{"pages":[{"id":1,"text":"خَيْرُ القَلائدِ شَرْحُ جَوَاهِرِ العَقَائدِ\rوهو شرح القصيدة النونية لخضر بيك بن الجلال\rتأليف\rالإمام العالم العلامة\rعثمان الكليسي العرياني\rرحمه الله تعالى\r(ت: 1168 هـ بالمدينة المشرفة على ساكنها الصلاة والسلام)\rالحقوق محفوظة لكل المسلمين\rويسمح بنشره وطبعه والاقتباس منه بشرط العزو\rونشره بالوسائل المتاحة والجائزة شرعاً","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r\nالحمد لله الذي نور قلوبنا بعقائد أهل العرفان، وصرف صدورنا عن عقائد أهل الزيغ والضلال والطغيان، والصلاة على رسوله الذي أرسله بالهدى والإحسان، معلماً شرائعه على وجه الإتقان، ومرشداً إلى توحيده بأقوى الحجج والبرهان، فآمنا بهديه وإحسانه أكمل الإيمان، وعلى آله وأصحابه ذوي الكرامات والإيقان.\r\nوبعد،،،\r\nفلا خلاف بين أولى الألباب والعقول ولا ارتياب عند ذوي المعارف والمحصول أنَّ أشرف العلوم من جميع الجهات هو علم التوحيد والصفات، إذ العقائد اليقينية هي أصل الدين، وبها يحصل للمؤمن الموقن اليقين.\r\nوأيضاً جهات شرف العلم أربع: شرف معلومه، وشرف حججه، وشرف مسائله، وشرف غايته، وهذا العلم يشملها، فإن معلومه يتناول مباحث الذات والصفات، وحججه الدلائل العقلية والنقلية التي قد اتفقت عليها علماء الشريعة، ومسائله مشتملة على أحكام الدين، صادرة من رسول رب العالمين، وأما غايته فالخلاص عن الأقوال الباطلة والمذاهب العاطلة والفوز بسعادة الدارين، كما أخبر به النبي المختار حيث قال في المشهور من الأخبار: ?إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي? رواه عبد الله بن عمر، وفي رواية أحمد وأبي داود عن معاوية: ?ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة? يعني أكثر أهل الملة، فإن أمته عليه السلام لا تجتمع على الضلالة على ما ورد في الحديث.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"وقد صنَّف العلماء من السلف والخلف في هذا العلم كتباً ورسائل، بعضها مفصل غاية التفصيل، وبعضها مجمل غاية الإجمال، وبعضها متوسطة الحال، وهي مرتبة الكمال، وبعضها منثورة سهل الفهم والتفهيم، وبعضها منظومة لأجل الحفظ في التعلم والتعليم، ومن جملتها ما نظمه نظام جواهر المعاني وغواص بحار المباني، المولى الهمام قدوة عملاء الإسلام من أفاضل بلاد الروم الحذاق في أنواع العلوم، خير الملة والدين، ينبوع الفضل واليقين، مولانا خضر بيك ابن الجلال، عفا عنهما الملك المتعال، فإنه مع صغر حجمه ولطافة نظمه قد حاز أمهات المسائل الكلامية، مع الإشارة إلى الحجج والبراهين كما لا يخفى على أهل اليقين.\rوقد شرحه الفاضل المحقق والكامل المدقق المولى الخيَّالي المشتهر فضله بين الأداني والأعالي، شرحاً مقبولاً عند الأكابر والأعيان، كافياً في الإيضاح والبيان.\rوقد شرح هذا النظم شارح آخر، واعترض على الخيالي باعتراضات لا تصدر إلا عن الخامل، فضلاً ممن يدعي أنه الكامل، وادعى أن الشرح المنسوب إلى الخيالي غير مسبوك على الوجه الأليق بالمتن كما لا يخفى على الفطن، حتى قال: إن الخيالي لم يفرق بين مذهب الماتريدية والأشعرية فيما وقع الاختلاف بينهما، والحال أن الفرق بينهما كان من الواجبات، فكأنه لم يتفطن بأن المتن منسوج على مذهب الماتريدية، فساق الكلام مساق الأشعريين، وترك حل الأبيات بأسرها ولم يبين ما في مفرداتها ومركباتها مما يحتاج إلى البيان، فحداني هذا إلى شرح لا طويل ممل، ولا قصير مخل، يحل ألفاظه أولاً، ويبين تراكيبه ثانياً، انتهى.\rولقد أساء الأدب وفعل فعلاً يفضي إلى العجب، رحم الله امرأ عرف قدره ولم يتجاوز طوره، فأقدمني هذه الإساءة إلى شرح وسيط لا وجيز ولا بسيط، والتزمت فيه أن أرد الاعتراضات الواردة على المولى الخيالي من الشارح المسفور العالي، بحسب جهدي وطاقتي، مع ضعفي وقلة بضاعتي، مستعيناً بالله الحسيب، إنه قريب مجيب.","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"ثم اعلم أن هذه القصيدة اللطيفة من البحر البسيط، مثمن الأجزاء، وهي: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، مرتين، إلا أن مطلعها وبعض أبياتها الآتية مصرع، والتصريع في عرف العروضيين أن تجعل العروض كالضرب، فتكون تابعة للضرب من جهة الوزن ومن جهة العلة الداخلة على الضرب، كلفظ الشان في هذه القصيدة، فإنه عروض جاءت مقطوعة تابعة للضرب وهو قوله: بطلان، وباقي الأبيات أعاريضها مخبونة وضروبها مقطوعة، والعروض آخر جزء من الشطر الأول، والخبن حذف الحرف الثاني الساكن، كحذف الألف من فاعلن، فيبقى فعلن بكسر العين، والجزء الذي دخل عليه الخبن يسمى مخبوناً إن كان ضرباً، ومخبونة إن كان عروضاً.\rوالضرب آخر جزء من البيت، والقطع حذف ساكن الوتد المجموع وإسكان متحركه مثل إسقاط النون وإسكان اللام من فاعلن، وبيقى فاعل فينقل إلى فعلن بسكون العين، ويلزم الردف للضرب المقطوع، والردف حرف ساكن من حروف اللين كالألف في لفظ الشان وبطلان إلى آخر القصيدة.\rوإذا عرفت ما حررناه من التعبيرات وأيقنت ما قررناه من التفسيرات علمت أن هذه القصيدة فصيحة غاية الفصاحة غير خارجة عن قانون علم العروض، كما زعمه الشارح العالي.\rوهذا الشارح قد أخطأ في تعبيراته وغلط في بعض تفسيراته، إذ فسر القطع بأنه حذف الألف وإسكان العين من فاعلن، وليس كذلك، لأن حذف الألف من فاعلن خبن كما اعترف به نفسه، وإسكان العين لا مدخل له في علة القطع، وهو مع إدعائه الكمال في علم العروض قد غلط في بيان تقطيع هذه القصيدة في اثني عشر موضعاً من جهة التعبير والتفسير، وخبط خبط العشواء في الليلة الظلماء، فكأنه من هذا رجح شرحه على الشرح المنسوب إلى المولى الخيالي !!\rاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"ثم لما كان المؤثر الحقيقي في الأشياء كلها هو الله تعالى، وكان الإنسان غير مستقل في أفعاله، لزم له أن يتوسل قبل الشروع في فعل من أفعاله باسم من أسمائه تعالى، ولهذا قال الناظم رحمه الله :\rبسم الله الرحمن الرحيم\rاقتداء بالكتاب الكريم، وعملاً بقول النبي العظيم: ?كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر? رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتاب الجامع، وفي رواية أقطع، وفي رواية: أجذم بالجيم والذال، ومعنى الجميع أن كل أمر ذي بال وشأن لم يبدأ فيه بالبسملة فهو ناقص البركة غير تام في المعنى، وإن تم في الحس، وهذا هو معنى الأبتر شرعاً.\rفاندفع ما قيل: كم من أمر ذي بال لم يبدأ ببسم الله وكمل حساً، وكم من مبتدأ به لم يكمل بل بقي ناقصاً في الظاهر والحس.\rثم أتي الناظم رحمه الله تعالى بالحمدلة بعد البسملة امتثالاً بما صدر عن النبي المختار واتباعاً لما انعقد عليه إجماع الأخيار، وقضاء لبعض ما يجب من حمد الله تعالى والثناء عليه بذكر أوصاف كماله وشكر نعمه وآلائه، فقال:\rقيل: الحمد هو الثناء باللسان على قصد التعظيم، سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها، والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعماً سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان، يرشدك إليه قول الشاعر:\rأفادتكم النعماء مني ثلاثة……يدي ولساني والضمير المحجبا\rفمورد الحمد لا يكون إلا اللسان، ومتعلقه يكون النعمة وغيرها، ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة ومورده يكون اللسان وغيره، فالحمد أعم باعتبار المتعلق وأخص باعتبار المورد، والشكر بالعكس، كذا قاله التفتازاني.\rولام لله للاختصاص على الأشهر، وقيل: للاستحقاق، وقيل: للملك.","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"والله علم لذات واجب الوجود الجامع لمعاني الأسماء والصفات، ولذا علق الحمد به إشارة إلى استحقاقه تعالى الحمد لذاته ولصفاته، فالجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، لتسمية قائلها حامداً، ولو كانت خبرية معنى لم يسم إلا مخبراً، ومعلوم أنه لا يشتق للمخبر اسم فاعل من ذلك الشيء، إذ لا يقال مثلاً لمن قال الضرب مؤلم، ضارب.\rفإن قيل: جاز أن يعد الشرع المخبر بثبوت الحمد له تعالى حامداً.\rأجيب: بأنه خلاف الأصل، والأصل عدمه.\rوفي تفسير الكواشي: ولفظه خبر كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو الله تعالى، تقديره: قولوا الحمد لله، انتهى.\rثم عقب الحمد بما يدل على عظمته تعالى ومجده بقوله: عالي الوصف والشان، فعالي اسم فاعل من علا يعلو علواً، وياؤه منقلبة عن الواو، وهي ساقطة في اللفظ لالتقاء الساكنين، وهو اسم من أسمائه تعالى، ومعناه هو الذي علا عن الإدراك ذاته وعن التصور صفاته، ومثله العلي بتشديد الياء، لأنه فعيل بمعنى الفاعل.\rقيل: الوصف والصفة مصدران كالوعد والعدة.\rوالمتكلمون فرقوا بينهما فقالوا: الوصف يقوم بالواصف، والصفة يقوم بالموصوف، انتهى.\rوفي الجوهرة النيرة: اعلم أن الوصف كلام الواصف، والصفة هي المعنى القائم بذات الموصوف، فقول القائل: زيد عالم وصف لزيد لا صفة له، والعلم القائم به صفته لا وصفه، وحاصله أن قيام الوصف بالواصف وقيام الصفة بالموصوف، انتهى.\rوالإضافة إلى الوصف معنوية تفيد تعريفاً، لأن علو وصفه تعالى مستمر في الماضي والحال والاستقبال، ولذلك صح وقوعه صفة للمعرفة، فمعنى علو وصفه تعالى أن وصف الواصفين له تعالى لا يشبه وصف المخلوقين، لأنه في غاية الكمال منزه عن النقصان والزوال، ومع هذا لا يدرك كنه حقيقته في المآل.\rقوله: والشان، عطف على الوصف، وهو بالهمزة في الأصل، قلبت ألفاً للتخفيف.\rوفي النهاية: الشأن الخطب والأمر والحال، والجمع شؤون، انتهى.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"وشأنه تعالى أفعاله وإحداثه كل وقت في خلقه، كما قال تعالى: ?كل يوم هو في شأن?.\rوفي المعالم: قال المفسرون: ومن شأنه أن يحي ويميت ويرزق ويعز قوماً ويذل قوماً ويشفي مريضاً ويفك عانياً ويفرج مكروباً ويجيب داعياً ويعطي سائلاً ويغفر ذنباً، إلى ما لا يخفى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء، انتهى.\rوفي الحديث: ?من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين? فمعنى علو شأنه تعالى أن أفعاله تعالى لا يشبه أفعال المخلوقين في الإتقان والكمال وفي البقاء وعدم الزوال.\rوإذا علمت ما تلوناك ظهر لك أن قوله: عالي الوصف إشارة إلى الأحدية في الذات، وقوله: والشان إلى الواحدية في الأفعال، وفيه براعة الاستهلال كما لا يخفى على أهل الكمال.\rفقول من قال: أراد بالوصف الصفة الذاتية وبالشان الصفات الفعلية ليس في محله، إذ الوصف يقوم بالواصف والصفة يقوم بالموصوف، فكيف يفسر أحدهما بالآخر.\rوالشان ليس صفة فعلية بل إشارة إلى الصفة الفعلية، إذ الإشارة غير الإرادة، فتأمل.\rقوله: منزه الحكم، بالجر، عطف على عالي بحذف العاطف، إذ يجوز حذف العاطف وحده في الضرورة، بل ادعى بعضهم وروده في القرآن العظيم، قال صاحب لباب التفاسير في قوله تعالى: ?وجوه يومئذ ناعمة? أي وجوه المؤمنين، قيل: أراد ووجوه بالواو العطف، فحذف الواو، انتهى.\rوإذا ثبت في القرآن فلا وجه لإنكار بعض الأعيان.\rوفي النهاية: الحكم العلم والفقه والقضاء بالعدل، وهو مصدر حكم يحكم، انتهى.\rوالمراد بالحكم هنا عمله تعالى الأزلي، أو قضاؤه الأزلي، أو إيجابه وتحريمه في أفعال العباد، فقول من قال: والمراد بالحكم هنا علمه التصديق بوجود الأشياء فيما لا يزال ليس في محله، إذ علمه تعالى لا يوصف بالتصوري والتصديقي ولا بالضروري والنظري، كما هو المشهور عند الحذاق، فعلمه تعالى منزه عن كونه تصورياً وتصديقياً ضرورياً ونظرياً، وعن سائر آثار البطلان وشائبة النقصان.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"والعجب من هذا القائل وقع فيما ينهاه الناظم الفاضل، إنا لله وإنا إليه راجعون.\rوجمعية الآثار لإفادة العموم، لأن صيغة الجمع موضوعة للعموم كما عرف في الأصول، أي منزه علمه تعالى عن جميع أثر البطلان، فقول من قال: وإضافة الآثار إلى البطلان جنسية يضمحل بذلك جمعية الآثار وهو اللائق بالمقام، ليس في محله أيضاً، إذ على تقدير اضمحلال الجمعية يكون التركيب من قبيل إضافة المفرد إلى النكرة، وذلك لا يفيد الاستغراق بل المفيد للاستغراق إضافة المفرد إلى المعرفة، كقوله تعالى: ?فليحذر الذين يخالفون عن أمره? أي عن جميع أمر، فتأمل وأنصف، ولا تكن من أهل العناد والتعسف.\rولما جرت عادة المصنفين بإرداف التصلية للتحميد توسلاً بها في استحصال كمالاتهم العلمية والعملية إلى من اصطفاه الله تعالى لإظهار شريعته وجعله خليفته في خليقته، فإن بداهة العقل شاهدة بأن استفاضة شيء يتوقف على مناسبة بين المفيض والمستفيض، ولا مناسبة بين ذات الحق ونفوس الخلق، فوجب الاستعانة فيها بمتوسط يكون ذا جهتين، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال الناظم رحمه الله:\rقوله: الصلاة مبتدأ، والظرف المؤخر خبرها، والمقدم متعلق بالصلاة.\rقال في القاموس: الصلاة الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله تعالى على رسوله، وعبادة فيها ركوع وسجود، انتهى.\rوقال القهستاني نقلاً عن الجمهور: إنها حقيقة في الدعاء مجاز في غيره، وإليه مال العلامة البيضاوي، وقيل: هي لغة مشتركة بين الرحمة من الله تعالى والدعاء من العباد والاستغفار من الملائكة، وشرعاً الأفعال المعلومة والأركان المخصوصة، وقال القشيري: الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي رحمة، وللنبي تشريف وزيادة تكرمة، انتهى.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"والمراد من الصلاة في قول الناظم الدعاء، فحينئذ يراد بها طلب التعظيم له عليه السلام في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضيلته ورتبته على الأولين والآخرين من الخلق أجمعين بالسيادة العظمى والسعادة الكبرى من المقام المحمود والحوض المورود لأرباب الشهود، كذا قاله في كنوز الرموز.\rقوله: مبدي، اسم فاعل من أبديته بالياء المنقلبة عن الواو، بمعنى أظهرته وثلاثيه بدو بالواو، تقول: بَدَا هذا الأمر يَبْدُو بدواً، من الباب الأول مثل قعد قعوداً، فأصله مبدو، وقلبت الواو ياء لوقوعها في الطرف بعد الكسرة فصار مبدي، ثم أعل إعلال قاض، فصار مبد، فلما أضيف إلى مفعوله أعيد الياء فصار مبدي شرائعه.\rوالشرائع جمع شريعة، وهي في الأصل مشرعة الماء، أي مورد الشاربة منه، ثم نقلت إلى الأحكام المأخوذة من الأنبياء والمرسلين، والمعنى أن الصلاة الحاصلة من الله تعالى، والصلاة المخلوقة الكائنة من الملائكة ومن المؤمنين نازل على نبينا المصطفى، فيكون الكلام من قبيل حذف المعطوف، فيشمل أقسام الصلاة كلها.\rوقال المولى الخيالي: والمعنى إن الصلاة المخلوقة لله تعالى الحاصلة باكتسابنا أو بدونه على النبي المختار لإظهار شريعته الكامنة في علمه الأزلي أو اللوح المحفوظ، انتهى.\rوهذا القول من الخيالي إشارة إلى جواب الاعتراض الوارد على الناظم رحمه الله، وحاصله : إن ظاهر عبارة الناظم يشعر باختصاص الصلاة ن الله تعالى، والأولى بالمقام العموم، فأجاب بأن الصلاة الصادرة من العباد حاصلة من الله تعالى بجهة الإيجاد والخلق، ومن العباد بجهة الكسب.\rقوله: أو بدونه، أي الصلاة الحاصلة بدون الاكتساب، وهي صلاة الله القديمة.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"وأشار الخيالي أيضاً بقوله: على النبي المختار إلى أن المصطفى في قول الناظم نبينا بدل من قوله: مبدي شرائعه، مقصود في النسبة، وإن جاز كونه عطف بيان، لأن كل موضع جاز إعرابه عطف بيان جاز إعرابه بدلاً، أعني بدل كل من الكل، كذا ذكره ابن هشام في شرح شذور الذهب.\rوأشار بقوله: المختار، إلى أن تعليق الحكم بالمشتق يفيد علّية مأخذ الاشتقاق.\rوالنسل الولد، وعدنان اسم لجده الأقصى من أجداده المعروفة.\rوفي الحديث: (إذا صليتم علي فعمموا)، وأراد بالتعميم على الآل، ولذلك قال الناظم:\rقوله: والآل، عطف على مبدي شرائعه، والألف واللام فيه وفي الصحب عوض عن المضاف إليه، أي الصلاة من الله تعالى أيضاً على آله وصحبه.\rوأراد بالآل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بقرينة عطف الصحب والتابعين عليه.\rقال المولى الخيالي: وكلمة ثم للتفاوت بين الأصحاب والتابعين، لما قال عليه السلام: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم الحديث، انتهى.\rيعني أن كلمة ثم للتراخي في الرتبة، إذ مرتبة التابعين دون مرتبة الأصحاب، وأيضاً اختيار ثم لأجل الوزن، ولا تزاحم في النكات.\rولم يتعرض له الخيالي لأنه عصا العميان، فلا يلتفت إليه الأكابر والأعيان.\rفقول من قال: وعطفه بثم لمجرد محافظة الوزن لا للتفاوت في الرتبة كما فهمه الخيالي ليس في محله، لما قلنا.\rثم التفاوت المذكور إنما هو بين ذواتهم لا بين صلواتهم، فلا يرد قول الشارح العالي: إن الصلاة على غير النبي إنما يجوز تبعية للنبي عليه السلام، فالكل سواء فيه، فلا وجه لاستعمال كلمة ثم.\rواللام في قوله: لهم، متعلق بالتابعين، والضمير للآل والأصحاب جميعاً، وكلمة ما في ما جادت مصدرية مضافة إلى جملة جادت بحذف المضاف وتسمى دوامية على عرفهم لإرادة الدوام بها، فيصير المعنى مدة دوام جود السحب.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"ولما صار الفعل الذي دخلت عليه ما في تأويل المصدر الذي هو من أقسام الاسم جرد الفعل عن الزمان الذي هو جزء من مفهومه، وتمحض للحدث والنسبة، واكتفى هنا بالزمان الذي أضيف إلى الدوام، وهذا الزمان شامل للأزمنة كلها.\rإذا عرفت ما حررناه فقول من قال: إن الفعل جرد هنا للحدث مع النسبة، فإن الجزء الذي هو الزمان يحتمل السقوط - غلط من جهة اللفظ والمعنى فتأمل.