين : ثنا أحمد بن محمد بن سعيد -هو : ابن عقده الحافظ- : ثنا الحسن بن علي بن عفان : ثنا عبد الحميد الحماني ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يقنت إلا شهراً واحداً حتى مات .\rوابن عقده ، حافظ كبير ، إنما أنكر عليه التدليس ، وقد صرح في هذا\rبالتحديث .\rوعبد الحميد الحماني ، وثقه ابن معين وغيره ، وخرج له البخاري .\rوخرج البيهقي من حديث قبيصة ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن أنس ، قال : إنما قنت النبي - صلى الله عليه وسلم -شهراً . فقلت : كيف القنوت ؟ قالَ : بعد الركوع .\rوهذه تخالف رواية من روى عنه القنوت قبل الركوع .\rو أما القنوت شهرا ،فقد سبق أن البخاري خرجه من رواية عباد بن عباد .\rوخرجه مسلم من رواية ابن عيينة ، وغير واحد ، كلهم عن عاصم .\rوهو المحفوظ عن سائر أصحاب أنس .\rفتبين بهذا : أن رواية عاصم الأحول عن أنس -في محل القنوت ، و الإشعار بدوامه- مضطربة متناقضة .\rوعاصم نفسه ، قد تكلم فيه القطان ، وكان يستضعفه ، ولا يحدث عنه .\rوقال : لم يكن بالحافظ .\rوقد حدث عاصم ، عن حميد بحديث ، فسئل حميد عنه ، فأنكره ولم يعرفه .\rوحينئذ ؛ فلا يقضى برواية عاصم ، عن أنس ، مع اضطرابها على روايات بقية أصحاب أنس ، بل الأمر بالعكس .\rوقد أنكر الأئمة على عاصم روايته عن أنس القنوت قبل الركوع :\rقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله -يعني : أحمد بن حنبل - : يقول أحمد في حديث أنس : إن النبي- صلى الله عليه وسلم -قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول ؟ قالَ : ما علمت أحدا يقوله غيره : قالَ أبو عبد الله : خالفهم عاصم كلهم .\rيعني : خالف أصحاب أنس .\rثم قال : هشام ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -قنت [ بعد ] الركوع . والتيمي ، عن أبي مجلز ، عن أنس . وأيوب ، عن محمد : سألت أنساً . -وحنظلة السدوسي ، عن أنس - : أربعة أوجه .","part":7,"page":121},{"id":1552,"text":"وقال أبو بكر الخطيب في (( كتاب القنوت )) : أما حديث عاصم الأحول ، عن أنس ، فإنه تفرد بروايته ، وخالف الكافة من أصحاب أنس ، فرووا عنه القنوت بعد الركوع ، والحكم للجماعة على الواحد .\rكذا قاله الخطيب في القنوت قبل الركوع ، فأما في دوام القنوت ، فإنه جعله أصلا اعتمد عليه ، ويقال له فيه كما قال هو في محل القنوت ، فيقال : إن أصحاب أنس إنما رووا عنه إطلاق القنوت أو تقييده بشهر ، ولم يرو عن أنس دوام القنوت من يوثق بحفظه .\rوأما القنوت قبل الركوع ، فقد رواه عبد العزيز بن صهيب ،عن أنس ، كما خرج البخاري عنه من طريقه في ((السير)) ، وسنذكره - إن شاء الله سبحانه وتعالى .\rوقد حمل بعض العلماء المتأخرين حديث عاصم ، عن أنس في القنوت قبل الركوع على أن المراد به : إطالة القيام ، كما في الحديث : (( أفضل الصلاة طول\rالقنوت )) .\rوالمراد : أن النبي- صلى الله عليه وسلم -كان يطيل القيام قبل الركوع للقراءة ، وإنما أطال القيام بعد الركوع شهرا حيث دعا على من قتل القراء ، ثم تركه .\rوقد صح عن ابن عمر مثل ذلك .\rوروى ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يقنت في الفجر ، ولا في الوتر ، وكان إذا سئل عن القنوت ، قال : ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن .\rورواه يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله - أيضا .\rالطريق الثالث :\r1003-ثنا أحمد بن يونس ، ثنا زائدة ، عن التيمي ، عن ابن مجلز ، عن أنس بن مالك ، قال : قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -شهرا، يدعو على رعل وذكوان .\rوخرجه في ((المغازي)) من رواية ابن المبارك ، عن سليمان التيمي ، وزاد فيه : ((بعد الركوع)) .\rوزاد -أيضا- فيه : ((ويقول : عصية عصت الله ورسوله)) .\rوكذلك خرجه مسلم من رواية المعتمر بن سلمان التيمي ، عن أبيه ، وزاد فيه : ((في صلاة الصبح)) .\rالطريق الرابع :\r1004- ثنا مسدد : ثنا إسماعيل : أنا خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك ، قال : كان القنوت في المغرب والفجر .\rوخرجه - فيما تقدم- في ((باب : فضل اللهم ربنا ولك الحمد )) ، عن عبد الله بن أبي الأسود ، عن إسماعيل -وهو : ابن علية - ، به - أيضا .\rوليس في هذا الحديث أن ذلك كان من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا في عهده ، فيحتمل أنه اخبر عما كان في زمن بعض خلفائه ، والله أعلم .\rوقد روي حديث القنوت عن أنس من طرق أخرى ، وقد خرجه البخاري في ((السير)) و(( المغازي)) من بعضها .\rطريق آخر :\rقال البخاري : ثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا عبد العزيز ، عن أنس ، قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم -سبعين رجلاً لحاجة ، يقال لهم : القراء ، فعرض لهم حيان من بني سليم : رعل وذكوان ، فقتلوهم ، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم -شهراً عليهم في صلاة الغداة ، وذلك بدء\rالقنوت ، وما كنا نقنت .\rقال : وسأل رجل أنساً عن القنوت : بعد الركوع أو عند فراغ من القراءة ؟ قالَ : بل عندَ فراغ من القراءة .","part":7,"page":122},{"id":1553,"text":"ولكن ؛ ليس في هذه الرواية تصريح بأن قنوت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -كانَ قبل الركوع ، إنما هوَ من فتيا أنس . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوقد تقدم عنه ما يخالف ذلك، وما يوافقه، فالروايات عن أنس في محل القنوت مختلفة.\rوفي هذه الرواية التصريح بأن هذا كان بدأ القنوت ، وأنهم لم يقنتوا قبله ، والتصريح بأن القنوت كان شهرا ، ولا شك أن هذا القنوت ترك بعد ذلك ولم يقل أنس : إنه استمر القنوت بعد الشهر . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rطريق آخر :\rقال البخاري : ثنا يحيى بن بكير : ثنا مالك ، عن إسحاق [بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم -على لادين قتلوا أصحابه ببئر ثلاثين صباحاً حين يدعوا على رعل ولحيان ، وعصية عصت الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .\rقال أنس : فأنزل الله تعالى لنبيه في الذين قتلوا -أصحاب بئر معونة -\rقراناً ، حتى نسخ بعد : بلغوا قومنا ، فقد لقينا ربنا ، فرضي عنا ورضينا عنه ] ..........................................................................\r* * *","part":7,"page":123},{"id":1554,"text":"16-[باب\rالجهر بالقراءة في الاستسقاء\r1024- ثنا أبو نعيم : ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم -يستسقي ، فتوجه إلى القبلة يدعو ، وحول رداءه ، ثم صلى ركعتين ، وجهر فيهما بالقراءة ] .\rالصواب .\rفتبين بهذا : أن النعمان أخطأ في إسناده ، فلا يبعد خطؤه في متنه -أيضا .\rوعن أحمد رواية ثالثة : أنه يخير بين أن يخطب قبل الصلاة وبعدها ، اختارها جماعة من أصحابنا ؛ لورود النصوص بكلا الأمرين .\rقالَ بعض أصحابنا : والأولى للإمام أن يختار الأرفق بالناس ، في كل وقت\rبحسبه .\rوعن أحمد رواية أخرى : أنه لا يخطب ، ولكن يدعو ؛ لقول ابن عباس: لم يخطب خطبتكم هذه ، ولكن لم يزل في التضرع والتكبير ، وصلى ركعتين .\rخرجه الترمذي وغيره .\rوظاهر حديث عبد الله بن يزيد : يدل على أنه لم يزد على الدعاء -أيضا- ، وعلى ذلك حمله الإمام أحمد في رواية المروذي .\rوحديث عائشة الذي ذكرناه في ((أبواب الاستسقاء)) : يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم -استفتح خطبته بالحمد والتكبير ، ثم شرع في الدعاء ، واستفتحه بتلاوة أول سورة الفاتحة ، ثم بكلمات من الثناء على الله عز وجل ، إلى أن نزل ، وأنه كان في أول خطبة قاعداً على المنبر، وقد ثبت أنه دعا قائما في حديث عبد الله بن يزيد ، فهذا القدر هو المروي عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، ولم يرو عنه أزيد منه في الدعاء الاستسقاء .\rوروى حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عباس ، قال : جاء أعرأبي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ : يا رسول الله ، لقد جئتك من عند قوم لا يتزود لهم راع ، ولا يخطر لهم فحل ، فصعد المنبر ، فحمد الله ، ثم قال : ((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً طبقاً مريعاً غدقاً عاجلاً ، غير راث)) ثم نزل ، فما يأتيه أحد من وجه إلا قال : قد أحييتنا .\rخرجه ابن ماجه .\rوروي عن حبيب -مرسلا ، وهو أشبه .\rوخرج الطبراني من حديث أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -صلى ثم استقبل القوم بوجهه ، وقلب رداءه ، ثم جثا على ركبتيه ، ورفع يديه ، وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي ، ثم\rدعا .\rوإسناده ضعيف .\rوقد تقدم عن عمر وعبد الله بن يزيد الأنصاري ، أنهما لم يزيدا على الاستغفار .\rواختلف القائلون بأنه يخطب - وهم الجمهور -: هل يخطب خطبة واحدة ، أو خطبتين ؟ على قولين :\rأحدهما : يخطب خطبة واحدة ، وهو قول ابن مهدي وأحمد وأبي يوسف ومحمد .\rوالثاني : أنه يخطب خطبتين ، بينهما جلسة كالعيد ، وهو قول الليث ومالك والشافعي ، وروي عن الفقهاء السبعة ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا .\rوقالت طائفة : يخير بين الأمرين ، وهو قول ابن جرير الطبري ، وحكي مثله عن أبي يوسف ومحمد -أيضا .\rواختلفوا : بمإذا تستفتح الخطبة ؟\rفقالت طائفة : بالحمد لله ، وحكى عن مالك وأبي يوسف ومحمد ، وهو قول طائفة من أصحابنا ، وهو الأظهر .\rوقد سبق في ((الجمعة)) توجيه ذلك .\rومذهب مالك : ليس في خطبة الاستسقاء تكبير -: ذكره في ((تهذيب","part":7,"page":124},{"id":1555,"text":"المدونة)) .\rوقالت طائفة : يفتتحها بالتكبير كخطبة العيدين ، وهو قول أكثر أصحابنا، وطائفة من الشافعية ، ونقل أنه نص الشافعي .\rوقد تقدم من حديث عائشة ما يشهد له .\rوقالت طائفة : يستفتحها بالاستغفار ، وهو قول أبي بكر بن جعفر من أصحابنا ، وأكثر أصحاب الشافعي .\rقال أبو بكر -من أصحابنا - : يستفتحها بالاستغفار ، ويختمها به ، ويكثر من الاستغفار بين ذلك .\rوهو منصوص الشافعي ، ونص على أنه يختمها بقوله : استغفر الله لي ولكم .\rوأما الثاني - وهو الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء - : فحديث ابن أبي ذئب عن الزهري الذي خرجه البخاري -صريح بذلك .\rقال الإمام أحمد -في رواية محمد بن الحكم - : كنت أنكره ، حتى رأيت في رواية معمر عن الزهري كما قال ابن أبي ذئب .\rيعني : أنه جهر بالقراءة .\rوحديث معمر ، خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من رواية عبد الرزاق ، عنه .\rولا اختلاف بين العلماء الذين [يرون] صلاة الاستسقاء ، أنه يجهر فيها بالقراءة ، وقد تقدم عن عبد الله بن يزيد الخطمي ، أنه فعله بمشهد من الصحابة .\rوأكثر العلماء على أنه يقرأ فيهما بما يقرأ في العيدين ، وهو قول الثوري ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم .\rقال الشافعي : وإن قرأ { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً } [نوح :1] كان حسناً .\rوقد قال ابن عباس : إن النبي - صلى الله عليه وسلم -صلى في الاستسقاء ركعتين ، كما كان يصلي في العيد .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . وصححه\rالترمذي . وقد روي عن ابن عباس ، أنه كان يفعل كذلك .\rوخرج الطبراني من حديث أنس - مرفوعا - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيهما ((سبح)) و { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } .\rوإسناده لا يصح ؛ فيهِ مجاشع بن عمرو ، متروك الحديث .\rوروى عبد الرزاق بأسناده ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقرا في ركعتي الاستسقاء بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى .\rواختار هذا أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا .\r* * *","part":7,"page":125},{"id":1556,"text":"17- باب\rكيف حول النبي - صلى الله عليه وسلم -ظهره إلى الناس ؟\r1025- حدثنا آدم : نا بن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن عباد بن تميم ، عن عمه قالَ : رأيت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -يوم خرج يستسقي ، فحول إلى الناس ظهره ، واستقبل القبلة\rيدعو ، ثُمَّ حول رداءه ، ثُمَّ صلى بنا ركعتين ، جهر فيهما بالقراءة .\rظاهر الحديث : أنه- صلى الله عليه وسلم - دعا مستقبل القبلة ، وأنه حول رداءه بعد ذلك ، وقد سبق الكلام في وقت تحويل الرداء .\rوظاهر الحديث : يستدل به أنه ليس في الاستسقاء خطبة ، بل دعاء مجرد .\rوقد خرج البخاري - فيما تقدم - من حديث شعيب ، عن الزهري ، أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا قائما ، ثم توجه إلى القبلة .\rوهذا صريح في أنه ابتدأ الدعاء مستقبل الناس ، ثم أتمه مستقبل القبلة .\rوأما من يقول : إنه يخطب ، فإنه يقول : إذا أنهى خطبته ودعا استقبل القبلة ، وحول ظهره إلى الناس فدعا .\rوأكثرهم قالوا : يستقبل القبلة في أثناء خطبته .\rوقال الشافعية : يكون ذلك في أثناء الخطبة الثانية ؛ لأن عندهم يسن لها خطبتان ، كما تقدم .\rوإنما استقبل القبلة في الاستسقاء للدعاء دون خطبة الجمعة ؛ لأن خطبة الجمعة خطاب للحاضرين وموعظة لهم فيستقبلهم بها ، والدعاء تابع لذلك ، ولو كانَ\rللاستسقاء .\rوأما الاستسقاء المجرد ، فإنه إنما يقصد منه الدعاء ، والدعاء المشروع إسراره دون إعلانه ، وإخفاؤه دون إظهاره ، فلذلك شرع إسراره في الاستسقاء وتولية الظهر إلى الناس ، واستقبال القبلة ؛ لأن الدعاء إلى القبلة أفضل .\rوقد كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -يستقبل القبلة إذا استنصر على المشركين في يوم بدر وغيره .\rوأيضا ؛ فإن استدبار الناس في الدعاء واستقبال القبلة أجمع لقلب الداعي ؛ حيث لا يرى أحداً من الناس ، وادعى إلى حضوره وخشوعه في الدعاء ، وذلك أقرب إلى إجابته .\r* * *","part":7,"page":126},{"id":1557,"text":"18- باب\rصلاة الاستسقاء ركعتين\r1026- حدثنا قتيبة : نا سفيان ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عباد بن تميم ، عن عمه ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -استسقى ،فصلى ركعتين ، وقلب رداءه .\rفي الحديث : دليل على الصلاة للاستسقاء ، وقد تقدم -أيضا- في حديث عائشة وابن عباس .\rوجمهور العلماء على أنه تشرع صلاة الاستسقاء .\rوخالف فيه طائفة من علماء اهل الكوفة ، منهم : النخعي ، وهو قول أبي\rحنيفة ، وقالوا : إنما يستحب في الاستسقاء الدعاء والاستغفار خاصة .\rوهؤلاء لم تبلغهم سنة الصلاة ، كما بلغ جمهور العلماء .\rوفيه :دليل على أن صلاة الاستسقاء ركعتان ، وهذا لا اختلاف فيه بين من يقول : إنه يشرع للاستسقاء صلاة .\rولكن اختلفوا : هل تصلى بتكبير كتكبير صلاة العيد ، أم بغير تكبير كسائر الصلوات ، فتستفتح بتكبيرة الإحرام ، ثم يقرأ بعدها ؟ على قولين .\rأحدهما : أنها تصلى كما تصلى العيد بتكبير قبل القراءة وقد روي عن ابن عباس ، وعن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن حزم ، وهو قول الشافعي وأحمد - في ظاهر مذهبه - وأبي يوسف ومحمد .\rوالثاني : تصلى بغير تكبير زائد ، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأحمد -في رواية - وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي .\rقال أبو إسحاق البرمكي من أصحابنا : يحتمل أن هذه الرواية عن أحمد قول قديم رجع عنه .\rوحكي عن داود : إن شاء صلي بتكبير زائد ، وإن شاء صلى بتكبيرة الإحرام فقط .\rواستدل من قال : يصلي بتكبير بظاهر حديث ابن عباس : ((وصلى ركعتين كما يصلي في العيد)) ، وقد سبق ذكره .\rوقد روي عنه صريحاً بذكر التكبير ، لكن إسناده ضعيف .\rخرجه الدارقطني والحاكم في ((المستدرك)) -وصححه- والبزار في ((مسنده)) وغيرهم ، من رواية محمد بن عبد العزيز الزهري ، عن أبيه ، عن طلحة بن عبد الله بن عوف ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -صلى في الاستسقاء ، كبر في الأولى سبع تكبيرات ، وقرأ { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى } [الأعلى:1] ، وقرأ في الثانية { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } [الغاشية:1] ، وكبر فيها خمس تكبيرات .\rومحمد بن عبد العزيز الزهري هذا ، متروك الحديث ، لا يحتج بما يرويه .\rوروى يزيد بن عياض ، حدثني أبو بكر بن عمرو بن حزم وابناه -عبد الله ومحمد- ويزيد بن عبد الله بن أسامة وابن شهاب ، كلهم يحدثه عن عبد الله بن يزيد ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى -فذكر الحديث- قال : ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ، فكبر في الركعة الأولى سبعاً ، وفي الآخرة خمساً ، يبدأ بالتكبير قبل القراءة في الركعتين كليهما .\rويزيد بن عياض جعدبة المدني ، متروك الحديث ، لا يحتج به .\rوقد روي خلاف هذا ، من رواية عبد الله بن حسين بن عطاء ، عن شريك ابن أبي نمر ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الاستسقاء ، في كل ركعة تكبيرة ، وخطب قبل الصلاة ، وقلب رداءه لما دعا .\rخرّجه أبو القاسم البغوي .","part":7,"page":127},{"id":1558,"text":"وخرّجه الترمذي في ((كتاب العلل)) -مختصراً- ، وقال : سألت البخاري عنه ، فقال : هذا خطأ ، وعبد الله بن حسين منكر الحديث ؛ روى مالك وغيره ، عن شريك ، عن أنس ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، ليس فيهِ هذا .\rيشير البخاري إلى حديث الاستسقاء في الجمعة ، وهذا المتن غير ذلك المتن ؛ فإن هذا فيهِ ذكر صلاة الاستسقاء والخطبة لها وقلب الرداء في الدعاء ، لكنه غير محفوظ عن شريك ، عن أنس .\rووقت صلاة الاستسقاء وقت صلاة العيد ، وقد تقدم حديث عائشة في خروج النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لها حين بدا حاجب الشمس ، وأنه قعد على المنبر ودعا ، ثم صلى بعد ذلك .\rوذكر ابن عبد البر أن الخروج لها في أول النهار عند جماعة العلماء ، إلا أبا بكر بن حزم ؛ فإنه قالَ : الخروج إليها عندَ زوال الشمس .\rوكأنه ألحقها بالجمعة .\rولا يفوت وقتها بفوات وقت العيد ، بل تصلى في جميع النهار .\rقال بعض أصحابنا : إلا أنه لا تصلى في أوقات النهي بغير خلاف ، إذ لا حاجة إلى ذلك ، ووقتها متسع .\rومن أصحابنا من حكى وجهاً آخر بجواز صلاتها في وقت النهي ، إذا جوزنا فعل ذوات الأسباب فيه ، وهو ضعيف .\rوكذا قال الشافعي في ((الأم)) ، قال : إذا لم يصل للاستسقاء قبل الزوال يصلها بعد الظهر وقبل العصر .\rومراده : أنه لا يصلى بعد العصر في وقت النهي .\rولأصحابه في ذلك وجهان .\rومن أصحابه من قال : وقتها وقت صلاة العيد .\rومنهم من قال : أول وقتها وقت العيد ، ويمتد إلى أن يصلى العصر .\rوهذا موافق لنص الشافعي كما تقدم .\rومنهم من قال : الصحيح أنها لا تختص بوقت ، بل يجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار ، إلا أوقات الكراهة -على أصح الوجهين- ؛ لأنها لا تختص بيوم ولا تختص بوقت كصلاة الإحرام والاستخارة .\rوهذا مخالف لنص الشافعي ، لما علم من سنة النبي- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في صلاة الاستسقاء ؛ فإنهم كانوا يخرجون نهاراً لا ليلا ، وجمع الناس لصلاة الاستسقاء ليلا مما يشق عليهم ، وهو سبب لامتناع حضور أكثرهم ، فلا يكون ذَلِكَ مشروعاً بالكلية .\rوهذا بخلاف صلاة الإحرام والاستخارة ، فإنه لا يشرع لهم الاجتماع، فلا يفوت بفعلهما ليلا شيء من مصالحهما .\r* * *","part":7,"page":128},{"id":1559,"text":"19- باب\rالاستسقاء في المُصلى\r1027-حدثنا عبد الله بن محمد : أنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي بكر : سمع عباد بن تميم ، عن عمه ، : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى يستسقي ، واستقبل القبلة ، فصلى ركعتين ، وقلب رداءه .\rقال سفيان : وأخبرني المسعودي ، عن أبي بكر ، قال : جعل اليمين على\rالشمال .\rالخروج لصلاة الاستسقاء إلى المصلى مجمع عليه بين العلماء ، حتى وافق الشافعي عليه - مع قوله : إن الأفضل في العيد أن يصلى في الجامع إذا وسعهم .\rوذلك لأن الاستسقاء يجتمع له الخلق الكثير ، فهو مظنة ضيق المسجد عنهم ، ويحضره النساء والرجال وأهل الذمة والبهائم والأطفال ، فلا يسعهم غير الصحراء .\r* * *","part":7,"page":129},{"id":1560,"text":"20- باب\rاستقبال القبلة في الاستسقاء\r1028- حدثنا محمد -وهو ابن سلام -: نا عبد الوهاب : نا يحيى بن سعيد : أخبرني أبو بكر بن محمد ، أن عباد بن تميم أخبره ، أن عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى يصلي ، وأنه لما دعا -أو أراد أن يدعو- استقبل\rالقبلة ، وحول رداءه .\rوقد سبق هذا المعنى في كثير من الروايات ، وأنه حول ظهره في الدعاء إلى الناس واستقبل القبلة ، ودعا ، وسبق الكلام على معنى ذلك .\rوخرج البخاري في ((الدعاء)) من ((كتابه)) هذا ، من حديث عمرو بن يحيى ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد ، قال: خرج رسول الله إلى هذا المصلى\rيستسقي ، فدعا واستسقى ، ثم استقبل القبلة ، وقلب رداءه .\rوفي حديث عائشة : ثم اقبل على الناس ونزل .\rوفيه : دليل على أنه يُقبل على الناس بعد ذلك وقبل نزوله .\r* * *","part":7,"page":130},{"id":1561,"text":"21- باب\rرفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء\r1029- وقال أيوب بن سليمان : حدثني أبو بكر بن أبي اويس ، عن سلمان بن بلال : قال يحيى بن سعيد : سمعت أنس بن مالك ، قال : أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الماشية ، هلك العيال ، هلك الناس ، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يديه [ يدعو] ، ورفع الناس أيديهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يدعون . قال : فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا ، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى ، فاتى الرجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشق المسافر ، ومنع الطريق .\r1030- وقال الأويسي : حدثني محمد بن جعفر ، عن يحيى بن سعيد وشريك ، سمعا أنساً ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه .\rهكذا ذكر البخاري تعليقاً .\rوخرجه البيهقي من رواية أبي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الترمذي: نا أيوب بن سليمان بن بلال -فذكره ،إلا أنه قال في آخره: ((لثق المسافر ، ومنع الطريق )) .\rكذا قرأته بخط البيهقي ، وقد ضبب على لفظة ((لثق)) بخطه ، ووجدتها -أيضا- ((لثق)) من رواية أبي إسماعيل الترمذي في غير كتاب البيهقي .\rوأما الرواية التي في ((صحيح البخاري)) هي((بشق)) -بالباء .\rقال في ((المطالع)) : كذا قيده الاصيلي ، وذكر عن بعضهم أنه قال : ((بشق)) -بكسر الباء - تأخر وحبس . وقال غيره :ملَّ .وقيل : ضعف .\rوقيل : حبسَ .وقيل : هو مشتق من ((الباشق)) ، وهو طائر لا ينصرف إذا كثر المطر .\rوسئل أبو محمد بن حزم الظاهري عن هذه اللفظة ، فقال في جوابه : هي لفظة قد أعيتنا قديماً ، وما رأيت من يعرفها . ولقد أخبرني بعض إخواننا ، أنه سأل عنها جماعة ممن نظن بهم علم مثل هذا ، فما وجد فيه شيئاً ، وأكثر ما وجدنا في هذه اللفظة ما ذكره صاحب ((العين)) فقال : وأما ((بشق)) ، فلو أشتق هذا الفعل من اسم ((الباشق))\rجاز ، و((الباشق)) طائر ، وهذا كلام لا يحصل منه على كثير فائدة .\rوذكر أن السائل ذكر في سؤاله أنه قد قيل : إنه ((نشق)) -بالنون- ، وأن اللحياني ذكر في ((نوادره)) أن معنى ((نشق)) -بالنون- : كلَّ .\rقال ابن حزم : ولقد كان هذا حسناً ، إذا صح، لو وافق الرواية ، وروايتنا بالباء . انتهى ما ذكره .\rوالمنقول عن اللحياني في ((نوادره)) ، أنه قال : قد نشق فلان في حبالي ،\rونشب ، وعلق ، واستورط ، وارتبط ، واستبرق واترنبق وانربق في معنى واحد .\rوعن غيره ، أنه قال : الصواب ((نشق)) -بالنون- قال : وهو مشتق من النشقة ، وهي العقدة التي تكون على يد البعير من الصيد ، فكأنه قال : تقيد المسافر .\rوقال الخطابي في ((الأعلام)) : ((بشق)) ليس بشيء إنما هو ((لثق)) ، من","part":7,"page":131},{"id":1562,"text":"اللثوق ، وهو الوحل ، لثق الطريق والثوب : إذا أصابه ندى المطر ، وبكى الرجل حتى لثقت لحيته ، أي : اخضلت ، ويحتمل أن يكون ((مشق)) ، أي : صار منزله زلقاً ، ومنه مشق الخط ، والميم والباء متقاربان . انتهى ما ذكره .\rوالمقصود من هذا الحديث في هذا الباب : أن المأمومين يرفعون أيديهم إذا رفع الإمام يده ، ويدعون معه .\rوممن قال : إن الناس يدعون ويستسقون من الإمام : مالك وأحمد .\rوقال أصحاب الشافعي : إن سمعوا دعاء الإمام أمنوا عليه ، وإن لم يسمعوا دعوا .\rوكذا قالوا في قنوت المأموم خلف الإمام .\rوأما مذهب أحمد ، فإن لم يسمع المأموم قنوت إمامه المشروع دعا .\rوإن سمع ، فهل يؤمن ، أو يدعو ، أو يخير بينهما ، أو يتابعه في الثناء ، ويؤمن على دعائه ؟ حكي عنه فيهِ روايات .\r* * *","part":7,"page":132},{"id":1563,"text":"22-باب\rرفع الإمام يده في الاستسقاء\r1031- حدثنا محمد بن بشار : نا يحيى وابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شي من دعائه إلا في\rالاستسقاء ، وإنه كان يرفع حتى يرى بياض إبطيه .\rوقد سبق في الباب الماضي ، في الرواية التي علقها عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -رفع في دعائه يوم الجمعة بالاستسقاء حتى رئي بياض إبطيه .\rولا يوجد ذلك في كل النسخ ، وقد ذكره - تعليقا - في ((كتاب الأدعية)) في آخر ((صحيحه)) .\rوروى معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن بركة ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقى حتى رأيت - أو رئي - بياض إبطيه 0 قال معتمر : أراه في الاستسقاء .\rخرجه ابن ماجه .\rوقد رواه بعضهم ، فلم يذكر : ((بركة)) في إسناده .\rوالصواب ذكره - : قاله الدارقطنى .\rوبركة ، هو : المجاشعي .\rقال أبو زرعة : ثقة .\rوقد تقدم حديث عائشة في الاستسقاء ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يزل يرفع حتى يرى بياض إبطيه .\rوقول أنس : ((كان لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء)) ، في معناه قولان :\rأحدهما : أن أنسا اخبر عما حفظه من النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وقد حفظ غيره عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه في الدعاء في غير الاستسقاء - أيضا .\rوقد ذكر البخاري في ((كتاب الأدعية)) : ((باب : رفع الأيدي في الدعاء)) :\rوقال أبو موسى ، دعا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم رفع يديه ، ورأيت بياض إبطيه .\rوقال ابن عمر : رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه ، وقال : ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) .\rثم ذكر رواية الأويسي تعليقاً ، وقد ذكرناها في الباب الماضي .\rوالثاني : أن أنساً أراد أنه لم يرفع يديه هذا الرفع الشديد حتى يرى بياض إبطيه ، إلا في الاستسقاء .\rوقد خرّج الحديث مسلم ، ولفظه : كان النبي- صلى الله عليه وسلم - لايرفع يديه في شىء من دعائه الا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه . ومع هذا ؛ فقد رأه غيره رفع يديه هذا الرفع في غير الاستسقاء - أيضا .\rوقد خرّج البخاري في ((الأدعية)) من حديث أبي موسى ، قال : دعا النبي - صلى الله عليه وسلم -بماء فتوضأ ، ثم رفع يديه ، وقال : (( اللهم اغفر لعبيد أبي عامر )) ورأيت بياض إبطيه .\rوخرّجه مسلم -أيضا .\rوخرّجه مسلم من حديث شعبه ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : رايت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الدعاء ، حتى يرى بياض إبطيه .\rولم يذكر في هذه الروايه الاستسقاء ،لكن في روايه خرجها البيهقي : (( يعني : في الاستسقاء )) .\r[ 0 0 0 0 0 0 ] في هذا الحديث : قال شعبة : فأتيت علي بن زيد ، فذكرت ذلك له ، فقال : إنما ذلك في الاستسقاء . قلت : أسمعته من أنس ؟\rقالَ : سبحان الله 0 قلت : أسمعته من أنس ؟ قالَ : سبحان الله .","part":7,"page":133},{"id":1564,"text":"وخرّج الإمام أحمد من حديث سهل بن سعد ، قالَ : ما رأيت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - شاهرا يديه قط يدعو على منبر ولا غيره ، ما كانَ يدعو إلا يضع يديه حذو منكبيه ، ويشير بإصبعه إشارة .\rوخرّج أبو يعلى الموصلي بإسناد ضعيف ، عن أبي برزة الأسلمي ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم - رفع يديه في الدعاء حتى رئي بياض إبطيه .\rوخرّج مسلم من حديث ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر استقبل القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه : ((اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)) ، فما زال يهتف بربه ، مادا يديه ، مستقبل القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه - وذكر الحديث .\rقال الوليد بن مسلم في (( كتاب الدعاء)) : نا عبد الله بن العلاء ، قال : سمعت الزهري ومكحولا يقولان : لم نحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه كل الرفع إلا في ثلاث مواطن : عشية عرفة ، وفي الاستسقاء ، والانتصار .\rولا أعلم أحدا من العلماء خالف في استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ، وإنما اختلفوا في غيره من الدعاء ، كما سنذكره في موضعه - إن شاء الله سبحانه\rوتعالى .\rوانما اختلفوا في صفة الرفع ، على حسب اختلاف الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم -في ذلك في الاستسقاء .\rوقد روي ، عنه - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء في هذا خمسة أنواع :\rأحدها: الإشارة بإصبع واحدة إلى السماء .\rروي عامر بن خارجة بن سعد ، عن أبيه ، عن جده سعد ، أن قوما شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر ، فقال : ((اجثوا على الركب ، وقولوا : يا رب ، يا رب)) ورفع السبابة إلى السماء ، فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم .\rخرّجه الطبراني .\rوخرّجه أبو القاسم البغوي في ((معجمه)) ، وعنده : عن عامر بن خارجة ، عن جده سعد .\rوترجم عليه ((سعد أبو خارجة)) يشير إلى أنه ليس سعد بن أبي وقاص .\r[.............................................................] .\rكل الرفع إلا في ثلاث مواطن : عشية عرفة ، وفي الاستسقاء ، والانتصار .\rولا أعلم أحداً من العلماء خالف في استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ، وإنما اختلفوا في غيره من الدعاء ، كما سنذكره في موضعه - إن شاء الله سبحانه\rوتعالى .\rوإنما اختلفوا في صفة الرفع ، على حسب اختلاف الروايات عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في ذَلِكَ في الاستسقاء .\rوقد روي ، عنه - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء في هذا خمسة أنواع :\rأحدها : الإشارة بإصبع واحدة إلى السماء .\rروى عامر بن خارجة بن سعد ،؟ عن أبية ، عن جده سعد ، أن قوماً شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر ، فقالَ : (( اجثوا على الركب ، وقولوا : يا رب ، يا رب )) ورفع السبابة إلى السماء ، فسقوا حتَّى أحبوا أن يكشف عنهم .\rخرجه الطبراني .","part":7,"page":134},{"id":1565,"text":"وخرجه أبو القاسم البغوي في (( معجمه )) ، وعنده : عن عامر بن خارجة ، عن جده سعد.\rوترجم عليهِ (( سعد أبو خارجة )) ، يشير إلى أنه ليس سعد بن أبي وقاص\r[ . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ] .\rوالإشارة بالإصبع ، تارة تكون في الدعاء ، كما روي عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كانَ يفعله في دعائه على المنبر كما تقدم في (( كتاب الجمعة )) .\rوقد تقدم قريباً حديث سهل بن سعد في ذَلِكَ .\rوتاره تكون في الثناء على الله ، كما الله ، كما في التشهد ، وكما أشار النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بإصبعه بعرفة ، وقال : (( اللَّهُمَّ ، اشهد )) ، وكما أشار بإصبعه لما ركب راحلته ، وقال : (( اللَّهُمَّ ، أنت الصاحب في السفر )) .\rوروي عن أبي هريرة ، أنه قالَ : إذا دعا أحدكم فهكذا - ورفع إصبعه المشيرة -وهكذا - ورفع يديه جميعاً .\rخرجه الوليد بن مسلم في (( كتاب الدعاء )) .\rوروى عن ابن عباس ، قالَ : والاستغفار : أن يشير بإصبع واحدة .\rروي عنه مرفوعا وموقوفا ، ذكره أبو داود .\rوروى عن عائشة ، قالت : إن الله يحب أن يدعا هكذا - وأشارت بالسبابة .\rوروي عنها - مرفوعا .\rوعن ابن الزبير ، قالَ : إنكم تدعون أفضل الدعاء ، هكذا - وأشار بإصبعه .\rوعن ابن سيرين ، قالَ : إذا أثنيت على الله ، فأشر بإصبع واحدة .\rوعن ابن سمعان ، قالَ : بلغنات أنه الإخلاص .\rقالَ حرب : رأيت الحميدي يشير بالسبابة - يعني : في الدعاء - ، ويقول : هذا الدعاء ، ويقول : هذا السؤال .\rوذهب طائفة من العلماء إلى أن المصلي إذا قنت لا يرفع يديه في دعاء القنوت ، بل يشير بإصبعه .\rذكره الوليد بن مسلم في (( كتابه )) ، عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ويزيد بن أبي مريم وابن حبان وإبراهيم بن ميمون .\rونقل ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، قالَ : إن شاء رفع يديه ، وإن شاء أشار بإصبعه.\rالنوع الثاني : رفع اليدين وبسطهما ، وجعل بطونهما إلى السماء .\rوهذا هوَ المتبارد فهمه من حديث أنس في رفع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يديه في دعاء الاستسقاء يوم الجمعة على المنبر .\rوخرجه أبو داود من رواية محمد بن إبراهيم التيمي ، قالَ : أخبراني من رأي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو عندَ أحجار الزيت باسطا كفيه .\rيعني : في الاستسقاء .\rوقد خرج أبو داود وابن ماجه ، عن ابن عباس - مرفوعا - : (( إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه بظهورها )) .\rوإسناده ضعيف ، وروى مرفوعا .\rوروي - أيضا - عن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين وغيرهم .\rوروي حرب ، عن الحميدي ، قالَ هذا هوَ السؤال .\rالنوع الثالث : أن يرفع يديه ، ويجعل ظهورهما إلى القبلة ، وبطونهما مما يلي وجهه .\rوخرج أبو داود من حديث محمد بن إبراهيم التيمي ، عن عمير مولى آبي اللحم ، أنه رأى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يستسقي عندَ أحجار الزيت ، قائما يدعو ، يستسقى ، رافعا يديه قبل وجهه ، لا يجاوز بهما رأسه .","part":7,"page":135},{"id":1566,"text":"وخرجه الإمام أحمد ، وزاد : (( مقبلا بباطن كيفه إلى وجهه )) .\rوخرجه ابن حبان- بهذه الزيادة .\rوخرجه جعفر الفريابي من وجه آخر ، عن عمير ، أنه رأى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قائما يدعو ، رافعا كفيه قبل وجهه ، لا يجاوز بهما رأسه ، مقبلا ببطن كفيه إلى وجهه .\rوخرج الإمام أحمد ، من حديث خلاد بن السائب ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا دعا جعل باطن كفيه إلى وجهه .\rوفي رواية لهُ - أيضا - : كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا جعل باطن كفيه إليه وإذا استعاذ جعل ظاهر هما إليه .\rوفي إسناده اختلاف على ابن لهعية .\rوخرجه جعفر الفرابي ، وعنده - في رواية لهُ - : عن خلاد بن السائب ، عن أبيه ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا دعا جعل راحته إلى وجهه .\rوذكر الوليد بن مسلم ، عن ابن سمعان ، قالَ : بلغنا أن رفع اليدين إلى المنكبين دعاء ، وأن قلبهما والاستقبال ببطونهما وجه الإنسان تضرع ، وأن رفعهما إلى الله جدا ابتهال .\rوعن أبي عمرو ، عن خصف الجزري ، قالَ : رفع اليدين - يعني يكفيه -\rتضرع ، وهكذا - يعني : قلبهما مما يلي وجهه - رهبة .\rالنوع الرابع : عكس الثالث ، وهو أن يجعل ظهورهما مما يلي وجه الداعي .\rقالَ الجوزجاني : نا عمرو بن عاصم : نا حماد بن سلمة ، عن ثابت وحميد ، عن أنس ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - استسقى ودعا هكذا - يقبل ببياض كفية على القبلة ، وظاهر هما إلى وجهه .\rثُمَّ قالَ : وفي هذا بيان أنه قلب كفية ، وجعل ظاهر هما إلى وجهه .\rوقد تقدم في حديث خلاد بن السائب هذه الصفة -أيضا .\rوروى عن ابن عباس ، أن هذا هوَ الابتهال .\rخرجه أبو داود .\rوعنه قالَ : هوَ استجارة .\rوروي عن أبي هريرة ، أنه الاستجارة -أيضا .