{"pages":[{"id":1,"text":"عقد الجيد في أحكام الإجتهاد والتقليد\rتأليف\rشاه ولي الله أحمد ولي الله بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي","part":1,"page":1},{"id":2,"text":" @ 2 @ ","part":1,"page":2},{"id":3,"text":" بسم الله الرحمن الرحيم \r\n الحمد لله الذي بعث سيدنا محمدا إلى العرب والعجم ليستضيئوا به في الظلمات وينال بسببه معالي المقامات من كان أهل عوالي الهمم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدا عبده ورسوله الذي لا نبي بعده صلى الله عليه وآله وصحبه وبارك وسلم \r\n وبعد فيقول العبد الضعيف المفتقر إلى رحمة ربه الكريم ولي الله بن عبدالرحيم صانه الله تعالى عما شأنه وأصلح باله وحاله وشأنه \r\n هذه رسالة سميتها عقد الجيد في أحكام الإجتهاد والتقليد حملني على تحريرها سؤال بعض الأصحاب عن مسائل مهمة في ذلك الباب باب في بيان حقيقة الإجتهاد وشرطه وأقسامه \r\n حقيقة الإجتهاد على ما يفهم من كلام العلماء استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام الكتاب والسنة والإجماع والقياس ويفهم من هذا أنه أعم من أن يكون استفراغا في إدراك حكم ما سبق التكلم فيه من العلماء السابقين أو لا وافقهم في ذلك أو خالف ومن أن يكون ذلك بإعانة البعض في التنبيه على صور المسائل والتنبيه على مآخذ الأحكام من الأدلة التفصيلية أو بغير إعانة منه فما يظن فيمن كان موافقا لشيخه في أكثر المسائل لكنه يعرف لكل حكم دليلا ويطمئن قلبه بذلك الدليل وهو على بصيرة من أمره أنه ليس بمجتهد ظن فاسد وكذلك ما يظن من أن المجتهد لا يوجد في هذه الأزمنة اعتمادا على الظن الأول بناء على فاسد \r\n وشرطه أنه لا بد له أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام ومواقع الإجماع وشرائط القياس وكيفية النظر وعلم العربية والناسخ والمنسوخ وحال الرواة ولا حاجة إلى الكلام والفقه قال الغزالي إنما يحصل الإجتهاد في ","part":1,"page":3},{"id":4,"text":" زماننا بممارسة الفقه وهي طريق تحصيل الدراية في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمن الصحابة رضي الله عنهم ذلك قلت هذا إشارة إلى أن الإجتهاد المطلق المنتسب لا يتم إلا بمعرفة نصوص المجتهد المستقل وكذلك لا بد للمستقل من معرفة كلام من مضى من الصحابة والتابعين وتبعهم في أبواب الفقه وهذا الذي ذكرناه من شرط الإجتهاد مبسوط في كتب الأصول ولا بأس أن نورد كلام البغوي في هذا الموضع قال البغوي والمجتهد من جمع خمسة أنواع من العلم علم كتاب الله عز و جل وعلم سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقاويل علماء السلف من أجماعهم واختلافهم وعلم اللغة وعلم القياس وهو طريق استنباط الحكم من الكتاب والسنة إذا لم يجده صريحا في نص كتاب أو سنة أو إجماع فيجب أن يعلم من علم الكتاب الناسخ أو المنسوخ والمجمل والمفصل والخاص والعام والمحكم والمتشابه والكراهة والتحريم والإباحة والندب والوجوب ويعرف من السنة هذه الأشياء ويعرف منها الصحيح والضعيف والمسند والمرسل ويعرف ترتيب السنة على الكتاب وترتيب الكتاب على السنة حتى لو وجد حديثا لا يوافق ظاهره الكتاب يهتدي إلى وجه محمله فإن السنة بيان الكتاب ولا تخالفه وإنما يجب معرفة ما ورد منها في أحكام الشرع دون ما عداها من القصص والأخبار والمواعظ وكذلك يجب أن يعرف من علم اللغة ما أتى في كتاب أو سنة في أمور الأحكام دون الإحاطة بجميع لغات العرب وينبغي أن يتحرج فيها بحيث يقف على مرامي كلام العرب فيما يدل على المراد من اختلاف المحال والأحوال لأن الخطاب ورد بلسان العرب فمن لم يعرفه لا يقف على مراد الشارع ويعرف أقاويل الصحابة والتابعين في الأحكام ومعظم فتاوي فقهاء الأمة حتى لا يقع حكمه مخالفا لأقوالهم فيكون فيه خرق الإجماع وإذا عرف من كل من هذه الأنواع معظمه فهو حينئذ مجتهد ولا يشترط معرفة جميعها بحيث لا يشذ عنه شيء منها وإذا لم يعرف نوعا من هذه الأنواع فسبيله التقليد وإن كان متبحرا في مذهب واحد من آحاد أئمة السلف فلا يجوز له تقلد القضاء ولا الترصد للفتيا وإذا جمع هذه العلوم وكان مجانبا للأهواء والبدع مدرعا بالورع محترزا عن الكباتر غير مصر على الصغائر جاز له أن يتقلد ","part":1,"page":4},{"id":5,"text":" القضاء ويتصرف في الشرع بالإجتهاد والفتوى ويجب على من لم يجمع هذه الشرائط تقليده فيما يعن له من الحوادث انتهى كلام البغوى \r\n وقد صرح الرافعي والنووي وغيرهما ممن لا يحصى كثرة أن المجتهد المطلق الذي مر تفسيره على قسمين مستقل ومنتسب ويظهر من كلامهم أن المستقل يمتاز عن غيره بثلاث خصال إحداها التصرف في الأصول التي عليها بناء مجتهداته وثانيتها تتبع الآيات والأحاديث والآثار لمعرفة الأحكام التي سبق بالجواب فيها واختيار بعض الأدلة المتعارضة على بعض وبيان الراجح من محتملاته والتنبيه لمآخذ الأ حكام من تلك الأدلة والذي نرى والله أعلم أن ذلك ثلثا علم الشافعي رحمه الله تعالى والثالثة الكلام في المسائل التي لم يسبق بالجواب فيها أخذا من تلك الأدلة والمنتسب من سلم أصول شيخه واستعان بكلامه كثيرا في تتبع الأدلة والتنبيه للمأخذ وهو مع ذلك مستيقن بالأحكام من قبل أدلتها قادر على استنباط المسائل منها قل ذلك منه أو كثر وإنما تشترط الأمور المذكورة في المجتهد المطلق وأما الذي هو دونه في المرتبة فهو مجتهد في المذهب وهو مقلد لإمامه فيما ظهر فيه نصه لكنه يعرف قواعد إمامه وما بنى عليه مذهبه فإذا وقعت حادثة لم يعرف لإمامه نصا فيها اجتهد على مذهبه وخرجها من أقواله وعلى منواله ودونه في المرتبة مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قول على آخر ووجه من وجوه الأصحاب على آخر والله أعلم باب في بيان اختلاف المجتهدين \r\n اختلفوا في تصويب المجتهدين في المسائل الفرعية التي لا قاطع فيها هل كل مجتهد فيها مصيب أو المصيب فيها واحد قال بالأول الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن شريح ونقل عن جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وفي كتاب الخراج لأبي يوسف إشارات إلى ذلك تقارب ","part":1,"page":5},{"id":6,"text":" التصريح وبالثاني قال جمهور الفقهاء ونقل عن الأئمة الأربعة وقال ابن السمعاني في القواطع إنه ظاهر مذهب الشافعي قال البيضاوي في المنهاج اختلف في صواب المحتهدين بناء على الخلاف في أن لكل صورة حكما معينا عليه دليل قطعي أو ظني والمختار ما صح عن الشافعي أن في الحادثة حكما معينا عليه أمارة من وجدها أصاب ومن فقدها أخطأ ولم يأثم لأن الإجتهاد مسبوق بالأدلة لأنه طلبها والدلالة متأخرة عن الحكم فلو تحقق الإجتهادان لإجتمع النقيضان ولأنه قال عليه الصلاة و السلام من أصاب فله اجران ومن أخطأ فله أجر واحد قيل لو تعين الحكم فالمخالف له لم يحكم بما أنزل الله فيفسق لقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون قلنا أمر بالحكم بماظنه وإن أخطأ الحكم بما أنزل الله قيل لو لم يصوب الجميع لما جاز نصب المخالف وقد نصب أبو بكر رضي الله عنه زيدا قلنا لم يجز تولية المبطل والمخطىء ليس بمبطل انتهى كلام البيضاوي \r\n قوله لكل صورة حكم الخ قلنا حكم على الغيب بلا دليل قوله ما صح عن الشافعي أن في الحادثة الخ قلنا معنا في كل حادثة قول هو أوفق بالأصول وأقعد في طرق الإجتهاد وعليه أمارة ظاهرة من دلائل الإجتهاد من وجدها أصاب ومن فقدها فقد أخطأ ولم يأثم وذلك لأنه نص في أوائل الأم بأن العالم إذا قال للعالم أخطأت فمعناه أخطأت المسلك السديد الذي ينبغي للعلماء أن يسلكوه وبسط ذلك ومثله بأمثال كثيرة أو معناه إذا كان في المسألة خبر الواحد فقد أصاب من وجده وأخطأ من فقده وهذا أيضا مبسوط في الأم قوله لأن الإجتهاد مسبوق الخ قلنا تعبدنا الله تعالى بأن نعمل ما يؤدي إليه إجتهادنا فنطلب الذي نعمله إجمالا لنحيط به تفصيلا قوله لإجتمع النقيضان قلنا هو كخصال الكفارة كل واحد منها واجب وليس بواجب قوله من أصاب فله أجران قلنا هذا عليكم لا لكم لأن الخطأ الذي يوجب الأجر لا يكون معصية فلا بد أن يكونا حكمين لله تعالى أحدهما أفضل من الآخر كالعزيمة والرخصة أو هذا في القضاء ولا بد أن يتحقق في الخارج إما قول المدعى أو المنكر قوله أمر بالحكم بما ظنه الخ قلنا ","part":1,"page":6},{"id":7,"text":" اعتراف بمقصودنا قوله والمخطىء ليس بمبطل قلنا لما لم يكن مبطلا لم يكن مخالفا للحق لأن كل مخالف للحق مبطل وماذا بعد الحق إلا الضلال والحق أن ما نسب إلى الأئمة الأربعة قول مخرج من بعض تصريحاتهم وليس نصا منهم وأنه لا خلاف للأمة في تصويب المجتهدين فيما خبر فيه نصا أو إجماعا كالقراءات السبع وصيغ الأدعية والوتر بسبع وتسع وإحدى عشرة فكذلك لا ينبغي أن يخالفوا قيما خير فيه دلالة \r\n والحق أن الاختلاف أربعة أقسام أحدها ما تعين فيه الحق قطعا ويجب أن ينقض خلافه لأنه باطل يقينا وثانيها ما تعين فيه الحق بغالب الرأي وخلافه باطل ظنا وثالثها ما كان كلا طرفي الخلاف مخيرا في بالقطع ورابعها ما كان كلا طرفي الخلاف مخيرا فيه بغالب الرأي \r\n تفصيل ذلك أنه إن كانت المسألة مما ينقض فيها قضاء القاضي بأن يكون فيها نص صحيح فيها معروف من النبي صلى الله عليه و سلم فكل إجتهاد خلافه فهو باطل نعم ربما يعذر بجهل نصه صلى الله عليه و سلم إلى أن يبلغ وتقوم الحجة وأن كان الاجتهاد في معرفة واقعة قد وقعت ثم اشتبه الحال مثل موت زيد وحياته فلا جرم أن الحق واحد نعم ربما يعذر