\rوجادت فعل ماض من جاد بماله يجود جوداً فهو جواد، وقوم جود بوزن هود، كذا في المختار، فيكون وزن المصدر وجمع الصفة مستويين، فقول من قال: والجود مشترك بين المصدر وصفة الجمع ليس بسديد، فتأمل.\rويمكن أن يكون مأخوذاً من الجود بفتح الجيم، وهو إكثار المطر، يقال: جادهم المطر يجودهم جوداً، كذا في النهاية.\rوالسحب بضمتين جمع سحاب، وأسكنت حاؤه لأجل الضرورة، وهي فاعل جادت، والإسناد إليها حقيقة عرفية على المعنى الثاني، ومجاز عرفي على المعنى الأول.\rوالمرعى موضع الرعي، بالفتح، ويحتمل أن يكون مصدراً ميمياً، وعلى الأول يراد به الموضع مطلقاً، سواء كان فيه الزرع أو الكلاء، فلا تخصيص فيه بموضع الكلاء كما توهمه الشارح العالي.\rوالباء في بتهتان متعلق بحادث، والتهتان على وزن فعلان، المطر الدائم، والغالب عليه عدم العلمية وإن ثبتت فالجر فيها محمول على الضرورة.\rقال المولى الخيالي: وما جادت قيد للتصلية، ولك أن تجعله قيداً للتحميد أيضاً.\rأقول: ولك أن تجعله قيداً للبسملة والحمدلة والتصلية جمعياً، فالقصر على الأخيرين ليس على ما ينبغي.","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"وهذه الجملة كناية عن التأبيد، وفيه المبالغة بما كانت العرب يعبرون به عنه، كقولهم: لا أكلمك ما دام تعان وما أقام ثبير وما أورق الشجر وما أينع الثمر وما سال سيل وما جن ليل وما طرق طارق وما نطق ناطق، وهاهنا عبر به الناظم عن تأبيد البسملة والحمدلة والتصلية، فالمعنى: أقول بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله الكريم والصلاة على رسوله العظيم ما دام ينزل من السحاب على الأرض مطر وسيم فتخضر به الرياض والفلوات وتنفتح به الأنوار والزهرات، يعني ما دامت الدنيا بالأرض والسموات.\rولما فرغ من البسملة والحمدلة والتصلية أشار إلى ما هو المقصود من الكلام، وهو عقائد أهل الإسلام، فقال:\rهذي من أسماء الإشارة، موضوعة للإشارة إلى المؤنث، مثل هذه، والهاء في هذه بدل من الياء، وليس في الكلام هاء تأنيث مكسورة ما قبلها غير هذه.\rوالمشار إليه هنا ما في ذهن الناظم من العقائد التي نظمها في كتابه، فإنها عقائد أهل السنة، من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وعليها اعتقاد المولى الناظم واعتماده، وبها وصيته واجتهاده.\rوالعقائد جمع عقيدة، وهي الحكم القلبي المتعلق بأصول الدين.\rوأراد بالعبد نفسه، وصف نفسه بالعبودية اعترافاً للحق بالربوبية وتشريفاً لها بهذه النعمة الجلية وتكريماً بهذه الصفة العلية، كما قال القائل:\rلا تدعني إلا بيا عبدها ……فإنه أشرف أسمائيا\rثم وصف نفسه أيضاً بالذنب والجناية اعترافاً بقصوره في المبدأ والنهاية، وهضماً لنفسه، وهو مرتبة الكمال في الغاية.\rقوله: جان، اسم فاعل من جنى يجني جناية، أصله جاني، أعل إعلال قاض، وهو عروض هذا البيت، لكنها مصرعة، وقد مر معنى التصريع في أول الكتاب.\rويوصي مضارع أوصى، والإيصاء لغة طلب شيء من غيره ليفعله في غيبته حال حياته وبعد وفاته، ويتعدى إلى المفعول الأول ينفسه، وإلى الثاني بالباء، قال الله تعالى: ?وأوصاني بالصلاة والزكاة? أي أمرني.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"وهنا قدم المفعول الثاني لأجل الضرورة.\rوجملة يوصي بها إما مستأنفة أو صفة عبد أو حال منه، لأن الجملة الواقعة بعد المعرفة المحضة حال، وبعد النكرة المحضة صفة، وبعد المحتملة لهما محتملة لهما.\rوعبد هنا نكرة محضة لاتصافه بقوله مذنب، والقصر على كونها مستأنفة تقصير، فلا تكن من القاصرين.\rولما عبر الناظم رحمه الله عن نفسه بصيغ الغيب التفت من الغيبة إلى التكلم للتصريح بأن الحكم السابق وهو كون العبد مذنباً جانياً مختص به، فطلب العفو والغفران من الملك المنان بإعداد هذه العقائد الصحيحة ذخيرة ليوم الفزع والفضيحة، فقال:\r…\rويحتمل أن يكون لفظ أعدها ماضياً، والضمير المستتر فيه راجعاً إلى العبد الجاني، فحينئذ لا التفات فيه.\rوأما الضمير البارز المتصل به فهو راجع إلى العقائد المنظومة المجموعة في هذه القصيدة.\rومعنى أعدها أجعلها على الأول، وجعلها على الاحتمال الثاني.\rوالذخر بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين مصدر ذخر يذخر بالفتح فيهما، أطلق على ما ادخر للانتفاع به، وهو الذخيرة، ونصبه على أنه مفعول ثان لأعد، لتضمنه معنى الجعل، فقول من قال: منصوب بنزع الخافض ليس في محله.\rوجملة لا ارتياب صفة يوم، ومستودعاً بصيغة اسم الفاعل حال مبنية من فاعل أعد، فقول من قال: إنها حال مؤكدة من فاعل أعدها غلط فاحش، إذ الحال المؤكدة على ما صرح به النحاة ثلاثة أقسام: مؤكدة لصاحبها، نحو جاءني القوم طراً، ومنه قوله تعالى: ?لآمن من في الأرض كلهم جميعاً?، ومؤكدة لعاملها نحو ?وأرسلناك للناس رسولاً?، ومؤكدة لمضمون الجملة الاسمية قبلها نحو زيد أبوك عطوفاً، وهذه الحال ليست واحدة منها، فكيف تكون مؤكدة، ولعل منشأ غلط هذا القائل أنه ظن أن الإعداد والاستوداع بمعنى واحد، ولهذا وقع فيما وقع.","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"ثم قوله: مستودعاً تلميح إلى قوله تعالى: ?إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها?، وإيماء إلى ما ورد في الحديث ?رحم الله امرءا سمع منا حديثاً فوعاه ثم بلغه من هو أوعى منه?، وروي عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً قال: ?لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب? يعني الفقه والعلم في أيدي الظالمين والمرائين وطالبي الدنيا، وعن أنس أيضاً مرفوعاً: ?طلب العلم فريضة، وواضع العلم في غير أهله كمعلق الجوهر واللؤلؤ على الخنزير? كذا قاله علي القاري في أول شرح الشفاء.\rوإذا تقرر هذا تبين أن المراد من قوله: ذي عدل وإحسان، من اتصف بالعدالة والأمانة من أكابر أمناء الأمة وأماثل علماء أهل السنة الذين هم نقلة الشريعة الغراء على وجه اليقين، أبقاهم الله إلى يوم الدين.\rويؤيد هذا المعنى قول الناظم في البيت السابق: يوصي بها كل موصوف بإيمان، كما لا يخفى على أهل عرفان.\rوقال المولى الخيالي في معنى هذا البيت: أي أجعلها ذخيرة ليوم القيامة وأرجو بها النجاة عن أهوالها ونكباتها، مستودعاً عند من جبل طبعه على الإنصاف وعصم ذهنه عن الاعتساف ليرشد بها طالب الدين القويم والصراط المستقيم، انتهى.\rولقد أغرب الشارح العالي حيث استغرب قول المولى الخيالي، بل نسبه إلى الخطأ البين وظن أن تخطئة الأفاضل أمر هين، وهو عند الله عظيم، وأنا أذكر عبارة هذا القائل بلا زيادة ولا نقصان حتى لا أنسب إلى الافتراء والبهتان، وهي هذا:\r(والمراد بذي العدل والإحسان هو الله سبحانه وتعالى، ومن الغرائب أن الخيالي حملها على زيد وعمرو، وهذا خطأ بين، لأن الشيء الذي هيئ للخلاص عن أهوال يوم القيامة، والفوز إلى كرامته، كيف يتصور أن يودع عند زيد وعمرو، فكأنه ذهل عن معنى كون الحال قيداً لعامله، فإن إعداد ذخر الآخرة يجب أن يكون مقيداً بكونه وديعة عند من لا يضيع أجر المحسنين، ليجدها عنده في ذلك اليوم فيفوز بها إلى ما قصده عند الإيداع) انتهى.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"ولقد تولى كبره وأساء الأدب فيما قال، كما لا يخفى على أهل الكمال، حيث عبر عن نقلة الدين بزيد وعمرو، ومع هذا تعرض لشيء لا مدخل له هنا، فإن كون الحال قيداً لعامله لا مدخل له فيما ادعاه من المعنى المراد، نعوذ بالله من العي والعمى ومن سوء المنقلب.\rثم اعلم أن جميع أهل الملل مؤمنها وكافرها قد اتفقوا على وجود الصانع المختار في الجملة، خلا شرذمة قليلة من جهلة الفلاسفة زعمت أن حدوث العالم أمر اتفاقي بغير فاعل، وهو بديهي البطلان","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"وأن الطرق في إثبات واجب الوجود كثيرة، والأبحاث والأقوال المتعقلة بها وفيرة، وأولى الطرق في هذا المطلب الأعلى والمقصد الأقصى المتوقف عليه أصول الشريعة وفروعها هي التي نبه بها الأنبياء وسلك فيه الأصفياء والأولياء، وهي أن هذا العالم المشاهد من السماء المحيط البسيط التي في الصفاء والصناعة غاية، والرفعة والمتانة نهاية القائم بلا عمد، الدائم طول الأمد المزينة بالأنجم الزهر، خصوصاً بالنيرين الشمس والقمر، والأرض المسطحة الواسعة ذات أقاليم وأقطار من الصحارى والجبال والبراري والبحار والبساتين مشبكة الأشجار مجرى الأنهار ومتفجر العيون والآبار، وما بينهما من بديع الصنائع وعجائب البدائع من تعاقب الليل والنهار، وتناوب الظلمات والأنوار، واشتداد الرياح العواصف، وامتداد البروق الخواطف، وتراكم السحب وتراجم الشهب وتفوج الثلوج والأمطار، وتموج السيول والبحار وأجناس المخلوقات من المعدن والنباتات وأنواع الحيوانات، مختلفة الصور والأشكال والهيئات، خصوصاً مجموعة الكمالات العرفانية، أعني الحقيقة الجامعة الإنسانية وما أودع في كل مما ذكر من عجائب العبرة وبدائع الفطرة، وما أدرج فيه من مصالح الحكم وروادف النعم، مما يعجز عن إدراكها العقول، ويعي دونها أقوى الفحول، لا بد من موجد مختار متعال عن جنسية ما يصنع ويختار، إذ المخلوقات لو اجتمعت لا يقدرون على أن يخلقوا ذباباً ?وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه? عجزاً وانقلاباً، بل هو واجب الوجود لذاته وكل مما سواه من مصنوعاته، قادر حكيم قديم، يفتقر إليه كل شيء، ولا يفتقر هو إلى شيء.\rوبالجملة إن ما ذكر من الأفعال المتقنة والآثار المحكمة تدل على كمال صاحبها غاية الكمال والكمال كل الكمال في الوجوب والقدم، والنقص كل النقص في الإمكان والحدوث بعد العدم.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"ولقد أحسن من قال فيما قال: البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير ؟\rهذا هو مسلك من جبل على الفطرة السليمة، وهنا مسالك أخر بعضها للمتكلمين، وبعضها للحكماء.\rقال التفتازاني في شرح المقاصد: وطريق إثبات الواجب عند الحكماء أنه لا شك في وجود موجود، فإن كان واجباً فهو المراد، وإن كان ممكناً فلا بد له من علة بها يترجح وجوده، وننقل الكلام إليه، فإما أن يلزم الدور أو التسلسل، وهو محال، أو ينتهي إلى الواجب وهو المطلوب، وعند المتكلمين إنه قد ثبت حدوث العالم أو لا شك في وجود حادث، وكل حادث فبالضرورة له محدث، فإما أن يدور أو يتسلسل، وهو محال، وإما أن ينتهي إلى قديم لا يفتقر إلى سبب أصلاً، وهو المراد، فكلا الطريقين مبني على امتناع وجود الممكن أو الحادث بلا موجد، وعلى استحالة الدور والتسلسل، انتهى.\rوالناظم رحمه الله أشار إلى تينك الطريقين، لكن قدم طريق الحكماء كما قدم التفتازاني، لأن بعض المتكلمين وافقوا الحكماء في هذا الطريق، فبالنسبة إلى ذلك البعض صار متفقاً عليه، فقال:\rإلهنا واجب لولاه ما انقطعت …آحاد سلسلة حفت بإمكان\rقال المولى الخيالي: يريد أنه لا شك في وجود موجود، فإن كان واجباً فذاك، وإلا فلا بد له من علة بها يترجح وجوده على عدمه وأنه واجب، وإلا يلزم الدور أو التسلسل وكلامهما باطل، ولم يتعرض بالدور مع كونه محتملاً أيضاً، لاستلزامه إياه، وقد يقال: هما قرينان أينما وقعا ففي ذكر أحدهما غنية عن الآخر، وإنما لم يعكس لأن بطلان التسلسل أخفى، فهو بالتعرض أولى، انتهى.\rوأما أدلة بطلان الدور والتسلسل والأبحاث المتعقلة بهما فمذكورة في المطولات، فليس كتابنا هذا محل بسطهما.\rولفظ إله على وزن فعال، بمعنى مفعول، لأنه تعالى مألوه، أي معبود، كقولنا: إمام بمعنى مأموم.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"قال القاضي: والأظهر أنه وصف في أصله، لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار كالعلم مثل الثريا والصعق أجرى مجراه في إجراء الوصف عليه وامتناع الوصف به، انتهى.\rوقال جلال الدين البخاري: الإله اسم من أسماء الأجناس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، انتهى.\rولكونه اسم جنس في الأصل صح إضافته هنا إلى الضمير.\rواختلف في اشتقاقه على ستة أقوال مذكورة في أول تفسير القاضي، ومن أراد الاطلاع عليها فليطلبها ثمة.\rوالواجب هو الذي يقتضي ذاته وجوده، ويمتنع عليه العدم.\rوقيل: هو الذي يلزم من فرض عدمه محال.\rوكلمة لولا حرف وضع لامتناع الشيء لوجود غيره، تقول: لولا عصيانك لأحسنت إليك، فامتناع الإحسان لوجود العصيان، وقوله تعالى: ?فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين?، فامتناع الخسارة لوجود الفضل والرحمة.\rوالضمير بعد لولا مبتدأ، والخبر محذوف وجوباً إذا كان عاماً، ويسد جوابها مسد الخبر، وجوابها إما ماض اللفظ كما في الأمثلة السابقة، أو ماض المعنى، نحو: لولا زيد لم آتك.\rثم الجواب إن كان مثبتاً فالأكثر اقترانه باللام وإن كان منفياً بما نحو قوله تعالى: ?ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً?، وقد يحذف الجواب للعلم به، نحو قوله تعالى: ?ولولا فضل الله عليكم وأن الله تواب حكيم?، أي لهلكتم.\rفقوله: ما انقطعت، جواب لولا.\rوآحاد بوزن آمال جمع الأحد بمعنى الواحد، وهو أول العدد.\rقوله: حفت بصيغة المجهول، وفيه ضمير راجع إلى الآحاد، والجملة صفة لآحاد.\rفي القاموس: وحفه بالشيء كمده أحاط به.","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"ومعنى حفت بإمكان أحاطت تلك الآحاد بالإمكان، أي صارت جميع الأحاد الحاصلة في السلسلة في جوانب الإمكان متصفاً به، فيلزم منه كون مجموع الآحاد في السلسلة ممكناً، لأن كل شيء اتصف بالإمكان فهو ممكن، فلا حاجة إلى جعل الإمكان بمعنى الممكن كما ظن.\rوالمعنى: لولا الواجب موجود ما انقطعت سلسلة الآحاد التي أحيطت بالإمكان، لكنها انقطعت، إذ لو لم تنقطع لزم الدور والتسلسل، وكلاهما باطل، فعلمنا أن الواجب موجود.\rولما فرغ من طريق الحكماء شرع إلى ذكر طريق المتكلمين، فقال:\rكذا الحوادث والأركان شاهدة……على وجود قديم صانع بان\rكذا، أي مثل ما سبق، يعني كما أن الموجودات الممكنة تدل عند الحكماء على وجود مبدئها، كذا الحوادث تدل عندنا على وجود محدث لها.\rوتقرير هذا المسلك على ما قالوا أن يقال:\rقد ثبت حدوث العالم، أو يقال: لا شك في وجود حادث، وكل حادث فبالضرورة له محدث، فإما أن يدور أو يتسلسل، وكلاهما محال، وإما أن ينتهي إلى قديم لا يفتقر إلى سبب أصلاً، وهو المراد بالواجب الوجود، وهو المطلوب.\rقال الخيالي: وحيثما امتنع الدور والتسلسل تعين أنه واجب ليس إلا، ولم يتعرض المحقق به اعتماداً على ما سبق، انتهى.\rوأما بيان مفردات هذا البيت فقوله:\rالحوادث جمع حادثة، والمراد بها هنا السموات السبع والأرضون مع سكانهما.\rوالأركان جمع ركن، وركن الشيء جزؤه الداخل فيه، والمراد به هنا: أجزاء السموات والأرضين وأحوالهما من تعاقب الليل والنهار وتناوب الظلمات والأنوار واشتداد الرياح والعواصف وامتداد البروق الخواطف وتزلزل الأرض ونزول الصواعق وتراكم السحب اللواحق وتغاير الفصول والأزمان وتفاوت الأماكن والبلدان وغير ذلك من عجائب المخلوقات وغرائب المصنوعات مما لا ندرك ولا نعمله، ?وما يعلم جنود ربك إلا هو?.\rخذ هذا فإنه دقيق، وبالأخذ والقبول حقيق.","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"فقول من قال: عطف الأركان إما عطف تفسير أو عطف خاص على العام، أو المراد بالحوادث المواليد الثلاثة وبالأركان العالم العلوي إلى آخر ما قال، ليس إلا تسويد وجه الورق، لأنه قال: عطف خاص على العام، ولم يبين العموم والخصوص، وما فرَّق.\rقوله: شاهدة، قال في النهاية: أصل الشهادة الإخبار بما شاهده أو شهده.\rوقال القاضي: الشهادة إخبار عن علم من الشهود، وهو الحضور والاطلاع.\rوفي المصفى: الشهادة الإخبار عن علم وإيقان بمشاهدة وعيان، لا عن تخمين وحسبان.\rوفي المختار: الشهادة خبر قاطع، تقول: شهد على كذا، من باب سلم، انتهى.\rوالمراد من الشهادة هنا الدلالة، ويمكن حملها علىمعناها الأصلي ويكون شاهدة السموات والأرضين بلسان الحال بالنظر إلى ذاتهما وبعض سكانهما وبلسان المقال بالنظر إلى بعض سكانهما.\rوشهادة الأركان لا تكون إلا بلسان الحال، وهو أنطق من لسان المقال.\rوعلى في قوله: على وجود قديم، متعلقة بشاهدة.\rقال إبراهيم اللقاني: وقع في كلام بعضهم أن الواجب والقديم لفظان مترادفان، ورد بالقطع بتغاير المفهومين، إذ الواجب ما لا يحتاج في وجوده إلى غيره، إذ وجوده مقتضى ذاته، بمعنى أن العقل لا يتصوره إلا كذلك، والقديم موجود لا ابتداء لوجوده، انتهى.\rفقول من قال: والمراد بالقديم هو الواجب لذاته، فإنهما مترادفان عند المتكلمين، ليس في محله، فتأمل.\rثم اعلم أن إطلاق لفظ القديم على الله تعالى مما تردد فيه بعض المشايخ، ولكن قال العراقي في شرح أصول السبكي: عده الحليمي في الأسماء، وقال: وإن لم يرد فيه نص في الكتاب لكن ورد في السنة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه عد القديم في التسعة والتسعين، كذا قاله شارح عقيدة السنوسي.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"وأما إطلاق لفظ الصانع على الله تعالى فالظاهر أنه بطريق التوصيف لا بطريق التسمية، كما ذهب إليه الإمام الغزالي، وفي الحديث: ?إن الله صانع كل صانع وصنعته? رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد والحاكم وصححه.\rوإطلاق الباني كذلك.\rوفي هذا البيت إيماء إلى مسلك الأنبياء والأولياء والأصفياء أيضاً، لأن من شاهد بناء هذه السماء على هذه الهيئة العجيبة والخلقة الغريبة مثلاً يجزم بأن هذه الصنعة العجيبة لا تصدر إلى عن صانع حكيم، وبان قديم، يفتقر إليه كل شيء ولا يفتقر هو إلى شيء، ويستدل بها على خالقها، ويقول: ?ربنا ما خلقت هذا باطلاً، سبحانك فقنا عذاب النار?.