{"pages":[{"id":1,"text":"باب في فضل الشعر\rالعرب أفضل الأمم، وحكمتها أشرف الحكم؛ لفضل اللسان على اليد، والبعد عن امتهان الجسد؛ إذ خروج الحكمة عن الذات، بمشاركة الآلات؛ إذ لا بد للإنسان من أن يكون تولى ذلك بنفسه، أو احتاج فيه إلى آلة أو معين من جنسه.\rوكلام العرب نوعان: منظوم، ومنثور. ولكل منهما ثلاث طبقات: جيدة، ومتوسطة، ورديئة، فإذا اتفق الطبقتان في القدر، وتساوتا في القيمة، ولم يكن لإحداهما فضل على الأخرى كان الحكم للشعر ظاهراً في التسمية؛ لأن كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة، ألا ترى أن الدر وهو أخو اللفظ ونسيبه، وإليه يقاس، وبه يشبه إذا كان منثوراً لم يؤمن عليه، ولم ينتفع به في الباب الذي له كسب، ومن أجله انتخب؛ وإن كان أعلى قدراً وأغلى ثمناً، فإذا نظم كان أصون له من الابتذال، وأظهر لحسنه مع كثرة الاستعمال، وكذلك اللفظ إذا كان منثوراً تبدد في الأسماع، وتدحرج عن الطباع، ولم تستقر منه إلا المفرطة في اللفظ وإن كانت أجمله، والواحدة من الألف، وعسى أن لا تكون أفضله، فإن كانت هي اليتيمة المعروفة، والفريدة الموصوفة؛ فكم في سقط الشعر من أمثالها ونظرائها لا يعبأ به، ولا ينظر إليه، فإذا أخذه سلك الوزن، وعقد القافية؛ تألفت أشتاته، وازدوجت فرائده وبناته، واتخذ اللابس جمالاً، والمدخر مالاً فصار قرطة الآذان، وقلائد الأعناق، وأماني النفوس، وأكاليل الرءوس، يقلب بالألسن، ويخبأ في القلوب، مصوناً باللب، ممنوعاً من السرقة والغضب.\rوقد اجتمع الناس على أن المنثور في كلامهم أكثر، وأقل جيداً محفوظاً، وأن الشعر أقل، وأكثر جيداً محفوظاً؛ لأن في أدناه من زينة الوزن والقافية ما يقارب به جيد المنثور.\rوكان الكلام كله منثوراً فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأمجاد، وسمحائها الأجواد؛ لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعراً؛ لأنهم شعروا به، أي: فطنوا.\rوقيل: ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون؛ فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره.\rولعل بعض الكتاب المنتصرين للنثر، الطاعنين على الشعر، يحتج بأن القرآن كلام الله تعالى منثور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم غير شاعر؛ لقول الله تعالى: \" وما علمناه الشعر، وما ينبغي له \" ويرى أنه قد أبلغ في الحجة، وبلغ في الحاجة، والذي عليه في ذلك أكثر مما له؛ لأن الله تعالى إنما بعث رسوله أمياً غير شاعر إلى قوم يعلمون منه حقيقة ذلك، حين استوت الفصاحة، واشتهرت البلاغة؛ آية للنبوة، وحجة على الخلق، وإعجازاً للمتعاطين، وجعله منثوراً ليكون أظهر برهاناً لفضله على الشعر الذي من عادة صاحبه أن يكون قادراً على ما يحبه من الكلام، وتحدى جميع الناس من شاعر وغيره بعمل مثله فأعجزهم ذلك، كما قال الله تعالى: \" قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا \" فكما أن القرآن أعجز الشعراء وليس بشعر، كذلك أعجز الخطباء وليس بخطبة، والمترسلين وليس بترسل، وإعجازه الشعراء أشد برهاناً، ألا ترى كيف نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعر لما غلبوا وتبين عجزهم؟ فقالوا: هو شاعر، لما في قلوبهم من هيبة الشعر وفخامته، وأنه يقع منه ما لا يلحق، والمنثور ليس كذلك، فمن ههنا قال الله تبارك وتعالى: \" وما علمناه الشعر، وما ينبغي له \" أي: لتقوم عليكم الحجة، ويصح قبلكم الدليل، ويشهد لذلك رواية يونس عن الزهري أنه قال: معناه ما الذي علمناه شعراً، وما ينبغي له أن يبلغ عنا شعراً.\rوقال غيره: أراد وما ينبغي له أن يبلغ عنا ما لم نعلمه، أي: ليس هو ممن يفعل ذلك؛ لأمانته ومشهور صدقه. ولو أن كون النبي صلى الله عليه وسلم غير شاعر غض من الشعر لكانت أميته غضاً من الكتابة، وهذا أظهر من أن يخفي على أحد.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"واحتج بعضهم بأن الشعراء أبداً يخدمون الكتاب، ولا تجد كاتباً يخدم شاعراً، وقد عميت عليهم الأنباء، وإنما ذلك لأن الشاعر واثق بنفسه. مدل بما عنده على الكاتب والملك؛ فهو يطلب ما في أيديهما ويأخذه، والكاتب بأي آية يفضل الشاعر فيرجو ما في يده؟ وإنما صناعته فضلة عن صناعته، على أن يكون كاتب بلاغة، فأما كاتب الخدمة في القانون وما شاكله فصانع مستأجر، مع أنه قد كان لأبي تمام والبحتري قهارمة وكتاب، وكان من عميان الشعراء كتاب أزمة كبشار وأبي علي البصير، وكان ابن الرومي من أكبر كتاب الدواوين، فغلب عليه الشعر؛ لأنه غلاب. وكما تجد من يمدح السوقة في الشعراء فكذلك تجد للسوقة كتاباً، وللتجار الباعة، في زمننا هذا وقبله.\rولما أهجم بهذا الرد، وأورد هذه الحجة، لولا أن السيد أبقاه الله قد جمع النوعين، وحاز الفضيلتين، فهما نقطتان من بحره، ونوارتان من زهره، وسيرد في أضعاف هذا الكتاب من أشعاره ما يكون دليلاً على صدق ما قلته، إن شاء الله تعالى.\rومن فضل الشعر أن الشاعر يخاطب الملك باسمه، وينسبه إلى أمه، ويخاطبه بالكاف كما يخاطب أقل السوقة؛ فلا ينكر ذلك عليه، بل يراه أوكد في المدح، وأعظم اشتهاراً للممدوح، كل ذلك حرص على الشعر، ورغبة فيه، ولبقائه على مر الدهور واختلاف العصور، والكاتب لا يفعل ذلك إلا أن يفعله منظوماً غير منثور، وهذه مزية ظاهرة وفضل بين.\rومن فضائله أن الكذب الذي اجتمع الناس على قبحه حسن فيه، وحسبك ما حسن الكذب، واغتفر له قبحه، فقد أوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن زهير لما أرسل إلى أخيه بجير ينهاه عن الإسلام، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بما أحفظه، فأرسل إليه أخوه \" ويحك إن النبي صلى الله عليه وسلم أوعدك لما بلغه عنك، وقد كان أوعد رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه فقتلهم يعني ابن خطل وابن حبابة وإن من بقيء من شعراء قريش كابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لا يقتل من جاء تائباً، وإلا فانج إلى نجائك، فإنه والله قاتلك، فضاقت به الأرض، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متنكراً، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وضع كعب يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد أتى مستأمناً تائباً، أفتؤمنه فآتيك به؟ قال: هو آمن، فحسر كعب عن وجهه وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله هذا مكان العائذ بك، أنا كعب بن زهير، فأمنه رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنشد كعب قصيدته التي أولها:\rبانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول\rيقول فيها بعد تغزله وذكر شدة خوفه ووجله:\rأنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول\rمهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيه مواعيظ وتفصيل\rلا تأخذني بأقوال الوشاة فلم ... أذنب، ولو كثرت في الأقاويل\rفلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله، وما كان ليوعده على باطل، بل تجاوز عنه ووهب له بردته، فاشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم. وقال العتبي بعشرين ألفاً، وهي التي يتوارثها الخلفاء يلبسونها في الجمع والأعياد تبركاً بها.\rوذكر جماعة منهم عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي الشاعر أنه أعطاه مع البردة مائة من الإبل، قال: وقال الأحوص يذكر عمر بن عبد العزيز عطية رسول الله صلى الله عليه وسلم كعباً، وقد توقف في عطاء الشعراء:\rوقبلك ما أعطى هنيدة جلة ... على الشعر كعباً من سديس وبازل\rرسول الإله المستضاء بنوره ... عليه السلام بالضحى والأصائل\rواعتذر حسان بن ثابت من قوله في الإفك بقوله لعائشة رضي الله عنها في أبيات مدحها بها:\rحصان رزان ما تزن بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\rيقول فيها:\rفإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي\rثم يقول:\rفإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"فاعتذر كما تراه مغالطاً في شيء نفذ فيه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحد، وزعم أن ذلك قول امرئ ماحل، أي: مكايد، فلم يعاقب لما يرون من استخفاف كذب الشاعر، وأنه يحتج به ولا يحتج عليه.\rوسئل أحد المتقدمين عن الشعراء فقال: ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم، والكذب مذموم إلا فيهم.\rحكى أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين النيسابوري أن كعب الأحبار قال له عمر بن الخطاب وقد ذكر الشعر: يا كعب، هل تجد للشعراء ذكراً في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوماً من ولد إسماعيل، أناجيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة، ويضربون الأمثال، لا نعلمهم إلا العرب.\rوقيل: ليس لأحد من الناس أن يطري نفسه ويمدحها، في غير منافرة، إلا أن يكون شاعراً، فإن ذلك جائز له في الشعر، غير معيب عليه.\rوقال بعضهم وأظنه أبا العباس الناشئ العلم عند الفلاسفة ثلاث طبقات: أعلى، وهو ما غاب عن الحواس فأدرك بالعقل أو القياس، وأوسط، وهو علم الآداب النفيسة التي أظهرها العقل من الأشياء الطبيعية كالأعداد والمساحات وصناعة التنجيم وصناعة اللحون، وأسفل، وهو العلم بالأشياء الجزئية والأشخاص الجسيمة، فوجب إذا كانت العلوم أفضلها ما لم تشارك فيه الجسوم أن يكون أفضل الصناعات ما لم تشارك فيه الآلات، وإذا كانت اللحون عند الفلاسفة أعظم أركان العمل الذي هو أحد قسمي الفلسفة وجدنا الشعر أقدم من لحنه لا محالة، فكان أعظم من الذي هو أعظم أركان الفلسفة، والفلسفة عندهم علم وعمل. هذا معنى الكلام المنقول عنه مختصراً وليس نصاً.\rفإن قيل في الشعر: إنه سبب التكفف، وأخذ الأعراض، وما أشبه ذلك؛ لم يلحقه من ذلك إلا ما يلحق المنثور.\rومن فضائله أن اليونانيين إنما كانت أشعارهم تقييد العلوم والأشياء النفيسة والطبيعية التي يخشى ذهابها، فكيف ظنك بالعرب الذي هو فخرها العظيم وقسطاسها المستقيم؟ وزعم صاحب الموسيقى أن ألذ الملاذ كلها اللحن، ونحن نعلم أن الأوزان قواعد الألحان، والأشعار معايير الأوتار لا محالة، مع أن صنعة صاحب الألحان واضعة من قدره، مستخدمة له، نازلة به، مسقطة لمروءته، ورتبة الشاعر لا مهانة فيها عليه، بل تكسبه مهابة العلم، وتكسوه جلالة الحكمة.\rفأما قيامه وجلوس اللحون فلأن هذا متشوف إليه، يحب إسماع من بحضرته أجمعين، بغير آلة ولا معين، و لا يمكنه ذلك إلا قائماً أو مشرفاً، وليدل على نفسه، ويعلم أنه المتكلم دون غيره، وكذلك الخطيب، وصاحب اللحون لا يمكنه القيام لما في حجره كرامة منه على القوم، على أن منهم من كان يقوم بالدف والمزهر.\rوقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إن من البيان لسحراً وإن من الشعر لحكماً \" وقيل \" لحكمة \" : فقرن البيان بالسحر فصاحة منه صلى الله عليه وسلم، وجعل من الشعر حكماً؛ لأن السحر يخيل للإنسان ما لم يكن للطافته وحيلة صاحبه وكذلك البيان يتصور فيه الحق بصورة الباطل، والباطل بصورة الحق؛ لرقة معناه، ولطف موقعه، وأبلغ البيانين عند العلماء الشعر بلا مدافعة، وقال رؤبة:\rلقد خشيت أن تكون ساحراً ... راوية مراً ومراً شاعراً\rفقرن الشعر أيضاً بالسحر لتلك العلة، ويروي أيضاً لقد حسنت بسين مضمومة غير معجمة، ونون، والتاء مفتوحة.\rباب في الرد علي من يكره الشعر\rروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه \" ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: \" إنما الشعر كلام، فمن الكلام خبيث وطيب \" ، وقالت عائشة رضي الله عنها: الشعر فيه كلام حسن وقبيح، فخذ الحسن واترك القبيح، ويروي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان بن ثابت في المسجد منبراً ينشد عليه الشعر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أعلم منه، وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه: الشعر ميزان القول، ورواه بعضهم: الشعر ميزان القوم.\rوروى ابن عائشة يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله علية وسلم: \" الشعر كلام من كلام العرب جزل، تتكلم به في بواديها، وتسل به الضغائن من بينها \" وأنشد ابن عائشة قول أعشى بني قيس بن ثعلبة:","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"قلدتك الشعر يا سلامة ذا ... فايش، والشيء حيث ما جعلا\rوالشعر يستنزل الكريم كما ... ينزل رعد السحابة السبلا\rويروى عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: مر الزبير بن العوام رضي الله عنه بمجلس لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحسان ينشدهم، وهم غير آذنين لما يسمعون من شعره، فقال: مالي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة؟ لقد كان ينشد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن استماعه، ويجزل عليه ثوابه، ولا يشتغل عنه إذا أنشده.\rويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أرغاء كرغاء البكر؟ فقال حسان: دعني عنك يا عمر، فوالله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فما يغير علي ذلك، فقال عمر: صدقت.\rوكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: مر من قبلك بتعلم الشعر؛ فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب.\rوقال معاوية رحمه الله: يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب وقال: اجعلوا الشعر أكبر همكم، وأكثر دأبكم، فلقد رأيتني ليلة الهرير بصفين وقد أتيت بفرس أغر محجل بعيد البطن من الأرض، وأنا أريد الهرب لشدة البلوى فما حملني على الإقامة إلا أبيات عمرو بن الإطنابة:\rأبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح\rوإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح\rوقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي\rلأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح\rويروى أن أعرابياً وقف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن لي إليك حاجة رفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله تعالى وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله تعالى وعذرتك، فقال له علي: خط حاجتك في الأرض، فإني أرى الضر عليك، فكتب الأعرابي على الأرض إني فقير فقال له علي: يا قنبر؛ ادفع إليه حلتي الفلانية، فلما أخذها مثل بين يديه فقال:\rكسوتني حلة تبلى محاسنها ... فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا\rإن الثناء ليحيي ذكر صاحبه ... كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا\rلا تزهد الدهر في عرف بدأت به ... فكل عبد سيجزى بالذي فعلا\rفقال علي: يا قنبر، أعطه خمسين ديناراً، أما الحلة فلمسألتك، وأما الدنانير فلأدبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" أنزلوا الناس منازلهم \" وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوماً بالعراق يكرهون الشعر، فقال: نسكوا نسكاً أعجمياً.\rوقال ابن سيرين: الشعر كلام عقد بالقوافي، فما حسن في الكلام حسن في الشعر، وكذلك ما قبح منه.\rوسئل في المسجد عن رواية الشعر في شهر رمضان وقد قال قوم: إنها تنقض الوضوء فقال:\rنبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول\rثم قام فأم الناس، وقيل: بل أنشد:\rلقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً ... ولو رضيت رمح أسته لاستقرت\rوقال الزبير بن بكار: سمعت العمري يقول: رووا أولادكم الشعر؛ فإنه يحل عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق الجميل.\rوسئل ابن عباس: هل الشعر من رفث القول؟ فأنشد:\rوهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا\rوقال: إنما الرفث عند النساء، ثم أحرم للصلاة.\rوكان ابن عباس يقول: إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب؛ فإن الشعر ديوان العرب. وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعراً.\rوكانت عائشة رضي الله عنها كثيرة الرواية للشعر. يقال: إنها كانت تروي جميع شعر لبيد.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين \" .\rوكان أبو السائب المخزومي على شرفه، وجلالته، وفضله في الدين والعلم يقول: أما والله لو كان الشعر محرماً لوردنا الرحبة كل يوم مراراً. والرحبة: الموضع الذي تقام فيه الحدود، يريد أنه لا يستطيع الصبر عنه فيحد في كل يوم مراراً ولا يتركه.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"فأما احتجاج من لا يفهم وجه الكلام بقوله تعالى: \" والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون \" فهو غلط، وسوه تأول؛ لأن المقصودين بهذا النص شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء، ومسوه بالأذى، فأما من سواهم من المؤمنين فغير داخل في شيء من ذلك، ألا تسمع كيف استثناهم الله عز وجل ونبه عليهم فقال: \" إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا \" يريد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. وقد قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: \" هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل \" ، وقال لحسان بن ثابت \" اهجهم يعني قريشاً فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس، وألق أبا بكر يعلمك تلك الهنات \" فلو أن الشعر حرام أو مكروه ما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم شعراء يثيبهم على الشعر، ويأمرهم بعمله، ويسمعه منهم.\rوأما قوله عليه الصلاة والسلام: \" لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً \" فإنما هو من غلب الشعر على قلبه، وملك نفسه حتى شغله عن دينه وإقامة فروضه، ومنعه من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، والشعر غيره مما جرى هذه المجرى من شطرنج وغيره سواء. وأما غير ذلك ممن يتخذ الشعر أدباً وفكاهة وإقامة مروءة فلا جناح عليه وقد قال الشعر كثير من الخلفاء الراشدين، والجلة من الصحابة والتابعين، والفقهاء المشهورين، وسأذكر من ذلك طرفاً يقتدي به في هذا الباب، إن شاء الله تعالى.\rباب في أشعار الخلفاء والقضاة والفقهاء\rمن ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالوا: واسمه عبد الله ابن عثمان، ويقال: عتيق لقب له قال في غزوة عبيدة بن الحارث، رواه ابن إسحاق وغيره:\rأمن طيف سلمى الدمائث ... أرقت، أوامر في العشيرة حادث؟؟\rترى من لؤي فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث\rرسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه، وقالوا: لست فينا بماكث\rإذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروا هرير المجحرات اللواهث\rفكم قد متتنا فيهم بقرابة ... وترك التقى شيء لهم غير كارث\rفإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم ... فما طيبات الحل مثل الخبائث\rوإن يركبوا طغيانهم وضلالهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث\rونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها في الفروع الأثائث\rفأولى برب الراقصات عشية ... حراجيج تخدى في السريح الرثائث\rكأدم ظباء حول مكة عكف ... يردن حياض البئر ذات النبائث\rلئن لم يفيقوا عاجلاً من ضلالهم ... ولست إذا آليت قولا بحانث\rلتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرم أطهار النساء الطوامث\rتغادر قتلى تعصب الطير حولهم ... ولا يرأف الكفار رأف ابن حارث\rفأبلغ بني سهم لديك رسالة ... وكل كفور يبتغي الشر باحث\rفإن شعثوا عرضي على سوء رأيهم ... فإني من أعراضهم غير شاعث\rومن شعر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة ويروى للأعور الشني:\rهون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها\rفليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها\rومن شعره أيضاً وقد لبس برداً جديداً فنظر الناس إليه وقد روى لورقة بن نوفل في أبيات:\rولا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد\rلم تغن عن هرمز يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا\rولا سليمان؛ إذ تجرى الرياح له ... والجن والإنس فيما بينها ترد\rحوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوماً كما وردوا\rومن شعره أيضاً رضي الله عنه:","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"توعدني كعب ثلاثاً يعدها ... ولا شك أن القول ما قال لي كعب\rوما بي خوف الموت؛ إني لميت ... ولكن خوف الذنب يتبعه الذنب\rومن شعر عثمان بن عفان رضي الله عنه:\rغنى النفس يغني النفس حتى يكفها ... وإن عضها حتى يضر بها الفقر\rوما عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بكائنة إلا سيتبعها يسر\rومن شعر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان مجوداً ما قاله يوم صفين يذكر همدان ونصرهم إياه:\rولما رأيت الخيل ترجم بالقنا ... نواصيها حمر النحور دوامي\rوأعرض نقع في السماء كأنه ... عجاجة دجن ملبس بقتام\rونادى ابن هند في الكلاع وحمير ... وكندة في لخم وحي جذام\rتيممت همدان الذين هم هم ... إذا ناب دهر جنتي وسهامي\rفجاوبني من خيل همدان عصبة ... فوارس من همدان غير لئام\rفخاضوا لظاها واستطاروا شرارها ... وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام\rفلو كنت بواباً على باب جنة ... لقلت لهمدان: ادخلوا بسلام\rوهو القائل بصفين أيضاً:\rلمن راية حمراء يخفق ظلها ... إذا قلت قدمها حضين تقدما\rفيوردها في الصف حتى يرد بها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما\rفهؤلاء الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم: ما منهم إلا من قال الشعر، وخامسهم الحسن بن علي رحمه الله، وهو القائل وقد خرج على أصحابه مختضباً رواه المبرد:\rنسود أعلاها، وتأبى أصولها، ... فليت الذي يسود منها هو الأصل\rومن شعر معاوية بن أبي سفيان رحمة الله عليه ما رواه ابن الكلبي عن عبد الرحمن المدني، قال: لما حضرت معاوية الوفاة جعل يقول:\rإن تناقش يكن نقاشك يار ... ب عذاباً، لا طوق لي بالعذاب\rأو تجاوز فأنت رب رءوف ... عن مسيء ذنوبه كالتراب\rوروى في غير موضع واحد:\rفقدت سفاهتي، وأزحت غيي ... وفي على تحلمي اعتراض\rعلى أني أجيب إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحدق المراض\rومن قوله ايضاً، وهو لائق به، دال على صحة ناقله:\rإذا لم أجد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم! ؟\rخذيها هنيئاً واذكري فعل ماجد ... حباك على حرب العداوة بالسلم\rوأما يزيد بن معاوية فمن بعده فكثير شعرهم مشهور.\rومن شعر الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقد عاتبه أخوه الحسن رحمه الله في امرأته:\rلعمرك إنني لأحب داراً ... تحل بها سكينة والرباب\rأخبهما وأبذل جل مالي ... وليس للائمي عندي عتاب\rوليس من بني عبد المطلب رجالاً ونساء من لم يقل الشعر، حاشا النبي صلى الله عليه وسلم: فمن ذلك قول حمزة بن عبد المطلب رحمه الله يذكر لقاءه أبا جهل وأصحابه في قصيده تركت أكثرها اختصاراً:\rعشية صاروا جاشدين وكلنا ... مراجله من غيظ أصحابه تغلي\rفلما تراءينا أناخوا فعقلوا ... مطايا وعقلنا مدى غرض النبل\rوقلنا لهم: حبل الإله نصيرنا ... وما لكم إلا الضلالة من حبل\rفثار أبو جهل هنالك باغياً ... فخاب، ورد الله كيد أبي جهل\rوما نحن إلا في ثلاثين راكباً ... وهم مائتان بعد واحدة فضل\rوأما العباس فكان شاعراً مغلقاً حسن التهدي: من ذلك قوله رحمه الله يوم حنين يفتخر بثبوته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rألا هل أتى عرسي مكري وموقفي ... بوادي حنين والأسنة تشرع\rوقولي إذا ما النفس جاشت لها قدى ... وهام تدهدى والسواعد تقطع\rوكيف رددت الخيل وهي مغيرة ... بزوراء تعطى باليدين وتمنع\rنصرنا رسول الله في الحرب سبعة ... وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا\rومن شعر عبد الله بن عباس رضي الله عنه:\rإذا طارقات الهم ضاجعت الفتى ... وأعمل فكر الليل والليل عاكر","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وباكرني في حاجة لم يجد بها ... سواي ولا من نكبة الدهر ناصر\rفرجت بمالي همه من مقامه ... وزايله هم طروق مسامر\rوكان له فضل علي بظنه ... بي الخير؛ إني للذي ظن شاكر\rومن شعر جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين رضي الله عنه قوله يوم مؤتة وفيه قتل رحمة الله عليه:\rيا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها\rوالروم روم قد دنا عذابها ... علي إذا لاقيتها ضرابها\rوشعر أبي سفيان بن الحارث مشهور في الجاهلية والإسلام. فأما أبو طالب ومن شاكله فلم أذكر لهم شيئاً، خلا بيتين لعبد الله بن عبد المطلب أنشدهما القاضي أبو الفضل، وهما:\rوأحور مخضوب البنان محجب ... دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها\rبخلت بنفسي عن مقام يشينها ... فلست مريداً ذاك طوعاً ولا كرهاً\rوكانت فاطمة رضي الله عنها تقول الشعر، رويت لها أشياء كثيرة.\rثم نرجع إلى الخلفاء المرضيين: قال عمر بن عبد العزيز، رواه الأوزاعي عن محمد بن كعب:\rأيقظان أنت اليوم أم أنت حالم؟ ... وكيف يطيق النوم حيران هائم؟\rفلو كنت يقظان الغداة لحرقت ... جفونا لعينيك الدموع السواجم\rنهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم، والردى لك لازم\rوتشغل فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم\rومما أثبته حماد الرواية من شعره:\rإنه الفؤاد عن الصبا ... وعن انقيادك للهوى\rفلعمر ربك إن في ... شيب المفارق والجلا\rلك واعظاً لو كنت تت ... عظ اتعاظ ذوي النهى\rحتى متى لا ترعوي؟ ... وإلى متى؟ وإلى متى؟\rبلى الشباب وأنت إن ... عمرت رهن للبلى\rوكفى بذلك زاجراً ... للمرء عن غي، كفى\rومن شعره أيضاً أنشده ابن داود القياسي في كتابه:\rولولا النهى ثم التقى خشية الردى ... لعاصيت في حب الصبا كل زاجر\rصبا ما صبا فيما مضى ثم لا ترى ... له صبوة أخرى الليالي الغوابر\rومن قول عبد الله بن الزبير قوله وقد ولي الحرمين مدة، ودعي بأمير المؤمنين ما شاء الله حتى قتل، رحمة الله عليه وقد روي لعبد الله بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء :\rلا أحسب الشر جاراً لا يفارقني ... ولا أحز على ما فاتني الودجا\rوما لقيت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا\rومن قوله المشهور عنه:\rوكم من عدو قد أراد مساءتي ... بغيب، ولو لاقيته لتندما\rكثير الخنا حتى إذا ما لقيته ... أصر على إثم وإن كان أقسما\rوحسبك من القضاة شريح بن الحارث: كان شاعراً مجوداً، وقد استقضاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كتب إلى مؤدب ولده وقد وجده وقت الصلاة يلعب بجرو كلب، وأودع الأبيات رقعة وأنفذها مع ولده مختومة إلى المؤدب :\rترك الصلاة لأكلب يسعى بها ... طلب الهراش مع الغواة الرجس\rفليأتينك غدوة بصحيفة ... كتبت له كصحيفة المتلمس\rفإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا بلغت به ثلاثاً فاحبس\rواعلم بأنك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرعني أعز الأنفس\rفهذا شريح، وهلم جرا إلى حيث شئت، ومن الفقهاء عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال في امرأة من هذيل قدمت المدينة ففتن بها الناس ورغبوا فيها خاطبين:\rأحبك حباً لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد\rوحبك يا أم الوليد مولهي ... شهيدي أبو بكر فنعم شهيد\rويعلم وجدي قاسم بن محمد ... وعروة ما أخفي بكم وسعيد\rويعلم ما ألقى سليمان علمه ... وخارجة يبدي بنا ويعيد\rمتى تسألي عما أقول تخبري ... فلله عندي طارف وتليد","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"هؤلاء الستة الذين ذكرهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله صاحب هذا الشعر هو سابعهم، وهم فقهاء المدينة، وأصحاب الرأي الذين هم عليهم المدار.\rوقد كان جماعة من أصحاب مالك بن أنس يرون الغناء بغير آلة جائزاً، وهو مذهب جماعة من أهل مكة والمدينة، والغناء حلة الشعر إن لم يلبسها طويت، ومحال أن يحرم الشعر من يحل الغناء به.\rوأما محمد بن إدريس الشافعي فكان من أحسن الناس افتناناً في الشعر، وهو القائل:\rومتعب العيس مرتاحاً إلى بلد ... والموت يطلبه في ذلك البلد\rوضاحك والمنايا فوق مفرقه ... لو كان يعلم غيباً مات من كمد\rمن كان لم يؤت علماً في بقاء غد ... ماذا تفكره في رزق بعد غد\rومن قوله أيضاً في غير هذا المعنى:\rالجد يدني كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق\rفإذا سمعت بأن مجدوداً حوى ... عوداً فأورق في يديه فصدق\rوإذا سمعت بأن محروماً أتى ... ماء ليشربه فجف فحقق\rوأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة يبلى برزق ضيق\rولربما عرضت لنفسي فكرة ... فأود منها أنني لم أخلق\rوهذا باب لو تقصيته لاحتمل كتاباً مفرداً ولكني طبقت المفصل، وذكرت بعض المشاهير من الناس.\rباب من رفعه الشعر، ومن وضعه\rإنما قيل في الشعر \" إنه يرفع من قدر الوضيع الجاهل، مثل ما يضع من قدر الشريف الكامل، وإنه أسنى مروءة الدني، وأدنى مروءة السرى \" لأمر ظاهر غاب عن بعض الناس فتأوله أشد التأويل، وظنه مثلبة وهو منقبة، وذلك أن الشعر لجلالته يرفع من قدر الخامل إذا مدح به، مثل ما يضع من قدر الشريف إذا اتخذه مكسباً، كالذي يؤثر من سقوط النابغة الذبياني بامتداحه النعمان بن المنذر، وتكسبه عنده بالشعر، وقد كان أشرف بني ذبيان، هذا، وإنما امتدح قاهر العرب، وصاحب البؤس والنعيم.. وكاشتهار عرابة الأوسي بشعر الشماخ بن ضرار، وقد بذل له في سنة شديدة وسق بعير تمراً، فقال:\rرأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين\rإذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين\rحتى صار ذلك مثلاً سائراً، وأثراً باقياً، لا تبلى جدته، ولا تتغير بهجته، وقدح ذلك في مروءة الشماخ، وحط من قدره؛ لسقوط همته عن درجة مثله من أهل البيوتات وذوي الأقدار.\rفأما من صنع الشعر فصاحة ولسنا، وافتخاراً بنفسه وحسبه، وتخليداً لمآثر قومه، ولم يصنعه رغبة ولا رهبة، ولا مدحاً ولا هجاء، كما قال واحد دهرنا وسيد كتاب عصرنا أبو الحسن أحسن الله إليه وإلينا فيه:\rوجدت طريق البأس أسهل مسلكاً ... وأحرى بنجح من طريق المطامع\rفلست بمطر ما حييت أخا ندى ... ولا أنا في عرض البخيل بواقع\rفلا نقص عليه في ذلك، بل هو زائد في أدبه، وشهادة بفضله، كما أنه نباهة في ذكر الخامل، ورفع لقدر الساقط، وإنما فضل امرؤ القيس وهو من هو لما صنع بطبعه، وعلا بسجيته، عن غير طمع ولا جزع.\rحكي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: لو أن الشعراء المتقدمين ضمنهم زمان واحد ونصبت لهم راية فجروا معاً علمنا من السابق منهم، وإذ لم يكن فالذي لم يقل لرغبة ولا لرهبة، فقيل: ومن هو؟ فقال: الكندي، قيل: ولم؟ قال: لأني رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة.\rوقال علي بن الجهم في مدح المتوكل:\rوما الشعر مما أستظل بظله ... ولا زادني قدراً، ولا حط من قدري\rثم قال:\rولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر\rفذكر أنه لا يستظل بظل الشعر، أي: لا يتكسب به، وأنه لم يزده قدراً لأنه كان نابه الذكر قبل عمل الشعر، ثم قال ولا حط من قدري فأحسن الاعتذار لنفسه وللشعر، يقول: ليس الشعر ضعة في نفسه، ولا صنعته فيمن دون الخليفة، وما كفاه ذلك حتى جعل نفسه بإزاء الخليفة، بل مكافئاً له بشعره على إحسان بدأه الخليفة به، ولم يرض أن يجعل نفسه راغباً ولا مجتدياً.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"قال الطائي في هذا المعنى لمحمد بن عبد الملك الزيات، على ما كان فيه من الكبر والإعجاب، وهو حينئذ الوزير الأكبر:\rلقد زدت أوضاحي امتداداً، ولم أكن ... بهيماً ولا أرضى من الأرض مجهلا\rولكن أياد صادفتني جسامها ... أغر فوافت بي أغر محجلا\rفطمع بنفسه إلى حيث ترى، وجعل الغرة من كسبه وهي في الوجه مشهورة والتحجيل من زيادات الممدوح، وهو في القوائم.\rوقد سبق إلى هذا المعنى أبو نخلة السعدي فقال يمدح مسلمة بن عبد الملك:\rوأحييت من ذكري، وما كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض\rوقد حكى أن امرأ القيس نفاه أبوه لما قال الشعر، وغفل أكثر الناس عن السبب، وذلك أنه كان خليعاً، ومتهتكاً، شبب بنساء أبيه، وبدأ وبهذا الشر العظيم، واشتغل بالخمر والزنا عن الملك والرياسة، فكان إليه من أبيه ما كان، ليس من جهة الشعر، لكن من جهة الغي والبطالة؛ فهذه العلة، وقد جاوزت كثيراً من الناس ومرت عليهم صفحاً.\rوأما تفسير القول الآخر في السري والدني؛ فإنه إذا بلغت بالدنى نفسه، وطمحت به همته إلى أن يصنع الشعر الذي هو أخو الأدب، وتجارة العرب، تكافأ به الأيادي، ويحل به صدر النادي، ويرفع صوته على من فوقه، ويزيده في القدر على ما استحقه فقد صار سرياً، على أن القائل، فإن كان المقول له فذلك أعظم مزية، وأشرف خطة ومنزلة، وإذا انحطت بالسري همته، وقصرت مروءته، إلى أن يصنع الشعر ليتكسب به المال ويكافئ به الأيادي دون غيره وهو يعلم أنه أبقى من المال، وأنفس ذخائر الرجال، وأنه إن خاطب به من فوقه فقد رضي بالضراعة، وإن خاطب به كفأه ونظيره فقد نزل عن المساواة، وإن خاطب به من دونه سقط جملة ذلك على أن يكون شعره مزحاً أو عتاباً، وأما أن يكون هجاء فأبقى لخزيه وأضل لسعيه.\rوسأذكر ممن رفعه أو ممن وضعه ما قال أو قيل فيه من الشعر بعض من ذكر الناس؛ لئلا أخلي الكتاب من ذلك، وإن كنت حريصاً على الإيجاز والاختصار.\rفممن رفعه ما قال من القدماء الحارث بن حلزة اليشكري، وكان أبرص، فأنشد الملك عمرو بن هند قصيدته:\rآذنتنا ببينها أسماء\rوبينه وبينه سبعة حجب؛ فما زال يرفعها حجاباً فحجاباً لحسن ما يسمع من شعره حتى لم يبق بينهما حجاب، ثم أدناه وقربه، وأمثاله كثير.\rومن المخضرمين حسان بن ثابت رحمه الله، لم تكن له ماتة ولا سابقة في الجاهلية والإسلام إلا شعره، وقد بلغ من رضا الله عز وجل ورضا نبيه عليه الصلاة والسلام ما أورثه الجنة.\rومن الفحول المتأخرين الأخطل واسمه غياث بن غوث، وكان نصرانياً من تغلب بلغت به الحال في الشعر إلى أن نادم عبد الملك بن مروان، وأركبه ظهر جرير بن عطية بن الخطفي، وهو تقي مسلم، وقيل: أمره بذلك بسبب شعر فاخره فيه بين يديه وطول لسانه، حتى قال مجاهراً: لعنة الله عليه، لا يستتر في الطعن على الدين والاستخفاف بالمسلمين:\rولست بصائم رمضان طوعاً ... ولست بآكل لحم الأضاحي\rولست بزاجر عنساً بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح\rولست منادياً أبداً بليل ... كمثل العير \" حي على الفلاح \"\rولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد قبل منبلج الصباح\rوهذه غاية عظيمة ومنزلة غريبة حملت من المسامحة في الدين على مثل ما نسمع والملوك ملوك بزعمهم. وهجا الأنصار ليزيد بمن معاوية، لما شبب عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بعمته فاطمة بنت أبي سفيان وقيل: بل بأخته هند بنت معاوية قيل: ولولا شعره لقتل دون أقل من ذلك.. وقد رد على جرير أقبح رد، وتناول من أعراض المسلمين وأشرافهم، ما لا ينجو مع مثله علوي، فضلاً عن نصراني.\rومن المحدثين أبو نواس، كان نديماً للأمين محمد بن زبيدة طول خلافته.. ومسلم بن الوليد صريع الغواني، اتصل بذي الرياستين ومات على جرجان وكان تولاها على يديه.. والبحتري، كان نديماً للمتوكل لا يكاد يفارقه، وبمحضره قتل المتوكل. وكثير ممن أكتفي بهؤلاء عن ذكره.\rوقد خطب أبو الطيب هذه الرتبة إلى كافور الإخشيدي، فوعده بها وأجابه إليها، ثم خافه لما رأى من تحامله وكبره، واقتضاه أبو الطيب مراراً، وعاتبه فما وجد عنده راحة.. فمن ذلك قوله يقتضيه:","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"وهبت على مقدار كفي زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب\rإذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب\rوقوله يقتضيه أيضاً ويعاتبه من قصيدة مشهورة:\rولي عند هذا الدهر حق يلطه ... وقد قل إعتاب وطال عتاب\rثم قال بعد أبيات:\rأرى لي بقربي منك عيناً قريرة ... وإن كان قرباً بالبعاد يشاب\rوهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب\rأقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب\rوفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب\rوما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب\rوما شئت إلا أن أذل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب\rوأعلم قوماً خالفوني فشرقوا ... وغربت أني قد ظفرت وخابوا\rفهؤلاء رفعهم ما قالوه من الشعر؛ فنالوا الرتب، واتصلوا بالملوك، وليس ذلك ببدع للشاعر ولا عجيب منه. وقد كنت صنعت بين يدي سيدنا من أمر العالي زاده الله علواً:\rالشعر شيء حسن ... ليس به من حرج\rأقل ما فيه ذها ... ب الهم عن نفس الشجي\rيحكم في لطافة ... حل عقود الحجج\rكم نظرة حسنها ... في وجه عذر سمج\rوحرقة بردها ... عن قلب صب منضج\rورحمة أوقعها ... في قلب قاس حرج\rوحاجة يسرها ... عند غزال غنج\rوشاعر مطرح ... مغلق باب الفرج\rقربه لسانه ... من ملك متوج\rفعلموا أولادكم ... عقار طب المهج\rوطائفة أخرى نطقوا في الشعر بألفاظ صارت لهم شهرة يلبسونها، وألقاباً يدعون بها فلا ينكرونها: منهم عائد الكلب، واسمه عبد الله بن مصعب، كان والياً على المدينة للرشيد، لقب بذلك لقوله:\rمالي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم، ويمرض كلبكم فأعود؟!\rوالممزق، واسمه شاس بن نهار، لقب بقوله لعمرو بن هند:\rفإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق\rوقد تمثل بهذا البيت عثمان بن عفان رضي الله عنه في رسالة كتب بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه.\rولقب مسكين الدرامي واسمه ربيعة، من ولد عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن درام بقوله:\rأنا مسكين لمن أبصرني ... ولمن حاورني جد نطق\rفلما سمي مسكيناً قال:\rوسميت مسكيناً وكانت لجاجة ... وإني لمسكين إلى الله راغب\rوإني امرؤ لا أسأل الناس مالهم ... بشعري، ولا تعمى علي المكاسب\rوإنما هذا لمكان الشعر من قلوب العرب، وسرعة ولوجه في آذانهم، وتعلقه بأنفسهم.\rومنهم من سمي بلفظة من شعره لشناعتها، مثل النابغة الذبياني واسمه زياد بن عمرو وسمي نابغة لقوله:\rفقد نبغت لنا منهم شئون\rوأما الجعدي واسمه قيس بن عبد الله فإنما نبغ بالشعر بعد أربعين سنة فسمي نابغة لذلك.\rوجران العود، سمي بذلك لقوله:\rعمدت لعود فالتحيت جرانه ... وللكيس خير في الأمور وأنجح\rخذا حذراً يا خلتي فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح\rيخاطب امرأتيه، وقد تركتاه ونشزتا عليه؛ فلزمه هذا الاسم وذهب اسمه كرهاً.\rكذلك أبو العيال، لا يعرف له اسم غير هذا؛ ولقوله:\rومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً ... من المال؛ يطرح نفسه كل مطرح\rليبلغ عذراً أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح\rأمثالهم ممن ذكره المؤلفون لا يحصون كثرة، وليسوا من هذا الباب في شيء؛ لأن غلبة هذه الأسماء عليهم ليست شرفاً لهم ولا ضعة، وإنما هي من جهة الشناعة فقط، ولكن الكلام ذو شجون.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"ومن ههنا عظم الشعر، وتهيب أهله، خوفاً من بيت سائر تحدى به الإبل، أو لفظة شاردة يضرب بها المثل، ورجاء في مثل ذلك؛ فقد رفع كثيراً من الناس ما قيل فيهم من الشعر بعد الخمول والإطراح، حتى افتخروا بما كانوا يعيرون به ووضع جماعة من أهل السوابق والأقدار الشريفة حتى عيروا بما كانوا يفتخرون به.\rفمن رفعه ما قيل فيه من الشعر بعد الخمول الملحق، وذلك أن الأعشى قدم مكة وتسامح الناس به، وكانت للمحلق امرأة عاقلة وقيل: بل أم فقالت له: إن الأعشى قدم، وهو رجل مفوه، مجدود في الشعر ما مدح أحداً إلا رفعه، ولا هجا أحداً إلا وضعه وأنت رجل كما علمت فقيراً خامل الذكر ذو بنات، وعندنا لقحة نعيش بها فلو سبقت الناس إليه فدعوته إلى الضيافة ونحرت له واحتلت لك فما تشتري به شراباً يتعاطاه؛ لرجوت لك حسن العاقبة، فسبق إليه المحلق، فأنزله ونجر له، ووجد المرأة قد خبزت خبزاً وأخرجت نحياً فيه سمن وجاءت بوطب لبن، فلما أكل الأعشى وأصحابه، وكان في عصابة قيسية، قدم إليه الشراب واشتوى له من كبد الناقة، وأطعمه من أطايبها، فلما جرى فيه الشراب وأخذت منه الكأس سأله عن حاله وعياله فعرف البؤس في كلامه، وذكر البنات، فقال الأعشى: كفيت أمرهن، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته:\rأرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي معشق\rورأى المحلق اجتماع الناس، فوقف يستمع، وهو لا يدري أين يريد الأعشى بقوله، إلى أن سمع:\rنفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق\rترى القوم فيها شارعين، وبينهم ... مع القوم ولدان من النسل دردق\rلعمري قد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تحرق\rتشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق\rرضيعي لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عوض لا نتفرق\rترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه ... كما زان متن الهندواني رونق\rفما أتم القصيدة إلا والناس ينسلون إلى الملحق يهنئونه، والأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جرياً يخطبون بناته؛ لمكان شعر الأعشى، فلم تمس منهن واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف.\rوكذلك بنو أنف الناقة، كانوا يفرقون من هذا الاسم، حتى إن الرجل منهم يسأل: ممن هو؟ فيقول: من بني قريع، فيتجاوز جعفراً أنف الناقة بن قريع بن عوف بن مالك ويلغي ذكره فراراً من هذا اللقب، إلى أن نقل الحطيئة واسمه جرول بن أوس أجدهم وهو بغيض بن عامر بن لؤي بن شماس بن جعفر أنف الناقة من ضيافة الزبرقان بن بدر إلى ضيافته وأحسن إليه فقال:\rسيري أمام فإن الأكثرين حصاً ... والأكرمين إذا ما ينسبون أباً\rقوم هم الأنف، والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنباً؟\rفصاروا يتطاولون بهذا النسب ويمدون به أصواتهم في جهارة.\rوإنما سمي جعفر أنف الناقة لأن أباه قسم ناقة جزوراً ونسيه، فبعثته أمه ولم يبق إلا رأس الناقة، فقال له أبوه: شأنك بهذا، فأدخل أصابعه في أنف الناقة وأقبل يجره، فسمي بذلك.\rومثل هاتين القصتين قصة عرابة الأوسي مع الشماخ، وقد تقدم ذكرها.\rوممن وضعه ما قيل فيه الشعر حنى انكسر نسبه، وسقط عن رتبته، وعيب بفضيلته بنو نمير، وكانوا جمرة من جمرات العرب، إذا سئل أحدهم: ممن الرجل؟ فخم لفظه ومد صوته وقال: من بني نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته التي هجا بها عبيد بن حصين الراعي، فسهر لها، وطالت ليلته إلى أن قال:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rفأطفأ سراجه ونام وقال: قد والله أخزيتهم آخر الدهر، فلم يرفعوا رأساً بعدها إلا نكس بهذا البيت، حتى إن مولى لباهلة، كان يرد سوق البصرة ممتاراً فيصيح به بنو نمير: يا جواذب باهلة، فقص الخبر على مواليه، وقد ضجر من ذلك، فقالوا له: إذا نبزوك فقل لهم:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rومر بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غمض وإلا جاءك ما تكره، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها.\rومرت امرأة ببعض مجالس بني نمير فأداموا النظر إليها، فقالت:","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"قبحكم الله يا بني نمير! ما قبلتم قول الله عز وجل: \" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم \" ولا قول الشاعر \"\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rوهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدماغة، تركت بني نمير ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة، ويتجاوزون أباهم نميراً إلى أبيه، هرباً من ذكر نمير، وفراراً مما وسم به من الفضيحة والوصمة.\rوالربيع بن زياد، كان من ندماء النعمان بن المنذر، وكان فحاشاً عياباً بذياً سباباً لا يسلم منه أحد ممن يفد على النعمان، فرمي بلبيد وهو غلام مراهق فنافسه وقد وضع الطعام بين يدي النعمان، وتقدم الربيع وحده ليأكل معه على عادته، فقام لبيد فقال مرتجلاً:\rيا رب هيجا هي خير من دعة ... نحن بني أم البنين الأربعه\rونحن خير عامر بن صعصعه ... المطعمون الجفنة المدعدعه\rوالضاربون الهام تحت الخيضعه ... مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه\rفقال النعمان: ولمه؟ فقال:\rإن استه من برص ملمعه\rفقال النعمان: وما علينا من ذلك؟ فقال:\rإنه يولج فيها إصبعه\rيولجها حتى يواري أشجعه ... كأنما يطلب شيئاً أودعه\rويروي أطمعه فرفع النعمان يده عن الطعام، وقال: ما تقول يا ربيع؟ فقال: أبيت اللعن كذب الغلام، فقال لبيد: مره فليجب، فقال النعمان: أجبه يا ربيع، فقال: والله لما تسومني أنت من الخسف أشد علي مما عضهني به الغلام، فحجبه بعد ذلك، وسقطت منزلته، وأراد الاعتذار، فقال النعمان:\rقد قيل ما قيل إن حقاً وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟؟\rوبنو العجلان، كانوا يفخرون بهذا الاسم لقصة كانت لصاحبه في تعجيل قرى الأضياف، إلى أن هجاهم به النجاشي فضجروا منه، وسبوا به، واستعدوا عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا، فقال: وما قال؟ فأنشدوه:\rإذا الله عادى أهل لؤم ورقة ... فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل\rفقال عمر بن الخطاب: إنما دعا عليكم ولعله لا يجاب، فقالوا: إنه قال:\rقبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل\rفقال عمر رضي الله عنه: ليتني من هؤلاء، أو قال: ليت آل الخطاب كذلك، أو كلاماً يشبه هذا، قالوا: فإنه قال:\rولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل\rفقال عمر: ذلك أقل للسكاك، يعني الزحام، قالوا: فإنه قال:\rتعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كعب بن عوف ونهشل\rفقال عمر: كفى ضياعاً من تأكل الكلاب لحمه، قالوا: فإنه قال:\rوما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل\rفقال عمر: كلنا عبد، وخير القوم خادمهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا، فقال: ما أسمع ذلك، فقالوا: فاسأل حسان بن ثابت، فسأله فقال: ما هجاهم ولكن سلح عليهم، وكان عمر رضي الله عنه أبصر الناس بما قال النجاشي، ولكن أراد أن يدرأ الحد بالشبهات، فلما قال حسان ما قال سجن النجاشي، وقيل: إنه حده.\rوهذه جملة كافية، ونبذة مقنعة، فيما قصدت إليه من هذا الباب.\rباب من قضى له الشعر ومن قضى عليه\rأنشد النابغة الجعدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدة يقول فيها:\rعلونا السماء عفة وتكرماً ... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهراً\rفغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقال: الجنة بك يا رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أجل إن شاء الله، فقضت له دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وسبب ذلك شعره.\rوأنشده حسان بن ثابت حين جاوب عنه أبا سفيان بن الحارث بقوله:\rهجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\rفقال له: جزاؤك عند الله الجنة يا حسان، فلما قال:\rفإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\rقال له: وقاك الله حر النار، فقضى له بالجنة مرتين في ساعة واحدة، وسبب ذلك شعره.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"ولما تنافر عامر بن الطفيل وعلقمة بن علائة أقاما عند هرم بن قطبة بن سنان سنة لا يقضي لأحدهما على الآخر، إلى أن قدم الأعشى وكانت لعامر عنده يد فقال:\rعلقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر\rإن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر\rحكمتموه فقضى بينكم ... أزهر مثل القمر الباهر\rلا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر\rفرواه الناس، وافترقوا وقد نفر عامر على علقمة بحكم الأعشى في شعره وكان في رأي هرم على قول أكثر الناس خلاف ذلك.\rوإلى هذا وأشباهه أشار أبو تمام الطائي بقوله في صفة الشعر:\rيرى حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويقضى بما يقضي به وهو ظالم\rوكانت لرجل شهادة عند أبي دلامة، فدعاه إلى تبليغها عند القاضي بن أبي ليلى، فقال له: إن شهادتي لا تنفعك عنده، فقال الرجل: لا بد من شهادتك، فشهد عند القاضي وانصرف وهو يقول:\rإذا الناس غطوني تغطيت دونهم ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحث\rفقضى القاضي على الخصم بشهادة أبي دلامة، وقبض المشهود له المال، وغرمه القاضي للمشهود عليه تحرجاً من ظلمه، ويقال: إنما شهد لطبيب عالج ولده من علة به، وأمره أن يدعي على من شاء بألف درهم، ففعل الطبيب وشهد أبو دلامة، وهذا أشبه بمجونه من الأول.\rوذكر العتبي أن رجلاً من أهل المدينة ادعى حقا على رجل، فدعاه إلى ابن حنطب قاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول؟ فقال: زنقطة، فلما ولي قال القاضي: ماشهادته له إلا كشهادته عليه، فلما جاء زنقطة القاضي قال له: فداك أبي وأمي، أحسن والله الشاعر حيث يقول:\rمن الحنطبيين الذين وجوههم ... دنانير مما شيف في أرض قيصرا\rفأقبل القاضي على الكاتب، فقال: كبير ورب السماء، ما أحسبه شهد إلا بالحق فأجز شهادته.\rوخاصم جرير بن الخطفي الحماني الشاعر إلى قاضي اليمامة، فقال في أبيات رجز بها:\rأعوذ بالله العلي القهار ... من ظلم حمان وتحويل الدار\rفقال الحماني مجيباً له:\rما لكليب من حمى ولا دار ... غير مقام أتن وأعيار\rقب البطون داميات الأظفار ويروي قعس الظهور داميات الأظفار فقال جرير: مقام أتنى وأعياري لا أريد غيره، وقد اعترف به، فقال القاضي: هي لجرير، وقضى على الحماني بشعره الذي قال.\rوكان الفرزدق يجلس إلى الحسن البصري، فجاءه رجل فقال: يا أبا سعيد، إنا نكون في هذه البعوث والسرايا فنصيب المرأة من العدو وهي ذات زوج أفتحل لنا من قبل أن يطلقها زوجها؟ فقال الفرزدق: قد قلت أنا مثل هذا في شعري، فقال الحسن: وما قلت؟ قال: قلت:\rوذات حليل أنكحتنا رماحنا ... حلالاً لمن يبني بها لم تطلق\rفقال الحسن: صدق، فحكم بظاهر قوله، وما أظن الفرزدق والله أعلم أراد الجهاد في العدو المخالف للشريعة، لكن أراد مذهب الجاهلية في السبايا. كأنه يشير إلى العزة وشدة البأس.\rوقيل: إن عمر بن الخطاب كان يتعجب من قول زهير:\rفإن الحق مقطعه ثلاث ... أداء أو نفار أو جلاء\rوسمي زهير قاضي الشعراء بهذا البيت، يقول: لا يقطع الحق إلا الأداء، أو النفار وهو الحكومة أو الجلاء وهو العذر الواضح ويروي يمين أو نفار وهذه الثلاث على الحقيقة هي مقاطع الحق كما قال، على أنه جاهلي، وقد وكدها الإسلام.\rباب شفاعات الشعراء، وتحريضهم\rقال عبد الكريم: عرضت قتيلة بنت النضر بن الحارث للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف، فاستوقفته وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وقد كان قتل أباها، فأنشدته:\rيا راكباً أن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة، وأنت موفق\rأبلغ به ميتاً بأن قصيدة ... ما إن تزال بها الركائب تخفق\rمني إليه، وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق\rفليسمعن النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق\rظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق\rقسراً يقاد إلى المنيه متعباً ... رسف المقيد وهو عانٍ موثق","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"أمحمد ها أنت نجل نجيبةٍ ... من قومها والفحل فحل معرق\rما كان ضرك لو مننت، وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق\rوالنضر أقرب من قتلت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق\rفقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته.\rولما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماءٍ السماء وهو المنذر الأكبر، وماء السماء أمه أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شاس بن عبدة في تسعين رجلاً من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر صاحب امرئ القيس، وهو معروف بعلقمة الفحل، فقصد الحارث ممتدحاً بقصيدته المشهورة التي أولها:\rطحا بك قلب بالحسان طروب ... بعيد الشباب عصر خان مشيب\rفأنشده إياها، حتى إذا بلغ إلى قوله:\rإلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب\rإليك أبيت اللعن كان وجيفها ... بمشتبهات هولهن مهيب\rهداني إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أعلام المتان علوب\rفلا تحرمني نائلاً على جنايةٍ ... فإني امرؤ وسط القباب غريب\rوفي كل حيً قد خبطت بنعمةٍ ... فحق لشاس من نداك ذنوب\rفقال الحارث: نعم وأذنبة، وأطلق له شاساً أخاه، وجماعة أسرى بني تميم، ومن سأل فيه أو عرفه من غيرهم.\rوكان لأمية بن حرثان ولد اسمه كلاب، هاجر إلى البصرة في خلافة عمر رضي الله عنه، فقال أمية:\rسأستعدي على الفاروق رباً ... له عمد الحجيج إلى بساق\rإن الفاروق لم يردد كلاباً ... على شيخين هامهما زواقي\rفكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري بإشخاص كلاب، فما شعر أمية إلا به يقرع الباب.\rوما زالت الشعراء قديماً تشفع عند الملوك والأمراء لأبنائها وذوي قرابتها، فيشفعون بشفاعتهم، وينالون الرتب بهم.\rودخل العماني الشاعر وهو أبو العباس محمد بن ذؤيب الفقيمي على الرشيد، فأنشده أرجوزة يقول فيها:\rقل للإمام المقتدي بأمه ... ما قاسم دون مدى ابن أمه\rفقد رضيناه فقم فسمه\rفقال الرشيد: ما رضيت أن أسميه وأنا قاعد حتى أقوم على رجلي، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أردت قيام جسم لكن قيام عزم، فأمر الرشيد بإحضار القاسم ولده، ومر العماني في إنشاده يهدر، فلما فرغ قال الرشيد للقاسم: أما جائزة هذا الشيخ فعليك، وقد سألنا أن نوليك العهد، فأجبناه.\rوشفع الطائي للواثق عند أبيه المعتصم في أن يوليه العهد، فقال:\rفاشدد بهارون الخلافة؛ إنه ... سكن لوحشتها ودار قرار\rبفتى بني العباس والقمر الذي ... حفته أنجم يعرب ونزار\rكم العمومة والخئولة مجه ... سلفاً قريش فيه والأنصار\rهو نوء يمن منكم وسعادة ... وسراج ليل فيكم ونهار\rفاقمع شياطين النفاق بمهتد ... ترضى البرية هديه والباري\rليسير في الآفاق سيرة رأفة ... ويسوسها بسكينة ووقار\rفالصين منظوم بأندلس إلى ... حيطان رومية فملك ذمار\rولقد علمت بأن ذلك معصم ... ما كنت تتركه بغير سوار\rواستعطف مالك بن طوق لقومه بني تغلب وكانوا أفسدوا في الطرق، فخافوه واستشفعوا بأبي تمام فقال في قصيدة مشهورة يخاطب بها مالكاً:\rورأيت قومك والإساءة منهم ... جرحى بظفر للزمان وناب\rهم صيروا تلك البروق صواعقاً ... فيهم، وذاك العفو سوط عذاب\rفأقل أسامة جرمها، واصفح لها ... عنه، وهب ما كان للوهاب\rرفدوك في يوم الكلاب، وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كلاب\rوهم بعين أباغ راشوا للوغى ... سهميك عند الحارث الحراب\rوليالي الثرثار والحشاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب\rفمضت كهولهم، ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب\rلا رقة الحضر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب\rلك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب\rأعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كرماً، ورد أخائذ الأحزاب\rفذكر أصحاب الأخبار أن هذه القصيدة وقعت من مالك أجل موقع فأجزل ثوابه عليها، وقبل شفاعته، ورد القوم إلى رتبتهم ومنزلتهم، من بعد اليأس المستحكم، والعداوة الشديدة.\rوكان أبو قابوس الشاعر رجلاً نصرانياً من أهل الحيرة منقطعاً إلى البرامكة، فلما أوقع الرشيد بجعفر صنع أبو قابوس أبياتاً وأنشدها الرشيد يشفع عنده للفضل بن يحيى:\rأمين الله هب فضل بن يحيى ... لنفسك، أيها الملك الهمام\rوما طلبي إليك العفو عنه ... وقد قعد الوشاة به وقاموا\rأرى سبب الرضا عنه قوياً ... على الله الزيادة والتمام\rنذرت علي فيه صيام شهر ... فإن تم الرضا وجب الصيام\rوهذا جعفر بالجسر تمحو ... محاسن وجهه ريح قتام\rأما والله لولا خوف واشٍ ... وعين للخليفة لا تنام\rلطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام\rوما أبصرت قبلك يا بن يحيى ... حساماً قده السيف الحسام\rعقاب خليفة الرحمن فخر ... لمن بالسيف عاقبه الحمام\rوقد اختلط هذا الشعر بشعرين في وزنه ورويه ومعناه: أحدهما لأشجع السلمي، والآخر لسليمان أخي صريع، فالناس فيه مختلفون، وهذه صحته. فانظر إلى تجاسره على مثل هذا الأمر العظيم من الشفاعة والرثاء.\rواستعطف أبو الطيب سيف الدولة لبني كلاب وقد أغار عليهم فغنم الأموال وسبى الحريم، فأتى بعضهم أبا الطيب يسأله أن يذكرهم له في شعره، ويشفع فيهم فقال في قصيدة له مشهورة يخاطبه:\rترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب\rفإنهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لنائبة أجابوا\rوعين المخطئين هم، وليسوا ... بأول معشر خطئوا فتابوا\rوأنت حياتهم غضبت عليهم ... وهجر حياتهم لهم عقاب\rوما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربما خفي الصواب\rوكم ذنب مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب\rوجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب\rوهذا من أفعال الشعراء قديم مشهور. وقد افتخر به البحتري فقال في قصيدة له طويلة:\rإن أبق أو أهلك فقد نلت التي ... ملأت صدور أقاربي وعداتي\rوغنيت ندمان الخلائف: نابها ... ذكرى، وناعمة بهم نشواتي\rوشفعت في الأمر الجليل إليهم ... بعد الجليل، فأنجحوا طلباتي\rوصنعت في العرب الصنائع عندهم ... من رفد طلاب وفك عناة\rوكان أبو عزة كثيراً ما يستنفر المشركين، ويحرض على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فأسر يوم بدر، وجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه الفقر والعيال، فرق له، وخلى سبيله بعد أن عاهده ألا يعين عليه بشعره، فأمسك عنه مدة، ثم عاد إلى حاله الأولى، فأسر يوم أحد، فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بمثل خطابه الأول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمداً مرتين \" ثم قتله صبراً، وقال: \" لا يلسع المؤمن من جحر مرتين \" .\rوقال أوس بن حجر يغري النعمان بن المنذر ببني حنيفة؛ لأن شمر بن عمرو السحيمي قتل المنذر، وهو حينئذ مع الحارث بن أبي شمر الغساني، وقال ابن جنى: إنما قتل ابن النعمان:\rنبئت أن بني حنيفة أدخلوا ... أبياتهم تامور قلب المنذر\rويروى أن بني سحيم فغزاهم النعمان، وقتل فيهم وسبى، وأحرق نخلهم، ويقال: إنما أغرى بهم عمرو بن هند.\rودخل سديف بن ميمون على أبي العباس السفاح، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وابناه، وفي رواية أخرى سليمان بن مروان وولدان له، وفي رواية ثالثة إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، فأنشده سديف:\rلا يغرنك ما ترى من أناس ... إن بين الضلوع داءً دويا","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا\rفقال سليمان: قتلتني يا شيخ قاتلك الله. ونهض أبو العباس فوضع المنديل في عنق سليمان، وقتل من ساعته.\rودخل شبل بن عبد الله بن علي، وأنشده قصيدة له يقول فيها محرضاً على بني أمية، وعنده منهم ثمانون رجلاً:\rأقصهم أيها الخليفة واقطع ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس\rدلها أظهر التودد منها ... ولها منكم كحز المواسي\rولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربها من نمارق وكراسي\rأنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بدار الهوان والإتعاس\rواذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلاً بجانب المهراس\rوالقتيل الذي بحران أمسى ... ثاوياً بين غربة وتناسي\rفلما سمع بذلك تنكر، وأمر بهم فقتلوا، وألقى عليهم البساط، وجلس للغذاء وإن بعضهم يسمع أنينه لم يمت بعد، حكى ذلك جماعة من المؤلفين، واختلفوا في رواية الشعر وحده؛ فأكثر الروايات موضع البيت الأول:\rلا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وأواس\rويروي وغراس وبعضها على ما في النسخة، ولا أدري كيف صحة ذلك، وعبد الله لم يكن يدعى بالخلافة، اللهم إلا أن يكون ذلك حين أراد خلع المنصور. وأكثر الناس يروي هذه الأبيات لسديف بن ميمون يخاطب أبا العباس السفاح، غير أن في الرواية الأولى:\rنعم شبل الهراس مولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس\rوهو يشهد لما روي أولاً.\rوحكى غيرهم قال: دخل العبدي الشاعر على عبد الله بن علي بفلسطين، وقد دعي به، وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلاً، والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه مصلاه، قال العبدي: فاستنشدني عبد الله بن علي فأنشدته قولي:\rوقف المتيم في رسوم ديار\rوهو مصغ مطرق حتى انتهيت إلى قولي:\rأما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار\rوبنو أمية دوحة ملعونة ... ولهاشم في الناس عود نضار\rأأمي مالك من قرار فالحقي ... بالجن صاغرة بأرض وبار\rولئن رحلت لترحلن ذميمة ... وكذا المقام بذلة وصغار\rقال: فرفع الغمر رأسه إلي، وقال: يا بن الزانية ما دعاك إلى هذا؟ وضرب عبد الله بقلنسوة كانت على رأسه الأرض، وكانت العلامة بينه وبين أهل خراسان، فوضعوا عليهم العمد حتى ماتوا، وأمر بالغمر فضربت عنقه صبراً.\rوكان ابن حزم أميراً على المدينة، فتحامل على الأحوص الشاعر تحاملاً شديداً، فشخص إلى الوليد بن عبد الملك، فأنشده قصيدة يمتدحه فيها، فلما بلغ إلى قوله كالذي يشتكي ابن حزم وظلمه:\rلا ترثين لحزمي ظفرت به ... يوماً ولو ألقي الحزمي في النار\rالناخسين لمروان بذي خشب ... والداخلين على عثمان في الدار\rفقال له الوليد:\rصدقت والله، لقد غفلنا عن حزم وآل حزم، ثم كتب عهداً لعثمان بن حيان المري على المدينة، وعزل ابن حزم، وأمر باستئصال أموالهم، وإسقاطهم جميعاً من الديوان.\rولما وثب إبراهيم بن المهدي على المأمون اقترض من التجار مالاً كثيراً، فكان فيه لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار، فلما لم يتم أمره لوى التجار أموالهم، فصنع محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، منها قوله:\rتذكر أمير المؤمنين قيامه ... بأيمانه في الهزل منه وفي الجد\rإذا هز أعواد المنابر باسته ... تغنى بليلى أو بمية أو هند\rووالله ما من توبة نزعت به ... إليك، ولا ميل إليك، ولا ود\rوكيف بمن قد بايع الناس، والتقت ... ببيعته الركبان غوراً إلى نجد!؟\rومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادي بها بين السماطين عن بعد\rوأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد؟\rوعرضها على إبراهيم وهو حينئذ خامل الذكر لم يتعلق بعد بالخدمة تعلقاً ينفع فسأله إبراهيم كتمانها، واستحلفه على ذلك، وأدى مال أبيه دون سائر التجار، ومثل ذلك كثير لو تقصي لطال به الكتاب.\rباب احتماء القبائل بشعرائها","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم. وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج: فممن حمى قبيلته زياد الأعجم، وذلك أن الفرزدق هم بهجاء عبد القيس، فبلغ ذلك زياداً وهو منهم، فبعث إليه: لا تعجل وأنا مهد إليك هدية، فانتظر الفرزدق الهدية، فجاءه من عنده:\rفما ترك الهاجون لي إن هجوته ... مصحاً أراه في أديم الفرزدق\rولا تركوا عظماً يرى تحت لحمه ... لكاسره أبقوه للمتعرق\rسأكسر ما أبقوا له من عظامه ... وأنكت مخ الساق منه وانتقي\rفأنا وما تهدي لنا إن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق\rفلما بلغته الأبيات كف عما أراد، وقال: لا سبيل إلى هجاء هؤلاء ما عاش هذا العبد فيهم.\rوهجا عبد الله بن الزبعري السهمي بني قصي، فرفعوه برمته إلى عتبة بن ربيعة؛ خوفاً من هجاء الزبير بن عبد المطلب، وكان شاعراً مفلقاً شديد العارضة مقذع الهجاء، فلما وصل عبد الله إليهم أطلقه حمزة بن عبد المطلب وكساه، فقال:\rلعمرك ما جاءت بنكر عشيرتي ... وإن صالحت إخوانها لا ألومها\rفرد جناة الشر؛ إن سيوفنا ... بأيماننا مسلولة لا نشيمها\rفإن قصياً أهل مجد وعزة ... وأهل فعال لا يرام قديمها\rهم منعوا يومي عكاظ نساءنا ... كما منع الشول الهجان قرومها\rوكان الزبير غائباً بالطائف، فلما وصل إلى مكة وبلغه الخبر قال:\rفلولا نحن لم يلبس رجال ... ثياب أعزة حتى يموتوا\rثيابهم سمال أو طمار ... بها ودك كما دسم الحميت\rولكنا خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت\rوهجا رجل من بني حرام الفرزدق، فجاء به قومه يقودونه إليه، فقال الفرزدق:\rومن يك خائفاً لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام\rهم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام\rوهجا الأحوص بن محمد الأنصاري رجلاً من الأنصار يقال له ابن بشير وكان مكثراً فاشترى هدية، ووفد بها على الفرزدق مستجيراً به، فأجاره، ثم قال: أين أنت من الأحوص بن محمد؟ فقال: هو الذي أشكو، فأطرق الفرزدق ساعة ثم قال: أليس الذي يقول:\rألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما ... فقد هاج أحزاني وذكرني نعمى\rقال: بلى، قال: والله لا أهجو شاعراً هذا شعره، فاشترى ابن بشير أنفس من الهدية الأولى وقدم بها على جرير، فاستجاره فأجاره، ثم قال له: ما فعل ابن عمك الأحوص بن محمد؟ قال: هو صاحبي الذي هجاني، قال: أليس القائل:\rتمشى بشتمي في أكاريس مالك ... يشيد به كالكلب إذ ينبح النجما\rقال: بلى، قال: والله لا أهجو شاعراً هذا شعره، فاشترى أكثر من الهديتين وأهداها إلى الأحوص وصالحه.\rولهذا وأمثاله قال جرير لقومه يعاتبهم في قصيدة خاطب فيها أباه وجده الخطفي ممتناً عليهم بنفسه:\rبأي نجاد تحمل السيف بعد ما ... قطعت القوى من محمل كان باقياً؟\rبأي سنان تطعن القرن بعد ما ... نزعت سناناً من قناتك ماضياً؟\rألا لا تخافا نبوتي في ملمة ... و خافا المنايا أن تفوتكما بيا\rفقد كنت ناراً يصطليها عدوكم ... وحرزاً لما ألجأتم من ورائيا\rوباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا\rوإني لعف الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض جاري انتقاليا\rجريء الجنان لا أهاب من الردى ... إذا ما جعلت السيف من عن شماليا\rوليست لسيفي في العظام بقية ... ولا السيف أشوى وقعة من لسانيا\rوهذا الباب اكثر من أن يستقصى، ورغبتي في الاختصار، وإنما جئت منه ومن سواه بلمحة تدل على المراد، وتبلغ في ذلك حد الاجتهاد.\rباب من فأل الشعر وطيرته","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"تفاءل حسان بن ثابت للنبي صلى الله عليه وسلم بفتح مكة فقال في كلمته المشهورة يخاطب بذلك مشركي أهل مكة ويتوعدهم:\rعدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء\rيبارين الأعنة مصغيات ... على أكتافها الأسل الظماء\rتظل جيادنا متمطرات ... يلطمهن بالخمر النساء\rورأيت من يستحسن يلطمهن من لطمت الخبزة إذا نفضت عنها الرماد، فلما كان يوم الفتح أقبل النساء يمسحن وجوه الخيل، وينفضن الغبار عنها بخمرهن، فقال قائل: لله در حسان إذ يقول، وأنشد الأبيات. وروى قوم أن الناس أمروا بالسير إلي كداء تفاؤلاً بهذا البيت ليصح؛ فكان الأمر كما قال.\rوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل، ولا يتطير، ويحب الاسم الحسن، وقال: \" ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد \" قيل له: فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: \" إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ \" .\rومن مليح ما وقع في التفاؤل ما حكى محمد بن الجراح، وذلك أن أبا الشمقمق شخص مع خالد بن يزيد بن مزيد، وقد تقلد الموصل، فلما مر ببعض الدروب اندق اللواء، فاغتم خالد لذلك وتطير منه، فقال أبو الشمقمق:\rما كان مندق اللواء لطيرةٍ ... تخشى، ولا سوء يكون معجلا\rلكن هذا العود أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا\rفسري عن خالد، وكتب صاحب البريد بخبر ذلك إلى المأمون، فزاده ديار ربيعة، وأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم.\rوبغى جماعة من الكتاب على موسى بن عبد الملك، فأمر المتوكل بحبسه، قال: فرأيت في النوم قائلاً يقول:\rأبشر فقد جاءت السعود ... أباد أعداءك المبيد\rلم يظفروا بالذي أرادوا ... بل يفعل الله ما يريد\rووقف المتوكل منهم على أمر أوجب إيقاعه بهم، وأمر بإطلاقي وإعادتي إلى أشرف رتبة.\rولا بد من ذكر ما يتطير منه في باب غير هذا.\rوقال قيس المجنون:\rقضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا\rفما مات حتى برص، ورأى في منامه قائلاً يقول له: هذا ما تمنيت. ويقال: إن المؤمل بن أميل لما قال:\rشف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر\rنام ذات ليلة صحيحاً، فأصبح مكفوف البصر.\rوتطير أبو الهول على جعفر بن يحيى البرمكي، فقال:\rأصبحت محتاجاً إلى ضرب ... في طلب العرف من الكلب\rإذا شكا صب إليه الهوى ... قال له: مالي وللصب\rأعنى فتى يطعن في ديننا ... يشب معه خشب الصلب\rفكان من أمر جعفر ما كان.\rوكان ابن الرومي كثير الطيرة: ربما أقام المدة الطويلة لا يتصرف تطيراً بسوء ما يراه ويسمعه، حتى إن بعض إخوانه من الأمراء افتقده فأعلم بحاله في الطيرة، فبعث إليه خادماً اسمه إقبال ليتفاءل به، فلما أخذ أهبته للركوب قال للخادم: انصرف إلى مولاك فأنت ناقص، ومنكوس اسمك لا بقا..\rوابن الرومي القائل: الفأل لسان الزمان، والطيرة عنوان الحدثان. وله فيه احتجاجات وشعر كثير.\rباب في منافع الشعر ومضاره\rقد أكثر الناس في هذا الفن، ولا بد مع ذلك أن آتي منه بنبذ يقتضيها ترسيم الكتاب وحق التأليف، وليست علي مطالبة، ولا قبلي حجة، في ذكر مضاره بعد منافعه أو معها؛ إذ كانت الرغبة في تحسين الحسن ليتزيد منه، وتقبيح القبيح لينتهى عنه.\rوقد فرط في أول الكتاب من قول عائشة رضي الله عنها وقول سواها من الصحابة ومن التابعين رحمة الله عليهم ورضوانه في الشعر ما فيه كفاية: من أنه كلام يحسن فيه ما يحسن في الكلام،ويقبح منه ما يقبح في الكلام وبقدر حسنه وقبحه يكون نفعه وضرره، والله المتعال.\rحكى أبو العباس المبرد أن المأمون سمع منشداً ينشد قول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:\rأأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته؟ إني إذاً للثيم\rفقال: أو قد قلت دراهم خالد؟ احملوا إليه مائتي ألف درهم، فدعا خالد بعمارة، فقال: هذا مطر من سحابك، ودفع إليه عشرين ألفاً.\rووجد أبو جعفر المنصور على أحد الكتاب وأمر به ليضرب، فقال:\rونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرام الكاتبينا","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"فخلى سبيله إعجاباً ببديهته.\rوحمل بعض العمال إلى يزيد بن معاوية مالاً جليلاً، فقطع عليه قسيم الغنوي فأخذه، وأمر يزيد بطلبه، فلما حصل بين يديه قال: ما حملك على الخروج علينا وأخذ مال يحمل إلينا؟ قال: إذنك يا أمير المؤمنين أعزك الله، قال: ومتى أذنت لك؟ قال: حين قلت وأنا أسمعك:\rاعص العواذل وارم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا\rكالسيد لم ينقب البيطار سرته ... ولم يدجه ولم يقطع له لببا\rحتى تصادف مالاً أو يقال فتى ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا\rفعصيت عواذلي، واسهرت ليلي، وأعلمت جوادي، فأصبت مالاً قال: قد سوغناكه فلا تعد.\rوكان جميل بن محفوظ وأبو دهمان من عمال يحيى بن خالد، فوفد عليهما مرةً أبو الشمقمق واسمه مروان بن محمد فأكرمه أبو دهمان وأساء إليه جميل، فقال:\rرأيت جميل الأزد قد عق أمه ... فناك أبو دهمان أم جميل\rوتناظرا بعد ذلك في مال بين يدي يحيى بن خالد، فاستعلى جميل على أبي دهمان في الخطاب، فقال له أبو دهمان: احفظ الصهر الذي جعله بيننا أبو الشمقمق، فضحك يحيى بن خالد حتى فحص الأرض برجليه، وترك المال الذي تشاجرا فيه.\rوأتى مصعب بن الزبير بأسارى من أصحاب المختار، فأمر بقتلهم بين يديه، فقام إليه أسير منهم فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك المليح الذي يستضاء به فأتعلق بك وأقول: يا رب، سل مصعباً فيم قتلني، فاستحيا مصعب وأمر بإطلاقه، فقال: أيها الأمير، اجعل ما وهبت من حياتي في خفض ودعةٍ من العيش، قال: قد أمرت لك بثلاثين ألف درهم، قال: أشهدك أيها الأمير أن شطر هذا المال لعبد الله بن قيس الرقيات، قال: ولم ذلك؟ قال: لقوله:\rإنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء\rفضحك مصعب وقال: اقبض ما أمرنا لك به، ولابن قيس عندنا مثله، فما شعر عبد الله بن قيس إلا وقد وافاه المال.\rوحكى عن ابن شهاب الزهري قال: دعاني يزيد بن عبد الملك، وقد مضى شطر الليل، فأتيته فزعاً وهو على سطح، فقال: لا بأس عليك اجلس؛ فجلست واندفعت جاريته حبابة تغني:\rإذا رمت عنها سلوةً قال شافع ... من الحب: ميعاد السلو المقابر\rستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة حبً يوم تبلى السرائر\rقال: لمن هذا الشعر؟ فقلت: للأحوص، قال: ما فعل الله به؟ قلت: محبوس بدهلكٍ، فكتب من ساعته بإطلاقه، وأمر له بأربعمائة دينار، وقدم إليه فأحسن جائزته.\rوممن ضره الشعر وكل من عند الله عز وجل وبمشيئته ومقدوره علي بن العباس بن جريج الرومي: كان ملازماً لأبي الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، مخصوصاً به، فاتصل ذلك بعبيد الله وسمع هجاءه، فقال لولده أبي الحسين: أحب أن أرى ابن روميك هذا، فجمع بينهما فرأى رجلاً لسانه أطول من عقله، فأشار عليه بإبعاده، فقال: أخافه، قال: لم أرد إقصاءه ولكن بيت أبي أبي حية النميري:\rفقلنا لها في السر نفديك لا يرح ... صحيحاً وإلا تقتليه فألممي\rفحدث أبو القاسم ابن فراس بما كان من أبيه وكان ابن فراس من أشد الناس عداوة لابن الرومي فقال له: أنا أكفيكه، فسم له لوزينجة فمات، وسبب ذلك كثرة هجائه وبذاءته.\rودعبل بن علي الخزاعي: كان هجاء للملوك، جسوراً على أمير المؤمنين، متحاملاً، لا يبالي ما صنع، حتى عرف بذلك، وطار اسمه فيه، فصنع على لسانه بكر بن حماد التاهرتي، وقيل: غيره ممن كان دعبل يؤذيه ويهاجيه:\rملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب\rكذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... كرام إذا عدوا، وثامنهم كلب\rوقال قوم:","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"بل صنعها دعبل نفسه، وكان المعتصم يعرف بالثامن وبالمثمن أيضاً، فبلغه ذلك، فأمر بطلبه، ففر منه إلى بلد بالسودان بناحية المغرب وهي التي تعرف الآن بزويلة بني الخطاب فمات بها وهنالك قبره، وإلى جانبه قبر عبد الله ابن شيخنا أبي عبد الله محمد بن جعفر النحوي رحمه الله، هكذا يروى أصحابنا. وأما شعر البحتري فيشهد بخلاف هذا، وذلك أنه رثي دعبلاً وأبا تمام حبيباً الطائي فقال في أبيات هجا فيها الخثعمي الشاعر:\rجدث على الأهواز يبعد دونه ... مسرى النعي، ورمة بالموصل\rفالذي بالموصل أبو تمام حبيب لا شك لأنه مات بها وهو يتولى البريد للحسن بن وهب، وكان يعنى به كثيراً، والآخر دعبل، ورأيت من يرويه:\rشلو بأعلى عقر قوف تلفه ... هوج الرياح، ورمة بالموصل\rوالأول أعرف وأشبه بالصواب.\rووالبة بن الحباب: ذكر أن الرشيد أو غيره سأل من القائل:\rولها ولا ذنب لها ... حب كأطراف الرماح\rفي القلب يجرح دائباً ... فالقلب مكلوم النواح\rفقال له بعض من حضر من العلماء: ذلك والبة بن الحباب يا أمير المؤمنين، وأين تذهب عن معرفته؟ والله ما رأيت أرق منه شعراً، ولا أطيب نادرة، ولا أكثر رواية، ولا أجزل معرفة بأيام العرب منه، فقال: لم يمنعني منه إلا بيتا شعر قالهما وهما:\rقلت لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من رأسيا\rونم على وجهك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسيا\rأتحب أن ينكحنا لا أم لك؟ قال: فغسلت أثوابي عرقاً من شدة الحياء.\rويزيد ابن أم الحكم الثقفي: عهد له الحجاج على فارس، فأتاه يودعه، فقال له: أنشدني، وقدر أنه يمدحه، فأنشده:\rوأبى الذي سلب ابن كسرى راية ... بيضاء تخفق كالعقاب الطائر\rفاسترد العهد منه، وقال لحاجبه: إذا رده عليك فقل له: أورثك أبوك مثل هذا؟ فقال له الحاجب ذلك، فقال يزيد: قل للحجاج:\rوورثت جدي مجده وفعاله ... وورثت جدك أعنزاً بالطائف\rوبمثل هذا السبب غضب سليمان بن عبد الملك على الفرزدق، وذلك أنه استنشده لينشده فيه أو في أبيه، فأنشده مفتخراً عليه:\rوركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب\rسروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوارذات الحقائب\rإذا استوضحوا ناراً يقولون: ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب\rفتبين غضب سليمان، وكان نصيب حاضراً فأنشده:\rأقول لركب قافلين رأيتهم ... قفا ذات أو شال ومولاك قارب\rقفوا خبروني عن سليمان؛ إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب\rفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\rفقال: يا غلام، أعط نصيباً خمسمائة دينار، وألحق الفرزدق بنار أبيه، فخرج الفرزدق مغضباً يقول:\rوخير الشعر أكرمه رجالاً ... وشر الشعر ما قال العبيد\rوممن ضره الشعر وأهلكه سديف؛ فإنه طعن في دولة بني العباس بقوله لما خرج محمد بن الحسن بالمدينة على أبي جعفر المنصور في أبيات له:\rإنا لنأمل أن ترتد ألفتنا ... بعد التباعد والشحناء والإحن\rوتنقضي دولة أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدي وثن\rفانهض ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني الحسن\rفكتب المنصور إلى عبد الصمد بن علي بأن يدفنه حياً، ففعل، ويقال: إن الأبيات لعبد الله بن مصعب نسبت إلى سديف وحملت عليه فقتل بسببها، وذلك أشد.\rوأحمق الشعراء عندي من أدخل نفسه في هذا الباب أو تعرض له، وما للشاعر والتعرض للحتوف؟ وإنما هو طالب فضل، فلم يضيع رأس ماله؟ لا سيما وإنما هو رأسه، وكل شيء يحتمل إلا الطعن في الدول، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مجحفة فتعصب المرء لمن هو في ملكه وتحت سلطانه أصوب، وأعذر له من كل جهة وعلى كل حال، لا كما فعل سديف.\rوأبو الطيب لما فر ورأى الغلبة قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبداً وأنت القائل:\rالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"فكر راجعاً فقتل، وكان سبب ذلك هذا البيت..\rوكان كافور الإخشيدي قد وعد أبا الطيب بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاظمه في شعره وسموه بنفسه خافه، وعوتب فيه، فقال: يا قوم، من ادعى النبوة مع محمد صلى الله عليه وسلم لا يدعي المملكة مع كافور؟! حسبكم.\rوزعم أبو محمد عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي أن أبا الطيب إنما سمي متنبئاً لفطنته، وقال غيره: بل قال: أنا أول من تنبأ بالشعر، وادعى النبوة في بني القصيص.\rوالأخبار في هذا النوع كثيرة جداً، وإنما جئت بأقربها عهداً، وأشهرها في كتب المؤلفين، مما يليق بالموضع ذكره.\rباب تعرض الشعراء\rكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عالماً بالشعر، قليل التعرض لأهله: استعداه رهط تميم بن أبي بن مقبل على النجاشي لما هجاهم، فأسلم النظر في أمرهم إلى حسان بن ثابت؛ فراراً من التعرض لأحدهما، فلما حكم حسان أنفذ عمر حكمه على النجاشي كالمقلد من جهة الصناعة، ولم يكن حسان على علمه بالشعر أبصر من عمر رضي الله عنه بوجه الحكم، وإن اعتل فيه بما اعتل، وقد مضت الحكاية.\rوكذلك صنع في هجاء الحطيئة الزبرقان بن بدر: سأل حسان ثم قضى على الحطيئة بالسجن، وقيل: بل سجنه لمواقفته إياه وقوله: إن لكل مقام مقالاً، فقال له: أتهددني؟ امضوا به إلى السجن، فسجنه في حفرة من الأرض.\rوسئل أبو عبيدة: أي الرجلين أشعر: أبو نواس، أم ابن أبي عيينة؟ فقال: أنا لا أحكم بين الشعراء الأحياء، فقيل له: سبحان الله كأن هذا ما تبين لك! فقال: أنا ممن لم يتبين له هذا؟؟!! وقيل: إن أول من لقب قريشاً على شرفها، وبعد ذكرها في العرب سخينة لحساء كانت تتخذه في الجاهلية عند اشتداد الزمان خداش بن زهير حيث يقول:\rيا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم\rفذهب ذلك على أفواه الناس، حتى كان من التمازح به ما كان بين معاوية بن أبي سفيان وبين الأحنف بن قيس التميمي، حين قال له: ما الشيء الملفف في البجاد؟ فقال له: السخينة يا أمير المؤمنين، أراد معاوية قول الشاعر:\rإذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد\rبخبز أو بلحم أو بتمر ... أو الشيء الملفف في البجاد\rيريد وطب اللبن، وأراد الأحنف قول خداش بن زهير يا شدة ما شددنا... البيت وحتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك الأنصاري: أترى الله نسي قولك؟ يعني:\rزعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب\rولسير الشعر على الأفواه هذا المسير تجنب الأشراف ممازحة الشاعر خوف لفظة تسمع منه مزحاً فتعود جداً، كما قال دعبل الخزاعي:\rلا تعرضن بمزح لامرئ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة\rفرب قافية بالمزح جارية ... في محفل لم يرد إنماؤها نمت\rإني إذا قلت بيتاً مات قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت\rوقال رجل لابن الرومي يمازحه: ما أنت والشعر؟ لقد نلت منه حظاً جسيماً وأنت من العجم، أراك عربياً في الأصل أو مدعياً في الشعر! قال: بل أنت دعي؛ إذ كنت تنتسب عربياً ولم تحسن من ذلك شيئاً، وله يقول من أبيات:\rإياك يا بن بويب ... أن يستشار بويب\rقد تحسن الروم شعراً ... ما أحسنته العريب\rوهذا مثل قول الصيني الشاعر لبعض الأعراب وقد أنشد عبد الله بن طاهر بحضرته شعراً، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ فقال: من العجم، قال: ما للعجم والشعر؟ أظن عربياً نزا على أمك، قال: فمن لم يقل منكم الشعر معشر العرب فإنما نزا على أمه أعجمي!! فسكت الأعرابي.\rوأنشد أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فقال:\rوللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله\rومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... وداراهم مداراة جميله\rإذا وضعوا مكاويهم عليه ... وإن كذبوا فليس لهن حيله\rوالأبيات لأبي الدلهان. ولأمر ما قال طرفة:\rرأيت القوافي تتلجن موالجاً ... تضايق عنها أن تولجها الإبر\rوقال امرؤ القيس:","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وجرح اللسان كجرح اليد. ومع ذلك كله فلا ينبغي للشاعر أن يكون شرساً، ولا حرجاً عريضاً؛ لما يدل به من طول لسانه وتوقف الناس عن مخاشنته.\rفهذا الفرزدق كان شاعر زمانه ورئيس قومه، لم يكن في جيله أطرف منه نادرة، ولا أغرب مدحاً، ولا أسرع جواباً: اجتاز بنسوة وهو على بغلة فهمزها فحبقت، فتضاحكن، وكان عريضاً، فقال: ما يضحككن وما حملتني أنثى قط إلا فعلت مثل هذا؟ قالت إحداهن: فما صنعت التي حملتك تسعة أشهر؟ فانصرف خجلاً.\rومر به رجل فيه لين، فقال له: من أين أقبلت عمتنا؟ فقال: نفاها الأغر بن عبد العزيز، فكأن الفرزدق صب عليه الماء؛ لأنه عرض له بقول جرير فيه حين نفاه عمر بن عبد العزيز من المدينة:\rنفاك الأغر بن عبد العزيز ... وحقك تنفى من المسجد\rوكان الفرزدق مرة ينشد، والكميت صبي، فأجاد الاستماع إليه، فقال له: يا بني أيسرك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أرى به بدلاً، ولكن يسرني أنك أمي، فأفحمه حتى غص بريقه، وزعم قوم أن هذه الحكاية إنما وقعت مع كثير.\rومر يوماً بمضرس الفقعسي، وهو غلام حديث السن، ينشد الناس شعره فحسده على ما سمعه منه، فقال له بعد كلام طويل فيه تعريض وتصريح: أدخلت أمك البصرة؟ وفهم عنه مضرس ما أراد، فقال: كلا ولكن أبي! ورجع إلى إنشاده فاستحيا الفرزدق، حكى ذلك شيخنا أبو عبد الله، وإنما أراد الفرزدق أنها إن دخلت البصرة فقد وقعت عليها فأنت ابني، قال مضرس: بل أبي وقع على أمك.\rومثل هذا بعينه عرض للفرزدق مع الحطيئة؛ فإن الحطيئة قال له وقد سمعه ينشد شعراً أعجبه: أنجدت أمك؟ قال: بل أنجد أبي!! ونظم ذلك جرير، ونعاه عليه، وادعى أنه صحيح فقال:\rكان الحطيئة جار أمك مرة ... والله يعلم شأن ذاك الجار\rمن ثم أنت إلى الزناء بعلة ... بأشر شيخ في جميع نزار\rلا تفخرن بغالب ومحمد ... وافخر بعبس كل يوم فخار\rوكان يزعم أن الحطيئة جاور لينة بنت قرطة فأعجبته فراودها فوقع عليها وزوجها أخوها العلاء غالباً أبا الفرزدق وقد تبين حملها فولدت الفرزدق على فراشه.\rواحتذى هذا الحذو سواء أبو السمط مروان الأصغر بن أبي الجنوب بن مروان أبي حفصة فقال يهجو علي بن الجهم بن بدر:\rلعمرك ما الجهم بن بدر بشاعرٍ ... وهذا علي بعده بصنع الشعرا\rولكن أبي قد كان جاراً لأمه ... فلما تعاطى الشعر أوهمني أمرا\rوالشاعر أولى من كف منطقه، وأقال عثرات اللسان؛ لما رزق من القدرة على الكلام، والعفو من القادر أحسن، وبه أليق \" ولمن انتصر بعد ظلمه فاؤلئك ما عليهم من سبيل؛ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور \" .\rباب التكسب بالشعر والأنفة منه\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أنهاكم عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال، وإضاعة المال، وعقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات \" .\rوكانت العرب لا تتكسب بالشعر، وإنما يصنع أحدهم ما يصنعه فكاهة أو مكافأة عن يد لا يستطيع أداء حقها إلا بالشكر إعظاماً لها، كما قال امرؤ القيس بن حجر يمدح بني تيم رهط المعلى:\rأقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام\rلأن المعلى أحسن إليه وأجاره حين طلبه المنذر بن ماء السماء، لقتله بني أبيه الذين قتل بدير مرينا، فقيل لبني تيم \" مصابيح الظلام \" من ذلك اليوم لبيت امرئ القيس. وقال أيضاً لسعد بن الضباب:\rسأجزيك الذي دافعت عني ... وما يجزيك عني غير شكري\rفأخبره أن شكره هو الغاية في مجازاته كما قدمت.\rحتى نشأ النابغة الذبياني؛ فمدح الملوك، وقبل الصلة على الشعر، وخضع للنعمان بن المنذر، وكان قادراً على الامتناع منه بمن حوله من عشيرته أو من سار إليه من ملوك غسان، فسقطت منزلته، وتكسب مالاً جسيماً، حتى كان أكله وشربه في صحاف الذهب والفضة وأوانيه من عطاء الملوك.\rوتكسب زهير بن أبي سلمى بالشعر يسيراً مع هرم بن سنان.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"فلما جاء الأعشى جعل الشعر متجراً يتجر به نحو البلدان، وقصد حتى ملك العجم فأثابه وأجزل عطيته علماً بقدر ما يقول عند العرب، واقتداء بهم فيه، على أن شعره لم يحسن عنده حين فسر له، بل استهجنه واستخف به، لكن احتذى فعل الملوك ملوك العرب.\rوأكثر العلماء يقولون: إنه أول من سأل بشعره، وقد علمنا أن النابغة أسن منه وأقدم شعراً، وقد ذكر عنه من التكسب بالشعر مع النعمان بن المنذر مع ما فيه من قبح: من مجاعلة الحاجب، ودس الندماء على ذكره بين يديه، وما أشبه ذلك.\rوذكر أن أبا عمرو بن العلاء سئل: لم خضع النابغة للنعمان؟ فقال: رغب في عطائه وعصافيره.\rوأما زهير فما بلغه الطائي قط معرفة باجتداء من يمدحه، ويدلك على ذلك ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنة زهير حين سألها: ما فعلت حلل هرم بن سنان التي كساها أباك؟ قالت: أبلاها الدهر، قال: لكن ما كساه أبوك هرماً لم يبله الدهر، وقال عمر رضي الله عنه لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدني ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، قال: يا أمير المؤمنين إنا كنا نعطيه فنجزل، قال عمر: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.\rثم إن الحطيئة أكثر من السؤال بالشعر، وانحطاط الهمة فيه، والإلحاف، حتى مقت وذل أهله وهلم جرا، إلى أن حرم السائل وعدم المسئول.\rإلا بقايا من أناس بهم ... إلى سبيل المكرمات يهتدى\rكالسيد أبي الحسن أحسن الله إلى الدنيا ببقائه. وأما أكثر من تقدم فالغالب على طباعهم الأنفة من السؤال بالشعر، وقلة التعرض به لما في أيدي الناس، إلا فيما لا يزرى بقدر ولا مروءة كالفلتة النادرة والمهمة العظيمة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته.\rألا ترى أن لبيد بن ربيعة لما بعث إليه الوليد بن عقبة مائة من الإبل ينحرها كعادته عند هبوب الصبا، وقد أسن وأقل، وكان يطعم الناس ما هبت الصبا، قال لابنته: اشكري هذا الرجل فإني لا أجد نفسي تجيبني، ولقد أراني لا أعيا بجواب شاعر، فقالت هذه الأبيات:\rإذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا\rأغر الوجه أبيض عبشمياً ... أعان على مروءته لبيدا\rبأمثال الهضاب كأن ركباً ... عليها من بني حام قعودا\rأبا وهب جزاك الله خيراً ... نحرناها وأطعمنا الثريدا\rفعد إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن يعودا\rوعرضتها عليه فقال: لقد أجدت لولا أنك استعدت، كراهية في قولها:\rفعد إن الكريم له معاد ويروى: لولا أنك استزدت.\rوقالوا: كان الشاعر في مبتدأ الأمر أرفع منزلة من الخطيب؛ لحاجتهم إلى الشعر في تخليد المآثر، وشدة العارضة، وحماية العشيرة، وتهيبهم عند شاعر غيرهم من القبائل؛ فلا يقدم عليهم خوفاً من شاعرهم على نفسه وقبيلته، فلما تكسبوا به وجعلوه طعمة وتولوا به الأعراض وتناولوها صارت الخطابة فوقه، وعلى هذا المنهاج كانوا حتى فشت فيهم الضراعة، وتطعموا أموال الناس، وجشعوا فخشعوا، واطمأنت بهم دار الذلة، إلا من وقر نفسه وقارها، وعرف لها مقدارها، حتى قبض تقي العرض مصون الوجه، ما لم يكن به اضطرار تحل به الميتة، فأما من وجد البلغة والكفاف فلا وجه لسؤاله بالشعر.\rفقد حكى عن ابن ميادة أنه مدح أبا جعفر المنصور بكلمته التي يقول فيها:\rفوجدت حين لقيت أيمن طائر ... ووليت حين وليت بالإصلاح\rوعفوت عن كسر الجناح ولم يكن ... لتطير ناهضة بغير جناح\rقوم إذا جلب الثناء إليهم ... بيع الثناء هناك بالأرباح\rوأتاه راعي إبله بلبن فشرب ثم مسح على بطنه وقد عزم على الرحلة فقال: سبحان الله أأفد على أمير المؤمنين وهذه الشربة تكفيني؟!! وصرف وجهه عن قصده، فلم يفد عليه، هذا على أنه ساقة الشعراء، فأنت ترى كبر نفسه، وبعد همته.\rعلى أن عبد الله بن عمر على جلالته، والحسن البصري، وعكرمة، ومالك بن أنس المدني وجملة من أهل العلم غير هؤلاء، كانوا يقبلون صلات الملوك.\rوقد سئل عثمان بن عفان رضي الله عنه عن مال السلطان، فقال: لحم طير زكي.","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"والشعراء في قبولها مال الملوك أعذر من المتورعين وأصحاب الفتيا؛ لما جرت به العادة قبل الإسلام وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده إلى أيام المنصور الذي أنف ابن ميادة أن يفد عليه.\rوهكذا يروى عن جميل بن عبد الله بن معمر أنه ما مدح أحداً قط إلا ذويه وقراباته، وأنه صحب الوليد بن عبد الملك في سفر، فكلفه أن يرجز به، وظن أنه يمدحه فأنشأ يقول:\rأنا جميل في السنام من معد ... في الذروة العلياء والركن الأشد\rفقال له الوليد: اركب لا حملت.\rوزعم محمد بن سلام الجمحي أنه مدح عبد العزيز بن مروان بقوله في شعره:\rأبا مروان أنت فتى قريش ... وكهلهم إذا عد الكهول\rتوليه العشيرة ما عناها ... فلا ضيق الذراع ولا بخيل\rكلا يوميه بالمعروف طلق ... وكل بلائه حسن جميل\rوعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان يشبه به من المولدين العباس بن الأحنف، فإنه ممن أنف عن المدح تظرفاً، وقال فيه مصعب الزبيري: العباس عمر العراق، يريد أنه لأهل العراق كعمر بن أبي ربيعة لأهل الحجاز، استرسالاً في الكلام، وأنفة عن المدح والهجاء، واشتهر بذلك، فلم يكن يكلفه إياه أحد من الملوك ولا الوزراء، وقد أخذ صلة الرشيد وغيره على حسن التغزل ولطف المقاصد في التشبيب بالنساء.\rوهذا باب قد احتذاه الكتاب في زماننا هذا إلا القليل، وقوم من شعراء وقتنا أنا ذاكرهم في كتاب غير هذا، إن شاء الله.\rوعلى كل حال فإن الأخذ من الملوك كما فعل النابغة، ومن الرؤساء الجلة كما فعل زهير؛ سهل وخفيف.\rفأما الحطيئة فقبح الله همته الساقطة على جلالة شعره وشرف بيته، وقد كانت الشعراء ترى الأخذ ممن دون الملوك عاراً، فضلاً عن العامة وأطراف الناس.\rقال ذو الرمة يهجو مروان بن أبي حفصة بذلك، ويفتخر عليه بأنه لا يقبل إلا صلة الملك الأعظم وحده، هكذا رواه عبد الكريم وأنشده ابن عبد ربه أيضاً:\rعطايا أمير المؤمنين ولم تكن ... مقسمة من هؤلا وأولائكا\rوما نلت حتى شبت إلا عطية ... تقوم بها مصرورة في ردائكا\rوأنشد له أو لغيره:\rوما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت، ولا كسب مأثم\rولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل محجوب السرادق خضرم\rوقال صاحب الكتاب: والذي أعرف أن سلم بن عمرو الخاسر كتب إلى مروان بن أبي حفصة:\rمن مبلغ مروان عني رسالة ... مغلغلة لا تنثني عن لقائكا\rحباني أمير المؤمنين بنفحة ... ثمانين ألفاً طأطأت من حبائكا\rثمانين ألفاً نلت من صلب ماله ... ولم تك قسماً من أولى وأولائكا\rفأجابه مروان عن ذلك فقال:\rأسلم بن عمرو قد تعاطيت خطة ... تقصر عنها بعد طول عنائكا\rوإني لسباق إذا الخيل كلفت ... مدى مائة أو غاية فوق ذلكا\rفدع سابقاً إن عاودتك عجاجة ... سنابكه أوهين منك سنابكا\rرأيت أمرأ نال السها فحسدته ... فلم يبق إلا أن تموت بدائكا\rطلبت من المهدي شطر حبائه ... فقال لك المهدي لست هنالكا\rفما أعولت أم على ابن، ولا بكى ... على يوسف يعقوب مثل بكائكا\rعضضت على كفيك حتى كأنما ... رزئت الذي أعطيت من صلب مالكا\rحبيت بأوقار البغال، وإنما ... سراب الضحى ما تدعي من حبائكا\rوما نلت حتى شبت إلا عطية ... تقوم بها مصرورة في ردائكا\rوما عبت من قسم الملوك لشاعر ... به خص عفواً من أولى وأولائكا\rوأقسم لولا ابن الربيع ورفده ... لما ابتلت الدلو التي في رشائكا\rومن قول مروان أيضاً:\rقد حبيت بألف ألف لم تكن ... إلا بكف خليفة ووزير\rما زلت آنف أن أؤلف مدحة ... إلا لصاحب منبر وسرير\rما ضرني حسد اللئام، ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التقصير\rوقال آخر فيما يناسب هذا ويشاكله، ويشد على يد من تمذهب به أو اعتقده:","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وإذا لم يكن من الذل بد ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا\rوافتخر بشار بن برد فقال:\rوإني لنهاض اليدين إلى العلا ... قروع لأبواب الهمام المتوج\rويروى وإني لسوار اليدين أي: مرتفع.\rباب تنقل الشعر في القبائل\rذكر أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي في كتاب الطبقات، وغيره من المؤلفين، أن الشعر كان في الجاهلية في ربيعة، فكان منهم مهلهل بن ربيعة واسمه عدي، وقيل: امرؤ القيس وإنما سمي مهلهلاً لهلهلة شعره، أي: رقته وخفته، وقيل: لاختلافه، وقيل: بل سمي بذلك لقوله:\rلما توقل في الكراع شريدهم ... هلهلت أثأر جابراً أو صنبلا\rويروى لما توعر في الكلاب هجينهم قال أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري: يعني بقوله هجينهم امرأ القيس بن حمام الذي ذكره امرؤ القيس في شعره حيث يقول:\rعوجا على الطل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام\rوكان مهلهل تبعه يوم كلاب ففاته ابن حمام بعد أن تناوله مهلهل بالرمح، وقد كان ابن حمام أغار على بني تغلب مع زهير بن جناب فقتل جابراً وصنبلاً، ويروي \" لأننا \" بمعنى لعلنا، وهي لغة فيما زعم بعض المؤلفين، والذي كنت أعرف \" لعننا \" بالعين ونونين، وكذلك أعرف \" ابن جذام \" بذال معجمة، كذا روى الجاحظ وغيره، ويروى \" خذام \" بالخاء والذال المعجمتين. وكان مهلهل أول من قصد القصائد، قال الفرزدق بن غالب: ومهلهل الشعراء ذاك الأول وهو خال امرئ القيس بن حجر الكندي الشاعر، وجد عمرو بن كلثوم الشاعر أبو أمه.\rومنهم المرقشان، والأكبر منهما عم الأصغر، والأصغر عم طرفة بن العبد، واسم الأكبر عوف بن سعد، وعمرو بن قميئة ابن أخيه، ويقال: إنه أخوه، واسم الأصغر عمرو بن حرملة، وقيل: ربيعة بن سفيان، وهذا أعرف.\rومنهم سعد بن مالك الذي يقول:\rيا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا\rولا أدري هل هو أبو عمرو بن قميئة الشاعر والمرقش الأكبر أم لا؟؟ وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة، والمتلمس وهو خال طرفة، واسمه جرير بن عبد المسيح والأعشى واسمه ميمون بن قيس بن جندل وخاله المسيب بن علس واسم المسيب زهير ثم تحول الشعر في قيس فمنهم النابغتان، وزهير بن أبي سلمى، وابنه كعب لأنهم ينسبون في عبد الله بن غطفان، واسم أبا سلمى ربيعة، ولبيد، والحطيئة، والشماخ واسمه معقل بن ضرار وأخوه مزرد، واسمه جزء بن ضرار، وقيل: بل اسمه يزيد وجزء أخوهما: وكان المزرد شريراً يهجو ضيوفه، وهجا قومه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:\rتعلم رسول الله أنا كأنما ... أفأنا بأنمار ثعالب ذي صحل\rتعلم رسول الله لم أر مثلهم ... أجر على الأدنى وأحرم للفضل\rومنهم خداش بن زهير.\rثم استقر الشعر في تميم، ومنهم كان أوس بن حجر شاعر مضر في الجاهلية، لم يتقدمه أحد منهم، حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه، وبقي شاعر تميم في الجاهلية غير مدافع، وكان الأصمعي يقول: أوس أشعر من زهير، ولكن النابغة طأطأ منه، وكان زهير راوية أوس، وكان أوس زوج أم زهير.\rوسئل حسان بن ثابت رضي الله عنه: من أشعر الناس؟ فقال: أرجلاً أم حياً؟ قيل: بل حياً، قال: أشعر الناس حياً هذيل. قال ابن سلام الجمحي: وأشعر هذيل أبو ذؤيب غير مدافع، وحكى الجمحي قال: أخبرني عمر بن معاذ المعمري قال: في التوراة مكتوب أبو ذؤيب مؤلف زورا، وكان اسم الشاعر بالسريانية، فأخبرت بذلك بعض أصحاب العربية وهو كثير بن إسحاق فأعجب منه وقال: قد بلغني ذلك، وقال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح الشعراء لساناً وأعذبهم أهل السروات، وهن ثلاث وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن: فأولها هذيل، وهي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة في السراة الوسطى، وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد أزد شنوءة وهم بنو الحارث بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد، وقال أبو عمرو أيضاً: أفصح الناس علياً تميم وسفلي قيس، وقال أبو زيد: أفصح الناس سافلة العالية وعالية السافلة، يعني عجز هوازن، قال:","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"ولست أقول قالت العرب إلا ما سمعت منهم، وإلا لم أقل قالت العرب... وأهل العالية أهل المدينة ومن حولها ومن يليها ودنا منها، ولغتهم ليست بتلك عنده.\rوقوم يرون تقدمة الشعر لليمن: في الجاهلية بامريء القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين بالحسن بن هانيء وأصحابه: مسلم بن الوليد، وأبي الشيص، ودعبل، وكلهم من اليمن، وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين: حبيب والبحتري، ويختمون الشعر بأبى الطيب، وهو خاتمة الشعراء لا محالة وكان ينسب في كندة، وهي رواية ضعيفة، وإنما ولد في كندة بالكوفة فيما حكى ابن جنى، وإلا فكان غامض النسب، فيقولون: بديء الشعر بكندة يعنون امرأ القيس وختم بكندة يعنون أبا الطيب وزعم بعض المتأخرين أنه جعفي، وقوم منهم الصاحب بن عباد يقولون: بديء الشعر بملك وختم بملك، يعنون امرأ القيس وأبا فراس الحارث بن سعيد بن حمدان، وقال آخرون: بل رجع الشعر إلى ربيعة فختم بها كما بدئ بها، يريدون مهلهلا وأبا فراس، وأشعر أهل المدر بإجماع من الناس واتفاق حسان بن ثابت... وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة، والرجز برؤية بن العجاج، وزعم يونس أن العجاج أشعر أهل الرجز والقصيد، وقال: إنما هو كلام فأجودهم كلاماً أشعرهم، والعجاج ليس في شعره شيء يستطيع أحد أن يقول: لو كان في مكانه غيره لكان أجود، وذكر أنه صنع أرجوزته: قد جبر الدين الإله فجبر فيها نحو مائتي بيت وهي موقوفة مقيدة، قال: ولو أطلقت قوافيها وساعد فيها الوزن لكانت منصوبة كلها.. وقال أبو عبيدة: إنما كان الشاعر يقول من الرجز البيتين والثلاثة ونحو ذلك، إذا حارب أو شاتم أو فاخر، حتى كان العجاج أول من أطاله وقصده، ونسب فيه، وذكر الديار، واستوقف الركاب عليها، ووصف ما فيها، وبكى على الشباب، ووصف الراحلة، كما فعلت الشعراء بالقصيد فكان في الرجاز كامرئ القيس في الشعراء... وقال غيره: أول من طول الرجز الأغلب العجلي، وهو قديم، وزعم الجمحي وغيره أنه أول من رجز، ولا أظن ذلك صحيحاً؛ لأنه إنما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نجد الرجز أقدم من ذلك... وكان أبو عبيدة يقول: افتتح الشعر بامريء القيس، وختم بابن هرمة، ولم أرى أنقد من الذي قال: أ شعر الناس من أنت في شعره...وأنشد مروان بن أبي حفصة يوماً جماعة من الشعراء، وهو يقول في واحد بعد واحد: هذا أشعر الناس، فلما كثر ذلك عليه قال: الناس أشعر الناس.\rباب في القدماء والمحدثين\rكل قديم من الشعراء فهو محدث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد أحسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته، يعني بذلك شعر جرير والفرزدق، فجعله مولداً بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين، وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين.\rقال الأصمعي: جلست إلى ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي، وسئل عن المولدين فقال: ما كان من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم، ليس النمط واحدا: ترى قطعة ديباج، وقطعة مسيح، وقطعة نطع، هذا مذهب أبي عمرو وأصحابه: كالأصمعي، وابن الأعرابي أعني أن كل واحد منهم يذهب في أهل عصره هذا المذهب، ويقدم من قبلهم وليس ذلك الشيء إلا لحاجتهم في الشعر إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون، ثم صارت لجاجة.\rفأما ابن قتيبة فقال: لم يقصر الله الشعر والعلم والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص قوماً دون قوم، بل جعل الله ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثاً في عصره.\rومما يؤيد كلام ابن قتيبة كلام علي رضي الله عنه \" لولا أن الكلام يعاد لنفد \" فليس أحدنا أحق بالكلام من أحد، وإنما السبق والشرف معا في المعنى على شرائط نأتي بها فيما بعد من الكتاب إن شاء الله. وقول عنترة هل غادر الشعراء من متردم يدل على أنه يعد نفسه محدثاً، قد أدرك الشعر بعد أن فرغ الناس منه ولم يغادروا له شيئاً، وقد أتى في هذه القصيدة بما لم يسبقه إليه متقدم، ولا نازعه إياه متأخر. وعلى هذا القياس يحمل قول أبى تمام وكان إماماً في هذه الصناعة غير مدافع :\rيقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"فنقض قولهم \" ما ترك الأول للآخر شيئاً \" وقال في مكان آخر فزاده بياناً وكشفاً للمراد:\rفلو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك في العصور الذواهب\rولكنه صوب العقول: إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب\rوإنما مثل القدماء والمحدثين كمثل رجلين: ابتدأ هذا بناء فأحكمه وأتقنه، ثم أتى الآخر فنقشه وزينه، فالكلفة ظاهرة على هذا وإن حسن، والقدرة ظاهرة علية وإن خشن.\rوسمعت القاضي أبا الفضل جعفر بن أحمد النحوي وقد سئل عن ذي الرمة وأبي تمام فأجاب بجواب يقرب معناه من هذا لم أحفظه.\rوقال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع وقد ذكر أشعار المولدين: إنما تروى لعذوبة ألفاظها، ورقتها، وحلاوة معانيها، وقرب مأخذها، ولو سلك المتأخرون مسلك المتقدمين في غلبة الغريب على أشعارهم ووصف المهامة والقفار، وذكر الوحوش والحشرات ما رويت؛ لأن المتقدمين أولى بهذه المعاني، ولا سيما مع زهد الناس في الأدب في هذا العصر وما قاربه وإنما تكتب أشعارهم لقربها من الأفهام، وأن الخواص في معرفتها كالعوام، فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب: يستميل أمة من الناس إلى استماعه وإن جهل الألحان وكسر الأوزان.. وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنى الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت: يعرض عنه إلا من عرف فضل صنعته، على أنه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذات، وإنما يجعل معلماً للمطربات من القينات: يقومهن بحذقه، ويستمتع بحلوقهن دون حلقه، ليسلمن من الخطأ في صناعتهن، ويطربن بحسن أصواتهن.\rوهذا التمثيل الذي مثله ابن وكيع من أحسن ماوقع، إلا إن أوله من قول أبي نواس:\rصفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم\rلا تخدعن عن التي جعلت ... سقم الصحيح وصحة السقم\rتصف الطلول على السماع بها ... أفذو العيان كأنت في الحكم؟؟\rوإذا وصفت الشيء متعباً ... لم تخل من غلط ومن وهم\rولم أر في هذا النوع أحسن من فضل أتى به عبد الكريم بن إبراهيم فإنه قال: قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد فيحسن في وقت مالا يحسن في آخر، ويستحسن عند أهل بلد مالا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله، بعد أن لا تخرج من حسن الاستواء، وحد الاعتدال، وجودة الصنعة، وربما استعملت في بلد ألفاظ لا تستعمل كثيراً في غيره: كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم، ونوادر حكاياتهم، قال: والذي أختاره أنا التجويد والتحسين الذي يختاره علماء الناس بالشعر، ويبقى غابره على الدهر، ويبعد عن الوحشي المستكره، ويرتفع عن المولد المنتحل، ويتضمن المثل السائر، والتشبيه المصيب، والاستعارة الحسنة.\rقال صاحب الكتاب: وأنا أرجو أن أكون باختيار هذا الفضل وإثباته ههنا داخلاً في جملة المميزين، إن شاء الله؛ فليس من أتى بلفظ محصور يعرفه طائفة من الناس دون طائفة لا يخرج من بلده ولا يتصرف من مكانه كالذي لفظه سائر في كل أرض، معروف بكل مكان، وليس التوليد والرقة أن يكون الكلام رقيقاً سفساقاً، ولا بارداً غثاً، كما ليست الجزالة والفصاحة أن يكون حوشياً خشناً ولا أعرابياً جافياً، ولكن حال بين حالين..\rولم يتقدم امرؤ القيس والنابغة والأعشى إلا بحلاوة الكلام وطلاوته، مع البعد من السخف والركاكة، على أنهم لو أغربوا لكان ذلك محمولاً عنهم؛ إذ هو طبع من طباعهم، فالمولد المحدث على هذا إذا صح كان لصاحبه الفضل البين بحسن الإتباع، ومعرفة الصواب، مع أنه أرق حوكاً، وأحسن ديباجة.\rباب المشاهير من الشعراء\rوالشعراء أكثر من أن يحاط بهم عدداً، ومنهم مشاهير قد طارت أسماؤهم، وسار شعرهم، وكثر ذكرهم، حتى غلبوا على سائر من كان في أزمانهم، ولكل أحد منهم طائفة تفضله وتتعصب له، وقل ما يجتمع على واحد، إلا ما روى عن عن النبي صلى الله عليه وسلم في امرئ القيس أنه أشعر الشعراء وقائدهم إلى النار يعني شعراء الجاهلية والمشركين. قال دعبل بن علي الخزاعي: ولا يقود قوماً إلا أميرهم.. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس بن عبد المطلب رحمه الله وقد سأله عن الشعراء:","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"امرؤ القيس سابقهم: خسف لهم عين الشعر فافتقر عن معانٍ عورٍ أصح بصر.\rقال عبد الكريم: خسف لهم من الخسيف وهي البئر التي حفرت في حجارة فخرج منها ماء كثيراً، وجمعها خسف، وقوله افتقر أي: فتح، وهو من الفقير، وهو فم القناة، وقوله عن معان عور يعني أن امرأ القيس من اليمن، وأن اليمن ليست لهم فصاحة نزارٍ، فجعل لهم معاني عوراً فتح منها امرؤ القيس أصح بصر.. قال: وامرؤ القيس يماني النسب، نزاري الدار والمنشأ، وفضله علي رضي الله عنه بأن قال: رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة.\rوقد قال العلماء بالشعر: إن امرأ القيس لم يتقدم الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق إلى أشياء فاستحسنها الشعراء واتبعوه فيها؛ لأنه قيل أول من لطف المعاني، واستوقف على الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وفرق بين النسيب وما سواه من القصيد، وقرب مأخذ الكلام؛ فقيد الأوابد، وأجاد الاستعارة والتشبيه.\rروى الجمحي أن سائلاً سأل الفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: ذو القروح، قال: حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول:\rوقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب\rوأما دعبل فقدمه بقوله في وصف عقاب:\rويلمها من هواء الجو طالبةً ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب\rوهذا عنده أشعر بيت قالته العرب.\rوسئل ليبد: من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليل، قيل: ثم من؟ قال: الشاب القتيل، قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل يعني نفسه .\rوكان الحذاق يقولون: الفحول في الجاهلية ثلاثة، وفي الإسلام ثلاثة متشابهون: زهير والفرزدق، والنابغة والأخطل، والأعشى وجرير.