\rخرجه الوليد بن مسلم .\rوروي عن ابن عمر ، قالَ : إذا سأل أحدكم ربه ، فليجعل باطن كفيه إلى\rوجهه ، وإذا استعاذ فليجعل ظاهرهما إلى وجهه .\rخرجه جعفر الفريابي .\rوروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كانَ يدعو إذا رفع يديه حذو منكبيه ، ظهورهما مما يلي وجهه .\rالنوع الخامس : أن يقلب كفيه ، ويجعل ظهورهما مما يلي السماء ، وبطونهما مما يلي الأرض ، مع مد اليدين ورفعهما إلى السماء .\rخرج مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - استسقى ، فأشار بظهر كفيه إلى السماء .\rوخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي ، بسط يديه ، وجعل ظاهر هما مما يلي السماء .\rوخرجه أبو داود ، وعنده : استسقى - يعني : ومد يديه - ، وجعل بطونهما مما يلي الأرض ، حتَّى رأيت بياض إبطيه .\rوفي رواية : وهوَ على المنبر .\rخرجها البيهقي .\rوخرج أبو داود من رواية عمر بن نبهان ، تكلم فيهِ .","part":7,"page":136},{"id":1567,"text":"وخرج الإمام أحمد من رواية بشر بن حرب ، عن أبي سعيد الخدري ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا بعرفة يدعو، هكذا ، ورفع يده حيال ثندوتيه ، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض .\rوفي رواية لهُ - أيضا - : وجعل ظهر كفيه مما يل وجهه ، ورفعهما فوق\rثندوتيه ، وأسفل من منكبيه .\rوبشر بن حرب ، مختلف فيهِ .\rوقد تأول بعض المتأخرين حديث أنس على أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد قلب كفيه ، إنما حصل لهُ من شدة رفع يديه انحاء بطونهما إلى الأرض .\rوليس الأمر كما ظنه ، بل هوَ صفة مقصود لنفسه في رفع اليدين في الدعاء .\rروى الوليد بن مسلم بإسناده ، عن ابن سيرين ، قالَ : إذا سألت الله فسل ببطن كفيك ، وإذا استخرت الله ،فقل هكذا - ووجه يديه إلى الأرض - ، وقال : لا تبسطهما .\rوروى الإمام أحمد ، عن عفان ، أن حماد بن سلمة وصف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يديه بعرفة ، ووضع عفان وكفيه مما يلي الأرض .\rوقال حرب : رأيت الحميدي مد يديه ، وجعل بطن كفيه إلى الأرض ، وقال : هكذا الابتها .\rوحماد بن سلمة والحميدي من أشد الناس تشددا في السنة ، وردا على من خالفها من الجهمية والمعتزلة ونحوهم .\rوقد ذهب مالك إلى رفع اليدين في الاستسقاء على هذا الوجه :\rففي (( تهذيب المدونة )) في (( كتاب الصَّلاة )) : ضعف مالك رفع اليدين عد الجمرتين ، واستلام الحجر ، وبعرفات ، والموافق ، وعند الصفا والمروة ، وفي المشعر ، ووالاستسقاء ، وقد رئي مالك رافعا يديه في الاستقاء ، حين عزم عليهم الإمام ، وقد جعل بطونهما مما يلي الأرض ، وقال إن كانَ الرفع فهكذا .\rقالَ ابن القاسم : يريد في الاستسقاء في مواضع الدعاء .\rوكذا ذكره أصحاب الشافعي :\rففي (( شرح المهذب )) في (( الاستسقاء )) : قالَ الرافعي وغيره : قالَ العلماء : السنة لكل من الدعا لرفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وإن دعا لطلب شيء جعل بطن كفيه إلى السماء .\rوقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا في كتابه (( الشافي )) في (( كتاب الاستسقاء )) في (( باب : القول في رفع اليدين في الدعاء وصفته )) ، ثُمَّ روى فيهِ حديث قتادة ، عن أنس الذي خرجه البخاري في الدعاء وصفته )) ، ثُمَّ حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يستسقى هكذا - ومد يديه ، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتَّى بياض إبطيه.\rولم يذكر في الرفع وصفته غير ذَلِكَ ، وهذا يدل على أنه علي أنه يرى أن هذا هوَصفته رفع اليدين في الاستسقاء ، أو مطلقا ؛ لكن مع رفع اليدين إلى السماء والاجتهاد في رفعهما ، إلا أن يرى منه بياض الابطين .\r* * *","part":7,"page":137},{"id":1568,"text":"23- باب\rما يقول إذا أمطرت\rوقال ابن عباس { كصيب } [البقرة : 19 ] المطر .\rوقال غيره : صاب وأصاب يصوب .\r1032- حدثنا محمد بن مقتل أبو الحسن المروزني : أنا عبد الله -هوَ : ابن المبارك -: أنا عبيد الله ، عن نافع ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى المطر قالَ : (( صيبا نافعا )) .\rتابعه : القاسم بن يحيى ، عن عبيد الله .\rورواه الأوزاعي وعقيل ، عن نافع .\rأما ذكر المتابعات على هذا الإسناد ؛ لا ختلاف وقع فيهِ :\rفإنه روي عن عبيد الله ، عن القاسم ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير ذكر : (( نافع )) .\rوالصحيح : ذكر : (( نافع )) فيهِ .\rوقد رواه - أيضا - يحيى القطان وعبدة بن سليمان ، عن عبيد الله كذلك - : ذكره الدار قطني في (( علله )) .\rفإن كانَ ذَلِكَ محفوظا عنهما ، فكيف لم يذكر البخاري متابعتهما لابن المبارك ، وعدل عنه إلى متابعة القاسم بن يحيى ؟\rوأما عقيل ، فرواه عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة .\rوروه - أيضا - أيوب ، عن القاسم ، عن عائشة .\rخرجه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه ، ولفظ حديثه : (( اللَّهُمَّ صيبا هنيئا )) .\rوأما الأوزاعي ، فقد رواه عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة ، كما ذكره البخاري ، ولفظ حديثه : (( اللَّهُمَّ اجعله صيبا هنيئا )) .\rوقد خرج حديثه كذلك الإمام أحمد وابن ماجه .\rوفي رواية ابن ماجه : أن الأوزاعي قالَ : (( أخبرني نافع )) ، كذا خرجه من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين ، عنه .\rوقد روي التصريح بالتحديث فيهِ عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي -أيضا .\rورواه إسماعيل بن سماعة ، عن الأوزاعي ، عن رجل ، عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة .\rوقال البابلتي : عن الأوزاعي ، عن محمد بن الوليد الزبيدي ، عن نافع ، عن القاسم ، عن عائشة .\rوقال عقبة بن علقمة : عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن نافع عن القاسم ، عائشة .\rقالَ الدار قطني : وهو غير محفوظ .\rوقال عيسى بن يونس وعباد بن جويرية : عن الأوزاعي ، عن الزهري عن القاسم ، عن عائشة - من غير ذكر : (( نافع )) .\rوكذا روي عن ابن المبارك ، عن الأوزاعي .\rقالَ الدارقطني : فإن كانَ ذَلِكَ محفوظا عن الأوزاعي ، فهوَ غريب عن الزهري .\rوخرجه البيهقي من رواية الوليد بن مسلم : نا الأوزاعي : حدثني نافع ثُمَّ قالَ : كانَ ابن معين يزعم أن الأوزاعي لم يسمع من نافع شيئا .\rثُمَّ خرجه من طريق الوليد مزيد : نا الأوزاعي : حدثني رجل ، عن نافع - فذكره .\rقالَ : وهذا يشهد لقول ابن معين.\rقلت : وقد سبق الكلام على رواية الأوزاعي عن نافع في (( باب : حمل العنزة بين يدي الإمام يوم العيد )) ؛ فإن البخاري خرج حديثا للأوزاعي عن نافع مصرحا فيهِ بالسماع .\rوقد روي هذا الحديث عن عائشة من وجه آخر .","part":7,"page":138},{"id":1569,"text":"خرجه الإمام أحمد وأبو داود ووالنسائي وابن ماجه من حديث المقدم بن شريح ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النَّبيّ ، كانَ إذا أمطر قالَ : (( اللَّهُمَّ صيبا هنيئا ))- لفظ أبي دواد .\rولفظ النسائي : (( اللَّهُمَّ اجعله سيبا نافعا )) .\rولفظ ابن ماجه : (( اللَّهُمَّ ، سيبا نافعا )) - مرتين أو ثلاثا .\rوفي رواية لابن أبي الدنيا في (( كتاب المطر )) : (( اللَّهُمَّ سقيا نافعا )) .\rوخرج مسلم من طريق جعفر بن محمد ، عن عطاء ، عن عائشة ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقول إذا رأى المطر : (( رحمة )) .\rوقد أشار البخاري إلى تفسير قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( صيبا هنيئا )) ، فذكر عن ابن عباس ، أن الصيب هوَ المطر .\rوقد خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب (( كتاب المطر )) من رواية هارون بن عنترة ، عن أبيه ، عن ابن عباس .\rوقال غيره : هوَ المطر الشديد .\rوقد ذكر البخاري عن بعضهم ، أن الفعل الماضي منه : (( صاب وأصاب )) ، والمضارع منه : (( يصوب)) .\rوهذا عجيب ؛ فإن (( أصاب )) إنما تقال في ماضي (( يصيب )) ، من الإصابة التي هي ضد الخطإ .\rوأما (( صاب يصوب )) ، فنعمناه : نزل من علو إلى سفل .\rوأما رواية من روى (( سيبا )) بالسين ، فيجوز أن تكون السين مبدلة من\rالصاد .\rوقيل : بل هوَ بسكون الياء ، معناه : العطاء .\rوروي عن محمد بن أسلم الطوسي ، أنه رجح هذه الرواية ؛ لأن العطاء يعم المطر وغيره من أنواع الخير والرحمة وفي هذه الأحاديث كلها : الدعاء ببأن يكون النازل من السماء نافعا ، وذلك سقيا الرحمة ، دون العذاب .\rوروي ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن عبد الملك بن جابر بن عتيك ، أن رجلا من الأنصار كانَ قاعداً عندَ عمر في مطر ، فأكثر الأنصار الدعاء بالاستسقاء ، فضربه عمر بالدرة ، وقال : ما يدريك يكون في السقيا ألا تقول : سقيا وادعة ، نافعة ، تسع الأموال والأنفس .\r* * *","part":7,"page":139},{"id":1570,"text":"24 - باب\rمن تمطر [ في المطر ] حتَّى يتحار على لحيته\rخرج فيهِ :\r1033- حديث : الأوزاعي : نا إسحاق بن عبد الله : نا أنس ، قالَ : أصاب الناس سنة على النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rفذكر الحديث ، وقد تقدم في (( كتاب الجمعة )) بتمامه ، وفيه :\rثُمَّ لم ينزل - يعني : النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -عن منبره حتَّى رأيت المطر يتحادر على لحيته .\rخرجه من طريق ابن المبارك ، عن الأوزاعي .\rوفي الاستدال بهذا الحديث على التمطر نظر ؛ فإن معنى التمطر : أن يقصد المستسقي أو غيره الوقوف في المطر يصيبه ، ولم يعلم أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قصد الوقوف في ذَلِكَ اليوم على منبره حتَّى يصيبه المطر ، فلعله إنما وقف لإتما الخطبة خاصة .\rوفي الاستمطار أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري :\rفخرج مسلم ، من رواية جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس ، قالَ -قالَ أنس -: أصابنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطر ، فحسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبه ، حتَّى أصابه من المطر ، فقلنا : يارسول الله ، لم صنعت هذا ؟ قالَ (( لأنه حديث عهد بربه )) .\rوخرج ابن أبي االدنيا ، من رواية الربيع بن صبيح ، عن زيد الرقاشي ، عن أنس ، قالَ : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقي ثيابه أول مطره ، ويتمطر .\rوالرقاشي ، ضعف جدا .\rوروى بإسناده ، عن جابر الجعفي ، عن عبد الله بن نجي ، قالَ : كانَ علي -- رضي الله عنه - إذا مطرت السماء خرج فإذا أصاب صلعته الماء مسح رأسه ووجهه وجسده ، وقال : (( بركة نزلت من السماء لم تمسها يد ولا سقاء )) .\rوبإسناده ، عن عبد الله بن مؤمل ، عن ابن أبي مليكة ، قالَ : كانَ ابن عباس يتمطر ، يقول : يا عكرمة ، أخرج الرحل ، أخرج كذا ، أخرج كذا ، حتَّى يصيبه\rالمطر .\rوبإسناده ، عن وكيع ، عن أم غراب ، عن نباتةة ، قالَ : كانَ عثمان بن عفان يتمطر .\rوبإسناده ، عن أبي الأشعر ، قالَ : رأيت أبا حكيم إذا كانت أول مطر تجرد ، ويقول : إن عليا كانَ يفعله ، ويقول ، أنه حديث عهد بالعرش .\rوهذا يدل على أن عليا كانَ يرى أن المطر ينزل من البحر الذي تحت العرش .\rوحديث العباس بن عبد المطلب ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -في ذكر السحاب والمزن\rوالعنان ، وبعد ما بين السماء والأرض ، وبعد ما بين السموات بعضهما من بعض ، وأن فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله ، مثل ما بين سماء إلى سماء -شهد ذَلِكَ .\rوقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم .\rوقال : صحيح الإسناد.\rوقال الترمذي : حسن غريب .\rوكذلك قاله عكرمة وخالد بن معدان وغيرهما من السلف : أالمطر ينزل من تحت العرش .\rوروي عن ابن عباس من وجوه ما يدل عليهِ .\rوأما من قالَ : أن المطر كله من ماء البحر ؛ فإنه ما لا علم لهُ به .\rفإن استدل بإنه يشاهد اغتراف السحاب من البحر ، فقد حكم حكما كليا بنظر جزئي ، ومن أين لهُ أن كل السحاب كذلك ؟","part":7,"page":140},{"id":1571,"text":"وقد خرج ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن خالد بن يزيد : منه من السماء ، فلا ما يستقيه الغيم من البحر ، فيعذبه الرعد والبرق ، فإما ما يكون من البحر ، فلا يكون لهُ نبات ، وأما النبات فما كانَ من ماء السماء ، وقال إن شئت أعذبت ماء البحر ، فأمر بقلال من ماء ، ثُمَّ وصف كيف يصنع حتَّى تعذب .\rونص الشافعي وأصحابنا على استحباب التمطر في أول مطرة تنزل من السماء في السنة .\rوحديث أنس الذي خرجه البخاري إنما يدل على التمطر بالمطر النازل\rبالاستسقاء ، وإن لم يكن أول مطرة في تلك السنة .\r* * *","part":7,"page":141},{"id":1572,"text":"25-باب\rإذا هبت الريح\r1034-حديثا سعيد بن أبي مريم : أنا محمد بن جعفر : أخبرني حميد ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذَلِكَ في وجه النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rإنما كانَ يظهر في وجه النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الخوف من اشتداد الريح ؛ لأنه كانَ يخشى أن تكون عذابا أرسل إلى أمته .\rوكان شدة الخوف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - على أمته شفقة عليهم ، كما وصفة الله سبحانه وتعالى بذلك في قوله : { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة: من الآية128].\rولما تلا عليهِ ابن مسعود : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً } [النساء:41] بكى .\rولما تلا قوله : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الآية [المائدة: من الآية118] بكى ، وقال : (( اللَّهُمَّ ، أمتي ،أمتي )) ، فأرسل الله جبريل يقول لهُ : (( إن الله يقول : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك )) .\rوكان يقول : (( شيبتني هود وأخواتها )) .\rوجاء في رواية مرسلة : (( قصفن علي الأمم )) .\rيشير إلى أن شيبه منها ما ذكر من هلاك الأمم قبل أمته وعذابهم .\rوكان عندَ لقاء العدو يخاف على من معه من المؤمنين ، ويستغفر لهم ، كما فعل يوم بدر ، وبات تلك الليلة يصلي ويبكي ويستغفر لهم ، ويقول : (( اللَّهُمَّ ، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض )) .\rوكل هذا من خوفه وشفقته من اشتداد الريح :\rوقد جاء في رويات متعددة : التصريح بسبب خوفه من اشتداد الريح :\rففي (( الصحيحين )) من حديث سليمان بن يسار ، عن عائشة ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذَلِكَ في وجهه ، فقلت : يارسول الله : أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا ؛ رجاء أن يكون فيهِ المطر ، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك\rالكراهية ؟ فقالَ : (( يا عائشة ، يؤمني أن يكون فيهِ عذاب ، قد عذب قوم بالريح ، وقد العذاب ، فقالوا { هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } [الاحقاف: من الآية24])) .\rوخرجا - أيضا - من رواية ابن جريح ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ، ودخل وخرج ، وتغير وجهه ، فإذا أمطرت السماء سري عنه ، فعرفته عائشة ذَلِكَ ، فقالَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( وما أدري لعله كما قالَ قوم : { فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } [الاحقاف: من الآية24] الآية )) .\rوزاد مسلم - في أوله - : كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا عصفت الريح قالَ : (( اللَّهُمَّ ، أني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به )) .\rوخرجه النسائي ، ولفظه : (( كانَ إذا رأى ريحا )) بدل : (( مخيلة )) .","part":7,"page":142},{"id":1573,"text":"وخرج مسلم -أيضا - من حديث جعفر بن محمد ، عن عطاء ، عن عائشة ، قالت : كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانَ يوم الريح والغيم عرف ذَلِكَ في وجهه ، فأقبل\rوأدبر ، فإذا مطر سر به ، وذهبت عنه ذَلِكَ . قالت عائشة : فسألته ، فقالَ : (( إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي )).\rوخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث المقدام بن شريح ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا رأى سحابا مقبلا من أفق من الآفاق ترك ما هوَ فيهِ ، وإن كانَ صلاته ، حتَّى يستقبله ، فيقول : (( اللَّهُمَّ ، إنا نعوذ بك من شر ما أرسل)) ، فإن أمطر قالَ : (( اللَّهُمَّ سقيا نافعا )) -مرتين أو ثلاثا - ، فإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذَلِكَ .\rولفظه لابن ماجه .\rوخرجه أبو داود ، ولفظه : كانَ إذا رأى ناشئا في أفق السماء ترك العمل ، وإن كانَ في الصَّلاة ، ثُمَّ يقول : (( اللَّهُمَّ ، أني أعوذ بك من شرها )) .\rوخرجه أبو داود ، ولفظه : كانَ إذا رأى ناشئا في أفق السماء ترك العمل ، وإن كانَ في صلاة ، ثُمَّ يقول : (( اللَّهُمَّ ، إني أعوذ بك من شرها )).\rوخرجه ابن السني ، ولفظه : كانَ إذا رأى في السماء ناشئا ، غبارا أو ريحا ، استقبله من حيث كانَ ، [ وإن كانَ في الصَّلاة] تعوذ بالله من شره .\rوكذا خرجه ابن أبي الدينا .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي في (( اليوم والليلة )) وابن ماجه وابن حبان في (( صحيحه )) من حديث أبيه هريرة ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( لا تسبوا الريح ، فإذا رأيتم ما تكرهون فقالوا : اللَّهُمَّ ، إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيهِا ، وخير ما أمرت به ، ونعوذ بك منشر هذه الريح ، وشر ما فيها وشر ما أمرت به )) .\rوقال : حسن صحيح .\rوخرجه النسائي في (( اليوم والليلة )) مرفوعا وموقوفا علي أبي كعب - رضي الله عنه - .\rوفي الباب : أحاديث أخر متعددة .\rوروي عن ابن مسعود ، قالَ : لا تسبوا الريح ؛ فإنها بشر ونذر ولواقح ، ولكن استعيذوا بالله من شر ما أرسلت به .\rوعن ابن عباس ، قالَ : لا تسبوا الريح ؛ فإنها تجئ بالرحمة ، وتجئ بالعذاب ، وقولوا : اللَّهُمَّ ، اجعلها رحمة ، ولا تجعلها عذابا .\rخرجهما ابن أبي الدنيا .\rوخرج - أيضا - بلإسناده ، عن علي ، أنه كانَ إذا هبت الريح قالَ : اللَّهُمَّ ، إن كنت أرسلتها رحمة فارحمني فيمن ترحم ، وإن كنت أرسلتها عذابا فعافني فيمن تعافي .\rوبإسناده ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يقول إذا عصفت الريح : شدوا التكبير ؛ منتقع اللون ، فقالَ : مالك يا أمير المؤمنين ؟ قالَ : ويحك ، وهل هلكت أمة إلا بالريح ؟\r* * *","part":7,"page":143},{"id":1574,"text":"26-باب\rقول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : (( نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ))\r1035حدثنا مسلم :ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ،\rأن النَّبيّ صلى الله عليهِ وسلم قالَ : ((نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ))0\rوخرجه مسلم من طريق شعبة -أيضا 0ومن طريق الأعمش ، عن مسعود بن مالك ،\rعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس 0 عن النَّبيّ صلى الله عليةوسلم الأحد بمثله 0\rوهذا مما يدل على أن الريح تأتي تارة بالرحمة ،وتارة بالعذاب 0\rوخرج الحاكم من حديث جابر ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أنه كانَ يدعو : ((اللَّهُمَّ ، أعوذ بك من شر الريح ، ومن شر ما تجيء به الريح ، ومن ريح الشمال ؛ فإنها الريح العقيم )) .\rبسم الله الرحمن الرحيم\r16\rكتاب الكسوف\r1- باب\rالصلاة في كسوف الشمس\rفيه أربعة أحاديث :\rالحديث الأول :\r1040- نا عمرو بن عون : نا خالد ، عن يونس ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنكسفت الشمس ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -يجر رداءه ، حتى دخل المسجد ، [ فدخلنا] ، فصلى بنا ركعتين ، حتى انجلت الشمس ، فقال : (( إن الشمس والقمر لاينكسفان لموت أحد ، فإذا رأيتموهما فصلوا ، وادعوا ، حتى يكشف ما\rبكم )) .\rسماع الحسن من أبي بكرة صحيح عند علي بن المديني والبخاري وغيرهما ، وخالف فيه ابن معين ، وقد سبق ذلك .\rوقد ذكر البخاري -فيما بعد- أن مبارك بن فضالة رواه عن الحسن ، قال : حدثني أبو بكرة .\rوخرجه الإمام أحمد كذلك .\rوقد رواه قتادة ، عن الحسن ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي- صلى الله عليه وسلم -.\rخرج حديثه النسائي .\rوهذا مخالف لروايات أصحاب الحسن ، عنه ، عن أبي بكرة .\rوجر النبي- صلى الله عليه وسلم -رداءه هاهنا ؛ لأنه قام عجلا دهشا ، كما في حديث أبي موسى : ((فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة )) ، وسيأتي -فيما بعد .\rوإنما يكره جر الرداء تعمدا لذلك .\rوفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث : (( فقام يجر ثوبه مستعجلاً )) .\rوقوله : ((فصلى بنا ركعتين)) ، لم يذكر صفة الركعتين .\rوقد رواه ابن علية ويزيد بن زريع ، عن يونس ، فزادا في الحديث : ((فصلى بهم ركعتين نحو ما يصلون )) .\rوخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) من رواية أشعث ، عن الحسن ، عن أبي\rبكرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين ، مثل صلاتكم .\rوخرجه النسائي ، ولم يذكر : ((القمر)) ، وعنده : ((مثل صلاتكم هذه)) .\rوقال ابن حبان : أراد به مثل صلاتكم في الكسوف .\rوهذا التأويل متجه في رواية ابن علية ويزيد بن زريع ، عن يونس - أيضا .\rوبذلك تأولها البيهقي 0\rوالمتبادر إلى الفهم : التشبيه بصلاة ركعتين ، يتطوع بهما .\rوهذا مما تعلّق به من قال : إن صلاة الكسوف ليس فيها ركوع زائد ، وسيأتي ذكره - إن شاء الله سبحانه تعالى 0\rوفيه دليل على أن صلاة الكسوف تستدام حتى تنجلي الشمس .","part":7,"page":144},{"id":1575,"text":"وقوله : ((إنهما لا يكسفان لموت أحد)) ، إشارة إلى قول الناس : (( إن الشمس كسفت لموت إبراهيم عليه السلام )) .\rوفي رواية خرجها البخاري -فيما بعد- : ((وذلك أن ابنا للنبي مات ، يقال له : إبراهيم ، فقال الناس في ذلك )) .\rو[ روى ] هذا الحديث محمد بن دينار الطاحي ، عن يونس ، فزاد في الحديث : ((وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له )) .\rخرجه الدارقطني .\r[ وقال ] - : تابعه : نوح بن قيس ، عن يونس .\rوخرجه -أيضا- من رواية بكار بن يونس : [ ثنا ] حميد ، عن الحسن ، عن أبي بكرة - بهذه الزيادة - أيضا 0\rورويت هذا 000000000000000000000000000000000000\r0000000000000000000000000000000000000000000\r0000000000000000000000000000000000000000000\r* * *","part":7,"page":145},{"id":1576,"text":"21\rكتاب\rالعمل في الصلاة\r1- باب\rاستعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة\rوقال ابن عباس : يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء .\rووضع أبو إسحاق قلنسوته في الصلاة ، ورفعها .\rووضع علي كفه على رسغه الأيسر ، إلاّ أن يحك جلداً ، أو يصلح ثوباً .\rشرع البخاري من هاهنا في الكلام فيما يجوز من الأفعال في الصلاة ، وما يكره فيها ، وما لايجوز .\rوابتدأ من ذلك باستعانة المصلي بيده في صلاته ، فيما يحتاج إليه من أمر صلاته .\rوحكى عن ابن عباس ، قال : يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء .\rوعن أبي إسحاق ، أنه وضع قلنسوته في صلاته ورفعها .\rوالظاهر : أن هذا كان لحاجة ، وإلاّ لكان عبثاً ، وهو مكروه .\rوعن علي بن أبي طالب ، أنه وضع كفه على رسغه الأيسر ، إلاّ أن يحك جسداً أو يصلح ثوباً .\rروي وكيع في ((كتابه)) عن عبد السلام بن شداد الجريري ، عن غزوان بن جرير الضبي ، عن أبيه ، قال : كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغه ، فلا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع ، إلاّ أن يصلح ثوبه ، أو يحك جسده .\rوروى بإسناده ، عن إبراهيم ، أنه كره أن يحدث الرجال في الصلاة شيئاً ، حتى زر القميص . قال : وكان إبراهيم لايرى بأساً إذا استرخى إزاره في الصلاة أن يرفعه .\rوروى عبد الرزاق في((كتابه))، عن الثوري ،عن منصور ،عن مجاهد ، قال : كان يقال في مسح اللحية في الصلاة : واحدة او دع 0\rوعن هشيم : أخبرني حصين ، عن عبد الملك بن سعيد ، قال : قد كان النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى وضع يده اليمنى على يده اليسرى ، وكان ربما يضع يده على لحيتة في الصَّلاة .\rوخرجه أبو داود في ((مراسيله)) من رواية شعبة ، عن حصين ، عن عبد الملك بن أخي عمرو بن حريث ، عن النَّبيّ- صلى الله عليه وسلم -.\rوذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج : سألت عطاء عن الاحتكاك في الصلاة ، والارتداء ، والاتزار ؟ قالَ : كل ذَلِكَ لا تفعله في الصَّلاة .\rوهذا محمول على أنه لم يكن لهُ حاجة إليه .\rوالمروي عن علي محمول [على] أنه كان يفعله للحاجة إليه .\rوقال سفيان الثوري : يكره أن يلبس النعل أو الرداء ، وأن يضع القلنسوة على رأسه ، وينزع خفيه أو نعليه ، إلاّ لشيء يؤذيه ، ولا بأس أن يحك شيئاً من جسده ، إذا آذاه ذَلِكَ .\rوعند أصحابنا : كل عمل يسير يعرض في الصلاة لحاجة فلا يكره .\rواستدلوا بما خرجه مسلم -رحمة الله- من حديث وائل بن حجر ، أنه رأى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة ، كبر ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى على يده اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ، ثم رفعهما ،[ثم] كبر فركع - وذكر الحديث .\rومذهب الشافعي نحوه -أيضا .\rوروى حرب ، عن أحمد في الرجل يسقط رداؤه عن ظهره في الصَّلاة ، فيحمله ، قال : أرجو أن لا يضيق ذلك .\rوروى حرب بإسناده ، عن أبي جعفر والشعبي ، قالا : لا بأس أن يسوي الرجل رداءه في الصلاة .","part":7,"page":146},{"id":1577,"text":"وقال حرب : سألت أحمد عن الرجل يصلي فتحتك ساقه ، فيحكه ؟ فكأنه كرهه . قلت : يحكه بقدمه ؟ قالَ : هوَ بالقدم أسهل ، وكانه رخص فيهِ .\rومن متأخري أصحابنا من قالَ : الحك الذي لا يصبر عنه المصلي لا يبطل صلاته وإن كثر .\rخرج في هذا الباب :\r1198-حديث : مالك ، عن مخرمة ، عن كريب ، عن ابن عباس، قالَ : بت عند خالتي ميمونة .\rفذكر الحديث في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -بالليل ، وصلاة ابن عباس معه .\rوفيه : قال :\rفقمت إلى جنبه ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يده اليمنى على رأسي ، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها بيده ، فصلى .\rوذكر الحديث ، وقد سبق بتمامه في غير موضع .\rوخرجه مسلم - أيضا .\rوخرجه من طريق الضحاك بن عثمان ، عن مخرمة ، وفي روايته :\rفقمت إلى جنبه الأيسر ، فأخذ بيدي فجعلني في شقه الأيمن ، فجعل إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني .\rفتبين بهذه الرواية : أن أخذ النبي- صلى الله عليه وسلم -بأذن ابن عباس في الصلاة إنما كان عند\rنعاسه ، إيقاظا له .\rوكذلك خرجه أبو داود والنسائي من رواية سعيد بن أبي هلال ، عن مخرمة ، وفي حديثة : فقمت إلى جنبه ، عن يساره ، فجعلني عن يمينه ، ووضع يده على رأسي ، وجعل يمسح أذني ، كأنه يوقظني .\rفهاتان الروايتان : فيهما دلالة على أنه إنما أخذ بأذنه بعد أن أداره عن يمينه .\rوفيه : رد على من زعم : أن أخذه بأذنه وفتلها إنما كان ليديره عن شماله إلى\rيمينه ، كما قاله ابن عبد البر .\rقال : وهذا المعنى لم يقمه مالك في حديثه ، وقد ذكره أكثر الرواة .\rقالَ : وقيل : إنما فتل أذنه ليذكر ذلك ولا ينساه . وقيل : ليذهب نومه .\rانتهى .\rورواية الضحاك مصرحة بهذا المعنى الأخير ، ورواية سعيد بن أبي هلال تدل عليه - أيضا .\r* * *","part":7,"page":147},{"id":1578,"text":"2- باب\rما ينهى عنه من الكلام في الصلاة\rوفيه حديثان :\rالأول :\r1199- ثنا ابن نمير : ثنا ابن فضيل : ثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قالَ : كنا نسلم على النبي- صلى الله عليه وسلم -وهو في الصلاة ، فيرد علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ، فلم يرد علينا ، وقال : ((إن في الصلاة لشغلاً )) .\rحدثنا ابن نمير : ثنا إسحاق بن منصور السلولي : ثنا هريم بن سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم --نحوه .\rوخرجه -أيضا- في مواضع أخر ، من رواية أبي عوانة عن الأعمش - نحوه .\rورواه أيضا- أبو بدر شجاع بن الوليد ، عن الأعمش - بهذا الإسناد .\rوإنما احتيج إلى ذكر هذه المتابعات عن الأعمش ؛ لأن الثوري وشعبة وزائدة وجريراً وأبا معاوية وحفص بن غياث رووه ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الله ، لم يذكروا فيهِ : ((علقمة)) ، فيصير منقطعاً .\rوقد رجح انقطاعه كثير من الحفاظ ، [منهم] : أبو حاتم الرازي .\rوقال في رواية ابن فضيل الموصولة : أنها خطأ .\rوقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد : الذين أرسلوه أثبت ممن وصله .\rقال : ورواه الحكم بن عتبة -أيضا- ، عن إبراهيم ، عن عبد الله مرسلا -أيضا- إلاّ ما رواه أبو خالد الأحمر ، عن شعبة ، عن الحكم موصولاً ؛ فإنه وهم فيهِ أبو خالد . انتهى .\rوتصرف البخاري يدل على خلاف ذلك ، وأن وصله صحيح .\rوكذلك مسلم في ((صحيحه)) ؛ فإنه خرجه من طريق ابن فضيل وهريم بن سفيان - موصولا - كما خرجه البخاري 0\rوله عن ابن مسعود طريق اخرى متعددة ، ذكرتها مستوفاة في ((شرح\rالترمذي)) .\rوقال البخاري في أواخر ((صحيحه)) :\rوقال ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله يحدث من أمره ما يشاء ، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة)) .\rوهذا الحديث المشار إليه ، خرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن عيينة ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيرد علينا السلام ، حتى قدمنا من أرض الحبشة ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فأخذني ما قرب وما بعد ، فجلست حتى إذا قضى الصلاة قال : ((إن الله يحدث)) - فذكره .\rورواه الحميدي وغيره من أصحاب سفيان ، عنه ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود .\rوزعم الطبراني : أنه المحفوظ .\rقلت : عاصم ، هو : ابن أبي النجود ، كان يضطرب في حديث زر وأبي وائل ، فروى الحديث تارة عن زر ، وتارة عن أبي وائل .\rقال الطبراني : ورواه عبد الغفار بن داود الحراني ، عن ابن عيينه ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عبد الله .\rقال : فإن كان حفظه ، فهو غريب .\rقلت : ليس هو بمحفوظ ، إنما المحفوظ رواية : سفيان ، عن عاصم -كما تقدم .","part":7,"page":148},{"id":1579,"text":"وخرج النسائي - أيضا- من طريق سفيان ، عن الزبير بن عدي ، عن كلثوم ، عن ابن مسعود ، قال : كنت آتي النبي - صلى الله عليه وسلم -وهو يصلي ، فأسلم عليه ، فيرد عليَّ ، فأتيته ، فسلمت عليه وهو يصلي ، فلم يرد عليَّ ، فلما سلم أشار إلى القوم ، فقال : ((إن الله\rعز وجل -يعني- أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلاّ بذكر الله ، وما ينبغي لكم ، وأن تقوموا لله قانتين )) .\rوكلثوم ، هو : ابن المصطلق الخزاعي ، يقال : له صحبة ، وذكره ابن حبان في ((كتابه)) من التابعين .\rوقوله : ((إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة)) إشارة إلى أنه شرع ذلك بعد أن لم يكن شرعه ، ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه 0\rالحديث الثاني :\r1200- ثنا إبراهيم بن موسى : ثنا عيسى -هو : ابن يونس - :ثنا إسماعيل -هو: ابن أبي خالد -، عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال : قال لي زيد بن أرقم : إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيكلم أحدنا صاحبه\rبحاجته ، حتى نزلت : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } [البقرة : 238] فأمرنا بالسكوت .\rوخرجه مسلم ، وزاد فيه : ((ونهينا عن الكلام)) ، وليس عنده : ذكر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوخرجه النسائي ، وعنده : ((فأمرنا حينئذ بالسكوت)) .\rوخرجه الترمذي ، ولفظه : كنا نتكلم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في الصلاة ، فيكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه ، حتى نزلت { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } [البقرة: 238] . قال : فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام .\rوهذه الرواية صريحة برفع آخره .\rواختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة : هلا كان بمكة، او بالمدينة ؟ فقالت طائفة : كانَ بمكة .\rواستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة ، وإنما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة ، ثم هاجر إلى المدينة ، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره .\rويعضد هذا : أنه روي : أن امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله : { وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الأعراف:204] وهذه الآية مكية .\rفروى أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن المسيب بن رافع ، قال : قال ابن مسعود :\rكنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فجاء القرآن { وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } .\rوأخرجه ابن جرير وغيره .\rوهذا الإسناد منقطع ؛ فإن المسيب لم يلق ابن مسعود .\rوروى الهجري ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة ، قالَ : كانوا يتكلمون في الصَّلاة ، فلما نزلت هذه الآية { وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ } والآية الأخرى ، قالَ : فأمرنا بالإنصات .\rوخرجه بقي بن مخلد في ((مسنده)) .\rوخرجه غيره ، وعنده : (( أو الآية الأخرى )) - بالشك .\rوالهجري ، ليس بالقوي .","part":7,"page":149},{"id":1580,"text":"ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم ، الذي خرجه البخاري هاهنا ؛ فإن زيداً الأنصاري ، لم يصل خلف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -بمكة ، إنما صلى خلفه بالمدينة ، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } [البقر: 238] .\rوهي مدنية بالاتفاق .\rوأجاب أبو حاتم ابن حبان - وهو ممن يقول : إن تحريم كلام كان بمكة -: واجيب عن هذا بجوابين :\rأحدهما : أن زيد بن أرقم حكى حال الأنصار وصلاتهم بالمدينة قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، وأنهم كانوا يتكلمون حينئذ في الصلاة ؛ فإن الكلام حينئذ كانَ مباحاً ، وكان النَّبيّ إذ ذاك بمكة ، فحكى زيد صلاتهم تلك الأيام ، لا أن نسخ الكلام كانَ بالمدينة .\rقلت : هذا ضعيف ؛ لوجهين :\rأحدهما : أن في رواية الترمذي : (( كنا نتكلم خلف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -في الصَّلاة )) ، فدل على أنه حكى حالهم في صلاتهم خلف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -بعد هجرته إلى المدينة .\rوالثاني : أنه ذكر أنهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الاية ، وهي إنما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق ، فعلم أن كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة ، حتى نزلت هذه الآية 0\rثم قال ابن حبان :\rوالجواب الثاني : أن زيدا حكى حال الصحابة مطلقا ، من المهاجرين وغيرهم ، ممن كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل تحريم (( الكلام )) في الصلاة ، ولم يرد الأنصار، ولا أهل المدينة بخصوصهم ، كما يقول القائل : فعلنا كذا ، وإنما فعله بعضهم .\rقلت : وهذا يرده قوله : (( حتى نزلت الآية )) ؛ فإنه يصرح بأن كلامهم استمر إلى حين نزولها ، وهي إنما نزلت بالمدينة .\rوأجاب غير ابن حبان بجوابين آخرين :\rأحدهما : أنه يحتمل أنه كان نهي عن الكلام متقدما ، ثم أذن فيه ، ثم نهي عنه لما نزلت الآية .\rوالثاني : أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما نزلت الآية انتهوا .\rوكلا الجوابين فيه بعد ، وإنما انتهوا عند نزول الآية ، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت ، ونهيه عن الكلام ، كما تقدم .