\rولما فرغ عن إثبات الواجب على طريق الحكماء والمتكلمين، شرع في إثبات وحدانيته، فقال:\rالخلق مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، أي خلق الله الخلائق، ويحتمل أن يكون مصدراً مجهولاً مضافاً إلى نائب الفاعل، وهو الخلائق.\rهي جمع خليقة، يقال: هم خليقة الله، وهم خلق الله، وهو في الأصل مصدر، وقد اضمحل معنى الجمعية بالألف واللام، فقول من قال: جمع لكثرة الأنواع واختلافها ليس في محله، فتأمل.\rوأريد به جميع الخلق من الأرض والسموات وما فيهن من المعدن والنباتات والإنس والجن والملك وسائر الحيوانات.\rقوله: خلواً بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام، مصدر بمعنى اسم الفاعل.\rفي الصحاح: تقول: أنا خلو من كذا، أي خال.\rفقول من قال: إن خلواً بكسر الخاء صفة لأنه يقال: هو خلو وهي خلوة ليس بسديد، لأن أهل اللغة قد اتفقوا على أن خلوا مصدر، ولم يقل أحد منهم إنه صفة، نعم إنهم اختلفوا هل يستوي فيه التثنية والجمع والمذكر والمؤنث أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى الثاني فقالوا: هو خلو، وهي خلوة، وبعضهم إلى الأول فقالوا: هو خلو وهي خلو وهما خلو وهم خلو، قال في سبعة الأبحر من كتب اللغة: وأنا منه خلو وخلي على فعيل، خلاء أي خال، وهو لم يثن ولم يجمع، انتهى.","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"وفي المختار: أنا منك خلاء، أي براء لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر، وأنا منك خلي، أي بري فيثنى ويجمع لأنه اسم، انتهى.\rوفي القاموس: وهي خلوة وخلو، انتهى.\rولا يخفى عليك أن صاحب المختار فرق بين المصدر بمعنى اسم الفاعل، وبين فعيل من الاسم حيث قال في المصدر: لا يثنى ولا يجمع، وفي الاسم: فيثنى ويجمع، وأما صاحب سبعة الأبحر فقد سوى بينهما، وهو الموافق لقواعد العربية، فتأمل.\rوعلى التقديرين هو حال مبينة لا مؤكدة كما ظنه الشارح العالي.\rوذي الحال إما المبتدأ أو مفعول الخلق، أو نائب الفاعل.\rوبما قررناه لك تبين أن مراد المولى الخيالي من قوله: وخلواً بمعنى اسم الفاعل وقع حالاً من المبتدأ على ما جوزه البعض من النحاة أو من المفعول، انتهى، أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل وقع موقع الحال، وذلك شائع ومشهور عند أرباب الكمال، ?وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً?، لا له مثال، وإذا وقع المصدر حالاً يستوي فيه التثنية والجمع والمذكر والمؤنث، فلا يرد قول الشارح العالي: إن خلواً لا يصح أن يقع حالاً من المفعول لعدم المطابقة.\rقوله: عن مخالفة متعلق بخلوا.\rوالمخالفة هنا المنازعة في إيجاد شيء من المخلوقات، يعنى خلق الخلائق خالياً عن المنازعة.\rقوله: ينفي خبر المبتدأ، أي يرد القول، أي الحكم بالثاني، أي بوجود الإله الثاني الواقع في المرتبة الثانية من مراتب العدد.\rوخبر لا محذوف، أي إذ لا توارد موجود، وهذه الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وردت لدفع ما يقال من أنه لا يلزم من عدم وقوع المخالفة والمنازعة في خلق العالم كون الخالق واحداً، لجواز التوارد والاتفاق، فدفع ذلك بقوله: إذ لا توارد، أي لا توافق بحكم العقل والعادة.","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"قال المولى الخيالي: وتقرير البرهان عليه، أي على هذا الدفع أنه لو وجد إلهان فلا يخلو إما أن يقع بينهما التمانع في إيجاد العالم، فيلزم عجزهما أو عجز أحدهما مع لزوم الترجيح بلا مرجح أو اجتماع الضدين والكل باطل، أو يقع بينهما الاتفاق فيلزم التوارد وهو أيضاً باطل، وكلام المحقق ينطبق على هذا الوجه غاية الانطباق، لكن يتجه عليه أنه يجوز أن لا يقع التمانع ولا الاتفاق، بل وقع من أحدهما القصد إلى إيجاد ذلك المقدور ولم يقع من الآخر.\rفإن قلت: قصد أحدهما وعدم قصد الآخر ترجيح بلا مرجح.\rقلت: ممنوع، وإنما يلزم ذلك أن لو لم يكن بإرادتهما، فتدبر، والتفصي عنه محال يعرف بالتأمل.\rولك أن تجعله إشارة إلى برهان التمانع، وهو أنه لو وجد إلهان لأمكن بينهما التمانع والتخالف في الأفعال، وحينئذ إما أن يقع مراد كل منهما فيلزم اجتماع الضدين أو لا يقع مراد كل منهما فيلزم عجزهما، أو يقع مراد أحدهما دون الآخر فيلزم الترجيح بلا مرجح مع عجز من فرض إلهاً قادراً، لكن أفعاله تعالى خالية عما ذكر فهو واحد ليس إلا، وينتفي القول بالثاني، إلا أن نفي التوارد على هذا الوجه مما لا فائدة له أصلاً كما يظهر بأدني تأمل، وكأن ميل المحقق إلى ذكر وجه إقناعي هاهنا وتوجيهه أنه لو تعدد الإله لوقع بينهما التخالف أو التنازع ويختل النظام، وأما الاتفاق والتوارد فهو منتف بحكم العقل والعادة، لكن خلق العالم خال عن مخالفة وتنازع فينتفي القول بالثاني.\rومنهم من استدل على ذلك بأنه لو وجد إلهان ويتصفان لا محالة بصفات الألوهية لكان نسبة جميع المقدورات إليهما على السوية، إذ المقتضي للقدرة ذاتهما، وللمقدورية الإمكان أو الحدوث، فيمكن قصدهما إلى إيجاد مقدور معين، وحينئذ إما أن يقع بهما فيلزم مقدور بين قادرين، وأنه محال، أو بأحدهما فيلزم الترجيح بلا مرجح.","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"والأحسن أن يقال: لو كان في العالم صانعان لكان محتاجاً إلى كل منهما ومستغنياً عنهما، لكونهما مبدأين مستقلين له، واللازم باطل بالضرورة، وكذا الملزوم، انتهى ما قاله المولى الخيالي.\rأقول: ويمكن إثبات التوحيد بالبراهين النقلية أيضاً، وتصريح كل نبي من لدن آدم إلى أن ختمت النبوة بنبينا محمد عليه السلام بالتوحيد واتفاق المليين قاطبة عليه، فإن النبوة والشريعة لا تتوقفان على التوحيد، فيجوز أن يثبت التوحيد بهما، كذا قاله بهاء الدين زادة في شرح الفقه الأكبر.\rوالمخالف لهذا الأصل هو الثنوية القائلة بأن في العالم خيرات وشروراً، وفاعل الخير والشر لا يكون واحداً فبعضهم قالوا بأن خالق الخير هو النور وخالق الشر هو الظلمة، وبعضهم وهم المجوس قالوا بأن خالق الخير هو يزدان، وخالق الشر هو اهرمن ويعنون به الشيطان، والدلائل العقلية والنقلية يبطل دعواهم الباطلة.\rوأما الوثنية فإنهم وإن قالوا بألسنتهم بألوهية الأصنام، لكن عند تحقيق اعتقادهم بفهم أنه يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فبعضهم اتخذوها على أنها صور الكواكب، وبعضهم على أنها صور الأرواح المدبرة لأمورهم وبعضهم على أنها صور لملوكهم الكاملين الماضين إلى غير ذلك.\rواليهود والنصارى لا يخلو قولهم عن رائحة الشرك، بقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.\rولما أثبت الناظم وحدانية ذاته تعالى شرع في إثبات أن ذاته تعالى ليست مثل ذوات الممكنات، فقال:\rفذاته ليس مثلَ الممكنات فما…حكما الوجوب مع الإمكان سيان…\rالذات كل ما يمكن أن يتصور بالاستقلال، والصفة ما لا يمكن تصورة إلا تبعاً، وبعبارة أخرى: الذات ما يقوم بنفسه، والصفة ما يقوم بغيره.\rوذات الشيء حقيقته وماهيته، وقيل: ذات الشيء نفسه وعينه.","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"ثم اعلم أن لفظ الذات يصح تذكيرها باعتبار ما وقعت عليه إن كان مذكراً، كما يقال: ذات زيد كامل، ويصح تأنيثها باعتبار معنى الحقيقة الذي هو مدلولها، كما يقال: ذات زيد كاملة، كذا قاله في مطالع المسرات.\rوقال الإمام الزرقاني: والذات تذكر وتؤنث، فالتذكير باعتبار كونها شيئاً، والتأنيث باعتبار كونها هيئة.\rوقال السيد الشريف في بعض تعليقاته: إن التاء في الذات والصفة والمعرفة والنكرة والرسالة والمقدمة ليس للتأنيث، بل من نفس الكلمة، وأما الوقف على الهاء وكون صفة هذه الألفاظ مؤنثاً فباعتبار وجود التاء.\rوقال بعض الأفاضل: كل مؤنث لم يجز حذف تائه أو كان بمعنى لفظ مذكر يجوز تذكيره، كما في قوله تعالى: ?لعل الساعة قريب?، ولم يقل: قريبة لأن التاء لم يجز حذفها من الساعة، وكما في قوله تعالى: ?إن رحمة الله قريب من المحسنين? ولم يقل: قريبة، لأن الرحمة بمعنى الإحسان، انتهى.\rوبما قررناه ظهر وجه تذكير الناظم قوله: ليس مثل الممكنات، فضمير ليس راجع إلى الذات، ومثل منصوب خبر ليس، ومضاف إلى الممكنات بحذف المضاف، أي ذاته ليست مثل ذوات الممكنات.\rوالممكن ما لا يقتضي شيئاً من الوجود والعدم، كالعالم.\rوالفاء في قوله: فما، تعليلية، أي حكمنا بنفي المماثلة بين ذات الله تعالى وبين ذوات الممكنات، لأن حكما الوجوب والإمكان متغايران، إذ حكم الوجوب الاستغناء عن الغير، وحكم الإمكان الافتقار إلى الغير.\rوحكم الشيء خاصته اللازمة له، أو الأثر الثابت بالشيء، وهو مبتدأ سقط نونه بالإضافة.\rوسيان بكسر السين وتشديد الياء بمعنى مثلان، خبر المبتدأ على لغة بني تميم وإن حمل على لغة أهل الحجاز، فإعراب سيان محمول على لغة بني الحارث، وإضافة الحكم لامية، من جوز كونها للبيان فقد خرج عن عداد الأعيان.\rولو قال الناظم رحمه الله تعالى:\rوذاته ليس مثل الممكنات فما …حكم الوجوب ولا الإمكان سيان\rبإفراد الحكم وتكرار النفي مع الواو، لكان أصوب وأظهر.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"ولعل المولى الخيالي أراد بقوله: (ولا يذهب عليك أن الأولى تبديل كلمة مع بالواو) ما قلنا، لا تبديل كلمة مع بالواو فقط، إذ بهذا التبديل لا يستقيم الوزن، فلا يرد قول الشارح العالي: إن هذا التبديل مخل بالوزن.\rثم اعلم أن حقيقة الله تعالى مخالفة لسائر الحقائق، كذاته عند المحققين، وإليه أشار الناظم بقوله: وذاته ليس مثل الممكنات فما.. إلخ.\rوزعم كثير من المتكلمين أن الذوات كلها متساوية، وامتياز البعض عن البعض بالصفات المخصوصة، فامتياز ذات الله تعالى عن غيرها بصفات الألوهية.\rوتحقيق هذا البحث أنهم [إن] أرادوا بالذات الحقيقة، فذلك واضح البطلان، لأن حقيقة الله تعالى لو كانت متساوية لحقائق الممكنات، فاختصاصها بالصفات المخصوصة إن كان لا لأمر لزم الترجيح بلا مرجح، وإن كان لأمر فذلك الأمر إن كان منفصلاً يلزم أن يكون وجوبه تعالى بالغير، فيكون ممكناً بالذات، وإن لم يكن منفصلاً يعود الكلام في اختصاصه بها، ودار وتسلسل.\rوإن أرادوا بالذات كل ما يعلم بالاستقلال كما صرحوا به في بعض كتبهم أن الذات كل ما يمكن أن يتصور بالاستقلال، والصفة كل ما لا يمكن أن يتصور إلا تبعاً، فيصير النزاع لفظياً، إذ ذاته تعالى بهذا المعنى متساوية لذوات الممكنات، وإنما الامتياز بينهما بالخصوصيات، مثل الوجوب والإمكان، والتساوي والتماثل بهذا المعنى جائز عند الكل، كذا قاله جلال الدين البخاري في شرح المقاصد.\rنعم، يشارك ذاته تعالى ذوات الممكنات بمعنى أن مفهوم الذات، أعني ما يقوم بنفسه ويقوم به غيره صادق على الكل، انتهى.\rوقال المولى الخيالي: ذهب جماعة من المتكلمين إلى أن ذاته تعالى تماثل سائر الذوات، وإنما يمتاز عنها بأحوال أربعة، وهي الواجبية والحيية والعالمية والقادرية، وقال أبو هاشم: بل بحالة خامسة موجبة لهذه الأربعة وهو الألوهية.\rواستدلوا عليه بوجوه:","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"منها أن الذات تنقسم إلى الواجب والممكن، ومورد القسمة يجب أن يكون مشتركاً بين أقسامه.\rومنها أن المعلوم ينحصر في الذات والصفة حصراً عقلياً ، ولو لم يكن كذلك لبطل الحصر العقلي.\rومنها أنا نجزم بالذات ونتردد في الخصوصيات، فلو لم يكن مشتركاً لما تحقق الجزم بها حالة التردد في الخصوصيات.\rولم يعلموا أن اللازم مما ذكروه اشتراك مفهوم الذات، أعني ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، أو ما يقوم بنفسه، والكلام إنما هو في اتحاد ذاته المخصوصة مع سائر الذوات في تمام الماهية والحقيقة، فإنه باطل قطعاً، للزوم تركب الواجب مما به الاشتراك وما به الامتياز، على أن الاتحاد في تمام الماهية والاختلاف في كثير من اللوازم والأحكام غير معقول بخلاف ما إذا كانت الذات متخالفة في الحقيقة، كما ذهب إليه الشيخ الأشعري، فإن الاختلاف فيها معنى صحيح يتلقاه العقول بالقبول، وهذا معنى قوله: فما حكما الوجوب مع الإمكان سيان.\rولا يذهب عليك أن الأولى تبديل كلمة مع بالواو، إذ ليس لها كثير معنى هاهنا، انتهى ما قاله الخيالي.\rقوله: إذ ليس لها كثير معنى، يريد أن التثنية إذا أريد إضافتها يجب أن يكون المضاف إليه تثنية مثلها نحو: جاءني غلاما الرجلين، أو ما في حكم التثنية نحو: جاءني غلاماً رجل ورجل، فالعطف بالواو في حكم التثنية إذ أصل رجلين رجل ورجل، عدلوا عن ذلك كراهة التكرار، كذا قاله ابن هشام في شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب.\rوالمضاف إليه هاهنا ليس هاهنا ليس بثنية ولا في حكم التثنية، فلا بد من تبديل كلمة مع بالواو حتى يكون المضاف إليه في حكم التثنية، ولكن مراده بالتبديل ما ذكرناه سابقاً.\rوإذا علمت ما قررناه وفهمت ما حررناه، ظهر لك فساد قول الشارح العالي في اعتراضه على المولى الخيالي حيث قال:","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"قيل: لا معنى لكلمة مع، فالأولى الواو بدلها، أقول: فيه نظر، أما أولاً فلأنه يخل الوزن حينئذ، وأما ثانياً فلأن مقتضى التثنية الإضافة إلى مثلها أو إلى ما في حكمها، والعطف بالواو لا يفيده، انتهى.\rثم الظاهر أن المخالف في هذه المسألة بعض المتكلمين على ما فهم من تقرير المولى الخيالي وشارح المقاصد وغيره، فقول الشارح العالي: ذهب بعض القدماء من المعتزلة إلى أن ذاته تعالى يماثل ذوات الممكنات، إلخ، يخالفه.\rولما نفى الكثرة المماثلة عن ذاته تعالى بحسب الجزئيات أراد أن يشرع في نفي الكثرة عنه تعالى بحسب الأجزاء، فقال:\rنفى غناه عن الأغيار كثرته…لحاجة الكل فيما فيه جزآن\rنفى فعل ماض، من نفاه إذا طرده ومنعه.\rوالغنا بالكسر والقصر، ضد الفقر، فاعل نفى، وعن الأغيار متعلق بغناه.\rوقول الخيالي: كما هو الظاهر، يشير إلى أن في تعلقه وجهاً آخر، ولعل ذلك الوجه تعلقه بكثرته، إذ الكثرة هنا بمعنى التركب، ويكون عن بمعنى من، والمعنى على هذا الوجه نفى غناه تركبه من الأغيار، ويكون صلة الغناء محذوفة، مثل المذكور.\rوأما تعلقه بنفى فلا معنى له، فتأمل.\rواللام في لحاجة الكل، متعلق بقوله: نفى.\rوالكل اسم لجملة مركبة من جزأين أو أكثر من أجزاء محصورة.\rولفظة في بمعنى إلى صلة الحاجة، وما موصولة عبارة عن الأجزاء.\rقوله: فيه، ظرف مستقر، وجزآن فاعل الظرف، والجملة صلة للموصول.\rومعنى البيت: نفى غناه تعالى عن الأغيار تركبه من الأجزاء، لحاجة الكل المركب من الأجزاء إلى الأجزاء التي حصل فيه جزآن أو أكثر.","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"وفي قوله: جزآن، حذف المعطوف، كما قدرناه، فلا حاجة إلى الاعتذار بأن الاقتصار على الجزئين اكتفاء بقدر الأقل، أو أريد بالتثنية مطلق التعدد، هذا هو البيان، فإنه مقبول في نظر الأعيان، وسالم عن الحذف والتأويل اللذين دهب إليهما الشارح الجليل، حيث قال: وصلة الحاجة محذوفة، أي إلى ما هو جزء له، وما الموصولة عبارة عن الكثرة، وكون المراد بالمظروف الكلي العام وبالظرف الجزئي الخاص يخرجه عن كونه ظرفاً لنفسه، انتهى.\rوما وقع في بعض النسخ: ففي غناه، بفاءين على أن يكون غناه خبراً مقدماً وكثرته مبتدأ مؤخراً، فمعناه على ما وجهه المولى الخيالي أنه لم لم يكن حكم الوجوب والإمكان متساويين وجب أن يكون كثرته تعالى من جهة الأجزاء في غناه، يعني أن غناه كثيرة غاية الكثرة حتى إنه مستغن عن الأجزاء غناه عن سائر الأغيار وإلا، أي وإن لم يكن مستغنياً غاية الاستغناء، لكان ممكناً محتاجاً إلى أجزائه التي ليست عينه، وهذا المعنى دقيق ولمن تخيل حقيق.\rوالشارح العالي لما لم يفهم مراد الخيالي صحف هذه النسخة واعترض عليه معجباً بما لديه حيث قال: وما وقع في النسخ بالفاء على أن غناه خبر مقدم وكثرته مبتدأ مؤخر فتصحيف عن جهلة النساخ لا صحة له، لا رواية ولا دراية، لأن استغناءه تعالى عن الأغيار ينفي الكثرة لا أنه يثبتها، وقد تصدى البعض لتصحيحه ولم يقدر عليه، وإن هذا لشيء عجاب، وقد اعترف نفسه بأن نسخة المصنف على الفعلية، انتهى.\rوإذا قرع سمعك أيها المغرور ما لم يسبق إليه فهمك فلا تعجل بالرد والإنكار، وأقبل على التأمل والاستبصار، لعلك تونس من جانب الطور جذوة نار، وفي ظلمة الليل البهيم غرة نهار، وتعرف أنها آيات بينات لقوم يعقلون، ولا يجحد بها إلا القوم الظالمون، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"ولما نفى الناظم رحمه الله الكثرة عن ذاته تعالى علم منه نفى الكلية أيضاً لكنه أراد تأكيد الحكم السابق والتوطئة للحكم اللاحق، فقال:\rوليس كلاً وجزأ ولا عرضاً ……ولا محلاً لأعراض وأكوان\rقد سبق معنى الكل في البيت السابق، وأما الجزء فهو الذي يتركب الشيء منه ومن غيره، ويرادفه البعض، فما له أجزاء يسمى باعتبار تألفه منها كلاً ومركباً، وباعتبار انحلاله إليها متبعضاً ومتجزئاً.\rوالعرض الموجودُ الذي يحتاج في وجوده إلى محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحل به ويقوم هو به.\rوالأعراض على نوعين: قار الذات، وهو الذي يجتمع أجزاؤه في الوجود، كالبياض والسواد.\rوغير قار الذات، وهو الذي لا يجتمع أجزاؤه في الوجود كالحركة والسكون.\rوالمحل هو الحيز والمكان.\rأما أنه تعالى ليس بجزء فلأن ما تركب منه لا يخلو: إما أن يكون جسماً أو جسمانياً، وعلى كلا التقديرين يكون متحيزاً، وهو تعالى منزه عنه، كما سيجيء.\rوأما أنه ليس بعرض فلاحتياج العرض إلى محل يقوم به، وهو ينافي الوجوب الذاتي.\rوأما أنه ليس محلاً لأعراض فللزوم كونه محلاً للحوادث.\rوالأكوان جمع كون، بمعنى المكون، أي الموجود، لا الكون المنقسم إلى حركة والسكون والافتراق والاجتماع، كما ظنه الشارح العالي.