\rوكان خلف الأحمر يقول: الأعشى أجمعهم. وقال أبو عمرو بن العلاء: مثله مثل البازي يضرب كبير الطير وصغيره. وكان أبو الخطاب الأخفش يقدمه جداً لا يقدم عليه أحداً.\rوحكى الأصمعي عن ابن أبي طرفة: كفاك من الشعراء أربعة: زهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب، وزاد قوم: وجرير إذا غضب.\rوقيل لكثير أو لنصيب : من أشعر العرب؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب.\rوكان أبو بكر رضي الله عنه يقدم النابغة؛ ويقول: هو أحسنهم شعراً، وأعذبهم بحراً، وأبعدهم قعراً.\rوسئل الفرزدق مرة: من أشعر العرب؟ فقال: بشر بن خازم؛ قيل له: بماذا؟ قال بقوله:\rثوى في ملحد لا بد منه ... كفى بالموت نأياً واغترابا\rثم سئل جرير فقال: بشر بن خازم، قال: بماذا؟ قال: بقوله:\rرهين بلى، وكل فتىً سيبلى ... فشقي الجيب وانتحبي انتحاباً\rفاتفقا على بشر بن أبي خازم كما ترى.\rوقال محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب: إن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة. قال: وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء فقد أبطل.. فأسقط من أصحاب المعلقات عنترة، والحارث بن حلزة، وأثبت الأعشى، والنابغة.\rوكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القباطي بماء الذهب وعلقت على الكعبة؛ فلذلك يقال: مذهبة فلان، إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء، وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته.\rوقال الجمحي في كتابه: سأل عكرمة بن جرير أباه جريراً: من أشعر الناس؟ قال: أعن الجاهلية تسألني أم عن الإسلام؟ قال: ما أردت إلا الإسلام فإذ ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها، قال: زهير شاعرهم، قال: قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق نبعة الشعر في يده، قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب صفة الخمر، قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني فإني نحرت الشعر نحراً وكتب الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم يسأله عن أشعر الشعراء في الجاهلية وأشعر شعراء وقته، فقال: أشعر شعراء الجاهلية امرؤ القيس، وأضربهم مثلاً طرفة، وأما شعراء الوقت فالفرزدق أفخرهم، وجرير أهجاهم، والأخطل أوصفهم.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"وأما الحطيئة فسئل عن أشعر الناس، فقال: أبو دؤاد حيث يقول:\rلا أعد الإقتار عدماً، ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام\rوهو وإن كان فحلاً قديماً وكان امرؤ القيس يتوكأ عليه ويروي شعره فلم يقل فيه أحد من النقاد مقالة الحطيئة.\rوسأله ابن عباس مرة أخرى، فقال: الذي يقول:\rومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم\rوليس الذي يقول:\rولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟\rبدونه، ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولاً، والله لولا الجشع لكنت أشعر الماضين، وأما الباقون فلا شك أني أشعرهم، قال ابن عباس: كذلك أنت يا أبا مليكة.\rوزعم ابن أبي الخطاب أن أبا عمرو كان يقول: أشعر الناس أربعة: امرؤ القيس، والنابغة، وطرفة، ومهلهل. قال: وقال المفضل: سئل الفرزدق فقال: امرؤ القيس أشعر الناس، وقال جرير: النابغة أشعر الناس، وقال الأخطل: الأعشى أشعر الناس، وقال ابن أحمر: زهير أشعر الناس، وقال ذو الرمة: لبيد أشعر الناس، وقال الكميت: عمرو بن كلثوم أشعر الناس، وهذا يدلك على اختلاف الأهواء، وقلة الاتفاق.\rوكان ابن أبي إسحاق وهو عالم، ناقد، ومتقدم مشهور يقول: أشعر الجاهلية مرقش، وأشعر الإسلاميين كثير، وهذا غلو مغلوط، غير أنهم مجمعون على أنه أول من أطال المدح..\rوسأل عبد الملك بن مروان الأخطل: من أشعر الناس؟ فقال: العبد العجلاني، يعني تميم بن أبي بن مقبل، قال: بم ذاك؟ قال: وجدته في بطحاء الشعر والشعراء على الحرفين، قال: أعرف ذلك له كرهاً.\rوقيل لنصيب مرة: من أشعر العرب؟ فقال: أخو تميم، يعني علقمة بن عبدة، وقيل: أوس بن حجر، وليس لأحد من الشعراء بعد امرئ القيس ما لزهير والنابغة والأعشى في النفوس.\rوالذي أتت به الرواية عن يونس بن حبيب النحوي أن علماء البصرة كانوا يقدمون امرأ القيس، وأن أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيراً والنابغة، وكان أهل العالية لا يعدلون بالنابغة أحداً، كما أن أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحداً.\rوروى ابن سلام يرفعه عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنشدني لأشعر شعرائكم، قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير، قلت: ولم كان كذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه، ثم قال ابن سلام على عقب هذا الكلام: قال أهل النظر: كان زهير أحصفهم شعراً، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح.\rقال صاحب الكتاب: وإذا قوبل آخر كلام عمر بآخر هذا الكلام تناقض قول المؤلف أعني ابن سلام لأن عمر إنما وصفه بالحذق في صناعته، والصدق في منطقه؛ لأنه لا يحسن في صناعة الشعر أن يعطى الرجل فوق حقه من المدح؛ لئلا يخرج الأمر إلى التنقص والازدراء، كما أخذ ذلك على أبي الطيب وغيره آنفاً، وقد فسد الوقت، ومات أرباب الصناعة، فما ظنك والناس ناس والزمان زمان؟ وسيرد عليك في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله، وقد استحسن عمر الصدق لذاته، ولما فيه من مكارم الأخلاق، والمبالغة بخلاف ما وصف، ويشهد لقول عمر رضي الله عنه في زهير أنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه استحساناً لصدقه ما جاء به الأثر أن رجلاً قال لزهير: إني سمعتك تقول لهرم:\rلأنت أشجع من أسامة إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر\rوأنت لا تكذب في شعرك، فكيف جعلته أشجع من الأسد؟ فقال: إني رأيته فتح مدينة وحده، وما رأيت أسداً فتحها قط!! فقد خرج لنفسه طريقاً إلى الصدق، وبعداً عن المبالغة.. والذي أعرف أنا أن البيت المتقدم ذكره لأوس بن حجر، والحكاية عنه، ومثلها عن عمران بن حطان الخارجي لما سألته امرأته كيف قلت:\rفهناك مجزأة بن ثو ... ر كان أشجع من أسامة\rوصدر بيت زهير بن أبي سلمى:\rولنعم حشو الدرع أنت إذ ... دعيت نزال ولج في الذعر\rإلا أن تكون الأخرى رواية فلا أبعدها؛ لأن زهيراً كان يتوكأ على أوس في كثير من شعره، وهي رواية الجمحي لا أظن غير ذلك، فأما بيت زهير في هذا المعنى فهو:","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"ولأنت أشجع حين تتجه ال ... أبطال من ليث أبي أجر\rوأما النابغة فقال من يحتج له: كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، ومدحاً، وهجاء، وفخراً، وصفة.\rوقال بعض متقدمي العلماء: الأعشى أشعر الأربعة، قيل له: فأين الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأ القيس بيده لواء الشعراء؟ فقال: بهذا الخبر صح للأعشى ما قلت، وذلك أنه ما من حامل لواء إلا على رأس أمير، فامرؤ القيس حامل اللواء، والأعشى الأمير.\rوقالت طائفة من المتعقبين: الشعراء ثلاثة: جاهلي، وإسلامي، ومولد؛ فالجاهلي امرؤ القيس، والإسلامي ذو الرمة، والمولد ابن المعتز. وهذا قول من يفضل البديع وبخاصة التشبيه على جميع فنون الشعر.\rوطائفة أخرى تقول: بل الثلاثة الأعشى والأخطل وأبو نواس. وهذا مذهب أصحاب الخمر وما ناسبها، ومن يقول بالتصرف وقلة التكلف.\rوقال قوم: بل الثلاثة مهلهل وابن أبي ربيعة وعباس بن الأحنف، وهذا قول من يؤثر الأنفة، وسهوله الكلام، والقدرة على الصنعة والتجويد في فن واحد، ولولا ذلك لكان شيخ الطبع أبو العتاهية مكان عباس. لكن أبا العتاهية تصرف.\rوليس في المولدين أشهر اسماً من الحسن أبي نواس، ثم حبيب والبحتري ويقال: إنهما أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر كلهم مجيد، ثم يتبعهما في الاشتهار ابن الرومي وابن المعتز، فطار اسم ابن المعتز حتى صار كالحسن في المولدين وامرئ القيس في القدماء؛ فإن هؤلاء الثلاثة لا يكاد يجهلهم أحد من الناس، ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس.\rوالاشتهار بالشعر أقسام وحدود، ولولا ذلك لم يكن نصر بن أحمد الخبزرزي أشهر من منصور النمري وكلثوم العتابي وأبي يعقوب الخريمي وأبي سعيد المخزومي.\rوفوق هؤلاء كلهم طبقة في السن أشهرهم وأشعرهم بشار بن برد، وليس يفضل على الحسن مولد سواه، وكذا روى الجاحظ وغيره من العلماء... ومن طبقة بشار مروان بن أبي حفصة، وأبو دلامة زند بن الجون الأعرابي، وقيل: زبد، بالباء معجمة بواحدة ساكنة ومتحركة حكاه المرزباني، والسيد الحميري، وسلم الخاسر، وأبو العتاهية، وجماعة يطول بهم الشرح ليس فيهم مثله.\rومن طبقة أبي نواس العباس بن الأحنف، ومسلم بن الوليد صريع الغواني، والفضل الرقاشي، وأبان اللاحقي، وأبو الشيص، والحسين بن الضحاك الخليع، ودعبل، ونظراء هؤلاء ساقتهم دعبل ليس فيهم نظير أبي نواس.\rوأما طبقة حبيب والبحتري وابن المعتز وابن الرومي فطبقة متداركة قد تلاحقوا، وغطوا على من سواهم، حتى نسي معهم بقية من أدرك أبا نواس كابن المعذل، وهو من فحول المحدثين وصدورهم المعدودين، غمره حبيب ذكراً واشتهاراً، وكأبي عفان أيضاً، أدرك أبا نواس، ولحق البحتري فستره، وكذلك الجماز، وللجماز يقول أبو نواس:\rاسقني يا بن أذين ... من سلاف الزرجون\rوديك الجن، وهو شاعر الشام، لم يذكر مع أبي تمام إلا مجازاً، وهو أقدم منه، وقد كان أبو تمام أخذ عنه أمثلة من شعره يحتذى عليها فسرقها، ودعبل ما أصاب مع أبي تمام طريقاً على تقدمه في السن والشهرة، ولم يذكر من أصحاب ابن الرومي وابن المعتز إلا من ذكر بسببهما في مكاتبة أو مناقضة، وأما أبو الطيب فلم يذكر معه شاعر إلا أبو فراس وحده، ولولا مكانه من السلطان لأخفاه، وكان الصنوبري والخبزرزي مقدمين عليه للسن، ثم سقطا عنه، على أن الصنوبري يسمى حبيباً الأصغر لجودة شعره، ولقيه مرة بالمصيصة أو غيرها فقال له يهزأ به: أنت صاحب بغادين؟ يريد قصيدته:\rشربنا في بغادين ... على تلك الميادين\rلما فيها من المجون والخلاعة، فقال له الصنوبري: أنت صاحب الطرطبة؟ يريد قصيدته:\rما أنصف القوم ضبه ... وأمه الطرطبه\rلما فيها من الركاكة، ولكل كلام وجه وتأويل، ومن التمس عيباً وجده، وقيل: بل قال له: أنت صاحب جاخا؟ قال: نعم، قال: أنت شاعر بلدك، يريد قوله في صفة الوعل:\rذاك أم أعصم كأن مدرياه ... حين عاجا على القذالين جاخا\rباب المقلين من الشعراء والمغلبين","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"ولما كان المشاهير من الشعراء كما قدمت أكثر من أن يحصوا ذكرت من المقلين وأصحاب الواحدة من وسع ذكره في هذا الموضع، ونبهت على بعض المغلبين منهم؛ لما تدعو إليه حلجة التأليف، وتقتضيه عادة التصنيف، غير مفرط ولا مفرط، إن شاء الله.\rفمن المقلين في الشعر: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة الفحل، وعدي بن زيد، وطرفة أفضل الناس واحدة عند العلماء، وهي المعلقة:\rلخوله أطلال ببرقة تمهد.\rوله سواها يسير؛ لأنه قتل صغيراً حول العشرين فيما روى، وأصح ما في ذلك قول أخته ترثيه:\rعددنا له ستاً وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيداً ضخما\rفجعنا به لما رجونا إيابه ... على خير حال لا وليداً ولا قحما\rأنشده المبرد، والقحم: المتناهي في السن. وعبيد بن الأبرص قليل الشعر في أيدي الناس على قدم ذكره، وعظم شهرته، وطول عمره، ويقال: إنه عاش ثلاثمائة سنة، وكذلك أبو دواد، وعبيد الذي أجاب امرأ القيس عن قوله حين قتلت بنو أسد أباه حجراً:\rوأفلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب\rفقال له عبيد وقرعه بقسم من شعره:\rفلو أدركت علباء بن قيس ... قنعت من الغنيمة بالإياب\rلأن امرأ القيس قد كان قد قال:\rوقد طوقت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب\rوقتل عبيداً النعمان بن المنذر يوم بؤسه، وقيل: عمرو بن هند. وعلقمة ابن عبدة حاكم امرأ القيس في شعره إلى امرأته، فحكمت عليه لعلقمة، فطلقها، وتزوجها علقمة فسمي الفحل لذلك، وقيل: بل كان في قومه آخر يسمى علقمة الخصي من ربيعة الجوع.\rولعلقمة الفحل ثلاث قصائد مشهورات إحداهن: ذهبت من الهجران في كل مذهب ويروي في غير مذهب وفي هذه القصيدة وقع الحكم له على امرئ القيس، والثانية قوله: طحا بك قلب في الحسان طروب والثالثة قوله: هل ما علمت وما استودعت مكتوم وأما عدي بن زيد فلقربه من الريف وسكناه الحيرة في حيز النعمان بن المنذر لانت ألفاظه فحمل عليه كثير، وإلا فهو مقل، ومشهوراته أربع: قوله:\rأرواح مودع أم بكور؟.\rوقوله:\rأتعرف رسم الدار من أم معبد؟.\rوقوله:\rليس شيء على المنون بباقي.\rوقوله:\rلم أر مثل الفتيان في غير ال ... أيام ينسون ما عواقبها\rوقال بعض العلماء وأحسبه أبا عمرو : وعدي في الشعراء مثل سهيل في النجوم: يعارضها ولا يجري معها. هؤلاء أشعارهم كثيرة في ذاتها، قليلة في أيدي الناس، ذهبت بذهاب الرواة الذين يحملونها.\rومن المقلين المحكمين سلامة بن جندل، وحصين بن الحمام المري، والمتلمس، والمسيب بن علس: كل أشعارهم قليل في ذاته جيد الجملة.\rويروى عن أبي عبيدة أنه قال: اتفقوا على أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، وحصين بن الحمام المري، وأما أصحاب الواحدة فطرفة أولهم عند الجمحي، وهو الحكم الصواب.\rومنهم عنترة، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، من أصحاب المعلقات المشهورات، وعمرو بن معدي كرب، صاحب:\rأمن ريحانة الداعي السميع.\rوالأسعر بن أبي حمران الجعفي صاحب المقصورة:\rهل بان قلبك من سليمى فاشتفى؟.\rوسويد بن أبي كاهل، صاحب:\rبسطت رابعة الحبل لنا.\rوالأسود بن يعفر، صاحب:\rنام الخلي فما أحس رقادي\rوله شعر كثير، إلا أنه لا ينتهي إلى قصيدته هذه.\rوكان امرؤ القيس مقلاً، كثير المعاني والتصرف، لا يصح له إلا نيف وعشرون شعراً بين طويل وقطعة، ولا ترى شاعراً يكاد يفلت من حبائله، وهذه زيادة في فضله وتقديمه.\rوأما المغلبون فمنهم نابغة بني جعدة، ومعنى المغلب: الذي لا يزال مغلوباً. قال امرؤ القيس:\rفإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلب\rيعني أنه إذا قدر لم يبق، فإذا قالوا: غلب فلان فهو الغالب. وقد غلب على الجعدي أوس بن مغراء القريعي، وغلبت عليه ليلى الأخيلية، قال الجمحي: وقد غلب عليه من لم يكن إليه في الشعر ولا قريباً منه: عقال بن خويلد العقيلي وكان مفحماً بكلام لا بشعر، وهجاه سوار بن أوفى القشيري، وهاجاه وفاخره الأخطل، وله يقول عبيد بن حصين الراعي يتوعده:","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"فإني زعيم أن أقول قصيدة ... مبينة كالنقب بين المخازم\rخفيفة أعجاز المطي، ثقيلة ... على قربها، نزالة بالمواسم\rوقد علم الكافة ما صنع جرير بالأخطل والراعي جميعاً، وقيل: إن موت الجعدي كان بسبب ليلى الأخيلية: فر من بين يديها فمات في الطريق مسافراً، والأصح أنها هي التي ماتت في طلبه. قال الجمحي: كان النابغة الجعدي أقدم من الذبياني؛ لأنه أدرك المنذر بن محرق، ويشهد بذلك قوله:\rتذكرت والذكرى تهيج على الفتى ... ومن عادة المحزون أن يتذكرا\rنداماي عند المنذر بن محرق ... فأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا\rوالذبياني إنما أدرك النعمان، وقال غيره: إن النابغة الذبياني شفع عند الحارث بن أبي شمر الغساني حين قتل المنذر في أسارى بني أسد فشفعه، وإياه عني علقمة بن عبدة بقوله:\rوفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب\rقال الجمحي: وكان الجعدي مختلف الشعر، سئل عنه الفرزدق فقال: مثله مثل صاحب الخلقان: ترى عنده ثوب عصب، وثوب خز، وإلى جنبه شملة كساء. وكان الأصمعي يمدحه بهذا، وينسبه إلى قلة التكلف، فيقول: عنده خمار بواف، ومطرف بآلاف بواف: يعني بدرهم وثلث.\rومن المغلبين الزبرقان، غلبه عمرو بن الأهتم، وغلبه المخبل السعدي، وغلبه الحطيئة، وقد أجاب الاثنين ولم يجب الحطيئة.\rوقال يونس بن حبيب: كان البعيث مغلباً في الشعر، غلاباً في الخطب.\rومنهم تميم بن أبي بن مقبل: هجاه النجاشي فقهره وغلب عليه، حتى استعدى قومه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن من أشكاله في الشعر فيقرن به، وهاجى النجاشي عبد الرحمن بن حسان فغلبه عبد الرحمن وأفحمه.\rوحدثنا أبو عبد الله محمد بن جعفر، قال: هجا الأعور بن براء بني كعب، ومدح قومه بني كلاب، فأتت بنو كعب تميم بن أبي بن مقبل ينتصرون عليه به، فقال: لا أهجوهم، ولكني أقول فارووا فقد جاءكم الشعر، وقال:\rولست وإن شاحنت بعض عشيرتي ... لأذكر ما الكهل الكلابي ذاكر\rفكم لي من أم لعبت بثديها ... كلابية عادت عليها الأواصر\rفأتت الأعور بن براء بنو كعب فعنفوه ورجعوا عليه، فقال:\rولست بشاتم كعباً، ولكن ... على كعب وشاعرها السلام\rولست ببائع قوماً بقوم ... هم الأنف المقدم والسنام\rوكائن في المعاشر من قبيل ... أخوهم فوقهم وهم كرام\rفتسالما، وكان سبب ذلك إغضاء بن مقبل وإعطاؤه المقادة هرباً من الهجاء، وقوم يرون ذلك منه أنفة.\rومن مغلبي المولدين على جلالته، وتقدمه بشار بن برد، فإن حماد عجرد وليس من رجاله، ولا أكفائه هجاه فأبكاه، ومثل به أشد تمثيل.\rوعلي بن الجهم: هاجى أبا السمط مروان بن أبي الجنوب فغلبه مروان، وهاجاه البحتري فغلب عليه أيضاً، على أن علياً أقذع منه لساناً، وأسبق إلى ما يريده من ذلك، وأقدم سناً.\rومنهم حبيب: هاجى السراج وعتبة فما أتى بشيء، وهجاه ابن المعذل حين أراد وجهته فقال: أما هذا فقد كفى ناحيته، ولم يقدم عليه، على أن حبيباً أطول منه ذكراً وأبعد صوتاً في الشعر، والذي قال له:\rأنت بين اثنتين، تبرز للنا ... س لكلتيهما بوجه مذال\rلست تنفك طالباً لوصال ... من حبيب أو راغباً في نوال\rأي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال؟\rورأيت في شعر ابن المعذل في رواية المبرد أن عبد الصمد اجتمع بحبيب عند بعض بني هاشم، فكتب في رقعة هذه الأبيات المذكورة وألقاها إليه، وهاجى دعبلاً فاستطال عليه دعبل أيضاً.\rباب من رغب من الشعراء عن ملاحاة غير الأكفاء\rمنهم الزبرقان بن بدر: لما هجاه المخبل السعدي جاوبه بعتاب؛ لأنه رآه أهلاً لذلك من أجل شرف بيته وجلالته في نفسه، فلما هجاه الحطيئة لم يره مكاناً للجواب، على أنه ابن عمه وجاره في النسب لأنهما جميعاً من مضر، بل استعدى عليه عمر رضي الله عنه فأنصفه.\rوسحيم بن وثيل يقول للأحوص والأبيرد بن المعذر وهما شاعران مفلقان، وقال عبد الكريم: الأبيرد ابن أخي الأحوص:\rعذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابني لبون!\rفأنت ترى هذا الاحتقار.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"ومثل هذا وإن لم يكن من هذا الباب بحتاً قول الفرزدق لعمر بن لجأ لما أعانه الفرزدق على جرير بشعر، وفطن له جرير، فدهش عمر ولم يجد جواباً، فقال الفرزدق حين بلغه ذلك يستضعفه ويستوهن عز\rوما أنت إن قرما تميمٍ تساميا ... أخا اليتيم إلا كالوشيظة في العظم\rفلو كنت مولى العز أوفى طلابه ... ظلمت ولكن لا بدى لك بالظلم\rوالفرزدق قال فيه الطرماح من شعر هجا فيه بيوت بني سعد:\rواسأل فقيرة بالمروت هل شهدت ... شوط الحطيئة بين الكسر والنضد\rأو كان في غالب شعر فيشبهه ... شعر ابنه فينال الشعر من صدد\rجاءت به نطفة من شر ماء صرى ... سيقت إلى شر واد شق في بلد\rفقال الفرزدق يتهاون بأمره ويستحقره:\rإن الطرماح يهجوني لأرفعه ... أيهات أيهات عيلت دونه القضب\r\" عيلت دونه القضب أي: رفعت عنه القصائد، من قولهم: عالت الفريضة، أي: ارتفعت، والقضيب: القصيدة لأنها تقتضب.\rوجرير هجاه بشار بن برد بأشعار كثيرة فلم يجبه، قال بشار: ولم أهجه لأغلبه، ولكن ليجيبني فأكون من طبقته، ولو هجاني لكنت أشعر الناس.\rوهجا حماد عجرد بشاراً، فلم يجبه أنفة واحتقاراً، إلى أن قال فيه:\rله مقلة عمياء واست بصيرة ... إلى الأير من تحت الثياب تشير\rعلى وده أن الحمير تنيكه ... وأن جميع العالمين حمير\rفغضب وهجاه. قال الجاحظ: ما كان ينبغي لبشار أن يضاد حماد عجرد من جهة الشعر؛ لأن حماداً في الحضيض وبشاراً في العيوق، وليس مولد قروي يعدله شعر في المحدث إلا وبشار أشعر منه، ولا نعلم مولداً بعد بشار أشعر من أبي نواس.\rوهجا ابن الرومي البحتري، وابن الرومي من علمت، فأهدى إليه تخت متاع وكيس دراهم، وكتب إليه ليريه أن الهدية ليست تقية منه، ولكن رقة عليه، وأنه لم يحمله على ما فعل إلا الفقر والحسد المفرط:\rشاعر لا أهابه ... نبحتني كلابه\rإن من لا أعزه ... لعزيز جوابه\rوأبو تمام: هجاه دعبل وغيره من الأكفاء فجاوبهم، وابتدأ بعضهم، ولم يلتفت إلى مخلد بن بكار الموصلي حين قال فيه وكانت في حبيب حبسة شديدة إذا تكلم:\rيا نبي الله في الشع ... ر ويا عيسى بن مريم\rأنت من أشعر خلق ... الله ما لم تتكلم\rوقال فيه أشعاراً كثيرة منها:\rانظر إليه وإلى خبثه ... كيف تطايا وهو منشور\rويحك من دلاك في نسبة ... قلبك منها الدهر مذعور\rإن ذكرت طاء على فرسخ ... أظلم في ناظرك النور\rبل رآه دون المهاجاة والجواب، ولو هجاه لشرفت حاله ونبه ذكره.\rوكذلك فعل المتنبي حين بلي بحماقات ابن حجاج البغدادي: سكت عنه اطراحاً واحتقاراً، ولو أجابه لما كان بحيث هو من الأنفة والكبر؛ لأنه ليس من أنداده، ولا من طبقته.\rولما وصل أبو القاسم بن هانئ إلى أفريقية هجاه الشعراء، فقال: لا أجيب منهم أحداً إلا أن يهجوني علي التونسي فإني أجيبه، فلما بلغ قوله علياً قال: أما إني لو كنت ألأم الناس ما هجوته بعد أن شرفني على أصحابي وجعلني من بينهم كفئاً له.\rومن الشعراء من يتزيا بالكبر، ويظهر الأنفة في الجواب عن هجاء من هو مثله أو فوقه خوفاً من الزراية على نفسه، كما وقع من جماعة أعرفهم من أهل عصرنا، وهو يتسرعون إلى أعراض السوقة والباعة، ويستفحلون على الصبيان ومن ليس من أهل الصناعة، ولو كانت لهم أنفة كما يزعمون إلا عن الأكفاء لكانوا عمن لا يحسن شيئاً بالجملة ولا يعد في الخاصة أشد تنزهاً.\rومنهم من لا يهجو كفئاً ولا غيره؛ لما في الهجو من سوء الأثر، وقبح السمعة: كالذي يحكى عن العجاج أنه قيل له: لم لا تهجو؟ فقال: ولم أهجو؟ إن لنا أحساباً تمنعنا من أن نظلم، وأحلاما تمنعنا من أن نظلم، وهل رأيتم بانياً لا يحسن أن يهدم؟ ثم قال: أتعلمون أني أحسن أن أمدح؟ قالوا: نعم، قال:","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"أفلا أحسن أن أجعل مكان \" أصلحك الله \" \" قبحك الله \" ومكان \" حياك الله \" \" أخزاك الله \" . وقد رد ابن قتيبة هذا القول على العجاج بأن الهجاء أيضاً بناء، وليس كل بان لضرب بانياً لغيره. ورده الجاحظ بأن من الشعراء من لا يجيد فناً من الشعر، وإن أجاد فناً غيره، كما يوجد ذلك في كل صناعة. ومعنى الجاحظ وابن قتيبة واحد، وإن اختلف اللفظان، والصواب ما قالا إلا أن يعرف من الشاعر أنف عن قدرة لا تدفع، وبعد تجربة لا تستراب، فحينئذ. وسئل نصيب عن مثل ذلك فقال: إنما الناس أحد ثلاثة: رجل لم أعرض لسؤاله فما وجه ذمه، ورجل سألته فأعطاني فالمدح أولى به من الهجاء، ورجل سألته فحرمني فأنا بالهجاء أولى منه، وهذا كلام عاقل منصف، لو أخذ به الشعراء أنفسهم لاستراحوا واستراح الناس.\rوقد كان في زماننا من انتحل هذا المذهب، وهو أبو محمد عبد الكريم بن إبراهيم، لم يهج أحداً قط. ومن أناشيده في كتابه المشهور، لغيره من الشعراء:\rولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكي وأبكي البواكيا\rفإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا\rوإما كرام معسرون عذرتهم ... وإما لئام فادخرت حيائيا\rوهذا مثل كلام نصيب في المنثور الذي تقدم، وإنما ذكرت هؤلاء لأنهم يمدحون ولا يرضون بالهجاء، وأما من لا يمدح فأحرى أن لا يهجو أحداً، على أن منهم من لم يقل قط إلا هجواً أو شبيهاً به: كيحيى بن نوفل، ذكره دعبل في طبقاته، ونجد له من أهل عصرنا نظراء عدة.\rباب في الشعراء والشعر\rطبقات الشعراء أربع: جاهلي قديم، ومخضرم، وهو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، وإسلامي، ومحدث. ثم صار المحدثون طبقات: أولى وثانية على التدريج، وهكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا، فليعلم المتأخر مقدار ما بقي له من الشعر فيتصفح مقدار من قبله لينظركم بين المخضرم والجاهلي، وبين الإسلامي والمخضرم، وأن المحدث الأول فضلاً عمن دونه دونهم في المنزلة، على أنه أغمض مسلكاً وأرق حاشية، فإذا رأى أنه ساقة الساقة تحفظ على نفسه، وعلم من أين يؤتى، ولم تغرره حلاوة لفظه، ولا رشاقة معناه، ففي الجاهلية والإسلام من ذهب بكل حلاوة ورشاقة، وسبق إلى كل طلاوة ولباقة.\rقال أبو الحسن الأخفش: يقال: ماء خضرم، إذا تناهى في الكثرة والسعة، فمنه سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مخضرماً، كأنه استوفى الأمرين، قال: ويقال: أذن مخضرمة، إذا كانت مقطوعة، فكأنه انقطع عن الجاهلية إلى الإسلام.\rوحكى ابن قتيبة عن عبد الرحمن عن عمه، قال: أسلم قوم في الجاهلية على إبل قطعوا آذانها، فسمي كل من أدرك الجاهلية والإسلام مخضرماً، وزعم أنه لا يكون مخضرماً حتى يكون إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد أدركه كبيراً ولم يسلم، وهذا عندي خطأ؛ لأن النابغة الجعدي ولبيداً قد وقع عليهما هذا الاسم، وأما علي بن الحسين كراع فقد حكى: شاعر مخضرم بحاء غير معجمة مأخوذ من الحضرمة، وهي الخلط؛ لأنه خلط الجاهلية بالإسلام.\rوأنشد بعض العلماء ولم يذكر قائله:\rالشعراء فاعلمن أربعه ... فشاعر لا يرتجى لمنفعه\rوشاعر ينشط وسط المجمعه ... وشاعر آخر لا يجري معه\rوشاعر يقال خمر في دعه\rوهكذا رويتها عن أبي محمد عبد العزيز بن أبي سهل رحمه الله، وبعض الناس يرويها على خلاف هذا.\rوقد قيل: لا يزال المرء مستوراً وفي مندوحة ما لم يصنع شعراً أو يؤلف كتاباً؛ لأن شعره ترجمان علمه، وتأليفه عنوان عقله.\rوقال الجاخظ: من صنع شعراً أو وضع كتاباً فقد استهدف؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف.\rقال حسان بن ثابت، وما أدراك ما هو؟:\rوإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته: صدقا\rوإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيساً وإن حمقا\rوقال محمد بن مناذر وكان إماماً:\rلا تقل شعراً ولا تهمم به ... وإذا ما قلت شعراً فأجد\rوقال شيطان الشعراء دعبل بن علي:\rسأقضي ببيت يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الروايات حامله\rيموت ردي الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى وإن مات قائله\rوقالوا:","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"الشعراء أربعة: شاعر حنذيذ، وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، وسئل رؤبة عن الفحولة، قال: هم الرواة؛ وشاعر مفلق، وهو الذي لا رواية له إلا أنه مجود كالخنذيذ في شعره؛ وشاعر فقط، وهو فوق الرديء بدرجة؛ وشعرور، وهو لا شيء. قال بعض الشعراء لآخر هجاه:\rيا رابع الشعراء كيف هجوتني ... وزعمت أني مفحم لا أنطق\rوقيل: بل هم شاعر مفلق، وشاعر مطلق، وشويعر، وشعرور، والمفلق: هو الذي يأتي في شعره بالفلق، وهو العجب، وقيل: الفلق الداهية قال الأصمعي: فالشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران، سماه بذلك امرؤ القيس، ومثل عبد العزى المعروف بالشويعر، وهو الذي يقول:\rفنلت به ثأري، وأدركت ثورتي ... إذا ما تناسى ذحله كل غيهب\rوهو الضعيف عن طلب ثأره، وروى بالغين معجمة وبالعين غير معجمة.\rقال الجاحظ: والشويعر أيضاً صفوان بن عبد ياليل من بني سعد بن ليث، وقيل: اسمه ربيعة بن عثمان، وهو القائل:\rوأفلتنا أبو ليلى طفيل ... صحيح الجلد من أثر السلاح\rوقال بعضهم: شاعر، وشويعر، وشعرور.\rوقال العبدي في شاعر يدعى المفوف من بني ضبة ثم من بني حميس:\rألا تنهى سراة بني خميسٍ ... شويعرها فويلية الأفاعي\rفسماه شويعراً، وفالية الأفاعي: دويبة فوق الخنفساء، فصغرها أيضاً تحقيراً له وزعم الحاتمي أن النابغة سئل: من أشعر الناس؟ فقال: من استجيد جيده، وأضحك رديئه، وهذا كلام يستحيل مثله عن النابغة؛ لأنه إذا أضحك رديئه كان من سفلة الشعراء، إلا أن يكون ذلك في الهجاء خاصة، وقال الحطيئة:\rالشعر صعب وطويل سلمه ... والشعر لا يسطيعه من يظلمه\rإذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه ... زلت به إلى الحضيض قدمه\rيريد أن يعربه فيعجمه\rوإنما سمي الشاعر شاعراً؛ لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة قيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر؛ كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس بفضل عندي مع التقصير..\rولقي رجل آخر فقال له: إن الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وماص بظر أمه، فأيهم أنت؟ قال: أما أنا فشويعر، واختصم أنت وامرؤ القيس في الباقي.\rوقال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك، ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط.\rوقد قال ابن الرومي يهجو ابن طيفور:\rعدمتك يا ابن أبي الطاهر ... وأطعمت ثكلك من شاعر\rفما أنت سخن ولا بارد ... وما بين ذين سوى الفاتر\rوأنت كذاك تغثي النفو ... س تغثية الفاتر الخاثر\rوقد يجوز أن يكون النابغة أشار فيما حكى عنه الحاتمي من الرديء المضحك إلى هذا النحو.\rوقيل: عمل الشعر على الحاذق به أشد من نقل الصخر، ويقال: إن الشعر كالبحر أهون ما يكون على الجاهل أهول ما يكون على العالم، وأتعب أصحابه قلباً من عرفه حق معرفته، وأهل صناعة الشعر أبصر به من العلماء بآلته من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك ولو كان دونهم بدرجات، وكيف إن قاربوهم أو كانوا منهم بسبب؟ وقد كان أبو عمرو بن العلاء وأصحابه لا يجرون مع خلف الأحمر في حلبة هذه الصناعة أعني النقد ولا يشقون له غباراً، لنفاذه فيها؛ وحذقه بها، وإجادته لها وقد يميز الشعر من لا يقوله، كالبزاز يميز من الثياب ما لم ينسجه، والصيرفي يخبر من الدنانير ما لم يسبكه ولا ضربه، حتى أنه ليعرف مقدار ما فيه من الغش وغيره فينقص قيمته.\rوحكى أن رجلاً قال لخلف الأحمر: ما أبالي إذا سمعت شعراً استحسنته ما قلت أنت وأصحابك فيه!! فقال له: إذا أخذت درهماً تستحسنه وقال لك الصيرفي إنه رديء هل ينفعك استحسانك إياه؟.\rوقيل للمفضل الضبي: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي به هو الذي يمنعني من قوله، وأنشد:\rوقد يقرض الشعر البكي لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو لبيب","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"والشعر مزلة العقول، وذلك أن أحداً ما صنعه قط فكتمه ولو كان رديئاً، وإنما ذلك لسروره به، وإكباره إياه، وهذه زيادة في فضل الشعر، وتنبيه على قدره وحسن موقعه من كل نفس.\rوقال الأصمعي على تقدمه في الرواية وميزة بالشعر:\rأبى الشعر إلا أن يفيء رديه ... علي، ويأبى منه ما كان محكما\rفيا ليتني إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أكُ من فرسانه كنت مفحما\rوقال عبد الكريم: الشعر أربعة أصناف: فشعر هو خير كله، وذلك ما كان في باب الزهد، والمواعظ الحسنة، والمثل العائد على من تمثل به بالخير، وما أشبه ذلك؛ وشعر هو ظرف كله، وذلك القول في الأوصاف، والنعوت والتشبيه، وما يفتن به من المعاني والآداب؛ وشعر هو شر كله، وذلك الهجاء، وما تسرع به الشاعر إلى أعراض الناس؛ وشعر يتكسب به، وذلك أن يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ويخاطب كل إنسان من حيث هو، ويأتي إليه من جهة فهمه.\rوذكر الجمحي في الشعراء المقاحم والثنيان قال: والمقحم: الذي يقتحم سناً إلى أخرى، وليس بالبازل ولا المستحكم، وأنشد لأوس بن حجر:\rوقد رام بحري قبل ذلك طامياً ... من الشعراء كل عود ومقحم\rقال: والثنيان: الواهن العاجز، وأنشد لأوس بن مغراء:\rترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم ... بدؤهم إن أتانا كان ثنيانا\rقال غيره: الثنيان: الذي ليس بالرئيس، بل هو دونه، وأنشدوا لنابغة بني ذبيان يخاطب يزيد بن الصعق:\rيصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان\rقال الجمحي: وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات: منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، منها ما تثقفه اليد منها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس ولا طراوة ولا دنس ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرغها، ومنه البصر بأنواع المتاع وضروبه وصنوفه مع تشابه لونه ومسه وذرعه واختلاف بلاده حتى يرد كل صنف منها إلى بلده الذي خرج منه، وكذلك بصر الرقيق فتوصف الجارية فيقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، جيدة النهدين، ظريفة اللسان، واردة الشعر، فتكون بهذه الصفة بمائة دينار وبمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار وألفي دينار؛ ولكن لا يجد واصفها مزيداً على هذه الصفة؛ وتوصف الدابة فيقال: خفيف العنان، لين الظهر، جيد الحافر، فتي السن، نقي من العيوب؛ فيكون بخمسين ديناراً أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار وأكثر، تكون هذه صفتها، ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء: إنه لندي الحلق، حسن الصوت، طويل النفس، مصيب اللحن، ويوصف الآخر والأخرى بهذه الصفة وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك أهل العلم به عند المعاينة والاستماع، بلا صفة ينتهي إليها ولا علم يوقف عليه، وإن كثرت المدارسة للشيء لتعين على العلم به، وكذلك الشعر يعرفه أهل العلم به.\rوسمعت بعض الحذاق يقول: ليس للجودة في الشعر صفة، إنما هو شيء يقع في النفس عند المميز: كالفرند في السيف، والملاحة في الوجه، وهذا راجع إلى قول الجمحي، بل هو بعينه، وإنما فيه فضل الاختصار.\rباب حد الشعر وبنيته","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء، وهي: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، فهذا هو حد الشعر؛ لأن من الكلام موزوناً مقفى وليس بشعر؛ لعدم القصد والنية، كأشياء اتزنت من القرآن، ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما لم يطلق عليه أنه شعر، والمتزن: ما عرض على الوزن فقبله، فكأن الفعل صار له، ولهذه العلة سمي ما جرى هذا المجرى من الأفعال فعل مطاوعة، هذا هو الصحيح، وعند طائفة من أصحاب الجدل أن المنفعل والمفتعل لا فاعل لهما، نحو: شويت اللحم فهو منشوٍ ومشتوٍ، وبنيت الحائط فهو منبنٍ، ووزنت الدينار فهو متزن، وهذا محال لا يصح مثله في العقول، وهو يؤدي إلى ما لا حاجة لنا به، ومعاذ الله أن يكون مراد القوم في ذلك إلا المجاز والاتساع، وإلا فليس هذا مما يغلط فيه من رق ذهنه وصفا خاطره، وإنما جئت بهذا الفصل احتجاجاً على من زعم أن المتزن غير داخل في الموزون، وإذا لم يعرض المتزن على الوزن فيوجد موزوناً فمن أين يعلم أنه متزن؟ وكيف يقع عليه هذا الاسم؟ وقال بعض العلماء بهذا الشأن: بني الشعر على أربعة أركان، وهي: المدح، والهجاء، والنسيب، والرثاء.\rوقالوا: قواعد الشعر أربعة: الرغبة، والرهبة، والطرب، والغضب: فمع الرغبة يكون المدح والشكر، ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف، ومع الطرب يكون الشوق ورقة النسيب، ومع الغضب يكون الهجاء والتوعد والعتاب الموجع.\rوقال الرماني علي بن عيسى: أكثر ما تجري عليه أغراض الشعر خمسة: النسيب، والمدح، والهجاء، والفخر، والوصف، ويدخل التشبيه والاستعارة في باب الوصف.\rوقال عبد الملك بن مروان لأرطأة بن سهية: أتقول الشعر اليوم؟ فقال: والله ما أطرب، ولا أغضب، ولا أشرب، ولا أرغب، وإنما يجيء الشعر عند إحداهن. قال أبو علي البصير:\rمدحت الأمير الفتح أطلب عرفه ... وهل يستزاد قائل وهو راغب\rفأفنى فنون الشعر وهي كثيرة ... وما فنيت آثاره والمناقب\rفجعل الرغبة غاية لا مزيد عليها.\rوقال عبد الكريم: يجمع أصناف الشعر أربعة: المديح، والهجاء، والحكمة، واللهو، ثم يتفرغ من كل صنف من ذلك فنون؛ فيكون من المديح المرائي والافتخار والشكر، ويكون من الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء، ويكون من الحكمة الأمثال والتزهيد والمواعظ، ويكون من اللهو الغزل والطرد وصفة الخمر والمخمور.\rوقال قوم: الشعر كله نوعان: مدح، وهجاء؛ فإلى المدح يرجع الرثاء، والافتخار، والتشبيب، وما تعلق بذلك من محمود الوصف: كصفات الطلول والآثار، والتشبيهات الحسان، وكذلك تحسين الأخلاق: كالأمثال، والحكم، والمواعظ، والزهد في الدنيا، والقناعة، والهجاء ضد ذلك كله، غير أن العتاب حال بين حالين؛ فهو طرف لكل واحد منهما، وكذلك الإغراء ليس بمدح ولا هجاء؛ لأنك لا تغرى بإنسان فتقول: إنه حقير ولا ذليل، إلا كان عليك وعلى المغري الدرك، ولا تقصد أيضاً بمدحه الثناء عليه فيكون ذلك على وجهه.\rوالبيت من الشعر كالبيت من الأبنية: قراره الطبع، وسمكه الرواية، ودعائمه العلم، وبابه الدربة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون، وصارت الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية، أو كالأواخي والأوتاد للأخبية، فأما ما سوى ذلك من محاسن الشعر فإنما هو زينة مستأنفة ولو لم تكن لاستغنى عنها.\rقال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب كتاب الوساطة: الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء، ثم تكون الدربة مادة له، وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز، وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان. وقال: ولست أفضل في هذه القضية بين القديم والمحدث، والجاهلي والمخضرم، والأعرابي والمولد، إلا أني أرى حاجة المحدث إلى الرواية أمس، وأجده إلى كثرة الحفظ أفقر، فإذا استكشفت عن هذه الحال وجدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناول ألفاظ العربي إلا رواية، ولا طريق إلى الرواية إلا السمع، وملاك السمع الحفظ.\rقال دعبل في كتابه:","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"من أراد المديح فبالرغبة، ومن أراد الهجاء فبالبغضاء، ومن أراد التشبيب فبالشوق والعشق، ومن أراد المعاتبة فبالاستبطاء؛ فقسم الشعر كما ترى هذه الأقسام الأربعة، وكان الرثاء عنده من باب المدح على ما قدمت، إلا أنه جعل العتاب بدلاً منه.\rوقال غير واحد من العلماء: الشعر ما اشتمل على المثل السائر، والاستعارة الرائعة، والتشبيه الواقع، وما سوى ذلك فإنما لقائله فضل الوزن.\rوقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: قلت لأعرابي: من أشعر الناس؟ قال: الذي إذا قال أسرع، وإذا أسرع أبدع، وإذا تكلم أسمع، وإذا مدح رفع، وإذا هجا وضع.\rوسئل بعض أهل الأدب: من أشعر الناس؟ فقال: من أكرهك شعره على هجو ذويك ومدح أعاديك، يريد الذي تستحسنه فتحفظ منه ما فيه عليك وصمة، وخلاف للشهوة، وهذا ذوب قول أبي الطيب:\rوأسمع من ألفاظه اللغة التي ... يلذ بها سمعي ولو ضمنت شتمي\rأخذه من قول أبي تمام:\rفإن أنا لم يمدحك عني صاغراً ... عدوك فاعلم أنني غير حامد\rأتبعه البحتري في ذلك فقال:\rليواصلنك ركب شعري سائراً ... يرويه فيك لحسنه الأعداء\rوقال عبد الصمد بن المعذل: الشعر كله في ثلاث لفظات، وليس كل إنسان يحسن تأليفها: فإذا مدحت قلت أنت، وإذا هجوت قلت لست، وإذا رثيت قلت كنت.\rوقال بعض النقاد: أصغر الشعر الرثاء؛ لأنه لا يعمل رغبة ولا رهبة.\rقال ابن قتيبة: قال أحمد بن يوسف الكاتب لأبي يعقوب الخريمي: أنت في مدائحك لمحمد بن منصور كاتب البرامكة أشعر منك في مراثيك له، فقال: كنا يومئذ نعمل على الرجاء، ونحن نعمل اليوم على الوفاء.\rقال صاحب الكتاب: ومن هذا المنثور والله أعلم سرق البصير بيته المتقدم في الفتح بن خاقان.\rوقيل لبعضهم: ما أحسن الشعر؟ فقال: ما أعطى القياد، وبلغ المراد.\rوقال أبو عبد الله وزير المهدي: خير الشعر ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة.\rوسمعت بعض الشيوخ يقول: قال الحذاق: لو كانت البلاغة في التطويل ما سبق إليها أبو نواس والبحتري.\rوقال بعض الحذاق من المتعقبين: أشعر الناس من تخلص في مدح امرأة ورثائها.\rوقال ابن المعتز: قيل لمعتوه: ما أحسن الشعر؟ قال: ما لم يحجبه عن القلب شيء.\rباب في اللفظ والمعنى\rاللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم: يضعف بضعفه، ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح، ولا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ، وجريه فيه على غير الواجب، قياساً على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح، فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه، وإن كان حسن الطلاوة في السمع، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأي العين، إلا أنه لا ينتفع به ولا يفيد فائدة، وكذلك إن اختل اللفظ جملة وتلاشى لم يصح له معنى؛ لأنا لا نجد روحاً في غير جسم البتة.\rثم للناس فيما بعد آراء ومذاهب: منهم من يؤثر اللفظ على المعنى فيجعله غايته ووكده، وهم فرق: قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته، على مذهب العرب من غير تصنع، كقول بشار:\rإذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما\rإذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما\rوهذا النوع أدل على القوة، وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار، وكذلك ما مدح به الملوك يجب أن يكون من هذا النحت.\rوفرقة أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر: كأبي القاسم بن هانئ ومن جرى مجراه؛ فإنه يقول أول مذهبته:\rأصاخت فقالت: وقع أجرد شيظم ... وشامت فقالت: لمع أبيض مخذم\rوما ذعرت إلا لجرس حليها ... ولا رمقت إلا برى في مخدم","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وليس تحت هذا كله إلا الفساد، وخلاف المراد، ما الذي يفيدنا أن تكون هذه المنسوب بها ليست حليها فتوهمته بعد الإصاخة والرمق وقع فرس أو لمع سيف؟ غير أنها مغزوة في دارها، أو جاهلة بما حملته من زينتها، ولم يخف عنا مراده أنها كانت تترقبه!! فما هذا كله؟ وكانت عند أبي القاسم مع طبعه صنعة، فإذا أخذ في الحلاوة والرقة، وعمل بطبعه وعلى سجيته؛ أشبه الناس، ودخل في جملة الفضلاء؛ وإذا تكلف الفخامة، وسلك طريق الصنعة أضر بنفسه، وأتعب سامع شعره. ويقع له من الكلام المصنوع والمطبوع في الأحايين أشياء جيدة، كقوله في المطبوع يصف شجعاناً:\rلا يأكل السرحان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسر\rالعقير ههنا منهم، أي: لم يمت لشجاعته حتى تحطم عليه من الرماح ما لا يصل معه الذئب إليه كثرة، ولو كان العقير هو الذي عقروه هم لكان البيت هجواً؛ لأنه كان يصفهم بالضعف والتكاثر على واحد. وقوله في المصنوع:\rوجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنضر من ورق الحديد الأخضر\rفهذا كله جيد وبديع، وقد زاد فيه على قول البحتري:\rحملت حمائله القديمة بقلةً ... من عهد عاد غضة لم تذبل\rويروى:\rمن عهد تبع\rومنهم من ذهب إلى سهولة اللفظ فعني بها، واغتفر له فيها الركاكة واللين المفرط: كأبي العتاهية، وعباس بن الأحنف، ومن تابعهما، وهم يرون الغاية قول أبي العتاهية:\rيا إخوتي إن الهوى قاتلي ... فيسروا الأكفان من عاجل\rولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل\rعيني على عتبة منهلة ... بدمعها المنسكب السائل\rيا من رأى قبلي قتيلاً بكى ... من شدة الوجد على القاتل\rبسطت كفي نحوكم سائلاً ... ماذا تردون على السائل؟\rإن لم تنيلوه فقولوا له ... قولاً جميلاً بدل النائل\rأو كنتم العام على عسرة ... منه فمنوه إلى قابل\rوقد ذكر أن أبا العتاهية وأبا نواس والحسين بن الضحاك الخليع اجتمعوا يوماً، فقال أبو نواس: لينشد كل واحد قصيدة لنفسه في مراده من غير مدح ولا هجاء، فأنشد أبو العتاهية هذه القصيدة، فسلما له وامتنعا من الإنشاد بعده، وقالا له: أما مع سهولة هذه الألفاظ، وملاحة هذا القصد، وحسن هذه الإشارات؛ فلا ننشد شيئاً، وذلك في بابه من الغزل جيد أيضاً لا يفضله غيره.\rومنهم من يؤثر المعنى على اللفظ فيطلب صحته، ولا يبالي حيث وقع من هجنة اللفظ وقبحه وخشونته: كابن الرومي، وأبي الطيب، ومن شاكلهما: هؤلاء المطبوعون، فأما المتصنعون فسيرد عليك ذكرهم إن شاء الله تعالى.\rوأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى، سمعت بعض الحذاق يقول: قال العلماء: اللفظ أغلى من المعنى ثمناً، وأعظم قيمة، وأعز مطلباً؛ فإن المعاني موجودة في طباع الناس، يستوي الجاهل فيها والحاذق، ولكن العمل على جودة الألفاظ، وحسن السبك، وصحة التأليف، ألا ترى أن رجلاً أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر، وفي الإقدام بالأسد، وفي المضاء بالسيف، وفي العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة لم يكن للمعنى قدر.\rوبعضهم وأظنه ابنوكيع مثل المعنى بالصورة، واللفظ بالكسوة؛ فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها ويليق بها من اللباس فقد بخست حقها، وتضاءلت في عين مبصرها.\rوقال عبد الكريم وكان يؤثر اللفظ على المعنى كثيراً في شعره وتآليفه : الكلام الجزل أغنى عن المعاني اللطيفة من المعاني اللطيفة عن الكلام الجزل، وإنما حكاه ونقله نقلاً عمن روى عنه النحاس.\rومن كلام عبد الكريم: قال بعض الحذاق: المعنى مثال، واللفظ حذو، والحذو يتبع المثال؛ فيتغير بتغيره، ويثبت بثباته.\rومنه قول العباس بن حسن العلوي في صفة بليغ: معانيه قوالب لألفاظه، هكذا حكى عبد الكريم، وهو الذي يقتضيه شرط كلامه، ثم خالف في موضع آخر فقال: ألفاظه قوالب لمعانيه، وقوافيه معدة لمبانيه، والسجع يشهد بهذه الرواية الأخرى، وهي أعرف.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"والقالب يكون وعاء كالذي تفرغ فيه الأواني، ويعمل به اللبن والآجر، وقد يكون قدراً للوعاء كالذي يقام به اللوالك، وتصلح عليه الأخفاف، ويكون مثالاً كالذي تحذى عليه النعال، وتفصل عليه القلانس، فلهذا احتمل القالب أن يكون لفظاً مرة ومعنى مرة.\rوللشعراء ألفاظ معروفة، وأمثلة مألوفة، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا أن يستعمل غيرها، كما أن الكتاب اصطلحوا على ألفاظ بأعيانها سموها الكتابية لا يتجاوزونها إلى سواها، إلا أن يريد شاعر أن يتظرف باستعمال لفظ أعجمي فيستعمله في الندرة، وعلى سبيل الخطرة، كما فعل الأعشى قديماً، وأبو نواس حديثاً، فلا بأس بذلك، والفلسفة وجر الأخبار باب آخر غير الشعر؛ فإن وقع فيه شيء منهما فبقدر، ولا يجب أن يجعلا نصب العين فيكونا متكئاً واستراحة، وإنما الشعر ما أطرب، وهز النفوس، وحرك الطباع، فهذا هو باب الشعر الذي وضع له، وبنى عليه، لا ما سواه.\rومن ملح الكلام على اللفظ والمعنى ما حكاه أبو منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي، قال: البليغ من يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني.\rوقال غيره: الألفاظ في الأسماع كالصور في الأبصار.\rوقال أبو عبادة البحتري:\rوكأنها والسمع معقود بها ... وجه الحبيب بدا لعين محبه\rباب في المطبوع والمصنوع\rومن الشعر مطبوع ومصنوع، فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولاً، وعليه المدار. والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم فليس متكلفاً تكلف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمل، لكن بطباع القوم عفواً، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل، بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره، حتى صنع زهير الحوليات على وجه التنقيح والتثقيف: يصنع القصيدة ثم يكرر نظره فيها خوفاً من التعقب بعد أن يكون قد فرغ من عملها في ساعة أو ليلة، وربما رصد أوقات نشاطه فتباطأ عمله لذلك، والعرب لا تنظر في أعطاف شعرها بأن تجنس أو تطابق أو تقابل، فتترك لفظة للفظة، أو معنى لمعنى، كما يفعل المحدثون، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وإتقان بنية الشعر، وإحكام عقد القوافي وتلاحم الكلام بعضه ببعض حتى عدوا من فضل صنعة الحطيئة حسن نسقه الكلام بعضه على بعض في قوله:\rفلا وأبيك ما ظلمت قريع ... بأن يبنوا المكارم حيث شاءوا\rولا وأبيك ما ظلمت قريع ... ولا برموا لذاك ولا أساءوا\rبعثرة جارهم أن ينعشوها ... فيغبر حوله نعم وشاء\rفيبنى مجدهم ويقيم فيها ... ويمشي إن أريد به المشاء\rوإن الجار مثل الضيف يغدو ... لوجهته وإن طال الثواء\rوإني قد علقت بحبل قوم ... أعانهم على الحسب الثراء\rوكذلك قول أبي ذؤيب يصف حمر الوحش والصائد:\rفوردن والعيوق مقعد رابئ ال ... ضرباء خلف النجم لا يتتلع\rفكرعن في حجرات عذاب بارد ... حصب البطاح تغيب فيه الأكرع\rفشربن ثم سمعن حساً دونه ... شرف الحجاب، وريب قرع يقرع\rفنكرنه فنفرن فامترست به ... هوجاء هادية وهادٍ جرشع\rفرمى فأنفذ من نحوص عائط ... سهماً فخر وريشه متصمع\rفبدا له أقراب هادٍ رائغاً ... عنه فعيث في الكنانة يرجع\rفرمى فألحق صاعدياً مطحراً ... بالكشح فاشتملت عليه الأضلع\rفأبدهن حتوفهن فهارب ... بدمائه أو بارك متجعجع\rفأنت ترى هذا النسق بالفاء كيف اطرد له، ولم ينحل عقده، ولا اختل بناؤه، ولولا ثقافة الشاعر ومراعاته إياه لما تمكن له هذا التمكن.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"واستطرفوا ما جاء من الصنعة نحو البيت والبيتين في القصيدة بين القصائد، يستدل بذلك على جودة شعر الرجل، وصدق حسه، وصفاء خاطره؛ فأما إذا كثر ذلك فهو عيب يشهد بخلاف الطبع، وإيثار الكلفة، وليس يتجه البتة أن يتأتى من الشاعر قصيدة كلها أو أكثرها متصنع من غير قصد؛ كالذي يأتي من أشعار حبيب والبحتري وغيرهما. وقد كانا يطلبان الصنعة ويولعان بها: فأما حبيب فيذهب إلى حزونة اللفظ، وما يملأ الأسماع منه، مع التصنيع المحكم طوعاً وكرهاً، يأتي للأشياء من بعد، ويطلبها بكلفة، ويأخذها بقوة. وأما البحتري فكان أملح صنعة، وأحسن مذهباً في الكلام، يسلك منه دماثة وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة. وما أعلم شاعراً أكمل ولا أعجب تصنيعاً من عبد الله بن المعتز؛ فإن صنعته خفية لطيفة لا تكاد تظهر في بعض المواضع إلا للبصير بدقائق الشعر، وهو عندي ألطف أصحابه شعراً، وأكثرهم بديعاً وافتتاناً، وأقربهم قوافي وأوزاناً، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب، غير أنا لا نجد المبتدئ في طلب التصنيع ومزاولة الكلام أكثر انتفاعاً منه بمطالعة شعر حبيب وشعر مسلم بن الوليد؛ لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها، ولأنهما طرقا إلى الصنعة ومعرفتها طريقاً سابلة، وأكثرا منها في أشعارهما تكثيراً سهلها عند الناس، وجسرهم عليها. على أن مسلماً أسهل شعراً من حبيب، وأقل تكلفاً، وهو أول من تكلف البديع من المولدين، وأخذ نفسه بالصنعة، وأكثر منها. ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم صريع الغواني إلا النبذ اليسيرة، وهو زهير المولدين: كان يبطئ في صنعته ويجيدها.\rوقالوا: أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد، وابن هرمة، وهو ساقة العرب وآخر من يستشهد بشعره. ثم أتبعهما مقتدياً بهما كلثوم بن عمرو العتابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس. واتبع هؤلاء حبيب الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز؛ فانتهى علم البديع والصنعة إليه، وختم به. وشبه قوم أبا نواس بالنابغة لما اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة، وحسن الديباجة، والمعرفة بمدح الملوك. وأما بشار فقد شبهوه بامرئ القيس؛ لتقدمه على المولدين وأخذهم عنه، ومن كلامهم: بشار أبو المحدثين.\rوسمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: إنما سمي الأعشى صناجة العرب لأنه أول من ذكر الصنج في شعره. قال: ويقال: بل سمي صناجة لقوة طبعه، وحلية شعره، يخيل لك إذا أنشدته أن آخر ينشد معك. ومثله من المولدين بشار بن برد، تنشد أقصر شعره عروضاً وألينه كلاماً فتجد له في نفسك هزة وجلبة من قوة الطبع؛ وقد أشبهه تصرفاً وضرباً في الشعر وكثرة عروض مدحاً وهجاء وافتخاراً وتطويلاً. انقضى كلام أبي عبد الله ورجعنا إلى القول في الطبع والتصنيع.\rولسنا ندفع أن البيت إذا وقع مطبوعاً في غاية الجودة ثم وقع في معناه بيت مصنوع في نهاية الحسن لن تؤثر فيه الكلفة ولا ظهر عليه التعمل كان المصنوع أفضلهما، وإلا أنه إذا توالى ذلك وكثر لم يجز البتة أن يكون طبعاً واتفاقاً؛ إذ ليس ذلك في طباع البشر. وسبيل الحاذق بهذه الصناعة إذا غلب عليه حب التصنيع أن يترك للطبع مجالاً يتسع فيه، وقيل: إذا كان الشاعر مصنعاً بان جيده من سائر شعره: كأبي تمام؛ فصار محصوراً معروفاً بأعيانه، وإذا كان الطبع غالباً عليه لم يبن جيده كل البينونة، وكان قريباً من قريب: كالبحتري ومن شاكله. وقد نص ابن الرومي في بعض تسطيراته على محمد بن أبي حكيم الشاعر حين عاب عليه قوله في الفرس من قصيدة رثى بها عبد الله بن طاهر:\rفله شهامة سودنيق باكر ... وحوافر حفر ورأس صنتع\rوذكر قول حبيب:\rبحوافر حفر وصلب صلب","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"فحفل به، واعتذر له، وخرج التخاريج الحسان، وذكر أن الحافر المقعب ونحوهما أشرف في اللفظ من الحافر الأحفر، إلا أن الطائي عنده كان يطلب المعنى ولا يبالي باللفظ، حتى لو تم له المعنى بلفظة نبطية لأتى بها، والذي أراه أن ابن الرومي أبصر بحبيب وغيره منا، وأن التسليم له والرجوع إليه أحزم، غير أنني لو شئت أن أقول ولست راداً عليه، ولا معترضاً بين يديه إن المعنى الذي أراده وأشار إليه من جهة الطائي إنما هو معنى الصنعة كالتطبيق والتجنيس وما أشبههما، لا معنى الكلام الذي هو روحه، وإن اللفظ الذي ذكر أنه لا يبالي به إنما هو فصيح الكلام ومستعمله، ويدلك على صحة ما ادعيته على ابن الرومي قوله \" إن الحافر الوأب والمقعب أشرف في اللفظ من الحافر الأحفر \" ؛ فكلامه راجع إلى ما قلته في الطائي، غير مخالف له، وإن كان في الظاهر على خلافه؛ لينساغ ذلك، إلا أن أكثر الناس على ما قال، وإنما هذا معرض للكلام، لا مخالفة.\rوقال الجاحظ: كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عامياً، ولا ساقطاً سوقياً؛ فكذلك لا ينبغي أن يكون وحشياً، إلا أن يكون المتكلم به بدوياً أعرابياً؛ فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي.\rقال: وأنشد رجل قوماً شعراً فاستغربوه، فقال: والله ما هو بغريب، ولكنكم في الأدب غرباء.\rوعن غيره: أن رجلاً قال للطائي في مجلس حفل وأراد تبكيته لما أنشد: يا أبا تمام، لم لا تقول من الشعر ما يفهم؟ فقال له: وأنت لم لا تفهم من الشعر ما يقال؟ ففضحه.\rويروى أن هذه الحكاية كانت مع أبي العميثل وصاحبين له خاطباه فأجابهما.\rوقال بعض من نظر بين أبي تمام وأبي الطيب: إنما حبيب كالقاضي العدل: يضع اللفظة موضعها، ويعطي المعنى حقه، بعد طول النظر والبحث عن البينة، أو كالفقيه الورع: يتحرى في كلامه ويتحرج خوفاً على دينه. وأبو الطيب كالملك الجبار: يأخذ ما حوله قهراً وعنوة، أو كالشجاع الجريء: يهجم على ما يريده لا يبالي ما لقي، ولا حيث وقع.\rوكان الأصمعي يقول: زهير والنابغة من عبيد الشعر، يريد أنهما يتكلفان إصلاحه ويشغلان به حواسهما وخواطرهما.\rومن أصحابهما في التنقيح وفي التثقيف والتحكيك طفيل الغنوي. وقد قيل: إن زهيراً روى له، وكان يسمى محبراً لحسن شعره.\rومنهم الحطيئة، والنمر بن تولب، وكان يسميه أبو عمرو بن العلاء الكيس.\rوكان بعض الحذاق بالكلام يقول: قل من الشعر ما يخدمك، ولا تقل منه ما تخدمه، وهذا هو معنى قول الأصمعي، وسأحلي هذا الباب من كلام السيد أبي الحسن بحلية تكون له زينة فائقة، وأختمه بخاتمة تكسوه حلة رائقة؛ لأوفى بذلك بعض ما ضمنت، وأقضى به حق ما شرطت، إن شاء الله.\rفمن ذلك قوله بتاهرت سنة خمس وأربعمائة يتشوق إلى أهله:\rولي كبد مكلومة من فراقكم ... أطامنها صبراً على ما أجنت\rتمنتكم شوقاً إليكم وصبوةً ... عسى الله أن يدني لها ما تمنت\rوعين جفاها النوم واعتارها البكى ... إذا عن ذكر القيروان استهلت\rفلو أن أعرابياً تذكر نجداً فحن به إلى الوطن، أو تشوق فيه إلى بعض السكن؛ ما حسبته يزيد على ما أتى به هذا المولد الحضري المتأخر العصر، وما انحط بهذا التمييز في هواي، ولا أتنفق بهذا القول عند مولاي، ولا الخديعة مما تظن به، ولا فيه، ولكن رأيت وجه الحق فعرفته، والحق لا يتلثم، وما هو في بلاغته وإيجازه إلا كما قال الأحيمر السعدي في وصيته:\rمن القول ما يكفي المصيب قليله ... ومنه الذي لا يكتفي الدهر قائله\rيصد عن المعنى فيترك مانحاً ... ويذهب في التقصير منه يطاوله\rفلا تك مكثاراً تزيد على الذي ... عنيت به في خطب أمر تزاوله\rباب في الأوزان\rالوزن أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية، وهو مشتمل على القافية وجالب لها ضرورة، إلا أن تختلف القوافي فيكون ذلك عيباً في التقفية لا في الوزن، وقد لا يكون عيباً نحو المخمسات وما شاكلها.\rوالمطبوع مستغن بطبعه عن معرفة الأوزان، وأسمائها، وعللها؛ لنبو ذوقاً عن المزاحف منها والمستكره. والضعيف الطبع محتاج إلى معرفة شيء من ذلك يعينه على ما يحاوله من هذا الشأن.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وللناس في ذلك كتب مشهورة، وتواليف مفردة، وبينهم فيه اختلاف، وليس كتابي هذا بمحتمل شرح ذلك، ولا هو من شرطه؛ فراراً من التكرار والتطويل، ولكني أذكر نتفاً يحتاج إليها، ويكتفي بها من نظر من المتعلمين في هذا الكتاب، إن شاء الله.\rفأول من ألف الأوزان وجمع الأعاريض والضروب الخليل بن أحمد فوضع فيها كتاباً سماه العروض استخفافاً، والعروض: آخر جزء من القسم الأول من البيت، وهي مؤنثة، وتثنى وتجمع، إلا أن يكون لهذا الجنس من العلم، والضرب: آخر جزء من البيت من أي وزن كان.\rثم ألف الناس بعده، واختلفوا على مقادير استنباطاتهم، حتى وصل الأمر إلى أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، فبين الأشياء وأوضحها في اختصار، وإلى مذهبه يذهب حذاق أهل الوقت، وأرباب الصناعة: فأول ما خالف فيه أن جعل الخليل الأجزاء التي يوزن بها الشعر ثمانية: منها اثنان خماسيان، وهما: فعولن، وفاعلن، وستة سباعية، وهي: مفاعيلن، وفاعلاتن، ومستفعلن، ومفاعلتن، ومتفاعلن، ومفعولات، فنقص الجوهري منها جزء مفعولات، وأقام الدليل على أنه منقول من \" مستفع لن \" مفروق الوتد، أي: مقدم النون على اللام؛ لأنه زعم أنه لو كان جزءاً صحيحاً لتركب من مفرده بحر كما تركب من سائر الأجزاء. يريد أنه ليس في الأوزان وزن انفرد به مفعولات، ولا تكرر في قسم منه، وعد الخليل أجناس الأوزان فجعلها خمسة عشر جنساً، على أنه لم يذكر المتدارك، وهي عنده: الطويل، والمديد، والبسيط، في دائرة؛ دائرة ثم الوافر والكامل في دائرة: ثم الهزج، والرجز، والرمل، في دائرة؛ ثم السريع، والمنسرح، والخفيف، والمضارع، والمقتضب، والمجتث، في دائرة. ثم المتقارب وحده في دائرة.\rوذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاج اختلاف الناس في ألقاب الشعر؛ فحكى عن الخليل شيئاً أخذت به اختصاراً وتقليداً؛ لأنه أول من وضع علم العروض وفتحه للناس، وغادرت ما سوى ذلك من قول أبي إسحاق الزجاج وغيره لا على أن فيه تقصيراً.\rذكر الزجاج أن ابن دريد أخبره عن أبي حاتم عن الأخفش قال: سألت الخليل بعد أن عمل كتاب العروض: لم سميت الطويل طويلاً؟ قال: لأنه طال بتمام أجزائه، قلت: فالبسيط؟ قال: لأنه انبسط عن مدى الطويل وجاء وسطه فعلن وآخره فعلن، قلت: فالمديد؟ قال: لتمدد سباعيه حول خماسيه، قلت: فالوافر؟ قال: لوفور أجزائه وتداً بوتدٍ، قلت: فالكامل؟ قال: لأن فيه ثلاثين حركة لم تجتمع في غيره من الشعر، قلت: فالهزج؟ قال: لأنه يضطرب؛ شبه بهزج الصوت، قلت: فالرجز؟ قال: لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة عند القيام، قلت: فالرمل؟ قال: لأنه شبه برمل الحصير لضم بعضه إلى بعض، قلت: فالسريع؟ قال: لأنه يسرع على اللسان، قلت: فالمنسرح؟ قال: لانسراحه وسهولته، قلت: فالخفيف؟ قال: لأنه أخف السباعيات، قلت: فالمقتضب؟ قال: لأنه اقتضب من السريع، قلت: فالمضارع؟ قال: لأنه ضارع المقتضب، قلت: فالمجتث؟ قال: لأنه اجتث، أي: قطع من طويل دائرته، قلت: فالمتقارب؟ قال: لتقارب أجزائه؛ لأنها خماسية كلها يشبه بعضها بعضاً.\rوجعل الجوهري هذه الأجناس اثني عشر باباً، على أن فيها المتدارك: سبعة منها مفردات، وخمسة مركبات، قال: فأولها المتقارب، ثم الهزج، والطويل بينهما مركب منهما، ثم بعد الهزج الرمل، والمضارع بينهما، ثم بعد الرمل الرجز، والخفيف بينهما، ثم بعد الرجز المتدارك، والبسيط بينهما، ثم بعد المتدارك المديد، مركب منه ومن الرمل، قال: ثم الوافر والكامل، لم يتركب بينهما بحر لما فيهما من الفاصلة.\rوزعم أن الخليل إنما أراد بكثرة الألقاب الشرح والتقريب، قال: وإلا فالسريع هو من البسيط، والمنسرح والمقتضب من الرجز، والمجتث من الخفيف؛ لأن كل بيت مركب من مستفعلن فهو عنده من الرجز طال أو قصر، وكل بيت ركب من مستفعلن فاعلن فهو من البسيط طال أو قصر، وعلى هذا القياس سائر المفردات والمركبات عنده. والمتدارك الذي ذكره الجوهري مقلوب من دائرة المتقارب، وذلك أن فعولن يخلفه فاعلن ويخبن فيصير فعلن، وشعر عمرو الجني منه، وهو الذي يسميه الناس اليوم الخبب.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"وليس بين العلماء اختلاف في تقطيع الأجزاء، وأنه يراعى فيه اللفظ دون الخط؛ فيقابل الساكن بالساكن، والمتحرك بالمتحرك، ويظهر حرف التضعيف، وتسقط ألف الوصل ولام التعريف إذا لم تظهر في درج الكلام، وتثبت النون بدلاً من التنوين، ويعد الوصل والخروج حرفين، وهذا هو الأصل المحقق؛ لأن الأوزان إنما وقعت على الكلام، والكلام لا محالة قبل الخط؛ لأن الألف صورة هوائية لا مستقر لها، ولأن المضاعف يجعل حرفاً واحداً، ولأن التنوين شكل خفي، وليس في جميع الأوزان ساكنان في حشو بيت إلا في عروض المتقارب؛ فإن الجوهري أنشد، وأنشده المبرد قبله:\rورمنا القصاص وكان التقاص ... فرضاً وحتماً على المسلمين\rقال الجوهري: كأنه نوى الوقوف على الجزء، وإلا فالجمع بين ساكنين لم يسمع به في حشو بيت.\rقال صاحب الكتاب: إلا أن سيبويه قد أنشد:\rكأنه بعد كلال الزاجر ... ومسحه مر عقاب كاسر\rبإسكان الحاء وإدغامها في الهاء والسين قبلها ساكنة.\rوجميع أجزاء الشعر تتألف من ثلاثة أشياء: سبب، ووتد، وفاصلة؛ فالسبب نوعان: خفيف، وهو متحرك بعده ساكن، نحو: ما، وهل، وبل، ومن، وثقيل، وهو متحركان، نحو: لم، وبم، إذا سألت، وقد أنكره بعض المحدثين: والوتد أيضاً نوعان: مجموع، وهو متحركان بعدهما ساكن، نحو: رمى، وسعى، ومفروق، وهو ساكن بين متحركين، نحو: قال، وباع. والفاصلة فاصلتان: صغرى، وهي ثلاث متحركات بعدها ساكن، نحو: بلغت، وما أشبه ذلك، وكبرى، وهي أربع متحركات بعدها ساكن، نحو: بلغني، وبلغنا، وما أشبه ذلك، وهي تأتي في جزء من الشعر بعينه، وهو: فعلتن، ولا تأتي البتة بإجماع من الناس بين جزءين فتكون حرفين متحركين في آخر جزء ومثلهما في أول جزء آخر يليه، ولا يجتمع في الشعر خمس متحركات البتة.\rومن الناس من جعل الشعر كله من الأوتاد والأسباب خاصة يركب بعضهما على بعض فتتركب الفواصل منهما، وبعض المتعقبين وأظنه الملقب بالحمار يسمي الفاصلتين وتداً ثلاثياً، ووتداً رباعياً، والسبب عنده نوعان: منفصل نحو من، ومتصل نحو لمن؛ فاللام عنده وحدها سبب متصل، والميم والنون سبب هو منفصل لما كان لحركة الميم نهاية وهي النون الساكنة، ولو كانت متحركة لم تكن نهاية.\rوأما الزحاف فهو ما يلحق أي جزء كان من الأجزاء السبعة التي جعلت موازين الشعر من نقص أو زيادة أو تقديم حرف أو تأخيره أو تسكينه، ولا يكاد يسلم منه شعر.\rومن الزحاف ما هو أخف من التمام وأحسن، كالذي يستحسن في الجارية من التفاف البدن واعتدال القامة، مثال ذلك مفاعيلن في عروض الطويل التام تصير مفاعلن في جميع أبياته، وهذا هو القبض، وكل ما ذهب خامسه الساكن فهو مقبوض. وفاعلن في عروض البسيط التام وضربه يصير فعلن، وذلك هو الخبن، وكل ما ذهب ثانيه الساكن فهو مخبون. ومفاعلتن في عروض الوافر التام وضربه حذفوا منه التاء والنون وأسكنوا اللام فصار مفاعل، فخلفه فعولن، وهذا هو القطف، وليس في الشعر مقطوف غيره. ويخف على المطبوع أبداً أن يجعل مكان مستفعلن في الخفيف مفاعلن يظهر له أحسن.\rومنه أعني الزحاف ما يستحسن قليله دون كثيره، كالقبل اليسير والفلج واللثغ مثال ذلك قول خالد بن زهير الهذلي لخاله أبي ذؤيب:\rلعلك إما أم عمرو تبدلت ... سواك خليلاً شاتمي تستحيرها\rفنقص ساكناً بعد كاف سواك؛ وهو نون فعولن، وهذا هو القبض، ومن رواه \" خليلاً سواك \" قبض الياء من مفاعيلن، وهو أشد قليلاً. ومنه يحتمل على كره، كالفدع والوكع والكزم في بعض الحسان، ومثاله في الشعر كثير وكفاك قول امرئ القيس بن حجر:\rوتعرف فيه من أبيه شمائلاً ... ومن خاله، ومن يزيد، ومن حجر\rسماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا، ... ونائل ذا: إذا صحا، وإذا سكر\rفهذا أجمع العلماء بالشعر أنه ما عمل في معناه مثله، إلا أنه على ما تراه من الزحاف المستكره، حكى ذلك أبو عبيدة.\rومنه قبيح مردود لا تقبل النفس عليه، كقبح الخلق واختلاف الأعضاء في الناس وسوء التركيب، مثله قصيدة عبيد المشهورة:\rأقفر من أهله ملحوب.\rفإنها كادت تكون كلاماً غير موزون بعلة ولا غيرها، حتى قال بعض الناس: إنها خطبة ارتجلها فاتزن له أكثرها.\rوقال الأصمعي:","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"الزحاف في الشعر كالرخصة في الفقه، لا يقدم عليها إلا فقيه.\rوينبغي للشاعر أن يركب مستعمل الأعاريض ووطيئها، وأن يستحلى الضروب ويأتي بألطفها موقعاً، وأخفها مستمعاً، وأن يجتنب عويصها ومستكرهها؛ فإن العويص مما يشغله، ويمسك من عنانه، ويوهن قواه، ويفت في عضده، ويخرجه عن مقصده.\rوقد يأتون بالخرم كثيراً وهو ذهاب أول حركة من وتد الجزء الأول من البيت وأكثر ما يقع في البيت الأول، وقد يقع قليلاً في أول عجز البيت، ولا يكون أبداً إلا في وتد، وقد أنكره الخليل لقلته فلم يجزه، وأجازه الناس، أنشده الجوهري:\rقدمت رجلاً فإن لم تزع ... قدمت الأخرى فنلت القرار\rوأنشد أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري لامرئ القيس:\rلقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... وابن جريح كان في حمص أنكرا\rهكذا روايته، ورواه غيره ولا بن جريح بغير خرم. فإذا اجتمع الخرم والقبض على الجزء فذلك هو الثرم، وهو قبيح. وهذان عيبان تدلك التسمية فيهما على قبحهما؛ لأن الخرم في الأنف، والثرم في الفم، وإنما كانت العرب تأتي به لأن أحدهم يتكلم بالكلام على أنه غير شعر، ثم يرى فيه رأياً فيصرفه إلى جهة الشعر؛ فمن ههنا احتمل لهم وقبح على غيرهم. ألا ترى أن بعض كتاب عبد الله بن طاهر عاب ذلك على أبي تمام في قوله:\rهن عوادي يوسف وصواحبه.\rعلى أنه أولى الناس بمذاهب العرب.\rويأتون بالخزم بزاي معجمة وهو ضد الخزم بالراء غير المعجمة، الناقص منهما ناقص نقطة، والزائد زائد نقطة وليس الخزم عندهم بعيب؛ لأن أحدهم إنما يأتي بالحرف زائداً في أول الوزن، إذا سقط لم يفسد المعنى، ولا أخل به ولا بالوزن، وربما جاء بالحرفين والثلاثة، ولم يأتوا بأكثر من أربعة أحرف، أنشدوا عن علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى ورضي عنه:\rاشدد حياز يمك للموت ... فإن الموت لاقيكا\rولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا\rفزاد \" اشدد \" بياناً للمعنى لأنه هو المراد. قال كعب بن مالك الأنصاري يرثي عثمان بن عفان رضي الله عنه:\rلقد عجبت لقوم أسلموا بعد عزهم ... إمامهم للمنكرات وللغدر\rفزاد \" لقد \" على الوزن، هكذا أنشدوه. وأنشد الزجاج وزعم أصحاب الحديث أن الجن قالته:\rنحن قتلنا سيد الخزر ... ج سعد بن عباده\rرميناه بسهمين ... فلم نخط فؤاده\rفزاد على الوزن \" نحن \" وأنشد الزجاج أيضاً:\rبل لم تجزعوا يا آل حرب مجزعاً.\rفزاد \" بل \" وأنشد أيضاً:\rيا مطر بن خارجة بن مسلم إنني ... أجفى وتغلق دوني الأبواب\rوإنما الوزن \" مطر بن خارجة \" والياء والألف زائدة.. ومما جاء فيه الخزم في أول عجز البيت وأول صدره، وهو شاذ جداً، قول طرفة:\rهل تذكرون إذ نقاتلكم ... إذ لا يضر معدماً عدمه\rفزاد في أول صدر البيت \" هل \" وزاد في أول العجز \" إذ \" والبيت من قصيدته المشهورة:\rأشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه\rوقال جريبة بن الأشيم أنشده أبو حاتم عن أبي زيد الأنصاري:\rلقد طال إيضاعي المخدم لا أرى ... في الناس مثلي من معد يخطب\rحتى تأوبت البيوت عشية ... فوضعت عنه كوره تتثاءب\rفاللام في \" لقد \" زائدة، وصاحب هذا الشعر جاهلي قديم، وقالت الخنساء:\rأقذىً بعينك أم بالعين عوار ... أم أوحشت إذ خلت من أهلها الدار\rفزادت ألف الاستفهام، ولو أسقطتها لم يضر المعنى ولا الوزن شيئاً، وروى أن أبا الحسن بن كيسان كان ينشد قول امرئ القيس:\rكأن ثبيراً في عرانين وبله.\rفما بعد ذلك بالواو فيقول:\rوكأن ذرى رأس المجيمر غدوة.\rوكأن السباع فيه غرقى عشية.\rمعطوفاً هكذا؛ ليكون الكلام نسقاً بعضه على بعض وقال عبد الكريم بن إبراهيم: مذهبهم في الخزم أنه إذا كان البيت يتعلق بما بعده وصلوه بتلك الزيادة بحروف العطف التي تعطف الاسم على الاسم والفعل على الفعل والجملة على الجملة، وأخذ الخزم من خزامة الناقة، ومن شأنهم مد الصوت فجعلوه عوضاً من الخزم الذي يحذفونه من أول البيت.\rوقد قال غيره:","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"إنما أسقطوه كأنهم يتوهمون أنه في السكتة؛ فلذلك جعلوه في الوتد المجموع؛ لأن المفروق لو أسقطوا حركته الأولى لبقي أوله ساكناً، ولا يبتدأ بالساكن، فيسقط أيضاً، والسكتة لا تحتمل عندهم إلا حرفاً واحداً؛ وهذا اعتلال مليح بين جداً.\rومن التزحيف في الأوساط الإفعاد، وهو أن تذهب مثلاً نون متفاعلن أو مستفعلن في عروض الضرب الثاني من الكامل، وتسكن اللام، فيصير عروضه كضربه فعلاتن أو مفعولن، كما قال الشاعر، وهذا هو القطع عند أصحاب القوافي:\rأفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النساء عواقب الأطهار\rفجاء هذا على معنى التصريع وليس به؛ فهو عيب، وأقبح منه قول الآخر:\rإني كبرت وإن كل كبير ... مما يضن به علي ويقتر\rلأنه أتى بالعروض دون الضرب بحرف، لا لتوهم تصريع ولا إشكال، وإنما نذكر مثل هذا ليجتنب إذا عرف قبحه. وجاء منه في الطويل قول النابغة الذبياني:\rجزى الله عبساً عبس آل بغيض ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل\rأنشده النحاس. قول ضباب بن سبيع بن عوف الحنظلي:\rلعمري لقد بر الضباب بنوه ... وبعض البنين حمة وسعال\rهكذا روايته بالحاء غير معجمة، وهو الصحيح، وبعضهم يرويه غمة بالغين معجمة.\rوزعم الجمحي أن الإقعاد لا يجوز لمولد، وقد أتى به البحتري في عروض الخفيف فقال يهجو شاعراً:\rليس ينفك هاجياً مضروباً ... ألف حد ومادحاً مصفوعاً\rقياساً على قول الحارث بن حلزة اليشكري:\rأسد في اللقاء ذو أشبال ... وربيع إن شنعت غبراء\rوابن قتيبة يسمى هذا الزحاف إقواء، وسأذكره في أبواب القوافي إن شاء الله تعالى.\rومن مهمات الزحاف أربعة أشياء: ابتداء، وهو ما كان في أول البيت مما لا يجوز مثله في الحشو: كالثلم في الطويل، والعصب الوافر، والخرم في الهزج؛ وفصل، وهو ما كان ملتزماً في نصف البيت الذي يسمى عروضاً، مثل مفاعلن في عروض الطويل، وفعلن في عروض المديد، وما جرى مجراهما، هذا هو الحقيقة، وأما ما كان من جهة التوسع والمجاز ومعنى التقريب فقد مر ذكرهما آنفاً؛ واعتماد، وهو ما كان من الزحاف الجائز في الحشو ولا مثل الجزء الذي قبل الضرب، كقول امرئ القيس:\rأعنى على برق أراه وميض ... يضيء حبياً في شماريخ بيص\rفأثبت ياء شماريخ وهي مكان النون من فعولن، وكان الأجود أن يسقطها بالقبض؛ لمكان الاعتماد؛ لأن السبب قد اعتمد على وتدين: أحدهما قبله، والآخر بعده، فقوى قوة ليست لغيره من الأسباب، فحسن الزحاف فيه، والاعتماد في المتقارب سلامة الجزء من الزحاف؛ وغاية، وهو ما كان في الضرب الذي هو جزء القافية ملتزماً مخالفاً للحشو: كالمقطوع والمقصور والمكسوف، والمقطوف، وهذه أشياء لا تكون في حشو البيت..\rقالوا: وأكثر الغايات معتل؛ لأن الغاية إذا كانت فاعلاتن أو فعولن أو مفاعيلن فقد لزمها أن لا تحذف سواكن أسبابها؛ لأن آخر البيت لا يكون متحركاً، هذه حقيقة ما ذكر، وأما المجاز والاتساع فكثير...\rويتصل بالغايات أنواع أخر: فمن ذلك معرفة ما يلزمه حرف المد واللين الذي هو الردف مما لا يلزمه ذلك؛ أجمع حذاق أهل العلم من البصريين والكوفيين على أن كل وزن نقص من أتم بنائه حرف متحرك عوض حرف المد واللين من ذلك الحرف فلم يجيء إلا مردفاً بواو أو ياء أو ألف. ولا يحتسب في ذلك بما يقع للزحاف، مثل مفعولن في الخفيف. ألا ترى أنه يعاقب فاعلاتن؟ فهو لا يوجب الردف، فإن ذهب منه أكثر من حرف متحرك أو ما يقوم مقامه، وهو حرف ساكن مع حرف آخر متحرك؛ لم يلزمه الردف، وإذا التقى ساكنان ألزموه الردف: فما سقط فألزم حرف المد فعولن المحذوف في الطويل، لم يعتدوا بالنون لما يدركها من الزحاف فكأنما ذهبت اللام فقط، ومن المديد فاعلاتن المقصور، ومن البسيط فعلن المقطوع. والفرق بين القطع والقصر أن القصر في الأسباب والقطع في الأوتاد، وهما جميعاً ذهاب ساكن من آخر الجزء وحركة متحرك قبله ملاصقة. والردف إنما يكون عوضاً مما بعده لا مما قبله. ومن الكامل فعلات المقطوع، ومن الرجز مفعولن المقطوع، ومن الرمل فاعلاتن المقصور، ومن المتقارب فعولن المقصور.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"ومما التقى فيه ساكنان وألزموه الردف مستفعلان المذال في البسيط، وفيه اختلاف: أما من ألزمه الردف فلالتقاء الساكنين، أقاموا المد منهما مقام الحركة؛ وأما من لم يلزمه الردف فلآنه قد تم وزيد على تمامه. والإرداف إنما يأتي عوضاً من النقصان لا من الزيادة. وفي الكامل متفاعلان المذال، وفي الرجز شاذ، أنشده أبو زهرة النحوي في كتاب العروض، وهو:\rكأنني فوق أقب سهوقٍ ... جأبٍ إذا عشر صاتي الإرنان\rوفي الرمل فاعلاتن وحدها، والقول فيها كالقول في مستفعلان المذال في البسيط، وفاعلات في السريع، وهو مذيل من البسيط عند الجوهري؛ فإما على ما عند من سواه فهو موقوف من مفعولات مطوية أي ساقطة الواو ومفعولات في مشطور السريع أيضاً، وفي منهوك المنسرح يلزمها حرف اللين؛ فعلى هذا إجماع الحذاق، إلا سيبويه فإنه رخص فيه لموافقة الوزن مردفاً وغير مردف، وأنشد قول امرئ القيس:\rولقد رحلت العيس ثم زجرتها ... وهناً وقلت: عليك خير معد\rوقول الراجز:\rإن تمنع اليوم نساء يمنعن.\rبإسكان العين والنون. وكان الجرمي والأخفش يريان هذا غلطاً من قائله، كالسناد والإكفاء، يحكى ولا يعمل به، إلا أن أبا نواس في قوله:\rلا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند.\rأخذ يقول سيبويه، وهو قليل، والقياس الأول حسن مطرد، وهو المختار. ومن أهم أمور الغايات معرفة ما ينشد الشعر مطلقاً ومقيداً. قال أبو القاسم الزجاجي وغيره من أصحاب القوافي: الشعر ثلاثة وستون ضرباً، لا يجوز إطلاق مقيد منه إلا انكسر الشعر، ما خلا ثلاثة أضرب: أحدهما في الكامل:\rأبني لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير\rوهذا هو الضرب السابع يسمى مذالاً، وإن شئت قلت: ولا الكبيرا فأطلقته وهو الضرب السادس منه يسمى المرفل، والضرب الثاني في الرمل وهو قول زيد الخيل:\rيا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنما يفعل هذا بالذليل\rوهو الضرب الثاني منه، فإن أطلقته صار أول ضرب منه، والضرب الثالث في المتقارب، أنشد الأصمعي وأبو عبيدة:\rكأني ورحلي إذا زعتها ... على جمزي جازي بالرمال\rغير أن سيبويه أنشد فيما يجوز تقييده وإطلاقه:\rصفية قومي ولا تعجزي ... وبكى النساء على حمزة\rوهو من المتقارب: إن أطلق كان محذوفاً، وإن قيد كان أبتر. وقد أنشد أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري لعمرو بن شاس، قال: والشعر مقيد\rوما بيضة بات الظليم يحفها ... إلى جؤجؤ جاف بميثاء محلال\rبأحسن منها يوم بطن قراقر ... تخوض به بطن القطاة وقد سال\rلطيفة طي الكشح مضمرة الحشا ... هضيم العناق هونة غير مجبال\rتميل على مثل الكثيب كأنها ... نقاً كلما حركت جانبه مال\rهذا شيء لم يذكره العروضيون، وهو عندهم مطلق محمول على الإقواء، كما حمل قول امرئ القيس:\rأحنظل لو حاميتم وصبرتم ... لأثنيت خيراً صالحاً ولأرضان\rثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران\rعوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في ليل البلابل صفوان\rفقد أصبحوا والله أصفاهم به ... أبر بأيمان وأوفى بجيران\rإلا الأخفش والجرمي؛ فإنهما يرويان هذا الشعر موقوفاً، ولا يريان فيه إقواء، وهذا عند سيبويه لا بأس به.\rوقد صوب الناس قول الخليل في مخالفة هذا المذهب، وأنشد بعض المتعقبين أظنه البازي العروضي:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rبالتقييد على أنه من الضرب المحذوف المعتمد، قال: إلا أنه يدخله عيب لترك حرف اللين، وهو كثير جداً.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وليس الابتداء والفصل والاعتماد والغاية بعلل، ولكنها مواضع العلل؛ فأقيم المضاف إليه مقام المضاف. وأما زحاف الحشو فمن أهمه معرفة المعاقبة والمراقبة: فأما المعاقبة فهي أن يتقابل سببان في جزءين، فهما يتعاقبان السقوط: يسقط ساكن أحدهما لثبوت ساكن الآخر، ويثبتان جميعاً، ولا يسقطان جميعاً، والمعاقبة بين سببي جزءين من جميع الأوزان في أربعة أنواع: المديد، والرمل، والخفيف، والمجتث، وهو عند الجوهري ضرب من الخفيف، فإذا كان السبب في أول البيت أو كان قبله وتد دخله الزحاف فهو بريء من المعاقبة؛ إذ ليس قبله ما يعاقبه، ولأن الوتد لا يعاقب السبب، فإذا زوحف ثاني الجزء لمعاقبة ما بعده فهو عجز، فإن زوحف أوله لمعاقبة ما قبله وآخره لمعاقبة ما بعده فهما طرفان، وياء مفاعيلن في الطويل والهزج يعاقب نونها، وكذلك سين مستفعلن في الكامل تعاقب فاءها.\rوالمراقبة: أن يتقابل السببان في جزء واحد فيسقط ساكن أحدهما، ولا يسقطان جميعاً البتة، وكذلك لا يثبتان جميعاً، وهي من جميع الأوزان في المضارع والمقتضب، والجوهري يعد المقتضب من الرجز كما قدمت، فهي من المضارع في سببي مفاعيلن أعني الياء والنون إما أن يأتي مفاعيلن مقبوضاً أو مفاعيلن مكفوفاً، ومن المقتضب في سببي مفعولات أعني الفاء والواو إما أن تخبن فتصير مفاعيل وإما أن تطوى فتصير فاعلات، ولا يجوز أن يكون هذا ولا الذي قبله أعني المضارع سالماً البتة.\rوالفرق بين المراقبة والمعاقبة أن سببي المعاقبة يثبتان معاً، وأن سببي المراقبة لا يثبتان معاً، وأن المعاقبة في جزءين، إلا ما كان من مفاعيلن في الطويل والهزج ومستفعلن في الكامل وأن المراقبة في جزء واحد.\rوسأفرد لباقي الزحاف باباً أذكره فيه مع المشطور إن شاء الله تعالى.\rولست أحمل أحداً على ارتكاب الزحاف إلا ما خف منه وخفي، ولو أن الخليل رحمه الله وضع كتاب العروض ليتكلف الناس ما فيه من الزحاف ويجعله مثالاً دون أن يعلموا أنها رخصة أتت بها العرب عند الضرورة لوجب أن يتكلف ما صنعه من الشعر مزاحفاً ليدل بذلك على علمه وفضل ما نحا إليه.\rولسنا نرى الزحاف الظاهر في شعر محدث، إلا القليل لمن لا يتهم كالبحتري، وما أظنه كان يتعمد ذلك، بل على سجيته؛ لأنه كان بدوياً من قرى منبج، ولذلك أعجب الناس به، وكثر الغناء في شعره؛ استطرافاً لما فيه من الحلاوة على طبع البداوة. وذكر ابن الجراح أنه من أهل قنسرين والعواصم.\rوقد ذكرت ما يليق ذكره بهذا الموضع ليعرفه المتعلم إن شاء غير متكلف به شعراً إلا ما ساعده عليه الطبع، وصح له فيه الذوق؛ ولأني وجدت تكلف العمل بالعلم في كل أمر من أمور الدين أوفق، إلا في الشعر خاصة؛ فإن عمله بالطبع دون العروض أجود؛ لما في العروض من المسامحة في الزحاف، وهو مما يهجن الشعر، ويذهب برونقه.\rباب القوافي\rالقافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمى شعراً حتى يكون له وزن وقافية، هذا على رأي من رأى أن الشعر ما جاوز بيتاً واتفقت أوزانه وقوافيه ويستدل بأن المصرع أدخل في الشعر، وأقوى من غيره، وأما ما قد أراه فقد قدمته في باب الأوزان.\rواختلف الناس في القافية ما هي؟ فقال الخليل: القافية من آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه من قبله، مع حركة الحرف الذي قبل الساكن، والقافية على هذا المذهب، وهو الصحيح تكون مرة بعض كلمة، ومرة كلمة، ومرة كلمتين، كقول امرئ القيس:\rكجلمود صخر حطه السيل من عل.\rفالقافية من الياء التي بعد حرف الروي في اللفظ إلى نون من مع حركة الميم، وهاتان كلمتان. وعلى وزن هذه القافية قوله:\rإذا جاش فيه حميه غلي مرجل.\rفالقافية \" مرجل \" وهي كلمة، وعلى وزنها قوله:\rويلوى بأثواب العنيف المثقل.\rفالقافية من الثاء إلى آخر البيت، وهذا بعض كلمة. وتابعه على هذا أبو عمر الجرمي وأصحابه، وهو قول مضبوط، محقق يشهد بالعلم. وقال الأخفش: القافية آخر كلمة من البيت، واستدل على صحة ذلك بأنه لو قال لك إنسان:","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"اكتب لي قوافي قصيدة لكتبت له كلمات، نحو: كتاب، ولعاب، وركاب، وصحاب، وما أشبه ذلك، وهو المتعارف بين الناس اليوم، أعني قول الأخفش، وكل كلمة من قوله \" عل \" وقوله \" مرجل \" وقوله \" المثقل \" في شعر امرئ القيس قافية بذاتها عند الأخفش، فعلى هذين القولين مدار الحذاق في معرفة القافية.\rورأي الخليل عندي أصوب، وميزانه أرجح؛ لأن الأخفش إن كان إنما فر من جعله القافية بعض الكلمة دون بعضها فقد نجد من القوافي ما يكون فيها حرف الروي وحده القافية على رأيه، فإن وزن معه ما قبله فأقامهما مقام كلمة من الكلمات التي عدها قوافي كان قد شرك في القافية بعض كلمة أخرى مما قبلها، فإذا جاز أن يشترك في القافية كلمتان لم يمتنع أن تكون القافية بعض كلمة، مثال ذلك ما شاكل قول أبي الطيب:\rطوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب\rحتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي\rفالقافية في البيت الأول على قوله \" الكذب \" لولا أن الألف فيه ألف وصل نابت عنها لام \" إلى \" فإن قال: إن القافية في البيت الثاني \" يشرق بي \" رجع ضرورة إلى مذهب الخليل وأصحابه؛ لأن القافية عند في هذا البيت من الياء التي للوصل وهي ههنا ضمير المتكلم إلى شين \" يشرق \" مع حركة الياء التي قبلها في أول الكلمة. وإن جعل القافية باء الخفض التي في موضع الروي وياء الضمير التي قامت مقام الوصل رجع إلى قول من جعل القافية حرف الروي وهو خلاف مذهبه، وليس بشيء؛ لأنه لو كان صحيحاً لجاز في قصيدة واحدةٍ فجر، وفجار، وفاجر، وفجور، ومنفجر، وانفجار، ومفجر، ومتفجر، ومفجور، وهذا لا يكون أبداً، إلا أن الفراء يحيى بن زياد قد نص في كتاب حروف المعجم أن القافية هي حرف الروي، واتبعه على ذلك أكثر الكوفيين: منهم أحمد بن كيسان، وغيره، وخالفه من أهل الكوفة أبو موسى الحامض، فقال: القافية ما لزم الشاعر تكراره في آخر كل بيت. وهذا كلام مختصر مليح الظاهر، إلا أنه إذا تأملته كلام الخليل بعينه لا زيادة فيه ولا نقصان.\rومن الناس من جعل القافية آخر جزء من البيت: قال أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي: بعض الناس من العلماء يرى أن القافية حرفان من آخر البيت، وحكى أنهم سألوا أعرابياً وقد أنشد:\rبنات وطاء على خد الليل.\rما القافية؟ فقال: \" خد الليل \" . ولا أدري كيف قال أبو القاسم هذا؟ لأن \" خد الليل \" كلمتان وليستا حرفين إلا اتساعاً، وهذا هو آخر جزء من البيت على قول من قاله، ولو قال قائل: إن الأعرابي إنما أراد الياء واللام من الليل على مذهب من يرى القافية حرفين من آخر البيت لكان وجهاً سائغاً؛ لأن الأعرابي لا يعرف حروف التهجي فيقول القافية الياء واللام من الليل فكرر اللفظ ليفهم عنه السائل مراده.\rومنهم من جعل القافية في الجزء الآخر من البيت، وقال: لا يسمى بيتاً من الشعر ما دام قسيماً أول.\rومنهم من قال: البيت كله هو القافية؛ لأنك لا تبني بيتاً على أنه من الطويل، ثم تخرج منه إلى البسيط، ولا إلى غيره من الأوزان.\rومنهم من جعل القافية القصيدة كلها؛ وذلك اتساع ومجاز.\rوسميت القافية قافية لأنها تقفو إثر كل بيت، وقال قوم: لأنها تقفو أخواتها، والأول عندي هو الوجه؛ لأنه لو صح معنى القول الأخير لم يجز أن يسمى آخر البيت الأول قافية؛ لأنه لم يقف شيئاً، وعلى أنه يقفو أثر البيت يصح جداً، وقال أبو موسى الحامض: هي قافية بمعنى مقفوة، مثل ماء دافق بمعنى مدفوق، وعيشة راضية بمعنى مرضية، فكأن الشاعر يقفوها، أي يتبعها، وهذا قول سائغ متجه.\rوسأذكر مما يلزم القافية من الحروف والحركات ما لا غنى عن ذكره في هذا الموضع مجملاً مختصر البيان والإيضاح، إن شاء الله تعالى.\rفأقول: إن الشعر كله مطلق ومقيد؛ فالمقيد ما كان حرف الروي فيه ساكناً، وحرف الروي الذي يقع عليه الإعراب، وتبنى عليه القصيدة، فيتكرر في كل بيت وإن لم يظهر فيه الإعراب لسكونه، وليس اختلاف إعرابه عيباً كما هو في المطلق إقواء، وحركة ما قبل الروي المقيد خاصة دون المطلق على رأي الزجاج وأصحابه توجيه، وقال غيره:","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"في المطلق والمقيد جميعاً يسمى التوجيه، ما لم يكن الشعر مردفاً، ويجوز في التوجيه التغيير؛ فيكون سناداً عند بعض العلماء، وكان الخليل يجيزه على كره من جهة الفتحة، فأما الضمة والكسرة فهما عنده متعاقبتان كالواو والياء في الردف، والفتحة كالألف، وأنشدوا:\rأحار بن عمرو كأني خمر.\rوفي القصيدة:\rوكندة حولي جميعاً صبر.\rوفيها:\rتحرقت الأرض واليوم قر.\rفاختلف التوجيه: بالكسر، والضم، والفتح. وقد سمى ابن قتيبة وأبو عبيدة وغيرهما هذا العيب إجازة، إلا أن منهم من جعل الإجازة اختلاف حركة الروي فيما كان وصله هاء ساكنة خاصة، وأنشدوا:\rالحمد لله الذي ... يعفو ويشتد انتقامه\rفي كرههم ورضاهم ... لا يستطيعون اهتضامه\rوأنشد آخرون في مثل ذلك، إلا أن منهم من أطلق الهاء:\rفديت من أنصفني في الهوى ... حتى إذا أحكمه مله\rآمن ما كنت، ومن ذا الذي ... قبلي صفا العيش له كله؟\rوكان ابن الرومي يلتزم حركة ما قبل الروي في المطلق والمقيد في أكثر شعره اقتداراً: صنع ذلك في قصيدته القافية في السوداء، وفي مطولته:\rأبين ضلوعي جمرة تتوقد؟.\rقال شيخنا أبو عبد الله: الإجازة بالزاي معجمة اختلاف حركات ما قبل الروي، وهو مأخوذ من إجازة الحبل، وهو: تراكب قواه بعضها على بعض، فكأن هذا اختلفت قوى حركاته. وقد حكى ابن قتيبة عن ابن الأعرابي مثل قول أبي عبد الله، وقال: هو مأخوذ من إجازة الحبل والوتر.\rوالمطلق نوعان: أحدهما: ما تبع حرف رويه وصل فقط. والوصل أحد أربعة أحرف: الياء، والواو، والألف، والهاء، ينفرد كل واحد منها بالقصيدة حتى تكمل؛ فمما وصله ياء:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.\rفبعد اللام ياء في اللفظ، لا يقوم الوزن إلا بها، ومما وصله واو:\rأمن المنون وريبها تتوجع.\rفبعد العين في اللفظ واو كذلك، ومما وصله ألف:\rأيتها النفس أجملي جزعاً.\rفبعد العين ألف ثابتة في الخط، وإنما أثبتوها دون الياء والواو لخفتها مرة وكونها عوضاً عن التنوين مرة، ومما وصله هاء:\rأشجاك الربع أم قدمه.\rوكل وصل ساكن ما خلا الهاء، فإنها تكون ساكنة ومتحركة، وسيرد عليك ذكرها إن شاء الله تعالى.. وإذا كان ما قبل الواو والياء والهاء ساكناً أو كانت مضاعفة لم تكن إلا حروف روي لا غير؛ لأن الوصل لا يكون ما قبلها ساكناً، ولعله أن المقيد لا وصل له فأما الألف فلا يكون ما قبلها ساكناً لأنها أخف من ذلك؛ وإذا انفتح ما قبل الواو والياء الساكنتين لم يكونا إلا رويا عند سيبويه، وإذا انكسر ما قبلهما أو انضم كنت فيهما بالخيار، وكذلك الألف إذا كانت أصيلة أنت فيها بالخيار. وأما الياء المشددة المكسور ما قبلها مع الياء المشددة المفتوح ما قبلها فرأي القاضي أبي الفضل جعفر بن محمد فيهما أن يكون المكسور ما قبلها ردفاً ويكون المفتوح ما قبلها إما ردفاً لما بقي فيها من المد وإما غير ردف الذهاب أكثر المد منها؛ فتكون على المذهب الأول مثل \" قضينا \" مع رضينا وهذا سناد، وعلى المذهب الثاني مثل إرداف بيت وترك إرداف الآخر، كقول حسان بن ثابت ولا توصه في بيت، ثم قال في الآخر: ولا تعصه وهذا أيضاً سناد. وله رأي ثالث، وهو أن تكون الياءان لما أدغمت إحداهما في الأخرى صارتا بمنزلة حرف واحد، وصار التزام التشديد اختياراً من الشاعر، وإلا فترك التشديد جائز له. وهذا قول الخليل والأخفش جميعاً، وقد أنكره الجرمي وأبو سعيد السيرافي، وكل هاء تحرك ما قبلها فهي صلة، إلا أن تكون من نفس الكلمة؛ فإنك تكون فيها بالخيار: إن شئت جعلتها روياً، وإن شئت سمحت بها فصيرتها صلة والتزمت ما قبلها فجعلته روياً. وكثيراً ما يسقط الشعراء في هذا النوع، قال أبو الطيب:\rأنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه ... تأتي الندى ويذاع عنك فتكره\rوإذا رأيتك دون عرض عارضاً ... أيقنت أن الله يبغي نصره\rفغلط في التصريع لأنه التزام فيه الهاء ولولا ذلك لكان البيتان رائيين وسمح بهاء تكره فصيرها صلة وإن كانت من نفس الكلمة. وقد وقع ابن المعتز في مثل حال أبي الطيب فقال:\rأفنى العداة إمام ماله شبه ... ولا ترى مثله يوماً ولم تره","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"ضارٍ إذا انقض لم تحرم مخالبه ... مستوفز لاتباع الحق منتبه\rما يحسن القطر أن ينهل عارضه ... كما تتابع أيام الفتوح له\rوقال أيضاً يصف كلاب الصيد في أرجوزة:\rإن خرطت من قدها لم ترها ... إلا وما شاءت من الصيد لها\rتمسكه عضاً، ولا يدمى به ... غريزة منهن أو تفقها\rووقع بشار بن برد على تقدمه عليهما في مثل ذلك، فقال:\rالله صورها وصيرها ... لاقتك أو لم تلقها ترها\rنصباً لعينيك لا ترى حسناً ... إلا ذكرت لها به شبها\rولا أعلم أن أحداً من العلماء تسامح في مثل هذا، بل هو عندهم عيب كالإكفاء، وروى بيت بشار نزها بالنون والزاي، جمع نزهة، ولا عيب فيه على هذا. وهاء حمزة وطلحة لا تكون إلا صلة، وإذا تحركت هاء التأنيث كنت فيها بالخيار: إن شئت التزمت ما قبلها وجعلتها كالصلة مجازاً، وإن شئت التزمتها فكانت على حقها روياً. وهذا رأيهم في كاف المخاطب مع التأسيس: إذا شاءوا جعلوها روياً فلم يلتزم ما قبلها، وإن شاءوا جعلوها مقام الصلة والتزموا ما قبلها مجازاً، وهو الأجود؛ لاختيار الشعراء إياه قديماً على اتساعهم في تركه. قال القاضي أبو الفضل: من زعم أن التاء والكاف يكونان وصلاً فإنما حمله على ذلك أنه رأى بعض الشعراء قد لزم في بعض شعره حرفاً لم يفارقه فظن ذلك الحرف روياً. وإنما لم يجز عنده كونهما صلة لأنهما ليس فيهما من مضارعة حروف المد واللين ما في الهاء. وقال من جعل التاء صلة كالهاء: إنها تجيء للتأنيث مثلها، وتكون اسماً كما تكون الهاء اسماء وتزاد كما تزاد، وتزداد الهاء، وإن الهاء تنقلب تاء في درج الكلام، وشبه الكاف بالهاء لأنها حرف إضمار مثلها، وأنها تكون اسماً للمجرور والمنصوب كالهاء.\rوالنوع الآخر من المطلق ما كان لوصله خروج، ولا يكون ذلك الوصل إلا هاء متحركة، نحو قول الشاعر:\rوالشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه\rفالسين حرف الروي، وحركتها مجرى، وإن شئت إطلاق، كلاهما يقال، والهاء وصل، وحركتها نفاذ، وبعدها في اللفظ ياء هي الخروج، ولو كانت الهاء مضمومة كان الخروج واواً، أو مفتوحة كان الخروج ألفاً. ولا يكون حرف الروي إلا في أحد ثلاثة مواضع: إما متأخراً كقول طرفة:\rلخولة أطلال ببرقة ثهمد.\rفالدال روي، وإما قبل المتأخر ملاصقاً له كقول عمرو بن كلثوم:\rألا هبي بصحنك فاصبحينا.\rفالنون حرف الروي، أو قبل المتأخر بحرف كقول لبيد:\rعفت الديار محلها فمقامها.\rفالميم حرف الروي، وهذه المواضع المذكورة إنما هي في اللفظ لا في الخط، ولا يكون حرف الروي إذا كان بعده شيء إلا متحركاً؛ لأن المقيد لا شيء بعده، وأنشد بعضهم:\rشلت يداً فارية فرتها.\rعلى أن التاء حرف روي، فرد ذلك العلماء بالعلة التي ذكرتها، وقالوا: إنما التزم التاء والراء قبلها اتساعاً، وإلا فالهاء هي الروي.\rوكل شعر فلا بد أن يكون: مطلقاً، أو مقيداً، ثم لا بد أن يكون مردفاً أو مؤسساً، أو معرى منهما مجرداً.\rفالمردف نوعان: تشترك الياء والواو في أحدهما، ثم قول علقمة الفحل:\rطحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب\rفالياء في مشيب مقام الواو في طروب.\rوتنفرد الألف بالنوع الآخر نحو قول امرئ القيس:\rألا عم صباحاً أيها الطلل البالي.\rلا يشركها غيرها، والحركة التي قبل الردف ياء كانت أو واواً أو ألفاً تسمى الحذو، وقد تجر الضمة واواً في اللفظ، والكسرة ياء، وذلك مع هاء الضمير، فتكون ردفاً، وإن لم تثبت في الخط، نحو قول ابن المعتز:\rضمخوا عارضها بال ... مسك في خد أسيل\rتحت صدغين يشيرا ... ن إلى وجه جميل\rعندي الشوق إليه ... والتناسي عنده لي\rومن المردف ما تكون حركة الحذو فيه مخالفة للردف؛ فيجعل شعراً على جهته؛ فإن دخل مع غيره كان سناداً، وذلك مثل هول وسيل يكونان في قصيدة، ولا يكون معهما سول وفيل.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وقياس المردف في الوصل والخروج وغير ذلك من حروف الروي وحركته جار على ما تقدم في المجرد من الردف، إلا الحذو والتوجيه؛ فإن المقيد يختص بالتوجيه، وهو الروي، والمردف يختص بالحذو، وهو حركة ما قبل الردف، وإن كان المردف مقيداً سقط التوجيه وبقي الحذو؛ لأن الردف قد سد موضع التوجيه.\rوقد يلتبس بالمردف ما ليس بمردف فيجتنبه الشعراء، مثل فيهم مع منهم وهو جائز؛ لأن الهاء ليست روياً فتكون الياء ردفاً، وإنما الروي الميم، ويجتنبون منكم مع منهم وذلك جائز لا عيب فيه؛ لما قدمت آنفاً وكان ابن الرومي خاصة من بين الشعراء يلتزم ما لا يلزمه في القافية، حتى أنه لا يعاقب بين الواو والياء في أكثر شعره قدرة على الشعر واتساعاً فيه. والأجود أن يكون الردف والروي جميعاً في كلمة واحدة، فإذا كانا في كلمتين فلا بأس.\rوالمؤسس من الشعر: ما كانت فيه ألف بينها وبين حرف الروي حرف يجوز تغييره؛ فذلك الحرف يسمى الدخيل، وحركته تسمى الإشباع، ويجوز تغييرها عند الخليل، ولا يجوز عند أبي الحسن الأخفش، مثال ذلك ما أنشده أبو زكريا الفراء:\rنهوى الخليط وإن أقمنا بعدهم ... إن المقيم مكلف بالسائر\rإن المطي بنا يخدن ضحى غدٍ ... واليوم يوم لبانة وتزاور\rوهو جائز غير معيب، وأما القاضي أبو الفضل فرأيه أن حركة الدخيل ما دامت إشباعاً جاز فيها التغيير بالنصب والخفض والرفع؛ فإذا قيد الشعر وصار موضع الإشباع التوجيه لم يجز الفتح مع واحد منهما، واعتل في ذلك بحال المطلق غير المؤسس أن ما قبل رويه جائز تغييره، فإذا قيد لم يجز الفتح فيه إلا وحده، فهو سناد، ويشارك الضم والكسر، وهذا قول واضح البيان، ظاهر البرهان، والناس مجمعون على تغيير الدخيل حتى أن بعضهم لم يسمه لتغيره واضطرابه لكن عده فيما لا يلزم القافية فسكت عنه.\rوأما الإشباع فالقول فيه ما قدمت، وإذا كان ألف التأسيس في كلمة وحرف الروي في كلمة أخرى لم يعدوها تأسيساً لبعدها، إلا أن يكون حرف الروي مع مضمر متصل أو منفصل، فإن الشاعر بالخيار: إن شاء جعل الألف تأسيساً، وإن شاء لم يجعلها تأسيساً؛ فالتي لا تكون عندهم تأسيساً قول عنترة:\rوالناذرين إذا لم ألقهما دمى.\rلما كان الاسم ظاهراً، وقد أنشد بعضهم في أبيات اللغز والمعاياة:\rأقول لعمرو حين خود رأله ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم\rوهي: من الوهى، وشم من الشيم للبرق.. وقول الآخر:\rأقول لعبد الله لما لقيته ... ونحن بوادي الروم فوق القناطر:\rفالقنا: جمع قناة، وطر، أمر من طار يطير، فرخص فيه لما انكسرت حركة دخيله على متعارف الشعر، وهو كلام حسن الظاهر، إلا أنه خلاف لما قال العلماء، والتي تكون تأسيساً لكونها مع المضمر قول الشاعر:\rتزيد حسى الكأس السفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الكريم كما هيا\rوقول جرير:\rفردي جمال الحي ثم تحملي ... فما لك فيهم من مقام ولا ليا\rفهذا ضمير متصل، والذي قبله ضمير منفصل..\rومما جاءت الألف فيه غير تأسيس مع المضمر قول الشاعر، وهو من شواهد أبي الفتح عثمان بن جني النحوي:\rأيه جاراتك تلك الموصية ... قائلة لا تسقيا بحبليه\rلو كنت حبلاً لسقيتها بيه ... أو قاصراً وصلته بثوبيه\rفالألف في سقيتها غير تأسيس، فإذا كانت الهاء والكاف التي للمخاطب دخيلاً لم يخلط الشعراء بها غيرها اتساعاً، وإلا فهو جائز. وأنشد الجرمي لعوف ابن عطية ابن الخرع:\rفإن شئتما ألقحتما ونتجتما ... وإن شئتما عيناً بعين كما هما\rوإن كان عقلاً فاعقلا لأخيكما ... بنات المخاض والفصال المقاحما\rومن المؤسس والمردف ما يلتبس على المبتدئ فلا يميزه إلا عن كلفة وبعد فترة، فأوردت منه ما يكون له مثالاً يستدل به ويعمل عليه إن شاء الله تعالى.\rفمن ذلك تغيير ما قبل الكاف في القافية المؤسسة لأنه دخيل، والكاف روي، والتزامه يعد اتساعاً، فإذا كان موضع الكاف هاء صار الشعر مردفاً موصولاً ولم يجز تغيير ما قبل الهاء، لأنك لو غيرته لكنت قد غيرت حرف الروي، مثال ذلك قول كثير أو غيره:\rتراغت لو شك البين بزل جمالك ... ولو شئت ما فجعتني بارتحالك","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"فالتزم اللام في القصيدة كلها أو في أكثرها؛ اتساعاً، ولو غير كما فعل ذو الرمة في قوله:\rأما استحلبت عينيك إلا محلة ... بجمهور حزوي أو بجرعاء مالك\rأناخت روايا كل دلو به بها ... وكل سماكي أجش المبارك\rلم يكن عيباً؛ لأن الكاف روي وصلتها الياء التي بعدها في اللفظ، والدخيل راء المبارك ولام مالك وقد التزمه كثير كأن القافية عنده لاميه مردفة، فالكاف مقام الهاء صلة على المجاز لا على الحقيقة، وقال كثير في المردف:\rعلى ابن أبي العاص دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها\rفاللام روي، والألف التي قبلها ردف، والهاء صلة، والألف التي بعدها خروج، ولا يجوز أن يقال لهذه القافية مؤسسة؛ لأن الهاء إذا تحرك ما قبلها وليست من نفس الكلمة لم تكن إلا صلة، وإذا كانت الهاء صلة لم تكن اللام إلا روياً، ولا يجوز تغييرها.\rوجميع ما يلحق القوافي من الحروف والحركات ستة أحرف وست حركات، فالأحرف: الروي، والردف، والتأسيس، والوصل، والخروج، والدخيل؛ والحركات: الإطلاق، والحذو، والرس، والتوجيه، والنفاذ، والإشباع، والذي يجتمع منها في قافية واحدة خمسة أحرف، وهي: التأسيس، والروي، والصلة، والخروج، والدخيل؛ وكلها يلزم تكراره بعينه إلا الدخيل، وأربع حركات، وهي: الرس، والإشباع، والإطلاق، والنفاذ، وذلك مثل قول الشاعر:\rيوشك من فز من منيته ... في بعض غراته يوافقها\rولا يجتمع في قافية الحذو والرس، كما لا يجتمع الردف والتأسيس، وكذلك لا يجتمع أيضاً التوجيه والإشباع، فيسقط التوجيه إذا كان المؤسس مطلقاً، ويسقط الإشباع إذا كان المؤسس مقيداً.\rوقد أنكر الجرمي والأخفش وأصحابهما على الخليل تسمية الرس، وقالوا: لا معنى لذكر هذه الفتحة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، وإنما احتيج إلى ذكر الحذو قبل الردف لأن الحذو قد يتغير فيكون مرة فتحة قبل ألف ومرة كسرة قبل ياء ومرة ضمة قبل واو.. ومما يجب أن يراعى في هذا الباب الإقواء، والإكفاء، والإيطاء، والسناد، والتضمين؛ فإنها من عيوب الشعر.\rفأما الإقواء والإكفاء فاختلف العلماء فيهما وفي اشتقاقهما.. وأما السناد والإيطاء فاتفقوا فيما دون اشتقاقهما.\rوعند أكثر العلماء: اختلاف إعراب القوافي إقواء، وهو غير جائز لمولد، وإنما يكون في الضم والكسر، ولا يكون فيه فتح، هذا قول الحامض.. وقال ابن جني: والفتح فيه قبيح جداً، إلا أن أبا عبيدة ومن قال بقوله كابن قتيبة يسمون هذا إكفاء، والإقواء عندهم: ذهاب حرف أو ما يقوم مقامه من عروض البيت، نحو قول الشاعر وهو بجير بن زهير بن أبي سلمى:\rكانت علالة يوم بطن حنين ... وغداة أوطاس ويوم الأبرق\rواشتقاقه عندهم فيما روى النحاس من أقوت الدار إذا خلت كأن البيت خلا من هذا الحرف. وقال غيره: إنما هو من أقوى الفاتل حبله إذا خالف بين قواه فجعل إحداهن قوية والأخرى ضعيفة، أو ممرة والأخرى سحيلة، أو بيضاء والأخرى سوداء، أو غليظة والأخرى دقيقة، أو انحل بعضها دون بعض أو انقطع، وهذا يسميه الخليل المقعد، وهو من باب الوزن، لا من باب القافية، والجمهور الأول من العلماء على خلاف رأي أبي عبيدة في الإقواء.\rوأما الإكفاء فهو الإقواء بعينه عند جلة العلماء: كأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وهو قول أحمد بن يحيى ثعلب، وأصله من أكفأت الإناء إذا قلبته، كأنك جعلت الكسرة مع الضمة وهي ضدها، وقيل: من مخالفة الكفوة صواحبها، وهي النسيجة من نسائج الخباء تكون في مؤخره، فيقال: بيت مكفأ، تشبيهاً بالبيت المكفأ من المساكن إذ كان مشبهاً به في كل أحواله.. قال الأخفش البصري: الإكفاء القلب، وقال الزجاجي وابن دريد: كفأت الإناء إذا قلبته، وأكفأته إذا أملته، كأن الشاعر أمال فمه بالضمة فصيرها كسرة، إلا أن ابن دريد رواهما أيضاً بمعنى قلبته شاذاً، وقيل: بل من المخالفة في البناء والكلام، يقال أكفأ الباني إذا خالف في بنائه، وأكفأ الرجل في كلامه إذا خالف نظمه فأفسده، قال ذو الرمة:\rودوية قفر ترى وجه ركبها ... إذا ما علوها مكفأ غير ساجع\rوقال المفضل الضبي: الإكفاء اختلاف الحروف في الروي، وهو قول محمد بن يزيد المبرد، وأنشد:","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب في صقع\rفأتى بالعين مع الغين، واشتقاقه عنده من المماثلة بين الشيئين، كقولك فلان كفء فلان، أي: مثله، قال: ومنه كافأت الرجل، كأن الشاعر جعل حرفاً مكان حرف، والناس اليوم في الإكفاء على رأي المفضل، وهو عيب لا يجوز أيضاً لمحدث، ولا يكون إلا فيما تقارب من الحروف، وإلا فهو غلط بالجملة، هذا رأي الأخفش سعيد بن مسعدة، والخليل يسمي هذا النوع: الإجازة.\rقال الفراء: الإجازة في قول الخليل: أن تكون القافية طاء والأخرى دالاً، وقال أبو إسحاق النجيرمي: الإجازة بالراء لا غير وهي من الجوار، وهو الموج، قال ابن السكيت: وهو الماء الكثير، وأنشد للقطامي يذكر سفينة نوح عليه السلام:\rولولا الله جار بها الجوار.\rقال المهلبي: ورأيته بخط الطوسي والسكري بالراء، وهو قول الكوفيين، فأما البصريون فيقولون الإجازة بالزاي، حكى ذلك ابن دريد..\rوقال بعض شيوخنا: الإجازة في القوافي مشتقة من الجوار في السكنى والذمام، ألا ترى أنها فيما تقارب من الحروف، فكأن الحرف جاور الآخر ودخل في ذمامه، وقال قوم: بل هي من الجور، كأن القافية جارت، أي: خالفت القصد، وأجارها الشاعر، أي: صيرها كذلك، وعلى هذا يصح قول النجيرمي.\rفإذا تأملنا أقاويل العلماء وجدنا الإجازة بالزاي اختلاف التوجيه، وهو حركة، والإجازة بالراء اختلاف الروي، وهو حرف، وليس هذا من هذا في شيء، فكأن العلماء لم يختلفوا حينئذ؛ لأن التسمية اختلفت باختلاف المسمى.\rومثل الإجازة الإصراف، حكاه شيخنا أبو عبد الله، قال: وهو أن تكون القافية دالاً والأخرى طاءً، والقصيدة مصرفة، ولذلك قال الشاعر:\rمقومة قوافيها وليست ... بمصرفة الروي ولا سناد\rوأما السناد فأنواع كثيرة: منها وهو المشهور أن يختلف الحذو، وهو حركة ما قبل الردف، فيدخل شرط الألف وهي الفتحة على الياء والواو كقول الفضل بن عباس اللهبي:\rواملئي وجهك الجميلا خموشا.\rثم قال:\rوبنا سميت قريش قريشا.\rوهو كثير جائز للعرب غير جائز للمولدين، ومنها اختلاف الإشباع، كقول النابغة:\rيزرن ألالًا سيرهن التدافع.\rوالقصيدة كلها إشباع، ومنها إرداف قافية وتجريد أخرى، كقول حسان بن ثابت في قافية:\rفأرسل حكيماً ولا توصه.\rوقال في أخرى:\rوشاور لبيباً ولا تعصه.\rومنها تأسيس قافية دون أخواتها، كقول العجاج:\rفخندف هامة هذا العالم.\rوأول هذه الأرجوزة:\rيا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي.\rوكلها غير مؤسسة إلا هذا البيت وحده، ويقال: إن لغته الهمز، فإذا همز لم يكن تأسيساً. ومنها اختلاف التوجيه، نحو قول امرئ القيس بن حجر:\rلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر\rثم قال:\rتميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صبر\rإذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر\rفما قبل الراء في البيت الأول مكسور، وفي الثاني مضموم، وفي الثالث مفتوح، وليس هذا بعيب شديد عندهم.\rقال الزجاجي: السناد: كل عيب يلحق القافية، ما خلا الإقواء والإكفاء والإيطاء، وهذا قول فيه بيان واختصار.\rوقال علي بن عيسى الرماني: السناد اختلاف ما قبل حرف الروي أو بعده على أي وجه كان الاختلاف: بحركة كان، أو بحرف..\rوقال ابن جني: السناد: كل عيب يحدث قبل الروي.\rواشتقاق السناد من تساند القوم إذا جاءوا فرقاً لا يقودهم رئيس واحد، وقيل: بل هو من قولهم ناقة سناد إذا كانت قوية صلبة؛ لأن الياء الصلبة أقوى في النطق من الياء اللينة.. وقالوا: بل السناد الناقة المشرفة، كأن إحدى القوافي أشرفت على أخواتها.\rوأما الإيطاء فهو أن يتكرر لفظ القافية ومعناهما واحد، كما قال امرؤ القيس في قافية سرحة مرقب وفي قافية أخرى فوق مرقب وليس بينهما غير بيت واحد.. وكلما تباعد الإيطاء كان أخف، وكذلك إن خرج الشاعر من مدح إلى ذم، أو من نسيب إلى أحدهما، ألا ترى إلى قولهم دع ذا و عد عن ذا فكأن الشاعر في شعر آخر، وأقبح من هذا الإيطاء قول تميم بن أبي بن مقبل:\rأو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"ويروي تذاوقه ثم قال في القصيدة غير بعيد:\rنازعت ألبابها لبي بمتصد ... من الأحاديث حتى زدنني لينا\rفكرر القافية والمعنى مع أكثر لفظ القسيم، وأشد من ذلك قول أبي ذؤيب في بنيه:\rسبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع\rثم قال في صفة الثور والكلاب:\rفصرعنه تحت العجاج فجنبه ... متترب، ولكل جنب مصرع\rفكرر ثلث البيت.. وإذا اتفق الكلمتان في القافية واختلف معناهما لم يكن إيطاء عند أحد من العلماء، إلا عند الخليل وحده، فإن يزيد عنده بمعنى الاسم ويزيد بمعنى الفعل إيطاء، وكذلك جون للأبيض والأسود، وجلل للكبير والصغير، وإذا كان أحد الاسمين نكرة والآخر معرفة لم يكن إيطاء، وكذلك ضرب للواحد وضربا للاثنين، ولم تضرب للمذكر ولم تضربي للمؤنث، ومن غلام ومن غلامي مضافاً، كل هذا ليس بإيطاء.. وأما اختلاف الحروف على الاسم كقولك لزيد وبزيد وعلى الفعل كقولك أضرب ويضرب وتضرب في مخاطبة المذكر والحكاية عن المؤنث؛ فكل ذلك إيطاء..\rوالإيطاء جائز للمولدين، إلا عند الجمحي وحده؛ فإنه قال: قد علموا أنه عيب وقال الفراء: إنما يواطئ الشاعر من عي، وإذا كرر الشاعر قافية للتصريع في البيت الثاني لم يكن عيباً، نحو قول امرئ القيس:\rخليلي مرا بي على أم جندب.\rثم قال في البيت الثاني لدى أم جندب واشتقاقه من الموافقة، قال الله عز وجل: \" ليواطئوا عدة ما حرم الله \" أي: ليوافقوا.. وقال قوم: بل الإيطاء من الوطء، كأن الشاعر أوطأ القافية عقب أختها، كما قال توبة يخاطب بعل ليلى الأخيلية:\rلعلك يا تيساً نزا في مريرة ... تعاقب ليلى أن تراني أزورها\rعلي دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنباً غير أني أزورها\rوالتضمين: أن تتعلق القافية أو لفظة مما قبلها بما بعدها، كقول النابغة الذبياني:\rوهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ، إني\rشهدت لهم مواطن صالحات ... وثقت لهم بحسن الظن مني\rوكلما كانت اللفظة المتعلقة بالبيت الثاني بعيدة من القافية كان أسهل عيباً من التضمين، ويقرب من قول النابغة قول كعب بن زهير:\rديار التي بتت حبالي وصرمت ... وكنت إذا ما الحبل من خلة صرم\rفزعت إلى وجناء حرف كأنما ... بأقرابها قار إذا جلدها استحم\rوأخف من هذا قول إبراهيم بن هرمة:\rإما تريني شاحباً مبتذلاً ... كالسيف يخلق جفنه فيضيع\rفلرب لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع\rوليس منه قول متمم بن نويرة:\rلعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزعاً مما أصاب فأوجعا\rلقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتىً غير مبطان العشيات أروعا\rوربما حالت بين بيتي التضمين أبيات كثيرة بقدر ما يتسع الكلام وينبسط الشاعر في المعاني، ولا يضره ذلك إذا أجاد.\rويجمع القوافي كلها خمسة ألقاب: المتكاوس، وهو: أربع حركات بين ساكنين، وله جزء واحد وهو فعلتن، والفراء لا يعده؛ لأنه عنده من المتدارك؛ لأن فعلتن إنما هي مستفعلن مزاحف السببين؛ والمتراكب، وهو ثلاث متحركات بين ساكنين، ولها جزءان مفاعلتن وفعلن؛ والمتدارك، وهو: حركتان بين ساكنين، وهو نحو مفاعلن ومتفاعلن ومستفعلن وفاعلن؛ والمتواتر وهو: ما توالى فيه متحرك بين ساكنين، نحو مفاعيلن وفاعلاتن وفعلاتن ومفعولن؛ والمترادف، وهو: ما اجتمع في آخره ساكنان نحو فاعلان ومتفاعلان ومستفعلان، وما أشبه ذلك.\rولا يجتمع نوعان من هذه الأنواع في قصيدة، إلا في جنس من السريع؛ فإن المتواتر يجتمع فيه مع المتراكب، إذا كان الشعر مقيداً كقول المرقش في بيت:\rوأطراف الأكف عنم.