المخطىء بإجتهاده وإن كان الإجتهاد في أمر فوض إلى تحري المجتهد وكان المأخذان متقاربين وليس واحد منهما بعيدا عن الأذهان جدا بحيث يرى أن صاحبه مقصر قد خرج عن عرف الناس وعادتهم فالمجتهدان مصيبان مثل رجلين قيل لكل واحد منهما أعط كل فقير وجدته درهما من مالي قال كيف أعرف أنه فقير قيل إذا اجتهدت في تتبع قرائن الفقر ثم أتاك الثلج أنه فقير فأعطه فاختلفا في رجل قال احدهما هو فقير وقال الآخر لا والمأخذان متقاربان يسوغ الأخذ بهما فهما مصيبان لأنه ما أدار الحكم إلا على من يقع في تحريه أنه فقير وقد وقع في تحريه ذلك من غير تقصير ظاهر بخلاف ما إذا أعطى تاجرا كبيرا له خدم وحشم فإن القائل بفقره يعد مقصرا ولا يسوغ الأخذ بالشبهة التي ذهب إليها فههنا مقامان أحدهما أنه فقير في الحقيقة أم لا ولا شبهة أن الحق فيه واحد وأن النقيضين لا يجتمعان والثاني ","part":1,"page":7},{"id":8,"text":" أن من أعطى غير الفقير على ظن فقره هل هو مطيع أم لا ولا شبهة أنه مطيع نعم من وافق ظنه الحقيقة قد نال حظا وافرا وإن كان الإجتهاد في اختيار ما خير فيه كأحرف القرآن وصيغ الأدعية وكذا ما فعله النبي صلى الله عليه و سلم على وجوه تسهيلا على الناس مع كونها كلها حاوية لأصل المصلحة فالمجتهدان مصيبان فهذا كله بين لا ينبغي لأحد أن يتوقف فيه ومواضع الاختلاف بين الفقهاء معظمها أمور أحدها أن يكون واحد قد بلغه الحديث والآخر لم يبلغه والمصيب ههنا معين والثاني أن يكون عند كل واحد أحاديث وآثار متخالفة وقد اجتهد في تطبيق بعضها ببعض أو ترجيح بعضها على بعض فأدى اجتهاده إلى حكم فجاء الإختلاف من هذا القبيل والثالث أن يختلفوا في تفسير الألفاظ المستعملة وحدودها الجامعة المانعة أو معرفة أركان الشيء وشروطه من قبيل السبر والحذف وتخريج المناط وصدق ما وصف وصفا عاما على هذه الصورة الخاصة أو انطباق الكلية على جزئياتها ونحو ذلك فأدى اجتهاد كل واحد إلى مذهب والرابع أن يختلفوا في المسائل الأصولية ويتفرع عليه الإختلاف في الفروع والمجتهدان في هذه الأقسام مصيبان إذا كان مأخذاهما متقاربين بالمعنى الذي ذكرنا \r\n والحق أن المسائل المذكورة في كتب أصول الفقه على قسمين قسم هو من باب تتبع لغة العرب كالخاص والعام والنص والظاهر ومثله كمثل قول اللغوي هذا علم وذلك اسم جنس والفاعل مرفوع والمفعول منصوب وليس في هذا القسم كثير اختلاف وقسم هو من باب تقريب الذهن إلى ما يفعله العاقل بسليقته تفصيله أنك إذا ألقيت إلى عاقل كتابا عتيقا قد تغير بعض حروفه وأمرته بقراءته لا بد إذا اشتبه عليه شيء يتتبع القرائن ويتحرى الصواب وربما يختلف عاقلان في مثل ذلك وإذا عن للعاقل طريقان كيف يتتبع الدلائل ويتفحص عن المصالح ويختار الأرجح والأقل شرا فكذلك الأوائل لما ورد عليهم أحاديث مختلفة أجالوا قداح نظرهم في ذلك فأفضى اجتهادهم إلى الحكم على بعضها بالنسخ وتطبيق بعضها ببعض وترجيح بعضها على بعض وكذلك لما ورد عليهم مسائل لم يكن السلف تكلموا فيها أخذوا النظير بالنظير ","part":1,"page":8},{"id":9,"text":" واستنبطوا العلل وبالجملة فكانت لهم صنائع اندفعوا إليها بسليقتهم المخلوقة فيهم كما يندفع العاقل في أمر يعن له فأراد قوم أن يسردوا صنائعهم التي ذكروها مفصلة في كتبهم أو أشاروا إليها في ضمن كلامهم أو خرجت من مسائلهم وإن لم يذكروها وتلقت عقول الخلف أكثر صنائعهم بالقبول لما جبلوا عليه من السليقة في مثل ذلك ثم صارت أمورا مسلمة فيما بينهم وعلى قياس ذلك لما أفرغوا جهدهم في رواية الحديث ومعرفة الصحيح من السقيم والمستفيض من الغريب ومعرفة أحوال الرواة جرحا وتعديلا وكتابة كتب الحديث وتصحيحها جروا في تلك الميادين بسليقتهم المخلوقة في عقولهم ثم جاء قوم آخرون وجعلوا صنائعهم تلك كليات مدونة وهاهنا فائدة جليلة هي أن من شرط العمل بمثل هذه المقدمات الكلية أن لا تكون الصورة الجزئية التي يقع فيها الكلام مما سبق للعقلاء فيها ضد حكم الكليات لأنه كثيرا ما يكون هناك قرائن خاصة تفيد غير حكم الكليات وأصل الجدل هو اتباع الكليات وإثبات حكم قد قضى العقل الصراح بخلافه لخصوص المقام كما إذا رأيت حجرا وأيقنت أنه حجر فجاء الجدلي فقال الشيء إنما يعرف باللون والشكل ونحوهما وهذه الصورة قد تشابه الأشياء فيها فنقض ذلك اليقين بأمر كلي ولا يعلم المسكين أن اليقين الحاصل في هذه الصورة الخاصة أكبر من اتباع الكليات فإياك أن تغرك أقوالهم عن صريح السنة والاختلاف في هذا القسم راجع إلى التحري وسكون القلب وبالجملة الإختلاف في أكثر أصول الفقه راجع إلى التحري واطمئنان القلب بمشاهدة القرائن وقد أشار النبي صلى الله عليه و سلم إلى أن التكليف راجع إلى ما يؤدي إليه التحري في مواضع من كلامه منها قوله صلى الله عليه و سلم فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون قال الخطابي معنى الحديث أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الإجتهاد فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد ثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض ولا شيء عليهم من وزر أو عتب وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة فإنه ليس عليهم إعادته ويجزئهم أضحاهم ذلك وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده ومنها قوله الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر وكل ","part":1,"page":9},{"id":10,"text":" من استقرى نصوص الشارع وفتاواه يحصل عنده قاعدة كلية وهي أن الشارع قد ضبط أنواع البر من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها مما إجمعت الملل عليه بأنحاء الضبط فشرع لها أركانا وشروطا وآدابا ووضع لها مكروهات ومفسدات وجوائز وأشبع القول في هذا حق الإشباع ثم لم يبحث عن تلك الأركان وغيرها بحدود جامعة مانعة كثير بحث وكلما سئل عن أحكام جزئية تتعلق بتلك الأركان والشروط وغيرها أحالها على ما يفهمون في نفوسهم من الألفاظ المستعلمة وأرشدهم إلى رد الجزئيات نحو الكليات ولم يزد على ذلك اللهم إلا في مسائل قليلة لأسباب طارئة من لجاج القوم ونحوه فشرع غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء ثم لم يحد الغسل بحد جامع مانع يعرف به أن الدلك داخل في حقيقته أم لا وأن إسالة الماء داخلة فيها أم لا ولم يقسم الماء إلى مطلق ومقيد ولم يبين أحكام البئر والغدير ونحوهما وهذه المسائل كلها كثيرة الوقوع لا يتصور عدم وقوعها في زمانه صلى الله عليه و سلم ولما سأله السائل في قصة بئر بضاعة وحديث القلتين لم يزد على الرد إلى ما يفهمونه من اللفظ ويعتادونه فيما بينهم ولهذا المعنى قال سفيان الثوري ما وجدنا في أمر الماء إلا سعة ولما سألته امرأة عن الثوب يصيبه دم الحيضة لم يزد على أن قال حتيه ثم اقرصيه ثم انضحيه ثم صلي فيه فلم يأت بأكثر مما عندهم وأمر بإستقبال القبلة ولم يعلمنا طريق معرفة القبلة وقد كانت الصحابة يسافرون ويجتهدون في أمر القبلة وكانت لهم حاجة شديد إلى معرفة طريق الإجتهاد فهذا كله لتفويضه مثل ذلك إلى رأيهم وهكذا أكثر فتاواه صلى الله عليه و سلم كما لا يخفى على منصف لبيب \r\n وقد فهمنا من تتبع أحكامه أنه راعى في ترك التعمق وعدم الإكثار من وجوه الضبط مصلحة عظيمة وهي أن هذه المسائل ترجع إلى حقائق تستعمل في العرف على إجمالها ولا يعرف حدها الجامع المانع إلا بعسر وربما يحتاج عند إقامة الحد إلى التمييز بين المشكلين بأحكام وضوابط يحرجون بإقامتها ثم إن ضبطت وفسرت لا يمكن تفسيرها إلا بحقائق مثلها وهلم جرا فيتسلسل الأمر أو يقف في بعض ما هنالك إلى التفويض إلى رأي المبتلى به والحقائق الأخرى ليست بأحق من الأولى في التفويض إلى المبتلين فلأجل هذه المصلحة فوض الحقائق أول مرة ","part":1,"page":10},{"id":11,"text":" إلى رأيهم ولم يشدد قيما يختلفون حين كان الإختلاف في أمر فوض إليهم وله في ذلك مساغ فلم يعنف على عمرو بن العاص فيما فهم من قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة من جواز التيمم للجنب إذا خاف على نفسه من البرد ولم يعنف على عمر بن الخطاب فيما فهم من تأويل أو لامستم النساء أنه في لمس المرأة لا الجنابة فبقيت مسألة الجنب غير مذكورة فينبغي أن لا يتيمم الجنب أصلا أخرج النسائي عن طارق أن رجلا أجنب فلم يصل فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له فقال أصبت فأجنب رجل فتيمم وصلى فأتاه فقال نحو ما قال للآخر أصبت انتهى ولم يعنف على أحد ممن أخر صلاة العصر أو أداها في وقتها حين كانوا جميعا على تأويل من قوله لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة وبالجملة فمن أحاط بجوانب الكلام علم أنه صلى الله عليه و سلم فوض الأمر في تلك الحقائق المستعملة في العرف على إجمالها وكذا في تطبيق بعضها ببعض إلى إفهامهم ونظيره تفويض الفقهاء كثيرا من الأحكام إلى تحري المبتلى وعادته فلا عنف على احد من المختلفين عندهم ونظيره أيضا ما أجمعت عليه الأمة من الإجتهاد في القبلة عند الغيم وترك العنف على واحد فيما أدى تحريه إليه \r\n ونظير هذه المصلحة ما ذكره أهل المناظرة من الإصطلاح على ترك البحث عن مقدمات الدلائل لئلا يلزم انتشار البحث فمن عرف هذه المسألة كما هي علم أن أكثر صور الاجتهاد يكون الحق فيها دائرا في جانبي الإختلاف وأن في الأمر سعة وأن اليبس على شيء واحد والجزم بنفي المخالف ليس بشيء وأن استنباط حدودها إن كان من باب تقريب الذهب إلى ما يفهمه كل أحد من أهل اللسان