\rوقال طائفة أخرى : إنما حرم الكلام في الصلاة بالمدينة ؛ لظاهر حديث زيد بن أرقم ، ومنعوا أن يكون ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ، وقالوا : إنما رجع من الحبشة إلى المدينة ، قبيل بدر .\rواستدلوا بما خرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) من حديث عبد الله بن\rعتبة ، عن ابن مسعود ، قال : بعثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ، ونحن ثمانون رجلا ، ومعنا جعفر بن أبي طالب - فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي ، وفي آخره - : فجاء ابن مسعود ، فبادر ، فشهد بدرا .","part":7,"page":150},{"id":1581,"text":"وروى آدم ابن أبي إياس في ((تفسيره)) : حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب ، قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -المدينة ، والناس يتكلمون بحوائجهم في الصلاة ، كما يتكلم أهل الكتاب ، فأنزل الله { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } [البقرة:238] ، فسكت القوم عن الكلام .\rوهذا مرسل . وأبو معشر ، هو : نجيح السندي ، يتكلمون فيه .\rوقد اتفق العلماء على أن الصلاة تبطل بكلام الآدميين فيها عمدا لغير مصلحة الصلاة ، واختلفوا في كلام الناسي والجاهل والعامد لمصلحة الصلاة .\rفأماكلام الجاهل ، فيأتي ذكره - قريبا .\rوأما كلام الناسي والعامد لمصلحة ، فيأتي ذكره في (( أبواب سجود السهو )) قريبا - إن شاء الله تعالى .\r* * *","part":7,"page":151},{"id":1582,"text":"... ... ... ... ... ...\r3- باب\rما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال\r1021-حدثنا عبد الله بن مسلمة : ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد ، قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم -يصلح بين بني عمرو بن عوف ، وحانت الصلاة ، فجاء بلال أبا بكر ، فقال : حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فتؤم الناس ؟ فقالَ : نعم ، إن شئتم ، فأقام بلال الصَّلاة -، فتقدم أبو بكر فصلى ، فجاء النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يمشي في الصفوف يشقها شقاً ، حتَّى قام في الصف الأول ، فأخذ الناس بالتصفيح - قالَ سهل : تدرون ما التصفيح ؟ هو التصفيق - ، وكان أبو بكر لايلتفت في صلاته ، فلما أكثروا إلتفت ، فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصف ، فأشار إليه مكانك ، فرفع أبو بكر يديه ، فحمد الله ، ثم رجع القهقرى\rوراءه ، وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فصلى .\rالتصفيق والتصفيح ، من الناس من قال : هما بمعنى واحد -: قاله الأصمعي\rوغيره .\rوقال الخطابي : التصفيح : التصفيق بصفحتي الكف .\rوقيل : التصفيق : ضرب بباطن الراحة على الأخرى . والتصفيح : الضرب بظاهر الكف على ظهر الأخرى ، ويكون المقصود به : الإعلام والإنذار ، بخلاف التصفيق ؛ فإنه يراد به الطرب واللعب 0 والله أعلم .\rوقد سبق هذا الحديث في ((أبواب الإمامة)) ، خرجه البخاري فيها من رواية مالك ، عن أبي حازم .\rوذكرنا هنالك عامة فوائده ، وأشرنا إلى الاختلاف فيمن حمد الله في صلاته أو سبح لحادث حدث له ، وهل تبطل بذلك صلاته ، أم لا ؟\rوذكرنا ذَلِكَ - أيضا - في ((باب : إجابة المؤذن)) .\rوأكثر العلماء على أنه لا تبطل صلاته بذلك .\rفحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور .\rوهو - أيضا - قول مالك والشافعي .\rوسواء قصد بذلك تنبيه غيره ، أم لم يقصد .\rقال إسحاق - فيما نقله ، عنه حرب - : إن قرأ آية فيها ((لا إله إلا الله )) ، فأعادها لاتفسد صلاته ، وإن انقض كوكب ، فقال : ((لا إله إلا الله)) ، تعجباً\rوتعمداً ، فهو كلام يعيد الصلاة ، وكذا إذا لدغته عقرب ، فقال : (( بسم الله )) .\rوقال عبيد الله بن الحسن : فيمن رمي في صلاته ، فقال : (( بسم الله )) : لم تنقطع صلاته ، هو كمن عطس فحمد الله . وقال في الذي يذكر النعمة وهو في الصلاة ، فيحمد الله عليها ، وإن ذلك حسناً .\rوقال عطاء : ما جرى على لسان الرجل في الصلاة ، فما له أصل في القرآن فليس بكلام .\rوقالت طائفة : تبطل صلاته ، وهو رواية عن أحمد وإسحاق .\rومذهب أبي حنيفة : إن قاله ابتداء فليس بكلام ، وإن قاله جواباً فهو كلام .\rقال بعض أصحابنا : هذه الرواية عن أحمد بالبطلان ، هي قول أبي حنيفة ومحمد ، أنه يبطل الصلاة ، فكل ذكر يأتي به المصلي في غير موضعه ، إلاّ في تنبيه المأموم على سهوه ، وتنبيه المار بين يده ليرجع .","part":7,"page":152},{"id":1583,"text":"وكذلك الخلاف إذا بشر بما يسره ، فقال : (( الحمد لله )) ، أو بما يسوؤه ، فقال : (( إنا لله وإنا إليه راجعون )) ، أو عطس ، فحمد الله ، أو فتح على غير إمامه ، أو خاطب إنسانا بشيء من القرآن قاصداً للقراءة والتنبيه .\rوأصح الروايتين عن أحمد : أن الصلاة لا تبطل بذلك ، كقول جمهور العلماء .\rوفي ((الصحيحين)) ، عن عائشة ، أن أسماء أختها لما سالتها وهي تصلي صلاة الكسوف ، فأشارت برأسها إلى السماء ، وقالت : ((سبحان الله )) .\rواحتج أحمد بما ذكره عن علي ، أنه كان في صلاة الفجر ، فمر بعض الخوارج ، فناداه : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [الزمر: 65] ، فأجابه علي وهو في صلاته : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ } [الروم:60] .\rوروي عن ابن مسعود ، أنه استأذن عليه رجل وهو يصلي ، فقال : { ادْخُلُوا مِصْرَ إن شاء اللَّهُ آمِنِينَ } [يوسف: 99] .\rوكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يفعله .\rوخرج الإمام أحمد من حديث علي ، قال : كانت لي ساعة من السحر أدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان في صلاة سبح ، فكان إذنه لي .\rومن حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال : ((إذن الرجل إذا كان في صلاة أن يسبح ، وإذن المرأة أن تصفق )) .\rوقد روي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن رجلاً عطس وراءه في الصلاة ، فحمد الله ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -لما قضى صلاته بابتدار الملائكة لها ، وكتابتها .\rوقد خرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، من حديث رفاعة بن رافع .\rوخرجه أبو داود - أيضا - من حديث عامر بن ربيعة - بمعناه .\rوحكى الترمذي عن بعض أهل العلم ، أنهم حملوا ذلك على التطوع ، وقالوا : في المكتوبة يحمد الله في نفسه .\rوهذا التفريق ، هو قول مكحول ، ورواية عن أحمد .\rوقولهم : (( يحمد الله في نفسه )) ، ويحتمل أنهم أرادوا أنه يحمده بقلبه ولا يتلفظ به ، ويحتمل أنهم أرادوا انه لا يجهر به .\rوكذا قال النخعي : في الرجل يعطس في الصلاة : يحمد الله ، ولا يجهر .\rوقال الحسن : يحمد الله في المكتوبة وغيرها .\rوكذا نقله حرب ، عن إسحاق .\rوروى عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : سمعت ابا طلحة : سمعت ابن عمر يقول في العاطس في الصلاة : يجهر بالحمد .\rوأما تخصيص البخاري جواز التسبيح والحمد في الصلاة للرجال ؛ فلأن المرأة تخالف الرجل في التسبيح للتنبيه ، وإنما تنبه بالتصفيح ، كما ياتي ذكره ، فلا يشرع لها التسبيح والتحميد في غير ذَلِكَ - أيضا .\rلكن حكمها حكم الرجل في القول بالإبطال وعدمه ، وإنما يختلفان في الكراهة ؛ فإن المرأة لايشرع لها رفع صوتها في الصَّلاة بقرآن ولا ذكر .\r* * *","part":7,"page":153},{"id":1584,"text":"4- باب\rمن سمى قوماً أو سلم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم\r1202- حدثنا عمرو بن عيسى : حدثنا أبو عبد الصمد العمي عبد العزيز بن عبد الصمد : ثنا حصين بن عبد الرحمن ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، قال : كنا نقول : التحية في الصلاة ، ونسمي ، ويسلم بعضنا على بعض ، فسمعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : (( قولوا التحيات لله )) .\rفذكر التشهد بتمامه ، ثم قال :\r((فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء\rوالأرض )) .\rوقد تقدم هذا الحديث في (( أبواب التشهد)) بألفاظ أخر .\rوفي بعضها : أنهم كانوا يقولون : السلام على الله ، والسلام على جبريل وميكائيل ، وعلى فلان وفلان .\rفأماالسلام على الله فهو كلام غير جائز ، ولهذا قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تقولوا السلام على الله )) .\rوقد خرجه البخاري فيما تقدم .\rوأما السلام على أشخاص معينين ، فإن كان بلفظ الغيبة ، فأكثر العلماء على أنه لايبطل الصلاة .\rوقال الثوري وأبو حنيفة : هو كلام .\rوقد سبق ذكر ذلك في (( أبواب التشهد )) .\rوإن كان بلفظ الخطاب ، فهو كرد السلام في الصلاة على من يسلم ، ويأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .\rوفي هذا الحديث : دليل على أن من تكلم في صلاته جاهلا ، أنه لا تبطل صلاته ؛ فإن كلام الجاهل قسمان :\rأحدهما : أن يتكلم في صلاته جاهلا بأن الكلام في الصلاة ممنوع ، وهذا يقع من كثير من أعراب البوادي وغيرهم ممن هو حديث عهد بالإسلام ، وقد كان هذا يقع في أول الإسلام كثيراً .\rقالت الشافعية : ولا يعذر بذلك إلاّ قريب العهد بالإسلام ، فأمامن طال عهده بالإسلام فتبطل صلاته ؛ لتقصيره في التعلم ، وكذا لو علم تحريم الكلام في الصَّلاة ، ولم يعلم أنه مبطل لها ، كما لو علم تحريم الزنا ، ولم يعلم حدّه ، فإنه يحدّ بغير خلاف .\rوالثاني : أن يتكلم بكلام يظنه جائزاً ، وهو في نفسه غير جائز التكلم به في الصلاة وغيرها ، كقولهم : ((السلام على الله )) ، أو يتكلم بكلام يظنه جائزاً في\rالصلاة ، كما أنه جائز في غيرها ، كرد السلام وتشميت العاطس .\rوقد اختلف العلماء في حكم الجاهل في الصلاة :\rفمنهم من قال : حكمه حكم كلام الناسي ، وهو قول مالك والشافعي ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا .\rومنهم من قال: تبطل ، بخلاف كلام الناسي ، وهو قول المالكية .\rوالثالث : لا تبطل وإن قلنا : يبطل كلام الناسي ، وهو قول طائفة من أصحابنا .\rويدل له : ما خرجه البخاري في ((الأدب)) من ((صحيحه)) هذا من حديث أبي هريرة ، قال : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة ، وقمنا معه ، فقال أعرابي -وهو في الصلاة- : اللهم ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً ، فلما سلم النبي ، قال للأعرابي: ((لقد حجرت واسعاً )) -يريد : رحمة الله .","part":7,"page":154},{"id":1585,"text":"وفي ((صحيح مسلم)) عن معاوية بن الحكم السلمي : أنه صلى خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعطس رجل من القوم ، فقال له : يرحمك الله . قال : فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أمياه ، ما شأنكم ، تنظرون إلي ؟ قالَ : فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم . وقال : فلما رأيتهم يصمتونني ، لكني سكت ، فلما صلى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لهُ : ((إن هذه الصَّلاة لايصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القران )) - أو كما قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rولم ينقل أنه أمر أحدا بالإعادة .\rوكذلك روي ، عن معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وغيرهما .\rقال أصحابنا : ولأن الكلام كان مباحاً في أول الإسلام ، ثم نسخ ، والنسخ لا يثبت في حق الجاهل قبل العلم ، بدليل قصة أهل قباء في القبلة .\rولكن هذا إنما يصح في حق من تمسك بالإباحة السابقة ، ولم يبلغه نسخها ، فأمامن لا يعلم شيئاً من ذلك ، فلا يصح هذا في حقه .\rوكذلك من تكلم بكلام محرم في نفسه ، وهو يظن جوازه ، كقول القائل :\r(( السلام على الله )) ، وقول الآخر : ((اللهم ، ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا\rأحداً )) .\rوللشافعية - فيمن علم أن جنس الكلام محرم في الصلاة ، ولم يعلم أن ما تكلم به محرم : هل يعذر بذلك ولا تبطل صلاته ؟ - وجهان ، أصحهما : يعذر به .\rوكذلك لو جهل أن التنحنح ونحوه مبطل للصلاة .\r* * *","part":7,"page":155},{"id":1586,"text":"5- باب\rالتصفيق للنساء\rفيه حديثان :\rأحدهما :\r1203- حدثنا علي بن عبد الله : ثنا سفيان : ثنا الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، [عن النبي - صلى الله عليه وسلم -] ، قال: (( التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء)) .\rوخرجه مسلم - أيضا .\rوخرجه - أيضا - من طريق يونس ، عن الزهري ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ومن طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .\rومن طريق همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، وزاد في حديثه : ((في الصلاة )) .\rوخرجه النسائي من طريق ابن سيرين ، عن أبي هريرة .\rوخرج أبو داود من حديث رجل من الطفاوة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لهم : ((إن نساني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح القوم ، وليصفق النساء )) .\rوله طرق أخرى ، عن أبي هريرة .\rالحديث الثاني :\r1204- حدثنا يحيى : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قالَ :\rقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء)) .\rوخرجه فيما تقدم من طريق مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل ، وذكر فيه : قصة إصلاح النبي - صلى الله عليه وسلم -بين بني عمرو بن عوف ، وصلاة أبي بكر بالناس ، وقال في آخر الحديث : (( من نابه شيء في صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح ألتفت إليه ، وإنما التصفيح\rللنساء )) .\rوخرجه مسلم .\rوفي الباب أحاديث أخر ، لم يخرج منها شيء في (( الصحيح )) .\rوقد ذكر الترمذي : أن العمل على هذا عند أهل العلم .\rوممن روي عنه ، أنه أفتى بذلك : أبو هريرة ، وسالم بن أبي الجعد .\rوقال به الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف .\rوأن المأموم ينبه أمامه بالتسبيح إذا كان رجلاً .\rوقد تقدم عن أبي حنيفة ، أنه إن سبح إبتداء فليس بكلام ، وأن كان جواباً فهو كلام . والجمهور على خلافه .\rومذهب مالك وأصحابه : أنه يسبح الرجال والنساء .\rوحملوا قوله : ((إنما التصفيق للنساء )) على أن المراد : أنه من أفعال النساء ، فلا يفعل في الصلاة بحال ، وإنما يسبح فيها .\rوهذا إنما يتأتى في لفظ رواية مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، وأما رواية غيره : ((التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء في الصلاة )) فلا يتأتى هذا التأويل فيها .\rوأما رواية من روى : ((إذا نساني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح القوم ، وليصفق النساء)) فصريحة في المعنى .\rفالمراد بالقوم : الرجال ، كما قال تعالى : { لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ } [الحجرات:11] الآية .\rوخرجه الإمام أحمد من حديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال : ((إذا أنساني الشيطان شيئاً في صلاتي فليسبح الرجال ، وليصفق النساء)) .\rوهو قول من رواية ابن لهيعة .\rوخرج الأثرم ، من رواية أبي نعامة ، [عن] جبر بن حبيب ، عن القاسم بن","part":7,"page":156},{"id":1587,"text":"محمد ، عن عائشة ، قالت : جاء أبو بكر يستأذن ، وعائشة تصلي ، فجعلت تصفق ، ولا يفقه عنها فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -وهما على تلك الحال ، فقال : (( ما منعكِ أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه ؟ )) -وذكر دعاء جامعاً - ، ((ثُمَّ نادي لأبيك )) .\rوهذا إسناد جيد 0\rوقد خرج الإمام أحمد وابن ماجه ذكر الدعاء ، دون قصة الاستئذان .\rولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها التصفيق ، ولا أمرها بالتسبيح ، وإنما تصفق المرأة إذا كان هناك رجال .\rفأما إن لم يكن معها غير النساء ، فقد سبق أن عائشة سبحت لأختها أسماء في صلاة الكسوف ، فإن المحذور سماع الرجال صوت المرأة ، وهو مأمون هاهنا ، فلا يكره للمرأة أن تسبح للمرأة في صلاتها . ويكره أن تسبح مع الرجال .\rومن أصحابنا من قال : لايكره .\rوالأول : الصحيح .\rوقال بعض أصحابنا : الأفضل في حقها -أيضا- مع النساء التنبيه بالتصفيق - أيضا .\rوالكلام في هذا ، يشبه الكلام في جهر المرأة بالقراءة إذا أمت النسوة .\rوتصفيق المرأة ، هو : أن تضرب بظهر كفها على بطن الأخرى ، هكذا فسره أصحابنا والشافعية وغيرهم .\rقالوا : ولا تضرب بطن الكف على بطن الكف ؛ فإن فعلت ذَلِكَ كره .\rوقال بعض الشافعية ، منهم : القاضي أبو الطيب الطبري : تبطل صلاتها به ، إذا كان على وجه اللعب ؛ لمنافاته صلاتها ، فإن جهلت تحريمه لم تبطل .\rقالوا : ولو سبحت المرأة ، أو صفق الرجل ، فقد خالفا السنة ، ولم تبطل صلاتهما بذلك .\rويدل عليه : أن الصحابة أكثروا التصفيق خلف أبي بكر الصديق ، ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم -بالإعادة ، وإنما أمرهم بالأكمل والأفضل .\rوقد قال طائفة من الفقهاء : متى أكثروا التصفيق بطلت الصلاة .\rوالحديث يدل على خلافه ، إلاّ أن يحمل على أنهم لم يكونوا يعلمون منعه ، فيكون حكمهم حكم الجاهل .\r* * *","part":7,"page":157},{"id":1588,"text":"6- باب\rمن رجع القهقرى في الصلاة أو تقدم لأمر ينزل به\rرواه سهل بن سعد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.\rحديث سهل ، قد سبق قريباً ، وفيه رجوع أبي بكر القهقرى في صلاته ، وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصلى مكانه .\r1205- حدثنا بشر بن محمد : ثنا عبد الله : قال يونس : قال الزهري : أخبرني أنس أن المسلمين بينا هم في الفجر يوم الاثنين ، وأبو بكر يصلي بهم ، ففجأهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، قد كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفرف ، فتبسم يضحك ، فنكص أبو بكر على عقبيه ، وظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهم المسلمون أن يفتتنوا ، فرحا بالنبي حين راوه ، فأشار بيده أن أتموا ، ثم دخل الحجرة ، وأرخى الستر ، وتوفي ذلك اليوم - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد تقدم حديث سهل بن سعد في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، وأنه كان يقوم عليه ، ثم ينزل فيسجد في الأرض .\rوقد سبق - أيضا - في ((أبواب صلاة الكسوف)) من حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مد يده في صلاة الكسوف ، كأنه يتناول شيئا ، ثم تكعكع أي : تأخره .\rوخرج مسلم من حديث جابر ، في صلاة الكسوف ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تأخر في\rصلاته ، فتأخرت الصفوف خلفه ، حتى انتهى إلى النساء ، ثم تقدم وتقدم الناس معه ، حتى قام في مقامه .\rوروى برد بن سنان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : جئت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -يصلي في البيت ، والباب عليه مغلق ، فمشى حتى فتح لي ، ثم رجع إلى مكانه ، ووصفت الباب في القبلة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي - وهذا لفظه .\rوقال : حسن غريب .\rواستنكره أبو حاتم الرازي والجوزجاني ؛ لتفرد برد به .\rوبرد ، شامي قدري ، وثقه ابن معين . وقال أحمد : صالح الحديث .\rوقال أبو زرعة : لابأس به . وقال أبو حاتم : كان صدوقاً .\rوقد تقدم في ((باب : الركوع دون الصف )) حديث أبي بكرة ، أنه ركع دون الصف ، وأنه مشى حتى دخل في الصف .\rخرجه أبو داود بهذا اللفظ .\rوتقدم فيه عن جماعة بأنهم فعلوا ذلك ، منهم : زيد بن ثابت .\rوروي عن أبي بكر الصديق ، وعن خلق من التابعين ، ومن بعدهم .\rوعن سعيد بن جبير و عطاء ، انهما رخصا في ان يركع قبل ان يصل إلى صفوف النساء ، ثم يمشي 0\rوكل هذا يدل على أن المشي اليسير في الصلاة لاتبطل به الصلاة ، وإنه قول جمهور السلف .\rوكذلك أبو برزة مشى في صلاته إلى فرسه لما انفلتت ، فأخذها .\rوخرج البخاري حديثه فيما بعد .\rوقد قال أحمد : إذا فعل كفعل أبي برزة فصلاته جائزة .\rوقال حرب : قلت لأحمد : يفتح الباب -يعني : في الصلاة - حيال القبلة ؟ قالَ : في التطوع .\rولعله أراد أنه لايكره في التطوع خاصة ، ويكره في الفريضة .\rوأكثر أصحابنا على أن ذلك يرجع فيه إلى العرف ، فما عد في العرف مشياً كثيراً أبطل ، وما لم يعد كثيراً لم يبطل ، وكذلك سائر الأعمال في الصلاة .","part":7,"page":158},{"id":1589,"text":"ومنهم من جعل الثلاث في حد الكثرة ، فلم يعف إلاّ عن المرة والمرتين .\rوللشافعية في الضربتين والخطوتين وجهان .\rومن الحنفية من قدر المشي المبطل بما جاوز محل السجود .\rوما دلت السنة عليه ، مع اتباع السلف فيه أولى .\rقال أصحابنا : وإنما يبطل العمل الكثير إذا توالى ، وما شك فيه لم يبطل ؛ لأن الأصل دوام الصحة ، فلا يزول بالشك في وجود المنافي .\rوما تفرق من ذلك ، وكان إذا جمع كثيراً لم يبطل ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم -تكرر منه حمل أمامة في صلاته ووضعها ، وقد سبق حديث أمامة والكلام عليهِ بما فيهِ كفاية .\rومذهب الشافعية كمذهب أصحابنا في ذلك كله ، في الرجوع إلى العرف على الصحيح عندهم ، مع قولهم : إن الثلاث في حد الكثرة بغير خلاف ، وفي الثنتين\rوجهان .\rوأصحابنا يخالفونهم في هذا خاصة ، ويقولون : ما لم يكن المشي والضرب يسمى كثيراً عرفاً فهو غير مبطل .\rوهذا كله في العامد ، فأما الناسي والجاهل ، فأكثر أصحابنا والشافعية أن عمله الكثير يبطل كعمده .\rومن الشافعية من قال : فيه وجهان ، أصحهما : لايبطل ، كالكلام .\rوكذلك حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد ، أنه لايبطل عمل الساهي وإن\rكثر .\rوقال : هي أصح .\rواستدل بما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -في خبر ذي اليدين ، حين سلم ساهياً ، ثم لما ذكر بني على صلاته ، وسيأتي الحديث في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى .\r* * *","part":7,"page":159},{"id":1590,"text":"7- باب\rإذا دعت الأم ولدها في الصلاة\r1206- وقال الليث : حدثني جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، قال : قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((نادت امرأة ابنها وهو في صومعته ، فقالت : ياجريج . فقال : اللهم أمي وصلاتي . فقالت : ياجريج . قال : اللهم أمي وصلاتي . قالت : ياجريج . قال : اللهم أمي وصلاتي . قالت : اللهم [لا] يموت جريج حتى ينظر في وجوه المياميس ، وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم ، فولدت ، فقيل لها : ممن هذا الولد ؟ قالت : من جريج ، نزل من صومعته . قالَ : جريج : أين هذه التي تزعم أن ولدها لي ؟ قالَ : يابابوس من أبوك ؟ قال : راعي الغنم )) .\rهكذا ذكره هاهنا تعليقاً ، من رواية الأعرج ، عن أبي هريرة .\rوقد خرجه في آخر ((الغصب)) ، وفي ((أخبار بني إسرائيل )) مسنداً ، من رواية جرير بن حازم ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - بتمامه .\rو((المياميس)) : جمع مومسة ، وهي البغي ، وتجمع على مياميس - : قاله أبو\rزيد .\rوهكذا في جميع روايات البخاري .\rوقيل : إنما تجمع على ((مواميس)) - بالواو - ؛ لأن الكلمة من ذوات الواو .\rورواه بعضهم ((المأميس)) - بالهمزة .\rو ((البابوس)) هو الصغير الرضيع من بني آدم ، وهو الصغير من أولاد الإبل - أيضا .\rوقيل : إنه اسم لذلك المولود ، وهو بعيد .\rوفي الحديث : دليل على تقديم الوالدة على صلاة التطوع ، وأنها إذا دعت ولدها في الصلاة فإنه يقطع صلاته ويجيبها .\rقال حميد بن زنجويه في ((كتاب الأدب)) : نا الحسن بن الوليد : نا ابن أبي\rذئب ، عن محمد بن المنكدر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إذا دعاك أبواك وأنت تصلي فأجب أمك ولا تجب أباك )) .\rوبإسناد ، عن شبيب بن يزيد ، قال : مكتوب في التوراة : إذا دعتك أمك وأنت تصلي ، فقل : لبيك ، فإذا دعاك أبوك ، فقل : سبحان الله .\rومرسل ابن المنكدر ، قد رواه يزيد بن هارون ، عن ابن أبي ذئب ، عن ابن المنكدر - فذكره .\rفتبين أنه لم يسمعه ابن أبي ذئب من ابن المنكدر .\rوقال حرب : قيل لأحمد : الحديث الذي جاء : ((إذا دعاك أبوك وأنت في الصلاة فأجبه))؟ فرأيته يضعف الحديث .\rوقال الأوزاعي ، عن مكحول : إذا دعتك أمك وأنت في الصَّلاة فأجب أمك ، ولا تجب أباك .\rقال الوليد بن مسلم : قلت للأوزاعي : في المكتوبة يجيبها ؟ قالَ : نعم ، وهل وجه إلاّ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ قالَ : يؤذنها في المكتوبه بتسبيحة ، وفي التطوع يؤذنها بتلبية .\rووجه التفريق بينهما : أن الأم برها آكد من بر الأب ؛ ولهذا وصى النبي - صلى الله عليه وسلم -ببرها ثلاث مرات ، ثم وصى ببر الأب بعده .\rقال الحسن : للأم ثلثا البر .\rوقد روي ، عنه في رجل حلف عليه أبوه بكلام ، وحلف عليه أمه بخلافه ؟ قالَ : يطيع أمه .\rوقال عطاء ، في رجل أقسمت عليه أمه أن لا يصلي إلاّ الفريضة ، ولا يصوم إلاّرمضان ؟ قالَ : يطيعها .\rوإنما قدم طاعتها على التطوع ؛ لأن طاعتها واجبة ، وهذا يشترك فيهِ الوالدان .","part":7,"page":160},{"id":1591,"text":"وقد سوى أصحابنا بينهما في إجابتهما في الصَّلاة ، وقالوا : لاتجب إجابتهما\rفيها ، وتبطل الصَّلاة .\rلكن إذا كان في نفل خرج وأجابهما ، بخلاف إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم -في الصلاة لمن دعاه ؛ فإنها كانت واجبة - : نص عليهِ أحمد ، وقال : لاتبطل بها الصَّلاة .\rوكذلك قاله إسحاق بن راهويه ، وذكر أن ذلك من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليست لأحد بعده .\rوكذلك هو الصحيح من مذهب الشافعي وأصحابه .\rواستدلوا بأن المصلي يقول في صلاته : (( السلام عليك أيها النبي )) ، ولو خاطب بذلك غيره لبطلت صلاته .\rولو قيل بوجوب إجابة الأم في الصلاة ، وأنها لاتبطل بها الصلاة ، لم يبعد ، وهو ظاهر قول مكحول والأوزاعي ، كما سبق .\rوكذا قال الأوزاعي في تحذير الضرير والصبي في الصلاة من الوقوع في بئر ونحوها : أنه لاباس به .\rوفي الحديث : دليل على استجابة دعاء الأم على ولدها .\rقال بعض السلف : يستجاب دعاؤها عليه ، وإن كانت ظالمة .\rوفي حديث أبي هريرة المرفوع : ((ثلاث دعوات تستجاب ، لاشك فيهن)) - فذكر منها : (( ودعوة الوالدين على ولدهما )) .\rوعن ابن مسعود ، قال : ثلاث لاترد دعوتهم : الوالد ، والمظلوم ، والمسافر .\r* * *","part":7,"page":161},{"id":1592,"text":"8- باب\rمسح الحصى في الصلاة\r1207- حدثنا أبو نعيم : ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : حدثني معيقيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل يسوي التراب حين يسجد ، قال : (( إن كنت فاعلا فواحدة )) .\rوخرجه مسلم ، من طريق شيبان .\rوخرجه -أيضا- من طريق هشام الدستوائي ، عن يحيى -هو : ابن أبي كثير - ، ولفظ حديثه : ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسح في المسجد - يعني : الحصى - ، قال : (( إن كنت لابد فاعلا فواحدة )) .\rوفي رواية له ، بهذا الإسناد ، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المسح في الصلاة ، فقال : ((واحدة)) .\rوفي الباب : عن جماعة من الصحابة ، لم يخرج منه في ((الصحيح )) غير حديث معيقيب .\rقال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم .\rيعني : على كراهة مسح الحصى ، والرخصة في المرة الواحدة منه .\rوقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في مس الحصى في الصَّلاة .\rوكان ابن عمر يصلي فيمسح الحصى برجليه .\rوروي عن ابن مسعود ، أنه يسويه مرة واحدة إذا سجد .\rوكان أبو هريرة وأبو ذر يرخصان في مسحة مرة واحدة .\rوكان مالك لا يرى بالشيء الخفيف بأساً .\rوكره ذلك الأوزاعي وأصحاب الرأي .\rوقال أصحاب الرأي : لا بأس به مرة ، وتركه أحب إلينا .\rوكان عثمان بن عفان وابن عمر يمسحان الحصى لموضع السجود ، قبل إن يدخلا في الصلاة .\rقال ابن المنذر : هذا أحب إليّ ، ولا يخرج أن مسحه مرة ؛ لحديث معيقيب ، وتركه أفضل . انتهى .\rورويت كراهيته عن علي وابن مسعود وابن عباس .\rوعن ابن عمر ، قال : هو من الشيطان .\rورخص فيه مرة واحدة أبو عبد الرحمن السلمي .\rوهو قول سفيان الثوري .\rوقال ليث بن أبي سليم : سمعت العلماء يقولون : تحريك الحصى ومسحه في الصلاة أذى للملكين .\rوقد روي في سبب كراهيته : إن الرحمة تواجه المصلي ، فإذا أزال ما يواجهه من التراب والحصى ، فقد أزال ما فيه الرحمة والبركة .\rفروى الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال : ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى ؛ فإن الرحمة تواجهه )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حديث حسن .\rوأبو الأحوص هذا ، ضعفه ابن معين وغيره .\rوروى ابن المبارك في ((كتابه)) عن الأوزاعي ، عن هارون بن رئاب ، قال : قال ابن مسعود : إن الأرض لتزين للمصلى ، فلا يمسحها أحدكم ، فإن كان ماسحها لامحالة فمرة مرة ، ولأن يدعها خير له من مائة ناقة للنقلة .\rواعلم ؛ أن مسح الحصى في الصَّلاة يكون على وجهين :\rأحدهما : أن يكون عبثاً محضاً لغير وجه ، فهذا مكروه ؛ لأن العبث في الصلاة مكروه ، كما يكره ذلك في حال استماع الخطبة .\rوفي الحديث الصحيح : (( ومن مس الحصى فقد لغا )) .","part":7,"page":162},{"id":1593,"text":"فإن كانت الرخصة في المرة الواحدة من هذا النوع ، فيشبه أن يكون معناه : أن المرة الواحدة تقع عن سهو وغفلة ، والمعاود إنما يكون عن تعمد وقصد، كما قالَ في نظر الفجأة : (( إن لك الأولى ، وليست لك الأخرى )) .\rويشهد لهذا : ما خرجه الإمام أحمد من رواية شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لإن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة ، كلها سود الحدقة ، فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح مسحة واحدة )) .\rوشرحبيل ، مختلف في أمره .\rورأى سعيد بن المسيب رجلا يعبث بالحصى ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .\rالوجه الثاني : أن يكون عن حاجة إليه ، مثل أن يشتد حر الحصى ، فيقلبه ليتمكن من وضع جبهته عليه في السجود ، أو يكون فيه ما يؤذيه السجود عليه ، فيصلحه ويزيله ، فهذا يرخص فيه بقدر ما يزول به الأذى عنه ، ويكون ذلك مرة واحدة .\rقال أحمد : لا بأس بتسوية الحصى إن اضطر .\rوروى الأثرم بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ، ثم سجد فسوى الحصى ، ثم تقبطه بيده .\rوروى الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية ، عن أبي سلمة ، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوى الحصى .\rوهذا غريب جداً .\rوقريب من هذا : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر ، قال : كنت أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - [الظهر ] ، فأخذ قبضة من الحصى ؛ لتبرد في كفي اضعها لجبهتي اسجد عليها لشدة الحر .\rوزعم أبو بكر الأثرم : أن الرخصة في المرة الواحدة ناسخة للنهي المطلق .\rوفيه نظر .\rومذهب مالك : يكره أن ينقل الحصى من موضع الظل إلى موضع الشمس ، فيسجد عليه ، ولا يكره أن يسجد على ثوبه في الحر .\rواستدل بعض من قال : إنه لايرخص في الصلاة في أكثر من عمل واحدة ، كخطوة أو ضربة ، بهذا الحديث .\rوإنما يدل هذا الحديث على كراهة ما زاد على المرة الواحدة ، حيث كان لا يحتاج إلى الزيادة على ذلك ، فإن تسوية الحصى المقصود منه - غالباً - بمرة واحدة ، وهذا خلاف ما يحتاج منه إلى زيادة على المرة الواحدة ، كالمشي والضرب ونحوهما ، وبذلك يجمع بين النصوص كلها في هذا الباب .\r* * *","part":7,"page":163},{"id":1594,"text":"9- باب\rبسط الثوب في الصلاة للسجود\r1208- حدثنا مسدد : ثنا بشر : ثنا غالب ، عن بكر بن عبد الله ، عن أنس بن\rمالك ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شدة الحر ، ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه ، فسجد عليه .\rوقد خرجه -فيما تقدم- من هذا الوجه -أيضا- في (( أبواب اللباس في\rالصَّلاة)) ، وسبق الكلام هناك عليه مستوفى .\rوإنما المقصود منه : أنه إذا شق عليه السجود على الأرض من شدة حرها ، جاز له أن يبسط ثوبه في صلاته في الأرض ، ثم يسجد عليه ، ولا يكون هذا العمل في الصلاة مكروها ؛ لأنه عمل يسير لحاجة إليه ؛ فإن السجود على الحصى الشديد حره يؤذي ويمنع من كمال الخشوع في الصلاة ، وهو مقصود الصلاة الأعظم .\r* * *","part":7,"page":164},{"id":1595,"text":"10- باب\rما يجوز من العمل في الصلاة\rفيه حديثان :\rالأول :\r1209- نا عبد الله بن مسلمة : نا مالك ، عن أبي النضر ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كنت أمد رجلي في قبلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهويصلي ، فإذا سجد غمزني فرفعتها ، فإذا قام مددتها .\rقد تقدم هذا الحديث في غير موضع .\rوالمقصود منه هاهنا : أن غمز المصلي امرأته النائمة بين يديه في صلاته جائز .\rوقد روي ، أن غمزها كان برجله ، وهذا عمل يسير في الصلاة ؛ لحاجة إليه ، وهو إخلاء موضع السجود ؛ ليتمكن من السجود فيهِ .\rوقد كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يطيل السجود في صلاة الليل .\rوقد تقدم ذكر ذلك كله .\rوقولها : ((فإذا سجد غمزني)) يدل على أنه كان يتكرر ذلك منه كلما سجد في كل ركعة ، فكان يفعله في كل ركعة مرة عند سجوده ، ولم تكن تمدها حتى يقوم إلى الركعة الأخرى ، فما دام ساجداً او جالساً بين السجدتين فرجلاها مكفوفة ، فإذا قام وقرأ في الركعة الأخرى مدت رجلها في قبلته حتى يسجد .\rالحديث الثاني :\r1210- نا محمود -هو : ابن غيلان- : نا شبابة : نا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه صلى صلاة ، فقال : (( إن الشيطان عرض لي، فشد علي ليقطع الصلاة ، فامكنني الله منه ، فذعته ، ولقد هممت أن اوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان : { رَبِّ ....هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحد مِنْ بَعْدِي } [ص: 35] ، فرده الله خاسئاً .\rمعنى ((دعته)) : دفعته دفعاً عنيفاً ، ومنه قول تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً } [الطور:13] .\rويقال : ((دعته)) بالدال المهملة وبالذال المعجمة - : ذكره في ((الجمهرة)) .\rوفي بعض نسخ ((كتاب الصحيح)) :\rقال النضر بن شميل : ((فذعته)) -[بالذال] - أي : خنقته ، [و((فدعته))] من قول الله تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ } [الطور: 13] أي : يدفعون ، والصواب : ((فدعته)) ، إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء .\rوقال الخطابي : (( الذعت )) : شدة الخنق ، ويقال : ذعت وسات إذا خنق ، انتهى .\rويقال : لاتصح رواية من رواه ((دعته)) بالدال المهملة وتشديد الدال ، فإنه لو كان من الدع كان أصله دعته ، وتدغم العين في التاء .\rوخرجه مسلم من طريق شعبة ، بمعناه - أيضا .\rوخرج الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فصلى صلاة الصبح ، فالتبست عليه القراءة ، فلنا فرغ من الصلاة قال : (( [لو] رأيتموني وإبليس ، فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ، ولولا دعوة أخي سليمان ، لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة )) .\rوفي هذا الحديث من العلم : أن دفع المؤذي في الصلاة جائز ، وإن لم يندفع إلا بعنف وشدة دفع جاز دفعه بذلك .\rوقد سبق في دفع المار بين يدي المصلي ، أنه ((إن أبى فليقاتله ؛ فإنه شيطان )) .","part":7,"page":165},{"id":1596,"text":"وهذا إذا كانَ أذاه يختص بالصلاة كالمار ، والشيطان الملهي عن الصَّلاة وكذلك إن كانَ أذاه لايختص بالصلاة كالحية والعقرب .\rوروى يحيى بن أبي كثير ، عن ضمضم بن جوس ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حسن صحيح .\rوضمضم هذا ، يمامي ، قال أحمد : ليس به بأس ، ووثقه ابن معين والعجلي .\rوأخذ أكثر العلماء بهذا الحديث ، ورخصوا في قتل الحية والعقرب في الصلاة ، منهم : ابن عمر ، والحسن ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوكرهه النخعي خاصة ، ولعل السنة لم تبلغه في ذلك .\rوقال سفيان : لابأس أن يقتل الرجل - يعني : في صلاته - الحية والعقرب والزنبور والبعوضة والبق والقمل ، وكل ما يؤذيه .\rوقد سبق القول في قتل القمل في الصلاة وفي المسجد في ((باب : دفن النخامة في المسجد)) وذكرنا هناك الاختلاف في كراهة قتل القمل في المسجد ودفنه فيه ، وإلقائه\rفيه .