\rوفي بيت آخر:\rقد قلت فيه غير ما تعلم.\rباب التقفية والتصريع\rهذا باب يشكل على كثير من الناس علمه، ويلحقه عيب سماه قدامة التجميع، كأنه من الجمع بين رويين وقافيتين، ورأيت من يقول: التخميع بالخاء كأنه من الخمع في الرجل، وسأذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى.\rفأما التصريع فهو ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه: تنقص بنقصه، وتزيد بزيادته، نحو قول امرئ القيس في الزيادة:","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان\rوهي في سائر القصيدة مفاعلن، وقال في النقصان:\rلمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبورٍ في عسيب يماني\rفالضرب فعولن، والعروض مثله لمكان التصريع، وهي في سائر القصيدة مفاعلن كالأولى؛ فكل ما جرى هذا المجرى في سائر الأوزان فهو مصرع.\rوالتقفية: أن يتساوى الجزءان من غير نقص ولا زيادة، فلا يتبع العروض الضرب في شيء إلا في السجع خاصة، مثال ذلك قوله:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل\rفهم جميعاً مفاعلن، إلا أن العروض مقفى مثل الضرب، فكل ما لم يختلف عروض بيته الأول مع سائر عروض أبيات القصيدة إلا في السجع فقط فهو مقفى.\rواشتقاق التصريع من مصراعي الباب، ولذلك قيل لنصف البيت مصراع كأنه باب القصيدة ومدخلها، وقيل: بل هو من الصرعين، وهما طرفا النهار، قال أبو إسحاق الزجاج: الأول من طلوع الشمس إلى استواء النهار، والآخر من ميل الشمس عن كبد السماء إلى وقت غروبها. قال شيخنا أبو عبد الله: وهما العصران. وقال قوم: الصرع المثل، وسبب التصريع مبادرة الشاعر القافية ليعلم في أول وهلة أنه أخذ في كلام موزون غير منثور، ولذلك وقع في أول الشعر، وربما صرع الشاعر في غير الابتداء، وذلك إذا خرج من قصة إلى قصة أو من وصف شيء إلى وصف شيء آخر فيأتي حينئذ بالتصريع إخباراً بذلك وتنبيهاً عليه، وقد كثر استعمالهم هذا حتى صرعوا في غير موضع تصريع، وهو دليل على قوة الطبع، وكثرة المادة، إلا أنه إذا كثر في القصيدة دل على التكلف، إلا من المتقدمين، قال امرؤ القيس:\rتروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر؟\rأمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر\rوشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر\rفوالى بين ثلاثة أبيات مصرعة في القصيدة، وقد يجعلون أولها:\rأحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر\rوقال عنترة العبسي:\rأعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم كالأصم الأعجم\rثم قال بعد بيت واحد:\rهل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟\rيا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي\rفصرع البيت الأول والثالث والرابع.\rوقولنا في شعر امرئ القيس وعنترة وغيرهما مما يستأنف مصرع إنما هو مجاز وجرى على عادة الناس؛ لئلا يخرج عن المتعارف، وإلا فقد بينت ذلك أولاً.\rومن الناس من لم يصرع أول شعره قلة اكتراث بالشعر، ثم يصرع بعد ذلك، كما صنع الأخطل إذ يقول أول قصيدة:\rحلت صبيرة أمواه العداد وقد ... كانت تحل وأدنى دارها نكد\rوأقفر اليوم ممن حله الثمد ... فالشعبتان فذاك الأبلق الفرد\rفصرع البيت الثاني دون الأول.. وقال ذو الرمة أول قصيدة:\rأداراً بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق\rثم قال بعد عدة أبيات:\rأمن مية اعتاد الخيال المؤرق؟ ... نعم؛ إنها مما على النأي تطرق\rوكان الفرزدق قليلاً ما يصرع أو يلقي بالاً بالشعر، كقوله:\rألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا\rفجاء بمثل هذه القصيدة الجليلة غير مصرعة. وكذلك قوله يرد على جرير:\rتكاثر يربوع عليك ومالك ... على آل يربوع فما لك مسرح\rوأكثر شعر ذو الرمة غير مصرع الأوائل، وهو مذهب الكثير من الفحول وإن لم يعد فيهم لقلة تصرفه، إلا أنهم جعلوا التصريع في مهمات القصائد فيما يتأهبون له من الشعر، فدل ذلك على فضل التصريع. وقد قال أبو تمام وهو قدوة:\rوتقفو إلى الجدوى بجدوى، وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع\rفضرب به المثل كما ترى.\rوالتصريع يقع فيه من الإقواء والإكفاء والإيطاء والسناد والتضمين ما يقع في القافية: فمن الإقواء ما أنشده الزجاجي، وهو قول بعضهم:\rما بال عينك منها الماء مهراق ... سحاً فلا غارب منها ولا راقي\rومن الإكفاء قول حسان بن ثابت، وأنشده الجاحظ:","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"ولست بخير من أبيك وخالكا ... ولست بخير من معاظلة الكلب\rومن الإيطاء قول عبد الله بن المعتز:\rيا سائلاً كيف حالي ... أنت العليم بحالي\rومن السناد قول إسماعيل بن القاسم أبا العتاهية:\rويلي على الأظعان ولوا ... عني بعتبة فاستقلوا\rومن التضمين قول البحتري:\rعذيري فيك من لاح إذا ما ... شكوت الحب قطعني ملاما\rومن ابتداء القصائد التجميع، وهو: أن يكون القسيم الأول متهيئاً للتصريع بقافية ما، فيأتي تمام البيت بقافية على خلافها كقول جميل:\rيابثن إنك قد ملكت فأسجحي ... وخذي بحظك من كريم واصل\rفتهيأت القافية على الحاء، ثم صرفها إلى اللام.\rومثله قول حميد بن ثور الهلالي:\rسل الربع أنىّ يممت أم سالم؟ ... وهل عادة للربع أن يتكلما؟!!\rفتهيأت له قافية مؤسسة لو شاء، ثم أتت في آخر البيت غير مؤسسة، ويروى أم أسلما فخرج عن التجميع.\rومن أشد التجميع قول النابغة الذبياني:\rجزى الله عبساً عبس آل بغيضٍ ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل\rوإنما التجميع فيما شابه الإطلاق، أو قارب ذلك، كقول جميل فيما تقدم وقول حميد، وهو الإكفاء والسناد وفي القوافي، إلا أنه دونهما في الكراهية جداً.. وإذا لم يصرع الشاعر قصيدته كان كالمتسور الداخل من غير باب.\rوالمداخل من الأبيات: ما كان قسيمه متصلاً بالآخر، غير منفصل منه، قد جمعتهما كلمة واحدة، وهو المدمج أيضاً، وأكثر ما يقع ذلك في عروض الخفيف، وهو حيث وقع من الأعاريض دليل على القوة، إلا أنه في غير الخفيف مستثقل عند المطبوعين، وقد يستخفونه في الأعاريض القصار: كالهزج ومربوع الرمل وما أشبه ذلك.\rومن الشعر غير المصرع ما لا يجوز أن يظن تجميعاً، وذلك نحو قول ذي الرمة واسمه غيلان بن عقبة:\rأأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم\rلأن القافية من عروض البيت غير متمكنة، ولا مستعمل مثلها، وإن كان استعمالها جائزاً لو وقع.\rومن الشعر نوع غريب يسمونه القواديسي، تشبيهاً بقواديس السانية؛ لارتفاع بعض قوافيه في جهة وانخفاضه في الجهة الأخرى، فأول من رأيته جاء به طلحة بن عبيد الله العوني في قوله من قصيدة له مشهورة طويلة:\rكم للدمى الأبكار بال ... خبتين من منازل\rبمهجتي للوجد من ... تذكارها منازل\rمعاهد رعيلها ... مثعنجر الهواطل\rلما نأى ساكنها ... فأدمعي هواطل\rوهو مربوع الرجز تعمد فيه الإقواء وأوطأ في أكثره قصداً كما فعل في البيتين الأولين من هذه.\rومن الشعر جنس كله مصرع، إلا أنه مختلف الأنواع، وأنا منبه عليها إن شاء الله تعالى.\rفمن ذلك الشعر المسمط، وهو: أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع، ثم يأتي بأربعة أقسمة على غير قافيته، ثم يعيد قسيماً واحداً من جنس ما ابتدأ به، وهكذا إلى آخر القصيدة، مثال ذلك قول امرئ القيس، وقيل إنها منحولة:\rتوهمت من هند معالم أطلال ... غفاهن طول الدهر في الزمن الخالي\rمرابع من هند خلت ومصايف ... يصيح بمغناها صدى وعوازف\rوغيرها هوج الرياح العواصف ... وكل مسف ثم آخر رادف\rبأسحم من نوء السماكين هطال\rوهكذا يأتي بأربعة أقسمة على أي قافية شاء، ثم يكرر قسيماً على قافية اللام، وربما كان المسمط بأقل من أربعة أقسمة كما قال أحدهم:\rخيال هاج لي شجنا ... فبت مكابداً حزنا\rعميد القلب مرتهنا ... بذكر اللهو والطرب\rسبتني ظبية عطل ... كأن رضابها عسل\rينوء بخصرها كفل ... ثقيل روادف الحقب\rوربما جاءوا بأوله أبياتاً خمسة على شرطهم في الأقسمة، وهو المتعارف، أو أربعة، ثم يأتون بعد ذلك بأربعة أقسمة، كما قال خالد القناص، أنشده الزجاجي أبو القاسم:\rلقد نكرت عيني منازل جيران ... كأسطار رق ناهج خلق فاني\rتوهمتها من بعد عشرين حجة ... فما أستبين الدار إلا بعرفان","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"فقلت لها: حييت يا دار جيرتي ... أبيني لنا أنىّ تبدد إخواني\rوأي بلاد بعد ربعك حالفوا ... فإن فؤادي عند ظبية جيراني\rفجاء بأربعة أبيات كما ترى، ثم قال بعدها:\rرما نطقت واستعجمت حين كلمت ... وما رجعت قولاً وما إن ترمرمت\rوكان شفائي عندها لو تكلمت ... إلي ولو كانت أشارت وسلمت\rولكنها ضنت علي بتبيان\rوهكذا إلى آخرها، وقد جاء هذا الشاعر في قصيدته بخمسة أقسمة مرة واحدة، ولم يعاودها، ولو عاودها لم يضره، وكذلك لو نقص، إلا أن الاعتدال أحسن.\rوالقافية التي تكرر في التسميط تسمى عمود القصيدة، واشتقاقه من السمط، وهو: أن تجمع عدة سلوك في ياقوتة أو خرزة ما، ثم تنظم كل سلك منها على حدته باللؤلؤ يسيراً، ثم تجمع السلوك كلها في زبرجدة أو شبهها أو نحو ذلك، ثم تنظم أيضاً كل سلك على حدته وتصنع به كما صنعت أولاً إلى أن يتم السمط، هذا هو المتعارف عند أهل الوقت.\rوقال أبو القاسم الزجاجي: إنما سمي بهذا الاسم تشبيهاً بسمط اللؤلؤ، وهو سلكه الذي يضمه ويجمعه مع تفرق حبه، وكذلك هذا الشعر لما كان متفرق القوافي متعقباً بقافية تضمه وترده إلى البيت الأول الذي بنيت عليه في القصيدة صار كأنه سمط مؤلف من أشياء مفترقة.\rونوع آخر يسمى مخمساً، وهو: أن يؤتى بخمسة أقسمة على قافية، ثم بخمسة أخرى في وزنها على قافية غيرها كذلك، إلى أن يفرغ من القصيدة، هذا هو الأصل، وأكثروا من هذا الفن حتى أتوا به مصراعين مصراعين فقط، وهو المزدوج، إلا أن وزنه كله واحد وإن اختلفت القوافي، كذات الأمثال، وذات الحلل، وما شاكلهما، ولا يكون أقل من مصراعين، وكل مشطور أو منهوك فهو بيت، وإن قيل مصرع فعلي المجاز، وما سوى ذلك مما لم يأت مثله عن العرب فهو مصاريع ليس ببيت، ولم أجدهم يستعملون في هذه المخمسات إلا الرجز خاصة؛ لأنه وطئ سهل المراجعة، فأما المسمطات فقد جاءت في أوزان كثيرة مختلفة كما قدمت.\rونوعان من الرجز وهما: المشطور، والمنهوك فأما المشطور فما بني على شطر بيت، نحو قول أبي النجم العجلي:\rالحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخل\rوأما المنهمك فهو ما بني على ثلث بيت، ونهك بذهاب ثلثيه، أي: أضعف وهذا مثل قول أبي نواس:\rوبلدة فيها زور ... صعراء تخطى في صعر\rفأشبه بهما مشطور السريع ومنهوك المنسرح، وسيأتيان فيما بعد إن شاء الله تعالى..\rوأنشد الزجاجي وزناً مشطراً محير الفصول لا أشك أنه مولد محدث، وهو:\rسقى طللاً بحزوى ... هزيم الودق أحوى\rعهدنا فيه أروى ... زماناً ثم أقوى\rوأروى لا كنود ... ولا فيها صدود\rلها طرف صيود ... ومبتسم برود\rلأن شط المزار ... بها ونأت ديار\rفقلبي مستطار ... وليس له قرار\rستدنيها ذمول ... جلنفعة ذلول\rإذا عرضت هجول ... تقصر ما يطول\rوهذا وزن ملتبس: يجوز أن يكون مقطوعاً من مربع الوافر، ويجوز أن يكون من المضارع مقبوضاً مكفوفاً، ذكره الجوهري..\rوأنشد لبعض المحدثين:\rأشاقك طيف مامه ... بمكة أم حمامه\rأشاقك: مفاعل، وحقه في أصل الوزن مفاعيلن.\rوقد رأيت جماعة يركبون المخمسات والمسمطات ويكثرون منها، ولم أر متقدماً حاذقاً صنع شيئاً منها؛ لأنها دالة على عجز الشاعر، وقلة قوافيه، وضيق عطنه، ما خلا امرأ القيس في القصيدة التي نسبت إليه وما أصححها له، وبشار بن برد، قد كان يصنع المخمسات والمزدوجات عبثاً واستهانة بالشعر، وبشر بن المعتمر؛ فقد أنشد الجاحظ له أول مزدوجة، وصنع ابن المعتز قصيدة في ذم الصبوح، وقصيدة في سيرة المعتضد ركب فيها هذا الطريق؛ لما تقتضيه الألفاظ المختلفة الضرورية، ولمراده من التوسع في الكلام، والتملح بأنواع السجع.\rوهذا الجنس موقوف على ابن وكيع والأمير تميم بن المعز، ومن ناسب طبعهما من أهل الفراغ وأصحاب الرخص، وقد يقع لبعض الشعراء البيتان والثلاثة لها قافية واحدة يجعلونها معاياة فيتلاقفها العروضيون، كالأبيات التي تروى لابن دريد وسترد في مكانها من سوى هذا الباب، إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"باب في الرجز والقصيد\rقد خص الناس باسم الرجز المشطور والمنهوك وما جرى مجراهما، وباسم القصيد ما طالت أبياته، وليس كذلك؛ لأن الرجز ثلاثة أنواع غير المشطور والمنهوك والمقطع: فأما الأول منها فنحو أرجوزة عبدة بن الطبيب:\rباكرني بسحرة عواذلي ... وعذلهن خبل من الخبل\rيلمنني في حاجة ذكرتها ... في عصر أزمان ودهر قد نسل\rوالنوع الثاني نحو قول الآخر:\rالقلب منها مستريح سالم ... والقلب مني جاهد مجهود\rوالنوع الثالث قول الآخر:\rقد هاج قلبي منزل ... من أم عمرو مقفر\rفهذه داخلة في القصيد، وليس يمتنع أيضاً أن يسمى ما كثرت بيوته من مشطور الرجز ومنهوكه قصيدة؛ لأن اشتقاق القصيد من \" قصدت إلى الشيء \" كأن الشاعر قصد إلى عملها على تلك الهيئة، والرجز مقصود أيضاً إلى عمله كذلك.\rومن المقصد ما ليس برجز وهم يسمونه رجزاً لتصريع جميع أبياته؛ وذلك هو مشطور السريع، نحو قول الشاعر أنشدناه أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي عن أبي علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، عن ابن دريد، عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي زيد الأنصاري:\rهل تعرف الدار بأعلى ذي القور ... غيرها نأج الرياح والمور\rودرست غير رماد مكفور ... مكتئب اللون مريح ممطور\rوغير نؤى كبقايا الدعثور ... أزمان عيناء سرور المسرور\rعيناء حوراء من العين الحور\rوأنشد أبو عبد الله لابن المعتز:\rومقلة قد بات يبكيها ... فيض نجيع من مآقيها\rوكلها طول تمنيها ... بأنجم الليل تراعيها\rومهجة قد كاد يفنيها ... طول سقام ثابت فيها\rوبرؤها في كف مبليها ... كما ابتلاها فهو يشفيها\rليس لها من حبها ناصر ... من ذا على الأحباب يعديها\rوهذا عند الجوهري من البسيط، والذي أنشد أبو عبد الله على قول الجوهري هو من الرجز، وجعل الجزء الآخر مستفع لن مفروق فيه الوتد، فأسكن اللام؛ لأن آخر البيت لا يكون متحركاً، فخلفه مفعولات.\rوأما المنهوك المنسرح صبراً بني عبد الدار فهو عند الجوهري من الرجز، ومثله ويلم سعد سعداً إلا أنه أقصد منه.\rفعلى كل حال تسمى الأرجوزة قصيدة طالت أبياتها أو قصرت، ولا تسمى القصيدة أرجوزة إلا أن تكون من أحد أنواع الرجز التي ذكرت، ولو كانت مصرعة الشطور كالذي قدمته؛ فالقصيد يطلق على كل الرجز، وليس الرجز مطلقاً على كل قصيد أشبه الرجز بالشطر.\rقال النحاس: القريض عند أهل اللغة العربية الشعر الذي ليس برجز، يكون مشتقاً من قرض الشيء أي: قطعه، كأنه قطع جنساً، وقال أبو إسحاق: وهو مشتق من القرض، أي: القطع والتفرقة بين الأشياء، كأنه ترك الرجز وقطعه من شعره.\rوكان أقصر ما صنعه القدماء من الرجز ما كان على جزأين، نحو قول دريد بن الصمة يوم هوازن:\rيا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع\rحتى صنع بعض المتعقبين وأظنه علي بن يحيى، أو يحيى، بن علي المنجم أرجوزة على جزء واحد، وهي:\rطيف ألم بذي سلم ... بعد العتم يطوي الأكم\rجاد بفم وملتزم ... فيه هضم إذا يضم\rويقال: إن أول من ابتدع ذلك سلم الخاسر، يقول في قصيدة مدح بها موسى الهادي:\rموسى المطر غيث بكر ... ثم انهمر ألوى المرر\rكم اعتسر ثم ايتسر ... وكم قدر ثم غفر\rعدل السير باقي الأثر ... خير وشر نفع وضر\rخير البشر فرع مضر ... بدر بدر والمفتخر\rلمن غبر\rوالجوهري يسمي هذا النوع المقطع.\rوقد رأى قوم أن مشطور الرجز ليس بشعر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:\rهل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"بكسر التاء، ورواية أخرى بسكونها وتحريك الياء بالفتح قبلها وليس هذا دليلاً، وإنما الدليل في قول النبي صلى الله عليه وسلم عدم القصد والنية؛ لأنه لم يقصد به الشعر ولا نواه؛ فلذلك لا يعد شعراً وإن كان كلاماً متزناً، وإلا فالرجاز شعراء عند العرب وفي متعارف اللسان، إلا أن الليث روى أنهم لما ردوا على الخليل قوله \" إن المشطور ليس بشعر \" قال: لأحتجن عليهم بحجة إن لم يقروا بها كفروا، قال: فعجبنا من قوله حتى سمعنا حجته.. وقد رواه قوم دميت بإسكان الياء والتاء جميعاً ولا يكون حينئذ موزوناً.\rوالراجز قلما يقصد؛ فإن جمعهما كان نهاية نحو أبي النجم؛ فإنه كان يقصد، وأما غيلان فإنه كان راجزاً ثم صار إلى التقصيد، وسئل عن ذلك فقال: رأيتني لا أقع من هذين الرجلين على شيء، يعني العجاج وابنه رؤبة، وكان جرير والفرزدق يرجزان، وكذلك عمر بن لجأ كان راجزاً مقصداً، ومثله حميد الأرقط، والعماني أيضاً، وأقلهم رجزاً الفرزدق.\rوليس يمتنع الرجز على المقصد امتناع القصيد على الراجز، ألا ترى أن كل مقصد يستطيع أن يرجز وإن صعب عليه بعض الصعوبة، وليس كل راجز يستطيع أن يقصد، واسم الشاعر وإن عم المقصد والراجز فهو بالمقصد أعلق، وعليه أوقع، فقيل لهذا شاعر، ولذلك راجز، كأنه ليس بشاعر، كما يقال خطيب أو مرسل أو نحو ذلك.\rباب في القطع والطول\rحدثنا الشيخ أبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل رحمه الله تعالى، قال: سئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال: نعم ليسمع منها، قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها. قال: وقال الخليل بن أحمد: يطول الكلام ويكثر ليفهم، ويوجز ويختصر ليحفظ؛ وتستحب الإطالة عند الإعذار، والإنذار، والترهيب، والترغيب، والإصلاح بين القبائل، كما فعل زهير، والحارث بن حلزة، ومن شاكلهما، وإلا فالقطع أطير في بعض المواضع، والطوال للمواقف المشهورات..\rويحكى أن الفرزدق لما وقع بينه وبين جرير ما وقع وحكم بينهما قال بعض الحكام: الفرزدق أشعر؛ لأنه أقواهما أسر كلام، وأجراهما في أساليب الشعر، وأقدرهما على تطويل، وأحسنهما قطعاً، فقدم بالقطع كما ترى.\rوقال بعض العلماء: يحتاج الشاعر إلى القطع حاجته إلى الطوال، بل هو عند المحاضرات والمنازعات والتمثل والملح أحوج إليها منه إلى الطوال.\rوقال أحد المجودين، وهو محمد بن حازم الباهلي:\rأبى لي أن أطيل المدح قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب\rوإيجازي بمختصرٍ قصيرٍ ... حذفت به الطويل من الجواب\rوقيل لابن الزبعري: إنك تقصر أشعارك، فقال: لأن القصار أولج في المسامع، وأجول في المحافل، وقال مرة أخرى: يكفيك من الشعر غرة لائحة، وسبة فاضحة..\rوقيل للجماز: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: لحذفي الفضول. وقال له بعض المحدثين وقد أنشده بيتين: ما تزيد على البيت والبيتين؟ فقال: أردت أن أنشدك مذارعة، وهو القائل:\rأقول بيتاً واحداً وأكتفي ... بذكره من دون أبيات\rوقيل مثل ذلك لعقيل بن علفة، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.\rوقال الجاحظ: قيل لأبي المهوس: لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل السائر إلا بيتاً واحداً.\rوهجا محمد بن عبد الملك الزيات أحمد بن أبي دؤاد بتسعين بيتاً، فقال ابن أبي دؤاد يخاطبه:\rأحسن من تسعين بيتاً سدىً ... جمعك معناهن في بيت\rما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت\rغير أن المطيل من الشعراء أهيب في النفوس من الموجز وإن أجاد، على أن للموجز من فضل الاختصار ما ينكره المطيل، ولكن إذا كان صاحب القصائد دون صاحب القطع بدرجة أو نحوها وكان صاحب القطع لا يقدر على التطويل إن حاوله بتةً سوي بينهما؛ لفضل غير المجهود على المجهود، فإنا لا نشك أن المطول إن شاء جرد من قصيدته قطعة أبيات جيدة، ولا يقدر الآخر أن يمد من أبياته التي هي قطعة قصيدة.\rولام قوم الكميت على الإطالة فقال: أنا على الإقصار أقدر، هكذا جاءت الدواية، ولا تكاد ترى مقطعاً إلا عاجزاً عن التطويل، والمقصد أيضاً قد يعجز عن الاختصار، ولكن الغالب والأكثر أن يكون قادراً على ما حاوله من ذلك وبالعجز رمى الكميت.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"وكان عبد الكريم بهذه الصفة، لا يكاد يصنع مقطوعاً، ولا أظن في جميع أشعاره خمس قطع أو نحوها.\rوكان أبو تمام على جلالته وتقدمه مقصراً في القطع عن رتبة القصائد..\rوالمشهورون بجودة القطع من المولدين: بشار بن برد، وعباس بن الأحنف، والحسن بن الضحاك، وأبو نواس، وأبو علي البصير، وعلي بن الجهم، وابن المعذل، والجماز، وابن المعتز.\rوكانوا يقولون في زمان منصور الفقيه وهو قريب من عصرنا هذا : إياكم ومنصوراً إذا رمح بالزوج، وكان ربما هجا بالبيت الواحد.\rووصف عبد الكريم أبا الطيب؛ فزعم أنه أحسن الناس مقاطيع، ولو قال مقاطع بلا ياء قلنا صدقت ولم نخالفه.\rوقيل: إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة، ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غير معيب عند أحد من الناس... ومن الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ العشرة وجاوزها ولو ببيت واحد.. ويستحسنون أن تكون القصيدة وتراً، وأن يتجاوز بها العقد، أو توقف دونه؛ كل ذلك ليدلوا على قلة الكلفة، وإلقاء البال بالشعر.\rوزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجزاً وقطعاً، وأنه إنما قصد على عهد هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصده مهلهل وامرؤ القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مائة ونيف وخمسون سنة. وذكر ذلك الجمحي وغيره.\rوأول من طول الرجز وجعله كالقصيد الأغلب العجلي شيئاً يسيراً، وكان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتى العجاج بعد فافتن فيه؛ فالأغلب العجلي والعجاج في الرجز كامرئ القيس ومهلهل في القصيد.\rوالشاعر إذا قطع وقصد ورجز فهو الكامل؛ وقد جمع ذلك كله الفرزدق، ومن المحدثين أبو نواس، وكان ابن الرومي يقصد فيجيد، ويطيل فيأتي بكل إحسان، وربما تجاوز حتى يسرف، وخير الأمور أوساطها.. وهو القائل:\rوإذا امرؤ مدح امرأ لنواله ... فأطال فيه فقد أراد هجاءه\rلو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه\r؟ 26 باب في البديهة والارتجال البديهة عند كثير من الموسومين بعلم هذه الصناعة في بلدنا أو من أهل عصرنا هي الارتجال، وليست به؛ لأن البديهة فيها الفكرة والتأيد، والارتجال ما كان انهماراً وتدفقاً لا يتوقف فيه قائله: كالذي صنع الفرزدق وقد دفع إليه سليمان بن عبد الملك أسيراً من الروم ليقتله، فدس إليه بعض بني عبس سيفاً كهاماً فنبا حين ضرب به، فضحك سليمان، فقال الفرزدق ارتجالاً في مقامه ذلك يعتذر لنفسه، ويعير بني عبس بنبو سيف ورقاء بن زهير عن رأس خالد بن جعفر:\rفإن يك سيف خان أو قدر أبى ... لتأخير نفس حينها غير شاهد\rفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد\rكذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحياناً مناط القلائد\rولو شئت قط السيف ما بين أنفه ... إلى علقٍ دون الشراسيف جاسد\rثم جلس وهو يقول:\rولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم\rوكالذي يروى عن أبي الخطاب عمرو بن عامر السعدي المعروف بأبي الأسد، وقد أنشد موسى الهادي شعراً مدحه به يقول فيه:\rيا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر\rفقال له موسى: إلا من يا بائس؟ فقال واصلاً كلامه ولم يقطعه:\rإلا النبي رسول الله؛ إن له ... فخراً، وأنت بذاك الفخر تفتخر\rففطن موسى ومن بحضرته أن البيت مستدرك، ونظروا في الصحيفة فلم يجدوه؛ فضاعف صلته.\rوأعظم ارتجال وقع قصيدة الحارث بن حلزة بين يدي عمر بن هند؛ فإنه يقال: أتى بها كالخطبة، وكذلك قصيدة عبيد بن الأبرص، وقيل: أفضل البديهة بديهة أمن، وردت في موضع خوف، فما ظنك بالارتجال وهو أسرع من البديهة؟.\rوكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال، لا يكاد ينقطع ولا يروي إلا فلتة، روى أن الخصيب قال له مرة يمازحه وهما بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في الشعر، ولكنك لا تخطب! فقام من فوره يقول مرتجلاً:\rمنحتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصحٍ بنصيب\rرماكم أمير المؤمنين بحية ... أكولٍ لحيات البلاد شروب\rفإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب\rثم التفت إليه وقال:","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت؟ فاعتذر إليه وحلف إن كنت إلا مازحاً.\rوسمعت جماعة من العلماء يقولون: كان مسلم بن الوليد نظير أبي نواس، وفوقه عند قوم من أهل زمانه في أشياء، إلا أن أبا نواس قهره بالبديهة والارتجال، مع تقبض كان في مسلم وإظهار توفر وتصنع، وكان صاحب روية وفكرة لا يبتده ولا يرتجل.\rوكان أبو العتاهية فيما يقال أقدر الناس على ارتجال وبديهة؛ لقرب مأخذه، وسهولة طريقته، اجتمع عدة من الشعراء فيهم أبو نواس؛ فشرب أحدهم ماء، ثم قال: أجيزوا: د الماء وطابا فكلهم تلعثم، حتى طلع أبو العتاهية، فقال: فيم أنتم؟ فأنشدوه، فقال وما تروى: حبذا الماء شرابا فأتى بالقسيم رسلاً شبيهاً بصاحبه، وذلك هو الذي أعوز القوم لا وزن الكلام.\rوصحب رفقة فسمع زقاء الديوك، فقال لرفيقه:\rهل رأيت الصبح لاحا؟\rقال: نعم، قال:\rوسمعت الديك صاحا.\rقال: نعم، قال:\rإنما بكى على المغ ... تر بالدنيا وناحا\rفاستيقظ رفيقه للكلام أنه شعر فرواه؛ فما جرى هذا المجرى فهو ارنجال.\rوأما البديهة فبعد أن يفكر الشاعر يسيراً ويكتب سريعاً إن حضرت آلة، إلا أنه غير بطيء ولا متراخ، فإن أطال حتى يفرط أو قام من مجلسه لم يعد بديهاً.\rوقالوا: اجتمع الشعراء بباب الرشيد، فأذن لهم، فقال: من يجيز هذا القسيم وله حكمه؟ فقالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: الملك لله وحده فقال الجماز: وللخليفة بعده\rوللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده\rفقال: أحسنت، وأتيت على ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم.\rومن عجيب ما روي في البديهة حكاية أبي تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم بحضرة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وهو فيلسوف العرب:\rإقدام عمرو، في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rفقال له الكندي: ما صنعت شيئاً، شبهت ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين بصعاليك العرب! ومن هؤلاء الذين ذكرت؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيراً، وقال:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس\rفالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس\rفهذا أيضاً وما شاكله هو البديهة، وإن أعجب ما كان البديهة من أبي تمام؛ لأنه رجل متصنع، لا يحب أن يكون هذا في طبعه. وقد قيل: إن الكندي لما خرج أبو تمام قال: هذا الفتى قليل العمر؛ لأنه ينحت من قلبه، وسيموت قريباً، فكان كذلك.\rوقد كان أبو الطيب كثير البديهة والارتجال، إلا أن شعره فيهما نازل عن طبقته جداً، وهو لعمري في سعة من العذر؛ إذ كانت البديهة كما قال فيها ابن الرومي:\rنار الروية نار جد منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح\rوقد يفضلها قوم لسرعتها ... لكنها سرعة تمضي مع الريح\rوقال عبد الله بن المعتز:\rوالقول بعد الفكر يؤمن زيغه ... شتان بين روية وبديه\rومن الشعراء من شعره في رويته وبديهته سواء عند الأمن والخوف؛ لقدرته، وسكون جأشه وقوة غريزته: كهدبة بن الخشرم العذري، وطرفة بن العبد البكري، ومرة بن محكان السعدي؛ إذ يقول وقد أمر مصعب بن الزبير رجلاً من بني أسد بقتله:\rبني أسد إن تقتلوني تحاربوا ... تميماً، إذا الحرب العوان اشمعلت\rولست وإن كانت إلى حبيبة ... بباك على الدنيا إذا ما تولت\rوهذا شعر لو روي فيه صاحبه حولاً كاملاً على أمن ودعة وفرط شهوة أو شدة حمية لما أتى فوق هذا.\rوكذلك عبد يغوث بن صلاءة؛ إذ يقول في كلمة طويلة:\rأقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا\rفيا راكباً إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا\rوكانوا قد شدوا لسانه خوفاً من الهجاء، فعاهدهم فأطلقوه لينوح على نفسه، فصنع هذه القصيدة، وعرض عليهم في فدائه ألف ناقة، فأبوا إلا قتله، فقال:\rفإن تقتلوني تقتلوني بخيركم ... وإن تطلقوني تحربوني بماليا\rوهذه شهامة عظيمة وشدة.\rومن قول طرفة بن العبد لما أيقن بالموت:\rأبا منذر كانت غروراً صحيفتي ... ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض\rوأين هؤلاء من عبيد بن الأبرص وهو شيخ الصناعة، ومقدم في السن على الجماعة إذ يقول له النعمان يوم بؤسه: أنشدني، فقال: حال الجريض دون القريض، قال: أنشدني قولك:\rأقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب\rفقال: لا، ولكن:\rأقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد\rفبلغت به حال الجزع إلى مثل هذا القول، على أن في بيت طرفة بعض الضراعة...\rوممن وجد نفسه عند إحاطة الموت به تميم بن جميل؛ فإنه القائل بين يدي المعتصم وقد قدم السيف والنطع لقتله:\rأرى الموت بين النطع والسيف كامناً ... يلاحظني من حيث ما أتلفت\rوأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت\rوأي امرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت\rيعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل علي السيف فيه وأسكت\rوما حزني أني أموت وأنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت\rولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت\rكأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا\rفإن عشت عاشوا خافضين بنعمة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا\rفكم قائل: لا أبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت\rفعفا عنه المعتصم وأحسن إليه، وقلده عملاً.\rوعلي بن الجهم هو القائل وقد صلب عرياناً:\rلم ينصبوا بالشاذياخ عشية ال ... اثنين مغلولاً ولا مجهولا\rنصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسناً، وملء قلوبهم تبجيلا\rما ضره أن بز عنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا\rوهذا من جزل الكلام، لا سيما في مثل ذلك المقام، وكان علي من الفضلاء علماً بالشعر وصناعة له.\rحكي عن علي بن يحيى أنه قال: كنت عند المتوكل إذ أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر بين يديه ويقول:\rأهلاً وسهلاً بك من رسول ... جئت بما يشفي من الغليل\rبرأس إسحاق بن إسماعيل\rقال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لا يضيع.\rوالشاعر الحاذق المبرز إذا صنع على البديهة قنع منه بالعفو اللين، والنزر التافه؛ لما فيها من المشقة، وهو في الارتجال أعذر.\rواشتقاق البديهة من بده بمعنى بدأ، أبدلت الهمزة هاء كما أبدلت في أشياء كثيرة لقربها منها؛ فقد قالوا مدح ومده، ولهنك تفعل كذا بمعنى لأنك، ومثل ذلك كثير.\rوالارتجال: مأخوذ من السهولة والانصباب، ومنه قيل: شعر رجل، إذا كان سبطاً مسترسلاً غير جعد، وقيل: هو من ارتجال البئر وهو أن تنزلها برجليك من غير حبل.\rباب في آداب الشاعر\rمن حكم الشاعر أن يكون حلو الشمائل، حسن الأخلاق، طلق الوجه، بعيد الغور، مأمون الجانب، سهل الناحية، وطيء الأكناف، فإن ذلك مما يحببه إلى الناس، ويزينه في عيونهم، ويقربه من قلوبهم، وليكن مع ذلك شريف النفس، لطيف الحس، عزوف الهمة، نظيف البزة، أنفاً؛ لتهابه العامة، ويدخل في جملة الخاصة، فلا تمجه أبصارهم، سمح اليدين، وإلا فهو كما قال ابن أبي فنن واسمه أحمد:\rوإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل\rوإلى هذا المعنى ذهب الطائي بقوله:\rأألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل ترباً؟ ساء ذاك صنيعا!!\rوالشاعر مأخوذ بكل علم، مطلوب بكل مكرمة؛ لاتساع الشعر واحتماله كل ما حمل: من نحو، ولغة، وفقه، وخبر، وحساب، وفريضة، واحتياج أكثر هذه العلوم إلى شهادته، وهو مكتف بذاته، مستغن عما سواه؛ ولأنه قيد للأخبار، وتجديد للآثار.\rوصاحبه الذي يذم ويحمد ويهجو ويمدح، ويعرف ما يأتي الناس من محاسن الأشياء وما يذرونه، فهو على نفسه شاهد، وبحجته مأخوذ.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وليأخذ نفسه بحفظ الشعر والخبر، ومعرفة النسب، وأيام العرب؛ ليستعمل بعض ذلك فيما يريده من ذكر الآثار، وضرب الأمثال، وليعلق بنفسه بعض أنفاسهم ويقوى بقوة طباعهم، فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين المتقدمين يفضل أصحابه برواية الشعر، ومعرفة الأخبار، والتلمذة بمن فوقه من الشعراء، فيقولون: فلان شاعر راوية، يريدون أنه إذا كان راوية عرف المقاصد، وسهل عليه مأخذ الكلام، ولم يضق به المذهب، وإذا كان مطبوعاً لا علم له ولا رواية ضل واهتدى من حيث لا يعلم، وربما طلب المعنى فلم يصل إليه وهو ماثل بين يديه؛ لضعف آلته: كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه الآلة.\rوقد سئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الراوية، يريد أنه إذا روى استفحل.\rقال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة، وقال رؤبة في صفة شاعر:\rلقد خشيت أن تكون ساحراً ... راوية مرا ومرا شاعراً\rفاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر.\rوقال الأصمعي: لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلاً حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ. وأول ذلك أنه يعلم العروض؛ ليكون ميزاناً له على قوله؛ والنحو؛ ليصلح به لسانه وليقيم به إعرابه؛ والنسب وأيام الناس؛ ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو ذم.\rوقد كان الفرزدق على فضله في هذه الصناعة يروي للحطيئة كثيراً، وكان الحطيئة راوية زهير، وكان زهير راوية أوس بن حجر وطفيل الغنوي جميعاً، وكان امرؤ القيس راوية أبي دؤاد الإيادي: مع فضل تحيزه، وقوة غريزة، ولا بد بعد ذلك أن يلوذ به في شعره، ويتوكأ عليه كثيراً، وقد نزل أعشى بني قيس بن ثعلبة بين يدي النابغة الذبياني بسوق عكاظ وأنشده فقدمه، وأنشده حسان بن ثابت، ولبيد بن ربيعة؛ فما عابهم ذلك، ولا غض منهم، وكان كثير راوية جميل ومفضلاً له: إذا استنشد لنفسه بدأ بجميل، ثم أنشد ما يراد منه، ولم يكن بدون جرير والفرزدق، بل يقدم عليهما عند جميع أهل الحجاز، وكان أبو حية النميري واسمه الهيثم بن الربيع، وهو من أحسن الناس شعراً، وأنظفهم كلاماً مؤتماً بالفرزدق، آخذاً عنه، كثير التعصب له والرواية عنه.\rولا يستغني المولد عن تصفح أشعار المولدين؛ لما فيها من حلاوة اللفظ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البديع الذي مثله في شعر المتقدمين قليل، وإن كانوا هم فتحوا بابه، وفتقوا جلبابه، وللمتعقب زيادات وافتنان، لا على أن تكون عمدة الشاعر مطالعة ما ذكرته آخر كلامي هذا دون ما قدمته؛ فإنه متى فعل ذلك لم يكن فيه من المتانة وفضل القوة ما يبلغ به طاقة من تبع جادته، وإذا أعانته فصاحة المتقدم وحلاوة المتأخر اشتد ساعده، وبعد مرماه، فلم يقع دون الغرض؛ وعسى أن يكون أرشق سهاماً، وأحسن موقعاً، ممن لو عول عليه من المحدثين لقصر عنه، ووقع دونه، وليجعل طلبه أولاً للسلامة، فإذا صحت له طلب التجويد حينئذ، وليرغب في الحلاوة والطلاوة رغبته في الجزالة والفخامة، وليجتنب السوقي القريب، والحوشي الغريب، حتى يكون شعره حالاً بين حالين كما قال بعض الشعراء:\rعليك بأوساط الأمور؛ فإنها ... نجاة، ولا تركب ذلولا ولا صعبا\rفأول ما يحتاج إليه الشاعر بعد الجد الذي هو الغاية، وفيه وحده الكفاية حسن التأتي والسياسة، وعلم مقاصد القول؛ فإن نسب ذل وخضع، وإن مدح أطرى وأسمع، وإن هجا أخل وأوجع، وإن فخر خب ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف حن ورجع، ولكن غايته معرفة أغراض المخاطب كائناً من كان؛ ليدخل إليه من بابه، ويداخله في ثيابه، فذلك هو سر صناعة الشعر ومغزاه الذي به تفاوت الناس وبه تفاضلوا..\rوقد قيل:","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"لكل مقام مقال وشعر الشاعر لنفسه وفي مراده وأمور ذاته من مزح، وغزل، ومكاتبة، ومجون، وخمرية، وما أشبه ذلك غير شعره في قصائد الحفل التي يقوم بها بين السماطين: يقبل منه في تلك الطرائق عفو كلامه، وما لم يتكلف له بالاً، ولا ألقي به، ولا يقبل منه في هذه إلا ما طان محككاً، معاوداً فيه النظر، جيداً، لا غث فيه، ولا ساقط، ولا قلق؛ وشعره للأمير والقائد غير شعره للوزير والكاتب، ومخاطبته للقضاة والفقهاء بخلاف ما تقدم من هذه الأنواع.. وسيأتي هذا في موضعه من هذا الكتاب مفصلاً، إن شاء الله تعالى.\rوالمتأخر من الشعراء في الزمان لا يضره تأخره إذا أجاد، كما لا ينفع المتقدم تقدمه إذا قصر، وإن كان له فضل السبق فعليه درك التقصير، كما أن للمتأخر فضل الإجادة أو الزيادة، ولا يكون الشاعر حاذقاً مجوداً حتى يتفقد شعره، ويعيد فيه نظره، فيسقط رديه، ويثبت جيده، ويكون سمحاً بالركيك منه، مطرحاً له، راغباً عنه؛ فإن بيتاً جيداً يقاوم ألفي رديء.\rوقال امرؤ القيس وهو أول من زعموا أنه أختبر له وعلم به أنه يكون أفضل الشعراء والمقدم عليهم:\rأذود القوافي عني ذياداً ... ذياد غلام جريء جرادا\rفلما كثرن وعنينه ... تخير منهن شتى جيادا\rفأعزل مرجانها جانباً ... وآخذ من درها المستجادا\rهكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها \" حراد \" بالحاء مكسورة غير معجمة، و \" شتى جيادا \" بالشين معجمة مفتوحة غير منونة التاء.\rفإذا كان أشعر الشعراء يصنع هذا ويحكيه عن نفسه، فكيف ينبغي لغيره أن يصنع؟ وزعم ابن الكلبي أنه امرؤ القيس بن بكر بن امرئ القيس بن الحارث بن معاوية الكندي، وروي \" سفي \" في موضع \" جريء \" والسفي: السفيه والخفيف أيضاً، وإليه يرجع اشتقاقه، وزعم غير ابن الكلبي أن الأبيات لامرئ القيس بن عابس الكندي.\rويقال: إن أبا نواس كان يفعل هذا الفعل؛ فينفي الدني ويبقي الجيد.\rوليلتمس له من الكلام ما سهل، ومن القصد ما عدل، ومن المعنى ما كان واضحاً جلياً يعرف بدياً، فقد قال بعض المتقدمين: شر الشعر ما سئل عن معناه، وكان الحطيئة يقول: خير الشعر الحولي المحكك، أخذ في ذلك بمذهب زهير، وأوس، وطفيل.\rولا يجوز للشاعر كما يجوز لغيره أن يكون معجباً بنفسه، مثنياً على شعره، وإن كان جيداً في ذاته، حسناً عند سماعه، فكيف إن كان دون ما يظن؟ كقوم أفردوا لذلك أنفسهم، وأفنوا فيه أعمارهم وما يحصلون على طائل، وقد قال الله عز وجل: \" فلا تزكوا أنفسكم \" اللهم إلا أن يريد الشاعر ترغيب الممدوح أو ترهيبه فيثني على نفسه، ويذكر فضل قصيدته؛ فقد جعلوه مجازاً مسامحاً فيه: كالذي يعرض لكثير من الشعراء في أشعارهم من مدح قصائدهم، على أن أبا تمام يقول:\rويسيء بالإحسان ظناً لا كمن ... يأتيك وهو بشعره مفتون\rوإن كان أوصف الناس لقصيده، وأكثرهم ولوعاً بذلك، وهذا ما دام شعراً كان محمولاً على ما قدمناه، وإنما المكروه المعيب أن يكون ذلك منثوراً أو تأليفاً مسطوراً: كالذي فعل الناشئ أبو العباس في أشياء من شعره ذكرها في كتابه الموسوم بتفضيل الشعر؛ فشكرها، ونوه بها، ونبه عليها، وفضلها على أشعار الفحول: مثل جرير وغيره، منها قول جرير:\rإن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا\rيصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا\rوزعم بعد إقامة ما حسبه برهاناً أن قوله:\rلا شيء أعجب من عينيك؛ إنهما ... لا يضعفان القوى إلا إذا ضعفا\rخير منه، وأسلم من الاعتراض، وأكثر اختصاراً.\rويجب على الشاعر أن يتواضع لمن دونه، ويعرف حق من فوقه من الشعراء؛ فإن امرأ القيس وكان شديد الظنة في شعره، كثير المنازعة لأهله، مدلاً فيه بنفسه، واثقاً بقدرته لقي التوأم اليشكري، واسمه الحارث بن قتادة، فقال له: إن كنت شاعراً كما تقول فملط لي أنصاف ما أقول فأجزها، قال: نعم، فقال امرؤ القيس:\rأحار ترى بريقاً هب وهناً\rفقال التوأم:\rكنار مجوس تستعر استعاراً\rفقال امرؤ القيس:\rأرقت له ونام أبو شريح\rفقال التوأم:\rإذا ما قلت قد هدأ استطارا\rفقال امرؤ القيس:\rكأن هزيمه بوراء غيب\rفقال التوأم:","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"عشار وإله لاقت عشارا\rفقال امرؤ القيس:\rفلما أن علا كنفي أضاخ\rفقال التوأم:\rوهت أعجاز ريقه فحارا\rفقال امرؤ القيس:\rفلم يترك بذات السر ظبياً\rوقال التوأم:\rولم يترك بجهلتها حمارا\rفلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ذلك الحرس أي: العصر من يماتنه أي: يقاومه ويطاوله آلى ألا ينازع الشعر أحداً آخر الدهر، وروى ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، ولو نظر بين الكلامين لوجد التوأم أشعر في شعرهما هذا؛ لأن امرأ القيس مبتدئ ما شاء، وهو في فسحة مما أراد، والتوأم محكوم عليه بأول البيت، مضطر في القافية التي عليها مدارهما جميعاً، ومن ههنا والله أعلم عرف امرؤ القيس من حق المماتنة ما عرف، ونازع أيضاً علقمة بن عبدة فكان من غلبة علقمة عليه ما كان..\rوأما جرير فهجاه شاعر يقال له: البردخت، فقال: ما اسمه؟ قيل له: البردخت، فقال: وما معنى البردخت؟ قالوا له: الفارغ، فقال: إذاً والله لا أشغله بنفسي أبداً، وسالمه، هذا وهو جرير الذي غلب شياطين الشعراء، وسكن شقاشق الفحول..\rوأما عقبة بن رؤبة بن العجاج فإنه أنشد عقبة بن سلم بحضرة بشار أرجوزة، فقال: كيف ترى يا أبا معاذ؟ فأثنى بشار كما يجب لمثله أن يفعل، وأظهر الاستحسان، فلم يعرف له عقبة حقه، ولا شكر له فعله، بل قال له: هذا طراز لا تحسنه، فقال له بشار: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك، ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها:\rيا طلل الحي بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدي\rفضح بها ابن رؤبة فضيحة ظاهرة كان غنياً عنها..\rوكان في البحتري إعجاب شديد، إذ أنشد يقول: ما لكم لا تعجبون؟ أما حسن ما تسمعون؟ فأنشد المتوكل يوماً قصيدته التي أولها:\rعن أي ثغر تبتسم ... وبأي طرف تحتكم؟\rوأبو العباس الصيمري حاضر، فلما رأى إعجابه قام حذاءه فقال:\rمن أي سلح تلتقم؟ ... وبأي كف تلتطم؟\rذقن الوليد البحتري ... أبي عبادة في الرحم\rفولى البحتري وهو غضبان، فقال: وعلمت أنك تنهزم فضحك المتوكل حتى فحص برجليه، وأعطى الصيمري جائزة سنية.\rباب عمل الشعر وشحذ القريحة\rلا بد للشاعر وإن كان فحلاً، حاذقاً، مبرزاً، مقدماً من فترة تعرض له في بعض الأوقات: إما لشغل يسير، أو موت قريحة، أو نبو طبع في تلك الساعة أو ذلك الحين. وقد كان الفرزدق وهو فحل مضر في زمانه يقول: تمر علي الساعة وقلع ضرس من أضراسي أهون علي من عمل بيت من الشعر. فإذا تمادى ذلك على الشاعر قيل: أصفى وأفصى، كما يقال: أفصت الدجاجة إذا انقطع بيضها، وكذلك يقال له: أجبل، كما يقال لحافر البئر إذا بلغ جبلاً تحت الأرض لا يعمل فيه شيء: أجبل، ومثل أجبل: أكدى، إلا أنهم خصوا به العطاء، وذلك أن يصادف حافر البئر كدية فلا يزيد شيئاً على ما حفر، ويقال: أفحم الشاعر على أفعل، قالوا: وهو من فحم الصبي إذا انقطع صوته من شدة البكاء، فإن ساء لفظه وفسدت معانيه قيل له: أهتر فهو مهتر. وقد قيل في الذبياني: إنه إنما كان شعره نظيفاً من العيوب لأنه قاله كبيراً، ومات عن قرب، ولم يهتر.. وأكثر ما جاء الإهتار في صفة الكبير الذي يختلط كلامه وقولهم في شعر النابغة إنه قاله وهو كبير يدل على أنه بهذا سمي نابغة كما عند أكثر الناس، لا لقوله:\rفقد نبغت لنا منهم شئون.\rكما تقدم من قول بعضهم. ويقال: أخلى الشاعر، كما يقال أخلى الرامي، إذا لم يصب معنى.\rحكي عن البحتري أنه قال: فاوضت ابن الجهم علياً في الشعر، وذكر أشجع السلمي فقال: إنه كان يخلى، فلم أفهمها عنه، وأنفت أن أسأله عنها، فلما انصرفت فكرت فيها، ونظرت في شعر أشجع، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع.\rثم إن للناس فيما بعد ضروباً مختلفة: يستدعون بها الشعر، فتشحذ القرائح وتنبه الخواطر، وتلين عريكة الكلام، وتسهل طريق المعنى: كل امرئ على تركيب طبعه، واطراد عادته، وسيأتي ذلك في أقاويل العلماء بما أرجو أن تكون فيه هداية إن شاء الله تعالى.\rقال بكر بن النطاح الحنفي:","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"الشعر مثل عين الماء: إن تركتها اندفنت، وإن استهتنتها هتنت، وليس مراد بكر أن تستهتن بالعمل وحده؛ لأنا نجد الشاعر تكل قريحته مع كثرة العمل مراراً، وتنزف مادته، وتنفد معانيه، فإذا أجم طبعه أياماً وربما زماناً طويلاً ثم صنع الشعر جاء بكل آبدة، وانهمر في كل قافية شاردة، وانفتح له من المعاني والألفاظ ما لو رامه من قبل لاستغلق عليه، وأبهم دونه، لكن بالمذاكرة مرة؛ فإنها تقدح زناد الخاطر، وتفجر عيون المعاني، وتوقظ أبصار الفطنة، وبمطالعة الأشعار كرة؛ فإنها تبعث الجد، وتولد الشهوة.\rوسئل ذو الرمة: كيف تعمل إذا انقفل دونك الشعر؟ فقال: كيف ينقفل دوني وعندي مفتاحه؟ قيل له: وعنه سألناك، ما هو؟ قال: الخلوة بذكر الأحباب، فهذا لأنه عاشق، ولعمري إنه إذا انفتح للشعر نسيب القصيدة فقد ولج من الباب، ووضع رجله في الركاب، على أن ذا الرمة لم يكن كثير المدح والهجاء، وإنما كان واصف أطلال، ونادب أظعان، وهو الذي أخرجه من طبقة الفحول.\rوقيل لكثير: كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المحيلة؛ والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلى أحسنه.\rوقال الأصمعي: ما استدعي شارد بمثل الماء الجاري، والشرف العالي، والمكان الخالي وقيل: الحالي، يعني الرياض وحدثني بعض أصحابنا من أهل المهدية وقد مررنا بموضع بها يعرف بالكدية هو أشرفها أرضاً وهواء قال: جئت هذا الموضع مرة فإذا عبد الكريم على سطح برج هنالك قد كشف الدنيا، فقلت: أبا محمد؟ قال: نعم، قلت: ما تصنع ههنا؟ قال: ألقح خاطري، وأجلو ناظري، قلت: فهل نتج لك شيء؟ قال: ما تقر به عيني وعينك إن شاء الله تعالى، وأنشدني شعراً يدخل مسام القلوب رقة، قلت: هذا اختبار منك اخترعته، قال: بل برأي الأصمعي.\rوقالوا: كان جرير إذا أراد أن يؤبد قصيدة صنعها ليلاً: يشعل سراجه ويعتزل، وربما على السطح وحده فاضطجع وغطى رأسه رغبة في الخلوة بنفسه. يحكي أنه صنع ذلك في قصيدته التي أخزى بها بني نمير، وقد تقدم ذكرها.\rوروى أن الفرزدق كان إذا صعبت عليه صنعة الشعر ركب ناقته، وطاف خالياً منفرداً وحده في شعاب الجبال وبطون الأودية والأماكن الخربة الخالية، فيعطيه الكلام قياده. حكى ذلك عن نفسه في قصيدته الفائية:\rعزفت بأعشاش وما كدت تعزف\rوذكر أن فتى من الأنصار بحضرة كثير أو غيره فاخره بأبيات حسان بن ثابت:\rلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\rفأنظره سنة فمضى حنقاً، وطالت ليلته ولم يصنع شيئاً، فلما كان قرب الصباح أتى جبلاً بالمدينة يقال له ذباب، فنادى: أخاكم يا بني لبني، صاحبكم، صاحبكم، صاحبكم، وتوسد ذراع ناقته، فانثالت عليه القوافي انثيالاً، وجاء بالقصيدة بكرة وقد أعجزت الشعراء وبهرتهم طولاً وحسناً وجودة.\rوقيل لأبي نواس: كيف عملك حين تريد أن تصنع الشعر؟ قال أشرب حتى إذا كنت أطيب ما أكون نفساً بين الصاحي والسكران صنعت وقد داخلني النشاط وهزتني الأريحية.\rقال ابن قتيبة: وللشاعر أوقات يسرع فيها أتيه، ويسمح فيها أبيه: منها أول الليل قبل تغشي الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في الحبس والمسير، ولهذه العلل تختلف أشعار الشاعر ورسائل المترسل.\rوحكى عن أبي تمام وقد سأله البحتري عن أوقات صنعة الشعر قريب من هذا لا أحفظه نصاً، ولا أشك أن ابن قتيبة به اقتدى، إن كان مما رواه.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"ومما يجمع الفكرة من طريق الفلسفة استلقاء الرجل على ظهره، وعلى كل حال فليس يفتح مقفل بحار الخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من النوم؛ لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ذلك مما يعييها، وإذ هي مستريحة جديدة كأنما أنشئت نشأة أخرى؛ ولأن السحر ألطف، وأرق نسيماً هواءً، وأعدل ميزاناً بين الليل والنهار، وإنما لم يكن العشي كالسحر وهو عديله في التوسط بين طرفي الليل والنهار لدخول الظلمة فيه على الضياء بضد دخول الضياء في السحر على الظلمة، ولأن النفس فيه كالة مريضة من تعب النهار وتصرفها فيه، ومحتاجة إلى قوتها من النوم متشوقة نحوه؛ فالسحر أحسن لمن أراد أن يصنع، وأما لمن أراد الحفظ والدراسة وما أشبه ذلك فالليل، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: \" إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلا \" وهذا الكلام الذي لا مطعن فيه، ولا اعتراض عليه، وعلى قراءة من قرأ وطاء يكون معناه أثقل على فاعله، وإذا كان كذلك كان أكثر أجراً، فهذا يشهد لنا أن العمل أول الليل يصعب؛ لأن النوم يغلب والجسم يكل.\rوكان أبو تمام يكره نفسه على العمل حتى يظهر ذلك في شعره.. حكى ذلك عنه بعض أصحابه، قال: استأذنت عليه وكان لا يستتر عني فأذن لي فدخلت فإذا هو في بيت مصهرج قد غسل بالماء، يتقلب يميناً وشمالاً، فقلت: لقد بلغ بك الحر مبلغاً شديداً، قال: لا، ولكن غيره، ومكث كذلك ساعة ثم قام كأنما أطلق من عقال، قال: الآن وردت، ثم استمد وكتب شيئاً لا أعرفه، ثم قال: أتدري ما كنت فيه مذ الآن؟ قلت: كلا، قال: قول أبي نواس: كالدهر في شراسة وليان أردت معناه فشمس علي حتى أمكن الله منه فصنعت.\rشرست، بل لنت، بل قانيت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيك السهل والجبل\rولعمري لو سكت هذا الحاكي لنم هذا البيت بما كان داخل البيت؛ لأن الكلفة فيه ظاهرة، والتعمل بين، على أن مثل حكاية أبي تمام وأشد منها قد وقعت لمن لا يتهم، وهو جرير: صنع الفرزدق شعراً يقول فيه:\rفإني أنا الموت الذي هو ذاهب ... بنفسك، فانظر كيف أنت محاوله\rوحلف بالطلاق أن جريراً لا يغلبه فيه، فكان جرير يتمرغ في الرمضاء ويقول:\rأنا أبو حزرة، حتى قال:\rأنا الدهر يفنى الموت والدهر خالد ... فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله\rوكان أبو تمام ينصب القافية للبيت؛ ليعلق الأعجاز بالصدور، وذلك هو التصدير في الشعر، ولا يأتي به كثيراً إلا شاعر متصنع كحبيب ونظرائه، والصواب أن لا يصنع الشاعر بيتاً لا يعرف قافيته، غير أني لا أجد ذلك في طبعي جملة، ولا أقدر عليه، بل أصنع القسيم الأول على ما أريده، ثم ألتمس في نفسي ما يليق به من القوافي بعد ذلك، فأبني عليه القسيم الثاني: أفعل ذلك فيه كما يفعل من يبني البيت كله على القافية، ولم أر ذلك بمخل علي، ولا يزيحني عن مرادي، ولا يغير علي شيئاً من لفظ القسيم الأول، إلا في الندرة التي لا يعتد بها أو على جهة التنقيح المفرط.\rوسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحه كالمتعجب من شعره، فقال: كيف تقول الشعر؟ قال: أنظر في ذلك ثم أقول، قال: فعليك بالمشركين ولم يكن أعد شيئاً، فأنشد أبياتاً منها:\rفخبروني، أثمان العباء متى ... كنتم بطاريق أو دانت لكم مضر؟؟\rفعرف الكراهية في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، لما جعل قومه أثمان العباء، فقال:\rنجالد الناس عن عرض ونأسرهم ... فينا النبي وفينا تنزل السور\rوقد علمتم بأنا ليس يغلبنا ... حي من الناس إن عزوا، وإن كثروا\rينتهي إلى أن يقول في النبي صلى الله عليه وسلم:\rفثبت الله ما أعطاك من حسن ... تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا\rفأقبل النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: \" وإياك فثبت الله يا بن رواحة \" .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"ومن الشعراء من يسبق إليه بيت واثنان، وخاطره في غيرهما: يجب أن يكونا بعد ذلك بأبيات، أو قبله بأبيات، وذلك لقوة طبعه، وانبعاث مادته، ومنهم من ينصب قافية بعينها لبيت بعينه من الشعر مثل أن تكون ثالثة أو رابعة أو نحو ذلك لا يعدو بها ذلك الموضع إلا انحل عنه نظم أبياته، وذلك عيب في الصنعة شديد، ونقص بين؛ لأنه أعني الشاعر يصير محصوراً على شيء واحد بعينه، مضيقاً عليه، وداخلاً تحت حكم القافية.\rوكانوا يقولون: ليكن الشعر تحت حكمك، ولا تكن تحت حكمه.\rومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب من القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه، ثم أخذ مستعملها، وشريفها، ومساعد معانيه، وما وافقها، وأطرح ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها ليكرر فيها نظره، ويعيد عليها تخيره في حين العمل، هذا الذي عليه حذاق القوم.\rومن الشعراء من إذا جاءه البيت عفواً أثبته، ثم رجع إليه فنقحه، وصفاه من كدره، وذلك أسرع له، وأخف عليه، وأصح لنظره، وأرخى لباله..\rوآخر لا يثبت البيت إلا بعد إحكامه في نفسه، وتثقيفه من جميع جهاته، وذلك أشرف للهمة، وأدل على القدرة، وأظهر للكلفة، وأبعد من السرقة.\rوسألت شيخاً من شيوخ هذه الصناعة فقلت: ما يعين على الشعر؟ قال: زهرة البستان، وراحة الحمام.\rوقيل: إن الطعام الطيب، والشراب الطيب، وسماع الغناء، ما يرق الطبع، ويصفي المزاج، ويعين على الشعر.\rولما أرادت قريش معارضة القرآن عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب البر وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم. فلما سمعوا قول الله عز وجل \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجودي، وقيل بعداً للقوم الظالمين \" يئسوا مما طمعوا فيه، وعلموا أنه ليس بكلام مخلوق.\rوقيل: مقود الشعر الغناء به، وذكر عن أبي الطيب أن متشرفاً تشرف عليه وهو يصنع قصيدته التي أولها:\rجللاً كما بي فليك التبريح.\rوهو يتغنى ويصنع، فإذا توقف بعض التوقف رجع بالإنشاد من أول القصيدة إلى حيث انتهى منها.\rوقال بعضهم: من أراد أن يقول الشعر فليعشق فإنه يرق، وليرو فإنه يدل، وليطمع فإنه يصنع. وقالوا: الحيلة لكلال القريحة انتظار الحمام، وتصيد ساعات النشاط، وهذا عندي أنجع الأقوال، وبه أقول، وإليه أذهب..\rوقال بكر بن عبد الله المزني: لا تكدوا القلوب ولا تهملوها، وخير الفكر ما كان في عقب الحمام، ومن أكره بصره عشي، واشحذوا القلوب بالذاكرة ولا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا منحتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدمن قرع الباب وصل.\rوقال الخليع: من لم يأت شعره من الوحدة فليس بشاعر، قالوا: يريد الخلوة، وربما أراد الغربة، كما قال ديك الجن: ما أصفى شاعر مغترب قط.\rومما لا يسع تركه في هذا الموضع صحيفة كتبها بشر بن المعتمر، ذكر فيها البلاغة، ودل على مظان الكلام والفصاحة، يقول فيها:","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"خذ من نفسك ساعة فراغك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قلبك تلك الساعة أكرم جوهراً، وأشرف حساً، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمجاهدة، وبالتكلف والمعاندة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولاً قصداً، أو خفيفاً على اللسان سهلاً كما خرج من ينبوعه، ونجم من معدنه. وإياك والتوعر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريماً فليلتمس له لفظاً كريماً؛ فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله أسوأ حالاً منك من قبل أن تلتمس إظهارهما، وترهن نفسك في ملابستهما وقضاء حقهما، وكن في إحدى ثلاث منازل: فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عذباً، وفخماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً: إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما للعامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة. وإنما مدار الشرف مع الصواب وإحراز المنفعة، ومع موافقة الحال، ومع ما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصي، فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك في نفسك على أن تفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء؛ فأنت البليغ التام. فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسمح لك عند أول نظرك في أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصل إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها؛ فلا تكرهها على اغتصاب مكانها، والنزول في غير أوطانها؛ فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد؛ فإن أنت تكلفتها ولم تكن حاذقاً مطبوعاً، ولا محكماً لشأنك، بصيراً بما عليك ولك؛ عابك من أنت أقل منه عيباً، ورأى من هو دونك أنه فوقك. فإن أنت ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع؛ فلا تعجل، ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن كانت هناك طبيعة، أو جريت في الصناعة على عرق، فإن تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل، ومن غير طول إهمال؛ فالمنزلة الثالثة أن تتحول عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفها عليك؛ فإنك لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحن إلا إلى ما شاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في صفات، وإلا أن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع الشهوة والمحبة.\rوقال بعض أهل الأدب: حسب الشاعر عوناً على صناعته أن يجمع خاطره، بعد أن يخلي قلبه من فضول الأشغال، ويدع الامتلاء من الطعام والشراب، ثم يأخذ فيما يريده. وأفضل ما استعان به الشاعر فضل غنى أو فرط طمع. والفقر آفة الشعر، وإنما ذلك لأن الشاعر إذا صنع القصيدة وهو في غنى وسعة نقحها وأنعم النظر فيها على مهل، فإذا كان مع ذلك طمع قوي انبعاثها من ينبوعها، وجاءت الرغبة بها في نهايتها محكمة، وإذا كان فقيراً مضطراً رضي بعفو كلامه، وأخذ ما أمكنه من نتيجة خاطره، ولم يتسع في بلوغ مراده ولا بلوغ مجهود نيته؛ لما يحفزه من الحاجة والضرورة، فجاء دون عادته في سائر أشعاره وربما قصر عمن هو دونه بكثير، ومنهم من تحمي الحاجة خاطره، وتبعث قريحته؛ فيجود، فإذا أوسع أنف، وصعب عليه عمل الأبيات اليسيرة فضلاً عن الكثيرة، وللعادة في هذه الأشياء فعل عظيم، وهي طبيعة خامسة كما قيل فيها.\rباب في المقاطع والمطالع\rاختلف أهل المعرفة في المقاطع والمطالع: فقال بعضهم: هي الفصول والوصول بعينها، فالمقاطع: أواخر الفصول، والمطالع: أوائل الوصول، وهذا القول هو الظاهر من فحوى الكلام، والفصل: آخر جزء من القسيم الأول كما قدمت، وهي العروض أيضاً، والوصل: أول جزء يليه من القسيم الثاني.\rوقال غيرهم:","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"المقاطع: منقطع الأبيات، وهي القوافي، والمطالع: أوائل الأبيات وقال قدامة بن جعفر في بعض تآليفه وقد ذكر الترصيع: هو أن يتوخى تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع، أو شبيه به، أو من جنس واحد في التصريف، فأشار بهذه العبارة إلى أن المقاطع أواخر أجزاء البيت كما ترى.. وقد نجد من الشعر المرصع ما يكون سجعه في غير مقاطع الأجزاء، نحو قول أم معدان الأعرابية في مرثية لها:\rفعل الجميل وتفريج الجليل وإع ... طاء الجزيل الذي لم يعطه أحد\rفالسجع في هذا البيت اللام المطردة في ثلاثة أمكنة منه، وآخر الأجزاء التي هي المقاطع على شريطة الياء التي قبل اللام، اللهم إلا أن يجعل السجع هو الياء الملتزمة فحينئذ، على أنا لا نعلم حرف السجع يكون إلا متأخراً في مثل هذا المكان، ومثل هذا في أنواع الأعاريض كثير.\rومن الناس من يزعم أن المطلع والمقطع أول القصيدة وآخرها، وليس ذلك بشيء؛ لأنا نجد في كلام جهابذة النقاد إذا وصفوا قصيدة قالوا: حسنة المقاطع، جيدة المطالع، ولا يقولون المقطع والمطلع، وفي هذا دليل واضح؛ لأن القصيدة إنما لها أول واحد، وآخر واحد، ولا يكون لها أوائل وأواخر، إلا على ما قدمت من ذكر الأبيات والأقسمة وانتهائها.\rوسألت الشيخ أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن السمين عن هذا، فقال: المقاطع أواخر الأبيات، والمطالع أوائلها، قال: ومعنى قولهم حسن المقاطع جيد المطالع أن يكون مقطع البيت وهو القافية متمكناً غير قلق ولا متعلق بغيره، فهذا هو حسنه، والمطلع وهو أول البيت جودته أن يكون دالاً على ما بعده كالتصدير وما شاكله.\rوروى الجاحظ أن شبيب بن شيبة كان يقول: الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة المقطع وبمدح صاحبه، وحظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت أو القصيدة، وحكاية الجاحظ هذه تدل على أن المقطع آخر البيت أو القصيدة، وهو بالبيت أليق؛ لذكر حظ القافية.\rوحكى أيضاً عن صديق له أنه قال للعتابي: ما البلاغة؟ فقال: كل كلام أفهمك صاحبه حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ، قال: قلت: قد عرفت الإعادة والحبسة، وما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه اسمع مني، واستمع إلي، وافهم، وألست تفهم؟ هذا كله عي وفساد.\rقال صاحب الكتاب: وهذا القول من العتابي يدل على أن المقاطع أواخر الفصول. ومثله ما حكاه الجاحظ أيضاً عن المأمون أنه قال لسعيد بن سلم: والله إنك لتصغي لحديثي، وتقف عند مقاطع كلامي. وإذا جعل المقطع والمطلع مصدرين بمعنى القطع والطلوع كانت الطاء واللام مفتوحتين، وإذا أريد موضع القطع والطلوع كسرت اللام خاصة، وهو مسموع على غير قياس.\rباب المبدأ والخروج والنهاية\rقيل لبعض الحذاق بصناعة الشعر: لقد طار اسمك واشتهر، فقال: لأنني أقللت الحز، وطبقت المفصل، وأصبت مقاتل الكلام، وقرطست نكت الأغراض بحسن الفواتح والخواتم ولطف الخروج إلى المدح والهجاء، وقد صدق، لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح، ومطية النجاح، ولطافة الخروج إلى المديح، سبب ارتياح الممدوح، وخاتمة الكلام أبقى في السمع، وألصق بالنفس؛ لقرب العهد بها؛ فإن حسنت حسن، وإن قبحت قبح، والأعمال بخواتيمها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوبعد، فإن الشعر قفل أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجود ابتداء شعره؛ فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة، وليجتنب \" ألا \" و \" خليلي \" و \" قد \" فلا يستكثر منها في ابتدائه؛ فإنها من علامات الضعف والتكلان، إلا للقدماء الذين جروا على عرق، وعملوا على شاكلة، وليجعله حلواً سهلاً، وفخماً جزلاً، فقد اختار الناس كثيراً من الابتداءات أذكر منها ههنا ما أمكن ليستدل به، نحو قول امرئ القيس:\rقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.\rوهو عندهم أفضل ابتداء صنعه شاعر؛ لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد، وقوله:\rألا عم صباحاً أيها الطلل البالي.\rومثله قول القطامي واسمه عمير بن شييم التغلبي :\rإنا محيوك فاسلم أيها الطلل.\rوكقول النابغة:\rكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وقوله:\rكتمتك ليلاً بالجمومين ساهراً ... وهمين هماً مستكناً وظاهراً\rوهذا بعض ما اختير للقدماء.. ومما اختير لهم في الرثاء قول أوس بن حجر:\rأيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا\rومما اختير للمحدثين قول بشار بن برد:\rأبي طلل بالجزع أن يتكلما.\rوهو عندهم أفضل ابتداء صنعه محدث، وقول أبي نواس:\rلمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أقوت وحسن رسوم\rوقوله:\rرسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكى عليك طويل\rوقوله:\rأعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلنا انسفار\rوقوله:\rدع عنك لومي فإن اللوم إغراءٌ ... وداوني بالتي كانت هي الداء\rوما أشبه ذلك مما لو تقصيته لطال وكثر..\rوليرغب عن التعقيد في الابتداء؛ فإنه أول العي، ودليل الفهة، فقد حكى أن دعبل بن علي الخزاعي ورد حمص فقصد دار عبد السلام بن رغبان ديك الجن، فكتم نفسه عنه خوفاً من قوارصه ومشارته، فقال: ما له يستتر وهو أشعر الجن والإنس؟ أليس هو الذي يقول؟:\rبها غير معذول فداو خمارها ... وصل بعشيات الغبوق ابتكارها\rونل من عظيم الردف كل عظيمة ... إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها\rفظهر إليه، واعتذر له، وأحسن نزله، ثم تناشدا فأنشد ديك الجن ابتداء قصيدة:\rكأنها ما كأنه خلل ال ... خلة وقف الهلوك إذ بغما\rفقال له دعبل: أمسك، فوالله ما ظننتك تتم البيت إلا وقد غشي عليك، أو تشكيت فكيك، ولكأنك في جهنم تخاطب الزبانية، أو قد تخبطك الشيطان من المس، وإنما أراد الديك أن يهول عليه، ويقرع سمعه، عسى أن يروعه ويردعه، فسمع منه ما كره أن يسمعه، ولعمري ما ظلمه دعبل، ولقد أبعد مسافة الكلام، وخالف العادة، وهذا بيت قبيح من جهات: منها إضمار ما لم يذكر قبل، ولا جرت العادة بمثله فيعذر، ولا كثر استعماله فيشتهر، مع إحالة تشبيه على تشبيه، وثقل تجانسه الذي هو حشو فارغ، ولو طرح من البيت لكان أحزم، واستدعى قافيته لا لشيء إلا لفساد المعنى واستحالة التشبيه، ما الذي يريد ب \" بغامه \" في تشبيهه الوقف وهو السوار ولم كان وقف الهلوك خاصة؟ ومعنى البيت أن عشيقته كأنها في جيدها وعينها الغزال الذي كأنه بين نبات الخلة سوار الجارية الحسنة المشي المتهالكة فيه وقيل: الهلوك البغي الفاجرة فما هذا كله؟ وأي شيء تحته؟ ومثله قول محمد بن عبد الملك الزيات يصف ناقته أول قصيدة مدح بها الحسن بن سهل:\rكأنها حين تناءى خطوها ... أخنس مطوى الشوى يرعى القلل\rفالعيب الأول في مخالفة العادة لازم له، ومع ذلك قوله \" حين تناءى خطوها \" مقصر بها، وهو يقدر أن يقول \" حين تدانى خطوها \" وخالف جميع الشعراء بذلك؛ لأنهم إنما يصفون الناقة بالظليم والحمار والثور بعد الكلال غلواً في الوصف ومبالغة، هذا هو الجيد، فإن لم يفعلوا لم يذكروا أنها بذلت جهدها، واستفرغت جميع ما عندها، بل يدعون التأويل محتملاً للزيادة، ثم قال \" يرعى القلل \" والثور لا يرعى قلل الجبال، وإنما ذلك الوعل؛ فإنه لا يسهل، والثور في السهول والدماث ومواضع الرمال، إلا أن يريد قلل النبات أي أعاليه، فربما أن تكون القلل نبتاً بعينه أو مكاناً فقد يمكن، وما سمعت بهما.\rومن الشعراء من يقطع المصراع الثاني من الأول إذا ابتدأ شعراً، وأكثر ما يقع ذلك في النسيب، كأنه يدل بذلك على وله وشدة حال، كقول أبي الطيب:\rجللاً كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح؟\rفهذا اعتذار من اعتذر له، ولو وقع مثل هذا في الرثاء والتفجع لكان موضعه أيضاً، وكذلك عند العظائم من الأمور والنوازل الشديدة.\rوليحترس مما تناله فيه بادرة، أو يقع عليه مطعن؛ فإن أبا تمام امتدح أبا دلف بحضرة من كان يكرهه، فافتتح ينشد قصيدته المشهورة: على مثلها من أربع وملاعب وكانت فيه حبسة شديدة فقال الرجل: \" لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \" فدهش أبو تمام حتى تبين ذلك عليه، على أنه غير مأخوذ بما قيل، ولا هو مما يدخل عليه عيباً، ولا يلزمه ذنباً على الحقيقة، إلا أن الحوطة والتحفظ من خجلة البادرة أفضل وأهيب، والتفريط أرذل وأخذل.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"ودخل جرير على عبد الملك بن مروان فابتدأ ينشده: أتصحو أم فؤادك غير صاحٍ فقال له عبد الملك: \" بل فؤادك يا بن الفاعلة \" كأنه استثقل هذه المواجهة وإلا فقد علم أن الشاعر إنما خاطب نفسه.\rومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبي الطيب قوله لكافور أول لقائه مبتدئاً، وإن كان إنما يخاطب نفسه لا كافوراً:\rكفى بك داءً أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا\rفالعيب من باب التأدب للملوك، وحسن السياسة لازم لأبي الطيب في هذا الابتداء، لا سيما وهذا النوع أعني جودة الابتداء من أجل محاسن أبي الطيب، وأشرف مآثر شعره إذا ذكر الشعر.\rودخل ذو الرمة على عبد الملك بن مروان، فاستنشده شيئاً من شعره، فأنشده قصيدته: ما بال عينك منها الماء ينسكب وكانت بعين عبد الملك ريشة وهي تدمع أبداً، فتوهم أنه خاطبه أو عرض به، فقال: وما سؤالك عن هذا يا جاهل؟!! فمقته وأمر بإخراجه.\rوكذلك فعل ابنه هشام بأبي النجم وقد أنشده في أرجوزة:\rوالشمس قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول\rوكان هشام أحول، فأمر به فحجب عنه مدة، وقد كان قبل ذلك من خاصته: يسمر عنده، ويمازحه.\rوإنما يؤتى الشاعر في هذه الأشياء؛ إما من غفلة في الطبع وغلظ، أو من استغراق في الصنعة وشغل هاجس بالعمل يذهب مع حسن القول أين ذهب.\rوالفطن الحاذق يختار للأوقات ما يشاكلها، وينظر في أحوال المخاطبين؛ فيقصد محابهم، ويميل إلى شهواتهم وإن خالفت شهوته، ويتفقد ما يكرهون سماعه فيجتنب ذكره.. ألا ترى أن بعض الملوك قال لأحد الشعراء وقد أورد بيتاً ذكر فيه: \" لو خلد أحد بكرم لكنت مخلداً بكرمك \" وقال كلاما نحو هذا، فقال الملك: إن الموت حق، وإن لنا منه نصيباً، غير أن الملوك تكره ذكر ما ينكد عيشها، وينغص لذتها، فلا تأتنا بشيء مما نكره ذكره..\rومن المشهور أن النعمان بن المنذر رأى شجرة ظليلة ملتفة الأغصان، في مرج حسن كثير الشقائق، وكان معجباً بها، وإليه أضيفت \" شقائق النعمان \" فنزل وأمر بالطعام والشراب فأحضر، وجلس للذته، فقال له عدي بن زيد العبادي وكان كاتبه: أتعرف أبيت اللعن ما تقول هذه الشجرة؟ فقال: وما تقول؟ قال: تقول:\rرب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال\rعطف الدهر عليهم فتووا ... وكذاك الدهر حال بعد حال\rمن رآنا فليوطن نفسه ... إنما الدنيا على قرب زوال\rكأنه قصد موعظته، فتنغص عليه ما كان فيه، وأمر بالطعام والشراب فرفعا من بين يديه، وارتحل من فوره، ولم ينتفع بنفسه بقية يومه وليلته، وكانا جميعاً نصرانيين؛ فهذا شأن الملوك قديماً وحديثاً.\rومن هذه الجهة أكثر الناس من الدعاء لهم بطول العمر، حتى بلغوا بهم ما لا يمكن، فقالوا: عش أبداً، واسلم مدى الدهر، وابق بقاء الزمان، ودم مدة الأيام.\rواعترض النقاد في ذلك واختلفوا بحسب ما ينتحل كل واحد منهم في قول أبي نواس للأمين:\rيا أمين الله عش أبدأ ... دم على الأيام والزمن\rأنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن\rوفي كثير من مثله. وإذا خرج الكلام عن حد الإمكان فإنما يراد به بلوغ الغاية لا غير ذلك. ومن قبيح ما وقع لأبي نواس الذي أساء فيه أدبه، وخالف فيه مذهبه؛ أن بعض بني برمك بنى داراً استفرغ فيها مجهوده، وانتقل اليها، فصنع أبو نواس في ذلك الحين أو قريباً منه قصيدة يمدحه بها يقول أولها:\rأربع البلى، إن الخشوع لباد ... عليك، وإني لم أخنك ودادي\rوختمها أو كاد بقوله:\rسلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغادي\rفتطير منها البرمكي، واشمأز حتى كلح وظهرت الوجمة عليه، ثم قال: نعيت إلينا أنفسنا يا أبا نواس، فما كانت إلا مديدة حتى أوقع بهم الرشيد وصحت الطيرة.. وزعم قوم أن أبا نواس قصد التشاؤم لهم لشيء كان في نفسه من جعفر، ولا أظن ذلك صحيحاً؛ لأن القصيدة من جيد شعره الذي لا أشك أنه يحتفل له، اللهم إلا أن يصنع ذلك حيلة منه، وستراً على ما قصد إليه بذلك.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"وللشعراء مذاهب في افتتاح القصائد بالنسيب؛ لما فيه من عطف القلوب، واستدعاء القبول بحسب ما في الطباع من حب الغزل، والميل إلى اللهو والنساء، وإن ذلك استدراج إلى ما بعده.\rومقاصد الناس تختلف: فطريق أهل البادية ذكر الرحيل والانتقال، وتوقع البين، والإشفاق منه، وصفة الطلول والحمول، والتشوق بحنين الإبل ولمع البروق ومر النسيم، وذكر المياه التي يلتقون عليها والرياض التي يحلون بها من خزامى، وأقحوان، وبهار، وحنوة، وظيان، وعرار، وما أشبهها من زهر البرية الذي تعرفه العرب. وتنبته الصحاري والجبال وما يلوح لهم من النيران في الناحية التي بها أحبابهم، ولا يعدون النساء إذا تغزلوا ونسبوا، فإذا وقع مثل قول طرفة:\rوفي الحي أحوى ينفض المردشادن ... مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد\rفإنما هو كناية بالغزل عن المرأة.\rوأهل الحاضرة يأتي أكثر تغزلهم في ذكر الصدود، والهجران، والواشين، والرقباء، ومنعة الحرس والأبواب، وفي ذكر الشراب والندامى، والورد والنسرين والنيلوفر، وما شاكل ذلك من النواوير البلدية، والرياحين البستانية، وفي تشبيه التفاح والتحية به، ودس الكتب، وما شاكل ذلك مما هم به منفردون.. وقد ذكروا الغلمان تصريحاً، ويذكرون النساء أيضاً: منهم من سلك في ذلك مسلك الشعراء اقتداء بهم، واتباعاً لما ألفته طباع الناس معهم، كما يذكر أحدهم الإبل، ويصف المفاوز على العادة المعتادة، ولعله لم يركب جملاً قط، ولا رأى ما وراء الجبانة، ومنهم من يكون قوله في النساء اعتقاداً منه، وإن ذكر فجرياً على عادة المحدثين وسلوكاً لطريقتهم؛ لئلا يخرج عن سلك أصحابه، ويدخل في غير سلكه وبابه، أو كناية بالشخص عن الشخص لرقته، أو حب رشاقته.. وهذا مما لا يطلب عليه شاهد لكثرته، إلا أني أتلمح في هذا المكان بقول أبي نواس:\rعلي عين وأذن من مذكرة ... موصولة بهوى اللوطي والغزل\rكلاهما نحوها سام بهمته ... على اختلافهما في موضع العمل\rوالعادة أن يذكر الشاعر ما قطع من المفاوز، وما أنضى من الركاب، وما تجشم من هول الليل وسهره، وطول النهار وهجيره، وقلة الماء وغؤوره، ثم يخرج إلى مدح المقصود؛ ليوجب عليه حق القصد، وذمام القاصد، ويستحق منه المكافأة.\rوكانوا قديماً أصحاب خيام: ينتقلون من موضع إلى آخر؛ فلذلك أول ما تبدأ أشعارهم بذكر الديار، فتلك ديارهم، وليست كأبنية الحاضرة؛ فلا معنى لذكر الحضري الديار إلا مجازاً؛ لأن الحاضرة لا تنسفها الرياح، ولا يمحوها المطر، إلا أن يكون ذلك بعد زمان طويل لا يمكن أن يعيشه أحد من أهل الجيل، وأحسب ما استعمله المولدون المحدثون ما ناسب قول علي بن العباس الرومي:\rسقى الله قصراً بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصري الدلال رصافي\rأشار بقنيان من الدر قمعت ... يواقيت حمراً فاستباح عفافي\rوكانت دوابهم الإبل لكثرتها، وعدم غيرها، ولصبرها على التعب وقلة الماء والعلف فلهذا أيضاً حضوها بالذكر دون غيرها ولم يكن أحدهم يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده كما يفعل المحدثون؛ ألا ترى أن امرأ القيس لما كان ملكاً كيف ذكر خيل البريد والفرانق يعني البريد على أنه لم يستغن عن ذكر الإبل للعادة التي جرت على ألسنتهم، فقال يصف رحيله إلى قيصر ملك الروم:\rإذا قلت روحنا أرن فرانق ... على جلعد واهي الأباجل أبترا\rعلى كل مقصوص الذنابي معاود ... بريد السري بالليل من خيل بربرا\rإذا زعته من جانبيه كليهما ... مشى الهيدبي في دفه ثم فرفرا\rأقب كسرحان الغضا متمطر ... ترى الماء من أعطافه قد تحدرا\rوكانت الخيل البربرية تهلب أذنابها كالبغال؛ لتدخل مداخلها في خدمة البريد، وليعلم أنها للملك. وقال الفرزدق:\rراحت بمسلمة البغال عشية ... فأرعى فزارة لا هناك المرتع\rلما كان الذي راحت به البغال أميراً يذكر رحيله وقد عزل.\rوقال ابن ميادة في ابن هبيرة لما كان أميراً أيضاً:\rجاءت به معتجراً ببرده ... سفواء تردى بنسيج وحده\rتقدح قيس كلها بزنده","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"إلا أن منهم من خالف هذا كله فوصف أنه قصد الممدوح راجلاً: إما إخباراً بالصدق، وإما تعاطي صعلكة ورجلة..\rقال أبو نواس للفضل بن يحيى بن خالد:\rإليك أبا العباس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرمي الملسنا\rقلائص لم تعرف حنيناً على طلاً ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا\rفذكر أن قلائصهم التي امتطوها إليه نعالهم، فأخرجه كما ترى مخرج اللغز، وأتبعه أبو الطيب فقال:\rلا ناقتي تحمل الرديف، ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها\rشراكها كورها، ومثفرها ... زمامها، والشسوع مقودها\rوقال كرة أخرى في مثل ذلك يتشكى:\rوحبيت من خوص الركاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشي راكبا\rوقال أيضاً يتصعلك ويتفقر:\rومهمه جبته على قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل\rبصارمي مرتد، بمخبرتي ... مجتزئ؛ بالظلام مشتمل\rولو شاء قائل أن يقول: إن أبا نواس لم يرد ما ذهب إليه أبو الطيب، لكن أراد أنه معه في بلدة واحدة قصده في حاجته محتذياً نعليه؛ لكان ذلك أظهر وجهاً، ما لم يكن الحضرمي من الجلود مخصوصاً به المسافر دون الحاضر، وظاهر الكلام أن مقصد الشاعرين واحد.\rوقد ذكر أبو الطيب الخيل أيضاً في كثير من شعره، وكان يؤثرها على الإبل؛ لما يقوم في نفسه من التهيب بذكر الخيل، وتعاطي الشجاعة، فقال يذكر قدومه إلى مصر على خوف من سيف الدولة:\rويوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب\rوعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب\rله فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب\rشققت به الظلماء أدني عنانه ... فيطغى، وأرخيه مراراً فيلعب\rوأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثل حين أركب\rوما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب\rإذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضاءها فالحسن عنك مغيب\rوليس في زماننا هذا ولا من شرط بلدنا خاصة شيء من هذا كله، إلا ما لا يعد قلة؛ فالواجب اجتنابه، إلا ما كان حقيقة، لا سيما إذا كان المادح من سكان بلد الممدوح: يراه في أكثر أوقاته، فما أقبح ذكر الناقة والفلاة حينئذ!.\rوقد قلت أنا وإن لم أدخل في جملة من تقدم، ولا بلغت خطته من قصيدة اعتذرت بها إلى مولانا خلد الله أيامه من طول غيبة غبتها عن الديوان:\rإليك يخاض البحر فعماً كأنه ... بأمواجه جيش إلى البر زاحف\rويبعث خلف النجح كل منيفة ... تريك يداها كيف تطوى التنائف\rمن الموجفات اللاء يقذفن بالحصى ... ويرمى بهن المهمه المتقاذف\rيطير اللغام الجعد عنها كأنه ... من القطن أو ثلج الشتاء ندائف\rوقد نازعت فضل الزمام ابن نكبة ... هو السيف لا ما أخلصته المشارف\rفكيف تراني لو أعنت على الغنى ... بجد، وإني للغنى لمشارف\rوقد قرب الله المسافة بيننا ... وأنجزني الوعد الزمان المساوف\rولولا شقائي لم أغب عنك ساعة ... ولا رام صرفي عن جنابك صارف\rولكنني أخطأت رشدي فلم أصب ... وقد يخطئ الرشد الفتى وهو عارف\rفذكرت قرب المسافة بيني وبينه حوطة وإخباراً أن خوض البحر وجوب الفلاة من صفة غيري من القصاد والغرباء والمنتجعين من الأمصار.\rومن قصيدة صنعتها بديهة بالمهدية ساعة وصول إليه أدام الله عزه عن اقتراح بعض شعراء وقتنا هذا:\rوذيال له رجل طحون ... لما نزلت به، ويد زجوج\rيطير بأربع لا عيب فيها ... لظهران الصفا منها عجيج\rخرجت به عن الأوهام سبقا ... وقل له عن الوهم الخروج\rإلى الملك المعز أبي تميم ... أمر بمن سواه فلا أعيج\rومن أخرى في معنى التفقر والرحلة:\rوماء بعيد الغور كالنجم في الدجى ... وردت طروقاً أو وردت مهجرا","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"على قدم أخت الجناح وأخمص ... يخال حصى المعزاء جمراً مسعرا\rفريداً من الأصحاب صلتاً من الكسا ... كما أسلم الغمد الحسام المذكرا\rومن الشعراء من لا يجعل لكلامه بسطاً من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة، وذلك عندهم هو: الوثب، والبتر، والقطع، والكسع، والاقتضاب، كل ذلك يقال.. والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء، وهي التي لا يبتدئ فيها بحمد الله عز وجل على عادتهم في الخطب. قال أبو الطيب:\rإذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعراً متيم؟\rفأنكر النسيب، وزعموا أن أول من فتح هذا الباب وفتق هذا المعنى أبو نواس بقوله:\rلا تبك ليلى، ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد\rوقوله وهو عند الحاتمي فيما روى عن بعض أشياخه أفضل ابتداء صنعه شاعر من القدماء والمحدثين:\rصفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم\rولما سجنه الخليفة على اشتهاره بالخمر، وأخذ عليه أن لا يذكرها في شعره قال:\rأعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا ... فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا\rدعاني إلى نعت الطلول مسلط ... تضيق ذراعي أن أرد له أمرا\rفسمعاً أمير المؤمنين وطاعة ... وإن كنت قد جشمتني مركباً وعرا\rفجاهر بأن وصفه الأطلال والقفر إنما هو من خشية الإمام، وإلا فهو عنده فراغ وجهل، وكان شعوبي اللسان، فما أدري ما وراء ذلك، وإن في اللسان وكثرة ولعه بالشيء لشاهداً عدلاً لا ترد شهادته. وقد قال أبو تمام:\rلسان المرء من خدم الفؤاد.\rومن عيوب هذا الباب أن يكون النسيب كثيراً والمدح قليلاً، كما يصنع بعض أهل زماننا هذا، وسنبين وجه الحكم والصواب من هذا في باب المدح إن شاء الله تعالى.\rومن الشعراء من لا يجيد الابتداء، ولا يتكلف له، ثم يجيد باقي القصيدة وأكثرهم فعلاً لذلك البحتري: كان يصنع الابتداء سهلاً، ويأتي به عفواً، وكلما تمادى قوي كلامه، وله من جيد الابتداء كثير؛ لكثرة شعره، والغالب عليه ما قدمت، غير أن القاضي الجرجاني فضله بجودة الاستهلال وهو الابتداء على أبي تمام وأبي الطيب، وفضلهما عليه بالخروج والخاتمة، ولست أرى لذلك وجهاً، إلا كثرة شعره كما قدمت؛ فإنه لو حاسبهما ابتداء جيداً بابتداء مالأربى عليهما وقصرا عن عذره.. فأما الحاتمي فإنه يغض من أبي عبادة غضاً شديداً، ويجور عليه جوراً بيناً لا يقبل منه ولا يسلم إليه.\rوكان أبو تمام فخم الابتداء، له روعة، وعليه أبهة، كقوله:\rالحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار\rوقوله:\rالسيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\rوقوله:\rأصغى إلى البين مغتراً فلا جرما\rوقوله:\rيا ربع لو ربعوا على ابن هموم\rوالغالب عليه نحت اللفظ، وجهارة الابتداء..\rوكان أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي يفضل ابتداءات البحتري جداً، وهو الذي وضع كتاب الموازنة والترجيح بين الطائيين، ونوه فيه بالبحتري أعظم تنويه.. ومن جيد ابتداءاته قوله:\rعارضننا أصلاً فقلنا الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب\rوقوله:\rما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي؟؟\rوقوله:\rضمان على عينيك أني لا أسلو\rوقوله:\rترى عنده علم بشجوى وأدمعي ... وأني متى أسمع بذكراه أجزع؟\rوأما الخروج فهو عندهم شبيه بالاستطراد، وليس به؛ لأن الخروج إنما هو أن تخرج من نسيب إلى مدح أو غيره بلطف تحيل، ثم تتمادى فيما خرجت إليه كقول حبيب في المدح:\rصب الفراق علينا، صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما\rسيف الإمام الذي سمته هيبته ... لما تخرم أهل الأرض مخترما\rثم تمادى في المدح إلى آخر القصيدة.\rوكقول أبي عبادة البحتري:\rسيقت رباك بكل نوء عاجل ... من وبله حقاً لها معلوما\rولو أنني أعطيت فيهن المنى ... لقيتهن بكف إبراهيما","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وأكثر الناس استعمالاً لهذا الفن أبو الطيب؛ فإنه ما يكاد يفلت له، ولا يشذ عنه، حتى ربما قبح سقوطه فيه، نحو قوله:\rها فانظري أو فظني بي تري حرقاً ... من لم يذق طرفاً منها فقد وألا\rعل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا\rفقد تمنى أن يكون له الأمير قواداً، وليس هذا من قول أبي نواس:\rسأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هوانا؛ لعل الفضل يجمع بيننا\rفي شيء؛ لأن أبا نواس قال \" يجمع بيننا \" ثم اتبع ذلك ذكر المال والسخاء به، فقال:\rأمير رأيت المال في نعمائه ... مهيناً ذليل النفس بالضيم موقنا\rفكأنه أشار إلى أن جمعه بينهما بالمال خاصة: يفضل عليه، ويجزل عطيته، فيتزوجها أو يتسرى بها، وأبو الطيب قال: \" يشفع \" والشفاعة رغبة وسؤال، ثم أتبع بيته بما هو مقو لمعناه في القيادة فقال:\rأيقنت أن سعيداً طالب بدمي ... لما بصرت به بالرمح معتقلا\rفدل على أنه يشفع، فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب فذاك، وإلا رجع إلى القهر..\rوالذي يشاكل قول أبي نواس قوله:\rأحب التي في البدر منها مشابه ... وأشكو إلى من لا يصاب له شكل\rفلفظة الشكوى تحمل عنه كما حملن عن أبي نواس ومما سقط فيه وإن كان مليح المظهر قوله يخاطب امرأة نسب بها:\rلو أن فناخسر صبحكم ... وبرزت وحدك عاقه الغزل\rوتفرقت عنه كتائبه ... إن الملاح خوادع قتل\rما كنت فاعلة وضيفكم ... ملك الملوك وشأنك البخل\rأتمنعين قرى فتفتضحي ... أم تبذلين له الذي يسل\rبل لا يحل بحيث حل به ... بخل ولا جور ولا وجل\rفحتم على فناخسرو بأن الغزل يعوقه، ولأن كتائبه تتفرق عنه، وجعله يسأل هذه المرأة، وتشكك هل تمنعه أم تبذل له، ثم أوجب أن البخل لا يحل بحيث حل؛ فأوقعه تحت الزنى أو قارب ذلك، ولعل هذا كان اقتراحاً من فناخسرو؛ وإلا فما يجب أن يقابل من هو ملك الملوك بمثل هذا، وما أسرع ما انحط أبو الطيب: بينا هو يسأل الأمير أن يشفع له إلى عشيقته صار يشفع للأمير عندها..\rوالاستطراد: أن يبني الشاعر كلاماً كثيراً على لفظة من غير ذلك النوع، يقطع عليها الكلام، وهي مراده دون جميع ما تقدم، ويعود إلى كلامه الأول، وكأنما عثر بتلك اللفظة عن غير قصد ولا اعتقاد نية، وجل ما يأتي تشبيهاً، وسيرد عليك في بابه مبيناً إن شاء الله تعالى..\rومن الناس من يسمي الخروج تخلصاً وتوسلاً، وينشدون أبياتاً منها:\rإذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس ولو كان من جرم\rولو أن جرماً أطعموا شحم جفرة ... لبانوا بطاناً يضرطون من الشحم\rوأولى الشعر أن يسمى تخلصاً ما تخلص فيه الشاعر من معنى إلى معنى، ثم عاد إلى الأول وأخذ في غيره. ثم رجع إلى ما كان فيه. كقول النابغة الذبياني آخر قصيدة اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر:\rوكفكفت مني عبرة فرددتها ... إلى النحر منها مستهل ودامع\rعلى حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع؟!!\rثم تخلص إلى الاعتذار فقال:\rولكن هما دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع\rوعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع\rثم وصف حاله عندما سمع من ذلك فقال:\rفبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع\rيسهد في ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع\rتناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طوراً، وطوراً تراجع\rفوصف الحية والسليم الذي شبه به نفسه ما شاء، ثم تخلص إلى الاعتذار الذي كان فيه فقال:\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع\rويروى وخبرت خير الناس أنك لمتني ثم اطرد له ما شاء من تخلص إلى تخلص، حتى انقضت القصيدة وهو مع ما أشرت إليه غير خاف إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وقد يقع من هذا النوع شيء يعترض في وسط النسيب من مدح من يريد الشاعر مدحه بتلك القصيدة، ثم يعود بعد ذلك إلى ما كان فيه من النسيب، ثم يرجع إلى المدح، كما فعل أبو تمام وإن أتى بمدحه الذي تمادى فيه منقطعاً، وذلك قوله في وسط النسيب من قصيدة له مشهورة:\rظلمتك ظالمة البريء ظلوم ... والظلم من ذي قدرة مذموم\rزعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم\rلا، والذي هو عالم أن النوى ... أجل وأن أبا الحسين كريم\rما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على ألف سواك تحوم\rثم قال بعد ذلك:\rلمحمد بن الهيثم بن شبابة ... مجد إلى جنب السماك مقيم\rويسمى هذا النوع الإلمام.\rوكانت العرب لا تذهب هذا المذهب في الخروج إلى المدح، بل يقولون عند فراغهم من نعت الإبل وذكر القفار وما هم بسبيله: دع ذا و عد عن ذا ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه، فإذا لم يكن خروج الشاعر إلى المدح متصلاً بما قبله ولا منفصلاً بقوله دع ذا و عد عن ذا ونحو ذلك سمي طفراً وانقطاعاً.. وكان البحتري كثيراً ما يأتي به نحو قوله:\rلولا الرجاء لمت من ألم الهوى ... لكن قلبي بالرجاء موكل\rإن الرعية لم تزل في سيرة ... عمرية مذ ساسها المتوكل\rولربما قالوا بعد صفة الناقة والمفازة \" إلى فلان قصدت \" و \" حتى نزلت بفناء فلان \" وما شاكل ذلك.\rوأما الانتهاء فهو قاعدة القصيدة، وآخر ما يبقى منها في الأسماع، وسبيله أن يكون محكماً: لا تمكن الزيادة عليه، ولا يأتي بعده أحسن منه، وإذا كان أول الشعر مفتاحاً له وجب أن يكون الآخر قفلاً عليه.\rوقد أربى أبو الطيب على كل شاعر في جودة فصول هذا الباب الثلاثة، إلا أنه ربما عقد أوائل الأشعار ثقة بنفسه، وإعراباً عن الناس، كقوله أول قصيدة:\rوفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعد والدمع أشفاه ساجمه\rفإن هذا يحتاج الأصمعي إلى أن يفسر معناه.\rويقع له في الخروج ما كان تركه أولى به، وأشعر له، وإنما أدخله فيه حب الإغراب في باب التوليد، حتى جاء بالغث البارد، والبشع المتكلف، نحو قوله:\rأحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيراً، وابن إبراهيم ريعا\rفهذا من البشاعة والشناعة بحيث لا يخفى على أحد، وما أظنه سرق هذا المعنى الشريف إلا من كذبة كذبها أبو العباس الصيمري عن لسان رجل زعم أنه قال: رأيت رجلاً نام ويده غمرة فجره النمل ثلاثة فراسخ، فقد جعل أبو الطيب مكان الرجل جبلاً، وإن أعلمنا الإغراق في مراده ولفظه.. قال:\rأعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب\rوبحر أبو المسك الخضم الذي له ... على كل بحرٍ زخرة وعباب\rيريد وخير بحر أبو المسك، وهذه غاية التصنع والتكلف.\rومن العرب من يختم القصيدة فيقطعها والنفس بها متعلقة، وفيها راغبة مشتهية، ويبقى الكلام مبتوراً كأنه لم يتعمد جعله خاتمة: كل ذلك رغبة في أخذ العفو، وإسقاط الكلفة، ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها بقوله يصف السيل عن شدة المطر:\rكأن السباع فيه غرقى غدية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل\rفلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات، وهي أفضلها.\rوقد كره الحذاق من الشعراء ختم القصيدة بالدعاء لأنه من عمل أهل الضعف، إلا للملوك؛ فإنهم يشتهون ذلك كما قدمت، ما لم يكن من جنس قول أبي الطيب يذكر الخيل لسيف الدولة:\rفلا هجمت بها إلا على ظفرٍ ... ولا وصلت بها إلا إلى أمل\rفإن هذا شبيه ما ذكر عن بغيض: كان يصابح الأمير فيقول: لا صبح الله الأمير بعافية، ويسكت ثم يقول: إلا مساه بأكثر منها، ويماسيه فيقول: لا مسى الله الأمير بنعمة، ويسكت ثم يقول: إلا وصبحه بأتم منها، أو نحو هذا، فلا يدعو له حتى يدعو عليه؛ ومثل هذا قبيح، لا سيما عن مثل أبي الطيب.\rباب البلاغة\rتكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي، وأسناني، فقال له:","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"\" إن الله يكره الانبعاق في الكلام، فنضر الله وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر على حاجته \" .\rوسئل النبي صلى الله عليه وسلم: فيم الجمال؟ فقال: \" في اللسان \" يريد البيان.\rوقال أصحاب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق؛ فمن كان في المنطق أعلى رتبة كان بالإنسانية أولى.\rوقالوا: الروح عماد الجسم، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.\rوسئل بعض البلغاء: ما البلاغة؟ فقال: قليل يفهم، وكثير لا يسأم.\rوقال آخر: البلاغة إجاعة اللفظ، وإشباع المعنى.\rوسئل آخر فقال: معان كثيرة، في ألفاظ قليلة.\rوقيل لأحدهم ما البلاغة؟ فقال: إصابة المعنى وحسن الإيجاز.\rوسئل بعض الأعراب: من أبلغ الناس؟ فقال: أسهلهم لفظاً، وأحسنهم بديهيةً..\rوسأل الحجاج ابن القبعثري: ما أوجز الكلام؟ فقال: ألا تبطئ، ولا تخطئ، وكذلك قال صحار العبدي لمعاوية بن أبي سفيان.\rوقال خلف الأحمر: البلاغة كلمة تكشف عن البقية.\rوقال المفضل الضبي: قلت لأعرابي: ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل.\rوكتب جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي إلى عمرو بن مسعدة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عياً.\rوأنشد المبرد في صفة خطيب:\rطبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعي يوماً ولم يهذر\rفإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المنزر\rوإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقل على المكثر\rقال أبو الحسن علي بن عيسى الرماني: أصل البلاغة الطبع، ولها مع ذلك آلات تعين عليها، وتوصل للقوة فيها، وتكون ميزاناً لها، وفاصلة بينها وبين غيرها، وهي ثمانية أضرب: الإيجاز، والاستعارة، والتشبيه، والبيان، والنظم، والتصرف، والمشاكلة، والمثل، وسيرد كل واحد منها بمكانه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.\rوقال معاوية لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ فقال: من اقتصر على الإيجاز، وتنكب الفضول.\rوسئل ابن المقفع: ما البلاغة؟ فقال: اسم لمعان تجري في وجوه عدة كثيرة: فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون خطباً، ومنها ما يكون رسائل؛ فعامة هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة.\rقال صاحب الكتاب: فهذا ابن المقفع جعل من السكوت بلاغة رغبة في الإيجاز وقال بعض الكلبيين:\rواعلم بأن من السكوت إبانة ... ومن التكلم ما يكون خبالا\rوقلت أنا في مثل ذلك:\rوأخرق أكال للحم صديقه ... وليس لجاري ريقه بمسيغ\rسكت له ضناً بعرضي فلم أحب ... ورب جواب في السكوت بليغ\rوقلت أيضاً ولم أذكر بلاغة:\rأيها الموحي إلينا ... نفثة الصل الصموت\rما سكتنا عنك عياً ... رب نطق في السكوت\rلك بيت في البيوت ... مثل بيت العنكبوت\rإن يهن وهناً ففيه ... حيلتا سكنى وقوت\rوقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: إبلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع، ولذلك سميت بلاغة.\rوقال آخر: البلاغة أن تفهم المخاطب بقدر فهمه، من غير تعب عليك.\rوقال آخر: البلاغة معرفة الفصل من الوصل.\rوقيل: البلاغة حسن العبارة، مع صحة الدلالة.\rوقيل: البلاغة أن يكون أول كلامك يدل على آخره، وآخره يرتبط بأوله.\rوقيل: البلاغة القوة على البيان، مع حسن النظام.\rومن قول السيد أبي الحسن أدام الله عزه في صفة كاتب بالبلاغة وحسن الخط:\rفضل الأنام بفضل علم واسعٍ ... وعلا مقالهم بفصل المنطق\rوحكى لنا وشي الرياض وقد وشت ... أقلامه بالنقش بطن المهرق\rفبلغ ما أراد من الوصف في اختصار وقلة تكلف. ونحو ذلك قوله أيضاً:\rإذا مشقت يمناك في الطرس أسطراً ... حكيت بها وشي الملاء المعضد\rيروق مجيد الخط حسن حروفها ... ويعجب منها بالمقال المسدد","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وهذا الشعر كالأول في الجزء وإصابة المفصل، وإن أبا الحسن لكما قال سميه أبو الطيب خاتم الشعراء:\rعليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا\rبلى كما قال ولي نعمته، وشاكر منته:\rإني لأعجب كيف يحسن عقده ... شعر من الأشعار مع إحسانه\rما ذاك إلا أنه در النهى ... يفد التجار به على دهقانه\rأستغفر الله لا أجحد أبا الطيب حقه، ولا أنكر فضله، وقد قال:\rملك منشد القريض لديه ... يضع الثوب في يدي بزاز\rثم نرجع إلى وصف البلاغة، بعد ما أفضينا ووشحنا هذا الباب من ذكر السيد، فنقول: وقالوا: البلاغة ضد العي، والعي: العجز عن البيان.\rوقيل: لا يكون الكلام يستوجب اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك.\rوسأل عامر بن الظرب العدواني حمامة بن رافع الدوسي بين يدي بعض ملوك حمير فقال: من أبلغ الناس؟ قال: من حلى المعنى المزيز باللفظ الوجيز، وطبق المفصل قبل التحريز.\rقيل لأرسطاطاليس: ما البلاغة؟ قال: حسن الاستعارة.\rوقال الخليل: البلاغة ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه.\rوقيل لخالد بن صفوان: ما البلاغة؟ قال: إصابة المعنى، والقصد إلى الحجة وقيل لإبراهيم الإمام: ما البلاغة؟ قال: الجزالة، والإطالة، وهذا مذهب جماعة من الناس جلة، وبه كان ابن العميد يقول في منثوره.\rوقيل لبعض الجلة: ما البلاغة؟ فقال: تقصير الطويل، وتطويل القصير، يعني بذلك القدرة على الكلام.\rوقال أبو العيناء: من اجتزأ بالقليل عن الكثير، وقرب البعيد إذا شاء، وبعد القريب، وأخفى الظاهر، وأظهر الخفي.\rوقال البحتري يمدح محمد بن عبد الملك الزيات حين استوزر، ويصف بلاغته:\rومعاون لو فضلتها القوافي ... هجنت شعر جرولٍ ولبيد\rحزن مستعمل الكلام اختياراً ... ووتجنبن ظلمة التعقيد\rوركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد\rوالبيت الأول من هذه القطعة يشهد بفضل الشعر على النثر.\rوحكى الجاحظ عن الإمام إبراهيم بن محمد قوله: كفى من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. ثم قال الجاحظ: أما أنا فأستحسن هذا القول جداً.\rومن كلام ابن المعتز: البلاغة بلوغ المعنى، ولما يطل سفر الكلام.\rوقال ابن الأعرابي: البلاغة التقرب من البغية، ودلالة قليل على كثير.\rوقال بعض المحدثين: البلاغة إهداء المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ.\rومن كلام أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي، قال: قال بعضهم: البلاغة ما صعب على التعاطي وسهل على الفطنة. وقال: خير الكلام ما قل ودل، وجل ولم يمل. وقال: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه. قال: وقيل: البليغ من يجتني من الألفاظ نوارها، ومن المعاني ثمارهاً.\rوهذا الذي حكاه الثعالبي مما يدلك على حذق أبي الطيب في قوله لابن العميد:\rقطف الرجال القول قبل نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا\rوكان يمكنه أن يقول لما أثمر لكن ذهب إلى ما قدمت، وإن ما اقتدى بقول أبي تمام:\rويجف نوار الكلام، وقلما ... يلفى بقاء الغرس بعد الماء\rوكان بعضهم يقول: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، والخروج مما بنى عليه الكلام إسهاب.\rوقال العتابي: قيم الكلام العقل، وزينته الصواب، وحليته الإعراب، ورائضة اللسان، وجسمه القريحة، وروحه المعاني..\rوقال عبد الله بن محمد بن جميل المعروف بالباحث: البلاغة الفهم والإفهام وكشف المعاني بالكلام، ومعرفة الإعراب، والاتساع في اللفظ، والسداد في النظم، والمعرفة بالقصد، والبيان في الأداء وصواب الإشارة، وإيضاح الدلالة، والمعرفة بالقول، والاكتفاء بالاختصار عن الإكثار، وإمضاء العزم على حكومة الاختيار.\rقال:","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"وكل هذه الأبواب محتاج بعضها إلى بعض، كحاجة بعض أعضاء البدن إلى بعض، لا غنى لفضيلة أحدها عن الآخر؛ فمن أحاط معرفة بهذه الخصال فقد كمل كل كمال، ومن شذ عنه بعضها لم يبعد من النقص بما اجتمع فيه منها.\rقال: والبلاغة تخير اللفظ في حسن الإهام.\rوسئل الكندي عن البلاغة، فقال: ركنها اللفظ، وهو على ثلاثة أنواع: فنوع لا تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع تعرفة وتتكلم به، ونوع تعرفة ولا تتكلم به، وهو أحمدها.\rومن كتاب عبد الكريم قالوا: حسن البلاغة أن يصور الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق.\rقال: ومنهم من يعيب ذلك المعنى، ويعده إسهابا، وآخره يعده نفاقاً.\rقال: ومر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر بنهر أم عبد الله الذي يشق البصرة فقال عبد الله بن عامر: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر!! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: يتعلم فيه العوم صبيانهم. ويكون لسقياهم، ومسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم.. قال: ثم مر غيلان يساير زياد على ذلك النهر وقد كان عادي ابن عامر. فقال له: ما أضر هذا النهر لأهل هذا المصر!! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير: تندى منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم؛ فكره الناس من البيان مثل هذا، انقضى كلام عبد كريم.\rوالذي أراه أنا أن هذا النوع من البيان غير معيب بأنه نفاق؛ لأنه لم يجعل الباطل حقاً على الحقيقة، ولا الحق باطل، وإن ما وصف محاسن شيء مرة، ثم وصف مساويه مرة أخرى: كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سأله عن الزبرقان بن بدر، فأثنى خيراً فقال: مانع بحوزته، مطاع في أنديته ويروى في أذينه فلم يرض الزبرقان بذلك، وقال: أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكن حسدني لشرفي وفي روايةٍ أخرى حسدني مكاني منك، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه عمرو شراً، وقال: أما لئن قال ما قال لقد علمته ضيق الصدر، زمر المروة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى، ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبت عليه في الأولى، وقد صدقت في الآخرة، ولكن أرضاني فقلت بالرضا، وأسخطني فقلت بالسخط، فقال رسول الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكأن المعنى والله أعلم أنه يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سحر السامعين بذلك.\rوقال الجاحظ: العربي يعاف البذاء، ويهجو به غيره، فإذا ابتلى به فخر به، ولكنه لا يفخر به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه.\rودخل أبو العيناء على المتوكل، فقال له: بلغني عنك بذاء، قال: إن يكن البذاء صفة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد زكي الله وذم فقال: \" نعم العبد إنه أواب \" وقال: \" هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم \" فذمه حتى قذفه، وأما أن أكون كالعقرب التي تلسع النبي والذمى فقد أعاد الله عبدك من ذلك، وقد قال الشاعر:\rإذا أنا بالمعروف لم أثن صادقاً ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما\rففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع وألفما؟\rقال الجاحظ: قال ثمامة بن أشرس: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون اللفظ يحيط بمعناك، ويخبر عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعين عليه بالكثرة، والذي لا بد منه أن يكون سليماً من التكلف، بعيداً من الصنعة، برياً من التعقيد، غنياً عن التأويل قال الجاحظ: وهذا هو تأويل قول الأصمعي: البليغ من طبق المفصل، وأغناك عن المفسر.\rقال أبو عبيدة: البليغ: البلغ، بفتح الباء، وقال غيره: البلغ: الذي يبلغ ما يريد من قول وفعل، والبلغ: الذي لا يبالي ما قال وما قيل فيه، كذلك قال أبو زيد، وحكى ابن دريد كلام بلغ وبليغ، وقال ابن الأعرابي: يقال بلغ وبلغ، ولا شك أن ابن الأعرابي قال: إنما هو في الأهوج الذي لا يبالي حيث وقع من القول.\rوقد تكرر في هذا الباب من أقاويل العلماء مالم يخف عني، ولا غفلته، لكن اغتفرت ذلك لاختلاف العبارات، ومدار هذا الباب كله على أن بلاغة وضع الكلام موضعه من طول أو إيجاز، مع حسن العبارة، ومن جيد ما حفظته قول بعضهم:","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"البلاغة شد الكلام معانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال.\rباب الإيجاز\rالإيجاز عند الرماني على ضربين: مطابق لفظه لمعناه: لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه، كقولك: \" سل أهل القرية \" ، ومنه ما فيه حذف للاستغناء عنه في ذلك الموضع، كقول الله عز وجل: \" واسأل القرية \" وعبر عن الإيجاز بأن قال: هو العبارة عن الغرض بأقل ما يمكن من الحروف، ونعم ما قال، إلا أن هذا الباب متسع جداً، ولكل نوع منه تسمية سماها أهل هذه الصناعة..\rفأما الضرب الأول مما ذكر أبو الحسن فهم يسمونه المساواة. ومن بعض ما أنشدوا في ذلك قول الشاعر:\rيا أيها المتحلي غير شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق\rولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلا أخو ثقة، فانظر بمن تثق\rفهذا شعر لا يزيد لفظه على معناه، ولا معناه على لفظه شيئاً.. ومثله قول أبى العتاهية ورواه بعضهم للحطيئة، وهذا شرف عظيم لأبي العتاهية إن كان الشعر له، ولا أشك فيه:\rالحمد لله إني في جوار فتى ... حامي الحقيقة نفاع وضرار\rلا يرفع الطرف إلا عند مكرمة ... من الحياء، ولا يغضي على عار\rوأنشد عبد الكريم في اعتدال الوزن:\rإنما الذلفاء همي ... فليدعني من يلوم\rأحسن الناس جميعاً ... حين تمشي وتقوم\rأصل الحبل لترضى ... وهي للحبل صروم\rثم قال: عندهم أنه ليس في هذا الشعر فضلة عن إقامة الوزن، وهذه الأبيات وأشكالها داخلة في باب حسن النظم عند غير عبد الكريم.\rوالضرب الثاني مما ذكر الرماني وهو قول الله عز وجل \" واسأل القرية \" يسمونه الاكتفاء، وهو داخل في باب المجاز؛ وفي الشعر القديم والمحدث منه كثير، يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب: من ذلك قول الله عز وجل: \" ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى \" كأنه قال: لكان هذا القرآن. ومثله قولهم: لو رأيت علياً بين الصفين، أي: لرأيت أمرا عظيماً، وإنما كان هذا معدوداً من أنواع البلاغة لأن نفس السامع تتسع في الظن والحساب، وكل معلوم فهو هين؛ لكونه محصوراً، وقال امرؤ القيس:\rفلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفساً\rكأنه قال: لهان الأمر، ولكنها نفس تموت موتات، ونحو هذا، ومن الحذف قول الله عز وجل: \" فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم \" أي: فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟. ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم قوله للمهاجرين وقد شكروا عنده الأنصار: \" أليس قد عرفتم ذلك لهم؟ \" قالوا: بلى، قال: \" فإن ذلك \" يريد فإن ذلك مكافأة لهم. وروى أبو عبيدة أن سفيان الثوري قال: جاء رجل من قريش إلى عمر بن عبد العزيز يكلمه في حاجة له، فجعل يحث بقرابته، فقال عمر: \" فإن ذلك \" ثم ذكر حاجته، فقال: \" لعل ذلك \" ..\rوقال الطرماح يوماً للفرزدق: يا أبا فراس، أنت القائل:\rإن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول\rأعز مما ذا وأطول مما ذا؟ وأذن المؤذن، فقال له الفرزدق: يا لكع ألا تسمع ما يقول المؤذن \" الله أكبر \" أكبر مما ذا أعظم مما ذا؟؟ فانقطع الطرماح انقطاعاً فاضحاً وزعم بعض العلماء أن معنى قول الفرزدق عزيز طويل، ولكنه بناه على أفعل مثل أبيض وأحمر وما شاكلها، فجعله لازماً لما في ذلك من الفخامة في اللفظ والاستظهار في المعنى.\rومن الإيجاز قول الأعرابي في صفة الذئب:\rأطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره\rفقوله في الشفرة والنار إيجاز مليح.\rوقال آخر في صفة سهم صادر: غادر داء ونجا صحيحاً وقال آخر في صفة ناقة: خرقاء إلا أنها صناع وقال أبو نواس يصف جنين ناقة مخدجاً: ميت النسا حي الشعر وقال ابن المعتز يصف بازياً: مبارك إذا رأى فقد رزق ومن الإيجاز البديع قول الله عز وجل: \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، واستوت على الجودي، وقيل: بعداً للقوم الظالمين \" وقله تعالى: \" خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين \" فكل كلمة من هذه الكلمات في مقام كلام كثير، وهي على ماترى من الإحكام والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى:","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"\" يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدو، فاحذرهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون \" وقوله تعالى: \" وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها \" وقوله: \" إن تتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس \" وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: \" إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع \" وقال: \" كفى بالسلامة داء \" ومثل هذا كثير في كلامه صلى الله عليه وسلم، ومن أولى منه بالفصاحة وأحق بالإيجاز؟ وقد فقال: \" أعطيت جوامع الكلم \" فأما قوله عليه الصلاة والسلام: \" كفى بالسيف شا \" يريد \" شاهداً فقد حكاه قوم من أصحاب الكتب: أحدهم عبد الكريم، والذي أرى أن هذا ليس مما ذكروا في شيء؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قطع الكلمة وأمسك عن تمامها لئلا تصير حكماً، ودليل ذلك أنه قال: \" لولا أن يتتابع فيه الغيران والسكران \" فهذا وجه الكلمة والله أعلم، لا كما قال علقمة بن عبدة:\rكأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم\rيريد \" بسبائب الكتان \" فحذف اضطراراً؛ لأن الوزن لا يستقيم له إلا بعد الحذف، وكذلك قول لبيد: درس المنا بمتالع قأبان يريد \" المنازل \" فحذف للضرورة أيضاً، و رسول الله صلى الله عليه وسلم غير متكلف ولا مضطر. فأما سائر العرب فالحذف في كلامهم كثير؛ لحب الاستخفاف، وتارة للضرورة، وسيرد عليك في باب الرخص، إن شاء الله تعالى.\rباب البيان\rقال أبو الحسن الرماني في البيان: هو إحضار المعنى للنفس بسرعة إدراك، وقيل ذلك لئلا يلتبس بالدلالة؛ لأنها إحضار المعنى للنفس وإن كان بإبطاء.\rوقال: البيان: الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عقلة، وإنما قيل ذلك لأنه قد يأتي التعقيد في الكلام الذي يدل، ولا يستحق اسم البيان.\rقال صاحب الكتاب: وقد مر بي في باب البلاغة قول غيلان بن خرشة في صفة نهر أم عبد الله مادحاً وذاماً، وهو من جيد البيان عندهم، وكذلك قول عمرو بن الأهتم في الزبرقان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إن من البيان لسحراً \" وقال مثل ذلك للعلاء بن الحصين وقد سأله: هل تروي من الشعر شيئاً؟ فأنشد:\rحي ذوى الأضغان تسب عقولهم ... تحيتك الحسنى وقد يرقع النعل\rفإن دحسوا بالكره فاعف تكرما ... وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل\rفإن الذي يؤذيك سماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إن من الشعر لحكماً \" وروى \" لحكمة \" .\rومن البيان الموجز الذي لا يقرن به شيء من الكلام قول الله تعالى: \" ولكم في القصاص حياة \" وقوله في الإعراب عن صفته: \" قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد \" فبين تعالى أنه واحد لا ثاني معه، وأنه صمد لا جوف له وقيل: الصمد السيد الذي يصمد إليه في الأمور كلها، ولا يعدل عنه، وقيل: العالي المرتفع وأنه غير والد ولا مولود، وأنه لا شبه له ولا مثل وقيل: إن الكفو ههنا الصاحبة تعالى الله وإنما نزلت هذه السورة لما سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: صف لنا ربك وانسبه فقد وصف نفسه في التوراة ونسبها، فأكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وقال: لو سألتموني أن أصف لكم الشمس لم أقدر على ذلك، فبينما هو كذلك إذ هبط عليه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد \" قل هو الله أحد \" السورة.\rومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم قوله صلى الله عليه وسلم: \" المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم \" و \" المرء كثير بأخيه \" فهذا كلام في نهاية البيان والإيجاز.\rوقال أبو بكر رضي الله عنه في بعض مقاماته: \" وليت أموركم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم \" فقد بلغ بهذه الألفاظ الموجزة غاية البيان.\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بعض خطبه: \" أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه \" وروى ذلك المبرد عن العتبي، وذكر الأخفش عن علي بن سليمان هذه الخطبة فقال: الصحيح عندي أنها لأبي بكر..","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"ومن كلام عمر رضي الله عنه: \" كفى بالمرء غياً أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئاً ثم يأتي مثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤذي جليسه فيما لا يعنيه \" .\rوكتب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب رحمة الله عليهما لما أحيط به \" أما بعد فإنه قد جاوز الماء الزبى، وبلغ الحزام الطبيين، وتجاوز الأمر بي قدره، وطمع في من لا يدفع عن نفسه.\rفإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق \"\rالبيت الذي قد تضمنته الرسالة من شعر الممزق العبدي، يقوله لعمرو بن هند في قصيدة مشهورة، وبه سمي الممزق، واسمه شاس بن نهار.\rوخاطب عثمان علياً يعاتبه وهو مطرق، فقال له: ما بالك لا تقول؟ فقال علي: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب، قال المبرد: تأويل ذلك: إن قلت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي، فلدغك عتابي، وعقدي ألا أفعل وإن كنت عاتباً إلا ما تحب.\rوهذا قليل من كثير يستدل به عليه، ولو تقصيت ما وقع من ألفاظ التابعين، وما تقدمت به شعراء الجاهلية والإسلام؛ لأفنيت العمر دون ذلك، وقد استفرغ أبو عثمان الجاحظ وهو علامة وقته الجهد وصنع كتاباً لا يبلغ جودة وفضلاً، ثم ما ادعى إحاطة بهذا الفن لكثرته وأن كلام الناس لا يحيط به إلا الله عز وجل.\rباب النظم\rقال أبو عثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً؛ فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.\rوإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذ سماعه، وخف محتمله، وقرب فهمه، وعذب النطق به، وحلي في فم سامعه، فإذا كان متنافراً متبايناً عسر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجته المسامع فلم يستقر فيها منه شيء.\rوأنشد الجاحظ قال: أنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف:\rوبعض قريض القوم أبناء علةٍ ... يكد لسان الناطق المتحفظ\rوأنشد عنه أبي البيداء الرياحي:\rوشعرٍ كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل\rواستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفته وسهولته، واللفظة كأنها حرف واحد، وأنشد قول الثقفي:\rمن كان ذ عضدٍ يدرك ظلامة ... إن الذليل الذي ليست له عضد\rتنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد\rوالناس مختلفو الرأي في مزاوجة الألفاظ: منهم من يجعل الكلمة وأختها، وأكثر ما يقع ذلك في ألفاظ الكتاب، وبه كان يقول البحتري في أكثر أشعاره، من ذلك قوله:\rتطيب بمسراها البلاد إذا سرت ... فيفغم رياها ويصفو نسيمها\rففي القسيم الآخر تناسب ظاهر.. وكذلك قوله:\rضاق صدري بما أج ... ن وقلبي بما أجد\rوقوله أيضاً في مدح المتوكل:\rلقد اصطفى رب السما ... ء له الخلائق والشيم\rومنهم من يقابل لفظتين بلفظتين، ويقع في الكلام حينئذ تفرقة وقلة تكلف: فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض كلامه \" أين من سعى واجتهد، وجمع وعدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد \" فأتبع كل لفظة ما يشاكلها، وقرنها بما يشبهها. ومن الفرق المنفصل قول امرئ القيس:\rكأني لم أركب جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال\rولم أسبإ الزق الروي، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال\rوكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغدادي يعرف بالمنتخب، ولا يكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدثين، ولا يذكر شعر بحضرته إلا عابه، وظهر على صاحبه بالحجة الواضحة، فأنشد يوماً هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد، لو قال:\rكأني لم أركب جواداً، ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال\rولم أسبإ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال\rلكان قد جمع بين الشيء وشكله؛ فذكر الجواد والكر في بيت، وذكر النساء والخمر في بيت، فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة، وسلموا له ما قال، فقال رجل ممن حضر: ولا كرامة لهذا الرأي، والله أصدق منك حيث يقول:","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"\" إن لا ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى \" فأتى بالجوع مع العري ولم يأت به مع الظمأ، فسر سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة.\rقال صاحب الكتاب: قول امرئ القيس أصوب، ومعناه أعر وأغرب؛ لأن اللذة التي ذكرها إنما هي الصيد، هكذا قال العلماء، ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء: فجمع في البيت معنيين، ولو نظمه على ما قال المعترض لنقص فائدة عظيمة، وفضيلة شريفة تدل على السلطان، وكذلك البيت الثاني: لو نظمه على ما قال لكان ذكر اللذة حشواً لا فائدة فيه؛ لأن الزق لا يسبأ إلا للذة، فإن جعل الفتوة كما جعلناها فيما تقدم الصيد قلنا: في ذكر الزق الروي كفاية ولكن امرأ القيس وصف نفسه بالفتوة والشجاعة بعد أن وصفها بالتملك والرفاهة.\rوأما احتجاج الآخر بقول الله عز وجل فليس من هذا في شيء؛ لأنه أجرى الخطاب على مستعمل العادة، وفيه مع ذلك تناسب؛ لأن العادة أن يقال: جائع عريان، ولم يستعمل في هذا الموضع عطشان ولا ظمآن، وقوله تعالى: \" تظمأ \" و \" تضحى \" متناسب؛ لأن الضاحي هو الذي لا يستره شيء عن الشمس، والظمأ من شأن من كانت هذه حاله.\rوقال الجاحظ: في القرآن معان لا تكاد تفترق، من مثل: الصلاة والزكاة، والخوف والجوع، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس، والسمع والبصر.\rومن الشعراء من يضع كل لفظة موضعها لا يعدوه؛ فيكون كلامه ظاهراً غير مشكل، وسهلاً غير متكلف، ومنهم من يقدم ويؤخر: إما لضرورة وزن، أو قافية وهو أعذر، وإما ليدل على أنه يعلم تصريف الكلام، ويقدر على تعقيده، وهذا هو العي بعينه، وكذلك استعمال الغرائب والشذوذ التي يقل مثلها في الكلام، فقد عيب على من لا تعلق به التهمة نحو قول الفرزدق:\rعلى حالة لو أن في البحر حاتماً ... على جوده ما جاد بالماء حاتم\rفخفض حاتماً على البدل من الهاء التي في \" جوده \" حتى رأى قوم من العلماء أن الإقواء في هذا الموضع خير من سلامة الإعراب مع الكلفة، وكذلك قوله:\rنفلق هاماً لم تنله أكفنا ... بأسيافنا هام الملوك القماقم\rأراد: نفلق بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم نبه وقرر فقال: هاماً لم تنله أكفنا، يريد أي قوم لم نملكهم ونقهرهم، وهذا عند الصدور المذكورين بالعلم تكلف وتعمل، لا تعرفه العرب المطبوعون، وكذلك:\rإن الفرزدق صخرة عادية ... طالت فليس تنالها الأوعالا\rنصب الأوعال بطالت، ويروي \" عزت \" . وأكثر شعر أبي الطيب من هذه العلامة، ومما لا بأس به قول الخنساء:\rفنعم الفتى في غداة الهياج ... إذا ما الرماح نجيعاً روينا\rفقدمت \" نجيعاً \" على \" روينا \" مبادرة للخبر بالري من أي شيء هو، وكذلك قول أبي السفاح بكير بن معدان اليربوعي:\rنهنهته عنك فلم ينهه ... بالسيف إلا جلدات وجاع\rأراد نهنهته عنك بالسيف، أو أراد فلم ينهه إلا جلدات وجاع بالسيف، وكلاهما فيه تقديم وتأخير.\rورأيت من علماء بلدنا من لا يحكم للشاعر بالتقدم، ولا يقضى له بالعلم، إلا أن يكون في شعره التقديم والتأخير، وأنا أستثقل ذلك من جهة ما قدمت، وأكثر ما تجده في أشعار النحويين.\rومن الشعر ما تتقارب حروفه أو تتكرر فتثقل على اللسان، نحو قول ابن بشر:\rلم يضرها والحمد لله شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول\rفإن القسيم الآخر من هذا البيت ثقيل؛ لقرب الحاء من العين، وقرب الزاي من السين.\rوقال آخر:\rوقبر حرب في مكان قفرٍ ... وليس قرب قبر حرب قبر\rفتكررت الألفاظ، وترددت الحروف، حتى صار ألقية يختبر به الناس، ولا يقدر أحد أن ينشده ثلاث مرات إلا عثر لسشانه فيه وغلط.\rوقال كعب بن زهير:\rتجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول\rفجمع بين الضاد والذال والظاء، وهي متقاربة متشاكلة.\rومن حسن النظم أن يكون الكلام غير مثبج، والتثبيج: جنس من المعاظلة ترد في بابها إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"ومن الناس من يستحسن الشعر مبنياً بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائماً بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما نعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد، ولم أستحن الأول على أن فيه بعداً وتنافراً، إلا أنه إن كان كذلك فهو الذي كرهت من التثبيح.\rباب المخترع والبديع\rالمخترع من الشعر هو: ما لم يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ القيس:\rسموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال\rفإنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشعراء إليه، فلم ينازعه أحد إياه، وقوله:\rكأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي\rوله اختراعات كثيرة يضيق عنها الموضع، وهو أول الناس اختراعاً في الشعر، وأكثرهم توليداً.\rومن الاختراع قول طرفة:\rولولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي\rفمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد\rوكري إذا نادى المضاف محنباً ... كسيد الغضاذي الطخية المتورد\rوتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنةٍ تحت الطراف المعمد\rوقوله يصف السفينة في جريها:\rيشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفائل باليد\rوله أيضاً اختراعات أكثرها من هذه القصيدة. وقال نابغة بني ذبيان:\rسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\rوقوله أيضاً من الاختراعات:\rلو أنها عرضت لأشمط راهبٍ ... عبد الإله صرورةٍ متعبد\rلرنا لرؤيتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشد\rوما زالت الشعراء تخترع إلى عصرنا هذا وتولد، غير أن ذلك قليل في الوقت والتوليد: أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة؛ فلذلك يسمى التوليد، وليس باختراع؛ لما فيه من الاقتداء بغيره، ولا يقال له أيضاً سرقة إذا كان ليس آخذاً على وجهه، مثال ذلك قول امرئ القيس:\rسموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال\rفقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة،، وقيل: وضاح اليمن:\rفاسقط علينا كسقوط النوى ... ليلة لا ناهٍ ولا زاجر\rفولد معنى مليحاً اقتدى فيه بمعنى امرئ القيس دون أن يشركه في شيء من لفظه، أو ينحو نحوه إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفية.\rوأما الذي فيه زيادة فكقول جرير يصف الخيل:\rيخرجن من مستطير النقع داميةً ... كأن آذانها أطراف أقلام\rفقال عدي بن الرقاع يصف قرن الغزال:\rتزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها\rفولد بعد ذكر القلم إصابته مداد الدواة بما يقتضيه المعنى؛ إذ كان القرن أسود. وقال العماني الراجز بين يدي الرشيد يصف الفرس:\rتخال أذنيه إذا تشوفا ... قادمةً أو قلما محرفا\rفولد ذكر التحريف في القلم، وهو زيادة صفة.\rومن التوليد قول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:\rلكل قبيلة ثبج وصلب ... وأنت الرأس أول كل هاد\rفقال نصيب لمولاه عمر بن عبد العزيز:\rفأنت رأس قريش وابن سيدها ... والرأس فيه يكون السمع والبصر\rفولد هذا الشرح وإن كان مجملاً في قول أمية بن أبي الصلت... ثم أتى علي بن جبلة فقال يمدح حميد بن الحميد:\rفالناس جسم، وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الرأس\rفأوقع ذكر العين على مشبه معين، ولم يفعل نصيب كذلك، لكن أتى بالسمع والبصر على جهة التعظيم؛ لأن من ولد عمر ولي عهد، ففي قول علي بن جبلة زيادة.. وجاء ابن الرومي فقال:\rعين الأمير هي الوزي ... ر، وأنت ناظرها البصير\rفرتب أيضاً ترتيباً فيه زيادة، فهذا مجرى القول في التوليد.\rوأكثر المولدين اختراعاً وتوليداً فيما يقول الحذاق أبو تمام، وابن الرومي.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"والفرق بين الاختراع والإبداع وإن كان معناهما في العربية واحداً أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يسبق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى والإبداع للفظ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق.\rواشتقاق الاختراع من التليين يقال: \" بيت خرع \" إذا كان ليناً، والخروع فعول منه، فكأن الشاعر سهل طريقة هذا المعنى ولينه حتى أبرزه.\rوأما البديع فهو الجديد، وأصله في الحبال، وذلك أن يفتل جديداً ليس من قوى حبل نقضت ثم فتلت فتلاً آخر. وأنشدوا للشماخ بن ضرار:\rأطار عقيقه عنه نسالا ... وأدمج دمج ذي شطر بديع\rوالبديع ضروب كثيرة، وأنواع مختلفة، أنا أذكر منها ما وسعته القدرة وساعدت فيه الفكرة، إن شاء الله تعالى، على أن ابن المعتز وهو من جمع البديع، وألف فيه كتاباً لم يعده إلا خمسة أبواب: الاستعارة أولها، ثم التجنيس، ثم المطابقة، ثم رد الأعجاز على الصدور، ثم المذهب الكلامي، وعد ما سوى هذه الخمسة أنواع محاسن، وأباح أن يسميها من شاء ذلك بديعاً، وخالفه من بعده في أشياء منها يقع التنبيه عليها والاختيار فيها حيثما وقعت من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.\rباب المجاز\rالعرب كثيراً ما تستعمل المجاز، وتعده من مفاخر كلامها؛ فإنه دليل الفصاحة، ورأس البلاغة، وبه بانت لغتها عن سائر اللغات.\rومعنى المجاز طريق القول ومأخذه، وهو مصدر جزت مجازاً كما تقول \" قمت مقاماً \" ، وقلت مقالاً \" حكى ذلك الحاتمي، ومن كلام عبد الله بن مسلم بن قتيبة في المجاز قال: لو كان المجاز كذباً لكان أكثر كلامنا باطلاً؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، ونقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا، والفعل لم يكن وإنما يكون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله قبل كل شيء، وقال في قول الله عز وجل: \" فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه \" لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار؟ لم يجد بداً من أن يقول: يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، فإن فعل فقد جعله فاعلاً، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة العجم إلا بمثل هذه الألفاظ.\rوالمجاز في كثير من الكلام أبلغ من الحقيقة، وأحسن موقعاً في القلوب والأسماع، وما عدا الحقائق من جميع الألفاظ ثم لم يكن محالاً محضاً فهو مجاز؛ لاحتماله وجوه التأويل، فصار التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت المجاز، إلا أنهم خصوا به أعني اسم المجاز باباً بعينه؛ وذلك أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه سبب، كما قال جرير ابن عطية:\rإذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا\rأراد المطر لقربه من السماء، ويجوز أن تريد بالسماء السحاب؛ لأن كل ما أظلك فهو سماء، وقال \" سقط \" يريد سقوط المطر الذي فيه، وقال \" رعيناه \" والمطر لا يرعى، ولكن أراد النبت الذي يكون عنه؛ فهذا كله مجاز، وكذلك قول العتابي:\rيا ليلة لي بجوارين ساهرةً ... حتى تكلم في الصبح العصافير\rفجعل الليلة ساهرة على المجاز، وإنما يسهر فيها، وجعل للعصافير كلاماً، ولا كلام لها على الحقيقة. ومثله قول الله عز وجل إخباراً عن سليمان صلى الله على سيدنا محمد وعليه: \" يا أيها الناس علمنا منطق الطير \" وإنما الحيوان الناطق الإنس والجن والملائكة، فأما الطير فلا، ولكنه مجاز مليح واتساع، وهذا أكثر من أن يحصره أحد، ومثله في كتاب الله عز وجل كثير، من ذلك قوله تعالى: \" واسأل القرية \" ومثله \" وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم \" يعني حبه، ومنه: \" فتبارك الله أحسن الخالقين \" وهو الخالق حقاً وغيره خالق مجازاً، وقوله: والله خير الماكرين وإنما سمي ذلك مكراً لكونه مجازاة عن مكر، وكذلك قوله: \" فبشرهم بعذاب أليم \" والعذاب لا يبشر به، وإنما هو أنه مكان البشارة.\rومن أناشيد هذا الباب قول الفرزدق:\rوالشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار\rوقال يعقوب بن السكيت: العرب تقول:","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"بأرض بني فلان شجر قد صاح؛ إذا طال، وأنشدوا للعجاج: كالكرم إذ نادى من الكافور قال ابن قتيبة: لما تبين الشجر بطوله ودل على نفسه جعله كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته. وأنشد غيره قول سويد بن كراع في نحو هذا:\rرعى غير مذعور بهن، وراقه ... لعاع تهاداه الدكادك واعد\rيقال: نبات واعد، إذا أقبل كأنه قد وعد بالتمام، وكذلك إذا نور أيضاً قيل: قد وعد. ومن المجاز عندهم قول الشاعر وغيره: فعلت ذاك والزمان غر، والزمان غلام، وما أشبه ذلك، وهو يريد نفسه ليس الزمان، ولا أرى ذلك مستقيماً بل عندي الصواب ونفس الاستعارة أن يبقى الكلام على ظاهره مجازاً؛ لأنا نجد في هذا النوع ما لا ينساغ فيه التأويل، كقول بعضهم:\rسألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل\rفليس معناه شربت وأكلت عليهم؛ لأنه إنما يعني بعد العهد لا السلو وقلة الوفاء. وقال أبو الطيب:\rأفنت مودتها الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد\rفإنما أراد الدهر حقيقة. وقال الصنوبري:\rكان عيشي بهم أنيقاً فولى ... وزماني فيهم غلاماً فشاخا\rفليس مراده كنت فيهم غلاماً فشخت، ولكل موضع ما يليق به من الكلام ويصح فيه من المعنى.\rوأما كون التشبيه داخلاً تحت المجاز فلأن المتشابهين في أكثر الأشياء إنما يتشابهان بالمقاربة على المسامحة والإصلاح، لا على الحقيقة، وهذا يبين في بابه إن شاء الله تعالى.\rوكذلك الكناية في مثل قوله عز وجل إخبارا عن عيسى ومريم عليهما السلام: \" كانا يأكلان الطعام \" كناية عما يكون عنه من حاجة الإنسان، وقوله تعالى حكاية عن آدم وحواء صلى الله عليهما: \" فلما تغشاها \" كناية عن الجماع، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" العين وكاء السه \" وقوله لحادٍ كان يحدو به \" إياك والقوارير \" كناية عن النساء لضعف عزائمهن، إلى أكثر من هذا.\rباب الاستعارة\rالاستعارة أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حلي الشعر أعجب منها، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها، ونزلت موضعها، والناس مختلفون فيها: منهم من يستعير للشيء ما ليس منه ولا إليه، كقول لبيد:\rوغداة ريح قد وزعت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها\rفاستعار للفجر ملاءة، وأخرج لفظة مخرج التشبيه.. وكان أبو عمرو بن العلاء لا يرى أن لأحد مثل هذه العبارة، ويقول: ألا ترى كيف صير له ملاءة، ولا ملاءة له، إنما استعار له هذه اللفظة؟ وبعض المتعقبين يرى ما كان من نوع بيت ذي الرمة ناقص الاستعارة؛ إذ كان محمولاً على التشبيه، ويفضل عليه ما كان من نوع بيت لبيد، وهذا عندي خطأ؛ لأنهم إنما يستحسنون الاستعارة القريبة، وعلى ذلك مضى جلة العلماء، وبه أتت النصوص عنهم، وإذا استعير للشيء ما يقرب منه ويليق به كان أولى مما ليس منه في شيء، ولو كان البعيد أحسن استعارة من القريب لما استهجنوا قول أبي نواس:\rبح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح\rفأي شيء أبعد استعارة من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح مع ما أن له صوتاً حين يوزن أو يوضع؟ ولم يرده أبو نواس فيما أقدر؛ لأن معناه لا يتركب على لفظه إلا بعيداً، وكذلك قول بشار:\rوجدت رقاب الوصل أسياف هجرها ... وقدت لرجل البين نعلين من خدي\rفما أهجن \" رجل البين \" وأقبح استعارتها!! ولو كانت الفصاحة بأسرها فيها، وكذلك \" رقاب الوصل: ولا مثل قول ابن المعتز وهو أنقد النقاد:\rكل وقت يبول زب السحاب\rفهذا أردأ من كل رديء، وأمقت من كل مقيت.\rقال القاضي الجرجاني: الاستعارة ما اكتفى فيها بالاسم المستعار عن الأصلي، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها بقرب التشبيه، ومناسبة المستعار للمستعار له، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر.\rوقال قوم آخرون منهم أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: خير الاستعارة ما بعد، وعلم في أول وهلة أنه مستعار، فلم يدخله لبس، وعاب على أبي الطيب قوله:\rوقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل\rإذ كانت الخيل لها عيون في الحقيقة، ورجح عليه قول أبي تمام:","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"ساس الأمور سياسة ابن تجارب ... رمقته عين الملك وهو جنين\rإذ كان الملك لا عين له في الحقيقة.\rوقال أبو الفتح عثمان بن جني: الاستعارة لا تكون إلا للمبالغة، وإلا فهي حقيقة، قاله في شرح بيت أبي الطيب:\rفتىً يملأ الأفعال رأياً وحكمةً ... وبادرةً أحيان يرضى ويغضب\rوكلام ابن جني أيضاً حسن في موضعه؛ لأن الشيء إذا أعطى وصف نفسه لم يسم استعارة، فإذا أعطى وصف غيره سمي استعارة، إلا أنه لا يجب للشاعر أن يبعد الاستعارة جداً حتى ينافر، ولا يقربها كثيراً حتى يحقق، ولكن خير الأمور أوساطها.. قال كثير يمدح عمر بن عبد العزيز واستعار حتى حقق:\rوقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... وأبدت لك الدنيا بكف ومعصم\rوترمق أحياناً بعينٍ مريضةٍ ... وتبسم عن مثل الجمان المنظم\rوحسبك أنه وصف العين التي استعار بالمرض، وشبه المبسم بالجمان، وهذا إفراط غير جيد ههنا.\rقال أبو الحسن الرماني: الاستعارة استعمال العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة، وذكر قول الحجاج \" إني أرى رءوساً قد أينعت وحان قطافها \" .\rوقد يأتي القدماء من الاستعارات بأشياء يتجنبها المحدثون، ويستهجنونها، ويعافون أمثالها ظرفاً ولطافة، وإن لم تكن فاسدة ولا مستحيلة؛ فمنها قول امرئ القيس:\rوهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر\rفكان لفظة هر استعارة الصيد معها مضحكة هجينة، ولو أن أباه حجراً من فارات بيته ما أسف على إفلاته منها هذا الأسف، وأين هذه الاستعارة من استعارة زهير حين قال يمدح:\rليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا\rلا على أن امرأ القيس أتى بالخطأ على جبهته، ولكن للكلام قرائن تحسنه، وقرائن تقبحه، كذكر الصيد في هذين البيتين.\rولعل معترضاً يقول: العرب لا تعرف إلا الحقائق، ولا تلتفت إلى كلام السفلة، فقد قدمت هذا في أول كلامي، وعرفت أنه لا يلزم، ولكن يرغب عنه في الواجب، ألا ترى أن بعض الوزراء وقيل: بل هو المأمون غير المسلحة واستهجنها لما فيها فقال: قولوا المصلحة، وليس ذلك لعلة إلا موافقة كلام السفلة.\rوقال الرماني: الاستعارة الحسنة ما أوجب بلاغة، ببيان لا تنوب منابه الحقيقة، كقول امرئ القيس: قيد الأوابد واسترذل قول بعض المولدين: اسفري لي النقاب يا ضرة الشمس بأن قال: أتراه ظن أن الضرة لا تكون إلا حسنة؟! وإلا فأي وجه لاختياره هذه الاستعارة.\rومثل قول امرئ القيس المتقدم ذكره في القبح قول مسلم بن الوليد:\rوليلةٍ خلست للعين من سنةٍ ... هتكت فيها الصبا عن بيضة الحجل\rفاستعار للحجل يعني الكلل بيضة، كما استعارها امرؤ القيس للخدر في قوله: وبيضة خدر لا يرام خباؤها وكلاهما يعني المرأة، فاتفق لمسلم سوء الاشتراك في اللفظ؛ لأن بيضة الحجل من الطير تشاركها، وهي لعمري حسنة المنظر كما عرفت.. وقال في موضع آخر:\rرمت السلو وناجاني الضمير به ... فاستعطفتني على بيضاتها الحجل\rفما الذي أعجبه من هذه الاستعارة قبحها الله!!؟ ولو قال \" الكلل \" لتخلص وأبدع فكان تبعاً لامرئ القيس في جودة هذه الاستعارة..\rوقال حبيب على بصره بهذا النوع: والله مفتاح باب المعقل الأشب فجعل الله تعالى اسمه مفتاحاً، وأي طائل في هذه الاستعارة مع ما فيها من البشاعة والشناعة!!؟ وإن كنا نعلم أنما أراد أمر الله وقضاءه.\rواعترض بعض الناس على قول أبي تمام:\rوللجود باب في الأنام ولم تزل ... مذ كنت مفتاحاً لذاك الباب\rبحضرة بعض أصحابنا، وقال: أتى إلى ممدوحه فجعله مفتاحاً، فهلا قال كما قال ابن الرومي:\rقبل أنامله فلسن أناملا ... لكنهن مفاتح الأرزاق\rفقال له الآخر: عجبت منك تعيب أن يجعل ممدوحه مفتاحاً وقد جعل ربه كذلك، وأنشد البيت المتقدم عجزه.\rوقال في ممدوح ذكر أنه يعطيه مرة ويشفع له أخرى إلى أن يعطيه:\rفإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا\rفجعله مرة حبلاً ومرة بئراً.. وقال الآخر هو أبو تمام:\rضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"فلعنة الله على المحراث ههنا، ما أقبحه وأركه!!! وأين هذا كله من قوله المليح البديع:\rأو ما رأت بردى من نسج الصبا ... ورأت خضاب الله وهو خضابي\rوإن كان إنما أخذه من قول الله عز وجل: \" صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة \" قالوا: يريد الختان، وقيل: الفطرة.\rوالاستعارة إنما هي من اتساعهم في الكلام اقتداراً ودالة، ليس ضرورة؛ لأن ألفاظ العرب أكثر من معانيهم، وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم، فإنما استعاروا مجازاً واتساعاً. ألا ترى أن للشيء عندهم أسماء كثيرة وهو يستعيرون له مع ذلك؟ على أنا نجد أيضا اللفظة الواحدة يعبر بها عن معان كثيرة، نحو \" العين \" التي تكون جارحة، وتكون الماء، وتكون الميزان، وتكون المطر الدائم الغزير، وتكون نفس الشيء وذاته، وتكون الدينار، وما أشبه ذلك كثير، وليس هذا من ضيق اللفظ عليهم، ولكنه مع الرغبة في الاختصار، والثقة بفهم بعضهم عن بعض. ألا ترى أن كل واحد من هذه التي ذكرنا له اسم غير العين أو أسماء كثيرة؟ ومما اختاره ابن الأعرابي وغيره قول أرطاة بن سهية:\rفقلت لها يا أم بيضاء إنني ... هريق شبابي واستشن أديمي\rفقال هريق شبابي لما في الشباب من الرونق والطراوة التي هي كالماء، ثم قال استشن أديمي لأن الشن هو القربة اليابسة؛ فكأن أديمه صار شناً لما هريق ماء شبابه؛ فصحت له الاستعارة من كل وجه ولم تبعد.\rومثل ذلك في الجودة ما اختاره ثعلب وفضله جماعة مما قبله، وهو قول طفيل الغنوي:\rفوضعت رحلي فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل\rفجعل شحم سنامها قوتاً للرحل، وهذه استعارة كما تراها كأنها الحقيقة لتمكنها وقربها، وقد تناولها جماعة منهم كلثوم بن عمرو العتابي: قال في قصيدة يعتذر فيها إلى الرشيد:\rومن فوق أكوار المهاري لبانة ... أحل لها أكل الذرى والغوارب\rثم أتى أبو تمام وعول على العتابي وزاد المعنى زيادة لطيفة بينة فقال:\rوقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصاحت لها أشباحهم كالغوارب\rوكان ابن المعتز يفضل ذا الرمة كثيراً، ويقدمه بحسن الاستعارة والتشبيه، لا سيما بقوله:\rفلما رأيت الليل والشمس حية ... حياة الذي يقضي حشاشه نازع\rلأن قوله والشمس حية من بديع الكلام والاستعارة، وباقي البيت من عجيب التشبيه. واختار الحاتمي في باب الاستعارة في وصف سحائب وأظنه لابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد من بني مرة، وميادة أمه:\rإذا ما هبطنا القاع قد مات بقله ... بكينا به حتى يعيش هشيم\rورواه قوم لأبي كبير، وابن ميادة أولى به وأشبه.\rوالاستعارة كثيرة في كتاب الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم: من ذلك قوله تعالى: \" لما طغى الماء \" وقوله: \" فلما سكت عن موسى الغضب \" وقوله: \" وسمعوا لها شهيقاً وهي تفور، تكاد تميز من الغيظ \" ، فالشهيق والغيظ استعارتان، وقوله تعالى: \" يا أرض ابلغي ماءك \" وكثير من هذا لو تقصى لطال جداً. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" الدنيا حلوة خضرة \" وقوله لحالب حلب ناقة: \" دع داعي اللبن \" يعني بقية من اللبن في الحلب، وقوله: \" تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة \" . قال أبو عبيد: يريد أنها منها خلقهم، ومنها معادهم وهي بعد الموت: كفاتهم وقوله: \" رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي \" فغسل الحوبة استعارة مليحة.\rومن أناشيد هذا الباب وهو فيما زعم ابن وكيع استعارة وقعت قول امرئ القيس يصف الليل:\rوليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\rفقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rفاستعار لليل سدولاً يرخيها، وهو الستور، وصلباً يتمطى به، وأعجازاً يردفها، وكلكلاً ينوء به، وقال حسان بن ثابت يذكر قتلة عثمان رحمة الله عليه:\rضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا\rفالاستعارة قوله عنوان السجود به وقد أخذه من قول الله تعالى: \" سيماهم في وجوههم من أثر السجود \" وقال جميل العذري:\rأكلما بان حي لا تلائمهم ... ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا\rعلقتني بهوى منهم، فقد جعلت ... من الفراق حصاة القلب تنصدع","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"البديع \" حصاة القلب \" . ومن كلام المولدين قول أبي التواس:\rبصحن خد لم يغض ماؤه ... ولم تخضعه أعين الناس\rالبديع كل البديع عجز البيت. وقال أيضاً:\rفإذا بدا اقتادت محاسنه ... قسراً إليه أعنة الحدق\rالبديع \" أعنة الحدق \" وقوله: \" اقتادت \" . وقال أبو الطيب:\rضممت جناحيهم على القلب ضمة ... تموت الخوافي تحتها والقوادم\rأراد بالجناحين ميمنة العسكر وميسرته، وبالقلب موضع الملك، والخوافي والقوادم السيوف والرماح، وهذا تصنيع بديع، كله حسن الاستعارات.. وقال:\rصدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه شمم\rوهذا كالأول جودة.. وقال السري والموصلي:\rيشق جيوب الورد في شجراته ... نسيم متى ينظر إلى الماء يبرد\rفالبديع قوله: \" متى ينظر \" .\rباب التمثيل\rومن ضروب الاستعارة التمثيل، وهو الممائلة عند بعضهم، وذلك أن تمثل شيئاً بشيء فيه إشارة، نحو قول امرؤ القيس وهو أول من ابتكره، ولم يأت أملح منه:\rوما ذرفت عيناك إلا لتقذحي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل\rفمثل عينيها بسهمي الميسر يعني المعلى، وله سبعة أنصباء، والرقيب، وله ثلاثة أنصباء فصار جميع أعشار قلبه للسهمين الذين مثل بهما عينيها، ومثل قلبه بأعشار الجزور؛ فتمت له جهات الاستعارة والتمثيل.\rوقال حريث بن زيد الخيل:\rأبانا بقتلانا من القوم عصبة ... كراماً، ولم نأكل بهم حشف النخل\rفمثل خساس الناس بحشف النخل، ويجوز أن يريد أخذ الدية فيكون حينئذ حذقاً أو إشارة.. وقال الأخطل لنابغة بني جعدة:\rلقد جاز أبو ليلى بقحم ... ومنتكث عن التقريب وان\rإذا هبط الخبار كبا لفيه ... وخر على الجحافل والجران\rوإنما عيره بالكبر، وإنما هو شاب حديث السن.. وقال بعض الرواة: إنما تهاجيا في مسابقة فرسين، وهو غلط عند الحذاق.\rومن التمثيل أيضاً قوله:\rفنحن أخ لم تلق في الناس مثلنا ... أخاً حين شاب الدهر وابيض حاجبه\rومعنى التمثيل اختصار قولك مثل كذا وكذا كذا وكذا...\rوقال أبو خراش في قصيدة رثى بها زهير بن عجردة، وقد قتله جميل بن معمر يوم حنين مأسوراً:\rفليس كعهد الدار يا أم مالكٍ ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل\rيقول: نحن من عهد الإسلام في مثل السلاسل، وإلا فكنا نقتل قاتله، وهو من قول الله عز وجل في بني إسرائيل \" ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم \" يريد بذلك الفرائض المانعة لهم من أشياء رخص فيها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى نحو ذلك ذهب عمرو بن معدي كرب حين خفقه عمر رضي الله عنه بالدرة، فقال له: الحمى أضرعتني لك، يعني الدين، وإن كان مثل قديماً إنما هو الحمى أضرعتني للنوم.\rومن جيد التمثيل قول ضباعة بنت قرط ترثي زوجها هشام بن المغيرة المخزومي:\rإن أبا عثمان لم أنسه ... وإن صمتاً عن بكاه لحوب\rتفاقدوا من معشر! ما لهم ... أي ذنوب صوبوا في القليب؟\rومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في التمثيل قوله: \" الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة \" وقوله: \" ظهر المؤمن مشجبه، وخزانته بطنه، وراحلته رجله، وذخيرته ربه \" وقوله: \" المؤمن في الدنيا ضيف، وما في يديه عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة، ونعم الصهر القبر \" .\rومن مليح أناشيد التمثيل قول ابن مقبل:\rإني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي وإن كنا على سفر\rفقوله أقيد بالمأثور تمثيل بديع، والمأثور هو السيف الذي فيه أثر، وهو الفرند، وقوله ولا أبالي حشو مليح، أفاد مبالغة عجيبة، وقوله إن كنا على سفر زيادة في المبالغة، وهذا النوع يسمى إيغالاً، وبعضهم يسميه التبليغ، وهو يرد في مكانه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.\rومما اختاره عبد الكريم وقدمه قول ابن أبي ربيعة:\rأيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان!!؟\rهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"يعني الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت نهاية في الحسن والكمال، وسهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وكان غاية في القبح والدمامة. فمثل بينهما وبين سمييهما، ولم يرد إلا بعد ما بينهما وتفاوته خاصة، لا أن سهيلاً اليماني قبيح ولا دميم، ولا أدري هل هذا الرأي موافق لرأي عبد الكريم أم لا؟ وحسبك أن الشاعر لم ينكر إلا التقاءهما.\rوقال أبو الطيب وذكر نزاراً:\rفأقرحت المقاود ذفرييها ... وصعر خدها هذا العذار\rووصف رمحاً فقال، وهو مليح متمكن جداً:\rيغادر كل ملتفت إليه ... ولبته لثعلبه وجار\rوقال يخاطب سيف الدولة:\rبنو كعب وما أثرت فيهم ... يد لم يدمها إلا السوار\rبها من قطعها ألم ونقص ... وفيها من جلالتها افتخار\rوالتمثيل والاستعارة من التشبيه، إلا أنهما بغير أداته، وعلى غير أسلوبه، والمثل المضروب في الشعر نحو قول طرفة:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rراجع إلى ما ذكرته؛ لأن معناه ستبدي لك الأيام كما أبدت لغيرك ويأتيك بالأخبار من لم تزود كما جرت عادة الزمان.. وتسمية المثل دالة على ما قلته؛ لأن المثل والمثل والشبيه والنظير، وقيل: إنما سمي مثلاً لأنه مائل لخاطر الإنسان أبداً، يتأسى به، ويعظ ويأمر ويزجر، والماثل: الشاخص المنتصب، من قولهم \" طلل ماثل \" أي: شاخص، فإذا قيل \" رسم مائل \" فهو الدارس، والماثل من الأضداد.. وقال مجاهد في قول الله عز وجل \" وقد خلت من قبلهم المثلات \" : هي الأمثال. وقال قتادة: هي العقوبات. وقال قوم: إنما معنى المثل المثال الذي يحذى عليه، كأنه جعله مقياساً لغيره، وهو راجع إلى ما قدمت. وقال بعضهم: في المثل ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وقد يكون المثل بمعنى الصفة، من ذلك قول الله تعالى: \" مثل الجنة التي وعد المتقون \" أي: صفة الجنة، وقوله: \" وله المثل الأعلى في السموات والأرض \" أي: الصفة العليا، وهي قولنا \" لا إله إلا الله \" وقوله تعالى: \" ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه \" أي: صفتهم.\rباب المثل السائر\rالمثل السائر في كلام العرب كثير نظماً ونثراً، وأفضله أوجزه، وأحكمه أصدقه، وقولهم \" مثل شرود وشارد \" أي سائر لا يرد كالجمل الصعب الشارد الذي لا يكاد يعرض له ولا يرد. وزعم قوم أن الشرود ما لم يكن له نظير كالشاذ والنادر، فأما قول أبي تمام وكان إمام الصنعة ورئيسها:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس\rحين عيب عليه قوله في ابن المعتصم:\rإقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rفإنه يشهد للقول الأول؛ لأن المثل بعمرو وحاتم مضروب قديماً، وليس بمثل لا نظير له كما زعم الآخر.\rوقد تأتي الأمثال الطوال محكمة إذا تولاها الفصحاء من الناس، فأما ما كان منها في القرآن فقد ضمن الإعجاز، قال الله عز وجل: \" كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت \" وقال: \" ومثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث \" وقال: \" كمثل الحمار يحمل أسفاراً \" فهذه أمثال قصار.. وقال: \" إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها \" ومن الأمثال الطوال قوله تعالى: \" ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط \" الآية \" وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون \" الآية \" ومريم ابنة عمران \" الآية، وقال: \" فمثله كمثل صفوانٍ عليه تراب \" الآية، وقال: \" والذين كفروا بربهم أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً \" الآية، ثم قال: \" أو كظلمات في بحر لجى \" الآية.. ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الأمثال قوله: \" كل الصيد في جوف الفرا \" قاله لأبي سفيان بن حرب حين أسلم، وقوله: \" مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تميلها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية على الأرض حتى يكون انجعافها مرة \" وقوله حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: \" وإن مما تنبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم \" وقوله: \" وإياكم وخضر الدمن \" قيل: وما خضراء الدمن؟ قال:","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"\" المرأة الحسناء في المنبت السوء \" والأناشيد في هذا الباب كثيرة: فمنها ما فيه مثل واحد، ومنها ما فيه مثلان، ومنها ما فيه ثلاثة أمثال، ومنها ما فيه أربعة أمثال، وهو قليل جداً، وكل نوع من هذه الأنواع فيه احتياج واستغناء.\rوالمثل إنما وزن في الشعر ليكود أشرد له، وأخف للنطق به، فمتى لم يتزن كان الإتيان به قريباً من تركه.. وقد حكى الحاتمي أشياء لا أدري كيف وجهها، وزعم أن حماداً الراوية سئل: بأي شيء فضل النابغة؟ فقال: إن النابغة إن تمثلت ببيت من شعره اكتفيت به، مثل قوله:\rحلفت فلم أتلاك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rبل لو تمثلت بنصف بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله ليس وراء الله للمرء مذهب بل لو تمثلت بربع بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله أي الرجال المهذب؟ ولا أعرف كيف يحمل حماد هذا ربع بيت وفيه زيادة سببين وهما أربعة أحرف؟ إلا أن يريد التقريب، فهذا من الاحتياج الذي ذكرته؛ لأنه لا يتمثل به على أنه شعر إلا احتاج إلى ما قبله واستغنى ما قبله عنه، ألا ترى أنه لو قال ولست بمستبق أخاً لا تلمه أنه يكون مثلاً كافياً، ثم لا يتعلق قوله على شعث بشيء من المثل الثاني وإن بقي موزوناً، فإذا رده على الصدر تعلق به وبقي المثل الثاني مكسوراً.\rومثله قول القطامي، واسمه عمير بن شييم التغلبي:\rوالناس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل\rفقوله ولأم المخطئ الهبل مثل، إلا أنه غير موزون حتى يتصل بقوله ما يشتهي وذلك من تمام المثل الأول الذي في صدر البيت، وهذا كله احتياج ومما لا احتياج فيه قول امرئ القيس:\rالله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل\rففي كل قسيم من هذين مثل قائم بنفسه، غير محتاج إلى صاحبه..\rوكذلك قول الحطيئة:\rمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس\rوقال عبيد بن الأبرص الأسدي:\rالخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد\rومما فيه مثل واحد قول عنترة العبسي:\rنبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم\rفجاء بالمثل غير محتاج إلى ما قبله.. وقال أبو ذؤيب:\rتركوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع\rفإن بدأت بالقسيم الثاني كان مثلاً سائراً، وإن أسقطت جزأ منه بقي المثل سائراً غير موزون، إلا أن يكون في المرفوع من الأمثال مصمت يأتي في البيت بأسره كقول الأول:\rوإنك لن ترى طرداً لحر ... كإلصاق به طرف الهوان\rوقول أبي نواس:\rإذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق\rومما فيه ثلاثة أمثال قول زهير:\rوفي الحلم إذعان، وفي العفو دربة، ... وفي الصدق منجاة من الشر فاصدق\rفأتى بكل مثل في ربع بيت، ثم جعل الربع الآخر زيادة في شرح معنى ما قبله. وكذلك قول النابغة الذبياني:\rالرفق يمن، والأناة سلامة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا\rفجاء بثلاثة أمثال إلا أنها مداخلة لم تسلم سلامة ما قبلها من كلام زهير.\rوقال ابن عبد القدوس:\rكل آت لا بد آت، وذو الجه ... ل معنى، والغم والحزن فضل\rفأتى بثلاثة أمثال مداخلة الوزن أيضاً، وكان قول ضابئ بن الحارث:\rوفي الشك تفريط، وفي الحزم قوة، ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب\rأحسن تعديلاً في القسمة؛ لأن شطره الأول مشتمل على مثلين، وشطره الثاني مشتمل على مثل قائم بنفسه. وقال عبد الله بن المعتز:\rوالعيش هر، والموت مر ... مستكره، والمنى ضلال\rوالحرص ذل، والبخل فقد ... وآفة النائل المطال\rففي البيت الأول ثلاثة أمثال في أحدها احتياج، وفي البيت الثاني ثلاثة أمثال لا احتاج فيها على حذو ما أتى به ضابئ، ولم أر بيتاً فيه أربعة أمثال كل واحد منها قائم بنفسه إلا قليلاً، أنشد الأصمعي:\rفالهم فضل، وطول العيش منقطع، ... والرزق آتٍ، وروح الله منتظر\rوقال أبو الطيب وحكم عليه الوزن أيضاً:\rوالمرء يأمل، والحياة شهية، ... والشيب أوقر، والشبيبة أنزق\rفأتى بمثلين في كل قسيم، وصنعت أنا:","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"كل إلى أجلٍ، والدهر ذو دول ... والحرص مخيبة، والرزق مقسوم\rوأقل من ذلك ما كان فيه خمسة أمثال، ولا أعرف منه في حفظي إلا بيتاً واحداً للقزاز السناط في بسط قصيدة مدح بها الأمير تميم بن المعز معد، وهو قوله:\rخاطر تفد، وارتد تجد، واكرم تسد ... وانقد تقد، واصغر تعد الأكبرا\rوأما ما فيه ستة فإني صنعت:\rخذ العفو، وأب الضيم، واجتنب الأذى ... وأغض تسد، وارفق تنل، واسخ تحمد\rومن الأمثال أيضاً كلمات سارت على وجه الدهر: كقولهم \" تسمع بالمعيدي خير من أن تراه \" يضرب مثلاً للذي رؤيته دون السماع به، وفي كل ما جرى هذا المجرى، وكذلك قولهم: \" على أهلها جنت براقش \" يضرب مثلاً للرجل يهلك قومه بسببه. وأما قولهم في تفسير ما يقع في الشعر من جنس قول الحطيئة: شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا هو مثل؛ فإنما ذلك مجاز، أرادوا التمثيل.\rوهذه الأشياء في الشعر إنما هي نبذ تستحسن، ونكت تستظرف، مع القلة، وفي الندرة، فأما إذا كثرت فهي دالة على الكلفة، فلا يجب للشعر أن يكون مثلاً كله وحكمة كشعر صالح بن عبد القدوس؛ فقد قعد به عن أصحابه وهو يقدمهم في الصناعة لإكثاره من ذلك، وما نص عليه العلماء في كتبهم، وكذلك لا يجب أن يكون استعارة وبديعاً كشعر أبي تمام؛ فقد رأيت ما صنع به ابن المعتز، وكيف قال فيه ابن قتيبة، وما ألف عليه المتعقبون كالجرجاني وأبي القاسم بن بشر الآمدي وغيرهما، وإنما هرب الحذاق عن هذه الأشياء؛ لما تدعو إليه من التكلف لا سيما إن كان في الطبع أيسر شيء من الضعف والتخلف. وأشد ما تكلفه الشاعر صعوبة التشبيه؛ لما يحتاج إليه من شاهد العقل واقتضاء العيان. ولا ينبغي للشعر أن يكون أيضاً خالياً مغسولاً من هذه الحلي فارغاً ككثير من شعر أشجع وأشباهه من هؤلاء المطبوعين جملة، مع أنه لا بد لكل شاعر من طريقة تغلب عليه فينقاد إليها طبعه، ويسهل عليه تناولها: كأبي نواس في الخمر، وأبي تمام في التصنيع، والبحتري في الطيف، وابن المعتز في التشبيه، وديك الجن في المراثي، والصنوبري في ذكر النور والطير، وأبي الطيب في الأمثال وذم الزمان وأهله. وأما ابن الرومي فأولى الناس باسم شاعر؛ لكثرة اختراعه، وحسن افتتانه، وقد غلب عليه الهجاء حتى شهر به؛ فصار يقال: أهجى من ابن الرومي، ومن أكثر من شيء عرف به، وليس هجاء ابن الرومي بأجود من مدحه ولا أكثر. ولكن قليل الشر كثير.\rباب التشبيه\rالتشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله، ومن جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه، ألا ترى أن قولهم \" خذ كالورد \" إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه وخضرة كمائمه، وكذلك قولهم \" فلان كالبحر، أو كالليث \" إنما يريدون كالبحر سماحة وعلماً، وكالليث شجاعة وقرما، وليس يريدون ملوحة البحر وزعوقته، ولا شتامة الليث وزهوقته؛ فوقوع التشبيه إنما هو أبداً على الأعراض لا على الجواهر؛ لأن الجواهر في الأصل كلها واحد، اختلفت أنواعها أو اتفقت؛ فقد يشبهون الشيء بسميه ونظيره من غير جنسه، كقولهم \" عين كعين المهاة، وجيد كجيد الريم \" فاسم العين واقع على هذه الجارحة من الإنسان والمهاة، واسم الجيد واقع على هذا العضو من الإنسان والريم، والكاف للمقاربة، وإنما يريدون أن هذه العين لكثرة سوادها قاربت أن تكون سوداء كلها كعين المهاة، وأن هذا الجيد لانتصابه وطوله كجيد الريم، ألا ترى أن الأصمعي سئل عن الحور فقال: أن تكون العين سوداء كلها كعيون الظباء والبقر، ولا حور في الإنسان، هذا أحد أقوال الأصمعي في الحور، ويدلك على أن التشبيه إنما هو هو بالمقاربة كما قلنا.\rوالتشبيه والاستعارة جميعاً يخرجان الأغمض إلى الأوضح، ويقربان البعيد، كما شرط الرماني في كتابه، وهما عنده في باب الاختصار.\rقال: واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن، وتشبيه قبيح، فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بياناً، والتشبيه القبيح ما كان على خلاف ذلك، قال:","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"وشرح ذلك أن ما تقع عليه الحاسة أوضح في الجملة مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب؛ فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع، وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما يؤلف، ثم عاب على بعض شعراء عصره:\rصدغه ضد خده مثل ما الوع ... د إذا ما اعتبرت ضد الوعيد\rمن قبل أنه شبه الأوضح بالأغمض، وما تقع عليه الحاسة بما لا تقع عليه، وكذلك قوله:\rله غرة كلون وصالٍ ... فوقها طرة كلون صدود\rوقال في موضع آخر: التشبيه على ضربين والأصل واحد: فأحدهما التقدير، والآخر التحقيق؛ فالذي يأتي على التقدير التشبيه من وجه واحد دون وجه، والذي يأتي على التحقيق التشبيه على الإطلاق، وهو التشبيه بالنفس، مثل تشبيه الغراب بالغراب، وحجر الذهب بحجر الذهب إذا كان مثله سواء، وحمرة شقائق بحمرة الشقائق.\rقال صاحب الكتاب: أما ما شرط في التشبيه فهو الحق الذي لا يدفع، لا أنه قد حمل على الشاعر فيما أخذ عليه؛ إذ كان قصد الشاعر أن يشبه ما يقوم في النفس دليله بأكثر مما هو عليه في الحقيقة، كأنه أراد المبالغة، ولعله يقول أو يقول المحتج له: معرفة النفس والمعقول أعظم من إدراك الحاسة، لا سيما قد جاء مثل هذا القرآن وفي الشعر الفصيح: قال الله عز وجل: \" طلعها رءوس الشياطين \" فقال قوم: إن شجرة الزقوم وهي أيضاً الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها: رؤوس الشياطين، وقال قوم: الشياطين الحيات في غير هذا المكان، والأجود الأعرف أنه شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح؛ لما جعل الله عز وجل في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن والشياطين، وإن لم يروها عياناً، فخوفنا تعالى بما أعد للعقوبة، وشبهه بما نخاف أن نراه، وقال امرؤ القيس:\rأيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال\rفشبه نصال النبل بأنياب الأغوال لما في النفس منها. وعلى هذا التأويل قال أبو تمام وفيه عكس:\rوأحسن من نور يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب\rوقال أعرابي قديم:\rيزملون حديث الضغن بينهم ... والضغن أسود أو في وجهه كلف\rفوصفه بما يتصور ويقوم في النفس، كأنه يقول: لو كان صورة لكان هكذا، وقال بعض المولدين:\rوتدبر عيناً في صحيفة فضة ... كسواد يأس في بياض رجاء\rفاليأس على الحقيقة غير أسود؛ لأنه لا يدرك بالعيان، لكن صورته في المعقول وتمثيله كذلك مجازاً، والرجاء أيضاً على هذا التقدير في البياض.\rوقد يقول المحتج الأول: إن هذا داخل في باب الاستطراد، كأن الشاعر لم يقصد الإخبار عن الغرة والطرة وشبههما، لكن عن الوصال والصدود، وعكس التشبيه ثقة بأن ما أشبه شيئاً من جهة فقد أشبهه الآخر من تلك الجهة.\rفأما قول ابن المعتز يصف شرب حمار:\rوأقبل نحو الماء يشتل صفوه ... كما أغمدت أيدي الصياقل منصلا\rفإنه بديع، يشبه فيه انسياب الماء في شدقيه إلى حلقه بمنصل يغمد، وهذا تشبيه مليح يدرك بالحس، ويتمثل في المعقول، وكرر هذا التشبيه فقال يذكر إبل سفر:\rوأغمدن في الأعناق أسياف لجةٍ ... مصقلةً تفرى بهن المفاوز\rوزعم قدامة أن أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد، وأنشد في ذلك وهو عنده أفضل التشبيه كافةً:\rله أيطلا ظبي، وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل\rوهذا تشبيه أعضاء بأعضاء هي هي بعينها، وأفعال بأفعال هي هي أيضاً بعينها، إلا أنها من حيوان مختلف كما قدمت، والأمر كما قال في قرب التشبيه، إلا أن فضل الشاعر فيه غير كبير حينئذ؛ لأنه كتشبيه نفس الشيء المشبه الذي ذكره الرماني في تشبيه الحقيقة، وإنما حسن التشبيه أن يقرب بين البعيدين حتى تصير بينهما مناسبة واشتراك، كما قال الأشجعي:\rكأن أزيز الكير إرزام شخبها ... إذا امتاحها في محلب الحي ماتح","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"فشبه ضرع العنز بالسكير، وصوت الحلب بأزيزه، فقرب بين الأشياء البعيدة بتشبيهه حتى تناسبت، ولو كان الوجه ما قال قدامة لكان الصواب أن يشبه الأشجعي ضرع عنزة بضرع بقرة، أو خلف ناقة؛ لأنه إنما أراد كبره وكثرة ما فيه من اللبن، وكان يعدل عن ذكر الكير وأزيزه الذي دل به على أعظم ما يكون من صفة كبر الضرع وكثرة لبنه.\rوسبيل التشبيه إذ كانت فائدته إنما هي تقريب المشبه من فهم السامع، وإيضاحه له أن تشبه الأدون بالأعلى إذا أردت مدحه، وتشبه الأعلى بالأدون إذا أردت ذمه، فتقول في المدح: تراب كالمسك، وحصى كالياقوت، وما أشبه ذلك، فإذا أردت الذم قلت: مسك كالسك أو التراب، وياقوت كالزجاج أو كالحصى؛ لأن المراد في التشبيه ما قدمته من تقريب الصفة وإفهام السامع، وإن كان ما شابه الشيء من جهة فقد شابهه الآخر منها، إلا أن المتعارف وموضوع التشبيه ما ذكرت.\rوأصل التشبيه مع دخول الكاف وأمثالها أو كأن وما شاكلها كلها شيء بشيء في بيت واحد، إلى أن صنع امرؤ القيس في صفة عقاب:\rكأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي\rفشبه شيئين بشيئين في بيت واحد، واتبعه الشعراء في ذلك؛ فقال لبيد ابن ربيعة:\rوجلا السيول عن الضلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها\rفشبه الطلول بالزبر والسيول بالأقلام، بل زاد فشبه جلاء هذه عن هذه بتجديد تلك لتلك. وحكى عن بشار أنه قال: ما قر بي القرار مذ سمعت قول امرئ القيس كأن قلوب الطير رطباً ويابساً حتى صنعت:\rكأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه\rفإن كان مراده الترتيب فصدق، ولم يقع بعد بيت امرئ القيس في ترتيبه كبيته، وإن كان المراد تشبيهين في بيت فقد قال الطرماح في صفة ثور وحشي:\rيبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد\rوهذا نهاية في الجودة. وأما قول من قال في بيت الحارث بن حلزة:\rوحسبت وقع سيوفنا برءوسهم ... وقع السحابة بالطراف المشرج\rإن فيه تشبيهين من جهة الكثرة والحس أو السرعة والحس؛ فمحتمل، إلا أن الشاعر لم يصرح إلا بالوقع خاصة، يريد بذلك الحس وحده ظاهر الأمر ولذلك خص الطراف؛ لكونه من الأدم، فصوت القطر عليه أشد منه على غيره من سائر البيوت. وقال بشار أيضاً:\rخلقنا سماء فوقهم بنجومها ... سيوفاً ونقعاً يقبض الطرف أقسما\rوقال فشبه شيئين مختلفين بشيئين من جنس واحد:\rمن كل مشتهرٍ في كف مشتهرٍ ... كأن غرته والسيف نجمان\rوربما شبهوا شيئاً بشيئين كقول القطامي:\rفهن كالحلل الموشى ظاهرها ... أو كالكتاب الذي قد مسه البلل\rوربما شبهوا بثلاثة أشياء كما قال البحتري:\rكأنما يبسم عن لؤلؤٍ ... منظم، أو بردٍ، أو أقاح\rفقول الشاعر \" أو \" زيادة تشبيه وإن لم يصح من جميع المشبه بها إلا شيء واحد من جهة الحكم في \" أو \" . ومن الناس من يرويه:\rكأنما يبسم عن لؤلؤٍ ... أو فضة، أو بردٍ، أو أقاح\rوهي زعموا رواية أكثر أهل الأندلس والمغرب؛ فيكون حينئذ الثغر مشبهاً بأربعة أشياء، وقد تقدم أبو تمام فقال:\rوثناياك إنها إغريض ... ولآل توم وبرق وميض\rفشبهها بثلاثة أشياء حقيقة؛ لأن حكم الواو غير حكم \" أو \" لا سيما وقد أتى التشبيه بغير كاف ولا شيء من أخوتها، فجاء كأنه إيجاب وتحقيق.\rوكثر تشبيههم شيئين بشيئين حتى لم يصر عجباً، وقد جاءوا بتشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد: بالكاف؛ وبغير كاف؛ فقال مرقش:\rالنشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكف عنم\rوقال ابن الرومي:\rكأن تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد\rوقال أيضاً ويدخل في باب قول مرقش:\rإن أقبلت فالبدر لاح، وإن مشت ... فالغصن ماد، وإن رنت فالريم\rوقال ابن المعتز:\rبدر وليل وغصن ... وجه وشعر وقد\rخمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد\rوقال صاحب الكتاب:\rكأن ثناياه أقاحٍ، وخده ... شقيق، وعينيه بقية نرجس\rوقال أيضاً على جهة التفسير:","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"بكؤوس حكين من شف قلبي ... شفة لم تذق وثغراً وريقا\rيريد حافة الكأس والحباب والخمر.\rثم أتوا بتشبيه أربعة بأربعة: بالكاف أيضاً، وبغير كاف، فقال امرؤ القيس وهو أول من فتح هذا الباب:\rله أيطلا ظبي، وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل\rفجاء بتشبيه إضافة كما ترى حتى جعله تحقيقاً لولا مفهوم الخطاب.\rبدت قمراً، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبراً، ورنت غزالا\rفجاء بالتشبيه على إسقاط الكاف. وقال أيضاً:\rترنو إلي بعين الظبي مجهشةً ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم\rفشبه في القسيم الأول عينها بعين الظبي، وشبه في القسيم الآخر ثلاثة بثلاثة، وقد تقدم أبو نواس فقال:\rيبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب\rوهذا مليح جداً. سئل ابن مناذر: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:\rيا قمراً أبصرت في مأتمٍ ... يندب شجواً بين أتراب\rيبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب\rهذا أشعر الجن والأنس. وقد جاء بالشعر على سجيته أعني أبا نواس وشاهد ذلك ظاهر في لفظه، وإلا فهو قادر أن يجعل مكان الدر الطل حتى يتناسب الكلام، لكنه لم يكن يؤثر التصنيع ولا يراه فضيلة؛ لما فيه من الكلفة ومن الناس من يرويه كذلك، ومنهم من يرويه فيذري الدر من جفنة ومما شبه أربعة بأربعة مع الكاف قول ابن حاجب وهو عبد العزيز وزير القادر بالله أبي العباس النعمان :\rثغر وخد ونهد واختضاب يدٍ ... كالطلع والورد والرمان والبلح\rوقال صاحب الكتاب:\rبفرع ووجه وقدٍ وردفٍ ... كليلٍ وبدرٍ وغصنٍ وحقفٍ\rومما وقع فيه تشبيه خمسة بخمسة قول أبي الفرج الوأواء، وأتى به بغير آلة تشبيه:\rفأسبلت لؤلؤاً من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد\rوقال أبو الفتح البستي شاعر مصر في وقتنا هذا يصف شمعة:\rقد شابهتني في لونٍ وفي قضفٍ ... وفي احتراق وفي دمع وفي سهر\rفقوله قد شابهتني أظهر مقدرة من المجيء بالكاف؛ لأنهم إنما استصعبوا ذلك مع الكاف وأخوتها من جهة ضيق الكلام بها، فهذا الذي أتى به البستي أشد ضيقاً، ألا ترى أنه لو قال: \" كأنها أنا \" لكان هو الصواب ويكون قد أتى بكأن وضميرين بعدها فضلاً عن الكاف.\rومنهم من يأتي بالتشبيه الواحد بغير كاف كقول امرئ القيس:\rسموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال\rوقوله أيضاً:\rإذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفضل\rيريد كسمو حباب الماء، وكتعرض أثناء الوشاح.\rوأبدع من هذا عندهم وأغرب قول المنخل اليشكري:\rدافعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير\rوإنما براعته عندهم لما لم يكن قبله فعل من لفظه.\rومن مليح التشبيه قول أبي كبير الهذلي:\rفالطعن شغشغة، والضرب هيقعة ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا\rوللقسي أزاميل وغمغمة ... حس الجنوب تسوق الماء والبردا\rفالأول من نوع بيتي امرئ القيس، والثاني من نوع بيت المنخل، وأنا أستحسن هذين البيتين جداً.\rوقد يقع التشبيه بين الضدين والمختلفين: كقولك \" العسل في حلاوته كالصبر في مرارته، أو كالخل في حموضته \" .\rقال أبو الحسن الرماني: وهذا الضرب من التشبيه لا يقال إلا بتقييد وتفسير ومن هذا النوع الذي ذكره الرماني قول ابن المهدي للمأمون يعتذر:\rلئن جحدتك معروفاً مننت به ... إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم\rوكذلك قول أبي نواس:\rأصبح الحسن منك يا أحسن الأم ... ة يحكي سماجة ابن حبيش\rيريد أن هذا غاية كما أن ذاك غاية.\rقال الجرجاني: التشبيه والتمثيل يقع مرة بالصورة والصفة، وأخرى بالحالة والطريقة، اعتذر بذلك عن قول أبي الطيب:\rبليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه\rإنه إنما أراد وقوفاً خارجاً عن المتعارف. وأنشد:\rرب نيل أمد من نفس العا ... شق طولاً قطعته بانتحاب","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"فهذا والله هو النقد العجيب الذي غفل الناس عنه، بل عموا وصموا. والبيت لمحمد بن عبد الملك الزيات، ويروي لماني الموسوس. ومثله قول أبي تمام:\rومسافة كمسافة الهجر ارتقى ... في صدر باقي الحب والبرحاء\rوأنشد الرماني لذي الرمة:\rكأنه كوكب في إثر عفريت ... مسوم في سواد الليل منقضب\rثم قال: قد اجتمع الثور والكوكب في السرعة إلا أن انقضاض الكوكب أسرع، واستدل بهذا على جودة التشبيه.\rوأنا أرى أن فيه دركاً على الشاعر، وإغفالاً من الشيخ المفسر، وذلك أن الثور مطلوب، والكوكب طالب، فشبهه به في السرعة والبياض، ولو شبهه بالعفريت وشبه الكلب وراءه بالكوكب لكان أحسن وأوضح، لكنه لم يتمكن له المعنى الذي أراده من فوت الثور الذي شبه به راحلته؛ وأما ما أغفله الشيخ فإن الشاعر إنما رغب في تشبيه الثور بالكوكب، واحتمل عكس التشبيه: بأن جعل المطلوب طالباً لبياضه فإن الثور لهق لا محالة؛ وأما السرعة التي زعم فإن العفريت لو وصفه به وشبهه بسرعته لما كان مقصراً، ولا متوسطاً، بل فوق ذلك.\rومن التشبيهات عقم لم يسبق أصحابها إليها، ولا تعدى أحد بعدهم عليها، واشتقاقها فيما ذكر من الريح العقيم، وهي التي لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة، نحو قول عنترة العبسي يصف ذباب الروض:\rوخلا الذباب بها فليس بارحٍ ... غرداً كفعل الشارب المترنم\rهزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم\rوقوله أيضاً في صفة الغراب:\rخرق الجناح كأن لحي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع\rوقال الحطيئة يصف لغام ناقته:\rترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لغاماً كبيت العنكبوت الممدد\rوقال الشماخ يصف آثار ريش نعامة:\rكأنما منثني أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل\rوقول عدي بن الرقاع يصف قرن ظبي:\rتزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها\rوقول الراعي يصف جعد الرأس:\rجدلاً أسك كأن فروة رأسه ... بذرت فأنبت جانباها فلفلا\rوقول بشر بن أبي خازم يصف عروق الأرطى وقد كشفها ثور:\rيثير ويبدي عن عروقٍ كأنها ... أعنة خراز تخط وتنشر\rوقول الطرماح في صفة الظليم:\rمجتاب شملة برجد لسراته ... قدداً، وأسلم ما سواه البرجد\rوقول ذي الرمة في صفة الليل:\rوليل كجلباب العروس قطعته ... بأربعةٍ والشخص في العين واحد\rوقول مضرس بن ربعي في صفة رأس النعامة:\rسكاء عارية الأخادع رأسها ... مثل المدق وأنفها كالمسرد\rوقال النابغة في صفة النسور:\rتراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب\rوهذا التشبيه عندهم عقيم، إلا أني أقول: إنه من قول طرفة يصف عقاباً:\rوعجزاء دفت بالجناح كأنها ... مع الصبح شيخ في بجاد مقنع\rوينظر أيضاً إلى قول امرئ القيس قبله:\rكأن ثبيراً في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل\rوقال عبد الله بن الزبير الأسدي في تشبيه رأس القطاة:\rتقلب للإصغاء رأساً كأنها ... يتيمة جوز أغبرتها المكاسر\rوفي الشعر من هذا صدر جيد، وفي القرآن تشبيه كثير كقوله تعالى: \" والقمر قدرناها منازل حتى عاد كالعرجون القديم \" وقوله تعالى: \" والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيمة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً \" وقوله: \" إذا غشيهم موج كالظلل \" وقوله: \" كأنهم جراد منتشر \" ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم: \" الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية \" وقال: \" الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب \" وكثير من هذا يطول تقصيه.\rوقد أتت القدماء بتشبيهات رغب المولدون إلا القليل عن مثلها استبشاعاً لها، وإن كانت بديعة في ذاتها، مثل قول امرئ القيس:\rوتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل\rفالبنانة لا محالة شبيهة بالأسروعة، وهي دودة تكون في الرمل، وتسمى جماعتها بنات النقا، وإياها عنى ذو الرمة بقوله:\rخراعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفى مراراً وتظهر","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"فهي كأحسن البنان: ليناً، وبياضاً، وطولاً، واستواءً، ودقة، وحمرة رأس، كأنه ظفر قد أصابه الحناء، وربما كان رأسها أسود، إلا أن نفس الحضري المولد إذا سمعت قول أبي نواس في صفة الكأس:\rتعاطيكها كف كأن بنانها إذا اعترضتها العين صف مداري\rأو قول علي بن العباس الرومي:\rسقى الله قصراً بالرصافة شاقني ... بأعلاه قصري الدلال رصافي\rأشار بقضبان من الدر قمعت ... يواقيت حمراً فاستباح عفافي\rوقول عبد الله بن المعتز:\rأشرن على خوف بأغصان فضة ... مقومة أثمارهن عقيق\rكان ذلك أحب إليها من تشبيه البنان بالدود في بيت امرئ القيس، وإن كان تشبيهه أشد إصابة. وفي قول الطائي أبي تمام:\rبسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا\rوقرب هذا عنده وهو مدح من قول حسان في الهجو:\rوأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها الحنظب\rإذ كانا جميعاً من خشاش الأرض. فأما قول امرئ القيس أو مساويك إسحل فجار مجرى غيره من تشبيهاتهم؛ لأنهم يصفونها بالعنم والأقلام وما أشبه ذلك، والبنان قريب الشبه من أعواد المساويك: في القدر، والاستواء، والإملاس، إلا أن الأول على كراهته أشبه بها، والإسحل: شجر المخيطا.\rوقد استبشع قوم قول الآخر يصف روضاً\rكان شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روين من الدماء\rفهذا وإن كان تشبيهاً مصيباً فإن فيه بشاعة ذكر الدماء، ولو قال من العصفر مثلاً أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الأنس.\rوكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع وما جرى هذا المجرى من التشبيه، فإنه وإن كان مصيباً لعين الشبه فإنه غير طيب في النفس، ولا مستقر على القلب، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب:\rتلاعبها كف المزاج محبة ... لها، وليجري ذات بينهما الأنس\rفتزبد من تيه عليها كأنها ... غريرة خدر قد تخبطها المس\rفلو أن في هذا كل بديع لكان مقيتاً بشعاً، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئاً يشبه بزبد المصروع وقد تخبطه الشيطان من المس؟! وكأني أرى بعض من لا يحسن إلا الاعتراض بلا حجة قد نعى على هذا المذهب، وقال: رد على امرئ القيس، ولم أفعل، ولكني بينت أن طريق العرب القدماء كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله. وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة:\rنظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود\rعلى أنه تشبيه لا يلحق، ولا يشق غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلا بذكر السقيم؛ فإنه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي:\rوكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم\rوسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم\rوأجرى الناس هذا المجرى قول صريع الغواني على أنه لم يقع لأحد مثله، وهو:\rفلطت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع\rفهذا تشبيه مصيب جداً، إلا أنهم عابوه بما بينت، وإنما أشار إلى قول النابغة:\rويخططن بالعيدان في كل منزل ... ويخبأن رمان الثدي النواهد\rومثله قول أبي محجن الثقفي في وصف قينة:\rوترفع الصوت أحياناً وتخفضه ... كما يطن ذباب الروضة الغرد\rفأي قينة تحب أن تشبه بالذباب؟ وقد سرق بيت عنترة وقلبه فأفسده.\rباب الإشارة\rوالأشارة من غرائب الشعر وملحه، وبلاغة عجيبة، تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح يعرف مجملاً ومعناه بعيد من ظاهر لفظه؛ فمن ذلك قول زهير:\rفإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء\rفقد أشار له بقبح ما كان يصنع لو لقيه، هذا عند قدامة أفضل بيت في الإشارة.. وقول الآخر:\rجعلت يدي وشاحاً له ... وبعض الفوارس لا يعتنق\rوهذا النوع من الشعر هو الوحي عندهم.. وأنشد الحاتمي عن علي بن هارون عن أبيه، عن حماد، عن أبيه إسحاق بن إبراهيم الموصلي:\rجعلنا السيف بين الخد منه ... وبين سواد لمته عذارا","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"فأشار إلى هيئة الضربة التي أصابه بها دون ذكرها إشارة لطيفة دلت على كيفيتها، وإنما وصف أنهم ضربوا عنقه، ويروي بين الجيد ومثله قول الآخر:\rويوم يبيل النساء الدماء ... جعلت رداءك فيه خمارا\rيريد بالرداء الحسام كما قال متمم بن نويرة:\rلقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا\rوقوله إنه جعله خماراً أي قنعت به الفرسان، وأشار بقوله يبيل النساء الدماء إلى وضع الحوامل من شدة الفزع.\rومما جاء في الإشارة على معنى التشبيه قول الراجز يصف لبناً ممذوقاً وجاء بمذق هل رأيت الذئب قط فإنما أشار إلى تشبيه لونه؛ لأن الماء غلب عليه فصار كلون الذئب.\rومن أنواع الإشارة التفخيم فكقول الله تعالى: \" القارعة ما القارعة \" وقد قال كعب بن سعد الغنوي:\rأخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب\rوأما الإيماء فكقول الله عز وجل: \" فغشيهم من اليم ما غشيهم \" فأومأ إليه وترك التفسير معه.. وقال كثير:\rتجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح\rفقوله وخلفت ما خلفت إيماء مليح.. ومثله قول ابن ذريح:\rأقول إذا نفسي من الوجد أصعدت ... بها زفرة تعتادني هي ما هيا\rومن أنواع التعريض: كقول كعب بن زهير لرسول الله صلى الله عليه وسلم:\rفي فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا\rفعرض بعمر بن الخطاب وقيل: بأبي بكر رضي الله عنهما، وقيل: برسول الله صلى الله عليه وسلم تعريض مدح، ثم قال:\rيمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل\rفقيل: إنه عرض في هذا البيت بالأنصار، فغضبت الأنصار، وقال المهاجرون: لم تمدحنا إذ ذممتهم، حتى صرح بمدحهم في أبيات يقول فيها:\rمن سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار\rومن مليح التعريض قول أيمن بن خريم الأسدي لبشر بن مروان يمدحه ويعرض بكلف كان بوجه أخيه عبد العزيز حين نفاه من مصر على يدي نصيب الشاعر مولاه:\rكأن التاج تاج بني هرقل ... جلوه لأعظم الأعياد عيداً\rيصافح خد بشر حين يمسي ... إذا الظلماء باشرت الخدودا\rفهذا من خفي التعريض؛ لأنه أوهم السامع أنه إنما أراد المبالغة بذكر الظلماء لا سيما وقد قال حين يمسي وإنما أراد الكلف، هكذا حكت الرواة.\rومن أفضل التعريض مما يجل عن جميع الكلام قول الله عز وجل: \" ذق إنك أنت العزيز الكريم \" أي: الذي كان يقال له هذا أو يقوله، وهو أبو جهل؛ لأنه قال: ما بين جبليها يعني مكة أعز مني ولا أكرم، وقيل: بل ذلك على معنى الاستهزاء به.\rومن أنواعها التلويح، كقول المجنون قيس بن معاذ العامري:\rلقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا\rفلوح بالصحة والكتمان ثم بالسقم والاشتهار تلويحاً عجيباً، وإياه قصد أبو الطيب بعد أن قلبه ظهراً لبطن فقال:\rكتمت حبك حتى منك تكرمة ... ثم استوى فيك إسراري وإعلاني\rلأنه زاد حتى فاض عن جسدي ... فصار سقمي به في جسم كتماني\rإلا أنه أخفاه وعقده كما ترى، حتى صار أحجية يتلاقاها الناس.\rومن أجود ما وقع في هذا النوع قول النابغة يصف طول الليل:\rتقاعس حتى قلت: ليس بمنقضً ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب\r\" الذي يرعى النجوم \" يريد به الصبح، أقامه مقام الراعي الذي يغدو فيذهب بالإبل والماشية؛ فيكون حينئذ تلويحه هذا عجباً في الجودة، وأما من قال: إن الذي يرعى النجوم إنما هو الشاعر الذي شكا السهر وطول الليل؛ فليس على شيء. وزعم قوم أم الآيب لا يكون إلا بالليل خاصة، ذكره عبد الكريم.\rومن أنواع الإشارات الكناية والتمثيل، كما قال ابن مقبل وكان جافياً في الدين: يبكي أهل الجاهلية وهو مسلم، فقيل له مرة في ذلك فقال:\rوما لي لا أبكي الديار وأهلها ... وقد رادها رواد عك وحميرا\rوجاء قطا الأحباب من كل جانب ... فوقع في أعطاننا ثم طيرا\rفكنى عما أحدثه الإسلام ومثل كما ترى.","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"ومن أنواعها الرمز: كقول أحد القدماء يصف امرأة قتل زوجها وسبيت:\rعقلت لها من زوجها عدد الحصى ... مع الصبح أو مع جنح كل أصيل\rيريد أني لم أعطها عقلاً ولا قوداً بزوجها، إلا الهم الذي يدعوها إلى عد الحصى، وأصله من قول امرئ القيس:\rظللت ردائي فوق رأسي قاعداً ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي\rومن مليح الرمز قول أبي نواس يصف كؤوساً ممزوجة فيها صور منقوشة:\rقرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس\rفللخمر ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس\rيقول: إن خد الخمر من صور هذه الفوارس التي في الكؤوس إلى التراقي والنحور، وزبد الماء فيها مزاجاً، فانتهى الشراب إلى فوق رءوسها، ويجوز أن يكون انتهاء الحباب إلى ذلك الموضع لما مزجت فأزبدت، والأول أملح، وفائدته معرفة حدها صرفاً من معرفة حدها ممزوجة، وهذا عندهم مما سبق إليه أبو نواس، وأرى والله أعلم إنما تحلق على المعنى من قول امرئ القيس:\rفلما استطابوا صب في الصحن نصفه ... ووافى بماء غير طرقٍ ولا كدر\rويروي \" ووافوا وإياه أردت، ويروى \" استظلوا \" من الظل مكان \" استطابوا \" جعل الماء والشراب قسمين لقوة الشراب، فتسلق الحسن عليه، وأخفاه بما شغل به الكلام من ذكر الصورة المنقوشة في الكؤوس، إلا أنها سرقة ظريفة مليحة، ولم يكن أبو نواس يرضى أن يتعلق بمن دون امرئ القيس وأصحابه.\rوأصل الرمز الكلام الخفي الذي لا يكاد يفهم، ثم استعمل حتى صار الإشارة وقال الفراء: الرمز بالشفتين خاصة.\rومن الإشارات اللمحة، كقول أبي نواس يصف يوماً مطيراً:\rوشمسه حرة مخدرة ... ليس لها في سمائها نور\rفقوله \" حرة \" يدل على ما أراد في باقي البيت؛ إذ كان من شأن الحرة الخفر والحياء، ولذلك جعلها مخدرة، وشأن القيان والمملوكات التبذل والتبرج، وأما زعم من زعم أن قوله \" حرة \" إنما يريد خلوصها كما تقول: هذا العلق من حر المتاع؛ فخطأ؛ لأن الشاعر قد قال: \" ليس لها في سمائها نور \" فأي خلوص هناك؟ وكذلك قول حسان ويكون أيضاً تتبيعاً:\rأولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل\rيريد أنهم ملوك ذوو حاضرة ومستقر عز، ليسوا أصحاب رحلة وانتجاع.\rومن أخفى الإشارات وأبعدها اللغز، وهو: أن يكون للكلام ظاهر عجب لا يمكن، وباطن ممكن غير عجب، كقول ذي الرمة يصف عين الإنسان:\rوأصغر من قعب الوليد ترى به ... بيوتاً مبناة وأودية قفرا\rفالباء في به للإلصاق كما تقول \" لمسته بيدي \" أي: ألصقتها به وجعلتها آلة اللمس، والسامع يتوهمها بمعنى في، وذلك ممتنع لا يكون، والأول حسن غير ممتنع ومثله قول أبي المقدام:\rوغلام رأيته صار كلباً ... ثم من بعد ذاك صار غزالا\rفقوله صار إنما هو بمعنى عطف وما أشبهه من قول الله عز وجل: \" فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك \" ، ومستقبله يصور، وقد قيل \" يصير \" وهي لغة قليلة، وليس صار التي هي من أخوات كان مستقبلها يصير فقط ومعناها استقر بعد تحول.\rواشتقاق اللغز من ألغز اليربوع ولغز، إذا حفر لنفسه مستقيماً ثم أخذ يمنة ويسرة، يوري بذلك ويعمى على طالبه.\rومن الإشارات اللحن، وهو كلام يعرفه المخاطب بفحواه، وإن كان على غير وجهه، قال الله تعالى: \" ولتعرفنهم في لحن القول \" وإلى هذا ذهب الحذاق في تفسير قول الشاعر:\rمنطق صائب وتلحن أحيا ... ناً، وخير الحديث ما كان لحنا\rويسميه الناس في وقتنا هذا المحاجاة لدلالة الحجا عليه. وذلك نحو قول الشاعر يحذر قومه:\rخلوا على الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا\rإن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا\rأراد \" بالناقة الحمراء \" الدهناء، و \" بالجمل الأصهب \" الصمان، \" وبالذئاب \" الأعداء، يقول: قد اخضرت أقدامهم من المشي في الكلأ والخصب، والناس كلهم إذا شبعوا طلبوا الغزو فصاروا عدواً لكم كما أن بكر بن وائل عدوكم..\rومثل ذلك قول مهلهل لما غدره عبداه وقد كبرت سنه وشق عليهما ما يكلفهما من الغارات وطلب الثارات، فأراد قتله، فقال:","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"أوصيكما أن ترويا عني بيت شعر، قالا: وما هو؟ قال:\rمن مبلغ الحيين أن مهلهلاً ... لله دركما ودر أبيكما\rفلما زعما أنه مات قيل لهما: هل أوصى بشيء؟ قالا: نعم، وأنشدا البيت المتقدم، فقالت ابنته: عليكم بالعبدين فإنما قال أبي:\rمن مبلغ الحيين أن مهلهلاً ... أمسى قتيلاً بالفلاة مجندلا\rلله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا\rفاستقروا العبدين أنهما قتلاه، ورويت هذه الحكاية لمرقش.\rوسبيل المحاجاة أن تكون كالتعريض والكناية، وكل لغز داخل في الأحاجي، وقد حاجى شيخنا أبو عبد الله بعض تلاميذه فقال له:\rأحاجيك عباد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلا من حميم وصاحب\rفأجابه التلميذ بأن قال:\rسأكتم حتى ما تحس مدامعي ... بما انهل من دموع سواكب\rفكان معكوس قول أبي عبد الله \" عباد كزينب \" سرك ذائع، فقال الآخر \" سأكتم \" فأجابه على الظاهر إجابة حسنة، ومعكوس سأكتم \" منك أتيت \" فكأنه قابل به قول الشيخ \" ولم تؤت إلا من صديق وصاحب \" وهذا كله مليح.\rومنها التعمية، وهذا مثل للطير وما شاكله، كقول أبي نواس: واسم عليه خبن للصفا وما أشبهه، وهو معنى مشهور.\rومن الإشارات مصحوبة، وهي عند أكثرهم معيبة كأنها حشو واستعانة على الكلام، نحو قول أبي نواس:\rقال إبراهيم بالما ... ل كذا غرباً وشرقا\rولم يأت بها أبو نواس حشواً، ولكن شطارة وعبثاً بالكلام، وإن شئت قلت بياناً وتثقيفاً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: \" وكيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس، وقد مرجت عهودهم وأمانتهم، واختلفوا فكانوا هكذا؟ وشبك بين أصابع يديه \" ، ولا أحد أفصح من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبعد كلاماً منه من الحشو والتكلف.\rوقالوا: مبلغ الإشارة أبلغ من مبلغ الصوت، فهذا باب تتقدم الإشارة فيه الصوت، وقيل: حسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان، جاء بذلك الرماني نصاً، وقاله الجاحظ من قبل، وأخذ على بعض الشعراء في قوله:\rأشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم\rفأيقنت أن الطرف قال: مرحباً ... وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم\rإذ كان هذا كله مما لا تحمله إشارة خائف مذعور.\rولما أقام معاوية الخطباء لبيعة يزيد قام رجل من ذي الكلاع فقال: هذا أمير المؤمنين، وأشار بيده إلى معاوية، فإن مات فهذا، وأشار إلى يزيد، فمن أبى فهذا، وأشار إلى السيف، ثم قال:\rمعاوية الخليفة لا تمارى ... فإن يهلك فسائسنا يزيد\rفمن غلب الشقاء عليه جهلاً ... تحكم في مفارقه الحديد\rوقد جاء أبو نواس بإشارات أخر لم تجر العادة بمثلها، وذلك أن الأمين بن زبيدة قال له مرة: هل تصنع شعراً لا قافية له؟ قال: نعم، وصنع من فوره ارتجالاً:\rولقد قلت للمليحة قولي ... من بعيد لمن يحبك: \" إشارة قبلة \"\rفأشارت بمعصم ثم قالت ... من بعيد خلاف قولي: \" \" لا لا \"\rفتنفست ساعة ثم إني ... قلت للبغل عند ذلك: \" \" امش \"\rفتعجب جميع من حضر المجلس من اهتدائه وحسن تأتيه، وأعطاه الأمين صلة شريفة.\rومن إشارات الحذف، نحو قول نعيم بن أوس يخاطب امرأته:\rإن شئت أشرفنا جميعاً فدعا ... الله كل جهده فأسمعا\rبالخير خيراً وإن شرا فاا ... ولا أريد الشر إلا أن تاا\rكذا رواه أبو زيد الأنصاري، وساعده من المتأخرين علي بن سليمان الأخفش، وقال: لأن الرجز يدل عليه، إلا أن رواية النحويين \" وإن شراً فا \" و \" إلا أن تا \" قالوا: يريد إن شراً فشر، وإلا أن تشائي.. وأنشدوا:\rثم تنادوا بعد تلك الضوضا ... منهم بهات وهل ويا يا\rنادى منادٍ منهم ألاتا ... قالوا جميعاً كلهم بلى فا\rوأنشد الفراء: قلت لها قومي فقالت: قا ف يريد قد قمت.\rومن أنواعها التورية كقول علية بنت المهدي في طل الخادم:\rأيا سرحة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل إليك سبيل","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"متى يشتفى من ليس يرجى خروجه ... وليس لمن يهوى إليه دخول؟\rفورت بظل عن طل، وقد كانت تجد به، فمنعه الرشيد من دخول القصر، ونهاها عن ذكره، فسمعها مرة تقرأ: \" فإن لم يصبها وابل \" فما نهى عنه أمير المؤمنين، أي فطل فقال: ولا كل هذا.\rوأما التورية في أشعار العرب فإنما هي كناية: بشجرة، أو شاة، أو بيضة، أو ناقة، أو مهرة، أو ما شاكل ذلك كقول المسيب بن علس:\rدعا شجر الأرض داعيهم ... لينصره السدر والأثأب\rفكنى بالشجر عن الناس، وهم يقولون في لكلام المنثور: جاء فلان بالشوك والشجر، إذا جاء بجيش عظيم.\rوكان عمر رضي الله عنه أو غيره من الخلفاء قد حظر على الشعراء ذكر النساء، فقال حميد بن ثور الهلالي:\rتجرم أهلوها لأن كنت مشعراً ... جنوناً بها، يا طول هذا التجرم\rوما لي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي\rبلى فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلم\rوقال أيضاً في مثل ذلك:\rأبى الله إلا أن سرحة مالكٍ ... على كل أفنان العضاة تروق\rفيا طيب رياها، ويا برد ظلها ... إذا حان من شمس النهار شروق\rفهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح مسدود علي طريق؟\rحمى ظلها شكس الخليقة خائف ... عليها غرام الطائفين شفيق\rيريد بذلك بعلها أو ذا محرمها\rفلا الظل من برد الضحى مستطيعه ... ولا الفيء منها في العشي نذوق\rوقال عنترة العبسي:\rيا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم\rوإنما ذكر امرأة أبيه، وكان يهواها، وقيل: بل كانت جاريته؛ فلذلك حرمها على نفسه، وكذلك قوله: والشاة ممكنة لمن هو مرتمي والعرب تجعل المهاة شاة؛ لأنها عندهم ضائنة الظباء، ولذلك يسمونها نعجة، وعلى هذا المتعارف في الكناية جاء قول الله عز وجل في إخباره عن خصم داود عليه السلام: \" إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة \" كناية بالنعجة عن المرأة، وقال امرؤ القيس:\rوبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهوٍ بها غير معجل\rكناية بالبيضة عن المرأة.. وروى ابن قتيبة أن رجلاً كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:\rألا أبلغ أبا حفصٍ رسولاً ... فدى لك من أخي ثقة إزاري\rقلائصنا هداك الله، إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار\rفما قلص وجدن معقلاتٍ ... قفا سلعٍ بمختلف النجار\rيعقلهن جعد شيظمي ... وبئس معقل الذود الظؤار\rوإنما كنى بالقلص وهي النوق الشواب عن النساء، وعرض برجل يقال له جعدة كان يخالف إلى المغيبات من النساء، ففهم عمر ما أراد، وجلد جعدة ونفاه.\rومن الكناية اشتقاق الكنية؛ لأنك تكني عن الرجل بالأبوة، فتقول: أبو فلان، باسم ابنه، أو ما تعورف في مثله، أو ما اختار لنفسه؛ تعظيماً له وتفخيماً، وتقول ذلك للصبي على جهة التفاؤل بأن يعيش ويكون له ولد.\rقال المبرد وغيره: الكناية على ثلاثة أوجه: هذا الذي ذكرته آنفاً أحدها، والثاني: التعمية والتغطية التي تقدم شرحها، والثالث: الرغبة عن اللفظ الخسيس كقول الله عز وجل: \" وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا \" فإنها فيما ذكر كناية عن الفروج. ومثله في القرآن وفي كلام الفصحاء كثير.\rباب التتبيع\rومن أنواع الإشارة التتبيع، وقوم يسمونه التجاوز، وهو: أن يريد الشاعر ذكر الشيء فيتجاوزه، ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة عليه، وأول من أشار إلى ذلك امرؤ القيس يصف امرأة:\rويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل\rفقوله \" ويضحى فتيت المسك \" تتبيع، وقوله \" نؤوم الضحى \" تتبيع ثان، وقوله \" لم تنتطق عن تفضل \" تتبيع ثالث، وإنما أراد أن يصفها بالترفه، والنعمة، وقلة الامتهان في الخدمة، وأنها شريفة مكفية المؤونة، فجاء بما يتبع الصفة ويدل عليها أفضل دلالة.. ونظيره قول الأخطل يصف نساء:\rلا يصطلين دخان النار شاتيةً ... إلا بعود يلنجوجٍ على فحم","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"فذكر أنهن ذوات تملك وشرف حال. وأين من هذا القول النابغة في معناه وقصده:\rليست من السود أعقاباً إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما\rكأنها إن لم تكن سوداء العقبين بياعة للبرم كانت في نهاية الحسن والشرف والدعة.\rوقال النابغة وأراد أن يصف طول العنق وتمام الخلقة فيها فذكر القرط؛ إذ كان مما يتبع وصف العنق، ولم يسبقه إلى ذلك أحد من الشعراء:\rإذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق\rفجعل رعاثها يخاف ويفرق، وعذره ببعد مسقطه، فتناول هذا المعنى عمر بن أبي ربيعة فأوضحه بقوله:\rبعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وإما عبد شمس وهاشم\rوتبعه ذو الرمة فزاد المعنى وضوحاً بقوله:\rوالقرط في حرة الذفرى معلقه ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب\rوقال طفيل الغنوي يصف فرساً، ويروى لغيره:\rهريت قصير عذير اللجام ... أسيل طويل عذار الرسن\rفلو ترك الهرت والأسالة لكان من هذا الباب، ولكنه الآن لم يقصد التتبيع، وإنما جاء به كالتوكيد لما قبله، هذه رواية ابن قتيبة، وأما رواية النحاس عن شيوخه عن الأصمعي فإنها:\rوأحوى قصير عذار اللجام ... وهو طويل عذار الرسن\rوهذا تتبيع لا شك فيه. وأما قول الأخطل:\rأسيلة مجرى الدمع، أما وشاحها ... فجار، وأما الحجل منها فما يجري\rففيه التتبيع في ثلاثة مواضع، وهي صفة الخد بالسهولة، وصفة الخصر بالرقة، والساق بالغلط. ومثله قول الأعشى:\rصفر الوشاح، وملء الدرع، خرعبة ... إذا تأتي يكاد الخصر ينخزل\rفقوله \" صفر الوشاح \" دال على رقة الخصر، \" وملء الدرع \" دال على تمام الخلق من طول وسمن وامتلاء صدر وعجيزة، وكل ما وقع من قولهم: طويل النجاد، وكثير الرماد، وما يشاكلهما فهو من هذا الباب. وقالت ليلى الأخيلية:\rومخرق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيماً\rأرادت أنه يجذب ويتعلق به للحاجات لجوده وسؤدده وكثرة الناس حوله، وقيل: إنما ذلك لعظم مناكبه، وهم يحمدون ذلك.\rومن عجيب ما وقع في هذا الباب من التجاوز قول أوس بن حجر:\rحتى يلف نخيلهم وبيوتهم ... لهب كناصية الحصان الأشقر\rأراد الحرب التي هي المقصود بالصفة، هكذا الرواية الصحيحة، وبهذا التفسير فسره جلة العلماء وهم الأكثر، وقال آخرون: بل إنما أغراه بإحراق النخل والبيوت ففعل، ولا يكون على هذا الرأي الآخر من هذا الباب.\rومن التجاوز قول رؤبة بن العجاج يصف حوافر الخيل: سوى مساجيهن تقطيط الحقق أراد أن يشبهها بالمساحي فجعلها أنفسها مساحي، يريد العظم.\rومثله قول ابن دريد:\rيدير إعليطين في ملمومة ... إلى لموحين بألحاظ اللأى\rأراد أن يشبه أذن الفرس بالإعليط وهو وعاء ثمر المرخ فجعل الأذن نفسها إعليطاً، كما فعل رؤبة في المساحي، ومثله كثير.\rومما يدخل في باب التجاوز قول النابغة:\rتقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب\rوإنما أراد السلوقي مع ما فيه من الجسد وما تحت لابسه زعموا من السرج والفرس، فعدا عن الجميع، وجاء بما يتبعه، ويستغني به عن ذكره، إذ كانت لا تقد السلوقي إلا أن تقد ما فيه، ولا تنتهي إلى الصفاح على ما فسروا من أنه يريد الفارس بأداته إلا بعد أن تأتي على السرج والفرس، على أن من الناس من رد يوقدن على الخيل.. وإلى مثل هذا الإفراط ذهب النمر بن تولب في صفة السيف الذي شبه به نفسه فقال:\rتظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي\rوروى الحذاق \" القينين والهادي \" وهو واضح في المعنى.\rومن التتبيع قول زهير:\rوملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله\rفأشار إلى طول عنقه وقوائمه بذكر تطاول الملجم إشارة عجيبة، وتبعه ابن مقبل فقال:\rتمطيت أخليه اللجام فبذني ... وشخصي يسامي شخصه وهو طائله\rوإنما تناول زهير هذا المعنى من أبي دؤاد الإيادي، ويروي بن ثعلبة الأسدي حيث يقول:\rلا يكاد الطويل يبلغ منه ... حيث يثني على المقص العذار\rوأنا أقول:","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"إن بيت الذبياني في الرعاث مأخوذ من قول عبيد بن الأبرص:\rماطوا الرعاث بنهد لو يزل به ... لاندق دون تلاقي اللبة القرط\rوقال ابن دريد وأتى ببديع مليح:\rقريب ما بين القطاة والمطا ... بعيد ما بين القذال والصلا\rفدل هذا على قصر الظهر وطول العنق..\rوقال بعض الشعراء فملح وظرف:\rفما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل\rأشار إلى كثرة غشيان الضيوف، حتى إن الكلب مما أنس جبن أن ينبح فضلاً عما سوى ذلك، وهزال فصيله دال على أن الألبان مبذولة للضيفان، فقل ما بقي له منها.\rوقد قال امرؤ القيس: سمان الكلاب عجاف الفصال فعجف الفصال للعسلة التي قدمت، وسمن الكلاب لكثرة ما ينحرون ويذبحون.\rومن أعجب التتبيع قوله:\rأمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر\rيقول: أنزلوا نجداً الذي من نباته المرخ أم الغور الذي من نباته العشر؟ وإن الأعراب يعملون خيامهم من نبات الأرض التي ينزلونها، فإذا رحلوا تركوه واستأنفوا غيره من شجر البلد الذي ينزلون به، هكذا شرح العلماء هذا البيت المتقدم، ولا أرى الأعراب تذكر ذلك كثيراً في أشعارها، وإنما يتعاورون ذكر الوتد، اللهم إلا أن تكون الأعمدة وما شاكلها تنتخب وتحمل وإنما المطرح ما جعل فوقها وسد به خصاصها فدفع الحر والبرد فنعم، ولا شك أن هذا هو الصحيح، ويدل عليه قول جرير يذكر منزلاً:\rفلا عهد إلا أن تذكر أو ترى ... ثماماً حوالي منصب الخيم باليا\rفذكر الثمام مطرحاً، وقال أبو دواد:\rعهدت لها منزلاً دائراً ... وآلا على الماء يحملن آلا\rفالآل الأول: أعمدة الأخبية، والآل الثاني: الشخص الذي يرتفع عند اشتداد الحر، هكذا فسروه، منهم قدامة، والذي قال الحذاق: يعني أعمدة تحمل أعمدة مثلها ذكره أبو حنيفة، وقوله \" على الماء \" يعني الماء العد الذي هو المحضر يرجعون إليه بعد تبديهم وانقطاع ماء السماء، وقد أخبرك الشاعر على القول الأول أنهم يحملون أعمدة الأخبية والبيوت.\rومن أحسن ما وقع في هذا الباب من التتبيع قول حسان بن ثابت:\rأولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل\rفقوله \" حول قبر أبيهم \" تتبيع مليح، أشار به إلى أنهم ملوك مقيمون لا يخافون فينتقلون من مكان إلى مكان، وأنهم في مستقر عز وأرض خصب لا تجدب، أراد الشام، وأن ذلك دأبهم من القدم، فهو حول قبر أبيهم، وهذا كما قال ابن مقبل:\rنحن المقيمون لم تبرح ظعائننا ... لا نستجير، ومن يخلل بنا يجر\rومن هذا الباب أيضاً قول عنترة بن شداد العبسي:\rبطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذي نعال السبت ليس بتوأم\rأراد أنه ملك؛ لأن نعال السبت لا يحتذيها عندهم إلا كل شريف، يدلك على ذلك قول عتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة يذكر آل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصيدة لام فيها عبد الله بن عباس وشكر الحسن بن علي عليهما السلام وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما:\rإلى نفر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت ما لم يخصر\rومن التتبيع قول الحطيئة:\rلعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع\rوذلك أن الفحل إذا منع الخطام نزعوا من قردانه شيئاً فلذ ذلك، وسكن إليه، ولان لصاحبه حتى يلقى الخطام في رأسه، فزعم الحطيئة أن هؤلاء لا يخدعون عن عزهم وإبائهم فيقدر عليهم.\rوأما قول ذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث:\rيا عمرو، إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني\rفيجوز أن يكون أراد أضربك على الرأس الذي تصيح منه الهامة اسقوني على زعم الأعراب، فيكون من هذا الباب، ويجوز أن يكون مراده أضربك فلا يؤخذ بثأرك وتكون حيث ههنا مثلها في قول زهير: لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم فيخرج عن هذا الباب.. وإلى نحو التأويل الأول قصد أبو الطيب بقوله:\rفيا بن الطاعنين بكل لدن ... مواضع يشتكي البطل السعالا\rأراد الصدر، أو النحر..\rوبيت البحتري في صفة الذئب، ويروى لعمارة بن عقيل:\rفأوجرته أخرى فأظللت ريشها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"خير من بيت أبي الطيب وأجمع للصفة، وقوله \" أظللت \" بمعنى صبرت ويروى بالضاد.\rباب التجنيس\rالتجنيس ضروب كثيرة: منها المماثلة، وهي: أن تكون اللفظة واحدة باختلاف المعنى، نحو قول زياد الأعجم، وقيل: الصلتان العبدي يرثي المغيرة ابن المهلب:\rفانع المغيرة للمغيرة إذ بدت ... شعواء مشعلة كنبح النابح\rفالمغيرة الأولى: رجلن والمغيرة الثانية: الفرس، وهو ثانية الخيل التي تغير.\rوقال صاحب الكتاب: قال الله تعالى: \" وأسلمت مع سليمان \" وقال تعالى: \" ثم انصرفوا صرف الله قلوبكم \" وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم \" سليم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله \" وإن كان من غير هذا الباب.. وأنشد سيبويه:\rأنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلا بغامها\rالبلدة الأولى: صدر الناقة، والثانية: المكان من الأرض.\rومثله ما أنشده ثعلب:\rوثنية جاوزتها بثينة ... حرف يعارضها ثني أدهم\rفالثنية الأولى: عقبة، والثانية: ناقة، والثني الأدهم: الظل، استعار له هذا الاسم.. ويروى \" حبيب أدهم \" .\rومثله أنشده أبو عمرو بن العلاء: عود على عود على عود خلق وقال: الأول الشيخ، والثاني: الجمل المسن، والثالث: الطريق القويم قد ذلل بكثرة الوطء عليه.\rويجري هذا المجرى قول الأودي:\rوأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عيطموس\rأنشده قدامة على أنه طباق، وسائر الناس يخالفونه في هذا المذهب، وقد جاء رد الأخفش علي بن سليمان عليه في ذلك وإنكاره على رأي الخليل و الأصمعي في كتاب حلية المحاضرة للحاتمي.\rوعلى القول الأول قال أبو نواس في ابن الربيع:\rعباس عباس إذا حضر الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع\rوقال أبو تمام:\rليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد\rفالعهد الأول المسقي: هو الوقت، والعهد الثاني: هو الحفاظ، من قولهم \" فلان ماله عهد \" والعهد الثالث: الوصية من قولهم \" عهد فلان إلى فلان، وعهدت إليه \" أي: وصاني وصيته، والعهد الرابع: المطر، وجمعه عهاد، وقيل: أراد مطراً بعد مطر بعد مطر، وفسر ذلك بقوله:\rسحاب متى يسحب على النبت ذيله ... فلا رجل ينبو عليه ولا جعد\rواستثقل قوم هذا التجنيس، وحق لهم.\rومن مليح هذا النوع قول ابن الرومي:\rللسود في السود آثار تركن بها ... لمعاً من البيض تثني أعين البيض\rفالسود الأول: الليالي، والسود الآخر: شعرات الرأس واللحية، \" و \" والبيض الأول: الشيبات، والبيض الآخر: النساء..\rوزعم الحاتمي أن أفضل تجنيس وقع لمحدث قول عبد الله بن طاهر:\rوإني للثغر المخيف لكاليء ... وللثغر يجري ظلمه لرشوف\rفهذا وما شاكله التجنيس المحقق، والجرجاني يسميه المستوفي.\rويقرب منه وليس محضاً قول ابن الرومي:\rله نائل ما زال طالب طالب ... ومرتاد مرتاد وخاطب خاطب\rأدخل الترديد، والترديد: نوع من المجانسة يفرد له باب إن شاء الله تعالى.\rوالتجنيس المحقق: ما اتفقت فيه الحروف دون الوزن، رجع إلى الاشتقاق أو لم يرجع، نحو قول أحد بني عبس:\rوذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفسكم لا يعرف الأنفا\rفاتفقت الأنف مع الأنف في جميع حرفها دون البناء، ورجعا إلى أصل واحد، هذا عند قدامة أفضل تجنيس وقع، ومثله في الاشتقاق قول جرير والجرجاني يسميه التجنيس المطلق، قال: وهو أشهر أوصافه:\rوما زال معقولاً عقال من الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس\rوقال جرير أيضاً، وفيه المضارعة والمماثلة والاشتقاق، وأنشده ابن المعتز:\rتقاعس حتى فاته المجد فقعس ... وأعيا بنو أعيا وضل المضلل\rوقال خلف بن خليفة الأقطع:\rفإن يشغلونا عن أذان فاننا ... شغلنا وليداً عن غناء الولائد\rيعني الوليد بن زياد بن عبد الملك. وقال أبو تمام فأحكم المجانسة بالاشتقاق:\rبحوافر حفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق\rفجنس بثلاث لفظات. ومثله قول البحتري:\rصدق الغراب، لقد رأيت شموسهم ... بالأمس تغرب عن جوانب غرب","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"ويقرب من هذا النوع قول ذي الرمة واسترجعت هامها الهيم الشعاميم فالهيم والهام قريبان في اللفظ بعيدان في الاشتقاق، وربما جعلهما بعض الناس من أصل واحد، وكذلك قوله:\rكأن البرى والعاج عيجت متونها ... على عشر نهى به السيل أبطح\rقال ابن المعتز \" نهى به السيل \" أي: بلغ به إليه فهو أنعم له وأكثر لدونةً.\rوأنا أقول: معناه ترك به السيل نهياً، وهو الغدير، وذلك أتم لما أراد ابن المعتز، اللهم إلا أن يكون معناه جعل نهايته هناك فإنه أتم وأجود، أي: لم يجد منصرفاً فأقام. وقال البحتري:\rوذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه منك بينه الشكول\rنسيم الروض في ريح شمالٍ ... وصوب المزن في راح شمول\rوقال أبو تمام:\rمليتك الأحساب، أي حياة ... وحيا أزمةٍ وحية واد\rويقرب من هذا النوع نوع يسمونه المضارعة، وهو على ضروب كثيرة: منها أن تزيد الحروف وتنقص، نحو قول أبي تمام والجرجاني يسميه التجنيس الناقص : يمدون من أيدٍ عواص عواصم وهما سواء لولا الميم الزائدة. وكذلك قوله قواض قواضب سواء لولا الباء، ومع ذلك فإن الباء والميم أختان. ومثله قول البحتري:\rفيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد البلى تحت الصفا والصفائح\rومنها أن تتقدم الحروف وتتأخر، كقول الطائي:\rبيض الصفائح لا سود الصحائف، في ... متونهن جلاء الشك والريب\rفقوله \" الصفائح، لا سود الصحائف \" هو الذي أردت. وقال البحتري:\rشواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحامٍ ملوم قطوعها\rومثله قول أبي الطيب:\rممنعة منعمة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا\rوحكى ابن دريد أن أعرابياً شتم رجلاً فقال: لمج أمه، فقدم إلى السلطان فقال: إنما قلت: ملج أمه، فدرأ عنه..\rقال أبو بكر: لمجها: أتاها، وملجها: رضعها.\rوأصل المضارعة أن تتقارب مخارج الحروف، وفي كلام العرب منه كثير غير متكلف، والمحدثون إنما تكلفوه؛ فمن المعجز قول الله عز وجل: \" وهم ينهون عنه وينأون عنه \" وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سمعه وهو ينشد على سبيل الافتخار وقيل: بل سأله عن نسبه فقال:\rإني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر\rفقال له النبي صلى الله عليه وسلم : \" ذلك والله ألأم لجدك، وأضرع لخدك، وأفل لحدك، وأقل لعدك، وأبعد لك عن الله ورسوله \" وقوله عليه الصلاة والسلام: \" نعوذ بالله من الأيمة والعيمة والغيمة والكزم والقزم \" الأيمة: الخلو من النساء، والعيمة: شهوة اللبن، والغيمة: العطش، والكزم: قصر اللبان خلقة أو من بخل، ويقال: الكزم شدة الأكل، والقزم: شهوة اللحم.\rوهذا النوع يسميه الرماني المشاكلة، وهي عنده ضروب: هذا أحدها، وهي المشاكلة في اللفظ خاصة، وأما المشاكلة في المعنى فننبه عليها في أماكنها إن شاء الله تعالى..\rوقال ابن هرمة:\rوأطعن للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل\rوقال أبو تمام:\rرب خفضٍ تحت الثرى وغناء ... من عناء ونضرةٍ من شحوب\rوأبعد من هذا قليلاً قول ساعدة بن جؤية الهذلي:\rرأى شخص مسعود بن بشر بكفه ... حديد حديث بالوقيعة معتد\rومن المضارعة بالتصحيف ونقص الحروف قول بعضهم:\rفإن حلوا فليس لهم مقر ... وإن رحلوا فليس لهم مفر\rوقال البحتري يمدح المعتز بالله:\rولم يكن المعتز بالله إن سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه\rفجاء بتصحيف مستوف. وقال:\rما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور\rوقال غيره وأظنه قابوس بن وشمكير :\rإن المكارم في المكا ... ره والغنائم في المغارم\rوقال بعض العلماء: ربما أسفر السفر عن الظفر، وتعذر في الوطن قضاء الوطر. وقال آخر: خلف الوعد خلق الوغد. وقال ابن المعتز:\rلئن نزهت سمعك عن كلامي ... لقد نزهت في خديك طرفي\rله وجه به يصبى ويضني ... ومبتسم به يشقي ويشفي\rوقال آخر أيضاً في مثل ذلك، وفيه تغيير كثير بتصحيف:\rفمن داع ومن راعٍ ... ومن مطرٍ ومن مطرق","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"وكل خاشع الطرف ... لديه خاضع المنطق\rأعني بالتغيير ضاد \" خاضع \" ليست مناسبة لشين خاشع فيكون تصحيفاً، وإنما التصحيف فيما تناسب من الخط، ومن هذا قوله \" داع \" و \" راع \" لبعد ما بينهما في اللفظ والهجاء.\rومن الإسقاط الذي لا يظهر إلا في الخط قول شمس المعالي قابوس بن وشمكير:\rومن يسر فوق الأرض يطلب غاية ... من المجد نسري فوق جمجمة النسر\rومن يختلف في العالمين نجاره ... فإنا من العلياء نجري على نجر\rفياء الوصل في النسر جانست به نسري وصار لقاء النون كسرة الهاء من جمجمة كالتنوين في الهاء، وكذلك صلة نجر جانست به نجري فإذا صرت إلى الخط زالت المجانسة.\rوقد أحدث المولدون تجانساً منفصلاً يظهر أيضاً في الخط كقول أبي تمام:\rرفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل كاللاب\rالكاف للتشبيه، واللاب: جمع لابة، وهي الحرة ذات الحجارة السود.. هذا أصح الروايتين، وأما قوله بجحفل كلاب أي كأن به كلباً فليس بشيء، وإنما القول ما قدمناه، وليس بتجانس صحيح على ما شرطه المتقدمون، ولكنه استظرف فأدخل في هذا الباب تملحاً.. وأكثر من يستعمله: الميكالي، وقابوس، وأبو الفتح البستي، وأصحابهم؛ فمن ذلك قوله:\rعارضاه بما جنى عارضاه ... أو دعاني أمت بما أودعاني\rفقوله \" أو دعاني \" إنما هي أو التي للعطف، نسق بها \" دعاني \" وهو أمر الاثنين من دع على قوله \" عارضاه \" الذي في أول البيت، وقوله \" أودعاني \" الذي في القافية فعل ماض من اثنين، تقول في الواحد \" أودع يودع \" من الوديعة. وقال أيضاً:\rوإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له\rوربما صنعوا مثل هذا في القوافي فتأتي كالإيطاء وليس بإبطاء إلا في اللفظ مجازاً، ولا بتجنيس إلا كذلك.. قال عمر بن علي المطوعي:\rأمير كله كرم سعدنا ... بأخذ المجد منه واقتباسه\rيحاكي النيل حين يسأم نيلاً ... ويحكي باسلاً في وقت باسه\rأراد أن يناسب فجاء القافيتان كما نرى في اللفظ، وليس بينهما في الخط إلا مجاورة الحروف، وهذا أسهل معنى لمن حاوله، وأقرب شيء ممن تناوله، من أبواب الفراغ وقلة الفائدة، وهو مما لا شك في تكلفه، وقد أكثر منه هؤلاء الساقة المتعقبون في نثرهم ونظمهم حتى بردوا، بل تدركوا، فأين هذا العمل من قول القائل، وهو أبو فراس:\rسكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله\rوما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول زهتني بل شمائله\rألوي بصبري أصداغ لوين له ... وغل صدري ما تحوي غلائله\rفما كان من التجنيس هكذا فهو الجيد المستحسن، وما ظهرت فيه الكلفة فلا فائدة فيه.\rوقد يجيئ التجنيس على غير قصد كقول أبي الحسن في مقطعاته التي ترد فيما بعد:\rما ترى الساقي كشمس طلعت ... تحمل المريخ في برج الحمل\rفبهذا التجنيس تم المعنى وظهر حسنه؛ إذ كان برج الحمل بيت المريخ وموضع شرف الشمس، فصار بعض الكلام مرتبطاً ببعضه، ومظهراً لخفي محاسنه، وحصل التجنيس فضلة على المعنى؛ لأنه لو قال في موضع الحمل \" النطح \" أو الكبش \" لكان كلاماً مستقيماً؛ فهذا التجنيس كما ترى من غير تكلف ولا قصد، ولكن الأكثر أن يكون التجنيس مقصوداً إليه، مأخوذاً منه ما سامحت فيه القريحة، وأعان عليه الطبع..\rوقد يعد قوم من المضارعة ما ناسب اللفظ في الخط فقط، كقوله تعالى: \" وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً \" وهي مضارعة بعيدة لا يجب أن يعد مثلها.. واختلف الناس في قول الأعشى:\rإن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر\rفقال الجرجاني علي بن عبد العزيز القاضي: هو مجانسة؛ لأن أحدهما رجل، والآخر قبيلة، وقال غيره: بل معناهما واحد، وأنا على خلاف رأي الجرجاني لأن الشاعر قال بني عامر وأضاف بني إليه، ولو قال ساد عامراً يعني القبيلة لكان تجنيساً غير مدفوع. قال الجرجاني: وأراه يعني بيت الأعشى يخالف قول الآخر:\rقتلنا به خير الضبيعات كلها ... ضبيعة قيس لا ضبيعة أضحما","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"لأن كلتيهما قبيلتان، فكأنه جمع بين رجلين متفقي الاسم، انتهى كلامه، وهو يشهد بما قلته في بيت الأعشى إذا حققه من له ميز وتدبير..\rوقد ذكروا تجنيساً مضافاً، أنشده جماعة من المتعقبين منهم الجرجاني:\rأيا قمر التمام أعنت ظلماً ... علي تطول الليل التمام\rفهذا عندهم وما جرى مجراه إذا اتصل كان تجنيساً، وإذا انفصل لم يكن تجنيساً، وإنما كان يتمكن ما أراد لو أن الشاعر ذكر الليل وأضافه فقال \" ليل التمام \" كما قال \" قمر التمام \" والرماني سمى هذا النوع مزواجاً، ومثله عنده قول الآخر:\rحمتني مياه الوفر منها مواردي ... فلا تحمياني ورد ماء العناقد\rومن المزاوجة عندهم قول الله تعالى: \" يخادعون الله وهو خادعهم \" وقوله: \" من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم \" وقوله: \" إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم \" وكل هذه استعارات ومجاز؛ لأن المراد المجازاة فزاوج بين اللفظين.\rوكان الأصمعي يدفع قول العامة \" هذا مجانس لهذا \" إذا كان من شكله، يقول: ليس بعربي خالص، حكى ذلك ابن جني.. فأما ابن المعتز فقال وهو أول من نحا هذا النحو وجمعه والمجانسة: أن تشبه اللفظة اللفظة في تأليف حروفها على السبيل الذي ألف الأصمعي كتاب الأجناس عليها، قال: والجنس أصل لكل شبء: تتفرع منه أنواعه، وتعود كلها إليه، وكالإنسان وهو جنس وأنواعه عربي ورومي وزنجي، وأشباه ذلك، ولم تكن القدماء تعرف هذا اللقب أعني التجنيس يدلك على ذلك ما حكى عن رؤبة بن العجاج وأبيه، وذلك أنه قال له يوماً: أنا أشعر منك، قال: وكيف تكون أشعر مني وأنا علمتك عطف الرجز؟ قال: وما عطف الرجز؟ قال عاصم يا عاصم لو اعتصم قال: يا أبت، أنا شاعر ابن شاعر، وأنت شاعر ابن معجم، فغلبه، فأنت ترى كيف سماه عطفاً، ولم يسمه تجانساً، اللهم إلا أن يذهب بالعطف إلى معنى الالتفات فنعم.\rومن أناشيد هذا الباب قول الشنفرى واسمه عامر بن عمرو الأزدي:\rوبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانة ريحت عشاء وظلت\rوقال علي بن محمد بن نصر بن بسام:\rفاشرب على الورد من وردية عتقت ... كأنها خد ريم ريم فامتنعا\rوقال الفرزدق:\rألم يأته أني تخلل ناقتي ... بنعمان أطراف الأراك النواعم\rوحقيقة المجانسة عند الرماني المناسبة بمعنى الأصل، نحو قول أبي تمام: في حده الحد بين الجد واللعب قال: لأن معناهما جميعاً أبلغ، وأما قولك قرب واقترب، والطلوع والمطلع، وما شاكل هذا؛ فهو عنده من تصرف اللفظ، ولا يعده تجنيساً، ومن تصرف المعنى عنده قولك: عين الميزان، وعين الإنسان، وعين الماء، ونحو ذلك.. ومن التصرف في اللفظ والمعنى جميعاً قولك: الضرب والمضاربة والاستضراب، وما أشبه ذلك، كل هذه الأنواع عنده من باب التصرف.\rوما أكثر ما يستعمل هذا النوع بعض شعراء وقتنا المذكورين، ويظن أنه قد أتى بشيء من غرائب التجنيس.\rوأما قول دعبل في امرأته سلمى:\rأحبك حباً لو تضمنه سلمى ... سميك ذاك الشاهق الرأس\rفقد جنس من غير جنس؛ لأن قوله سميك دال على مراده.\rومثله قول آخر:\rضيعتي مثل اسمها العا ... م وداري مسترمه\rأنشده الرماني.. وقال الآخر، وهو أبو تمام:\rإذ لا صدوق ولا كنود اسماهما ... كالمعنيين ولا النوار نوارا\rالمراد صدر البيت لا عجزه.\rوإذا دخل التجنيس نفي عد طباقاً، وكذلك الطباق يصير بالنفي تجنيساً، وسأفرد لهما باباً إن شاء الله تعالى فيما بعد باب الترديد.\rباب الترديد\rوهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردها بعينها متعلقة بمعنى آخر في البيت نفسه، أو في قسيم منه، وذلك نحو قول زهير:\rمن يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً\rفعلق يلق بهرم، ثم علقها بالسماحة. وكذلك قوله أيضاً:\rومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم\rفردد أسباب على ما بينت. ولبعض الحجازيين:\rومن لامني فيهم حبيب وصاحب ... فرد بغيظٍ صاحب وحميم\rوقال مجنون بني عامر:\rقضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وقال أبو تمام:\rخفت دموعك في إثر القطين لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب\rالترديد في خفت ولو جعلت الكثيب ترديداً لجاز.. وقال ابن المعتز:\rلو شئت لا شئت خليت السلو له ... وكان لا كان منكم في معافاتي\rوقال أيضاً في مثل ذلك:\rأتعذلني في يوسفٍ وهو من ترى ... ويوسف أضناني ويوسف يوسف\rولبعضهم وأظنه الصنوبري:\rأنت عذري إذا رأوك، ولكن ... كيف عذري إذا رأوك تخون\rالترديد في قوله \" إذا رأوك \" .. وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء:\rأمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا\rالترديد في أول البيت، وهذا نوع في أشعار المحدثين أكثر منه في أشعار القدماء جداً.\rوالعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله:\rألا حي من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا\rإذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا\rوالترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله لبسن البلى مما لبسن اللياليا وكذلك قوله إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة ثم قال: تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ.\rويلحق بهذا قول أبي نواس: لو مسها حجر مسته سراء وقول الحسين بن الضحاك الخليع:\rلقد ملأت عيني بغير محاسن ... ملأن فؤادي لوعةً وهموما\rلقرب ما بين اللفظتين، وكذلك قول الطائي:\rراح إذا ما الراح كان مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء\rردد مطيها ومطايا الشوق. وعلى هذا يحمل قول الجحاف بن حكيم، وقيل: العباس بن مرداس:\rتعرض للسيوف بكل ثغر ... وجوهاً لا تعرض للطسام\rوحمل قوم قول امرئ القيس فثوباً لبست وثوباً أجر على أنه تكرار لا ترديد فيه، وهذا هو الخطأ البين، وأي ترديد يكون أحسن من هذا؟ وقد أفاد الثاني غير إفادة الأول حسب ما شرطوا.\rومثله قول بعض الأعراب في مدح هارون الرشيد:\rجهير الكلام جهير العطاس ... جهير الرواء جهير النغم\rومن أملح ما سمعته قول ابن العميد:\rفإن كان مسخوطاً فقل شعر كاتب ... وإن كان مرضياً فقل شعر كاتب\rوهو داخل عندي في باب الترديد؛ إذ كان قوله عند السخط شعر كاتب إنما معناه التقصير به، وبسط العذر له؛ إذ ليس الشعر من صناعته كما حكى ابن النحاس أنهم يقولون \" نحو كتابي \" إذا لم يكن مجوداً، وقوله عند الرضا شعر كاتب إنما معناه التعظيم له، وبلوغ النهاية في الظرف والملاحة؛ لمعرفة الكتاب باختيار الألفاظ وطرق البلاغات، فقد ضاد وطابق في المعنى، وإن كان اللفظ تجنيساً مردداً.\rوسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ولو لم يكن إلا بقوله:\rفقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيشٍ كلهن قلاقل\rفهذه الألفاظ كما قال كلهن قلاقل، ونحو ذلك قوله:\rأسد فرائسها الأسود، يقودها ... أسد، تكون له الأسود ثعالبا\rفما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسوداً؟ ولا أقول إنه بيت شعر، وأين يقع هذا من قول غيره:\rفصبح الوصال وليل الشباب ... وصبح المشيب وليل الصدود\rتم بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول من كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني منه، وأوله \" 45 باب التصدير \" أعان الله تعالى على إكماله، بمنه وفضله.\rبسم الله الرحمن الرحيم\rباب التصدير\rوهو، أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقاً وديباجة ويزيده مائية وطلاوة.\rوقد قسم هذا الباب عبد الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر:\rيلفي إذا ما الجيش كان عرمرماً ... في جيش رأي لا يفل عرمرم\rالآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله:\rسريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"والثالث: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، كقول الآخر:\rعزيز بني سليم أقصدته ... سهام الموت وهي له سهام\rوالتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي ترد على الصدور، فلا تجد تصديراً إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم يذكروا فيه فرقاً، والترديد يقع في أضعاف البيت، إلا ما ناسب بيت ابن العميد المقدم.\rومن أبيات التصدير قول زهير:\rكذلك خيمهم، ولكل قومٍ ... إذا مستهم الضراء خيم\rوقال أيضاً في ذلك:\rله في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم\rوقال أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي :\rوما كل ذي لب بموتيك نصحه ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب\rفهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديداً للعلة التي ذكرتها.\rومن أناشيدهم في التصدير قول طفيل الغنوي:\rمحارمك أمنعها من القوم؛ إنني ... أرى جفنة قد ضاع فيها المحارم\rوقال جرير وهم يستحسنوه جداً:\rسقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل\rوقال عمرو بن الأحمر:\rتغمرت منها بعد ما نفد الصبا ... ولم يروا من ذي حاجة من تغمرا\rتغمرت أي: شربت من الغمر، وهو قدح صغير جداً، ضربه مثلاً، أي: تعللت منها بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في نفسي منك من المراد.\rومن التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادة، وأنشد للفرزدق:\rأصدر همومك لا يغلبك واردها ... فكل واردة يوماً لها صدر\rوأنشد في التصدير بيت طفيل المتقدم، وبيت جرير، وخص بيت الفرزدق بالمضادة دون أن يجعله تصديراً كما جعله أولاً طباقاً كما يقال في الأضداد إذا وقعت في الشعر، وقد رأيته في إحدى النسخ مع أبيات المطابقة.\rويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي:\rريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درر على ذهب\rوالكتاب يسمون هذا النوع التبديل، حكاه أبو جعفر النحاس.\rومن أناشيد ابن المعتز قول منصور بن الفرج في ذكر الشيب:\rيا بياضاً أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضاً\rوأنشد لأبي نواس، وهو عندي بعيد من أحكام السمعة التي يدخل بها في هذا الباب، على أنه غاية في ذاته؛ لأن أكثر العادة أن تعاد اللفظة بنفسها:\rدقت ورقت مذقة من مائها ... والعيش بين رقيقتين رقيق\rوأنشد لمسلم بن الوليد:\rتبسم عن مثل الأقاح تبسمت ... له مزنة صيفية فتبسما\rوهذا البيت أيضاً ترديد، وأنشد للطائي:\rولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع\rفالمولدون أكثر عناية بهذه الأشياء، وأشد طلباً لها من القدماء، وهي في أشعارهم أوجد كما قدمت آنفاً.\rباب المطابقة\rالمطابقة في الكلام: أن يأتلف في معناه ما يضاد في فحواه المطابقة عند جميع الناس: جمعك بين الضدين في الكلام أو بيت الشعر، إلا قدامة ومن اتبعه؛ فإنهم يجعلون اجتماع المعنيين في لفظة واحدة مكررة طباقاً، وقد تقدم الكلام في باب التجانس، وسمى قدامة هذا النوع الذي هو المطابقة عندنا التكافؤ، وليس بطباق عنده إلا ما قدمت ذكره، ولم يسمه التكافؤ أحد غيره وغير النحاس من جميع من علمته.\rقال الخليل بن أحمد: طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حذوٍ واحد وألصقتهما.\rوذكر الأصمعي للمطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرجل في موضع اليد في مشي ذوات الأربع، وأنشد لنابغة بن الجعدة:\rوخيل يطابقن بالدار عين ... طباق الكلاب يطأن الهراسة\rثم قال: أحسن بيت قيل لزهير في ذلك:\rليث بعثر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا\rحكى ذلك ابن دريد عن أبي حاتم عنه.\rوأما علي بن سليمان الأخفش فاختار قول ابن الزبير الأسدي:\rرمي الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سموداً\rفرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سوداً\rوهذا من التبديل على مذاهب الكتاب، وأختار أيضاً قول طفيل الغنوي:\rبساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مذبول\rحكاه الحاتمي عن أبي الفرج على ابن الحسن القرشي..\rوقال الرماني:","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"المطابقة: مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان.\rقال صاحب الكتاب: هذا أحسن قول سمعته في المطابقة من غيره، وأجمعه لفائدة، وهو مشتمل على أقوال الفريقين وقدامة جميعاً، وأما قول الخليل إذا جمعت بينهما على حذو واحد ألصقتهما فهو مساواة المقدار من غير زيادة ولا نقصان كما قال الرماني، يشهد بذلك قول لبيد:\rتعاورن الحديث وطبقنه ... كما طبقت بالنعل المثالا\rومنه طبقت المفصل أي: أصبته فلم أزد في العضو شيئاً ولم أنقص منه.. وكذلك قول الأصمعي \" أصلها من وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع هو مساواة المقدار أيضاً؛ لأن من ذوات الأربع ما تجاوز رجله موضع يده، ومنها ما يطابق كما قال خلقة، وربما كان طباقها من ثقل تحكله أو شكيمة تمنعها أو شيئاً تتقيه على أنفسها، ولذلك شبه النابغة الجعدي مشي الخيل بوطء الكلاب الهراس، وهو حطام الشوك؛ فهي لا تضع أرجلها إلا حيث رفعت منه أيديها طلباً للسلامة.\rوأما قول قدامة في المطابق هو ما اشترك في لفظة واحدة بعينها فإنه أيضاً مساواة لفظٍ للفظ، وهي أعني المساواة على رأي الخليل والأصمعي مساواة معنى لمعنى، وقد يكون المراد أيضاً مطابقة الفظ للمعنى، أي: موافقته، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يطابق فلان على كذا إذا وافقه عليه وساعده فيه؛ فيكون مذهب قدامى أن اللفظ وافقت معنى، ثم وافقت بعينها معنى آخر، ويصح هذا أيضاً في قول الخليل في الطباق إنه جمعك بين الشيئين على حذو واحد فيكون الشيئان للمعنيين، والحذو الواحد: اللفظة.\rومن مليح ما رأيته في المطابقة قول كثير بن عبد الرحمن يصف عيناً\rوعن نجلاء تدمع في بياض ... إذا دمعت، وتنظر في سواد\rقال أيضاً:\rووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم، ولا أكثرت إلا أقلت\rوقال ابن المعتز، ويروى لابن المعذل:\rهواي هوا باطن ظاهر ... قديم حديث لطيف جليل\rولبعض الأعراب:\rأمؤثرة الرجال علي ليلى ... ولم أوثر على ليلى النساء\rوقال إعرابي: الدراهم مياسم تسم حمداً أو ذماً، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له ونظم الشاعر هذا الكلام فقال:\rأنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك\rومن الطباق الحسن قول إعرابي: خرجنا حفاة حين أنتعل كل شيء ظله، وما زادنا إلا التوكل وما مطايانا إلا الأرجل، حتى لحقنا بالقوم.\rوقال آخر لصاحبه: إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنياً فلا تحرم تقوى، فرب شبعان من النعم غرثان من الكرم؛ وأعلم أن المؤمن على خير ترحب به الأرض وتستبشر به السماء، ولن يساء إليه في بطنها وقد أحسن على ظهرها.. ولربيعة بن مقروم الضبي:\rفدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل\rومن أفضل كلام البشر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات؛ فو الدي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا دار، إلا الجنة أو النار فهذا هو المعجز الذي لا تكلف فيه ولا مطمع في الإتيان بمثله. وقال الله عز من قائل: وما يستوي الأعمى والبصر، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات وعد ابن المعتز من المطابقة قول الله عز وجل: ولكم في القصاص حياة لأن معناه: القتل أنفة للقتل فصار القتل سبب الحياة، وهذا من أملح الطباق وأخفاه.\rومما استغربه الجرجاني من الطباق واستلطفه قول الطائي:\rمها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل\rلمطابقته بهاتا وتلك، وإحداهما للحاضر وأخرى للغائب، فكانتا في المعنى نقيضتين وبمنزلة الضدين، هذا قوله، وليس عندي بمحقق؛ إنما إحداهما للقريب والأخرى للبعيد المشار إليه، ولكن الرجل أراد التخلص فزل في العبارة.\rومثل هذا عندي في بابه قول أبي الطيب يذكر خيل العدو الزاحف للحرب:\rضربن إلينا بالسياط جهالة ... فلما تعارفنا ضربن بها عنا\rفقوله ضربن إلينا مجيء إقدام، وقوله ضربن بها عنا ذهاب فرار، وهما ضدان.\rومن أنواع الطباق قول هدبة بن خشرم:","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"فإن تقتلونا في الحديد فإننا ... قتلنا أخاكم مطلقاً لم يكبل\rفقوله في الحديد ضد قوله مطلقاً لم يكبل وإن لم يأتي على متعارف المضادة، وكذلك قوله:\rفإن يك أنفي زال عني جماله ... فما حسبي في الصالحين بأجدع\rكأنه قال: وإن يك أنفي أجدع فما حسبي بأجدع.\rقال الجرجاني: وقد يخلط من يقصر علمه ويسوء تمييزه بالمطابق ما ليس منه، كقول كعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه:\rلقد كان أماً حلمه فمروج ... علينا، وأما جهله فعزيب\rلما رأى الحلم والجهل ووجد مروحاً وعزيباً جعلهما في هذه الجملة، ولو ألحقنا ذلك بها لوجب أن يلحق أكثر أصناف التقسيم، ولا تسع الخرق فيه حتى يستغرق أكثر الكلام.\rقال صاحب الكتاب: معنى قوله فيما أنكر أن البيت إنما حقه أن يكون في باب المقابلة؛ لمقابلة الشاعر فيه كلمتين بكلمتين تقرباني من مضادتهما، وليستا بضدين على الحقيقة، ولو كانتا ضدين لم يكن ما زاد على لفظتين متضادتين أو مختلفتين إلا مقابلة، فإن لم يكن بين الألفاظ مناسبة البتة إلا الوزن سمى موازنة، وسأذكره في باب المقابلة إن شاء الله، هكذا جرت العادة في هذه التسمية.\rوأما قولنا إن الكلمتين غير متفاوتتين فظاهر؛ لأن الحلم ليس ضده في الحقيقة الجهل، وإنما ضده السفه والطيش، وضد الجهل العلم والمعرفة وما شاكلهما، وكذلك المروح ليس ضده العزيب وإنما ضده المغدو به أو المبكر به، وما أشبههما ولما ثقل وزن المروح من هاتين اللفظتين وقل استعماله تسمحت فيهما، وأما العزيب فهو البعيد والغائب، ولا مضادة بينه وبين المروح إلا بعيدةً، كأنه يقول: إن هذا يأتي لوقته وذلك بعيد خفي لا يأتي ولا يعرف، على أنا نجد أبا تمام إمام الصنعة قد قال:\rولقد سلوت لو أن داراً لم تلح ... وحلمت لو أن الهوا لم يجهل\rوقال زهير، وزعموا أنه لأوس بن الحجر:\rإذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل\rلما وجده خلافاً له طابق بينها كما يفعل بالضد، وإن كان الخلاف مقصراً عن رتبة الضد في المباعدة، والناس متفقون على أن جميع المخلوقات: مخالف، وموافق، ومضاد، فمتى وقع الخلاف في باب المطابقة فإنما هو على معنى المسامحة وطرح الكلفة والمشقة، وأنشد غير واحد من العلماء لحسين بن مطير:\rبسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها\rورواه ابن الأعرابي في نسق أبيات:\rبصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها\rوهذه الرواية أدخل في الصنعة، وقال الرماني وغيره: السواد والبياض ضدان، وسائر الألوان يضاد كل واحد منها صاحبه، إلا أن البياض هو ضد السواد على الحقيقة؛ إذ كان كل واحد منهما كلما قوي زاد بعداً من صاحبه، وما بينهما من الألوان كلما قوى زاد قرباً من السواد، فإن ضعف زاد قرباً من البياض، وأيضاً فلأن البياض منصبغ لا يصبغ، والسواد صابغ لا منصبغ، وليس سائر الألوان كذلك؛ لأنها كلها تصبغ ولا تنصبغ، انقضى كلامهم، وهو بين ظاهر لا يخفى على أحد، وإنما أوردته إبطالا لزعم من زعم أن أفضل مطابقة وقعت قول عمرو بن كلثوم:\rبأنا نورد الرايات بيضاً ... ونصدرهن حمراً قد روينا\rومن أخف الطباق روحاً، وأقله كلفة، وأرسخه في السمع، وأعقله في القلب؛ قول السيد أبي الحسن في قصيدة:\rألا ليت أياماً مضى لي نعيمها ... تكر علينا بالوصال فننعم\rوصفراء تحكي الشمس من عهد قيصر ... يتوق إليها كل من يتكرم\rإذا مزجت في الكأس خلت لآلئا ... تنثر في حافاتها وتنظم\rجمعنا بها الأشتات من كل لذة ... على أنه لم يغش في ذاك محرم\rفطابق بين تنثر وتنظم وبين جمعنا والأشتات أسهل طباقاً وألطفه من غير تعمل ولا استكراه، وأتى في البيت الأول من قوله مضى وتكر بأخفى مطابقة، وأظرف صنعة على مذهب من انتحله.\rومما يغلط فيه الناس كثيراً في هذا الباب الجمال والقبح كقول بعض المحدثين.\rوجهه غاية الجمال، ولكن ... فعله غاية لكل قبيح\rوليس لضده، وإنما ضده الدمامة، والقبح ضده الحسن. وقال الصولي أبو بكر يصف قلماً:","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"ناحل الجسم ليس يعرف مذكاً ... ن نعيما، وليس يعرف ضراً\rوليس بيهما مضادة. وإنما ضد النعيم البؤس، فأما قول أبي الطيب:\rفالسلم تكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء\rفإنه داخل في الطباق المحض؛ لأن المراد بالهيجاء الحرب وهي اسم من أسمائها، فكأنه قال الحرب، فأتى بضد السلم حقيقة.\rباب ما اختلط فيه التجنيس بالمطابقة\rمن ذلك أن يقع في الكلام شيء مما يستعمل للضدين: كقولهم جلل بمعنى صغير، وجلل بمعنى عظيم؛ فإن باطنه مطابقة، وإن كان ظاهره تجنيساً، وكذلك الجون الأبيض، والجون الأسود، وما أشبه ذلك وكذلك إن دخل النفي كما قدمت، قال البحتري:\rيقيض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم\rفهذا مجانس في ظاهره، وهو في باطنه مطابق؛ لأن قوله لا أعلم كقوله أجهل، ومثل ذلك قول الآخر:\rلعمري لئن طال الفضيل بن ديسم ... مع الظل ما إن رأيه بطويل\rكأنه قال: إن رأيه قصير، وقد جاء في القرآن: \" هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون \" فأما قول الفرزدق:\rلعمري لئن قل الحصى في عديدكم ... بني مهشل ما لؤمكم بقليل\rظاهره تجنيس بالقلة، وباطنه تطبيق بالكثرة؛ إذ كان معنى قل الحصى في عديدكم أنكم كثير، ومعنى ما لؤمكم بقليل أنه كثير أيضاً، فخاف الأول، وقد قال جلهمة بن أد بن مالك وهو طيء لولده في وصية: \" ولا تكونوا كالجراد أكل ما وجد وأكله ما وجده \" فهذا مجانس الظاهر مطابق الباطن، ومما أنشده ثعلب:\rأبى حبي سليمى أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقاً جديدا\rالجديد هنا: المجدود وهو المقطوع، مثل قتيل وهزيل بمعنى مقتول ومهزول، كأنه قال مجدوداً، أي: مقطوعاً، فليس بمطابق، وإن كان كذلك في الظاهر عند من لا يميز، فأما المميز فيعلم أنه لا يكون خلقاً جديداً في حال: وقال العتابي يعاتب المأمون وقد حجب عنه وكان به حفياً:\rتضرب الناس بالمهندة البي ... ض على غدرهم وتنسى الوفاء\rفأتى بالغدر والوفاء، جميعاً، وهما ضدان، فطابق بينهما في الظاهر وباطن كلامه مجانس لأن قوله وتنسى الوفاء كقوله تغدر.\rوقال جرير أيضاً:\rأتصحو أم فؤادك غير صاح.\rفقوله غير صاح نقيض أتصحو لولا استفهام لم تعلم حقيقة محصوله بعد، إلا على مذهب من جعل أم بمعنى بل فكأنه قال لنفسه: بل فؤادك غير صاح، فناقض الصحو، ودخل كلامه في المطابقة.. وقال قيس بن الخطيم، ويروي لعدي:\rوإني لأغنى الناس عن متكلف ... يرى الناس ضلالاً وليس بمهتدي\rكأنه قال وهو ضال فجانس في الباطن، وإن كان قد طابق في الظاهر. ومن هذا الباب قولك فاعل ومفعول، نحو خالق ومخلوق وطالب ومطلوب هما ضدان في المعنى، وإن تجانسا في اللفظ، وكذلك ما كان اسم الفاعل منه مفعل والمفعول مفعل نحو مكرم ومكرم و معط ومعطى وما جرى هذا المجرى أو زاد عليه في البناء، وأما قولك قضيت واقتضيت فظاهره تجنيس وباطنه طباق، إلا أنه غير محض، وكذلك قولك أخذت وأعطيت؛ لأن الأخذ ضده الترك، والإعطاء ضد المنع، فهذا مما يظنه من لا يحسن طباقاً وليس كما ظن، ولكنه كثر جداً في الكلام، واستعمله الناس، كما تقدم من قولنا في الحلم والجهل والجمال والقبح.\rومما ظاهره تجنيس وباطنه طباق الوعد والوعيد كما قال الشاعر:\rوإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\rوأول ما يعتد به في هذا الباب قول امرئ القيس:\rفإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد\rويروى فإن تكتموا الداء لا نخفه وقوله لا نخفه أي: لنبده من قوله تعالى: أكاد أخفيها فكأن الشاعر قال: إن تدفنوا الداء ندعه دفيناً أو قال: إن تكتموا الداء نكتمه، وكذلك قوله لا نقعد كأنه قال: إن تبعثوا الحرب نبعثها، ومن كلام السيد أبي الحسن:\rوأعلم أن المجد شيء مخلد ... وأن الفتي والمال غير مخلد\rوالبيت من قصيدة شريفة أولها:\rصحا القلب عن سعدي وعن أم مسعد ... ولم يشجني نوح الحمام المغرد\rباب المقابلة\rالمقابلة: مواجهة اللفظ بما يستحقه في الحكم، هذا حد ما اتضح عندي","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"المقابلة: بين التقسيم والطباق، وهي تتصرف في أنواع كثيرة، وأصلها ترتيب الكلام على ما يجب؛ فيعطي أول الكلام ما يليق به أولاً، وآخره ما يليق به آخراً، ويأتي في الموافق بما يوافقه، وفي المخالف بما يخالفه.\rوأكثر ما تجئ المقابلة في الأضداد، فإذا جاوز الطباق ضدين كان مقابلة مثال ما أنشده قدامة لبعض الشعراء، وهو:\rفيا عجباً كيف اتفقنا؛ فناصح ... وفي، ومطوي على الغل غادر؟\rفقابل بين النصح والوفاء بالغل والغدر، وهكذا يجب أن تكون المقابلة الصحيحة، لكن قدامة لم يبال بالتقديم والتأخير في هذا الباب، وأنشد للطرماح:\rأسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم التربا\rفما صبروا بلأس عند حرب ... ولا أدوا لحسن يدٍ ثوابا\rفقدم ذكر الإنعام على المأسورين، وأخر ذكر القتل في البيت الأول؛ وأتى في البيت الثاني بعكس الترتيب، وذلك أنه قدم ذكر الصبر عند بأس الحرب وأخر ذكر الثواب على حسن اليد، اللهم إلا أن يريد بقوله فما صبروا لبأس عند حرب القوم المأسورين إذ لم يقاتلوا حتى يقتلوا دون الأسر وإعطاء اليد؛ فإن المقابلة حينئذ تصح وتترتب على ما شرطنا، وهذه عندهم تسمى مقابلة الاستحقاق، ويقرب منها قول أبي الطيب: وفعله ما تريد الكف والقدم لأن الكف من اليد بمنزلة القدم من الرجل، فبينهما مناسبة وليست مضادة، ولو طلبت المضادة لكان الرأس أو الناصية أولى، كما قال تعالى: \" فيؤخذ بالنواصي والأقدام \" .\rومن أناشيد المقابلة قول النابغة الجعدي:\rفتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعادية\rفقابل يسر بيسوء وصديقه بالأعادي، وهذا جيد؛ ولو كان كل مقابل على وزن مقابله في هذا البيت والبيت الذي أنشده قدامة أولاً لكان أجود..\rوقال عمرو بن معدي كرب الزبيدي:\rويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفنى قبل زاد القوم زادي\rفقال يبقى بعد ثم قال يفنى قبل فهذا كما أردنا.\rوقال الفرزدق:\rوأنا لنمضي بالأكف رماحنا ... إذا أرعشت أيديكم بالمعالق\rسأل أبو جعفر المنصور أبا دلامة فقال: أي بيت قالته العرب أشعر؟ قال: بيت يلعب به الصبيان، قال: وما هو ذلك؟ قال: قول الشاعر:\rما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل\rوقال يزيد بن محمد المهلبي، يقوله لسليمان بن وهب:\rفمن كان للآثام والذل أرضه ... فأرضكم للأجر والعز معقل\rوقال في التغزل:\rإن تغيبي عني فسقياً ورعياً ... أو تحلي فينا فأهلاً وسهلاً\rوالمعجز قوله الله تعالى: \" ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً ولتبتغوا من فضله \" فقابل الليل بالسكون، والنهار بابتغاء الفضل، وجعل بعض المفسرين الليل والنهار بمعنى الزمان، والأول أعجب إلى، وقال تعالى: \" وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين \" .\rومن جيد المقابلة قول بكر بن النطاح الحنفي:\rأذكى وأوقد للعداوة والقرى ... نارين نار وغى ونار زناد\rوكذلك قوله:\rلباسي حسام أو إزار معصفر ... ودرع حديد أو قميص مخلق\rإلا أنه لو كان الإزار رداء كان أجود، لا سيما والسيف يسمى رداء، ولكنا هكذا رويناه.\rومن خفي المقابلة والقسمة قول العباس بن الأحنف وأحسن ما شاء:\rاليوم مثل الحول حتى أرى ... وجهك، والساعة كالشهر\rوهذا مليح؛ لأن الساعة من اليوم كالشهر من الحول جزء من اثني عشر.\rوقال محمد بن أحمد العلوي:\rلا تؤخر عني الجواب فيومي ... مثل دهر، وساعتي مثل شهر\rفلم يصنع شيئاً، وكان يمكنه أن يجعل مكان دهر حولا؛ فتكون قسمة مستوية، ولكنا هكذا رويناه.\rومن جيد ما وقع في المنثور من المقابلة قول بعض الكتاب فإن أهل الرأي والنصح لا يساويهم ذوو الأفن والغش، وليس من يجمع إلى الكفاية الأمانة كمن أضاف إلى العجز الخيانة ومن كلام إبراهيم بن هلال الصابي وأعد لمحسنهم جنة وثواباً، ولمسيئهم ناراً وعقاباً.\rوقال أبو الفتح محمود بن حسين كشاجم:\rتريك الحسن والإحسان وقفاً ... إذا برزت لنا وإذا تغيب\rومما عابه الجرجاني على ابن المعتز:","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"بياض في جوانبه احمرارٌ ... كما احمرت من الخجل الخدود\rلأن الخدود متوسطة وليست جوانب؛ فهذا من سوء المقابلة، وإن عده الجرجاني غلطاً في التشبيه، وإنما العلة في كونه غلطاً ما ذكرناه..\rومن المأخوذ المعيب عندي قول الكميت يخاطب قضاعة:\rرأيتكم من مالك وادعائه ... كرائمة الأولاد من عدم النسل\rفوقع تشبيهه على الادعاء والرثمان خاصة، لا على صحة المقابلة في الشبهين؛ لأن هؤلاء فيما زعم يدعون أبا، والرائمة تدعى ولداً، وهما ضدان.\rوالصواب قول الآخر يهجو كاتباً، أنشده الجاحظ:\rحمار في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حرب في زياد\rوقال أبو نواس:\rأرى الفضل للدنيا وللدين جامعاً ... كما السهم فيه فوق والريش والنصل\rفزاد في المقابلة قسماً؛ لأنه قابل اثنين بثلاثة.\rوكذلك قول أبي قيس ابن الأسلت:\rالحزم والقوة خير من ال ... إدهان والفكة والهاع\rفقابل الحزم بالإدهان، والقوة بالفكة وهي الضعف ويروي الفهة وهي العي، وزاد الهاع، وهو الجبن والخفة.\rومما سقط فيه عبد الكريم من جهة المقابلة وإن كان تمثيلاً وتشبيهاً قوله يمدح نزار بن معد صاحب مصر:\rإلى ملكٍ بين الملوك وبينه ... مسافة ما بين الكواكب والترب\rلأنه لما أتى بالملوك أولاً وبضمير الممدوح وهو الهاء التي في بينه بعد ذلك، ثم أتى بالكواكب وهي جماعة تقابل الملوك وبالترب وهو واحد يقابل الضمير باتحاده؛ أوجب له بهذا الترتيب أن يكون هو الترب، وتكون الملوك هم الكواكب، ولم يرد إلا أن يجعله موضع الكواكب، ويجعلهم موضع الترب، ولكن حكم عليه ما حكم على ابن المعتز الذي إليه انتهى التشبيه وسر صناعة الشعر.. ويدلك على صحة ما طلبته به قول امرئ القيس بن حجر:\rكأن القلوب الطير رطباً ويابساً ... لدي وكرها العناب والحشف البالي\rقابل الرطب أولا بالعناب مقدماً، وقابل اليابس ثانياً بالحشف تاليا. وكذلك قول الطرماح:\rيبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد\rفقابل يبدو بيسل، وقابل تضمره البلاد بيغمد، على ترتيب، وكذلك كان يجب لهؤلاء أن يصنعوا، وإلا كانوا مخطئين أو مقصرين.\rومن المقابلة ما ليس مخالفاً ولا موافقاً كما شرطوا إلا في الوزن والازدواج فقط، فيسمى حينئذ موازنة نحو قول النابغة:\rأخلاق مجد تجلت ما لها خطر ... في البأس والجود بين الحلم والخبر\rوعلى هذا الشعر حشا النعمان بن المنذر فم النابغة دراً.\rوينضاف إلى هذا النوع قول أبي الطيب:\rنصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال\rفوازن قوله في حياتك بقوله في منامك وليس بضده ولا موافقه، وكذلك صنع في الموازنة بين حبيب وخيال، وإن اختلف حرف اللين فيهما، فإن تقطيعه في العروض واحد.\rفأما قول أبي تمام:\rفكنت لناشيهم أباً، ولكهلهم ... أخاً، ولذي التقويس والكبرة ابنما\rفإنه من أحكم المقابلة وأعدل القسمة.\rوقد بنيت في أول هذا الباب أن المقابلة بين التقسيم والطباق؛ فكلما توفر حظها منهما كانت أفضل.\rومن أملح ما رويناه في الموازنة وتعديل الأقسام مما يجب أن نختم به هذا الباب قول ذي الرمة:\rأستحدث الركب عن أشياعهم خبراً ... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟؟\rلأن قوله أستحدث الركب موازن لقوله أم راجع القلب وقوله عن أشياعهم خبراً موازن لقوله من أطرابه طرب وكذلك الركب موازن للقلب وعن موازن لمن، وأشياعهم موازن أطرابه وخبراً موازن لطرب.\rوقال السيد أبو الحسن في هذا النوع:\rلكفاك أندى من غيوم سواجم ... وعزمك أمضى من حسام مهند\rفكل لفظة من القسيم الأول موازنة لأختها من القسيم الآخر موازنة عدلٍ وتحقيق.\rباب التقسيم\rاختلف الناس في التقسيم: فبعضهم يرى أنه استقصاء الشاعر جميع أقسام ما ابتدأ به، كقول بشار يصف هزيمة:\rبضرب يذوق الموت من ذاق طعمه ... ويدرك من نجى الفرار مثالبه\rفراح فريق في الأساري، ومثله ... قتيل، ومثل لاذ بالبحر هاربه","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"فالبيت الأول قسمان: إما الموت، وإما حياة تورث عاراً ومثلبة، والبيت الثاني ثلاثة أقسام: أسير، وقتيل، وهارب؛ فاستقضى جميع الأقسام، ولا يوجد في ذكر الهزيمة زيادة على ما ذكر.\rومثل ذلك قول عمرو بن الأهتم إلا أنه أكثر إيجازاً:\rاشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير\rفجمع الوجوه كلها في مصراع واحد.\rومن التقسيم الجيد قول نصيب:\rفقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعم، وفريق قال: ويحك ما ندري\rفلم يبق جواب سائل إلا أتى به؛ فاستوفى جميع الأقسام، وزعم قوم أنه أفضل بيت وقع فيه تقسيم.\rومن أناشيد قدامة في هذا الباب قول الشماخ يصف حمار وحش:\rمتى ما تقع أرساغه مطمئنةً ... على حجر يرفض أو يتدحرج\rفلم يبق الشماخ قسماً ثالثاً إلا أن يقول: يغوص في الأرض، وذلك لا يلزم؛ من جهة أن الحافر عند الجرى وسرعة المشي يقذف الحجر إلى وراء، إلا أنه لو أتى به لكان حسناً من أجل قوله مطمئنة.\rومن أشرف المنثور في هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وهل لك يابن آدم بن مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت \" فلم يبق عليه الصلاة والسلام قسماً رابعاً لو طلب يوجد.. وقال نافع بن خليفة: يا بني، اتقوا الله بطاعته، واتقوا السلطان بحقه، واتقوا الناس بالمعروف فقال رجل منهم: ما بقي شيء من أمر الدين والدنيا إلا وقد أمرتنا به.. وقال أعرابي إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه ضاعت الأمور وكان ثابت البناني يقول: الحمد لله وأستغفر الله فسئل: لم خصهما؟ فقال: لأني بين نعمة وذنب؛ فاحمد الله على النعمة، وأستغفره من الذنوب.. ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله من تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت، فقال الحسن: ما ترك البدوي منكم أحداً إلا وقد سأله.\rثم نعود إلى الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\rوهبها كشيء لم يكن، أو كنازح ... به الدار، أو من غيبته المقسابر\rفلم يبق مما يعبر به عن إنسان مفقود قسماً إلا أتى به في هذا البيت.\rوقال آخر، وأحسبه أبا دهبل الجمحي أو طريحاً:\rلو قلت للسيل دع طريقك وال ... موج عليه كالهضب يعتلج\rلارتد، أوساخ، أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج\rولا يدع السيل طريقه إلا بأحد هذه الأشياء.\rوقال أبو العتاهية:\rوعلى من كلفي بكم ... قيد وجامعة وغل\rفأتى على جميع ما يتخذ للمأسور أو المجنون ولم يبقى قسماً هذا وأمثاله مما قدمت هو الجيد من التقسيم؛ وأما ما كان في بيتين أو ثلاثة فغير عاجز عنه كثير من الناس.\rوزعم الحاتمي أن أصح تقسيم وقع لشاعر قول الأسعر الجعفي يصف فرساً:\rأما إذا استقبلته فكأنه ... بازٍ يكفكف أن يطير وقد رأى\rأما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق قموس الوقع عارية النسا\rأما إذا استعرضته متمطراً ... فتقول: هذا مثل سرحان الغضا\rواختاره أيضاً قدامة، وليس عندي بأفضل من قول امرئ القيس إلا بشرف الصفات:\rإذا أقبلت قلت دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر\rوإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر\rوإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر\rولو لم يكن إلا تنسيق هذا الكلام بعضه على بعض، وانقطاع ذلك بعضه من بعض، وقد صنعت على ضعف متني وتأخر وقتي:\rإذا أقبلت أقعت، وإن أدبرت كبت ... وتعرض طولاً في العناني فتستوي\rوكلفت حاجاتي شبيهة طائر ... إذا انتشرت ظلت لها الأرض تنطوي\rومن التقسيم نوع هو هذا الأول إلا أن فيه زيادة تدريجاً وترتيباً فصعب لذلك على متعاطيه وقل جداً.. فأحسنه قول زهير بن أبي سلمى:\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا\rفأتى بجميع ما استعمل في وقت الهياج، وزاد ممدوحه رتبة، وتقدم به خطوة على أقرانه، ولا أرى في التقسيم عديل هذا البيت، ويليه في باله قول عنتر:","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"إن يلحق أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل\rويروى وإن يقفوا ومما ينضاف إليهما قول طريح بن إسماعيل الثقفي:\rإن يسمع الخير يخفوه، وإن سمعوا ... شراً أذاعوا، وإن لم يسمعوا كذبوا\rوقال الحصين بن الحمام:\rدفعناكم بالحلم حتى بطرتم ... وبالكف حتى كان رفع الأصابع\rفلما رأينا جهلكم غير منتهي ... وما قد مضى من حلمكم غير راجع\rمسنا من الآباء شيئاً، وكلنا ... إلا حسب في قومه غير واضح\rفلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع\rكأنه يقول: نحن أكرم منكم أمهات، فهذا هو التدريج في الشعر.\rوبعضهم في التقسيم على خلاف ما قدمت: زعم أبو العيناء أن خير تقسيم قول ابن أبي ربيعة:\rتهيم إلى نعم؛ فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول، ولا أنت مقصر\rولا قرب نعم إن دنت منك نافع، ... ولا نأيها يسلى، ولا أنت تصبر\rواختار قوم آخرون قول الحارثي:\rفلا كمدى يفنى، ولا لك رقة، ... ولا عنك إقصار، ولا فيك مطمع\rوزعم الفرزدق أن أكمل بيت قالته العرب أو قال: أجمع بيت قول امرئ القيس:\rله أيطلا ظبي، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل\rوقال الأعشي يصف فرساً:\rسلس مقلده، أسي ... ل خده، مرع جنابه\rوقال عمرو بن شأس:\rمدمج سابغ الضلوع طويل الش ... خص عبل الشوي ممر الأعالي\rوقال أبو دؤاد الإيادي:\rبعيد مدى الطرف حاظي البضيغ ... ممر المطا سمهري القصب\rهذا وما قبله يسمى جمع الأوصاف، وسماه بعض الحذاق من أهل الصناعة التعقيب العين قبل القاف وأما التقعيب فمكروه في الكلام.\rوكان محمد بن موسى المنجم يحب التقسيم في الشعر، وكان معجباً بقول العباس بن الأحنف:\rوصالكم صرم وحبكم قلي ... وعطفكم صد وسلمكم حرب\rويقول: أحسن والله فيما قسمحين جعل كل شيء ضده، والله إن هذا التقسيم لأحسن من تقسيمات إقليدس، حكى ذلك الصولي..\rومن مليح التقسيم قول داود بن سلم:\rفي باعه طول، وفي وجهه ... نور، وفي العرنين منه شمم\rفوصف بعض أحواله وقسمها كما فعل الأولون.\rومن أنواع التقسيم التقطيع، أنشد الجرجاني للنابغة الذبياني:\rولله عيناً من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى أو أكثر نافعاً\rوأعظم أحلاماً و أكبر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعاً\rوسماه قوم منهم عبد الكريم التفصيل، وأنشد في ذلك:\rبيض مفارقنا، تغلي مراجلنا ... ناس بأموالنا آثار أيدينا\rوقال البحتري:\rقف مشوقاً، أو مسعداً، أو حزيناً ... أو معيناً، أو عاذراً أو عذولاً\rفقطع وفصل كما تراه. وقال أبو الطيب:\rفيا شوق ما أبقى، ويا لي من النوى، ... ويا دمع ما أجرى، ويا قلب ما أصى\rففصل كما فعل أصحابه وجاء به على تقطيع الوزن، كل لفظتين ربع بيت..\rوقال أيضاً:\rللسبي ما نكح، والقتل وما ولد، ... والنهب ما جمع، والنار ما زرعوا\rوإذا كان تقطيع الأجزاء مسجوعاً أو شبيهاً بالمسجوع فذلك هو الترصيع عند قدامة، وقد فضله وأطنب في وصفه إطناباً عظيماً.. وأنشد أبيات أبي المثلم يرثى صخر الغي:\rلو كان للدهر مال عند متلده ... لكان للدهر صخر مال قنيان\rآبي الهضيمة، ناب بالعظيمة، مت ... لاف الكريمة لا سقط ولان وان\rحامي الحقيقة، نسال الوريقة، مع ... تاق الوسيقة، جلد غير ثنيان\rرباء مرقبة، مناع مغلبه ... ركاب سهبلة، قطاع أقران\rهباط أودية، حمال ألوية ... شهاد أندية، سرحان فتيان\rيعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه ... من التلاد وهوب غير منان\rوللقدماء من هذا النوع، إلا أنهم لا يكثرون منه كراهة التكلف.. قال أبو دؤاد يصف فرساً، وقيل: بل رجل من الأنصار:\rفالعين قادحة، والرجل ضارحة ... واليد سابحة، واللون غربيب","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"والشد منهمر، والماء منحدر، ... والقصب مضطمر، والمتن ملحوب\rوقال الكميت بن زيد في ذلك:\rكالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذخائر\rوإلى هذا ذهب أبو الطيب بقوله:\rالناعمات القاتلات المحييا ... ت المبديات من الدلائل غرائبا\rوقال توبة بن الحمير، وفيه التقسيم والترصيع:\rلطيفات أقدام، نبيلات أسوق ... لفيفات أفخاذ، دقاق خصورها\rوقال مسلم بن الوليد صريع الغواني:\rكأنه قمر، أو ضيغم هصر، ... أو حية ذكر، أو عارض هطل\rوقال أيضاً:\rيورى بزندك، أو يسعى بجندك، أو ... يفرى بحدك، كل غير محدود\rومن كلام أبي تمام، وكان يجيد التصنيع:\rتجلى به رشدي، وأثرت به يدي، ... وفاض به ثمدي، وأروى به زندي\rوقال أيضاً وأحسن ما شاء:\rتدبير معتصم، بالله منتقم، ... لله مرتقب، في الله مرتغب\rوقال أيضاً في غير هذا النمط:\rعن ثامر ضاف، ونبت قرارة ... واف، ونور كالمراجل خافي\rالمراجل: ثياب.. وقال كشاجم:\rهلال في إضاءته حياء في سماحته شهاب في اتقاده\rومن جيد ما للمحدثين قول ديك الجن:\rحر الإهاب وسيمه، بر الإيا ... ب كريمه، محض النصاب صميمه\rفأكثر البيت ترصيع كيف ما أدرته..\rوكان المذهب الأول وهو المحمود أن يؤتى ببيت من هذا أو بعض بيت، كما قال امرؤ القيس:\rوأوتاده ماذية، وعماده ... ردينية، فيها أسنة قعضب\rوكما قال امرؤ القيس:\rكحلاء في برج، صفراء في نعج، ... كأنها فضة قد مسها ذهب\rوأما ما هو شبيه بالمسجوع فقول امرئ القيس:\rفتور القيام، تطوع الكلا ... م، تفتر عن ذي غروب أشر\rوقوله ألص الضروس، حنى الضلوع فجاء فتور في وزن قطوع، وكذلك الضروس والضلوع، وألص وحنى.\rثم أدخل المولدون في هذا الباب أشياء عدوها تقطيعاً وتقسيماً، وذلك نحو قول أبي العميثل الأعرابي:\rفاصدق وعف وجد وأنصف واحتمل ... واصفح ودار وكاف واحلم واشجع\rوالطف ولن وتأن وارفق واتئد ... واحزم وجد وحام واحمل وادفع\rوكقول ديك الجن:\rأحل وأمرر، وضر وانفع ولن واخ ... شن ورش وابر وانتدب للمعالي\rوقول أبي الطيب:\rأقل أنل اقطع احمل على سل أعد ... زد هش بش تفضل ادن سر صل\rثم زاد في هذا وتباغض حتى صنع:\rعش ابق أمم سد قد جد مر انه رهفه أسر نل ... غظ ارم صب احم اغز اسب رع زغ دل ائن بل\rفهذه رقية العقرب كما قال ابن وكيع، ولا بد من شرحها.. قوله عش ابق دعاء له بالعيش والبقاء، واسم: من السمو، وسد: من السيادة: أي دم هكذا، وقد: من قود الخيل، وجد: من الجود والسماح، أو من الجود وهو المطر الغزير، مرانه: من الأمر والنهي، ره: من الورى تثبت الهاء فيه أظنه في الخط دون اللفظ، على أنه ليس موضع وقف، ولا يجب أن يكتب بلا هاء لئلا يخالف العادة وتقع كلمة على حرف واحد، والورى: داء في الجوف: أي اصنع ذلك بإعدائك وحسادك، فه: من الوفاء، واسر: من سرى الليل، يصفه بالعزم والغارات، ونل: من النيل والإدراك، أي: نل ما تحب، وروى نل أي أعط، من النول، ويقال: نلته إذا أعطيته، وغظ: من غيظ الحسود، ويروي عظ من الوعظ، وارم: من رمي العدو بالمكايد وغيرها، وصب: من صاب المطر والهم، واحم: من حميت المكان، واغز: من الغزو، واسب: من السبي وارع: من الروع، وزع: من وزعت، أي: كففت، ود: من الدية، ول: من الولاية للأمور وقد يكون من المطر الولي، واثن: من الثنى أضداده إذا ردهم، وبل: من الوابل، وهذه غاية المقت والبغاضة وإن كان ولا بد فقوله أيضاً:\rدان بعيد، محب مبغض، بهج ... أغر، حلو ممر، لين شرس\rندي أبي غر واف أخو ثقة ... جعد سرى نهٍ ندب رضاً ندس\rند: من الندى، وغر: من غرى به، ونهٍ: من النهى، وأصل هذا كله من قول امرئ القيس:\rأفاد فجاد، وشاد فزاد ... وقاد فذاد، وعاد فأفضل\rباب التسهيم\rوقدامة يسميه التوشيح.. وقيل:","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"إن الذي سماه تسهيماً علي بن هارون المنجم، وأما ابن وكيع فسماه المطمع، وهو أنواع: منه ما يشبه المقابلة، وهو الذي اختاره الحاتمي، نحو قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:\rفأقسم يا عمرو لو نبهاك ... إذاً نبها منك داء عضالا\rإذاً نبها ليث عريسةٍ ... مفيتاً مفيداً نفوساً ومالا\rخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا\rفكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا\rأردت قولها مفتياً نفوساً ومفيداً مالاً فقابلت مفتياً بالنفوس ومفيداً بالمال، وكذلك قولها في البيت الأخير لما ذكرت النهار جعلته شمساً ولما ذكرت الليل جعلته هلالاً لمكان القافية، ولو كانت رائية لجعلته قمراً .\rوسر الصنعة في هذا الباب أن يكون معنى البيت مقتفياً قافيته، وشاهداً بها دالاً عليها كالذي اختاره قدامة للراعي، وهو قوله:\rوإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزيناً\rفهذا النوع الثاني هو أجود من الأول للطف موقعه.\rوالنوع الثالث شبيه بالتصدير، وهو دون صاحبيه، إلا أن قدامة لم يجعل بينهما فرقاً.. وأنشد للعباس بن مرداس:\rهم سودوا هجناً وكل قبيلة ... يبين عن أحسابها من يسودها\rوقال نصيب الأكبر مولى بني مروان:\rوقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك إن نفع اليقين\rوإن تأملت قوافي ما هذه سبيله لم تجد له من لطف الموقع ما لقافية الراعي وإنما أختير هذا النوع على ما ناسب المقابلة والتصدير لأن كل واحد منهما مدلول عليه من جهة اللفظ: إما بالترتيب، وإما باشتراك المجانسة، والقافية في بيت الراعي دالة على نفسها بالمعنى وحده، فصار استخراجها أعجب وأغرب، وتمكنها أشد وأوكد.\rوقد حكى أن ابن أبي ربيعة جلس إلى ابن عباس رضي الله عنه، فابتدأه ينشده:\rتشط غداً دار جيراننا\rفقال ابن العباس:\rوللدار بعد غد أبعد\rفقال له عمر: هكذا صنعت، فأنت ترى كيف طبق المفصل، وأصاب شاكلة الروي، لما كان المعنى يقتضي زيادة البعد كلما طال العهد بأيام الموسم، وأجتنب \" أشط \" لأنه لا يتزن ولايستعمل، وعدا عن أن يقول \" أبرح \" وما شاكله رغبة في قرب المأخذ، وسلوكاً لطريق الفصاحة، وأتياناً بالمتعارف المعتاد المتعاهد.\rويحكى عن عدي بن الرقاع أنه أنشد في صفه الظبية وولدها:\rتزجى أغن كأن ابنة روقه\rفغفل الممدوح عنه، فسكت، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول؟ فقال: يقول:\rقلم أصاب من الدواة مدادها\rوأقبل عليه الممدوح فأنشد كما قال جرير لم يغادر حرفاً.. وقالت الخنساء:\rببيض الصفاح وسمر الرما ... ح بالبيض ضرباً وبالسمر وخزا\rوقالت أيضاً في نحو ذلك:\rونلبس في الحرب نسج الحديد ... ونلبس في السلم خزاً وقزا\rوقال حريث بن محفض:\rفإن يك طعن بالرديني يطعنوا ... وان يك ضرب بالمهند يضربوا\rوقال ابن الدمينة واسمه عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر الخثعمي:\rوكوني عل الواشين لداء شغبة ... كما أنا بالواشي ألد شغوب\rوكوني إذا مالوا عليك صليبة ... كما أنا إن مالوا علي صليب\rفالبيتان جميعاً مسهمان. وقال دعبل:\rوإذا عاندنا ذو نخوة ... غضب الروح عليه فعرج\rفعلى أيماننا يجري الندى ... وعلى أسيافنا تجري المهج\rليس يجهل أحد بعد معرفة البيت الأول من هذين البيتين قافية الأخر منهما.\rومن جيد التسهيم قول بعضهم:\rلو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كل من يعطي المنى بمسدد\rفقلت لأيام مضين: ألا ارجعي ... وقلت لأيام أتين: ألا ابعدي\rوكذلك قول الآخر وهو مليح:\rحبيبي غداً لا شك فيه مودع ... فو الله ما أدري به كيف أصنع\rفيا يوم لا أدبرت هل لك محبسٍ ... ويا غد لا أقبلت هل لك مدفع\rإذ لم أشيعه تقطعت حسرة ... ووا كبدي إن كنت ممن يشيع","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"أردت البيت الأخير.. وما أظن هذه التسمية إلا من تسهيم البرود، وهو أن ترى ترتيب الألوان فتعلم إذا أتى أحدها ما يكون بعده. وأما تسميته توشيحاً فمن تعطف أثناء الوشاح بعضها على بعض وجمع طرفيه، ويمكن أن يكون من وشاح اللؤلؤ والخرز، وله فواصل معروفة الأماكن، فلعلهم شبهوا هذا به، ولا شك أن الموشحات من ترسيل البديع وغيره إنما هي من هذا، وبعض الناس يقول: إن التوشيج بالجيم، فإن صح ذلك فإنما يجيء من \" وشجت العروق \" إذا اشتبكت، فكأن الشاعر شبك بعض الكلام ببعض.. فأما تسميته المطمع فذلك لما فيه من سهولة الظاهر وقلة التكلف، فإذا حوول امتنع وبعد مرامه.\rباب التفسير\rوهو: أن يستوفي الشاعر شرح ما ابتدأ به مجملا، وقل ما يجيء هذا إلا في أكثر من بيت واحد، نحو قول الفرزدق واختاره قدامة:\rلقد جئت قوماً لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملاً ثقل مغرم\rلألفيت منهم معطياً ومطاعناً ... وراء شزراً بالوشيج المقوم\rهذا جيد في معناه، إلا أنه غريب مريب؛ لأنه فسر الآخر أولاً والأول آخراً؛ فجاء فيه بعض التقصير والإشكال، على أن من العلماء من يرى أن رد الأقرب على الأقرب والأبعد على الأبعد أصح في الكلام.\rوأكثر ما في التفسير عندي السلامة من سوء التضمين لا أنه بعينه ما لم يكن في بيت واحد أو شبيه به كالذي أنشده سيبويه:\rخوى على مستويات خمس ... كركرة وثفنات ملس\rلأن هذا كالبيت المصرع فهو بيتان من مشطور الرجز ومن التفسير الجيد قول حاتم الطائي، ويروي لعتيبة بن مرداس:\rمتى ما يجئ يوماً إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر\rيجد فرساً مثل العنان وصارماً ... حساماً إذا ما هز لم يرض بالهبر\rوأسمر خطياً كأن كعوبة ... نوى القسب قد أربى ذراعاً على العشر\rفهذا هو التفسير الصحيح السالم من ضرورة التضمين؛ لأنه لم يعلق كلامه بلو كما فعل الفرزدق، ولا بما يقتضي الجواب اقتضاء كلياً؛ فلهذا حسن عندي..\rومثله قول عروة بن الورد:\rوإن امرأ يرجو تراثي وإن ما ... يصير له منه غداً لقليل\rومالي مال غير درع ومغفر ... وأبيض من ماء الحديد صقيل\rوأشمر خطي القناة مثقف ... وأجرد عريان السراة طويل\rهكذا أنشدوه بالإقواء، ويجوز أن يرفع على القطع والإضمار، كأنه قال: هو صقيل، أو قال: ولي أبيض من ماء الحديد، يعني سيفه.\rوقال ذو الرمة في التفسير:\rوليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد\rأحم علافي، وأبيض صارم ... وأعيس مهري، وأروع ماجد\rففسر الأربعة ما هي، ورفع على شرط ما قدمت من الإضماز، كأنه قيل له: ما الأربعة التي شخصها في العين واحد؟ فقال: كذا وكذا وكذا..\rومن التفسير ما يفسر الأكثر فيه بالأقل، وهو من باب الإيجاز والاختصار: وذلك ما أتت فيه الجملة بعد الشرح، نحو قول أبي الطبيب:\rمن مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا\rومللت بحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى\rوسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكاً متبدياً متحضرا\rولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا\rنسقوا لنا نسق الحساب مقدماً ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا\rفقوله نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً وأتى فذلك إذ أتيت تفسير مليح قليل النظير في أشعار الناس..\rوتعلقت به في بعض مدح السيد أبي الحسن فقلت:\rأتى بعد أهل العلى ... كجملة شيء شرح\rوقد أتى به أبو الطيب في بيت واحد فقال:\rإذا عد الكرام فتلك عجل ... كما الأنواء حين تعد عام\rفهذا الذي كنا نرغب فيه لكون المفسر والمفسر به في بيت واحد.\rونظيره قوله أيضاً:\rمضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد\rفجاء به أيضاً في بيت واحد.\rوكذلك قول امرئ القيس:\rفلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"ومن قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:\rفأرسلنا ربيئتنا فأوفى ... فقال: ألا أولى خمس رتوع\rرباعية وقارحها وجحش ... وثالثة وهادية زموع\rففسر ما هي، وأنثها لغلبة التأنيث على اسم الدواب..\rوقال مالك بن خريم، وقيل: حزيم:\rفإن يك شاب الرأس منى فأنني ... أبيت على نفسي مناقب أربعا\rفواحدة أن لا أبيت بغرة ... إذا ما سوام الحي حولي تضوعا\rوثانية أن لا تفزع جارتي ... إذا كان جار القوم فيهم مفزعا\rوثالثة أن لا أصمت كلبنا ... إذا نزل الأضياف حرصاً لنودعا\rورابعة أن لا أحجل قدرنا ... على لحمها حين الشتاء لنشبعاً\r\" أجحل \" أستر، أجعلها في حجلة لتخفى عن الجار رغبة أن نشبع، ولكن أبرزها وكتب أحمد بن يوسف وفي رواية النحاس: عمرو بن مسعدة عن المأمون \" أما بعد فقد أمر أمير المؤمنين من الإستكثار من المصابيح في شهر رمضان؛ فإن في ذلك أنساً للسابلة، وضياء للمجتهدين، ونفياً لمكامن الريب، وتنزيهاً لبيوت الله عز وجل عن وحشة الظلم \" .\rومن جيد التفسير في بيت واحد قول أبي الطيب:\rفتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق\rفإنه قد أحكمه أشد إحكام، وجاء به أحسن مجيء، حتى أربى على البحتري إذ يقول:\rبأروع من طيٍ كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيد وحاتم\rسماحاً وبأساً كالصواعق والحيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكم\rوقد رد الكلام جميعاً آخره على أوله..\rوأصل هذا المعجز قول الله تعالى: \" وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً \" .\rوقال أبو الطيب أيضاً في التفسير المستحسن:\rإن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا\rففسر وقابل كل نوع بما يليق به، من غير تقديم ولا تأخير، كالذي وقع أولاً في بيتي الفرزدق..\rومن التفسير قول كشاجم واسمه محمود بن الحسين:\rفي فمها مسك، ومشمولة ... صرف، ومنظوم من الدر\rفالمسك للنكهة والخمر للري ... قة واللؤلؤ للثغر\rوهذا من مليح ما وقع للمحدثين.\rوقال لقمان لابنه: إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقاً، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.\rباب الاستطراد\rوهو: أن يرى الشاعر أنه في وصف شيء وهو إنما يريد غيره، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك خروج، وأكثر الناس يسمي الجميع استطراداً، والصواب ما بينته..\rوأوضح الاستطراد قول السموأل وهو أول من نطق به حيث يقول:\rونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول\rيقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول\rواتبعه الناس، فقال الفرزدق وأجاد:\rكأن فقاح الأسد حول ابن مسمع ... إذا اجتمعوا أفواه بكر بن وائل\rثن أتى جرير فأربى وزاد بقوله:\rلما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وضغا البعيث جدعت أنف الأخطل\rفهجا واحداً واستطرد باثنين..\rوقال مخارق بن شهاب المازني يصف معزى:\rترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوب\rفوفد ابن قيس هذا على النعمان بن المنذر فقال: كيف المخارق بن شهاب فيكم؟ فقال: سيد شريف حسبك من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه.\rومن جيد الاستطراد قول دعبل بن علي الخزاعي، ويروي لبشار بن برد وهو أصح:\rخليلي من كلب أعينا أخاكما ... على دهره، إن الكريم معين\rولا تبخلا بخل ابن قزعة؛ إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين\rإذا جئته في الفرط أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين\rويروى في حاجة سد بابه وأنشد البحتري أبو تمام لنفسه في صفة فرس واستطرد يهجو عثمان بن إدريس الشامي:\rوسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين غير خوان\rأظمى الفصوص وما تظمى قوائمه ... فخل عينيك في ظمآن ريان\rفلو تراه مشيحاً والحصى زيم ... تحت السنابك من مثنى ووحدان","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان\rفقال له: أتدري ما هذا من الشعر؟ قال: لا أدري، قال: هذا الاستطراد، أو قال: المستطرد.\rقال الحاتمي: وقد يقع من هذا الاستطراد ما يخرج به من ذم إلى مدح، كقول زهير:\rإن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم\rفسمى الخروج استطراداً كما تراه اتساعاً، وأنشد في الخروج بالاستطراد من مدح إلى ذم قول بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق:\rعرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى، فقالت: قم فجئني بكوكب\rفقلت لها: هذا التعنت كله ... كمن يتشهى لحم عنقاء مغرب\rسلي كل أمر يستقيم طلابه ... ولا تسألي يا در في كل مذهب\rفأقسم لو أصبحت في عز مالك ... وقدرته أعيى بما رمت مطلبي\rفتى شقيت أمواله بعفاته ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب\rفهذا مليح: أوله خروجه، وآخره استطراد، وملاحته أن مالكاً من بني تغلب فصار الاستطراد زيادة في مدحه، وزعم قوم أنه يمدح مالك بن علي الخزاعي، ومما استطرد أبو الطيب في هجاء كافور:\rيموت به غيظاً على الدهر أهله ... كما مات غيظاً فاتك وشبيب\rعلى أن هذا البيت قد يقع موقع غيره من أبيات هذا الباب؛ إذ ليس القصد فيه مدحاً ولا هجاء للرجلين المذكورين، ولكن التشبيه والحكاية لا غير.\rوقيل: أصل الاستطراد أن يريك الفارس أنه فر ليكر، وكذلك الشاعر يريد أنه في شيء لم يقصد إليه فذكره ولم يقصد قصده حقيقة إلا إليه.\rومن الاستطراد نوع يسمى الاندماج، وذلك نحو قول عبيد الله بن طاهر لعبد الله بن سليمان بن وهب حين وزر المعتضد:\rأبي الدهر من إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم\rفقلت له: نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا؛ إن المهم المقدم\rوحكى أحمد بن يوسف الكاتب أنه دخل على المأمون وفي يده كتاب من عمرو بن مسعدة يردد فيه النظر، فقال: لعلك فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: إني عجبت من بلاغته واحتياله لمراده \" كتبت كتابي إلى أمير المؤمنين أعزه الله ومن قبلي من قواده وأجناده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم \" ألا ترى يا أحمد إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاءه سلطانه من الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر، وهذا النوع أقل في الكلام من الاستطراد المتطرف وأغرب.\rباب التفريع\rوهو من الاستطراد كالتدريج من التقسيم، وذلك أن يقصد الشاعر وصفاً ما ثم يفرع منه وصفاً آخر يزيد الموصوف توكيداً، نحو قول الكميت:\rأحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب\rفوصف شيئاً ثم فرع شيئاً آخر لتشبيه شفاء هذا بشفاء هذا. وقال ابن المعتز:\rكلامه أخدع من لحظه ... ووعده أكذب من طيفه\rفبينا هو يصف خدع كلامه فرع منه خدع لحظه، ويصف كذب وعده فرع كذب طيفه وقال أيضاً يصف ساقي كأس:\rفكأن حمرة لونها من خده ... وكأن طيب نسيمها من نشره\rحتى إذا صب المزاج تبسمت ... عن ثغرها فحسبته من ثغره\rما زال ينجزني مواعد عينه ... فمه، وأحسب ريقه من خمره\rالبيتان الأولان من هذه الثلاثة تفريع، والبيت الآخر ليس بتفريع جيد؛ لأن الخمرة نازلة عن رتبة الريق عند العاشق، وحق التفريع أن يكون الآخر من الموصوفين زائداً على الأول درجة: في الحسن إن قصد المدح، وفي القبح إن قصد الذم، وهو نوع خفي إلا على الحاذق البصير بالصنعة.\rومثل بيت ابن المعتز قول البحتري:\rوإذا تألق في الندي كلامه ال ... مصقول خلت لسانه من عضبه\rلأن حق العضب في باب المدح أن اللسان أمضى منه..\rومن التفريع الجيد قول الصنوبري:\rما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئاً، ولا ألفاته من قده\rوكأنما أنفاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من جلده\rفانظر إليه كيف يزيده رتبة في الجودة كلما فرع.","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"ووصف ابن شيرزاد جارية كاتبة: فقال كأن خطها أشكال صورتها، وكأن بيانها سحر مقلتها، وكأن سكينها غنج لحظها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، وكأن قامتها بعض أناملها، وكأن مقطها قلب عاشقها.\rوشتان ما بين هذا الوصف وقول الآخر يهجو كاتباً أنشده الصولي في أبيات:\rكأن دواته من ريق فيه ... تلاق فنشرها أبداً كريه\rوقال كشاجم:\rشيخ لنا من مشايخ الكوفه ... نسبته للعليل موصوفه\rلو بدل الله قمله غنما ... ما طمع الناس منه في صوفه\rومن لطيف التفريع قول أبي الطيب يصف ليلا:\rأقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها على الدهر الذنوبا\rبينا هو يصف كثرة سهره وإدارة لحظه شبهها بكثرة ذنوب الدهر عنده.. وقال فبرد:\rولو نقصت كما قد زدت من شرف ... على الورى لرأوني مثل شانيكا\rهذا التفريع الملعون.. وقال محمد بن وهب:\rطللان طال عليهما الأمد ... دثراً فلا علم ولا نضد\rلبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة بعض ما أجد\rومن المستحسن قول الخوارزمي أبي بكر محمد بن العباس:\rسمح البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنما ألفاظه من ماله\rوكأنما عرماته وسيوفه ... من حدهن خلقن من إقباله\rمتبسم في الخطب تحسب أنه ... تحت العجاج ملثم بفعاله\rوأخبث ما سمعته في هذا الباب قول ابن الرومي يهجو رجلاً:\rله سائس ماهر ... يجول على متنه\rويطعن في دبره ... أفانين من طعنه\rبأطول من قرنه ... وأغلظ من ذهنه\rومن التفريع أيضاً قول أبي الطيب على غير هذا النظام:\rأسير إلى أقطاعه في ثيابه ... على طرفه من داره بحسامه\rوما مطرتنيه من البيض والقنا ... وروم العبدي هاطلات غمامه\rفهذا تفريع تناوله من قول أبي تمام:\rفقالوا: فما أولاك؟ صف بعض نيله ... فقلت لهم: من عنده كل ما عندي\rوأصله من قول أبي نواس: فكل خير عندهم من عنده يصف كلب صيد.\rباب الالتفات\rوهو الاعتراض عند قوم، وسماه آخرون الاستدراك، حكاه قدامه، وسبيله أن يكون الشاعر آخذاً في معنى ثم يعرض له غيره فيعدل عن الأول إلى الثاني فيأتي به، ثم يعود إلى الأول من غير أن يخل في شيء مما يشد الأول، كقول كثير:\rلو ان الباخلين، وأنت منهم، ... رأوك تعلموا منك المطالا\rفقوله وأنت منهم اعتراض كلام في كلام، قال ذلك ابن المعتز، وجعله باباً على حدته بعد باب الالتفات، وسائر الناس يجمع بينهما.\rقال النابغة الذبياني:\rألا زعمت بنو عبس بأني ... ألا كذبوا كبير السن فاني\rفقوله ألا كذبوا اعتراض، ورواه آخرون للجعدي ألا زعمت بنو كعب وهو أشبه بالجعدي؛ لأنه أعلى سنا منه؛ فقوله ألا كذبوا اعتراض، وكذلك ما يجري مجراه.\rوأنشدوا في الالتفات لبعض العرب:\rفظلوا بيوم دع أخاك بمثله ... على مشرع يروي ولما يصرد\rفقولك دع أخاك بمثله التفات مليح.\rوقال جرير يرثي امرأته أم حزرة:\rنعم القرين وكنت علق مضنة ... وارى بنعف بلية الأحجار\rفقوله وكنت علق مضنة هو الالتفات.\rوقال عوف بن محلم لعبد الله بن طاهر:\rإن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان\rفقوله بلغتها التفات، وقد عده جماعة من الناس تتميماً، والالتفات أشكل وأولى بمعناه، ومنزلة الالتفات في وسط البيت كمنزلة الاستطراد في آخر البيت، وإن كان ضده في التحصيل؛ لأن الالتفات تأتي به عفواً وانتهازاً، ولم يكن لك في خلد فتقطع له كلامك، ثم تصله بعد إن شئت، والاستطراد تقصده في نفسك، وأنت تحيد عنه في لفظك حتى تصل به كلامك عند انقطاع آخره، أو تلقيه إلقاء وتعود إلى ما كنت فيه.\rوقد جاء الالتفات في آخر البيت نحو قول امرئ القيس:\rأبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان\rمجاورةً بني شمجي بن جرم ... هواناً ما أتيح من الهوان\rويمنحها بنو شمجي بن جرمٍ ... معيزهم، حنانك ذا الحنان","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"فقوله ما أتيح من الهوان وقوله حنانك ذا الحنان الالتفات وحكى عن إسحاق الموصلي أنه قال: قال الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: وما هو؟ فأنشدني:\rأتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة، سقي البشام!\rثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره، إذ التفت إلى البشام فدعا له، وأنشد له عبد الله المعتز:\rمتى كان الخيام بذي طلوحٍ ... سقيت الغيث أيتها الخيام.\rوأنشد له أيضاً ابن المعتز:\rطرب الحمام بذي الأراك فهاجني ... لا زلت في غللٍ وأيك ناضر\rلم يعد ابن المعتز إلا ما كان من هذا النوع، وإلا فهو اعتراض كلام في كلام وقد أحسن ابن المعتز في العبارة عن الالتفات بقوله \" هو انصراف المتكلم من الإخبار إلى المخاطبة ومن المخاطبة إلى الإخبار \" وتلا قوله تعالى: \" حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة \" .\rوأنشد غيره لأبي عطاء السندي يرثي يزيد بن عمر بن هبيرة:\rوإنك لا تبعد على متعهدٍ ... بلى كل ما تحت التراب بعيد\rوهذا هو الاستدراك، ومثله قول زهير:\rحي الديار التي لم يبلها القدم ... بلى، وغيرها الأرواح والديم\rوكذلك قول جرير:\rغداً باجتماع الحي نقضي لبانة ... فأقسم لا تقضى لبانتنا غداً\rوأنشد ابن المعتز في هذا النوع، وهو لبشار:\rنبئت فاضح قومه يغتابني ... عند الأمير، وهل علي أمير؟\rومن مليح ما سمعته قول نصيب:\rوددت ولم أخلق من الطير أنني ... أعار جناحي طائر فأطير\rفقوله ولم أخلق من الطير عجب، ولما سمعت التي قيل فيها هذا البيت تنفست تنفساً شديداً، فصاح ابن أبي عتيق: أوه قد والله أجبته بأحسن من شعره، والله لو سمعك لنعق وطار، فجعله غراباً لسواده.\rوأنشد الصولي للعباس بن الأحنف:\rوقد كنت أبكي وأنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب\rإن تم ذا الهجر يا ظلوم، فلا ... تم، فما في العيش من أرب\rوقال: سمعت ثعلباً يقول: ما رأيت أحداً إلا وهو يستحسن هذا الشعر.\rومن المليح أيضاً قول القحيف بن سليمان العقيلي:\rأمنكم يا حنيف نعم لعمري ... لحى مخضوبة ودم سجال\rيخاطب ابنه.. وقال عدي بن زيد العبادي وهو في حبس النعمان يخاطب ابنه زيداً ويحرضه:\rفلو كنت الأسير، ولا تكنه، ... إذاً علمت معد ما أقول\rباب الاستثناء\rوابن المعتز يسميه توكيد المدح بما يشبه الذم، وذلك نحو قول النابغة الذبياني:\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rفجعل فلول السيف عيباً، وهو أوكد في المدح..\rوقال النابغة الجعدي:\rفتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا\rفاستثنى جوده الذي يستأصل ماله، بعد أن وصفه بالكمال. وبهذا الاستثناء ثم وزاد كمالاً وتأكد حسنه..\rفتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا\rفكأنه لما كان فيه ما يسوء أعاديه لم يطلق عليه أنسه يسر فقط، وذلك زيادة في مدحه، وليس هذا الاستثناء على ما رابه النحويون فتطلبه بحروف الاستثناء المعروفة، وإنما سمي اصطلاحاً وتقريباً، سماه هؤلاء المحدثون نحو الحاتمي وأصحابه ولم يسم حقيقة..\rومن مليح هذا النوع قول أبي هفان وقد تقدم به وجود غاية التجويد:\rولا عيب فينا غير أن سماحنا ... أضر بنا، والبأس من كل جانب\rفأفنى الردى أرواحنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عائب\rفقوله إن السماح ولبأس أضر بهم ليس بعيب على الحقيقة، ولكن توكيد مدح، والمليح كل المليح قوله \" وغير عائب \" فهذا الثاني أعجب من الأول وألطف موقعاً.. وقال آخر:\rولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام، وأنا لا نخط على النمل\rفقصر من جهة قوله غير عرق لمعشر كرام لأن سبيل هذا الباب أن يؤثر فيه بما يظن أنه عيب أو تقصير، وإن كان على التحصيل فخراً وفضلاً، كالفلول في سيوف النابغة الذبياني، وإتلاف المال في شعر الجعدي، وترك الخط على النمل في شعر لآخر وأنهم لا يشفون صاحبها، وهي داء واحدتها النملة، وأما ذكر الكلام فلا وجه له ههنا.","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"ومن هذا الباب قول ابن الرومي:\rليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه\rفجعل انفراده في الدنيا بالحسن دون أن يكون له قرين يؤنسه عيباً؛ فهو يزيد توكيد حسنه.\rوقال حاتم الطائي:\rوما تتشكى جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها\rسيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر علي ستورها\rلما كان في ترك الزيارة إشكال بين مراده.\rومن أصحاب التآليف من يعد في هذا الباب ما ناسب قول الشاعر:\rفأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد\rوقال الربيع بن ضبيع الفزاري:\rفنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي ... وكل امرئ إلا أحاديثه فاني\rوليس من هذا الباب عندي، وإنما هو من باب الاحتراس والاحتياط؛ فلو أدخلنا في هذا الباب كل ما وقع فيه استثناء لطال، ولخرجنا فيه عن قصده وغرضه ولكل نوع موضع.\rباب التتميم\rوهو التمتم أيضاً، وبعضهم يسمي ضرباً منه احتراساً واحتياطاً.\rومعنى التتميم: أن يحاول الشاعر معنى، فلا يدع شيئاً يتم به حسنه إلا أورده وأتى به: إما مبالغة، وإما احتياطاً واحتراساً من التقصير، وينشدون بيت طرفة:\rفسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي\rلأن قوله غير مفسدها تتميم للمعنة، واحتراس للديار من الفساد بكثرة المطر. ومثله قول جرير:\rفسقاك حيث حللت غير فقيدة ... هزج الرواح وديمة لا تقلع\rفقوله غير فقيدة تتميم لما أراد من دنوها وسقياها غير راحلة ولا ميتة إذ كانت العادة أن يدعى للغائب الميت بالسقي؛ فاحترس من ذلك.\rوقد عاب قدامة على ذي الرمة قوله:\rألا يا سلمي يا دار مي على البلا ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر\rفإنه لم يحترس كما احترس طرفة، فرد ذلك عليه بأن الشاعر قدم الدعاء بالسلامة للدار في أول البيت، وهذا هو الصواب.. وقال زهير:\rمن يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقا\rقوله على علاته مبالغة وتتميم عجيب.\rوالأصل في هذا قول الله عز وجل: \" ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً \" فقوله \" على حبه \" هو التتميم والمبالغة في قول من قال إن الهاء ضمير الطعام، وإن كان كناية عن الله تعالى خرج المعنى عن هذا الباب، وقال الله جل اسمه: \" من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة \" فتمم بقوله وهو مؤمن \" ومن أناشيد قدامة والحاتمي وغيرهما قول نافع بن خليفة الغنوي:\rرجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب\rقال الحاتمي: فإن المعنى تم بقوله \" ويعطوه \" وإلا كان ناقصاً.\rويجري مجراه عندي قول عنترة العبسي:\rأثني علي كما علمت فإنني ... سهل مخالفتي إذا لم أظلم\rفقوله إذا لم أظلم تتميم حسن.\rوقال آخر:\rفلا تبعدن إلا من السوء؛ إنني ... إليك وإن شطت بك الدار نازع\rفاستثناؤه \" السوء \" تتميم واحتراس جيد.\rوقال أبو الطيب بن الوشاء:\rلئن كان باقي عيشنا مثل ما مضى ... فللموت إن لم ندخل النار أروح\rوقال سراقة البارقي يهجو رهط جرير:\rصغار مقاريهم عظام جعورهم ... بطاء عن الداعي، إذا لم يكن أكلا\rكأنه قال إذا لم يكن المدعو إليه أكلا.\rوقال مريع بن وعوعة الكلابي وقد قتل رجلاً نهشلياً:\rوقلت لأصحابي: النجاء؛ فإنما ... مع الصبح إن لم تسبقوا جمع نهشل\rويجري على هذه الأناشيد قول ابن محكان السعدي حين قدم للقتل:\rولست وإن كانت إلي حبيبة ... بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت\rفاستثنى وإن كانت إلي حبيبة استثناء مليحاً، ونوى التقديم والتأخير؛ فلذلك جاز له أن يأتي بالضمير مقدماً على مظهره، هكذا قال فيه أبو العباس المبرد، ومن التتميم الحسن قول امرئ القيس:\rعلى هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفا نين جري غير كز ولا واني\rفقوله قبل سؤاله تتميم حسن لقوله \" أفانين حرى \" وقول أعشى باهلة: وكل أمر سوى الفحشاء فإنه لا يدبرها.\rباب المبالغة","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"وهي ضروب كثيرة. والناس فيها مختلفون: منهم من يؤثرها، ويقول بتفضيلها، ويراها الغاية القصوى في الجودة، وذلك مشهور من مذهب نابغة بني ذبيان، وهو القائل: أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه، هكذا أعرفه، ورأيت بخط جماعة منهم عبد الكريم والباغي من استجيد جيده ومطابقه وضحك من رديئه. وروى قوم من حديث النابغة ومطالبته حسان ابن ثابت بالمبالغة ونسبته إياه إلى التقصير في قوله:\rلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما\rما هو مشهور عندهم مشهور في كتبهم، ومنهم من يعيبها وينكرها، ويراها عيباً وهجنة في الكلام، قال بعض الحذاق بنقد الشعر: المبالغة ربما أحالت المعنى، ولبسته على السامع؛ فليست لذلك من أحسن الكلام ولا أفخره، لأنها لا تقع موقع القبول كما يقع الاقتصاد وما قاربه؛ لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر والمتكلم أيضاً الإبانة والإفصاح، وتقريب المعنى على السامع؛ فإن العرب إنما فضلت بالبيان والفصاحة، وحلا منطقها في الصدور وقبلته النفوس لأساليب حسنة، وإشارات لطيفة، تكسبه بياناً وتصوره في القلوب تصويراً، ولو كان الشعر هو المبالغة لكانت الحاضرة والمحدثون أشعر من القدماء، وقد رأيناهم احتالوا للكلام حتى قربوه من فهم السامع بالاستعارات والمجازات التي استعملوها، وبالتشكك في الشبهين، كما قال ذو الرمة:\rفيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أنت أم أم سالم\rفلو أنه قال أنت أم سالم على نفي الشك بل لو قال \" أنت أحسن من الظبية \" لما حل من القلوب محل التشكك. وكما قال جرير:\rفإنك لو رأيت عبيد نسيمٍ ... وتيماً قلت: أيهم العبيد\rفلو قال \" عبيدهم \" أو \" خير منهم \" لما ظن به الصدق، فاحتال في تقريب المشابهة؛ لأن في قربها لطافة تقع في القلوب وتدعو إلى التصديق.\rوكذلك قول أبي النجم يصف عرق الخيل:\rكأنه من عرقٍ يسربله ... ككرسف النداف لولا بلله\rفإنه لو قال \" إنه الكرسف \" لم يكن في حسن هذا؛ لأنه يشهد بتقارب الشبهين إلى أن وقع في الشك.. والمبالغة في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر إذا أعياه إيراد معنى حسن بالغ فيشغل الأسماع بما هو محال، ويهول مع ذلك على السامعين، وإنما يقصدها من ليس بمتمكن من محاسن الكلام أن تمكنه، ولا يتعذر عليه، وتنجذب كلما أرادها إليه، انقضى كلامه.\rوفيه كفاية وبلاغ، إلا أنه فيما يظهر من فحواه لم يرد إلا ما كان فيه بعد، وليس كل مبالغة كذلك، ألا ترى أن التتميم إذا طلبت حقيقته كان ضرباً من المبالغة وإن ظهر أنه من أنواع الحشو المستحسن، وقد مر ذكره. وكذلك ما ناسب قول ابن المعتز يصف خيلاً:\rصببنا عليها ظالمين سياطنا ... وطارت بها أيدٍ سراع وأرجل\rوهذا عند جميع الناس من باب الحشو، وهو عندي مبالغة، وكذلك الإيغال، وسيرد في بابه إن شاء الله.\rفمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذاق: التقصي، وهو بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن من وصف الشيء، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي:\rونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا\rفتقصى بما يمكن أن يقدر عليه فتعاطاه ووصف به قومه.\rومن أغربها أيضاً ترادف الصفات، وفي ذلك تهويل مع صحة لفظ لا تحيل معنى، كقول الله تعالى: \" أو كظلمات في بحر لجىً يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعضٍ \" .\rفأما الغلو فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها، ويقع فيه الاختلاف لا ما سواه مما بينت، ولو بطلت المبالغة كلها وعيبت لبطل التشبيه وعيبت الاستعارة، إلى كثير من محاسن الكلام: فمن أبيات المبالغة قول امرئ القيس:\rكأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر\rيعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر\rفوصف فاها بهذه الصفة سحراً عند تغيير الأفواه بعد النوم، فكيف تظنها في أول الليل؟! ومثل ذلك قوله يصف ناراً وإن كان فيه إغراق:\rنظرت إليها، والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان، تشب لقفال\rيقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشب لقفال والنجوم كأنها مصابيح رهبان، وقد قال:\rتنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"وبين المكانين بعد أيام، وإنما يرجع القفال إلى الغزو والغارات وجه الصباح؛ فإذا رأوها من مسافة أيام وجه الصباح وقد خمد سناها وكل موقدها فكيف كانت أول الليل؟!! وشبه النجوم بمصابيح الرهبان؛ لأنها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيما مصابيح الرهبان؛ لأنهم يكلون من سهر الليل فربما نعسوا ذلك الوقت، وهذا مما أورده شيخنا أبو عبد الله.\rوقال أمرؤ القيس يصف فرساً:\rلها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر\rأراد طوله؛ لأن العروس تجر ذيلها إما من الحياء وإما من الخيلاء.\rوزعم الجاحظ أن قول غيلان ذي الرمة:\rوليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد\rأراد به سبوغه لا لونه، وأكثر الناس على خلاف قوله، وأنا أرى أن هذا كقول عوف بن عطية بن الخرع التيمي من تيم الرباب يصف خيلاً:\rوجللن دمخاً قناع العرو ... س تدني على حاجبيها الخمار\rدمخ جبل بعينه، فأراد أن الخيل كسونه قناعاً من الغبار هذه صفته.\rومن معجز المبالغة قول الله عز وجل: \" سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار \" فجعل من يسر القول كمن يجهر به، والمستخفي بالليل كالسارب بالنهار، وكل واحد منهما أشد مبالغة في معناه وأتم صفة.\rباب الإيغال\rوهو ضرب من المبالغة كما قدمت، إلا أنه في القوافي خاصة لا يعدوها، والحاتمي وأصحابه يسمونه التبليغ، وهو تفعيل من بلوغ الغاية، وذلك يشهد بصحة ما قلته، ويدل على ما رتبته.\rوحكى الحاتمي عن عبد الله بن جعفر عن محمد بن يزيد المبرد قال: حدثني التوزي قال: قلت للأصمعي: من أشعر الناس؟ قال: الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيراً، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيساً، أو ينقضي كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، قال: قلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى إذ يقول:\rكناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\rفقد تم المثل بقوله: وأوهى قرنه، فلما احتاج إلى القافية قال \" الوعل \" قال: قلت: وكيف صار الوعل مفضلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره، قال: قلت: ثم نحو من؟ قال: نحو ذي الرمة بقوله:\rقف العيس في أطلال مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل\rفتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال \" المسلسل \" فزاد شيئاً، وقوله:\rأظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصل\rفتمم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال \" المفلل \" فزاد شيئاً أيضاً.\rوليس بين الناس اختلاف أن امرأ القيس أول من ابتكر هذا المعنى بقوله يصف الفرس:\rإذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزيز الريح مرت بأثأب\rفبالغ في صفته، وجعله على هذه الصفة بعد أن يجري شأوين ويبتل عطفه بالعرق، ثم زاد إيغالاً في صفته بذكر الأثأب، وهو شجر للريح في أضعاف أغصانه حفيف عظيم وشدة صوت، ومثل ذلك قوله:\rكأن عيون الطير حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\rفقوله \" لم يثقب \" إيغال في التشبيه، وأتبعه زهير فقال:\rكأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم\rفأوغل في التشبيه إيغالاً بتشبيهه ما يتناثر من فتات الأرجوان بحب الفنا الذي لم يحطم؛ لأنه أحمر الظاهر أبيض الباطن، فإذا لم يحطم لم يظهر فيه بياض البتة، وكان خالص الحمرة، وتبعهما الأعشى فقال يصف امرأة:\rغراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل\rفأوغل بقوله \" الوحل \" بعد أن قال \" الوجى \" وكذلك قوله \" الوعل \" وكان الرشيد كثير العجب بقول صريع الغواني:\rإذا ما علت منا ذؤابة شارب ... تمشت به مشى المقيد في الوحل\rويقول: قاتله الله! ما كفاه أن جعله مقيداً حتى جعله في وحل، وأنا اقول: إنه بيت الأعشى بعينه.\rومن الإيغال قول الطرماح العقيلي يصف فرساً بسعة المنخر:\rلا يكتم الربو إلا ريث يخرجه ... من منخر كوجار الثعلب الخرب\rفكونه كوجار الثعلب غاية في المبالغة، فكيف إذا كان خرابا؟.","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"ومن الإيغال الحسن قول الخنساء:\rوإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\rفبالغت في الوصف أشد مبالغة، وأوغلت إيغالاً شديداً بقولها \" في رأسه نار \" بعد أن جعلته علماً، وهو الجبل العظيم.\rوأنشد الجاحظ:\rألوي حيازيمي بهن صبابة ... كما تتلوى الحية المتشرق\rفقوله \" الحية المتشرق \" إيغال؛ لأنه أشد لتلويه.\rوكذلك قول جرير:\rبات الفرزدق عائراً وكأنه ... قعو تعاوره السقاة معار\rوإذا كان معاراً كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه.\rوقال النجاشي يذكر عبد الرحمن بن حسان:\rلما أتاني ما يقول ودونه ... مسيرة شهر للمطى المفرد\rفأوغل بقوله \" المفرد \" إيغالاً عجيباً؛ لأنه أسير من المحمل.\rوقال جميل:\rإني لأكتم حبها إذ بعضهم ... فيمن يحب كناشد الأغفال\r\" الناشد \" طالب الضالة، وإذا كانت غفلاً ليس فيها سمة كان أشد للبحث عليها، وأكثر للسؤال والذكر.\rومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:\rهم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا\rفقوله \" وأجزلوا \" قد أتى به في نهاية الحسن.\rوكذلك قول بشار بن برد:\rوغيران من دون النساء كأنه ... أسامة ذو الشبلين حين يجوع\rفقوله \" حين يجوع \" إيغال حسن.\rوقال ابن المعتز:\rوداع دعا والليل بيني وبينه ... فكنت مكان الظن منه وأعجلا\rفقوله \" وأعجل \" زيادة وصف، وإيغال ظاهر.\rوقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة:\rمشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال\r\" فالزف \" : أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة وإيغال.\rومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو غيره:\rفأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم\rفقوله \" المسلم \" استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً أعني أبا طالب ومات جاهلياً، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ميراث الخلافة.\rوليس بين الإيغال والتتميم كبير فرق؛ إلا أن هذا في القافية لا يعدوها، وذلك في حشو البيت.\rواشتقاق الإيغال من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض، إذا أبعد، فيما حكاه ابن دريد، وقال: وكل داخل في شيء دخول مستعجل فقد أوغل فيه وقال الأصمعي في شرح قول ذي الرمة:\rكأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج\rالإيغال: سرعة الدخول في الشيء، يقال: أوغل في الأمر، إذا دخل فيه بسرعة، فعلى القول الأول كأن الشاعر أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني كأنه أسرع الخول في المبالغة بمبادرته هذه القافية.\rوكلما أكثرت من الشواهد في باب فإنما أريد بذلك تأنيس المتعلم وتجسيره على الأشياء الزائعة. ولأريه كيف تصرف الناس في ذلك الفن، وقلبوا تلك المعاني والألفاظ.\rباب الغلو\rومن أسمائه أيضاً الإغراق، والإفراط، ومن الناس من يرى أن فضيلة الشاعر إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو، ولا أرى ذلك إلا محال؛ لمخالفته الحقيقة، وخروجه عن الواجب والمتعارف.. وقد قال الحذاق: خير الكلام الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها، وأنشد المبرد قول الأعشى:\rفلو أن ما أبقين مني معلق ... بعود تمام ما تأود عودها\rفقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب الحقيقة فيه، انقضى كلامه.\rوأصح الكلام عندي ما قام عليه الدليل، وثبت فيه الشاهد من كتاب الله تعالى، ونحن نجده قد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق؛ فقال جل من قائل: \" يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق \" .\rوالغلو عند قدامة: تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه، وليس خارجاً عن طباعه، كقول النمر بن تولب في صفة سيف شبه به نفسه:\rتظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"إذ ليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الشيء العظيم ثم يغوص بعد ذلك في الأرض، ولأن مخارج الغلو عنده على \" تكاد \" وعلى هذا تأول أصحاب التفسير قول الله تعالى: \" وبلغت القلوب الحناجر \" أي: كادت.\rوقال الجرجاني في كتاب الوساطة: والإفراط مذهب عام في المحدثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون: من مستحسن قابل، ومستقبح راد، وله رسوم متى وقف الشاعر عندها ولم يتجاوز بالوصف حدها سلم، ومتى تجاوزها اتسعت له الغاية، وأدته الحال إلى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشعبة من الإغراق.\rوقال الحاتمي: وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو والإغراق، ويختلفون في استحسانها واستهجانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضيلة له، فيقولون: أحسن الشعر أكذبه، وأن الغلو إنما يراد به المبالغة والإفراط، وقالوا: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم فإنما يريد به المثل وبلوغ الغاية في النعت، واحتجوا بقول النابغة وقد سئل: من أشعر الناس فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديثه، وقد طعن قوم على هذا المذهب بمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة، انقضى كلامه.\rومن أبيات الغلو للقدماء قول مهلهل:\rفلولا الريح اسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور\rوقد قيل: إنه أكذب بيت قالته العرب، وبين حجر وهي قصبة اليمامة وبين مكان الوقعة عشرة أيام، وهذا اشد غلواً من قول امرئ القيس في النار؛ لأن حاسة البصر أقوى من حاسة السمع وأشد إدراكاً..\rومنها قول النابغة في صفة السيوف:\rتقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب\rوهو دون بيت امرئ القيس في تنر صاحبة النار إفراطاً، ودون بيت النابغة قول النمر بن تولب في صفة السيف أيضاً، وقد أنشدته فيما مضى من هذا الباب واختار قوم على بيتي النابغة والنمر قول أبي تمام:\rويهتز مثل السيف لو لم تسله ... يدان لسلته ظباه من الغمد\rومن الغلو قول جرير:\rفلو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا\rلأنه شيء لا يذوب أبداً، وقد نعي على أبي نواس قوله:\rوأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق\rإذ جعل ما لم يخلق يخافه.. وكذلك قوله:\rحتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان\rوزعم بعض المتعقبين أن الذي كثر هذا الباب أبو تمام، وتبعه الناس بعد، وأين أبو تمام مما نحن فيه؟ فإذا صرت إلى أبي الطيب صرت إلى أكثر الناس غلواً، وأبعدهم فيه همة، حتى لو قدر ما أخلي منه بيتاً واحداً، وحتى تبلغ به الحال إلى ما هو عنه غنى، واه في غيره مندوحة، كقوله:\rيترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد\rوإن كان له في هذا تأويل ومخرج يجعله التوحيد غاية المثل في الحلاوة بفيه.\rوقوله:\rلو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا\rأو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى\rأو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى\rفما دعاه إلى هذا وفي الكلام عوض من بلا تعلق عليه؟ فكيف إذا قال:\rكأني دحوت الأرض من خبرتي به ... كأني بني الإسكندر السد من عزمي\rفشبه نفسه بالخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ثم انحط إلى الإسكندر، وربما أفسد أبو الطيب إغراقه هكذا ونقص منه بما يظنه إصلاحاً له وزيادة فيه، نحو قوله يصف شعره:\rإذا قلته لم يمتنع من وصوله ... جدار معلى أو خباء مطنب\rفما وجه الخباء المطنب بعد الجدار المنيف؟ بينا هو في الثريا صار في الثرى! وإنما أراد الحاضرة والبادية، وكذلك قوله:\rتصد الرياح الهوج عنها مخافة ... ويفزع منها الطير أن يلقط الحبا\rفكم بين خوف الرياح الهوج وصدودها، وبين فزع الطير أن تلقط الحب؟ ولا سيما وأفزع الطير بهائمه التي تلقط الحب لضعفها وعدمها السلاح، وأقل خيال أو تمثال يحمي مزروعات جمة","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"وقد رجح صاحب الوساطة هذا البيت على قول أبي تمام:\rفقد بث عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه\rفاعتبروا يا أولي البصار.\rومما يشاكل قول أبي الطيب في ألفاظه قول نصر الخابز أرزي:\rذبت من الشوق فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه\rوكان لي فيما مضى خاتم ... فالآن لو شئت تمنطقت به\rفبين الإغراق والإغراق بون بعيد واختلاف شديد.\rوإذا لم يجد الشاعر بداً من الإغراق لحبه ذلك، ونزوع طبعه إليه فليكن ذلك منه في الندرة، وبيتاً قي القصيدة إن أفرط، ولا يجعل هجيراه كما يفعل أبو الطيب. وأحسن الإغراق ما نطق فيه الشاعر أو المتكلم بكاد أو ما شاكلها، نحو كأن ولو ولولا، وما أشبه ذلك مما لم يناسب أبيات أبي الطيب المتقدم ذكرها في البشاعة، ألا ترى ما أعجب قول زهير:\rلو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا\rفبلغ ما أراد من الإفراط، وبنى كلامه على صحة.\rومما استحسنه الرواة ونص عليه العلماء قول امرئ القيس يصف سناناً:\rحملت ردينيا كأن شباته ... سنا لهب لم يتصل بدخان\rوإذا نظرت إلى قول أبي صخر:\rتكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق النضر\rوقول أبي الطيب:\rعجبت من أرض سحاب أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورق\rلم يخف عنك وجه الحكم فيهما، على أن في قول أبي الطيب بعض الملاحة والمخالطة لطبعه في حب الإفراط وقلة المبادرة فيه؛ إذ كان ممكناً أن يقول: إن الصخور أورقت، ولغة القرآن أفصح اللغات، وأنت تسمع قول الله تعالى: \" يكاد البرق يخطف أبصارهم \" وقوله: \" إذا أخرج يده لم يكد يراها \" وقوله: \" يكاد زينتها يضيء ولو لم تمسسه نار \" .\rواشتقاق الغلو من المبالغة، ومن غلوة السهم، وهي مدى رميته، يقال: غاليت فلاناً مغالاة وغلاء، إذا اختبرتما أيكما أبعد غلوة سهم، ومنه قول النبي عليه الصلاة السلام: \" جرى المذكيات غلاء \" وقد جاء في حديث داحس \" غلاء \" و \" غلاب \" بالياء ايضاً، وإذا قلت: غلا السعر غلاء، فإنما تريد أنه ارتفع وزاد على ما كان، وكذلك غلت القدر غلياً أو غلياناً، إنما هو أن يجيش ماؤها ويرتفع، والإغراق أيضاً أصله في الرمي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند النزع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حنية القوص، وإنما تفعل ذلك لبعد الغرض الذي ترميه، وهذه التسمية تدل على ما نحوت إليه وأشرت نحوه.\rباب التشكك\rوهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغو والإغريق.\rوفائدته الدالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما، ولا يميز أحدهما من الآخر، وذلك نحو قول زهير:\rوما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\rفإن تكن النساء مخبئآت ... فحق لكل محصنة هداء\rفقد أظهر أنه لم يعلم أنهم رجال أم نساء، وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، وأقرب إلى التصديق؛ ولهذه العلة اختاروه كما تقدم القول في بيت ذي الرمة:\rأيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقاآ أنت أم أم سالم\rوبيت جرير فإنك لو رأيت عبيد تيم وبيت أبي النجم في صفة عرق الخيل. وقال العرجي:\rبالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر\rوإنما سلك طريق ذي الرمة.\rوقال سلم بن عمرو الخاسر:\rتبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجلد غني اللون عن أثر الورس\rفلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية: ما ها هنا مطلع الشمس\rفأنت ترى كيف موقع هذا الشك من اليقين؟ وكيف حلاوته في الصدر وقبوله؟؟ فإنه لو كان يقيناً ما بلغ هذا المبلغ.\rوتناول هذا المعنى أبو زيد الوضاح بن محمد الثقفي فقال يمدح المستعين بالله:\rوقائلة والليل قد نشر الدجى ... فغطى بها ما بين سهل وقردد\rأرى بارقاً يبدو من الجوسق الذي ... به حل ميراث النبي محمد\rفظل عذارى الحي ينظمن تحته ... ظفارية الجزع لم يسرد\rأضاءت به الآفاق حتى كأنما ... رأينا بنصف الليل نور ضحى الغد","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"فقلت: هو البدر الذي تعرفينه ... وإلا يكن فالنور من وجه أحمد\rوأما قول أبي تمام حين قصد عبد الله بن طاهر إلى خراسان يذكر شك رفقائه واستبعادهم الطريق:\rيقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القرد:\rأمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود\rفقد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك إلى غيره، وهو بعيد من قول سلم، وليس ذكرهما جميعاً مطلع الشمس قدوة، ولا عليه معول.. وقال ابن ميادة:\rوأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه\rفوالله ما أدري: أيغلبني الهوى ... إذاجد جد البين أم أنا غالبه؟!\rفقوله في البيت الأول \" أظن \" مليح جداً، وكذلك قوله في البيت الثاني \" ما أدري أيغلبني الهوى أم أنا غالبه \" .\rوأخذ هذا المعنى ابن أبي مية وزاده ملاحة فقال:\rفديتك لم تشبع ولم ترو من هجري ... أيستحسن الهجران أكثر من شهر\rأراني سأسلو عنك إن دام ما أرى ... بلا ثقة، لكن أظن ولا أدري\rوقد أحسن أبو الطيب في قوله:\rأريقك أم ماء الغمامة أم خمر؟؟ ... بفي برود وهو في كبدي جمر\rلولا أنه كدر صفوه ومرر حلوه بما أضاف إليه من قوله:\rأذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة ... وهذا الذي قبلته البرق أم ثغر؟\rولله در أبي نواس إذ يقول:\rألا لا أرى مثل امترى اليوم في رسم ... تغص به عيني ويلفظه وهمي\rأتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن وعلمي كلا علم\rويروي وجهلي كلا جهل.\rوأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس:\rلمن طلل دارس آيه ... أضر به سالف الأحرس\rتنكره العين من جانب ... ويعرفه شغف الأنفس\rوقال أعرابي في معنى أبيات الوضاح بن محمد:\rأقول والنجم قد مالت مياسره ... إلى الغروب: تأمل نظرة حار\rألمحة من سنا برق رأى بصري ... ووجه نعم بدا لي أم سنا نار\rبل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين حجاب وأستار\rباب الحشو وفضول الكلام\rوسماه قوم الاتكاء، وذلك أن يكون في داخل البيت من الشعر لفظ لا يفيد معنى، وإنما أدخله الشاعر لإقامة الوزن، فإن كان ذاك في القافية فهو استدعاء، وقد يأتي في حشو البيت ما هو زيادة في حسنه وتقوية لمعناه: كالذي تقدم من التتميم، والالتفات، والاستثناء، وغير ذلك، مما ذكرته آنفاً.\rمن ذلك قول عبد الله بن المعتز يصف خيلاً:\rصببنا عليها ظالمين ... فطارت بها أيد سراع وأرجل\rوقد مر ذكره في باب المبالغة، فقوله ظالمين حشو أقام بها وزن، وبالغ في المعنى أشد مبالغة من جهته، حتى علمنا ضرورة أن إتيانه بهذه اللفظة التي هي حشو في ظاهر الأمر أفضل من تركها، وهذا شبيه بالتتميم..\rوقال الفرزدق:\rستأتيك مني إن بقيت قصائد ... يقتصر عن تحبيرها كل قائل\rفقوله إن بقيت حشو في ظاهر لفظه، وقد أفاد به معنى زائداً، وهو شبيه بالالتفات من جهة، وبالاحتراس من جهة أخرى، فما كان هكذا فهو الجيد، وليس بحشو إلا على المجاز، أو بعد أن ينعت بالجودة والحسن، أو يضافا إليه، وإنما يطلق اسم الحشو على ما قدمت ذكره مما لا فائدة فيه.\rوقد أتى العتابي بما فيه كفاية حيث يقول:\rإن حشو الكلام من لكنه المر ... ء وإيجازه من التقويم\rفجعل الحشو لكنة، وليس كل ما يحشى بن الكلام لزيادة فائدة لكنة، وإنما أراد ما لا حاجة إليه ولا منفعة، كقول أبي صفوان الأسدي يذكر بازياً:\rترى الطير والوحش من خوفه ... حواجر منه إذا ما أغتدي\rفقوله منه بعد قول من خوفه حشو لا فائدة فيه، ولا معنى له، وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدة:\rخذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود حالك الجلباب\rفقوله الدجى حشو؛ لأن في القسيم الثاني ما يدل عليه من زيادة استعارتين مليحتين، فإن لم يكن في القسيم الأول حشو كان القسيم الثاني بأثره فضلة.\rوقال أبو الطيب في نحو من ذلك:","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض\rفقوله والبأس حشو؛ لأن قوله ومن فوقها دال على الإنس والجن جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، اللهم إلا أن يحمله على تأويلهم في قول الله تعالى: \" فيهما فاكهة ونخل ورمان \" فأعاد ذكرهما وهما من الفاكهة لفضلهما، وقوله تعالى: \" ومن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال \" فإن هذا سائغ وليس بحشو حينئذ.\rومن الحشو قول الكلحبة اليربوعي:\rإذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا\rفقوله بالفتى حشو، وكان الواجب أن يقول به لأن ذكر المرء قد تقدم، إلا أن يريد في قوله بالفتى الزراية والأطنوزة فإنه يحتمل.\rقال زيد الخيل يخاطب كعب بن زهير: يقول:\rأرى زيداً وقد كان معدماً ... أراه لعمري قد تمول واقتنى\rفقوله أراه لعمري حشو واستراحة يستغنى عنها بقوله أرى زيداً ومما يكثر به حشو الكلام أضحى، وبات، وظل، وغدا، وقد، ويوماً، وأشباهها، وكان أبو تمام كثيراً ما يأتي بها، ويكره للشاعر استعمال ذا، وذي، والذي، وهو، وهذا، وهذي وكان أبو الطيب مولعاً بها، مكثراً منها في شعره، حتى حمله حبه فيها على استعمال الشاذ وركوب الضرورة في قوله:\rلو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء\rوكذلك يكره للشاعر قوله في شعره \" حقاً \" إلا أن تقع له موقعها في قول الأخطل:\rفأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر\rفإن قوله ههنا حقاً زاد المعنى حسناً وتوكيداً ظاهراً.\rولقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في قوله لابن المعتز:\rولو قبلت في حادث الدهر فدية ... لقلنا على التحقيق نحن فداؤه\rفقوله \" على التحقيق \" حشو مليح فيه زيادة فائدة.\rومن الناس من يسمي هذا النوع من الكلام ارتفاداً، وأنشد بعض العلماء قول قيس بن الخطيم:\rقضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف\rوالاتكاء عنده والإرتفاد هو قول الشاعر \" صورها الخالق \" لأن اسم الله تعالى قد تقدم.\rووجدت الحذاق يعيبون قول ابن الحدادية وهي أمه، واسمه قيس بن منقذ:\rإن الفؤاد قد أمسى هائماً كلفاً ... قد شفه ذكر سلمى اليوم فانتكسا\rلحشوه ب \" قد \" في موضعين من البيت ثم ب \" أمسى \" وب \" اليوم \" على تناقضهما.\rوعاب الحاتمي على الأعشى قوله:\rفرميت غفلة قلبه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها\rلأن تكرير القلب عنده حشو لا فائدة فيه، وهذا تعسف من الحاتمي لأن قلبه غير قلبها، فإنما كرر اللفظ دون المعنى، ورأيت روايته في أكثر النسخ \" حبة قلبه وطحالها \" وهو غلط، ومن ههنا عابه فيما أظن، ومن الناس من روى \" فرميت غفلة عينه عن شاته \" وهي رواية مشهورة صحيحة.\rونعوا على أبي العيال الهذلي قوله:\rذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب\rلأن صداع الرأس من أدواء الرأس خاصة، فليس الذكر الرأس معه معنى، وعلى جميل قوله:\rوما ذكرتك النفس يا بثن مرة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف\rفتكرير النفس لبس له وجه ههنا، وللتكرير موضع يحسن فيه، وسيرد إن شاء الله في بابه.\rومن الحشو نوع سماه قدامة التفضيل بالفاء وزعم قوم أنه بالعين كأنهم يجعلونه اعوجاجاً من قولهم: ناب أعصل، وجعله آخرون بالعين وضاد معجمة، كأن عندهم من: تعضل الولد، إذا عسر خروجه واعترض في الرحم، وظاهر البيت الذي أنشده قدامة يدل على أنه التفصيل بالفاء وهو قول دريد بن الصمة:\rوبلغ نميراً إن عرضت ابن عامر ... وأي أخ في النائبات وطالب\rويجري هذا المجرى قول أبي الطيب، بل هو اقبح منه:\rحملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحيا سقي الرياض السحائب\rلأن التفرقة بين النعت والمنعوت أسهل من التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، وهما بمنزلة اسم واحد، فإذا شئت أن تجعل بيت ابن الخطيم \" حين صورها الخالق \" من هذا النوع جاز لك؛ فيكون التقدير قضى لها الله الخالق حين صورها.\rباب الاستدعاء","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"وهو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط، فتخلو حينئذ من المعنى كقول عدي القرشي، أنشده قدامة:\rووقيت الحتوف من وارث وا ... لٍ، وأبقاك صالحاً رب هود\rفإنه لم يأت لهود النبي عليه السلام ههنا معنى إلا كونه قافية.\rوما أعجب السيد الحميري في قوله:\rأقسم بالفجر وبالعشر ... والشفع والوتر ورب لقمان\rفي منزل محكم ناطق ... بنور آيات وبرهان\rفالفجر فجر الصبح والعشر عش ... ر النحر والشفع نجيان\rمحمد وابن أبي طالب ... والوتر رب العزة الباني\rباني سموات بناها بلا ... تقدير إنس ولا جان\rفانظر إلى قوله \" رب لقمان \" ما اكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله \" الباني \" فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، والله حسبه.\rومن أناشيد قدامة قول علي بن محمد صاحب البصرة:\rوسابغة الأذيال زغف مفاضة ... تكنفها مني نجاد مخطط\rفلا أدري معنى هذا الشاعر في تخطيط النجاد، وهذا أقل ما في تكلف القوافي الشاردة إذا ركبها غير فارسها، وراضها غير سائسها.\rباب التكرار\rوللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعانى، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر اسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب، إذا كان في تغزل أو نسيب.. كقول امرئ القيس، ولم يتخلص أحد تخلصه فيما ذكر عبد الكريم وغيره، ولا سلم سلامته في هذا الباب:\rديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال\rوتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامي أو على رأس أو عال\rوتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال\rليالي سلمى إذ تريك منضداً ... وجيداً كجيد الريم ليس بمعطال\rوكقول قيس بن ذريح:\rألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا\rأو على سبيل التنويه به، والإشارة إليه بذكر، إن كان في مدح كقول أبي الأسد:\rولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟\rأرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر؟!\rكأن وفود الفيض يوم تحملوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر\rمواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر\rفتكر يراسم الممدوح ههنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع.\rوكذلك قول الخنساء:\rوإن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتو لنحار\rوإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\rأو على سبيل التقرير والتوبيخ. كقول بعضهم:\rإلى كم وكم أشياء منكم تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمي\rفأما قول محمد بن مناذر الصبيري في معنى التكثير:\rكم وكم كم كم وكم كم كم وكم ... قال لي: أنجز حر ما وعد\rفقد زاد على الواجب، وتجاوز الحد.\rولما أنشدوا للصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد قول أبي الطيب:\rعظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت، وهو العظم عظماً عن العظم\rقال: ما أكثر عظام هذا البيت مع أنه من قول الطائي:\rتعظمت عن ذاك التعظيم فيهم ... وأوصاك عظم القدر أن تتنبلا\rومن المعجز في هذا النوع قول الله تعالى في سورة الرحمن: \" فبأي آلاء ربكما تكذبان \" كلما عدد منة أو ذكر بنعمة كرر هذا. وقد كرر أبو كبير الهذلي قوله:\rفإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل\rعلى بعض الروايات في سبعة مواضع من قصيدته التي أولها:\rأزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول؟؟\rكلما وصف فصلاً وأتمه كرر هذا البيت.\rأو على سبيل التعظيم للمحكي عنه، وأنشد سيبويه:","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا\rأو على جهة الوعيد والتهديد إن كان عتاب موجع، كقول الأعشى ليزيد بن مسهر الشيباني:\rأبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت أقصر وعرضك سالم\rوذرنا وقوماً إن هم عمدوا لنا ... أبا ثابت واقعد فإنك طاعم!!\rأو على وجه التوجع إن كان رثاء وتأبيناً، نحو قول متمم بن نويرة:\rوقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟؟\rفقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك\rوأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وهو كثير حيث التمس من الشعر وجد.\rأو على سبيل الاستغاثة وهي في باب المديح، نحو قول العديل بن الفرخ:\rبني مسمع لولا الإله وأنتم ... بني مسمع لم ينكر الناس منكرا\rويقع التكرار في الهجاء على سبيل الشهرة، وشدة التوضيع بالمهجو، كقول ذي الرمة يهجو المرئي:\rتسمى امرأ القيس بن سعد إذا اعتزت ... وتأبى السبال الصهب والأنف الحمر\rولكنا أصل امرئ القيس معشر ... يحل لهم لحم الخنازير والخمر\rنصاب امرئ القيس العبيد وأرضهم ... ممر المساحي لا فلاة ولا مصر\rتخطى إلى الفقر امرؤ القيس؛ إنه ... سواء على الضيف امرؤ القيس والفقر\rتحب امرؤ القيس القرى أن تناله ... وتأبى مقاريها إذا طلع الفجر\rهل الناس إلا يا امرأ القيس غادر ... ووافٍ وما فيكم وفاء ولا غدر؟\rوكذلك صنع جرير في قصيدته الدماغة التي هجا بها راعي الإبل؛ فإنه كرر \" بني نمير \" في كثير من أبياتها.\rويقع أيضاً على سبيل الازدراء والتهكم والتنقيص، كقول حماد عجرد لابن نوح، وكان يتعرب:\rيا بن نوح يا أخا ال ... حلس ويا ابن القتب\rومن نشا والده ... بين الربا والكثب\rيا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي\rومن المعيب في التكرار قول ابن الزيات:\rأتعزف أم تقيم على التصابي؟ ... فقد كثرت مناقلة العتاب\rإذا ذكر السلو عن التصابي ... نفرت من اسمه نفر الصعاب\rوكيف يلام مثلك في التصابي ... وأنت فتى المجانة والشباب؟!!\rسأعزف إن عزفت عن التصابي ... إذا ما لاح شيب بالغراب\rألم ترني عدلت عن التصابي ... فأغرتني الملامة بالتصابي؟!!\rفملأ الدنيا بالتصابي، على التصابي لعنة الله من أجله، فقد برد به الشعر، ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يعد به عروض البيت، وأين هذا من تكريره على جهة التفخيم في قوله للحسن بن سهل من قصيدة:\rإلى الأمير الحسن استجدتها ... أي مزار ومناخ ومحل\rأي مزار ومناخ ومحل ... لخائف ومستريش ذي أمل\rوهذا كقول امرئ القيس:\rتقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا\rعشية جاوزنا حماة وشيزرا ... أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا\rومن تكرير المعاني قول امرئ القيس، وما رأيت أحداً نبه عليه:\rفيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل\rكأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل\rفالبيت الأول يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن النجوم تشتمل على الثريا، كما أن بذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله \" شدت بكل مغار الفتل \" ومثل قوله \" علقت بأمراس كتان \" ويقرب من ذلك وليس به قول كثير:\rوإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت\rلكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت\rكأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"إلا أن كثيراً تصرف، فجعل رجاء الأول ظل الغمامة ليقيل تحتها من حرارة الشمس فاضمحلت وتركته ضاحياً، وجعل الممحل في البيت الثاني يرجو سحابة ذات ماء فأمطرت بعد ما جاوزته.\rومن مليح هذا االباب ما أنشدنيه شيخنا أبو عبد الله محمد بن جعفر لابن المعتز، وهو قوله:\rلساني لسري كتوم كتوم ... ودمعي بحبي نموم نموم\rولي مالك شفني حبه ... بديع الجمال وسيم وسيم\rله مقلتا شادنٍ أحورٍ ... ولفظ سحور رخيم رخيم\rفدمعي عليه سجوج سجوم ... وجسمي عليه سقيم سقيم\rباب منه\rذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي.\rقال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت أني وجدت منه في القرآن شيئاً، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.\rقال صاحب الكتاب: غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية، وقدمها على غيرها، وأنشد الفرزدق:\rلكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها\rونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها\rوأنشد لآخر، ولا أظنه إلا إبراهيم بن العباس:\rوعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي\rفاعلم مالي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن علمي\rوعاب على أبي تمام قوله:\rفالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا\rوحكى أن إسحاق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب، فقال: يا هذا، لقد شددت على نفسك.\rوأنشد ابن المعتز لنفسه:\rأسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني\rكتمت حبك حتى ... كتمته كتماني\rفلم يكن لي بد ... من ذكره بلساني\rوهذه الملاحة نفسها، والظرف بعينه.\rومن هذا الباب نوع آخر هو أولى بهذه التسمية من كثير مما ذكره المؤلفون، نحو قول إبراهيم بن المهدي يعتذر إلى المأمون من وثوبه على الخلافة:\rالبر منك وطاء العذر عندك لي ... فيما فعلت، فلم تعذل ولم تلم\rوقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم\rوكذلك قول أبي عبد الرحمن العطوي:\rفو حق البيان يعضده البر ... هان في مأقط ألد الخصام\rما رأينا سوى الحبيبة شيئاً ... جمع الحسن كله في نظام\rهي تجري مجرى الإصابة في الرأ ... ي ومجرى الأرواح في الأجسام\rوقد نقلت هذا الباب نقلاً من كتاب عبد الله بن المعتز، إلا ما لا خفاء به عن أحد من أهل التمييز، واضطرني إلى ذلك قلة الشواهد فيه، إلا ما ناسب قول أبي نواس:\rسخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار\rلا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار\rفهذا مذهب كلامي فلسفي.. وقوله أيضاً:\rفيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل\rوأشباه ذلك مما في هذا غنى عنه ودلالة عليه.\rباب نفي الشيء بإيجابه\rوهذا الباب من المبالغة، وليس بها مختصاً، إلا أنه من محاسن الكلام، فإذا تأملته وجدت باطنه نفياً، وظاهره إيجاباً.. قال امرؤ القيس:\rعلى لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\rفقوله \" لا يهتدى بمناره \" لم يرد أن له مناراً لا يهتدى به، ولكن أراد أنه لا منار له فيهتدى بذلك المنار.\rوكذلك قول زهير:\rبأرض خلاء لا يسد وصيدها ... علي، ومعروفي بها غير منكر\rفأثبت لها في اللفظ وصيداً، وإنما أراد ليس لها وصيد فيسد علي.\rويتصل بهذا قول الزبير بن عبد المطلب يذكر عميلة بن السباق بن عبد الدار، وكان نديماً له وصاحباً:\rصبحت بهم طلقاً يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره\rضعيفاً بحث الكأس قبض بنانه ... كليلاً على وجه النديم أظافره","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"فظاهر كلامه أنه يخمش وجه النديم، إلا أن أظافره كليلة، وإنما أراد في الحقيقة أنه لا يظفر وجه النديم ولا يفعل شيئاً من ذلك، وكذلك قوله \" لم تحتضره مفاقره \" أي: ليس له مفاقر فتحتضره.\rوقال أبو كبير الهذلي يصف هضبة:\rوعلوت مرتقباً على مرهوبة ... حصاء ليس رقيبها في مثمل\rعيطاء معنقة يكون أنيسها ... ورق الحمام جميعها لم يؤكل\rيريد أنه ليس بها جميم فيؤكل، يدل على ذلك قوله في البيت الأول \" حصاء \" وهي التي لا نبت فيها.\rوقال أبو ذؤيب يصف فرساً:\rمتفلق أنساؤها عن قانئ ... كالقرط صار وغبره لا يرضع\rفلم يرد أن هناك بقية لبن لا يرضع، لكن أراد أنها لا لبن لها فيرضع.\rوالشاهد على جميع ما قلته في شرح هذه الأشياء ما جاء في تفسير قول الله عز وجل: \" لا يسألون الناس إلحافاً \" قالوا: ليس يقع منهم سؤال فيقع إلحافاً: أي هم لا يسألون البتة.\rوالمعيب من هذا الباب قول كثير يرثي عزة صاحبته:\rفهلا وقاك الموت من أنت زينه ... ومن هو أسوأ منك دلاً وأقبح؟\rلأنه قد أوهم السامع أن لها دلاً سيئاً، ولكن غيره أسوأ منه وأقبح، فكيف إن كان القبح راجعاً عليها لا على دلها، وليس هذا في شيء من قوله تعالى: \" أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا \" لأن هذا إشكال فيه.\rباب الاطراد\rومن حسن الصنعة أن تطرد الأسماء من غير كلفة، ولا حشو فارغ؛ فإنها إذا أطردت دلت على قوة طبع الشاعر، وقلة كلفته ومبالاته بالشعر.\rوذلك نحو قول الأعشى:\rأقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل\rفأتى كالماء الجاري اطراداً وقلة كلفة، وبين النسب حتى أخرجه عن مواضع اللبس والشبهة..\rولما سمع عبد الملك بن مروان قول دريد بن الصمة:\rقتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤابة بن أسماء بن زيد بن قارب\rقال كالمتعجب: لولا القافية لبلغ به آدم، ورواه قوم \" أبأت بعبد الله \" .\rوقال أبو تمام:\rعبد المليك بن صالح بن عل ... ي بن قسيم النبي في نسبه\rفهذا سهل العنان، خفيف على اللسان، وإن كانت الياء في \" المليك \" ضرورة وتكلفاً.\rوقال الحارث بن دوس الإيادي:\rوشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد\rفأطردت ثلاثة أسماء لا كلفة فيها.\rوقال أبو تمام في قالب بيت الأعشى، وإن نقص عنه اسماً واحداً:\rبنصر بن منصور بن بسام انفرى ... لما شظف الأيام عن عيشة رغد\rفأما من أتى بأكثر من هذا ومن الأول فقد قال بعضهم:\rمن يكن رام حاجة بعدت عن ... ه وأعيت عليه كل العياء\rفلها أحمد المرجى بن يحيى ب ... ن معاذ بن مسلم بن رجاء\rفجاء كلامه نسقاً واحداً، إلا أنه قد شغل البيت وفصل بين الكلام بقوله \" المرجى \" غير أن مجانسة رجاء هونت خطيئته وغفرت ذنبه.\rوقال الطائي:\rعمرو بن كلثوم بن مالك بن عت ... اب بن سهم سهمكم لا يسهم\rفخاطب بذلك بني عمرو بن غنم التغلبيين، وهم بنو عم مالك بن طوق، فانتظم له ما أراد من الأسماء، إلا أنه ظاهر التكلف، وقال فأتى بستة:\rمناسب تحسب من ضوئها ... منازل للقمر الطالع\rكالدلو والحوت وأشراطه ... والبطن والنجم إلى البالع\rنوح بن عمرو بن حوى بن عم ... رو بن حوى بن الفتى مانع\rفأحكم التصنيع وقابل ستة بستة؛ لأن الأشراط منزلة، وإن جمعها، إلا أن \" الفتى \" ههنا غضة مع برد لفظ وركاكة، ما أحسن أبا هؤلاء كلهم يقال له الفتى وإن كنا نعلم أنه لم يرد فتاء السن، ولكن الفتوة.