فإعانة على العلم وإن كان بعيدا من الأذهان وتميزا للمشكل بمقدمات مخترعة فعسى أن يكون شرعا جديدا وأن الصحيح ما قاله الإمام عزالدين بن عبدالسلام ولقد أفلح من قام بما أجمعوا على وجوبه واجتنب ما أجمعوا على تحريمه واستباح ما أجمعوا على إباحته وفعل ما أجمعوا على استحبابه واجتنب ما أجمعوا على كراهته ومن أخذ بما اختلفوا فيه فله حالان إحداهما أن يكون المختلف فيه مما ينقض الحكم به فهذا لا سبيل إلى التقليد فيه لأنه خطأ محض وما حكم فيه بالنقض إلا لكونه خطأ بعيدا من نفس ","part":1,"page":11},{"id":12,"text":" الشرع ومأخذه ورعاية حكمه الثانية أن يكون مما لا ينقض الحكم به فلا بأس بفعله ولا بتركه إذا قلد فيه بعض العلماء لأن الناس لم يزالوا على ذلك يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى ان ظهرت هذه المذاهب ومتعصوبها من المقلدين فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا لها فيما قال فكأنه نبي أرسل إليه وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب انتهى وقال من قلد إماما من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك فيه خلاف والمختار التفصيل فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه الحكم فليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه فإنه لم يجب نقضه إلا لبطلانه وإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره ولو كان ذلك باطلا لأنكروه والله أعلم بالصواب انتهى \r\n وإذا تحقق عندك ما بيناه علمت أن كل حكم يتكلم فيه المجتهد بإجتهاد منسوب إلى صاحب الشرع عليه الصلاة والتسليمات إما إلى لفظه أو إلى علة مأخوذة من لفظه وإذا كان الأمر على ذلك ففي كل اجتهاد مقامان أحدهما أن صاحب الشرع هل أراد بكلامه هذا المعنى أو غيره وهل نصب هذه العلة مدارا في نفسه حين ما تكلم بالحكم المنصوص عليه أو لا فإن كان التصويب بالنظر إلى هذا المقام فأحد المجتهدين لا لعينه مصيب دون الآخر وثانيهما أن من جملة أحكام الشرع أنه صلى الله عليه و سلم عهد إلى أمته صريحا أو دلالة أنه متى اختلف عليهم نصوصه أو اختلف عليهم معاني نص من نصوصه فهم مأمورون بالإجتهاد واستفراغ الطاقة في معرفة ما هو الحق من ذلك فإذا تعين عند مجتهد شيء من ذلك وجب عليه اتباعه كما عهد إليهم أنه متى اشتبه عليهم القبلة في الليلة الظلماء يجب عليهم أن يتحروا ويصلوا إلى جهة وقع تحريهم عليها فهذا حكم علقه الشرع بوجود التحري كما علق وجوب الصلاة بالوقت وكما علق تكليف الصبي ببلوغه فإن كان البحث بالنظر إلى هذا المقام نظر فإن كانت المسألة مما ينقض فيه اجتهاد المجتهد فإجتهاده باطل قطعا وإن كان فيها حديث صحيح وقد حكم بخلافه فإجتهاده باطل ظنا ","part":1,"page":12},{"id":13,"text":" وإن كان المجتهدان جميعا قد سلكا ما ينبغي لهما أن يسلكاه ولم يخالفا حديثا صحيحا ولا أمرا ينقض اجتهاد القاضي والمفتي في خلافه فهما جميعا على الحق هذا والله أعلم باب تأكيد الأخذ بهذه المذاهب الأربعة التشديد في تركها والخروج عنها \r\n اعلم أن في الأخذ بهذه المذاهب الأربعة مصلحة عظيمة وفي الإعراض عنها كلها مفسدة كبيرة ونحن نبين ذلك بوجوه \r\n أحدها أن الأمة اجتمعت على أن يعتمدوا على السلف في معرفة الشريعة فالتابعون اعتمدوا في ذلك على الصحابة وتبع التابعين اعتمدوا على التابعين وهكذا في كل طبقة اعتمد العلماء على من قبلهم والعقل يدل على حسن ذلك لأن الشريعة لا تعرف إلا بالنقل والإستنباط والنقل لا يستقيم إلا بأن تأخذ كل طبقة عمن قبلها بالإتصال ولا بد في الإستنباط أن تعرف مذاهب المتقدمين لئلا يخرج عن أقوالهم فيخرق الإجماع ويبني عليها ويستعين في ذلك كل بمن سبقه لأن جميع الصناعات كالصرف والنحو والطب والشعر والحدادة والنجارة والصياغة لم تتيسر لأحد إلا بملازمة أهلها وغير ذلك نادر بعيد لم يقع وإن كان جائزا في العقل وإذا تعين الإعتماد على أقاويل السلف فلا بد من أن تكون أقوالهم التي يعتمد عليها مروية بالإسناد الصحيح أو مدونة في كتب مشهورة وأن تكون مخدومة بأن يبين الراجح من محتملاتها ويخصص عمومها في بعض المواضع ويقيد مطلقها في بعض المواضع ويجمع المختلف منها ويبين علل أحكامها وإلا لم يصح الاعتماد عليها وليس مذهب في هذه الأزمنة المتأخرة بهذه الصفة إلا هذه المذاهب الأربعة اللهم إلا مذهب الإمامية والزيدية وهم أهل البدعة لا يجوز الاعتماد على أقاويلهم \r\n وثانيها قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اتبعوا السواد الأعظم ولما اندرست المذاهب الحقة إلا هذه الأربعة كان اتباعها اتباعا للسواد الأعظم والخروج عنها خروجا عن السواد الأعظم ","part":1,"page":13},{"id":14,"text":" وثالثها أن الزمان لما طال وبعد العهد وضيعت الأمانات لم يجز أن يعتمد على أقوال علماء السوء من القضاة الجورة والمفتين التابعين لأهوائهم حتى ينسبوا ما يقولون إلى بعض من اشتهر من السلف بالصدق والديانة والأمانة إما صريحا أو دلالة وحفظ قوله ذلك ولا على قول من لا ندري هل جمع شروط الإجتهاد أو لا فإذا رأينا العلماء المحققين في مذاهب السلف عسى أن يصدقوا في تخريجاتهم على أقوالهم واستنباطهم من الكتاب والسنة وأما إذا لم نر منهم ذلك فهيهات وهذا المعنى الذي أشار إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال يهدم الإسلام جدال المنافق بالكتاب وابن مسعود حيث قال من كان متبعا فليتبع من مضى فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله صلى الله عليه و سلم بلا برهان لقوله تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء وقوله تعالى وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا وقال تعالى مادحا لمن لم يقلد فبشر عباد ! الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أول الألباب وقال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى احد دون القرآن والسنة وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قول قائل لأنه غير القرآن والسنة وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم وإجماع تبع التابعين أولهم عن آخرهم على الإمتناع والمنع من أن يقصد أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم فيأخذه كله فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد رحمهم الله ولا يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه وأنه لا يجد لنفسه سلفا ولا إماما في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليدهم وتقليد غيرهم فقد خالفهم من قلدهم وأيضا فما الذي جعل رجلا من هؤلاء أو من غيرهم أولى بأن يقلد من عمر بن الخطاب ","part":1,"page":14},{"id":15,"text":" أو علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن عباس رضي الله عنهم أو عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أ حق بأن يتبع من غيره انتهى إنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة وفيمن ظهر عليه ظهورا بينا أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بكذا أو نهى عن كذا وأنه ليس بمنسوخ إما بأن يتتبع الأحاديث وأقوال المخالف والموافق في المسألة فلا يجد لها نسخا أو بأن يرى جما غفيرا من المتبحرين في العلم يذهبون إليه ويرى المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي صلى الله عليه و سلم إلا نفاق خفي أو حمق جلي وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده وقال لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال كأنه نبي أرسل وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب وقال الإمام أبو شامة ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة وذلك سهل عليه إذا كان أتقن معظم العلوم المتقدمة وليجتنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف فإنها مضيعة للزمان ولصفوه مكدرة فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن تقليده وغيره قال صاحبه المزني في أول مختصره اختصرت هذا من علم الشافعي رحمه الله ومن معنى قوله لأقربه على من أراد مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره انتهى وفيمن يكون عاميا ويقلد رجلا من ","part":1,"page":15},{"id":16,"text":" الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ وأن ما قاله هو الصواب البتة وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده وإن ظهر الدليل على خلافه وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه وفيمن لا يجوز أن يستفتي الحنفي مثلا فقيها شافعيا وبالعكس ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام شافعي مثلا فإن هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض الصحابة والتابعين وليس محله فيمن لا يدين إلا بقول النبي صلى الله عليه و سلم ولا يعتقد حلالا إلا ما أحله الله ورسوله ولا حراما إلا ما حرمه الله ورسوله لكن لما لم يكن له علم بما قال النبي صلى الله عليه و سلم ولا بطريق الجمع بين المختلفات من كلامه ولا بطريق الإستنباط من كلامه اتبع عالما راشدا على أنه مصيب فيما يقول ويفتي ظاهرا متبع سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن ظهر خلاف ما يظنه أقلع من ساعته من غير جدال ولا إصرار فهذا كيف ينكره أحد مع أن الإستفتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه و سلم ولا فرق بين أن يستفتي هذا