{"pages":[{"id":1,"text":"نحو قراءة منهجية\rللتراث الصوفي الإسلامي\rكتبه :\rأ.د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"مدخل - التصوف بين الصيت والرؤية العلمية:\r\nظُلم التصوف الإسلامي في كثير من قراءات الناس له، ربما بسبب المصطلح - كما يذكر البعض - وربما بسبب انحراف بعض المنتسبين إليه، وربما بسبب حرب بعض الاتجاهات الفكرية له وهو ما أشاع عنه أنه وافد ليست الحياة الإسلامية بحاجة إليه، فضلاً عن أنه مبتدَع، تسبب في إبعاد ذويه عن الإسهام الحضاري وعن الارتباط بالأصول الشرعية، وهذه الأسباب وغيرها - بصرف النظر عن صحتها أو صحة بعضها أو عدم صحته - تقرر حقيقة أن هذا الجزء من تراث المسلمين أصابه قسط كبير من الظلم، لا نغالي إذا قلنا لم يُصب بمثله جزء آخر من تراث حضارتنا.\r\nوقد عرف تاريخ الفكر الإسلامي اتجاهات لنقد التصوف بعضها من داخله لتصحيح المسار، وبعضها من خارجه - وهو بيت القصيد - ذهب أهل هذا الأخير مذاهب، أحدها مَدَح حتى الأخطاء، وسوغها بالتأويل، وثانيها غض طرفه عن كل حسن في هذا التراث، فلم ير فيه إلا كل خلل وفساد، وانطلق من حالات فردية إلى حكم عام وموقف شامل، وثالثها توسّط، لكنه لم يكن على شهرة السابقين.\r\nوقد عانى الفكر الصوفي من المذهبين الأولين، بل وحجب كلٌ جزءًا من الحقيقة عن الناس؛ الأمر الذي جعل كثيرًا من العلماء والباحثين قديمًا وحديثًا ينادون بضرورة التزام منهج وسط بين الرفض المطلق والقبول المطلق.\r\nوتعددت أشكال نداءاتهم، فمن قائل بضرورة المنهجية قبل الحكم والنقد، ومن قائل بضرورة التريث قبل الحكم على السابقين، ومن قائل بضرورة النظر إلى كل زوايا التصوف، واعتبار كل مراحله عند التقسيم.\r\nوقديمًا تبني هذه الدعوة علم من أعلام العلماء المحافظين، فنادى بخطأ القبول المطلق والرفض المطلق، وجعل الحكم هوى إن كان صادرًا عن حب مطلق أو بعض مطلق. ذلكم هو شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سار في هذا الأمر على درب سابقين له من العلماء الحنابلة.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"وإذا كان هناك اتفاق بين دعوة المعاصرين ودعوة ابن تيمية ومن سبقه، فإن هناك فارقًا أساسيًا هو أن المعاصرين لم يقدموا تصورًا كاملاً للمنهج الذي ينبغي أن تكون عليه قراءة التصوف، بل أشاروا إلى بعض النقاط بإيجاز وإجمال، أما ابن تيمية فقد قدم تصورًا أكثر تفصيلًا عن المنهج في نقد التصوف، بل وطبّقه في النظر إلى مراحل التصوف، وإلى المصطلح، وإلى رجال التصوف ونحو هذا.\rلكن نقول أيضًا: إن هذا التصور عنده مبثوث في شتى كتاباته عن التصوف، وعن السلوك، بل وعن العقيدة أيضًا؛ الأمر الذي لم يجعله شهيرًا من الدارسين، وبخاصة أنه أشيع عن عداء شيخ الإسلام للتصوف الكثير.\rفرغبةً في الإفادة من تراثنا الروحي في حياتنا المعاصرة، ورغبة في إنصاف هذا الجزء من تراثنا، وإيمانًا بضرورة المنهج في قراءة التراث بل وغير التراث، وانضمامًا إلى صفوف العلماء والباحثين المنادين بذلك، ورغبة كذلك في إبراز الموقف المنهجي الحق لشيخ الإسلام ابن تيمية.. لهذه الأسباب وما في بابها رأيت أن أقدّم تصورًا لكيفية القراءة المنهجية للتراث الصوفي، آملاً أن أضع به نقطة ضوء أمام الدارسين الباحثين عن الحق والمستهدفين الإفادة من التراث للمعاصرة دون تكلف أو افتعال.\rوقد جمعت شتات إشارات من هنا ومن هناك، وتطبيقات تناثرت في ثنايا البحوث وأضفت إليها رؤيتي وخبرة صلتي بهذا الجزء من تراثنا لأقدّم هذه الرؤية التي بين يدي القارئ، محاولاً ألا أحيد عن العدل في حكمي أو تعليقي؛ التزامًا بالمنهج الذي أدعو إليه، على طريق علماء سبقوا وباحثين لا يزالون يعطون العلم خبراتهم ورؤاهم.","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي\rأقرر في البداية أن هذه الضوابط وليدة تأمل طويل لما أثير حول التصوف الإسلامي وما أريد بتقييمه مدحًا أو قدحًا، وقد حاولت -قدر الطاقة- أن أرجع المظاهر التي يأخذها إلى أسبابها الحقيقية المتصلة بطرق التفكير ومناهج البحث، حيث ظهر ذلك من خلال بعض الكتابات التي التزمت بمنهاج دقيق للقراءة، وبعضها الآخر الذي أعوزته الروح الدقيقة لقراءة العلم والحكم عليه والإفادة منه.\rولكي نفيد من هذا الجزء، من تراثنا ينبغي -إضافة إلى الوعي بالحقائق التي أشرنا إليها- أن نلتزم بما يلي:\rأولاً - ضرورة تجاوز نقاط الخلاف الشكلية والدخول إلى المضمون\rأعني بذلك أن نفرّق بين أمرين يتصل أحدهما بالآخر بشكل ما: الأول: حقيقة ومضمون ما يسمى بالتصوف أو الزهد الإسلامي، والثاني: هذا الاسم الذي أطلق عليه وصار مصطلحًا له ظروفه التاريخية والعلمية.\rفتحديد الهدف من القراءة وهو الإفادة من الماضي للحاضر، يقوّي ما نشير إليه من ضرورة الدخول إلى المضمون مباشرة، والدخول إلى المضمون سوف يضيّق هوة الخلاف -إن لم يقض عليها نهائيًا- بين المتحاورين حول هذا الجزء من تراثنا، ذلك أن الأخلاق التي هي أبرز ممارسات هذا التراث سمتٌ أصيل للإسلام ذاته، فإذا كان البعض يقرر هذه الحقيقة -وهي أن التصوف خُلُق- بالنسبة للتصوف الإسلامي \"واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم على أن التصوف هو الخلق... إن هذا العلم مبني على الإرادة فهي أساسه ومجمع بنائه، وهو يشتمل على تفاصيل أحكام الإرادة وهي حركة القلب؛ ولذا سُمّي بعلم الباطن كما أن علم الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح ولهذا سمي بعلم الظاهر\"، يقول الكتاني: \"التصوف هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء\".","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"أقول: إذا كان هذا هو جزء هام من مضمون التصوف الإسلامي فإن من المقرر أنه أخذه من قوام الدين \"الإسلام\" الذي نشأ في كنفه. فقد امتدح القرآن نبي الإسلام محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: \"وإنك لعلى خلق عظيم\" وفُسّرت بأنك على دين عظيم أي الإسلام. وهو ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: \"إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق\" وقول عائشة رضي الله عنها في وصف الرسول الكريم: \"كان خلقه القرآن\".\rكذلك فإن التزكية وأدب النفس بتحليتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل -وهي أبرز إن لم تكن كل غايات التصوف متضمنة حتى الجوانب المعرفية فيه- حقيقة شرعية قررها الكتاب والسنة، وطبّقها الرسول صلى الله عليه وسلم، وصحابته والتابعون، ومن سار سيرهم، وكان لذلك كله أثره في الحياة الإسلامية اعتدالاً، وزهدًا، وشجاعة في الحق ونحو هذا مما تلتزم به النفس الزكية المحسنة، \"و(لو) رجعنا إلى الكتاب والسنة وعصر الصحابة والتابعين، وتأملنا في القرآن والحديث، وجدنا القرآن ينوه بشعبة من شعب الدين، ومهمة من مهمات النبوة يعبر عنها بلفظ \"التزكية\" ويذكرها كركن من الأركان الأربعة التي بُعث الرسول الكريم لتحقيقها (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)، وهي تزكية النفوس وتهذيبها وتحليتها بالفضائل، وتخليتها من الرذائل، التزكية التي نرى أمثلتها الرائعة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وإخلاصهم وأخلاقهم، والتي كانت نتيجتها هذا المجتمع الفاضل المثالي، الذي ليس له نظير في التاريخ، وهذه الحكومة العادلة الراشدة التي لا مثيل لها في العالم\".","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"أقول: تحديد الهدف والدخول إلى المضمون لتحقيق أمر منهجي يؤدي الالتزام به إلى الالتقاء حول الحقيقة الشرعية التي \"هي الكيفيات الباطنية التي تصاحب الأعمال والهيئات عند أدائها وهي أخلاق إيمانية هي من الشريعة بمنزلة الروح من الجسد، والباطن من الظاهر وتندرج تحت هذه العناوين تفاصيل وجزئيات وآداب وأحكام، وتجعل منها علمًا مستقلاً وفقهًا منفردًا\".