\rوجاء أبو الطيب فجاءك بالتعسف في قوله لسيف الدولة:\rفأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد\rوحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد\rففي هذا المعنى من التقصير أنه جاء به في صفين وأنه جعله أنياب الخلافة بقوله:\rأولئك أنياب الخلافة كلها ... وسائر أملاك البلاد الزوائد","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"وهم سبعة بالممدوح، والأنياب في المتعارف أربعة، إلا أن تكون الخلافة تمساح نيل أو كلب بحر؛ فإن أنياب كل واحد منهما ثمانية، اللهم إلا أن يريد أن كل واحد منهم ناب الخلافة في زمانه خاصة؛ فإنه يصح، وفيه من الزيادة على ما قبله أنه زاد واحداً في العدد، فإنه جعل كل ابن هو أبوه في الخلافة إلى أن بلغ راشداً، ولم يقصد إلى ذلك أحد من أصحابه، وإنما مقت شعره هذا تكريره كل اسم مرتين في بيت واحد، وهي أربعة أسماء.\rباب التضمين والإجازة\rوهذا باب يختلط على كثير من الشعراء ممن ليس له ثقوب في العلم ولا حذق بالصناعة، كجماعة ممن وسم في بلدنا بالمعرفة، وينسب إليها مكذوباً عليه فيها، كاذباً فيما ادعاه منها، ولتعرفنهم في لحن القول.\rفأما التضمين فهو قصدك إلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في أواخر شعرك أو في وسطه كالمتمثل، نحو قول محمود بن الحسين كشاجم الكاتب:\rيا خاضب الشيب والأيام تظهره ... هذا شباب لعمر الله مصنوع\rأذكرتني قول ذي لب وتجربة ... في مثله لك تأديب وتقريع\rإن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع\rفهذا جيد في بابه، وأجود منه أن لو يكن بين البيت الأول والآخر واسطة؛ لأن الشاعر قد دل بذلك على أنه متهم بالسرق، أو على أن هذا البيت غير مشهور، وليس كذلك، بل هو كالشمس اشتهاراً، ولو أسقط البيت الأوسط لكان تضميناً عجيباً، لأن ذكر الثوب قد أخرج الثاني من باب الأول إلا في المعنى، وهذا عند الحذاق أفضل التضمين، فإنما احتذى كشاجم قول ابن المعتز في أبيات له:\rلا ذنب لي إن ساء ظنك بعدما ... وفيت لكم، ربي بذلك عالم\rوها أنا ذا مستعتب متنصل ... كما قال عباس وأنفي راغم\rتحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم\rوأبيات العباس بن الأحنف التي منها البيت المضمن هي قوله:\rوصب أصاب الحب سوداء قلبه ... فأنحله، والحب داء ملازم\rفقلت له إذ مات وجداً بحبه ... مقالة نصح جانبتها المآثم:\rتحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم\rفإنك إن لم تحمل الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم\rغير أن شيخنا أبا عبد الله روى هذه الأبيات أيضاً لابن المعتز.\rفهذا النوع من التضمين جيد، وهو الذي أردنا من قبل؛ وأجود منه أن يصرف الشاعر المضمن وجه البيت المضمن عن معنى قائله إلى معناه، نحو قول بعض المحدثين، ونسبه قوم إلى ابن الرومي:\rيا سائلي عن خالد، عهدي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد\rكالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي\rهكذا أعرفه، وروى \" عن جعفر \" فصرف الشاعر قول النابغة في صفة الثغر:\rتجلوا بقادمتي حمامة أيكةٍ ... برداً أسف لثاته بالإثمد\rكالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي\rإلى معناه الذي أراد.\rومن هذا المعنى أيضاً قول ابن الرومي بلا محالة:\rوسائلة عن الحسن بن وهبٍ ... وعما فيه من كرم وخير\rفقلت: هو المهذب غير أني ... أراه كثير إرخاء الستور\rوأكثر ما يغنيه فتاه ... حسين حين يخلو بالسرير\rفلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور\rفالبيت الأخير لمهلهل، فجاء قرع البيض بالذكور ههنا عجيباً، وإن كانت اللفظتان في المعنى غير اللفظتين.\rومن الشعراء من يضمن قسيماً نحو قول بعضهم، أظنه الصولي:\rخلقت على باب الأمير كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل\rإذا جئت أشكو طول ضيق وفاقة ... يقولون: لا تهلك أسى وتحمل\rففاضت دموع العين من سوء درهم ... على النحر حتى بل دمعي محملي\rلقد طال تردادي وقصدي إليكم ... فهل عند رسم دارس من معول\rومنهم من يقلب البيت فيضمنه معكوساً، نحو قول العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان لمسلمة بن عبد الملك:\rلقد أنكرتني إنكار خوف ... يضم حشاك عن شتمي وذحلي","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"كقول المرء عمرو في القوافي ... لقيسٍ حين خالف كل عذل\rعذيرك من خليلك من مراد ... أريد حياته ويريد قتلي\rوالبيت المضمن لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، يقوله لابن أخته قيس بن زهير بن هبيرة بن مكشوح المرادي، وكان بينهما بعد شديد وعداوة عظيمة، وحقيقته في شعر عمرو:\rأريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد\rوكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا رأى ابن ملجم تمثل بهذا البيت.\rومن التضمين ما يجمع فيه الشاعر قسمين من وزنين كقول علي بن الجهم يعرض بفضل الشاعرة جارية المتوكل وبنان المغني وكانا يتعاشقان فإذا غنى بنان:\rاسمعي أو خبرينا ... يا ديار الظاعنينا\rغنت هي كالمجاوبة له عما يقول:\rألا حييت عنا ما مدينا ... وهل بأس بقول مسلمينا\rفقال علي منبهاً عليهما في ذلك:\rكلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا\rأنشدت فضل ألا حي ... يت عنا يا مدينا\rعارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلونا\rأحسنت إذ لم تجاوب ... هم ديار الظاعنينا\rلو أجابتهم لصرنا ... آية للسائلينا\rواستعاد الصوت مولا ... ها وحث الشاربينا\rقلت للمولى وقد دا ... رت حميا الكأس فينا\rرب صوت حسن ين ... بت في الرأس قرونا\rوأنشد ابن المعتز في باب التضمين للأخطل:\rولقد سما للخرمي فلم يقل ... يوم الوغى لكن تضايق مقدمي\rإشارة إلى قول عنترة العبسي:\rإذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي\rوهذا تضمين أنت ترى كيف هو، وأنشد لآخر:\rعوذ لما بت ضيفاً له ... أقراصه مني بياسين\rفبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصاريني\rومن التضمين ما يحيل الشاعر فيه إحالة، ويشير به إشارة، فيأتي به كأنه نظم الأخبار أو شبيه به، وذلك نحو قول بعضهم في معنى قول ابن المعتز كما قال عباس وأنفي راغم إنه لم يرد الأبيات المقدم ذكرها، وإنما أراد قوله للرشيد حين هجرته ماردة:\rلا بد للعاشق من وقفةٍ ... تكون بين الوصل والصرم\rحتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم\rفهذا النوع أبعد التضمينات كلها، وأقلها وجوداً، وذلك نحو قول أبي تمام:\rلعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحمى منك في ساعة الكرب\rأراد البيت المضروب به المثل:\rالمستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار\rوقد صنعت أنا معنى الهجاء:\rعرسه من غير ضيرٍ ... عرس زيد بن عمير\rأبداً تزني فإن حاض ... ت تقد حباً لأير\rولها رجلان من نا ... قة كعب بن زهير\rهكذا تبنى المعالي ... ليس إلا كل خير\r\" زيد بن عمير \" هو الذي يقول في زوجته:\rتقود إذا حاضت، وإن طهرت زنت ... فهي أبداً يزنى بها وتقود\rو \" كعب بن زهير \" يقول في وصف ناقته:\rتهوى على يسرات وهي لاهية ... ذوابل وقعهن الأرض تحليل\rفكانت هذه المرأة في حاليها لا تقع رجلاها بالأرض: إما لكثرة مباضعة أو شدة مشي في فساد.\rومن أنواع التضمين تعليق القافية بأول البيت الذي بعدها، وقد تقدم ذكره.\rوأما الإجازة فإنها بناء الشاعر بيتاً أو قسيماً يزيده على ما قبله، وربما أجاز بيتاً أو قسيماً بأبيات كثيرة، فأما ما أجيز فيه قسيم بقسيم فقول بعضهم لأبي العتاهية: أجز برد الماء وطابا فقال: حبذا الماء شرابا وأما ما أجيز فيه بيت ببيت فقول حسان بن ثابت وقد أرق ذات ليلة فقال:\rمتاريك أذناب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها\rوأجبل، فقالت ابنته: يا أبت، لا أجيز عنك، فقال: أوعندك ذاك؟ قالت: بلى، قال: فافعلي، فقالت:\rمقاويل للمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها\rقال: فحمي الشيخ عند ذاك، فقال:\rوقافية مثل السنان ردفتها ... تناولت من جو السماء نزولها\rفقالت ابنته:","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها\rوذكر أن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء فقال: أجيزي عني هذا البيت:\rأهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر\rفقالت غير مفكرة:\rخاف التلون إذ أتته لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر\rفحلف لها بكل الأيمان، وكانت تعزه، لئن ظهر البيت إن دخلت منزلكم أبداً، وأضافه إلى بيته.\rوأما ما أجيز فيه قسيم بيت ببيت ونصف فقول الرشيد للشعراء: أجيزوا: الملك لله وحده فقال الجماز: وللخليفة بعده\rوللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده\rواستجاز سيف الدولة أبا الطيب قول عباس بن الأحنف:\rأمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر؟\rفصنع القصيدة المشهورة:\rهواك هواي الذي أضمر ... وسرك سري فما أظهر\rإلا أنه خرج فيها عن المقصد.\rوالإجازة في هذا الموضع مشتقة المعنى من الإجازة في السقي، يقال: أجاز فلان فلاناً، إذا سقى له أو سقاه، الشك مني، وأما اللفظة فصحيحة فصيحة.\rوقال ابن السكيت: يقال للذي يرد على أهل الماء فيستقى: مستجيز: قال القطامي:\rوقالوا فقيم الماء فاستجز ... عبادة؛ إن المستجيز على قتر\rويجوز أن يكون من \" أجزت عن فلان الكأس \" إذا تركته وسقيت غيره، فجازت عنه دون أن يشربها، فقال أبو نواس:\rوقلت لساقينا أجزنا فلم أكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا\rفجوزها عني عقاراً ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا\rوقد تقدم ذكره الإجازة التي فيها عيوب القوافي، وذكرت اشتقاقها.\rومن هذا الباب نوع يسمى التمليط، وهو أن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال للتوأم اليشكري: إن كنت شاعراً كما تقول فملط أنصاف ما أقول فأجزها، قال: نعم، قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقاً هب وهناً فقال التوأم: كنار مجوس تستعر استعارا ف قال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا ولا يزالان هكذا، يصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً إلى آخر الأبيات.\rوقد تقدم إنشادها في باب أدب الشاعر من هذا الكتاب.\rوربما ملط الأبيات شعراء جماعة، كما يحكى أن أبا نواس والعباس بن الأحنف والحسين بن الضحاك الخليع ومسلم بن الوليد الصريع خرجوا في متنزه لهم ومعهم يحيى بن المعلى، فقام يصلي بهم، فنسي الحمد وقرأ \" قل هو الله أحد \" فأرتج عليه في نصفها، فقال أبو نواس: أجيزوا:\rأكثر يحيى غلطاً ... في قل هو الله أحد\rفقال عباس:\rقام طويلاً ساهياً ... حتى إذا أعيا سجد\rفقال مسلم بن الوليد:\rيزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد\rفقال الخليع:\rكأنما لسانه ... شد بحبل من مسد\rوأنشدني بعض أصحابنا هذه الأبيات على طريق الاستملاح لها والاستظراف بها، وقال: هذا الذي يعجز الناس عنه، فقلت: فما بال عباس وأبي نواس لم يقولا بعد البيت الأول:\rونسي الحمد فما ... مرت له على خلد\rولا سيما وقد كان ذلك حقيقة، وكذلك جرت الحكاية، فقال: ولمن البيت؟ فقلت: لابن وقته.\rواشتاق التمليط من أحد شيئين: أولهما أن يكون من الملاطين، وهما جانباً السنام في مرد الكتفين، قال جرير:\rظللن حوالي خدر أسماء، وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح\rفكأن كل قسيم ملاط، أي: جانب من البيت، وهما عند ابن السكيت العضدان. والآخر وهو الأجود أن يكون اشتقاقه من الملاط وهو الطين يدخل في البناء يملط به الحائط ملطاً، أي: يدخل بين اللبن حتى يصير شيئاً واحداً. وأما الملط وهو الذي لا يبالي ما صنع والأملط الذي لا شعر عليه في جسده؛ فليس لاشتقاقه منهما وجه.\rباب الاتساع\rوذلك أن يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل؛ فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى.\rمن ذلك قول امرئ القيس:\rمكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"فإنما أراد أنه يصلح للكر والفر، ويحسن مقبلاً مدبراً، ثم قال \" معاً \" أي: جميع ذلك فيه، وشبهه في سرعته وشدة جريه بجلمود صخر حطه السيل من أعلى الجبل؛ فإذا انحط من عال كان شديد السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه؟؟ وذهب قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله كجلمود صخر حطه السيل من عل إنما هو الصلابة؛ لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب.\rوقال بعض من فسره من المحدثين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يرى مقبلاً ومدبراً في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه، واحتج بما يوجد عياناً؛ فمثله باللجلمود المنحدر من قنة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده، ولا روعه.\rومثله قول أبي نواس: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر فزعم من فسره أنه إنما قال \" وقل لي هي الخمر \" ليلتذ السمع بذكرها كما التذت العين برؤيتها، والأنف بشمها، واليد بلمسها، والفم بذوقها، وأبو نواس ما أظنه ذهب هذا المذهب، ولا سلك هذا الشعب، ولا أراه أراد إلا الخلاعة والعبث الذي بنى عليه القصيدة، ودليل ذلك أنه قال في تمام البيت: ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر ويروى \" فقد أمكن الجهر \" فذهب إلى المجاهرة، وقلة المبالاة بالناس، والمداراة لهم في شرب الخمر بعينها التي لا اختلاف بين المسلمين فيها.\rوقد ثبت أن المأمون ذم أخاه الأمين على المنابر، وذكر في مذامه أنه صحب شاعراً من أمره ومن قصته أنه يجاهر بالمعاصي، ويقول في قصيدة أولها كذا وأنشد البيت:\rفبتنا يرانا الله شر عصابة ... نجر بأذيال الفسوق ولا فخر\rومثل ذلك قول المفضل الضبي بين يدي الرشيد والكسائي حاضر في معنى قول الفرزدق:\rأخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع\rوقد سأل الأمين والمأمون: ما معناه؟ فقالا: معناه في قوله \" قمراها \" تغليب المستعمل عندهم؛ لأن القمر أكثر استعمالاً عند العرب من الشمس، وكذلك قولهم \" العمران \" لما كان عمر أطول أياماً وأكثر تأثيراً، فقال الرشيد: هكذا أخبرنا هذا الشيخ، وأشار إلى الكسائي، فقال المفضل: بل مراده بالقمرين جداك إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما، وبالنجوم الطوالع أنت وآباؤك الطيبون، فأعجب الرشيد بذلك ووصله، والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك ولا أراده، ولا علم أن الرشيد بعده يكون أمير المؤمنين، وإنما أراد أن كل مشهور فاضل فهو لنا عليكم، ومنا لا منكم، فنحن أشرف بيتاً، وأظهر فضلاً، وأبعد صوتاً، إلا أن التي جاء بها المفضل ملحة أفادت مالا.\rويتعلق بهذا قول أبي الطيب يذكر الروم:\rوقد بردت فوق اللقان دمائهم ... ونحن أناس نتبع البارد السخنا\rأراد أنا نتبع البارد من الدماء سخنا، كأنه يتوعدهم بقتل آخر، فيكون قد أخذه من قول سويد بن كراع وهي أمه يصف كلاباً وثوراً:\rفهز عليه الموت والموت دونه ... على روقه منه مذاب وجامد\rوقال الأصمعي: يعني بالمذاب الحار، وبالجامد والبارد، ويجوز أن يكون أبو الطيب أراد: ونحن أناس نتبع البارد من الطعام سخنا، وكذلك أيضاً عادتنا في الدماء؛ فيكون قد فرع.\rوزعم قوم في قوله يشفع لبني كلاب إلى سيف الدولة:\rوتملك انفس الثقلين طراً ... فكيف تحوز أنفسها كلاب\rأنه لم يرد القبيلة، وإنما أراد أن يجعلهم كلاباً على باب التحقير لقدرهم، والتلطف لهم، كما جعلهم في البيت الأول ذئاباً سراقاً، ولا أظن ذلك، بل لا أحققه؛ لأن في القصيدة:\rولو غير الأمير غزا كلاباً ... ثناه عن شموسهم ضباب\rولاقي دون ثأيهم طعاناً ... يلاقي عندها الذئب الغراب\rإلا أن يحملوا على الشاعر التناقض، وينسبوه إلى قلة التحصيل؛ فذلك إليهم، على أن هذه القصيدة قليلة النظير في شعره: تناسباً، وطبعاً، وصنعة، ومثلها الرائية في وزنها وذكر القصة بعينها.\rباب الاشتراك","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"وهو أنواع: منها ما يكون في اللفظ، ومنها ما يكون في المعنى؛ فالذي يكون في اللفظ ثلاثة أشياء: فأحدها: أن يكون اللفظان راجعين إلى حد واحد ومأخوذين من حد واحد، فذلك اشتراك محمود، وهو التجنيس، وقد تقدم القول فيه، والنوع الثاني: أن يكون اللفظ يحتمل تأويلين أحدهما يلائم المعنى الذي أنت فيه والآخر لا يلائمه ولا دليل فيه على المراد، كقول الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه\rفقوله \" حي \" يحتمل القبيلة، ويحتمل الواحد الحي، وهذا الاشتراك مذموم قبيح، والمليح الذي يحفظ لكثير في قوله يشبب:\rلعمري لقد حببت كل قصيرة ... إلي، وما تدري بذاك القصائر\rعنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا؛ شر النساء البحاتر\rفأنت ترى فطنته لما أحس باشتراك كيف نفاه، وأعرب عن معناه الذي نحا إليه.\rومن نوع قول الفرزدق قول كشاجم يذكر الميدان:\rعمرته بفتية صباح ... سمح، بأعراضهم شحاح\rفنحن نعلم أنه أراد سمح شحاج بأعراضهم، ولكن فيه من اللبس ما هو أولى من التأويل.\rوالنوع الثالث ليس من هذا في شيء، وهو سائر الألفاظ المبتذلة للتكلم بها، لا يسمى تناولها سرقة، ولا تداولها اتباعاً؛ لأنها مشتركة لا أحد من الناس أولى بها من الآخر، فهي مباحة غير محظورة، إلا أن تدخلها استعارة، أو تصحبها قرينة تحدث فيها معنى، أو تفيد فائدة، فهناك يتميز الناس، ويسقط اسم الاشتراك الذي يقوم به العذر، ولو غيرت اللفظة وأتى بما يقوم مقامها كقول ابن أحمر:\rبمقلص درك الطريدة، متنه ... كصفا الخليقة بالفضاء الملبد\rفقوله \" درك الطريدة \" وقول الأسود بن يعفر:\rبمقلص عتد جهير شده ... قيد الأوابد والرهان جواد\rجميعاً كقول امرئ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيكل وكذلك قول أبي الطيب: أجل الظليم وربقة السرحان فأما ما ناسب قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه:\rوقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه، وإن عظم الأجر\rوقول أبي نواس في صفة الخمر:\rترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها\rفهو من المشترك الذي لا يعد سرقة.\rوقد نص عليه القاضي الجرجاني أنه من المنقول المتداول المبتذل.\rوأما الاشتراك في المعاني فنوعان: أحدهما: أن يشترك المعنيان وتختلف العبارة عنهما، فيتباعد اللفظان، وذلك هو الجيد المستحسن، نحو قول امرئ القيس:\rكبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل\rوقول غيلان ذي الرمة:\rنجلاء في برج صفراء في نعجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب\rفوصفا جميعاً لوناً بعينه: فشبهه الأول بلون بيضة النعام، وشبهه الثاني بلون الفضة قد خالطها الذهب يسيراً ولذلك قال \" قد مسها ذهب \" ونحو قول عبدة بن الطبيب يصف ثوراً وحشياً:\rمجتاب نصع جديد فوق نقبته ... وفي القوائم من خال سراويل\rوقال الطرماح يصف ظليماً:\rمجتاب شملة برجد لسراته ... قدراً فأسلم ما سواه البرجد\rفوصف الأول بياض الثور وسواد قوائمه وتخطيطها فشبه ظهره كأن عليه نصعاً جديداً، وهو الثوب الأبيض، وشبه ما في قوائمه من السواد والتخطيط بسراويل من الخال، وهو ضرب من الوشي.\rوقال الثاني: إنه مجتاب شملة برجد، يريد ما على الظليم من قرونه، والبرجد: كساء أسود مخمل، وجعل الشملة قدراً لسراته دون رجليه وعنقه؛ فدل على بياضهن.\rوقال عنترة:\rصعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم\rفشبهه بعبد طويل عليه فرو أصلم، أي: قصير الذيول، وإنما خص الفرو لأنهم كانوا يلبسونه مقلوباً، وجعله عبداً لبياض ساقيه وعنقه وإشرابهما الحمرة يعني صفات الروم، ولم تكن العبيد في ذلك الوقت إلا بيضاً؛ فهذا اشتراك في وصف الظهر والقوائم واختلاف في اللفظ والعبارة.","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"والنوع الثاني على ضربين: أحدهما: ما يوجد في الطباع من تشبيه الجاهل بالثور والحمار، والحسن بالشمس والقمر، والشجاع بالأسد وما شابهه، والسخي بالغيث والبحر، والعزيمة بالسيف والسيل، ونحو ذلك؛ لأن الناس كلهم الفصيح والأعجم والناطق والأبكم فيه سواء؛ لأنا نجده مركبا في الخليقة أولاً.\rولآخر ضرب كان مخترعاً، ثم كثر حتى استوى فيه الناس، وتواطأ عليه الشعراء آخراً عن أول، نحو قولهم في صفة الخد \" كالورد \" وفي القد \" كالغصن \" وفي العين \" كعين المهاة من الوحش \" وفي العنق كعنق الظبي، وكإبريق الفضة أو الذهب فهذا النوع وما ناسبه قد كان مخترعاً، ثم تساوى الناس فيه، إلا أن يولد أحد منهم فيه زيادة، أو يخصه بقرينة؛ فيستوجب بها الانفراد من بينهم، ومثل ذلك تشبيه العزم بهبوب الريح، والذكاء بشواظ النار، وسيرد عليك من قوافي باب السرقات وما ناسبها كثير، إن شاء الله تعالى.\rباب التغاير\rوهو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما، ثم يصحا جميعاً، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.\rمن ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوماً بأنهم لا يأخذون إلا القود دون الدية:\rلا يشربون دمائهم بأكفهم ... إن الدماء الشافيات تكال\rوقال آخر وقد أخذ بثأره إلا إنه فيما زعم قتل دون من قتل له، ويروى لامرأة حارثية:\rفيقتل خير بامرئ لم يكن له ... بواء ولكن لا تكايل بالدم\rويروى \" في فتى لم يكن له وفاء \" فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبناً، لكن آخذ دماً بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتل به إلا نظيره بعد انتقامه، وعسر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم؛ فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيساً مثله.\rومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:\rقد بلونا أبا سعيد حديثاً ... وبلونا أبا سعيد قديماً\rووردناه سائحاً وقليباً ... ورعيناه بأرضاًً وجميماً\rفعلمنا أن ليس إلا بشق الن ... فس صار الكريم يدعى كريماً\rوقال أبو الطيب في خلافه:\rلو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها\rكالشمس لا تبتغي بما صنعت ... تكرمة عندهم ولا جاها\rوإلى هذا المذهب نحا السيد أبو الحسن في قوله:\rجبر الكسير إذا يهاض جناحه ... لجأ المطرد مستغاث المملق\rجمع الفضائل والمحامد والعلا ... خلق لعمر أبيك غير تخلق\rوأصل معنى قول أبي الطيب من قول بشار:\rليس يعطيك للرجاء وللخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء\rوقال البحتري في نحو ذلك:\rلا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر؟!\rوكان أبو الطيب لقدرته واتساعه في المعاني كثيراً ما يخالف الشعراء ويغاير مذاهبهم، ألا ترى إلى قول علي بن العباس النوبختي وهو في رواية الجرجاني لابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف، وكتب بذلك إلى علي بن مقلة في قصيدة:\rإن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم\rكذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم\rفالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم\rوهذا كلام متقن البنية، صحيح المعنى، لا مطعن فيه، فجاء أبو الطيب فخالفه وذهب مذهباً آخر يشهد بصحته العيان، ويصححه البرهان، فقال:\rحتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلم\rاكتب بذا أبداً قبل الكتاب بها ... فإنما نحن للأسياف كالخدم\rومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويفخر:\rألم تسمعا يا بني حكيم حنينها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر\rفجعلها إذا لم تعقر حنت إلى السيف واستبكت؛ لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تنحر له:\rترى النيب من ضيفي إذا ما رأينه ... ضموراً على جراتها ما تجيزها","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"فزعم أنها تخفي حسها حتى إنها لا تجتر خوفاً من النحر، وهذا المعنى مأخوذ من بيتين مدح بهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما:\rوأبيك حقاً إن إبل محمد ... عزل نوائح أن تهب شمال\rوإذا رأين لدى الفناء غريبة ... فدموعهن على الخدود سجال\rيقول: إذا هبت الشمال وهي من رياح الشتاء، وعلامات المحل أيقن أن رسول الله عليه وسلم ينحرهن للضيفان والجيران؛ فهي نوائح لذلك، وقوله وإذا رأين لدى الفناء غريبة أي: يعرفن بذلك أنها ناقة ضيف فتذري كل واحدة دمعها، لا تدري هل هي النحورة، وهذا من مليح الشعر ولطيف المدح، وقل كل مديح لرسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومن مليح التغاير قول أبي الشيص:\rأجد الملامة في هوام لذيذة ... حباً لذكرك؛ فليلمني اللوم\rوقول أبي الطيب في عكس هذا:\rأأحبه وأحب فيه ملامة؟ ... إن الملامة فيه من أعدائه\rوهذا عند الجرجاني هو النظر والملاحظة، وهو يعده في باب السرقات، قال: وأصله من قول أبي نواس:\rإذا غاديتني بصبوح عذل ... فممزوجاً بتسمية الحبيب\rولأبي العلاء المعري مثله من غير التزام:\rلم يبق غير العذل من أسبابهم ... فأحب من يدنو إلي عذول\rيغدو فر مستخبر عن حالهم ... غيري، ولا مستخبر مسئول\rباب التصرف ونقد الشعر\rيجب للشاعر أن يكون متصرفاً في أنواع الشعر: من جد وهزل، وحلو وجزل، وأن لا يكون في النسيب أبرع منه في الرثاء، ولا في المديح أنفذ منه في الهجاء، ولا في الافتخار أبلغ منه في الاعتذار، ولا في واحد مما ذكرت أبعد منه صوتاً في سائرها؛ فإنه متى كان كذلك حكم له بالتقدم، وحاز قصب السبق، كما حازها بشار بن برد، وأبو نواس بعده.\rحكى الصاحب بن عبادة في صدر رسالة صنعها على أبي الطيب، قال: حدثني محمد بن يوسف الحمادي، قال: حضرت بمجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد حضره البحتري، فقال: يا أبا عبادة، أمسلم أشعر أم أبو نواس؟ فقال: بل أبو نواس؛ لأنه يتصرف في كل طريق، ويبرع في كل مذهب: إن شاء جد، وإن شاء هزل، ومسلم، ومسلم يلزم طريقاً واحداً لا يتعداه، ولا يتحقق بمذهب لا يتخطاه فقال له عبيد الله: إن أحمد بن يحيى ثعلباً لا يوافقك على هذا، فقال: أيها الأمير، ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله؛ فإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه، فقال: وريت بك زنادي يا أبا عبادة، إن حكمك في عميك أبي نواس ومسلم وافق حكم أبي نواس في عميه جرير والفرزدق؛ فإنه سئل عنهما ففضل جريراً، فقيل: إن أبا عبادة لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من علم أبي عبيدة؛ فإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر، وقد خالف البحتري أبا نواس في الحكم بين جرير والفرزدق، فقدم الفرزدق، قيل له: كيف تقدمه وجرير أشبه طبعاً بك منه؟ فقال: إنما يزعم هذا من لا علم له بالشعر، جرير لا يعدو في هجائه الفرزدق ذكر القين وجعثن وقتل الزبير، والفرزدق يرميه في كل قصيدة بآبدة، حكى ذلك غير واحد من المؤلفين.\rفإذا كان هذا فقد حكم له بالتصرف، وبهذا أقول أنا، وإياه أعتقد فيهما، وإذا لم يكن شعر الشاعر نمطاً واحداً لم يمله السامع، حتى إن حبيباً ادعى ذلك لنفسه في القصيدة الواحدة فقال:\rالجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف، والأشجان والطرب\rوقد كان إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:\rلا يصلح النفس إذ كانت مصرفة ... إلا التصرف من حال إلى حال\rوأنشد الصاحب لأبي أحمد يحيى بن علي المنجم في نقد الشعر:\rرب شعر نقدته مثل ما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا\rثم أرسلته فكانت معاني ... ه وألفاظه معاً أبكارا\rلو تأتى لقالة الشعر ما أس ... قط منه الحلو به الأشعارا\rإن خير الكلام ما يستعير النا ... س منه ولم يكن مستعارا\rوقال الجاحظ:","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب: كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات.\rقال الصاحب على أثر هذه الحكاية: فلله أبو عثمان، فلقد غاص على سر الشعر، واستخرج أرق من السحر.\rوسأذكر بعد هذا الباب قطعة من أشعار الكتاب يظهر فيها مرماهم، ويستدل به على مغزاهم، ويعرف حسن اختيار الجاحظ فيما ذهب إليه من تفضيلهم، ويشهد لي بجودة الميز، وفرط التثبت والإنصاف، إن شاء الله تعالى.\rباب في أشعار الكتاب\rوالكتاب أرق الناس في الشعر طبعاً، وأملحهم تصنيعاً، وأحلاهم ألفاظاً، وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف.\rوقد قيل: الكتاب دهاقين الكلام، وما نزيدك على قول إبراهيم بن العباس الصولي بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالاً:\rصد عني وصدق عني الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا\rأتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا\rفطرب له المتوكل واهتز ووصله، وخلع عليه وحمله، وجدد له ولاية. وقيل له في التلطف والاستعطاف أكثر من هذا، وأي مدح أبرع وأبدع من قوله في الفضل بن سهل:\rلفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل\rفباطنها للندى ... وظاهرها للقبل\rونائلها للغنى ... وسطوتها للأجل\rأليس هذا الماء الزلال، والسحر الحلال؟؟ ولقد أجاد ابن الرومي في تناوله هذا المعنى حين قال:\rمفبل ظهر الكف، وهاب بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم\rفظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من الجود عيلم\rإلا أن الأول أخف وزناً، وأرشق لفظاً ومعنى. وهذان البيتان وإن كانت فيهما زيادة فإنما هما بإزاء البيت الأوسط من أبيات إبراهيم فقط..\rومن تغزل إبراهيم قوله:\rأراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون\rولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون\rفهذا وأبيك البيان، والخبر الذي كأنه العيان.\rوما أجد كل حلاوة وحسن طلاوة، إلا دون قوله:\rابتداء بالتجني ... واقتضاء بالتظني\rواشتفاء بتجني ... ك لأعدائك مني\rبأبي قل لي لكي أع ... لم لم أعرضت عني\rقد تمنى ذاك أعدا ... ئي، فقد نالوا التمني\rوأما الهجاء فقد بلغ فيه أبعد الغايات بقوله في محمد بن عبد الملك الزيات:\rفكن كيف شئت وقل ما تشاء ... وأرعد يميناً وأبرق شمالاً\rنجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا\rومن شعر محمد بن عبد الملك الزيات قوله لأحمد بن أبي دؤاد، وقد أمر الواثق أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، وكان ابن أبي دؤاد يشتغل بصلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفةً من القيام إليه في دار السلطان، وامتثالاً للأمر، فصنع ابن الزيات:\rصلى الضحى لما استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم\rلا تعد من عداوة مشئومة ... تركتك تقعد تارةً وتقوم\rومن تغزله قوله، وهو في غاية العذوبة:\rقام بقلبي وقعد ... لما نفى عني الجلد\rيا صاحب القصر الذي ... أسهر عيني ورقد\rواعطشي إلى فمٍ ... يمج خمراً من برد\rإن قسم الناس فحس ... بي بك من كل أحد\rوقال يرثي جاريته سلوانة، وهي أم ولده عمر الأصغر:\rيقول لي الخلان: لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟\rعلى حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر\rوقال أيضاً وأحسن ما شاء:\rمالي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن مرضت فطال السقم لم أعد\rما أعجب شيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي\rومن شعره في هذا الباب مقطعات متفرقة تغني عن الإكثار منه ههنا.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وأما الحسن بن وهب فمن قوله:\rلم تنم مقلتي لطول بكاها ... ولما جال فوقها من قذاها\rفالقذى كحلها إلى أن ترى وج ... ه سليمى، وكيف لي أن تراها؟!\rأسعدت مقلتي بإدمانها الدم ... ع وهجرانها الكرى مقلتاها\rفلعيني في كل حين دموع ... إنما تستدرها عيناها\rوقدم إليه كانون، ومعه قينة كان يهواها، فأمرت بإبعاد الكانون، فصنع:\rبأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها\rهي ضرة لك بالتماع شعاعها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها\rوأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بأراكها وسيالها وعرادها\rشركتك في كل الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها\rومن مليح الشعر قوله يمدح محمد بن عبد الله بن ظاهر غب مطر:\rهطلتنا السماء هطلا دراكا ... جاوز المزربان فيه السماكا\rقلت للبرق إذ تألق فيه: ... يا زناد السماء من أوراكا\rأحبيباً أحببته فجفاكا؟ ... فعسى ذاك أن يعود كذاكا\rأم تشبهت بالأمير أبي العب ... اس في جوده؟ فلست هناكا\rوهذا هو الكلام الكتابي، السهل، المرسل، الحسن الطلاوة، والظاهر الحلاوة.\rومن قوله يرثى حبيباً الطائي، وكان صديقاً له جداً:\rسقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن به نحيبا\rإذا أظللنه أطلقن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا\rولطمت البروق له خدوداً ... وشققت الرعود له جيوبا\rفإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيباً كان يدعى لي حبيبا\rوهي قصيدة كاملة أتيت بهذا منها معرضاً.\rومن شعراء الكتاب سعيد بن حميد الكاتب، وهو القائل في طول الليل:\rيا ليل، بل يا أبد ... أنائم عنك غد؟\rيا ليل، لو تلقى الذي ... ألقى بها أو أجد\rقصر من طولك أو ... أضعف منك الجلد\rورواه قوم أنحل من منك الجسد والأول عندي أصوب، وعلى كل حال فمنه أخذ أبو الطيب قوله:\rألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقة ونحول\rوليس يلزم الكاتب أن يجاري الشاعر في أحكام صنعة الشعر؛ لرغبة الكتاب في حلاوة الألفاظ وطيرانها، وقلة الكلفة، والإتيان بما يخف على النفس منها؛ وأيضاً فإن أكثر أشعارهم إنما يأتي تظرفاً، لا عن رغبة ولا رهبة، فهم مطلقون مخلون في شهواتهم، مسامحون في مذاهبهم؛ إذ كانوا إنما يصنعون الشعر تخيراً واستظرافاً، كما قال كشاجم الكاتب:\rولئن شعرت فما تع ... مدت الهجاء ولا المديحه\rلكن رأيت الشعر لل ... آداب ترجمة فصيحه\rوعلى هذا النمط يجري الحكم في أشعار الخلفاء، والأمراء، والمترفين من أهل الأقدار: لا يحاسبون فيها محاسبة الشاعر المبرز الذي الشعر صناعته، والمديح بضاعته.\rوقد أعرب أبو الفتح بن العميد وأغرب في قوله:\rفإن كان مرضياً فقل: شعر كاتب ... وإن كان مسخوطاً فقل: شعر كاتب\rولو حاولت أن أذكر من علمت من شعراء الكتاب سوى من ذكرت لبعد الأمد، وطالت الشقة، واحتجت إلى أن أقيم لهذا الفن ديواناً مفرداً؛ لكني عولت على ابن الزيات، وابن وهب؛ لإحالة الجاحظ في الفضل عليهما، وآنستهما باثنين ليسا بدونهما، ولو لم آت بهذا الباب إلا بما بنيته عليه من ذكر أشعار السيد الرئيس أبي الحسن أيده الله لكان ذلك فوق الرضا والكفاية.\rفمن ذلك قوله:\rباكر الراح ودع عنك العدل ... واسع في الصحة من قبل العلل\rواغتنم لذة يوم زائل ... فالمنايا ضاحكات بالأمل\rما ترى الساقي كشمس طلعت ... تحمل المريخ في برج الحمل\rمائساً كالغصن في دعص نقاً ... فاتن المقلة زينت بالكحل\rوقوله أيضاً يتغزل:\rمر بنا يهتز في مشيه ... مثل اهتزاز الغصن الرطب\rفمقلتي ترتع في حسنه ... ومقلتاه أحرقت قلبي\rقوله \" أحرقت \" وهما مقلتان كقول بعضهم، وأنشده أبو الجراح في طبقات الشعراء:","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"أشركت عيناه ظالمة ... في دمي يا عظم ما جنت\rفقال \" ظالمة \" وقال \" جنت \" لأن التثنية جمع في الحقيقة، والجماعة تخبر عنها كما تخبر عن الواحد: لمكان التأنيث، والشاهد من قول القدماء قول أحدهم:\rلمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل\rفقال \" تنهل \" وكان حقه أن يقول \" تنهلان \" لكن العلة ما قدمت.\rومن الموعظة الحسنة البالغة قوله:\rأمن الزمان زمانة العقل ... فاخش الإله وحل عن الجهل\rواعلم بأنك في الحساب غداً ... تجزى بما قدمت من فعل\rومن تشكي أحوال الناس وقلة ثقتهم وإنصافهم قوله:\rأيا رب، إن الناس لا ينصفونني ... ولم يحسنوا قرضي على حسناتي\rإذا ما رأوني في رخاء ترددوا ... إلي، وأعدائي لدى الأزمات\rومهما أكن في نعمة حزنوا لها ... ذوو أنفس في شدة جذلات\rثقاتي ما دامت صلاتي لديهم ... وإن عنهم أخرتها فعداتي\rسأمنع قلبي أن يحن إليهم ... وأصرف عنهم قالياً لحظاتي\rوألزم نفسي الصبر دأبا لعلني ... أعاين ما أملت قبل مماتي\rألا إنما الدنيا كفاف وصحة ... وأمن، ثلاث هن طيب حياتي\rقوله \" ثلاث \" يعني ثلاث خصال أو ثلاث أحوال، كما قال طرفة: فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ثم فسرهن فقال: فمنهن سبق العاذلات بشربة وكرى إذا نادى المضاف مجنباً وتقصير يوم الدجن والسبق والتقصير والكر كلها مذكرة، لكن أراد ما قدمت.\rومن أحسن الأشعار قوله:\rخليلي، إن لم تسعداني فأقصرا ... فليس يداوي بالعتاب المتيم\rتريدان مني النسك في غير حينه ... وغصني ريان ورأسي أسحم\rوقوله في قصيدة طويلة:\rغراء واضحة ينوس بقرطها ... جيد حكى جيد الغزال الأعنق\rصدت فأغرت بالسجوم مدامعي ... والعين تذرف بالدموع السبق\rتشكو البعاد إذا بعدت تصبراً ... وإن ارتجعت إلى الزيارة تفرق\rولقد يبيت أخو المودة لائمي ... في حبها لوم الشفيق المشفق\rحتى إذا طلعت فأبصر شخصها ... أخزى جهالة لائمي المستحمق\rكم قد قطعت بوصلها من ليلة ... وبشرب صافية كلون الزئبق\rيسعى بها كالبدر ليلة تمه ... سحار ألحاظ رخيم المنطق\rآليت أترك ذا وتلك وهذه ... حتى يفارقني سواد المفرق\rفلله سلامة هذا الطبع واندفاعه، وقرب هذا اللفظ واتساعه، ولله رقة معانيه وإرهافها، وظهورها مع ذلك وانكشافها، ولطف مواقعها من القلوب، وسرعة تأثيرها في النفوس، وسيرد من شعره فيما بعد ما لاق بالمواضع التي يذكر فيها، إن شاء الله تعالى.\rباب في أغراض الشعر وصنوفه\rوهو بسط لما بعده من الأبواب، وقد فرط البسط له، وفرغ من مقدمته في باب حد الشعر وتبيينه، وأنا ذاكر هنا ما لا بد منه.\rتكلم قوم في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل من حيث لا يعلمون فكتب إليه أبو العباس الناشئ:\rلعن الله صنعة الشعر، ماذا ... من صنوف الجهال فيها لقينا؟\rيؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلاً للسامعين مبينا\rويرون المحال شيئاً صحيحا ... وخسيس المقال شيئاً ثميناً\rيجهلون الصواب منه، ولا يد ... رون للجهل أنهم يجهلونا\rفهم عند من سوانا يلامو ... ن، وفي الحق عندنا يعذرونا\rإنما الشعر ما تناسب في النظ ... م، وإن كان في الصفات فنونا\rفأتى بعضه يشاكل بعضاً ... قد أقامت له الصدور المتونا\rكل معنى أتاك منه على ما ... تتمنى لو لم يكن أن يكونا\rفتناهى عن البيان إلى أن ... كاد حسناً يبين للناظرينا\rفكان الألفاظ فيه وجوه ... والمعاني ركبن فيه عيونا\rفائتاً في المرام حسب الأماني ... فيجلي بحسنه المنشدينا\rفإذا ما مدحت بالشعر حرا ... رمت فيه مذاهب المسهبينا","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"فجعلت النسيب سهلاً قريباً ... وجعلت المديح صدقا مبينا\rوتنكبت ما تهجن في السم ... ع، وإن كان لفظه موزونا\rوإذا ما قرضته بهجاء ... عفت فيه مذاهب المرفثينا\rفجعلت التصريح منه دواء ... وجعلت التعريض داء دفينا\rوإذا ما بكت فيه على الغا ... دين يوماً للبين والظاعنينا\rحلت دون الأسى وذللت ما كا ... ن من الدمع في العيون مصونا\rثم إن كنت عاتبا شبت في الوع ... د وعيدا وبالصعوبة لينا\rفتركت الذي عتبت عليه ... حذراً آمنا، عزيزاً مهينا\rوأصح القريض ما فات في النظ ... م، وإن كان واضحا مستبينا\rوإذا قيل أطمع الناس طرا ... وإذا ريم أعجز المعجزينا\rقال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام؛ فانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، وتقاض المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين: فما استحسنته العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله تعالى.\rقال صاحب الكتاب: قد كنت أردت ذكر هذا الفصل فيما تقدم من باب عمل الشعر وشحذ القريحة له، فلم أثق بحفظي فيه، حتى صححته فأثبته بمكانه من هذا الباب.\rومن قول الناشئ في معنى شعره الأول:\rالشعر ما قومت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أسر متونه\rورأيت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه\rوجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمه ومعينه\rفإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شؤونه\rوإذا مدحت به جواداً ماجداً ... وفيته بالشكر حق ديونه\rأصفيته بنفيسه ورصينه ... وخصصته بخطيره وثمينه\rفيكون جزلاً في اتساق صنوفه ... ويكون سهلاً في اتفاق فنونه\rفإذا أردت كناية عن رتبة ... باينت بين ظهوره وبطونه\rفجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه\rوإذا عتبت على أخٍ في زلةٍ ... أدمجت شدته له في لينه\rفتركته مستأنساً بدماثة ... مستيئساً لوعوثه وحزونه\rوإذا نبذت إلى التي علقتها ... إن صارمتك بفاتنات شؤونه\rتيمتها، بلطيفه ودقيقه ... وشغفتها بخبيه وكمينه\rوإذا اعتذرت إلى أخ من زلة ... واشكت بين محيله ومبينه\rوهذا حين أبدأ بالكلام على هذه الأغراض والصنوف واحداً فواحداً، إن شاء الله سبحانه وتعالى.\rباب النسيب\rحق النسيب أن يكون حلو الألفاظ رسلها، قريب المعاني سهلها، غير كز ولا غامض، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى، لين الإيثار، رطب المكسر، شفاف الجوهر، يطرب الحزين، ويستخف الرصين.\rوروى أبو علي إسماعيل بن القاسم، عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: كنت مع جرير وهو يريد الشام فطرب، وقال: أنشدني لأخي بني مليح يعني كثيراً فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله:","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"وأدنيتني حتى إذا ما سنيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح\rتجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح\rفقال: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي النخير لنخرت حتى يسمع هشام على سريره..\rوقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يشتهي النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.\rوالنسيب والتغزل والتشبيب كلها بمعنى واحد.. وأما الغزل فهو إلف النساء، والتخلق بما يوافقهن، وليس مما ذكرته في شيء؛ فمن جعله بمعنى التغزل فقد أخطأ، وقد نبه على ذلك قدامة وأوضحه في كتابه نقد الشعر.\rوقال الحاتمي: من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجاً بما بعده من مدح أو ذم، متصلاً به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالم جماله، ووجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال احتراساً يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان.\rومن مختار ما قيل في النسيب قول المرار العدوي.\rوهي هيفاء هضيم كشحها ... فخمة حيث يشد المؤتزر\rصلتة الخد طويل جيدها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر\rيضرب السبعون في خلخالها ... فإذا ما أكرهته ينكسر\rلا تمس الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوب منعفر\rتطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر\rثم تنهد على أنماطها ... مثل ما مال كثيب منقعر\rعبق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العمر\rأملح الناس إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسور\rقال عبد الكريم: هذه أملح وأشرف ما وقع في الوصف، وهي أشبه بنساء الملوك.\rوأنشد لغيره:\rقليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد\rأرادت لتنتاش الرواق فلم أقم ... إليه، ولكن طأطأته الولائد\rتناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقطة قد أسلمته العوائد\rوأنواع النسيب كثيرة، وهذا الذي أنشدته أفضلها في مذاهب المتقدمين، وللمحدثين طريق غير هذه كثيرة الأنواع أيضاً: فما أختار من ذلك ما ناسب قول أبي نواس:\rحلت سعاد وأهلها سرفاً ... قوماً عدى ومحلة قذفا\rوكأن سعدي إذ تودعنا ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا\rرشا تواصين القيان به ... حتى عقدن بأذنه شنفا\rفإن هذا في غاية الجودة ونهاية الإحسان، وما ناسب قول مسلم بن الوليد:\rأحب التي صدت وقالت لتربها: ... دعيه، الثريا منه أقرب من وصلي\rأماتت وأحيت مهجتي فهي عندها ... معلقة بين المواعيد والمطل\rوما نلت منها نائلاً غير أنني ... بشجو المحبين الألى سلفوا قبلي\rبلى، وربما وكلت عيسى بنظرة ... إليها تزيد القلب خبلاً على خبل\rومن الجيد قول الوليد بن عبيد البحتري:\rرددن ما خففت منه الخصور إلى ... ما في المآزر فاستثقلن أردافاً\rإذا نضين شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافاً\rوالبحتري أرق الناس نسيباً، وأملحهم طريقة، ألا تسمع قوله:\rإني وإن جانبت بعض بطالتي ... وتوهم الواشون أني مقصر\rليشوقني سحر العيون المجتلي ... ويروقني ورد الخدود الأحمر\rوشعره من هذا النمط، لا سيما إن ذكر الطيف؛ فإنه الباب الذي شهر به، ولم يكن لأبي تمام حلاوة توجب له حسن التغزل، وإنما يقع له من ذلك التافه اليسير في خلال القصائد، مثل قوله:\rبت أرعى الخدود حتى إذا ما ... فارقوني بقيت أرعى النجوما\rوقوله أول قصيدة:\rأرامة، كنت ما لف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس المقيم\rأدار البؤس، حسنك التصابي ... إلي فصرت جنات النعيم\rومما ضرم البرجاء أني ... شكوت فما شكوت إلى رحيم","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"وأما أبو الطيب فمن مليح ما سمعت له قوله:\rكئيباً توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه\rقفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية، والمتلف الشيء غارمه\rسقاك وحيانا بك الله، إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه\rفقد جاء بأملح شيء وأوفاه من الظرافة والغرابة.\rوقوله يذكر ربع أحبابه:\rنزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا\rنذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا\rوقال في ذكر الديار أيضاً:\rودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت أستشفي بلثم المناسم\rديار اللواتي دارهن عزيزة ... بسمر القنا يحفظن لا بالتمائم\rحسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم\rويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم\rورد جماعة من الكتاب على العتابي، وهو بحلب، وفي يده رقعة، وقد أطال فيها النظر والتأمل، فقال: أرأيتم الرقعة التي كانت في يدي؟ قالوا: نعم، قال: لقد سلك صاحبها وادياً ما سلكه غيره، فلله دره، وكان في الرقعة قول أبي نواس:\rرسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكى عليك طويل\rيا ناظراً ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيل\rروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أغزل بيت قالته العرب قول عمر بن أبي ربيعة:\rفتضاحكن وقد قلن لها: ... حسن في كل عين من تود\rوكان الأصمعي يقول: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس:\rوما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل\rوحكى عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أنه قال: لم تقل العرب بيتاً أغزل من قول جميل بن معمر:\rلكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد\rوفضلته بهذا البيت سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم، وأثابته به دون جماعة من حضر من الشعراء.\rوقال بعضهم: الأحوص من أغزل الناس بقوله:\rإذا قلت أني مشتف بلقائها ... وحم التلاقي بيننا زادني سقما\rوقال غيره: بل جميل بقوله:\rيموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود\rوقال آخر: بل جرير بقوله:\rفلما التقى الحيان ألقيت العصي ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله\rوالأحوص عندهم أغزلهم في هذه الأبيات الثلاثة؛ لزيادته سقماً إذا التقى المحبوب.\rوقال الحاتمي: أغزل ما قالته العرب قول أبي صخر:\rفيا حبذا زدني جوى كل ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر\rوقال أبو عبيدة: ما حفظت شعراً لمحدث، إلا قول أبي نواس:\rكأن ثيابه أطلع ... ن من أزراره قمرا\rيزيدك وجهه حسناً ... إذا ما زدته نظرا\rبعين خالط التفت ... ير من أجفانها الحورا\rوخد سابري لو ... تصوب ماؤه قطرا\rوللشعراء أسماء تخف على ألسنتهم وتحلو أفواههم، فهم كثيراً ما يأتون بها زوراً نحو: ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجمل، وزينب، ونعم، وأشباههن.\rولذلك قال مالك بن زغبة الباهلي، أنشده الأصمعي:\rما كان طبي حبها غير أنه ... يقام بسلمى للقوافي صدورها\rوأما عزة وبثينة فقد حماهما كثير وجميل، حتى كأنهما حرما على الشعراء..\rوربما أتى الشعراء بالأسماء الكثيرة في القصيدة؛ إقامة للوزن، وتحلية للنسيب، كما قال جرير:\rأجد رواح القوم؟ بل لات روحوا ... نعم كل من يعنى بجمل مبرح\rثم قال بعد بيت واحد:\rإذا سايرت أسماء يوماً ظعائناً ... فأسماء من تلك الظعائن أملح\rظللن حوالي خدر أسماء فانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح\rصحا القلب عن أسما وقد برحت به ... وما كان يلقى من تماضر أبرح\rوأما قول السيد الحميري:\rولقد تكون بها أوانس كالدمى ... هند وعبدة والرباب وبوزع","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"فإنه ثقيل من أجل بوزع.\rوأنكر هذه اللفظة عبد الملك بن مروان على جرير، فما ظنك بالسيد الحميري؟ وكلما كانت اللظة أحلى كان ذكرها في الشعر اشهى، اللهم إلا أن يكون الشاعر لم يزور الاسم، وإنما قصد الحقيقة لا إقامة الوزن؛ فحينئذ لا ملامة عليه، ما لم يجد في الكنية مندوحة..\rوقال يزيد بن أم الحكم:\rأمسى بأسماء هذا القلب معموداً ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا\rكان أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لعائشة العينين والجيدا\rعلى أن بعضهم رواه \" أهدى لها شبه العينين \" وهو أجود لا محالة، ومثل هذا كثير في أشعار القدماء، ولست أرى مثله من عمل المحدثين صواباً، ولا علمته وقع لأحد منهم، إلا ما ناسب قول السيد المتقدم آنفاً، وقول أبي تمام الطائي:\rوإن رحلت في ظعنهم وحدوجهم ... زيانب من أحبابنا وعواتك\rومن عيوب هذا الباب أن يكثر التغزل ويقل المديح، كما يحكى عن شاعر أتى نصر بن سيار بأرجوزة فيها مائة بيت نسيباً وعشرة أبيات مديحاً، فقال له نصر: والله ما أبقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفاً إلا وقد شغلته عن مديحي بنسيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فغدا عليه فأنشده:\rهل تعرف الدار لأم عمرو؟ ... دع ذا وحبر مدحة في نصر\rفقال نصر: لا هذا ولا ذاك، ولكن بين الأمرين.\rفأما مذهبه الأول في طول النسيب وقصر المديح فإن نصيباً اتبعه فيه، ولكن ذاك منه إنما كان على اقتراح في القصيدة التي مدح بها بني جبريل، وأما المذهب الثاني فانتحله أبو الطيب في قوله:\rواحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم\rثم خرج إلى المدح في البيت الثاني.\rويعاب على الشاعر أن يفتخر أو يتعاطى فوق قدره، كما أخذ على عباس قوله:\rفإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل\rوعيب على الفرزدق وهو صميم بني تميم قوله:\rيا أخت ناجية بن سامة إنني ... أخشى عليك بني إن طلبوا دمي\rاللهم إلا أن يكون النسيب الذي يصنع مجازاً كالذي في بسط القصائد، فإن ذلك لا بأس به، ولا مكروه فيه.\rوسمع ابن أبي عتيق قول ابن أبي ربيعة المخزومي:\rبينما ينعتنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر\rقالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى: نعم، هذا عمر\rقالت الصغرى وقد تيمتها: ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر!؟\rفقال له: أنت لم تنسب بهن، وإنما نسبت بنفسك، وإنما كان ينبغي لك أن تقول: قالت لي فقلت لها، فوضعت خدي فوطئت عليه.\rوكذلك قال له كثير لما سمع قوله:\rقالت لها أختها تعاتبها ... لا تفسدن الطواف في عمر\rقومي تصدي له لأبصره ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر\rقالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري\rأهكذا يقال للمرأة؟؟ إنما توصف بأنها مطلوبة ممتنعة.\rقال بعضهم أظنه عبد الكريم : العادة عند العرب أن الشاعر هو المتغزل المتماوت، وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطالبة والراغبة المخاطبة، وهنا دليل كرم النجيزة في العرب وغيرتها على الحرم.\rوعاب كثير على نصيب قوله:\rأهيم بدعد ما حييت، فإن أمت ... فيا ليت شعري من يهيم بها بعدي\rحتى إنه قال له: كأنك اغتممت لمن يفعل بها بعدك، وهو لا يكنى..\rومثل هذه الحكاية ما قاله بعض الكتاب وقد دخل على علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو محبوس فقال: أين هذا الجعفري الذي يتديث في شعره؟ قال علي: فعلمت أنه يريدني لقولي:\rولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي\rتمنيت أن تهوى سواي، لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي\rفما كان إلا عن قليل وأشغفت ... بحب غزال أدعج الطرف أكحل\rوعذبها حتى أذاب فؤادها ... وذوقها طعم الهوى والتذلل\rفقلت لها: هذا بهذا، فأطرقت ... حياء، وقالت: كل من عايب ابتلي\rفقلت: أنا هو جعلت فداك، وأنا الذي أقول في الغيرة:","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"ربما سرني صدودك عني ... وطلابيك وامتناعك مني\rحذراً أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني\rويعاب ما ناسب قول الآخر، وهو جميل:\rفلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي\rلأن الصواب قول عباس، أو مسلم:\rأبكي وقد ذهب الفؤاد، وإنما ... أبكي لفقدك لا لفقد الذاهب\rفأما طرد الخيال والمجاورة في المحبة فهو مذهب مشهور، وقد ركبه جلة الشعراء، ورواه رواة: منهم طرفة، ولبيد، ثم جرير، ثم جميل، فقال طرفة، وهو أول من طرقه:\rفقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها، فإني واصل حبل من وصل\rوقال لبيد في مثل ذلك:\rفاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها\rيقول: اقطع المزار ممن تعرض وصله للقطيعة ويقال: تعرض الشيء، إذا فسد، حكاه الخليل فإن شر من وصلك من قطعك بلا ذنب، يريد الذي تعرض وصله، ومن الناس من رواه ولخير واصل خلة صرامها يقول: إن خير من وصل الخلة من قطعها باستحقاق، يعني نفسه..\rوقال جرير:\rطرقتك صائدة القلوب، وليس ذا ... وقت الزيارة، فارجعي بسلام\rعلى أن قوماً زعموا أنه كان محرماً، فلذلك طرد الخيال، كأنه تحرج وليس طرد عتب.\rوقال جميل:\rولست وإن عزت علي بقائل ... لها بعد صرم: يا بثين صليني\rوجرى على سنن هؤلاء جماعة من المولدين، واعتقدوا هذا المبدأ قولا وفعلاً، حتى تعداه بعضهم إلى القتل، مثل عبد السلام بن رغبان، ونصر الخابز أرز ومن شاكلهما من الشطار، إلا أن أصل هذا المذهب عند قدامة فاسد، وعاب عن نابغة بني تغلب واسمه الحارث بن عدوان، أحد بني زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب قوله:\rبخلنا لبخلك لو تعلمين ... وكيف يعيب بخيل بخيلاً؟\rلأن الواجب عنده في التغزل أن يكون على خلاف هذا، وكل ما لا يليق بالمحبوب فهو مكروه في باب النسيب.\rقالت عزة لكثير يوماً ويقال بثينة ما أردت بنا حين قلت:\rوددت وبيت الله أنك بكرة ... وأني هجان مصعب ثم نهرب\rكلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب\rنكون لذى مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب\rإذا ما وردنا منهلاً صاح أهله ... علينا، فلا ننفك نرمى ونضرب\rلقد أردت بنا الشقاء، أما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟! فخرج من عندها خجلاً وإنما اقتدى بالفرزدق حيث يقول، وهذا من سوء الأتباع:\rألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف\rكلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي الأشاعر أخشف\rبأرض خلاء وحدنا وثيابنا ... من الريط والديباج درع وملحف\rولا زاد إلا فضلتان: سلافة ... وأبيض من ماء الغمامة قرقف\rوأشلاء لحم من حباري يصيدها ... إذا نحن شئنا صاحب متألف\rلنا ما تمنينا من العيش مادعا ... هديلا بنعمان حمائم هتف\rوإذا كان بعيراً فما هذه الأمنية التي كلها للحيوان الناطق؟ لولا أنه ردها إلى نفسه حقيقة، وإلا فما أملح الجمل نشوان يصيد الحباري بالبازي.\rومعايب هذا الباب كثيرة، وفما قدمت منها دليل على باقيها.\rواشتقاق التشبيب يجوز أن يكون من ذكر الشبيبة، وأصله الإرتفاع، كأن الشباب ارتفع عن حال الطفولية، أو رفع صاحبه، ويقال: شب الفرس، إذا رفع يديه وقام على رجليه.\rقال الجاحظ: يقال شبت شبوبا، وشب الفرس بيديه فهو يشب شبيباً، ويقال: مالك عضاض ولا شباب، انقضى كلامه.\rويجوز أن يكون من الجلاء، يقال: شب الحمار وجه الجارية، إذا جلاه ووصف ما تحته من محاسنه؛ فكأن هذا الشاعر قد أبرز هذه الجارية في صفته إياها وجلاها للعيون، ومنه الشب الذي يجتلي به وجوه الدنانير، ويستخرج غشها، ومنها: شببت النار، إذا رفعت سناها وزدتها ضياء.\rوأنشد الأصمعي لعكاشة بن أبي مسعدة: يدفع عنها كل مشبوب أغر قال: المشبوب الذي إذا رأيته فزعت لحسنه.. قال ابن دريد: شببت في الشعر شبيباً، مثل نسبت نسيباً، والنسيب أكثر ما يستعمل في الشعر.","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"باب في المديح\rوسبيل الشاعر إذا مدح ملكاً أن يسلك طريقة الإيضاح والإشادة بذكره للممدوح، وأن يجعل معانيه جزلة، وألفاظه نقية، غير مبتذلة سوقية، ويجتنب مع ذلك التقصير والتجاوز والتطويل؛ فإن للملك سآمة وضجراً، ربما عاب من أجلها ما لا يعاب، وحرم من لا يريد حرمانه، ورأيت عمل البحتري إذا مدح الخليفة كيف يقل الأبيات، ويبرز وجوه المعاني، فإذا مدح الكتاب عمل طاقته، وبلغ مراده.\rوقد حكى عن عمارة أن جده جريراً قال: يا بني، إذا مدحتهم فلا تطيلوا الممادحة؛ فإنه ينسى أولها، ولا يحفظ آخرها، وإذا هجوتم فخالفوا.\rقال عبد الكريم: وهذا ضد قول عقيل بن علفة المرادي، وحكى غيره قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي ليس يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقال: قل في بيتين يعلقان بالرواة، وأنا أعطيك عطية لم يعطكها أحد قط قبلي، فغدا عليه وهو يقول:\rوأنت ابن بطحاوي قريشٍ، وإن تشأ ... تكن من ثقيف سيل ذي خدر غمر\rوأنت ابن سوار اليدين إلى العلى ... تكفت بك الشمس المضيئة للبدر\rفقال: أحسنت، وأمر له بعشرة آلاف درهم.\rوإذا كان الممدوح ملكاً لم يبال الشاعر كيف قال فيه، ولا كيف أطنب، وذلك محمود، وسواه المذموم، وإن كان سوقة فإياك والتجاوز به خطته؛ فإنه متى تجاوز به خطته؛ كان كمن نقصه منها، وكذلك لا يجب أن يقصر عما يستحق، ولا أن يعطيه صفة غيره؛ فيصف الكاتب بالشجاعة والقاضي بالحمية والمهابة، وكثيراً ما يقع هذا لشعراء وقتنا، وهو خطأ، إلا أن تصحبه قرينة تدل على الصواب الرأي فيه، وكذلك لا يجب أن يمدح الملك ببعض ما يتجه في غيره من الرؤساء، وإن كان فضيلة.\rوذلك مثل قول البحتري يمدح المعتز بالله:\rلا العذل يردعه ولا الت ... عنيف عن كرم يصده\rفإنه مما أنكره عليه أبو العباس أحمد بن عبد الله، وقال: من ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ هذا بالهجاء أولى منه بالمدح.\rوعيب على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:\rوقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب\rوقالوا: لو مدح بها حرسياًً لعبد الملك لكان قد قصر به.\rقلت أنا: وإن كان فلا بد من ذكر الضيافة والقرى، كقول ابن قيس الرقيات لمصعب بن الزبير:\rيلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج\rلأن هذا وإن لم يعد به ممادحة العرب في سقي اللبن فقد زاده رتبة عرف بها أنه ملك. وأجود منه في معناه قول حسان في آل جفنة:\rيسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل\rويروي \" مسكا \" .\rوعابوا على الأحوص قوله للملك:\rوأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل\rفقالوا: إن الملوك لا تمدح بما يلزمها فعله كما تمدح العامة، وإنما تمدح بالإغراق والتفضيل بما لا يتسع غيرهم لبذله.\rومن هذا النوع قول كثير:\rرأيت ابن ليلى يعتري صلب ماله ... مسائل شتى من غني ومصرم\rمسائل إن توجد لديك تجد بها ... يداك، وإن تظلم بها تتظلم\rلأن هذا إنما يقع لمن دون الخليفة والملك، وإنما أخذه من قول زهير في هرم ابن سنان، وليس بملك، ولذلك حسن قوله:\rهو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً، ويظلم أحياناً فيظلم\rيريد أنه يسأل ما ليس قبله فيحتمله، هذا، وقد قال الصولي في شرح قول حبيب:\rلو يفاجى ركن المديح كثيراً ... بمعانيه خالهن نسيباً\rطاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشييبا\rسألت عون بن محمد الكندي: لم خص كثيراً؟ فقال: سمعته يقول: أمدح الناس زهير والأعشى، ثم الأخطل وكثير.\rوحكى غير الصولي أن مروان بن أبي حفصة كان يقدم كثيراً في المدح على جرير والفرزدق.\rومما قدم به زهير قوله:\rلو كان يقعد النجم من كرمٍ ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا\rقوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا\rإنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا، ... مرزأون بها ليل إذا جهدوا","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"محسدون على ما كان من نعمٍ ... لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا\rويروي غر بها ليل في أعناقهم صيد وقدمه قدامة بن جعفر الكاتب فقال في كتابه نقد الشعر: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوانات، على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك؛ إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة؛ كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيباً، وبما سواها مخطئاً.\rفقال زهير:\rأخي ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله\rلأنه قد وصفه بالعفة لقلة في اللذات وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسخاء لإهلاكه ماله في النوال وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العقل، ثم قال:\rتراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله\rأراد أن فرحة بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه: بأن يهش، ولا يلحقه مضض، ولا تكره لفعله..\rثم قال:\rفمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يجادله\rفأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل، فاستوفى ضروب المدح الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزادها ما هو وإن كان داخلاً في الأربعة فكثير من الناس من لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة فوصفه بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا، وقد تفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقامها وكل داخل في جملتها مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وهي من أقسام العقل؛ وكذكرهم القناعة، وقلة الشهوة، وطهارة الإزار، وغير ذلك وهي من أقسام العفة؛ وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثأر، والدفع عن الجار، والنكاية في العدو، وقتل الأقران، والمهابة، والسير في المهامه والقفار الموحشة، وما شاكل هذا وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرع بالنائل، والإجابة للسائل، وقرى الأضياف، وما جانس هذه الأشياء، وهي من أقسام العدل.\rوأما تركيب بعضها من بعض فيحدث منها سته أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب، والوفاء بالإيعاد؛ وعن تركيب العقل مع السخاء البر، وإنجاز الوعد وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب العقل مع العفة التنزه، والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف، والإخلاف وما جانس ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم؛ وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالوقت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك.\rقال: وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع المتقدم ذكرها وسط بين طرفين مذمومين.\rمدح أبو العتاهية عمر بن العلاء فأعطاه سبعين ألفاً وخلع عليه حتى لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم ثم قال: عجباً لكم معشر الشعراء ما أشد حسد بعضكم لبعض، إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فينسب في قصيدته بصديقته بخمسين بيتنا فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو العتاهية فنسب في أبيات يسيرة. ثم قال:\rإني أمنت الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالاَ\rلو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الخدود نعالاً\rإن المطايا تشتكيك؛ لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا\rفإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذ صدرن بنا صدرن ثقالاً\rومن مليح ما لأبي العتاهية في المدح قوله:\rفتى ما استفاد الما إلا أفاده ... سواه كأن الملك في كفه حلم\rإذا ابتسم المهدي نادت يمينه ... ألا من أتانا زائرا فله الحكم\rوله أيضاً في معنى بيتي الفرزدق اللذين صنعهما لعبد الرحمن بن أم الحكم:\rفما مثل بيتيه في العالمين ... أعز بناء ولا أرفع\rفبيت بناه له هاشم ... وبيت بناه له تبع\rولو حاول الدهر ما في يديه ... لعاد وعرنينه أجدع\rومن المديح المنصوص عليه قول زهير:","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل\rوإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل\rعلى مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل\rسعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا\rفما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه أباء آبائهم قبل\rوهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل\rوكذلك أيضاً قوله:\rمن يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً\rليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا\rفضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا\rهذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا\rلو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا\rوينبغي أن يكون قصد الشاعر في مدح الكاتب والوزير ما اختاره قدامة وغيره، وكذلك ما ناسب حسن الروية، وسرعة الخاطر بالصواب، وشدة الحزم، وقلة الغفلة، وجود النظر للخليفة، والنيابة عنه في المعضلات بالرأي أو الذات، كما قال أبو نواس:\rإذا نابه أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفى تشير\rوبأنه محمود السير، حسن السياسة، لطيف الحس، فإن أضاف ذلك إلى البلاغة، والخط، والتفنن في العلم؛ كان غاية.\rوأفضل ما مدح به القائد: الجود، والشجاعة، وما تفرغ منهما، نحو التخرق في الهيئات، والإفراط في النجدة، وسرعة البطش، وما شاكل ذلك.\rويمدح القاضي بما ناسب العدل والإنصاف، وتقريب البعيد في الحق، وتبعيد القريب، والأخذ للضعيف من القوي، والمساواة بين الفقير والغني، وانبساط الوجه، ولين الجانب، وقلة المبالاة في إقامة الحدود واستخراج الحقوق، فإن زاد إلى ذلك ذكر الورع، والتحرج، وما شاكلهما، فقد بلغ النهاية.\rوصفات القاضي كلها لائقة بصاحب المظالم، ومن دون هذه الثلاث الطبقات سوى طبقة الملك فلا أرى لمدحه وجهاً، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مدح كل إنسان بالفضل في صناعته، والمعرفة بطريقته التي هو فيها، وأكثر ما يعول عن الفضائل النفسية التي ذكرها قدامة، فإن أضيف إليها فضائل عرضية أو جسمية: كالجمال، والأبهة، وبسطة الخلق، وسعة الدنيا، وكثرة العشيرة؛ كان ذلك جيداً، إلا أن قدامة قد أبى منه، وأنكره جملة، وليس ذلك صواباً، وإنما الواجب عليه أن يقول: إن المدح بالفضائل النفيسة أشرف وأصح، فأما إنكار ما سواها كرة واحدة فما أظن أحداً يساعده فيه، ولا يوافقه عليه.\rوقد كره الحذاق أن تمدح الملوك بما ناسب قول موسى شهوات وروى لغيره:\rليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فاني\rأنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان\rوذكر عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج من الحمام، وهو الخليفة، يريد الصلاة، ونظر في المرآة فأعجبه جماله، وكان حسن الوجه، فقال: أنا الملك الشاب، ويروى \" الفتى \" فتلقته إحدى حظاياه، فقال لها: كيف ترينني؟ فتمثلت في البيتين المتقدم ذكرهما، فتطير بهما ورجع، فحم فما بات إلا ميتاً تلك الليلة وروى عن بعض الملوك أنه قال: ما لهؤلاء الشعراء قاتلهم الله، ربما ذكرونا شيئاً نحن أكثر ذكراً له منهم فينغصون به علينا أوقات لذتنا!!؟ يعني بذلك الموت.\rومن أشنع ما في ذلك قول أبي تمام:\rفليطل عمره فلو مات في طو ... س مقيماً لمات فيها غريبا\rفما الذي دعاه إلى ذكر الموت ههنا إلا النكد والنغاصة؟.\rأجمع الناس على تقديم قول كعب بن زهير يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rتحمله الناقة الأدماء معتجراً ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم\rوفي عطافيه أو أثناء ريطته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم\rوالجهال يروون البيت الأول لأبي دهبل الجمحي، ويناسبه قول العجاج:","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"يحملن كل سؤدد وفخر ... يحملن ما ندري وما لا ندري\rقال الأصمعي: وأصله قول الحارث بن حلزة:\rوفعلنا بهم كما علم الل ... ه وما إن للحائنين دماء\rقال: ولم يقل قط شاعر \" كما يعلم \" أحسن من هذه الثلاثة المعاني قال أبو العباس المبرد: من الشعراء من يحمل المدح، فيكون ذلك وجهاً حسناً؛ لبلوغه الإرادة مع خلوة من الإطالة، وبعده من الإكثار، ودخوله في الاختصار.\rوذلك نحو قول الحطيئة:\rتزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد\rتزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ويعلم أن المرأ غير مخلد\rيرى البخل لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أن المرء غير مخلد\rورواه غيره أن المال غير مخلد.\rكسوب متلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند\rمتى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... نجد خير نار عندها خير موقد\rتصرف في أبياته هذه في أصناف المديح، واتى بجماع الوصف وجملة المدح على سبيل الاقتصار في البيت الأخير.\rومثله قول الشماخ:\rرأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى العلياء منقطع القرين\rإذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين\rانتهى كلامه.\rومن أفضل ما مدح به ملوك وأكثره إصابة للغرض ما ناسب قول أبن هرمة المنصور:\rله لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل\rفأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي أوعدت بالثكل ثاكل\rوقول أبي العتاهية في مدح الهادي:\rيضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكرا\rوكذلك قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه بمصر، ويروي للفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وقيل: بل قالها فيه اللعين المنقري، وقيل: بل الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس:\rفي كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم\rيغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم\rاجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل منصور النميري في أمير المؤمنين الرشيد:\rإن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع\rإذا رفعت أمراً فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع\rمن لم يكن بأمين الله معتصماً ... فليس بالصلوات الخمس بنتفع\rإن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع\rفليدخل، فقال محمد بن وهب: فينا من يقول خيراً منه، وأنشد:\rثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر\rيحكى أفاعيله في كل نائلة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر\rفأمر بإدخاله وأحسن صلته.\rقالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس حيث يقول:\rيغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل\rقال ثعلب: بل قول الأعشى:\rفتى لو يباري الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المفالدا\rأمدح منه.\rوقال أبو عمرو بن العلاء: بل بيت جرير:\rألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rأسير ما قيل في المدح وأسهله.\rوقال غيره: بل قول الأخطل:\rشمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا\rوقال دعبل: بل قول أبي الطمحان القيني:\rأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم العقد ثاقبه\rقال: وقد تنازع في هذا البيت يعني بيت أبي الطمحان قوم، وفي بيت حسان في آل جفنة، وبيت النابغة:\rفإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب\rوبيت أبي الطمحان أشعرها.\rقال الحاتمي: بل بيت زهير:\rتراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"وحكى علي بن هارون عن أبيه أنه قال: أجمع أهل العلم على أن بيتي أبي نواس أجود ما للمولدين في المدح، وهما قوله:\rأنت الذي تأخذ الأيدي بحجزته ... إذا الزمان على أبنائه كلحا\rوكلت بالدهر عيناً غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا\rروى الحاتمي عن محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: أمدح بيت قاله مولد قول أبي نواس:\rتغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني\rفلو تسأل الأحداث عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني\rقال صاحب الكتاب: نحن إلى الإنصاف أحوج منا إلى المكابرة والخلاف، أبو نواس ذهب مذهباً لطيفاً يخرج له فيه العذر والتأويل، وإلا فما في صفة الخمول أشد مما وصف، لا سيما على رواية من روى: فلو تسأل الأيام عني ومن جيد ما سمعته لمحدث وأظنه لابن الرومي في عبيد الله بن سليمان بن وهب، ورأيت من يرويه لأبي الحسين أحمد بن محمد الكاتب :\rإذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر\rولو أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر\rوإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر\rمن لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر\rينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر\rكأنه وزمام الدهر في يده ... يرى عواقب ما يأتي وما يذر\rوقال خلف الأحمر: أغلب المدح أكثره ملقاً كقول زهير:\rتراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله\rأخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله\rغدوت عليه غدوة فوجدته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله\rيفدينه طوراً، وطوراً يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله\rفأعرضن منه عن كريم مرزإ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله\rوقال طفيل الغنوي:\rجزى الله عنا جعفراً حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت\rأبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لا قوة منا لملت\rوقال الأصمعي: أخلب الشعر قول حمزة بن بيض:\rتقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوماً، فلم أقم\rأي الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لا أي وجه إلا إلى الحكم\rمتى يقل حاجباً سرداقه ... هذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم\rقد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات إذ حل أعطني سلمي\rوسأل الرشيد المفضل الضبي: أي بيت قالته العرب أمدح؟ فقال:\rأغر أبلج تأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\rهكذا روايته فيه.\rقال شرحبيل بن معن بن زائدة: كنت أسير تحت قبة يحيى بن خالد، وقد حج مع الرشيد، وعديله أبو يوسف القاضي، إذ أتاه أعرابي من بني أسد كان يلقاه إذا حج فيمدحه، فأنشده شعراً أنكر يحيى منه بيتاً فقال: يا أخا بني أسد، ألم أنهك عن مثل هذا الشعر؟ ألا قلت كما قال الشاعر:\rبنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل\rهم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل\rبها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول\rهم القوم إن قالوا أصابوا، وأن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا\rولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا\rفقال أبو يوسف: لمن هذا الشعر أصلحك الله فما سمعت أحسن منه؟ فقال يحيى: يقوله ابن أبي حفصة في أبي هذا الفتى، وأوما إلي، فكان قوله أسر إلى من جليل الفوائد، ثم التقت إلي وقال: يا شرحبيل، أنشدني أجود ما قاله ابن أبي حفصة في أبيك، فأنشدته:\rنعم المناخ لراغب ولراهب ... ممن تصيب جوائح الأزمان","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان\rإن عد أيام اللقاء فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان\rيكسو الأسرة والمنابر بهجة ... ويزينها بجهارة وبيان\rتمضي أسنته ويسفر وجهه ... في الحرب عند تغير الألوان\rنفسي فداك أبا الوليد إذا بدا ... رهج السنابك والرماح دواني\rفقال يحيى: أنت لا تدري جيد ما مدح به أبوك، أجود من هذا قوله:\rتشابه يوماه علينا فأشكلاً ... فلا نحن ندري أي يوميه أفضل\rأيوم نداه الغمر، أم يوم بأسه؟ ... وما منهما إلا أغر محجل\rومما اخذ الكميت قوله يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:\rفاعتتب القول من فؤادي والش ... عر إلى من إليه معتتب\rإلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب\rعنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا\rوقيل: أفرطت، بل تقصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا\rإليك يا خير من تضمنت ال ... أرض ولو عاب قولي العيب\rلج بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج والصخب\rقالوا: من هذا الذي يقول في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أفرطت، أو يعنفه، أو يثلبه، أو يعيبه، حتى يكثر الضجاج والصخب؟!! وهذا كله خطأ منه، وجهل بمواقع المدح، وقال من احتج له: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد علياً رضي الله عنه، فورى عنه بذكر النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من بني أمية.\rومن الشعراء من ينقل المديح عن رجل إلى رجل، وكان ذلك دأب البحتري، وفعله أبو تمام في قصائد معدودة؛ منها: قدك أتئب أربيت في الغلواء نقلها عن يحيى بن ثابت إلى محمد بن حسان، فأما الذي قال: \" هن بنياتي أنكحهن من شئت \" فهو معذور إن لم يثب، فأما إن أثيب فذلك منه قلة وفاء، وفرط خيانة.\rباب الافتخار\rوالإفتخار هو المدح نفسه، إلا أن الشاعر يخص به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار؛ فمن أبيات الافتخار قول الفرزدق:\rإن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول\rقال أحمد بن يحيى: أفخر بيت قالته العرب قول امرئ القيس:\rما ينكر الناس منا حين نملكهم ... كانوا عبيداً وكنا نحن أربابا؟\rوقال دعبل بن علي: أفخر الشعر قول كعب بن مالك:\rوببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا، محمد\rوقال الحاتمي: قول الفرزدق:\rترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا\rقال: ويتلوه قول جرير:\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا\rوقال آخرون: بل بيت الفرزدق:\rونحن إذا عدت معد قديمها ... مكان النواصي من وجوه السوابق\rوقال غيرهم: بل قوله لجرير:\rوإذا نظرت رأيت فوقك دارماً ... والشمس حيث تقطع الأبصارا\rوقيل: بل قول ابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد :\rولو أن قيساً قيس عيلان أقسمت ... على الشمس لم يطلع عليك حجابها\rوأفخر بيت صنعه محدث عندهم بشار:\rإذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما\rإذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما\rويروى: هتكنا سماء الله أو مطرت دما ومن جيد الافتخار قول بكر بن النطاح الحنفي:\rومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل\rونحن وصفنا دون كل قبيلة ... ببأس شديد في الكتاب المنزل\rوإنا لنلهو بالحروب كما لهت ... فتاة بعقد أو سخاب قرنفل\rيعني قول الله عز وجل: \" قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد \" فدعوا في خلافة أبي بكر إلى قتال أهل الردة من بني حنيفة، وبسبب هذا الشعر وأشباهه طلبه الرشيد طلبٍ، وقال:","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"كيف يفتخر على مضر ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البشر؟ فهذا افتخار بالشجاعة خاصة.\rوممن افتخر بالكثرة أوس بن مغراء قال:\rما تطلع الشمس إلا عند أولنا ... ولا تغيب إلا عند أخرانا\rوقد أنكر قدامة أن يمدح الإنسان بآبائه دون أن يكون ممدوحاً بنفسه؛ لأن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم، والذي ذهب إليه حسن.\rوأنكر الجرجاني على أبي الطيب قوله:\rما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي\rوإنما أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:\rوما سودت عجلاً مآثر غيرهم ... ولكن بهم سادت على غيرهم عجل\rقال: وهذا معنى سوء يقصر بالممدوح، ويغض من حسبه، ويحقر من شأن سلفه، وإنما طريفة المدح يشرف بآبائه، والآباء تزداد شرفاً به؛ فجعل لكل واحد منهم حظاً في الفخر وفي المدح نصيباً، وإذا حصلت الحقائق كان النصيبان مقسومين، بل كان الكل خالصاً لكل فريق منهم؛ لأن شرف الوالد جزء من ميراثه، ومنتقل إلى ولده كانتقال ماله، فإن رعى وحرس ثبت وازداد، وإن أهمل وضيع هلك وباد. وكذلك شرف الوالد يعم القبيلة، وللولد منه القسم الأوفر، والحظ الأكبر.\rقال صاحب الكتاب: والذي يقع عليه الاختيار عندي ما ناسب قول المتوكل الليثي:\rإنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل\rنبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا\rوقول عامر بن الطفيل الجعفري:\rفإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب\rفما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب\rومن أفخر ما قال المولدون قول إبراهيم الموصلي يفتخر بولائه من خزيمة بن حازم النهشلي:\rإذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بمجدي حازم وابن حازم\rعطست بأنفي شامخاً وتناولت ... يداي الثريا قاعداً غير قائم\rومن قول السيد أبي الحسن يفخر بقومه بني شيبان:\rيا آل شيبان لا غارت نجومكم ... ولا خبت ناركم من بعد توقيد\rلأنتم دعائم هذا الملك مذ ركضت ... قبل الخيول لإبرام وتوكيد\rالمنعمون إذا ما أزمة أزمت ... والواهبون عتيقات المزاويد\rسيوفكم أفقدت كسرى مرازبه ... في يوم ذي قار إذ جاؤا لموعود\rوهذا هو الفخر الحلال غير المدعى فيه ولا المنتحل.\rومما عابه الأصمعي وغيره قول عامر بن معشر بن أسحم يصف أسيراً أسروه:\rفظل يخالس المذقات فينا ... يقاد كأنه جمل ربيق\rوذلك بأنه وصف أسيرهم بأنه جائع يخالس القليل الممذوق من اللبن، وإنما ذلك من الجهد.\rومن أجود قصيدة افتخر فيها شاعر قصيدة السموأل بن عادياء اليهودي فإنها جمعت ضروب الممادح وأنواع المفاخر، وهي مشهورة.\rباب الرثاء\rوليس بين الرثاء والمدح فرق؛ إلا أنه يخلط بالرثاء شيء يدل على أن المقصود به ميت مثل \" كان \" أو \" عدمنا به كيت وكيت \" وما يشاكل هذا وليعلم أنه ميت.\rوسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع، بين الحسرة، مخلوطاً بالتلهف والأسف والاستعظام، إن كان الميت ملكاً أو رئيساً كبيراً، كما قال النابغة في حصن بن حذيفة بن بدر:\rيقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح\rولم تلفظ الموتى القبور، ولم تزل ... نجوم السماء، والأديم صحيح\rفعما قليل ثم جاء نعيه ... فظل ندي الحي وهو ينوح\rفهذا وما شاكله رثاء الملوك والرؤساء الجلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو العتاهية حين قال: مات الخليفة أيها الثقلان فرفع الناس رؤوسهم، وفتحوا عيونهم، وقالوا: نعاه إلى الجن والإنس، ثم أدركه اللين والفترة فقال: فكأنني أفطرت في رمضان يريد: إني بمجاهرتي بهذا القول كأنما جاهرت بالإفطار في رمضان نهاراً وكل أحد ينكر ذلك علي، ويستعظمه من فعلي، وهذا معنى جيد غريب في لفظ رديء غير معرب عما في النفس.\rومن أفضل الرثاء قول حسين بن مطير يرثي معن بن زائدة، ويروي لابن أبي حفصة:\rفيا قبر معن، كنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"ويا قبر معن، كيف واريت جوده؟ ... وقد كان منه البر والبحر مترعا\rبلى وقد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حياً ضقت حتى تصدعا\rفتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعاً\rوما قصر أبو تمام في رثائه محمد بن حميد بالقصيدة التي يقول فيها:\rألا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الثغر وانثغر الثغر\rفتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دماً ضحكت عنه الأحاديث والنشر\rوما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر\rفتى مات بين الطعن والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر\rوقد كان فوت الموت سهلاً فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر\rونفس تخاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر\rفأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر\rوقد أجاد أيضاً في القصيدة التي رثى بها إدريس بن بدر السامي يقول فيها:\rولم أنس سعي الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقل ويظلع\rوتكبيره خمساً عليه معالناً ... وإن كان تكبير المصلين أربع\rوما كنت أدري يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع\rوليس في ابتداءات المرائي المولدة مثل قوله:\rأصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا\rيرثي بها محمد بن حميد، وجعل خاتمها:\rفإن أترم عن عمر تدانى به المدى ... فخانك حتى لم تجد عنه منزعا\rفما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا\rوأبو تمام من المعدودين في إجادة الرثاء، ومثله عبد السلام بن رغبان ديك الجن، وهو أشهر في هذا من حبيب، وله فيه طريق انفرد بها، وذلك أنه قتل جاريته واتهم بها أخاه، ثم قال يرثيها:\rيا مهجة جثم الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها\rرويت من دمها التراب، وربما ... روى الهوى شفتي من شفتيها\rحكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها\rفوحق نعليها لما وطئ الحصى ... شيء أعز علي من نعليها\rما كان قتليها لأني لم أكن ... أخشى إذا سقط الغبار عليها\rلكن بخلت على الأنام بحسنها ... وأنفت من نظر العيون إليها\rوقال أيضاً فيها على بعض الروايات:\rأشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره\rفقتلته، وله علي كرامة ... ملء الحشا، وله الفؤاد بأسره\rقمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليتي وزففته من خدره\rعهدي به ميتاً كأحسن نائم ... والحزن ينحر دمعتي في نحره\rالذي أعرف \" ينحر مقلتي \" وهو أصح استعارة.\rلو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره\rغصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره\rوالرواية الأخرى أن المتهم بالجارية غلام كان يهواه قتله أيضاً، فصنع فيه هذه الأبيات، فصنعت فيه أخت الغلام:\rيا ويح ديك الجن، بل تباً له ... ماذا تضمن صدره من غدره\rقتل الذي يهوى وعمر بعده ... يا رب لا تمدد له في عمره\rويكون الرثاء مجملاً كالمدح المجمل فيقع حسناً لطيفاً: كقول ابن المعتز في المعتضد:\rقضوا ما قضوا من أمره ثم قدموا ... إماماً إمام الخير بين يديه\rوصلوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوف قيام للسلام عليه\rوقال في عبيد الله بن سليمان بن وهب:\rقد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر: أين الرجال!\rهذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال\rيا ناصر الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال\rوذكر غير واحد أن أراتي بيت قيل:","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر.\rومن عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المرائي بالملوك الأعزة، والأمم السالفة، والوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبحمر الوحش المتصرفة بين القفار، والنسور، والعقبان، والحيات؛ لبأسها وطول أعمارها، وذلك في أشعارهم كثير موجود لا يكاد يخلو منه شعر.\rقال أبو علي: فأما المحدثون فهم على غير هذه الطريقة أميل، ومذهبهم في الرثاء أمثل، في هذا وقبله، وربما جروا على سنن من قبلهم إقتداء بهم وأخذاً بسنتهم كالذي صنع أبو أيوب في رثائه أبا البيداء الأعرابي وخلف بن حيان الأحمر ومرائيه فيهما وقافية مشهورات: إحداهن قوله:\rلا تئل العصم في الهضاب ولا ... شغواء تغذو فرخين في لجف\rوالثانية قوله: لو كان حي وائلا من التلف والثالثة قوله في أبي البيداء:\rهل مخطئ يومه عفر بشاهقة ... ترعى بأخيافها شثاً وطباقا\rوكما صنع ابن المعتز يرثي أباه بالقصيدة اللامية المقيدة في الرمل:\rرب حتف بين أثناء الأمل ... وحياة المرء ظل منتقل\rوهي أيضاً معروفة، ولولا اشتهار هذه القصائد، ووجودها، وخيفة التطويل بها؛ لأثبتها في هذا الموضع.\rوليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيباً كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، وقال ابن الكلبي وكان علامة : لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة:\rأرث جديد الحبل من أم معبد ... بعافية وأخلفت كل موعد؟\rوعن علي بن سليمان، عن أبي العباس الأحول، وأن القصيدة التي لأبي قحافة أعشى باهلة، إنما هي لابنة المنتشر، واسمها الدعجاء.\rقال: وقال علي بن سليمان: حدثني أبي أن أولها.\rهاج الفؤاد على عرفانه الذكر ... وذكر خودٍ على الأيام ما يذر\rقد كنت أذكرها والدار جامعة ... والدهر فيه هلاك الناس والشجر\rهكذا أنشده النحاس والذي أعرف \" وذكر ميت \" وأعرف أيضاً \" والدهر فيه هلاك الناس والغير \" كذلك أنشدنيه الموصلي في الأغاني، ثم عطف النحاس فقال: هذان البيتان لا يعرفان في أول هذه القصيدة؛ ومما يزيد الاسترابة بهما أن المتعارف عند أهل اللغة أنه ليس للعرب في الجاهلية مرثية أولها تشبيب إلا قصيدة دريد، وأنا أقول: إنه الواجب في الجاهلية والإسلام، وإلى وقتنا هذا، ومن بعده؛ لأن الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة؛ وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين أخذ ثأره، وأدرك طلبته. وربما قال الشاعر في مقدمة الرثاء \" تركت كذا \" أو \" كبرت عن كذا \" وهو في ذلك كله يتغزل ويصف أحوال النساء، وكان الكميت ركاباً لهذه الطريقة في أكثر شعره؛ فأما ابن مقبل فمن جفاء أعرابيته أنه رثى عثمان بن عفان رضي الله عنه بقصيدة حسنة أتى فيها على ما في النفس، ثم عطف وقال:\rفدع ذا، ولكن علقت حبل عاشق ... لإحدى شعاب الحين والقتل أريب\rولم تنسني قتلى قريش ظعائناً ... تحملن حتى كادت الشمس تغرب\rيطفن بغريد يعلل ذا الصبا ... إذا رام أركوب الغواية أركب\rمن الهيف مبدان ترى نطفاتها ... بمهلكة أخراصهن تذبذب\rوالنسيب في أول القصيدة على مذهب دريد خير مما ختم به هذا الجلف، على تقدمه في الصناعة، إلا أن تكون الرواية \" ظعائن \" بالرفع.\rومما عيب على الكميت في الرثاء قوله في ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rوبورك قبر أنت فيه، وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب\rلقد غيبوا براً وحزماً ونائلاً ... عشية واراه الضريح المنصب\rحكاه الجاحظ وغيره، وأظن أن المراد بما عيب الثاني من هذين البيتين، فأما الأول فجيد.\rومن العجب أن يقول عبدة بن الطيب في تأبين قيس بن عاصم:\rعليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما\rتحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما\rفما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"ويقول الكميت في تأبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول، فهلا قال مثل قول فاطمة رضي الله عنها:\rاغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران\rفالأرض من بعد النبي كئيبة ... أسفاً عليه كثيرة الرجفان\rفليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكل يماني\rوليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان\rيا خاتم الرسل المبارك صنوه ... صلى عليك منزل القرآن\rصلى الله عليه وسلم، ورحم وكرم وعظم.\rوالنساء أشجى الناس قلوباً عند المصيبة، وأشدهم جزعاً على هالك؛ لما ركب الله عز وجل في طبعهن من الخور وضعف العزيمة.\rوعلى شدة الجزع يبنى الرثاء، كما قال أبو تمام:\rلولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المشقر أنه محزون\rفانظر إلى قول جليلة بنت مرة ترثي زوجها كليباً، حين قتله أخوها جساس، ما أشجى لفظها، وأظهر الفجيعة فيه!! وكيف يثير كوامن الأشجان، ويقدح شرر النيران، وذلك:\rيا ابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي\rفإذا أنت تبينت التي ... عندها اللوم فلومي واعذلي\rإن تكن أخت امرئ ليمت على ... جزع منها عليه فافعلي\rفعل جساس على ضني به ... قاطع ظهري ومدن أجلي\rلو بعين فديت عيني سوى ... أختها وانفقأت لم أحفل\rتحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأم قذى ما تفتلي\rإنني قاتلة مقتولة ... فلعل الله أن يرتاح لي\rيا قتيلاً قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من عل\rورماني فقده من كثب ... رمية المصمى به المستأصل\rهدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأول\rمسني فقد كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبلي\rليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي\rدرك الثائر شافيه وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل\rليته كان دمى فاحتلبوا ... درراً منه دمى من أكحلي\rومن أشد الرثاء صعوبة على الشاعر أن يرثي طفلاً أو امرأة؛ لضيق الكلام عليه فيهما، وقلة الصفات، ألا ترى ما صنعوا بأبي الطيب وهو فحل مجود إذا ذكر المحدثون في قوله يذكر أم سيف الدولة:\rصلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال\rفقالوا: ماله ولهذه العجوز يصف جمالها؟ وقال الصاحب بن عباد: استعارة حداد في عرس، فان كان أراد بالاستعارة الحنوط فقد والله ظلم وتعسف، وإن كان أراد استعارة الكفن بجمال العجوز فقد اعترض في موضع اعتراض إلى مواضع كثيرة في هذه القصيدة، على أن فيهما ما يمحو كل زلة، ويعفى على كل إساءة قال الصاحب بن عباد: ولقد مررت على مرثية له في أم سيف الدولة تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكاً في أمه بقوله:\rرواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال\rولغل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الصفيق الرقيق، وأنا أقول: إن أشد ما هجن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة هجاء أنه قرنها بفوقك؛ فجاء عملاً تاماً لم يبق فيه الإفضاء.\rومن صعب الرثاء أيضاً جمع تعزية وتهنئة في موضع، قالوا: لما مات معاوية اجتمع الناس بباب يزيد، فلم يقدر أحد على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى أتى عبيد الله بن همام السلولي فدخل فقال: يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت عظيماً، وأعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزئت، فقد فقدت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزبلا؛ إذ قضى معاوية نحبه، ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور.\rفاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا\rلا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"أصبحت والي أمر الناس كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا\rوفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا\rففتح للناس باب القول.\rوعلى هذا السنن جرى الشعراء بعده؛ فقال أبو نواس يعزي الفضل بن الربيع عن الرشيد، ويهنئه بالأمين:\rتعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن\rحوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن\rوفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا الملك مغبون ولا الموت غابن\rويروى: فلا أنت مغبون واتبعه أبو تمام بالقصيدة التي أولها: ما للدموع تروم كل مرام يقولها للواثق بعد موت المعتصم، صرف الكلام فيها كيف شاء، وأطنب كما أراد، واحتج فيها فأسهب، وتقدم فيها على كل من سلك هذه الناحية من الشعراء، وأراد ابن الزيات مجاراته فعلم من نفسه التقصير فاقتصر على قوله:\rقد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين\rاذهب فنعم المعين كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين\rلن يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون\rومن جيد ما رثي به النساء وأشجاه وأشده تأثيراً في القلب وإثارة للحزن قول محمد بن عبد الملك هذا في أم ولده:\rألا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران\rرأى كل أم وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان\rوبات وحيداً في الفراش تحثه ... بلابل قلب دائم الخفقان\rيقول فيها بعد أبيات:\rألا إن سجلاً واحدا قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد شفياني\rفلا تلحياني إن بكيت؛ فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريان\rوإن مكاناً في الثرى خط لحده ... لمن كان في قلبي بكل مكان\rأحق مكان بالزيارة والهوى ... فهل أنتما إن عجت منتظران\rومن أشجى الشعر رثاء قوله في هذه القصيدة:\rفهبني عزمت الصبر عنها لأنني ... جليد، فمن بالصبر لابن ثمان؟؟\rضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة ... ولا يأتسى بالناس في الحدثان\rألا من أمنيه المنى فأعده ... لعثرة أيامي وصرف زماني\rألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي ... وإن غبت عنه حاطني ورعاني\rفلم أر كالأقدار كيف تصيبني ... ولا مثل هذا الدهر كيف رماني\rفهذه الطريق هي الغاية التي يجري حذاق الشعر إليها، ويعتمدون في الرثاء عليها، ما لم تكن المرئية من نساء الملوك، وبنات الأشراف، وغير ذوات محارم الأشعار؛ فإنه يتجافى عن هذه الطريقة إلى أرفع منها، نحو قول أبي الطيب:\rولو أن النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال\rوقوله في هذه القصيدة:\rمشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال\rونحو قوله لأخت سيف الدولة:\rيا أخت خير أخ، يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب\rأجل قدرك أن تدعي مؤنثة ... ومن يصفك فقد سماك للعرب\rورثاء الأطفال أن يذكر مخايلهم، وما كانت الفراسة تعطيه فيهم، مع تحزن لمصابهم، وتفجع بهم، كالذي صنع أبو تمام في ابني عبد الله بن طاهر.\rباب الاقتضاء والاستنجاز\rحسب الشاعر أن يكون مدحه شريفاً، واقتضاؤه لطيفاً، وهجاؤه إن هجا عفيفاً؛ فإن الاقتضاء الخشن ربما كان سبب المنع والحرمان، وداعية القطيعة والهجران، وقوم يدرجون العتاب في الاقتضاء، والاقتضاء في العتاب، وأنا أرى غير هذا المذهب أصوب؛ فالاقتضاء طلب حاجة، وباب التلطيف فيه أجود؛ فإن بلغ الأمر العتاب فإنما هو طلب الإبقاء على المودة والمراعاة، وفيه توبيخ ومعارضة لا يجوز معها بعد الاقتضاء، إلا أن الناس خلطوا هذين البابين، وساووا بينهما.\rفمن أحسن الاقتضاء على ما تخيرته، ونحوت إليه قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:\rأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء\rوعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"خليل لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء\rفأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء\rإذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء\rتباري الريح مكرمة وجوداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء\rفأنت ترى هذا الاقتضاء كيف يلين الصخر، ويستنزل القطر، ويحط العصم إلى السهل؟؟ ومثله قول الآخر:\rلأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف\rولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف\rوأما ما ناسب قول محمد بن يزيد الأموي لعيسى بن فرخان شاه؛ إذ يقول له مستبطئاً:\rأبا موسى، سقى أرض ... ك دان مسبل القطر\rوزاد الله في قدر ... ك ما أخملت من قدري\rلقد كنت أرجيك ... لما أخشى من الدهر\rفقد أصبحت من أوك ... د أسبابي إلى الفقر\rأترضى لي بأن أرضى ... بتقصيرك في أمري؟\rوقد أفنيت ما أفني ... ت في شكرك من عمري\rمواعيد كما أخبت ... سراب المهمه القفر\rفمن يوم إلى يوم ... ومن شهر إلى شهر\rفلم أحصل على قيم ... ة ما قلمت من ظفري\rلعل الله أن يصن ... ع لي من حيث لا أدري\rفألقاك بلا شكر ... وتلقاني بلا عذر\rولا أرجوك في الحالي ... ن لا العسر ولا اليسر\rفهذا هو العتاب الممض، والتوبيخ الذي دونه الجلد بالسوط، بل بالسيف!! ومما صنعته في العتاب على هذا الشكل بعد اليأس المستحكم على ما شرطته:\rرجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أمني النفس فيها الأمانيا\rفساوفت بي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا\rوكنت كأني نازف البئر طالباً ... لإجمامها أو يرجع الماء طافيا\rفلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا\rومن أملح ما رأيته في الاقتضاء والاستبطاء قول أبي العتاهية لعمر بن العلاء وابن المعتز يسمي هذا النوع مزحاً يراد به الجد، وهو:\rأصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر\rسنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم نفق منها رقيناك بالسور\rوكنت أنا صنعت في استبطاء:\rأحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله\rوكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله؟؟\rوجنة الفردوس يدعى بها ... آجلة للمرء لا عاجله\rلكنما أضعف من همتي ... أيام عمر دونها زائله\rوالعتاب أوسع حداً من الاقتضاء؛ لأنه يكون مثله بسبب الحاجات، وقد يكون بسبب غيرها كثيراً، والاقتضاء لا يكون إلا في حاجة.\rباب العتاب\rالعتاب وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء فإنه باب من أبواب الخديعة، يسرع إلى الهجاء، وسبب وكيد من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قل كل داعية الألفة، وقيد الصحبة، وإذا كثر خشن جانبه، وثقل صاحبه.\rوللعتاب طرائق كثيرة، وللناس فيه ضروب مختلفة؛ فمنه ما يمازجه الاستعطاف والاستئلاف، ومنه ما يدخله الاحتجاج والانتصاف، وقد يعرض فيه المن والإجحاف، مثل ما يشركه الاعتذار والاعتراف.\rوأحسن الناس طريقاً في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة البحتري الذي يقول:\rيريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا\rوأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا\rأكذب ظني بأن قد سخطت ... وما كنت أعهد ظني كذوبا\rولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا\rولا بد من لومة أنتحي ... عليك بها مخطئاً أو مصيبا\rأيصبح وردي في ساحتي ... ك طرقاً ومرعاي محلاً جديبا؟!\rأبيع الأحبة بيع السوام ... وآسى عليهم حبيبا حبيبا","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"ففي كل يوم لنا موقف ... يشقق فيه الوداع الجيوبا\rوما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض الدموع وأشجى القلوبا\rولو كنت أعلم ذنباً لما ... تخالجني الشك في أن أتوبا\rسأصبر حتى ألاقي رضا ... ك إما بعيداً وإما قريبا\rأراقب رأيك حتى يصح ... وأنظر عطفك حتى يؤوبا\rوالذي يقول أيضاً:\rوأصيد إن نازعته اللحظ رده ... كليلاً، وإن راجعته القول جمجما\rثناه العدى عني فأصبح معرضاً ... وأوهمه الواشون حتى توهما\rوقد كان سهلاً واضحاً فتوعرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهما\rأمتخذ عندي الإساءة محسن ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما؟\rومكتسب في الملامة ما جد ... يرى الحمد غنما والملامة مغرما\rيخوفني من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلا أن تجوز وتظلما\rأعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبين أو جرم إليك تقدما\rألست الموالي فيك غر قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما\rثناء كأن الروض فيه منور ... ضحاً، وكأن الوشى فيه منمنما\rولو أنني وقرت شعري وقاره ... وأجللت مدحي فيك أن يتهضما\rلأكبرت أن أومي إليك بأصبع ... تضرع أو أدنى لمعذرة فما\rوكان الذي يأتي به الدهر هيناً ... علي ولو كان الحمام المقدما\rولكنني أعلي محلي أن أرى ... مدلاً وأستحييك أن أتعظما\rفهذا عتاب كما قال:\rعتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر\rوقد نحوت أنا هذا النحو في كلمة عاتبت بها القاضي جعفر بن عبد الله الكوفي قلت فيها:\rوقد كنت لا آتي إليك مخاتلاً ... لديك، ولا أثني عليك تصنعا\rولكن رأيت المدح فيك فريضة ... علي إذا كان المديح تطوعا\rفقمت بما لم يخف عنك مكانه ... من القول حتى ضاق مما توسعا\rولو غيرك الموسوم عني بريبة ... لأعطيت منها مدعي القول ما ادعى\rفلا تتخالجك الظنون فإنها ... مآثم، واترك في للصنع موضعا\rفوالله ما طولت باللوم فيكم ... لساناً، ولا عرضت للذم مسمعا\rولا مات عنكم بالوداد، ولا انطوت ... حبالي، ولا ولى ثنائي، مودعا\rبلى ربما أكرمت نفسي فلم تهن ... وأجللتها عن أن تذل وتخضعا\rولم أرض بالحظ الزهيد، ولم أكن ... ثقيلاً على الإخوان كلا مدفعا\rفباينت لا أن العداوة باينت ... وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا\rألوذ بأكناف الرجاء، وأتقي ... شمات العدا، إن لم أجد فيك مطمعا\rومن معاتبات أبي تمام قوله لابن عبد الملك الزيات:\rلئن هممي أوجدنني في تقلبي ... مآلا لقد أفقدنني منك موئلاً\rوإن رمت أمراً مدبر الوجه إنني ... لأترك حظاً في فنائك مقبلا\rوإن كنت أخطو ساحة المحل إنني ... لأترك روضا من جداك وجدولا\rكذلك لا يلقي المسافر رحله ... إلى منقل حتى يخلف منقلا\rولا صاحب التطواف يعمر منهلا ... وربعاً إذا لم يخل ربعاً ومنهلا\rومن ذا يداني أو ينائي؟ وهل فتى ... يحل عرى الترحال أو يترحلا؟\rفمرني بأمر أحوذي فإنني ... أرى الناس قد أثروا وأصبحت مرملاً\rفسيان عندي صادفوا لي مطعناً ... أعاب به أو صادفوا لي مقتلاً\rومن قصيدة أخرى لأبي تمام:\rتقطعت الأسباب إن لم تغرلها ... قوى أو يصلها من يمينك واصل\rسوى مطلب ينضى الرجاء بطوله ... وتخلق إخلاق الجفون الوسائل\rوقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء السم والسم قاتل","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"ولي عدة تمضي العصور وإنها ... كعهدك من أيام مصر لحائل\rسنون قطعناهن عشراً كأن ما ... قطعنا لقرب العهد منها مراحل\rوإن جزيلات الصنائع لامرئ ... إذا ما لليالي ناكرته معاقل\rوإن المعالي يسترم بناؤها ... سريعاً، كما قد تسترم المنازل\rولو حاردت شوال عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدر والضرع حافل\rمنحتكها تشفي الجوى وهو لاعج ... وتبعث أشجان الفتى وهو ذاهل\rترد قوافيها إذا هي أرسلت ... هوامل مجد القوم وهي هوامل\rوكيف إذا حليتها بحليها ... تكون وهذا حسنها وهي عاطل؟؟!\rأكابرنا، عطفاً علينا؛ فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل\rوقال ابن الرومي لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل يعاتبه في قصيدة جيدة مختارة:\rعقيل الندى، أطلق مدائح جمة ... خواصي حسرى قد أبت أن تسرحا\rوكنت متى تنشد مديحاً ظلمته ... يكن لك أهجى كلما كان أمدحا\rعذرتك لو كانت سماء تقشعت ... سحائبها أو كان روض تصوحا\rولكنها سقيا حرمت رويها ... وعارضها ملق كلاكل جنحا\rوأكلأ معروف حميت مريعها ... وقد عاد منها الحزن والسهل مسرحا\rفيا لك بحراً لم أجد فيه مشرباً ... وإن كان غيري واجداً فيه مسبحا\rمديحي عصا موسى، وذاك لأنني ... ضربت به بحر الندى فتضحضحا\rفيا ليت شعري إن ضربت به الصفا ... أيحدث لي فيه جداول سيحا\rكتلك التي أبدت ثرى البحر يابساً ... وشقت عيوناً في الحجارة سفحا\rسأمدح بعض الباخلين لعله ... إذا اطرد المقياس أن يتسمحا\rفهذا هو الذي لا يبلغ جودة، ولا يجاري سبقاً، على أن البحتري قد تقدم إلى بعض المعنى في قوله للفتح بن خاقان:\rغمام خطاني صوبه وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم\rوبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رحلي منه أسود مظلم\rوما بخل الفتح بن خاقان بالندى ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم\rوأما أبو الطيب المتنبي فكان في طبعه غلظة، وفي عتابه شدة، وكان كثير التحامل، ظاهر الكبر والأنفة، وما ظنك بمن يقول لسيف الدولة:\rيا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم\rأعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم\rوما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم\rأنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم\rأنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الناس جراها ويختصم\rوجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم\rإذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم\rفهذا الكلام في ذاته في نهاية الجودة، غير أنه من جهة الواجب والسياسة غاية في القبح والرداءة، وإنما عرض بقوم كانوا ينتقصونه عند سيف الدولة ويعارضونه في أشعاره، والإشارة كلها إلى سيف الدولة، ثم قال بعد أبيات:\rيا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم\rما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم\rإن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم\rوبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم\rكم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم؟!