\rومذهب مالك : أنه يقتلها في صلاته ، بل إن كان في غير المسجد ألقاها ، وإن كان في المسجد لم يلقها فيه ، ولم يقتلها .\rوكذلك كره قتل القملة في الصلاة : الليث وأبو يوسف .\rوقال الأوزاعي : تركه (4) الي .\rولم يكرهه الحسن وأبو حنيفة ومحمد وإسحاق وأكثر أصحابنا .\rوفي الحديث : دليل على إمكان ربط الشيطان وحبسه وإيثاقه ، وعلى جواز ربطه في المسجد ، كما يربط الأسير فيه ، وعلى جواز رؤية غير الأنبياء للجن والشياطين ، وتلاعب الصبيان بهم .\rوأما قوله تعالى : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ } [الأعراف: 27] فإنه خرج على الأعم الأغلب ، وليس المراد به نفي إمكان رؤيتهم .\rوقد ظن بعض الناس ، أنه دال على ذلك ، فقال : من ادعى رؤيتهم [فسق] .\rوقد رآهم أبو هريرة وغيره من الصحابة ، وستأتي الأحاديث بذلك متفرقة في أماكنها - إن شاء الله تعالى .\r* * *","part":7,"page":166},{"id":1597,"text":"11- باب\rإذا انفلتت الدابة في الصلاة\rوقال قتادة : إن أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن معمر ، عن الحسن وقتادة ، في رجل كان يصلي ، فأشفق أن تذهب دابته أو أغار عليها السبع ؟ قالا : ينصرف .\rوعن معمر ، عن قتادة ، قالَ : سألته ، قلت : الرجل يصلي فيرى صبياً على بئر ، يتخوف أن يسقط فيها ، أفينصرف ؟ قال : نعم . قلت : فيرى سارقاً يريد أن يأخذ\rنعليه ؟ قال : ينصرف .\rومذهب سفيان : إذا عرض الشيء المتفاقم والرجل في الصلاة ينصرف إليه .\rرواه ، عنه المعافى .\rوكذلك إن خشي على ماشيته السيل ، أو على دابته .\rومذهب مالك ؛ من انفلتت دابته وهو يصلي مشى فيما قرب ، إن كانت بين يديه ، أو عن يمينه أو عن يساره ، وإن بعدت طلبها وقطع الصَّلاة .\rومذهب أصحابنا : لو رأى غريقاً ، أو حريقاً ، أو صبيين يقتتلان ، ونحو ذلك ، وهو يقدر على إزالته قطع الصلاة وأزاله .\rومنهم من قيده بالنافلة .\rوالأصح : أنه يعم الفرض وغيره .\rوقال أحمد - فيمن كان يلازم غريماً له ، فدخلا في الصلاة ، ثم فر الغريم وهو في الصلاة - : يخرج في طلبه .\rوقال أحمد - أيضا- : إذا رأى صبياً يقع في بئر ، يقطع صلاته ويأخذه .\rقال بعض أصحابنا : إنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عمل كثير في أخذه ، فإن كان العمل يسيراً لم تبطل به الصلاة .\rوكذا قال أبو بكر في الذي خرج ورأى غريمه : إنه يعود ويبني على صلاته .\rوحمله القاضي على أنه كان يسيراً .\rويحتمل أن يقال : هو خائف على ماله ، فيغتفر عمله ، وإن كثر .\rخرج البخاري في هذا الباب حديثين :\rالأول -وهو موقوف- :\r1211- ثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا الأزرق بن قيس ، قال : كنا بالأهواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا على حرف نهر ، إذا رجل يصلي ، وإذا لجام دابته بيده ، فجعلت الدابة تنازعه ، وجعل يتبعها - وقال شعبة : هو أبو برزة الأسلمي - ، فجعل رجل من الخوارج يقول : اللهم ، افعل بهذا الشيخ ، فلما انصرف الشيخ ، قال : إني سمعت\rقولكم ، وإني غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست غزوات - أو سبع غزوات أو ثمانياً - ، وشهدت تيسيره ، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب الي من أن ادعها ترجع إلى\rمألفها ، فيشق علي .\rفهذا موقوف على أبي برزة ، وفيه : ما يشعر [بتوبيخ] من رفع ؛ لقوله : ((شهدت تسير النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - )) .\rوالمعنى : أنه شاهد من تيسيره - صلى الله عليه وسلم - ما استدل به على أن هذا العمل في الصلاة غير مضر بالصلاة .\rوقد تقدم أن الإمام أحمد قالَ : إذا فعل في صلاته كفعل أبي برزة فصلاته\rجائزة .\rومتى كان يخاف من ذهاب دابته على نفسه ، فحكمه حكم الخائف ، فلا يبطل عمله في الصلاة لتحصيل دابته ، وإن كثر .\rوقد خرج البخاري حديث أبي برزة في ((الأدب)) من ((صحيحه)) هذا ، من طريق حماد بن زيد ، عن الأزرق ، به ، وفي حديثه : فانطلقت الفرس ، فخلى صلاته واتبعها ، حتى أدركها ، فأخذها ، ثم جاء فقضى صلاته .","part":7,"page":167},{"id":1598,"text":"والظاهر : أن المراد بترك صلاته ترك العمل فيها ، اشتغالا بطلب الفرس ، ثم جاء فبنى على مامضى من صلاته .\rالثاني :\r1212- نا محمد بن مقاتل : نا عبد الله : أنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : قالت عائشة : خسفت الشمس ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ سورة طويلة ، ثم ركع فأطال ، ثم رفع رأسه ، ثم استفتح سورة أخرى ، ثم ركع حين قضاها وسجد ، ثم فعل ذلك في الثانية ، ثم قال : ((إنهما آيتان من آيات الله ، فإذا رأيتم ذلك ، فصلوا حتى يفرج عنكم ، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته ، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة ، حين رأيتموني أتقدم ، ولقد رأيت جهنم ، يحطم بعضها بعضاً ، حين رأيتموني تأخرت ، ورأيت فيها عمرو بن لحي ، وهو الذي سيب السوائب)) .\rفي هذا السياق : ما يستدل به على أنه لم يقرإ الفاتحة في قيامه الثاني من كل\rركعة .\rوفيه : أن الناس في حال الكسوف في كربة وشدة تحتاج إلى التفريج .\rوفيه : أنه تقدم وتأخر في صلاته ، وأنه أخبر أن سبب تقدمه أنه أراد أن يأخذ قطفاً من الجنة ، وأن سبب تأخره قرب جهنم فتباعد عنها .\rوقد سبق القول في المشي في الصلاة والتقدم والتأخر .\rوأما تناول القطف من الجنة ، فليس هو من عمل الدنيا ، حتى يستدل به على تناول الحاجات في الصلاة ، وإنما هو من أمور الآخرة ، وكذلك الاشتغال بالنظر إليه في الصلاة ، وقد سبق ذكر هذا المعنى .\rولكن في (( مصنف عبد الرزاق )) عن ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، أن إنساناً قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدية ، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة .\rوهذا مرسل .\r* * *","part":7,"page":168},{"id":1599,"text":"12- باب\rمايجوز من البصاق والنفخ في الصلاة\rويذكر عن عبد الله بن عمرو : نفخ النبي - صلى الله عليه وسلم - في سجوده في الكسوف .\rحديث عبد الله بن عمرو هذا ، هو من رواية عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو هذا ، قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة - فذكر الحديث إلى أن قال - : فجعل ينفخ في آخر سجوده من الركعة الثانية ، ويبكي ويقول : (( لم تعدني هذا وأنا فيهم ، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك )) - وذكر باقي الحديث .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في\r((صحيحهما)) .\rوعطاء بن السائب ، ثقة ، تغير بآخرة .\rوخرج الإمام أحمد من حديث مجالد ، عن الشعبي ، عن المغيرة بن شعبة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الصلاة ، فجعل ينفخ بين يديه ، ثم مد يده كأنه يتناول شيئاً ، فلما انصرف قال : (( إن النار أدنيت مني ، حتى نفخت حرها عن وجهي )) .\rومجالد ، فيه ضعيف .\rخرج في هذا الباب حديثين :\rالأول :\r1213- ثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد ، فتغيظ على أهل المسجد ، وقال : (( إن الله قبل أحدكم إذا كان في صلاته ، فلا يبزقن )) - أو قال : ((لايتخمن)) -، ثم نزل فحتها بيده .\rوقال ابن عمر : إذا بزق أحدكم فليبزق عن يساره .\rوقد خرجه في ((أبواب القبلة)) من حديث مالك ، عن نافع - مختصراً .\rالثاني :\r1214-حدثنا محمد : ثنا غندر : ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا كان أحدكم في الصلاة ، فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، تحت قدمه اليسرى )) .\rوقد خرجه - فيما تقدم - ، عن آدم ، عن شعبة .\rومقصوده : الاستدلال بإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - البزاق والتنخم في الصلاة ، على أن النفخ ونحوه كالنحنحة لايبطل الصلاة ؛ لأن للتنخم صوتاً كالتنحنح ، وربما كانَ معه نوع من النفخ عندَ القذف بالنخامة .\rوقد سبق أن ابن عبد البر ذكر مثل ذلك .\rوقد اختلف العلماء في النفخ في الصلاة : هل هو كلام يبطلها إذا تعمده ، أم لا ؟\rفقالَ طائفة : هوَ كلام .\rقال ابن المنذر : كرهه ابن مسعود وابن عباس .\rوروي عن ابن عباس وأبي هريرة ، أنه بمنزلة الكلام ، ولا يثبت عنهما .\rكذا قال ، وليس كما قال ، فقد روى الأعمش والحسن بن عبيد الله أبو عروة النخعي - وهو ثقة خرج له مسلم - كلاهما ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : النفخ في الصلاة كلام .\rوقد خرجه وكيع في (( كتابه )) والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، عنه في\r((مسائله)) .\rوفي رواية له : النفخ في الصلاة يقطع الصلاة .\rوخرجه الجوزجاني ، وعنده : النفخ في الصلاة أخشى أن يكون كلاماً .","part":7,"page":169},{"id":1600,"text":"وأما المروي عن أبي هريرة ، فمن طريق قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : النفخ في الصلاة كلام .\rخرجه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه في ((مسائله)) .\rوقيس ، هو : ابن الربيع .\rوروي عن النخعي ، أنه قال : هو كلام .\rوروي عنه -[أيضا] - ، قال : إنما كانوا يكرهونه في الصلاة مخافة أن يؤذي الرجل جليسه .\rوعن سعيد بن جبير ، قال : هو بمنزلة الكلام .\rوممن رأى أنه بمنزلة الكلام في إبطال الصلاة : أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد - في رواية - وابن القاسم المالكي ، وعن أبي يوسف روايتان :\rأحداهما : أن أراد به التافيف فهو كلام .\rوالثانية : ليس بكلام بكل حال ، وهي التي رجع إليها .\rوكرهه ابن سيرين ويحيى بن [أبي كثير ] ، من غير إفساد الصلاة به .\rوهو قول مالك وأحمد -في رواية- وإسحاق وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة .\rوقال أحمد -مرة- : أخشى أن يكون قد فسدت صلاته ؛ يروى عن ابن عباس : من نفخ في صلاته فقد تكلم .\rفحكى أكثر أصحابنا المتقدمين عن أحمد في ذلك روايتين .\rوأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فنزلوهما على حالين، قالوا : إن بأن منه حرفان فهو كلام مبطل الصلاة ، وإلا فلا .\rولايعرف هذا التفصيل عن أحمد، ولاعن غيره ممن تقدم ، سوى الشافعي وأصحابه ، وهو قول أبي ثور .\rواستدلوا بأن الكلام عند العرب ما دل على معنى ، وأقله حرفان .\rولكن الكلام المقصود يدل على معناه الموضوع له بالوضع ، ودلالة النفخ والتأوه ونحو ذلك إنما هوَ بالطبع لا بالوضع ، فليس في شيء من ذَلِكَ حروف موضوعة للدلالة على معنى خاص .\rوقال الحسن : إذا رأيت ما يريبك -يعني في الصَّلاة- فانفخ .\rوهذا يدل على اباحته للحاجه إليه .\rوروي-أيضا- مثله عن بعض الصحابة . وفي الباب : حديث مرفوع ، عن أم سلمة ، اختلف في إسناده ولفظه : فروي عنبسه بن الأزهر ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن أم سلمة ، قالت : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لهم وهو يصلي فنفخ في سجوده ، فقالَ : (( لاتنفخ ؛ إن من نفخ فقد تكلم )) خرجه النسائي . وهو مما تفرد به عنبسة هذا .\rوقد قال فيه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم : لابأس به .\rلكن قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به .\rوذكره ابن حبان في ((ثقاته)) ، وقال : كان يخطىء .\rوخرج الترمذي من حديث ميمون أبي حمزة ، عن أبي صالح ، عن أم سلمة ، قالت : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما لنا ، يقال له : أفلح ، إذا سجد نفخ ، فقال له : ((أفلح ، ترّب وجهك)) .\rوقال : إسناده ليس بذاك ، وميمون أبو حمزة ، ضعفه أهل العلم .\rوخرجه الإمام أحمد - أيضا .\rوميمون الأعور أبو حمزة ، قال أحمد : متروك .\rولكنه توبع عليهِ :\rفخرجه الإمام أحمد من طريق سعيد أبي عثمان الوراق ، عن أبي صالح ، قال : دخلت على أم سلمة - فذكرالحديث مرفوعا ، وفيه : (( ترب وجهك لله)) .","part":7,"page":170},{"id":1601,"text":"وخرجه ابن حبان في (( صحيحه )) من طريق عدي بن عبد الرحمن ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي صالح مولى آل طلحة بن عبيد الله ، قال : كنت عند أم سلمة -فذكر الحديث .\rكذا في الرواية : (( أبو صالح مولى آل طلحة )) ، وجاء في رواية ، أنه : ((مولى أم سلمة )) .\rقال أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) : أبو صالح مولى أم سلمة ، يحدث عنها في كراهة نفخ التراب في السجود ، اسمه : زاذان . انتهى .\rوهو مع هذا غير مشهور .\rوالحديث بهذا اللفظ : يدل على أن النفخ ليس بكلام ، وإنما يكره نفخ التراب عن موضع السجود ؛ لأنه يمنع تتريب الجبهة في السجود ، والأفضل للساجد أن يترب وجهه لله ، ولهذا كانَ سجوده على التراب افضل من سجوده على حائل بينه وبين التراب .\rوفي كراهة النفخ في الصلاة أحاديث أخر مرفوعة ، لا تصح .\rوقد سبق في ((باب : من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى)) في ذلك حديث مرفوع ، من رواية بريدة ، وبيان علته .\r* * *","part":7,"page":171},{"id":1602,"text":"13- باب\rمن صفق جاهلاً من الرجال في صلاته\rلم تفسد صلاته\rلم يخرج فيه شيئاً .\rوفيه : حديث سهل بن سعد وقد خرجه فيما تقدم .\rومجرد التصفيق ليس مما يبطل الصلاة ، إنما يبطل الإكثار منه .\rوفي الحديث : أنهم أكثروا التصفيق حتى التفت أبو بكر ، ولم يكونوا يعلمون أن التصفيق\rمنهى عنه الرجال في الصلاة .\r* * *","part":7,"page":172},{"id":1603,"text":"14- باب\rإذا قيل للمصلي : تقدم أو انتظر ، [ فانتظر ]\rفلا بأس\r1215- حدثنا محمد بن كثير : نا سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم عاقدوا أزرهم من الصغر على رقابهم ، فقيل للنساء : ((لاترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً )) .\rالظاهر : أن البخاري حمل الحديث على أن النساء قيل لهن ذلك في نفس الصلاة .\rوقد أنكر ذلك الإسماعيلي ، وقال : إنما تقدم إليهم بذلك قبل الصلاة ؛ لما علم من ضيق أزر الرجال ، فليس الحديث مما ترجم عليهِ .\rقلت : ولو خرج في الباب إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته إلى الذين صلوا وراءه قياماً - وكان هو قاعداً -: أن اجلسوا ، إذ أشار به لأبي بكر ، وهو يصلي بالناس ، أن اثبت مكانك ، في حديث مرضه ؛ وفي حديث اصلاحه بين بني عوف ، لكان دليلاً على ما بوب عليهِ .\rوحاصل الأمر : أن أمر المصلي بما فيهِ مصلحة لصلاته غير مكروه ، وأما أمره بما ليس من الصَّلاة فيكره .\rذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قال إنسان لعطاء : يأتيني إنسان وأنا في المكتوبة ، فيخبرني الخبر ، فأستمع إليه ؟ قالَ : ما أحبه ، وأخشى أن يكون سهواً ، إنما هي المكتوبه ، فتفرغ لها حتَّى تفرغ منها .\rقال : فقلت لعطاء : أفتكره كل شيء من الإيماء في المكتوبة ، حتى إن مر بي إنسان وأنا في المكتوبة ، [ إذا جاء رجل ] ، فقال : صليت الصلاة ، كرهت أن أشير إليه برأسي ؟ قالَ : نعم ، أكره كل شيء من ذَلِكَ .\rفقيل له : أفعل ذلك في التطوع ؟ قالَ : إن كانَ شيء لابد منه ، وأحب أن لايفعل .\rوسيأتي ذكر إشارة المصلي والسلام عليهِ - إن شاء الله تعالى .\rوقد بوب البخاري - فيما بعد- :((باب : إذا كُلّم وهو يصلي فأشار بيده ، أو\rيستمع ))، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن معمر ، عن ثابت البناني ، عن أبي رافع ، قال : رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن أحدهم ليشهد على الشهادة وهو قائم\rيصلي .\r* * *","part":7,"page":173},{"id":1604,"text":"15- باب\rلا يرد السلام في الصلاة\rفيه حديثان :\rالأول :\r1216- حدثنا عبد الله بن أبي شيبة : ثنا ابن فضيل ، عن الأعمش ، عن\rإبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : كنت أسلم علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة ، فيرد علي ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه ، فلم يرد علي ، وقال : ((إن في الصلاة لشغلا)) .\rقد سبق هذا الحديث ، مع الكلام على إسناده .\rوالمقصود منه في هذا الباب : أن المصلي لا يرد السلام على من سلم عليه ؛ لاشتغاله بما هوَ فيهِ من الإقبال على مناجاة الله عز وجل ، فلا ينبغي لهُ أن يتشاغل بغيره ، ما دام بين يديه .\rالثاني :\r1217 - ثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا كثير بن شنظير ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر ، قال : بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة له ، فانطقت ، ثم رجعت وقد\rقضيتها ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في قلبي ما الله أعلم به ، فقلت في نفسي : لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد علي أني أبطات عليه ، ثم سلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى ، ثم سلمت عليه ، فرد علي ، فقال : (( إنما منعني أن أرد عليك ، أني كنت أصلي )) ، وكان على راحلته متوجها إلى غير القبلة .\rوقد دل هذان الحديثان على مسائل :\rمنها :\rأن المصلي إذا سلم عليه في الصلاة ، لم يرد السلام بقوله ، وهذا قول جمهور أهل العلم .\rوذهب طائفة إلى أنه يجوز أن يرد السلام بقوله ، روي ذلك عن أبي هريرة .\rوهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة .\rوقال عطاء : يرد عليه إذا كان جالسا في التشهد الأخير .\rوهذا مبني على قوله : إن المصلي يخرج من صلاته بدون السلام ، كما سبق .\rوقد نقل يونس بن عبد الأعلى ، عن الشافعي : أن المصلي يشمت العاطس ، يقول له : يرحمك الله .\rوقال : هو دعاء له ؛ وقد دعا النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاته لقوم ، ودعا على آخرين .\rوقياس هذا : أنه يرد عليهِ السلام ؛ لأنه دعاء لهُ -أيضا .\rولا يقال : الدعاء لمعين لايكون إلا على وجهة الخطاب لهُ ؛ فإنه قد ورد ذلك على وجه الخطاب للمعين ، كما يقول المصلي في تشهده : (( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته )) .\rوفي (( صحيح مسلم )) ، عن أبي الدرداء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في صلاته للشيطان الذي تفلت عليه : (( أعوذ بالله منك ، ألعنك بلعنة الله )) - ثلاثا .\rومتى كان رد السلام بدون لفظ الخطاب ، مثل أن يقول : ((عليه السلام)) أو\r(( يرحمه الله)) لم تبطل الصلاة به عند الشافعية وغيرهم ، كالدعاء لمعين في الصلاة .\rوقد سبق ذكره والاختلاف فيه .\rوالصحيح : الأول ؛ لأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - امتنع من رد السلام في الصَّلاة ، وعلل بأنه يصلي ، فدل على أن الصَّلاة تمنع من ذَلِكَ .\rوقد نهى معاوية بن الحكم عن تشميت العاطس ، وقال له : (( إن صلاتنا هذه لايصلح فيها شيء من كلام الآدميين )) .","part":7,"page":174},{"id":1605,"text":"وأما السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فمخصوص من بين الناس ؛ لأن خطابه في الصَّلاة لم يكن مبطلا ، كما سبق ذكره .\rومنها :\rأن المصلي لايرد على المسلم في صلاته بالإشارة ، ولا بعد سلامه .\rفإنه ليس في حديث ابن مسعود ، أنه رد عليه بالكلية ، ولا في حديث جابر ، أنه رد عليهِ بعد سلامه ، إلا لما سلم عليه حينئذ .\rوقد اختلف العلماء في رد المصلي للسلام عليه .\rفقالت طائفة : يرد في الصلاة بالإشارة ، روي عن ابن عمر .\rوروي عن ابن مسعود من وجه منقطع .\r[و] هو قول مالك والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوروي عن ابن عباس ، أنه رد على من سلم عليهِ في صلاته ، وقبض على يده .\rوعن أحمد ، أنه يرد بالإشارة في النفل ، دون الفرض .\rوحكي عنه رواية أخرى : لا يرد في نفل ولا فرض ، بإشارة ولا غيرها .\rوهو قول أبي حنيفة وأصحابه .\rوعلى هذا : فالسلام لايجب رده بحال ؛ لأنه مكروه ، كما سيأتي ذكره ، فلا يستحق رداً .\rوقال طائفة : يرد إذا سلم من الصلاة ، وهو قول عطاء والنخعي والثوري .\rقال النخعي : إن كان قريباً يرد ، وإن كان قد ذهب فأتبعه السلام .\rوقال إسحاق : هو مخير بين أن يفعل به - كما قال النخعي - ، وبين أن يرد في الصلاة بالإشارة .\rوقال أصحابنا : هو مخير بين الرد بالإشارة في الصلاة ، والتأخير حتى يسلم ، والأول أفضل .\rقالوا : لأن للتأخير آفات ، منها : النسيان ، ومنها : ذهاب المسلم .\rوظاهر هذا : أنه إن أخر الرد حتى سلم ، وكان المسلم قد مضى لم يرد عليه .\rواستدل من قال : لايرد بإشارة ولا غيرها ، لافي الصلاة ولا بعدها ، بحديث ابن مسعود ؛ فإن ظاهره : أنه لم يرد عليهِ في الصَّلاة ، ولا بعدها .\rواستدل من قالَ : يؤخر الرد ، بما روى عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ السلام بعد السلام .\rخرجه أحمد وأبو داود .\rوعاصم ، هو : ابن أبي النجود ، وليسي بذاك الحافظ .\rوخرجه أبو يعلى الموصلي ، من وجه آخر منقطع .\rوخرجه عبد الرزاق في (( كتابه )) من وجه آخر منقطع - أيضا .\rواستدل من قال : يرد في صلاته بالإشارة ، بما روى محمد بن الصلت التوزي : ثنا عبد الله بن رجاء ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن ابن مسعود ، قال : لما قدمت من الحبشة ، أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - هو يصلي ، فسلمت عليه ، فأشار إلي .\rخرجه الطبراني وغيره .\rوقد أنكر ابن المديني وصله بذكر أبي هريرة ، وقال : إنما هو عن ابن سيرين ، أن ابن مسعود .\rيعني : أنه مرسل .\rوكذا رواه وكيع في ((كتابه)) ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، قال : لما قدم عبد الله من الحبشة ، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلم عليه ، فأومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأشار برأسه - بنحوه ، وقال فيه : فأومأ برأسه ، أو قال : فأشار برأسه .\rوخرجه أبو داود في ((مراسيله)) من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين .","part":7,"page":175},{"id":1606,"text":"وخرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين مرسلا - أيضا - ، ولكن قال في حديثه : فلم يرد عليه حتى انفتل . وقال : ((إن في الصلاة لشغلاً )) .\rوخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثني لحاجة ، ثم أدركته وهو يسير - وفي رواية له : [ يصلي ]- ، فسلمت عليه ، فأشار إلي ، فلما فرغ دعاني ، فقال : (( إنك سلمت علي آنفاً ، وأنا أصلي )) ، وهو موجه حينئذ قبل المشرق .\rويحتمل أنه إنما أشار إليه ليكف عن كلامه حينئذ ، لم يكن رداً للسلام ؛ ولهذا قالَ جابر : فلم يرد علي ، وذكر أنه وجد في نفسه ما الله به عليم ، ولو علم أنه رد عليهِ بالإشارة لم يجد في نفسه .\rوفي رواية للنسائي : سلمت عليه ، فأشار بيده ، ثم سلمت فأشار بيده ، فانصرفت ، فناداني : ((ياجابر)) ، فأتيته ، فقلت : يا رسول الله ، أني سلمت عليك ، فلم ترد علي ؟ فقالَ : (( إني كنت أصلي )) .\rولو كانت إشارته رداً ، لقال : قد رددت عليك .\rوفي رواية لمسلم : أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو منطلق إلى بني المصطلق ، فأتيته وهو يصلي على بعيره ، فقال لي بيده هكذا ، ثم كلمته ، فقال لي هكذا -وأنا أسمعه\rيقرأ ، يومئ برأسه -، فلما فرغ قال : ((إنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي)) .\rفهذه الرواية : تدل علي أن إيماءه إليه إنما كان ليكف عن كلامه في تلك الحال .\rواستدل من قال : يرد إشارة ، بما روى نابل - صاحب العباء -، عن ابن عمر ، عن صهيب قال : مررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلمت عليه ، فرد علي إشارة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه .\rوقال : يعقوب بن شيبة : هو صالح الإسناد .\rونابل ، قال ابن المديني ويعقوب بن شيبة : هو مديني ليس بالمشهور .\rوسئل الدارقطني : أثقة هو ؟ فأشار برأسه ، أن لا .\rوخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، عن صهيب ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - معناه .\rوقد قيل : إن زيدا لم يسمعه من ابن عمر ، وقد سئل عن ذلك فقال : أما أنا فقد كلمته وكلمني ، ولم أقل : سمعته .\rوممن قال : لم يسمعه من ابن عمر : ابن المديني ويعقوب بن شيبة .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - نحوه من حديث هشام بن سعد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بلال ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد تكلم فيه ابن المديني ويعقوب بن شيبة ؛ لتفرد هشام بن سعد به ، وليس بالحافظ جداً .\rوروى الليث : حدثني ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رجلا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -\rإشارة ، فلما سلم قال : ((قد كنا نرد السلام في الصلاة ، فنهينا عن ذلك )) .\rخرجه الجوزجاني والطبراني والبزار في ((مسنده)) .\rوعندي ؛ أن هذا يعلل برواية ابن عيينة وغيره ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن\rعمر ، عن صهيب ، كما تقدم .","part":7,"page":176},{"id":1607,"text":"وابن عجلان ليس بذاك الحافظ .\rوروى قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن محمد بن علي ، عن عمار ، أنه سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فرد عليهِ .\rخرجه النسائي في (( باب : رد السلام بالإشارة )) .\rوخرجه الإمام أحمد ، من طريق حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن محمد بن علي- هو : ابن الحنفية - ، عن عمار - فذكره .\rوخرجه البزار في (( مسنده )) ، وعنده : ((فرد عليه إشارة)) .\rوحمله ابن عيينة ، على أنه رد عليه بالقول قبل تحريم الكلام ، وأن رده انتسخ .\rونقل ابن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معين ، أنه قال : هذا الحديث خطأ .\rورواه ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، أن عماراً سلم على النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوهذه الرواية مرسلة ، وهي أصح .\rوكذا رواه عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن محمد بن علي بن حسين - مرسلاً .\rقال ابن جريج : ثم لقيت محمد بن علي بن حسين ، فحدثني به .\rفتبين بهذا : أن محمد بن علي الذي روى هذا الحديث عن عمار هو أبو جعفر الباقر ، وليس هو ابن الحنفية ، كما ظنه بعضهم .\rوقول ابن معين : إنه خطأ ، يشير إلى من قال : ((عن ابن الحنفية)) هو خطأ .\rوأما رواية أبي الزبير ، عن محمد بن علي : ((هو : ابن الحنفية )) ، فهو ظن من بعض الرواة ، فلا نحكم به .\rوروايات حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير غير قوية .\rولعل أبا الزبير رواه عن أبي جعفر - أيضا - ، أو عن عطاء ، عنه ودلسه .\rأو لعل حماد بن سلمة أراد حديث أبي الزبير ، عن جابر ، أنه سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صلي ، فأشار إليه .\rومنها :\rأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه من سلم عليهِ في الصلاة عن السلام عليه .\rواستدل بذلك من قال : إنه لا يكره السلام على المصلي ، وهو قول ابن عمر ومالك وأحمد وإسحاق - في رواية عنهم - ومروان بن محمد الدمشقي .\rوقالت طائفة : يكره ، وهو قول جابر بن عبد الله وعطاء والشعبي ، الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق - في رواية عنهم .\rواستدلوا بقوله لابن مسعود : (( إن في الصلاة شغلا )) ؛ فإن في ذَلِكَ إشارة إلى كراهة السلام عيله ؛ ولأنه ينشغل [....] المصلي ، وربما سهى بسببه فبادر الرد عليهِ .\rومن أصحابنا المتأخرين من قالَ : إن كانَ المصلي عالماً ، يفهم كيف يرد عليهِ ، لم يكره السلام عليهِ ، وإلا كره .\rفمن قال : إنه لا يكره السلام على المصلي ، فمقتضى قوله : إنه لايستحق\rجواباً ، ولا يجب الرد عليه .\rومن قال : لايكره ، فمنهم من قال : لايستحق جواباً ، وإنما يستحب الرد في الحال بالإشارة ، وهو قول الشافعية .\rوحكى أصحابنا في وجوب الرد روايتين مطلقاً .\r* * *","part":7,"page":177},{"id":1608,"text":"16 -باب\rرفع الايدي في الصلاة لأمر ينزل به\r1218- حدثنا قتيبة : حدثنا عبد العزيز ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن بني عمرو بن عوف بقباء ، كان بينهم شيء ، فخرج يصلح بينهم في أناس من أصحابه .\rفذكر الحديث بطوله ، وفيه :\rأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشار إلى أبي بكر يأمره أن يصلي ، فرفع أبو بكر يديه ، فحمد الله ، ثم رجع القهقرى وراءه ، حتى قام في الصف ، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي للناس ، فلما فرغ أقبل علي الناس ، فقال : (( ياأيها الناس ، مالكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيح ؟ إنما التصفيح للنساء ، من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان الله )) ، ثُمَّ التفت إلى أبي بكر ، فقالَ : (( يا أبا بكر ، ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك ؟ )) ، فقال أبو بكر الصديق : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي النبي\r- صلى الله عليه وسلم - .\rفي الحديث : دليل على جواز رفع الأيدي في الصلاة لمن تجددت له نعمة ، فيحمد الله عليها رافعاً يديه ؛ فإن هذا فعله أبو بكر بحضرة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ينكره ، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - أنكر على الناس التصفيح ، وأمرهم بإبداله بالتسبيح ، وسأل أبا بكر : ((ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك ؟ )) ولم ينكر عليهِ ما فعله .\rوفي رواية ، خرجها الإمام أحمد في هذا الحديث ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لأبي بكر : (( لم رفعت يديك ؟ )) قالَ : رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك - وذكر الحديث .\rوقد سبق الكلام على أن من تجددت لهُ نعمة في الصَّلاة : هل يحمد الله عليها ؟ وأن عبيد الله العنبري استحسنه ، وغيره جوزه ، وخلاف من خالف في ذلك ؛ فإن البخاري بوب على ذلك فيما سبق .\rومراد بهذا الباب : زيادة استحباب رفع الأيدي عند الثناء على الله في الصلاة .\rويعضده : ما خرجه مسلم في (( صحيحه )) من حديث عبد الرحمن بن سمرة ، قال : كنت بأسهم لي بالمدينة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ كسفت الشمس فنبذتها ، فقلت : والله ، لأنظرن إلى ما حدث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف الشمس . قال : فأتيته وهو قائم في الصلاة ، رافعاً يديه ، فجعل يسبح ويهلل ويكبر ، ويدعو حتى حسر عنها ، فلما حسر عنها قرأ سورتين ، وصلى ركعتين .\rويستدل بهذا القول من قال : إنه يرفع يديه في القنوت في الصلاة ، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق ومالك والأوزاعي - في رواية عنهما .\rوهو الصحيح عند أكثر أصحاب الشافعي .\rومنهم من قال : يرفعهما أولا لتكبير القنوت ، ثم يرسلهما ، وهو قول أبي حنيفة والليث بن سعد والحسن بن حي .\rوقالت طائفة : لايرفعهما أصلاً .\rوروي رفع اليدين في القنوت عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة .","part":7,"page":178},{"id":1609,"text":"وخرج الإمام أحمد من حديث أنس ، في حديث القراء السبعين الذين قتلهم حي من بني سليم ، قال : فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد على شيء قط وجده عليهم ، فلقد رأيته كلما صلى الغداة رفع يديه فدعا عليهم .\rوإنما كان يدعو عليهم في قنوت الفجر بعد الركوع ، كما سبق ذلك صريحاً عن أنس . والله أعلم .\r* * *","part":7,"page":179},{"id":1610,"text":"17-باب\rالخصر في الصلاة\r1219- حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الخصر في الصلاة .\r1220- حدثنا عمرو بن علي : حدثنا يحيى : نا هشام : ثنا محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي أن يصلي الرجل مختصرا . وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . حاصل ما ذكره في هذا الباب : أن هذا الحديث اختلف في لفظه على ابن سيرين :\rفرواه أيوب ، عنه ، عن أبي هريرة ، قال : ((نهي)) .\rثم خرجه من طريق يحيى القطان ، عن هشام ، عنه كذلك .\rثم قال : وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - فصرحا برفعه .\rوقد أشكل هذا على بعضهم ، فقال : كيف يخرجه من طريق هشام [... ] .\rثم يذكر أن هشاما صرح فيه بذكرالنبي - صلى الله عليه وسلم - ؟\rوقال بعضهم : إن الحديث في رواية أبي ذر الهروي ، من طريق يحيى ، عن هشام - مرفوعا ، وأنه الصواب .\rوهذا هو عين الخطأ ؛ فإن يحيى إنما رواه عن هشام بلفظ ((نهي)) .\rوإنما مراد البخاري : أن هشاما اختلف عليهِ في ذكر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فخرجه من طريق القطان ، عنه بلفظة : ((نهي)) ، ثُمَّ ذكر أنه روي مصرحا برفعه .\rوكذا ذكره الدارقطني في ((علله)) : أن هشاما اختلف عليه فيه ، فرواه جماعة\rعنه ، وقالوا : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم : زائدة وعبد الوهاب الثقفي وجرير بن عبد الحميد وغيرهم .\rوقال الثوري والقطان وحفص بن غياث وأسباط بن محمد ويزيد بن هارون وحماد بن زيد ، عن هشام : ((نهي)) ، ولم يصرحوا برفعه .\rإلا أن في رواية أسباط : ((نهينا)) ، وهذا كالتصريح .\rورواه أيوب وأشعث بن عبد الملك ، عن محمد ، عن أبي هريرة .\rقال : وراوه عمران بن خالد ، عن ابن سيرين . عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوكذا روي عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن ابن سيرين .\rقال الدارقطني : وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من تورعه وتوقيه ، تارة يصرح بالرفع ، وتارة يوميء ، وتارة يتوقف ، على حسب نشاطه في الحال انتهى .\rولم يذكر رواية أبي هلال ، عن ابن سيرين ، المصرحة بالرفع ، التي علقها البخاري .\rوخرج هذا الحديث مسلم في ((صحيحه)) من رواية أبي خالد وأبي أسامة وابن المبارك - جميعا - ، عن هشام ، مصرحا برفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [أنه نهى] أن يصلي الرجل مختصراً .\rوخرج ابن حبان في (( صحيحه )) من طريق عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( الاختصار في الصلاة راحة أهل النار )) .\rوقال : يعني : أنه فعل اليهود والنصارى ، وهم أهل النار .\rكذا خرجه ؛ وإنما رواه عيسى بن يونس ، عن عبيد الله بن الأزور ، عن هشام بهذا اللفظ .\rوكذا خرجه الطبراني والعقيلي من رواية عيسى بن يونس ، عنه وقال العقيلي : لايتابع عبيد الله بن الأزور على لفظه .","part":7,"page":180},{"id":1611,"text":"و((الاختصار)) ، فسره الأكثرون بوضع اليد على الخاصرة في الصلاة ، وبذلك فسره الترمذي في ((جامعه)) ، وعليه يدل تبويب النسائي .\rوروى الإمام أحمد في (( مسنده )) عن يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الاختصار في الصلاة . قلنا لهشام : ما الاختصار ؟ قالَ : يضع يده على خصره وهو يصلي . قالَ يزيد : قلنا لهشام : ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟\rقالَ برأسه - أي : نعم .\rوبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة ، وأهل غريب الحديث ، وعامة المحدثين والفقهاء ، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور .\rوقد قيل : إنه إنما نهى عنه ؛ لأنه فعل المتكبرين ، فلا يليق بالصلاة .\rوقيل : إنه فعل اليهود .\rوقيل : فعل الشيطان .\rفلذلك كرهه بعضهم في الصلاة وغيرها .\rقد خرج البخاري في ((كتابه)) هذا في ((ذكر بني إسرائيل)) ، من رواية\rمسروق ، عن عائشة ، أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته ، وتقول : إن اليهود تفعله .\rوخرجه سعيد بن منصور في (( سننه )) ، ولفظه : أن عائشة كانت تكره الاختصار في الصلاة ، وتقول : لاتشبهوا باليهود .\rوخرجه عبد الرزاق ، ولفظه : إن عائشة نهت أن يجعل الرجل أصابعه في خاصرته في الصلاة ، كما تصنع اليهود .\rوروي عن عائشة ، أنها قالت : هكذا أهل النار .\rوعن ابن عباس ، قال : إن الشيطان يحضر ذلك .\rوعن مجاهد ، قال : هو استراحة أهل النار في النار .\rخرجه كله وكيع بن الجراح ، وعنه ابن أبي شيبة .\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن حميد الهلالي ، قال : إنما كره الخصر في الصلاة أن إبليس أهبط مختصراً .\rوروى صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة ، فلا يجعل يديه في خاصرته ؛ فإن الشيطان يحضر ذَلِكَ .