دائما أو يستفتي هذا حينا بعد أن يكون مجمعا على ما ذكرناه كيف لا ولم نؤمن بفقيه أيا كان أنه أوحى الله إليه الفقه وفرض علينا طاعته وأنه معصوم فإن اقتدينا بواحد منهم فذلك لعلمنا أنه عالم بكتاب الله وسنة رسوله فلا يخلو قوله إما أن يكون من صريح الكتاب والسنة أو مستنبطا منهما بنحو من الإستنباط أو عرف بالقرائن أن الحكم في صورة ما منوط بعلة كذا واطمأن قلبه بتلك المعرفة فقاس غير المنصوص على المنصوص فكأنه يقول ظننت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال كلما وجدت هذه العلة فالحكم ثمة هكذا والمقيس مندرج في هذا العموم فهذا أيضا معزو إلى النبي صلى الله عليه و سلم ولكن في طريقه ظنون ولولا ذلك لما قلد مؤمن لمجتهد فإن بلغنا حديث من الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف مذهبه وتركنا حديثه واتبعنا ذلك التخمين فمن أظلم منا وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين ","part":1,"page":16},{"id":17,"text":" باب اختلاف الناس في الأخذ بهذه المذاهب الأربعة وما يجب عليهم من ذلك \r\n اعلم أن الناس في الأخذ بهذه المذاهب على أربعة منازل ولكل قوم حد لا يجوز أن يتعدوه أحدها مرتبة المجتهد المطلق المنتسب إلى صاحب مذهب من تلك المذاهب ثانيهما مرتبة المخرج وهو المجتهد في المذهب وثالثها مرتبة المتبحر في المذهب الذي حفظ المذهب وأتقنه وهو يفتي بما أتقن وحفظ من مذهب أصحابه ورابعها المقلد الصرف الذي يستفتي علماء المذاهب ويعمل على فتواهم وكتب القوم مشحونة بشروط كل منزل وأحكامه إلا أن من لا يميز بين المنازل فيتخبط في تلك الأحكام ويظنها متناقضة فأردنا أن نجعل لكل منزل فصلا ونشير إلى أحكام كل منزل على حدة \r\n فصل في المجتهد المطلق المنتسب \r\n وقد قدمنا شرطه فلا نعيده وحاصل كل ذلك أنه جامع بين علم الحديث والفقه المروي عن أصحابه وأصول الفقه كحال كبار العلماء من الشافعية وهم وإن كانوا كثيرين في أنفسهم لكنهم أقلون بالنظر إلى المنازل الأخرى وحاصل صنيعهم على ما استقرينا من كلامهم أن تعرض المسائل المنقولة عن مالك والشافعي وأبي حنيفة والثوري وغيرهم رضي الله عنهم من المجتهدين المقبولة مذاهبهم وفتاواهم على موطأ مالك والصحيحين ثم على أحاديث الترمذي وأبي داود فأي المسألة وافقتها السنة نصا أو إشارة أخذوا بها وعولوا عليها وأي مسألة خالفتها السنة مخالفة صريحة ردوها وتركوا العمل بها وأي مسألة اختلفت فيها الأحاديث والآثار اجتهدوا في تطبيق بعضها ببعض إما بجعل المفسر قاضيا على المبهم وتنزيل كل حديث على صورة أو غير ذلك فإن كانت من باب السنن والآداب فالكل سنة وإن كانت من باب الحلال والحرام أو من باب القضاء واختلف فيها الصحابة والتابعون والمجتهدون جعلوها على قولين أو على أقوال ولم ينكروا على أحد فيما أخذ منها ورأوا في الأمر سعة إذا كان يشهد الحديث والآثار لكل جانب ثم استفرغوا جهدهم في معرفة الأولى والأرجح إما بقوة الرواية أو بعمل أكثر الصحابة أو كونه مذهب جمهور المجتهدين أو موافقا للقياس كفئا ","part":1,"page":17},{"id":18,"text":" لنظرائه ثم عملوا بذلك الأقوى من غير نكير على أحد ممن أخذ بالقول الآخر فإن لم يجدوا في المسألة حديثا من تينك الطبقتين أجالوا قداح نظرهم في شواهد أقوالهم من آثار الطبقة الثالثة من كتب الحديث وإلى ما يفهم من كلامهم من الدليل والتعليل فإذا اطمأن الخاطر بشيء أخذوا به فإن لم يطمئن بشيء مما ذكروه واطمأن بغيره وكانت المسألة مما ينفذ فيه اجتهاد المجتهد ولم يسبق فيه إجماع وقام عندهم الدليل الصريح قالوا به مستعينين بالله متوكلين عليه وهذا باب نادر الوقوع صعب المرتقى يجتنبون مزالقة أشد اجتناب وإن لم يقم عندهم دليل صريح اتبعوا السواد الأعظم وأي مسألة ليس فيها تصريح أو تعليل صحيح من السلف استفرغوا الجهد في طلب نص أو إشارة أو إيماء من الكتاب والسنة أو أثر من الصحابة والتابعين فإن وجدوا قالوا به وليس عندهم أن يقلدوا عالما واحدا في كل ما قال اطمأنت به نفوسهم أو لا وإن كنت في ريب مما ذكرنا فعليك بكتب البيهقي وكتاب معالم السنن وشرح السنة للبغوي فهذه طريقة المحققين من فقهاء المحدثين وقليل ما هم وهم غير الظاهرية من أهل الحديث الذين لا يقولون بالقياس ولا الإجماع وغير المتقدمين من أصحاب الحديث ممن لم يلتفتوا إلى أقوال المجتهدين أصلا ولكنهم أشبه الناس بأصحاب الحديث لأنهم صنعوا في أقوال المجتهدين ما صنع أولئك في مسائل الصحابة والتابعين \r\n فصل في المجتهد في المذهب وفيه مسائل \r\n مسألة اعلم أن الواجب على المجتهد في المذهب أن يحصل من السنن والآثار ما يحترز به من مخالفة الحديث الصحيح واتفاق السلف ومن دلائل الفقه ما يقتدر به على معرفة مأخذ أصحابه في أقوالهم وهو معنى ما في الفتاوي السراجية لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء ويعلم من أين قالوا ويعرف معاملات الناس فإن عرف أقاويل العلماء ولم يعرف مذاهبهم فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء الذين يتخذ مذهبهم قد اتفقوا عليها فلا بأس بأن يقول هذا جائز وهذا لا يجوز ويكون قوله على سبيل الحكاية وإن كانت مسألة قد اختلفوا فيها فلا بأس بأن يقول هذا جائز في قول فلان وفي قول فلان لا يجوز وليس له أن يختار ","part":1,"page":18},{"id":19,"text":" فيجيب بقول بعضهم ما لم يعرف حجتهم وفي الفصول العمادية في الفصل الأول وإن لم يكن من أهل الإجتهاد لا يحل له أن يفتي إلا بطريق الحكاية فيحكي ما يحفظ من أقوال الفقهاء وعن أبي يوسف وزفر وعافية بن زيد أنهم قالوا لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا وفيها أيضا عن بعضهم قالوا لو أن الرجل حفظ جميع كتب أصحابنا لا بد أن يتلمذ للفتوى حتى يهتدي إليه لأن كثيرا من المسائل أجاب عنها أصحابنا على عادة أهل بلدهم ومعاملاتهم فينبغي لكل مفت أن ينظر إلى عادة أهل بلده وزمانه فيما لا يخالف الشريعة في عمدة الأحكام من المحيط فأما أهل الاجتهاد فهو من يكون عالما بالكتاب والسنة والآثار ووجوه الفقه ومن الخانية نقل عن بعضهم لا بد للإجتهاد من حفظ المبسوط ومعرفة الناسخ والمنسوخ والمحكم والمؤول والعلم بعادات الناس وعرفهم في السراجية قيل أدنى الشروط للإجتهاد حفظ المبسوط ذكر هذه الرواية في خزانة المفتين أقول هذه العبارات معناها الفرق بين المفتي الذي هو صاحب تخريج وبين المفتي الذي هو متبحر في مذهب أصحابه يفتي على سبيل الحكاية لا على سبيل الاجتهاد \r\n مسألة اعلم أن القاعدة عند محققي الفقهاء ان المسائل على أربعة أقسام قسم تقرر في ظاهر المذهب وحكمه أن يقبلوه على كل حال وافقت الأصول أو خالفت ولذلك ترى صاحب الهداية وغيره يتكلفون بيان الفرق في مسائل التجنيس وقسم هو رواية شاذة عن أبي حنيفة رحمه الله وصاحبيه وحكمه أن لا يقبلوه إلا إذا وافق الأصول وكم في الهداية ونحوها من تصحيح لبعض الروايات الشاذة بحال الدليل وقسم هو تخريج من المتأخرين اتفق عليه جمهور الأصحاب وحكمه أنهم يفتون به على كل حال وقسم هو تخريج منهم لم يتفق عليه جمهور الأصحاب وحكمه أن يعرضه المفتي على الأصول والنظائر من كلام السلف فإن وجده موافقا لها أخذ به وإلا تركه في خزانة الروايات نقلا عن بستان الفقيه أبي الليث في باب الأخذ عن الثقات ولو أن رجلا سمع حديثا أو سمع مقالة فإن لم يكن القائل ثقة فلا يسعه أن يقبل منه إلا أن يكون قولا يوافق الأصول فيجوز العمل به وإلا فلا وكذا لو وجد حديثا مكتوبا أو مسألة فإن كان موافقا ","part":1,"page":19},{"id":20,"text":" للأصول جاز أن يعمل به وإلا فلا وفي البحر الرائق عن أبي الليث قال سئل أبو نصر عن مسألة وردت عليه ما تقول رحمك الله وقعت عندنا كتب أربعة كتاب إبراهيم بن رستم وآداب القاضي عن الخصاف وكتاب المجرد وكتاب النوادر من جهة هشام هل يجوز لنا أن نفتي منها أو لا وهذه الكتب محمودة عندك فقال ما صح عن أصحابنا فذلك علم محبوب مرغوب فيه مرضى به وأما الفتيا فإني لا أرى لأحد أن يفتي بشيء لا يفهمه ولا يحتمل أثقال الناس فإن كانت مسائل قد اشتهرت وظهرت وانجلت عن أصحابنا رجوت أن يسع لي الاعتماد عليها في النوازل \r\n مسألة اعلم أن المسألة إذا كانت ذات اختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه فحكمها أن المجتهد في المذهب يختار من أقوالهم ما هو أقوى دليلا وأقيس تعليلا وأرفق بالناس ولذلك أفتى جماعات من علماء الحنفية على قول محمد رحمه الله في طهارة الماء للمستعمل وعلى قولهما في أول وقت العصر والعشاء وفي جواز المزارعة وكتبهم مشحونة بذلك لا يحتاج إلى إيراد النقول وكذلك الحال في مذهب الشافعي رحمه الله في المنهاج وغيره في الفرائض أن أصل المذهب عدم توريث ذوي الأرحام وقد أفتى المتأخرون عند عدم انتظام بيت المال بتوريثهم وقد نقل فقيه اليمن ابن زياد في فتاواه مسائل أفتى المتأخرون فيها بخلاف المذهب منها إخراج الفلوس من الزكاة المفروضة من النقدين وعروض التجارة أفتى البلقيني بجوازه وقال أعتقد جوازه ولكنه مخالف لمذهب الشافعي رحمه الله وتبع البلقيني في ذلك البخاري ومنها دفع الزكاة إلى الأشراف العلويين أفتى الإمام فخر الدين الرازي بجوازه في هذه الأزمنة حين منعوا سهمهم من بيت المال وأضر بهم الفقر ومنها بيع النحل في الكوارات مع ما فيها من شمع وغيره اجاب البلقيني بالجواز ونقل ابن زياد عن الإمام ابن عجيل أنه قال ثلاث مسائل في الزكاة يفتي فيها بخلاف المذهب نقل الزكاة ودفع الزكاة إلى