\rما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم\rليت الغمام الذي عند صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم\rأرى النوى يقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"لئن تركن ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم\rوإنما قال أولا ليحدثن لسيف الدولة الندم ثم بدله، وليس هذا عتاباً، لكنه سباب، وبسبب هذه القصيدة كاد يقتل عند انصرافه من مجلس إنشادها، وهذا الغرور بعينه.\rفأما عتاب الأكفاء، وأهل المودات، والمتعشقين من الظرفاء، فبابة أخرى جارية على طرقاتها.\rقال إبراهيم بن العباس الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات، وقد تغير عليه لما وزر:\rوكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا\rوكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا\rوكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا\rوهذا عندي من أشد العتاب وأوجعه.\rومن أكرم العتاب قول السيد أبي الحسن أدام الله سيادته وسعادته:\rوإني لأطرى كل خل صحبته ... وأنت ترى شتمي بغير حياء\rستعلم يوماً ما أسأت لصاحب ... تكرم أخلاقي وحسن وقائي\rومن مليح ما سمعت قول سعيد بن حميد يعاتب صديقاً له:\rأقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل\rلم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول\rولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل\rفالمنتمون إلى الإخاء عصابة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل\rولعل أحداث المنية والردى ... يوماً ستصدع بيننا وتحول\rولئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل\rولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول\rولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضين ... من لا يشاكله لدي خليل\rوليذهبن بهاء كل مروءة ... وليفقدن جمالها المأهول\rوأراك تكلف بالعتاب وودنا ... صاف، عليه من الوفاء دليل\rود بدا لذوي الإخاء جماله ... وبدت عليه بهجة وقبول\rولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول\rإلى ههنا أومأ أبو الطيب بقوله:\rذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر\rوأشار إليه أيضاً بقوله، وأردت البيت الأخير:\rزودينا بحسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال تحول\rوصلينا نصلك في هذه الدني ... ا فإن المقام فيها قليل\rوالجميع من قول الأول:\rولقد علمت فلا تكن متجنياً ... أن الصدود هو الفراق الأول\rحسب الأحبة أن يفرق بينهم ... ريب المنون فما لنا نستعجل\rإلا أن ابن حميد قد فنن وبين، وشرح ما أجمل غيره بقوله \" لئن سبقت أنا \" \" ولئن سبقت أنت \" فله بذلك فضل بين، ورجحان ظاهر.\rوما أحسن إيجاز الذي قال:\rالعمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالعتاب\rوقال أبو المحدثين بشار:\rإذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه\rفعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه\rإذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه\rباب الوعيد والإنذار\rكان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعدون بالهجاء، ويحذرون من سوء الأحدوثة، ولا يمضون القول إلا لضرورة ولا يحسن السكوت معها.\rقال ابن مقبل:\rبني عامر، ما تأمرون بشاعر ... تخير آيات الكتاب هجانيا؟\rأأعفو كما يعفو الكريم فإنني ... أرى الشغب فيما بيننا متدانيا\rأم اغمض بين الجلد واللحم غمضة ... بمبرد رومي يقط النواصيا\rفأما سراقات الهجاء فإنها ... كلام تهاداه اللئام تهاديا\rأم اخبط خبط الفيل هامة رأسه ... بحرد فلا يبقى من العظم باقيا\rوعندي الدهيم لو أحل عقالها ... فتصبح لم تعدم من الجن حاديا","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"شبه لسانه بمبرد رومي لمضاته، وشبه القصيدة التي لو شاء هجاهم بها بالدهيم وهي الداهية، وأصل ذلك أن الدهيم ناقة عمرو بن زبان الذهلي التي حملت رءوس بنيه معلقة في عنقها، فجاءت بها الحي، فضرب بها المثل للداهية.\rوقال جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه:\rأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا\rأبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا\r\" أحكموا \" كفوا، ومن حكمة اللجام.\rوقال أيضاً لتيم الرباب رهط عمر بن لجأ:\rيا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوأة عمر\rوكان علي بن سليمان الأخفش في صباه يعبث بابن الرومي لما يعلم من طيرته، فيجعل من يقرع الباب عليه بكرة ويتسمى له بأقبح الأسماء، فيمنعه ذلك من التصرف، فقال يتوعده:\rقولوا لنحوينا أبي حسن ... إن حسامي متى ضربت مضى\rوإن نبلي متى هممت بأن ... أرمي نصلتها بجمر غضى\rلا تحسبن الهجاء يحفل بال ... رفع ولا خفض خافض خفضا\rولا تخل عودتي كبادئتي ... سأسعط السم من عصى الحضضا\rأعرف في الأشقياء لي رجلاً ... لا ينتهي أو يصير لي غرضا\rيليح لي صفحة السلامة والس ... لم، ويخفي في قلبه الرضا\rيضحي مغيظاً علي أن غضب ا ... لله عليه ونلت منه رضا\rوليس تجدي عليه موعظتي ... إن قدر الله حينه فقضى\rكأنني بالشقي معتذراً ... إذا القوافي أذقنه مضضا\rينشدني العهد يوم ذلك وال ... عهد خفار إذا له قبضا\rلا يأمنن السفيه بادرتي ... فإنني عارض لمن عرضا\rعندي له السوط إن تلوم في ال ... سير وعندي اللجام إن ركضا\rأسمعت أنباء صيتي أبا حسنٍ ... والنصح لا شك نصح من محضا\rوهو معافى من السهاد فلا ... يجهل فيشرى فراشه قضضا\rأقسمت بالله لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا\rوكذلك قد فعل، وقد مزقه بالهجاء كل ممزق، وجعله مثلة بين أصحابه، على أن الأخفش كان يتجلد عليه، ويظهر قلة المبالاة به، وهيهات! وقد وسمه سمة الدهر، وسامه سوم الخسف والقهر. ومما قلته في هذا الباب:\rيا موجعي شتماً على أنه ... لو فرك البرغوث ما أوجعا\rكل له من نفسه آفة ... وآفة النحلة أن تلسعا\rوقلت من قصيدة خاطبت بها بعض بني مناد:\rمن يصحب الناس مطوياً على دخل ... لا يصحبوه؛ فخلوا كل تدخيل\rلا تستطيلوا على ضعفي بقوتكم ... إن البعوضة قد تعدو على الفيل\rوجانبوا المزح إن الجد يتبعه ... ورب موجعة في إثر تقبيل\rومنها بعد أبيات لا تليق بالموضع خوف الحشو:\rيا قوم لا يلقيني منكم أحد ... في المهلكات؛ فإني غير مغلول\rلا تدخلوا بالرضا منكم على غرر ... فتخربوا لليث غضباناً من الغيل\rإلا تكن حملت خيراً ضمائركم ... أكن تأبط شراً ناكح الغول\rباب الهجاء\rيروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: خير الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها فلا يقبح بمثلها، نحو قول أوس:\rإذا ناقة شدت برجل ونمرق ... إلى حيكم بعدي فضل ضلالها\rواختار أبو العباس قول جرير:\rلو أن تغلب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا\rومثل قوله:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rوبين الاختيارين تناسب في عفة المذهب، غير أن بيت جرير الثاني أشد هجاء لما فيه من التفضيل، فقد حكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب أنه قال: أشد الهجاء الهجاء بالتفضيل، وهو الإقذاع عندهم.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" من قال في الإسلام هجاء مقذعاً فلسانه هدر \" ولما أطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حبسه إياه بسبب هجائه الزبرقان بن بدر قال له: إياك والهجاء المقذع، قال:","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"وما المقذع يا أمير المؤمنين؟ قال: المقذع أن تقول هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعراً على مدح لقوم وذم لمن تعاديهم، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء فمدحتهم وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم ولم أنل من أعراضهم شيئاً، وصرفت مدحي إلى من أراده ورغبت به عمن كرهه وزهد فيه، يريد بذلك قصيدته المهموزة التي يقول فيها:\rوآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الإناء\rوهي أخبث ما صنع. وفيها أو من أجلها قال خلف الأحمر: أشد الهجاء أعفه وأصدقه، وقال مرة أخرى: ما عف لفظه وصدق معناه، ومن كلام صاحب الوساطة: فأما الهجو فأبلغه ما خرج مخرج التهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وأسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس، فأما القذف والإفحاش فسباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن.\rومما يدل على صحة ما قاله صاحب الوساطة وحسن ما ذهب إليه إعجاب الحذاق من العلماء وفرسان الكلام بقول زهير في تشككه وتهزله وتجاهله فيما يعلم:\rوما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\rفإن تكن النساء مخبئات ... فحق لكل محصنة هداء\rوإن هذا عندهم من أشد الهجاء وأمضه.\rولما قدم النابغة بعد وقعة حسي سأل بني ذبيان: ما قلتم لعامر بن الطفيل وما قال لكم؟ فأنشدوه، فقال: أفحشتم على الرجل وهو شريف لا يقال له مثل ذلك، ولكني سأقول، ثم قال:\rفإن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مطية الجهل السباب\rفكن كأبيك أو كأبي براء ... تصادفك الحكومة والصواب\rفلا يذهب بلبك طائشات ... من الخيلاء ليس لهن باب\rفإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب\rفإن تكن الفوارس يوم حسي ... أصابوا من لقائك ما أصابوا\rفما إن كان من سبب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب\rفلما بلغ عامراً ما قال النابغة شق عليه، وقال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة، جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سفيهاً جاهلاً وتهكم بي! وروى أن شاعراً مدح الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأحسن عطيته، فعوتب على ذلك، فقال: أترون أني خفت أن يقول إني لست ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ابن علي بن أبي طالب؟ ولكن خفت أن يقول: لست كرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولست كعلي، فيصدق ويحمل عنه، ويبقى مخلداً في الكتب، ومحفوظاً على ألسنة الرواة، فقال الشاعر: أنت والله يا ابن رسول الله أعلم بالمدح والذم مني، وقد وقع الحسن بن زيد بن الحسين بن علي في بعض ما قال جده، قال فيه ابن عاصم المديني، واسمه محمد بن حمزة الأسلمي:\rله حق، وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل\rوقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لأهلها وهو الرسول\rوجميع الشعراء يرون قصر الهجاء أجود، وترك الفحش فيه أصوب، إلا جريراً فإنه قال لبنيه: إذا مدحتم فلا تطيلوا الممادحة، وإذا هجوتم فخالفوا، وقال أيضاً: إذا هجوت فأضحك. وسلك طريقته في الهجاء سواء علي بن العباس بن الرومي، فإنه كان يطيل ويفحش، وأنا أرى أن التعريض أهجى من التصريح؛ لاتساع الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته، فإذا كان الهجاء تصريحاً أحاطت به النفس علماً، وقبلته يقيناً في أول وهلة، فكان كل يوم في نقصان لنسيان أو ملل يعرض، هذا هو المذهب الصحيح، على أن يكون المهجو ذا قدر في نفسه وحسبه؛ فأما إن كان لا يوقظه التلويح، ولا يؤلمه إلا التصريح؛ فذلك، ولهذه العلة اختلف هجاء أبي نواس، وكذلك هجاء أبي الطيب فيه اختلاف؛ لاختلاف مراتب المهجوين.\rفمن التفضيل في الهجاء قول ربيعة بن عبد الرحمن الرقي:\rلشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم\rفهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم\rفلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم\rومن الاستحقار والاستخفاف قول زياد الأعجم:","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"فقم صاغراً يا شيخ جرم فإنما ... يقال لشيخ الصدق: قم غير صاغر\rفمن أنتم؟ إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر؟!!\rأأنتم أولى جئتم مع النمل والدبا ... فطار، وهذا شيخكم غير طائر\rقضى الله خلق الناس ثم خلقتم ... بقية خلق الله آخر آخر\rفلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر\rوأخذ الطرماح منه هذا المعنى فقال:\rوما خلقت تيم وعبد مناتها ... وضبة إلا بعد خلق القبائل\rومن الاحتقار أيضاً قول جرير في التيم:\rويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود\rفإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيماً قلت: أيهم العبيد؟\rومن مليح التهكم والاستخفاف قول أبي هفان:\rسليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه وقف عليه الهزائم\rألا عوذوه من توالي فتوحه ... عساه ترد العين عنه التمائم\rوفيه يقول ابن الرومي:\rقرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيتلفه\rكم يعد القرن باللقاء؟ وكم ... يكذب في وعده ويخلفه؟\rلا يعرف القرن وجهه، ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه\rأخذ معنى البيت الأخير من قول الخارجي وقد قال له المنصور: أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم، ولكن أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا لأعرف.\rوأجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان الفضائل النفسية وما تركب من بعضها مع بعض، فأما ما كان في الخلقة الجسمية من المعايب فالهجاء به دون ما تقدم، وقدامة لا يراه هجواً البتة، وكذلك ما جاء من قبل الآباء والأمهات من النقص والفساد لا يراه عيباً، ولا يعد الهجو به صواباً، والناس إلا من لا يعد قلة على خلاف رأيه، وكذلك يوجد في الطباع وقد جاء ما أكد ذلك من أحكام الشريعة.\rوقد جمع السيد أبو الحسن أنواع الفضائل وسلبها بعض من رأى ذلك فيه صواباً، فقال:\rوخل لا سبيل لصرم حبله ... تعرض لي بحتف فرط جهله\rردي الظن لا يأوي لخلق ... ولا يؤوى إليه لسوء فعله\rيصدق هاجساً يغري، ويغرى ... بتكذيب العيان لضعف عقله\rويشنأ كل ذي دين وعلمٍ ... وأصل ثابت لفساد أصله\rوكان السيد أبو الحسن في هذا الباب الذي سلكه من الهجاء كما قال ولي إحسانه:\rإذا لم تجد بداً من القول فانتصف ... بحد لسان كالحسام المهند\rفقد يدفع الإنسان عن نفسه الأذى ... بمقوله، إن لم يدافعه باليد\rويقال: إن أهجى بيت قاله شاعر قول الأخطل في بني يربوع رهط جرير:\rقوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار\rلأنه قد جمع فيه ضروباً من الهجاء: فنسبهم إلى البخل بوقود النار لئلا يهتدي بها الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، ورماهم بالبخل بالحطب، وأخبر عن قلتها وأن بولة تطفئها، وجعلها بولة عجوز، وهي أقل من بولة الشابة، ووصفهم بامتهان أمهم وابتذالها في مثل هذه الحال، يدل بذلك على العقوق والاستخفاف، وعلى أن لا خادم لهم، وأخبر في أضعاف ذلك ببخلهم بالماء، وقال محمد بن الحسين بن عبد الله الأنصاري: إنه رماهم في هذا البيت بالمجوسية؛ لأن المجوس لا ترى إطفاء النار بالماء، ولا أدري أنا كيف هذا والبول ماء غير أنه ماء نجس قذر؟ وقيل لبني كليب: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:\rألست كليبياً إذا سيم خطة ... أقر كإقرار الحليلة للبعل\rوكل كليبي صحيفة وجهه ... أذل لأقدم الرجال من النعل\rوكان النابغة الجعدي يقول: إني وأوساً لنبتدر باباً من الهجاء، فمن سبق منا إليه غلب صاحبه، فلما قال أوس بن مغراء:\rلعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها\rقال النابغة: هذا والله البيت الذي كنا نبتدره. والذي أراه أنا على كل حال أن أشد الهجاء ما أصاب الغرض، ووقع على النكتة، وهو الذي قال خلف الأحمر بعينه.\rباب الاعتذار","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وينبغي للشاعر أن لا يقول شيئاً يحتاج أن يعتذر منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهباً لطيفاً، وليقصد مقصداً عجيباً، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجاً في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يجنه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع الإخوان فتلك طريقة أخرى.\rوقد أحسن محمد بن علي الأصبهاني حيث يقول:\rالعذر يلحقه التحريف والكذب ... وليس في غير ما يرضيك لي أرب\rوقد أسأت فبالنعمى التي سلفت ... إلا مننت بعفو ما له سبب\rوقال إبراهيم بن المهدي للمأمون في أبيات يعتذر إليه:\rالله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من مقر خاضع\rما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع\rوقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية، فقال:\rلم أجن ذنباً فإن زعمت بأن ... جنيت ذنباً فغير معتمد\rقد تطرف الكف عين صاحبها ... ولا يرى قطعها من الرشد\rونحوت أنا هذا النحو فقلت:\rلا يبعد الله أبا جعفر ... دعابة بت على نارها\rوإن تأذيت فيا ربما ... تأذت العين بأشفارها\rوأجل ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: يا دار مية بالعلياء فالسند يقول فيها:\rفلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد\rوالمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند\rما قلت من سيء مما أتيت به ... إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي\rإذاً فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد\rإلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعاً على الكبد\rنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد\rوالثانية: أرسماً جديداً من سعاد تجنب يقول فيها معتذراً من مدح آل جفنة ومحتجاً بإحسانهم إليه:\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rلئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب\rولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومهرب\rملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب\rكفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكرهم لك أذنبوا\rفلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب\rوذلك أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب\rفإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب\rوالثالثة: عفا ذو حسي من فرتنا فالفوارع يقول فيها بعد قسم قدمه على عاداته:\rلكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع\rفإن كنت لا ذو الضغنين عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع\rولا أنا مأمون بقول أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع\rوقد تعلق بهذا المعنى جماعة من الشعراء: قال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدي:\rإني أعوذ بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك بما نأتي ونجتنب\rوأنت كالدهر مبثوثاً حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب\rولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب\rفليس إلا انتظاري منك عارفة ... فيها من الخوف منجاة ومنقلب\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:\rوإني وإن حدثت نفسي بأنني ... أفوتك إن الرأي مني لعازب\rلأنك لي مثل المكان المحيط بي ... من الأرض أني استنهضتني المذاهب","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"وإلى هذه الناحية أشار أبو الطيب بقوله:\rولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب\rإلا أنه حرف الكلم عن مواضعه.\rواختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة:\rوما لامرئ حاولته عنك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع\rبلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع\rلأنه قد أجاد مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، وأظنه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار وفي هذه الاعتراض كلام يأتي في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.\rوأفضل من هذا كله قول الله تعالى: \" يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان \" .\rووجد الفضل بن يحيى على أبي الهول الحميري فدخل إليه فأنشده:\rكساني وعبد الفضل ثوباً من البلى ... وإيعاده الموت الذي ما له رد\rوما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى على مثله الحقد\rفجد بالرضا لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد\rفقال له الفضل على مذهب الكتاب في تحرير الخطاب: لا أحتمل والله قولك: \" ورأيك فيما كنت دعوتني \" فقال أبو الهول: لا تنظر أعزك الله إلى قصر باعي، وقلة تمييزي، وافعل بي ما أنت أهله، فأمر له بمال جسيم، ورضي عنه، وقربه.\rوفي اشتقاق الأعذار ثلاثة أقوال: أحدهما أن يكون من المحو، كأنك محوت آثار الموجدة، ومن قولهم: اعتذرت المنازل، إذا درست، وأنشدوا قول ابن أحمر:\rأم كنت تعرف آيات فقد جعلت ... أطلال إلفك بالودكاء تعتذر\rوالثاني: أن يكون من الانقطاع، كأنك قطعت الرجل عما أمسك في قلبه من الموجدة، ويقولون: \" اعتذرت المياه \" إذا انقطعت. وأنشدوا للبيد:\rشهور الصيف واعتذرت إليه ... نطاق الشيطين من السماء\rوالقول الثالث: أن يكون من الحجر والمنع... قال أبو جعفر: يقال \" عذرت الدابة \" أي جعلت لها عذراً يحجزها من الشراد، فمعنى اعتذر الرجل احتجز، وعذرته: جعلت له بقبول ذلك حاجزاً بينه وبين العقوبة والعتب عليه، ومنه تعذر الأمر احتجز أن يقضى، ومنه جارية عذراء.\rباب سيرورة الشعر والحظوة في المدح\rكان الأعشى أسير الناس شعراً، وأعظمهم فيه حظاً، حتى كاد ينسى الناس أصحابه المذكورين معه؛ ومثله زهير، والنابغة، وامرؤ القيس؛ وكان جرير نابغة الشعر مظفراً، قال الأخطل للفرزدق: أنا والله أشعر من جرير، غير أنه رزق من سيرورة الشعر ما لم أرزقه، وقد قلت بيتاً لا أحسب أن أحداً قال أهجى منه، وهو:\rقوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار\rوقال هو:\rوالتغلبي إذا ننحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا\rفلم يبق سقاء ولا أمة حتى روته. قال الأصمعي: فحكما له بسيرورة الشعر قال الحسين بن الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولي:\rوشاطري اللسان مختلق الت ... كريه شاب المجون بالنسك\rإلى أن بلغت إلى قولي:\rكأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك\rفنفر نفرة منكرة، فقلت: مالك فقد أفزعتني؟!! فقال: هذا معنى مليح وأنا أحق به، وسترى لمن يروى، ثم أنشدني بعد أيام:\rإذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا\rفقلت: هذه مصالته يا أبا علي، فقال: أتظن أنه يروى لك معنى مليح وأنا في الحياة؟!! وأنت ترى سيرورة بيت أبي نواس كيف نسي معها بيت الخليع، على أن له فضل السبق، وفيه زيادة ذكر القمر، وقد أربى ابن الرومي عليهما جميعاً بقوله:\rأبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس\rوكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس\rولكن بيت أبي نواس أملأ للفم والسمع، وأعظم هيبة في النفس والصدر ولذلك كان أسير.\rوفي زماننا هذا قوم يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"وليس في العرب قبيلة إلا وقد نيل منها، وهجيت، وعيرت؛ فحط الشعر بعضاً منهم بموافقة الحقيقة، ومضى صفحاً عن الآخرين لما لم يوافق الحقيقة، ولا صادف موضع الرمية.\rفمن الذي لم يحك فيهم هجاء إلا قليلاً على كثرة ما قيل فيهم: تميم بن مرة، وبكر بن وائل، وأسد بن خزيمة، ونظراؤهم من قبائل اليمن.\rومن الذين شقوا بالهجاء، ومزقوا كل ممزق على تقدمهم في الشجاعة والفضل أحياء من قيس: نحو غنى وباهلة ابني أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، واسم غنى عمرة، وكانوا موالي عامر ابن صعصعة: يحملون عنهم الديات والنوائب، ونحو محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان، وجسر بن محارب حالفوا بني عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة على لوم الحلف، ومن ولد طابخة بن إلياس بن مضر: تيم وعكل ابنا عبد مناة بن أد، صادف الشعر سباء كان وقع عليهم في الجاهلية، فاستهانت العرب بهم، وانطبع الهجاء فيهم، وعدى بن عبد مناة، كانوا قطيناً لحاجب بن زرارة، وأراد أن يستملكهم ملك رق بسجل من قبل المنذر، والحبطات، وهم ولد الحارث بن عمرو بن تيم، وسمى الحارث الحبط لعظم بطنه، شبهوه بالجمل الحبط، وهو الذي انتفخ بطنه مما رعى الخلا؛ فأما سلول فقد قال فيهم أبو زياد الكلابي: كرام من كرام من صعصعة، لم يحالفوا، ولم يدخلوا في صغار، وإنما كلمة عامر بن الطفيل التي حدثت هي التي شأمتهم يريد قوله: \" أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية \" قلت: أما عامر فقد قال هذه الكلمة حين دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فما يصنع بقول السموأل ابن عادياء:\rونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول\rوالسموأل في زمان امرئ القيس، وبين امرئ القيس ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وأربع وخمسون سنة.\rقال الجاحظ: لم تمدح قبيلة قط في الجاهلية من قريش كما مدحت مخزوم قال: وكان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم، قال: ولم يكن من أصحابنا وخلفائنا أحظى في الشعر من الرشيد، وقد كان يزيد بن مزيد وعمه معن بن زائدة ممن أحظاه الشعر، ولا أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله تعالى أعظم من أن يكون الرجل ممدوحاً.\rقلت أنا: أما هذه النعمة فقد أحلها الله مضاعفة عند السيد أبي الحسن، وقرنها منه بالاستحقاق، فقرت مقرها، ونزلت منزلها المختار لها، وأحيا الله لبني شيبان حمداً لم يشبه ذم، وجوداً لم يعقبه فدم، مما زاد على يزيد، ولم يدع لمعن معنى في الجود.\rوقال غيره: كان عمر بن العلاء ممدحاً، وفيه يقول بشار بن برد:\rقل للخليفة إن جئته ... نصيحاً ولا خير في المتهم\rإذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمراً ثم نم\rفتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم\rدعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم\rولولا الذي زعموا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم\rوله يقول أبو العتاهية:\rإن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا\rوقد مرت هذه الأبيات فيما مضى من هذا الكتاب.\rقال أبو عبيدة: لم يمدح أحد قط بني كليب غير الحطيئة بقوله:\rلعمرك ما المجاور في كليب ... بمقصي الجوار ولا مضاع\rهم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع\rويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع\rوكانت قيس تفتخر على تميم؛ لأن شعراءهم تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها فأقامت تميم دهراً لا ترفع رءوسها حتى قال لبيد:\rأبني كليب كيف تنفي جعفر ... وبنو ضبينة حاضرو الأجباب\rقتلوا ابن عروة ثم لطوا دونه ... حتى يحاكمهم إلى جواب\rيرعون منخرق اللديد كأنهم ... في العز أسرة حاجب وشهاب\rمتظاهري حلق الحديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب\rقوم لهم عرفت معد فضلها ... والفضل يعرفه ذوو الألباب\rوقال زبان بن منصور الفزاري:\rفجاءوا بجمع محزئل كأنهم ... بنو دارم إذ كان في الناس دارم","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"فتكلمت تميم وافتخرت؛ لمكان هذين الشاعرين العظيمي القدر في قيس، فدل هذا على أن قيساً أحظى بالمدح من تميم.\rوالأوابد من الشعر الأبيات السائرة كالأمثال، وأكثر ما تستعمل الأوابد في الهجاء، يقال: رماها بآبدة، فتكون الآبدة هنا الداهية، قال الجاحظ: الأوابد الدواهي، ومنه أوابد الشعر، حكاه عن أبي زيد، وحكى: الأوابد الإبل التي تتوحش فلا يقدر عليها إلا بالعفر، والأوابد الطير التي تقيم صيفاً وشتاء، والأوابد الوحش؛ فإذا حملت أبيات الشعر على ما قال الجاحظ كانت المعاني السائرة كالإبل الشاردة المتوحشة، وإن شئت المقيمة على من قيلت فيه لا تفارقه كإقامة الطير التي ليست بقواطع، وإن شئت قلت: إنها في بعدها من الشعراء وامتناعها عليهم كالوحش في نفارها من الناس.\rوأما المجدودون في التكسب بالشعر والحظوة عند الملوك فمنهم: سلم الخاسر مات عن مائة ألف دينار، ولم يترك وارثاً، وأبو العتاهية صنع:\rتعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال\rوكان صديقه جداً، فقال سلم: ويلي من ابن الفاعلة، جمع القناطير من الذهب ونسبني إلى ما ترون من الحرص، ولم يرد ذلك أبو العتاهية، لكن دعاه يعجبه كما يفعل الصديق مع صديقه، ومروان بن أبي حفصة: أعطى مائة ألف دينار غير مرات، وكان لا يقابل إلا بالكثير، وهو لعمري من ذوي البيوتات، والمعوقين في التكسب بالشعر، وكان أبو نواس محظوظاً لا يدري ما وصل إليه، لكنه كان متلافاً سمحاً، وكان يتساجل في الإنفاق هو وعباس بن الأحنف وصريع الغواني، وكان البحتري ملياً قد فاض كسبه من الشعر، وكان يركب في موكب من عبيده، وأبو تمام فما وفى حقه مع كثرة ما صار إليه من الأموال؛ لأنه تبذل، وجاب الأرض، وكذلك أبو الطيب.\rباب ما أشكل من المدح والهجاء\rأنشدنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، لرجل من بني عبد شمس بن سعد بن تميم:\rتضيفني وهنا، فقلت: أسابقي ... إلى الزاد؟ شلت من يدي الأصابع\rولم تلق للسعدي ضيفاً بقفرة ... من الأرض إلا وهو عريان جائع\rلم يرد أنه يسبق ضيفه إلى الزاد فيكون قد هجا نفسه، ولكنه وصف ذئباً لقيه ليلاً، فقال: أتسبقني أنت إلى الأكل؟ أي: تأكلني، شلت إذاً أصابعي إن لم أرمك فأقتلك فآكل من لحمك!! ثم قال على جهة المثل: لم تلق للسعدي يعني نفسه ضيفاً بقفزة لا مستعتب فيها يعني الذئب إلا وهو جائع، يقول: فهو لا يبقي علي لأني بغيته.\rومن أناشيدهم:\rأبوك الذي نبئت يحبس خيله ... غداة الندى حتى يجف لها البقل\rقالوا: إذا أخذ مطر الصيف الأرض أنبتت بقلاً في أصول بقل قد يبس فذلك الأخضر هو النشر، وهو الغمير، فتأكله الإبل، فيأخذها السهام، ولا سهام في الخيل؛ فعابه بالجهل بالخيل.\rوقال الأصمعي: هذا القول خطأ، بل مدحه بمعرفة الخيل؛ لأن النشر مؤذٍ لكل من يأكله وإن لم يكن ثم سهام.\rوقال سليمان بن قنة في رثاء الحسين بن علي رضي الله عنهما، وذكر آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروي للفرزدق:\rأولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت\rأراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن علي إلا بعد أن جنيت علي؛ وقال آخرون: أراد لم يسلوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى، كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك، والقولان جميعاً صحيحان؛ لأنه من الأضداد.\rوينشدون قول الآخر:\rهجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح\rويروى:\rدفعت إليه وهو يخنق كلبه ... ألا كل كلب لا أبا لك نابح\rقالوا: فالمدح أن يكون إنما يكعمه لئلا يعقر الضيوف، والذم أن يكون ذلك لئلا ينبح فيدل عليه الضيف، وأنا أعرف هذا البيت في هجاء محض للراعي هجا به الحطيئة، وهو:\rألا قبح الله الحطيئة؛ إنه ... على كل من وافى من الناس سالح\rويروى: على كل ضيف ضافه فهو سالح\rهجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح\rبكيت على مذق خبيث قريته ... ألا كل عبسي على الزاد نائح","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"وأنشدنا أبو عبد الله:\rتجنبك الجيوش أبا خبيب ... وجاد على منازلك السحاب\rويروى: أبا ربيب قال: إن دعا له فإنما أراد أن يعافي من الجيوش، وأن يجوده السحاب فتخصب أرضه، وإن دعا عليه قال: لا بقي لك خير تطمع فيه الجيوش، فهي تتجنب ديارك لعلمهم بقلة الخير عندك، ويدعو على محلته بأن تدرسها الأمطار.\rوقال غيره: معناه جاد على محلتك السحاب فأخصبت ولا ماشية لك، فذلك أشد لهمك وغمك، ويكون المعنى حينئذ كقول الآخر:\rوخيفاء ألقى الغيث فيها ذراعه ... فسرت وساءت كل ماش ومصرم\rأي: فسرت كل ماشية، وساءت كل فقير.\rوأنشد أبو عبد الله أيضاً:\rإني على كل إيسار ومعسرة ... أدعو حبيشاً كما تدعى ابنة الجبل\rوروى المبرد: أدعو حنيفاً يريد أنه يجيب بسرعة كالصدى، وهو ابنة الجبل، وقيل: ابنة الجبل الصخرة المنحدرة من أعلاه، وزاد أبو زيد في روايته بيتاً، وهو:\rإن تدعه موهناً يعجل بجابته ... عاري الأشاجع يسعى غير مشتمل\rفهذا مدح لا محالة، ومنهم من حمله على قول الآخر:\rكأني إذ دعوت بني حنيف ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا\rورواه قوم: بني سليم فمن مدح جعله كالأول في سرعة الإجابة، ومن ذم نسبهم إلى الثقل عن إجابته مثل الجبال.\rومن الدعاء الذي يدخل في هذا الباب قول الآخر:\rتفرقت غنمي يوماً فقلت لها: ... يا رب سلط عليها الذئب والضبعا\rقيل: إنهما إذا اجتمعا لم يؤذيا، وشغل كل واحد منهما الآخر، وإذا تفرقا آذيا، وقيل: إن معناه في الدعاء عليها قتل الذئب الأحياء عيثاً، وأكل الضبع الأموات، فلم يبق منها بقية.\rومن لطيف ما وقع في هذا الباب قول النابغة الذبياني:\rيصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان\rلم يرد أنه يغلب الثنيان ولا يغلب الفحل، لكن أراد التصغير بالذي هجاه، فجعله ثانياً، وقال الآخر:\rومن يفخر بمثل أبي وجدي ... يجئ قبل السوابق وهو ثاني\rأراد وهو ثان من عنانه؛ لأنه يسبق متمهلاً.\rوقال ابن مقبل:\rإن الرفاق أناخوا حول منزله ... حلوا بذي فجرات زنده واري\rقال ابن السكيت \" بذي فجرات \" أي: يتفجر بالسخاء والعطاء، ويدل على ما قال ابن السكيت أن لصيق هذا البيت:\rجم المخارج، أخلاق الكريم له، ... صلت الجبين، كريم الخال مغوار\rومما يمدح به ويذم قولهم \" هو بيضة البلد \" فمن مدح أراد بها أصل الطائر، ومن ذم أراد أنها لا أصل لها، قالت أخت عمرو بن عبدود في علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قتل أخاها:\rلو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لقد بكيت عليه آخر الأبد\rلكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديماً بيضة البلد\rفهذا مدح كما تراه.\rوقال الراعي النميري يهجو عدي بن الرقاع العاملي:\rلو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرقاع، ولكن لست من أحد\rتأبى قضاعة ن ترضى لكم نسباً ... وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد\rوأنشد بعض العلماء:\rوإني لظلام لأشعث بائس ... عرانا، ومقرور بري ماله الدهر\rوجار قريب الدار، أو ذي جناية ... غريب بعيد الدار ليس له وفر\rيظنه السامع هجا نفسه بظلم هؤلاء الذين ذكر، إنما مدحها بأنه يظلم الناقة فينحر فصيلها من غير علة ولا داء، إلا لضيافة هذا الأشعث، والجار وأشباههما.\r84 - باب في أصول النسب وبيوتات العرب","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"أول النسب بعد آدم صلى الله عليه وسلم من نوح عليه السلام؛ لأن جميع من كان قبله قد هلك، وإنما بقي من ولده سام، وحام، ويافث، فولد يافث الصقالبة وبرجان والأشبال، وكانت منازلهم أرض الروم، من قبل أن تكون الروم، ومن ولده الترك، والخزر، ويأجوج ومأجوج؛ وولد حام كوش وكنعان وقوط؛ فأما قوط فنزل أرض الهند والسند فأهلها من ولده، وأما كوش وكنعان فأجناس السودان، والنوبة، والزنج، والزعارة، والحبشة، والقبط، وبربر من أولادهما؛ وولد سام إرم، وإر فخشذ، فعاد بن عوص بن إرم، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم، ومنهم العماليق، ومنهم فراعنة مصر، والجبابرة، ومنهم ملوك فارس، وأجناس الفرس كلها ولده، وثمود بن عابر بن سام، وماش بن إرم نزل ببابل، ومن ولده نمرود الذي فرق الله الألسنة في زماته، وهو الذي بنى الصرح ببابل، ويقال: إن النبط من ولد ماش؛ ويقال أيضاً: إنهم من ولد شاروخ بن فالغ بن إرفخشذ، والأنبياء كلها عربيها وعجميها، والعرب كلها يمنيها ونزاريها من ولد سام بن نوح، حكى جميع ذلك ابن قتيبة، ومن ولد إرفخشذ قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ، وكان مسكن قحطان اليمن، فكل يمان من ولده، فهم من العرب العاربة. ويقطن بن عابر، وهو أبو جرهم، وكانت مساكن جرهم اليمن، ثم نزلوا مكة فسكنوا بها، وتزوج إسماعيل صلى الله عليه وسلم امرأة منهم؛ فهم أخوال العرب المستعربة.\rقال الزبير بن بكار: العرب ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة: فمضر شعب، وربيعة شعب، ومذحج شعب، وحمير شعب، وأشباههم، وإنما سميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل لأن العمائر تقابلت عليها: أسد قبيلة، ودودان بن أسد عمارة، والشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل: كنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.\rوزعم أبو أسامة فيما رأيت بخطه، وقد عاصرته، وكان علامة باللغة أن تأليف هذه الطبقات على تأليف خلق الإنسان الأرفع فالأرفع؛ فالشعب أعظمها، مشتق من شعب الرأس، ثم القبيلة من فبلته، ثم العمارة، قال: والعمارة الصدر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال: وهي الساق، أو قال: المفصل، الشك مني أنا، قال: والحي أعظم من الجميع؛ لاشتمال هذا الاسم على جملة الإنسان.\rوأما أبو عبيدة فجعل بعد الفخذ العشيرة، قال: وهم رهط الرجل دنيا ثم الفصيلة، قال: دون ذلك بمنزلة المفصل من الجسد، وهم أهل بيت الرجل، فأما البيوتات فكل يدعي لنفسه سابقة، ويمت بفضيلة، غير أن الصحيح ما اتفق عليه العلماء، وتداوله الرواة.\rقال ابن الكلبي: كان أبي يقول: العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر والبيت والفرسان في شيبان.\rقال ابن سلام الجمحي: كان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو، وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان.\rقال أبو عبيدة: ليس في العرب أربعة إخوة أنجب ولا أعد ولا أكثر فرساناً من بني ثعلبة بن عكابة، وكان يقال له: الأغر والحصن، وبنوه شيبان، وذهل، وقيس، وتيم الله. قال: ففارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحاكمهما هرم بن قطبة، وجوادها هرم بن سنان المري، وشاعرها النابغة الذبياني، وفارس بني تميم عتيب بن الحارث بن شهاب أحد بني يربوع، وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري، وفارس دارم عمرو ابن عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن أعبد المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس بن حصن الضبي، وفارس قيس عامر بن طفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس.\rقال أبو عبيدة: بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله بن دارم، ومركزه بنو زرارة.\rوقال أبو عمرو بن العلاء:","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"بيت بني سعد اليوم إلى الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمرو الرديم، وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان بن جساس.\rقال: وليس في العرب جساس غيره.\rقال الجمحي: فارس اليمن في بني زبيد عمرو بن معدي كرب، وشاعرها امرؤ القيس، وبيتها في كندة الأشعث بن قيس، لا يختلف في هذا، وإنما اختلف في نزار.\rقال: وأما الشرف فما كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد النبي واتصل في الإسلام.\rقال أبو إياس البصري: كان بيت قيس في آل عمرو بن ظرب العدواني، ثم في غني في آل عمرو بن يربوع؛ ثم تحول إلى بني بدر، فجاء الإسلام وهو فيهم.\rوقال الأخفش علي بن سليمان: فرعا قريش هاشم وعبد شمس، وفرعا غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيار بن عمرو بن جابر، وفرعا حنظلة رياح وثعلبة ابنا يربوع، وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وبكر ابنا كلاب، وفرعا قضاعة عذرة والحارث بن سعد.\rباب مما يتعلق بالأنساب\rقال أبو عبيدة: قريش البطاح قبائل: كعب بن لؤي بن عبد مناف وبنو عبد الدار وعبد العزى ابنا قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة وبنو تيم بن مرة، وبنو جمح وسهم ابنا هصيص بن كعب، وبعض بني عامر بن لؤي.\rوقريش الظواهر: بنو محارب والحارث ابنا فهر، وبنو الدرم بن غالب ابن فهر، وعامة بني عامر ابن لؤي، وغيره.\rكان يقال: مازن غسان أرباب الملوك، وحمير أرباب العرب، وكندة كندة الملك، ومذحج مذحج الطعان، وهمدان أحلاس الخيل، والأزد أسد البأس، والذهلان: أحدهما ذهل بن شيبان بن ثعلبة ويشكر، والآخر ضبيعة وذهل بن ثعلبة، واللهزمتان: إحداهما عجل وتيم اللات، والأخرى قيس بن ثعلبة وعنزة، وكلهم من بكر بن وائل، إلا عنزة بن أسد بن ربيعة.\rالأحابيش: حلفاء قريش.\rقال ابن قتيبة: هم بنو المصطلق، والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الهون بن خزيمة: اجتمعوا بذنب حبشي وهو جبل بأسفل مكة فتحالفوا بالله إنا ليد على غيرنا ما سجى ليل وأوضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه.\rوقال حماد الراوية: إنما سموا بذلك لاجتماعهم، والتحابش: هو التجمع في كلام العرب.\rالمطيبون: عبد مناف، وزهرة، وأسد بن عبد العزى، وتيم، والحارث بن فهر، وعبد قصي.\rالأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح، وعبد الدار.\rسموا أولئك المطيبين لخلوق صنعته لهم أم حكيم فغمسوا أيديهم فيه، وسموا الآخرين أحلافاً لجزور نحروه، فدافوا دمه في جفنة فمسوه بأيديهم ولعقوا منه، وسموا \" الأحلاف \" و \" لعقة الدم \" .\rوالأراقم: جشم، ومالك، وعمر بن ثعلبة، ومعاوية، والحارث، بنو بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب بن وائل، قال أبو علي: ليس في العرب نصراني غيره.\rالبراجم: خمسة بطون من بني حنظلة: قيس، وغالب، وعمرو، وكلفة، والظليم، وهو مرة؛ تبرجموا على إخواتهم يربوع وربيعة ومالك، وكلهم أبوهم حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة.\rالثعلبات: ثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وثعلبة بن عدي بن فزارة، وأضاف إليهم قوم ثعلبة بن يربوع.\rوالرباب: هم ضبة بن أدبن طابخة، وتيم، وعدي، وعوف وهو عكل وثور، وكل هؤلاء بنو عبد مناة بن أدبن طابخة.\rالأجارب: خمس قبائل من بني سعد: وهم ربيعة، ومالك، والحارث وهو الأعرج وعبد العزى، وبنو حمار.\rوالحرام: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة.\rالضباب: هم أربعة بطون من بني كلاب: ضب، وضبيب، وحسل، وحسيل، بنو معاوية بن كلاب، كذا زعم ابن قتيبة وغيره.\rوقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: هم بنو عمرو بن معاوية بن كلاب، وإنما سموا ضباباً لأنه سمى فيهم ضباً وحسلاً وحسيلاً، فقال له الرجل وسمعه يهتف بهم: والله ما بنوك هؤلاء إلا الضباب، فسموا الضباب إلى اليوم؛ قال: ومن ولد عمرو بن معاوية بن كلاب: ضب، وحسل، وحسيل، وحصن، وحصين، وخالد، وعبد الله، وقاسط، والأعرف، وتولب، وشقيق، وخزيم، والوليد، وزهير؛ فهؤلاء أربعة عشر لم تدرج منهم قبيلة، وهم الضباب جميعاً.\rالأكابر: شيبان، وعامر، وجليحة، والحارث بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.\rبنو أم البنين: عامر، والطفيل، وربيعة، وعبيدة، ومعاوية، بنو مالك بن جعفر بن كلاب، هكذا عند أكثر الناس، قالوا:","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"وإنما اضطرت القافية لبيداً فجعلهم أربعة وهم خمسة.\rوقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: إن بني أم البنين أربعة، كما قال لبيد: ابتكرت عامراً ملاعب الأسنة، وثنت بالطفيل، ثم تزوج عليها مالك سلامة السلمية، فغارت أم البنين وأسقطت له ثلاثة ذكوراً، وجاءت السلمية بثلاثة، وهم: سلمى، وعبيدة، وعتبة، فأدار مالك الحيلة على أم البنين وأخيها زهير بن خداش بن زهير، حتى أخذ عليها حكماً بأن لا تسقط ولداً وكانت حاملاً فولدت معاوية معوذ الحكماء، ثم ثنت بربيعة أبي لبيد، وزعم بعض شيوخه الذين أخذ عنهم أنه سمي معوذ الحكماء من أجل أنه تولى حكماً عن زهير بن عمرو على أخيه، وروى أبيات معاوية التي من أجلها سمي معوذ الحكماء لزيد الخيل، غير أنه لم ينشد البيت، وزعم أنه ناقض بها طفيلاً الغنوي.\rقال: وأم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء.\rالكملة: بنو زياد العبسيون، وهم: أنس الحفاظ، ويقال له أيضاً: أنس الفوارس، وعمارة الوهاب، وربيع الكامل، وقيس الجواد، هكذا رويناه عن النحاس.\rقال المبرد وغيره: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، أمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية.\rالحمس: هم قريش، وكنانة، ومن دان بدينهم من بني عامر بن صعصعة.\rقال أبو عمرو بن العلاء: الحمس من بني عامر: كلاب، وكعب، وعامر، بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمهم مجد بنت التيم الأدرم بن غالب بن فهر بن مالك، وكانوا في الجاهلية يتحمسون في أديانهم، أي: يتشددون، لا يستظلون أيام منى، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، وقيل: سموا حمساً لشدة بأسهم، ويعدون في الحمس خزاعة.\rالعنابس: حرب، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان، وعمرو، وأبو عمرو، بنو أمية بن عبد شمس.\rوالأعياص: العاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص، وبنوه أيضاً.\rأم القبائل: هند بنت تميم بن مر، ولدت لعمرو بن قاسط تيم الله، وأوس الله، وعائذ الله؛ وولدت لوائل بن قاسط بكراً، وتغلب، وعنزاً، وقيل: هو عنز بن وائل؛ وولدت لعبد القيس بن قصي اللبوك بن عبد القيس، وبعضهم يقول: اللبوء بالهمز وبضم الباء وفيه اختلاف بين العلماء.\rالجمرات: جمرات العرب: ضبة، وعبس، والحارث بن كعب؛ سموا بذلك لأن أمهم الخشناء بنت برة فيما يقال رأت في المنام كأن ثلاث جمرات خرجت منها، قال أبو عبيدة: فطفئت من الجمرات اثنتان: الحارث بن كعب حالفت في غطفان، وضبة حالفت الرباب وسعداً، وبقيت عبس لم تطفأ؛ لأنها لم تحالف، وأما الجاحظ فجعلها عبساً وضبة ونميراً. وأشار إلى أن في تميم جماراً أيضاً، وصرح بذلك المفضل، فقال: هم بنو يربوع، وزعم الفرزدق أنهم بنو العدوية، نسبو إلى أمهم، وهم زيد، وصدى، وجشيش، بنو مالك بن حنظلة، وزعم آخرون أنهم بنو مالك بن خزيمة بن تميم بن جل بن عبد مناة بن أد، غير أنهم جعلوا مكان جشيش يربوعاً، ومن الجمرات التي لم تطفأ عند بعضهم نمير بن عامر بن صعصعة؛ لأنهم لم يحالفوا أحداً من العرب.\rقال الجاحظ: إنما قيل لكل واحد منها جمرة؛ لأنهم تجمعوا حتى قووا على عدوهم واشتدوا، قال: ويجوز أن يكون اشتقاقه من تجمير المرأة شعرها، وإذا ضفرته قيل: قد جمرته؛ وقال غيره: ومنه \" خف مجمر \" إذا كان مجتمعاً شديداً.\rطهية بنت عبشمس بن سعد ولدت لمالك بن حنظلة عوفاً، وأبا سود، وربيعة، وآخر لم يعرفه ابن الكلبي، فعرف أولادها بها.\rوالموالي ثلاثة: مولى اليمين المحالف، ومولى الدار المجاور، ومولى النسب ابن العم والقرابة. قال الشاعر:\rنبئت حياً على نعمان أفردهم ... مولى اليمين ومولى الدار والنسب\rباب ذكر الوقائع والأيام","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"قد أثبت في هذا الباب ما تأدى إلى من أيام العرب ووقائعهم، مستخرجة من النقائض وغيرها، ولم أشرط استقضاء وغيرها، ولم أشرط استقضاءها، ولا ترتيبها؛ إذ كان في أقل مما جئت به غني ومقنع، ولأن أبا عبيدة ونظراءه قد فرغوا مما ذكرت؛ فإنما هذه القطعة تذكرة للعالم، وذريعة للمتعلم، وزينة لهذا الكتاب، ووفاء لشرطه، وزيادة لحسنه؛ إذ كان الشاعر كثيراً ما يؤتى عليه في هذا الباب، وأنا أذكر ما علمته من ذلك في أقرب ما أقدر عليه من الاختصار إن شاء الله تعالى، بعد أن أقدم في صدره أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقائعه مع المشركين؛ لأنه أولى بالتقديم، وأحق بالتعظيم، ولما أرجوه من بركة اسمه، وافتتاح القصص بذكره.\rغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ودان على رأس الحول من الهجرة، ثم غزا عيرا لقريش بعد شهر وثلاثة أيام، ثم غزا في طلب كرز بن حفص حتى بلغ بدراً بعد عشرين يوماً، ووجهت القبلة إلى الكعبة، تم غزا بدراً فكان يوم بدر لستة عشرة يوماً خلت من شهر رمضان من سنة اثنتين، وكان المشركون يومئذ تسعمائة وخمسين رجلاً، والمسملون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين خمسون رجلاً، وأسر أربعة وأربعون، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً.\rيوم أحد: كان في شوال من سنة ثلاث. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة، وقريش في ثلاثة آلاف، وفي هذه الغزوة استشهد حمزة رضي الله عنه.\rيوم الخندق: كان في سنة أربع يوم بني المصطلق وبني لحيان: في شعبان سنة خمس يوم خبير: في سنة ست وكان يوم مؤتة في سنة ثمان، واستشهد فيه زيد بن حارثة أمير الجيش، وجعفر بن أبي طالب أمير الجيش أيضاً بعده، وعبد الله بن رواحة أمير الجيش بعدها، وقام بأمر الناس خالد بن الوليد، وكانوا في ثلاثة آلاف.\rوكان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان، وبعده بخمس عشرة ليلة سار إلى حنين في شوال، ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هوزان في شوال للنصف منه، فانهزم المسلمون، وكان الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، وأيمن بن عبد الله، وهو ابن أم أيمن، واستشهد ذلك اليوم، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة، وفي رواية أخرى أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وابنه، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن، وأسامة، ثم رجع الناس من وقتهم، وانهزم المشركون، وكانت الكرة عليهم لله ولرسوله.\rثم سار بعد حنين إلى \" الطائف \" فحاصرها شهراً، ولم يفتتحها، وغزا بلدة الروم في رجب من سنة تسع؛ فبلغ تبوك وبنى بها مسجداً، وهو بها اليوم وفتح الله عليه في سفره ذاك دومة الجندل على يدي خالد بن الوليد، وكل هذا مختصر من كتاب ابن قتيبة، وإياه قلدت فيما رأيت من هذه الطريقة، والله المستعان، وعليه توكلت وهذه أيام العرب: يوم \" إراب \" لبني ثعلبة بن بكر: رئيسهم الهذيل بن حسان، على بني رياح بن يربوع، وكان الهذيل سبي نساء بني رياح، والتقى بهم على إراب، وقد سبقه بنو رياح إليه ليمنعوهم الماء، حتى يرد السبي، فأقسم الهذيل: لأن رددتم إلينا ماء فارغاً لنأتيهم فيه برأس إنسان تعرفونه فاشتروا منه بعض السبي، واطلق البعض.\rيوم \" نعف فشاوة \" لبسطام بن قيس رئيس بني شيبان، على بني يربوع، قتل فيه بجيراً، وأسر أباه أبا مليل، ثم من عليه من وقته، وترك له مليلاً ولده، وكان أسيراً عنده بعد أن كساه وحمله: يوم \" نجران \" للأقرع بن حابس في قومه بني تميم، على اليمن، هزمهم وكانوا أخلاطاً، وفيهم الأشعث بن قيس، وأخوه، وفيهم ابن باكور الكلاعي الذي أعتق في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أربعة آلاف أهل بيت في الجاهلية أسروا.\rيوم \" الصمد \" هو يوم \" طلح \" ويوم \" بلقا \" ويوم \" أود \" ويوم \" ذي طلوح \" كلها يوم واحد، لبنى يربوع على بني شيبان ورئيسهم الحوفزان، ورئيس اللهازم أبجر بن بجير العجلي.\rيوم طخفة وهو أيضاً يوم \" ذات كهف \" ويوم \" خزار \" في قول بعضهم لبني يربوع والبراجم على المنذر بن ماء السماء، أسروا فيه أخاه حسان، وابنه قابوس، وجزت ناصية قابوس، وكان ذلك بسبب إزالة الردافة عن عوف بن عتاب الرياحي.","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"يوم \" المروت \" : وهو يوم \" إرم الكلبة \" نقاً قريب من النباج، لبني حنظلة وبني عمرو بن تميم، على بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان الذكر فيه لبني يربوع، وإنما أغارت قشير على بني العنبر فاستنقذ بنو يربوع أموال بني العنبر وسبيهم من بني عامر.\rيوم مليحة: لبني شيبان على بن يربوع، رئيسهم بسطام بن قيس، وقتل ذلك اليوم عصمة بن النجار، فلما رآه بسطام قال: ما قتل هذا إلا لتثكل رجلاً أمه، فقتل به يوم العظالي قاتله الهبش بن المقعاس يوم اللوي: لفزارة على هوزان، وفيه قتل عبد الله بن الصمة، وأثخن أخوه دريد يوم الصليفاء: لهوازان على فزارة وعبس وأشجع، وفيه قتل دريد بأخيه ذؤاب بن أسماء.\rيوم الهباءة: وهو يوم الجفر لعبس على ذبيان، وفيه قتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل سيدا بني فزارة، وكان يقال لحذيفة رب معد.\rيوم عراعر: لعبس على كلب وذبيان، وفيه قتل مسعود بن مصاد الكلبي، وكان شريفاً.\rيوم الفروق: بين عبس وبني سعد بن زيد مناة، قاتلوهم فمنعت عبس أنفسها وحريمها، وخابت غارة بني سعد، وقيل لقيس بن زهير ويقال عنترة : كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب، لم نكثر فنفشل ولم نقل فنذل.\rيوم شعب جبلة: قال أبو عبيدة: كانت عظام أيام العرب ثلاثة: يوم كلاب ربيعة، ويوم شعب جبلة، ويوم ذي قار، وكان يوم الشعب لبني عامر بن صعصعة وعبس حلفائهم على الحليفين أسد وذبيان، ورئيسهم حصن بن حذيفة يطلب عبساً بدم أبيه، وتطلب عبس بن بغيض بدم أبيهم، ومعهم معاوية بن الجون الكندي في جمع من كندة، وعلى بني حنظلة بن مالك والرباب رئيسهم لقيط بن زرارة يطلب بدم معبد أخيه، ويثربي بن عدس ومعهم حسان بن الجون أخو معاوية وقيل: بل عمرو بن الجون وحسان بن مرة الكلبي أخو النعمان ابن المنذر لأمه.\rوقال غير أبي عبيدة: كان مع أسد وذبيان معاوية بن شرحبيل بن الحارث بن عمرو بن آكل المرار، ومع بني حنظلة والرباب حسان بن عمرو بن الجون في جموع من كندة وغيرهم، فأقبلوا إليهم بوضائع كانت تكون مع الملوك بالحيرة وغيرها، وهم الرابطة، وجاءت بنو تميم فيهم لقيط وحاجب وعمرو بن عمرو، ولم يتخلف منهم إلا بنو سعد؛ لزعمهم أن صعصعة هو ابن سعد، ولم يتخلف من بني عامر إلا هلال بن عامر بن ربيعة بن عامر، وشهدت غني وباهلة وناس من بني سعد بن بكر وقبائل بجيلة إلا قشيراً، وشهدت بنو عبس بن رفاعة ابن بهثة بن سليم مرداس بن أبي عامر أبو العباس بن مرداس صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معهم نفر من عكل، فانتهى جميع أهل الشعب يومئذ ثلاثين ألفاً.\rوجاء الآخرون عدد لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولم يجتمع قط في الجاهلية جمع مثله، فانهزمت تميم وذبيان وأسد وكندة ومن لف لفهم، وقتل لقيط بن زرارة، طعنه شريح بن الأحوص، فحمل مرتثا فمات بعد يوم أو يومين، وأسر حسان بن الجون أسره طفيل بن مالك، وأسر معاوية بن الحارث بن الجون، أسره عوف بن الأحوص، وجر ناصيته وأطلقه على الثواب، ولقيه قيس بن زهير فقتله، وأسر حاجب بن زرارة، أسره ذو الرقيبة مالك بن سلمة بن قشير، وأسر عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق، فجز ناصيته وأطلقه على الثواب، وكان يوم جبلة قبل الإسلام بسبع وخمسين سنة، وقبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبع عشرة سنة، وفي يوم الشعب ولد عامر ابن الطفيل، هكذا روى محمد بن حبيب عن أبي عبيدة، وروى عنه غيره خلاف ذلك.\rيوم أقرن: لبني عبس على بن تميم، وبخاصة بني مالك بن مالك بن حنظلة، وفي هذا اليوم قتل عمرو بن عمرو بن عدس، وابنه شريح، وأخوه ربعي، وكان عمرو بن عمرو خرج مراغماً للنعمان بن المنذر، فسبي سبياً من عبس، وغنم مالاً، وابتنى بجارية من السبي، فأدركته عبس فكان من أمره ما كان.\rيوم زبالة: لبني بكر بن وائل، وبخاصة بني شيبان وبني تميم الله، رئيسهم بسطام، علي بني تميم ورئيسهم الأقرع بن حابس، أسر فيه الأقرع وأخوه فراس، واستنقذهما بسطام بعد أن حكم عليه عمران بن مرة بمائة ناقة.\rيوم جدود: لبني سعد بن زيد مناة علي بن شيبان، وكانت بنو شيبان أغارت مع الحوفزان على سعد، فأدركهم قيس بن عاصم المنقري فقتلهم واستنقذ ما كان في أيديهم، وفاته الحوفزان لصلابة فرسه، فلما يئس من أسره حفزه بالرمح في خزانة وركه فانتقضت عليه بعد حول فمات منها","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"وسالمت في هذا اليوم بنو يربوع الجيش على تمر أخذوه منهم وفضل ثياب، فعيرتهم بذلك منقر.\rيوم الكلاب الأول لسلمة بن الحارث بن عمرو المقصور، ومعه بنو تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة والصنائع، على أخيه شرحبيل ابن الحارث بن عمرو ومعه بكر بن وائل بن حنظلة بن مالك وبنو أسد وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، ولم يكونوا ذلك الوقت يدعون رباباً، وإنما ترببوا بعد ذلك، حكاه أبو عبيد، فقتل شرحبيل: قتله أبو حنش عاصم بن النعمان الجشمي، ويقال: بل قتله ذو الثنية حبيب بن عتبة الجشمي، وكانت له سن زائدة، وهو أخو أبي حنش لأمه، وهي سلمى بنت عدي بن ربيعة أخي مهلهل، هكذا أثبتوا في هذا الموضع أن عديا أخو مهلهل، ويسمى الكلاب الأول أيضاً.\rيوم الشعيبة وهو يوم الكلاب الثاني لبني تميم وبني سعد والرباب رئيسهم قيس بن عاصم، على قبائل مذحج في نحو اثني عشر ألفاً رئيسهم زيد بن المأمور؛ وهو مذحج وهمدان وكندة، وفي هذا اليوم أسر عبد يغوث بن وقاص الحارثي وهتم فم سمي بن سنان، بعد أن أسر رئيس كندة: هتمه قيس بن عاصم بقوسه، وانتزع عبد يغوث من يدي الأهتم بعد أن شرط المأسور لموصله إليه مائة ناقة من الإبل، انتزعه التيم فقتلوه برئيسهم النعمان بن جساس، وكان قد قتل ذلك اليوم، وسمي الكلاب الثاني أيضاً.\rيوم حر الدوابر قال أبو عبيدة: لم يشهد من تيم إلا الرباب وسعد خاصة، وكان الغناء من الرباب لتيم، ومن سعد لمقاعس يوم ذي بيض أغار الحوفزان على بني يربوع فسبى نسوة منهم، فأصرختهم بنو مالك بن حنظلة، واستنقذوا النسوة، وأسروا الحوافزان: أسره حنظلة بن بشر بن عمرو، وزعم قوم أن هذا اليوم يوم الصمد.\rيوم عاقل: لبنى حنظلة على هوازن، وفيه أصر الصمة بن الحارث ابن جشم، وهزم جيشه، وكان الذي أسره الجعد بن الشماخ أحد بني عدي بن مالك بن حنظلة، ثم أطلقه بعد سنة، وجز ناصيته على أن يثيبه، فأتاه على الثواب فضرب الصمة عنقه، ثم غزا بني حنظلة ثانية فأسره الحارث ابن نبيه المجاشعي، وأسر رجل من بني أسد وكان نزيلاً عند ابن أخت له في بني يربوع ابناً للصمة، فافتدى الصمة نفسه، ومضى مع ابن نبيه في فداء ابنه إلى الأسدي النازل في بني يربوع، فطعنه أبو مرحب بالسيف فقتله؛ لشيء كان بينهما عند حرب بن أمية، فبنو مجاشع تعير بذلك.\rيوم عينين: لبني نهشل على عبد القيس، منعوا فيه بني منقر وقد خرجوا ممتارين من البحرين، فعرضت لهم عبد القيس، واستغاثوا ببني نهشل فحموهم واستنقذوهم.\rيوم قلهي: منعت بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان بني عبس الماء وغلبتهم عليه بعد إصلاح فزارة ومرة، حتى أخذوا دية عبد العزى بن حذار ومالك بن سبيع.\rيوم بزاخة: لبني ضبة على محرق الغساني وأخيه فارس مودود، أغارو على بني ضبة ببزاخة في طوائف من العرب من إياد وتغلب وغيرهما، فأدركتهم بنو ضبة، فأسر زيد الفوارس محرقاً، وأسر أخاه حنش بن الدلف ثم قتلاهما بعد أن هزم من كان معهما، وقتل معهما عدة.\rيوم إضم: لبني عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة على الحارث ابن مزيقيا الملك الغساني، وهو عمرو بن عامر، وفيهم كان ملك عسان بالشام في آل جفنة... علثة بن عمرو قتل بني عائذة قتلاً ذريعاً، وفي ذلك اليوم قتل الرديم وحمل رجل من بني عائذة بن قيس يدعى عامر. بن ضامر فقال: والله لأطعنن طعنة كمنخز الثور النعر، ثم قصد ابن مزيقيا فطعنة فقتله وانهزم أصحابه هزيمة فاحشة، وزعم قوم أن هذا اليوم هو يوم بزاخة.\rوقال آخرون: بل كانت الواقعة مع عبد الحارث من ولد مزيقيا، وزعم غيرهم أيضاً أنها مع مزيقيا نفسه لا مع ولده، والله أعلم.\rيوم نقا الحسن: الحسن شجر، سمي بذلك لحسنه، وقيل: هو جبل، وهذا اليوم لبني ثعلبة بن سعد بن ضبة على بكر بن وائل، وفيه قتل بسطام بن قيس: قتله عاصم بن خليفة أخو بني صباح، وكان رجلاً أعسر فأصاب صدغه الأيسر حتى نجم السنان من الصدغ الأيمن.\rيوم أعيار: وهو أيضاً يوم النقيعة لبني ضبة على بني عبس، وفيه قتل عمارة الوهاب: قتله شرحاف بن المثلم بابن عم له يدعى مفاضلاً كان عمارة قد قتله وانطوى خبره، ثم سمع شرحاف ذكره على شراب، وكان حينئذ غلاماً، فحين شب أخذ بثأر عمه يوم النقيعة، واستنقذت بنو ضبة إبلها من عبس، وقد كانوا أدركوهم في المراعي.","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"يوم رحرحان الأول: غزا يثربي بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بني عامر بن صعصعة، وعلى بني عامر قريط بن عبيد بن أبي بكر، وقتل يثربي.\rيوم رحرحان الثاني: لبني عامر بن صعصعة، ورئيسهم الأحوص، على بني دارم، وفي ذلك اليوم أسر معبد بن زرارة: أسره عامر بن مالك وأخوه طفيل وشاركهما في أسره رجل من غنى يقال له: أبو عميرة عصمة بن وهب وكان أخا طفيل من الرضاعة، وفي أسرهم مات معبد، شدوا عليه القد وبعثوا به إلى الطائف خوفاً من بني تميم أن يستنقذوه، كان هذا كله بسبب قتل الحارث بن ظالم المري من مرة بن سعد ذبيان خالد بن جعفر غدراً عند الأسود بن المنذر وقيل: عند النعمان والتجائه إلى زرارة بن عدس، فلما انقضت وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم، وكان بين يوم رحرحان وغزوة جبلة سنة واحدة.\rيوم ضرية: اختلفت سعد والرباب على بني حنظلة، وكان بنو عمرو ابن تميم حالفوا بكر بن وائل، فضاقت حنظلة بسعد والرباب، فساروا إلى عمرو بن تميم فردوهم وحالفوهم، ثم جمعوا لسعد والرباب ورئيسهم يومئذ ناجية بن عقال، ورئيس سعد والرباب قيس بن عاصم، فقال ابن خفاف لسعد والرباب: من لعيال عمرو وحنظلة إن قتلتم مقاتلتهم؟ قالوا: نحن، قال: فمن لعيالكم إن قتلوا مقاتلتكم؟ قالوا: هم، قال: فدعوهم لعيالهم وليدعوكم لعيالكم، وتكلم الأهتم بمثل ذلك ورجال من أشراف سعد، وساروا إلى عمرو وحنظلة إلى النسار من حمى ضرية، ناجية بن عقال والقعقاع بن معبد بن زرارة وسنان بن علقمة بن زرارة إلى الصلح، وأبى ذلك مالك بن نويرة يوم النسار: وذلك أن عامر بن صعصعة ومن معهم من هوازن انتجعوا بلاد سعد والرباب، وهم يمتون إليهم برحم؛ لأنهم يزعمون أن صعصعة أبا عامر هو ولد سعد بن زيد بن مناة بن تميم.\rوقال آخرون: إنما غضبوا على سعد لما أنهب المعزى بعكاظ، فلحق ببني أمه ولد معاوية بن بكر وهوازن، وكان سعد قد فارقها بعد أن ولدت له صعصعة وتزوجها معاوية بن بكر فضمن سعد والرباب الأهتم، واسمه سنان بن سمي بن سنان، وقيل: سمي بن سنان، وضمن هوازن مرة بن هبيرة، فسرقت خيل لذي الرقيبة، ثم اعترفت بعد ذلك بيسير عند الحنيف المنتجف، اعترفها بعض القشيريين، فضربه القشيري على ساعده، وضربه الحنيف فقتله، فأرادت هوازن القود من الرباب، فطلبهم بذلك ضامن سعد، فأبت الرباب إلا الدية، ففارقتهم سعد، وضافرت هوازن، فاستمدت بنو ضبة أسداً وطيئاً والتقوا بالنسار، فعبأت أسد لسعد والرباب لهوازن، فانهزمت هوازن وسعد، وكان حامي أدبار بني عامر يومئذ قدامة بن عبد الله القشيري، فرماه ربيعة بن أبي وكان أرمى الناس فقتله، فلما رأت ذلك بنو عامر منه وسائر هوازن سألوا أن يؤخذ منهم شطور أموالهم وسلاحهم، وقبل ذلك منهم، وهذا يوم المشاطرة ويوم النسار وهو من مذكورات أيام العرب في الجاهلية، وبنو ضبة تزعم أن هذا اليوم قبل يوم جبلة، وأبو عبيدة لا يشك أنه بعده.\rيوم \" الصرائم \" وهو أيضاً يوم الجرف لبني رياح بن يربوع على بني عبس، وفي هذا اليوم أسر الحكم بن مروان بن زنباع العبسي، أسره أسيد بن حياة السليطي، وأسر بنو حميري بن رياح زنباعاً وفروة ابني مروان بن زنباع، واستنقذوا جميع ما أصابته عبس لربيعة بن مالك بن حنظلة وأسرفوا ذلك اليوم في قتل بني عبس.\rيوم \" الغبيط \" : لبني يربوع علي بن شيبان، وكان الشيبانيون قد غزوهم متساندين على ثلاثة ألوية: الحوفزان بن شريك، والأسود أخوه، وبسطام بن قيس، وفي هذا اليوم أسر الأسود بن الحوفزان وزيد بن الأسود بن شريك، وحمى بسطام آخر القوم حتى حسبوه قتل وأسر، ورثاه بعضهم بمرات عدة، وزعم سعد عن أبي عبيدة أن يوم الغبيط هو يوم الأياد ويوم العظالي سمي بذلك لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومقرون بن عمرو الحوفزان بن شريك تعاظلوا على الرياسة.\rوقال مرة أخرى: لم يشهد الحوفزان يوم العظالى، وهو أيضاً يوم الإناقة ويوم أعشاش، ويوم مليحة.\rيوم ذي نجب لبني يربوع على بني عامر، وفيه قتل حسان بن معاوية بن آكل المرار الملك، قتله حشيش بن نمران من بني رياح بن يربوع، وقيل:","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"بل هو عمرو بن معاوية أعني المقتول وأما حسان فأسر، أسره دريد بن المنذر، وكانت بنو عامر أتت به تغزو بني حنظلة بن مالك بعد يوم جبلة بعام، فتنحى لهم بنو مالك بن عمرو بن عدس، وتركوا في صدورهم بني يربوع، فهزمت بنو عامر هزيمة عظيمة، وأسر يومئذ يزيد بن الصعق، وقتلت بنو نهشل خليف بن عبيد الله النميري، وأسر زيد بن ثعلبة الهصان، وهو عامر بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، وقتل خالد بن ربعي النهشلي عمرو بن الأحوص، وكان رئيس بني عامر يومئذ.\rيوم خزازي: ويقال: خزاز واختلف فيه: فقال قوم: كان رئيس نزار فيه كليب بن ربيعة. وقال آخرون: رئيسهم زرارة بن عدس، وقال آخرون: بل ربيعة بن الأحوص، وقد أنكروا عمرو بن العلاء جميع ذلك والذي ثبت عنده أنه قال: هو يوم لنزار على ملك من ملوك اليمن قديم لا يعرف من هو منهم، وأما ربيعة فيقول: لا شك أنه يوم خزار لكليب بن ربيعة على مذحج وغيرهم من اليمن، وكان بعقب يوم السلان، فجمع كليب جموع ربيعة، فاقتتلوا، فانهزمت مذحج والذين معهم من اليمن.\rيوم ملزق وهو أيضاً يوم السوبان كان لبني تميم على عبس وعامر بعد أن قاتلت تميم جميع من أتى بلادها من القبائل، وهم إياد، وبلحارث بن كعب، وكلب وطيئ، وبكر، وتغلب، وأسد، كانوا يأتونهم حياً حياً فتقتلهم تميم وتنفيهم عن البلد، وآخر من أتاهم بنو عبس وبنو عامر.\rيوم الوندة وهي بالدهناء، أغارت بنو هلال على نعم بني نهشل. فأنزلتهم بنو نهشل بالوندة وهي بالدهناء فما أفلت من بني هلال إلا رجل واحد يقال له: فراس طواف؛ وقيل أواب.\rيوم فيف الريح ورأيته بخط البصري فيفا مقصوراً في مواضع من كتاب نوادر أبي زياد الكلابي.\rوأنشد أبو زياد لعامر بن الطفيل:\rويا لفيفا من اليمن استثارت ... قبائل كان ألبهم فخاروا\rالفيفا: جبل طويل من جبال خثعم يقال له: فيفا الريح، وكان الصبر فيه والشرف لبني عامر، وقد اجتمعت كلها إلى عامر بن الطفيل على قبائل مذحج، وقد غزتهم مذحج في عدد عظيم من بني الحارث بن كلب وجعفي وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد وصدى ونهد، ورئيسهم الحصين بن يزيد الحارثي، واستغاثوا بخثعم، فجاءت شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأسرع القتل في الفريقين، فافترقوا، ولم تغنم طائفة منهم طائفة، وفي هذا اليوم أصيبت عين عامر، وزعم عبد الكريم وغيره أن يوم فيفا الريح هو يوم طلح.\rيوم ذي بهدى: لبني يربوع على تغلب، أسروا فيه الهذيل، قال جرير للأخطل يعيره بذلك:\rهل تعرفون بذي بهدى فوارسنا ... يوم الهذيل بأيدي القوم مقتسر\rيوم البشر لبني كلاب على الأراقم، ورئيس قيس يومئذ الجحاف بن حكيم الكلابي، وكان سبب ذلك تعيير الأخطل إياه.\rيوم الرغام لبني ثعلب بن يربوع، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، أغار فيه على بني كلاب فأطرد إبلهم، وقتل يومئذ أخوه حنظلة، قتله الحوثرة، وأسر الحوثرة ذلك اليوم، فدفع إلى عتيبة فقتله صبراً بأخيه، وانهزم الكلابيون بعد أن أسرع فيهم القتل والأسر.\rيوم الهراميت للضباب، وهم معاوية بن كلاب، على أخوته بني جعفر بن كلاب، وكان هذا اليوم في زمن عبد الملك بن مروان، وكذلك يوم البشر.\rيوم الوقيظ كان في فتنة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو للهازم، رئيسهم أبجر بن بجير، على بني مالك بن حنظلة، فأما بنو عمرو بن تميم فأنذرهم ناشب بن بشامة العنبري، فدخلوا الدهناء فنجوا، وفي هذا اليوم أسر ضرار بن القعقاع بن معبد، أسره الفزر الشيباني ورجل من تيم اللات، فجزت تيم اللات ناصيته، وخلته تحت الليل مضارة للفزر، ويسمى هذا اليوم يوم الحنو.","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"يوم جزع طلال لفزارة ورئيسهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، على التيم وعدي وعكل وثور أطحل بني عبد مناة، وأخذ يومئذ شريك بن مالك بن حذيفة من التيم وعكل أربعين امرأة ثم أطلقهن، وأخذ خارجة بن حصن نفراً من التيم فأطلقهم بغير فداء، ثم أغارت فزارة بعد ذلك عليهم ورئيسهم عيينة، فقتلوا التيم قتلاً ذريعاً وأخذوا منهم مائة امرأة فقسمهن عيينة في بدر، وجعلهن مع أزواجهن الأسارى ينقلن الخرى هوناً لهم، ثم أطلق الجميع بعد ذلك بغير فداء، وأغارت عليهم بعد ذلك بنو غيظ بن مرة، ورئيسهم زيد بن شيبان بن أبي حارثة، فقتلوا التيم وعدياً وسبوا سبياً كثيراً لم يردوا منه شيئاً، فنعى هذا كله عليهم جرير.\rيوم أوارة الأول: لتغلب والنمر بن قاسط مع المنذر بن ماء السماء، على بكر بن وائل مع سلمة بن الحارث، واسم سلمة معدي كرب، وهو أيضاً الغلفاء، بعد قتل أخيه شرحبيل، والذي قتل سلمة الغلفاء بن عمرو بن كلثوم، عرفه فحمل عليه حتى قنعه السيف، وكان سبب هزيمة بكر بن وائل، وحلف المنذر يومئذ ليقتلن بدر على رأس أوارة حتى يلحق الدم بالحضيض، فشفع لهم مالك بن كعب العجلي، وقال للمنذر: أنا أخرجك من يمينك، فصب الماء على الدم فلحق الأرض، وبر يمين المنذر، فكف عن القتل، وكان مالك هذا رضيع المنذر.\rيوم أوارة الأخير: كان لعمرو بن هند على بني دارم، وذلك أن ابناً له كان مسترضعاً عند زرارة بن عدس اسمه أسعد، وكان قد تبناه فعبث بناقة لأحد بني دارم يقال له سويد، فخرق ضرعها، فشد عليه فقتله، وأتى الخبر زرارة، وهو عند عمرو، وكان كالوزير له، فلحق بقومه وأدركه الموت على عقب ذلك، فغزا عمرو بني دارم، وحلف ليقتلن منهم مائة، فقتل منهم تسعة وتسعين، وأتم المائة برجل من البراجم، وفي حكاية أخرى أنه أحرقهم، وبذلك تشهد مقصورة ابن دريد وشعر الطرماح، وزعم أبو عبيدة أن من زعم أنه أحرقهم فقد أخطأ، وذكر له شعر الطرماح، فقال: لا علم له بهذا، واستشهد بقول جرير:\rأين الذين بسيف عمرو قتلوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع\rيوم زرود الأول: لشيبان مع الحوفزان، على بني عبس، وأثخن ذلك اليوم عمارة الوهاب جراحاً، غير أنه سلم فلم يمت منها.\rيوم زرود الآخر: أغار حزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع، فاستاق النعم، فأدركوه، فأسره أسيد بن حناءة السليطي وأنيف بن جبلة الضبي وكان ثقيلاً في بني يربوع، وردوا الغنيمة من أيدي التغلبيين.\rيوم تثليث غزت سليم مع العباس بن مرداس مرادا، فجمع لهم عمرو بن معدي كرب، فالتقوا بتثليث، فصبر الفريقان ولم تظفر طائفة منهم بالأخرى، وفي ذلك اليوم صنع العباس قصيدته السينية، وهي إحدى المنصفات.\rيوم ذي علق كان بين بني عامر وبين بني أسد، وفي هذا اليوم قتل ربيعة أبو لبيد.\rيوم العذيب: كان لبني سعد بن زيد مناة وعنزة، على مذحج وحمير، وكان رأس اليمن الأصهب الجعفي، بعث إليه النعمان ينكر عليه بلوغ سعد وعنزة العذيب، فحشد لهم ولقيهم، فقتلوه، قتله الأحمر بن جندل، وانهزمت اليمانية هزيمة شديدة، وأخذ منهم مال كثير وسبي.\rيوم الصفقة: وهو أيضاً يوم المشقر كان على بني تميم بسبب غير كسرى التي كان يجيزها هوذة بن علي السحيمي، فلما سارت ببلاد بني حنظلة اقتطعوها برأي صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، فكتب كسرى إلى المكعبر عامله على هجر فاغتالهم، وأراهم أنه يعرضهم للعطاء ويصطنعهم، فكان أحدهم يدخل من باب المشقر فينزع سلاحه ويخرج من الباب الآخر فيقتل، إلى أن فطنوا، وأصفق الباب على من حصل منهم؛ فلذلك سميت الصفقة، وشفع هوذة في مائة من أساراهم فتركوا له، فكساهم وأطلقهم يوم الفصح وكان نصرانياً.","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"يوم ذي قار: كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لبني بكر بن وائل وقادمة بني شيبان وبعدهم بنو عجل، على الأعاجم جنود كسرى ومن معهم من العرب رئيسهم إياس بن قبيصة الطائي، وكان مكان النعمان بن المنذر بعد قتل كسرى إياه، وتحت يديه طيئ وإياد وبهرا، وقضاعة والعباد وتغلب والنمر بن قاسط، قد رأس عليهم النعمان بن زرعة أعني النمر وتغلب وكان سبب يوم ذي قار طلب كسرى تركة النعمان بن المنذر، وكان النعمان قد تركها وترك ابناً له وبنتاً عند هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني، فمنع رسول كسرى من الوصول إلى ما طلب؛ وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان عاملاً له على الطف، بأن يعين إياساً، فأنفذ إلى قومه ليلاً، وحرضهم على القتال، وتوطأت العرب على العجم، فطارت إياد عن العجم حين تشاجرت الرماح كأنهم مهزومون، وقتل الهامرز بن خلا يزر عامل كسرى، وأسر النعمان بن زرعة التغلبي، وبسبب ما صنع قيس بن مسعود استدرجه كسرى حتى أتاه فقتله.\rيوم الفجار الأول: كان بين كنانة بن خزيمة وبين عجز هوازن، بسوق عكاظ أول يوم من ذي القعدة، وبذلك سمي فجارا؛ لأنهم فجروا في الشهر الحرام، وكان سبب ذلك أن بدر بن معسر الكناني كان يستطيل على من ورد عكاظ فيمد رجله ويقول: أنا أعز العرب؛ فمن كان أعز منها فليضربها بالسيف فضربها الأحمر بن هوازن من بني نصر بن معاوية، وكان بين القبيلتين تشاجر دون أن يقع بينهما دماء، وليس هذا الفجار عند ابن قتيبة، وقد ذكره أبو عبيدة.\rيوم الفجار الثاني: كان بسبب فتيان من غزية قريش وكنانة رأو امرأة وضيئة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ، فسألوها أن تسفر لهم، فأبت، فحل أحدهم ذيلها إلى ظهر درعها بشوكة، فلما قامت انكشفت، فقالوا: منعتنا رؤية وجهك وأريتنا دبرك!! فصاحت: يال عامر فتهايجوا وجرت بين الفريقين دماء يسيرة، حملها الحارث بن أمية، وليس هذا الفجار أيضاً عند ابن قتيبة وقد ذكره أبو عبيدة.\rيوم الفجار الثالت: كان بسبب دين كان لأحد بني نصر على أحد بني كنانة، فأتى النصرى بقرد فقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان؟ فمر أحد بني كنانة فقتل القرد، فتصايح الفريقان، ثم سكنوا، وكان هذا سبب الأمر العظيم من قتل البراض الكناني عروة الرحال بن عيينة بن جعفر بن كلاب واتبعت هوازن قريشاً، وكانوا قد أدركوهم بنخلة، حتى دخلوا الحرم، وجنهم الليل، ثم التقوا بعد حول فكانت الوقعة أيضاً عليهم، وهو يوم شمطة ثم التقوا أيضاً بعد حول، فكانت الكرة على هوازن وفي ذلك اليوم سموا بني أمية العنابس لما فعل حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان من تقييدهم أنفسهم حتى يظفروا أو يقتلوا، هذه رواية أبي عبيدة، وأما ابن قتيبة فجعل ما جرى بين النصري والكناني هو الفجار الأول، وقال في آخره: ولم يكن بينهم قتال، إنما كان ذلك القتال في الفجار الثاني، وجعل سبب الفجار الثاني أن عيينة بن حصن بن حذيفة أتى سوق عكاظ فرأى الناس يتبايعون، فقال: أرى هؤلاء مجتمعين بلا عهد ولا عقد، ولئن بقيت إلى قابل ليعلمن، فغزاهم من قابل، وأغار عليهم، قال: فهذا الفجار الثاني، والحرب فيه كناية وقيس، والدائرة على قيس عيلان.\rيوم الجفار: للأحاليف في ضبة وأخوتها الرباب وأسد وطيئ، على بني تميم، واستحر القتل يومئذ في بني عمرو بن تميم فقتلوا قتلاً ذريعاً.\rيوم الصريف: كانت هذه الوقعة في أيام الرشيد، وهي لبني ضبة على بني حنظلة، وفي ذلك يقول شاعرهم، وأظنه من ولد جرير:\rصبرت كليب للطعان ومالك ... يوم الصريف وفرت الأحمال\rوالأحمال: بطون من بني حنظلة.\rوقد أوفيت بما عقدت به في صدر هذا الكتاب من إثبات ما انتهى إلي من أيام العرب، مجتهداً في اختصارها، بريئاً مما وقع فيها من الاختلاف، وإنما عهدة ذلك على الرواة.\rوسأذكر من مفاخر بني شيبان لمعاً أختم بها هذا الكتاب كما بدأته؛ لأني لو تقصيت ذلك لأفنيت العمر دون تقضي الجزء الذي لا يتجزأ منه قلة، لكني ذهبت فيهم وفي سيدهم أبي الحسن مذهب أبي الطيب في أخوتهم بني تغلب وفي سيدهم علي بن حمدان حيث يقول:\rليت المدائح تستوفي مدائحه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول\rخذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"قال أبو عبيدة: قدم على النعمان بن المنذر وفود ربيعة ومضر بن نزار، وكان فيمن قدم عليه من وفود ربيعة بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك البكريان، وفيمن قدم عليه من وفد مضر من قيس عيلان عامر بن مالك وعامر بن الطفيل، ومن تميم قيس بن عاصم والأقرع بن حابس، فلما انتهوا إلى النعمان أكرمهم وحباهم، وكان يتخذ للوفود عند انصرافهم مجلساً: يطعمون فيه معه، ويشربون، وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل الوفد، فلما شرب النعمان قامت القينة تنظر إلى النعمان من الذي يأمرها أن تسقيه وتفضله من الوفد، فنظر في وجهها ساعة ثم أطرق ثم رفع رأسه وهو يقول:\rاسقي وفودك مما أنت ساقيتي ... فابدي بكأس ابن ذي الجدين بسطام\rأغر ينميه من شيبان ذو أنف ... حامي الذمار وعن أعراضها رامي\rقد كان قيس بن مسعود ووالده ... تبدا الملوك بهم أيام أيامي\rفارضوا بما فعل النعمان في مضر ... وفي ربيعة من تعظيم أقوام\rهم الجماجم والأذناب غيرهم ... فارضوا بذلك أو بوءوا بإرغام\rفقال عامر بن الطفيل:\rكان التبايع في دهر لهم سلف ... وابن المرار وأملاك على الشام\rحتى انتهى من لخم إلى ملك ... بادي السنان لمن لم يرمه رامي\rأنحى علينا بأظفار فطوقنا ... طوق الحمام بإتعاس وإرغام\rإن يمكن الله من دهر نساء به ... نتركك وحدك تدعو رهط بسطام\rفانظر إلى الصيد لم يحموك من مضر ... هل في ربيعة إن لم تدعنا حامي؟؟\rفأجابه بسطام بن قيس فقال:\rلعمري لئن ضجت تميم وعامر ... لقد كنت يوماً في حلوقهم شجى\rأروني كمسعود وقيس وخالد ... وعمرو وعبد الله ذي الباع والندى\rوكانوا على أفناء بكر بن وائل ... ربيعا إذا ما سال سائلهم جدى\rفسرت على آثارهم غير تارك ... وصيتهم حتى انتهيت إلىمدى\rقال: وافتخر رجلان بباب معاوية بن أبي سفيان: أحدهما من بني شيبان، والآخر من بني عامر بن صعصعة، فقال العامري: أنا أعد عليك عشرة من بني عامر، فعد علي عشرة من بني شيبان، فقال الشيباني: هات إذا شئت، فقال العامري: خذ عامر بن مالك ملاعب الأسنة، والطفيل بن مالك قائد هوازن وفارس قرزل، ومعاوية بن مالك معوذ الحكماء، وربيعة بن مالك فارس ذي علق، وعامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة، وعتبة بن سنان، ويزيد بن الصعق، وأربد بن قيس، وهو أربد الحتوف، فقال الشيباني: خذ قيس بن مسعود رهينة بكر بن وائل، وبسطام بن قيس سيد فتيان ربيعة، والحوفزان ابن شريك فارس بكر بن وائل، وهانىء بن قبيصة أمين النعمان بن المنذر، وقبيصة بن مسعود وافد المنذر، ومفروق بن عمرو حاضن الأيتام، وسنان بن مفروق ضامن الدمن، والأصم عمرو بن قيس صاحب رءوس بني تميم، وعمران بن مرة الذي أسر يزيد بن الصعق مرتين، وعمرو بن النعمان، فتلاحيا، فخرج حاجب معاوية فصادفهما على تلك الحال، فدخل على معاوية فأخبره بالقضية، فدعا بهما، فلما دخلا عليه نسبهما، فانتسبا له، فقال معاوية: عامر أفخر هوازن، وشيبان أفخر بكر بن وائل، وقد كفاكما الله المؤنة، هذان رجلان من غير قومكما عندي يحكمان بينكما: عدي بن حاتم، وشريك بن الأعور الحارثي، احكما بينهما، ثم قال معاوية للشيباني: من يعبى لعامر بن مالك؟ قال الأصم بن أبي ربيعة الذي قتل من تميم مائة رجل على دم، فقال معاوية للرجلين: ما تقولان؟ قالا: رجح الأصم على عامر بن مالك، قال معاوية: فمن يعبى لعامر بن الطفيل؟ قال الشيباني: الحوفزان بن شريك، قال الحكمان: رجح الحوفزان، قال: فمن يعبى لعلقمة بن علاثة؟ قال الشيباني: بسطام بن قيس، فقالا: رجح بسطام، قال معاوية: فمن يعبى لعتبة بن سنان؟ قال الشيباني: مفروق بن عمرو، فقالا: رجح مفروق، قال نعاوية: فمن يعبى للطفيل بن مالك؟ فقال الشيباني: عمران بن مرة، فقالا: رجح عمران بن مرة، فقال معاوية: فمن يعبى لمعاوية بن مالك؟ قال الشيباني: عوف بن النعمان، فقالا: رجح عوف بن النعمان، قال معاوية:","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"فمن يعبى لعوف بن الأحوص؟ قال الشيباني: قبيصة بن مسعود، فقالا: رجح قبيصة، قال: فمن يعبى لربيعة بن مالك؟ قال: هانئ بن قبيصة، فقالا: رجح هانئ بن قبيصة، قال معاوية: فمن يعبى ليزيد بن الصعق؟ قال: سنان بن مفروق، فقالا: رجح سنان بن مفروق، قال: فمن يعبى لأربد بن قيس؟ قال: الأسود بن شريك، فقال معاوية للشيباني: فأين نسيت قيس بن مسعود؟ قال: أصلحك الله! قيس ليس من هذه الطائفة فاتهم قيس مجداً طويلاً، فقال العامري في ذلك:\rأعد إذا عددت أبا براء ... فكان علا على الأقوام فضلا\rوكان الجعفري أبو علي ... إذا هاجت الهيجاء علا\rووالده الذي حدثت عنه ... طفيل خيرنا يفعاً وطفلا\rوكان معود الحكم المباري ... رياح الصيف أعلى القوم فعلا\rوقد أوردت زناد أبي لبيد ... ربيعة يوم ذي علق فأبلى\rوعلقمة بن أحوص كان كهفاً ... كلابياً رحيب الباع سهلا\rوعتبة والأغر يزيد، إني ... رأيتهما لكل الفخر أهلا\rوعوفاً ثم أربد ذا المعالي ... كفى بهما عليك ندى وبذلا\rأولئك من كلاب في ذراها ... وخير قرومها حسباً ونبلا\rفقال الشيباني مجيباً له:\rأعد إذا عددت أبا خفاف ... وعمران بن مرة والأصما\rوهانئاً الذي حدثت عنه ... وكان قبيصة الأنف والأشما\rومفروقاً وذا النجدات عوفاً ... وبسطاماً ووالده الخضما\rوأسود كان خير بني شريك ... ولم يك قرنه كبشاً أجما\rأولئك من عكابة خير بكر ... واكرم من يليك أباً وأماً\rوأفضل من ينص إلى المعالي ... إذا ما حصلوا خالاً وعماً\rوأكثر قومهم بالشر طوفاً ... وأبعد قومهم في الخير هما\rفقال معاوية للحكمين: ما تقولان؟ قالا: شيبان أكرم الحيين، فقال معاوية: وذلك قولي، فأكرمهما وحباهما، وفضل الشيباني على العامري.\rقال: وكان من حديث ذي الجدين أن الملك النعمان قال: لأعطين أفضل العرب مائة من الإبل، فلما أصبح الناس اجتمعوا لذلك، فلم يكن قيس بن مسعود فيهم، وأراده قومه على أن ينطلق، فقال: لئن كان يريد بها غيري لا أشهد ذلك وإن كان يريدني بها لأعطينها، فلما رأى النعمان اجتماع الناس قال لهم: ليس صاحبها شاهداً، فلما كان من الغداة قال له قومه: انطلق، فانطلق، فدفعها إليه الملك، فقال حاجب بن زرارة: أبيت اللعين، ما هو أحق بها مني، فقال قيس ابن مسعود: أنافره عن أكرمنا قعيدة، وأحسننا أدب ناقة، وأكرمنا لئيم قوم، فبعث معهما النعمان من ينظر ذلك، فلما انتهوا إلى بادية حاجب بن زرارة مروا على رجل من قومه، فقال حاجب: هذا ألأم قومي، وهو فلان بن فلان، والرجل عند حوضه ومورد إبله، فأقبلوا إليه، فقالوا: يا عبد الله؛ دعنا نستقي؛ فإنا قد هلكنا عطشاً وأهلكنا ظهورنا، فتجهم وأبى عليهم، فلما أعياهم قالوا لحاجب: أسفر، فسفر فقال: أنا حاجب بن زرارة، فدعنا فلنشرب، قال: أنت؟ فلا مرحباً بك ولا أهلا، فأتوا بيته، فقالوا لامرأته: هل من منزل يا أمة الله؟ قالت: والله ما رب المنزل شاهد، وما عندنا من منزل، وراودوها على ذلك فأبت، ثم أتوا رجلاً من بكر بن وائل على ماء يورد، قال قيس: هذا والله ألأم قومي، فلما وقفوا عليه قالوا له مثل ما قالوا للآخر فأبى عليهم، وهم أن يضربهم، فقال له قيس بن مسعود: ويلك أنا قيس بن مسعود، فقال له: مرحباً وأهلاً، أورد، ثم أتوا بيته، فوجدوا فيه امرأته وقدرها يئط، فلما رأت الركب من بعيد أنزلت القدر وبردت، فلما انتهوا إليها قالوا: هل عندك يا أمة الله من منزل؟ قالت: نعم أنزلوا في الرحب والسعة، فلما نزلوا طعموا وارتحلوا، فأخذوا ناقتيهما، فأناخوهما على قريتين للنمل؛ فأما ناقة قيس بن مسعود فتضورت وتقلبت ثم لم تنز، وأما ناقة حاجب فمكثت وثبتت، حتى إذا قالوا قد اطمأنت طفقت هاربة، فأتوا الملك فأخبروه بذلك، فقال له: قد كنت يا قيس ذا جد، فأنت اليوم ذو جدين فسمي بذلك ذا الجدين، وقيل:","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"إنما سمي بذلك لأسيرين أسرهما مرتين، وقيل: بل سبق سبقين، هكذا جاءت الرواية.\rوالذي أعرف أنا أن ذا الجدين إنما هو عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام سمي بذلك لأنه اشترى كعب بن مامة من أيدي قوم من عنزة أسروه، فكتم نفسه، وعرفه عبد الله وأظهر أنه لم يشتره عن معرفة، فوهبه كل ما لقي في طريقه من إبل أبيه بعبدانها، وكانت سوداً وحمراً وصهباً، وبلغ به إلى أبيه فأجاز له ذلك، وأعطاه قبته بما فيها، فلما أتى الحيرة قال بعض من رآه لصاحبه: إنه لذو جد، قال الآخر: بل هو ذو جدين، فسمي بذلك.\rباب في معرفة ملوك العرب\rوأنا أذكر في هذا الباب من ملوك النواحي من أخذه حفظي، وبلغته روايتي، على شريطة الاختصار والتخليص، بحسب الطاقة والاجتهاد، إن شاء الله تعالى.\rملوك اليمن: قال ابن قتيبة وغيره: أول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن و أنعم صباحاً يعرب بن قحطان، فولد له يشجب، وولد ليشجب سبأ، وقيل: إنه أول من سبى السبي من ولد قحطان، واسمه عبد الشمس، وقيل: عامر، وأول الملوك المتوجين من ولده حمير بن سبأ ملك حتى مات هرماً، ولم يزل الملك في ولد حمير لا يعدوا ملكهم اليمن، حتى مضت قرون، وصار الملك إلى الحارث الرائش، وبينه وبين حمير خمسة عشر أباً، فخرج من اليمن، وغزا وجلب الأموال، فراش الناس، وبذلك سمي الرائش، وفي عصره مات لقمان صاحب النسور، وهو لقمان الذي بعثته عاد ليستسقي لها بمكة، وكان ملك الرائش مائة وخمسة وعشرين سنة، وذكر نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنشد ابن قتيبة:\rوأحمد إسمه، يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام\rثم أبرهة ذو المنار بن الرائش، وكان ملكه مائة وثلاثاً وثمانين سنة، ثم أفريقس بن أبرهة، وهو الذي بنى أفريقية، وبه سميت وكان ملكه مائة وستين سنة؛ ثم العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذعار، سمي بذلك لقوم سباهم منكري الوجوه تزعم العرب أنهم النسناس، وكان ملكه خمساً وعشرين سنة، ثم هدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس، ملك سنة واحدة ثم بلقيس إلى أن أسلمت على يدي سليمان صلى الله عليه وسلم، ثم ناشر بن عمرو بن يعفر بن شرحبيل، وكان ملكه خمساً وثمانين سنة، ثم شمر بن أفريقس، وهو الذي أخرب مدينة سمرقند، وبه سميت سمركند، ومعنى كند أخربها، وهو الذي يسمى شمر يرعش؛ لارتعاش كان به، وكان ملكه مائة وسبعاً وثلاثين سنة، ثم ابنه الأقرن بن شمر يرعش، وكان ملكه ثلاثاً وخمسين سنة، ثم تبع الأكبر بن الأقرن، وكان ملكه مائة وثلاثاً وستين سنة، ثم ابنه كليكرب؛ ولم يغز حتى مات، وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة، ثم تبع بن كليكيرب وهو أبو كرب تبع الأوسط، كان يغزو بالنجوم ويعمل أعماله كلها بأحكامها، ويقال: إنه آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القائل فيه:\rشهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم\rفلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيراً له وابن عم\rثم حسان بن تبع الأوسط، وهو الذي غزا جديسا وقتل اليمامة التي سميت بها جو اليمامة، ثم عمرو بن تبع أخو حسان، وكان ملكه ثلاثاً وستين سنة، ثم عبد كلال بن مثوب، وكان على دين عيسى يستر إيمانه، وكان ملكه أربعاً وسبعين سنة؛ ثم تبع بن حسان وهو الأصغر، وكان الحارث بن عمرو بن حجر جد امرئ القيس ابن أخيه، وتبع هو الذي عقد الحلف بين ربيعة واليمن، وهو الذي أدخل في اليمن دين اليهود ثمانية وسبعين سنة، ثم أخوه لأمه مرثد بن عبد كلال، وقيل:","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"مزيد، وكان ملكه إحدى وأربعين سنة، ثم ابنه ربيعة بن مرثد، ملك سبعاً وثلاثين سنة، ثم أبرهة بن الصباح، ملك ثلاثاً وسبعين سنة، وكان يكرم معداً ويعلم أن الملك كائن في بني النضر بن كنانة، ثم حسان بن عمرو بن تبع بن كليكرب، ملك سبعاً وثلاثين سنة، ومدحه خالد بن جعفر بن كلاب لما شفعه في أسارى من قومه، ثم ذو الشناتر، واسمه نجيعة ينوف، ولم يكن من أهل بيت الملكة، لكنه من أبناء المقاول، قتله ذو نواس وكان غلاماً من أبناء الملوك حسن الوجه له ذؤابتان، أراده ذو الشناتر على نفسه فوجأه بخنجر كان قد أعده له فقتله، ورضيته حمير لنفسها لما أراحها من ذي الشناتر، وذو نواس صاحب الأخدود الذي ذكره الله عز وجل، وكان يهودياً، فخد الأخدود لقوم من أهل نجران تنصروا على يد قيل آل جفنة، وعلى أيام ذي نواس دخلت الحبشة اليمن، واقتحم البحر منهزماً فغرق، وكان ملكه ثمانيا وستين سنة، وقام بعده ذو جدن فهزمته الحبشة، فاقتحم البحر فهلك، وملك اليمن أبرهة الأشرم، وهو الذي زحف إلى مكة بالفيل فهلك جيشه، وابتلي بالأكلة، فحمل إلى اليمن فهلك بها، وملك بعده ابنه يكسوم فساءت سيرته باليمن، فاستجاش سيف بن ذي يزن كسرى، فجيش له جيشاً عظيماً، وقد مات يكسوم، وولي بعده مسروق أخوه، وهو أيضاً أخو سيف لأمه، فقتلته الحبشة، وسبيت نساؤهم، فقام سيف ملكاً من قبل كسرى حتى غدره خدامة من الحبشة ولم يجتمع ملك اليمن لأحد بعده، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكشفت به الظلمة، واهتدت بهديه الأمة، واستقر الملك في نصابه، بعد الخلفاء الأربعة من أصحابه، ممن وجبت طاعته، وصحت بيعته، وأنا واقف عند الشبهة، قائل في هذا بما قالت به الجماعة، فقد تنازع اسم أمير المؤمنين من لا يصلح له، ولا يسلم إليه؛ فلذلك أعرضت عن ذكر من لم أذكره، ولولا ذلك لذكرت كل واحد وزمانه، ومنتهى عمره، إلى وقتنا هذا، وما توفيقي إلا بالله.\rملوك الشام: كانت بالشام سليح وهم من غسان، ويقال: من قضاعة وأول ملوكهم النعمان بن عمرو بن مالك، ثم من بعده ابنه مالك، ثم من بعد مالك ابنه عمرو؛ إلى خروج مزيقيا وهو عمرو بن عامر من اليمن في قومه من الأزد، وسمي مزيقيا لأنه كان يمزق كل يوم حلة لا يعود إلى لباسها ثم يهبها، ويسمى عامر ماء السماء؛ لأنه كان يجيء في المحل فينوب عن الغيث بالرفد والعطاء وهو ابن حارثة الغطريف، ابن امرئ القيس البطريق، بن ثعلبة البهلول، بن مازن قاتل الجوع، بن الأزد، ومعه رجل يقال له جذع بن سنان، فنزلوا بلاد عك، فقتل جذع ملك بلاد عك، فافترقت الأزد والملك فيهم حينئذ ثعلبة بن عمرو بن عامر، فانصرف عامله فحارب جرهم فأجلاهم عن مكة، واستولوا عليها زماناً ثم أحدثوا الأحداث، وجاء قصي بن كلاب فجمع معداً وبذلك سمى مجمعاً واستعان ملك الروم فأعانه، وحارب الأزد فغلبهم، واستولى على مكة دونهم، فلما رأت الأزد ضيق العيش بمكة ارتحلت، وانخزعت خزاعة لولاية البيت وبذلك سميت فصار بعض الأزد إلى السواد فملكوا عليهم مالك بن فهم أبا جذيمة الأبرش، وصار قوم إلى يثرب، وهم الأوس والخزرج، وصار قوم إلى عمان، وصار قوم إلى الشام، وفيهم جذع بن سنان، فأتاه عامل الملك في خرج وجب عليه فدفع إليه سيفه رهناً، فقال الرومي: أدخله في كذا من أم الآخر، فغضب جذع وقنعه فقتله، فقيل: خذ من جذع ما أعطاك، وسارت مثلاً، وولوا الشأم، فكان أولهم الحارث بن عمرو محرق، سمي بذلك لأنه أول من حرق العرب في ديارها، وهو الحارث الأكبر، ويكنى أبا شمر، ثم ابنه الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأعرج، وأمه مارية ذات القرطين، وهي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الكندي، وأختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار الكندي، وإلى الحارث الأعرج زحف المنذر الأكبر فانهزم جيشه، وقتل، ثم الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر، وهو ولد الحارث الأعرج ثم عمرو بن الحارث، وكان يقال له: أبو شمر الأصغر، وله يقول نابغة بني ذبيان:\rعلي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب\rوالنعمان بن الحارث هو أخو الحارث الأصغر، وله يقول النابغة:\rهذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"وللنعمان هذا ثلاثة بنين: عمرو، وحجر، والنعمان، ومن ولد الأعرج أيضاً المنذر، والأيهم أبو جبلة، وجبلة آخر ملوك غسان، كان طوله اثني عشر شبراً، وهو الذي تنصر في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rملوك الحيرة: أولهم مالك بن فهم بن عمرو بن دوس بن الأزد، ملك العرب بالعراق عشرين سنة، ثم ابنه جذيمة بن مالك، وهو الأبرش، وهو الوضاح، كان ملكه ستين سنة، ثم عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخمي، ويقال: إن نصراً هو الساطرون صاحب الحضر، وهو جرمقاني من أهل الموصل، وقيل: بل هو من أشلاء قنص بن معد بن عدنان، وعمرو هذا هو ابن أخت جذيمة الأبرش وفيه قيل: \" شب عمرو عن الطوق \" ثم امرؤ القيس بن عمرو بن عدي، ويقال: بل الحارث بن عمرو، وإنه الذي يدعى محرقاً، ثم النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر الذي بني الخورنق، ثم المنذر بن امرئ القيس، وهو المنذر الأكبر بن ماء السماء أخو النعمان الأكبر، ثم المنذر بن المنذر، وهو الأصغر، ثم أخوه عمرو بن المنذر، وهو عمرو بن هند، ويسمى محرقاً؛ لأنه حرق بني تميم، وقيل: بل حرق نخل اليمامة، ثم النعمان بن المنذر صاحب النابغة الذبياني، وهو أخو ملوك لخم، ثم ولى بعده إياس بن قبيصة الطائي، ثم ابنه أشهر، واضطرب ملك فارس وضعفوا، وكانت ملوك الحيرة من تحت أيديهم، وأتى الله عز وجل بالإسلام فعز أهله بالنبي صلى اله عليه وسلم.\rباب من النسبة\rقال ابن دريد: الإبل الأرحبية منسوبة إلى أرحب بن همدان.\rأسد خفية وأسد خفان وهما أجمتان من العذيب على ليلة.\rالرماح اليزنية: منسوبة إلى ذي يزن الملك، ويقال الأيزنية، قال ذو الرمة:\rأرين الذي استودعن سوداء قلبه ... هوى مثل شك الأيزني النواجم\rهكذا جاءت الرواية في هذا البيت.\rالدروع تنسب إلى فرعون. قال راشد بن كثير:\rبكل فرعونية لونها ... مثل بصيص البغشة الغادية\rوتنسب إلى داود، وسليمان، وتبع، ومحرق، يريدون بذلك القدم وجودة الصنعة.\rالكنائن الزغرية: منسوبة إلى زغر وهو موضع بالشام تعمل فيه كنائن حمر مذهبة.\rقال أبو دؤاد يصف فرساً:\rككنانة الزغري زي ... نها من الذهب الدلاص\rالسمهري: الرمح الشديد، يقال: اسمهر الأمر، إذا اشتد.\rالأتحمية: برود منسوبة إلى أتحم باليمن.\rالقعضبية: ضرب من الأسنة، تنسب إلى قعضب، رجل قشيري كان يعملها، وكذلك الشرعبية أيضاً. قال الأعشى:\rولدن من الخطى فيها أسنة ... ذخائر مما سن أبزى وشرعب\rوالشرعبية أيضاً من الثياب الحارية في قول امرئ القيس:\rفلما دخلناها أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب\rقال الأصمعي: احتبوا بحمائل سيوفهم قال أبو عبيدة: ما نسبت إلى الحيرة سيوف قط، وإنما يريد الرحال كما قال الآخر: مشددة برحال الحيرة الجدد قال ابن الكلبي: أول من اتخذ الرحال علاف، وهو زبان بن جرم؛ فلذلك قيل للرحال علافية وأول من عمل الحديد من العرب الهالك بن مراد بن أسد بن خزيمة؛ فلذلك قيل لبني أسد القيون، وقيل لكل حداد: هالكي.\rقال أبو عبيدة: أجود السهام التي صنعتها العرب في الجاهلية سهام بلام، وسهام يثرب، وهما بلدان قريبان من حجر اليمامة، وأنشد الأعشى: بسهام يثرب أم سهام بلام سلوق: قرية باليمن، وإليها تنسب الكلاب والدروع.\rسيف مشرفي: منسوب إلى مشرف، وهي قرية باليمن كانت السيوف تعمل بها، وليس قول من قال أنها منسوبة إلى مشارف الشام أو مشارف الريف بشيء عند العلماء، وإن قاله بعضهم.\rوالسيوف السريجية: منسوبة إلى سريج رجل من بني أسد، قال محمد بن حبيب: هو أحد بني معرض بن عمرو بن أسد بن خزيمة، وكانوا قيودنا.\rالدروع الحطمية: منسوبة إلى حطمة بن محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن عبد القيس بن أفصى.\rوقال ابن الكلبي: هي منسوبة إلى حطم، وهو أحد بني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة، وقال الأصمعي: لا أعلم ما تنسب إليه.\rالخط: جزيرة بالبحرين تنسب إليها الرماح، قال الأصمعي: ليست تنبت الرماح لكن سفن الرماح ترفأ إلى هذا الموضع فقيل للرماح خطية.","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"والمسك الدارئ: منسوب إلى دارين، يعني عطاراً بالبحرية، زعم ذلك أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي، والأكثر المشهور عند العلماء أن دارين وغزة موضعان بالشام.\rعصفور، وداعر وشاعر، وذا الكلبتين: فحول إبل النعمان بن المنذر.\rعصافير النعمان: أولاد عصفور الفحل، وهو أكرم فحل للعرب فيما يزعمون.\rوالقسي العصفورية: منسوبة إلى رجل يسمى عصفوراً، حكاه الجاحظ. وأنشد لابن بشير:\rعطف السيات بواقع في بذلها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور\rيعني قسي البندق، ودعا بها على حمام جاره.\rويقال للقسي أيضاً الماسخية منسوبة إلى رجل من الأزد، واسمه ماسخة هو أول من عملها.\rوالإبل العسجدية والعبدية والعمانية: إبل ضربت فيها الوحوش.\rوالإبل الشذقمية والجديلية عن غيره منسوبة إلى شذقم وجديل، وهما فحلان مشهوران.\rالحمر الأخدرية: منسوبة إلى حمار يسمى أخدر، وقيل: هو فرس كان لبعض الملوك، أظنه أزدشير بن بابك، توحش فضرب في عانة فنسبت أولاده إليه، وهو أفره الحمر، هكذا تزعم العرب، والعادة أن يكون ما تناتج منه بغالاً. فأما الكداد فحمار معروف من الوحشية نتج. قال الفرزدق:\rحمار لهم من بنات الكداد ... يدهمج بالوطب والمزود\rوالبغال يزعمون أن قارون أول من أنتجها؛ فهي تنسب إليه، وقيل: بل أنتجها قبله أفريدون.\rباب العتاق من الخيل ومذكوراتها\rوأول ما أذكر منها خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراكبه، جرياً على العادة في التبرك باسمه: فمنها السكب وهو فرسه يوم أحد، حكاه ابن قتيبة، ومنها المرتجز وكان له فرس يقال: اللزاز وفرس يقال له الضرب وفرس يقال له اللجيف وفرس يقال له الورد وزاد غير ابن قتيبة فرساً يقال له سحة وكانت بغلته يقال لها دلدل وكان حماره يقال له يعفور وكانت ركائبه القصوى والجدعاء والعضباء.\rوهذه خيل العرب: قال ابن قتيبة عن أبي عبيدة: الغراب والوجيه ولاحق ومذهب ومكتوم كانت كلها لغنى.\rوقال أحمد بن سعد الكاتب: كان أعوج أولاً لكندة، ثم أخذته سليم، ثم صار لبني عامر، ثم لبني هلال، قال ابن حبيب: ركب رطباً فاعوجت قوائمه وكان من أجود خيل العرب، وأمه سبل كانت لغنى، وأم سبل البشامة، كانت لجعدة، ولهم أيضاً الفياض.\rقال ابن سعد: والوجيه ولاحق لبني سعد، قيل: وحلاب لبني تغلب، والصريح لبني نهشل، وزعم غيره أنه كان لآل المنذر، وجلوى لبني ثعلب ابن يربوع، وذو العقال لبني رياح بن يربوع، وهو أبو داحس، وكان داحس والغبراء لبني زهير، وهي خالة داحس، وأخته من أبيه ذي العقال، وقرزل والخطار والحنفاء لحذيفة بن بدر، وهي أخت داحس من أبيه وأمه، وقرزل آخر للطفيل بن مالك، وحذفة لخالد بن جعفر بن كلاب، وحذفة أيضاً لصخر بن عمرو بن الشريد، والشقراء لزهير بن جذيمة العيسى، والزعفران لبسطام ابن قيس، والوديقة ونصاب وذو الحمار لمالك بن نويرة، والشقراء أخرى لأسيد بن حناءة السليطي، والشيط لأنيف بن جبلة الضبي، والوجيف لعامر بن الطفيل والكلب والمزنوق والورد له أيضاً، والخنثى فرس لعمرو بن عمرو بن عدس، والهداج فرس الريب بن شريق السعدي، وجزة فرس يزيد بن سنان المري فارس غطفان، والنعامة للحارث بن عباد، وابن النعامة لعنترة، والنحام فرس السليك بن السلكة السعدي، والعصا فرس جذيمة بن مالك الأزدي، والهراوة لعبد القيس بن أفصى، واليحموم فرس النعمان بن المنذر، وكامل فرس زيد الخيل، والربد فرس الحوفزان، وأبو الزعفران فرس بسطام، والعرادة فرس الكحلبة اليربوعي، انتهى كلام أحمد بن سعد.\rوعن ابن دريد: القطيب فرس كان للعرب، وكذلك البطين واللعاب والعباءة فرس حري بن ضمرة النهشلي، والمدعاس فرس النواس بن عامر المجاشعي، وصهباء فرس النمر بن تولب، وحافل فرس مشهور ذكره حرب بن ضرار في قوله:\rكميت عبناة السراة نمى بها ... إلى نسب الخيل الصريح وحافل\rوالعسجدي لبني أسد، والشموس فرس زيد بن حذاق العبدي، والضيف لبني تغلب، وهراوة الغراب فرس الريان بن حويص العنبري، يقال:","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"إنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة فتصدق بها على العزاب يتكسبون عليها في السباق والغارات، والحرون فرس تنسب إليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسيد الباهلي والزليف فرس مشهور، وهو من نسل الحرون، ومناهب فرس تنسب إليه الخيل أيضاً، قال الشمردل:\rلأفحل ثلاثة سمينا ... مناهبا والضيف والحرونا\rوالعلهان: فرس أبي مليك عبد الله بن الحارث اليربوعي.\rومن أقدم الخيل زاد الراكب، وهبه سليمان عليه السلام لقوم من الأزد كانوا أصهاره.\rوكان إسماعيل عليه السلام أول من ذلل الخيل وركبها، وكانت قبل من سائر الوحوش.\rباب من المعاني المحدثة\rقال أبو الفتح عثمان بن جني: المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، والذي ذكره أبو الفتح صحيح بين؛ لأن المعاني إنما اتسعت لاتساع الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض، فمصروا الأمصار، وحضروا الحواضر، وتأنقوا في المطاعم والملابس، وعرفوا بالعيان عاقبة ما دلتهم عليه بداهة العقول من فضل التشبيه وغيره، وإنما خصصت التشبيه لأنه أصعب أنواع الشعر، وأبعدها و متعاطى، وكل يصف الشيء بمقدار ما في نفسه من ضعف أو قوة، وعجز أو قدرة، وصفة الإنسان ما رأى يكون لا شك أصوب من صفته ما لم ير، وتشبيهه ما عاين بما عاين أفضل من تشبيه ما أبصر بما لم يبصر، ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائماً لامه فقال: لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ قال: أنشدني شيئاً من قوله الذي استعجزتني في مثله، فأنشده في صفة الهلال:\rفانظر إليه كزورق من فضةٍ ... قد أثقلته حمولة من عنبر\rفقال: زدني، فأنشده:\rكأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه\rمداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه\rفصاح: وا غوثاه، يا لله، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ذلك إنما يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن الخلفاء، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا وصفت ما أعرف أين يقع الناس كلهم مني؟ هل قال أحد قط أملح من قولي في قوس الغمام:\rوقد نشرت أيدي السحاب مطارفاً ... على الأرض دكناً وهي خضر على الأرض\rيطرزها قوس الغمام بأصفر ... على أحمر في أخضر وسط مبيض\rكأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض\rوقولي في قصيدة في صفة الرقاقة:\rما أنس لا أنس خبازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر\rما بين رؤيتها في كفة كرة ... وبين رؤيتها زهراء كالقمر\rإلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر\rوهذا كلام إن صح عن ابن الرومي فلا أظن ذلك أمراً لزمه في الدرك؛ لأن جميع ما أراه ابن المعتز أبوه وجده في ديارهم كما ذكر أن ذلك علة للإجادة وعذر فقد رآه ابن الرومي هنالك أيضاً، اللهم إلا أن يريد أن ابن المعتز ملك قد شغل نفسه بالتشبيه فهو ينظر ماعون بيته وأثاثه فيشبه به ما أراد، وأنا مشغول بالتصرف في الشعر طالباً به الرزق: أمدح هذا مرة، وأهجو هذا كرة، وأعاتب هذا تارة، وأستعطف هذا طوراً، ولا يمكن أن يقع أيضاً عندي تحت هذا، وفي شعره أيضاً من مليح التشبيه ما دونه النهايات التي لا تبلغ، وإن لم يكن التشبيه غالباً عليه كابن المعتز.\rولم أدل بهذا البسط كله على أن العرب خلت من المعاني جملة، ولا أنها أفسدتها، لكن دللت على أنها قليلة في أشعارها، تكاد تحصر لو حاول ذلك محاول، وهي كثيرة في أشعار هؤلاء، وإن كان الأولون قد نهجو الطريق، ونصبوا الأعلام للمتأخرين، وإن قال قائل: ما بالكم معشر المتأخرين كلما تمادى بكم الزمان قلت في أيديكم المعاني، وضاق بكم المضطرب؟ قلنا: أما المعاني فما قلت غير أن العلوم والآلات ضعفت، وليس يدفع أحد أن الزمان كل يوم في نقص، وأن الدنيا على آخرها، ولم يبق من العلم إلا رمقه معلقاً بالقدرة، ما يمسكه إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"وإذا تأملت هذا تبين لك ما في أشعار الصدر الأول الإسلاميين من الزيادات على معاني القدماء والمخضرمين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من التوليدات والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء، إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة، ثم أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبداً تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضاً وكان ابن الرومي ضنيناً بالمعاني، حريصاً عليها، يأخذ المعنى الواحد ويولده، فلا يزال يقلبه ظهراً لبطن، ويصرفه في كل وجه، وإلى كل ناحية، حتى يميته ويعلم أنه لا مطمع فيه لأحد، ثم نجد من بعده من لا ينتهيه في الشعر، بل لا يعشره، قد أخذ المعنى بعينه فولد فيه زيادة، ووجه له وجهة حسنة، لا يشك البصير بالصناعة أن ابن الرومي مع شرهه لم يتركها عن قدرة، ولكن الإنسان مبني على النقصان.\rوسأورد عليك من معاني المعاني المتقدمين، وأنظرها بأمثالها من أقوال المولدين لا أعدوها ليتبين البرهان، هذا، على أنني ذممت إلى المحدثين أنفسهم في أماكن من هذا الكتاب، وكشفت لهم عوارهم، ونعيت لهم أشعارهم، ليس هذا جهلاً بالحق، ولا ميلاً إلى بنيات الطرق، لكن غضاً من الجاهل المتعاطي، والمتحامل الجافي، الذي إذا أعطي حقه تعاطى فوقه، وادعى على الناس الحسد، وقال: أنا ولا أحد، وإلى كم أعيش لكم؟ وأي علم بين جنبي لو وجدت له مستودعاً؟ فإذا عورض في شعره بسؤال عن معنى فاسد أو متهم، أو طولب بحجة في لحنة أو شاذ، أو نواظر في كلمة من ألفاظ العرب مصحفة أو نادرة، قال: هكذا أعرف، وكأنما أعطي جوامع الكلم، حاش لله! وأستغفر الله، بل هو العمى الأكبر، والموت الأصغر، وبأي إمام يرضى، وإلى أي كتاب يرجع، وعنده أن الناس أجمعين بضعة منه، بل فضلة عنه، فهو كما قال حماد عجرد في يونس بن فروة:\rأما ابن فروة يونس فكأنه ... من كبره أير الحمار القائم\rما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم\rوأين من ذكر بشار بن برد حين قيل له: بم فقت أهل عمرك وسبقت أبناء عصرك: في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ قال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، ويناجيني به طبعي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفكر جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلفها، ولا والله ما ملك قيادي الإعجاب بشيء مما آتي به.\rوكم في بلدنا هذا من الحفاث قد صاروا ثعابين، ومن البغاث قد صاروا شواهين، إن البغاث في أرضنا يستنسر، ولولا أن يعرفوا بعد اليوم بتخليد ذكرهم في هذا الكتاي، ويدخلوا في جملة من يعد خطله، ويحصى زلله؛ لذكرت من لحن كل واحد منهم وتصحيفه وفساد معانيه وركاكة لفظه ما يدلك على مرتبته من هذه الصناعة التي ادعوها باطلاً، وانتسبوا إليها انتحالاً، وقد بلغني أن بعض من لا يتورع عن كذب، ولا يستحيي من فضيحة، زعم أني أخذت عنه مسائل في هذا الكتاب لو سئل عنها الآن ما علمها، والامتحان يقطع الدعوى، كما قال بعض الشعراء:\rمن تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الإمتحان ما يدعيه\rوكنت غنياً عن تهجين هذا الكتاب بالإشارة إلى من أشرت إليه آنفاً من ذكره، وعزوفاً بهمتي عن الانحطاط إلى مساواته، ولكن رأيت السكوت عنه عجزاً وتقصيراً، كما قال أبو تمام:\rترك اللئيم ولم يمزق عرضه ... نقص على الرجل الكريم وعار\rوكما قال أبو الطيب، وقد استحق المعنى عليه:\rإذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"ثم أعود إلى التسطير فأطرح عن المحدث المولد ما كان من جنس تشبيه النعامة للطرماح، وصفة الثور الوحشي له أيضاً، وصفة مغارز ريش النعامة إذا أمرط للشماخ، ومثل بيت العنكبوت فيما يمتد من لغام الناقة تحت لحييها في شعر الحطيئة؛ وتشبيه الذباب بالأجذم، ولحيى الغراب بالجلم لعنترة، وأشباه هذا مما انفردت به الأعراب والبادية كعادتها، كانفرادها بصفات النيران، والفلوات الموحشة، وورود مياهها الآجنة، وتعسف طرقاتها المجهولة، إلى غير ذلك مما لا يعرف عياناً؛ إذ كان المحدث غير مأخوذ به، ولا محمول عليه، ألا ترى إلى أبي نواس وهو متقدم في المحدثين لما وصف الأسد وليس من معارفه، ولعله ما شاهده قط إلا مرة في العمر إن كان شاهده؛ دخل عليه الوهم فجعل عينيه بارزة وشبههما بعيون المخنوق، وقام عنده أن هذا أشنع وأشبه بشتامة وجه الأسد، وذهب عنه من صفة أبي زبيد وغيره لغؤور عينيه مما هو أعلم به ممن أخذ عليه، وأكثر ظني والله أعلم أن أبا نواس إنما رجع بالصفة الرجل المشبه بالأسد، وجعل أزورار عينيه وبروز جفنيه من علامات الغيظ والحنق على أقرانه في الحرب.