\rخرجه عبد الرزاق .\rوروى سعيد بن زياد الشيباني ، عن زياد بن صبيح ، قال : صليت جنب ابن\rعمر ، فوضعت يدي على خصري ، فقال لي هكذا - ضربه بيده - ، فلما صليت قلت : يا أبا عبد الرحمن ، مارابك مني ؟ قالَ : إن هذا الصلب ، وأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهانا عنه .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوزياد بن صبيح -ويقال : ابن صباح - الحنفي ، وثقه ابن معين والنسائي\rوغيرهما ، وقال الدارقطني : يعتبر به .\rقال : وسعيد بن زياد الشيباني ، الراوي عنه ، لايحتج به ، ولكن يعتبر به ، قال : لا أعرف له إلا هذا الحديث - : نقله عنه البرقاني .\rوسعيد بن زياد ، قال ابن معين : صالح . ووثقه ابن حبان .\rوحكى ابن المنذر كراهة الاختصار في الصلاة على هذا الوجه عن ابن عباس وعائشة ومجاهد والنخعي وأبي مجلز ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي . انتهى .\rوهو قول عطاء والشافعي وأحمد - أيضا .\rومن الناس من فسر الاختصار في حديث أبي هريرة بأن يمسك بيده شيئاً يعتمد عليه في الصلاة ؛ فإن العصى ونحوها مما يعتمد عليهِ يسمى مخصرة .\rوفسره بعضهم باختصار السورة ، فيقرأ بعضها .\rوفسره بعضهم باختصار افعال الصلاة ، فلا يتم قيامها ولا ركوعها ولا","part":7,"page":181},{"id":1612,"text":"سجودها .\rوقد بوب أبو داود في (( سننه )) على (( التخصر والإقعاء في الصلاة )) ، فخرج فيه : حديث ابن عمر المشار إليه .\rثم بوب على ((الاختصار في الصلاة )) ، وخرج فيه : حديث أبي هريرة هذا .\rثم اتبعه : ((باب : يعتمد في الصلاة على عصى )) .\rفلعله فسر الاختصار بالاعتماد ، كما قال بعضهم . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":7,"page":182},{"id":1613,"text":"18-باب\rتفكر الرجل الشيء في الصلاة\rوقال عمر : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .\rروى ابن عون ، عن الشعبي ، قال : قال أبو موسى الأشعري : صلى بنا عمر ولم يقرأ ، فقلت : لم تقرأ ، فقال : لقد رأيتني أجهز عيراً بكدى وأفعل كذا ، فأعاد\rالصلاة .\rورواه يونس ، عن الشعبي ، عن زياد بن عياض الأشعري ، أن عمر صلى بهم المغرب فلم يقرأ ، ثم قال : إنما شغلني عن الصلاة عير جهزتها إلى الشام ، فجعلت أفكر في أحلاسها وأقتابها .\rخرجه صالح ابن الإمام أحمد في (( مسائله )) ، عن أبيه بإسناده .\rوخرجه - أيضا - من وجه آخر عن الشعبي ، عن عمر - مرسلا .\rوقد سبق ذكر بعض طرقه في (( أبواب القراءة في الصلاة )) .\rوروى الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، أن عمر صلى بالناس المغرب ، ولم يقرأ فيها شيء ، فلما فرغ قالوا له : يا أمير المؤمنين ، إنك لم تقرأ شيئاً ؟ قالَ : لم أزل أنزل البعير منزلا منزلا ، حتَّى وردت الشام ، ثُمَّ أعاد الصَّلاة .\r[ خرجه ] الجوزجاني .\rوليس فكر عمر في تجهيز الجيوش في الصلاة من حديث النفس المذموم ، بل هو من نوع الجهاد في سبيل الله ؛ فإنه كانَ عظيم الاهتمام بذلك ، فكان يغلب عليهِ الفكر فيهِ في الصَّلاة وغيرها .\rومن شدة اهتمامه بذلك غلب عليه الفكر في جيش سارية بن زنيم بأرض\rالعراق ، وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر ، فألهمه الله ، فناداه ، فاسمعه الله صوته ، ففعل سارية ما أمره به عمر ، فكان سبب الفتح والنصر .\rوقال سفيان الثوري : بلغني أن عمر قال : إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة .\rورواه وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن عمر قاله .\rوهذا كله من شدة اهتمام عمر بأمر الرعية ، وما فيه صلاحهم ، فكان يغلب عليه ذلك في صلاته ، فتجتمع له صلاة وقيام بأمور الأمة وسياسته لهم في حالة واحدة .\rخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالاول :\r1221- حديث : عمر بن سعيد ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فلما سلم قام سريعاً ، ودخل على بعض نسائه ، ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته ، فقال : ((ذكرت وأنا في الصلاة تبراً عندنا ، فكرهت أن يمسي - أو يبيت - عندنا ، فأمرت بقسمته )) .\rخرجه عن إسحاق بن منصور ، عن روح .\rوخرجه - فيما تقدم - من طريق عيسى بن يونس ، عن عمر .\rوخرجه في (( الزكاة )) - أيضا - من طريق أبي عاصم ، عن عمر ، به ، وفيه : أنه كان من تبر الصدقة .\rوهذا الذي وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - من جنس ما كان يقع لعمر ؛ فإن مال الصدقة تشرع المبادرة بقسمته بين أهله ومستحقيه ، فكان من شدة اهتمام النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك يتذكره في صلاته ، فيقوم عقب ذَلِكَ مسرعا حتَّى يقسمه بين أهله .\rوهذا كله من اجتماع العبادات وتداخلها ، وليس هم من باب حديث النفس المذموم .\rالحديث الثاني :","part":7,"page":183},{"id":1614,"text":"1222- نا يحيى بن بكير : نا الليث ، عن جعفر ، عن الأعرج : قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أذن بالصلاة ادبر الشيطان وله ضراط ، حتى لايسمع\rالتأذين ، فإذا سكت المؤذن أقبل ، فإذا ثوب أدبر ، فإذا سكت أقبل ، فلا يزال بالمرء يقول له : اذكر ما لم يكن يذكر ، حتى لايدري كم صلى )) .\rقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إذا فعل ذلك أحدكم ، فليسجد سجدتين وهو قاعد .\rوسمعه أبو سلمة من أبي هريرة .\rوقد خرجه في (( باب : التأذين )) من رواية مالك ، عن أبي الزناد ، عن\rالأعرج ، عن أبي هريرة - إلى قوله : (( لايدري كم صلى )) - أيضا .\rوأما باقي الحديث ، وهو الأمر بسجود السهو لذلك ، فإنما رواه أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، وهو مرفوع ، وليس من قول أبي هريرة .\rوالقائل : (( قال أبو سلمة )) ، لعله جعفر بن ربيعة . والله أعلم .\rوقد خرجه البخاري في (( أبواب السهو )) ، كما يأتي قريبأ - إن شاء الله تعالى- من رواية هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي\rهريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومن رواية مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - .\rوفي حديثهما : (( فليسجد سجدتين وهو جالس )) .\rوخرجه في (( بدء الخلق )) من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير - أيضا .\rوالمقصود من تخريجه في هذا الباب : أن الشيطان يأتي المصلي ، فيذكره ما لم يكن يذكره ، حتى يلبس عليه صلاته ، فلا يدري كم صلى ، وإن صلاته لاتبطل بذلك ، بل يؤمر بسجود السهو ؛ لشكه في صلاته .\rوقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ذَلِكَ .\rومنهم من قال : هو إجماع من يعتد به .\rوهذا يشعر بأنه خالف فيه من لا يعتد به .\rوقد قال طائفة قليلة من متأخري أصحابنا والشافعية : أنه إذا غلب الفكر على المصلي في أكثر صلاته ، فعليه الإعادة ؛ لفوات الخشوع فيها .\rوكذا قالَ أبو زيد المروزي من الشافعية ، في المصلي وهو يدافع الأخبثين : أنه إذا اذهب ذَلِكَ خشوعه ، فعليه الإعادة .\rوقال ابن حامد من أصحابنا : متى كثر عمل القلب وفكره في الصلاة في أمور الدنيا أبطل الصلاة ، كما يبطلها عمل الجسد إذا كثر .\rوالحديث حجة على هذه الأقوال كلها .\rوقد استدل لوجوب الخشوع في الصلاة بحديث مختلف في إسناده ، وقد ذكرناه مع الإشارة إلى هذه المسألة في (( باب: الخشوع في الصلاة )) ، فيما مضى .\rالحديث الثالث :\r1223-نا محمد بن المثنى : حدثنا عثمان بن عمر : أنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : قال أبو هريرة : يقول الناس : أكثر أبو هريرة ، فلقيت رجلاً فقلت : بم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارحة في العتمة ؟ قالَ : لا أدري . فقلت : لم تشهدها ؟ قال:\rبلى . فقلت : لكن أنا أدري ، قرأ سورة كذا وكذا .","part":7,"page":184},{"id":1615,"text":"مراد أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن يبين للناس امتيازه عن غيره بضبط أمور النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واعنائه بها ، وحفظه لها ، وإذا كان كذا لم يستبعد أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه غيره.\rوهذه الواقعة كانت جرت له في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فحفظ قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء ، ولم يحفظها بعض من شهد العشاء معه ، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوظاهر السياق : يقضي أنه من حينئذ كان يقال : أكثر أبو هريرة ، وهو بعيد .\rوالظاهر - والله اعلم - : أنه إنما قيل ذلك بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حين أكثر أبو هريرة من الرواية عنه .\rفاستدل أبو هريرة بحفظه ما لم يحفظه غيره بهذه القصة التي جرت له مع بعض الصحابة ، حيث حفظ ما قرأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء ، ولم يحفظ ذلك غيره ممن صلى معه .\rواعلم ؛ أن عدم حفظ المصلي لما قرأ به امامه لها حالتان :\rأحدهما : أن يكون ذَلِكَ عقب انصرافه من الصَّلاة ، فهذا إنما يكون غالباً من عدم حضور القلب في الصَّلاة ، وغلبه الفكر والوساوس فيها .\rوقد ذكرنا في ((باب : القراءة في الصلاة )) ، عن أحمد ، أنه قال - فيمن صلى مع إمام ، فلما خرج من الصلاة قيل له : ما قرأ الإمام ؟ قالَ : لا أدري - قالَ : يعيد الصَّلاة .\rوإن الأصحاب اختلفوا في وجهها على ثلاث طرق لهم فيها .\rوقد ورد حديث مرفوع ، يستدل به على أن لا اعادة على من لم يحفظ ذلك :\rفروى البزار (( مسنده )) ، عن عمرو بن علي : سمعت يحيى بن كثير ، قال : حدثنا الجريري ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً بأصحابه ، فقال : (( كيف رأيتموني صليت ؟ )) قالوا : ما أحسن ما صليت ، قالَ : ((قد نسيت آية كيت وكيت ، وإن من حسن صلاة المرء أن يحفظ قراءة الإمام )) .\rالحالة الثانية : أن يكون ذلك بعد مضي مدة من الصلاة ، فهذا يكون غالباً من النسيان بعد الحفظ ، لا من سهو القلب في الصلاة ، وهذا هو الذي أراده أبو هريرة بحديثه هذا .\rوحينئذ ؛ ففي تخريجه في الباب نظر ؛ لأن الباب معقود لحديث النفس في الصلاة والوسوسة فيها ، وهو ينقسم إلى المذموم - وهو حديث النفس بأمور [ الدنيا] وتعلقاتها - ، وإلى محمود - وهو حديث النفس بأمور الآخرة وتعلقاتها - ، ومنه ما يرجع إلى ما فيه مصلحة المسلمين من أمور الدنيا ، كما كان عمر يفعله .\rوقد خرج البخاري في (( أبواب الوضوء )) حديث عثمان ، فيمن توضأ ثم صلى ركعتين ، لا يحدث فيهما نفسه ، أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه ، وسبق الكلام عليه في موضعه .\rوأبو الأحوص هذا ، ضعفه ابن معين وغيره .\rوروى ابن المبارك في ((كتابه)) عن الأوزاعي ، عن هارون بن رئاب ، قال : قال ابن مسعود : إن الأرض لتزين للمصلى ، فلا يمسحها أحدكم ، فإن كان ماسحها لامحالة فمرة مرة ، ولأن يدعها خير له من مائة ناقة للنقلة .\rواعلم ؛ أن مسح الحصى في الصَّلاة يكون على وجهين :","part":7,"page":185},{"id":1616,"text":"أحدهما : أن يكون عبثاً محضاً لغير وجه ، فهذا مكروه ؛ لأن العبث في الصلاة مكروه ، كما يكره ذلك في حال استماع الخطبة .\rوفي الحديث الصحيح : (( ومن مس الحصى فقد لغا )) .\rفإن كانت الرخصة في المرة الواحدة من هذا النوع ، فيشبه أن يكون معناه : أن المرة الواحدة تقع عن سهو وغفلة ، والمعاود إنما يكون عن تعمد وقصد، كما قالَ في نظر الفجأة : (( إن لك الأولى ، وليست لك الأخرى )) .\rويشهد لهذا : ما خرجه الإمام أحمد من رواية شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( لإن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة ، كلها سود الحدقة ، فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح مسحة واحدة )) .\rوشرحبيل ، مختلف في أمره .\rورأى سعيد بن المسيب رجلا يعبث بالحصى ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه .\rالوجه الثاني : أن يكون عن حاجة إليه ، مثل أن يشتد حر الحصى ، فيقلبه ليتمكن من وضع جبهته عليه في السجود ، أو يكون فيه ما يؤذيه السجود عليه ، فيصلحه ويزيله ، فهذا يرخص فيه بقدر ما يزول به الأذى عنه ، ويكون ذلك مرة واحدة .\rقال أحمد : لا بأس بتسوية الحصى إن اضطر .\rوروى الأثرم بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ، ثم سجد فسوى الحصى ، ثم تقبطه بيده .\rوروى الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية ، عن أبي سلمة ، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوى الحصى .\rوهذا غريب جداً .\rوقريب من هذا : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر ، قال : كنت أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - [الظهر ] ، فأخذ قبضة من الحصى ؛ لتبرد في كفي اضعها لجبهتي اسجد عليها لشدة الحر .\rوزعم أبو بكر الأثرم : أن الرخصة في المرة الواحدة ناسخة للنهي المطلق .\rوفيه نظر .\rومذهب مالك : يكره أن ينقل الحصى من موضع الظل إلى موضع الشمس ، فيسجد عليه ، ولا يكره أن يسجد على ثوبه في الحر .\rواستدل بعض من قال : إنه لايرخص في الصلاة في أكثر من عمل واحدة ، كخطوة أو ضربة ، بهذا الحديث .\rوإنما يدل هذا الحديث على كراهة ما زاد على المرة الواحدة ، حيث كان لا يحتاج إلى الزيادة على ذلك ، فإن تسوية الحصى المقصود منه - غالباً - بمرة واحدة ، وهذا خلاف ما يحتاج منه إلى زيادة على المرة الواحدة ، كالمشي والضرب ونحوهما ، وبذلك يجمع بين النصوص كلها في هذا الباب .\r* * *","part":7,"page":186},{"id":1617,"text":"9- باب\rبسط الثوب في الصلاة للسجود\r1208- حدثنا مسدد : ثنا بشر : ثنا غالب ، عن بكر بن عبد الله ، عن أنس بن\rمالك ، قال : كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شدة الحر ، ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه ، فسجد عليه .\rوقد خرجه -فيما تقدم- من هذا الوجه -أيضا- في (( أبواب اللباس في\rالصَّلاة)) ، وسبق الكلام هناك عليه مستوفى .\rوإنما المقصود منه : أنه إذا شق عليه السجود على الأرض من شدة حرها ، جاز له أن يبسط ثوبه في صلاته في الأرض ، ثم يسجد عليه ، ولا يكون هذا العمل في الصلاة مكروها ؛ لأنه عمل يسير لحاجة إليه ؛ فإن السجود على الحصى الشديد حره يؤذي ويمنع من كمال الخشوع في الصلاة ، وهو مقصود الصلاة الأعظم .\r* * *","part":7,"page":187},{"id":1618,"text":"10- باب\rما يجوز من العمل في الصلاة\rفيه حديثان :\rالأول :\r1209- نا عبد الله بن مسلمة : نا مالك ، عن أبي النضر ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كنت أمد رجلي في قبلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهويصلي ، فإذا سجد غمزني فرفعتها ، فإذا قام مددتها .\rقد تقدم هذا الحديث في غير موضع .\rوالمقصود منه هاهنا : أن غمز المصلي امرأته النائمة بين يديه في صلاته جائز .\rوقد روي ، أن غمزها كان برجله ، وهذا عمل يسير في الصلاة ؛ لحاجة إليه ، وهو إخلاء موضع السجود ؛ ليتمكن من السجود فيهِ .\rوقد كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يطيل السجود في صلاة الليل .\rوقد تقدم ذكر ذلك كله .\rوقولها : ((فإذا سجد غمزني)) يدل على أنه كان يتكرر ذلك منه كلما سجد في كل ركعة ، فكان يفعله في كل ركعة مرة عند سجوده ، ولم تكن تمدها حتى يقوم إلى الركعة الأخرى ، فما دام ساجداً او جالساً بين السجدتين فرجلاها مكفوفة ، فإذا قام وقرأ في الركعة الأخرى مدت رجلها في قبلته حتى يسجد .\rالحديث الثاني :\r1210- نا محمود -هو : ابن غيلان- : نا شبابة : نا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه صلى صلاة ، فقال : (( إن الشيطان عرض لي، فشد علي ليقطع الصلاة ، فامكنني الله منه ، فذعته ، ولقد هممت أن اوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان : { رَبِّ ....هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأحد مِنْ بَعْدِي } [ص: 35] ، فرده الله خاسئاً .\rمعنى ((دعته)) : دفعته دفعاً عنيفاً ، ومنه قول تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً } [الطور:13] .\rويقال : ((دعته)) بالدال المهملة وبالذال المعجمة - : ذكره في ((الجمهرة)) .\rوفي بعض نسخ ((كتاب الصحيح)) :\rقال النضر بن شميل : ((فذعته)) -[بالذال] - أي : خنقته ، [و((فدعته))] من قول الله تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ } [الطور: 13] أي : يدفعون ، والصواب : ((فدعته)) ، إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء .\rوقال الخطابي : (( الذعت )) : شدة الخنق ، ويقال : ذعت وسات إذا خنق ، انتهى .\rويقال : لاتصح رواية من رواه ((دعته)) بالدال المهملة وتشديد الدال ، فإنه لو كان من الدع كان أصله دعته ، وتدغم العين في التاء .\rوخرجه مسلم من طريق شعبة ، بمعناه - أيضا .\rوخرج الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فصلى صلاة الصبح ، فالتبست عليه القراءة ، فلنا فرغ من الصلاة قال : (( [لو] رأيتموني وإبليس ، فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ، ولولا دعوة أخي سليمان ، لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة )) .\rوفي هذا الحديث من العلم : أن دفع المؤذي في الصلاة جائز ، وإن لم يندفع إلا بعنف وشدة دفع جاز دفعه بذلك .\rوقد سبق في دفع المار بين يدي المصلي ، أنه ((إن أبى فليقاتله ؛ فإنه شيطان )) .","part":7,"page":188},{"id":1619,"text":"وهذا إذا كانَ أذاه يختص بالصلاة كالمار ، والشيطان الملهي عن الصَّلاة وكذلك إن كانَ أذاه لايختص بالصلاة كالحية والعقرب .\rوروى يحيى بن أبي كثير ، عن ضمضم بن جوس ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حسن صحيح .\rوضمضم هذا ، يمامي ، قال أحمد : ليس به بأس ، ووثقه ابن معين والعجلي .\rوأخذ أكثر العلماء بهذا الحديث ، ورخصوا في قتل الحية والعقرب في الصلاة ، منهم : ابن عمر ، والحسن ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم .\rوكرهه النخعي خاصة ، ولعل السنة لم تبلغه في ذلك .\rوقال سفيان : لابأس أن يقتل الرجل - يعني : في صلاته - الحية والعقرب والزنبور والبعوضة والبق والقمل ، وكل ما يؤذيه .\rوقد سبق القول في قتل القمل في الصلاة وفي المسجد في ((باب : دفن النخامة في المسجد)) وذكرنا هناك الاختلاف في كراهة قتل القمل في المسجد ودفنه فيه ، وإلقائه\rفيه .\rومذهب مالك : أنه يقتلها في صلاته ، بل إن كان في غير المسجد ألقاها ، وإن كان في المسجد لم يلقها فيه ، ولم يقتلها .\rوكذلك كره قتل القملة في الصلاة : الليث وأبو يوسف .\rوقال الأوزاعي : تركه (4) الي .\rولم يكرهه الحسن وأبو حنيفة ومحمد وإسحاق وأكثر أصحابنا .\rوفي الحديث : دليل على إمكان ربط الشيطان وحبسه وإيثاقه ، وعلى جواز ربطه في المسجد ، كما يربط الأسير فيه ، وعلى جواز رؤية غير الأنبياء للجن والشياطين ، وتلاعب الصبيان بهم .\rوأما قوله تعالى : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ } [الأعراف: 27] فإنه خرج على الأعم الأغلب ، وليس المراد به نفي إمكان رؤيتهم .\rوقد ظن بعض الناس ، أنه دال على ذلك ، فقال : من ادعى رؤيتهم [فسق] .\rوقد رآهم أبو هريرة وغيره من الصحابة ، وستأتي الأحاديث بذلك متفرقة في أماكنها - إن شاء الله تعالى .\r* * *","part":7,"page":189},{"id":1620,"text":"11- باب\rإذا انفلتت الدابة في الصلاة\rوقال قتادة : إن أخذ ثوبه يتبع السارق ويدع الصلاة .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن معمر ، عن الحسن وقتادة ، في رجل كان يصلي ، فأشفق أن تذهب دابته أو أغار عليها السبع ؟ قالا : ينصرف .\rوعن معمر ، عن قتادة ، قالَ : سألته ، قلت : الرجل يصلي فيرى صبياً على بئر ، يتخوف أن يسقط فيها ، أفينصرف ؟ قال : نعم . قلت : فيرى سارقاً يريد أن يأخذ\rنعليه ؟ قال : ينصرف .\rومذهب سفيان : إذا عرض الشيء المتفاقم والرجل في الصلاة ينصرف إليه .\rرواه ، عنه المعافى .\rوكذلك إن خشي على ماشيته السيل ، أو على دابته .\rومذهب مالك ؛ من انفلتت دابته وهو يصلي مشى فيما قرب ، إن كانت بين يديه ، أو عن يمينه أو عن يساره ، وإن بعدت طلبها وقطع الصَّلاة .\rومذهب أصحابنا : لو رأى غريقاً ، أو حريقاً ، أو صبيين يقتتلان ، ونحو ذلك ، وهو يقدر على إزالته قطع الصلاة وأزاله .\rومنهم من قيده بالنافلة .\rوالأصح : أنه يعم الفرض وغيره .\rوقال أحمد - فيمن كان يلازم غريماً له ، فدخلا في الصلاة ، ثم فر الغريم وهو في الصلاة - : يخرج في طلبه .\rوقال أحمد - أيضا- : إذا رأى صبياً يقع في بئر ، يقطع صلاته ويأخذه .\rقال بعض أصحابنا : إنما يقطع صلاته إذا احتاج إلى عمل كثير في أخذه ، فإن كان العمل يسيراً لم تبطل به الصلاة .\rوكذا قال أبو بكر في الذي خرج ورأى غريمه : إنه يعود ويبني على صلاته .\rوحمله القاضي على أنه كان يسيراً .\rويحتمل أن يقال : هو خائف على ماله ، فيغتفر عمله ، وإن كثر .\rخرج البخاري في هذا الباب حديثين :\rالأول -وهو موقوف- :\r1211- ثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا الأزرق بن قيس ، قال : كنا بالأهواز نقاتل الحرورية ، فبينا أنا على حرف نهر ، إذا رجل يصلي ، وإذا لجام دابته بيده ، فجعلت الدابة تنازعه ، وجعل يتبعها - وقال شعبة : هو أبو برزة الأسلمي - ، فجعل رجل من الخوارج يقول : اللهم ، افعل بهذا الشيخ ، فلما انصرف الشيخ ، قال : إني سمعت\rقولكم ، وإني غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست غزوات - أو سبع غزوات أو ثمانياً - ، وشهدت تيسيره ، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب الي من أن ادعها ترجع إلى\rمألفها ، فيشق علي .\rفهذا موقوف على أبي برزة ، وفيه : ما يشعر [بتوبيخ] من رفع ؛ لقوله : ((شهدت تسير النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - )) .\rوالمعنى : أنه شاهد من تيسيره - صلى الله عليه وسلم - ما استدل به على أن هذا العمل في الصلاة غير مضر بالصلاة .\rوقد تقدم أن الإمام أحمد قالَ : إذا فعل في صلاته كفعل أبي برزة فصلاته\rجائزة .\rومتى كان يخاف من ذهاب دابته على نفسه ، فحكمه حكم الخائف ، فلا يبطل عمله في الصلاة لتحصيل دابته ، وإن كثر .\rوقد خرج البخاري حديث أبي برزة في ((الأدب)) من ((صحيحه)) هذا ، من طريق حماد بن زيد ، عن الأزرق ، به ، وفي حديثه : فانطلقت الفرس ، فخلى صلاته واتبعها ، حتى أدركها ، فأخذها ، ثم جاء فقضى صلاته .","part":7,"page":190},{"id":1621,"text":"والظاهر : أن المراد بترك صلاته ترك العمل فيها ، اشتغالا بطلب الفرس ، ثم جاء فبنى على مامضى من صلاته .\rالثاني :\r1212- نا محمد بن مقاتل : نا عبد الله : أنا يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، قال : قالت عائشة : خسفت الشمس ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ سورة طويلة ، ثم ركع فأطال ، ثم رفع رأسه ، ثم استفتح سورة أخرى ، ثم ركع حين قضاها وسجد ، ثم فعل ذلك في الثانية ، ثم قال : ((إنهما آيتان من آيات الله ، فإذا رأيتم ذلك ، فصلوا حتى يفرج عنكم ، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته ، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة ، حين رأيتموني أتقدم ، ولقد رأيت جهنم ، يحطم بعضها بعضاً ، حين رأيتموني تأخرت ، ورأيت فيها عمرو بن لحي ، وهو الذي سيب السوائب)) .\rفي هذا السياق : ما يستدل به على أنه لم يقرإ الفاتحة في قيامه الثاني من كل\rركعة .\rوفيه : أن الناس في حال الكسوف في كربة وشدة تحتاج إلى التفريج .\rوفيه : أنه تقدم وتأخر في صلاته ، وأنه أخبر أن سبب تقدمه أنه أراد أن يأخذ قطفاً من الجنة ، وأن سبب تأخره قرب جهنم فتباعد عنها .\rوقد سبق القول في المشي في الصلاة والتقدم والتأخر .\rوأما تناول القطف من الجنة ، فليس هو من عمل الدنيا ، حتى يستدل به على تناول الحاجات في الصلاة ، وإنما هو من أمور الآخرة ، وكذلك الاشتغال بالنظر إليه في الصلاة ، وقد سبق ذكر هذا المعنى .\rولكن في (( مصنف عبد الرزاق )) عن ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، أن إنساناً قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بهدية ، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة .\rوهذا مرسل .\r* * *","part":7,"page":191},{"id":1622,"text":"12- باب\rمايجوز من البصاق والنفخ في الصلاة\rويذكر عن عبد الله بن عمرو : نفخ النبي - صلى الله عليه وسلم - في سجوده في الكسوف .\rحديث عبد الله بن عمرو هذا ، هو من رواية عطاء بن السائب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو هذا ، قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقام\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة - فذكر الحديث إلى أن قال - : فجعل ينفخ في آخر سجوده من الركعة الثانية ، ويبكي ويقول : (( لم تعدني هذا وأنا فيهم ، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك )) - وذكر باقي الحديث .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في\r((صحيحهما)) .\rوعطاء بن السائب ، ثقة ، تغير بآخرة .\rوخرج الإمام أحمد من حديث مجالد ، عن الشعبي ، عن المغيرة بن شعبة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الصلاة ، فجعل ينفخ بين يديه ، ثم مد يده كأنه يتناول شيئاً ، فلما انصرف قال : (( إن النار أدنيت مني ، حتى نفخت حرها عن وجهي )) .\rومجالد ، فيه ضعيف .\rخرج في هذا الباب حديثين :\rالأول :\r1213- ثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في قبلة المسجد ، فتغيظ على أهل المسجد ، وقال : (( إن الله قبل أحدكم إذا كان في صلاته ، فلا يبزقن )) - أو قال : ((لايتخمن)) -، ثم نزل فحتها بيده .\rوقال ابن عمر : إذا بزق أحدكم فليبزق عن يساره .\rوقد خرجه في ((أبواب القبلة)) من حديث مالك ، عن نافع - مختصراً .\rالثاني :\r1214-حدثنا محمد : ثنا غندر : ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا كان أحدكم في الصلاة ، فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، تحت قدمه اليسرى )) .\rوقد خرجه - فيما تقدم - ، عن آدم ، عن شعبة .\rومقصوده : الاستدلال بإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - البزاق والتنخم في الصلاة ، على أن النفخ ونحوه كالنحنحة لايبطل الصلاة ؛ لأن للتنخم صوتاً كالتنحنح ، وربما كانَ معه نوع من النفخ عندَ القذف بالنخامة .\rوقد سبق أن ابن عبد البر ذكر مثل ذلك .\rوقد اختلف العلماء في النفخ في الصلاة : هل هو كلام يبطلها إذا تعمده ، أم لا ؟\rفقالَ طائفة : هوَ كلام .\rقال ابن المنذر : كرهه ابن مسعود وابن عباس .\rوروي عن ابن عباس وأبي هريرة ، أنه بمنزلة الكلام ، ولا يثبت عنهما .\rكذا قال ، وليس كما قال ، فقد روى الأعمش والحسن بن عبيد الله أبو عروة النخعي - وهو ثقة خرج له مسلم - كلاهما ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : النفخ في الصلاة كلام .\rوقد خرجه وكيع في (( كتابه )) والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، عنه في\r((مسائله)) .\rوفي رواية له : النفخ في الصلاة يقطع الصلاة .\rوخرجه الجوزجاني ، وعنده : النفخ في الصلاة أخشى أن يكون كلاماً .","part":7,"page":192},{"id":1623,"text":"وأما المروي عن أبي هريرة ، فمن طريق قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : النفخ في الصلاة كلام .\rخرجه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه في ((مسائله)) .\rوقيس ، هو : ابن الربيع .\rوروي عن النخعي ، أنه قال : هو كلام .\rوروي عنه -[أيضا] - ، قال : إنما كانوا يكرهونه في الصلاة مخافة أن يؤذي الرجل جليسه .\rوعن سعيد بن جبير ، قال : هو بمنزلة الكلام .\rوممن رأى أنه بمنزلة الكلام في إبطال الصلاة : أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد - في رواية - وابن القاسم المالكي ، وعن أبي يوسف روايتان :\rأحداهما : أن أراد به التافيف فهو كلام .\rوالثانية : ليس بكلام بكل حال ، وهي التي رجع إليها .\rوكرهه ابن سيرين ويحيى بن [أبي كثير ] ، من غير إفساد الصلاة به .\rوهو قول مالك وأحمد -في رواية- وإسحاق وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة .\rوقال أحمد -مرة- : أخشى أن يكون قد فسدت صلاته ؛ يروى عن ابن عباس : من نفخ في صلاته فقد تكلم .\rفحكى أكثر أصحابنا المتقدمين عن أحمد في ذلك روايتين .\rوأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فنزلوهما على حالين، قالوا : إن بأن منه حرفان فهو كلام مبطل الصلاة ، وإلا فلا .\rولايعرف هذا التفصيل عن أحمد، ولاعن غيره ممن تقدم ، سوى الشافعي وأصحابه ، وهو قول أبي ثور .\rواستدلوا بأن الكلام عند العرب ما دل على معنى ، وأقله حرفان .\rولكن الكلام المقصود يدل على معناه الموضوع له بالوضع ، ودلالة النفخ والتأوه ونحو ذلك إنما هوَ بالطبع لا بالوضع ، فليس في شيء من ذَلِكَ حروف موضوعة للدلالة على معنى خاص .\rوقال الحسن : إذا رأيت ما يريبك -يعني في الصَّلاة- فانفخ .\rوهذا يدل على اباحته للحاجه إليه .\rوروي-أيضا- مثله عن بعض الصحابة . وفي الباب : حديث مرفوع ، عن أم سلمة ، اختلف في إسناده ولفظه : فروي عنبسه بن الأزهر ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن أم سلمة ، قالت : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لهم وهو يصلي فنفخ في سجوده ، فقالَ : (( لاتنفخ ؛ إن من نفخ فقد تكلم )) خرجه النسائي . وهو مما تفرد به عنبسة هذا .\rوقد قال فيه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم : لابأس به .\rلكن قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به .\rوذكره ابن حبان في ((ثقاته)) ، وقال : كان يخطىء .\rوخرج الترمذي من حديث ميمون أبي حمزة ، عن أبي صالح ، عن أم سلمة ، قالت : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما لنا ، يقال له : أفلح ، إذا سجد نفخ ، فقال له : ((أفلح ، ترّب وجهك)) .\rوقال : إسناده ليس بذاك ، وميمون أبو حمزة ، ضعفه أهل العلم .\rوخرجه الإمام أحمد - أيضا .\rوميمون الأعور أبو حمزة ، قال أحمد : متروك .\rولكنه توبع عليهِ :\rفخرجه الإمام أحمد من طريق سعيد أبي عثمان الوراق ، عن أبي صالح ، قال : دخلت على أم سلمة - فذكرالحديث مرفوعا ، وفيه : (( ترب وجهك لله)) .","part":7,"page":193},{"id":1624,"text":"وخرجه ابن حبان في (( صحيحه )) من طريق عدي بن عبد الرحمن ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي صالح مولى آل طلحة بن عبيد الله ، قال : كنت عند أم سلمة -فذكر الحديث .\rكذا في الرواية : (( أبو صالح مولى آل طلحة )) ، وجاء في رواية ، أنه : ((مولى أم سلمة )) .\rقال أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) : أبو صالح مولى أم سلمة ، يحدث عنها في كراهة نفخ التراب في السجود ، اسمه : زاذان . انتهى .\rوهو مع هذا غير مشهور .\rوالحديث بهذا اللفظ : يدل على أن النفخ ليس بكلام ، وإنما يكره نفخ التراب عن موضع السجود ؛ لأنه يمنع تتريب الجبهة في السجود ، والأفضل للساجد أن يترب وجهه لله ، ولهذا كانَ سجوده على التراب افضل من سجوده على حائل بينه وبين التراب .\rوفي كراهة النفخ في الصلاة أحاديث أخر مرفوعة ، لا تصح .\rوقد سبق في ((باب : من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى)) في ذلك حديث مرفوع ، من رواية بريدة ، وبيان علته .\r* * *","part":7,"page":194},{"id":1625,"text":"13- باب\rمن صفق جاهلاً من الرجال في صلاته\rلم تفسد صلاته\rلم يخرج فيه شيئاً .\rوفيه : حديث سهل بن سعد وقد خرجه فيما تقدم .\rومجرد التصفيق ليس مما يبطل الصلاة ، إنما يبطل الإكثار منه .\rوفي الحديث : أنهم أكثروا التصفيق حتى التفت أبو بكر ، ولم يكونوا يعلمون أن التصفيق\rمنهى عنه الرجال في الصلاة .\r* * *","part":7,"page":195},{"id":1626,"text":"14- باب\rإذا قيل للمصلي : تقدم أو انتظر ، [ فانتظر ] فلا بأس .\r1215- حدثنا محمد بن كثير : نا سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كانوا يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم عاقدوا أزرهم من الصغر على رقابهم ، فقيل للنساء : ((لاترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً )) .\rالظاهر : أن البخاري حمل الحديث على أن النساء قيل لهن ذلك في نفس الصلاة .\rوقد أنكر ذلك الإسماعيلي ، وقال : إنما تقدم إليهم بذلك قبل الصلاة ؛ لما علم من ضيق أزر الرجال ، فليس الحديث مما ترجم عليهِ .\rقلت : ولو خرج في الباب إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته إلى الذين صلوا وراءه قياماً - وكان هو قاعداً -: أن اجلسوا ، إذ أشار به لأبي بكر ، وهو يصلي بالناس ، أن اثبت مكانك ، في حديث مرضه ؛ وفي حديث اصلاحه بين بني عوف ، لكان دليلاً على ما بوب عليهِ .\rوحاصل الأمر : أن أمر المصلي بما فيهِ مصلحة لصلاته غير مكروه ، وأما أمره بما ليس من الصَّلاة فيكره .\rذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قال إنسان لعطاء : يأتيني إنسان وأنا في المكتوبة ، فيخبرني الخبر ، فأستمع إليه ؟ قالَ : ما أحبه ، وأخشى أن يكون سهواً ، إنما هي المكتوبه ، فتفرغ لها حتَّى تفرغ منها .\rقال : فقلت لعطاء : أفتكره كل شيء من الإيماء في المكتوبة ، حتى إن مر بي إنسان وأنا في المكتوبة ، [ إذا جاء رجل ] ، فقال : صليت الصلاة ، كرهت أن أشير إليه برأسي ؟ قالَ : نعم ، أكره كل شيء من ذَلِكَ .\rفقيل له : أفعل ذلك في التطوع ؟ قالَ : إن كانَ شيء لابد منه ، وأحب أن لايفعل .\rوسيأتي ذكر إشارة المصلي والسلام عليهِ - إن شاء الله تعالى .\rوقد بوب البخاري - فيما بعد- :((باب : إذا كُلّم وهو يصلي فأشار بيده ، أو\rيستمع ))، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .\rوروى عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن معمر ، عن ثابت البناني ، عن أبي رافع ، قال : رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن أحدهم ليشهد على الشهادة وهو قائم\rيصلي .\r* * *","part":7,"page":196},{"id":1627,"text":"15- باب\rلا يرد السلام في الصلاة\rفيه حديثان :\rالأول :\r1216- حدثنا عبد الله بن أبي شيبة : ثنا ابن فضيل ، عن الأعمش ، عن\rإبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : كنت أسلم علي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة ، فيرد علي ، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه ، فلم يرد علي ، وقال : ((إن في الصلاة لشغلا)) .\rقد سبق هذا الحديث ، مع الكلام على إسناده .\rوالمقصود منه في هذا الباب : أن المصلي لا يرد السلام على من سلم عليه ؛ لاشتغاله بما هوَ فيهِ من الإقبال على مناجاة الله عز وجل ، فلا ينبغي لهُ أن يتشاغل بغيره ، ما دام بين يديه .\rالثاني :\r1217 - ثنا أبو معمر : ثنا عبد الوارث : ثنا كثير بن شنظير ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر ، قال : بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة له ، فانطقت ، ثم رجعت وقد\rقضيتها ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في قلبي ما الله أعلم به ، فقلت في نفسي : لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد علي أني أبطات عليه ، ثم سلمت عليه ، فلم يرد علي ، فوقع في قلبي أشد من المرة الأولى ، ثم سلمت عليه ، فرد علي ، فقال : (( إنما منعني أن أرد عليك ، أني كنت أصلي )) ، وكان على راحلته متوجها إلى غير القبلة .\rوقد دل هذان الحديثان على مسائل :\rمنها :\rأن المصلي إذا سلم عليه في الصلاة ، لم يرد السلام بقوله ، وهذا قول جمهور أهل العلم .\rوذهب طائفة إلى أنه يجوز أن يرد السلام بقوله ، روي ذلك عن أبي هريرة .\rوهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة .\rوقال عطاء : يرد عليه إذا كان جالسا في التشهد الأخير .\rوهذا مبني على قوله : إن المصلي يخرج من صلاته بدون السلام ، كما سبق .\rوقد نقل يونس بن عبد الأعلى ، عن الشافعي : أن المصلي يشمت العاطس ، يقول له : يرحمك الله .\rوقال : هو دعاء له ؛ وقد دعا النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاته لقوم ، ودعا على آخرين .