\rوهذا ما حدث فعلاً، فقد اتفق على هذه الحقيقة الشرعية -وهي مضمون التصوف- علماء اختلفت مشاربهم لكنهم جميعًا مسلمون يعرفون حقائق دينهم، فقد قرر هذه الحقيقة ابن القيم، وابن خلدون، والقشيري، وغيرهم، مشيرين جميعًا إلى أن إطلاق لفظ الزهاد أو العباد أمر له ظروفه التاريخية، وجودًا ودلالة، وذلك لا يقدح في حقيقة المسمى.\rوالدخول إلى المضمون مباشرة يجنبنا أن نقع فيما أسماه البعض بجناية المصطلح على حقيقته ومضمونه، فقد كان مصطلح \"التصوف\" والخلاف حول دلالته، وتعريفاته، طريقًا للخلاف بين قراء المسلمين، حجبهم فيه الوقوف أمام الشكل عن حقيقة التزكية والتربية والإسهام الاجتماعي وكل خير قدمه التصوف الإسلامي لمجتمعه باعتباره فكرًا إسلاميًا، تضرب جذوره في مصادر الإسلام، ويأخذ نماذجه وقدوته من سيرة الرسول الكريم وصحابته ومن سار على طريقهم.\rكل هذا حُجب عن عين القارئ وذهنه لأنه شُغل بالخلاف حول التصوف ونسبته إلى الصوف أو الصُفّة أو الصفاء، أو إلى كلمة ليست في لغة العرب \"سوفيا\" وهذا لا يجدي للحياة وإن كان يشتغل به الباحثون في زوايا التاريخ، ولو فطن من يقرأ لهذه الحقيقة لعرف أن هذا التراث اجتهاد قومٍ لإثراء الحياة في جانب من جوانبها، كما أثراها علوم أخرى واجتهادات أقوام آخرين، \"وإذن عرف أن منشأ التصوف كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد ما له فيه اجتهاد، كما كان في الكوفة من يسلك طريق الفقه والعلم ما له فيه اجتهاد.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"وهؤلاء نُسِبوا إلى اللبسة الظاهرة، وهي لباس الصوف، فقيل في أحدهم (صوفي)، وليس طريقهم مقيدًا بلباس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك، ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال\".\rوجدير بالذكر أن هذا المضمون الذي يمكن أن نفيده لحياتنا كان سمة التصوف الإسلامي بوصفه السني أو الشرعي، وأنه ما جانبه هذا السمت إلا حين انتحل التصوفَ بعض الغلاة أو المنحرفين الذين كانا موضع نقد الصوفية أنفسهم -كما سيجيء إن شاء الله- وكذلك حين غرق التصوف في متاهات الفلسفة، فانتقل في نظريات بعض القوم إلى عبارات ودلالات لا يوافق عليها مسلم ملتزم، وهي كذلك لا تفيد الحياة في التربية أو التغيير؛ إذ هي إلى شطحات الخيال أقرب منها إلى التحقيق في الواقع.\rونحن نقول مع أبي الحسن الندوي: \"ليس لنا الآن إلا أن نقرر هذه الحقيقة، ونتحرر من القيود والمصطلحات، ومن النزعات والتعصبات، ولا نفرّ من حقيقة دينية، يقررها الشرع ويدعو إليها الكتاب والسنة، وتشتد إليها حاجة المجتمع، والفرد لأجل مصطلح مُحدَث أو اسم طارئ دخيل.\rثانياً - ضرورة القراءة في تجرّدٍ واستقلال فكري\rذلك أن الدخول على فكر ما بفكرة سابقة في رأس القارئ يحرمه الموضوعية في الحكم، ويجعله لا يرى فيما يقرأ إلا ما يشهد لفكرته التي في رأسه، ويلجئه هذا المنهج إلى تأويل ما يراه على غير ما يهوى إلى ما يؤيد فكرته، حتى ولو خالف أظهر قواعد التفكير ومناهج البحث، فالذي يقرأ فكر المعتزلة وفي رأسه حكم الفقهاء عليهم، ووصف أهل السنة لهم بأنهم المعطّلة في الصفات، تراه لا يلتفت إلى أثرهم في الحياة العقلية، ولا إلى ما عُرف عن شيوخهم من عبادة وصلاح، الأمر الذي يتناقض مع ما أشيع عنهم أنهم معطلة يعبدون عدمًا، بل ولا يلتفت إلى جهودهم في مناظرة اليهود والنصارى ودفاعهم عن الإسلام ضد المارقين.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"وقد كان الأمر كذلك في قراءة البعض للتصوف الإسلامي؛ حيث قرءوه لإدانته أولاً وقبل كل شيء؛ ولذلك وقعوا في فجاجة لا يقبلها منطق، ولا يقرها المحققون من العلماء.\rونشير إلى أمثلة وقعت في التعميم وربما التناقض نتيجة للقراءة من موقف محدد سلفاً، فابن الجوزي \"أبو فرج عبد الرحمن ـ 597 هـ\" الفقيه الحنبلي هاجم التصوف في مواطن شتى من كتبه، وكان جماع هجومه في كتابه \"تلبيس إبليس\"، ولا يعنينا هنا الهجوم أو المدح بقدر ما يعنينا أن ابن الجوزي في مسلكه هذا الذي عمم فيه الحكم على التصوف ورفضه شكلاً ومضمونا، وجرح كل الكتابات التي كُتبت من فقهاء صوفية كالجنيد أو المحاسبي أو المكي أو الغزالي أو المقدسي، وجردهم جميعاً من العلم بالسنة -أقول: هذا المسلك -مع ما فيه من تعميم لا يوافقه عليه أشد الناس سلفية وهو شيخ الإسلام ابن تيمية- يظهر تناقضاً واضحاً؛ فهو من جهة يذكر أن أوائل الصوفية كانوا يعوّلون على الكتاب والسنة فكيف يجوز التعميم على كل الصوفية كما وضح في كتابه سالف الذكر؟!، وهو من جهة أخرى له كتاب ترجم فيه للعديد من أوائل الصوفية وشيوخهم، وفيه ينقل الكثير من أقوالهم التي تفيد العلم الذي نفاه عنهم في كتابه \"تلبيس إبليس\"، فضلا عن اتهامهم بكثير من التهم، فكيف يُقبل هذا؟!\rوهو من جهة ثالثة عرف عنه -من خلال دراسة علمية عنه- أنه راضَ نفسه في مستهل حياته على ممارسة حياة الزهاد والإمعان في التقشف، لكنه سرعان ما عدل عن السير في هذا الطريق، ونسب ما اعتراه من مرض إلى هذا الأسلوب من الحياة.\rأعني أنه عرف القوم عن كثب، وكان هذا يقتضي أن يفرّق بين الملتزمين منهم، والذين اندسوا في وسطهم وكانوا مثالا رديئاً ينبغي التحذير منه.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"ولقد حاول بعض الباحثين أن يفسر هذا الموقف بأنه دخول على التصوف بفكرة سابقة وهي أن ابن الجوزي فقيه حنبلي متشدد، وقد رأى التصوف علما مستقلا عن الفقه له سمته الذي يُعْنى فيه بكيفيات وبواطن ظواهر الأحكام الفقهية، وهذه نظرة جديدة من هؤلاء القوم، جعلت ابن الجوزي ينظر إلى التصوف على أنه مخالف للسنة الدقيقة، ونحن لا نرى في الحنبلية والتشدد السبب الحقيقي، بقدر ما نرى أنه يبني نظرته إلى التصوف من خلال فهمه الخاص للسلفية، إذ الحنبلية والتشدد لم يمنعا ابن تيمية ولا ابن القيم من أن ينصفا من يستحق الإنصاف من شيوخ التصوف.\rأما المعاصرون الذين قرءوا التصوف بعيون غير موضوعية فكثيرون من جهة، وأمرهم عجيب من جهة أخرى، فهذا أحدهم يسقط رغبته في تجريح التصوف على كتابات بعض العلماء ويؤولها إلى ما يريد هؤلاء لا ما يريد المؤلف؛ فكتاب \"مصرع التصوف\" الذي نُسب إلى برهان الدين البقاعي (ت 885 هـ) كان أصله كتابين مستقلين: أحدهما في تكفير ابن عربي، والآخر في تكفير ابن الفارض، فجاء عبد الرحمن الوكيل وجمعهما في كتاب واحد سماه \"مصرع التصوف\" وأضاف إليه من العناوين ما يحقق به هدفه هو، علما بأن البقاعي قد ذكر صراحة تقديره لأوائل الصوفية، بل ولمتأخريهم الذين لم يذهبوا مذهب ابن عربي، ومنهم علاء الدين البخاري (834 هـ). كما ذكر البقاعي أنه لا يبغض التصوف لكنه يبغض من أبغضه الصوفية ومحققو متأخريهم ممن حاد عن الطريق السوية. والغريب أن محقق الكتاب عاب على المؤلف إنصافه وإقراره أن الصوفية فقهاء، فقال معلقا على المؤلف: \"هذه دعوى كذوب\".","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"ولا عجب فقد قال محقق رسالة الصوفية والفقراء لابن تيمية: \"لا يا شيخ الإسلام\"، مبينا أن التصوف هو الداء الفتاك بهذه الأمة، وأنه عدو التوحيد، ونقيض الإيمان، وما ذلك إلا لأن المحقق كان يريد ألا يقع ابن تيمية في هذا الإنصاف للمحققين من الصوفية، وكان يريد أن يكون كما يهوى هو، وإلا رد قوله كما سبق.