\rوكذلك لما تعاطى الأعرابي أبو نخيلة ما لا يعرف قال: ولم تذق من البقول الفستقا فجعله بقلاً على ما في نفسه من لعاع البقل.\rعلى أن المحدثين قد شاركوا القدماء في كل ما ذكرته أيضاً، إلا أولئك أولى به، وأحق بالتقدمة فيه، كما خالطوهم في صفات النجوم ومواقعها، والسحب وما فيها من البروق والرعود، والغيث وما ينبت عنه، وبكاء الحمام، وكثير مما لا يتسع له هذا الباب، ولكني أفرد كتاباً قائماً بنفسه أذكر فيه ما انفرد به المحدثون، وما شاركهم فيه المتقدمون، وآتي ها هنا من هذين النوعين بما يسد خلة المفتقر إلى سماعه من المبتدئين.\rقال النابغة يذكر طول ليله:\rكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب\rتطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب\rوقال أبو الطيب في وزنه ورويه:\rأعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب\rفإن نهاري ليلة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم في غياهب\rفأنت ترى ما فيه من الزيادة وحسن المقصد، على أن بيتي النابغة عندهم في غاية الجودة.\rوقال يزيد بن الطثرية حين حلق أخوه ثور جمته:\rفأصبح رأسي كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها\rوهذا البيت من أفضل الأوصاف وأحسنها بياناً عند قدامة وغيره.\rوقال بعض المتأخرين، وأحسبه الزيادي، في غلام حلقت وفرته:\rحلقوا رأسه ليكسوه قبحاً ... غيرة منهم عليه وشحاً\rكان صبحاً عليه ليل بهيم ... فمحوا ليله وأبقوه صبحاً\rوقال رؤبة بن العجاج:\rأمست شواتي كالصفاة صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا\rفقال ابن الرومي وأحسن ما شاء:\rيجذب من نقرته طرة ... إلى مدى يقصر عن نيله\rفوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ النهار الصيف من ليله\rولو تتبعت هذا لأطلت في غير موضع الإطالة.\rفأما ما انفرد به المحدثون فمثل قول بشار:\rيا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحياناً\rقالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا\rوكرره فقال:\rقالت عقيل بن كعب إذ تعلقها ... قلبي وأمسى به من حبها أثر:\rأنى ولم ترها تهذي؟ فقلت لهم: ... إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر\rوقوله أيضاً:\rوكيف تناسى من كأن حديثه ... بأذني وإن غيبت قرط معلق\rواختراعاته كثيرة، واشتهاره بذلك يغني عن الإنشاد له.\rوكقول أبي نواس، وقد ذكر المبرد أنه لم يسبق إليه، وهو:\rأيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المنام إلا شميما\rنالني بالملام فيها إمام ... لا أرى لي خلافه مستقيما\rفاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما\rكبر حظى منها إذا هي دارت ... أن أراها أو ان أشم النسيما","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"فكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما\rكل عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق أن لا يقيما\rالقعدية: فرقة من الخوارج ترى الخروج وتأمر به، وتقعد عنه.\rوقوله أيضاً:\rبنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم\rفلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذاً لاصطفاني دون كل نديم\rوهذا المعنى أيضاً لم يتناوله أحد قبله.\rوكذلك قوله:\rقد قلت للعباس معتذراً ... من ضعف شكريه ومعترفاً:\rأنت امرؤ جللتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا\rفإليك مني اليوم تقدمة ... تلقاك بالتصريح منكشفاً\rلا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا\rوقال أيضاً في صفة النساء الخمارات، ويروي لابن المعتز:\rوتحت زنانير شددن عقودها ... زنانير أعكان معاقدها السرر\rفهذا تشبيه ما علمت أنه سبق إليه.\rوقال أيضاً:\rلست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى؟\rلو تفرعت لاستطالة ليلى ... ولرعي النجوم كنت مخلا\rومعاني أبي نواس واختراعاته كثيرة.\rوأكثر المولدين معاني وتوليدا فيما ذكره العلماء أبو تمام، غير أن القاسم بن مهرويه قد زعم أن جميع ما لأبي تمام من المعاني ثلاثه: أحدها قوله:\rوإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود\rلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود\rوالثاني قوله:\rبني مالك، قد نبهت خامل الثرى ... قبور لكم مستشرقات المعالم\rغوامض قيد الكلف من متناول ... وفيها علاً لا يرتقي بالسلالم\rوالثالث قوله:\rيأبى على التصريد إلا نائلاً ... إن لم يكن محضاً قراحاً يمذق\rنزراً كما استكرهت عائر نفحة ... من فأرة المسك التي لم تفتق\rوأنا أقول: إن أكثر الشعراء اختراعاً ابن الرومي، وسيأتي برهان ذلك في الكتاب الذي شرطت تأليفه إن شاء الله سبحانه.. ولا بد ها ههنا من نبذ يسيرة أشغل بها الموضع: منها قوله:\rعيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن لحظتك سهم حتف مرسل\rومن العجائب أن معنى واحداً ... هو منك سهم وهو مني مقتل\rوقوله في عتاب:\rتوددت حتى لم أدع متودداً ... وأفنيت أقلامي عتاباً مرددا\rكأني أستدعي بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا\rوقوله في أبيات يتغزل فيها، وإن كان قد كرر المعنى:\rنظرت فأقصدت الفؤاد بلحظها ... ثم انثنت عنه فظل يهيم\rفالموت إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم\rوقوله ولم أسمع أحسن منه في معناه:\rوما يعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتبختر\rوغير عجيب طيب أنفاس روضة ... منورة باتت تراح وتمطر\rكذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب، وأنفاس الورى تتغير\rباب في أغاليط الشعراء والرواة\rولا بد أن يؤتى على الشاعر المفلق، والعالم المتقن؛ لما بني عليه الإنسان من النقص والتقصير، وخير ما في ذلك أن يرجع المرء إلى الحق إذا سمعه، ولا يتمادى على الباطل لجاجة وانفة من الخطأ؛ فإن تماديه زيادة في الخطأ الذي أنف منه.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الآمدي، عن علي بن سليمان الأخفش، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: تلاحى مسلم بن الوليد وأبو نواس، فقال مسلم: ما أعلم بيتاً لك يخلو عن سقط، فقال أبو نواس: اذكر شيئاً من ذلك، فقال: بل أنشد أنت أي بيت شئت، فأنشد أبو نواس:\rذكر الصبوح بسحرة فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا\rفقال مسلم: قف عند هذا، لم أمله ديك الصباح، وهو يبشره بالصبوح، وهو الذي يرتاح إليه؟ فقال أبو نواس: فأنشدني أنت، فأنشده:\rعاصى الشباب فراح غير مفند ... وأقام بين عزيمه وتجلد\rفقال أبو نواس:","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بالانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت وأقام فجعلته منتقلاً مقيماً في حال، هذا متناقض.\rقال أبو العباس: وكلا البيتين صحيح، ولكن من طلب غيباً وجده ومن طلب له مخرجاً لم يفته.\rقال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله كأحمر عاد ولا أدري لم خطأه وقد سمع قول الله عز وجل: \" وأنه أهلك عاداً الأولى \" فهل قال هذا إلا وثم عاد أخرى؟ وهي هلكت بالنمل من ولد قحطان. قال قيس بن سعد بن عبادة: سراويل عادي نمته ثمود وكان يقال لثمود عاد الصغرى.\rوخطأ الشماخ في قوله في وصف ناقته: رحى حيزومها كرحى الطحين ظنه يصفها بالكبر، وهو عيب لا محالة، وإنما وصفها بالصلابة لا غير. وأخذ ابن بشر الآمدي على البحتري قوله:\rهجرتنا يقظى وكادت على مذ ... هبها في الصدود تهجر وسنى\rقال: هذا غلط؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى أو ميتة، والجيد قوله:\rأرد دونك يقظاناً ويأذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا\rوأنا أقول: إن مراده أنها لشدة هجرها له ونحوها عليه لا تراه في المنام إلا مهجوراً، ولا تراه جملة، فالمعنى حينئذ صحيح لا فساد فيه، ولا غلط، ولعل الرواية وكادت وهذا موجود في كلام الناس اليوم، ومثله يقولون: \" فلان لا يرى لي مناماً صالحاً \" وليس بين بيتي البحتري تناسب من جهة المعنى جملة واحدة؛ لأنه أولاً يحكي عنها، وثانياً يحكي عن نفسه، بلى إن في اللفظ اشتراكاً ظاهراً.\rوفي كتاب عبد الكريم من المأخوذ على أبي تمام قوله:\rمها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل\rقال: فيه غلط من أجل أنه نفى عن النساء لين القنا، وإنما قيل للرماح ذوابل للينها وتثنيها، فنفى ذلك أبو تمام عن قدود النساء التي من أكمل أوصافها اللين والتثني والانعطاف.\rقلت أنا: أما أبو تمام فقوله الصواب؛ لأنهم يقولون رمح ذابل إذا كان شديد الكعوب صلباً، وهو الذي تعرف العرب، ومنه قولهم: \" ذبلت شفتاه \" إذا يبستا من الكرب أو العطش أو نحوهما، فأما كلام المعترض فغير معروف إلا عند المولدين؛ فإنهم يقولون: \" نوارة ذابلة \" وليسوا بقدوة؛ على أن كلامهم راجع إلى ما قلناه، إنما ذلك لقلة المائية وابتداء اليبس، وإنما نقل عبد الكريم كلام ابن بشر الآمدي.\rقال الأصمعي: قرأت على أبي محرز خلف بن حيان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله:\rوليل كإبهام الحباري محبب ... إلي هواه غالب لي باطله\rرزقنا به الصيد الغرير ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله\rفيا لك يوماً خيره قبل شره ... تغيب واشيه وأقصر عاذله\rقال خلف: ويحه، ما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت: هكذا قرأته على أبي عمرو بن العلاء، قال: صدقت، وكذا قال جرير، وكان قليل التنقيح لألفاظه، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف يجب أن يكون قال: الأجود أن يكون \" خيره دون شره \" فاروه كذلك، وقد كانت الرواة قديماً تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه إلا كذا.\rقلت أنا: أما هذا الإصلاح فمليح الظاهر، غير أنه خلاف الظاهر، وذلك أن الشاعر أراد أنه كان ليلة في وصال، ثم فارق حبيبه نهاراً، وذلك هو الشر الذي ذكر، والرواية جعله لم يفارق فغير عليه المعنى، إلا أن تكون الرواية ويوم كإبهام الحبارى فحينئذ.. على أن دون تحتمل ما قصد، وتحتمل معنى قبل؛ فهي لفظة مشتركة، وتكون أيضاً بمعنى بعد؛ لأنها من الأضداد، ولكن في غير هذا الموضع. وخطأ الأصمعي بشامة بن الغدير في قوله يصف راحلته:\rوصدر لها مهيع كالحليف ... تخال بأن عليه شليلا\rلأن من صفة النجائب قلة الوبر وخطأ أيضاً كعب بن زهير في قوله يصف راحلته: فعم مقيدها ضخم مقلدها لأن النجائب دقيقات المذابح.\rونبه أو الفضل بن العميد على البحتري في بيت كسره، وهو قوله:\rلماذا تتبع النفس شيئاً ... جعل الله الفردوس منه جزاء\rقال ننشده: جعل الله الخلد منه جزاء ليستقيم، حكى ذلك الصاحب بن عباد.. وأنشد له أيضاً:\rأبا غالب بالجود تذكر واجبي ... إذا ما غني الباخلين نسيه","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"وزعم أنه لحن، ولست أرى به بأساً، هذا الشاعر أسكن الياء لما يقتضيه بناء القافية، فإذا أسكن الياء وما قبلها مكسور لم تكن الهاء إلا مكسورة إتباعاً لما قبلها، لا سيما وهي طرف، وقد فعلوا مثل هذا في وسط الكلمة.. وقال رؤبة: كأن أيديهن بالقاع القرق ولم يقل أيديهن بالضم استثقالاً، وأيضاً فكأنه أعني البحتري نوى الوقوف، ثم جر القافية كعادتهم في تحريك الساكن أبداً إلى الجر.\rوأنشد الصاحب بن عباد قال: أنشدني علي بن المنجم، قال: أنشدني أبو الغوث لأبيه:\rوأحق الأيام بالأنس أن يؤ ... ثر فيه يوم المهرجان الكبير\rوأنا أقول: إن أبا الغوث جاء من قبله الخذلان في هذه الرواية، فويل للآباء من أبناء السوء، ودع المثل القديم، ولا أظن البحتري قال إلا:\rوأحق الأيام بالأنس أن تؤ ... ثره فيه يوم المهرجان الكبير\rوأخذ الأحمر على المفضل روايته في قول امرئ القيس: نمس بأعراف الجياد أكفنا وما هو إلا نمش أي: نمسح، والمشوش المنديل.\rوكذلك قول المفضل:\rإذا ألم خيالها طرقت ... عيني فماء شجونها سجم\rوإنما هو طرفت بالفاء.\rوأخذ عليه الأصمعي في قول أوس: تصمت بالماء تولباً جذعا وإنما هو جدعاً بدال مكسورة غير معجمة، ولأمر ما قال ذو الرمة لموسى بن عمرو: اكتب شعري، فالكتاب أعجب إلي من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاماً بكلام.\rقال الأخطل: أخطأ الفرزدق حيث قال:\rأبني غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال\rلولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم اوجه وسبال\rكيف يكون وهب له وهو يهجوهم هذا الهجاء؟ فانبرى له فتى من بني تميم فقال: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف:\rفما جذع سوء خرق السوس بطنه ... لما حملته وائل بمطيق\rأردت هجاءه فزعمت أن وائلاً تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك عندهم، فأعطيته الكثير، ومنعته القليل، وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان الباهلي، وأن تصغر شأنه، وتضع من قدره؛ فقلت:\rوسود حاتماً أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النيران نار\rفأعطيته السؤدد من قيس الجزيرة، ومنعته ما لا يضر منعه؛ وأردت أن تمدح سماكاً الأسدي فقلت:\rنعم المجير سماك من بني أسد ... بالطف إذ قتلت جيرانها مضر\rقد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فالآن طير عن أثوابه الشرر\rفانصرف الأخطل خجلاً.\rقال الحسن لعلي بن زيد: أرأيت قول الشاعر:\rلولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيلة\rمدحه أم هجاه؟ قال: مدحه وهجا قومه، فقال الحسن: ما مدح من هجي قومه.\rوقال من اعتذر للنابغة في قوله:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأي عنك واسع\rإنما قدم الليل في كلامه لأنه أهول، ولأنه أول، ولأن أكثر أعمالهم إنما كانت فيه؛ لشدة حر بلدهم، فصار ذلك عندهم متعارفاً.\rوكذلك اعترفوا لزهير في قوله يصف الضفادع:\rيخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمر والغرقا\rفقال: لم يرد أنها تخاف الغرق على الحقيقة، ولكنها عادة من هرب من الحيوان من الماء، فكأنه مبالغة في التشبيه، كما قال الله عز وجل: \" وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال \" وقال: \" وبلغت القلوب الحناجر \" والقول فيهما محمول على كاد هكذا الحذاق من المفسرين، مع أنا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابة، خوفاً على نفسها من الهلكة، فكأنه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات، وإنما اقتدى فيه بقول أوس بن حجر:\rفباكرن جونا للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقى لا يحلا ناهله\rوعند القاضي الجرجاني من غلط أبي النواس في الوزن قوله:\rرأيت كل من كان أحمقاً معتوهاً ... في ذا الزمان صار المقدم الوجيها\rيارب نذل وضيع نوهته تنويها ... هجوته لكيما أزيده تشويهاً","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"ولم يقل أبو نواس فيما علمت إلا رب وضيع نذل وهذا أفرط في التعصب والحمية على أبي نواس وغيره لمن لا يجري في حلبتهم ولا يشق غبارهم.\rباب ذكر منازل القمر\rولما رأيت العرب وهم أعلم الناس بهذه المنازل وأنوائها؛ لأنها سقف بيوتهم، وسبب معايشهم وانتجاعهم غلطوا فيها فقال أحدهم: من الأنجم العزل والرامحة.. وقال امرؤ القيس.\rإذا ما الثريا في السماء تعرضت فأتى بتعرض الجوزاء، ورأيت كل من عني بالنجوم من المحدثين واستوفى جميع المنازل مخطئاً، لا شك في خلافه؛ لأنه إنما يصف نجوم ليلة سهرها، والنجوم كلها لا تظهر في ليلة واحدة، ولذلك قلت أنا احتياطاً في الليل من نسيب قصيدة مدحت بها السيد أبا الحسن أدام الله عزه:\rقد طال حتى خلته ... من كل ناحية وسط\rوتكررت فيه المنا ... زل منه لا مني الغلط\rوجب أن أذكر هذه المنازل وأنواءها، واختلاف الناس فيها، وعولت في ذلك على ما ذكره أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، مجتهداً فيما استطعت من البيان والاختصار، إن شاء الله تعالى.\rالسنة أربعة أجزاء، لكل جزء منها سبعة أنواء، لكل نوء ثلاثة عشر يوماً، إلا نوء الجبهة فإنه أربعة عشر يوماً، زيد فيه يوم لتكمل السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، وهو المقدار الذي تقطع الشمس فيه بروج الفلك الاثنى عشر، لكل برج منزلتان وثلث منزلة، وكلما نزلت الشمس منزلة من هذه المنازل سترته؛ لأنها تستر ثلاثين درجة: خمسة عشر من خلفها، ومثلها من أمامها، فإذا انتقلت عنها ظهرت، هكذا قال الزجاجي.\rوإذا اتفق أن تطلع منزلة من هذه المنازل بالغداة ويغرب رقيبه فذلك النوء لا يتفق لكل منزلة إلا مرة واحدة في السنة، وهو مأخوذ من ناء ينوء إذا نهض متثاقلاً، والعرب تجعل النوء للغارب؛ لأنه ينهض للغروب متثاقلاً، وعلى ذلك أكثر أشعارها، وتفسير بعض العلماء في قوله تعالى: \" ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة \" أي: تميل بهم الأرض، وهذا التفسير أوجه من قول من جعل الكلمة من المقلوب، قال: وبعضهم يجعله للطالع، وهذا هو مذهب المنجمين؛ لأن الطالع له التاثير والقوة، والغارب ساقط لا قوة له ولا تأثير. قال المبرد: النوء على الحقيقة للطالع من الكوكبين، لا الغارب، وهذه المنازل كلها يطلع بها الفلك من المشرق، ويغرب في المغرب، كل يوم وليلة، وتلك دورة من دوراته.\rالربع الأول من السنة، وابتداؤه من سبعة عشر يوماً من آذار، وبعضهم يجعله في عشرين يوماً منه، فيستوي حينئذ الليل والنهار منه، ويطلع مع الغداة فرع الدلو الأسفل، وهو المؤخر، ويسقط العواء، وإليها ينسب النوء، وهي تمد وتقصر وصفتها خمسة كواكب كأنها ألف معطوفة الذنب إلى اليسار، وبذلك سميت، وتقول العرب: عويت الشيء، إذا عطفته، وقال آخرون: بل هي كأنها خمسة أكلب تعوي خلف الأسد، قال ابن دريد: هي دبر الأسد، والعواء في كلامهم الدبر.\rالنوء الثاني: السماك، وهما سماكان: أحدهما السماك الأعزل، نجم وفاد، شبهوه بالأعزل من الرجال، وهو الذي لا سلاح معه، وهو منزل القمر، والآخر: كوكب تقدمه آخر، شبهوه بالرمح، وهما ساقا الأسد، وسمي سماكاً لعلوه، ولا يقال لغيره إذا علا سماك، هكذا قال سيبويه مما حكى الزجاجي عن أبي إسحاق الزجاج، غير أنه قال في الأعزل: وقيل إنما سمي أعزل لأن القمر لا ينزل به.\rوأنا أقول: القول الآخر خلاف ما عليه جميع الناس، ورؤية العين تدركه على غير ما يزعم الزاعم.\rالنوء الثالث: الغفر، وهو ثلاثة كواكب غير زهر، وبذلك سميت، من قولك: غفرت الشيء، إذا غطيته، ومنه سميت الغفارة التي تلبس، وقيل: إنما سمي غفراً من الغفرة، وهي الشعر الذي طرف ذنب الأسد، وقال أبو عبيدة: الغفر كل شعر صغير دون الكثير، وكذلك هو في الريش، وقال قوم: هو من النكس في المرض، يقال: أغفر المريض، إذا نكس، كأن النكس غطاء العافية.\rالنوء الرابع: الزبانان، كوكبان مفترقان، وهما قرنا العقرب، وقيل: يداها، وسميا زبانين لبعد كل واحد منهما عن صاحبه، من قولهم: زبنت كذا، إذا دفعته لتبعده عن نفسك، ومنه اشتقاق الزبانية؛ لأنهم يدفعون أهل النار إليها.\rالنوء الخامس: الإكليل، ثلاثة كواكب على رأس العقرب، وبذلك سميت إكليلاً.","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"النوء السادس: القلب، كوكب أحمر وقاد: جعلوه للعقرب قلباً، على معنى التشبيه.\rالنوء السابع: الشولة، كوكبان أحدهما أخفى من الآخر، وهما ذنبا العقرب، وذنب العقرب شائل أبداً، فشبه به، هذا قول بعضهم، وبعضهم يجعل الشولة الإبرة التي في ذنب العقرب، وهم أهل الحجاز، وهو أصح على مذهب من زعم أنهما كوكبان فقط.\rالربع الثاني: الصيف، أول أنوائه \" النعائم \" وهي ثمانية كواكب نيرة: أربعة منها في المجرة تسمى الواردة، وأربعة خارجة منها تسمى الصادرة، وشبهت بالخشبات التي تكون على البئر يعلق بها البكرة والدلاء.\rالثاني من الصيف \" البلدة \" وهي فرجة لطيفة لا شيء فيها، لكن بجوارها كواكب تسمى القلادة، وإنما قيل لتلك الفرجة البلدة تشبيها بالفرحة التي بين الحاجبين، إذا لم يكونا مقرونين، يقال منه: رجل أبلد، ويقال: بل شبهت بالبلدة، وهي باطن الراحة كلها، وقيل: باطن ما بين السبابة والإبهام.\rالثالث منه \" سعد الذابح \" وهما نجمان صغيران: أحدهما مرتفع في الشمال معه كوكب آخر يقال هو شاته التي تذبح، والآخر هابط في الجنوب.\rالرابع منه \" سعد بلع \" وهما كوكبان صغيران مستويان في المجرة، شبها بفم مفتوح، يريد أن يبتلع شيئاً، وقيل: إنما قيل بلع كأنه بلع شاته، وبلع غير مصروف؛ لأنه معدول من بالع، مثل زفر وقثم، وسعد مضاف إليه.\rالخامس منه \" سعد السعود \" وهما كوكبان: أحدهما أنور من الآخر، سمي بذلك لأن وقت طلوعه ابتداء كمال الزرع وما يعيش به الحيوان من النبات.\rالسادس منه \" سعد الأخبية \" وهما كوكبان عن شمال الخباء، والأخبية أربعة كواكب: واحد منها في وسطها يسمى الخباء؛ لأنها على صورة الخباء، وزعم ابن قتيبة أنه سمي بذلك لطلوعه وقت انتشار الحيات والهوام، وخروج ما كان مختبئاً.\rالسابع: فرع الدلو الأعلى، وهو المقدم، وبعضهم يسميه العرقوة العليا تشبيهاً بعرقوة الدلو، وهما كوكبان مفترقان نيران، وقيل له \" دلو \" لأنه تأتي فيه الأمطار العظيمة، ويقال: بل سميا بذلك لأنهما مثل صليب الدلو الذي يفرغ منه الماء.\rالربع الثالث: الخريف، أول أنوائه \" فرع الدلو الأسفل \" وصورته كوكبان مضيئان بينهما بعد صالح يتتبعان العرقوة العليا.\rثم الحوت، وهو كوكب أزهر نير في وسط السمكة.\rثم الشرطان، وهما مفترقان مع الشمال، منهما كوكب دونه في القدر، وسميا شرطين لأن سقوطهما علامة ابتداء المطر واتصاله، وكل من جعل لنفسه علامة فقد شرطها، ومنه سمي الشرط؛ لأن لهم علامة عرفوا بها.\rثم البطين: وهو ثلاثة كواكب طمس خفيات، وهو بطن الحمل، إلا أنه قد صغر.\rثم الثريا، ثم الثريا، وهو النجم، وصورتها ستة كواكب متقاربة حتى كادت تتلاصق، وأكثر الناس يجعلها سبعة، وقد جاء الشعر بالقولين جميعاً، سميت بهذا لأن مطرها عنه تكون الثروة وكثرة العدد والغنى، وهي تصغير ثروي، ولم ينطق بها إلا مصغرة.\rثم الدبران، كوكب وقاد على أثر نجوم تسمى القلاص، وقيل له \" دبران \" لأنه دبر الثريا، أي: جاء خلفها، ويقال له أيضاً \" الراعي \" و \" التالي \" و \" التابع \" و \" الحادي \" على التشبيه.\rثم الهقعة، سميت بهذا تشبيها بالدائرة التي تكون عند عقب الفارس في جنب الفرس، وصورتها ثلاثة أنجم صغار متقاربة كآثار رءوس أصابع ثلاث في ثرى إذا جمعت الوسطى والسبابة والإبهام، وهي رأس الجوزاء.\rالرابع: الشتاء، وهو آخر أرباع السنة، وأول أنوائه \" الهنعة \" سميت بذلك لأنها كوكبان مقترنان كل واحد منهما منعطف على صاحبه، من قولك: هنعه، إذا عطف بعضه على بعض، واقترانهما في المجرة بين الجوزاء والذراع المقبوضة.\rثم الذراعان، وهي ذراع الأسد المبسوطة والمقبوضة: كوكبان نيران بينهما كواكب صغار تسمى الأظفار.\rثم النثرة، وهي لطخة لطيفة بين كوكبين، وهي عندهم ما بين فم الأسد وأنفه، ومن الإنسان فرجة ما بين الشاربين حيال وترة الأنف، وقيل: إنما سميت نثرة لأنها كقطعة سحاب نثرت.\rثم الطرف، عينا الأسد، وهما كوكبان صغيران بينهما نحو قامة في مرأى العين.\rثم الجبهة، أربعة كواكب معوجة، في اليماني منها بريق، وهي جبهة الأسد عندهم.\rثم الزبرة، نجمان يرى أحدهما أكبر من الآخر، ويقال لهما \" الخرتان \" كأنهما نفذا إلى جوف الأسد، والعيان يبطل ذلك، كما قال الزجاجي.","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"ثم الصرفة، كوكب وقاد عنده كواكب طمس، سمى بذلك لانصراف البرد لسقوطه.\rفهذه عدة المنازل وصفاتها، وإنما أضيفت إلى القمر دون الشمس، وحظهما فيه واحد؛ لظهورها معه، وتسمى نجوم الأخذ، كأن الأرض تأخذ عنها بركات المطر، وقيل: لأخذ الشمس والقمر سمتهما في سيرها.\rباب في معرفة الأماكن والبلدان\rقال أبو عبيدة: الحجاز هو ما بين الجحفة وجبل طيء، وإنما سمي حجازاً لأنه حجز ما بين نجد والغور، وحكى ابن قتيبة عن الرياشي عن الأصمعي: إذا خلفت حجراً مصعداً فقد أنجدت، فلا تزال منجداً حتى تنحدر من ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت فقد أتهمت إلى البحر، فإذا عرضت لك الحرار وأنت منجد فتلك الحجاز، وإذا تصوبت من ثنايا العرج واستقبلك المرخ والأراك فقد أتهمت، وسمي حجازاً لأنه حجز ما بين نجد وتهامة، فأما محمد بن عبد الله الأسدي فقال: حد الحجاز الأول بطن نخلة وظهر جدة، والحد الثاني مما يلي الشام شغبى وبدا، والحد الثالث مما يلي تهامة بدر والسقيا ورهاط وعكاظ، والحد الرابع ساية وودان، ثم تنحدر إلى الحد الأول بطن نخل.\rوأما بطن الجزيرة فإنها ما بين دجلة والفرات والموصل، والسودان: سواد البصرة والأهواز ودست ميسان وفارس، وسواد الكوفة كسكر إلى الزاب وحلوان إلى القادسية.\rوجزيرة العرب قال أبو عبيدة: هي في الطول ما بين حفير أبي موسى إلى أقصى اليمين، وفي العرض مل بين يبرين إلى السماوة.\rوقال الأصمعي: هي ما بين نجران والعذيب، حكاه ابن قتيبة عن الرياشي، قال: وحكى عنه أبو عبيدة أنها في الطول من أقصى عدن إلى ريف العراق، وفي العرض من جدة وما والاها من طراز البحر إلى طراز الشام.\rوقيل: سمي العراق تشبيهاً بعراق المزادة، وهو موضع الخرز المستطيل في أسفلها، وقال بعضهم: هو جمع عرق؛ لاشتباك عروق النخل والشجر في تلك الأرض، وقيل: إن اسمه بالفارسية إيران شهر أي: أسفل الأرض، فعربت.\rوأما الشام واليمن فمن اليد اليمنى واليد الشؤمى، وهي الشمال؛ لأن الذي يستقبل الشمس تكون اليمن عن يمينه والشام عن شماله، ويقال شأم بالهمز والتخفيف، ومنهم من جعل الشام جمع شامة، وهي النكتة تكون في الجسم سوداء أو نحو ذلك، وكذلك في الأرض.\rقال ذو الرمة:\rوإن لم تكوني غير شام بقفرة ... تجر بها الأذيال صيفية كدر\rباب من الزجر والعيافة\rوعنهما يكون الفأل والطيرة، وبين الطيرة والفأل فرقان عند أهل النظر والمعرفة والحقائق؛ وذلك أن الفأل تقوية للعزيمة، وتحضيض على البغية، وإطماع في النية؛ والطيرة تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وتثنى العزيمة، وفي ذلك ما يعطل الإحالة على المقادير.\rوقد تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عن الطيرة في قوله: \" لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر \" وقد تقدم ذكرها، وقيل في الهامة: إنها هده المعرفة.\rوالطيرة من أحد شيئين: مشتقة إما من الطيران، كأن الذي يرى ما يكره أو يسمع يطير، كما قال بعضهم:\rعوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير\rوإما من الطير، وهو الأصل والمختار من الوجهين، هكذا ذكر الزجاجي.\rوكانت العرب تزجر الطير والوحش؛ فمن قال بالقول الأول احتج بأن الوحش يطير بها، وزجرت مع الطير، ومن قال بالقول الثاني قال: إنما الأصل في الطير، ثم صار في الوحش، وقد يجوز أن يغلب أحد الشيئين على الآخر فيذكر دونه ويرادان جميعاً.\rأنشد الجاحظ:\rما يعيف اليوم في الطير دوح ... من غراب البين أو تيسٍ برح\rقال: فجعل التيس من الطير؛ إذ قدم ذكر الطير وجعله من الطير في معنى التطير، والعرب تتطير بأشياء كثيرة: منها العطاس، وسبب تطيرهم منه دابة يقال له العاطوس يكرهونها، والغراب أعظم ما يتطيرون به، والقول فيه أكثر من أن يطلب عليه شاهد، ويسمونه حاتماً؛ لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير بذلك؛ إذ كان أصح الطير بصراً، ويقال: سمي أعور لقولهم: \" عورات الرجل عن حاجته \" إذا رددته عنها، وقد اعتذر أبو الشيص للغراب وتطير بالإبل وإن كان غيره سبقه إلى المعنى فقال:\rالناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا\rوما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا\rما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل\rوما غراب البين إ ... لا ناقة أو جمل\rهكذا رويته، وبعضهم يجعل الشعر ما قرب الأحباب وبعده والناس يلحون.. بواو مكان الهمزة يعطف بها.\rوقال آخر فملح وظرف:\rزعموا بأن مطيهم عون النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب\rلو أنها حتفي لما أبغضتها ... ولهابهم سبب من الأسباب\rويتطيرون بالصرد، ومن أسمائه الأخيل، والأخطب، ويقال: الأخيل الشقراق، ويقال: بل طائر يشبهه، والولق أيضاً الصرد، قال زبان بن منظور الفزاري في حديث له كان مع نابغة بني ذبيان وقد تطير من جرادة سقطت عليه فرجع من الغزو ومضى زبان فظفر وغنم:\rتعلم أنه لا طير إلا ... على متطير، وهي الثبور\rبل شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا، وباطله كثير\rيقولها في أبيات لا أقف على جملتها.\rوقال شاعر قديم لزبان أيضاً:\rلا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم\rلا، والتشاؤم بالعطا ... س ولا التيامن بالمقاسم\rولقد عدوت وكنت لا ... أعدو على واق وحاتم\rوإذا الأشائم كالأيا ... من، والأيامن كالأشائم\rقد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم\rويتشاءمون بالثور الأعضب، وهو المكسور القرن.\rوقال الكميت ينفي الطير ويدفعها عن نفسه:\rولا أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب\rولا السانحات البارحات عشية ... أمر صحيح القرن أم مر أعضب\rوالبيت الأول من هذين يشبه بيت الأعشى الذي أنشده الجاحظ.\rومن أمثال العرب \" فلان كبارح الأروى \" وفيه قولان: أحدهما أن الأروى يتشاءم بها، فإذا كانت بارحاً فقد عظم الأمر، والآخر أنها إنما تكون في قرون الجبال، ولا تكاد تكون سانحة ولا بارحة.\rوفي السانح والبارح اختلاف: قال عمرو بن العلاء: سأل يونس رؤبة عن السانح والبارح، فقال: السانح ما ولاك ميامنه، والبارح ما ولاك مياسره، قال ابن دريد: السانح يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، ويخالفهم أهل العالية فيتشاءمون بالسانح ويتيمنون بالبارح.\rقال الشاعر الهذلي يذكر امرأته:\rزجرت لها طير السنيح فإن يكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها\rقال: والسانح: الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، والبارح الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك، والجابه والناطح: اللذان يستقبلانك، والقعيد: الذي يأتيك من ورائك.\rقال صاحب الكتاب: الكارس الذي ينزل عليك من الجبل، حكاه الثعالبي، قال أبو جعفر النحاس: السنيح عند أهل الحجاز: ما أتى عن اليمين إلى اليسار، والبارح عندهم: ما أتى من اليسار إلى اليمين، وهم يتشاءمون بالسانح، ويتيمنون بالبارح، وأهل نجد بالضد من ذلك، والسانح عندهم هو البارح عند أهل الحجاز.\rوقال المبرد: السانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد إلا أن ينحرف له.\rوقد يتطيرون من البازي والغراب وأشياء كثيرة من جهة التسمية، ويتيمن بها آخرون.\rومن مليح ما رأيت في الزجر والعيافة، قال الصولي: كان لأبي نواس إخوان لا يفارقهم، فاجتمعوا يوماً في موضع أخفوه عنه، ووجهوا إليه برسول معه ظهر قرطاس لم يكتبوا فيه شيئاً، وحزموه بزير وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم أن يرمى بالكتاب من وراء الباب، فرمى به، فلما رآه استعلم خبرهم فعلم أنه من فعلهم وتعرف موضعهم وأتاهم فأنشدهم:\rزجرت كتابكم لما أتاني ... كزجر سولنح الطير الجواري\rنظرت إليه مخزوماً بزير ... على ظهر، ومختوماً بقار\rفقلت: الزير ملهية ومله ... وقلت: القار من دن العقار\rوقلت: الظهر أهيف ذو جمال ... تركب صدغه فوق العذار\rفجئت إليكم طرباً وشوقاً ... فما أخطأت دراكم بداري\rفكيف ترونني وترون زجري ... ألست من الفلاسفة الكبار؟!\rباب ذكر المعاظلة والتثبيج","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"العظال في القوافي: التضمين، حكاه الخليل بن أحمد، وزعم قدامة أن المعاظلة سوء الاستعارة، وهو عندهم مشتق من التداخل والتراكب، ومنه تعاظلت الجراد والكلاب وأنشد قدامة بيت أوس بن حجر:\rوذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا\rلأنه قد أساء الاستعارة عنده؛ لجعله الطفل تولبا، وهو ولد الحمار.\rوأما التثبيج فهو طول الكلام واضطرابه، ولا يقال \" كلام مثبج حتى يكون هكذا، ويقال: رجل مثبج الخلق، إذا كان طويلاً في اضطراب، والتثبيج عند الصولي في الخط ألا يكون بيناً، وكذلك هو الكلام.\rوزعم قوم أن المعاظلة تداخل الحروف وتراكبها، كما عيب على كعب بن زهير قوله:\rتجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول\rوعاب ابن العميد حبيباً لقوله:\rكريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، ومتى ما لمته لمته وحدي\rبالتكرير في أمدحه أمدحه مع الجمع بين الحاء والهاء في كلمة، وهما معاً من حروف الحلق، وقال: هو خارج عن حد الاعتدال، نافر كل النفار، حكى ذلك عنه الصاحب بن عباد.\rوزعم آخرون أنها تركيب الشيء في غير موضعه، كقول الكميت بن زيد:\rوقد رأينا بها حوراً منعمة ... بيضاً تكمل فيها الدل والشنب\rوهذا البيت مما عابه عليه نصيب.\rومثله عندي قول أبي الطيب:\rيحل المسك عن غدائرها الري ... ح ويفتر عن شنيب برود\rباب الوحشي المتكلف والركيك المستضعف\rالوحشي من الكلام: ما نفر عنه السمع، والمتكلف: ما بعد عن الطبع، والركيك: ما ضعفت بنيته، وقلت فائدته، واشتقاقه من الركة، وهي المطر الضعيف، وقيل: من الرك، وهو الماء القليل على وجه الأرض.\rوأنشد النحاس\rتهادى كعوم الرك يقطعه الحيا ... بأبطح سهل حين تمشي تأودا\rوفلان ركيك أي: ضعيف العقل، ويقال للوحشي أيضاً: حوشي، كأنه منسوب إلى الحوش، وهي بقايا إبل وبار بأرض قد غلبت عليها الجن فعمرتها ونفت عنها الإنس، لا يطؤها إنسي إلا خبلوه.\rقال رؤبة: جرت رجالاً من بلاد الحوش وإذا كانت اللفظة خشنة مستغربة: لا يعلمها إلا العالم المبرز، والأعرابي القح؛ فتلك وحشية، وكذلك إن وقعت غير موقعها، وأتى بها مع ما ينافرها، ولا يلائم شكلها.\rوكان أبو تمام يأتي بالوحشي الخشن كثيراً ويتكلف.\rوكذلك أبو الطيب كان يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته، نحو قوله: كل آخائه كرام بني الدنيا ولكنه كريم كرام وهذا مع غرابته وتكلفه غير محمول على ضرورة يكون فيها عذر؛ لأن قوله كل إخوانه يقوم مقامه بلا بغاضة.\rومن التكلف قول إبراهيم بن سيار للفضل بن الربيع، ويروى أيضاً لإبراهيم بن شبابة:\rهبني ظلمت وما ظلمت بل ظلم ... ت أقر كي يزداد طولك طولا\rإن كان جرمي قد أحاط بحرمتي ... فأحط بجرمي عفوك المأمولا\rفتبارك الله كأنهما لم يخرجا من ينبوع واحد.\rقال إبراهيم بن المهدي لعبد الله بن صاعد كاتبه: إياك وتتبع الوحشي من الكلام طمعاً في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العي الأكبر، عليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل.\rوقال أبو تمام يمدح الحسن بن وهب بالبلاغة:\rلم يتبع شنع اللغات، ولا مشى ... رسف المقيد في طريق المنطق\rينشق في ظلم المعاني إن دجت ... منه تباشير الكلام المفلق\rوقال علي بن بسام:\rولا خير في اللفظ الكريه استماعه ... ولا في قبيح اللحن والقصد أزين\rقال علي بن عيسى الرماني: أسباب الإشكال ثلاثة: التغيير عن الأغلب كالتقديم والتأخير وما أشبهه، وسلوك الطريق الأبعد، وإيقاع المشترك، وكل ذلك اجتمع في بيت الفرزدق:\rوما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه\rفالتغيير على الأغلب سوء الترتيب؛ لأن التقدير \" وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكاً أبو أمه أبوه \" يريد بالمملك هشام بن عبد الملك، والممدوح هو إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك؛ وأما سلوك الطريق الأبعد فقوله \" أبو أمه أبوه \" وكان يجزئه أن يقول \" خاله \" وأما المشترك فقوله \" حي يقاربه \" لأنها لفظة \" حي \" تشترك فيها القبيلة والحي من سائر الحيوان المتصف بالحياة، قال:","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"وإذا تفقدت أبيات المعاني لا تخرج عن هذه الأسباب الثلاثة.\rوحكى الصولي قال: أنشدني بعض الكتاب عن أحمد بن يحيى ثعلب قول البحتري للحسين بن وهب:\rوإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه\rفاللفظ يقرب فهمه من بعده ... منا، ويبعد نيله في قربه\rحكم سحائبها خلال بنانه ... هطالة، وقليبها في قلبه\rكالروض مؤتلفاً بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه\rوكأنها والسمع معقود بها ... وجه الحبيب بدا لعين محبه\rواستعادها أبو العباس حتى فهمها، ثم قال: لو سمع الأوائل هذا الشعر لما فضلوا عليه شعراً.\rباب الإحالة والتغيير\rوهذه لمح أتيت بها تدل من عرفها على رداءتها، وتدعو إلى كراهتها واجتنابها، وقد وقعت في أشعار الجلة من المتقدمين، والتمس لهم فيها العذر لأنهم أرباب اللغة وأصحاب اللسان، وليس المولد الحضري منهم في شيء فمن الإحالة قول ابن مقبل:\rأما الأداة ففينا ضمر صنع ... جود حواجز بالألباد واللجم\rونسج داود من بيض مضاعفة ... من عهد عاد، وبعد الحي من إرم\rفكيف يكون نسج داود من عهد عاد؟ اللهم إلا أن يريد فينا ضمر صنع من عهد عاد؛ فذلك له على سبيل المبالغة، مع أن الإحالة لم تفارقه، وكم بين قيس عيلان وبين عاد، فضلاً عن بني العجلان؟! وقال عبد الرحمن بن حسان:\rوإن مال الضجيع بها فدعص ... من الكثبان ملتبد مهيل\rقالوا: وكيف يكون ملتبداً مهيلاً؟ هذا مستحيل متناقض، والذي عندي فيه أنه صواب؛ لأنه إنما أراد بالتباده صلابة ملمس العجيزة، وأنها غير مسترخية وجعله مهيلاً لارتعاده واضطرابه من العظم، كما قال ابن مقبل:\rيمشين هيل النقا سالت جوانبه ... ينهال طوراً، وينهاه الثرى حينا\rفقد جعله مرة ينهال، ومرة ينهاه الثرى والتثني الذي فيه..\rوقال جميل في التغيير:\rلا حسنها حسن، ولا كدلالها ... دل، ولا كوقارها توقير\rفحذف كاف التشبيه فصار المعنى كأنه ليس حسنها حسناً، وقد يغيرون اللفظ كما قال النابغة: ونسج سليم كل قضاء ذائل وهذا أسهل من قول الآخر: من نسج داود أبي سلام وهذا كثير يخرج منه في هذا الموضع ما ذكرت.\r98 - باب الرخص في الشعر وأذكر هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطر إليه، على أنه لا خير في الضرورة، على أن بعضها أسهل من بعض، ومنها ما يسمع عن العرب ولا يعمل به؛ لأنهم أتوا به على جبلتهم، والمولد المحدث قد عرف أنه عيب، ودخوله في العيب يلزمه إياه.\rفمن ذلك قصر الممدود على مذاهب أهل البصرة والكوفة جميعاً، وله على ما أجاز الكوفيون وصل ألف القطع، وهو قبيح.. قال حاتم طيء:\rأبوه أبي، والأمهات أمهاتنا ... فأنعم فداك اليوم أهلي ومعشري\rقال بعضهم: إنما الرواية والأم من أمهاتها وله تخفيف المشدد في القافية، وأما في حشو البيت فمكروه جداً، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وربما حذفوا النون الساكنة.. كما قال:\rفلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل\rوأن يحذف للألف واللام أو الإضافة ما يحذف للتنوين مثل قول خفاف:\rكنواح ريش حمامة نجدية ... ومسحت باللثثين عصف الإثمد\rوأن يحذف حرفاً من الكلمة كقول العجاج: قواطناً مكة من ورق الحمي وحرفين كقول علقمة بن عبدة: مفدم بسبا الكتان ملثوم يريد بسبائب الكتان، وأن يحذف من المكنى في الوصل ما يحذف منه في الوقف.. كقول الشاعر: سأجعل عينيه لنفسه مقنعاً وأقبح منه أن يحذف من المكنى المنفصل كقول الآخر:\rفبيناه يشري رحله قال قائل: ... لمن جمل رخو الملاط نجيب؟\rوأقبح من ذلك أن يحذف الألف من ضمير المؤنث.. أنشد قطرب:\rأما تقول به شاة فيأكلها ... أو أن تبيعه في بعض الأراكيب\rأراد \" تبيعها \" فحذف الألف، قال: ولا يجوز استعمال هذا للمحدث لشذوذه وقبحه، ويجوز له حذف الياء والواو من المضمر المذكر لكثرته واطراده، وللشاعر ان يحذف اسم \" ليت \" إذا كان مضمراً.. أنشد المفضل لعدي بن زيد:","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"فليت دفعت الهم عني ساعة ... فبتنا على ما خيلت ناعمي بال\rيريد \" ليتك \" وله حذف الفاء من \" افتعلته \" من التقوى وما تصرف منها، أنشد المفضل لخداش بن زهير:\rتقوه أيها الفتيان؛ إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا\rوأنشد أبو زيد الأنصاري:\rإن المنية بالفتيان ذاهبة ... وإن تقوها بأرماح وأدراع\rوحذف الفاء من جواب الجزاء كما قال:\rيا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع\rقال سيبويه: تقديره إنك إن يصرع أخوك فتصرع.\rومثله أيضاً:\rمن يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان\rيريد \" فالله يشكرها \" وهذا أبين من الأول، وحذف النون من تثنية \" الذي \" وجمعه.\rقال الأخطل:\rأبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا\rوأنشد سيبويه:\rوإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد\rأراد \" الذين \" وعلى هذا قال أبو الطيب:\rألست من القوم الذي من رماحهم ... نداهم، ومن قتلاهم مهجة البخل\rويجوز أن يكون جعل \" الذي \" للجماعة والواحد كما جعل \" من \" وقد حكى ذلك الزجاجي.\rقال ابن قتيبة في قول الله عز وجل: \" كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون \" : إن \" الذي \" ههنا يعني الذين، والله أعلم.\rوحذف الياء من \" الذي \" فمنهم من يسكن الذال بعد الحذف، ومنهم من يدعها مكسورة على لفظها، أنشد البصريون والكوفيون جميعاً:\rفظلت في شر من اللذ كيدا ... كمن تزبى زبية فاصطيدا\rويروى كالذ تزبي زبية فاصطيدا فجمع بين اللغتين. ونظير هذا حذف الياء من \" التي \" وإسكان التاء، وأنشدوا:\rفقل للت تلومك: إن نفسي ... أراها لا تعوذ بالتميم\rوحذف الياء والتاء من \" اللواتي \" أنشد الزجاجي:\rجمعتها من أينق غزار ... من اللوا شرفن بالصرار\rوحذف الموصول وترك الصلة. كما قال يزيد بن مفرغ:\rعدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق\rأراد \" وهذا الذي تحملين \" فحذف.\rوحذف اسم \" إن \" ولكن \" كما قال:\rولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل\rفحذف الهاء من لكنه لأنه جازى بمن، ولو أعمل فيها لكن لم يجز أن يجازي بها.\rومثله قول الآخر:\rإن من يدخل الكنيسة يوماً ... يلق فيها جآذراً وظباء\rأراد إنه. ويبدلون من الحروف السالمة حروف المد و اللين، و أنشدوا:\rلها أشارير من لحم تثمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها\rأراد \" من الثعالب \" \" ومن أرانبها \" ويلينون الهمزة، وذلك كثير جداً جائز في المنثور والفصيح، وله حذف ألف الاستفهام، كما قال الأخطل:\rكذبتك عينيك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا\rوهذا رديء في المنثور جداً.\rونقصان الجموع عن أوزانها لضرورة القافية كما قال رؤبة: حتى إذا بلت حلاقيم الحلق يريد \" الحلوق \" وترك صرف ما ينصرف؛ لأنه يحذف منه التنوين وهو يستحقه، وهو غير جائز عند البصريين، إلا أنه قد جاء في الشعر. قال عباس بن مرداس يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rوما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع\rوعلى هذا المذهب قال أبو نواس:\rعباس عباس إذا احتدم الوغا ... والفضل فضل والربيع ربيع\rويروى إذا حضر الوغا والفراء يرى ترك الصرف لعلة واحدة، وهي التعريف، والبصريون يخالفونه في ذلك ويأبونه.\rومن أقبح الحذف حذف حركة الإعراب للضرورة، وأنشدوا لامرئ القيس:\rفاليوم أشرب غير مستحقب ... إثماً من الله ولا واغل\rومثله للفرزدق:\rرحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بداهمك من المئزر\rوزعم قوم أن الرواية الصحيحة في قول امرئ القيس اليوم أسقى وبذلك كان المبرد يقول، وقال الآخرون: بل خاطب نفسه كما يخاطب غيره، فقال: فاليوم فاشرب، وفي بيت الفرزدق وقد بدا ذاك من المئزر كناية عن الهن، وهذا مما يسمع ويحكى، ولا يقاس عليه البتة.\rهذا صدر جيد مما علمته يجوز للشاعر من الحذف والنقصان.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"والذي يجوز من الزيادات أنا ذاكر منه أيضاً ما وسعته قدرتي، إن شاء الله تعالى: فمن ذلك صرف ما لا ينصرف، وإجراء المعتل مجرى الصحيح؛ فيعرب في حال الرفع والخفض، تقول: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، وزيد يقضي ويغزو، ولا يجوز في المنثور من الكلام، وعلى هذا قول قيس بن زهير:\rألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد\rكأنه يقول في الرفع يأتيك بضم الياء، فلما جزمها أسكنها.\rومنهم من يبدل من الياء همزة، وهو القليل، فيقول: القاضئ، والغازئ، وأنشد:\rيا دار سلمى بدكاديك البرق ... سقياً وإن هيجت شوق المشتئق\rهمزة الياء، وليس أصلها الهمزة.\rوله إظهار التضعيف كقوله: يشكو الوجى من أظلل وأظلل وإنما هو الأظل وهو باطن خف البعير.\rوتثقيل المخفف في وصل الكلام على نية من يقف على التثقيل، وأنشدوا:\rببازل وجناء أو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل\rموقع كفي راهب يصلي\rفثقل العيهل وهي السريعة، والكلكل في صلة الشعر، وهما مخففتان وله إدخال النون الخفيفة أو الثقيلة في الواجب، وإنما تدخل فيما ليس بواجب، نحو الأمر والنهي والاستفهام. قال القطامي:\rوهم الرجال، وكل ذلك منهم ... يحزن في رحب وفي متضيق\rوأنشدوا لآخر، وهو جذيمة الأبرش:\rربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات\rوله إدخال الفاء في جواب الواجب، والنصب بها على إضمار أن. قال طرفة:\rلنا هضبة لا ينزل الذل وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما\rفنصب بالفاء على الجواب.\rوقال آخر:\rسأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا\rوقطع ألف الوصل لأنه زيادة حركة، والجزم بحرف وحرفين، وأكثر من ذلك، وقد مضى فيما تقدم من هذا الكتاب.\rوزيادة حرف في المجموع نحو قول الشاعر:\rتنفى يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف\rفزاد ياء في الدراهم وياء في الصياريف إن لم تكن الرواية تختلف، على أن الدراهم لا يضطر فيها إلى زيادة الياء؛ إذ كان الوزن يقوم دونها، وإن قيل في بعض اللغات درهام.\rوله على مذاهب الكوفيين خاصة مد القصور، وقد ألزم ابن ولادٍ البصريين مده على مذهب سيبويه في امتناع الحركة ويجوز التقديم والتأخير، كما قال العجير السلولي:\rوما ذاك إن كان ابن عمي ولا أخي ... ولكن متى ما أملك الضر أنفع\rبالرفع، أراد ولكن أنفع متى ما أملك الضر، ولا أدري ما الفرق بين هذا وبين إن يصرع أخوك تصرع حيث فرقوا بينهما غير أنا نسلم لهم كما سلم من هو أثقب منا حساً وأذكى خاطراً وقال عمرو بن قميثة:\rلما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من لامها\rوهذه أشياء من القرآن وقعت فيه بلاغة وإحكاماً لا تصرفاً وضرورة، وإذا وقع مثلها في الشعر لم ينسب إلى قائله عجز ولا تقصير، كما يظن من لا علم له ولا تفتيش عنده: من ذلك أن يذكر شيئين ثم يخبر عن أحدهما دون صاحبه اتساعاً، كما قال الله عز وجل: \" وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها \" . أو يجعل الفعل لأحدهما ويشرك الآخر معه، أو يذكر شيئاً فيقرن به ما يقار به ويناسبه ولم يذكره، كقوله تعالى في أول سورة الرحمن: \" فبأي آلاء ربكما تكذبان \" وقد ذكر الإنسان قبل هذه الآية دون الجان، وذكر الجان بعدها.\rوقال المثقب العبدي:\rفما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني\rأألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني\rفقال أيهما قبل أن يذكر الشر؛ لأن كلامه يقتضي ذلك.\rوأن يحذف جواب القسم وغيره، نحو قوله عز وجل: \" ق والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم \" وقوله: \" والنازعات غرقاً \" إلى قوله: \" يوم ترجف الراجفة \" فلم يأت بجواب؛ لدلالة الكلام عليه، وقال عز وجل: \" ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم \" أراد لعذبكم أو نحوه ومن هذا قول امرئ القيس:\rولو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا\rوقد تقدم ذكره.\rومن ذلك إضمار ما لم يذكر كقوله جل اسمه: \" حتى توارت بالحجاب \" يعني الشمس، وقوله: \" فأثرن نفعاً \" ولم يجر للوادي ذكر","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"وقال حاتم طيئ:\rأماوي، ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر؟\rيعني النفس، وأنشد ابن قتيبة عن الفراء:\rإذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف\rيعني جرى إلى السفه وحذف لا من الكلام وأنت تريدها، كقوله تعالى: \" كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم \" وزيادة لا في الكلام كقوله سبحانه \" وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون \" فزاد لا لأنهم لا يؤمنون، هذا قول ابن قتيبة، وقال جل اسمه: \" ما منعك أن لا تسجد \" أي: ما منعك أن تسجد، قال: وإنما تزاد لا في الكلام لإباء أو جحد، وقال: \" لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله \" أي: ليعلم.\rوقال أبو النجم: فما ألوم النجم أن لا تسهرا يريد أن تسهرا.\rوحذف المنادى كقوله تعالى: \" ألا يا اسجدوا لله \" كأنه قال: \" ألا يا هؤلاء اسجدوا لله \" وقال ذو الرمة في مثل ذلك:\rألا يا سلمى يا دار مي على البلى ... ولا أزال منهلاً بجرعائك القطر\rوأن يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة، أو يخبر عنه، كقوله تعالى: \" إن الذين ينادونك من وراء الحجرات \" وإنما كان رجلاً واحداً، وقوله \" ألقيا في جهنم \" وإنما يخاطب مالكاً خازن النار، وقيل: بل أراد ألق ألق، فثنى الفعل، وقوله: \" فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى \" فخاطب الاثنين بخطاب الواحد، وقوله: \" فقد صغت قلوبكما وقوله: \" وألقى الألواح \" وهما لوحان فيما زعم المفسرون، حكاه ابن قتيبة؛ وأن يصف الجماعة بصفة الواحد كقوله: \" إن كنتم جنباً \" .\rومن غرائب هذا الباب أن يأتي المفعول بلفظ الفاعل، كقوله تعالى: \" لا عاصم اليوم من أمر الله \" أي: لا معصوم، وكذلك قوله: \" من ماء دافق \" أي: مدفوق، وقوله: \" في عيشة راضية \" أي: مرضي بها، وقوله: \" وجعلنا آية النهار مبصرة \" أي: مبصر فيها، وأن يأتي الفاعل بلفظ المفعول به كقوله تعالى: \" إنه كان وعده مأتيا \" أي آتياً.\rوقد جاء الخصوص في معنى العموم في قوله تعالى: \" يا أيها النبي إذا طلقتم النساء \" وجاء العموم بمعنى الخصوص في قوله: \" يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً \" ومن الحمل على المعنى قوله تعالى: \" وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم \" كأنه قيل: من زينه؟ فقيل: شركاؤهم.\rوالحمل على المعنى في الشعر كثير، ومن أنواعه التذكير والتأنيث، ولا يجوز أن تؤنث مذكراً على الحقيقة من الحيوان، ولا أن تذكر مؤنثاً.\rقال ابن أبو ربيعة المخزومي:\rفكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر\rفأنث الشخوص على المعنى. وكل جمع مكسر جائز تأنيثه وإن كان واحده مذكراً حقيقياً.\rومما أنث من المذكر حملا على اللفظ قول الشاعر، أنشده الكسائي:\rأبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة، ذاك الكمال\rومثل هذا في الشعر كثير وموجود.\rباب السرقات وما شاكلها\rوهذا باب متسع جداً، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعى السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخر فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في حلية المحاضرة بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإغارة، والمرافدة، والاستلحاق، وكلها قريب، وقد استعمل بعضها في مكان بعض، غير أني ذاكرها على ماخيلت فيما بعد.\rوقال الجرجاني وهو أصح مذهباً، وأكثر تحقيقاً من كثير ممن نظر في هذا الشأن : ولست تعد من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحق به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه.\rقال عبد الكريم: قالوا:","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه، وأبعد في أخذه، على أن من الناس من بعد ذهنه إلا عن مثل بيت امرئ القيس وطرفة حين لم يختلفا إلا في القافية؛ فقال أحدهما وتحمل، وقال الآخر وتجلد ومنهم من يحتاج إلى دليل من اللفظ مع المعنى، ويكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر، وهم قليل.\rوالسرق أيضاً إنما هو في البديع المخترع الذي يختص به الشاعر، لا في المعاني المشتركة التي هي جارية في عاداتهم ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي يورده أن يقال إنه أخذه من غيره.\rقال: واتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سبق إليه جهل، ولكن المختار له عندي أوسط الحالات.\rوقال بعض الحذاق من المتأخرين: من أخذ معنى بلفظه كما هو كان سارقاً، فإن غير بعض اللفظ كان سالخا، فإن غير بعض المعنى ليخفيه أو قلبه عن وجهه كان ذلك دليل حذقه.\rوأما ابن وكيع فقد قدم في صدر كتابه على أبي الطيب مقدمة لا يصح لأحد معها شعر إلا الصدر الأول إن سلم ذلك لهم، وسماه كتاب المنصف مثل ما سمي اللديغ سليما، وما أبعد الإنصاف منه.\rوالاصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، فإن صرفه إليه على جهة المثل فهو اختلاب واستلحاق، وإن ادعاه جملة فهو انتحال، ولا يقال منتحل إلا لمن ادعى شعراً لغيره وهو يقول الشعر، وأما إن كان لا يقول الشعر فهو مدع غير منتحل، وإن كان الشعر لشاعر أخذ منه غلبة فتلك الإغارة والغصب، وبينهما فرق أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن أخذه هبة فتلك المرافدة، ويقال: الاسترفاد، فإن كانت السرقة فيما دون البيت فذلك هو الاهتدام، ويسمى أيضاً النسخ، فإن تساوى المعنيان دون اللفظ وخفي الأخذ فذلك النظر والملاحظة، وكذلك إن تضادا ودل أحدهما على الآخر، ومنهم من يجعل هذا الإلمام، فإن حول المعنى من نسيب إلى مديح فذلك الاختلاس، ويسمى أيضاً نقل المعنى، فإن أخذ بنية الكلام فقط فتلك الموازنة، فإن جعل مكان كل لفظة ضدها فذلك هو العكس، فان صح أن الشاعر لم يسمع بقول الآخر وكانا في عصر واحد فتلك المواردة، وإن ألف البيت من أبيات قد ركب بعضها من بعض فذلك هو الالتقاط والتلفيق، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب، ومن هذا الباب كشف المعنى والمحدود من الشعر، وسوء الاتباع، وتقصير الآخذ عن المأخوذ منه، وسأورد عليك مما رويته أو تأدى إلى فهمه لكل واحد من هذه الألقاب مثالا يعرفه العالم، ويقتدي به المتعلم، إن شاء الله تعالى.\rأما الاصطراف فيقع من الشعر على نوعين: أحدهما: الاجتلاب، وهو الاستلحاق أيضاً كما قدمت، والآخر: الانتحال؛ فأما الاجتلاب فنحو قول النابغة الذبياني:\rوصهباء لا تخفي القذى وهو دونها ... تصفق في راووقها حين تقطب\rتمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا\rفاستلحق البيت الخير فقال:\rوإجانة ريا السرور كأنها ... إذا غمست فيها الزجاجة كوكب\rتمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا\rوربما اجتلب الشاعر البيتين على الشريطة التي قدمت؛ فلا يكون في ذلك باس، كما قال عمرو ذو الطوق:\rصددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراه اليمينا\rوما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا\rفاستلحقهما عمرو بن كلثوم؛ فهما في قصيدته، وكان عمرو بن العلاء وغيره لا يرون ذلك عيباً، وقد يصنع المحدثون مثل هذا.\rقال زياد الأعجم:\rأشم إذا ما جئت للعرف طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله\rولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله\rويروى هذا لأخت يزيد بن الطثرية، فاستلحق البيت الأخير أبو تمام فهو في شعره.\rوأما قول جرير للفرزدق وكان يرميه بانتحال شعر أخيه الأخطل بن غالب:\rستعلم من يكون أبوه قيناً ... ومن كانت قصائده اجتلاباً\rفإنما وضع الاجتلاب موضع السرق والانتحال لضرورة القافية، هكذا ذكر العلماء من هؤلاء المحدثين، وأما الجمحي فقال: من السرقات ما يأتي على سبيل المثل ليس اجتلاباً، مثل قول أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي:","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعاد بعد أبوالا.\rثم قاله بعينه النابغة الجعدي لما أتى موضعه، فبنو عامر ترويه للجعدى، والرواة مجمعون أنه لأبي الصلط؛ فقد ذهب الجمحي في الإجتلاب مذهب جرير أنه انتحال ولم أر محدثاً غيره يقول هذا القول.\rوالانتحال عندهم قول جرير:\rإن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا\rغيضن من عبراتهن وقلن لي: ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا؟\rفإن الرواة مجمعون على أن البيتين للمعلوط السعدي انتحلهما جرير، وانتحل أيضاً قول طفيل الغنوي:\rولما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله\rولذلك قال الفرزدق:\rإن تذكروا كرمي بلؤم أبيكم ... وأوابدي تتنحلوا الأشعارا\rوكان يتقارضان الهجاء، ويعكس كل واحد منهما المعنى على صاحبه وليس ذلك عيباً في المناقضات، ولما قال الفرزدق في بني ربيع:\rتمنت ربيع أن يجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعاً كبارها\rأخذه البعيث بعينه في بني كليب رهط جرير فقال الفرزدق:\rإذا ما قلت قافية شروداً ... تنحلها ابن حمراء العجان\rيعني البعيث؛ وكان ابن سرية.\rوأما قول البحتري:\rرمتني غواة الشعر من بين مفحم ... ومنتحل ما لم يقله ومدعى\rفيشهد لك ما قدمت ذكره؛ لأنه قسمهم ثلاثة أقسام: مفحم قد عجز عن الكلام فصلا عن التحلي بالشعر غير أنه يتبع الشعراء؛ والآخر منتحل لأجود من شعره، والثالث مدع جملة لا يحسن شيئاً.\rوالإغارة: أن يصنع الشعر بيتاً ويخترع معنى مليحاً فيتناوله من هو أعظم منه ذكراً وأبعد صوتاً، فيروى له دون قائله، كما فعل الفرزدق بجميل وقد سمعه ينشد:\rترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا\rفقال: متى كان الملك في بني عذرة؟ إنما هو في مضر وأنا شاعرها، فغلب الفرزدق على البيت، ولم يتركه جميل ولا أسقطه من شعره.\rوقد زعم بعض الرواة أنه قد قال له: تجاف لي عنه، فتجافى جميل عنه، والأول أصح؛ فما كان هكذا فهو إغارة، وقوم يرون أن الإغارة أخذ اللفظ بأسره والمعنى بأسره، والسرق أخذ بعض اللفظ أو بعض المعنى، كان ذلك لمعاصر أو قديم.\rوأما الغصب فمثل صنيعه بالشردل اليربوعي، وقد أنشد في محفل:\rفما بين من لم يعط سمعاً وطاعةً ... وبين تميم غير حز الحلاقم\rفقال الفرزدق: والله لتدعنه أو لتدعن عرضك، فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.\rوقال ذو الرمة بحضرته: لقد قلت أبياتاً، إن لها لعروضاً وإن لها لمراداً ومعنى بعيداً، قال: وما قلت؟ فقال: قلت:\rأحين أعادت بي تميم نسائها ... وجردت تجريد اليماني من الغمد\rومدت بضبعي الرباب ومالك ... وعمرو وسالت من ورائي بنو سعد\rومن آل يربوع زهاء كأنه ... دجى الليل محمود النكاية والرفد\rفقال له الفرزدق: إياك وإياها لا تعودن إليها، وأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبداً إلا لك وسمعت بعض المشايخ يقول: الاصطراف في شعر الأموات كالإغارة على شعر الأحياء، إنما هو أن يرى الشاعر نفسه أولى بذلك الكلام من قائله.\rوأما المرافدة فأن يعين الشاعر صاحبه بالأبيات يهبها له، كما قال جرير لذي الرمة: أنشدني ما قلت لهشام المرئي، فأنشده قصيدته:\rنبت عيناك عن طلل بحزوى ... محته الريح وامتنح القطارا\rفقال: ألا أعينك؟ قال: بلى بأبي وأمي، قال: قل له:\rيعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا\rيعدون الرباب وآل سعد ... وعمراً ثم حنظلة الخيارا\rويهلك بينها المرئي لغواً ... كما ألغيت في الدية الحوارا\rفلقيه الفرزدق، فلما بلغ هذه قال: جيد، أعده، فأعاده، فقال: كلا والله، لقد علكهن من هو أشد لحيين منك، هذا شعر ابن المراغة.\rواسترفد هشام المرئي جريراً على ذي الرمة فقال في أبيات:\rيماشي عدياً لؤمها ما تجنه ... من الناس ما ماشت عدياً ظلالها","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"فقل لعدي تستعن بنسائها ... علي فقد أعيا عدياً رجالها\rأذا الرم، قد قلدت قومك رمة ... بطيئاً بأيدي العاقلين انحلالها\rويروي بأيدي المطلقين فقال ذو الرمة لما سمعها: يا ويلتنا، هذا والله شعر حنظلي، وغلب هشام على ذي الرمة بعد أن كان ذو الرمة مستعلياً عليه.\rوقد استرفد نابغة بني ذبيان زهيراً فأمر ابنه كعباً فرفده.\rوالشاعر يستوهب البيت والبيتين والثلاثة وأكثر من ذلك، إذا كانت شبيهة بطريقته، ولا يعد ذلك عيباً؛ لأنه يقدر على عمل مثلها، ولا يجوز ذلك إلا للحاذق المبرز.\rوالاهتدام نحو قول النجاشي:\rوكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمت فيها يد الحدثان\rفأخذ كثير القسم الأول واهتدم باقي البيت فجاء بالمعنى في غير اللفظ، فقال: ورجل رمى فيها الزمان فشلت وأما النظر والملاحظة فمثل قول مهلهل:\rأنبضوا معجس القسي وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا\rنظر إليه زهير بقوله:\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا\rوأبو ذؤيب بقوله:\rضروب لهامات الرجال بسيفه ... إذا حن نبع بينهم وشريح\rوالإلمام: ضرب من النظر، وهو مثل قول أبي الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذة وقول أبي الطيب: أأحبه وأحب فيه ملامة البيت، وقد تقدم ذكرهما في التغاير.\rوأما الاختلاس فهو قول أبي نواس:\rملك تصور في القلوب مثاله ... فكأنه لم يخل منه مكان\rاختلسه من قول كثير:\rأريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل\rوقول عبد الله بن مصعب:\rكأنك كنت محتكماً عليهم ... تخير في الأبوة ما تشاء\rويروى كأنك جئت محتكماً عليهم اختلسه من قول أبي نواس:\rخليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب\rفاكتست منه طرائفه ... ثم زادت فضل ما تهب\rأردت البيت الأول.\rومن هذا النوع قول امرئ القيس:\rإذا ما ركبنا قال ولدان حينا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب\rنقله ابن مقبل إلى القدح فقال:\rإذا امتحنته من معد عصابة ... عدارية قبل الإفاضة يقدح\rنقله ابن المعتز إلى البازي فقال:\rقد وثق القوم له بما طلب ... فهو إذا عرى لصيد واضطرب\rعروا سكلكينهم من القرب\rنقلته أنا إلى قوس البندق فقلت:\rطير أبابيل جاءتنا فما برحت ... إلا وأقواسنا الطير الأبابيل\rترميهم بحصى طير مسمومة ... كأن معدنها للرمي سجيل\rتعدو على ثقة منا بأطيبها ... فالنار تقدح والطنجير مغسول\rوالموازنة مثل قول كثير:\rتقول مرضنا فما عدتنا ... وكيف يعود مريض مريضا\rوازن في القسم الآخر قول نابغة بني تغلب:\rبخلنا لبخلك قد تعلمين ... وكيف يعيب بخيلاً بخيلا\rوالعكس قول ابن أبي قيس، ويروى لأبي حفص البصري:\rذهب الزمان برهط حسان الأولى ... كانت مناقبهم حديث الغابر\rوبقيت في خلف يحل ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر\rسود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر\rوقد عاب ابن وكيع هذا النوع بقلة تمييز منه أو غفلة عظيمة.\rوأما الموارد فقد ادعاها قوم في بيت امرئ القيس وطرفة، ولا أظن هذا مما يصح؛ لأن طرفة في زمان عمرو بن هند شاب حول العشرين، وكان امرؤ القيس في زمان المنذر الأكبر كهلاً واسمه وشعره أشهر من الشمس؛ فكيف يكون هذا مواردة؟ إلا أنهم ذكروا أن طرفة لم يثبت له البيت، حتى استحلف أنه لم يسمعه قط فحلف، وإذا صح هذا كان مواردة، وإن لم يكونا في عصر، وسئل أبو عمرو بن العلاء: أرأيت الشاعرين يتفقان في المعنى ويتواردان في اللفظ لم يلق واحد منهما صاحبه ولم يسمع شعره؟ قال: تلك عقول رجال توافت على ألسنتها، وسئل أبو الطيب عن مثل ذلك فقال: الشعر جادة، وربما وقع الحافر على موضع الحافر.\rوألما الالتقاط والتلفيق فمثل قول يزيد بن الطثرية:\rإذا ما رآني مقبلاً غض طرفه ... كأن شعاع الشمس دوني مقابله\rفأوله من قول جميل:","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"إذا ما رأوني طالعاً من ثنية ... يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني\rووسطه من قول جرير:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rوعجزه من قول عنترة الطائي:\rإذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من حولي تدور\rفأما كشف المعنى فنحو قول امرئ القيس:\rنمشي بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب\rوقال عبدة بن الطبيب بعده:\rثمة قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل\rفكشف المعنى وأبرزه.\rوأما المجدود من الشعر فنحو قول عنترة العبسي: وكما علمت شمائلي وتكرمي رزق جداً واشتهاراً على قول امرئ القيس:\rوشمائلي ما قد علمت، وما ... نبحت كلابك طارقاً مثلي\rومنه أخذ عنترة، والمخترع معروف له فضله، متروك له من درجته، غير أن المتبع إذا تناول معنى فأجاده بأن يختصره إن كان طويلاً، أو يبسطه إن كان كزاً، أو يبينه إن كان غامضاً، أو يختار له حسن الكلام إن كان سفسافاً، أو رشيق الوزن إن كان جافياً فهو أولى به من مبتدعه، وكذلك إن قلبه أو صرفه عن وجه إلى وجه آخر، فأما إن ساوى المبتدع فله فضيلة حسن الاقتداء لا غيرها، فإن قصر كان ذلك دليلاً على سوء طبعه، وسقوط همته، وضعف قدرته.\rفمما أجاد فيه المتبع على المبتدع قول الشماخ:\rإذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين\rفقال أبو النواس:\rأقول لناقتي إذا بلغتني ... لقد أصبحت مني باليمين\rفلم أجعلك للغربان نحلاً ... ولا قلت \" اشرقي بدم الوتين \"\rوكرره فقال:\rوإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام\rقربننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام\rومما يتساوى فيه السارق والمسروق منه قول امرئ القيس فلو أنها نفس البيت، وقول عبدة بن الطبيب فما كان قيس البيت.\rوسوء الاتباع أن يعمل الشاعر معنى ردياً ولفظاً ردياً مستهجناً ثم يأتي من بعده فيتبعه فيه على رداءته، نحو قول أبي تمام:\rباشرت أسباب الغنى بمدائح ... ضربت بأبواب الملوك طبولا\rفقال أبو الطيب:\rإذا كان بعض الناس سيفاً لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول\rفسرق هذه اللفظة لئلا تفوته.\rومما قصر فيه الآخذ عن المأخوذ منه قول أبي دهبل الجمحي في معنى بيت الشماخ:\rيا ناق سيري واشرقي ... بدم إذا جئت المغيره\rسيثيبني أخرى سوا ... ك، وتلك لي منه يسيره\rفأنت ترى أين بلغت همته؟؟ ومما يعد سرقاً وليس بسرق اشتراك اللفظ المتعارف كقول عنترة:\rوخيل قد دلفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا\rوقول عمرو بن معدي كرب:\rوخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع\rوقول الخنساء ترثي أخاها صخراً:\rوخيل قد دلفت لها بخيل ... فدارت بين كبشيها رحاها\rومثله:\rوخيل قد دلفت لها بخيل ... ترى فرسانها مثل الأسود\rوأمثال هذا كثير.\rوكانوا يقضون في السرقات أن الشاعرين إذا ركبا معنى كان أولاهما به أقدمهما موتاً، وأعلاهما سناً، فإن جمعهما عصر واحد كان ملحقاً بأولاهما بالإحسان، وإن كانا في مرتبة واحدة لهما جميعاً، وإنما هذا فيما سوى المختص الذي حازه قائله، واقتطعه صاحبه، ألا ترى أن الأعشى سبق إلى قوله:\rوفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\rموروثة مجداً، وفي الأصل رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\rفأخذ النابغة فقال:\rشعب العلا فيات بين فروجهم ... والمحصنات عوازب الأطهار\rوبيت النابغة خير من بيت الأعشى باختصاره، وبما فيه من المناسبة بذكر الشعب بين الفروج وذكره النساء بعد ذلك، وأخذه الناس من بعده، فلم يغلبه على معناه أحد، ولا شاركه فيه، بل جعل مقتدياً تابعاً، وإن كان مقدماً عليه في حياته، وسابقاً له بمماته.\rوقال أوس بن حجر:\rكأن هراً جنيباً عند غرضتها ... والتف ديك برجليها وخنزير\rفلم يقربه أحد، وكذلك سائر المعاني المفردة والتشبيهات العقم تجري هذا المجرى.","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"وأجل السرقات نظم النثر وحل الشعر، وهذه لمحة منه. قال نادب الإسكندر \" حركنا الملك بسكونه \" فتناوله أبو العتاهية فقال:\rقد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا\rوقال أرساطاطاليس يندبه: \" قد كان هذا الشخص واعظاً بليغاً، وما وعظ بكلامه عظة قط أبلغ من موعظته بسكوته \" وقال أبو العتاهية في ذلك:\rوكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حياً\rوقال عيسى عليه السلام: تعملون السيئات وترجون أن تجازوا عليها بمثل ما يجازى به أهل الحسنات، أجل لا يجنى الشوك من العنب.\rفقال ابن عبد القدوس:\rإذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنباً\rوأخذ الكتاب قولهم \" قدمت قبلك \" من قول الأقرع بن حابس، ويروى لحاتم:\rإذا ما أتى يوم يفرق بيننا ... بموت فكن أنت الذي تتاخر\rوقولهم \" وأتم نعمته عليك \" من قول عدي بن الرقاع العاملي:\rصلى الإله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها\rفما جرى هذا المجرى لم يكن على سارقه جناح عند الحذاق، وفي أقل ما جئت به منه كفاية.\rباب الوصف\rالشعر إلا أقله راجع إلى باب الوصف، ولا سبيل إلى حصره واستقصائه، وهو مناسب للتشبيه، مشتمل عليه، وليس به؛ لأنه كثيراً ما يأتي في أضعافه، والفرق بين الوصف والتشبيه أن هذا إخبار عن حقيقة الشيء، وأن ذلك مجاز وتمثيل.\rوأحسن الوصف ما نعت به الشيء حتى يكاد يمثله عياناً للسامع، كما قال النابغة الجعدي يصف ذئباً افترس جؤذراً:\rفبات يذكيه بغير حديدة ... أخو قنص يمسي ويصبح مفطراً\rإذا ما رأى منه كراعا تحركت ... أصاب مكان القلب منه وفرفرا\rفأنت ترى كيف قام هذا الوصف بنفسه، ومثل الموصوف في قلب سامعه. قال قدامة: الوصف إنما هو ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني كان أحسنهم وصفا من أتى في شعره أكثر المعاني التي الموصوف بها مركب فيها، ثم بأظهرها فيه، وأولاها به، حتى يحكيه ويمثله للحس بنعته.\rوقال بعض المتأخرين: أبلغ الوصف ما قلب السمع بصراً. واصل الوصف الكشف والإظهار، يقال: قد وصف الثوب الجسم، إذا نم عليه ولم يستره، ومنه قول ابن الرومي:\rإذا وصفت ما فوق مجرى وشاحها ... غلائلها ردت شهادتها الأزر\rإلا أن من الشعراء والبلغاء من إذا وصف شيئاً بلغ في وصفه، وطلب الغاية القصوى التي لا يعدوها شيء: إن مدحا فمدحا، وإن ذما فذما.\rوالناس يتفاضلون في الأوصاف، كما يتفاضلون في سائر الأصناف: فمنهم من يجيد وصف شيء ولا يجيد وصف آخر، ومنهم من يجيد الأوصاف كلها وإن غلبت عليه الإجادة في بعضها: كامرئ القيس قديماً، وأبي نواس في عصره، والبحتري وابن الرومي في وقتهما، وابن المعتز، وكشاجم؛ فإن هؤلاء كانوا متصرفين مجيدين الأوصاف، وليس بالمحدث من الحاجة إلى أوصاف الإبل ونعوتها، والقفار ومياهها، وحمر الوحش، والبقر، والظلمان، والوعول؛ ما بالأعراب وأهل البادية؛ لرغبة الناس في الوقت عن تلك الصفات، وعلمهم أن الشاعر إنما يتكلفها تكلفا ليجري على سنن الشعراء قديما، وقد صنع ابن المعتز وأبو النواس قبله ومن شاكلهما في تلك الطرائق ما هو مشهور في أشعارهم: كرائية الحسن في الخصيب، وجيمية ابن المعتز المردفة في الضرب الثاني من الكامل.\rوالأولى بنا في هذا الوقت صفات الخمر والقيان وما شاكلهما، وما كان مناسباً لهما كالكؤوس والقناني والأباريق، وتفاح التحيات، وباقات الزهر إلى ما لا بد منه من صفات الخدود، والقدود، والنهود، والوجوه، والشعور، والريق، والثغور، والرداف، والخصور، ثم صفات الرياض والبرك والقصور، وما شاكل المولدين؛ فإن ارتفعت البضاعة فصفات الجيوش وما يتصل بها من ذكر الخيل، والسيوف، والرماح، والدروع، والقسي، والنبل، إلى نحو ذلك من ذكر الطبول، والبنود، والمنحرفات، والمنجنيقات، وليس يتسع بنا هذا الموضع لاستقصاء ما في النفس من هذه الأوصاف؛ فحينئذ أدل على مظانها دلالة مجملة، وأذكر مما قل شكله وعز نظيره شواهد وأمثلة يعرف بها المتعلم كيف العمل فيها ومن حيث المسلك إليها، إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"أما نعات الخيل فامرؤ القيس، وأبو دؤاد، وطفيل الغنوي، والنابغة الجعدي، وأما نعات الإبل فطرفة في معلقته من أفضلهم، وأوس بن حجر، وكعب بن زهير، والشماخ، وأكثر القدماء يجيد وصفها؛ لأنها مراكبهم، ألا ترى رؤبة لما غلط في وصف الفرس كيف قال: أدنني من ذنب البعير، وكان عبيد بن حصين الراعي النميري أوصف الناس للابل، ولذلك سمي راعياً، وأما الحمر الوحشية والقسي فأوصف الناس لها الشماخ، شهد له بذلك الحطيئة والفرزدق، وهذان يجيدان صفات الخيل والقسي أيضاً والنبل، وأما الخمر فمن أوصاف الأعشى والأخطل وأبي نواس وابن المعتز، ولأبي نواس أيضاً وابن المعتز الصيد والطرد، فما شئت من هذه الأوصاف فالتمسها حيث ذكرت، ومن الأوصاف القليلة المثل قول رؤبة يصف الفيل:\rأجرد الخصر طويل النابين ... مشرب اللحى صغير الفقمين\rعليه أذنان كفضل الثوبين\rوقال آخر يصفه، أنشده عبد الكريم:\rمن يركب الفيل فهذا الفيل ... إن الذي يحمله محمول\rعلى تهاويل لها تهويل ... كالطود إلا أنه يجول\rوأذن كأنها منديل\rهكذا أنشده، وبين البيتين الأخيرين أبيات كثيرة أسقطتها، وقد أنشدها غلام ثعلب عنه عن ابن الأعرابي.\rوقال عبد الكريم فجمع ما فرقاه وزاد عليهما:\rوأضخم هندي النجار تعده ... ملوك بني ساسان إن رابها أمر\rمن الورق لا من ضربه الورق ترتعي ... أضاخ ولا من ضربه الخمس والعشر\rيجئ كطود جائل فوق أربع ... مضبرة لمت كما لمت الصخر\rله فخذان كالكثيبين لبدا ... وصدر كما أوغى من الهضبة الصدر\rووجه به أنف كراووق خمرة ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر\rوأذن كنصف البرد يسمعه الندا ... خفياً وطرف ينقض الغيب مزور\rونابان شقا لا يريك سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما نثر\rله لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو غلس الصقر\rوصنعت أنا في زرافة أتت في الهدية من مصر إلى مولانا خلد الله ملكه من قصيدة طويلة:\rأتتك من كسب الملوك زرافة ... شتى الصفات لكونها أثناء\rجمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... في خلقها وتنافت الأعضاء\rتحتثها بين الخوافق مشية ... باد عليها الكبر والخيلاء\rوتمد جيداً في الهواء يزينها ... فكأنه تحت اللواء لواء\rحطت مآخرها وأشرف صدرها ... حتى كأن وقوفها إقعاء\rوكأن فهر الطيب ما رجمت به ... وجه الثرى لو لمت الأجزاء\rوتخيرت دون الملابس حلة ... عيت لصنعة مثلها صنعاء\rلوناً كلون الزبل إلا أنه ... حلي وجزع بعضه الجلاء\rأو كالسحاب المكفهرة خيطت ... فيه البروق، وميضها إيماء\rأو مثل ما صدئت صفائح جوشن ... وجرى على حافاتهن جلاء\rنعم التجافيف التي ادرعت به ... من جلدها لو كان فيه وقاء\rوصنعت أيضاً:\rومجنونة أبداً لم تكن ... مذللة الظهر للراكب\rقد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السنام بلا غارب\rملمعة مثل ما لمعت ... بجناء وشي يد الكاعب\rكأن الجواري كنفنها ... لخالخ من كل جانب؟\rوقال كشاجم يصف اصطرلاباً:\rومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كل رابعة الأشكال مصفوح\rصلب يدار على قطب يلينه ... تمثال طرف بشكم الحذق مشبوح\rمثل البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم في أقطارها الفيح\rكأنما السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح\rتنبيك عن طالع الأبراج هيئته ... بالشمس طوراً وطوراً بالمصابيح\rوإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم منه مشروح\rوإن تعرض في وقت يقدره ... لك التشكك جلاه بتصحيح","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"مميز في قياسات النجوم لنا ... بين المشائيم منها والمناجيح\rله على الظهر عيناً حكمة بهما ... يحوي الضياء ويجنيه من اللوح\rوفي الدوائر من أشكاله حكم ... تلقح الفهم منا أي تلقيح\rلا يستقل لما فيها بمعرفة ... إلا الحصيف اللطيف الحس والروح\rحتى ترى الغيب عنه وهو منغلق ال ... أبواب عمن سواه جد مفتوح\rنتيجة الدهر والتفكير صوره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح\rوقال أيضاً يصف تحت حساب الهندسة:\rوقلم مداده تراب ... في صحف سطورها حساب\rيكثر فيه المحو الإضطراب ... من غير أن يسود الكتاب\rحتى يبين الحق والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب\rفيه ولا شك ولا ارتياب\rوقال يستهدي بركارا:\rجد لي ببركارك الذي صنعت ... فيه يدا قينة أعاجيبا\rملأم الشفرتين معتدل ... ماشين من جانب ولا عيبا\rشخصان في شكل واحد قدرا ... وركبا في العقول تركيبا\rوأشبه شيئين في اشتباههما ... بصاحب لا يمل مصحوبا\rأوثق مسماره وغيب عن ... نواظر الناقدين تغييبا\rفعين من يجتليه تحسبه ... في قالب الاعتدال مصبوبا\rوضم شطريه محكم لهما ... ضم محب إليه محبوبا\rيزداد حرصاً عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا\rفقوله كلما تأمله ... طوبى لمن كان ذاله طوبى\rذو مقلة بصرته مذهبة ... لم تأله زينة وتذهيبا\rينظر منه إلى الصواب به ... فلا يزال الصواب مطلوبا\rلولاه ما صح شكل دائرة ... ولا وجدنا الحساب محسوبا\rالحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا\rلو عين إقليدس به بصرت ... خر له بالسجود مكبوبا\rفابعثه واجنبه لي بمسطرة ... تلق الهوى بالثناء محبوبا\rلا زلت تجدي وتجتدي حكماً ... مستوهباً للصديق موهوبا\rوقال في صفة البنكام:\rروح من الماء في جسم من الصفر ... مؤتلف بلطيف الحس والنظر\rمستعبر لم يغب عن إلفه سكن ... ولم يبت قط من طعن على حذر\rله على الظهر أجفان محجرة ... ومقلة دمعها يجري على قدر\rتنشأ له حركات في أسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر\rوفي أعاليه حسبان يفصله ... للناظرين بلا ذهن ولا فكر\rإذا بكى دار في أحشائه فلك ... خافي المسير وإن لم يبك لم يدر\rمترجم عن مواقيت تخبرنا ... عنها فيوجد فيها صادق الخبر\rتقضى به الخمس في وقت الوجوب، وإن ... غطى على الشمس ستر الغيم والمطر\rوإن سهرت لأسباب تؤرقني ... عرفت مقدار ما ألقى من السهر\rمحرر كل ميقات تخيره ... ذوو التخير للأسفار والحضر\rومخرج لك بالإجراء ألطفها ... من النهار وقوس الليل والسحر\rنتيجة العلم والأفكار صوره ... يا حبذا بدع الأفكار في الصور\rوقال يصف زرمانج آبنوس:\rنعم المعين على الآداب والحكم ... صحائف حلك الألوان كالظلم\rلا تستمد مدادها غير صبغتها ... فسر ذي اللب منها غير مكتتم\rخفت وجفت فلم تدنس لحاملها ... ثوباً ولم يخش منها نبوة القلم\rوأمكن المحو فيها الكف فاتسعت ... لما تضمن من نثر ومنتظم\rحليتها بلجين وانتخبت لها ... وقاية من ذكي العود لا الأدم\rفالكم يعبق منها حين تودعه ... عرفاً تنسم منها أطيب النسم\rلو كن ألواح موسى حين يغضبه ... هارون لم يلقها خوفاً من الندم\rوله من قصيدة ذكر فيها طاووساً مات له:","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"رزئته روضةً يروق، ولم ... نسمع بروض يمشي على قدم\rجثل الذنابى كأن سندسة ... زرت عليه موشية العلم\rمتوجاً خلقة حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم\rكأنه يزدجرد منتصباً ... يبني فيعلى مآثر العجم\rيطبق أجفانه ويحسر عن ... فصين يستصبحان في الظلم\rأدل بالحسن فاستذال له ... ذيلاً من الكبر غير محتشم\rثم مشى مشية العروس؛ فمن ... مستظرف معجب ومبتسم\rفهذا طرف مما شرطته كاف، يرى به المتعلم نهج هذه الطريقة، إن شاء الله تعالى.\rباب الشطور وبقية الزحاف\rالقول في الشطور على أحد وجهين: إما أن يراد بالشطر نصف البيت، وإما أن يراد به القصد، وذلك أنهم إذا ذكروا الشطور فربما أنشدوا أبياتاً كاملة، وليست أقسمة؛ فيكون هذا من قوله تعالى: \" فول وجهك شطر المسجد الحرام \" وكذلك القسيم أيضاً: يجوز أن يكون نصف البيت، ويجوز أن يكون بمعنى الحظ من الوزن؛ لأن الحظ يقال له قسيم وقسم.\rقال جرير:\rأتاركة أكل الخزيز مجاشع ... وقد خس إلا في الخزيز قسيمها\rيريد حظها. وقالت ابنة المنذر بن ماء السماء:\rبعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم\rوهذا حين أبدأ بذكر الشطور على مذهب الجوهري لقلة حشوه.\rالطويل: مثمن قديم، مسدس محدث، أجزاؤه \" فعولن مفاعيلن \" ثماني مرات وزحافه: القبض، الثلم، والثرم، الكف، الحذف. ومسدسه أن يحذف منه مفاعيلن الآخرة من كل قسم.\rالمديد: مثمن محدث، مسدس قديم، مربع قديم،، أجزاؤه \" فاعلاتن فاعلن \" ثماني مرات وعلى ذلم أتى محدثه، وبيت مربعه السالم:\rبؤس للحرب التي ... غادرت قومي سدى\rقال: وهذا شعر قديم، إلا أن الخليل لم يذكره. زحافه: الخبن، الكف، الشكل، القصر، الحذف، الصلم.\rالبسيط: مثمن قديم، مسدس قديم، مربع محدث، أجزاؤه \" مستفعلن فاعلن \" ثماني مرات ومسدسه \" مستفعلن فاعلن مستفعلن \" مكررة، قال: وله مسدس آخر يسميه الخليل السريع، وقد نقص منه \" فاعلن \" الأولى والثالثة وبيته المربع المحدث:\rدار عفاها القدم ... بين البلى والعدم\rزحافه: الخبن، الطي، الخبل، القطع، الإذالة، التخليع. ومعنى التخليع: قطع \" مستفعلن \" في العروض والضرب جميعاً.\rالوافر: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه \" مفاعلتن \" ست مرات، ولم يجئ عن العرب في مسدسه بيت صحيح. زحافه: العصب، القطف، النقص، العقل، العضب، القصم، العقص، الجمم.\rالكامل: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه متفاعلن \" ست مرات، زحافه: الإضمار، الوقص، الخزل، القطع، الخرم، الترفيل، الإذالة.\rالهزج: مسدس محدث، مربع قديم، أجزاؤه مفاعيلن \" أربع مرات، بيته المسدس المحدث:\rألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا ... وإذ صاحت بشط البين غربان\rزحافه: الخزم، الكف، القبض، الحزب، الشتر، الحذف.\rالرجز: مسدس، مربع، مثلث، مثنى، كله قديم، موحد محدث، أجزاؤه \" مستفعلن \" ست مرات، زحافه: الخبن، الطي، الخبل، القطع، الفرق، الوقف؛ ومعنى قوله الفرق: أن يفرق الوتد المجموع في حشو مسدسه فيعود مستفعلن مستفعنل بتقديم النون فيكون وزنه مفعولات.\rقال: وهو الذي يسميه الخليل المنسرح، ولم يجئ ضربه إلا مطوياً، وفي صدر مربعه، قال: وهو الذي يسميه الخليل المقتضب، وفي ضرب مثناه ومثلثه إلا أنه ساكن اللام؛ لأن آخر البيت لا يكون إلا متحركاً، وذلك هو الوقف.\rالرمل: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه \" فاعلاتن \" ست مرات، زحافه: الخبن، الكف، الشكل، الحذف، القصر، الإسباغ.\rالخفيف: مسدس قديم، مربع قديم، أجزاؤه \" فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن \" مكرر، ومربعه \" فاعلاتن مستفعلن \" قال: وقد ركب منه مربع آخر، وهو الذي يسميه الخليل مجتثاً، وقد نقص منه \" فاعلاتن \" الأولى والرابعة. وزحافه: الخبن، الكف، الشكل، الحذف، القطع، التشعيث، الإسباغ، الطي.\rالمضارع: مربع قديم لا غير، أجزاؤه \" مفاعلن فاعلاتن \" مكرر، ولم يجئ عن العرب فيه بيت صحيح. زحافه: القبض، الكف، الحذف، الشتر، الخبن.","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"المتقارب: مثمن قديم، مسدس مربع محدث، أجزاؤه \" فعولن \" ثماني مرات. زحافه: القبض، الثلم، الثرم، القصر، الحذف، البتر، وبيت مربعه المحدث:\rوقفنا هنيه ... بأطلال ميه\rالمتدارك: مثمن قديم، مسدس محدث، أجزاؤه \" فاعلن \" ثماني مرات، وبيته السالم من مثمنه:\rلم يدع من مضى للذي قد غبر ... فضل علم سوى أخذه بالأثر\rوشعر عمرو الجني مخبون. زحافه: الخبن، القطع، الإذالة، الترفيل..\rوهذا شرح الألقاب عن أبي زهرة النحوي وغيره. كل ما حذف ثانيه الساكن فهو مخبون، وكل ما حذف رابعه الساكن منه فهو مطوي، وما حذف خامسه الساكن فهو مقبوض، وما حذف سابعه الساكن فهو مكفوف، وما حذف ثانيه ورابعه الساكنان فهو مخبول، وما حذف ثانيه وسابعه الساكنان فهو مشكول، وما حذف ثانيه المتحرك فهو موقوص، وما حذف خامسه المتحرك فهو معقول، وما حذف سابعه المتحرك فهو مكشوف عند الخليل، ولم يعتد به الجوهري، وما حذف رابعة الساكن وأسكن ثانية المتحرك فهو مخزول، وما أسكن ثانية المتحرك فهو مضمر، وما أسكن خامسة المتحرك فهو معصوب، وما أسكن سابعه المتحرك فهو موقوف، وما حذف ساكن سببه وأسكن متحركه فهو مقصور، وإن كان هذا العمل في وتد فهو مقطوع، وكل سبب زيد عليه حرف ساكن ليس من الجزء الذي هو فيه فهو مسبغ، وإن كان ذلك في وتد فهو مذيل؛ فإن زيد على الوتد حرفان فهو مرفل، وكل ما حذف منه وتد مجموع فهو أحذ، فإن حذف وتد مفروق فهو أصلم، وإذا حذف من الجزء سبب وأسكن المتحرك الي يليه فهو مقطوف، وكل وتد مجموع كان في مبتدأ البيت فحذف أول الوتد فهو مخروم، وإن كان ذلك في \" فعولن \" فهو أثلم، فإن كان فيه مع الخرم قبض فهو أثرم، وإن كان الخرم في \" مفاعلتن \" فهو أعصب وإن كان مع ذلك عصب فهو أقصم، وإن كان فيه مع الخرم قبض فهو أعفص، وإن كان فيه مع الخرم عقل فهو أجم، وإذا خرمت \" مفاعيلن \" فهو أخرم وإذا كففته مع ذلك فهو أخرب، وإذا خرمته وقبضته فهو أشتر، وما ذهب منه جزآن من العروض والضرب فهو مجزو، وما يذهب منه شطره فهو مشطور، وما ذهب ثلثاه فهو منهمك، ومل سلم من الزحاف وهو يجوز فيه فهو سالم، وما سلم من الخرم فهو موفور، وما استوفى دائرته فهو تام، وما استوفى أجزاء دائرته وكان في بعض الأجزاء نقص فهو وافٍ، وكل جزء كان في ضرب أو عروض فكان بمنزلة الحشو فهو صحيح، وإن خالف الحشو فهو معتل، ومخالفة الحشو: أن يدخل فيه من النقص والزيادة ما لا يدخل الحشو، أو يمتنع من النقص الذي يدخل الحشو، والمعتدل على أربعة أوجه: ابتداء، وفصل، وغاية، واعتماد. وقد شرحتها فيما تقدم.\rباب بيوتات الشعر والمعرقين فيه\rمنها في الجاهلية بيت أبي سلمى: كان شاعراً واسمه ربيعة، وابنه زهير كان شاعراً، وله خؤولة في الشعر: خاله بشامة بن الغدير، وكان كعب وبجير ابنا زهير شاعرين، وجماعة من أبنائهما.\rومن المخضرمين حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وهو وأبوه وجده وأبو جده شعراء، وابنه عبد الرحمن شاعر، ذكر ذلك المبرد وبعد هذين بيت النعمان بن بشير، وبنوه: أبان، وبشير، وشبيب، وابنته حميدة، ومن بني بنيه عبد الخالق بن عبد الواحد، وعبد القدوس بن عبد الواحد بن النعمان، وأم النعمان عمرة بنت رواحة شاعرة، وخاله عبد الله بن رواحة أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم.\rومن المعرقين في الشعر عن عبد الكريم نهشل بن حرى بن ضمرة بن جابر بن قطن، ستة ليس يتوالى في بني تميم مثلهم شعراً وشرفاً وفعالاً.\rوعن ابن قتيبة القاسم بن أمية بن أبي الصلت، وهو القائل:\rقوم إذا نزل الغريب بدارهم ... تركوه رب صواهل وقيان\rوربيعة بن أمية عن غير ابن قتيبة.\rومن بيوتات الشعر في الإسلام بيت جرير: كان هو وأبوه عطية وجده الخطفي شعراء، وكان بنوه وبنو بنيه شعراء.. قال أبو زياد الكلابي: رأيت باليمامة نوحاً وبلالاً ابني جرير وهما يتسايران ولهما جمال وهيئة وقدر عظيم، وأشعر من باليمامة يومئذ حجناء بن نوح بن جرير، وكان عقيل بن بلال شاعراً، وعمارة ابنه شاعراً، أدرك الطائي حبيباً ولقيه المبرد.\rومن المعوقن عقبة بن رؤبة بن العجاج.","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"ومن البيوتات بيت أبي حفصة: كان مروان شاعراً، وجماعة بيته شعراء يضربون بألسنتهم أنوفهم، حكاه الجاحظ، وكان يحيى جد مروان شاعراً يهاجي اللعين المنقري، وأكثر أهل بيته شعراء رجالاً ونساء.\rوبيت أبي عيينة بيت شعر: منهم مجد وبنوه أبو عيينة وعبد الله وداود وعباد بن داود لقبه المخرق لقوله:\rأنا المخرق أعراض اللئام كما ... كان الممزق أعراض اللئام أبي\rوبيت الرفاشيين منهم عبد الصمد بن الفضل وابناه الفضل والعباس، وأكثرهم شعراء.\rوبيت اللاحقيين: كان حمدان شاعراً، وابنه، وأبوه أبان شاعراً، وجده عبد الحميد شاعراً، ولاحق أبو عبد الحميد شاعر، وإليه نسبوا، وهو مولى الرقاشيين، وأكثر أهل هذا البيت شعراء.\rوبيت أمية الكاتب ذكرهم دعبل، وهم أمية وإخوته: علي، ومحمد، والعباس وسعيد، ومن أولاد هؤلاء أبو العباس بن أمية وأخواه علي وعبد الله، وابن عمهم محمد بن علي بن أبي أمية.\rوبيت رزين بيت شعر، منهم عبد الله شاعر، وابنه الشيص شاعر، واسمه محمد، ومنهم علي شاعر، وابناه دعبل وعلي شاعران.\rوبيت حميد بن عبد الحميد. كان حميد شاعراً، وبنوه أهرم وأبو عبد الله وأبو نصر وأبو نهشل شعراء، ذكرهم دعبل.\rوالفرق بين المعرق وبين ذي البيت أن المعرق من تكرر الأمر فيه وفي أبيه وجده فصاعداً، ولا يكون معرقاً حتى يكون الثالث فما فوقه، وعلى هذا فسر قول أبي الطيب:\rالعارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارض الهتن\rقالوا: إنما أراد أنه معرق، وزاد واحداً على الشرط المتعارف، وإنما أخذه أبو الطيب من قول محمد بن عبد الملك الزيات:\rما كان ينذرنا ويؤمن سربنا ... ويجيرنا من شر كل مخيفة\rإلا مقام خليفة لخليفة ... لخليفة لخليفة لخليفة\rيعني الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، فصدق وحسن في معناه، ونقص المتنبي بواحد بعد سرقته.\rوذو البيت من عم الأمر جميع أهل بيته أو أكثرهم، فهذا فرق بينهما.\rومن الأخوة ومن لم يعرق: لبيد وأخوه لأمه أربد، والشماخ وأخواه جزء ويزيد وهو مزرد وبنو ابن مقبل وهم عشرة أخوة، تميم، وفضالة وحيان: ورفاعة، ووبرة، والمضاء، وأعقد، وعبد الله، وخفاف، وأبو الشمال، وأم تميم ابنة أمية بن أبي الصلت، وفي أولاد أخوته المذكورين آنفاً شعر؛ وقيس بن عمرو النجاشي وأخوه خديج، وعمرو بن أحمر وأخواه سنان وسيار، وغيلان ذو الرمة وإخوته: أوفى، ومسعود، وهشام، وحرقاس، شعراء خمستهم، ومسلم بن الوليد وأخوه سليمان الكفيف، وأشجع السلمي وأخوه أحمد.\rوأما الشاعر ابن الشاعر فقط فيقال له الثنيان حكاه عبد الكريم عن غيره، وهو كثير لو أخذنا في ذكرهم لطالت مسافة الباب.\rباب حكم البسملة قبل الشعر\rقال أبو جعفر النحاس: اختلف العلماء في كتب \" بسم الله الرحمن الرحيم \" أمام الشعر؛ فكره ذلك سعيد بن المسيب والزهري، وأجازه النخعي، وكذا يروي عن ابن العباس، قال: اكتب \" بسم الله الرحمن الرحيم \" أمام الشعر وغيره؛ قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان يميل إلى هذا، وقال: ينبغي أن يكتب أمام الشعر \" بسم الله الرحمن الرحيم \" لأنه يجيء بعده \" قال فلان \" وما أشبه ذلك.. قلت أنا: إنما هذا في الشعر إذا دون، فأما قصيدة رفعها الشاعر إلى ممدوحه فلا يكتب قبلها اسم قائلها، لكن بعدها، وإذا كان الأمر هكذا فلا سبيل إلى كتاب البسملة؛ لأن العذر حينئذ ساقط.\rباب أحكام القوافي في الخط\rإذا صارت الواو الأصلية والياء الأصلية وصلاً للقافية سقطت في الخط كما تسقط واو الوصل وياؤه، مثل واو يغزو للواحد، ويغزوا للجماعة إذا كانت القافية على الزاي، ألا ترى أنهم أسقطوها في اللفظ فضلاً عن الخط.. قال الراجز: كريمة قدرهم إذا قدر يريد إذا قدروا قال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن السمين وقد سألته عن هذا: لا يجوز حذف هذه الواو في أشد ضرورة، للعرب لا للمولدين؛ لأنها علامة جمع وإضمار؛ فحذفها يلتبس بالواحد، قال:","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"وهذا مذهب سيبويه والبصريين، ومثل واو يغزو وياء يقضي للغائب وتقضي للمؤنثة الغائبة والمذكر المخاطب. وكذلك ياء القاضي والغازي إذا كانا معرفين بالألف واللام، وهذا هو الوجه، فإن كتب بإثبات الواو والياء فعلى باب المسامحة، والأجود أن تكون الواو والياء خارجاً في الغرض، وكذلك ياء الضمير نحو غلامي إذا كانت القافية الميم فالوجه سقوط الياء، فإن كتبت مسامحة ففي الغرض كما قدمت، وقد أسقطها بعضهم في اللفظ. أنشدني أبو عبد الله للأعشى:\rومن شانئ كاسف وجهه ... إذا ما انتسبت له أنكرن\rقال: يريد أنكرني فحذف الياء، فأما ما يكون منوناً نحو قاضٍ، وغاز، أو مجزوماً نحو لم يقض، ولم يغز، فلا يجوز أن يثبت فيهما الياء والواو على المسامحة؛ لأنهما سقطا بالتنوين والعامل.. ومن العرب من يقول هذا الغاز، ومررت بالقاض، بغير ياء، وهذا تقوية لمذهب من حذفها في الخط إذا كانت وصلاً للقافية.\rوإن كان في قوافي قصيدة ما يكتب بالياء وما يكتب بالألف كتباً جميعاً بالألف لتستوي القوافي، وتشتبه صورتها في الخط.\rباب النسبة إلى الروي\rإذا قلت قصيدة فنسبتها إلى ما كان على حرفين قلت هذه قصيدة بائية وحائية، وكذلك أخواتهما، وإن شئت جعلت الهمزة واواً فقلت: ياوية، وكان أبو جعفر الرقاشي ينسب إلى ما كان على حرفين يقول: هذا يبوي، ويتوي، وكذلك أخواتهما، إلا ما ولا فإنه يقول: مووي، ولووي على فعلي، وتقول على هذا القول: قصيدة مووية ولووية، قال ثعلب: ما كان على ثلاثة أحرف الأوسط ياء فليس فيه إلا وجه واحد، تقول: سينت سيناً، وعينت عيناً، إذا كتبت سيناً وعيناً، فيقول على هذا: قصيدة مسينة ومعينة وسينية وعينية، وكذلك قصيدة ميمية، ولا تقول \" مؤومة \" فإنه خطأ، وتقول في الواو وهي على ثلاثة أحرف الأوسط ألف بالياء لا غير؛ لكثرة الواوات، فتقول: وويت واواً حسنة، وبعضهم يجعل الواو الأولى همزة لاجتماع الواوين فيقول: أويت واواً حسنة، فالقصيدة على هذا واوية ومؤواة وموواة، وقال بعضهم في \" ما \" و \" لا \" من بين أخواتهما: مويت ماء حسنة، ولويت لاء حسنة، بالمد؛ لمكان الفتحة من ما ولا.\rباب الإنشاد وما ناسبه\rليس بين العرب اختلاف إذا أرادوا الترنم ومد الصوت في الغناء والحداء في إتباع القافية المطلقة، مثلها من حروف المد واللين في حال الرفع والنصب والخفض، كانت مما ينون أو مما لا ينون، فإذا لم يقصدوا ذلك اختلفوا: فمنهم من يصنع كما يصنع في حال الغناء والترنم؛ ليفصل بين الشعر والكلام المنثور، وهم أهل الحجاز، ومنهم من ينون ما ينون وما لا ينون: إذا وصل الإنشاد أتى بنون خفيفة مكان الوصل فجعل ذلك فصلاً بين كل بيتين فينشد قول النابغة: يا دار مية بالعلياء فالسند منوناً إلى آخر القصيدة، لا يبالي بما فيه ألف ولام، ولا مضاف، ولا بفعل ماض، ولا مستقبل، وهم ناس كثير من بني تميم.\rومنهم من يجري القافي مجراها ولو لم تكن قوافي فيقف على المرفوع والمكسور موقوفين ويعوض المنصوب ألفا على كل حال، وهم ناس كثير من قيس وأسد، فينشدون:\rلا يبعد الله جيراناً لنا ظعنوا ... لم أدر بعد غداة البين ما صنع\rيريد \" ما صنعوا \" . وكذلك ينشدون:\rففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محمل\rفإذا وصلوا جعلوه كالكلام وتركوا المدة لعلهم أنها في أصل البناء.\rقال سيبويه: سمعناهم ينشدون: أقلي اللوم عاذل والعتاب إذا كان منوناً أثبتوا تنوينه ووصلوه كما يفعلون بالكلام المنثور.\rومن العرب من في لغته أن يقف على إشباع الحركة: فتجر الضمة واواً، والكسرة ياء، والفتحة ألفا، فينشد هذا كله موصولاً من غير قصد غناء ولا ترنم.\rومنهم من في لغته أن لا يعوض شيئاً من النصب فهو ينشد هذا كله موقوفاً من غير اعتقاد تقييد، وإذا كان الشعر مقيداً كان تنويه بإزاء إطلاقه، فهو غير جائز؛ لأن الشعر المقيد يكسر بتنوينه كما يكسر بإطلاقه، ما خلا الأوزان التي قدمنا القول أنها من بين ضروب الشعر يجوز إطلاقها وتقييدها.","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"ويحكى عن رؤبة أنه أنشد قصيدته القافية المقيدة منونة، فرد ذلك الزجاجي وأنكره، وذكر أنه وهم من السامع، وأن الوجه فيه أن من العرب من يزيد بعد كل قافية \" إن \" الخفيفة المكسورة إعلاماً بانقضاء البيت، فينشد:\rوقاتم الأعماق خاوي المخترق ان ... مشتبه الأعلام لماع الخفق ان\rيكل وفد الريح من حيث انخرق ان وإذا كان ما قبل حرف الروي ساكناً وكانت لغة منشده الوقوف على المضموم والمكسور بنقل الحركة كما أنشد أعرابي من بني سنبس قول ذي الرمة: ولا زال منهلاً يجرعائك القطر بضم الطاء وإسكان الراء لما وقف حكى ذلك عبد الكريم، وعلى هذا قال الآخر: أنا ابن ماوية إذ جد النفر أراد \" النفر \" بالخيل.\rوأنشد أبو العباس ثعلب:\rأرتني حجلاً على ساقها ... فهش الفؤاد لذاك الحجل\rفقلت ولم أخف من صاحبي: ... ألا بأبي أصل تلك الرجل\rوقال: نقل لاضطرار القافية.\rومما يدخل في شفاعة هذا الباب: الغناء، والحداء، والتغبير، قال الشاعر:\rتغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لهذا الشعر مضمار\rويقولون: فلان يتغنى بفلان أو بفلانة، إذا صنع فيه شعراً.\rقال ذو الرمة:\rأحب المكان القفر من أجلي أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم\rوكذلك يقولون: حدا به، إذا عمل فيه شعراً.\rقال المرار الأسدي:\rولو أني حدوت به أرفأنت ... نعامته وأبصر ما يقول\rوغناء العرب قديماً على ثلاثة اوجه: النصب، والسناد، والهزج.\rفأما النصب فغناء الركبان والفتيان، قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وهو الذي يقال له المرائي، وهو الغناء الجنابي، اشتقه رجل من كلب يقال له جناب بن عبد الله بن هبل، فنسب إليه، ومنه كان أصل الحداء كله، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض.\rوأما السناد فالثقيل ذو الترجيع، الكثير النغمات والنبرات، وهو على ست طرائق: الثقيل الأول، وخفيفه، والثقيل الثاني، وخفيفه، والرمل، وخفيفه.\rوأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف والمزمار فيطرب، ويستخف الحليم، قال إسحاق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام، وفتحت العراق، وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية، وغنوا جميعاً بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير.\rقال الجاحظ: العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزوناً على غير موزون.\rويقال: إن أول من أخذ في ترجيعه الحداء مضر بن نزار؛ فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده فحملوه وهو يقول: وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرماً وصوتاً، فأصغت الإبل إليه وجدت في السير، فجعلت العرب مثالاً لقوله هايدا هايدا يحدون به الإبل، حكى ذلك عبد الكريم في كتابه.\rوزعم ناس من مضر أن أول من حدا رجل منهم، كان في إبله أيام الربيع، فأمر غلاماً له ببعض أمر، فاستبطأه، فضر به بالعصا، فجعل ينشد في الإبل ويقول: يايداه، يايداه، فقال له: إلزم إلزم، واستفتح الناس الحداء من ذلك الوقت.\rوذكر ابن قتيبة أنهم قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وحكى الزبير بن بكار في حديث يرفعه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم من بني غفار سمع حاديهم بطريق مكة ليلاً فمال إليهم: إن أباكم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجدها قد تفرقت، فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، وايداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت، فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت، فاشتق الحداد.\rوأما التغبير فهو تهليل أو تردد صوت، بقراءة أو غيرها، حكى ذلك ابن دريد، وحكى أبو إسحاق الزجاجي قال: سألني بعض الرؤساء: لما سمي التغبير تغبيراً؟ قلت: لأنه وضع على أنه يرغب في الغابر أي: الباقي، أي: يرغب في نعيم الجنة وفيما يعمل للآخرة وقال غيره: إنما قيل له تغبير لأنه جعل ما يخرج من الفن بمنزلة الغبار، فعرض الجوابان على أحمد بن يحيى فاستجاد جوابي.\rيقال للمراسل في الغناء: المثالي، حكاه غلام ثعلب\rباب الجوائز والصلات\rقال أبو جعفر النحاس:","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"أصل الجائزة أن يعطي الرجل ما يحيزه ليذهب إلى وجهه، وكان الرجل إذا ورد ماء قال لقيمه: أجزني أي: أعطني ماء حتى أذهب لوجهتي وأجوز عنك فكثر حتى جعلت الجائزة عطية.\rقال الراجز:\rيا قيم الماء فدتك نفسي ... أحسن جوازي وأقل حبسي\rقال ابن قتيبة: أصل الجائزة والجوائز أن عبد عوف بن أصرم من بني هلال بن عامر بن صعصعة ولي فارس لعبد الله بن عامر، فمر به الأحنف بن قيس في جيشه غازياً إلى خراسان، فوقف لهم على قنطرة الكر فجعل ينسب الرجل فيعطيه على قدر حسبه، فكان يعطيهم مائة مائة، فلما كثروا عليه قال: أجيزوهم، فأجيزوا؛ فهو أول من سن الجوائز.\rقال الشاعر:\rفدى للأكرمين بني هلال ... على علاتهم عمي وخالي\rهم سنوا الجوائز في معد ... فصارت سنة أخرى الليالي\rوالبدرة: عشرة آلاف درهم، سميت بذلك لوفورها، قال بعضهم: ومنه سمى القمر ليلة أربعة عشرة بدراً لتمامه وامتلائه من النور، ويقال: لمبادرته الشمس، وقيل: بل البدرة جلدة السخلة إذا فطمت والجذع من المعز يملأ مالاً، فسمى المال بدرة باسم الوعاء مجازاً.\rوالصلة ما أخذه رجل من السلطان أول ما يتصل به، ثم كثر ذلك حتى قيل لهبة الملك صلة.\rوهذه أبيات كنت صنعتها للسيد أبي الحسن أدام الله عزه ختمت بها الكتاب لما جاء موضعها:\rإن الذي صاغت يدي وفمي ... وجرى لساني فيه أو قلمي\rمما عنيت لسبك خالصه ... واخترته من جوهر الكلم\rلم أهده إلا لتكسوه ... ذكراً تجدده على القدم\rلسنا نزيدك فضل معرفة ... لكنهن مصائد الكرم\rفأقبل هدية من أشدت به ... ونسخت عنه آية العدم\rلا تحسب الدنيا أبا حسن ... تأتي بمثلك فائق الهمم\rالحمد لله الذي بنعمته تكمل الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف الكائنات، وعلى آله وصحبه نجوم الهداية وأعلام الدرايات، وسلم تسليماً كثيراً.\rوبعد، فقد نجز كتاب العمدة، في محاسن الشعر وآدابه لأبي علي الحسن بن رشيق الأزدي: المولود في سنةمن الهجرة \" 1000 م \" المتوفي في ذي القعدة سنةمن الهجرة \" 1064م \" بعد أن صقله التحقيق، وجلاء حسن الوضع، وزانه رونق الطبع، وبعد أن قضيت نصف حول في المراجعة ومعاودة النظر، وقضيت من بعد ذلك ثلاثة أشهر في الإشراف على طبعه، لا يحملني على تجثم هذه الأهوال إلا الرغبة الصادقة في خدمة العربية، والحرص على أن تكون كتبها صحيحة المعنى جميلة الرواء.\rوإني أتضرع إلى الله تعالى أن يثيبني على هذا بمقدار إخلاصي فيه لوجهه؛ فهو حسبي ونعم الوكيل.","part":1,"page":219}],"titles":[{"id":1,"title":"باب في فضل الشعر","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"باب في الرد علي من يكره الشعر","lvl":1,"sub":0},{"id":5,"title":"باب في أشعار الخلفاء والقضاة والفقهاء","lvl":1,"sub":0},{"id":8,"title":"باب من رفعه الشعر، ومن وضعه","lvl":1,"sub":0},{"id":12,"title":"باب من قضى له الشعر ومن قضى عليه","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"باب شفاعات الشعراء، وتحريضهم","lvl":1,"sub":0},{"id":16,"title":"باب احتماء القبائل بشعرائها","lvl":1,"sub":0},{"id":17,"title":"باب من فأل الشعر وطيرته","lvl":1,"sub":0},{"id":18,"title":"باب في منافع الشعر ومضاره","lvl":1,"sub":0},{"id":21,"title":"باب تعرض الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":22,"title":"باب التكسب بالشعر والأنفة منه","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"باب تنقل الشعر في القبائل","lvl":1,"sub":0},{"id":26,"title":"باب في القدماء والمحدثين","lvl":1,"sub":0},{"id":27,"title":"باب المشاهير من الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":30,"title":"باب المقلين من الشعراء والمغلبين","lvl":1,"sub":0},{"id":32,"title":"باب من رغب من الشعراء عن ملاحاة غير الأكفاء","lvl":1,"sub":0},{"id":34,"title":"باب في الشعراء والشعر","lvl":1,"sub":0},{"id":36,"title":"باب حد الشعر وبنيته","lvl":1,"sub":0},{"id":38,"title":"باب في اللفظ والمعنى","lvl":1,"sub":0},{"id":40,"title":"باب في المطبوع والمصنوع","lvl":1,"sub":0},{"id":42,"title":"باب في الأوزان","lvl":1,"sub":0},{"id":48,"title":"باب القوافي","lvl":1,"sub":0},{"id":55,"title":"باب التقفية والتصريع","lvl":1,"sub":0},{"id":59,"title":"باب في الرجز والقصيد","lvl":1,"sub":0},{"id":60,"title":"باب في القطع والطول","lvl":1,"sub":0},{"id":63,"title":"باب في آداب الشاعر","lvl":1,"sub":0},{"id":66,"title":"باب عمل الشعر وشحذ القريحة","lvl":1,"sub":0},{"id":70,"title":"باب في المقاطع والمطالع","lvl":1,"sub":0},{"id":71,"title":"باب المبدأ والخروج والنهاية","lvl":1,"sub":0},{"id":78,"title":"باب البلاغة","lvl":1,"sub":0},{"id":82,"title":"باب الإيجاز","lvl":1,"sub":0},{"id":83,"title":"باب البيان","lvl":1,"sub":0},{"id":84,"title":"باب النظم","lvl":1,"sub":0},{"id":86,"title":"باب المخترع والبديع","lvl":1,"sub":0},{"id":87,"title":"باب المجاز","lvl":1,"sub":0},{"id":88,"title":"باب الاستعارة","lvl":1,"sub":0},{"id":91,"title":"باب التمثيل","lvl":1,"sub":0},{"id":92,"title":"باب المثل السائر","lvl":1,"sub":0},{"id":94,"title":"باب التشبيه","lvl":1,"sub":0},{"id":99,"title":"باب الإشارة","lvl":1,"sub":0},{"id":103,"title":"باب التتبيع","lvl":1,"sub":0},{"id":106,"title":"باب التجنيس","lvl":1,"sub":0},{"id":109,"title":"باب الترديد","lvl":1,"sub":0},{"id":110,"title":"باب التصدير","lvl":1,"sub":0},{"id":111,"title":"باب المطابقة","lvl":1,"sub":0},{"id":114,"title":"باب ما اختلط فيه التجنيس بالمطابقة","lvl":1,"sub":0},{"id":114,"title":"باب المقابلة","lvl":1,"sub":1},{"id":116,"title":"باب التقسيم","lvl":1,"sub":0},{"id":119,"title":"باب التسهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":121,"title":"باب التفسير","lvl":1,"sub":0},{"id":122,"title":"باب الاستطراد","lvl":1,"sub":0},{"id":123,"title":"باب التفريع","lvl":1,"sub":0},{"id":124,"title":"باب الالتفات","lvl":1,"sub":0},{"id":125,"title":"باب الاستثناء","lvl":1,"sub":0},{"id":126,"title":"باب التتميم","lvl":1,"sub":0},{"id":126,"title":"باب المبالغة","lvl":1,"sub":1},{"id":128,"title":"باب الإيغال","lvl":1,"sub":0},{"id":129,"title":"باب الغلو","lvl":1,"sub":0},{"id":131,"title":"باب التشكك","lvl":1,"sub":0},{"id":132,"title":"باب الحشو وفضول الكلام","lvl":1,"sub":0},{"id":133,"title":"باب الاستدعاء","lvl":1,"sub":0},{"id":134,"title":"باب التكرار","lvl":1,"sub":0},{"id":136,"title":"باب منه","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"باب نفي الشيء بإيجابه","lvl":1,"sub":1},{"id":137,"title":"باب الاطراد","lvl":1,"sub":0},{"id":138,"title":"باب التضمين والإجازة","lvl":1,"sub":0},{"id":140,"title":"باب الاتساع","lvl":1,"sub":0},{"id":141,"title":"باب الاشتراك","lvl":1,"sub":0},{"id":143,"title":"باب التغاير","lvl":1,"sub":0},{"id":144,"title":"باب التصرف ونقد الشعر","lvl":1,"sub":0},{"id":145,"title":"باب في أشعار الكتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":147,"title":"باب في أغراض الشعر وصنوفه","lvl":1,"sub":0},{"id":148,"title":"باب النسيب","lvl":1,"sub":0},{"id":153,"title":"باب في المديح","lvl":1,"sub":0},{"id":158,"title":"باب الافتخار","lvl":1,"sub":0},{"id":159,"title":"باب الرثاء","lvl":1,"sub":0},{"id":163,"title":"باب الاقتضاء والاستنجاز","lvl":1,"sub":0},{"id":164,"title":"باب العتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":167,"title":"باب الوعيد والإنذار","lvl":1,"sub":0},{"id":168,"title":"باب الهجاء","lvl":1,"sub":0},{"id":170,"title":"باب الاعتذار","lvl":1,"sub":0},{"id":172,"title":"باب سيرورة الشعر والحظوة في المدح","lvl":1,"sub":0},{"id":174,"title":"باب ما أشكل من المدح والهجاء","lvl":1,"sub":0},{"id":177,"title":"باب مما يتعلق بالأنساب","lvl":1,"sub":0},{"id":178,"title":"باب ذكر الوقائع والأيام","lvl":1,"sub":0},{"id":188,"title":"باب في معرفة ملوك العرب","lvl":1,"sub":0},{"id":190,"title":"باب من النسبة","lvl":1,"sub":0},{"id":191,"title":"باب العتاق من الخيل ومذكوراتها","lvl":1,"sub":0},{"id":192,"title":"باب من المعاني المحدثة","lvl":1,"sub":0},{"id":195,"title":"باب في أغاليط الشعراء والرواة","lvl":1,"sub":0},{"id":198,"title":"باب ذكر منازل القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":200,"title":"باب في معرفة الأماكن والبلدان","lvl":1,"sub":0},{"id":200,"title":"باب من الزجر والعيافة","lvl":1,"sub":1},{"id":201,"title":"باب ذكر المعاظلة والتثبيج","lvl":1,"sub":0},{"id":202,"title":"باب الوحشي المتكلف والركيك المستضعف","lvl":1,"sub":0},{"id":203,"title":"باب الإحالة والتغيير","lvl":1,"sub":0},{"id":206,"title":"باب السرقات وما شاكلها","lvl":1,"sub":0},{"id":211,"title":"باب الوصف","lvl":1,"sub":0},{"id":214,"title":"باب الشطور وبقية الزحاف","lvl":1,"sub":0},{"id":215,"title":"باب بيوتات الشعر والمعرقين فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":216,"title":"باب حكم البسملة قبل الشعر","lvl":1,"sub":0},{"id":216,"title":"باب أحكام القوافي في الخط","lvl":1,"sub":1},{"id":217,"title":"باب النسبة إلى الروي","lvl":1,"sub":0},{"id":217,"title":"باب الإنشاد وما ناسبه","lvl":1,"sub":1},{"id":218,"title":"باب الجوائز والصلات","lvl":1,"sub":0}]}