\rومجيء الكون بمعنى المكون شائع كثيراً، كما أورده صاحب البردة حيث قال:\rمحمد سيد الكونين إلخ.\rوقال شراح القصيدة قاطبة: أي الوجودين، بمعنى الموجودين، وهما الدنيا والعقبى، والمراد أهلهما، انتهى.\rفعلى هذا يكون عطف الأكوان على الأعراض من قبيل عطف العام على الخاص، ليشمل نفي كونه تعالى محلاً للجواهر أيضاً.\rوقول المولى الخيالي: (وقوله: وأكوان تخصيص بعد تعميم رعاية للوزن والقافية) ليس في محله، فتأمل وأنصف، ولا تكن من أهل الكبر والتعسف.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"ومعنى البيت أن ذاته تعالى ليس كلاً، لا متصلاً ولا منفصلاً، لا مجموعياً ولا إفرادياً ولا جزءاً صورياً أو مادياً ولا عرضاً قاراً أو غير قار، ولا محلاً للأعراض والأكوان، وكذا منزه عن خصائص الأجسام من الكيفيات النفسانية أو المحسوسة الظاهرة أو الباطنة، مثل الصورة والشكل واللون والطعم والرائحة واللذة والألم والغضب والغم، ونحو ذلك، فإنها تابعة للجسم أو المزاج المستلزمين للتركيب المنافي للوجوب الذاتي.\rولما نزه ذاته تعالى عن الكلية والجزئية والعرضية والمحلية للأعراض والأكوان نزهه عن الجوهرية وعن الأسماء اللاتي توهم النقصان، فقال مخاطباً بالخطاب العام:\rولا تقل جوهراً أيا عنيت به…ونزه الاسم عن إيهام نقصان…\rاعلم أن القول وفروعه يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول على نوعين: مفرد وجملة، والمفرد على نوعين أيضاً: مفرد مؤداه جملة، نحو: قلت حديثاً وشعراً وخطبة، ومفرد أريد به مجرد اللفظ، نحو: قلت: كلمة، وقوله تعالى: ?يقال له: إبراهيم? إذ لو كان مبنياً للفاعل لقيل: يقول له الناس إبراهيم، بنصب إبراهيم، أي يطلقون عليه هذا اللفظ.\rوأما الجملة المحكية فمحكية بالقول في موضع مفعوله، نحو: قلت: زيد قائم، وقد يجرى القول مجرى الظن فتنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان له بشروط أربعة عند أكثر العرب، وأما في لغة بني سليم فيجري القول مجرى الظن في العمل مطلقاً، أي بلا شروط، حكاها سيبويه، فيقولون: قلت: زيداً منطلقاً، وقل: ذا مشفقاً، وقال ابن مالك في ألفيته:\rوأجرى القول كظن مطلقا……عند سليم نحو قل ذا مشفقا\rوفي النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال.\rوإذا تمهد هذا فقول الناظم: ولا تقل جوهراً، معناه: ولا تقل له جوهراً أولا تطلق عليه جوهراً، أو لا تظنه جوهراً أولا تعتقده جوهراً، فجوهراً مفعول به على الأولين، ومفعول ثان على الأخيرين، فقول من قال: القول هاهنا بمعنى الذكر أو التسمية ليس بمفيد، فتأمل.","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"وفي بعض النسخ وقع برفع جوهر على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ولا تقل هو جوهر، فيكون الجملة محكية بالقول.\rوأياً منصوب بقوله: عنيت، وتنوينه عوض عن المضاف إليه.\rوجواب هذا الشرط محذوف وجوباً لدلالة قوله: (ولا تقل) عليه، إذ يجب حذف الجواب إذا تقدم على الشرط ما هو الجواب في المعنى، كقوله تعالى: ?متى هذا الوعد إن كنتم صادقين? أي إن كنتم صادقين فمتى هذا الوعد.\rوتقدير الكلام هنا: أي معنى من معاني الجوهرية تريد به فلا تقل جوهراً، أو فلا تطلق عليه تعالى لفظ الجوهر.\rوقد اشتهر فيما بين الفلاسفة استعمال الجوهر بمعنى الموجود القائم بنفسه، وبمعنى الذات والحقيقة، وبين المتكلمين بمعنى المتحيز بالذات، فأشار المصنف إلى أن إطلاقه على الله تعالى بأي معنى كان لا يجوز، أما عقلاً فلإيهامه بما عليه النصارى من أنه تعالى جوهر واحد له ثلاثة أقانيم، بل لاستلزامه التحيز بالمعنى الذي قصده المتكلمون.\rوأما شرعاً فلعدم إذن الشارع له، وإليه أشار الناظم رحمه الله بقوله: ونزه الاسم عن إيهام نقصان.\rواعلم أن القوم قد اختلفوا في أسمائه المأخوذة من الأفعال والصفات دون الأعلام الموضوعة في اللغات.\rقال في المواقف: ليس الكلام في أسماء الأعلام الموضوعة في اللغات، وإنما النزاع في الأسماء المأخوذة من الصفات والأفعال، فذهبت المعتزلة والكرامية إلى أنه إذا دل العقل على اتصافه تعالى بها جاز الإطلاق عليه، سواء ورد بذلك الإطلاق إذن شرعي أو لم يرد، وكذا الحال في الأفعال.","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"وقال القاضي أبو بكر من أصحابنا: كل لفظ دل على معنى ثابت لله تعالى جاز إطلاقه عليه تعالى بلا توقف إذا لم يكن إطلاقه موهماً بما لا يليق بكبريائه ، فمن ثمة لم يجز أن يطلق عليه لفظ العارف، لأن المعرفة قد يراد بها علم يسبقه غفلة، ولا لفظ الفقيه، لأن الفقه فهم غرض المتكلم من كلامه، وذلك مشعر بسابقة الجهل، ولا لفظ العاقل، لأن العقل علم مانع عن الإقدام على ما لا ينبغي، مأخوذ من العقال وإنما يتصور هذا المعنى فيما يدعوه الداعي إلى ما لا ينبغي، ولا لفظ الفطن، لأن الفطانة سرعة إدراك ما يراد تعريفه على السامع، فيكون مسبوقة بالجهل، ولا لفظ الطبيب لأن الطب يراد به علم مأخوذ من التجاريب إلى غير ذلك من الأسماء التي فيها نوع إيهام مما لا يسوغ في حقه تعالى.\rوقد يقال: لا بد مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى يصح الإطلاق بلا توقف.\rوذهب الشيخ الأشعري ومتابعوه إلى أنه لا بد من التوقف، وهو المختار للاحتياط في الاحتراز عما يوهم باطلاً لعظم الخطر في ذلك، فلا يجوز الاكتفاء في عدم إيهام بمبلغ إدراكنا، بل لا بد من الاستناد إلى إذن الشارع، انتهى.\rوذهب الإمام الغزالي رحمه الله تعالى إلى جواز إطلاق ما علم اتصافه تعالى به على طريق التوصيف دون التسمية، لأن إجراء الصفة إخبار بثبوت مدلولها، فيجوز عند ثبوت المدلول إلا لمانع، بخلاف التسمية، فإنه تصرف في المسمى، ولا ولاية له إلا للأب والمالك ومن يجري مجريها، والله تعالى منزه عمن يتصرف فيه.\rهذا كلامه، ويشكل بلفظ خداي وتكري وأمثالهما في سائر اللغات مع شيوعهما من غير نكير، اللهم إلا أن لفظ خداي معناه خداينده، أي الموجود بذاته، وحينئذ يكون مرادفاً للواجب الوجود، كما ذكره الإمام الرازي في بعض تصانيفه.\rويقال بمثل ذلك في أسمائه بحسب سائر اللغات إن أمكن إطلاق واجب الوجود وصانع العالم وأمثالهما، فالظاهر أنه بطريق الوصف لا بطريق التسمية، كذا قاله الجلال الدواني.","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"قيل: ولا يشكل بإطلاق الصبور والشكور والحليم والرحيم، فإنها وإن كان فيها إيهام ما يستحيل على الله تعالى إلا أن نص الشارع بكونها من أسماء الله تعالى قد رفع الإشكال وحل العقال.\rومما ورد في الكتاب والسنة أسامي خارجة عن التسعة والتسعين كالبار والكافي والدائم والبصير والنور والمبين والصادق والمحيط والقائم والقريب والوتر والفاطر والعلام والمليك والأكرم والمدبر والرفيع وذي الطول وذي المعارج وذي الفضل وذي القوة والخلاق والمولى والنصير والغالب والرزاق والناصر وشديد العقاب وقابل التوب وغافر الذنب ومولج الليل في النهار ومولج النهار في الليل ومخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي والسيد والغيور والحنان والمنان.\rوقد شاع في عبارات العلماء: المريد والمتكلم والشيء والموجود والذات والأزل والصانع والواجب وأمثال ذلك.\rولعل وجه التخصيص بالتسعة والتسعين لاختصاص خاصية دخول محصيها الجنة أو لاختصاصها بزيادة فضيلة في كفاية المهمات وقضاء الحاجات أو لاقتضاء الحكمة إخفاء بعض الأسماء، كذا قالوا.\rوالناظم رحمه الله لما نزه ذاته تعالى عن النقائص في الأبيات السابقة استطرد في هذا البيت تنزيه اسمه تعالى عن النقائص أيضاً، لأن تنزيه الاسم كتنزيه المسمى واجب، لقوله تعالى: ?سبح اسم ربك الأعلى?، ثم رجع إلى تنزيه ما هو المقصود، وهو تنزيه الذات عن الاتحاد والحلول مع إحاطة علمه جميع الأشياء، فقال:\rبكل شيء محيط لا اتحاد له …ولا حلول لدى أصحاب عرفان\rالباء في قوله: بكل، متعلق بمحيط، قدم عليه للضرورة، ومحيط خبر لمبتدأ محذوف مصدر بالواو، والجملة من قبيل عطف القصة على القصة.\rوتقدير البيت: والله محيط علمه وقدرته وإرادته بكل شيء، ومع تلك الإحاطة ليس له اتحاد ولا حلول، يعني منزه ذاته وصفاته عن الاتحاد والحلول.","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"أما تنزهه تعالى عنهما فلأنهما من خواص الممكن، إذ الحلول يمكن إطلاقه على حلول العرض في الجسم وحلول الجسم في المكان، والأول احتياج في الوجود إلى المحل الذي يجب تنزه الواجب عنه، والثاني هو التحيز الذي لا يتصف الواجب به.\rوالاتحاد لا يكون بين اثنين مع بقاء الاثنينية، إلا أن يكون بطريق الانقلاب، وهو خلع المادة عن الصورة وتصوره بصورة أخرى، كانقلاب الماء هواء بالتسخين، وذا لا يتصور في حق الواجب.\rقال المولى الخيالي: وهذا ضروري يجزم به العقل بعد تصور الطرفين على ما ينبغي، وقد ينبه عليه بأنهما إذا اتحدا فمحال الاتحاد إن بقيا، فهما اثنان لا واحد، وإن عدما كان الحاصل ثالثاً مغايراً لهما، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر امتنع الاتحاد أيضاً، إذ الموجود لا يتحد بالمعدوم، وأما أنه لا يحل في غيره فلأن الحلول يلزمه الاحتياج إلى المحل الذي هو غيره، والواجب يلزمه الغنا عن الغير، والتنافي بين اللازمين ملزوم للتنافي بين الملزومين، انتهى.\rثم اعلم أن عبارات العلماء قد اختلفت في تفسير الحلول والاتحاد، وفي تعيين القائلين بهما، فالظاهر أن الوجودية والحلولية والاتحادية كلهم من الفرق الضالة، يقولون: إن في كل موجود إله لم نره، فكفرهم أشد من كفر الثنوية كما قاله علي القاري في شرح بدء الأمالي.\rوفي إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد: ومن الفرق الضالة الحلولية والاتحادية ومقالتهم متقاربة إلا أن تصورها عسر، فيقال: إن الحلولية يدعون حلول روح القدس في قلوبهم عند نهاية العرفان التجرد، والحسين بن الحلاج تقال عنه هذه المقالة، ويقال: إن الاتحادية يدعون اتحاد سر العبد بالمعبود عند نهاية عبادته، وبالجملة فالتعبير عن مذهبهم مشكل فكيف تحقيقه، انتهى.","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"وفي المقاصد: والقول بالحلول والاتحاد محكي عن النصارى في حق عيسى عليه السلام، وعن بعض الغلاة في حق أئمتهم، وعن المتصوفة في حق ملكهم، وأما ما يدعي بعضهم من ارتفاع الكثرة عند الفناء في التوحيد أو أنه لا كثرة في الوجود أصلاً فبحث آخر، انتهى.\rوقال بهاء الدين زادة في شرح الفقه الأكبر: وخالفت النصارى في هذين الأصلين بقولهم باتحاد ذات الله أو صفته ببدن عيسى عليه السلام أو بنفسه أو بحلول الله أو صفته في بدن عيسى عليه السلام أو نفسه، فهذه ستة أقوال كلها باطلة لبطلان الحلول والاتحاد، وكذا خالف فيهما النصيرية والإسحاقية من غلاة الشيعة، قالوا: ظهور الروحاني بالجسماني غير منكر في طرف الشر، كظهور الشياطين في صورة إنسان وإلقائه الشرور وفي طرف الخير أيضاً كظهور الملك بصورة دحية الكلبي فلا يبعد أن يظهر الحق بصورة الكمل تكميلاً للناقصين، فإذا جاز فالأولى بالظهور فيه الإنسان، ومن أفراد العترة الطاهرة، أي علي كرم الله وجهه وأولاده، ومن أفرادهم من اتصف بأعلى الصفات الفاضلة حتى اجترؤا على إطلاق لفظ الإله على من اعتقدوه أئمة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"وأما القائلون بأن الواجب عز اسمه وجود مطلق موجود بالذات، واحد حقيقي لا كثرة فيه أصلاً فهم بمعزل عن الحلول والاتحاد، إلا أن علماؤنا ردوا عليهم وقالوا: إن هذا القول أشد شناعة من القول بالحلول، للزوم مخالطة الواجب سبحانه وتعالى بالأشياء حتى بالقاذورات، لكن إذا لم يكن المخالطة مخالطة بأجسام بل مخالطة الكلي بالجزئي والمعنى بالصورة هل يوجب نقصاناً في ذاته تعالى أم لا ؟ فموضع تأمل، فإن مخالطة شعاعات الشمس بالقاذورات لا يوجب لها نجاسة، مع أن هذه المخالطة من جنس المخالطات الجسمانية، على أن القائلين المذكورين يسندون قولهم إلى أذواقهم العزيزة في حالاتهم الشريفة وانسلاخاتهم اللطيفة الحاصلة من الرياضات المديدة والمجاهدات الشديدة والإعراض عن الدنيا والإقبال على المولى وتطهير السرائر وتصفية الضمائر عن الأخلاق البهيمية والأوصاف السبعية، فالاحتياط كل الاحتياط في أن لا يتجاسر على رد قول أمثال هؤلاء العلماء العاملين المعرضين عن الدنيا وشهواتها المقبلين على الله الراغبين إلى العقبى وقرباتها، الصاحين عن سكر الهوى والشهوات، المستغرقين في بحار التجليات والمشاهدات، فنحن نتوقف في شأنهم ونكل قولهم إلى وجدانهم، ونقول: اللهم اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، انتهى قول بهاء الدين زادة ملخصاً.","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"ويؤيد التوقف ما قاله العلامة علاء الدين البخاري تلميذ التفتازاني حيث قال في رسالة مستقلة: اعلم أن المحققين من أئمة الدين على ما ذكره حجة الإسلام في إفاضة وجود الممكنات من رب العالمين، كلاماً يتوهم القاصرون في العلوم العقلية أنه كلام الوجودية وليس كذلك، وهو أن إفاضة الوجود من الجود الإلهي بالاختيار لا بالإيجاب على الماهيات القابلة للوجود، وانبساطه فيها ليس كفيضان الماء من الإناء على اليد، فإن ذلك بانفصاله عن الإناء واتصاله باليد، وإنما هو كفيضان نور الشمس على بسيط الأرض من غير انفصال شعاع من جرم الشمس واتصال ببسيط الأرض، لا على ما توهمه البعض من أن ذلك أيضاً بانفصال واتصال، بل نور الشمس سبب لحدوث شيء على بسيط الأرض يناسبه في النورية وإن كان النور المنبسط على البسيط اضعف من نورها فليس فيه إلا مجرد سببية من غير انفصال واتصال، كذلك الجود الإلهي سبب لحدوث الوجود في قوابل الوجود، ويعبر عن ذلك بالفيض، فهؤلاء العارفون جعلوا وجودات القوابل حادثة حاصلة من الجود الإلهي مسببة عنه ، لا أنهم جعلوا الوجود المطلق الذي هو الواجب عند الوجودية عين وجود القوابل، على ما ذهب إليه الوجودية، انتهى.\rوالحاصل أن بعض العلماء رد قول القائلين المذكورين من الصوفية رداً شنيعاً، وبعضهم أول قول هؤلاء العارفين ولم يتجاسر على الرد للاحتياط في أمر الدين، وصاحب المقاصد مع جلالة قدره لم يصرح بالرد عليهم، بل قال: وأما ما يدعى بعضهم من أن ارتفاع الكثرة عند الفناء في التوحيد وأنه لا كثرة في الوجود أصلاً فبحث آخر، انتهى.\rوأنا الفقير لا أرده ولا أتدين به، وأقول: إن الله تعالى متصف بصفات الكمال ومنزه عن النقصان والزوال، وهو الكبير المتعال، وهذا هو الطريق الأسلم، والله هو الأحكم والأعلم.","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"وظاهر كلام الخيالي يشير إلى هذا الطريق، حيث قال: ظاهر هذا الكلام يوافق لما ذهب إليه جماعة من الصوفية إلى آخر ما قال، ثم قال: فالمراد أنه تعالى يحيط بكل شيء علماً، ولا يتحد بشيء منها، أي لا يصير بعينه شيئاً منها، انتهى.\rيعني لا يصير وجود المخلوق عين وجود الخالق، ولا أن الوجود واحد بالعين، لأن هذا قول أهل الاتحاد الذي هم أضل العباد.\rوأيضاً إن المراد من الإحاطة في كلام الناظم هو الإحاطة من جهة العلم لا الإحاطة الذاتية كما يشعر به ظاهر كلام الناظم.\rأقول: لعل وجه الظهور ذكر الإحاطة مع نفي الحلول والاتحاد، وهو عين مذهب الصوفية، ويدل عليه أيضاً قوله: لدى أصحاب عرفان، لأن كلمة لدى بمعنى عند يشعر كون هذا الحكم مذهباً لفريق ويومي إليه أيضاً قوله: أصحاب عرفان، فقول من قال: فلا ينطبق كلامه على هذا المذهب نشأ من قلة التدبر والأدب.\rوذكر بعضهم هنا مذهباً آخر وأثنى عليه، وهو أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله تعالى، وفي الله تعالى يستغرق في بحر التوحيد والعرفان، بحيث يضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته، ويغيب عن كل ما سواه، ولا يرى في الوجود إلا الله تعالى، وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد، وإليه يشير الحديث القدسي: (إن العبد لا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته، فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر)، وحينئذ ربما يصدر عن السالك عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وتعذر الكشف عنه بالمقال، كذا في شرح المقاصد.\rلكن قيل: الاستغراق في بحر التوحيد والعرفان والاضمحلال المنقسم على الذات والصفات والسكر والغيبة عن الوجود من منكرات العقل والشرع، لإفضائه إلى الفتور عن الطاعات والقصور في العبادات، ومعنى الحديث صرف الأعضاء إلى ما خلق له في تحصيل رضاء الله تعالى لا إلى غيره، انتهى.","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"أقول: قد فسرت الغيبة عند أهل الحق بأنها غيبة قلب السالك عن علم ما يجري من أحوال الخلق بل من أحوال نفسه بما يرد عليه من الحق إذا عظم الوارد واستولى عليه سلطان الحقيقة، فهو حاضر بالحق غائب عن نفسه وعن الخلق.\rومما يشهد على هذا قصة النسوة اللاتي قطعن أيديهن حين شاهدن يوسف عليه السلام، فإذا كانت غيبة مشاهدة جمال يوسف مثل هذا فيكف تكون غيبة مشاهدة أنوار ذي الجلال والإكرام.\rوكذلك تفسير السكر عندهم إلا أن وارد السكر قوي وهو يعطي الطرب والالتذاذ، فالسكر أقوى من الغيبة وأتم منها، هكذا ذكر السيد الشريف في تعريفاته.\rفالولي في حال غيبته محفظ عما يخالف الشرع القويم كما حكي أن أبا الحسين الثوري رحمه الله بقي سبعة أيام في منزله لم يأكل ولم يشرب ولم ينم قائماً يدور في البيت ويقول: الله الله، فأخبر الجنيد بذلك فقال: انظروا أمحفوظ عليه أوقاته أم لا ؟ فقيل: إنه يصلي الصلوات الفرائض في أوقاتها، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل للشيطان عليه سبيلاً.