\rومن المعاصرين كذلك نجد من يبدأ تعريفه للتصوف بقوله \"والتعريف الصحيح للتصوف الإسلامي بأحكام وعظية لا ترتبط فيها النتائج بالمقدمات\"، ولكن لأن الرجل كتب الكتاب خدمة لفكرة ما في رأسه أو في رأس غيره فقد أداره على محور التعميم والسب دون دليل يمكن أن يقنع أحدا، فضلاً عن أن يفيد منه.\rأما عن ضرورة الاستقلال الفكري فذلك لأن المتابع دون وعي مستقل إمّعة يحسن إذا أحسن الناس، ويسيء إذا أساءوا، وهذه صفة من ليس يملك فكراً مستقلاً، ولا يمكن لقارئ بهذه الصفة أن يقدم جديداً، أو يقترح مفيدا، وحسبنا أن نشير إلى أن هناك قضايا أثارها المستشرقون بخصوص مصدر التصوف وأخذه من غير الإسلام أصوله، وكانوا في هذا خاضعين لعوامل عديدة، بعضها خاص بما لم يكن تحت أيديهم من تراث للصوفية غير فكرهم بعد هذا، وبعضها خاص بقضية التأثير والتأثر التي كانت رائحة في الدراسات الإنسانية في فترة ما.\rوقد تابع بعض العرب والمسلمين آراء المستشرقين دون نقد أو تمحيص فقالوا بعدم إسلامية التصوف؛ جرياً وراء غيرهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتأصيل ولو علموا أن بعض المستشرقين رجع عن رأيه في قضية \"أجنبية مصادر التصوف\" بعد أن توافرت له بعض النصوص الصوفية، ولو قرءوا دراسات المدققين من علماء العصر الذين ذكروا خصائص للتصوف الناضج في كل دين، تبعد قضية التأثير والتأثر عن مكانها الذي كانت قد تسنمته في الدراسات الإنسانية -أقول لو قرءوا هذه البحوث الدقيقة لما قبلوا متابعة غيرهم ولحرصوا على استقلالهم الفكري.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"وحين يفقد الباحث استقلاله تجده يتابع دون تدقيق، ودون بصر بعواقب ما يقول، بعداً عن المنهجية، أو تضييعاً لتراثٍ له ما له وعليه ما عليه.. يقول أحدهم: \"وفي رأي الدكتور زكي مبارك التصوف: مجموعة من الأفكار الإسلامية والنصرانية واليهودية، أو هو الخلاصة الروحية من تلك الديانات الثلاث.. أما التصوف في رأينا فهو طريقة زهدية في التربية النفسية، يعتمد على جملة من العقائد الغيبية (الميتافيزيقية) مما لم يقم على صحتها دليل في الشرع ولا في العقل\"، فانظر كيف جرّ عدم الاستقلال البعضَ إلى أن يقول ما يناقض حقائق ومسلمات في مجال البحث في التراث الصوفي!!.\rثالثاً - التفرقة بين أقوال الصوفية وروايات المؤرّخين عنهم\rما دام القارئ يتغيا الحكم على التراث الصوفي، بغية الإفادة من الناضج الملتزم منه فإن أمانة العلم تلزمه أن يفرق بين أقوال الصوفية موثّقة النسبة إليهم، وفهم مؤرخي الفكر وكُتّاب الطبقات لأقوال الصوفية وأفعالهم، ذلك أنه إضافة إلى ما يغلب على كتب الطبقات من بعض المبالغات فإنها تُكتب غالباً في وقت متأخر عن حياة المؤرخ لهم، وليس بالضرورة أن يدقق المؤرخ في كل رجال سند الرواية التي ينسبها إلى هذا الشخص أو ذاك، وربما استنبط من روايات لم تخضع لقواعد الجرح والتعديل معاني هو فيها مجتهد ويبتغي بها الخير، وإن جاءت حقيقتها -بعد الدرس والتفنيد- على خلاف مما قصد إليه باجتهاده.\rفإذا أضفنا إلى ذلك رغبة بعض المؤرخين في إضفاء صفات معينة على العَلَم أو الشخص الذي يؤرّخون له لسبب مذهبي، أو لميل طائفي، كان لنا أن نؤكد ضرورة التفرقة بين أقوال الصوفية أنفسهم ونظرة المؤرخين لهم وللتصوف، باعتبارها ضرورة منهجية للحكم والاستنباط.","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"ولا ينفرد التصوف بهذه المسألة فيا روي عنه وعن أهله، بل هي سمة عامة في عموم الروايات \"وهكذا كثير من أهل الروايات، ومن أهل الآراء والأذواق، من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم، يوجد فيما يأثرونه عمن قبلهم، وفيما يذكرون معتقدين له شيء كثير، وأمر عظيم من الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله. ويوجد أحياناً عندهم من جنس الروايات الباطلة أو الضعيفة، ومن جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير\".\rوها نحن أولاء نذكر بعض الأمثلة التي ذكرها مؤرخو التصوف، وهي عند التحقيق تؤدي إلى غير ما قصدوا إليه، أو لا تدل على ما استنبطوه؛ الأمر الذي جعل بعض العلماء يفندها ويرد عليها.\rأ- مسألة الصُفّة وربط التصوف بصفات أهلها:\rبول -صاحب التعرف لمذهب أهل التصوف-: \"وقال قوم إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصُفّة الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم\".\rولو كان الأمر مجرد رواية عن قوم قالوا هذا في نسبة التصوف لهان الأمر، لكننا نجد السراج الطوسي يصف أهل الصفة بأنهم مقيمون في المسجد، وأنهم لم يؤمروا بطلب المعاش من المكاسب والتجارات. ويصف حب رسول الله لهم، وارتباطه بهم، ويذكر أن الصوفية وجدوا فيهم الاقتداء والاهتداء، ويذكر أن عددهم كان نيّفًا وثلاثمائة.\rأما أبو طالب المكي فيجعل منهم رباطًا، ولهم رئيس هو أبو هريرة يأمرهم فيأتمرون، ويصفهم بأنهم كانوا أشد الناس زهدًا. وقريب من هذه الأوصاف وصف أبي نعيم لهم.\rوقد فهم أحد الباحثين من هذا تمهيد المكي للربط بين صِفة أهل الصُفّة هذه وبين الرباط عند الصوفية، وربما يوطئ بذلك لحاجة المريد إلى شيخ ينزل المريد عند أمره ونهيه.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"وقد تابع هؤلاء المؤرخين في فكرتهم ربط الصوفية بأهل الصفة، وجعلها بذرة التصوف الأولى بعض كبار الباحثين \"ونحن لا نجد بذور هذه الحياة الروحية مغروسة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب صحابته من الخلفاء الأربعة فحسب، وإنما نحن واجدوها أيضًا حية نامية في قلوب كثير من الصحابة غير الخلفاء، ويكفي أن نذكر هنا أهل الصفة، وما كان لهم من أثر قوي في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية عامة، وفي تاريخ التصوف الإسلامي خاصة\".\rوإذا كنا نتفق مع هؤلاء المؤرخين في صلاح مجموع أهل الصفة، فلا نوافقهم على إقامتهم الدائمة في المسجد. ولا على عدم شغلهم وكسبهم في كل الحالات، ولا نوافق كذلك على أن العدد كان ثابتًا، بل إنه كان يزيد وينقص حسب ظروف القادمين من مكة والذين لا يجدون مأوى لهم غير المسجد، فقد كانوا يزيدون فيكونون ستين أو أكثر ويقلون حتى يكون عددهم عشرة.. \"فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به. ومن تعذر ذلك عليه نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه\".\rبل إن ابن تيمية يرى أن من كان ينزل بالصفة هم من جنس سائر المسلمين ليس لهم مزية في علم ولا دين، \"بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي صلى الله عليه وسلم كالعرنيين الذين اجتووا المدينة، وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس، وفيه أنهم نزلوا الصفة، فكان ينزلها مثل هؤلاء، ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من نزل بالصفة ثم انتقل عنها، ونزلها أبو هريرة وغيره.. وقد روي أنه كان غلام للمغيرة بن شعبة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أهذا واحد من (السبعة)، وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم: وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحلية\".","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"ولم يؤثر للصوفية الأوائل – فيما قرأت- أقوال ينسبون فيها أنفسهم إلى الصفة، وبعيدًا عن عدم موافقة النسبة لقواعد اللغة العربية في النسب، فإن ما حكاه المؤرخون في مسألة الصفة وربط التصوف بها باعتبار أنها أول بذوره، صاحبه كثير من البُعد عن حقائق تاريخية تتصل بالمسألة ذاتها، وإننا نظلم الصوفية إن حكمنا عليهم وفق هذه الروايات وأمثالها.