واحد ودفعها إلى أحد الأصناف أقول وعندي في ذلك رأي وهو أن المفتي في مذهب الشافعي سواء كان مجتهدا في المذهب أو متبحرا فيه إذا احتاج في مسألة إلى غير مذهبه فعليه بمذهب أحمد رحمه الله فإنه أجل أصحاب الشافعي ","part":1,"page":20},{"id":21,"text":" رحمه الله علما وديانة ومذهبه عند التحقيق فرع لمذهب الشافعي رحمه الله ووجه من وجوهه والله أعلم \r\n فصل في المتبحر في المذهب وهو الحافظ لكتب مذهبه وفيه مسائل \r\n مسألة من شرطه أن يكون صحيح الفهم عارفا بالعربية وأساليب الكلام ومراتب الترجيح متفطنا لمعاني كلامهم لا يخفى عليه غالبا تقييد ما يكون مطلقا في الظاهر والمراد منه المقيد وإطلاق ما يكون مقيدا في الظاهر والمراد منه المطلق نبه على ذلك ابن نجيم في البحر الرائق ويجب عليه أن لا يفتي إلا بأحد وجهين إما أن يكون عنده طريق صحيح يعتمد عليه إلى إمامه أو تكون المسألة في كتاب مشهور تداولته الأيدي في النهر الفائق في كتاب القضاء طريق نقل المفتي المقلد عن المجتهد أحد أمرين إما أن يكون له سند إليه أو أخذه من كتاب معروف تداولته الأيدي نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين لأنه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور وهكذا ذكر الرازي فعلى هذا لو وجد بعض النسخ النوادر في زماننا لا يحل عزو ما فيها إلى محمد ولا إلى أبي يوسف رحمهما الله لأنها لم تشتهر في عصرنا في ديارنا ولم تتداول نعم إذا وجد النقل عن النوادر مثلا في كتاب مشهور معروف كالهداية والمبسوط كان ذلك تعويلا على ذلك الكتاب انتهى وفي فتاوي القنية في باب ما يتعلق بالمفتي إن ما يوجد من كلام رجل ومذهبه في كتاب معروف وقد تداولته النسخ فإنه جاز لمن نظر فيه أن يقول قال فلان أو فلان كذا وإن لم يسمعه من أحد نحو كتب محمد بن الحسن وموطأ مالك رحمهما الله ونحوهما من الكتب المصنفة في أصناف العلوم لأن وجود ذلك على هذا الوصف بمنزلة الخبر المتواتر والاستفاضة لا يحتاج مثله إلى إسناد \r\n مسألة إذا وجد المتبحر في المذهب حديثا صحيحا يخالف مذهبه فهل له أن يأخذ بالحديث ويترك مذهبه في تلك المسألة في هذه المسألة بحث طويل وأطال فيها صاحب خزانة الروايات نقلا عن دستور المساكين فلنورد كلامه من ذلك بعينه فإن قيل لو كان المقلد غير المجتهد عالما مستدلا يعرف قواعد الأصول ومعاني ","part":1,"page":21},{"id":22,"text":" النصوص والأخبار هل يجوز أن يعمل عليها وكيف يجوز وقد قيل لا يجوز لغير المجتهد أن يعمل إلا على روايات مذهبه وفتاوى إمامه ولا يشتغل بمعاني النصوص والأخبار ويعمل عليها كالعامي قيل هذا في العامي الصرف الجاهل الذي لا يعرف معاني النصوص والأحاديث وتأويلاتها أما العالم الذي يعرف النصوص والأخبار وهو من أهل الدراية وثبت عنده صحتها من المحدثين أو من كتبهم الموثوقة المشهورة المتداولة فيجوز له أن يعمل عليها وإن كان مخالفا لمذهبهم يؤيده قول أبي حنيفة ومحمد والشافعي وأصحابه رحمهم الله تعالى وقول صاحب الهداية في روضة العلماء الزندوستية في فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم سئل أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه قال اتركوا قولي بكتاب الله فقيل إذا كان خبر الرسول صلى الله عليه و سلم يخالفه قال اتركوا قولي بخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل إذا كان قول الصحابة يخالفه قال اتركوا قولي بقول الصحابة وفي الامتاع روى البيهقي في السنن عند الكلام على القراءة بسنده قال قال الشافعي رحمه الله تعالى إذا قلت قولا وكان النبي صلى الله عليه و سلم قال خلاف قولي فما يصح من حديث النبي صلى الله عليه و سلم أولى فلا تقلدوني ونقل إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال إذا بلغكم خبر صحيح يخالف مذهبي فاتبعوه واعلموا أنه مذهبي وقد صح منصوصا أنه قال إذا بلغكم عني مذهب وصح عندكم خبر على مخالفته فاعلموا أن مذهبي موجب الخبر وروى الخطيب بإسناده أن الداركي من الشافعية كان يستفتي وربما يفتي بغير مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى فيقال له هذا يخالف قولهما فيقول ويلكم حدث فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه و سلم هكذا والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقولهما إذا خالفاه وكذا يؤيده ما ذكر في الهداية في مسألة صوم المحتجم لو احتجم وظن أن ذلك يفطره ثم أكل متعمدا عليه القضاء والكفارة لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي إلا إذا أفتاه فقيه بالفساد لأن الفتوى دليل شرعي في حقه ولو بلغه الحديث واعتمده فكذلك عن محمد رحمه الله تعالى لأن قول الرسول صلى الله عليه و سلم لا ينزل عن قول المفتي في الكافي والحميدي أي لا يكون أدنى درجة من قول المفتي وقول المفتي يصلح دليلا شرعيا فقول الرسول صلى الله عليه و سلم أولى وعن أبي يوسف خلاف ","part":1,"page":22},{"id":23,"text":" ذلك لأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الاحاديث وإن عرف تأويله تجب الكفارة وفي المناوى بالإتفاق وأما الجواب عن قول أبي يوسف إن للعامي الإقتداء بالفقهاء فمحمول على العامي الصرف الجاهل الذي لا يعرف معنى الأحاديث وتأويلاتها لأنه أشار إليه بقوله لعدم الإهتداء أي في حقه إلى معرفة الأحاديث وكذا قوله وإن عرف العامي تأويله تجب الكفارة يشير إلى أن المراد من العامي غير العالم وفي الحميدي العامي منسوب إلى العامة وهم الجهال فعلم من هذه الإشارات أن مراد أبي يوسف رحمه الله تعالى أيضا من العامي الجاهل الذي لا يعرف معنى النص أو تأويله فيما ذكر من قول أبي حنيفة والشافعي ومحمد رحمهم الله يندفع قول القائل يجب العمل بالرواية بخلاف النص انتهى ما نقلناه من خزانة للروايات \r\n وفي المسألة قول آخر وهو أنه إذا لم يجمع آلات الإجتهاد لا يجوز له العمل على الحديث بخلاف مذهبه لأنه لا يدري أنه منسوخ أو مؤول أو محكم محمول على ظاهره ومال إلى هذا القول ابن الحاجب في مختصره وتابعوه ورد بأنه إن أراد عدم التيقن بنفي هذه الإحتمالات فالمجتهد أيضا لا يحصل له اليقين بذلك وإنما يبني أكثر أمره على غالب الظن وإن أراد أنه لا يدري ذلك بغالب الرأي منعناه في صورة النزاع لأن المتبحر في المذهب المتتبع لكتب القوم الحافظ من الحديث والفقه بجملة صالحة كثيرا ما يحصل له غالب الظن بأن الحديث غير منسوخ ولا مؤول بتأويل يجب القول به وإنما البحث فيما حصل له ذلك والمختار ههنا هو قول ثالث وهو ما اختاره ابن الصلاح وتبعه النووي وصححه قال ابن الصلاح من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه نظر إن كملت له آلة الإجتهاد مطلقا أو في ذلك الباب والمسألة كان له الإستقلال بالعمل به وإن لم تكمل وشق مخالفة الحديث بعد أن يبحث فلم يجد لمخالفته جوابا شافيا عنه فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي رحمه الله ويكون هذا عذرا في ترك مذهب إمامه ههنا وحسنه النووي وقرره \r\n مسألة إذا أراد هذا المتبحر في المذهب أن يعمل في مسألة بخلاف مذهب إمامه مقلدا فيها لإمام آخر هل يجوز له ذلك اختلفوا فيه فمنعه الغزالي وشرذمة وهو ","part":1,"page":23},{"id":24,"text":" قول ضعيف عند الجمهور لأن مبناه على أن الإنسان يجب عليه أن يأخذ بالدليل فإذا فات ذلك لجهله بالدلائل أقمنا اعتقاد أفضلية إمامه مقام الدليل فلا يجوز له أن يخرج من مذهبه كما لا يجوز له أن يخالف الدليل الشرعي ورد بأن اعتقاد أفضلية الإمام على سائر الأئمة مطلقا غير لازم في صحة التقليد إجماعا لأن الصحابة والتابعين كانوا يعتقدون أن خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما وكانوا يقلدون في كثير من المسائل غيرهما بخلاف قولهما ولم ينكر على ذلك أحد فكان إجماعا على ما قلناه وأما أفضلية قوله في هذه المسألة فلا سبيل إلى معرفتها للمقلد الصرف فلا يجوز أن يكون شرطا للتقليد إذ يلزم أن لا يصح تقليد جمهور المقلدين ولو سلم ففي مسألتنا هذه هذا عليكم لا لكم لأنه كثيرا ما يطلع على حديث يخالف مذهب إمامه أو يجد قياسا قويا يخالف مذهبه فيعتقد الأفضلية في تلك المسألة لغيره وذهب الأكثرون إلى جوازه منهم الآمدي وابن الحاجب وابن الهمام والنووي وأتباعه كابن حجر والرملي وجماعات من الحنابلة والمالكية ممن يفضي ذكر أسمائهم إلى التطويل وهو الذي انعقد عليه الإتفاق من مفتي المذاهب الأربعة من المتأخرين واستخرجوه من كلام أوائلهم ولهم رسائل مستقلة في هذه المسألة إلا أنهم اختلفوا في شرط جوازه فمنهم من قال لا يرجع فيما قلد اتفاقا فسره ابن الهمام فقال أي عمر به واختلف الشراح في معنى هذه الكلمة فقيل فيما عمر به بخصوصه بأن يقضي تلك الصلوات الواقعة على المذهب الأول مثلا وهو الصحيح الذي لا يتجه غيره عند التحقيق وقيل بجنسه ورد بأنه ليس اتفاقيا بل أكثر ما روى عن السلف هو العمل بخلاف المذهب فيما كانوا يعملون به ومنهم من قال لا يلتقط الرخص فقيل يعني ما سهل عليه ورد بأن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا خير اختار أهون الأمرين ما لم يكن إثما وقيل ما لا يقويه الدليل بل الدليل الصحيح الصريح قام بخلافه مثل المتعة والصرف وهذا وجه وجيه وجدت في كتاب التخليص في تخريج أحاديث الرافعي للحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب النكاح منه نقلا عن الحاكم في كتاب علوم الحديث بإسناده إلى الأوزاعي قال يجتنب أو يترك من قول أهل العراق خمس