\rوقياس هذا : أنه يرد عليهِ السلام ؛ لأنه دعاء لهُ -أيضا .\rولا يقال : الدعاء لمعين لايكون إلا على وجهة الخطاب لهُ ؛ فإنه قد ورد ذلك على وجه الخطاب للمعين ، كما يقول المصلي في تشهده : (( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته )) .\rوفي (( صحيح مسلم )) ، عن أبي الدرداء ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في صلاته للشيطان الذي تفلت عليه : (( أعوذ بالله منك ، ألعنك بلعنة الله )) - ثلاثا .\rومتى كان رد السلام بدون لفظ الخطاب ، مثل أن يقول : ((عليه السلام)) أو\r(( يرحمه الله)) لم تبطل الصلاة به عند الشافعية وغيرهم ، كالدعاء لمعين في الصلاة .\rوقد سبق ذكره والاختلاف فيه .\rوالصحيح : الأول ؛ لأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - امتنع من رد السلام في الصَّلاة ، وعلل بأنه يصلي ، فدل على أن الصَّلاة تمنع من ذَلِكَ .\rوقد نهى معاوية بن الحكم عن تشميت العاطس ، وقال له : (( إن صلاتنا هذه لايصلح فيها شيء من كلام الآدميين )) .","part":7,"page":197},{"id":1628,"text":"وأما السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فمخصوص من بين الناس ؛ لأن خطابه في الصَّلاة لم يكن مبطلا ، كما سبق ذكره .\rومنها :\rأن المصلي لايرد على المسلم في صلاته بالإشارة ، ولا بعد سلامه .\rفإنه ليس في حديث ابن مسعود ، أنه رد عليه بالكلية ، ولا في حديث جابر ، أنه رد عليهِ بعد سلامه ، إلا لما سلم عليه حينئذ .\rوقد اختلف العلماء في رد المصلي للسلام عليه .\rفقالت طائفة : يرد في الصلاة بالإشارة ، روي عن ابن عمر .\rوروي عن ابن مسعود من وجه منقطع .\r[و] هو قول مالك والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق .\rوروي عن ابن عباس ، أنه رد على من سلم عليهِ في صلاته ، وقبض على يده .\rوعن أحمد ، أنه يرد بالإشارة في النفل ، دون الفرض .\rوحكي عنه رواية أخرى : لا يرد في نفل ولا فرض ، بإشارة ولا غيرها .\rوهو قول أبي حنيفة وأصحابه .\rوعلى هذا : فالسلام لايجب رده بحال ؛ لأنه مكروه ، كما سيأتي ذكره ، فلا يستحق رداً .\rوقال طائفة : يرد إذا سلم من الصلاة ، وهو قول عطاء والنخعي والثوري .\rقال النخعي : إن كان قريباً يرد ، وإن كان قد ذهب فأتبعه السلام .\rوقال إسحاق : هو مخير بين أن يفعل به - كما قال النخعي - ، وبين أن يرد في الصلاة بالإشارة .\rوقال أصحابنا : هو مخير بين الرد بالإشارة في الصلاة ، والتأخير حتى يسلم ، والأول أفضل .\rقالوا : لأن للتأخير آفات ، منها : النسيان ، ومنها : ذهاب المسلم .\rوظاهر هذا : أنه إن أخر الرد حتى سلم ، وكان المسلم قد مضى لم يرد عليه .\rواستدل من قال : لايرد بإشارة ولا غيرها ، لافي الصلاة ولا بعدها ، بحديث ابن مسعود ؛ فإن ظاهره : أنه لم يرد عليهِ في الصَّلاة ، ولا بعدها .\rواستدل من قالَ : يؤخر الرد ، بما روى عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ السلام بعد السلام .\rخرجه أحمد وأبو داود .\rوعاصم ، هو : ابن أبي النجود ، وليسي بذاك الحافظ .\rوخرجه أبو يعلى الموصلي ، من وجه آخر منقطع .\rوخرجه عبد الرزاق في (( كتابه )) من وجه آخر منقطع - أيضا .\rواستدل من قال : يرد في صلاته بالإشارة ، بما روى محمد بن الصلت التوزي : ثنا عبد الله بن رجاء ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن ابن مسعود ، قال : لما قدمت من الحبشة ، أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - هو يصلي ، فسلمت عليه ، فأشار إلي .\rخرجه الطبراني وغيره .\rوقد أنكر ابن المديني وصله بذكر أبي هريرة ، وقال : إنما هو عن ابن سيرين ، أن ابن مسعود .\rيعني : أنه مرسل .\rوكذا رواه وكيع في ((كتابه)) ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، قال : لما قدم عبد الله من الحبشة ، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلم عليه ، فأومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأشار برأسه - بنحوه ، وقال فيه : فأومأ برأسه ، أو قال : فأشار برأسه .\rوخرجه أبو داود في ((مراسيله)) من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين .","part":7,"page":198},{"id":1629,"text":"وخرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين مرسلا - أيضا - ، ولكن قال في حديثه : فلم يرد عليه حتى انفتل . وقال : ((إن في الصلاة لشغلاً )) .\rوخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثني لحاجة ، ثم أدركته وهو يسير - وفي رواية له : [ يصلي ]- ، فسلمت عليه ، فأشار إلي ، فلما فرغ دعاني ، فقال : (( إنك سلمت علي آنفاً ، وأنا أصلي )) ، وهو موجه حينئذ قبل المشرق .\rويحتمل أنه إنما أشار إليه ليكف عن كلامه حينئذ ، لم يكن رداً للسلام ؛ ولهذا قالَ جابر : فلم يرد علي ، وذكر أنه وجد في نفسه ما الله به عليم ، ولو علم أنه رد عليهِ بالإشارة لم يجد في نفسه .\rوفي رواية للنسائي : سلمت عليه ، فأشار بيده ، ثم سلمت فأشار بيده ، فانصرفت ، فناداني : ((ياجابر)) ، فأتيته ، فقلت : يا رسول الله ، أني سلمت عليك ، فلم ترد علي ؟ فقالَ : (( إني كنت أصلي )) .\rولو كانت إشارته رداً ، لقال : قد رددت عليك .\rوفي رواية لمسلم : أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو منطلق إلى بني المصطلق ، فأتيته وهو يصلي على بعيره ، فقال لي بيده هكذا ، ثم كلمته ، فقال لي هكذا -وأنا أسمعه\rيقرأ ، يومئ برأسه -، فلما فرغ قال : ((إنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي)) .\rفهذه الرواية : تدل علي أن إيماءه إليه إنما كان ليكف عن كلامه في تلك الحال .\rواستدل من قال : يرد إشارة ، بما روى نابل - صاحب العباء -، عن ابن عمر ، عن صهيب قال : مررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فسلمت عليه ، فرد علي إشارة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وحسنه .\rوقال : يعقوب بن شيبة : هو صالح الإسناد .\rونابل ، قال ابن المديني ويعقوب بن شيبة : هو مديني ليس بالمشهور .\rوسئل الدارقطني : أثقة هو ؟ فأشار برأسه ، أن لا .\rوخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم ، عن ابن عمر ، عن صهيب ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - معناه .\rوقد قيل : إن زيدا لم يسمعه من ابن عمر ، وقد سئل عن ذلك فقال : أما أنا فقد كلمته وكلمني ، ولم أقل : سمعته .\rوممن قال : لم يسمعه من ابن عمر : ابن المديني ويعقوب بن شيبة .\rوخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي - نحوه من حديث هشام بن سعد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن بلال ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوقد تكلم فيه ابن المديني ويعقوب بن شيبة ؛ لتفرد هشام بن سعد به ، وليس بالحافظ جداً .\rوروى الليث : حدثني ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رجلا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -\rإشارة ، فلما سلم قال : ((قد كنا نرد السلام في الصلاة ، فنهينا عن ذلك )) .\rخرجه الجوزجاني والطبراني والبزار في ((مسنده)) .\rوعندي ؛ أن هذا يعلل برواية ابن عيينة وغيره ، عن زيد بن أسلم ، عن ابن\rعمر ، عن صهيب ، كما تقدم .","part":7,"page":199},{"id":1630,"text":"وابن عجلان ليس بذاك الحافظ .\rوروى قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن محمد بن علي ، عن عمار ، أنه سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ، فرد عليهِ .\rخرجه النسائي في (( باب : رد السلام بالإشارة )) .\rوخرجه الإمام أحمد ، من طريق حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير ، عن محمد بن علي- هو : ابن الحنفية - ، عن عمار - فذكره .\rوخرجه البزار في (( مسنده )) ، وعنده : ((فرد عليه إشارة)) .\rوحمله ابن عيينة ، على أنه رد عليه بالقول قبل تحريم الكلام ، وأن رده انتسخ .\rونقل ابن أبي خيثمة ، عن يحيى بن معين ، أنه قال : هذا الحديث خطأ .\rورواه ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي ، أن عماراً سلم على النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .\rوهذه الرواية مرسلة ، وهي أصح .\rوكذا رواه عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن محمد بن علي بن حسين - مرسلاً .\rقال ابن جريج : ثم لقيت محمد بن علي بن حسين ، فحدثني به .\rفتبين بهذا : أن محمد بن علي الذي روى هذا الحديث عن عمار هو أبو جعفر الباقر ، وليس هو ابن الحنفية ، كما ظنه بعضهم .\rوقول ابن معين : إنه خطأ ، يشير إلى من قال : ((عن ابن الحنفية)) هو خطأ .\rوأما رواية أبي الزبير ، عن محمد بن علي : ((هو : ابن الحنفية )) ، فهو ظن من بعض الرواة ، فلا نحكم به .\rوروايات حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير غير قوية .\rولعل أبا الزبير رواه عن أبي جعفر - أيضا - ، أو عن عطاء ، عنه ودلسه .\rأو لعل حماد بن سلمة أراد حديث أبي الزبير ، عن جابر ، أنه سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صلي ، فأشار إليه .\rومنها :\rأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه من سلم عليهِ في الصلاة عن السلام عليه .\rواستدل بذلك من قال : إنه لا يكره السلام على المصلي ، وهو قول ابن عمر ومالك وأحمد وإسحاق - في رواية عنهم - ومروان بن محمد الدمشقي .\rوقالت طائفة : يكره ، وهو قول جابر بن عبد الله وعطاء والشعبي ، الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق - في رواية عنهم .\rواستدلوا بقوله لابن مسعود : (( إن في الصلاة شغلا )) ؛ فإن في ذَلِكَ إشارة إلى كراهة السلام عيله ؛ ولأنه ينشغل [....] المصلي ، وربما سهى بسببه فبادر الرد عليهِ .\rومن أصحابنا المتأخرين من قالَ : إن كانَ المصلي عالماً ، يفهم كيف يرد عليهِ ، لم يكره السلام عليهِ ، وإلا كره .\rفمن قال : إنه لا يكره السلام على المصلي ، فمقتضى قوله : إنه لايستحق\rجواباً ، ولا يجب الرد عليه .\rومن قال : لايكره ، فمنهم من قال : لايستحق جواباً ، وإنما يستحب الرد في الحال بالإشارة ، وهو قول الشافعية .\rوحكى أصحابنا في وجوب الرد روايتين مطلقاً .\r* * *","part":7,"page":200},{"id":1631,"text":"16 -باب\rرفع الايدي في الصلاة لأمر ينزل به\r1218- حدثنا قتيبة : حدثنا عبد العزيز ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن بني عمرو بن عوف بقباء ، كان بينهم شيء ، فخرج يصلح بينهم في أناس من أصحابه .\rفذكر الحديث بطوله ، وفيه :\rأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشار إلى أبي بكر يأمره أن يصلي ، فرفع أبو بكر يديه ، فحمد الله ، ثم رجع القهقرى وراءه ، حتى قام في الصف ، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي للناس ، فلما فرغ أقبل علي الناس ، فقال : (( ياأيها الناس ، مالكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيح ؟ إنما التصفيح للنساء ، من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان الله )) ، ثُمَّ التفت إلى أبي بكر ، فقالَ : (( يا أبا بكر ، ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت\rإليك ؟ )) ، فقال أبو بكر الصديق : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rفي الحديث : دليل على جواز رفع الأيدي في الصلاة لمن تجددت له نعمة ، فيحمد الله عليها رافعاً يديه ؛ فإن هذا فعله أبو بكر بحضرة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ينكره ، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - أنكر على الناس التصفيح ، وأمرهم بإبداله بالتسبيح ، وسأل أبا بكر : ((ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك ؟ )) ولم ينكر عليهِ ما فعله .\rوفي رواية ، خرجها الإمام أحمد في هذا الحديث ، أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لأبي بكر : (( لم رفعت يديك ؟ )) قالَ : رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك - وذكر الحديث .\rوقد سبق الكلام على أن من تجددت لهُ نعمة في الصَّلاة : هل يحمد الله عليها ؟ وأن عبيد الله العنبري استحسنه ، وغيره جوزه ، وخلاف من خالف في ذلك ؛ فإن البخاري بوب على ذلك فيما سبق .\rومراد بهذا الباب : زيادة استحباب رفع الأيدي عند الثناء على الله في الصلاة .\rويعضده : ما خرجه مسلم في (( صحيحه )) من حديث عبد الرحمن بن سمرة ، قال : كنت بأسهم لي بالمدينة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذ كسفت الشمس فنبذتها ، فقلت : والله ، لأنظرن إلى ما حدث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كسوف الشمس . قال : فأتيته وهو قائم في الصلاة ، رافعاً يديه ، فجعل يسبح ويهلل ويكبر ، ويدعو حتى حسر عنها ، فلما حسر عنها قرأ سورتين ، وصلى ركعتين .\rويستدل بهذا القول من قال : إنه يرفع يديه في القنوت في الصلاة ، وهو قول النخعي والثوري وأحمد وإسحاق ومالك والأوزاعي - في رواية عنهما .\rوهو الصحيح عند أكثر أصحاب الشافعي .\rومنهم من قال : يرفعهما أولا لتكبير القنوت ، ثم يرسلهما ، وهو قول أبي حنيفة والليث بن سعد والحسن بن حي .\rوقالت طائفة : لايرفعهما أصلاً .\rوروي رفع اليدين في القنوت عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة .","part":7,"page":201},{"id":1632,"text":"وخرج الإمام أحمد من حديث أنس ، في حديث القراء السبعين الذين قتلهم حي من بني سليم ، قال : فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد على شيء قط وجده عليهم ، فلقد رأيته كلما صلى الغداة رفع يديه فدعا عليهم .\rوإنما كان يدعو عليهم في قنوت الفجر بعد الركوع ، كما سبق ذلك صريحاً عن أنس . والله أعلم .\r* * *","part":7,"page":202},{"id":1633,"text":"17-باب\rالخصر في الصلاة\r1219- حدثنا أبو النعمان : ثنا حماد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الخصر في الصلاة .\r1220- حدثنا عمرو بن علي : حدثنا يحيى : نا هشام : ثنا محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي أن يصلي الرجل مختصرا . وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . حاصل ما ذكره في هذا الباب : أن هذا الحديث اختلف في لفظه على ابن سيرين :\rفرواه أيوب ، عنه ، عن أبي هريرة ، قال : ((نهي)) .\rثم خرجه من طريق يحيى القطان ، عن هشام ، عنه كذلك .\rثم قال : وقال هشام وأبو هلال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - فصرحا برفعه .\rوقد أشكل هذا على بعضهم ، فقال : كيف يخرجه من طريق هشام [... ] .\rثم يذكر أن هشاما صرح فيه بذكرالنبي - صلى الله عليه وسلم - ؟\rوقال بعضهم : إن الحديث في رواية أبي ذر الهروي ، من طريق يحيى ، عن هشام - مرفوعا ، وأنه الصواب .\rوهذا هو عين الخطأ ؛ فإن يحيى إنما رواه عن هشام بلفظ ((نهي)) .\rوإنما مراد البخاري : أن هشاما اختلف عليهِ في ذكر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، فخرجه من طريق القطان ، عنه بلفظة : ((نهي)) ، ثُمَّ ذكر أنه روي مصرحا برفعه .\rوكذا ذكره الدارقطني في ((علله)) : أن هشاما اختلف عليه فيه ، فرواه جماعة\rعنه ، وقالوا : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، منهم : زائدة وعبد الوهاب الثقفي وجرير بن عبد الحميد وغيرهم .\rوقال الثوري والقطان وحفص بن غياث وأسباط بن محمد ويزيد بن هارون وحماد بن زيد ، عن هشام : ((نهي)) ، ولم يصرحوا برفعه .\rإلا أن في رواية أسباط : ((نهينا)) ، وهذا كالتصريح .\rورواه أيوب وأشعث بن عبد الملك ، عن محمد ، عن أبي هريرة .\rقال : وراوه عمران بن خالد ، عن ابن سيرين . عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوكذا روي عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن ابن سيرين .\rقال الدارقطني : وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من تورعه وتوقيه ، تارة يصرح بالرفع ، وتارة يوميء ، وتارة يتوقف ، على حسب نشاطه في الحال انتهى .\rولم يذكر رواية أبي هلال ، عن ابن سيرين ، المصرحة بالرفع ، التي علقها البخاري .\rوخرج هذا الحديث مسلم في ((صحيحه)) من رواية أبي خالد وأبي أسامة وابن المبارك - جميعا - ، عن هشام ، مصرحا برفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [أنه نهى] أن يصلي الرجل مختصراً .\rوخرج ابن حبان في (( صحيحه )) من طريق عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( الاختصار في الصلاة راحة أهل النار )) .\rوقال : يعني : أنه فعل اليهود والنصارى ، وهم أهل النار .\rكذا خرجه ؛ وإنما رواه عيسى بن يونس ، عن عبيد الله بن الأزور ، عن هشام بهذا اللفظ .\rوكذا خرجه الطبراني والعقيلي من رواية عيسى بن يونس ، عنه وقال العقيلي : لايتابع عبيد الله بن الأزور على لفظه .","part":7,"page":203},{"id":1634,"text":"و((الاختصار)) ، فسره الأكثرون بوضع اليد على الخاصرة في الصلاة ، وبذلك فسره الترمذي في ((جامعه)) ، وعليه يدل تبويب النسائي .\rوروى الإمام أحمد في (( مسنده )) عن يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : نهي عن الاختصار في الصلاة . قلنا لهشام : ما الاختصار ؟ قالَ : يضع يده على خصره وهو يصلي . قالَ يزيد : قلنا لهشام : ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟\rقالَ برأسه - أي : نعم .\rوبهذا التفسير فسره جمهور أهل اللغة ، وأهل غريب الحديث ، وعامة المحدثين والفقهاء ، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور .\rوقد قيل : إنه إنما نهى عنه ؛ لأنه فعل المتكبرين ، فلا يليق بالصلاة .\rوقيل : إنه فعل اليهود .\rوقيل : فعل الشيطان .\rفلذلك كرهه بعضهم في الصلاة وغيرها .\rقد خرج البخاري في ((كتابه)) هذا في ((ذكر بني إسرائيل)) ، من رواية\rمسروق ، عن عائشة ، أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته ، وتقول : إن اليهود تفعله .\rوخرجه سعيد بن منصور في (( سننه )) ، ولفظه : أن عائشة كانت تكره الاختصار في الصلاة ، وتقول : لاتشبهوا باليهود .\rوخرجه عبد الرزاق ، ولفظه : إن عائشة نهت أن يجعل الرجل أصابعه في خاصرته في الصلاة ، كما تصنع اليهود .\rوروي عن عائشة ، أنها قالت : هكذا أهل النار .\rوعن ابن عباس ، قال : إن الشيطان يحضر ذلك .\rوعن مجاهد ، قال : هو استراحة أهل النار في النار .\rخرجه كله وكيع بن الجراح ، وعنه ابن أبي شيبة .\rوروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن حميد الهلالي ، قال : إنما كره الخصر في الصلاة أن إبليس أهبط مختصراً .\rوروى صالح مولى التوأمة ، عن أبي هريرة ، قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة ، فلا يجعل يديه في خاصرته ؛ فإن الشيطان يحضر ذَلِكَ .\rخرجه عبد الرزاق .\rوروى سعيد بن زياد الشيباني ، عن زياد بن صبيح ، قال : صليت جنب ابن\rعمر ، فوضعت يدي على خصري ، فقال لي هكذا - ضربه بيده - ، فلما صليت قلت : يا أبا عبد الرحمن ، مارابك مني ؟ قالَ : إن هذا الصلب ، وأن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - نهانا عنه .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوزياد بن صبيح -ويقال : ابن صباح - الحنفي ، وثقه ابن معين والنسائي\rوغيرهما ، وقال الدارقطني : يعتبر به .\rقال : وسعيد بن زياد الشيباني ، الراوي عنه ، لايحتج به ، ولكن يعتبر به ، قال : لا أعرف له إلا هذا الحديث - : نقله عنه البرقاني .\rوسعيد بن زياد ، قال ابن معين : صالح . ووثقه ابن حبان .\rوحكى ابن المنذر كراهة الاختصار في الصلاة على هذا الوجه عن ابن عباس وعائشة ومجاهد والنخعي وأبي مجلز ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي . انتهى .\rوهو قول عطاء والشافعي وأحمد - أيضا .\rومن الناس من فسر الاختصار في حديث أبي هريرة بأن يمسك بيده شيئاً يعتمد عليه في الصلاة ؛ فإن العصى ونحوها مما يعتمد عليهِ يسمى مخصرة .\rوفسره بعضهم باختصار السورة ، فيقرأ بعضها .\rوفسره بعضهم باختصار افعال الصلاة ، فلا يتم قيامها ولا ركوعها ولا","part":7,"page":204},{"id":1635,"text":"سجودها .\rوقد بوب أبو داود في (( سننه )) على (( التخصر والإقعاء في الصلاة )) ، فخرج فيه : حديث ابن عمر المشار إليه .\rثم بوب على ((الاختصار في الصلاة )) ، وخرج فيه : حديث أبي هريرة هذا .\rثم اتبعه : ((باب : يعتمد في الصلاة على عصى )) .\rفلعله فسر الاختصار بالاعتماد ، كما قال بعضهم . والله سبحانه وتعالى أعلم .\r* * *","part":7,"page":205},{"id":1636,"text":"18-باب\rتفكر الرجل الشيء في الصلاة\rوقال عمر : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .\rروى ابن عون ، عن الشعبي ، قال : قال أبو موسى الأشعري : صلى بنا عمر ولم يقرأ ، فقلت : لم تقرأ ، فقال : لقد رأيتني أجهز عيراً بكدى وأفعل كذا ، فأعاد\rالصلاة .\rورواه يونس ، عن الشعبي ، عن زياد بن عياض الأشعري ، أن عمر صلى بهم المغرب فلم يقرأ ، ثم قال : إنما شغلني عن الصلاة عير جهزتها إلى الشام ، فجعلت أفكر في أحلاسها وأقتابها .\rخرجه صالح ابن الإمام أحمد في (( مسائله )) ، عن أبيه بإسناده .\rوخرجه - أيضا - من وجه آخر عن الشعبي ، عن عمر - مرسلا .\rوقد سبق ذكر بعض طرقه في (( أبواب القراءة في الصلاة )) .\rوروى الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، أن عمر صلى بالناس المغرب ، ولم يقرأ فيها شيء ، فلما فرغ قالوا له : يا أمير المؤمنين ، إنك لم تقرأ شيئاً ؟ قالَ : لم أزل أنزل البعير منزلا منزلا ، حتَّى وردت الشام ، ثُمَّ أعاد الصَّلاة .\r[ خرجه ] الجوزجاني .\rوليس فكر عمر في تجهيز الجيوش في الصلاة من حديث النفس المذموم ، بل هو من نوع الجهاد في سبيل الله ؛ فإنه كانَ عظيم الاهتمام بذلك ، فكان يغلب عليهِ الفكر فيهِ في الصَّلاة وغيرها .\rومن شدة اهتمامه بذلك غلب عليه الفكر في جيش سارية بن زنيم بأرض\rالعراق ، وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر ، فألهمه الله ، فناداه ، فاسمعه الله صوته ، ففعل سارية ما أمره به عمر ، فكان سبب الفتح والنصر .\rوقال سفيان الثوري : بلغني أن عمر قال : إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة .\rورواه وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن عمر قاله .\rوهذا كله من شدة اهتمام عمر بأمر الرعية ، وما فيه صلاحهم ، فكان يغلب عليه ذلك في صلاته ، فتجتمع له صلاة وقيام بأمور الأمة وسياسته لهم في حالة واحدة .\rخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالاول :\r1221- حديث : عمر بن سعيد ، عن ابن أبي مليكة ، عن عقبة بن الحارث ، قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ، فلما سلم قام سريعاً ، ودخل على بعض نسائه ، ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته ، فقال : ((ذكرت وأنا في الصلاة تبراً عندنا ، فكرهت أن يمسي - أو يبيت - عندنا ، فأمرت بقسمته )) .\rخرجه عن إسحاق بن منصور ، عن روح .\rوخرجه - فيما تقدم - من طريق عيسى بن يونس ، عن عمر .\rوخرجه في (( الزكاة )) - أيضا - من طريق أبي عاصم ، عن عمر ، به ، وفيه : أنه كان من تبر الصدقة .\rوهذا الذي وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - من جنس ما كان يقع لعمر ؛ فإن مال الصدقة تشرع المبادرة بقسمته بين أهله ومستحقيه ، فكان من شدة اهتمام النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك يتذكره في صلاته ، فيقوم عقب ذَلِكَ مسرعا حتَّى يقسمه بين أهله .\rوهذا كله من اجتماع العبادات وتداخلها ، وليس هم من باب حديث النفس المذموم .\rالحديث الثاني :","part":7,"page":206},{"id":1637,"text":"1222- نا يحيى بن بكير : نا الليث ، عن جعفر ، عن الأعرج : قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا أذن بالصلاة ادبر الشيطان وله ضراط ، حتى لايسمع\rالتأذين ، فإذا سكت المؤذن أقبل ، فإذا ثوب أدبر ، فإذا سكت أقبل ، فلا يزال بالمرء يقول له : اذكر ما لم يكن يذكر ، حتى لايدري كم صلى )) .\rقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إذا فعل ذلك أحدكم ، فليسجد سجدتين وهو قاعد .\rوسمعه أبو سلمة من أبي هريرة .\rوقد خرجه في (( باب : التأذين )) من رواية مالك ، عن أبي الزناد ، عن\rالأعرج ، عن أبي هريرة - إلى قوله : (( لايدري كم صلى )) - أيضا .\rوأما باقي الحديث ، وهو الأمر بسجود السهو لذلك ، فإنما رواه أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، وهو مرفوع ، وليس من قول أبي هريرة .\rوالقائل : (( قال أبو سلمة )) ، لعله جعفر بن ربيعة . والله أعلم .\rوقد خرجه البخاري في (( أبواب السهو )) ، كما يأتي قريبأ - إن شاء الله تعالى- من رواية هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي\rهريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rومن رواية مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي\r- صلى الله عليه وسلم - .\rوفي حديثهما : (( فليسجد سجدتين وهو جالس )) .\rوخرجه في (( بدء الخلق )) من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير - أيضا .\rوالمقصود من تخريجه في هذا الباب : أن الشيطان يأتي المصلي ، فيذكره ما لم يكن يذكره ، حتى يلبس عليه صلاته ، فلا يدري كم صلى ، وإن صلاته لاتبطل بذلك ، بل يؤمر بسجود السهو ؛ لشكه في صلاته .\rوقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ذَلِكَ .\rومنهم من قال : هو إجماع من يعتد به .\rوهذا يشعر بأنه خالف فيه من لا يعتد به .\rوقد قال طائفة قليلة من متأخري أصحابنا والشافعية : أنه إذا غلب الفكر على المصلي في أكثر صلاته ، فعليه الإعادة ؛ لفوات الخشوع فيها .\rوكذا قالَ أبو زيد المروزي من الشافعية ، في المصلي وهو يدافع الأخبثين : أنه إذا اذهب ذَلِكَ خشوعه ، فعليه الإعادة .\rوقال ابن حامد من أصحابنا : متى كثر عمل القلب وفكره في الصلاة في أمور الدنيا أبطل الصلاة ، كما يبطلها عمل الجسد إذا كثر .\rوالحديث حجة على هذه الأقوال كلها .\rوقد استدل لوجوب الخشوع في الصلاة بحديث مختلف في إسناده ، وقد ذكرناه مع الإشارة إلى هذه المسألة في (( باب: الخشوع في الصلاة )) ، فيما مضى .\rالحديث الثالث :\r1223-نا محمد بن المثنى : حدثنا عثمان بن عمر : أنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : قال أبو هريرة : يقول الناس : أكثر أبو هريرة ، فلقيت رجلاً فقلت : بم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البارحة في العتمة ؟ قالَ : لا أدري . فقلت : لم تشهدها ؟ قال:\rبلى . فقلت : لكن أنا أدري ، قرأ سورة كذا وكذا .","part":7,"page":207},{"id":1638,"text":"مراد أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن يبين للناس امتيازه عن غيره بضبط أمور النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واعنائه بها ، وحفظه لها ، وإذا كان كذا لم يستبعد أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه غيره.\rوهذه الواقعة كانت جرت له في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فحفظ قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء ، ولم يحفظها بعض من شهد العشاء معه ، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوظاهر السياق : يقضي أنه من حينئذ كان يقال : أكثر أبو هريرة ، وهو بعيد .\rوالظاهر - والله اعلم - : أنه إنما قيل ذلك بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حين أكثر أبو هريرة من الرواية عنه .\rفاستدل أبو هريرة بحفظه ما لم يحفظه غيره بهذه القصة التي جرت له مع بعض الصحابة ، حيث حفظ ما قرأ به النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء ، ولم يحفظ ذلك غيره ممن صلى معه .\rواعلم ؛ أن عدم حفظ المصلي لما قرأ به امامه لها حالتان :\rأحدهما : أن يكون ذَلِكَ عقب انصرافه من الصَّلاة ، فهذا إنما يكون غالباً من عدم حضور القلب في الصَّلاة ، وغلبه الفكر والوساوس فيها .\rوقد ذكرنا في ((باب : القراءة في الصلاة )) ، عن أحمد ، أنه قال - فيمن صلى مع إمام ، فلما خرج من الصلاة قيل له : ما قرأ الإمام ؟ قالَ : لا أدري - قالَ : يعيد الصَّلاة .\rوإن الأصحاب اختلفوا في وجهها على ثلاث طرق لهم فيها .\rوقد ورد حديث مرفوع ، يستدل به على أن لا اعادة على من لم يحفظ ذلك :\rفروى البزار (( مسنده )) ، عن عمرو بن علي : سمعت يحيى بن كثير ، قال : حدثنا الجريري ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً بأصحابه ، فقال : (( كيف رأيتموني صليت ؟ )) قالوا : ما أحسن ما صليت ، قالَ : ((قد نسيت آية كيت وكيت ، وإن من حسن صلاة المرء أن يحفظ قراءة الإمام )) .\rالحالة الثانية : أن يكون ذلك بعد مضي مدة من الصلاة ، فهذا يكون غالباً من النسيان بعد الحفظ ، لا من سهو القلب في الصلاة ، وهذا هو الذي أراده أبو هريرة بحديثه هذا .\rوحينئذ ؛ ففي تخريجه في الباب نظر ؛ لأن الباب معقود لحديث النفس في الصلاة والوسوسة فيها ، وهو ينقسم إلى المذموم - وهو حديث النفس بأمور [ الدنيا] وتعلقاتها - ، وإلى محمود - وهو حديث النفس بأمور الآخرة وتعلقاتها - ، ومنه ما يرجع إلى ما فيه مصلحة المسلمين من أمور الدنيا ، كما كان عمر يفعله .\rوقد خرج البخاري في (( أبواب الوضوء )) حديث عثمان ، فيمن توضأ ثم صلى ركعتين ، لا يحدث فيهما نفسه ، أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه ، وسبق الكلام عليه في موضعه .\rورجح طائفة من المتأخرين من أصحابنا اختصاصه بما كان لمصلحة الصلاة ؛ لأن الرخصة إنما وردت في ؛ ولأنه إذا كان لمصلحة الصلاة ، وفعله ساهياً ، فهو شبيه بالسلام من الصلاة ساهياً ، وهو غير مبطل عند جمهور العلماء كما تقدم .","part":7,"page":208},{"id":1639,"text":"واختلف أصحابنا : هل محل الخلاف إذا سلم من صلاته ، يظن أنها قد تمت ، ثم تكلم حينئذ ؛ لأن هذه هي الصورة التي وردت فيها الرخصة ، وهي التي يقع فيها كلام الساهي غالباً ، أم تعم ذلك وغيره لمن تكلم في صلب صلاته ساهياً ؟ وفيه طريقان للأصحاب 0\rوأكثر [كلام الإمام] أحمد يدل على الأول .\rوقد ذكرنا - فيما تقدم - أن أحمد لم يقل : إن حديث ذي اليدين نسخ ، كما يقوله غيره ، وإنما اختلفت الرواية عنه : هل كان ذلك خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -وبمن كلمه ، أو هو عام ، أم يختص بعده بالإمام دون المأموم ؟\rفروي عنه ، أنه كانَ خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -ومن كلمه .\rوهذه الرواية اختيار أبي بكر الخلال وصاحبه .\rفأما النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد يقول : إنه كان مخصوصاً بجواز الكلام في الصلاة لمصلحتها ، إما سهواً أو مطلقاً .\rوأما المجيبون له ، فقد صرح بأن إجابتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -كانت واجبة ، فلا تبطل صلاتهم بذلك ، وكلام ذي اليدين له بقوله : ((قصرت الصلاة ، أم نسيت ؟ )) كانَ في وقت يجوز فيهِ قصر الصَّلاة ، فكان - أيضا - يظن أن صلاتهم تمت ، وهذا لايوجد بعدهم .\rوأما قول ذي اليدين بعد ذلك : (( بل نسيت يارسول الله )) - وفي رواية : (( قد كان بعض ذلك )) ، فقد تكلم وهو عالم أن صلاتهم لم تتم ، لكنه لم يعلم أنهم في الصلاة ، وأن البناء يجوز لهم على ما مضى ، بل قد يكون ظن أن ما مضى من الصلاة بطل ولغي ، وأنهم الآن ليسوا في صلاة ، وربما كان تكلم غير ذي اليدين من الصحابة لذلك ؛ فإن جواز البناء إنما علم من فعل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، لا قبله .\rلكن هذا يقع للناس كثيراً ، فهل حكم هذا حكم من تكلم يظن أنه ليس في\rصلاة ، فهوكالساهي ، أم لا ؟\rالظاهر : أن هذا ملحق بالجاهل بأنه في صلاة ، يعذر في كلامه ، بخلاف الصائم ، إذا جهل الوقت فاكل يظنه ليلاً ، فتبين أنه نهاراً .\rوحكوا الخلاف عن أحمد ، في كل من تكلم وهو يعتقد أنه ليس في صلاة ، وأنه خرج منها ، يكون جاهلاً بأن [عمل ] كلامه يبطل الصلاة .\rولأصحابنا وجهان فيمن أكل [ في ] الصيام ما لا يعتقد أنه يفطره ، هل يفطربه ، أم لا ؟ وهو - أيضا - جاهل .\rولهم وجهان فيمن أكل ناسيا ، فظن أنه أفطر ، وأنه لا يلزمه الإمساك ، ثُمَّ\rجامع ، هل عليه كفارة بجماعه ، أم لا ؟\rوحكى ابن المنذر ، أنه لا كفارة عليهِ عندَ جمهور العلماء ؛ لأنه لم يتعمد افساد الصوم .\rوللشافعية فيهِ وجهان - أيضا .\rوكلامهم يدل على أنه يفطر بذلك ؛ فإن الجهل لايعذر به في الصوم ، ويعذر به في الصَّلاة ، فإذا سلم من صلاته ، يظن أنها تمت ، ثُمَّ علم أنها لم تتم ، وظن أن صلاته بطلت ، فتكلم ، فهوَ كالجاهل .\rوكذا إذا سلم الإمام ناسيا ، والماموم يعلم ، فتكلم ظاناً أن صلاته بطلت\rبالسلام ، فأحمد جعل هذا الحكم خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - في رواية عنه .","part":7,"page":209},{"id":1640,"text":"وجعله - في رواية أخرى عنه - عاما للأمة في حق كل من تكلم وهو يظن أن صلاته قد تمت ، خاصة كما يقوله الشافعي .\rوفرق- في رواية أخرى عنه - بين الإمام والمأموم ؛ لأن الإمام لايسأل عن تمام صلاته الاوهو شاك ، والمأموم إنما يجيب وهو عالم بأن صلاته لم تتم ، بخلاف حال الصحابة مع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإن بعضهم تكلم وهو يظن أن الصَّلاة قد تمت ؛ لاحتمال قصرها عنده ، وبعضهم تكلم مجيباً للنبي - صلى الله عليه وسلم -وكلا الأمرين لايوجد في حق من بعدهم .\rولكن يوجد في حق من بعدهم من يظن أن صلاتهم قد تمت كالإمام ، ومن يظن أن صلاته تبطل بالسلام نسياناً ، فيتكلم حينئذ ، جاهلا بأنه في صلاة .\rوخرج أبو داود من حديث حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي ، فصلى ركعتين ، ثم سلم - وذكرالحديث ، وفيه : قال : ((أصدق ذو اليدين ؟ )) .\rفاومئوا - أي : نعم - وذكر الحديث .\rوذكر أن حماد بن زيد تفرد بقوله : (( فأومئوا )) .\rوقول إسحاق بن راهويه في هذا كقول أحمد ، بالتفريق بين الإمام والمأمومين .\rقال : إنما تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه ظن تمأم صلاته ، وذو اليدين ظن أن الصَّلاة قصرت وتمت ، والصحابة اجابوا النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن اجابته بالكلام عليهم واجبة ، لم يجدوا من ذَلِكَ بداً .\rقالَ : وإن تكلم الإمام اليوم ، وهو شاك في تمام صلاته ، واستثبت من معه ، جاز لهُ ذَلِكَ ، ولو كانوا قدو نبهوه بالتسبيح ، ولا يجوز لهم أن يتكلموا إذا علموا أن صلاتهم لم تتم ، وتبطل به صلاتهم .\rروى كل ذلك حرب وابن منصور ، عن إسحاق .\rونقل ابن قرة الزبيدي ، عن مالك ، أن من تكلم في صلاته بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أعاد صلاته ؛ لأن الصحابة تكلموا وهم يظنون أن الصَّلاة قد قصرت ، فلا يجوز ذَلِكَ اليوم .\rوإلى هذه الرواية ذهب ابن كنانة من أصحابه .\rوذكر الحارث بن مسكين وابن وضاح أن سائر أصحاب مالك خالفوا ابن القاسم فيما رواه عن مالك .\rوقالت طائفة : حديث ذي اليدين يتخرج على أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها ، عمداً ولا سهواً ، وهو قول الأوزاعي وأيوب وحماد بن زيد وربيعة .\rومالك - في المشهور عنه - : نقله ابن القاسم ، عنه .\rوهو رواية عن أحمد .\rوروي عنه ، اختصاصه بالإمام .\rومذهب مالك : اختصاصه بالإمام والمأموم ، دون المنفرد .\rوروي هذا المعنى عن ابن الزبير وغيره من المتقدمين .\rويستدل له بأن في حديث معاوية بن حديج - الذي يأتي ذكره - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلالاً أن يقيم الصلاة .\rوكذا رواه عبيد بن عمير - مرسلاً .\rوهذا يدل على أن إقامة الصلاة والأمر بها لايبطل البناء على ما مضى من\rالصلاة .\rوادعى قوم : أن هذا كان من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -وأصحابه ، وهذا رواية عن مالك وأحمد ، قد سبق ذكرها .","part":7,"page":210},{"id":1641,"text":"وقد رويت هذه القصة من حديث أبي هريرة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - [سلم] من ركعتين ، وأن الذي كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - هو ذي اليدين .\rومن حديث عمران بن الحصين ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ثلاث ركعات ، وأن الذي كلمه هو الخرباق .\rخرجه مسلم .\rوقد نص أحمد على أنهما حديثان ، وليسا بقصة واحدة - : نقله عنه علي بن سعيد .