\rب- وقريب من المثال السابق ما حكاه المؤرخون مما يفيد أن بداية التصوف كانت على يد علي بن الحسين زين العابدين (توفى بالبقيع 99هـ) فالكلاباذي يقول تحت باب عقده بعنوان: \"في رجال الصوفية\": \"من نطق بعلومهم، وعبّر عن مواجيدهم، ونشر مقاماتهم، ووصف أحوالهم قولاً وفعلاً بعد الصحابة رضوان الله عليهم علي بن الحسين زين العابدين، وابنه محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق..\".\rكذلك ربط بعض المتأخرين بين الحسن البصري وعلي بن أبي طالب في علمه الذي ورثه عنه والموروث من النبي صلى الله عليه وسلم وراثة لا كسبًا، بل إن البعض جعل مستندهم في الخرقة الصوفية أن عليًا ألبسها الحسن البصري، وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة، واتصل ذلك منهم حتى الجنيد من شيوخهم، ولا يعلم هذا عن علي من وجه صحيح.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"ولعل هذه الأمثلة وما تفيده من توجيه لتاريخ التصوف وجهة معينة لسبب أو لآخر هي التي جعلتنا نؤكد الحاجة إلى التفرقة المنهجية التي أشرنا إليها، ونفهم في ضوء هذا موقف ابن تيمية من أمثال هذه الروايات، فقد نقل عن القشيري قوله في اعتقاد الصوفية وأنهم أشاعرة في مجمل اعتقادهم، ثم رد ابن تيمية هذا الفهم من القشيري بالرجوع إلى أقوال المشايخ أنفسهم ليثبت أنهم كانوا على اعتقاد السلف \"فصل فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيري في رسالته المشهورة من اعتقاد مشايخ الصوفية، فإنه ذكر من متفرقات كلامهم ما يستدل به على أنهم كانوا يوافقون اعتقاد كثير من المتكلمين الأشعرية، وذلك هو اعتقاد أبي القاسم الذي تلقاه عن أبي بكر بن فورك وأبي إسحاق الإسفراييني…، والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف، وهو الذي كان يجب أن يُذكر، فإن في الصحيح المحفوظ عن أكابر المشايخ مثل الفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، ومعروف الكرخي إلى الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثال هؤلاء ما يبين حقيقة مقالات المشايخ\".","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"ويورد ابن تيمية أقوالهم موثقة النسبة إليهم ليصل إلى أن الصوفية سلفيون في العقائد بعامة، وأن المعرفة عندهم تخالف المصطلح الكلامي، والإيمان عندهم قول وعمل، وكذلك كان موقف ابن تيمية حين روى القشيري عن أبي سليمان الداراني قوله في الرضا \"قال أبو سليمان الداراني: الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار\" فقد شكك ابن تيمية في صحة هذه النسبة إلى أبي سليمان، معتقدًا على أمثلة ذكرها القشيري في رسالته و\"سندها فيه كلام\"، ومستندًا كذلك إلى الكتب التي اهتمت بجمع أقوال الصوفية مثل حلية الأولياء لأبي نعيم، وطبقات السلمي، وصفة الصفوة لابن الجوزي وغيرها لم تذكر هذه الكلمة لأبي سليمان. ويذكر أنه من المحتمل أن تكون هذه الكلمة نُقلت بالمعنى عن قول آخر، إذ ثبت لأبي سليمان أنه قال: لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضيًا، فيشبه أن يكون بعض الناس حكى ما فهم بالمعنى فذكر الكلمة التي هي موضع الحديث.\rويؤكد ابن تيمية استبعاد صدور هذا القول من أبي سليمان \"فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء المشايخ وساداتهم، ومن أتبعهم للشريعة حتى إنه كان يقول: إنه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين من الكتاب والسنة، فمن لا يقبل نكت قلبه إلا بشاهدين يقول مثل هذا الكلام؟!!\".\rقلت: فلو أخذ ابن تيمية برواية القشيري مع – تقديره له- لكان اتهامه لأبي سليمان الداراني أسبق من إنصافه: ولا نسد الطريق على الإفادة من أقواله – أو إشاراته أو أخلاقه.\rرابعًا - ضرورة تحديد المصطلحات المتصلة بالتصوف الإسلامي","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"فما دامت القراءة للحكم والاستنباط والتوظيف تستهدف عدم الوقوع في أخطاء التعميم أو التسرع في الأحكام فإن من الضروري حينئذ أن يهتم قارئ التراث الصوفي الإسلامي بالتحديد الدقيق للمصطلح المراد نقده والإفادة منه، وهذا يشمل الألفاظ التي استخدمها الصوفية وحددوا مرادهم منها بما يتفق مع أصول دينهم، لكن التعميم والأخذ بالفهم الشائع لأدنى ملابسة أدى بأصحابه إلى خطأ في الحكم، فضلا عن عدم تقدير دقيق وعدم إفادة من هذا التراث.\rكما يشمل التحديد المراد الأوصاف التي عُرفت بها مراحل التصوف الإسلامي واتجاهاته متمثلة في مراحله التاريخية، وخصائص كل مرحلة، وظاهرة على رجال كل مرحلة كذلك، وقد أدى الخلط في هذا الباب إلى نتائج تعوزها الدقة المنهجية في كثير من الأحيان، ولنأخذ بعض الأمثلة في كلا الجانبين: الألفاظ – الأوصاف.\rأ- ففي باب الألفاظ نذكر مثلا: الزهد – التوكل – الاتحاد –الفناء:\rهذه ألفاظ دار حولها حديث طويل من حيث دلالتها وصلة هذه الدلالة بالفهم للإسلام، وبخاصة أن البعض ربط بين كلمات الصوفية في الزهد ودعوات بعضهم – مثل شقيق البلخي مثلاً – للقعود عن الكسب، كما ربط البعض بين التوكل والدعوى ذاتها، حتى إن ابن الجوزي اتهمهم بعدم الفهم ومجافاة ما يحب أن يكون، حيث تنكبوا الطريق الشرعي للحياة، فالتوكل عمل قلبي وثقة بالله لا تركٌ للعمل، ولا تعطيل للجوارح، ويستشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم تاجر حتى كُفِي العمل من الفيء.\rوإن كنا نجد نيكلسون يقرر أن الصوفية بعد شقيق البلخي كانوا لا يرون الكسب منافيًا للتوكل.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"أقول: لو رجعنا إلى أقوال الصوفية في الزهد وفي الكسب وفي التوكل وحددنا دلالة هذه الألفاظ عندهم وعرفنا موقفهم من العمل، ورفضهم لأصحاب دعوى القعود عن الكسب، لو رجعنا إلى أقوالهم لتحدد لنا رأيهم بدقة في هذه المفاهيم، ولكان لنا أن نحكم على مدى قرب منهجهم أو بعده عن دعوة الإسلام، ولتجنبنا الخلط الذي وقع فيه البعض حين فهم الزهد بمعنى خاص من بعض عبارات القوم، ثم عممه على الجميع، بل قرر أن الإسلام لا يفسح المجال لهذا الزهد.\rولست أريد هنا أن أفصّل القول في هذه المسألة، وحسبي أن أشير إلى عبارتين إحداهما للمحاسبي والأخرى لأبي طالب المكي، وهما نموذجان لكثير من القول يماثلهما عند الصوفية، ولهما دلالتهما في مسألة الزهد ومسألة التوكل.\rيقول الحارث المحاسبي: \"ولرب مكنز للأموال بغير الإكثار مشغول، ليس بذاكر دنياه، لأن الآخرة غلبت على مناه، تذكّره للدنيا تذكر من أراد فيها البلاغ، وحبه لها حب من لا يغيره تقلّب الأحوال، قلبه لغيرها ذاكر، وهو على ما أعطاه الله منها شاكر، إن أعطي منها لم يمنعه حلول النعمة عن أداء شركها، وأن مُنع لم يمنعه نزول البلية عن النظر إلى مواضع الخير، ولرب مقلّ قد ظهر الزهد على ظاهرة وبدنه وقلبه مشغولٌ بالرغبة؛ فقد استقلّ كل ما صار إليه من الدنيا وإن كان في العدد كثيرًا، ويستكثر ما بيد غيره وإن كان في العدد قليلاً\".