\rوقيل للشبلي: ما علامة صحتك في حالك ؟ فقال: لا يجري على في أوقات الغيبة ما يخالف حال الصحو، انتهى، كذا في كشف الغطا.\rوأما معنى الحديث المذكور في شرح المقاصد فهو كون الباري تعالى معاوناً لعبده ومحافظاً له مدبراً لأموره، كسمعه وبصره ويده، يقال: فلان بصر فلان ويد فلان به يبصر وبها يبطش، ومن ذهب إلى غير هذا المعنى فقد خرج عن الفج والجادة، قاله عطوفي شارح المشارق.\rعلى أن الاستغراق في بحر التوحيد والعرفان والاضمحلال والغيبة عن الوجود والأبدان أحوال نادرة تقع للعارف أحياناً ولا تدوم، حتى قال الغزالي في الإحياء: تكون كالبرق الخاطف، وهو الأكثر والدوام نادر عزيز.","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"وإذا فهمت ما قررناه تبين لك ضعف قول من قال: إن الغيبة والاضمحلال من منكرات العقل والشرع، إذ لا تنكر هذه الحال من الولي العارف، لأنه لا يمتنع على قدرة الله تعالى شيء ممكن إذا أراد أن يحجب الولي في بعض أوقاته عن شهود غيره فلا يشهد إلا الله تعالى مع حفظ قواعد الشريعة، وذلك ليس بعزيز على الله، ولأن تلك الأحوال عبودية للعارف وهي أقوى من العبادة، لأن العبودية هي الرضاء بما يفعل الرب والعبادة فعل يرضى به الرب، والرضى فوق العمل حتى كان ترك الرضا كفراً، وترك العمل فسقاً، ولذلك تسقط العبادة في الآخرة دون العبودية فإنها ثابتة في الدنيا والآخرة، فالعبادة لعوام المؤمنين والعبودية للخواص لما فيها من زيادة التذلل والتبري من الحول والقوة، كذا في الرسالة.\rولا في قول الناظم: لا اتحاد، لنفي الجنس، واتحاد اسم لا، وله خبرها، ولا حلول عطف على سابقه، وخبر لا الثانية محذوف بقرينة المذكور، ولدى ظرف لفحوى الكلام، أي انتفى الاتحاد و الحلول لدى أصحاب عرفان، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً وإضافة الأصحاب إلى العرفان من قبيل إضافة المحل إلى الحال.\rولما نفي الاتحاد والحلول اللذين هما من خواص الممكن شرع في نفي الاتصال بالأحياز والأحيان والاتصاف بالأشكال والألوان اللذين هما من خواص الجسم الموجود في الأعيان، وإن علم نفيهما من نفي الجوهرية في السابق، إلا أن الناظم قصد المبالغة وتأكيد الحكم في اللاحق رداً لبعض أهل الملة من المجسمة والكرامية، فقال:\rولا اتصال بأحياز وأوقات………ولا اتصاف بأشكال وألوان …\rلا في قوله: ولا اتصال لنفي الجنس، واتصال اسمها، والباء في: بأحياز متعلق بلا اتصال، وخبر لا محذوف، أي لا اتصال بأحياز ثابت له تعالى، كقوله تعالى: ?فلا فوت? أي فلا فوت لهم.","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"فقول من قال: ثم لا بد من تقدير وصف حُذِف لدلالة المقام، إذ ليس المقصود نفي مطلق الاتصال، والخبر محذوف والتقدير: ولا اتصال كائناً له بأحياز وأوقات ثابت - غلطٌ فاحش من وجهين:\rالأول: أنه قال في أول كلامه: لا هذه لنفي الجنس، ينفي جنس اتصاله تعالى بأحياز وأوقات، وهذا القول يناقض قوله: إذ ليس المقصود نفي مطلق الاتصال.\rوالثاني: أنه يلزم من تقدير الوصف إثبات الاتصال له تعالى، لأن المنفي على هذا التقدير يكون الاتصال المقيد لا المطلق، ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق، والمقصود هنا نفي جنس الاتصال بالأحياز عن ذات الله تعالى، نعوذ بالله من الحور بعد الكور.\rوقوله: أوقات جمع وقت، عطف على أحياز.\rوعموم أحياز وأوقات من جهة الصيغة والمعنى كما عرف في علم الأصول.\rوالمراد نفي جنس الاتصال بجميع الحيز والوقت، فقول الشارح: وهذا أبلغ من قوله: ولا اتصال بحيز ووقت للفرق بين نفي جنس المفرد ونفي جنس الجمع، وهذا ليس مثل لا رجل ولا رجال، فالأول فيه أبلغ، غلط فاحش أيضاً من وجهين:\rالأول: إن الأحياز والأوقات هنا ليسا بمنفيين، بل المنفي هو الاتصال المقيد بالأحياز والأوقات، فلا معنى لقوله: للفرق بين نفي جنس المفرد ونفي جنس الجمع، إلى آخر ما قال.\rالثاني: أن المعدول عنه وهو قوله: لا اتصال بحيز ووقت، لا يصح وقوعه في كلام الناظم حتى يحتاج إلى نكتة العدول إلى المعدول.\rوإعراب قوله: ولا اتصاف إلخ كإعراب الشطر الأول بلا تفاوت.\rوبين الاتصال والاتصاف جناس لاحق من علم البديع.\rوالأشكال جمع شكل، والشكل هو الهيئة الحاصلة للجسم بسبب إحاطة حد واحد بالمقدار، كما في الكرة، أو حدود كما في المضلعات من المربع والمسدس.\rوالألوان جمع لون، واللون هو الهيئة الحاصلة للجسم كالسواد والحمرة.\rوأما أدلة نفي هذه الأشياء عن ذاته تعالى فمذكورة في الكتب الكلامية على التفصيل، ونحن نذكر كلامهم على طريق الإجمال لئلا يؤدي إلى الفتور والملام.","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"أما أنه تعالى ليس له اتصال بمكان وحيز، فلأنه لو كان في حيز فلا يخلو: إما أن يتقرر آنين أو لا، وعلى كلا التقديرين يلزم كونه تعالى محلاً للحوادث، وأنه باطل قطعاً.\rوقد يقال: لو تحيز فإما في الأزل فيلزم قدم الحيز، أو فيما لا يزال فيلزم كونه تعالى محلاً للحوادث.\rوقد يستدل على ذلك أيضاً بأنه تعالى لو كان في مكان فإما أن يكون في جميع الأمكنة، فيلزم تداخل المتحيزات ومخالطة الواجب لما لا ينبغي كالقاذورات.\rأو في بعضها، فإن كان لمخصص لزم الاحتياج، وإلا لزم الترجيح بدون مرجح.\rوفي المواقف: إن الرب لو كان في جهة ومكان لزم قدم المكان، وقد برهنا أن لا قديم سوى الله تعالى، وعليه الاتفاق، انتهى.\rوأما عدم اتصاله تعالى بالأوقات فلأن الزمان عندنا عبارة عن متجدد يقدر به متجدد آخر، والأول معلوم، والثاني: مبهم، فإذا قيل: متى جاء زيد ؟ يقال: عند طلوع الشمس إذا كان المخاطب مستحضراً لطلوع الشمس ولم يكن مستحضراً لمجيء زيد، وقد يتعاكس كما إذا قال غيره: متى طلوع الشمس ؟ يقال: حين جاء زيد لمن كان مستحضراً لمجيء زيد دون طلوعها.\rوكذلك اختلفت الزمان بالنسبة إلى الأقوام، فيقدر كل واحد منهم المبهم بما هو معلوم عنده.\rوعند الفلاسفة هو عبارة عن مقدار حركة الفلك الأطلس.\rوذهب بعض الفلاسفة إلى أنه حركة الفلك الأعظم، وبعضهم إلى أنه الفلك الأعظم، ويسمونه عند أهل الشرع العرش العظيم.\rوالله منزه عن كل ذلك.\rوأما أنه تعالى لا يتصف بشيء من الأشكال والألوان فلكونهما من خواص الأجسام والمقادير، والله تعالى منزه عنهما.","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"وكذلك لا يتصف ذاته تعالى أيضاً بالفرح والغم والغضب والأمل والكدر واللذة عند أهل الملة، خلافاً للفلاسفة، فإنهم لما تفحصوا عن ماهية اللذة واستقر رأيهم على أنها إدراك الملائم من حيث إنه ملائم وليس لله تعالى شيء أشد ملائمة من ذاته، حكموا بأن في إدراكه لذة لا تكون فوقها لذة، وقد يحصل نبذة من ذلك لبعض المتجردين عن جلباب البدن، فلذلك تراهم معرضين عن الدنيا وما فيها، ومتوجهين إلى ذلك الجناب القدسي بالكلية.\rثم اعلم أن المخالفين في هذا الأصل هم المجسمة، ويقال لهم: الكرامية، ومن المخالفين أيضاً المشبهة الذي التزموا ظواهر الكتاب والسنة ومنعوا التأويل.\rقال المولى الخيالي: ذهب جماعة من أهل الملة إلى أنه تعالى في مكان وجهة، واحتجوا عليه بوجوه بعضها عقلية وبعضها نقلية.\rأما العقلية فمنها أن العقل جازم بالضرورة بأن كل موجود إما متحيز أو حال فيه، ولما امتنع حلوله تعالى في شيء تعين أنه متحيز.\rومنها أنا نجزم أيضاً بأن كل موجودين إما متصل أحدهما بالآخر، أو منفصل عنه، وأيا ما كان يجب أن يكون الواجب تعالى في جهة وحيز.\rومنها أنه تعالى إما أن يكون داخلاً في العالم فيكون متحيزاً، أو خارجاً عنه فيكون في جهة.\rوالجواب عن الكل منع الحصر، كيف وتركيب تلك المنفصلات ليس من النقيضين، ودعوى الضرورة في محل النزاع مما لا يسمع، سيما إذا كان الجمهور على خلافه، فإنهم قد صرحوا بتثليث تلك التقسيمات والجزم بالانحصار إنما هو من الأحكام الوهمية الكاذبة.\rوأما النقلية فكثرة كقوله تعالى: ?الرحمن على العرش استوى? ?وإن استكبروا فالذين عند ربك..? ?إليه يصعد الكلم الطيب?.\rوكقوله عليه السلام للجارية الخرساء: ?أين الله ؟? فأشارت إلى السماء، ولم ينكر عليها وحكم بإسلامها.","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"والجواب: إنها ظنيات فلا تعارض، للقطيعات الدالة على نفي المكان والجهة، فإما نفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى مع اعتقاد حقيقتها(1) كما هو دأب السلف، إيثاراً للطريق الأسلم، أو تأول بتأويلات متطابقة للأدلة القطعية على ما عليه الخلف، سلوكاً إلى السبيل الأحكم، انتهى.\rأقول: ما قاله الخيالي خلاصة ما قاله المحقق التفتازاني في شرح المقاصد.\rوقال في شرح المقاصد أيضاً: فإن قيل: فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية تشعر في مواضع كثيرة بثبوت ذلك من غير تصريح بنفي ذلك، ولو في موضع، وكررت بتأكيد سائر المهمات مثل وجود الصانع وتوحيده وعلمه وقدرته وحشر الأجساد، مع أن هذا أيضاً من المهمات، حقيق بغاية التأكيد، لما تقرر في فطرة العقلاء من التوجه إلى العلو عند الدعاء.\rأجيب: بأنه لما كان التنزيه عن الجهة مما يقتصر عنه عقول العامة، حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة، كان الأنسب في خطاباتهم والأليق بدعوتهم إلى الحق والأقرب إلى صلاحهم ما يكون ظاهراً في التشبيه، وكون الصانع في أشرف الجهات مع تنبيهات دقيقة على التنزيه المطلق عن ما هو في سمات الحدوث.\rوتوجه العقلاء إلى السماء ليس من جهة اعتقادهم أنه في السماء، بل من جهة أن السماء قبلة الدعاء، إذ منها يتوقع الخيرات والبركات وهبوط الأنوار ونزول الأمطار، انتهى(2).\rوهذا توجيه مقبول عند العلماء الفحول.\rوالحاصل أن الله تعالى خلق الأمكنة والأزمنة والأشكال والألوان والأحوال المختلفة، وكان الله ولم يكن معه شيء، فالآن على ما كان.\rوروى الحاكم وابن حبان في حديث بريدة قال عليه السلام: ?كان الله ولا شيء غيره?.\r__________\r(1) لعلها حقيتها، أليس كذلك يا سيدي الأستاذ سعيد ؟ فإن كانت حقيقتها فلا شك أنه أراد حقيقتها عند الله التي لا نعلمها، ولكن يبقى الإيهام، فما قولكم ؟\r(2) يمكن أن يقال: إن الله تعالى أراد اختبار العباد بذلك، كما ورد في آية المحكم والمتشابه في سورة آل عمران .","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"ثم اعلم أن صفات الله تعالى إن كان مدلولها نفياً لأمر لا يليق بشأنه تعلى فهي من الصفات السلبية كالقدم والبقاء مثلاً، وإن كان مدلولها إثباتاً لما يليق له تعالى فهي من الثبوتية كالعلم والقدرة مثلاً.\rوالصواب أن السلبية غير منحصرة، إذ ليس لحصرها دليل عقلي ولا نقلي.\rوقيل: إن صفاته تعالى مطلقاً لا ينحصر في عدد، إذ كمالاته تعالى لا نهاية لها، ولكن لم يكلفنا الله تعالى إلا بمعرفة ما نصب لنا عليه دليلاً، وهي عشرون صفة كما ذكره السنوسي رحمة الله تعالى عليه.\rوالناظم لما فرغ من بعض الصفات السلبية شرع في الصفات الثبوتية على مقتضى تقديم السلب على الإثبات، فقال:\rحي سميع بصير عالم شاء……ذو قدرة وكلام غير ألحان\rقوله: حي خبر مبتدأ محذوف، أي هو حي متصف بصفة الحياة، والجملة استئنافية.\rقوله: سميع، معطوف على حي، بحرف عطف محذوف للضرورة، وكذا البواقي.\rوفي قوله: شاءٍ قلب وإعلال مثل إعلال قاض.\rوفي ذكر لفظ شاء إشارة إلى أن معنى الإرادة والمشيئة واحد في حق الله تعالى عندنا [و] إن اختلفا في حق العباد.\rقوله: ذو قدرة وكلام، غير الأسلوب في الشطر الثاني لأجل الوزن، وللإشارة إلى أن صفات الله تعالى منقسم على قسمين: صفات المعنوية وصفات المعاني، فالشطر الأول إيماء إلى الأول، والثاني إلى الثاني.\rوكل واحد من الصفات المعنوية والمعاني سبع.\rأما المعنوية فهي حي سميع بصير عالم مريد قادر متكلم.\rوأما المعاني فهي الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام.\rفذكر من المعنوية خمساً صراحة واثنين ضمناً، وذكر من المعاني اثنتين صراحة وخمساً ضمناً، فصارت مجموع الصفات المذكورة في هذا البيت سبعاً صراحة وأربع عشرة بعضها صراحة وبعضها ضمناً، خذ هذا البيان فإنه واضح عند الأعيان.","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"وأما قول الشارح العالي: (وفي ذكر بعض الصفات بالمشتق وبعضها بمبدأ الاشتقاق إشارة إلى زيادة الصفات على الذات كما هو المذهب)، ليس في محله، إذ لو ذكر كلها بالمشتق يفهم زيادة الصفات على الذات، وكذا لو ذكر كلها بمبدأ الاشتقاق، لأن مجرد ذكر الصفات يشعر مذهب أهل الحق.\rقال في شرح المقاصد: لا خفاء ولا نزاع في أن اتصاف الواجب في السلبيات مثل كونه تعالى واحداً وليس في جهة وحيز لا يقتضي ثبوت صفات له، وكذا بالإضافات والأفعال مثل العلي العظيم والأول والآخر والقابض والباسط والخافض والرافع ونحو ذلك، وإنما الخلاف في الصفات الثبوتية الحقيقية مثل كونه العالم والقادر، فعند أهل الحق له تعالى صفات أزلية زائدة على الذات، فهو عالم له علم وقادر له قدرة وحي له حياة وكذا في السميع والبصير والمتكلم وغير ذلك، انتهى.\rوقال بعض الأفاضل: اعلم أنه لا خلاف بين المتكلمين كلهم والحكماء في كونه تعالى عالماً قادراً مريداً متكلماً، وهكذا في سائر الصفات، ولكنهم تخالفوا في كون الصفات غير ذاته أو عين ذاته أو لا هو ولا غيره، فذهب المعتزلة والفلاسفة إلى الأول، وجمهور المتكلمين إلى الثاني، والأشعري إلى الثالث، وأدلة كل منهم فيما ذهبوا إليه مع [ما] فيها من الجرح والتعديل مبينة في الكتب الكلامية.\rوقال الدواني: إن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليست من الأصول التي تتعلق بها تكفير أحد الطرفين، وقد سمعت عن بعض الأصفياء أنه قال: عندي زيادة الصفات وعدم زيادتها وأمثالها مما لا يدرك إلا بالكشف، ومن أسندها إلى غير الكشف فإنما يترأى له ما كان غالباً على اعتقاده بحسب النظر الفكري، ولا أرى بأساً في اعتقاد أحد طرفي النفي والإثبات في هذه المسألة، انتهى.","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"وأنت تعلم أن هذا يخالف ما في التاتارخانية من أن من قال: إن الله تعالى عالم بذاته ولا يقول: له العلم، قادر بذاته ولا يقول: له القدرة، يحكم بكفره، لأنه نفي الصفات، ومن نفى الصفات فهو كافر.\rوقال علي القاري في شرح بدأ الأمالي: والتحقيق أن من قال: الصفات غير الذات نظراً إلى أن الصفة قائمة بالذات وتقدم الذات من الضروريات، ومن قال: الصفات عين الذات نظراً إلى أن الذات غير منفكة عن الصفات، ومن قال: لا عين ولا غير لأنها لو كانت عيناً لكانت ذواتاً ولو كانت غيراً لزم التركيب، وهو من المحالات، والله أعلم بحقيقة الحالات، والعجز عن درك الإدراك إدراك، والبحث عن سر ذات الله إشراك، انتهى.\rوقال بعض الأعيان: واعلم أن الصفات على ثلاثة أقسام: عين محض، وغير محض، ولا هو ولا غيره، الأول الوجود على مذهب الأشعري، والثاني الإضافات والسلوب، والثالث: الصفات الثمانية اللاتي سبع منها المتفق عليها بين الماتريدية وبين الأشعرية، وأما المختلف فيها فهي صفة التكوين التي أثبتها الماتريدية حيث قالوا: إنها صفة حقيقية زائدة على السبع المشهورة، ومذهب الأشعري أنها من قبيل الإضافات لا تحقق لها في الخارج.\rثم اعلم أن بعض العلماء قسم الصفات المعاني الذاتية إلى أربعة أقسام:\rقسم لا يتعلق بشيء، وهو الحياة.\rوقسم يتعلق بالممكنات فقط، فهو القدرة والإرادة.\rوقسم يتعلق بجميع الموجودات وهو السمع والبصر.\rوقسم يتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي، أي الواجبات والمستحيلات والجائزات، وهو العلم والكلام.\rوأعم الصفات المتعلقة العلم والكلام، وبين متعلق القدرة والإرادة ومتعلق السمع والبصر عموم وخصوص من وجه، فتزيد القدرة والإرادة بتعلقهما بالمعدوم الممكن، ويزيد السمع والبصر بتعلقهما بالموجود الواجب كذات الله تعالى وصفاته.\rويشترك القسمان في تعلقهما بالموجود الممكن.","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"وقال أهل الحق: تعلق القدرة تابع للإرادة للعلم، فالناظم رحمه الله قدم ما يدل على الحياة لعدم تعلقها بشيء، ولأن الصفات البواقي تابعة لها متوقفة عليها.\rثم أشار إلى قول أهل الحق حيث قدم العلم على الإرادة، والإرادة على القدرة.\rثم لا بد لنا أن نذكر معاني هذه الصفات في حقه تعالى، وأن نبين برهان وجوب اتصافه تعالى بكل منها عندنا من غير تعرض لقول المخالفين وأدلتهم، فنقول وبالله التوفيق:\rالحياة صفة أزلية قائمة بذاته تعالى، تقتضي صحة اتصاف موصوفه بالعلم والقدرة، وكونه تعالى حياً لازم للحياة القائمة بذاته.\rوأما السمع والبصر فقال شارح السنوسي: السمع والبصر صفتان ينكشف بهما الشيء ويتضح كالعلم، إلا أن الانكشاف بهما يزيد على الانكشاف بالعلم، بمعنى أنه ليس عينهما، وذلك معلوم في الشاهد بالضرورة، انتهى.\rوكذا قال السيوطي في النقاية.\rوقال علي القاري في شرح الفقه الأكبر: فالسمع صفة تتعلق بالمسموعات، والبصر صفة تتعلق بالمبصرات، فتدرك إدراكاً تاماً لا على سبيل التخيل والتوهم،ولا على طريق تأثير حاسة ووصول هواء، فإنه تعالى سميع بالأصوات والحروف والكلمات بسمعه القديم، وبصير بالأشكال والألوان ببصره القديم، ولا يلزم من قدمها قدم المسموعات والمبصرات، كما لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات.\rثم قال: وأما قول السيوطي في النقاية من أنهما صفتان يزيد الانكشاف بهما الانكشاف بالعلم فإنما يتضح بالنسبة إلينا، حيث يزيد العلم بهما لدينا، وأما بالنسبة إليه سبحانه وتعالى فصفاته كلها كاملات كما أنه كامل في الذات، فلا تقبل الزيادات، انتهى.