\rوروى - أيضا - معاوية بن حديج ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوما ، فسلم ، وقد بقيت من الصلاة ركعة ، فادركه رجل ، فقال : نسيت من الصلاة ركعة ، فرجع فدخل المسجد ، وأمر بلالاً فأقام ، فصلى للناس ركعة . قال : فأخبرت بذلك الناس ، فقالوا : تعرف الرجل ؟ قلت : لا ، الا أن أراه ، فمر بي ، فقلت : هوَ هذا ، فقالوا : هذا طلحة بن عبيد الله .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم .\rوقال : صحيح حسن الإسناد .\rوفي رواية . أنه المغرب .\rوقد أنكر الإمام أحمد أن يكون لمعاوية بن حديج صحبة ، وأثبته البخاري والأكثرون .\rقال ابن حبان : هذا يدل على أن هذه ثلاثة أحوال متباينة في ثلاث صلوات ، لا في صلاة واحدة .\rورجح ابن عبد البر وغيره أنها صلاة واحدة ، وأن اختلفت بعض الروايات فيها .\rوهذا أشبه . والله أعلم .\rوعلى القول بأن الكلام نسياناً أو جاهلاً لايبطل الصلاة ، إنما هو في اليسير ، فأما إن كثر وطال ، ففيه وجهان .\rوالمنصوص عن [ أحمد ] ، أنه يبطل حينئذ - : نقله عنه أبو داود وغيره .\rوكذلك لأصحاب الشافعي وجهان - أيضا .\rوالمنصوص ، عنه : أنه يبطل - أيضا - : نقله عنه البويطي .\rقال : الشافعي : لا يشك مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينصرف إلا وهو يرى أن قد أكمل الصلاة ، وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت بحادث من الله ، ولم يقبل\rرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي اليدين ؛ إذ سأل غيره ، ولما سأل غيره احتمل أن يكون سأل من لم يسمع كلامه ، فيكونون مثله - يعني : مثل ذي اليدين - ، واحتمل أن يكون سأل من سمع كلامه ، ولو سمع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ ، فلما سمع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - رد عليهِ كانَ في معنى ذي اليدين ، من أنه لم يدر : أقصرت الصَّلاة أم نسي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فأجابه ، ومعناه معنى ذي اليدين مع أن الفرض عليهم جوابه .\rثم قال : فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -تناهت الفرائض فلا يزداد فيها ، ولا ينتقص منها أبداً .\rقال : فهذا فرق ما بيننا وبينه ، إذا كان أحدنا إماما اليوم .\rوفي حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب فوائد كثير جداً ، يطول\rاستقصاؤها ، ولكن نشير إلى بعضها إشارة :\rفمنها : أن اليقين لا يزال بالشك ؛ فإن ذا اليدين كان على يقين من أن صلاتهم تلك أربع ركعات ، فلما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم -ركعتين احتمل أن يكون قصرت الصلاة ، واحتمل أن يكون ناسياً ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أقصرت الصلاة أم نسيت ؟","part":7,"page":211},{"id":1642,"text":"ومنها : أن انفراد الواحد من بين الجماعة بشيء لايمكن في مثله أن ينفرد بعلمه عنهم ، يتوقف في قوله ، حتَّى يتابعه عليهِ غيره .\rوهذا اصل جهابذة الحفاظ : ((أن القول قول الجماعة دون المنفرد عنهم بزيادة ونحوها )) ، لاسيما أن كانوا زيادة الثقة مقبولة مطلقاً ، وليس ذلك بشيء ، فإذا توبع على قوله اعتمد عليه .\rومنها : أنه قد استدل به بعض من لايقبل خبر الواحد المنفرد به ، حتى يتابع\rعليه .\rورد ذلك الإمام أحمد ، وفرق بينهما بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -إنما سلم من صلاته ؛ لأنه كانَ يعتقد اعتقاداً جازماً أنه أتم صلاته ، فلذلك توقف في قول ذي اليدين وحده ، دون بقية الجماعة الذين شهدوا الصَّلاة .\rوأما خبر الواحد الثقة الذي ليس له معارض أقوى منه ، فإنه يجب قبوله ؛ لأدلة دلت على ذَلِكَ ، وقد يتوقف فيهِ احياناً ؛ لمعارضته بما يقتضي التوقف فيهِ ، كما توقف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في قول ذي اليدين حتى توبع عليه .\rومنها : أنه يستدل به على أن الحاكم إذا نسي حكمه ، فشهد عليه شاهدان ، أنفده وأمضاه ، وأن لم يذكره ، وهو قول مالك وأحمد .\rوعند أبي حنيفة والشافعي : لاينفذه حتى يذكر حكمه به .\rوفيه فوائد أخر ، تتعلق بسجود السهو ، ياتي ذكرها فيما بعد - إن [شاء الله ] تعالى .\r* * *","part":7,"page":212},{"id":1643,"text":"14- باب\rمن لم يتشهد في سجدتي السهووسلم\rأنس بن مالك ، والحسن ، ولم يتشهدا .\rوقال قتادة : لايتشهد ؟\rأما المروي عن أنس [...........................................] .\rوأما المروي عن الحسن ، فروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن رجل ، عن\rالحسن ، قال : ليس فيها تشهد ولا تسليم .\rوأما قتادة ، قال : يتشهد في سجدتي السهو ويسلم .\rوعن عبد الله بن كثير ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أنه وهم في صلاته ، فسلم ، فسجد سجدتي السهو ، ثم سلم مرة أخرى .\rقال شعبة : فسألت الحكم وحماداً ، فقالا : يتشهد في سجدتي السهو .\rوعن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : ليس في سجدتي السهو تشهد .\rقلت : أجعل نهضتي قيامي ؟ قالَ : بل اجلس ، فهوَ أحب إلي ، وأوفى لها .\rوهذا يدل على أن مراده : السجود بعد السلام ، أنه لا يتشهد لهُ ، ولا يسلم\rمنه .\rوروى عبد الرزاق بإسناده ، عن النخعي ، أنه كان يتشهد ويسلم .\rوعن الثوري ، عن خصيف ، عن [ أبي ] عبيدة ، عن عبد الله ، أنه تشهد في سجدتي السهو .\rوحاصل الأمر : أنه قد اختلف في التشهد ، وفي التسليم في سجود السهو :\rفأما التشهد : فروي ثبوته عن ابن مسعود والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ، وقتادة - وفي رواية - والحكم وحماد ويزيد بن قسيط والثوري والليث والأوزاعي وأبي حنيفة .\rوروي عن ابن سيرين ، قال : أحب إلي أن يتشهد .\rوروي [....] عن أنس والحسن وعطاء وابن سيرين .\rوحكاه البخاري عن قتادة .\rوهذا كله في السجود بعد السلام .\rوأما السجود قبله ، فلا يتشهد فيه عند أحد من العلماء ، إلا رواية عن مالك ، رواها عنه ابن وهب .\rوروي عن ابن مسعود من وجه فيه انقطاع ، ومختلف في لفظه ، وفي رفعه\rووقفه .\rوحديث ابن بحينة يدل على أنه تشهد بعده ؛ لأنه قالَ : ((سجد قبل السلام)) ، ولم يتشهد بعده ، وإن سجد بعد السلام تشهد بعده ، ثُمَّ سلم .\rوحكي للشافعي قول آخر : أنه لايتشهد .\rوحكي قول ثالث : أنه يتشهد ثم يسجد ، ثم يسلم .\rواختار الجوزجاني : أنه لا يتشهد في الموضعين ، لا قبل السلام ، ولا بعده .\rوقد روي عن عمر بن الخطاب وعطاء : أن من نسي التشهد الأول يسجد بعد صلاته [و] تشهد تشهدين ، وقد ذكرناه فيما تقدم .\rوأما التسليم ، فروي فعله عن ابن مسعود وعمران بن حصين ، وعلقمة والشعبي والنخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى والقاسم وسالم وقتادة والحكم وحماد .\rوهو قول الثوري وأبي حنيفة والليث والشافعي وأحمد وإسحاق .\rثم قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق : يسلم تسليمتين .\rوروي عن ابن مسعود من وجه منقطع .\rوقال النخعي : يسلم تسليم الجنازة .\rيعني : واحدة .\rوقاله بعض الحنفية - أيضا .\rوقد حكى البخاري ، عن أنس والحسن ، أنهما سلما .\rوحكى غيره ، عنهما ، أنهما لم يسلما .\rوقد تقدم عن الحسن ، أنه قال : ليس فيها تشهد ولا تسليم - ، وعن عطاء .\rوروى الربيع بن صبيح ، عن عطاء ، قال : فيها تشهد وتسليم .","part":7,"page":213},{"id":1644,"text":"وروي عن عطاء : إن شاء تشهد وسلم ، وإن شاء لم يفعل .\rوهذا كله في السجود بعد السلام ، وأما السجود قبل السلام فإنه يعقبه السلام من الصلاة ، فلا يحتاج إلى تسليم آخر .\rقال البخاري - رحمه الله - :\r1228- ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين : اقصرت الصلاة أم نسيت يارسول الله ؟فقالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((أصدق ذو اليدين ؟)) ، فقال الناس : نعم ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فصلى اثنتين أخرتين ، ثم [سلم ، ثم ] كبر ، فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع .\rحدثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد ، عن سلمة بن علقمة : قلت لمحمد : في سجدتي السهو تشهد ؟ قالَ : ليس في حديث أبي هريرة .\rرواية ابن سيرين عن أبي هريرة ، إنما فيها ذكر السجدتين ، كل سجدة ورفع منها\rبتكبير .\rوقد خرجه البخاري كذلك بتمامه في الباب الآتي ، من حديث يزيد بن إبراهيم التستري ، عن ابن سيرين .\rوكذلك خرجه مسلم ، من حديث ابن عيينة وحماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين .\rوكذلك هو في ((الموطأ)) عن أيوب بتمامه .\rوكذلك خرجه الترمذي من طريق مالك .\rوفي رواية مسلم ، قال -يعني : ابن سيرين - : واخبرت عن عمران بن حصين ، أنه قالَ : (( ثم سلم )) .\rوهكذا خرجه البخاري في (( باب: تشبيك الأصابع [ في ] المسجد )) من طريق ابن عون ، عن ابن سيرين ، بسياق تام ، وفي آخره : ((فربما سألوه : ثم سلم ؟ فيقول : نبئت عن عمران بن حصين ، قالَ : ((ثُمَّ سلم)) .\rوهذا يدل على أن ذكر السلام ليس - أيضا - في حديث أبي هريرة ، إنما هو في حديث عمران بن حصين .\rوإنما رواه ابن سيرين ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران -: قاله الإمام أحمد .\rورواه كذلك عن يحيى القطان ، عن أشعث ، عن ابن سيرين .\rوخرج الطبراني ، من رواية معاوية بن عبد الكريم الضال ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة حديث السهو بطوله ، وفيه : فقام فصلى الركعتين ، ثم سجد سجدتين ، وهو جالس ، ثم سلم .\rهذه الزيادة غير محفوظة في حديث أبي هريرة ، إنما ذكرها ابن سيرين بعد حديث أبي هريرة بلاغاً عن عمران بن حصين .\rوخرجه مسلم من طريق الثقفي وابن علية ، عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوروى محمد بن عبد الله الأنصاري : حدثنا أشعث ، عن ابن سيرين ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران بن حصين ، أن النبي- صلى الله عليه وسلم -صلى بهم فسها ، فسجد سجدتين ، ثم تشهد ، ثم سلم .\rخرجه أبو داود والترمذي .\rوقال : حديث حسن غريب .\rوابن حبان في (( صحيحه )) والحاكم .\rوقال : صحيح على شرطهما .\rوضعفه آخرون ، وقالوا : ذكر التشهد فيه غير محفوظ ، منهم : محمد بن يحيى الذهلي والبيهقي ، ونسبا الوهم إلى أشعث .\rوأشعث ، هو : ابن عبد الملك الحمراني ، ثقة .","part":7,"page":214},{"id":1645,"text":"وعندى ؛ أن نسبة الوهم إلى الأنصاري فيهِ أقرب ، وليس هوَ بذاك المتقن جداً في حفظه ، وقد غمزه ابن معين وغيره .\rويدل على : أن يحيى القطان رواه عن أشعث ، عن ابن سيرين ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، عن عمران في السلام خاصة ، كما رواه عنه الإمام أحمد - : ذكره ابنه عبد الله ، عنه في ((مسائله)) .\rفهذه رواية يحيى القطان - مع جلالته وحفظه واتقانه - ، عن أشعث ، إنما فيها ذكر السلام فقط .\rوخرجه النسائي ، عن محمد بن يحيى بن عبد الله ، عن الأنصاري ، عن اشعث ، ولم يذكر التشهد .\rفإما أن يكون الأنصاري اختلف عليه في ذكره ، وهو دليل على أنه لم يضبطه ، وإما أن يكون النسائي ترك ذكر التشهد من عمد ؛ لأنه استنكره .\rوقد روى معتمر بن سليمان ، وهشيم ، عن خالد الحذاء حديث عمران ابن حصين ، وذكرا فيهِ : أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -صلى ركعة ، ثُمَّ تشهد وسلم ، ثُمَّ سجد سجدتي السهو ، ثُمَّ سلم .\rفهذا هو الصحيح في حديث عمران ، ذكر التشهد في الركعة المقضية ، لا في سجدتي السهو .\rوأشار إلى ذلك البيهقي .\rوقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التشهد في سجود السهو ، من حديث ابن مسعود ، وله طرق :\rأجودها : رواية خصيف عن أبي عبيدة ، عنه ، مع الاختلاف في رفع الحديث ، ووقفه أشبه ، أو مع الاختلاف في ذكر السجود فبل السلام وبعده .\rوروي من وجوه أخر ، لا يثبت منها شيء .\rوروي -أيضاً- من حديث عائشة - مرفوعاً .\rخرجه الطبراني .\rوإسناده ساقط .\rوقال الجوزجاني : لانعلم في شيء من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سجدتي السهو قبل السلام وبعده ، أنه يتشهد بعدهما .\rوقال - أيضا - : ليس في التشهد في سجود السهو سنة قائمة تتبع .\rوقال ابن المنذر : السلام في سجود السهو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -من غير وجه ، وثبت عنه أنه كبر فيهما أربع تكبيرات .\rوفي ثبوت التشهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما نظر .\rوخرج أبو داود في ((سننه)) من حديث سلمة بن علقمة ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بحديث السهو ، وفي آخره : قلت لمحمد : يعني التشهد ؟ قالَ : لم أسمع في التشهد ، وأحب إلي أن يتشهد .\rوهذه الرواية : تدل على أن رواية اشعث عنه في التشهد لا اصل لها ؛ لأن ابن سيرين أنكر أن يكون سمع في التشهد شيئاً .\rوالرواية التي ساقها البخاري من رواية سلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين ، إنما فيها أنه قال : ((ليس في حديث أبي هريرة )) -يعني : التشهد .\rوقد بقي من فوائد حديث أبي هريرة أحكام ، لم يتقدم ذكرها :\rفمنها : أن الإمام إذا سها ، ولم يتيقن سهوه ، فذكره المامومون ، فإن ذكر سهوه عمل بذكره ، بغير خلاف بين العلماء .\rوقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (( إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني)) .","part":7,"page":215},{"id":1646,"text":"وأما إن لم يذكر سهوه حين ذكروه ، فظاهر حديث أبي هريرة يدل على أنه يرجع إلى قول المأمومين ، إذا لم يتيقن أنه على [ الصواب ] يقينا ، وكذلك حديث عمران بن حصين ، وحديث معاوية بن حديج .\rوقد بوب البخاري على ذلك في ابواب الإمامة : (( باب : هل ياخذ الإمام إذا شك بقول الناس ؟ )) .\rوخرج فيهِ حديث أبي هريرة ، من طريق ابن سيرين ، ومن طريق أبي سلمة .\rوبهذا قال جمهور اهل العلم ، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والثوري ومالك - في رواية - وأحمد وغيرهم .\rواختلفوا : هل يجب الرجوع إلى قولهم ، أم يستحب ؟\rفقالَ أبو حنيفة : يجب .\rوهو ظاهر أحمد . وروي عنه ، أنه يستحب الرجوع إليهم ، وله أن يبني على يقين نفسه ، أو يتحرى ، كما لو كان منفردا .\rوقال ابن عقيل من أصحابنا : إنما يرجع إلى قول المأمومين ، إذا قلنا : إن الإمام يتحرى ، ولا يعمل بيقين نفسه ؛ فإن أكثر ما يفيد قولهم غلبة الظن ، فيكون الرجوع إليهم من باب التحرى ، فأما إذا قلنا : يعمل باليقين ، لم يلتفت إليهم .\rوجمهور أصحابنا على خلاف هذا ، وأنه يرجع اليهم على كلا القولين ؛ فإن قول اثنين فصاعدا من المأمومين حجة شرعية ، فيجب العمل بها ، وإن لم يوجب العلم ، كسائر الحجج الشرعية التي يجب العمل بها من البيات وغيرها ، وإنما محل الخلاف في التحري بالأمارات المجردة عن حجة شرعية .\rوقال الشافعية ومالك - في رواية أخرى - : لا يرجع الإمام إلى قول المأمومين ، إذا لم يذكر ما ذكروه به ، بل يبني على يقين نفسه .\rولأصحابهما قول آخر : إنه يرجع إليهم ، إذا كثروا ؛ لبعد اتفاقهم على الخطإ ، فأما الواحد والاثنان ، فلا .\rوذهب أبو حنيفة إلى أنه يجب الرجوع إلى قول واحد من المأمومين ؛ لأنه خبر ديني ، فهوَ كالإخبار بالقبلة ونحوها .\rوكذا قال إسحاق : يرجع إلى قول واحد .\rومذهب مالك وأحمد: لا يرجع إلى قول واحد من المامومين ،بل إلى ما زاد على الواحد ؛ لحديث أبي هريرة ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -لم يكتف بقول ذي اليدين حتى سال غيره ، فلما اخبروه عمل بقولهم ، ولأن انفراد الواحد من بين المامومين بالتنبيه على السهو ، مع اشتراكهم جميعا في الصلاة يوجب ريبة ، فلذلك احتاج إلى قول آخر يعضده .\rوقد تقدم القول في هذا بابسط من هذا الكلام في ((باب : هل ياخذ الإمام إذا شك بقول الناس ؟ )) .\rومنها : أن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ قد وقع منه في هذه الصَّلاة سلام من نقص وقيام ومشي وكلام ، وكل واحد من هذه سبب يقتضي السجود بانفراده ، ولم يسجد إلا سجدتين .\rوكذلك حديث ابن بحينة ، فإن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك التشهد الأول والجلوس له ، ويقتضي ذلك ترك التكبيرة للقيام منه ، وقد سجد سجدتين .\rفدل على أن السهو إذا تعدد ، لم يوجب أكثر من سجدتين .\rوهذا قول جمهور العلماء ، إذا كان من جنس واحد ، وإنما خالف فيه الأوزاعي .","part":7,"page":216},{"id":1647,"text":"ويدل على الاكتفاء بسجود واحد ، وإن تعدد السهو : أنه شرع تأخر السجود إلى آخر الصلاة ، فدل على أنه يكتفى به لجميع ما يتجدد في الصلاة من السهو ، إذ لو كان لكل سهو سجود ، لشرع السجود عقب كل سهو عنده .\rومنها : أنه سجد للسهو بعد السلام ، وسنذكره هذه المسألة مستوفاة فيما بعد - أن شاء الله تعالى .\r* * *","part":7,"page":217},{"id":1648,"text":"5- باب\rيكبر في سجدتي السهو\rوفيه حديثان :\rالأول :\r1229- حدثنا حفص بن عمر :ثنا يزيد بن إبراهيم ، عن محمد ، عن أبي\rهريرة ، قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي -قال محمد : وأكثر ظني العصر - ركعتين ، ثم سلم ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ، فوضع يده عليها ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه ، وخرج سرعان الناس ، فقالوا : قصرت الصلاة ، ورجل يدعوه النبي - صلى الله عليه وسلم -ذا اليدين ، فقال: أنسيت ، أم قصرت ؟ فقالَ : ((لم أنس ، ولم\rتقصر )) . قالَ : بلى ، قد نسيت ، فصلى ركعتين ، ثُمَّ سلم ، ثُمَّ كبر ،ثُمَّ سجد مثل سجوده أو اطول ، ثُمَّ رفع رأسه فكبر، ثُمَّ وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثُمَّ رفع رأسه فكبر .\r((صلاتا العشي)) : هما الظهر والعصر ؛ لأنهما بعد زوال الشمس ، وذلك زمن العشي .\rوأكثر ظن ابن سيرين ، أنها العصر .\rوفي رواية ابن عون ، عنه ، أنه قال : سماها أبو هريرة ، ونسيتها أنا .\rوروي مجزوماً بذلك .\rخرجه الإمام أحمد .\rوفي هذه الرواية : أنه قام من مكانه الذي صلى فيه إلى مقدم المسجد ، ووضع يده على الخشبة .\rوفي رواية ابن عون ، عن ابن سيرين ، أنه شبك أصابعه .\rوقد خرجها البخاري - فيما مضى .\rوأما هيبة أبي بكر وعمر أن يكلماه ، مع قربهما منه ، واختصاصهما به ، فلشدة معرفتهما بعظمته وحقوقه ، وقوة المعرفة توجب الهيبة ، كما أن اشد الناس معرفة بالله أشدهم لهُ خشية وهيبة وإجلالا ، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك .\r(( وسرعان الناس )) ، وهم الذين أسرعوا الخروج من المسجد ، فظنوا أن الصلاة قصرت ، فتحدثوا بذلك .\rوهذا يدل على أنه لم يخف ذلك على عامة من كان في المسجد أو كلهم .\rوفي رواية ابن عون ، عن ابن سيرين ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام إلى خشبة فاتكأ عليها ، وشبك بين أصابعه ، ووضع خده على ظهر كفه ، كأنه غضبان .\rوالظاهر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم -كان في حال الصلاة مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب ، وهو الذي حمله على أن صلى ركعتين وسلم ، ولم يشعر بذلك .\rوقوله : ((ورجل يدعوه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا اليدين )) ، فيه : دليل على أنه يجوز دعاء الإنسان بغير اسمه ، ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة ، وربما كان يدعى بذلك من باب الفكاهة والمزاح ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل : ((ياذا الأذنين )) .\rوقوله : ((لم أنس ولم تقصر )) وهكذا في رواية ابن عون - أيضا - ، عن ابن سيرين .\rوزعم بعضهم : أن مراده : نفي مجموع الأمرين ، يعني : لم يجتمع القصر\rوالنسيان ، ولم يرد نفي أحدهما بانفراده .","part":7,"page":218},{"id":1649,"text":"وهذا ليس بشيء ؛ فإنه لو كانَ كذلك لكان ذاكراً لنسيانه حينئذ ، مثبتاً لهُ ؛ فإن القصر منتف قطعاً ، فيكون مثبتا لنسيانه حينئذ ، ولو كانَ حينئذ ذاكراً لنسيانه لم يحتج إلى قول ذي اليدين لهُ ، ولا لاستشهاده بالناس على صدقه ؛ فإن في رواية ابن عون : فقال : (( أكما يقول ذو اليدين ؟ )) ، قالوا : نعم .\rولو كانَ لنسيانه حينئذ لما تكلم ، فإنه كانَ يكون متكلماً وهوعالم بأنه في صلاة أو حكمها ، وإنما قالَ - صلى الله عليه وسلم -: ((لم أنس ولم تقصر )) باعتبار ما كانَ في اعتقاده ، بأنه أتم صلاته ، ولم ينس منها شيئاً ، فإنه إنما سلم من ركعتين لاعتقاده أنه أتمها . فقوله : ((لم أنس )) إخبار عن حاله التي كانَ عليها في الصَّلاة ، وهي مستمرة إلى حين تكلم بهذا .\rوقد صح عنه ، أنه قال : ((إنما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني )) .\rولعلهم امتنعوا من تذكيره في هذه الصلاة بالتسبيح ؛ لأنهم كانوا علي رجاء منه أن يقوم من التشهد إلى الركعتين الباقيتين ، وإنما تيقنوا تركه لهما بسلامه ، وكانوا حينئذ غير متيقنين لسهوه ، فإنه كن يحتمل عندهم أن تكون الصلاة قد قصرت، فلذلك لم يسبحوا به عند سلامه .\rوقول ذي اليدين : ((قد نسيت )) ، إنما جزم به لنفي النبي - صلى الله عليه وسلم -قصر الصلاة ، مع على الناس بأنه إنما صلى ركعتين فقط ، فتعين أن يكون ترك الركعتين نسياناً .\rوالمقصود من هذا الباب : أن النبي - صلى الله عليه وسلم -لما سجد سجدتي السهو كبر فيها أربع تكبيرات ، كبر في كل سجدة تكبيرة للسجود ، وتكبيرة للرفع منه .\rالحديث الثاني :\r1230- حدثنا قتيبة : ثنا الليث ، عن ابن شهاب ، عن الاعرج ، عن عبد الله بن بحينة الاسدي - حليف بني عبد المطلب - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في صلاة الظهر وعليه جلوس ، فلما أتم صلاته سجد سجدتين ، يكبير في كل سجدة وهو جالس ، قبل أن يسلم ، وسجدهما الناس معه ، مكان ما نسي من الجلوس .\rتابعه : ابن جريج ، عن ابن شهاب ، في التكبير .\rهذا الحديث ؛ خرجه مسلم عن قتيبة ، كما خرجه البخاري .\rوخرجه النسائي من طريق ابن وهب : أخبرني عمرو ويونس والليث ، عن ابن شهاب - فذكره بهذا اللفظ - أيضا .\rورواه مالك ، عن ابن شهاب ، وقال في حديثه : ((فكبر ثم سجد سجدتين )) .\rوهو مخرج في ((الصحيحين)) من طريق مالك .\rوخرجه البخاري من طريق شعيب ، عن الزهري - أيضا- كذلك .\rوأما متابعة ابن جريج لليث بن سعد في ذكر التكبير :\rفخرج الإمام أحمد ، عن محمد بن بكر ، عن ابن جريج : أخبرني ابن شهاب - فذكر الحديث ، وفيه : (( فلما صلى الركعتين الاخريين ، وانتظر الناس أن يسلم كبر ، فسجد ، ثم كبر فسجد ، ثم سلم )) .\rوخرجه عبد الرزاق في ((كتابه)) ، عن ابن جريج - أيضا - ، وعنده : يكبر في كل سجدة .\rورواه الأوزاعي ، عن الزهري ، فذكر في حديثه أربع تكبيرات ، لكل سجدة تكبيرتين ، تكبيرة للسجود ، وتكبيرة للرفع ، كما في حديث أبي هريرة المتقدم .","part":7,"page":219},{"id":1650,"text":"والعمل على هذا عند أهل العلم ، أنه يكبر في كل سجدة تكبيرة للسجود وتكبيرة للرفع منه .\rوبه قال عطاء والشافعي وأحمد وغيرهم .\rولا فرق في ذلك بين السجود قبل السلام وبعده .\rومن الشافعية من قال في السجود بعد السلام : يكبر تكبيرة الإحرام ، ثم يكبر للسجود ، كقولهم في سجدة التلاوة ، كما سبق .\rوقد دل حديث ابن بحينة على السجود قبل السلام ، وحديث أبي هريرة على السجود بعد السلام .\rوكذلك حديث عمران بن حصين ، وحديث معاوية بن حديج ، وقد سبق ذكرهما .\rوقد اختلف العلماء في محل سجود السهو ، على ستة أقوال :\rأحدهما : أنه كله بعد السلام .\rقال ابن المنذر : روي ذلك عن علي وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمار وأنس وابن الزبير وابن عباس ، وبه قال الحسن والنخعي وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأصحاب الرأي .\rيعني : أبا حنيفة وأصحابه .\rقال : ويجزئ عندهم أن يسجدهما قبل السلام .\rقلت : وممن قال : يسجد بعد السلام - : قتادة .\rوروي عن عمران بن حصين - أيضا .\rوالقول الثاني : أن كله قبل السلام .\rقال ابن المنذر : روي عن أبي هريرة ، وبه قال مكحول والزهري ويحيى الأنصاري وربيعة والأوزاعي والليث والشافعي . انتهى .\rوحكي رواية عن أحمد .\rوقيل : إنه لم يوجد بها نص عنه .\rوقد ذكر القاضي في ((كتابه شرح المذهب )) : إن سلم من نقص ركعة تامة فأكثر ، فإنه يسجد له بعد السلام ، رواية واحدة ، ولم نجد عن أحمد فيه خلافاً .\rوأسنده الترمذي في ((كتابه)) عن أبي هريرة [ و ] السائب القارئ .\rوذكر الشافعي ، أن أخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود قبل السلام ، وأنه ناسخ لما\rعداه .\rوروي عن مطرف بن مازن ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجدتي السهو قبل السلام وبعده ، وآخر الأمرين قبل السلام .\rومطرف هذا ، ضعيف .\rوغاية هذا ، أنه من مراسيل الزهري ، وهي من أوهى المراسيل .\rوسجود النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل السلام وبعده ، إن كان في صورتين ، أمكن العمل بهما معا ، وإن كان في صورة واحدة ، دل على جواز الأمرين ، والعمل بهما جميعاً ، والنسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع ، ولو توجه .\rوادعى جماعة منهم ، أن سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد السلام في حديث أبي هريرة كان سهوا ، حيث كانت تلك القصة تضمنت أنواعا من السهو .\rوهذا قول ساقط جداً ، فان السهو كان قبل إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحال ، وأما بعد إعلامه ، فلو تطرق السهو إلى فعله لم يحتج به كله ، وقد اجتمعت الأمة على الاحتجاج به ، كيف ؛ وقد رواه عمران بن حصين ومعاوية بن حديج وغير واحد ، وقد قيل : إنها وقائع متعددة ، كما سبق .\rوالقول الثالث : أن كان السهو من نقصان من الصلاة ، فان سجوده قبل السلام ، وان كان من زيادة فيها ، فان سجوده بعد السلام ؛ لئلا يجتمع في الصَّلاة زيادتان ، وهو قول مالك والشافعي - في القديم - وأبي ثور .\rوهو رواية عن أحمد .","part":7,"page":220},{"id":1651,"text":"والشك - على هذه الرواية - عنده كالنقص ، يسجد له قبل السلام - : نص عليه أحمد .\rونقل حرب ، عن إسحاق ، مثل هذا القول ، إلا أنه قال في الشك : يسجد له بعد السلام ، ويبني على اليقين .\rوهو قول مالك .\rوروي هذا المعنى عن ابن مسعود :\rرواه إسحاق بن راهويه ، عن عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود ، قال: كل شيء في الصلاة من نقصان من ركوع أو سجود أو غير\rذلك ، فسجدتا السهو قبل التسليم ، وما كان من زيادة ، سجدها بعد التسليم .\rوعتاب هذا ، مختلف فيه .\rوقد رواه غيره ، عن خصيف ، بغير هذا اللفظ .\rروى الطبراني في هذا المعنى حديثين مرفوعين ، من حديث عائشة ، في إسناده علي بن ميمون ، وهو متروك الحديث .\rوأهل هذه المقالة جمعوا بهذا بين حديثي ابن بحينة وحديث أبي هريرة ، وما في معناه ؛ فان في حديث أبي هريرة ، وما في معناه ؛ كان قد وقع في تلك الصلاة زيادة كبيرة سهواً من سلام وكلام وعمل ، فلذلك سجد بعد السلام ، وحديث ابن بحينة ، فيه : انه سجد قبل السلام ؛ لترك التشهد الأول ، فيلحق بالأول كل زيادة ، وبالثاني كل نقصنٍ .\rويشهد لذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمساً ، فسجد له بعد السلام ، كما في حديث ابن مسعود ، وقد سبق .\rلكن قد ذكرنا - فيما تقدم - أنه لا دلالة فيه ؛ فإن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إنما علم بسهوه بعد أن سلم ، فكان سجوده بعد السلام ضرورة ، لا عن قصد .\rالقول الرابع : أن سجود السهو كله قبل السلام ، إلا في موضعين :\rأحدهما : من سلم من نقص ركعة تامة فأكثر من صلاته سهواً ، فإنه يأتي بما\rفاته ، ويسجد بعد السلام ، كما في حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وغيرهما .\rوالثاني : إذا شك في عدد الركعات ، وعمل بالتحري ، فإنه يسجد له بعد\rالسلام ، كما في حديث ابن مسعود ، ويأتي ذكره - إن شاء الله .\rوما عدا هذين الموضعين ، فإنه يسجد له قبل السلام ، إلا أن لا يذكر سهوه إلا بعد أن يسلم ، فإنه يسجد له بعد السلام ضرورة ، كما في حديث ابن مسعود المتقدم .\rوهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد ، وعليه عامة أصحابه ، ووافقه عليه طائفة من أهل الحديث ، منهم : سليمان بن داود الهاشمي ، وأبو خيثمة وابن المنذر .\rوفي هذا عمل بجميع الأحاديث كلها على وجهها .\rغير أن ترك التشهد الأول قد روي عن المغيرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد له بعد السلام ، ولكن حديث ابن بحينة أصح منه ، فأخذ أحمد بأصح الحديثين فيما اختلفت الرواية فيه بعينه .\rوقد قال طائفة من أصحابنا : إن القياس أن يكون السجود كله قبل السلام ؛ لأنه تتمة الصَّلاة ، كما في حديث عثمان بن عفان ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : (( إياي وأن يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم ، من صلى منكم فلم يدر أشفع أم وتر ، فليسجد سجدتين ؛ فإنهما من تمام صلاته )) .\rخرجه الإمام أحمد .","part":7,"page":221},{"id":1652,"text":"وإذا كانت السجدتان من تمام الصلاة ، فتكون قبلها ، ولكن إنما ترك ذلك في تلك الصورتين لورود النص فيهما ، فما عداهما باق على الأصل .\rوقد أشار أحمد إلى هذا المعنى بعينه - في رواية ابن بدينا .\rومن المتأخرين من قال : بل القياس يقتضي التفريق بين هاتين الصورتين وغيرهما ؛ فان من سلم من نقص فقد زاد في صلاته زيادة ، لو تعمدها لبطلت صلاته ، فيكون السجود بعد السلام ؛ لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان ، ويكون السجود هنا بمنزلة صلاة مستقلة ، جبر بها النقص الداخل في صلاته ، وهو إرغام الشيطان .\rوأما من شك وتحرى وبنى على غالب ظنه ، فإنه قد أتم صلاته ظاهراً ، فيسجد بعد السلام سجدتين زائدتين على صلاته ، كما سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - : (( إرغأما للشيطان )) ؛ فإنه قصد تنقيص صلاته ، فأتمها وزاد عليها زيادة أخرى .\rوأما إذا بنى على اليقين ، فإنه يحتمل الزيادة في صلاته احتمالاً ظاهراً ، والزيادة هنا من جنس الصلاة بخلاف الزيادة في صورة السلام من النقص ، فكانت السجدتان كركعة تشفع له صلاته ؛ لئلا تكون صلاته وتراً ، فيسجد قبل السلام .\rوهذا كله قد أشار إليه النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في كلامه وتعليله ، كما سيأتي لفظ الأحاديث\rفيهِ .\rومن هنا : يتبين أن من صلى خمساً ساهياً ، وذكر قبل سلامه ، أنه يسجد حينئذ قبله ، حتى لا يسلم عن وتر .\rلكن يقال : فلو ذكر أنه صلى ركعتين زائدتين كان الحكم كذلك ، مع أنه لم يسلم عن وتر .\rالقول الخامس : كالقول الرابع : إن ما فيه نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه يتبع نصه ، وما ليس فيه ، فإن كان نقصاً في الصلاة فسجوده قبل السلام ، وإن كان زيادة فسجوده بعده .\rوهذه رواية ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه .\rوالقول السادس : أن ورود بعض النصوص بالسجود قبل السلام ، وبعضها بالسجود بعده يدل على جواز كلا الأمرين ، من غير كراهة ، فيعمل بهما في الجواز .\rوأهل هذه المقالة لهم قولان :\rأحدهما : أنهما سواء في الفضل ، وحكي ذلك قولا للشافعي ، كما سيأتي ذكره .\rوالقول الثاني : أنهما سواء في الجواز ، وإن كان بعضهما أفضل من بعض .\rوقد حكى ابن المنذر ، عن أهل الرأي ، أنهم يرون السجود قبل السلام جائزاً ، والسجود بعده أفضل .\rوكذلك حكى ابن عبد البر اختلاف العلماء في محل السجود ، ثم قال : كل هؤلاء يقولون : لو سجد بعد السلام فيما فيه السجود قبله فيما لم يضره ، وكذلك لو سجد قبله فيه السجود بعده لم يضره ، ولم يكن عليه شيء .\rوقال الماوردي - من الشافعية - في كتابه (( الحاوي )) : لا خلاف بين الفقهاء - يعني : جميع العلماء - أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده ، وإنما اختلفوا في المسنون والأولى : هل هو قبل السلام ، أو بعده .\rثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك .\rوكذلك صرح بهذا طوائف من الحنفية والمالكية والشافعية ، ومن أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب في (( خلافيهما )) وغيرهما من بعد .","part":7,"page":222},{"id":1653,"text":"وفي ((تهذيب المدونة )) للمالكية : ومن وجب عليه سجود سهو بعد السلام ، فسجده قبل السلام ، رجوت أن يجزئه .\rوأنكر ذلك طوائف أخرون من أصحابنا والشافعية ، وقالوا : إنما الاختلاف في محل السجود في وجوبه عند من يراه واجباً ، وفي الاعتداد به وحصول السنة عند من يراه سنة .\rوهذا ظاهر على قواعد أحمد وأصحابه ؛ لأنهم يفرقون في بطلان الصَّلاة بترك سجود السهو عمداً ، بين ما محله قبل السلام وما محله بعده ، فيبطلون الصَّلاة بترك السجود الذي محله قبل السلام ، دون الذي محله بعده ، ولو كانَ ذَلِكَ على الأولوية لم يكن لهُ أثر في إبطال الصَّلاة .\rوقال القاضي أبو يعلى الصغير من أصحابنا : لو كان عليه سجود بعد السلام ، فسجده قبله : هل يجزئه ، ويعتد به ؟ على وجهين .\rولم يذكر حكم ما لو سجد بعد السلام ، لما قبله .\rوظاهر كلامه : أنه لا يجزئه بغير خلاف .\rوهذه - أيضا - طريقة أبي المعالي الجويني من الشافعية ومن اتبعه ، فإنه حكى في المسألة طريقين لأصحابه .\rأحدهما :\rإن في المسألة ثلاثة أقوال - يعني : للشافعية - :\rالصحيح فيها : أنه قبل السلام ، فإن أخره لم يعتد به .\rالثاني : أن كان السهو زيادة ، فحمله بعد السلام وإن كان نقصاً فقبله ، ولا يعتد به بعده .\rوالثالث : إن شاء قدمه ، وإن شاء أخره .\rوالطريق الثاني :\rيجزئ التقديم والتأخير ، وإنما الأقوال في بيان الأفضل :\rففي قول : التقديم أفضل .\rوفي قول : التقديم والتأخير سواء في الفضيلة .\rوفي قول : إن كان زيادة فالتأخير أفضل ، وإلا فالتقديم .\rقال : ووجه هذه الطريقة : صحة الأخبار في التقديم والتأخير .\rقال : والطريقة المشهورة الأولى ، ويجعل الخلاف في الأجزاء والجواز ، كما\rسبق .\r* * *","part":7,"page":223},{"id":1654,"text":"6- باب\rإذا لم يدر كم صلى - ثلاثاً أو أربعا -\rسجدة سجدتين وهو جالس .\r1231-ثنا معاذ بن فضالة : ثنا هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع الأذان ، فإذا قضى الأذان أقبل ، فإذا ثوب بها أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : أذكر كذا وكذا - مالم يكن يذكر - حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - ، فليسجد سجدتين وهو جالس )) .\r(( يخطر )) بضم الطاء عند الأكثر ، والمراد : أنه يمر ، فيحول بين المرء وما يريد من نفسه ، من إقباله على صلاته .\rوروي (( يخطر )) - بكسر الطاء - ، يعني : تحرك ، فيكون المعنى : حركته بالوسوسة .\rوقوله : ((حتى يظل الرجل )) ، هكذا الرواية المشهورة بالظاء القائمة المفتوحة ، والمراد : يصير ، كما في قوله تعالى : { ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً } [النحل: 58] .\rوروى بعضهم (( يضل )) بالضاد المكسورة ، من الظلال ، يعني : انه ينسى ويتحير .\rوقوله : (( إن يدري )) ، ( أن ) بفتح الهمزة ، حكاه ابن عبد البر عن الأكثرين ، وقال : معناه : لايدري .\rوقال القرطبي : ليست هذه الرواية بشيء ، إلا مع رواية : (( الضاد )) ، فتكون : (( أن )) مع الفعل بتأويل المصدر مفعول (( ضل )) إن ، بأسقاط حرف الجر ، أي يضل عن درايته وينسى عدد ركعاته .\rقال : وفيه بعد ، ورجح أن الرواية : (( إن )) بكسر الهمزة ، يعني : ما يدري .\rقلت : أما وقوع (( إن )) المكسورة نافية فظاهر ، وأما (( أن )) المفتوحة ، فقد ذكر بعضهم أنها تأتى نافية - أيضا - ، وأنكره أخرون .\rفعلى قول من أثبته ، لا فرق بين أن تكون الرواية هاهنا بالفتح أو بالكسر .\rوقوله : (( فإذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثاً أو أربعا - ، فليسجد\rسجدتين )) ، ليس في هذا الحديث سوى الأمر بسجود السهو عند الشك ، من غير أمر بعمل بيقين أو تحر .\rوروي عن أبي هريرة ، أنه أفتى بذلك .\rقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه : سالت أبا هريرة ، فقلت : شككت في صلاتي . قال : يقولون : اسجد سجدتين وأنت جالس .\rوهذا كله ، ليس فيه بيان انه يتحرى أو يبني على اليقين ، ولا بد من العمل بأحد الأمرين ، وكلاهما قد ورد في أحاديث أخر ، تقضي على هذا الحديث المجمل .\rوقد روي من حديث أبي هريرة التحري ، بالشك في رفعه ووقفه .