\rويقول المكي: \"ولا يضر التصرف والكسب لمن صح توكله، ولا يقدح في مقامه من حاله، قال الله تعالى: \"وجعلنا النهار معاشا\" و \"وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون\" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"أحلّ ما أكل العبد من كسب يده، وكل بيع مبرور\".","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"فمن أدرك دلالة الزهد والتوكل عند الصوفية كان له أن يقرهم على فهمهم الذي هو صدى لما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد، وكان له كذلك أن يناقش البعض في قضية التوكل بين العامة والخاصة. وهذا طريق الحكم الحق والتوظيف الجيد للتراث. أما من لم يعنّي نفسه بالتحقيق في مراد القوم فقد سهل عليه أن يكيل لهم الاتهامات لموقفهم من الزهد والعمل والمال ونحو هذا، وحسب أنه بذلك قدّم للبشرية خيرًا.\rوبالمقياس ذاته نقول: إن الصوفية في كلامهم عن الحب الإلهي، وهو نزع نصوص قرآنية وحديثية، عبروا عن أشواقهم بلغة جعلت البعض ينفر، ويتهمهم منذ فترة مبكرة -أي قبل التصوف الفلسفي– أنهم يقولون بالاتحاد، مع أن حقيقة ما دعوا إليه وما تغنوا به هو صدى للحديث الصحيح: \"لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي\".\rوقد فطن ابن تيمية إلى الفرق بين هذا الاتحاد، والاتحاد الذي قال به البعض في مرحلة تفلسف التصوف \"وهذا اتفاق واتحاد في المحبوب المرضي المأمور به، والمبغض المكروه المنهي عنه، وقد يقال له اتحاد نوعي وصفي، وليس ذلك اتحاد الذاتين فإن ذلك محال ممتنع، والقائل به كافر، وهو قول النصارى والغالية من الرافضة والنساك كالحلاجية ونحوهم.. وأما الاتحاد المطلق الذي هو قول أهل وحدة الوجود الذين يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، فهذا تعطيل للصانع وجحود له، وهو جامع لكل شرّ\".\rوأما الفناء وهو عند الصوفية لازم المحبة حين تشتد وتسيطر، فإن هذا اللفظ كمّ جرّ المتعجلين في الحكم إلى تشنيع على كل الصوفية، وتنديد باللفظ في كل دلالاته، وهذا ولا شك يتناقض مع الدقة والمنهج.","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"ولكن تفحص أقوال الصوفية أدى بعالم محافظ كابن تيمية أن يقرر \"الفناء الذي يوجد في كلام الصوفية يُفسّر بثلاثة أمور: أحدها: فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب والتوكل عليه وعبادته، وما يتبع ذلك، فهذا حق صحيح وهو محض التوحيد والإخلاص.\rالأمر الثاني: فناء القلب عن شهود ما سوى الرب، فذاك فناء عن الإرادة، وهذا فناء عن الشهادة، ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه، وهذا فناء عن العلم بالغير والنظر إليه\".\rويرى ابن تيمية أن هذا النوع فيه نقص، وأن شهود الحقائق أكمل، لكنه يقرّ أن البعض قد تغلبه المحبة فيسكر ويسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان، فيقول أقوالاً ظاهرها يخالف الشرع، ويرى أن الحكم عليه يكون ببحث سبب السكر فإن كان السبب حلالاً كالمحبة وشدة الذكر لم يؤاخذ بما قال، ونُبّه إلى عدم اتباع طريقته أو أقواله.\rوهذان النوعان عند ابن تيمية مقبولان وعن النوع الثاني يقول: \"وعامة ما نجده في كتب أصحاب الصوفية مثل شيخ الإسلام (يقصد الهروي الأنصاري) أن من قبله من الفناء هو هذا.. وفي الجملة فهذا الفناء صحيح\".\rلكن هذا لم يمنع ابن تيمية من أن ينكر النوع الثالث وهو الفناء عن وجود السوى الذي يرى أن الله هو الوجود، وأنه لا وجود سواه، وأنه عن الموجودات؛ لأنه يخالف الشرع، وما به قال المحققون من مشايخ الصوفية.\rب - وفي باب أوصاف التصوف تذكر أن هناك التصوف السني، والتصوف الفلسفي:\rوهذا التحديد مهمّ لأننا إذا كنا نقرأ التصوف السني فنحن نقيمه ونفيد منه في ضوء خصائصه التي استخلصها من نصوصه المحققون من العلماء، وننظر إلى رجاله في ضوء ارتباطهم بالمصادر الإسلامية، وعدم تأثرهم بالفلسفة والأثر الأجنبي بعامة، وإذا وجد لدى بعضهم بعض الأثر الأجنبي كالحلاج عند البعض، والبسطامي عند البعض.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"فإن هذا لا يمثل ظاهرة في التصوف السني وبخاصة في مراحله الأولى (القرنين الثالث والرابع الهجريين) الأمر الذي جعل البعض يعتذر عن الحلاج، ويوضح أن الحلول عنده لم يكن حقيقيًا وأنه كان مجازيًا، ومستندًا في ذلك إلى عبارة نقلها السلمي عنه (ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به) \"وهذا قد يعني عنده أن الإنسان الذي خلقه الله على صورته هو موضع التجلي، فهو متصل بالله غير منفصل عنه بهذا المعنى، ولكن تجلي الله للعبد أو ظهوره من حيث صورته فيه ليس يعني اتصالاً بالبشرية حقيقيًا\".\rوقد فسرت أقوال الحلاج والبسطامي تفسيرًا نفسيًا من حيث غلبة الوجد، وفرط المحبة الأمر الذي أشار إليه ابن تيمية في حديثه عن الفناء كما سبق أن أشرنا.\r... أما إذا كنا نقرأ في التصوف الفلسفي حيث النظريات التي يصعب تأويلها أو الاعتذار عنها لتتفق مع الإسلام فإن الأمر يختلف تمامًا، فنحن هنا لا نقرأ تصوفًا جل اهتمامه بالأخلاق والتربية \"السابق\"، بل نقرأ فكرًا روحيًا أُشْرِب مضامين الفلسفة، وهنا سنلتقي بالنظريات التي هي موضع الرفض لدى مجموع العلماء والدارسين مثل الاتحاد ووحدة الوجود؛ الأمر الذي جعل من الصعب أن تسمي هذا النوع تصوفًا خالصًا أو فلسفة خالصة، وعلينا أن ندرك –ونحن نقرأ هذا النوع من التصوف- أنه وإن اشترك مع التصوف في اسمه وبعض خصائصه \"إلا أن أولئك المتفلسفة زادوا على المتصوفة السنيين بأمور: أولها: أنهم أصحاب نظريات أو مواقف من الوجود، بسطوها في كتبهم أو أشعارهم، ولا يمكن أن توصف عبارتهم فيها بأنها من قبيل الشَطَح الذي لا يسأل عنه أصحابه، وثانيها: أنهم أسرفوا في الرمزية إسرافًا إلى حد بدا معه كلامهم غير مفهوم للغير، وثالثها: اعتدادهم الشديد بعلومهم وأنفسهم وهو اعتداد إن لم يلازمهم كلهم، فقد لازم أكثرهم على الأقل\".","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"والذين لم يفرقوا بين أنواع التصوف وقعوا في خلط شديد، فهم يرفضون الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وهي من التصوف الفلسفي من جهة، وموضوع نقد مؤرخي التصوف وشيوخه من جهة أخرى، لكنهم يسحبون ما يرفضونه من التصوف الفلسفي على كل التصوف ولا يفرقون بين رجال وشيوخ هذه المرحلة أو تلك.\rأما الذين فرقوا بين تصوف استمد مصدره من الكتاب والسنة وإن صاحبته بعض الاجتهادات وظروف التاريخ، وتصوف غلبت عليه الفلسفة ونظريات تفسير الوجود، فهؤلاء فرقوا بين المشايخ وفق ما عُلم عنهم من ضبط والتزام، فكان قبول ابن تيمية لحديث الجنيد عن التوحيد، ورفضه تأويل ابن عربي في الموضوع ذاته.\rوكانت كثرة نقول الشيخ عن الجيلاني واستشهاده بأقواله في مواضع مختلفة من كتبه، وكان كذلك توضيحه لموقف شيوخ الصوفية الأوائل من قضايا العقيدة، والسماع ونحو ذلك بما ينصف المحسن، ويحذر من غيره.\rوليس معنى التحديد أننا نقبل نوعًا ما جملة، أو نرفض نوعًا آخر من التصوف جملة، فهذا مرتبط بالدراسة وتحليل النصوص، لكننا نعني بالتحديد أنه يساعدنا أن نعلم ماذا نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ويبعدنا عن المدح أو القدح دون أسباب أو أدلة كافية لأي منهما.\rولا شك أن الوعي بالمراحل التاريخية التي مر بها التصوف الإسلامي له أثره في طبيعة التقويم والحكم، وفي كيفية الاستفادة من إيجابيات مرحلة ما، أو تجنب سلبيات مرحلة ما، فالتصوف الإسلامي في مرحلة تحديد المصطلح وثباته علمًا بين العلوم وثيق الصلة بمصادر العلم والحياة الإسلامية، يختلف عنه في مرحلة كونها أصبح طرقًا ومؤسسات اجتماعية، على أن الاختلاف لا يعني انبتات الصلة بين مرحلة وأخرى، ولكن يعني أن كل مرحلة لها خصائصها وتوجهاتها وتراثها الذي يبرز هذه السمات، والتي تمكننا من التقييم والإفادة.","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"والشيء نفسه نجده حين نقرأ التصوف الإسلامي في طرقه المعاصرة في ظروف استعمار بعض البلاد، وتدني مستوى التعليم والفهم الإسلاميين وهو ما يحبذ ضرورة العناية بالناحية الاجتماعية أكثر من أي وقت مضى.