\rوكونه تعالى سميعاً وبصيراً لازمان للسمع والبصر القائمان بذاته تعالى.","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"وأما العلم فهو صفة ينكشف المعلومات عند تعلقها بها انكشافاً تاماً لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه، فالله تعالى عالم بجميع الموجودات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في العلويات والسفليات، وكونه تعالى عالماً لازم للعلم القائم بذاته.\rوأما الإرادة فهي كالمشيئة صفة قديمة زائدة على الذات، قائمة به، تخصص أحد طرفي الشيء من الفعل والترك، بالوقوع في أحد الأوقات، مع استواء نسبة القدرة إلى جميع الممكنات.\rوكونه تعالى مريداً وشائياً لازمان للإرادة والمشيئة.\rوأما القدرة فهي صفة تؤثر في إيجاد الممكن وإعدامه، فتأثير القدرة فرع تأثير الإرادة، وتأثير الإرادة على وفق العلم عند أهل الحق، كما ذكرناه آنفاً، فكل ما علم الله تعالى أنه يكون من الممكنات أو لا يكون فذلك مراده تعالى.\rوالمعتزلة قبحهم الله تعالى جعلوا المتعلق الإرادة تابعاً للأمر، فلا يريد عندهم مولانا عز وجل إلا ما أمر به من الإيمان والطاعة، سواء وقع ذلك أم لا.\rفعندنا إيمان أبي جهل مأمور به غير مراد له تعالى، لأنه عز وجل علم عدم وقوعه، وكفر أبي جهل منهي عنه وهو واقع بإرادة الله تعالى وقدرته، وعند المعتزلة قبح الله رأيهم إيمانه هو المراد لله تعالى لا كفره، فيلزمهم أنه وقع نقض في ملك مولانا عز وجل ، إذ وقع فيه على قولهم ما لا يريده مَنْ له ملك السموات والأرض وما بينهما، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.\rوكونه تعالى قادراً لازم للقدرة القائمة بذاته تعالى.\rوأما الكلام فهو صفة أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى، مغايرة للعلم والإرادة وسائر الصفات، ليست بحرف ولا صوت، ولا تقبل العدم ولا في معناه من السكوت ولا التبعيض ولا التقديم ولا التأخير.\rقال صاحب المقاصد: ثم كلامه تعالى عندنا صفة أزلية منافية للسكوت والآفة، يدل عليها بالكتابة أو العبارة، ليس من جنس الأصوات والحروف، انتهى.","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"والحاصل أن كلام الله تعالى عند أهل السنة هو معنى قائم بذاته تعالى ليس بحرف ولا صوت، بل هو مفهوم هذه الألفاظ والحروف المسمى بالكلام النفسي، وإليه أشار الناظم رحمه الله بقوله: وكلام غير ألحان، أي وذو كلام ليس بألفاظ ولا أصوات، لأن الألحان جمع لحن بالفتح والسكون، بمعنى اللفظ والصوت، وقد يجيء بمعنى الخطأ في الكلام، أي ذو كلام نفسي يعبر عنه بكلام لفظي ليس فيه خطأ واختلال، والله أعلم بحقيقة الحال.\rهذا الذي ذكرناه في تفسير هذه الصفات هو الثابت في الكتاب والسنة، وهو الحق الواجب في معرفة الله تعالى، كما قال الإمام الأعظم في آخر الفقه الأكبر: نعرف الله تعالى حق معرفته كما وصف نفسه في كتابه بصفاته، انتهى.\rوأما معرفة كنه هذه الصفات على وجه الكمال مع إحاطة جميع الأحوال فهي ليست من مقدورات البشر، وإنما هي من مقدورات خالق القوى والقدر.\rوأما برهان اتصافه تعالى بالحياة والعلم والإرادة والقدرة فإنه لو انتفى شيء من هذه الأربع لما وجد شيء من الحوادث، لما قدمناه أن تأثير القدرة الأزلية في أثر ما موقوف على إرادته تعالى، والإرادة موقوفة على علمه، والاتصاف بهذه الثلاث موقوف على الاتصاف بالحياة ، إذ هي شرط فيها، ووجود المشروط بدون شرطه مستحيل، فإذاً وجود حادث أي حادث كان موقوف على اتصاف محدثه بهذه الصفات الأربع، فلو انتهى شيء منها لما وجد شيء من الحوادث والحيوان، وهو خلاف الحس والعيان.\r[و] أيضاً هذه الصفات الأربع صفات كمال، ونقائضها نقص، والله منزه عن النقائص، هذا هو الدليل العقلي، والبرهان العقلي في هذا العلم أقوى من النقلي لكون حجة العقلي سابقة على حجة النقل، إذ لولا العقل لما ثبت صحة النقل، كذا قاله بعض الأفاضل في شرح السنوسية، ولذا قدمناه هنا.\rولإثبات كل واحدة من هذه الصفات الأربع على حدة تمسكات مذكورة في المطولات.","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"وأما الدليل السمعي فالقرآن العظيم مشحون بهذه الصفات الأربع، بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله، منها قوله تعالى: ?الله لا إله إلا هو الحي القيوم? و?إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير? و?فعال لما يريد? و?الله على كل شيء قدير?.\rوأما برهان وجوب اتصافه تعالى بالسمع والبصر والكلام فبالكتاب والسنة والإجماع.\rوأيضاً لو لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها، وهي نقائص، والنقص عليه تعالى محال، والدليل الشرعي في هذه الثلاث أقوى من العقلي، ولذا قدمناه على العقلي، كذا قاله في الدرة الفاخرة في معرفة من له الحمد في الأولى والآخرة.\rقيل: واعلم أنه قد ذكر في صفة الكلام قياسان متعارضان: أحدهما أن كلام الله تعالى صفة له، وكل صفة له فهي قديمة، فكلامه قديم.\rوثانيهما أن كلامه مؤلف من أجزاء مترتبة متعاقبة في الوجود، وكل ما يكون كذلك فهو حادث، فكلامه حادث، فذهب أهل الحق إلى حقية كل منهما لقوله بقدم النفسي وحدوث اللفظي، وذهبت المعتزلة إلى حقية الثاني، وقد حوى صغرى القياس الأولى.\rوالمشهور أن الحنابلة إنما ذهبوا إلى حقية الأول، وقدحوا في كبرى القياس الثاني، وذهبت الكرامية إلى حقية الثاني وقدحوا كبرى القياس الأول.\rوما اشتهر في بعض الكتب الكلامية من أن أهل الحق إنما صححوا القياس الأول وقدحوا صغرى القياس الثاني فمبني على أن القرآن عندهم هو النفسي فقط، وأما تسمية اللفظي فعلى سبيل التجوز، أو على أن النفسي هو اللفظي من غير اعتبار الترتيب في الأجزاء.\rوقد صرح محمد الشهرستاني في كتابه المسمى بنهاية الإقدام بأنه مذهب الحنابلة أيضاً.\rورأيت في بعض شروح الكشاف ما يوافقه، انتهى.","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"وفي كشف الغطاء عن التوحيد أن أحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف براء، فما نسبوه إليهم واختلقوه عليهم، فكيف يظن بأحمد وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف الله القديم قائم بذاته هو غين لفظ اللافظين ومداد الكاتبين مع أن وصف الله تعالى قديم وهذه الألفاظ والأشكال حادثة بضرورة العقل وصريح النقل، انتهى.\rوقال العز بن جماعة: روينا بالسند عن الربيع عن أحمد أن رجلاً سأله: أصلي خلف من يشرب الخمر، فقال: لا، فقال: أصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق ؟ فقال: سبحان الله، أنهاك عن مؤمن وتسألني عن كافر.\rوقال فخر الإسلام على البزدوي في أصول الفقه: وقد صح عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: ناظرت أبا حنيفة رحمه الله في مسألة خلق القرآن ستة، فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وصح هذا عن محمد رحمه الله تعالى.\rولما أثبت الناظم الصفات السبع المذكورة من كان سائلاً من طرف النافين وهم المعتزلة والفلاسفة سأل: في إثبات الصفات زائدة على الذات قولاً بتعدد القدماء وهو كفر بإجماع العلماء، وقد كفرت النصارى بإثبات ثلاثة منها، فما بال من أثبت أكثر من ذلك، فأجاب الناظم رحمه الله بقوله:\rوكثرة القدماء غير لازمة……إذ لم تكن غيرها في عين يقظان\rالواو اعتراضية لرد من ظن أن في إثبات الصفات الزائدة على الذات قولاً بتعدد القدماء، إذ الواو قد يجيء للاعتراض عند من جوز الاعتراض في الآخر.\rوالكثرة ضد الوحدة.\rوالقدماء جمع القديم، كالشرفاء والشريف والكرماء والكريم.\rوغير لازمة خبر المبتدأ، أي كثرة القدماء غير لازمة لمن أثبت الصفات الزائدة.\rوقوله: إذ لم تكن، ظرف أو علة لقوله: (غير لازمة).\rوضمير (لم تكن) راجع إلى الصفات المذكورة في البيت السابق.\rوضمير (غيرها) راجع إلى الذات المذكورة في ضمن الصفات.\rهذا هو الموافق للعبارة المشهورة بين العلماء كما قال في بدء الأمالي:","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"صفات الله ليس عين الذات ……ولا غيراً سواه ذا انفصال\rوقال علي القاري في شرحه: وضمير سواه عائد إلى ذات، وذكر مراعاة لأدب وتنزيهاً للرب، وما وقع في بعض النسخ: لم يكن بالتذكير فلعله سهو من قلم الناسخ.\rوقوله: في عين يقظان، تركيب إضافي متعلق بقوله: غير لازمة، وأما تعلقه بلم تكن فغير ظاهر.\rوالعين من الأسماء المشتركة، ولها معان كثيرة، والمعنى المناسب لهذا المقام ثلاثة معان: أحدها بمعنى الحفظ، كما جاء في قوله تعالى في سورة القمر: ?تجري بأعيننا?، وثانيها: بمعنى المنظر، كما جاء في قوله تعالى في سورة الأنبياء : ?فأتوا به على أعين الناس?، وثالثها بمعنى القلب، كما جاء في قوله تعالى في الكهف: ?الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري?.\rوأنسب الثلاثة المعنى الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.\rوالموصوف محذوف بين المضاف والمضاف إليه، أي في حفظ شخص يقظان، أو في نظر شخص يقظان، أو في قلب شخص يقظان من أهل العرفان.\rويجوز أن يكون العين بمعنى النظر كما في القاموس.\rوفي النهاية: ورجل يقظ ويقظ ويقظان إذا كان فيه معرفة وفطنة، انتهى.\rوفي المصباح: ورجل يقظان وامرأة يقظى، انتهى.\rوجر يقظان هنا للضرورة.\rوإذا أيقنت ما حررناه لك فقد تبين فساد قول الشارح العالي من وجوه شتى حيث قال: وإضافة عين إلى يقظان ليست من إضافة الموصوف إلى الصفة، لفقد المطابقة في التذكير والتأنيث، اللهم إلا أن لا يشترط صحة الوصفية الأصلية في الإضافة، بأن لا يكون العدول عن التركيب الوصفي تحقيقاً، والأولى أن يقدر موصوف مضاف إليه، والتقدير : في عين جمع أو قوم يقظان، وهم أهل السنة الماتريدية والأشعرية، وجر يقظان بالكسر الإشباعية والتنوين للضرورة، ولا يخفى ما فيه من التكلف لفظاً ومعنى، وكأنه أراد توصيف العين باليقظة، إلا أن الضرورة أبعده، فلو قال بدله: في قلب يقظان لكان أقل تكلفاً، انتهى.","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"وفي هذا البيان تعمية للمرام وخبط في الكلام، إذ هو لم يفهم معنى مفردات الكلام، ومع هذا تصرف في المقام.\rأما الوجه الأول من وجوه الفساد، فلأنه لم يعلم معنى العين هنا، فحمل على معنى الباصرة، ولذلك وقع في الخبط والغلط.\rوالوجه الثاني والثالث، أنه لم يعلم لفظ المضاف إليه ولا معناه، فظن أن لفظ يقظان جمع حيث قال: والتقدير في عين جمع أو قوم يقظان، وظن أيضاً أن معناه الانتباه من النوم، وليس كذلك، بل معناه ما ذكرناه ناقلاً عن النهاية، والله هو الهادي للسداد والملهم للمعنى.\rوالمراد قيل: وهذا البيت جواب سؤال مقدر، تقديره: إنه لو كان له تعالى صفات موجودة زائدة على ذاته تعالى لزم كثرة القدماء، والتالي باطل لكفر النصارى بالاتفاق، لقولهم بالقدماء الثلاثة.\rوحاصل الجواب: أنا لا نسلم أن إثبات الصفة القديمة يستلزم التعدد والتكثر، وإنما يلزم أن لو كانت غير الذات، كذا قاله المولى الخيالي ز\rثم قال: وهاهنا بحث، وهو أن الأشاعرة قد فسروا الغيرين بالموجودين اللذين يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر، ومن البين أن انتفاء التغاير بهذا المعنى مما لا يرفع التعدد والتكثر، والتحقيق أن ما كان كفراً بالإجماع إنما هو تعدد الذوات دون الذات مع الصفات، ولعل المعنى من نفي التغاير هو هذا وأن ما ذكره المحقق إشارة إليه كما لا يخفى على من له عين يقظان، انتهى.\rوقال في المقاصد عند عد تمسكات المخالفين النافين للصفات: الرابع: القول بتعدد القدماء كفر، وردّ بأنه لا تغاير هاهنا، فلا تعدد، ولو سلم فليس كل أزلي قديماً، بل إذا كان قائماً بنفسه، ولو سلم فالكفر إجماعاً تعدد القديم، بمعنى عدم المسبوقية، ولو سلم ففي الذوات خاصة كما لزم النصارى، انتهى.\rفقد أشار صاحب المقاصد إلى أربعة أجوبة على وجه الترقي من الأعلى إلى الأدنى، فالناظم المحقق اكتفى بالجواب الأول لكونه أعلى الأجوبة عنده، وإن رده المولى الخيالي كما ذكرناه آنفاً.","part":1,"page":54},{"id":56,"text":"ولما كان مبحث القدرة والعلم من أمهات أصول الدين ومهمات عقائد أهل اليقين، تعرض المحقق للاستدلال عليهما بما هو المعتمد عليه عند أهل الحق في إثباتهما، إلا أنه قدم دليل القدرة مع كون العلم مقدماً عليها في عد الصفات، فقال:\rنفي التسلسل جمعاً أو معاقبة… …أفاد قدرة ذي صنع وإتقان\rقوله: نفي التسلسل تركيب إضافي، مبتدأ، وجمعاً بمعنى مجتمعاً، حال من المضاف إليه، أو خبر لكان المحذوف مع اسمها.\rومعاقبة عطف على جمعاً.\rوقوله: أفاد فعل ماض من الإفادة، وهي الإثبات، يقال: فاد له مال أي ثبت، وأفدت المال أي أعطيته وأثبته.\rوضمير الفاعل راجع إلى النفي، والإسناد مجازي.\rقوله: قدرة ذي صنع، تركيب إضافي مفعول ثان لأفاد، والمفعول الأول محذوف، والجملة خبر المبتدأ.\rوالمعنى نفي التسلسل سواء كانت آحاد السلسلة مترتبة مجتمعة كما في سلسلة العلل أو متعاقبة كما في سلسلة المعدات، أفاد وأعطى أهل الحق كون الباري تعالى قادراً مختاراً.\rوفي قوله: ذي صنع إشارة إلى أنه تعالى هو الأول، أي السابق على الموجودات من حيث إنه موجدها ومحدثها بقدرته الباهرة وسلطته الظاهرة.\rوفي ذكر الإتقان بالتاء الفوقانية إيماء إلى أنه تعالى حكيم متقن في صنعه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة بالغة ونعمة سابقة، فيه تلميح إلى قوله تعالى: ?صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون?.\rوحاصل هذا البيت إثبات كونه تعالى قادراً مختاراً.\rوالمشهور أن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، ومعناه إنه يتمكن من الفعل والترك، أي يصح صدور كل واحد منهما عنه تعالى بحسب الدواعي المختلفة، وهو لا ينافي لزوم الفعل عنه عند خلوص الداعي، ولا يستلزم عدم الفرق بينه وبين الموجب، لأنه الذي يجب عنه الفعل نظراً إلى نفسه بحيث لا يتمكن من الترك أصلاً، ولا يصدق أنه إن شاء ترك كالشمس في الإشراق والنار في الإحراق.","part":1,"page":55},{"id":57,"text":"وأدلة كونه تعالى قادراً مختاراً كثيرة منها ما قاله صاحب المواقف: أنه تعالى قادر مختار، وإلا لزم أحد الأمور الأربعة: إما نفي الحادث بالكلية، أو عدم استناده إلى المؤثر، أو التسلسل، أو تخلف الأثر عن المؤثر الموجب التام.\rوبطلان هذه اللوازم دليل على بطلان الملزوم الذي هو الإيجاب، فثبت نقيضه، وهو كونه تعالى قادراً مختاراً، انتهى.\rقيل: أما بيان الملازمة فلأنه إما أن لا يوجد حادث أصلاً، أو يوجد، فإن لم يوجد فيلزم الأمر الأول، وإن وجد فإما أن لا يستند إلى مؤثر أو يستند، فإن لم يستند فيلزم الأمر الثاني، وإن استند فإما أن لا ينتهي إلى قديم أو ينتهي، فإن لم ينته فيلزم الأمر الثالث وهو التسلسل، وإن انتهى إلى قديم فلا بد من قديم يوجب حادثاً بلا واسطة دفعاً للتسلسل، فيلزم الأمر الرابع وهو تخلف الأثر عن المؤثر الموجب القديم.\rوأما بطلان اللوازم فالأول بالضرورة، والثاني لما تبين من احتياج الممكن إلى المؤثر، والثالث لما ثبت من بطلان التسلسل، والرابع فلاستلزامه قدم الحادث أو حدوث القديم.\rقال الشارح الأبهري: وهذا الدليل برهان بديع لا يحتاج إلى إثبات حدوث العالم، وقد تفرد به صاحب المواقف، كذا قاله الشريف قدس سره.\rومنها ما ذكره التفتازاني في شرح المقاصد: أنه تعالى قادر مختار، لأن اختلاف الأجسام بالأوصاف واختصاص كل بما له من اللون والشكل والطعم والرائحة وغير ذلك لا بد أن يكون لمخصص، لامتناع التخصيص بلا مخصص، فذلك المخصص لا يجوز أن يكون نفس الجسمية أو شيئاً من لوازمها، لكونها مشتركة بين الكل، بل أمراً آخر، فتنقل الكلام إلى اختصاصه بذلك الجسم، فإما أن يتسلسل المخصصات أو ينتهي إلى قادر مختار، والأول باطل، فتعين الثاني وهو المطلوب، انتهى ملخصاً.\rومنها ما ذكره المولى الخيالي حيث قال: وتقريره أنه لو كان الواجب موجباً لزم قدم الحادث أو تخلف المعلول عن علته التامة، وكلاهما باطل، انتهى.","part":1,"page":56},{"id":58,"text":"قيل: إن هذا الاستدلال يتوقف على حدوث ما سوى الله تعالى وصفاته تعالى بخلاف ما ذكره صاحب المواقف كما مرت إليه الإشارة.\rومنها ما ذكره بهاء الدين زادة في شرح الفقه الأكبر من أنه لو كان الواجب موجباً لكان ارتفاع العالم موجب لارتفاعه، لأن ارتفاع المعلول يستلزم ارتفاع العلة، لكن ارتفاع العالم ممكن وارتفاع الواجب ممتنع، فكيف يتصور استلزام الممكن الممتنع، انتهى.\rوهذا القدر من الأدلة يكفي في هذا المقام، والتطويل يفضي إلى الملال في المرام.\rفقول الناظم ينطبق على ما ذكره صاحب المقاصد، ولا ينطبق على ما ذكره الخيالي ولا على ما ذكره بهاء الدين زادة، فتأمل.\rثم اعلم أن قدرته تعالى غير متناهية، أي لا ينتهي إلى حد يمتنع تعلقه وتأثيره بعده في ممكن آخر، فإن الانتهاء بهذا المعنى عجز وقصور لا يليق بشأنه تعالى.\rوأيضاً إنها تعم جميع الممكنات لاستواء نسبة المقتضي والمصحح إلى الكل، فإن المقتضي للقدرة هو الذات، والمصحح لتعلقها هو إمكان المقدورات على الراجح.\rهذا الذي ذكرناه هو مذهب أهل الحق، وخالفهم في ذلك طوائف منهم الثنوية القائلون بأن الله تعالى لا يقدر على خلق الشرور وإلا لكان خيراً وشريراً معاً، ولا على خلق الأجسام المؤذيات، وإنما القادر على ذلك فاعل آخر يسمى أهرمن.\rومنهم النظام وأتباعه القائلون بأنه لا يقدر على خلق القبيح مثل الجهل والكذب والظلم، إذ مع العلم بقبحه سفه، وبدونه جهل يجب تنزيه الله تعالى عنهما.\rومنهم عباد وأتباعه القائلون بأنه تعالى لايقدر على خلق ما علم أنه لا يقع لامتناعه، أو يقع لوجوبه لاستحالة الأول ووجوب الثاني.\rومنهم أبو القاسم البلخي وأتباعه القائلون بأنه لا يقدر على مثل مقدور العبد، لأنه إما طاعة أو معصية أو سفه، وكلها مستحيلة على الله تعالى.