ومن أقوال أهل الحجاز استماع الملاهي والمتعة وإتيان النساء في أدبارهن ","part":1,"page":24},{"id":25,"text":" والصرف والجمع بين الصلاتين بغير عذر ومن قول أهل العراق شرب النبيذ وتأخير العصر حتى يكون ظل الشيء أربعة أمثاله ولا جمعة إلا في سبعة أمصار والفرار من الزحف والأكل بعد الفجر في رمضان ثم قال ابن حجر وروى عبدالرزاق عن معمر لو أن رجلا أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء وإتيان النساء في أدبارهن وبقول أهل مكة في المتعة والصرف وبقول أهل الكوفة في المسكر كان شر عباد الله ومنهم من قال لا يلفق بحيث يتركب حقيقة ممتنعة عند الإمامين قيل الممنوع أن يتركب حقيقة ممتنعة في مسألة واحدة مثل الوضوء بلا ترتيب ثم خرج منه الدم السائل لا في مسألتين كما إذا طهر الثوب بمذهب الشافعي وصلى بمذهب أبي حنيفة ويتجه أن يقال فيه بحث لأنه إن كان المقصود من هذا القيد أن لا يخرج مجموع ما انتحله من الاتفاق فهو حاصل في مسألتين أيضا وإن كان المقصود أن لا يخرج هذه المسألة وحدها من الإجماع فيكفي عنه اشتراط كونه مذهبا للإجتهاد فيه مساغ كما يأتي ومنهم من قال لا يكون المذهب الذي يذهب إليه مما ينقض فيه قضاء القاضي وهذا وجيه والإحتراز منه يحصل إذا قلد مذهبا من المذاهب الأربعة المقبولة المشهورة ومنهم من قال ينشرح صدره في تلك المسألة بما قلد فيه غير إمامه ولا يتصور إلا في المتبحر وقيل إذا تبع الأكثر والقول المشهور فخروجه من مذهب إمامه حسن وإذا كان بالعكس فقبيح هذا خلاصة ما في رسائلهم مع تنقيح وتحرير وأنا أختار في الجواز شرط أن لا ينقض قضاء قاض به سواء كان النقض لإجتماع معنيين كل واحد منهما صحيح كالنكاح بغير شهود مجتمعين ولا إعلان أو لغيره وفي الاختيار شرط انشراح الصدر لمعنى في الدليل أو كثرة من عمل به في السلف أو كونه أحوط أو كونه تفصيا من مضيق لا يمكن له الطاعة معه لقوله صلى الله عليه و سلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه بما استطعتم ونحو ذلك من المعاني المعتبرة في الشرع لا مجرد الهوى وطلب الدنيا وفي الوجوب شرط أن يتعلق به حق لغيره فيقضي القاضي بخلاف مذهبه في خزانة الروايات في كشف القناع وإذا قلد فقيها في شيء هل يجوز له أن يرجع عنه إلى فقيه آخر المسألة على وجهين أحدهما أن لا يكون التزم مذهبا معينا كمذهب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما رحمهم الله تعالى والثاني التزم فقال إني ملتزم متبع ففي ","part":1,"page":25},{"id":26,"text":" الوجه الأول قال ابن الحاجب لا يرجع بعد تقليده فيما قلد اتفاقا وفي حكم آخر المختار الجواز لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فالقول بوجوب الرجوع إلى من قلد أولا في مسألة يكون تقييد النص وهو يجري مجرى النسخ على ما تقرر في الأصول ولقوله صلى الله عليه و سلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وإن العوام في السلف كانوا يستفتون الفقهاء من غير رجوع إلى معين من غير إنكار فحل محل الإجماع على الجواز كذا في شرح ابن الحاجب وأما الجواب في الوجه الثاني وهو ما إذا التزم مذهبا معينا كأبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى فقد أشار ابن الحاجب إلى الإختلاف في ذلك من اختلاف مذهبه وأشار إلى أنه اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقاويل فقيل لا يجوز مطلقا وقيل يجوز مطلقا القول الثالث أن الحكم في هذا الوجه والوجه الأول سواء فلا يجوز أن يرجع عنه بعد تقليده فيما قلد أي عمل به ويجوز في غيره وفي عمدة الأحكام من الفتاوي الصوفية سئل عن يوم عيد الفطر إنا نرى بعض الناس يتطوعون في الجامع عند الزوال فمنعهم عن ذلك ونخبرهم عن ورود النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة قال أما المنع فلا كيلا يدخل تحت قوله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ولا يتعين وقت الزوال بل عسى أن يكون قبله أو بعده ولئن كان وقته فقد روى عن أبي يوسف رحمه الله لا يكره ذلك التطوع عند الزوال يوم الجمعة والشافعي رحمه الله لا يكره ذلك في جميع الأيام فلئن اعترضت على هذا المصلى فعسى أن يجيبك أنه تقلد في هذه المسألة من يرى جواز ذلك أو يحتج عليك بما احتج به من اختار ذلك فليس لك أن تنكر على من قلد مجتهدا أو احتج بدليل وفيها أيضا من التجنيس والمزيد وربما قلده هذا المصلى فلا ينكر على من فعل فعلا مجتهدا أو تقلد بمجتهد وفي الظهيرية ومن فعل فعلا مجتهدا فيه أو قلد مجتهدا في فعل مجتهد فيه فلا عار ولا شناعة ولا إنكار عليه وفي المنهاج للبيضاوي لو رأى الزوج لفظا كناية ورأته المرأة صريحا فله الطلب ولها الإمتناع فيرجعان إلى غيرهما فائدة استشكل رجل شافعي الإختلاف بين عبارتي الأنوار فأجبته بما يحل الإختلاف في كتاب القضاء من كتاب الأنوار ما حاصله إذا دونت هذه المذاهب جاز للمقلد أن ينتقل من مذهب مجتهد إلى مذهب ","part":1,"page":26},{"id":27,"text":" آخر وكذا لو قلد مجتهدا في بعض المسائل وآخر في البعض الآخر حتى لو اختار من كل مذهب الأهون كالحنفي إذا إقتصد وأراد أن يأخذ بالشافعي رحمه الله لئلا يتوضأ أو الشافعي مس فرجه أو امرأة وأراد أن يأخذ بالحنفي لئلا يتوضأ وغير ذلك من المسائل جاز هذا حاصل كلام صاحب الأنوار في كتاب القضاء وقال في باب الإحتساب لو رأى الشافعي شافعيا يشرب النبيذ أو ينكح بلا ولي ويطؤها فله أن ينكر لأن على كل مقلد اتباع مقلده ويعصي بالمخالفة ولو رأى الشافعي الحنفي يأكل الضب أو متروك التسمية عمدا فله أن يقول إما أن تعتقد أن الشافعي أولى بالإتباع وإما أن تترك هذا كلامه في الإحتساب وبين القولين اختلاف أقول وحل الإختلاف عندي والله أعلم أن معنى قوله يعصي بالمخالفة أنه يعصي بالمخالفة إذا عزم على تقليده في جميع المسائل أو في هذه المسألة ثم أقدم على المخالفة فهذه معصية بلا شك وأما إذا قلد في هذه المسألة غيره فذلك الغير هو مقلده ولم يخالف مقلده ونقول المسألة الثانية مبنية على قول الغزالي وشرذمة والأولى على قول الجمهور فافهم فإن حل هذا الإختلاف قد صعب على بعض المصنفين \r\n مسألة اعلم أن تقليد المجتهد على وجهين واجب وحرام \r\n فأحدهما أن يكون من اتباع الرواية دلالة تفصيله أن الجاهل بالكتاب والسنة لا يستطيع بنفسه التتبع ولا الإستنباط فكان وظيفته أن يسأل فقيها ما حكم رسول الله صلى الله عليه و سلم في مسألة كذا وكذا فإذا أخبر تبعه سواء كان مأخوذا من صريح نص أو مستنبطا منه او مقيسا على المنصوص فكل ذلك راجع إلى الرواية عنه صلى الله عليه و سلم ولو دلالة وهذا قد اتفقت الأمة على صحته قرنا بعد قرن بل الأمم كلها أنفقت على مثله في شرائعهم وأمارة هذا التقليد أن يكون عمله بقول المجتهد كالمشروط بكونه موافقا للسنة فلا يزال متفحصا عن السنة بقدر الإمكان فمتى ظهر حديث يخالف قوله هذا أخذ بالحديث وإليه أشار الأئمة قال الشافعي رحمه الله إذا صح الحديث فهو مذهبي وإذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فأعملوا بالحديث واضربوا بكلامي الحائط وقال مالك رحمه الله ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه ","part":1,"page":27},{"id":28,"text":" إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي وقال أحمد لا تقلدني ولا تقلدن مالكا ولا غيره وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة \r\n الوجه الثاني أن يظن بفقيه أنه بلغ الغاية القصوى فلا يمكن أن يخطىء فمهما بلغه حديث صحيح صريح يخالف مقالته لم يتركه أو ظن أنه لما قلده كلفه الله بمقالته وكان كالسفيه المحجور عليه فإن بلغه حديث واستقين بصحته لم يقبله لكون ذمته مشغولة بالتقليد فهذا اعتقاد فاسد وقول كاسد ليس له شاهد من النقل والعقل وما كان أحد من القرون السابعة يفعل ذلك وقد كذب في ظنه من ليس بمعصوم من الخطأ معصوما حقيقة أو معصوما في حق العمل بقوله وفي ظنه أن الله تعالى كلفه بقوله وأن ذمته مشغولة بتقليده وفي مثله نزل قول تعالى وإنا على آثارهم مقتدون وهل كان تحريفات الملل السابقة إلا من هذا الوجه \r\n مسألة اختلفوا في الفتوى بالروايات الشاذة المهجورة في خزانة الروايات في السراجية ثم الفتوى على الاطلاق على قول أبي حنيفة رحمه الله ثم بقول أبي سوف رحمه الله ثم بقول محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى ثم بقول زفر بن هذيل والحسن بن زياد رحمهما الله تعالى وقيل إذا كان أبو حنيفة رحمه الله في جانب وصاحباه في جانب فالمفتي بالخيار والأول أصح إذا لم يكن المفتي مجتهدا لأنه كان أعلم زمانه حتى قال الشافعي الناس كلهم عيال أبي حنيفة رحمه الله في الفقه في المضمرات وقيل إذا كان أبو حنيفة رحمه الله في جانب وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله في جانب فالمفتي بالخيار إن شاء أخذ بقوله وإن شاء اخذ بقولهما وإن كان أحدهما مع أبي حنيفة يأخذ بقولهما البتة إلا إذا اصطلح المشايخ على الأخذ بقول ذلك الواحد فيتبع اصطلاحهم كما اختار الفقيه أبو الليث قول زفر في قعود المريض للصلاة أنه يقعد المصلي في التشهد لأنه أيسر على المريض وإن كان قول أصحابنا أن يقعد المريض في حال القيام متربعا أو محتبيا ليكون فرقا بين القعدة والقعود الذي هو في حكم القيام ولكن هذا يشق على المريض لأنه لم يتعود هذا القعود وكذلك ","part":1,"page":28},{"id":29,"text":" اختاروا تضمين الساعي إلى السلطان بغير إذن وهذا قول زفر رحمه الله تعالى