\rقلت: القراءة وفق هذه التحديدات وأمثالها تفسر كثيرًا من المسائل التي دار حديث حولها، فقد يتضح أن الخلاف لفظي بين المادحين للتصوف والقادحين فيه لأن المادحين يمدحون نوعًا ومرحلة من التصوف، والقادحين يقدحون في نوع آخر غير النوع والمرحلة السابقة، وبخاصة إذا عرفنا أن النوع الذي ذمّه القادحون ذمّه الصوفية أنفسهم وسجل هذا مؤرخوهم كما فعل القشيري في رسالته، وكما فعل الهروي الأنصاري في منازل السائرين. وكما فعل الغزالي في المقصد الأسنى، وإن كان هذا لم يمنع الغزالي من الاعتذار عن بعض أقوال الصوفية التي يمكن توجيها من خلال الظروف النفسية للحالة التي كانوا هم عليها، من حالات الوجد كما فعل في مشكاة الأنوار.\rكذلك يفسر لنا هذا الوعي ثقة العلماء المحافظين في بعض شيوخ الصوفية ويسمونهم بالمحققين كما فعل ابن تيمية وابن القيم مع الجيلاني وقبله الجنيد والسقطي ومن على شاكلتهم، في الوقت الذي يتعقب فيه أمثال الحلاج وابن عربي والتلمساني وغيرهم، وما ذاك إلا لأن الشيوخ الموثوق فيهم أبناء مرحلة وأصحاب ذكر يختلف عن غيرهم من أصحاب النظريات المتأثرة بالأثر الأجنبي أيًا كان مصدره.\rكما يفيد هذا الوعي بالمراحل والسمات في محاولة إصلاح ما قد يكون من انحراف في بعض طرق التصوف المعاصر، وبخاصة إذا علمنا كثرة أتباعها من العامة والبسطاء ومدى تأثيرها فيهم، وذلك من خلال ما التزم به التصوف السني في مجالسه الأولى وطرقه المنظمة في القرن السادس الهجري وما بعده، وكيف حرص شيوخه على الالتزام بالشرع في فكرهم، وممارساتهم الروحية، وحركتهم الاجتماعية وحرصهم على تنقية صفوفهم من الأدعياء والمغالطين.","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"وبالطبع لا نستطيع أن نتلمس هذا الإصلاح في التصوف الفلسفي لأنه هو ذاته جزء من مشكلة البعد عن الحياة الإسلامية النقية، فضلاً عن أثره بشكل أو بآخر في بعض هذه الطرق الغالية في العصر الحديث، ونحن نريد أن ننهض بالجانب الروحي للإنسان المعاصر وفق منهاج الإسلام في تنمية هذا الجانب، كما كان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكما اجتهد محققو الصوفية في فهمه ومحاكاته.\rخامسًا - مراعاة طبيعة التصوف كتجربة ذوقية\rالتصوف تجربة ذوقية وجدت في سائر الأديان السماوية والوضعية، وعبَّر عنها كل صوفي في إطار ما يسود مجتمعه من عقائد وأفكار، وقد درسها العلماء وحاولوا التماس خصائص تميزها عن غيرها من التجارب وتنطبق على كل أنواع التصوف الناضج، وهي:\r1 - الترقي الأخلاقي.\r2 - الفناء في الحقيقة المطلقة.\r3 - العرفان الذوقي المباشر.\r4 - الطمأنينة والسعادة.\r5 - الرمزية في التعبير.\rووفق هذا عُرف \"التصوف بأنه فلسفة حياة تهدف إلى الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقيًّا، وتتحقق بواسطته رياضيات عملية معنية تؤدي إلى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الأسمى، والعرفان بها ذوقًا لا عقلاً، وثمرتها السعادة الروحية، ويصعب التعبير عن حقائقها بألفاظ اللغة العادية؛ لأنها وجدانية الطباع ذاتية\".\rويتضح من هذا أن التصوف تجربة ذوقية خاصة ليس للعقل مدخل فيها؛ ولذا لا يقبل أصحابها الحكم عليها بالفلسفة والعقل، \"فإنه يحق للصوفية أن يعترضوا على كل من يحاول أن يَزِن تجاربهم وتعبيراتهم بميزان العقل؛ لأن العقل وقوانينه مشترك بين الناس جميعًا، أما التجارب الصوفية فلا تخص غيرهم\".","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"وفي التصوف الإسلامي نرى ذوقية علومه واعتبار ذلك حتى لدى رؤوس التصوف الفلسفي، ومن ذلك ما يروى أن تلميذًا لابن عربي قال له \"إن الناس ينكرون علينا علومنا، ويطالبوننا بالدليل عليها، فقال ابن عربي ناصحًا: إذا طالبك أحد بالدليل والبرهان على علوم الأسرار الإلهية فقل له: ما الدليل على حلاوة العسل؟ فلا بد أن يقول لك: هذا علم لا يحصل إلا بالذوق، فقل له: هذا مثل ذلك\".\rوإذا كانت هذه الرواية تظهر اعتبار الذوق في علوم متفلسفة الصوفية، فإن بعض الباحثين يرى أن أصحاب التصوف الفلسفي لا يستطيعون أن يدعوا أنهم توصلوا إلى نظرياتهم في الوجود عن طريق الذوق، وليست نظرياتهم هذه نتيجة إلهامات وفيوضات إلهية لأن بعضهم قد اعترف أنه أخذها من حكمة زرادشت وفلسفة أفلاطون، الأمر الذي يجعل هذه النظريات بالمعيار الصوفي غريبة على التصوف الإسلامي إن لم تكن مسخًا له.\rلكن الذي يبقى موضع اتفاق هو أن التصوف تجربة ذوقية خاصة يعبر كل صوفي عنها بوسيلته وطريقته، وقد تختلف من صوفي إلى آخر نتيجة درجته في التجربة ذاتها.\rوكذلك يبقى أن الحكم على هذه التجربة لا يكون بالفلسفة العقلية ولا يكون بتجاهل خصائصها والتركيز على بعض الجوانب دون الأخرى؛ لأن ذلك لا ينصف التصوف، وذلك كما فعل بعض علماء النفس حين درسوا التجربة الصوفية ضمن مسائل علم النفس الديني، لأنهم ركزوا على الجانب الحسي في التجربة، ولم يدققوا في المصطلحات التي تحمل شحنة وجدانية خاصة، بل وأكثر من ذلك – كما يذكر الدكتور التفتازاني - نظروا إلى بعض حالات التصوف على أنها حالات مرضية عقلية ناسين أو متناسين طبيعة التجربة المحكوم عليها، والتي لا يمكن الحكم عليها حكمًا سليمًا إلا ممن ذات أو عنده استعداد للتذوق وتأمل حالات موجودة بالفعل وناطقة بطبيعة التجربة الذوقية التي نحن بصدد الحكم عليها.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"أقول: لو نظر إلى التصوف في ضوء طبيعته التي أشرنا إليها فإن مسألة غموض التعبيرات الصوفية سوف يعرف سببها، ومسألة اختلاف التعبيرات للصوفي الواحد سوف يدرك سرها كذلك، وسوف ندرك لماذا اعتدل البعض في حكمهم على التصوف وذلك حين فهموا طبيعته واعترفوا بها ولماذا لم يدرك البعض هذا الحظ من الإنصاف، وذلك لأنهم قاسوا التصوف كعلم على سائر العلوم في عصره مع أن هذا المقياس ذاته غير دقيق لأن علوم العصر تختلف بحسب موضوعاتها وتختار لذلك وسائلها وتعين لغة التعبير فيها.\rفلكي نصيب في الحكم على التصوف، ونستطيع الإفادة من جوانب الثراء فيه ينبغي أن نراعي هذا الأمر ونحن نقرأ تراثنا الصوفي، ويبقى بعد ذلك أن نخطئ أو أن نصيب لكن كل ذلك في دائرة الاجتهاد الأمين الذي يمنح صاحبه أجرًا إن أخطأ وأجرين إن أصاب. والله المستعان.