\rومنهم الجبائي وأتباعه القائلون بأنه لايقدر على نفس مقدور العبد، كما يرشدك إليه برهان التمانع.","part":1,"page":57},{"id":59,"text":"ومنهم المعتزلة القائلون بنفي قدرة الله تعالى على أفعال العباد.\rومنهم الفلاسفة القائلين بأن الصادر من المبدأ الأول ليس إلا العقل الأول، وباقي أجزاء العالم مستندة إلى الوسائط.\rوأجوبة هذه الأقوال الباطلة مذكورة في المطولات.\rقال التفتازاني في شرح المقاصد: وقد يفسر شمول قدرته تعالى بأن ما سوى الذات والصفات من الموجودات واقع بقدرته وإرادته ابتداء، بحيث لا مؤثر سواه، وهذا هو مذهب أهل الحق من المتكلمين، وقليل ما هم، انتهى.\rالله كثر سوادهم وزين بالتقوى فؤادهم.\rولما فرغ الناظم من دليل كونه تعالى قادراً مختاراً شرع في دليل كونه تعالى عالماً، وجعل الأول مشبهاً والثاني مشبهاً به لقوته في زعمه، فقال:\rكما استدلَّ على علم المؤثر من……إتقان أفعاله أربابُ إيقان\rالكاف اسم بمعنى المثل، وما مصدرية.\rواستدل فعل ماض، وعلى جار مع المجرور متعلق باستدل.\rوالمراد بالمؤثر هو القادر المعبر عنه في البيت السابق بذي صنع وإتقان، ولامه للعهد.\rوهو إشارة إلى أحد وجهي الاستدلال، كما أن قوله من إيقان إشارة إلى الوجه الآخر، وسيأتي بيانهما.\rقوله: أرباب إيقان بالتحتانية، فاعل استدل، والمراد بهم جمهور المتكلمين.\rوبين إتقان وإيقان جناس لاحق.\rووجه الشبه بين الاستدلالين كونهما عقليين، وقول من قال: كونهما إنيين ليس بشيء، ودعوى رجوع الأول إلى الاستدلال بالأثر دعوى بلا دليل كما لا يخفى على ذي فهم جليل.\rوالمراد من الدليل هنا هو دليل أهل المعقول كما لا يخفى على من نظر إلى تصويرات الفحول.\rومعنى البيت: استدل أرباب اليقين وهم المتكلمون على كونه تعالى قادراً بنفي التسلسل، كما أنهم استدلوا على كونه عالماً بإتقان أفعاله.\rوالمشهور في استدلال المتكلمين وجهان: الأول أنه فاعل فعلاً محكماً متقناً، وكل من كان كذلك فهو عالم.","part":1,"page":58},{"id":60,"text":"والثاني: أنه قادر، أي فاعل بالقصد والاختيار لما مر في البيت السابق، ولا يتصور ذلك إلا مع العلم بالمقصود، وكذا في المقاصد.\rقال المولى الخيالي: وتقريره أن أفعاله متقن مشتمل على الصنع الغريب والترتيب العجيب، وكل من كان فعله كذلك فهو عالم.\rأما الصغرى فظاهرة لمن نظر في الآفاق والأنفس وارتباط العلويات بالسفليات، وما أعطي للحيوانات من الأسباب والآلات المناسبة لمصالحها، وما أعطي للنحل والعنكبوت من العلم بما يفعله من البيوت بلا فرجار وآلة.\rوأما الكبرى فضرورية، وقد ينبه عليها بأن من رأى خطوطاً حسنة أو سمع ألفاظاً عذبة تدل على معان دقيقة جزم بأن مصدرها عالم.\rوتوهم كفاية الظن مدفوع بالتكرار والتكثر، على أن التصور ضروري، وهو كاف في المقصود، انتهى.\rهذا خلاصة قول شارح المقاصد، هو الوجه الأول من الاستدلال.\rوأما الوجه الثاني فقد قال أيضاً: الثاني أنه تعالى قادر، أي فاعل بالقصد والاختيار لما مر، ولا يتصور ذلك إلا مع العلم بالمقصود.\rفإن قيل: قد يصدر عن الحيوانات العجم بالقصد والاختيار أفعال متقنة محكمة في ترتيب مساكنها وتدبير معاشها، كما للنحل والعنكبوت وكثير من الوحوش والطيور على ما هو في الكتب مسطور، وفيما بين الناس مشهور، مع أنها ليست من أولي العلم.\rقلنا: لو سلم أن موجد هذه الآثار هو هذه الحيوانات فلم لا يجوز أن يكون فيها من العلم قدر ما يهتدي إلى ذلك بأن يجعلها الله تعالى عالمة بذلك أو يلهمها هذا العلم حين ذلك الفعل.\rثم المحققون من المتكلمين على أن طريقة القدرة والاختيار أوكد وأوثق من طريقة الإتقان والإحكام، لأن عليها سؤالاً صعبا ًوهو أنه لم لا يجوز أن يوجد الباري موجداً يستند إليه تلك الأفعال المتقنة المحكمة، ويكون له العلم والقدرة.","part":1,"page":59},{"id":61,"text":"ودفعه بأن إيجاد مثل ذلك الموجود بإيجاد العلم والقدرة فيه يكون أيضاً فعلاً محكماً، بل أحكم، فكون فاعله عالماً لا يتم إلا ببيان أنه قادر مختار، إذ الإيجاد بالذات من غير قصد لا يدل على العلم، فيرجع طريقة الإتقان إلى طريقة القدرة، مع أنه كاف في إثبات المطلوب.\rوقد يتمسك في كونه عالماً بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة والإجماع، ويرد عليه أن التصديق بإرسال الرسل وإنزال الكتب يتوقف على التصديق بالعلم والقدرة، فيدور.\rوربما يجاب بمنع التوقف، فإنه إذا ثبت صدق الرسل بالمعجزات حصل العلم بكل ما أمروا به، وإن لم يخطر بالبال كون المرسل عالماً.\rوالظاهر أن هذا مكابرة، نعم يتجه ذلك في صفة الكلام على ما صرح به الإمام.\rوقيل: الاستدلال على العلم بالأدلة السمعية غير جائز أصلاً، فإن تصديق الرسل موقوف على علم أن الإله العالم أرسله، فلو توقف العلم عليه لزم الدور.\rوأجيب: بأنه يمكن أن يدعى الرسول أن لي ولكم إلهاً عالماً قادرا ً، أرسلني إليكم لأدعوكم إليه، ومصداقي هذه الآيات، فإذا رأوا منه الآيات صدقوه في رسالته وفي قوله بأن لي ولكم إلهاً عالماً، فيعلمون علم الله تعالى بإخباره من غير دور ومحذور.\rوهذا الجواب أحسن وأظهر من الجواب الذي أجاب به التفتازاني كما مر آنفاً.\rثم اعلم أن علمه تعالى غير متناه، بمعنى لا ينقطع ولا يصير بحيث لا يتعلق بمعلوم آخر، ومحيط بما هو غير متناه كالأعداد والأشكال ونعيم الجنان، وشامل بجميع الموجودات والمعدومات الممكنة والممتنعة، وشامل أيضاً بجميع الكليات والجزئيات، أما سمعاً فلمثل قوله تعالى: ?فالله بكل شيء عليم? ?عالم الغيب والشهادة? إلى غير ذلك.","part":1,"page":60},{"id":62,"text":"وأما عقلاً فلأن المقتضي للعالمية هو الذات، إما بواسطة المعنى الذي هو العلم على ما هو رأي الصفاتية، وهو الحق، أو بدونها على ما هو رأي النفاة وهم المعتزلة، والمقتضي للمعلومية هو إمكانها ونسبة الذات إلى الكل على السوية، فلو اختصت عالميته بالبعض دون البعض لكان ذلك بمخصص وهو محال في حقه تعالى، لامتناع احتياج الواجب في صفاته وسائر كمالاته إلى التخصيص لمنافاته الوجوب والغناء المطلق.\rثم المخالفون في هذا الأصل فرق منهم من قال: يمتنع علمه تعالى بعلمه، ومنهم من قال: لا يعلم ما لا يتناهى، ومنهم من لم يجوز علمه بذاته، ومنهم من لم يجوز علمه تعالى بغيره، وأدلة كل واحدة من هذه الأقوال الباطلة وأجوبتها من طرف أهل الحق مذكورة في المطولات.\rوالمشهور من مذهب الفلاسفة أنه يمتنع علمه تعالى بالجزئيات من حيث كونها جزئيات زمانية يلحقها التغير، لأن تغير المعلوم يستلزم تغير العلم، وذلك يستلزم تغير الذات، وهو على الله تعالى محال في ذاته وصفاته.\rوالتحقيق أنه تعالى يعلمها علماً متعالياً عن الدخول تحت الأزمنة، لتنزهه عن الزمان ذاتاً وصفة، ومثل هذا العلم لا يكون متغيراً، بل يكون ثابتاً أبد الدهر، كالعلم بالكليات، وإلى هذا التحقيق في الجواب عن شبهة الفلاسفة أشار الناظم بقوله:\rوعلمه بالزمانيات قاطبة ………لا يقتضي فيه توقيتاً بأزمان\rقوله: وعلمه مبتدأ، مصدر مضاف إلى فاعله، وهو الضمير الراجع إلى المؤثر المذكور في البيت السابق.\rوالباء في قوله: بالزمانيات صلة العلم، والموصوف محذوف، أي بالمعلومات المنسوبة إلى الزمان نسبة المظروف إلى الظرف.\rومعنى كون الشيء زمانياً أن يكون الزمان ظرفاً لحدوثه ولوجوده المستمر في زمانه المعين.\rوقوله: قاطبة اسم يدل على العموم والشمول للأزمنة الثلاثة: الماضي والحال والاستقبال، ومعناه مجتمعة، وهي حال من الزمانيات، أي حال كون تلك الزمانيات جامعة وشاملة للأزمنة الثلاثة.","part":1,"page":61},{"id":63,"text":"وقوله: لا يقتضي بمعنى لا يستدعي، وفاعله راجع إلى المعلوم الدال عليه المعلومات الدالة عليها الزمانيات، وهو متعلق بقوله: توقيتاً، قدم عليه للضرورة.\rولفظة في بمعنى اللام.\rومعنى التوقيت التحديد والتقييد، أي لا يقتضي ذلك العلم تحديداً وتقييداً له، أي للمعلوم الزماني بزمن من الأزمنة الثلاثة، لأن علمه تعالى منزه عن الأزمنة والأمكنة، لأنه كما أن ذاته مقدس عن الأزمنة والأمكنة لأنه تعالى خالقهما فالله وصفاته غير داخلة تحت حكم الزمان، فإن الداخل تحت حكم الزمان ليس إلا ما هو متغير تغيراً تدريجياً كالحركة أو دفعياً كالكون والفساد، أو ما هو محل للمتغير كالجسم، فإن ما لا يخلو عن التغير فهو يدخل في حكم الزمان لاستلزامه الزمان وعدم وجوده إلا به، فالله سبحانه وتعالى ما وقع في الزمان ولا في ظرفه ولا حل فيه وما وقع في الزمان أو ظرفه، لأن ذاته وصفاته أزلية وخالية عن الحوادث، والزمان حادث، ولا شيء من أجزاء الزمان يكون ظرفاً له أو لصفته، فلا يوصف شيء من الزمان بالنسبة إليه تعالى وإلى صفته بالمضي والاستقبال والحضور.\rوحاصل شبهة الفلاسفة أنهم قالوا: إنه تعالى لا يعلم الجزئيات المتغيرة، لأن العلم بالحالة الأولى إما أن يزول عند العلم بالحالة الثانية، أو يبقى بحاله، والأول يوجب التغير في ذاته تعالى، والثاني يوجب الجهل، وكلاهما نقص يجب تنزهه تعالى عنهما.\rوبعضهم أجاب عن هذه الشبهة بأن التغير في التعلق والإضافة فلا محذور فيه قطعاً.","part":1,"page":62},{"id":64,"text":"وأجاب الناظم عن تلك الشبهة بما أجاب به مشايخ المعتزلة وكثير من محققي الأشاعرة، وحاصل جوابه: أن علمه تعالى لما لم يكن زمانياً، أي داخلاً تحت الزمان ومقيداً به، بل كان متعالياً عنه ومحيطاً بالزمان، كان مستمراً على حالة واحدة غير متغير بتغير المعلوم كالعلم بالكليات، فلا ينسب إليه الزمان بالمضي والحال والاستقبال، فالموجودات كلها من الأزل إلى الأبد معلومة له تعالى بأوقاتها، وليس في علمه تعالى كان وكائن وسيكون.\rوإلى هذا الجواب ذهب إمامنا الأعظم في الفقه الأكبر حيث قال: ويعلم الله القائم في حال قيامه قائماً، فإذا قعد علمه قاعداً في حال قعوده من غير أن يتغير علمه أو يحدث له علم، ولكن التغير واختلاف الأحوال يحدث في المخلوقين، انتهى.\rولما كانت الإرادة مرادفة للرضاء عند المعتزلة، ولذلك قالوا: إن الكفر ليس مراداً لله تعالى، لأنه لا يرضى الكفر لعباده أشار الناظم المحقق إلى رد قولهم بقوله:\rوليس يخرج شيء عن إرادته……لكنه قط لا يرضى بكفران\rالواو لعطف مسألة على مسألة، واسم ليس ضمير راجع إلى الله المعبر عنه بلفظ المؤثر في البيت السابق، وكذا الضمائر اللاحقة.\rوجملة يخرج شيء خبره.\rولفظ شيء يشمل الخير والشر والكفر والإيمان.\rوعن إرادته صلة يخرج، وضمير إرادته راجع إلى اسم ليس، لأنه مبتدأ في المعنى.\rوقول الشارح العالي: فاعل يخرج ضمير مستتر راجع إلى شيء مؤخر لتقدمه رتبة، لأنه اسم ليس، وتقديم الأخبار على الأسماء جائز في باب كان، وإن لم يجوز ابن درستويه في ليس خاصة) غلط فاحش لا يليق للعاقل فضلاً عن الفاضل.\rقوله: لكنه استدراك عن الكلام السابق، إذ هو في المعنى مثبت فلا يرد النقض على معنى الاستدراك.\rوهذا البيت نظير قول الناظم في بدأ الأمالي:\rمريد الخير والشر القبيح ……ولكن ليس يرضى بالمحال","part":1,"page":63},{"id":65,"text":"قوله: قط ظرف زمان عامله لا يرضى، هو مبني على الضم، وعامله لا يكون إلا ماضياً منفياً، تقول: ما رأيته قط، أي ما رأيته في جميع الأزمنة الماضية، وقد يستعمل في الإثبات نحو: كنت أراه قط، أي دائماً، واستعماله في المستقبل لحن، واستعمال الناظم هنا في المستقبل كان نظراً إلى أن أفعاله تعالى لا يتصف بالمضي والاستقبال، والكل سواء في أفعاله تعالى.\rخذ هذا البيان فإنه مقبول عند الأعيان، ومن زعم أن استعماله هنا شاذ، ثم قال: وفي البيت شذوذ آخر وهو تقديم التأكيد على المؤكد، ولا يرتكب أمثاله إلا لضرورة الوزن - فقد خرج عن الوزن والاعتدال، ودخل في الخبط والضلال، إذ ليس هنا شاذ أول ولا شذوذ آخر، ولا تأكيد ولا مؤكد.\rوالباء في قوله: بكفران متعلق بقوله: لا يرضى.\rوالمراد بالكفران هنا جحود النعمة، وهو شامل لكفر الذي هو ضد الإيمان والخروج عن الطاعة إلى العصيان، [و] لو قال: لا يرضى بعصيان لكان شموله أظهر، لكن فيه تلميح إلى قوله تعالى: ?ولا يرضى لعباده الكفر?.\rفمذهب أهل الحق أن كل ما أراده الله فهو كائن، وإن كل ما هو كائن فهو مراد له وإن لم يكن مرضياً ولا مأموراً به، بل منهياً.\rوهذا منصوص في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ?وما تشاءون إلا أن يشاء الله? وفي الحديث: ?ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن?.\rوأيضاً مذهب أهل الحق أن الرضا أخص من الإرادة، لكونه عبارة عن الإرادة مع ترك الاعتراض.\rوخالفت المعتزلة في الأصلين الأولين، أعني أن كل ما أراد الله فهو كائن وإن كل ما هو كائن فهو مراده ذهاباً إلى أنه يريد من الكفار والعصاة الإيمان والطاعة، ولا يقع مراده ويقع منهم الكفر والمعاصي ولا يريدهما، وكذا جميع ما يقع في العالم من الشرور والقبائح.\rوأيضاً خالفوا في الأصل الثالث حيث قالوا بتلازم الإرادة والرضاء.\rوهذا البيت إشارة إلى إثبات مذهب أهل الحق كثرهم الله، ورد قول أهل الاعتزال خذلهم الله.","part":1,"page":64},{"id":66,"text":"قال المولى الخيالي: اتفق أهل الحق على أن إرادة الله تعالى تتعلق بما كان ولا تتعلق بما لم يكن، على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وانعقد عليه إجماع السلف والخلف.\rثم اختلفوا فمنهم من اكتفى بذلك القدر أي بذلك القدر من القول، وهو أن يقال: إن جميع الكائنات مرادة لله تعالى، وامتنع عن القول بأنه مريد الكفر أو الفسق لإيهامه بكون الكفر والفسق مأموراً به، ولرعاية الأدب معه سبحانه وتعالى.\rوجوزه بعضهم لاندفاع ذلك بقرينة حالية أو مقالية.\rوقالت المعتزلة: إرادة الله لا تتعلق إلا بالخيرات وإن لم تقع.\rواحتجوا عليه بوجوه: الأول أن الأمر بالإيمان مع إرادة نقيضه مما يعد سفهاً عن العقلاء.\rوالجواب المنع، وإنما يكون سفهاً أن لو انحصر المقصود في تحصيل المأمور به، وليس كذلك، كما إذا اختبر المولى بعبده واعتذر بعصيانه، فإنه يأمره بما لا يريده.\rوما يقال من أن الموجود هناك إنما هو صورة الأمر لا حقيقته، فإن العاقل لا يطلب ما يؤدي إلى هلاكه وخلاف مقصوده، فمردود بأنه قد يطلب ذلك إذا علم أنه لا يحصل وفيه فائدة، بخلاف الإرادة فإنها لا تتعلق بذلك أصلاً كما يشهد به الوجدان.\rوالثاني: أنه لو كان الكفر مراداً لكان بقضائه، فيجب الرضاء به، لأن الرضاء بالقضاء واجب، واللازم باطل، لأن الرضاء بالكفر كفر.\rوالجواب أن للكفر نسبتين: نسبة إليه تعالى، باعتبار خالقيته، ونسبة إلى العبد باعتبار كاسبيته، فوجوب الرضاء باعتبار النسبة الأولى لا يستلزم الرضاء باعتبار الثانية التي هي مناط الإنكار.\rوالثالث: لو كان الكفر مثلاً مراداً لكان التكليف بالإيمان تكليفاً بما لا يطاق، لما أن خلاف مراده تعالى ممتنع عندكم.\rوالجواب: أن التكليف بمثل ذلك جائز، وإنما الذي لا يقع هو التكليف بما لا يكون متعلقاً للقدرة الكاسبة لاستحالته عقلاً أو عادة، كالجمع بين النقيضين والطيران في الهواء.","part":1,"page":65},{"id":67,"text":"وفي قوله: لكنه قط لا يرضى بكفران، رد لما قالوا أن الإرادة هو الرضاء، والكفر ليس بمرضي لقوله تعالى: ?ولا يرضى لعباده الكفر? فلا يكون مراداً.\rوتوجيه الرد أن الرضاء أخص من الإرادة لكونه عبارة عن الإرادة مع ترك الاعتراض، فلا يلزم من انتفائه انتفاؤها، انتهى.\rوحاصل الكلام في تحصيل هذا المرام أن الحسن من أفعال العباد برضاء الله وإرادته وقضائه، والقبيح منها ليس برضائه، بل بإرادته وقضائه لقوله تعالى: ?ولا يرضى لعباده الكفر? فالإرادة والمشيئة تتعلق بالكل والأمر الشرعي لا يتعلق إلا بالحسن دون القبيح، كذا قالوا.\rولما استدل المعتزلة على أن الكفر لا يقع بإرادة الله تعالى بأنه لو كان كذلك لكان الاتيان به موافقة لمراد الله تعالى، فيكون طاعة يثاب به، وأنه باطل بالضرورة، أشار الناظم المحقق إلى الجواب عنهم، فقال:\rليس الإرادة أمراً وابتغاء بل…وصفٌ يخصص مقدوراً برجحان\rذكّر لفظ ليس بناء على أن تأنيث الإرادة غير حقيقي، فيجوز تذكير عامله إذا أسند إلى الظاهر.\rقال النحاس النحوي في إعراب القرآن في سورة الروم، ناقلاً عن المبرد: ولا يمتنع تذكير كل مؤنث غير حقيقي، نحو أعجبتني الدار وما أشبهه، انتهى.\rأو على أن الإرادة مصدر في الأصل، فيجوز تذكير عامله، أو على أن كلمة ليس من الأفعال الغير المتصرفة، على أن الضرورة أحوجت إليه.\rوالأمر واحد الأوامر، لا الأمور، ويشير إليه قوله: وابتغاء، ويندفع به سؤال التكرار، فتأمل.\rوهو طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء، وقيل: قول القائل لمن دونه: افعل.\rثم اعلم أن الأمر على قسمين: أمر تكويني، وأمر تشريعي.\rففي الأول وجود المأمور به لازم، كما قال الله تعالى: ?إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون?، وأما في الثاني فالمأمور به قد يتخلف من الأمر في بعض المواضع، كإيمان أبي وكالصلاة بالنسبة إلى تارك الصلاة.\rوالمراد به هنا الثاني إذ هو المتنازع فيه.","part":1,"page":66},{"id":68,"text":"ويتزن البيت بتحريك تنوين ابتغاء بالكسرة، فتكون العروض مخبونة والضرب مقطوعاً، ويجوز أن يكون عروض البيت مصرعة، فحينئذ لا حاجة إلى تحريك التنوين، كما لا يخفى على أهل العروض.\rوقوله: بل للإضراب، وهو جعل الأول كالمسكوت عنه موجباً أو غير موجب، وما بعدها في الموجب موجب بالاتفاق، وفي غير الموجب اختلاف، قيل: موجب وقيل: منفي، والأول راجح كما أشار إليه ابن هشام في شرح الشذور، وهنا موجب ولذلك رفع وصف على أنه معطوف على محل خبر ليس لانتقاض النفي بها، ويحتمل أن يكون وصف خبر مبتدأ محذوف، أي بل هي وصف، فيكون من قبيل عطف الجملة على الجملة.