سدا لباب السعاية وإن كان قول أصحابنا لا يجب الضمان لأنه لم يتلف عليه مالا ويجوز للمشايخ أن يأخذوا بقول واحد من أصحابنا عملا لمصلحة الزمان في القنيه في باب ما يتعلق بالمفتي من النوادر قال رضي الله عنه والفتوى فيما يتعلق بالقضاء على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لزيادة تجربته وفي المضمرات ولا يجوز للمفتي أن يفتي ببعض الأقاويل المهجورة لجر منفعة لأن ضرر ذلك في الدنيا والآخرة أتم وأعم بل يختار أقاويل المشايخ واختيارهم ويقتدي بسير السلف ويكتفي بإحراز الفضيلة والشرف في القنية في كتاب أدب القاضي في باب مسائل متفرقة مسألة المسائل التي تتعلق بالقضاء فالفتوى فيها على قول أبي يوسف لأنه حصل له زيادة علم بالتجربة وفي عمدة الأحكام من كشف البزدوي يستحب للمفتي الأخذ بالرخص تيسيرا على العوام مثل التوضؤ بماء الحمام والصلاة في الأماكن الطاهرة بدون المصلى وعدم الاحتراز عن طين الشوارع في موضع حكموا بطهارته فيها ولا يليق ذلك بأهل العزلة بل الأخذ بالإحتياط والعمل بالعزيمة أولى بهم وفي القنية ثم ينبغي للمفتي أن يفتي الناس بما هو أسهل عليهم كذا ذكره البزدوي في شرح الجامع الصغير ينبغي للمفتي أن يأخذ بالأيسر في حق غيره خصوصا في حق الضعفاء لقوله عليه الصلاة و السلام لأبي موسى الأشعري ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن يسرا ولا تعسرا وفي عمدة الأحكام في كتاب الكراهية سؤر الكلب والخنزير نجس خلافا لمالك وغيره ولو أفتى بقول مالك جاز وفي القنية فقيه يفتي بمذهب سعيد بن المسيب ويزوج للزوج الأول بقيت مطلقة بثلاث تطليقات كما كانت ويعزر الفقيه وفقيه يحتال في الطلقات الثلاث ويأخذ الرشا بذلك ويزوجها للأول بدون دخول الثاني هل يصح النكاح وما جزاء من يفعل ذلك قالوا يسود ويبعد في الفتاوي الإعتمادية من فتاوي السمرقندي أن سعيد بن المسيب رجع عن قوله إن دخول المحلل ليس بشرط في التحليل فلو قضى به قاض لا ينفذ قضاؤه ولو حكم به فقيه لا يصح ويعزز الفقيه وفي التحفة شرح المنهاج نقل الغزالي الإجماع على تخير المقلد بين قولي إمامه أي على جهة البدل لا الجمع إذا لم يظهر ترجيح أحدهما ","part":1,"page":29},{"id":30,"text":" وكأنه أراد إجماع أئمة مذهبه وكيف ومقتضى مذهبنا كما قاله السبكي منع ذلك في القضاء والإفتاء دون العمل لنفسه وبه يجمع بين القول الماوردي يجوز عندنا وانتصر له الغزالي كما يجوز لمن أداه اجتهاده إلى تساوي جهتين أن يصلي إلى أيهما شاء إجماعا وقول الإمام يمتنع إن كانا في حكمين متضادين كإيجاب وتحريم بخلاف نحو خصال الكفارة وأجرى السبكي ذلك وتبعوه في العمل بخلاف المذاهب الأربعة أي مما علمت نسبته لمن يجوز تقليده وجميع شروطه عنده وحمل على ذلك قول ابن الصلاح لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة أي في قضاء وإفتاء ومحل ذلك وغيره من صور التقليد ما لم يتتبع الرخص بحيث تنحل ربقة التقليد عن عنقه وإلا أثم به بل قيل فسق وهو وجيه قيل محل ضعفه أن يتتبعها من المذاهب المدونة وإلا فسق قطعا انتهى \r\n فصل في العامي \r\n اعلم أن العامي الصرف ليس له مذهب وإنما مذهبه فتوى المفتي في البحر الرائق لو احتجم أو اغتاب فظن أنه يفطره ثم أكل إن لم يستفت فقيها ولا بلغه الخبر فعليه الكفارة لأنه مجرد جهل وأنه ليس بعذر في دار الإسلام وإن استفتى فقيها فأفتاه لا كفارة عليه لأن العامي يجب عليه تقليد العالم إذا كان يعتمد على فتواه فكان معذورا فيما صنع وإن كان المفتي مخطئا فيما أفتى وإن لم يستفت ولكنه بلغه الخبر وهو قوله صلى الله عليه و سلم أفطر الحاجم والمحجوم وقوله عليه الصلاة و السلام الغيبة تفطر الصائم ولم يعرف النسخ ولا تأويله لا كفارة عليه عندهما لأن ظاهر الحديث واجب العمل به خلافا لأبي يوسف لأنه ليس للعامي العمل بالحديث لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ ولو لمس امرأة أو قبلها بشهوة أو اكتحل فظن أن ذلك يفطر ثم أفطر عليه الكفارة إلا إذا استفتى فقيها فأفتاه بالفطر أو بلغه خبر فيه ولو نوى الصوم قبل الزوال ثم أفطر لم يلزمه الكفارة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهما كذا في المحيط وقد علم من هذا أن مذهب العامي فتوى مفتيه وفيه أيضا في باب قضاء الفوائت عند قوله ويسقط لضيق الوقت والنسيان إن كان عاميا ليس له مذهب ","part":1,"page":30},{"id":31,"text":" معين فمذهبه فتوى مفتيه كما صرحوا به فإن أفتى حنفي أعاد العصر والمغرب وإن أفتاه شافعي فلا يعيدهما ولا عبرة برأيه وإن لم يستفت أحدا وصادف الصحة على مذهب مجتهد أجزأه ولا إعادة عليه انتهى وفي شرح منهاج البيضاوي لابن إمام الكاملية فإذا وقعت لعامي حادثة فاستفتى فيها مجتهدا وعمل فيها بفتوى ذلك المجتهد فليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها بالإجماع كما نقله ابن الحاجب وغيره وفي جمع الجوامع الخلاف فيه وإن كان قبل العمل فقال النووي المختار ما نقله الخطيب وغيره أنه إن لم يكن هنالك مفت آخر لزمه بمجرد فتواه إن لم تسكن نفسه وإن كان هناك آخر لم يلزمه بمجرد إفتائه إذ له أن يسأل غيره وحينئذ فقد يخالفه فيجيء فيه الخلاف في اختلاف المفتين أما إذا وقعت له حادثة غير ذلك فالأصح أنه يجوز له أن يستفتي فيها غير من استفتاه في الحادثة السابقة وقطع الكيا الهراسي بأنه يجب على العامي أن يلزم مذهبا معينا واختار في جمع الجوامع أنه يجب ذلك ولا يفعله لمجرد التشهي بل يختار مذهبا يقلده في كل شيء يعتقده أرجح أو مساويا لغيره لا مرجوحا وقال النووي الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب بل يستفتي من شاء لكن من غير تلقط للرخص ولعل من منعه لم يثق بعدم تلقطه وإذا التزم مذهبا معينا فيجوز له الخروج عنه على الأصح وفي كتاب الزبد لابن رسلان ... والشافعي ومالك والنعمان ... وأحمد بن حنبل وسفيان ... وغيرهم من سائر الأئمة ... على هدى والإختلاف رحمه ... \r\n وفي شرحه غاية البيان لو اختلف جواب مجتهدين متساويين فالأصح أن للمقلد أن يتخير بقول من شاء منهما وقد مر ما في التحفة في هذه المسألة باب \r\n وهذا الذي ذكرناه من الأمرين هو الذي مشى عليه جماهير العلماء من الآخذين بالمذاهب الأربعة ووصى به أئمة المذاهب أصحابهم قال الشيخ عبدالوهاب الشعراني ","part":1,"page":31},{"id":32,"text":" في اليواقيت والجواهر روى عن أبي حنيفة أنه كان يقول لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي وكان إذا أفتى يقول هذا رأي النعمان بن ثابت يعني نفسه وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب وكان الإمام مالك يقول ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم وروى الحاكم والبيهقي عن الشافعي أنه كان يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي وفي رواية إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فأعملوا بالحديث واضربوا بكلامي الحائط وقال يوما للمزني يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين وكان رحمة الله عليه يقول لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه و سلم وإن كثروا ولا في قياس ولا في شيء وما ثم إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم وكان الإمام أحمد يقول ليس لأحد مع الله ورسوله كلام وقال أيضا لرجل لا تقلدني ولا تقلدن مالكا ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة انتهى ثم نقل عن جماعة عظيمة من علماء المذاهب أنهم كانوا يعملون ويفتون بالمذاهب من غير التزام مذهب معين من زمن أصحاب المذاهب إلى زمانه على وجه يقتضي كلامه أن ذلك أمر لم يزل العلماء عليه قديما وحديثا حتى صار بمنزلة المتفق عليه فصار سبيل المسلمين الذي لا يصح خلافه ولا حاجة بنا بعد ما ذكره وبسطه إلى نقل الأقاويل ولكن لا بأس أن نذكر بعض ما نحفظه في هذه الساعة قال البغوي في مفتتح شرح السنة وإني في أكثر ما أوردته بل في عامته متبع إلا القليل الذي لاح لي بنوع من الدليل في تأويل كلام محتمل أو إيضاح مشكل أو ترجيح قول على آخر وقال في باب الدعاء الذي يستفتح به الصلاة بعد ما ذكر التوجيه وسبحانك اللهم وقد روى غير هذا من الذكر في افتتاح الصلاة فهو من الإختلاف المباح فبأيها استفتح جاز وقال في باب المرأة لا تخرج إلا مع محرم وهذا الحديث يدل على أن المرأة لا يلزمها الحج إذا لم تجد رجلا ذا محرم يخرج معها وهو قول النخعي والحسن البصري وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي وذهب قوم إلى أنه يلزمها الخروج مع جماعة النساء وهو قول مالك والشافعي والأول أولى لظاهر الحديث قال البغوي في حديث بروع بنت واشق قال الشافعي ","part":1,"page":32},{"id":33,"text":" رحمة الله عليه فإن كان يثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون النبي صلى الله عليه و سلم فقال مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجع وإن لم يثبت فلا مهر لها ولها إرث انتهى قول البغوي وقال الحاكم بعد حكاية قول الشافعي إن صح حديث بروع بنت واشق قلت به إن بعض مشايخه قال لو حضرت الشافعي لقمت على رءوس أصحابه وقلت قد صح الحديث فقل به انتهى قول الحاكم وهكذا توقف الشافعي في حديث بريدة الأسلمي في أوقات الصلاة وصح الحديث عند مسلم فرجع إليه جماعات من المحدثين وهكذا في المعصفر استدرك البيهقي على الشافعي بحديث عبدالله بن عمر واستدرك الغزالي على الشافعي في مسألة نجاسة الماء إذا كان