\rسادسًا - الحكم على الصوفية في ضوء أحوالهم\rالصوفية من خلال طبيعة تجربتهم أصحاب أحوال ومواجيد، ولكنهم كذلك حين يخرجون من هذه الأحوال يصبحون أصحاب صحو وفكر، شأنهم في ذلك شأن بقية الناس، والحكم على الصوفية ـ وهم في أحوالهم ـ يختلف عنه في حالات صحوهم، أو هكذا ينبغي أن يكون، وعدم الأخذ بهذه التفرقة أدى بالناس إلى تطرف في الحكم عليهم، فالبعض حين رأى من أحوالهم ما يخالف ظاهر الشرع حكم عليهم بالكفر والفسوق والعصيان جملة ودون تفصيل، وهناك من رأى أن ما عليه هؤلاء في أحوالهم هذه أمور سائغة وطيبة، ويمتدحونه بمبالغة كذلك.","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"وقد يغلو كل واحد من هذين حتى يخرج بالأول \"إنكاره إلى التكفير والتفسيق في مواطن الاجتهاد، متبعًا لظاهر من أدلة الشريعة. ويخرج بالثاني \"إقراره\" إلى الإقرار بما يخالف دين الإسلام مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بخلافه اتباعًا في زعمه لما يشبه قصة موسى والخضر، والأول كثيرًا ما يقع في ذوي العلم لكن مقرونًا بقسوة وهوى. والثاني كثيرًا ما يقع في ذوي الرحمة لكن مقرونًا بضلالة وجهل، والعدل في هذا الباب قولاً وفعلاً أن تسليم الحال له معنيان:\rأحدهما: رفع اللوم عنه بحيث لا يكون مذمومًا ولا مؤثمًا. والثاني: تصويبه على ما فعل بحيث يكون محمودًا مأجورًا، فالأول عدم الذم والعقاب، والثاني وجود الحمد والثواب، الأول عدم سخط الله وعقابه، والثاني وجود رضاه وثوابه؛ ولهذا نجد المنكرين غالبًا في إثبات السخط والذم والعقاب، والمقرين في إثبات الرضا والحمد والثواب، وكلاهما قد يكون مخطئًا، ويكون الصواب في أمر ثالث وسط، وهو أنه لا حمد ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب\".\rويذكر ابن تيمية أنه وإن أنكر بعض التابعين على أصحاب الأحوال أمرهم فإن تحقيق الأمر يقضي بالإنصاف بأن يبحث سبب زوال العقل فإن كان بسبب غير محرم، وكان سكره نتيجة حالة من الحب والوجد والوله استغرقته فأسكرت عقله، كان في حاله هذه معذورًا، وله من التاريخ شاهد على ذلك، ومن رأى جمهور العلماء أعذاراً له. \"والذي عليه جمهور العلماء أن الواجد من هؤلاء إذا كان مغلوبًا على أمره لم ينكر عليه، وإن كان حال الثالث أكمل منه؛ ولهذا لما سُئل الإمام عن هذا قال: قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان، فغشي عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، فما رأيت أعقل منه\".","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"ورسم هذا المنهج للحكم على الصوفية في أحوالهم ومواجيدهم من عالم كابن تيمية أمر له دلالته، فالرجل ليس من الصوفية، ولا من مؤرخيهم، ولكنه منصف ومقدر؛ لأن هؤلاء الصوفية في نظره مجتهدون في العبادات، كما اجتهد جيرانهم في الفقه والقضاء والإمارة، وهم في نظره أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده خشية لله أو حب له؛ إذ من المقرر أن الصوفية إنما أوردهم هذه الأحوال حب ومجاهدة ودوام ذكر أدى ببعضهم إلى سكر قال فيه –وهو في غياب عقل- ما يستشنع ظاهره شرعًا، لذا فهو يرى عذرهم ما داموا ليسوا متكلفين ذلك، وما دام المعروف عنهم تمسكهم بالشرع في حال صحوهم وجماع تاريخهم، بل إن ابن تيمية يقول: إذا شك الإنسان في حال أحدهم هل هو سكر طبيعي ومتكلف كان عليه أن يتوقف في الحكم فلأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، شريطة أن ينبه أن هذا الذي وقع لا يقتدي به إذ هو مخالف للشرع، وإن كان لصاحبه عذره.\rحالات الصحو واليقظة\rأما الحكم على الصوفية في حال يقظتهم فيكون من منطلق أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وأنه لا عصمة لأحد من البشر غير الأنبياء، وأشد الناس استحقاقًا لوصف الولاية يجوز عليهم الخطأ لا بل يجوز أن يخفى عليه علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى\".\rوعليه فإن الحكم على أقوالهم وأفعالهم يكون بعرضها على الكتاب والسنة فما وافق كان جديرًا بالتقدير والاقتداء، وما كان غير ذلك فيوصف بما وصفه الشرع به من خطأ أو ضلال أو نحو ذلك.","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"وقد كان الصوفية حريصين على جعل الكتاب والسنة مقياسًا يحكم به على أقدار الرجال ومدى التزامهم، بل جعل هذا المقياس هو الفيصل في قبول هذه الفئة لشخص ما أو رفضها له \"وهذا كثير من كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال الجنيد رحمه الله: علمنا هذا مقيد بالكتب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم عن علمنا أو قال لا يقتدي به.\rوقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم (وإن تطيعوه تهتدوا)، وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل\".\rوقد أورد أبو الفرج بن الجوزي أقوالاً كثيرة للشيوخ في هذا المعنى، ولم يشذ عن ذلك بعض من اتهموا بالشطح، فهذا أبو يزيد البسطامي يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود.\rويقول: من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع\".\rوهو نفس المعنى الذي يحكيه عن أبي الحسين النوري في قوله: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه، ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل، ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه في دينه\".\rوهذا هو الموافق للعقل إذ لا يقبل ممن يسندون مقاماتهم وأحوالهم إلى الكتاب والسنة أن يرضوا في صفوفهم بمن ينقض هذا الأصل، أو يقدس وليًا فيرفعه فوق مستوى الخطأ قابلاً منه كل ما جاء به، ملتمسًا للغريب من أقواله وأفعاله مسالك التأويل وطرق التسويغ، لا يعقل أن يقبل هذا من قوم أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صفة طريقهم، ومصدر مجاهداتهم.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"والذي يخرج عن هذا الخط الوسط، فيقدس الشيوخ ويصفها بما ليس في إمكانها أو من حقها غالط مقدار تجاوزه للمنهج الشرعي في تقدير الناس والحكم عليهم (نعرف الرجال بالحق لا نعرف الحق بالرجال)، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم). وقد وقع الغلط قديمًا وحديثًا؛ نظرًا لتجاوز المنهج الذي ألح على الالتزام به محققو المشايخ من الصوفية المسلمين.\rالفكر الصوفي والتنبيه إلى غلطات بعض الصوفية\rوينبغي أن يؤخذ في الاعتبار ونحن نقرأ التراث الصوفي حرص مؤرخي التصوف وهم صوفية في غالب الأحيان – على تنقية هذا الطريق من الدخلاء، والأدعياء، والتنبيه إلى أن هؤلاء ينبغي الحذر من اتباعهم فيما غلطوا فيه.\rويمكن أن يقال: إن هذا اللون من النقد – المسمى بالنقد الذاتي - هو مظهر مظاهر الحب للصفو والحرص على أن يتفادى نفور المجتمع منه، بل الحرص على أن يثبت موقعه في مجتمع عرف تيارات للفكر عديدة، بعضها فقهي، وبعضها كلامي، وما إلى ذلك، قد يقال هذا –وهو حق في مجمله- لأن الذين كتبوا في غلطات الصوفية، هم الذين مدحوا التصوف وأهله بأحسن صفات المدح والتقدير، لكنك مع ذلك لا بد أن تشهد لهؤلاء المادحين الراصدين للأغلاط بنقطة وعي منهجي حيث لم يمنعهم الحب من بيان وجه الخطأ لدى المخطئ، بل وإرجاع أسبابه الخطأ إلى جهل بالشرع، ونقص في العلم.\rولعل السراج الطوسي (ت 278 هـ) أبرز من كتب في هذا الباب حيث أفرد مساحة غير قليلة من كتابه (اللمع) وقد بين الأسس التي ينبني عليها طريق القوم، والذي لا يبني فهمه وعمله عليها ويدعي أنه من الصوفية فهو غالط مخدوع، والأسس ثلاثة:\rأولها: اجتناب جميع المحارم، كبيرها وصغيرها.\rثانيها: أداء جميع الفرائض، عسيرها ويسيرها.\rوالثالث: ترك الدنيا على أهل الدنيا قليلها وكثيرها إلا ما لا بد منه للمؤمن منها.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"ثم يقول: فكل من وعى حالاً من أحوال أهل الخصوص، أو توهم أنه سلك منازل أهل الصفوة، ولم يبن أساسه على هذه الثلاثة فإنه إلى الغط أقرب منه إلى الإصابة في جميع ما يشير إليه أو يدعيه أو يترسم برسمه، والعالم مقر، والجاهل مدع\".\rويفصل الشيخ القول في طبقات الغالطين جاعلهم ثلاثة: طبقة غلطت في الأصول لجهلهم بالأصول الشرعية، وطبقة غلطت في الفروع (يعني الآداب والأخلاق، والمقامات والأحوال) وهذا لقلة علمهم بالأصول. وطبقة ثالثة أخطأت هفوة وزلة إذا تنبهت إلى الخطأ عادت إلى طريق الصواب وسدوا الخلل ولموا الشعث، وفي تفصيل الشيخ لهذه الطبقات يتعرض لأصحاب النظريات أو بذورها على الأقل تلك التي يظهر فيها الأثر الأجنبي، فيفندها ويبين وجه الخطأ وسببه الحقيقي، كل ذلك بنقد موضوعي، وأدلة مقنعة.