\rفروى شعبة، عن ابن إدريس الأودي ، عن أبيه، عن أبي هريرة - قال شعبة : قلت : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : أحسبه ، أكبر علمي ، أنه قالَ : عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قالَ : (( لا يصلي أحدكم وبه شيء من الخبث )) ، وقال في الوهم : (( يتحرى )) .\rوروي في حديث أبي هريرة ذكر السجود قبل السلام في هذا ، من رواية ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :","part":7,"page":224},{"id":1655,"text":"(( إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته ، فيدخل بينه وبين نفسه ، حتى لا يدري زاد أو نقص ، فإذا كان ذلك ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ، ثم يسلم )) .\rخرجه أبو داود وابن ماجه .\rوخرجه ابن ماجه - أيضا - من رواية ابن إسحاق - أيضا - : اخبرني سلمة بن صفوان بن سلمة ، [عن أبي سلمة ] ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه - ، وقال : (( فليسجد سجدتين قبل أن يسلم )) .\rوخرجه أبو داود من طريق ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، بهذا الإسناد ، ولفظه : (( فليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم )) .\rوخرجه الدارقطني من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي ، - فذكره ، وقال : - بعد قوله : ((فليسجد سجدتين وهو جالس )) - : (( ثم يسلم )) .\rوذكر في (( العلل )) أن سليمان وعلي بن المبارك وهشاما والأوزاعي وغيرهم رووه ، عن يحيى ، ولم يذكروا فيه : التسليم قبل ولا بعد .\rقال : وكذلك قال الزهري ، عن أبي سلمة .\rولم يذكر رواية ابن إسحاق وابن أخي الزهري ، عن الزهري ، وذكر رواية ابن إسحاق ، عن سلمة بن صفوان بن سلمة ، كما رواه عكرمة بن عمار ، عن يحيى .\rقال : وهما ثقتان ، وزيادة الثقة مقبولة .\rقال : ورواه فليح بن سليمان ، عن سلمة بن صفوان ، وقال فيه : (( وليسلم ، ثم ليسجد سجدتين)) ، بخلاف رواية ابن إسحاق .\rقلت : أما ابن إسحاق ، فمضطرب في حديث الزهري خصوصاً ، وينفرد عنه بما لا يتابع عليه ، وروايته عن سلمة بن صفوان ، قد خالفه فيها فليح ، كما ترى .\rورواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير ، كثيرة الاضطراب عند يحيى القطان وأحمد وغيرهما من الأئمة .\rففي ثبوت هذه الزيادة نظر . والله تعالى أعلم .\rوقد روي من غير حديث أبي هريرة البناء على اليقين والتحري .\rفأما الأول :\rفخرجه مسلم ، من طريق سليمان بن بلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا شك أحدكم في\rصلاته ، فلا يدري كم صلى ثلاثا أو أربعا ، فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فان كان صلى خمساً ، شفعن له صلاته ، وان كان صلى إتمأما لأربع ، كانتا ترغيما للشيطان )) .\rوخرجه - أيضا - من رواية داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، به - بمعناه .\rوخرجه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، وهشام بن سعد بن سليمان وغيرهم ، عن زيد بن أسلم - كذلك .\rوكذلك رويناه من حديث عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم - بهذا الإسناد .\rوالمعروف من رواية ابن عجلان : أنه لم يذكر في حديثه : (( قبل السلام )) .\rوكذا رواه أبو غسان وغيره ، عن زيد بن أسلم .\rورواه مالك في (( الموطأ )) والثوري و يعقوب ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء - مرسلاً .\rووصله الوليد بن مسلم وغيره ، عن مالك .\rوليس بمعروف عنه وصله .\rووصله بعضهم عن الثوري - أيضا .","part":7,"page":225},{"id":1656,"text":"ولعل البخاري ترك تخريجه ؛ لإرسال مالك والثوري لهُ .\rوحكم جماعة بصحة وصله ، منهم : الإمام أحمد والدارقطني .\rوقال أحمد : اذهب إليه . قيل له : إنهم يختلفون في إسناده . قال : إنما قصر به مالك ، وقد أسنده عدة ، فذكر منهم : ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة .\rورواه الدراوردي وعبد الله بن جعفر وغيرهما ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rذكره الدارقطني .\rوقال : القول قول من قال : عطاء ، عن أبي سعيد .\rوله شاهد عن أبي سعيد من وجه أخر ، من رواية عكرمة بن عمار ، عن يحيى بن أبي كثير : حدثني هلال بن عياض : حدثني أبو سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا صلى أحدكم ، فلا يدري زاد أو نقص ، فليسجد سجدتين وهو جالس )) .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حديث حسن .\rوخرجه النسائي ، وزاد في رواية له : (( ثم يسلم )) .\rوشيخ يحيى بن أبي كثير ، مختلف في اسمه ، وحاله .\rوروى ابن إسحاق ، عن مكحول ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن\rعبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( إذا سها أحدكم في صلاته ، فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين ، فليبن على واحدة فان لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً ، فليبن على ثنتين ، فإن لم يدر صلى ثلاثا أو أربعا ، فليبن على ثلاث ، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم )) .\rخرج الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي .\rوقال : حسن صحيح .\rوالحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم .\rوله علة ذكرها ابن المديني .\rقال : وكان عندي حسناً ، حتى وقفت على علته ، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلا ، وسمع إسناده من حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن مكحول . قال : يضعف الحديث من هاهنا .\rيعني : من جهة حسين الذي يرجع إسناده إليه .\rوخرجه الإمام أحمد ، عن ابن علية ، عن ابن إسحاق - كما ذكره ابن المديني .\rوكذا رواه عبد الله بن نمير وعبد الرحمن المحاربي ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول - مرسلاً - وعن حسين عن مكحول - متصلاً .\rورواه حماد بن سلمة وغيره ، عن ابن إسحاق ، عن مكحول - مرسلاً .\rذكره الدارقطني .\rوخرجه الإمام أحمد - أيضا- من رواية إسماعيل بن مسلم ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rوإسماعيل ، هو : المكي ، ضعيف جداً .\rوقد قيل : إنه توبع عليه ، ولا يصح ، وإنما مرجعه إلى إسماعيل - : ذكره الدارقطني .\rروى أيوب بن سليمان بن بلال ، عن أبي بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن عمر بن محمد بن زيد ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا لم يدر أحدكم كم صلى - ثلاثا أو أربعا - فليركع ركعتين ، يحسن ركوعهما\rوسجودهما ، ثم ليسجد سجدتين )) .\rخرجه الحاكم .\rوقال : صحيح على شرطهما .","part":7,"page":226},{"id":1657,"text":"والبخاري يخرج من هذه النسخة كثيراً ، ولكن هذا رواه مالك في ((الموطإ )) ، عن عمر بن محمد ، عن سالم ، عن أبيه ، - موقوفاً .\rقال الدارقطني : رفعه غير ثابت .\rوقال ابن عبد البر : لا يصح رفعه .\rورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أنه قال : إذا شك الرجل في صلاته ، فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا ، فليبن على أتم ذلك في نفسه ، وليس عليه سجود .\rقال : فكان الزهري يقول : يسجد سجدتي السهو وهو جالس .\rوأما الثاني : وهو التحري :\rفقد خرجه البخاري في (( أبواب استقبال القبلة )) ، من رواية جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث ، وقال في آخره - : (( وإذا شك أحدكم في صلاته ، فليتحرى الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين )) .\rوخرجه مسلم - أيضا .\rوخرجه من طرق أخرى ، عن منصور ، وفي بعضها : (( فلينظر أحرى ذلك للصواب )) .\rوفي رواية : ((فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب )) .\rوفي رواية : (( فليتحرى الذي يرى أنه صواب )) .\rوخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي ، وزادوا فيه : (( ثم يسلم ، ثم يسجد سجدتي السهو )) .\rوقد رواه جماعة من ثقات أصحاب منصور ، عنه ، بهذا الزيادة .\rوخرجه ابن ماجه ، وعنده : ((ويسلم ويسجد سجدتين )) - بالواو .\rقال الإمام أحمد - في رواية الأثرم - : وحديث التحري ليس يرويه غير منصور ، إلا أن شعبة روى عن الحكم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله - موقوفاً - نحوه ، قال : وإذا شك أحدكم فليتحر .\rوخرجه النسائي كذلك .\rوقد روي عن الحكم - مرفوعاً .\rقال الدارقطني : الموقوف عن الحكم أصح .\rوقد روي عن ابن مسعود التحري من وجه آخر ، مختلف فيه :\rفروى خصيف ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ((إذا كنت في صلاة ، فشككت في ثلاث أو أربع ، وأكثر ظنك على أربع ، تشهدت ، ثم سجدت سجدتين ، وأنت جالس قبل أن تسلم ، ثم تشهدت - أيضا - ، ثم تسلم )) .\rوخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .\rوذكر أبو داود ، أنه اختلف في رفعه ووقفه ، وفي لفظه - أيضا .\rوقال أحمد : حديث اليقين أصح في الرواية من التحري .\rوقال في حديث التحري : هو صحيح ، وري من غير وجه .\rويظهر من تصرف البخاري عكس هذا ؛ لأنه خرج حديث التحري دون اليقين .\rوخرج مسلم الحديثين جميعاً .\rوقد دلت هذه الأحاديث على أن من شك في عدد صلاته ، فإنه ليس عليه\rإعادتها ، ولا تبطل صلاته بمجرد شكه ، بل يسجد سجدتي السهو بعد بنائه على يقينه أو تحريه ، وهو قول جمهور العلماء .\rوروي عن طائفة ، أن من شك في صلاته فإنه يعيدها .\rرواه همام بن منبه وابن سيرين ، عن ابن عمر .\rوهو خلاف رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار ومحارب بن دثار وغيرهم ، كلهم رووا ، عن ابن عمر ، أنه يسجد ولا يعيد .\rوقد سبق عن ابن عمر رواية أخرى ، أنه لا يسجد .","part":7,"page":227},{"id":1658,"text":"وذكر عطاء ، انه سمع ابن عباس يقول : إن نسيت الصلاة المكتوبة فعد لصلاتك . وأنه بلغه عن ابن عمر وابن عباس ، أنه إذا شك أعاد مرة واحدة ، ثم لا يعيد ، ويبني على أحرى ذلك في نفسه ، ويسجد سجدتين بعد ما يسلم .\rوكذلك قال طاوس : يعيد مرة ، ثم لا يعيد .\rوقال النخعي : أحب إلي أن أعيد ، إلا أن أكون أكثر النسيان ، فأسجد للسهو .\rوهو قول أبي حنيفة والثوري .\rورويت الإعادة مع الشك مطلقاً عن الشعبي وشريح ومحمد ابن الحنفية .\rوأما جمهور العلماء ، فعلى أنه لا يعيد الصلاة .\rلكن اختلفوا : هل يبني على الأقل - وهو اليقين - ، أو يبني على غالب ظنه ؟\rفقالت طائفة : يبني على غالب ظنه .\rروي عن ابن مسعود ، وهو قول الكوفيين كالنخعي وأبي حنيفة والثوري - في رواية - والحسن بن حي .\rوحكاه ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث .\rوحكى ابن عبد البر عن الأوزاعي : يتحرى ، فإن قام فلم يدر كم صلى ، استأنف .\rوالتحري قول أحمد - في رواية عنه .\rوعلى هذه الرواية ، فهل ذلك عام في المنفرد والإمام ، أم خاص بالإمام ؟ على روايتين فيهِ .\rوظاهر مذهبه : أنه يختص بالإمام ؛ لأنه يعتمد على غلبة ظنه بإقرار المأمومين ومتابعتهم لهُ من غير نكير ، فيقوى الظن بذلك .\rواستدل هؤلاء بأحاديث تحري الصواب .\rوأما حديث إطراح الشك ، والبناء على ما استيقن ، فحملوه على الشك\rالمساوي ، أو الأضعف .\rفأما غلبة الظن ، فقالوا : لا يسمى شكا عند الإطلاق ، كما يدعيه أهل الأصول ومن تبعهم ، وإن كان الفقهاء يطلقون عليه اسم الشك في مواضع كثيرة .\rوقالت طائفة : بل يبني على اليقين ، وهو الأقل .\rوروي عن عمر وعلي وابن عمر ، وعن الحسن والزهري ، وهو قول مالك والليث والثوري - في رواية - والشافعي وأحمد - في رواية عنه - وإسحاق .\rوعن الثوري ، قال : كانوا يقولون : إن كان أول ما شك ، فإنه يبني على\rاليقين ، وإن ابتلي بالشك - يعني : أنه يتحرى - ، وإن زاد به الشك ورأى انه من الشيطان ، لم يلتفت إليه .\rوهؤلاء استدلوا بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم في البناء على ما استيقن .\rوأما أحاديث التحري ، فمنهم من تكلم فيها ، حتى اعل حديث ابن مسعود المرفوع المخرج في (( الصحيحين )) ، من رواية منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ،\rعنه ، بأنه روي موقوفاً ، من طريق الحكم ، عن أبي وائل ، عنه ، كما فعل النسائي وغيره .\rوقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود - موقوفاً .\rوهذا قد يتعلق به من يدعي أن هذه الرواية في أخر الحديث مدرجة من قول ابن مسعود .\rومنهم من حمل تحري الصواب على الرجوع إلى اليقين ، ومنهم : الشافعي وأصحابه وسليمان الهاشمي والجوزجاني وابن عبد البر وغيرهم .\rوفي بعض ألفاظ الحديث ما يصرح بخلاف ذلك ، كما تقدم .","part":7,"page":228},{"id":1659,"text":"وحمل أحمد - في ظاهر مذهبه -التحري على الإمام ؛ لأن عمله بغالب ظنه ، مع إقرار المأمومين لهُ واتباعهم إياه يقوي ظنه ، فيصير كالعمل باليقين ، بخلاف المنفرد ، فإنه ليس عنده إمارة تقوي ظنه .\rوقد نص أحمد ، أنه يجوز للإمام إذا شك أن يلحظ ما يفعله المأمومون خلفه ، من قيام أو قعود ، وغير ذلك ، فيتبعهم فيه .\rومن متأخري أصحابنا من قال : يحمل الأمر بالتحري على من قدر عليه ، بوجود إمارات توجب له غلبة الظن ، ولا يختص ذلك بالإمام ، بل المنفرد إذا كان عنده أمارة يتحرى بها عمل بها ، فإن لم يكن عند المصلي أمارة توجب ترجيح أحد الأمرين ، فقد استوى عنده الأمران ، فيطرح الشك حينئذ ، ويعمل باليقين .\rوعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد .\rوهاهنا مسلك أخر : وهو حمل الأمر بالتحري على الرخصة والجواز ، وحمل الأمر بإطراح الشك والبناء على [ ما ] استيقن على الأفضل والاحتياط ، فيجوز للمصلي إذا شك العمل بكلا الأمرين ، ويكون الأفضل الأخذ بالاحتياط .\rوصرح بهذا القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب (( أحكام القرآن )) ، وتبعه عليه جماعة من أصحابنا .\rوهذه المسألة ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر ، وللمسالة أقسام قد ذكرناها مستوفاة في كتاب (( القواعد في الفقه )) .\rوحملت طائفة أحاديث البناء على اليقين على من لم يعتبر الشك ، ولم تلزمه أحاديث العمل بغلبة الظن على من لزمه الشك ، وصار له عادة ووسواساً ، فلا يلتفت إليه حينئذ ، بل يجعل وجوده كالعدم ، ويبني على غالب ظنه .\rوذكر ابن عبد البر أن هذا تفسير الليث وابن وهب للحديث ، وأنه مذهب مالك - أيضا .\rيعني : أن الشك إذا لزم صاحبه وصار وسواسا ، لم يلتفت إليه .\rوهو قول الثوري ، وروي عن القاسم بن محمد ، وصرح به أصحابنا - أيضا .\rوعلى هذا ؛ يحمل حديث الأمر لمن شك في صلاته بان يسجد سجدتين ، من غير ذكر تحر ولا يقين .\rولهذا ذكر في أول الحديث تلبيس الشيطان عليه ، حتى لا يدري : كم صلى .\rوعليه يحمل - أيضا - ما روي عم بعض المتقدمين : أن سجدتي السهو تكفي من شك في صلاته . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rوأما محل السجود للشك ، فقد تقدم ذكره في الباب الماضي ، واختلاف العلماء فيه ، وأن أحمد يعمل بالأحاديث كلها في ذلك .\rفإن شك وتحرى ، سجد بعد السلام ، وإن بنى على اليقين سجد قبله .\rوهو قول أبي خيثمة زهير بن حرب - أيضا .\rوذكرنا المعنى في ذلك فيما تقدم - أيضا .\rومذهب إسحاق ، أنه يبني على اليقين ، ويسجد بعد السلام - : نقله عنه\rحرب .\rولعله حمل تحري الصواب في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين ، كما تقدم عن جماعة أنهم قالوه .\rوفي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسوسة الشيطان للمصلى ، وأمره بالسجود إذا لم يدر كم صلى ، يدل على أنه لا يسجد بمجرد وسوسة الصلاة ، إذا لم يشك في عدد صلاته .\rوعلى هذا جمهور العلماء ، وحكاه بعضهم إجماعا .\rوحكى إسحاق ، عن الحسن بن علي ، أنه سجد في الصلاة عن غير سهو ظهر منه ، وقال : إني حدثت نفسي .","part":7,"page":229},{"id":1660,"text":"وروي عن أحمد ، أنه سجد للسهو في صلاته ، وقال : إني لحظت ذلك الكتاب .\rوهذا خلاف المعروف من مذهبه .\rوحكى أحمد ، عن ابن عباس ، قال : إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين [فافعل] .\rوفي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجود السهو في حديث أبي هريرة وابن مسعود المتفق عليهما : دليل على أن سجود السهو واجب ، إذا كان لما يبطل الصلاة تعمده .\rواختلف العلماء في وجوب سجود السهو :\rفذهب إلى وجوبه كثير من العلماء ، منهم : الحكم وابن شبرمة وأبو حنيفة - فيما حكاه الكرخي ، عنه - والثوري وأحمد وإسحاق .\rلكن أحمد إنما يوجبه إذا كان لما يبطل عمدة الصلاة خاصة ، فأما ما لا يبطل الصلاة عمده ، كترك السنن وزيادة ذكر في غير محله ، سوى السلام ، فليس بواجب عنده ؛ لأن السجود من أجله ليس بواجب فعله أو تركه ، فجبرانه أولى ، فأما ما يجب فعله أو تركه ، فيجب جبرانه بالسجود كجبرانات الحج .\rوحكي عن مالك وأبي ثور : إن كان من نقصان وجب ؛ لأن محله قبل السلام ، فيكون من جملة أجزاء الصَّلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ؛ لأن محله بعد التحلل من الصلاة .\rوقال الشافعي : هو سنة بكل حال .\rوحكي رواية عن أحمد ، وتأولها بعض أصحابه .\rواستدل لذلك ، بأنه روي في حديث أبي سعيد الخدري المتقدم : (( فإن كانت صلاته تامة ، كانت الركعة نافلة والسجدتان )) .\rوأجيب : بأن المراد بالنافلة الزيادة على آخر الصلاة ، كما في حديث عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه توضأ ، وقال : (( من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة )) .\rخرجه مسلم .\rوأراد بالنافلة : زيادة في حسناته ؛ حيث كانَ الوضوء مكفرا للذنوب .\rفمن قالَ : إن سجود السهو سنة ، لم تبطل الصَّلاة بتركه بحال ، وهو قول الشافعي وعبد الملك المالكي .\rوكذلك مذهب أبي حنيفة ، لكنه عنده : إذا فعل وقع موقع الفرض ، والتحق\rبه ، وإن كان بعد السلام حين لو أحدث فيه أو خرج الوقت بطلت الصلاة المتقدمة .\rواختلفت الرواية عن أحمد : هل تبطل الصلاة بترك السجود للسهو عنه روايتان :\rأحدهما : إن تركه عمدا ، وكان محله قبل السلام بطلت الصلاة ، وإن كان محله بعد السلام لم تبطل ، وإن كان تركه نسياناً لم تبطل بكل حال .\rوحكي مثله عن أبي ثور .\rلأن ما محله قبل السلام - وهو واجب - هو كالجزء من الصلاة ، بخلاف ما محله بعد السلام ، فإنه خارج عن الصلاة ، فهو كالأذان ، عند من يقول بوجوبه ، لا يبطل الصلاة تركه .\rوالرواية الثانية : إذا نسيه حتى طال الفصل أعاد الصلاة .\rوهذا يدل على أن تركه يبطل الصلاة بكل حال ، وهو قول الحكم وابن شبرمة ؛ لأنه سجود واجب في الصَّلاة أو لأجلها ، فهوَ كسجود صلب الصَّلاة .\rوكذلك قال مالك ، فيما قبل السلام .\rوقال فيما بعده : لايبطل تركه مطلقا .\rوروي عن مالك : اختصاص البطلان فينا قبل السلام بترك الأفعال دون الأقوال .","part":7,"page":230},{"id":1661,"text":"ومذهب الثوري : أن سجود السهو واجب ، وليس هو من صلب الصلاة ، فمن ضحك فيه أو أحدث ، فلا شيء عليه .\rولكنه قال ، فيمن سلم وهو يرى أنه ينبغي أن يسجد [ في ] صلاته : أعاد الصلاة ؛ لأنه أدخل في صلاته زيادة .\rيعني به : السلام .\rوهذا يدل على تفريقه بين سجود السهو الذي قبل السلام وبعده ، كقول أحمد .\rوكذلك قال الليث ، فيمن نسي سجود السهو الذي قبل السلام ، فلم يذكره حتى صلى صلاة أخرى ، أنه يعيد الصلاة التي نسي سجودها ، فإن كان السجود بعد السلام سجد سجدتي السهو ، ولم يعد صلاته .\rنقله عنه ابن وهب في (( كتاب سجود السهو )) له ، ووافقه عليه .\r* * *","part":7,"page":231},{"id":1662,"text":"7- باب\r[ السهو ] في الفرض والتطوع\rوسجد ابن عباس سجدتين بعد وتره .\rقد تقدم أن الإمام أحمد حكى عن ابن عباس ، أنه قال : إن استطعت أن لا تصلي صلاة إلا سجدت بعدها سجدتين فافعل .\rوحمله أحمد على سجود السهو .\rومن الناس من حمله على [ أنه ] أراد به تصلي بعد كل مفروضة ركعتين .\rوهذا على عمومه لا يصح ؛ فإن الفجر والعصر لايصلى بعدهما .\rوقد بوب النسائي على (( السجود بعد الفراغ من الصَّلاة )) ، وخرج فيهِ : حديث عائشة : كانَ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ، يوتر بواحدة ، ويسجد سجدة قدر ما يقرا أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه .\rوقد تقدم هذا الحديث بلفظ : (( ويسجد السجدة )) .\rوالمراد : أنه مقدار السجدة الواحدة من سجوده بالليل ، لا أنه يسجد بعد وتره سجدة واحدة .\rوأما حكم السهو في الوتر ، فحكمه حكم السهو في سائر الصلوات .\rومذهب الثوري وأبي حنيفة ، إذا صلى الوتر أربعاً ، أنه إن قعد في الثالثة قدر التشهد أجزاه ، وسجد سجدتي السهو ، وإن لم يكن جلس بعد الثالثة أعاد الوتر ، كقولهم في صلاة المغرب ، كما تقدم حكاية مذهبهم في ذلك .\rومذهب مالك في (( تهذيب المدونة )) : ومن شفع وتره ساهياً سجد بعد\rالسلام ، واجتزأ بوتره ، يعمل في السنن كما يعمل في الفرائض ، ومن لم يدر جلوس في الشفع أو في الوتر سلم وسجد بعد السلام ، ثم أوتر بواحدة ، وإن لم يدر أفي الأولى هو جالس أو في الثانية ، أو في الوتر ، أتى بركعة ، وسجد بعد السلام ، ثم أوتر . انتهى .\rففرق بين أن يتحقق الزيادة ، فيسجد للسهو ، ويجتزئ بوتره ، وبين أن يشك فيها ، فيبني على اليقين ، ويسجد للسهو ، ثم يوتر .\rوقد روي عن ابن عباس ، أنه يسجد في التطوع :\rقال حرب الكرماني : نا يحيى بن عبد الحميد : حدثنا ابن المبارك ، عن يعقوب بن القعقاع ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : إذا اوهم في التطوع ، سجد سجدتي\rالسهو .\rوهذا قول جمهور العلماء .\rوللشافعي قول قديم ، أنه لايسجد في التطوع .\rوروي عن ابن سيرين .\rوعن ابن المسيب - في رواية - عنه منقطعة .\rوروي عنه من وجه متصل خلافه .\rوقال عطاء : لابأس أن لا يسجد للسهو في التطوع .\rوعنه ، أنه قال : لا يعيد التطوع إذا شك فيه ، وبني على أحرى ما عنده ، وسجد .\rوهذا بناء على قوله : إن الشاك في الفريضة يعيد صلاته .\rوسئل عطاء ، عمن سها قبل الوتر : أيسجد بعد الوتر ؟ قالَ : نعم .\rولعله أراد أنه سها قبل الركعتين قبل الوتر ، إذا صلى الوتر ثلاثا متصلة [...........] أنه أراد أن الركعة التي يوتر بها لا يسجد فيها للسهو حتَّى يتم وتره ، وإن كانت مفصولة بالسلام بينهما ؛ لأن الجميع يشملها اسم واحد ، وهو الوتر ، فيكون السجود للسهو بعد كمالها وتمامها . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rقال البخاري :","part":7,"page":232},{"id":1663,"text":"1232- نا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( إن أحدكم إذا قام يصلي ، جاء الشيطان فلبس عليه ، حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس )) .\rمراده من هذا الحديث في هذا الباب : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجود السهو لمن صلى ولبس الشيطان عليه صلاته ، ولم يفرق بين أن تكون صلاته فريضة أو نافلة ، والأفعال نكرات ، والنكرات في سياق الشرط تعم ، كما تعم في سياق النفي . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rولأن النفل ينقص بالسهو ، فشرع جبره بالسجود له ، كما يجبر الحج ، فرضه ونفله .\rوإنما يشرع للسهو في النفل بركعة تامة فأكثر ، فأما صلاة الجنازة فليس فيها سجود سهو ؛ لأنه لا سجود فيها بالكلية ، وكذلك سجود التلاوة ليس فيهِ سجود\rسهو ، لأن المشروع للتلاوة سجدة واحدة ، ولا يجبر بأكثر من أصله .\rوالله أعلم .\r* * *","part":7,"page":233},{"id":1664,"text":"8-باب\rإذا كلم وهو يصلي فأشار برأسه أو استمع\r1233- حديثا يحيى بن سلمان : نا ابن وهب : أخبرني عمرو ، عن بكير ، عن كريب .\rفذكر حديثاً قد ذكرناه بتمامه في (( باب : ما يصلى بعد العصر من الفوائت )) ، وفيه :\rأن أم سلمة قالت : دخل علي - يعني : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي نسوة من [بني حرام من ] الأنصار ، فأرسلت إليه الجارية ، فقلت : قومي بجنبه ، وقولي له : تقول لك أم سلمة : يارسول الله ، سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين ، وأراك تصليهما ، فإن أشار بيده ، فاستأخري عنه ، ففعلت الجارية ، فأشار بيده فاستأخرت عنه ، ، فلما انصرف قال : (( يابنة أبي أمية ، سألت عن الركعتين بعد العصر ، أنه أتاني ناس من عبد القيس ، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر ، فهما هاتان)) .\rوخرجه في (( المغازي )) - أيضا - بهذا الإسناد ، ثم قال : ((وقال بكر بن\rمضر ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكر - فذكر نحوه )) .\rومقصوده بهذا الباب : أن المصلي يجوز أن يكلم في صلاته ، ويستمع لمن كلمه ، ويشير بيده أو برأسه ؛ فإن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أم سلمة إرسالها الجارية إليه ؛ لتكلمه وهو يصلي ، بل أشار إليها فاستأخرت عنه ، ثم أجاب عن سؤالها بعد الصلاة .\rوقد اختلف السلف في هذا : فمنهم من رخص فيه . ومنهم من كرهه .\rقال عبد الرزاق في (( كتابه )) ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، قال : رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن أحدهم ليشهد على الشهادة وهو قائم يصلي .\rوعن ابن جريج ، عن عطاء ، في الرجل كان يصلي ، فيمر به رجل ، فيقول له : فعلت كذا وكذا ؟ [...........] قالَ : ليتم صلاته ، ثُمَّ ليسجد سجدتي السهو .\rقالَ : وقلت لعطاء : أتكره كل شيء من الإيماء في المكتوبة ، حتَّى أن يمر بي إنسان وأنا في المكتوبة ، فقالَ : صليت الصَّلاة ؟ كرهت أن أشير إليه برأسي ، فأقول : نعم ؟ قالَ : أكره كل شيء من ذَلِكَ .\rفقيل لهُ : فإن كانَ في التطوع ؟ فقال : إن كان شيئاً لابد منه ، وأحب إلي أن لا تفعل .\rقال : وقال إنسان لعطاء : يأتيني إنسان وأنا في المكتوبة ، فيخبرني الخبر ، فأسمع إليه ؟ قالَ : ما أحبه ، وأخشى أن يكون سهواً ، إنما هي المكتوبة ، فتفرغ لها حتَّى تفرغ منها .\rففرق عطاء بين المكتوبة وغيرها ، فكرهه في المكتوبة ، وقال في التطوع : إن كان شيئاً لابد منه ، وأحب إلي أن لايفعل ، لم يكرهه .\r* * *","part":7,"page":234},{"id":1665,"text":"9- باب\rالإشارة في الصلاة\rقاله كريب ، [عن أم سلمة ] ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .\rحديث كريب ، عن أم سلمة ، هو الذي خرجه في الباب الذي قبله .\rثم خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث :\rالأول :\r1234- حدثنا قتيبة : ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه ، أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء ، فخرج يصلح\rبينهم ، في أناس معه - فذكر الحديث بطوله .\rوقد تقدم قريباً بنحو سياقه ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل .\rفالحديث ؛ رواه قتيبة ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، وعن يعقوب بن\rعبد الرحمن ، كلاهما عن أبي حازم ، عن سهل .\rوالمقصود من [هذا الحديث ] : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يشق الصفوف ، حتى قام في الصف ، فالتفت أبو بكر فرآه ، فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يأمره أن يصلي ، فاستدل البخاري بإشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر على جواز الإشارة في الصلاة .\rوليس في الحديث تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عند إشارته إلى أبي بكر في الصلاة ، بل كان قائما في الصف ، فيحتمل أنه كان كبر للصلاة ، ويحتمل أنه لم يكن كبر .\rولا يقال : لو لم يكن كبر لأمره بالقول دون الإشارة ؛ لأن حديث أنس في كشف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الستارة يوم الإثنين ، والناس خلف أبي بكر في صلاة الفجر ، فيهِ : أنه - صلى الله عليه وسلم - أشار إليهم أن أتموا ، ثُمَّ أرخى الستر ، ولم يكن حينئذ في صلاة .\rوكذلك في حديث عائشة ، في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لما صلّي أبو بكر ، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين ، فأشار إلى أبي بكر أن صلّ ، وتأخر أبو بكر ، وقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى\rجنبه .\rوقد خرج البخاري ذلك كله في (( أبواب الإمامة )) .\rولعل المعنى في ذلك : أن الإشارة إلى المصلي بما يفعله في صلاته أقل لشغل باله من خطابه بالقول ، لما يحتاج إلى تفهم القول بقلبه ، والإصغاء إليه بسمعه ، والإشارة إليه يراها ببصره ، وما يراه ببصره قد يكون أقل إشغالا له مما يسمعه بأذنه . والله سبحانه وتعالى أعلم .\rالحديث الثاني :\r1235- نا يحيى بن سليمان : نا ابن وهب : نا الثوري ، عن هشام ، عن\rفاطمة ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : دخلت على عائشة ، وهي تصلي قائمة ، والناس قيام ، فقلت : ما شأن الناس ؟ فأشارت برأسها إلى السماء . فقلت : آية ؟ فقالت برأسها : أي نعم .\rهذا قطعة من حديث صلاة الكسوف ، وقد سبق في مواضع مطولا ومختصراً .\rوالإشارة فيه ، من فعل عائشة وهي تصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وليس ذلك بمرفوع .\rالحديث الثالث :","part":7,"page":235},{"id":1666,"text":"1236- نا إسماعيل : حدثني مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها قالت : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته - وهو شاك - جالساً ، وصلى وراءه قوم قيام ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا )) .\rوقد سبق هذا الحديث في (( أبواب الإمامة )) - أيضا .\rوسبق هناك من حديث مالك ، عن الزهري ، عن أنس - معناه - ، غير أنه لم يذكر فيه : (( أشار إليهم أن أجلسوا )) .\rوقد رواه معمر ، عن الزهري ، وذكر فيه هذه الزيادة .\rخرجه الإمام أحمد .\rوخرجه - أيضا - هو وأبو داود ، بهذا الإسناد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشير في الصلاة .\rوقد قيل : إنه مختصر من هذا الحديث .\rوفي الإشارة في الصلاة أحاديث أخر ، سبق بعضها في (( باب: رد السلام في الصلاة )) ، وبعضها في (( أبواب المرور بين يدي المصلي )) ..\rوأكثر العلماء على أن الإشارة في الصلاة لا بأس بها ، روي ذلك عن عائشة ، وفعله ابن عمر وسعيد بن جبير وغيرهما .\rوقال الحسن : لابأس بالإيماء في الصلاة .\rوهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهما .\rلكن فعله من غير حاجة من باب العبث ، وهو مكروه في الصلاة .\rوسئل النخعي ، عن الإشارة في الصلاة ، فقال : إن في الصلاة لشغلاً .\rوكذا قال الثوري .\rوكرهه عطاء خصوصاً في المكتوبة ، وقد تقدم قوله في ذلك .\rوكره الإشارة في الصلاة ، بما ليس شأن الصلاة ، منهم : أبو زرعة الرازي وأبو بكر الأثرم .\rوقد روي عن عائشة ، أنها كانت تشير في الصلاة بما ليس من شأن الصلاة .\rوعن أوس بن أوس وغيره .\rوروى ابن لهيعة ، عن حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن\rعائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ، فأشارت إليه بثوبه، فأشار إليها - صلى الله عليه وسلم - أن اغسليه .\rخرجه الجوزجاني .\rوهو إسناد ضعيف .\rوإن صح ، فإنما فيه إباحة الإشارة في الصلاة بما فيه مصلحة دينية ، وليس دنيوياً محضاً .\rوروى ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس ، عن أبي غطفان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : (( التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ، من أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فليعد لها )) .\rيعني : الصلاة .\rخرجه الإمام أحمد وأبو داود .\rوخرجه البزار ، ولفظه : (( فليعد صلاة أفسدت )) .\rوقال أبو داود : هذا الحديث وهم .\rوقال أحمد - في رواية ابن هانئ - : لا يثبت هذا الحديث ، إسناده ليس بشيء .\rوقال - في رواية غيره - : لا أعلم رواه غير ابن إسحاق .\rوقال أبو زرعة الرازي : هو عندي ليس بذاك الصحيح ، ولم يروه غير ابن إسحاق .\rوقال الأثرم : ليس بقوي الإسناد .\rوقال الدارقطني : قال لنا ابن أبي داود : أبو غطفان هذا رجل مجهول ، وآخر الحديث زيادة في الحديث ، لعله من قول ابن إسحاق .\rيعني : أن آخره مدرج ، ليس هو من تمام الحديث المرفوع .\rوهذا هو الظاهر .","part":7,"page":236},{"id":1667,"text":"وهذا يدل على أن أبا غطفان هذه ليس هو المري الذي خرج له مسلم ، بل هو غيره .\rوابن إسحاق ، مدلس ، ولم يصرح بسماعه من يعقوب بن عتبة ، فلعله دلسه عن ضعيف .\r* * *","part":7,"page":237},{"id":1668,"text":"استدراك\rفائدةٌ :\rقال الحافظ ابن رجب في (( شرح البخاري )) ، لما تكلم على حديث النزول ، قالَ :\rأهل الحديث في النزول على ثلاث فرق :\rفرقة منهم ، تجعل النزول من الأفعال الاختيارية التي يفعلها الله بمشيئته وقدرته ، وهو المروي عن ابن المبارك ونعيم بن حماد وإسحاق بن راهويه وعثمان الدارمي .\rوهو قول طائفة من أصحابنا ، ومنهم : من يصرح بلوازم ذلك من إثبات\rالحركة .\rوقد صنف بعض المحدثين المتأخرين من أصحابنا مصنفاً في إثبات ذلك ، ورواه عن الامام أحمد من وجوه كلها ضعيفة ، لا يثبت عنه منها شيء .\rوهؤلاء ؛ منهم من يقول : ينزل بذاته ، كابن حامد من أصحابنا .\rوقد كان الحافظ إسماعيل من التميمي الأصبهاني الشافعي يقول بذلك ، وجرى بينه وبين طائفة من أهل الحديث بسببه فتنة وخصام .\rقال الحافظ أبو موسى المديني : كان من اعتقاد الإمام إسماعيل أن نزول الله تعالى بالذات ، وهو مشهور من مذهبه ؛ لكنه تكلم في حديث نعيم بن حماد الذي رواه بإسناده في النزول بالذات . قالَ : وهو إسناد مدخول ، وفيه مقال ، وفي بعض رواته مطعن ، ولا تقع بمثله الحجة ، فلا يجوز نسبة قوله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rوالفرقة الثانية : تقول : إن النزول إنما هوَ نزول الرحمة .\rومنهم من يقول : هوَ إقبال الله على عباده ، وإفاضة الرحمة والإحسان عليهم .\rولكن ؛ يرد ذَلِكَ : تخصيصه بالسماء الدنيا ، وهذا نوع من التأويل لأحاديث الصفات .\rوقد مال إليه في حديث النزول خاصة طائفة من أهل الحديث ، منهم : ابن قتيبة والخطابي وابن عبد البر .\rوقد تقدم عن مالك ، وفي صحته عنه نظر .\rوقد ذهب إليه طائفة ممن يميل إلى الكلام من أصحابنا ، وخرجوه عن أحمد من رواية حنبل عنه في قوله تعالى : { وَجَاءَ رَبُّكَ } [الفجر: 22] ، أن المراد : وجاء أمر ربك .\rوقال ابن حماد : رأيت بعض أصحابنا حكى عن أبي عبد الله في الإتيان ، أنه قال : تأتي قدرته . قال : وهذا على حد الوهم من قائله ، وخطأ في إضافته إليه .\rوقد روي فيه حديث موضوع : (( إن نزول الله تعالى إقبال على الشيء من غير نزول )) .\rوذكره ابن الجوزي في (( الموضوعات )) .\rوهذا الحديث مقابل لحديث نعيم بن حماد الذي رواه في النزول بالذات .\rوكلاهما باطل ، ولا يصح .\rوالفرقة الثالثة : أطلقت النزول كما ورد ، ولم تتعد ما ورد ، ونفت الكيفية عنه ، وعلموا أن نزول الله تعالى ليس كنزول المخلوق .\rوهذا قول أئمة السلف : حماد بن زيد ، وأحمد ؛ فإن حماد بن زيد سئل عن النزول ، فقال : هو في مكانه ، يقرب من خلقه كيف شاء .\rإلى أن قال :\rوقال حنبل : قلت لأبي عبد الله : ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا ؟ قال :","part":7,"page":238},{"id":1669,"text":"نعم . قلت : نزوله بعلمه ، أو بماذا ؟ قال لي : اسكت عن هذا ، مالك ولهذا ؟ لِلَّهِ أمض الحديث على ما روي ، بلا كيف ولا حد ؛ إلا بما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب ؛ قال الله عزوجل : { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ } [النحل: 74] ، ينزل كيف شاء بعلمه وقدرته وعظمته ، أحاط بكل شيء علماً ، لا يبلغ قدره واصف ، ولا ينأى عنه هارب . انتهى .\rإلى ان قال :\rوالزيادة على ما ورد في النزول من ذكر الحركة والانتقال وخلو العرش\rوعدمه ؛ كله بدعة ، والخوض فيه غير محمود .\rقال أبو داود الطيالسي : كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يجسدون ، ولا يشبهون ، ولا يمثلون الحديث ، لايقولون : كيف ، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر .\rخرجه البيهقي .\r* * *","part":7,"page":239}],"titles":[{"id":1,"title":"كتاب الإيمان","lvl":1,"sub":0},{"id":121,"title":"كتاب الغسل","lvl":1,"sub":0},{"id":194,"title":"كتاب الحيض","lvl":1,"sub":0},{"id":275,"title":"كتاب التيمم","lvl":1,"sub":0},{"id":324,"title":"كتاب الصلاة","lvl":1,"sub":0}]}