دون القلتين في كلام كثير مذكور في الأحياء وللنووي وجه أن بيع المعاطاة جائز على خلاف نص الشافعي واستدرك الزمخشري على أبي حنيفة في بعض المسائل منها ما قال في آية التيمم من سورة المائدة قال الزجاج الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره وإن كان صخرا لا تراب عليه فلو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهروه وهو مذهب أبي حنيفة فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى في سورة المائدة فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه أي بعضه وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه قلت قالوا إن من لابتداء الغاية فإن قلت قولهم إنها لإبتداء الغاية قول متعسف ولا يفهم من قول العرب مسحت برأسي من الدهن ومن التراب ومن الماء إلا معنى التبعيض قلت هو كما تقول والإذعان للحق أحق من المراء انتهى كلام الزمخشري وهذا الجنس من مؤاخذات العلماء على أئمتهم لا سيما مؤاخذات المحدثين أكثر من أن تحصى وقد حكى لي شيخي الشيخ أبو طاهر الشافعي عن شيخه الشيخ حسن العجمي الحنفي أنه كان يأمرنا أن لا نشدد على نسائنا في النجاسة القليلة لمكان الحرج الشديد وما أمرنا أن نأخذ في ذلك بمذهب أبي حنيفة في العفو عما دون الدرهم وكان شيخنا أبو طاهر يرتضي هذا القول ويقول به في الأنوار وإنما يحصل أهلية الاجتهاد بأن يعلم أمورا الأول كتاب الله تعالى ولا يشترط العلم بجميعه بل بما يتعلق بالأحكام ولا يشترط حفظه بظهر القلب الثاني سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يتعلق منها بالأحكام لا جميعا ويشترط أن يعرف منهما ","part":1,"page":33},{"id":34,"text":" الخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ ومن السنة المتواتر والآحاد والمرسل والمسند والمتصل والمنقطع وحال الرواة جرحا وتعديلا الثالث أقاويل علماء الصحابة فمن بعدهم إجماعا واختلافا الرابع القياس جليه وخفيه وتمييز الصحيح من الفاسد الخامس لسان العرب لغة وإعرابا ولا يشترط التبحر في هذه العلوم بل يكفي معرفة جمل منها ولا حاجة أن يتتبع الأحاديث على تفرقها بل يكفي أن يكون له أصل مصحح يجمع أحاديث الأحكام كسنن الترمذي والنسائي وغيرهما كأبي داود ولا يشترط ضبط جميع مواضع الإجماع أو الإختلاف بل يكفي أن يعرف في المسألة التي يقضي فيها أن قوله لا يخالف الإجماع بأن يعلم أنه وافق بعض المتقدمين أو يغلب على ظنه أنه لم يتكلم الأولون فيها بل تولدت في عصره وكذا معرفة الناسخ والمنسوخ وكل حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت أهلية رواته فلا حاجة إلى البحث عن عدالة رواته وما عدا ذلك يبحث عن عدالة رواته واجتماع هذه العلوم إنما اشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع ويجوز أني كون مجتهدا في باب دون باب ومن شرط الإجتهاد معرفة أصول الإعتقاد قال الغزالي ولا يشترط معرفته على طرق المتكلمين بأداتها التي يحررونها ومن لا تقبل شهادته من المبتدعة لا يصح تقليده القضاء وكذا تقليد من لا يقول بالإجماع كالخوارج أو بأخبار الآحاد كالقدرية أو بالقياس كالشيعة وفي الأنوار أيضا ولا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون وإذا دونت المذاهب جاز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب وعند الأصوليين إن عمل به في حادثة فلا يجوز فيها ويجوز في غيرها وإن لم يعمل جاز فيها وفي غيرها ولو قلد مجتهدا في مسائل وآخر مسائل جاز وعند الأصوليين لا يجوز ولو اختار من كل مذهب الأهون قال أبو إسحاق يفسق وقال ابن أبي هريرة لا ورجحه في بعض الشروح \r\n وفي الأنوار أيضا المنتسبون إلى مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله أصناف أحدها العوام وتقليدهم للشافعي متفرع على تقليد الميت الثاني البالغون إلى رتبة الإجتهاد والمجتهد لا يقلد مجتهدا وإنما ينتسبون إليه لجريهم على ","part":1,"page":34},{"id":35,"text":" طريقته في الإجتهاد واستعمال الأدلة وترتيب بعضها على بعض الثالث المتوسطون وهم الذين لم يبلغوا رتبة الإجتهاد لكنهم وقفوا على أصول الإمام وتمكنوا من قياس ما لم يجدوه منصوصا على ما نص عليه وهؤلاء مقلدون له وكذا من يأخذ بقولهم من العوام والمشهور أنهم لا يقلدون في أنفسهم لأنهم مقلدون وقال أبو الفتح الهروي وهو من تلامذة الإمام مذهب عامة الأصحاب في الأصول أن العامي لا مذهب له فإن وجد مجتهدا قلده وإن لم يجده ووجد متبحرا في مذهب قلده فإنه يفتيه على مذهب نفسه وهذا تصريح بأنه يقلد المتبحر في نفسه والمرجح عند الفقهاء أن العامي المنتسب إلى مذهب له مذهب ولا يجوز له مخالفته ولو لم يكن منتسبا إلى مذهب فهل يجوز أن يتخير ويتقلد أي مذهب شاء فيه خلاف مبني على أنه هل يلزمه التقليد لمذهب معين أم لا فيه وجهان قال النووي والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزم بل يستفتي من شاء ومن اتفق لكن من غير تلقط للرخص في كتاب آداب القاضي من فتح القدير واعلم ان ما ذكر المصنف في القاضي ذكر في المفتي فلا يفتي إلا المجتهدون وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد على طريق الحكاية كأبي حنيفة على جهة الحكاية فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي وطريق نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين إما أن يكون له سند فيه إليه أو يأخذ من كتاب معرف تداولته الأيدي نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين لأنه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم أو المشهور هكذا ذكر الرازي فعلى هذا لو وجد بعض نسخ النوادر في زماننا لا يحل رفع ما فيها إلى محمد ولا إلى أبي يوسف لأنها لم تشتهر في عصرنا في ديارنا ولم تتداولها الأيدي نعم إذا وجد النقل عن النوادر مثلا في كتاب مشهور معروف كالهداية والمبسوط كان ذلك تعويلا على ذلك الكتاب فلو كان حافظا للأقاويل المختلفة للمجتهدين ولا يعرف الحجة ولا قدرة له على الإجتهاد للترجيح لا يقطع يقول منها ولا يفتي به بل يحكيها للمستفتي فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنه الأصوب ذكره في بعض الجوامع ","part":1,"page":35},{"id":36,"text":" وعندي أنه لا يجب عليه حكاية كلها بل يكفيه أن يحكي قولا منها فإن المقلد له أن يقلد أي مجتهد شاء فإذا ذكر أحدها فقلده حصل المقصود نعم لا يقطع عليه فيقول جواب مسألتك كذا بل يقول قال أبو حنيفة حكم هذا كذا نعم لو حكى الكل فالأخذ بما يقع في قلبه أنه أصوب وأولى والعامي لا عبرة بما يقع في قلبه من صواب الحكم وخطئه وعلى هذا إذا استفتى فقيهين أعني مجتهدين فاختلفا عليه الأولى أن يأخذ بما يميل إليه قلبه منهما وعندي أنه لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه جاز لأن ميله وعدمه سواء والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ وقالوا المنتقل من مذهب إلى مذهب بإجتهاد وبرهان آثم يستوجب التعزير فقبل اجتهاد وبرهان أولى ولا بد أن يراد بهذا الإجتهاد معنى التحري وتحكيم القلب لأن العامي ليس له اجتهاد ثم حقيقة الإنتقال إنما تتحقق في حكم مسألة خاصة قلد فيه وعمل به وإلا فقوله قلدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل مثلا والتزمت العمل به على الإجمال وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة التقليد بل هذا حقيقة تعليق التقليد أو وعد به كأنه التزم أن يعمل بقول أبي حنيفة فيما يقع له من المسائل التي تتعين في الوقائع فإن أرادوا هذا الالتزام فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد المعين بإلزامه نفسه ذلك قولا أو نية شرعا بل بالدليل واقتضاء العمل بقول المجتهد فيما احتاج إليه بقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون والسؤال إنما يتحقق عند طلب حكم الحادثة المعينة وحينئذ إذا ثبت عنده قول المجتهد وجب عمله به والغالب أن مثل هذه إلزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص وإلا أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد اخف عليه وأنا لا أدري ما يمنع هذا من النقل والعقل فكون الإنسان متتبعا ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد يسوغ له الإجتهاد ما علمت من الشرع مذمة عليه وكان صلى الله عليه و سلم يحب ما خفف عن أمته والله سبحانه أعلم بالصواب انتهى \r\n وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذه الرسالة والحمد لله أولا وآخرا ","part":1,"page":36}],"titles":[{"id":1,"title":"أول الكتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"باب في بيان حقيقة الإجتهاد وشرطه وأقسامه","lvl":1,"sub":0},{"id":5,"title":"باب في بيان اختلاف المجتهدين","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"باب تأكيد الأخذ بهذه المذاهب الأربعة التشديد في تركها والخروج عنها","lvl":1,"sub":0},{"id":17,"title":"فصل في المجتهد المطلق المنتسب","lvl":1,"sub":0},{"id":17,"title":"باب اختلاف الناس في الأخذ بهذه المذاهب الأربعة وما يجب عليهم من ذلك","lvl":1,"sub":0},{"id":18,"title":"فصل في المجتهد في المذهب وفيه مسائل","lvl":1,"sub":0},{"id":21,"title":"فصل في المتبحر في المذهب وهو الحافظ لكتب مذهبه وفيه مسائل","lvl":1,"sub":0},{"id":30,"title":"فصل في العامي","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"باب","lvl":1,"sub":0}]}