\rولم يكن الطوسي هو فارس هذا الميدان وحده، وإن كان واضع أساس هذا المنهج النقدي إذ بعده جاء أبو عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) فكتب رسالة مفردة في غلطات الصوفية كان جل ما فيها –باستثناء الفصل الذي رد فيه على القائلين بالحلول- صدى لما ذكره السراج، وتتابعت الكتابات، فكان ما ذكره القشيري في رسالته (ت 465 هـ) وما ذكره الهجويري (ت 465 هـ تقريبًا) في كشف المحجوب، وما ذكره الغزالي (ت 505 هـ) في كثير من كتبه، بل وسرت هذا الروح الناقدة إلى عصرنا فوجدنا بعض المحققين من مشايخ الطرق يؤكدون حرصهم على التزام الكتاب والسنة ويذكرون أن من يخالف هذا فتبرأ منه الصوفية كما يبرأ منه كل مسلم.\rأقول: بمنهجهم ينبغي أن نقرأ تراثهم لنحكم عليه ونفيد منه، مفرقين بين حالاتهم تلك التي يعذر فيها صاحبها، وتلك التي يحكم فيها الكتاب والسنة كما يحكمان في حياة كل مسلم، وبمنهجهم نمتدح الحق ونذم الباطل في ضوء المقاييس الشرعية المعلومة.\rوالله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rخاتمة","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"لقد ازداد يقيني – بعد محاولتي هذه- أن تراثنا بعامة يحتاج إلى جهد في ناحيتين اثنتين:\rالأولى: ناحية تكشيفه وفهرسته بشكل عام حتى يتسنى لنا معرفة ما فيه وبخاصة أن كثيرًا من علمائنا كانوا يكتبون بطريقة شمولية، فيتعرضون لمباحث داخل كتبهم لمناسبة ما، قد لا يدل عليها أو يسيء بها عنوان الكتاب ذاته.\rالثانية: ناحية قراءته قراءة منهجية تبتعد عن الحكم السابق مدحًا نتيجة مذهبية أو انبهارا أو ملاحظة وقدحًا نتيجة لسبب أو لآخر من الأسباب غير الموضوعية، وتقصد إلى التعرف الحق على مكنون هذا التراث مقدرة أننا وأصحابه أبناء حضارة واحدة، بيننا قواسم مشتركة، ومن الممكن أن يكون بيننا بعض الاختلاف الدائر في ساحة الاجتهاد، والمستند إلى ظروف العصر ومستجدات الحياة وهو ما يسمح به سمت وخصائص التفكير الحر في الإسلام.\rوعلينا ونحن نقرأ تراثنا أن نقدر الفرق بين نص استمد قداسته من الوحي والعصمة، وفكر يجوز عليه الصواب والخطأ لأنه جهد بشري محكوم بقوانين الحياة البشرية في قابليتها للتغير والتعديل والاستدراك.\rوالتراث الصوفي باعتباره جزءًا من تراث حضارتنا يتحتم فيه هذا وأكثر لأنه إلى جانب ما ذكرنا قد ظلم التصوف، وأصيبت كثير من الأحكام المتعلقة به بالتعميم أو الغموض، الأمر الذي يحبذ القراءة المنهجية كي نصل إلى تحديد ووضوح، فلا نلقي بالأحكام جزافًا، ولا نتهم لأدنى ملابسة.\rوأشير هنا فقط إلى الحلاج (309هـ) وما قيل حول مقتله، والرأي فيه بعامة بين التطرف – في الأعم الأغلب- والاعتزال لدى قلة من الباحثين والعلماء.","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"وقد ترجح كفة الاعتدال وإنصاف الرجل إذا درست المسألة دراسة موضوعية هادئة في ضوء ما قد يكون غير مشهور عند الباحثين من نصوص تنسب إليه، فمثلاً ينسب السلمي إليه عبارة هي \"ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به\" ويعلق شيخنا التفتازاني بقوله: وهذا قد يعني عنده أن الإنسان الذي خلقه الله على صورته هو موضع التجلي الإلهي، فهو متصل به غير منفصل عنه بهذا المعنى، ولكن تجلي الله للعبد، أو ظهوره فيه من حيث صورته فيه ليس يعني اتصالاً بالبشرية حقيقيًا، والحلاج هنا يشعرنا صراحة بالفرق بين العبد والرب، فليس قوله بالحلول إذن حقيقيًا\".\rوالسلمي ذاته في رسالته التي ألفها في غلطات الصوفية يذكر –وهو بصدد الحديث عن الرد على القائلين بالحلول- نصوصًا لشيوخ ينفون القول بالحلول، ويذكر للحلاج قولاً في نفي الحلول \"الحق تعالى أوجد الهياكل على رسم العلل، منوطة بالآفات، فانية في الحقيقة، وإنما الأرواح فيها إلى أجل معدود، وقهرها بالموت، وربطها في وقت إتمامها بالعجز، وصفاته –تعالى- بائنة عن هذه الأوصاف من كل الوجوه، فكيف يجوز أن يظهر الحق فيما أوجده بهذا النقص والعلة؟ وثبت أن الحق –سبحانه وتعالى- ألزم في كتابه وصف العبودية للخلق أجمع، فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقال: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا) فكيف يجوز أن يحل فيما ألزمه وصف النقص؟ وهو العبودية فيكون مستعبدًا معبودًا\".\rقلت وصحيح أن الهجويري قد ذكر أن هناك شخصين باسم الحلاج: أحدهما الحسين بن منصور الحلاج بغدادي ملحد، والآخر الحسين بن منصور الحلاج، فارسي، لم يطعن العلماء في دينه، أقول مع وجود تفسير أو مخرج كهذا فإن الأمر لا يزال غامضًا، وربما كشفت الغموض قراءة جديدة لكل ما يتصل بالحلاج في ضوء التحقيق العلمي للنصوص والروايات.","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"وأشير كذلك إلى ما قد يترتب على القراءة العجلى أو سرعة الاتهام من تناقض عجيب ربما يكون في الاتجاه الواحد أو بين الشيخ والتلاميذ، فقد نقل أحد الباحثين عبارات للجنيد، وقال معلقًا: إنه كان يقول بالاتحاد\"، كما ورد عن الجنيد عبارات قد تشير إلى أنه كان يقول بالاتحاد، فيروي عنه قوله: فقدت يومًا قلبي، فقلت يا إلهي رد علي قلبي، فسمعت مناديًا يقول: يا جنيد نحن سلبناك القلب لكي تكون معنا، أتريد أن تبقى مع غيرنا؟ هنيئًا لذلك الشخص الذي نال الحضور ولو ساعة واحدة طيلة عمره.\rالتصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به.\rمن يقول \"الله\" دون أن يراه فهو كذاب.\rوتكلم في المعرفة فقال \"من زعم معرفة الوجود جهل عند حصول العلم، فقالوا أضف أنت. فقال: إنه هو العارف والمعروف.\rما دمت تقول الله، وتقول عبد، فهذا شرك لأن العارف والمعروف واحد، كما قالوا ليس في الحقيقة إلا هو، هاهنا الله فأين العبد، أي أن الكل هو الله\".\rولن أتعرض لهذا الحكم (أعني قول الجنيد بالاتحاد) ولا للنصوص التي اعتمد عليها هذا الباحث بالمناقشة أو التفنيد، ولكني فقط أذكر أن هذا الباحث ناقض شيخ الإسلام ابن تيمية في حكمه هذا، حيث ذكر ابن تيمية أن ابن عربي الذي يقول بالاتحاد لم يعجبه رأي الجنيد في التوحيد \"فإن الجنيد – قدس الله روحه- كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد، فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم، فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق\".\rوهنا نقول يغلب على الظن أن حكم شيخ الإسلام أوثق لأن عباراته صريحة في أن الجنيد لا يقول بالاتحاد، وأما العبارات التي نقلها الباحث سالفًا فهي غير صريحة في الحكم بالقول بالاتحاد، إذ بالروايات توهين لعدم ذكر السند، كما أنه يمكن تأويلها دون كبير عناء.","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"والذي يعنيني هنا أن أؤكد أن دلالة هذه الإشارة إلى جانب دلالة الإشارة السابقة تؤكدان ما أنا متيقن منه من الحاجة العلمية والاجتماعية إلى قراءة التراث الصوفي بمنهج جديد أشرنا في هذا البحث إلى أبرز ملامحه.","part":1,"page":34}],"titles":[{"id":1,"title":"نحو قراءة منهجية للتراث الصوفي","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"مدخل - التصوف بين الصيت والرؤية العلمية:","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"ضوابط منهجية لقراءة التصوف الإسلامي","lvl":1,"sub":0}]}