\rوالمراد بالوصف الصفة، إذ قد يطلق الوصف عليها.\rوجملة يخصص صفة وصف، وإسناد التخصيص إلى الوصف المذكور حقيقة عرفية.\rوقول من قال إنه من قبيل الإسناد إلى السبب والمخصص حقيقة هو الفاعل بسبب وصف الإرادة ليس بشيء.\rقوله: مقدوراً مفعول، أي يخصص كل مقدور، إذ النكرة قد يعم في الإثبات كما في قوله تعالى: ?علمت نفس ما أحضرت?.\rوالباء في قوله: برجحان متعلق بـ (يخصص).\rوالمعنى بل الإرادة وصف يخصص ويميز كل مقدورات بالرجحان والوقوع، فالباء داخل على المقصور كما لا يخفى على أهل الحضور.\rوحاصل جواب المحقق عن استدلال المعتزلة منع كون الاتيان بالكفر طاعة، كيف والطاعة موافقة الأمر لا موافقة الإرادة كما زعمت المعتزلة، إذ هي قد يكون طاعة وقد يكون معصية، وأما موافقة الأمر فهي طاعة لا محالة، فالأمر غير الإرادة ولا يستلزمها أيضاً كما مر في صورة الاختيار والاعتذار، ولهذا يقال: فلان مطاع الأمر، ولا يقال: مطاع الإرادة.\rثم قوله: بل وصف يخصص..إلخ إضراب عن الحكم الأول، وإشارة إلى ما اعتمد عليه الأصحاب في رد قول المعتزلة حيث قالوا: إن إرادة الله تعالى لا تتعلق إلا بالخيرات.","part":1,"page":67},{"id":69,"text":"وتقرير الرد أن جميع الممكنات مقدورة لله تعالى ولا بد في اختصاص بعضها بالوقوع في أوقاتها المعينة من مخصص، وهي الإرادة، على أنه سيأتي من الناظم أنه تعالى خالق أفعال العباد كلها من غير إكراه وهو لا يتصور بدون الإرادة، لأن الترجيح والتخصيص في أحد المقدورين إنما يكون بالإرادة، فإذا تتعلق إرادته تعالى بكل ما كان من الخير والشر والكفر والإيمان، وأما إن إرادته لا تتعلق بما لا يكون فلأنه تعالى علم بعدم وقوعه، فلو تعلقت به فإما أن يقع فيلزم انقلاب علمه تعالى جهلاً، أو لا يقع فيلزم عجزه وقصوره عن تحصيل مراده تعالى عن ذلك كله علواً كبيراً، كذلك قاله المولى الخيالي.\rفائدة:\rمذهب أهل الحق أن بين الأمر والإرادة عموماً وخصوصاً من وجه، يجتمعان وينفردان، فإيمان أبي بكر رضي الله عنه مثلاً مراد مأمور به، وكفر أبي لهب مثلاً مراد غير مأمور به، وإيمانه مأمور به غير مراد له تعالى.\rثم اعلم أن الخلاف في معنى إرادته تعالى كثير، والقول في تفصيله شهير مع اتفاق المتكلمين والحكماء وجميع الفرق على القول بأنه تعالى لكل الممكنات مريد، كما أنه في إيجادها وخلقها فريد، فعند الجبائية هي صفة زائدة قائمة بنفسها لا بمحل، وعند الكرامية صفة قائمة حادثة بالذات، وعند ضرار نفس الذات، وعند النجار هي كون الفاعل ليس بمكره ولا ساه، وعند الكعبي إرادته لفعله علمه ولفعل غيره أمره به، وعند محققي المعتزلة هي العلم بما في الفعل من المصلحة، وعند الحكماء والفلاسفة هي العلم بالنظام الأكمل.","part":1,"page":68},{"id":70,"text":"والحق كما قال السعد إنها صفة شأنها التخصيص، قديمة زائدة على الذات، قائمة به على ما هو شأن سائر الصفات الحقيقة، لأن تخصيص بعض الأضداد بالوقوع دون البعض وفي بعض الأوقات دون البعض مع استواء نسبة الذات إلى الكل لا بد أن يكون لصفة شأنها التخصيص لامتناع التخصيص بلا مخصص وامتناع احتياج الواجب في فاعليته إلى أمر منفصل، وتلك الصفة هي المسماة بالإرادة، وهو معنى واضح عند العقل مغاير للعلم والقدرة وسائر الصفات.\rوينبه على مغايرتها للقدرة أن نسبة القدرة إلى الطرفين على السواء بخلافها، وللعلم أن مطلق العلم نسبته إلى الكل سواء، والعمل بما في الفعل من مصلحة أو بأنه سيوجد في وقت كذا سابق على الإرادة، والعلم بوقوعه تابع للوقوع المتأخر عنها.\rوإنما قلنا: ينبه، لأن السعد قال: الحق أن مغايرة الحالة التي نسميها بالإرادة للعلم والقدرة وسائر الصفات ضرورية، كذا قاله اللقاني.\rولما بين الناظم حقيقة الإرادة في المصراع الثاني بأنها صفة من شأنها تخصيص المقدورات بالرجحان والوقوع في أوقاتها المعينة من غير توقف في ذلك على شيء آخر بل يكفي مجرد تعلق الإرادة مرجحاً للفعل من غير لزوم باعث آخر كما زعمه قوم، أشار إلى دليل هذا المدعى بالتمثيل على سبيل التنبيه والتنوير، فقال:\rيجوز ترجيح ما ينفى ترجحه…كفي إناءين من ماء لعطشان\rقوله: ترجيح فاعل يجوز، وهو مضاف إلى ما الموصولة.\rوينفى بصيغة المجهول صلة ما.\rوأراد بما ينفى ترجحه ما يساوي طرفاه، إما بالنظر إلى ذاته كالممكن، فإنه يساوي وجوده وعدمه، وإما بالنظر إلى وصف القدرة والعلم فإن متعلقها بالنظر إليهما يساوي وجوده وعدمه، وإنما الترجح بصفة الإرادة كما مر مراراً، وصفة الإرادة هي المرجحة، فالترجيح بلا مرجح من الفاعل المختار جائز عند المتكلمين، وأما الترجح بلا مرجح فغير جائز بالاتفاق، فأوردوا للأول مثالين مشهورين:","part":1,"page":69},{"id":71,"text":"أحدهما ترجيح العطشان أحد الإنائئين المتساويين من كل الوجوه، والثاني ترجيح الهارب من سبع ونحوه أحد الطريقين المتساويين في التأدية إلى مطلوبه الذي هو النجاة.\rفالناظم رحمه الله اكتفى بواحد منهما فقال: كفى إناءين من ماء لعطشان، أي ترجيح الإرادة من الفاعل المختار كترجيح حاصل لعطشان أحد الإناءين المملوءين من الماء، وليس هذا من ترجيح الممكن في حد ذاته من غير مرجح، كما يشهد به الذوق السليم ويحكم بذلك بداهة العقل.\rوبالجملة الفرق بين الموجب والمختار ضرورية، وما ذكروه من المثالين تنبيه على ذلك.\rقال المولى الخيالي: هذا البيت تثبيت لما سبق من كون الإرادة صفة مخصصة للمقدورات بالرجحان والوقوع في أوقاتها المعينة، وفيه إشارة أيضاً إلى الرد على من زعم أن الإرادة عبارة عن العلم بالنفع أو ميل تابع له، وأنه ترجيح أحد المتساويين على الآخر بدون ذلك، وذلك أن العطشان إذا ظهر له إناءان مملوءان من ماء واحد فإنه يختار أحدهما بمجرد إرادته من غير توقف في ذلك على اعتقاد النفع، وكذا الهارب من السبع إذا ظهر له طريقان متساويان في التأدية إلى مطلوبه الذي هو النجاة فإنه يختار أحدهما بمجرد إرادته من غير داع يدعوه إلى ذلك من اعتقاد النفع أو ميل تابع له، انتهى.\rقوله: من ماء، متعلق بمحذوف هو صفة للإناءين، ولام لعطشان متعلق بترجيح القدر كما صورناه.\rوجر عطشان للضرورة.\rولما فرغ الناظم رحمه الله من الصفات الذاتية المتفق عليها بين الماتريدية والأشعرية أراد أن يشير إلى الصفة الفعلية التي هي التكوين وهو المختلف فيها بينهما، فقال:\rتكوينه أزلي لا مكان له…… …لكن مكوَّنه في الوقت والآن…\rالتكوين مصدر بمعنى الإيجاد والإحداث.\rوضميره راجع إلى الله تعالى.\rوالأزلي منسوب إلى الأزل، وهو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، كما أن الأبد استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل.","part":1,"page":70},{"id":72,"text":"والأزلي ما لا يكون مسبوقاً بالعدم، والأبدي ما لا يكون منعدماً، وقيل: هو الذي لا آخر له.\rقيل: الوجود على ثلاثة أقسام لا رابع لها، فإنه إما أزلي وأبدي وهو الله وصفاته، أو لا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا، أو أبدي غير أزلي وهو الآخرة، وعكسه محال ؛ فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.\rفتكوينه تعالى أزلي وأبدي كما قاله الإمام الطحاوي.\rوأما تخصيص الناظم أزليته فللرد على زعم حدوث التكوين.\rقوله: لا زمان له، تأكيد للحكم الأول.\rوقوله: لكن مكونه استدراك عن الحكم السابق.\rوالمكون بفتح الواو الموجود والمخلوق.\rوالوقت قطعة من الزمان.\rوفي القاموس: الوقت المقدار من الدهر، وأكثر ما يستعمل في الماضي، انتهى.\rوالآن والوقت الذي أنت فيه ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف، لأنه ليس له ما يشركه، كذا في القاموس.\rوقال ابن هشام في شرح الشذور: والآن اسم لزمن حضر جميعه أو بعضه، فالأول نحو قوله تعالى: ?الآن جئت بالحق? وفي هذه الآية حذف صفة، أي بالحق الواضح والولان(1) المعنى على هذا لكفروا بمفهوم هذه المقالة.\rوالثاني نحو قوله تعالى: ?فمن يستمع الآن? الآية، انتهى.\rوالآن هنا محمول على المعنى الثاني، إذ وجود الممكن إما تدريجي فيكون في الوقت والزمان، أو دفعي فيكون في الآن.\rقال المولى الخيالي: ذهب الشيخ أبو منصور الماتريدي ومن تبعه إلى أن التكوين صفة حقيقية أزلية زائدة على السبع المشهورة، وذهب الأشعري إلى أنه من قبيل الإضافات التي لا تحقق لها في الخارج، وظاهر كلام المحقق يدل على أن المختار عنده هو الأول لوجوه:\rالأول: أنه تعالى مكون الأشياء وهو لا يتصور بدون التكوين، ولا بد أن يكون أزلية لاستحالة قيام الحوادث بذاته تعالى.\rورد بأن مبناه على كونه صفة حقيقية، وهو ممنوع.\r__________\r(1) كذا في الأصل ولم أتبين الصواب، جلال .","part":1,"page":71},{"id":73,"text":"والثاني: أنه تعالى تمدح في كلامه الأزلي بأنه الخالق الباري، فلو لم يكن أزلياً لكان ذلك تمدحاً بما ليس فيه.\rورد بأنه كالتمدح بقوله: ?يسبح له ما في السموات والأرض?، ولا شك أنه إنما يكون فيما لا يزال.\rوالثالث: أنهم قالوا: إن العادة الإلهية جارية في إيجاد الأشياء بكلمة أزلية هي كلمة كن، ولا نعني بالتكوين إلا هذا.\rورد بأنه يرجع إلى الكلام على أنه عند الأكثرين مجاز عن سرعة الإيجاد.\rوقوله: لكن مكونه، بفتح الواو، اسم مفعول، فإنه إن كان متغيراً على سبيل التدريج يكون وجوده في الوقت والزمان، وإلا ففي الآن، وأما التكوين فلما لم يكن متغيراً أصلاً لم يتصور دخوله تحت الزمان والآن قطعاً.\rوفيه إشارة إلى رد ما اشتهر من مذهب الأشعري من أن التكوين عين المكون، وذلك أن التكوين أزلي لا زمان له، بخلاف المكون فإنه واقع فيه، فكيف يكون عينه ؟\rوأيضاً لو كان التكوين نفس المكون لزم أن يكون المكون مكوناً بنفسه، وفيه استغناء عن الصانع، ومنهم من قال: إنه أراد بالتكوين هناك المكون كالخلق يطلق ويراد به المخلوقات، فعلى هذا يصير النزاع لفظياً، انتهى.","part":1,"page":72},{"id":74,"text":"وقال بهاء الدين زادة في شرح الفقه الأكبر: إن التكوين أثبته الشيخ أبو منصور الماتريدي وأتباعه، ونقلوا إثباته عن القدماء الذين كانوا قبل الشيخ الأشعري، وقال بعض الفضلاء: إن الشيخ أبا منصور الماتريدي أخذ كون التكوين غير المكون من كلام إمامنا الأعظم والهمام الأقدم في الفقه الأكبر حيث قال: وقد كان الله تعالى خالقاً في الأزل ولم يخلق الخلق، وكلا الإمامين أعني الشيخ أبا منصور والشيخ الأشعري وإن كانا من أعلام الهدى إلا أن الشيخ أبا منصور لكونه متأخراً بزمان عن الأشعري كان الحق معه فيما خالفه فيه، إذ لم يخالفه إلا بما رأي فيه قبحاً ومخالفة للحق عن علم ويقين لا عن عناد وتعصب أو ظن وتخمين، فإنهم أئمة الأمة اختارهم الله تعالى لعباده الطالبين للحق، فحاشاهم عن السلوك إلى مسالك السفهاء ممن يعد نفسه من العلماء وأرباب اليقين، انتهى.\rولما أثبت الناظم رحمه الله صفة التكوين المختلف فيها عاد إلى إثبات صفة الكلام فقال:\rكلامنا صفة نفسية فبها …نمتاز عن أخرس أو عجم حيوان\rوكان المناسب تقديم إثبات الكلام على التكوين، ليكون بيان الصفات المتفق عليها على وتيرة واحدة، إلا أنه أورد التكوين عقيب الإرادة لمناسبة خفية، وهي أن الترجيح يقتضي التكوين.\rقوله: كلامنا، صفة مبتدأ وخبر أي بعض كلامنا صفة قائمة فينا.\rقوله: نفسية، أي منسوبة إلى نفوسنا مضمرة في قولبنا، قال عمر رضي الله عنه يوم السقيفة: زوَّرت في نفسي مقالة أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه.\rوقال الأخطل:\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما ……جعل اللسان على الفؤاد دليلاً\rوالكلام النفسي هو المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالألفاظ التي تسمى بالكلام الحسي لا الملكة على التكلم كما توهم.","part":1,"page":73},{"id":75,"text":"والفاء في قوله: فبها، فا الفصيحة، والباء سببية، أي إذا كان كذلك فبسبب هذه الصفة يمتاز صنفنا عن صنف الأخرس، وهو الذي منع عن الكلام اللفظي خلقة، وفيه نظر، لأن امتيازنا عن الأخرس إنما يكون بالكلام اللفظي لا بالنفسي، إذ الكلام النفسي على ما مر هو المعنى القائم في النفس،وهو موجود في الأخرس، كيف لا وهو يفيد ما في ضميره من المعنى بإشارته المعهودة أو بكتابته المقصودة، اللهم إلا أن يرجع ضمير بها إلى الكلام مطلقاً نفسياً كان أو لفظياً على طريق الاستخدام،ويكون تأنيث الضمير باعتبار المقالة.\rوكلمة أو بمعنى الواو، والعجم بضم العين وسكون الجيم جمع أعجم، كحمر وأحمر، وهو الذي لا يقدر على الكلام أصلاً لا لفظياً ولا نفسياً.\rوإضافة عجم بمعنى من، أي عجم من الحيوان.\rويفهم من كلام الخيالي هنا أنه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، وفيه شيء، فتأمل.\rويحتمل أن يكون المعنى بعض كلامنا صفة نفسية، وبعضه حسية، فبها أي فبسبب صفة الكلام مطلقاً نمتاز علن الأخرس، إذ ليس له كلام لفظي، وإن كان له كلام نفسي، ونمتاز أيضاً عن الحيوانات العجم لانتفائهما عنها، فيكون من قبيل حذف المعطوف وهو شائع كثير في كلام البلغاء، خصوصاً في قصائد الأدباء.\rوالحاصل أن الكلام الذي يتصف به الحادث على ضربين: نفسي ولفظي، فالنفسي ليس مركباً من الحروف والأصوات وإن حصل له تبدلات وتغيرات بالتقدم والتأخر وسائر الحالات، واللفظي مركب من الحروف والأصوات، وكلا الضربين موجود في نوع الإنسان مفقود في العجم من الحيوان، والأول موجود في صنف الأخرس من الإنسان.\rوالمعتزلة حصروا الكلام في نوع واحد، وهو المركب من الحروف والأصوات، وأنكروا الكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، فرد الناظم قولهم بهذا البيت.","part":1,"page":74},{"id":76,"text":"ومقصوده بذكر الكلام النفسي في الشاهد هنا النقض على المعتزلة في حصرهم الكلام في المركب من الحروف والأصوات، لا قياس الغائب على الشاهد، كأنه قال لهم: ينتقض حصركم ذلك بكلامنا النفسي، فإنه كلام حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وإذا صح ذلك منا فكلامه تعالى أيضاً ليس بحروف ولا صوت، يعني الاشتراك بينهما ليس إلا في هذه الصفة السلبية، وهي أن كلام مولانا عز وجل ليس بحرف ولا صوت، كما أن كلامنا النفسي ليس بحرف ولا صوت.\rأما حقيقة كلامه تعالى فمباينة لحقيقة كلامنا مباينة كلية، فاعرف هذا فقد زالت هنا أقدام الأقوام من الذين لم يؤيدوا بنور من الملك العلام، كذا قاله في الدرة الفاخرة، هذا هو البيان الشافي لدفع الإشكال، والعلم عند الله الكبير المتعال.\rوقال المولى الخيالي: يريد أن كلامنا حقيقة صفة نفسية، وأما الحسية فإنما تسمى كلاماً مجازاً، تسمية للدال باسم المدلول على ما أشار إليه الأخطل في قوله:\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما …جعل اللسان على الفؤاد دليلاً\rوتقديم الظرف، أعني قوله: فيها، للحصر، أي امتيازنا عن الحيوانات العجم لا يكون إلا بالنطق الباطني، وأما اللفظي فربما يصدر عنها أيضاً، هذا ويحتمل أن يكون مراده أن كلامنا كما يكون حسية كذلك يكون نفسية بما نمتاز عن الأخرس والحيوانات العجم، فالقصر على الأول قصور، ولا تكن من القاصرين، انتهى.\rأقول: مراد الخيالي أن الكلام الحاصل منا على قسمين: صفة نفسية وصفة حسية، فإطلاقه على الأول حقيقة، وعلى الثانية مجاز، تسمية للدال باسم المدلول على ما أشار إليه الأخطل، فالمعتبر هو الحقيقة، وبها فقط نمتاز عن الحيوانات العجم، وأما اللفظي فربما يصدر عنها كما يصدر عنا، فلا نمتاز به عنها، وأما امتيازنا عن الأخرس فلا يحصل إلا بالكلام المجازي.","part":1,"page":75},{"id":77,"text":"فعلى هذه البيان يكون في عبارة الناظم قصوراً، ويحتمل أن يكون مراد الناظم أن كلامنا كما يكون حسية كذلك يكون نفسية، فبها أي بصفة الكلام مطلقاً نمتاز عن الأخرس والحيوانات العجم، ففي القصر على البيان الأول قصور، هو عدم شمول الامتياز عن الأخرس، فلا تكن أيها الطالب للحق من القاصرين، فتكون من الخاسرين.\rويمكن أن يقال: إن مراد الناظم رحمه الله من الكلام النفسي هو مبدأ الكلام، وذلك مفقود عن الأخرس بلا نزاع، ولا كلام كما صرح به بعض الأفاضل في تحرير هذا المقام، فعلى هذا لا حاجة إلى الحذف والاستخدام، والعلم عند الله العليم العلام.\rفائدة:\rاعلم أن العلماء اختلفوا، فمنهم من جعل كلام الله تعالى حقيقة في المعنى القديم، مجازاً في النظم المؤلف الكريم، ومنهم من جعله مشتركاً بينهما لا ينصرف لأحدهما إلا بقرينة أو بغلبة استعمال.\rورد الأول بوجوه، وصوب الثاني، ووجوه الرد والتصويب مذكور في الشرح الجوهرة.\rثم إن المعتزلة لما حصروا الكلام في نوع واحد وقالوا: ليس وراء الكلام الحسي معنى قائم بالمتكلم إلا العلم في الخبر والإرادة في الأمر، فلا يكون الكلام صفة مغايرة لهما، أشار الناظم إلى جواب ذلك بعد نقض حصرهم فيما هنالك بقوله:\rفليس علماً بشيء أو إرادته ……لفرقها بافتراق ضد وجدان\rالفاء جواب لشرط محذوف، تقديره: إذا علمت الحكم السابق فاعلم أن كلامنا النفسي ليس علماً من علومنا، تصورياً كان أو تصديقياً، ولا إرادة من أرادتنا، خيراً أو شراً.\rواسم ليس ضمير راجع إلى الكلام النفسي، وعلماً خبره، وبشيء متعلق بقوله: علماً.\rوأو بمعنى الواو، وإرادته عطف على علماً، والضمير راجع إلى شيء، واللام في قوله: لفرقها علة النفي، وهذا الضمير راجع إلى الكلام باعتبار كونه صفة أو باعتبار المقالة، إذ الكلام النفسي يعبر عنه بالمقالة.","part":1,"page":76},{"id":78,"text":"وقول الشارح العالي: ويحتمل أن يرجع إلى الثلاثة والإضافة للعموم، أي لفرق كل منهما عن الآخرين، وأما إرجاعه إلى الإرادة وإن كان قريباً فبعيد معنى كما لا يخفى، فلو كان لفرقة لكان أظهر، انتهى، غلط فاحش من وجوه:\rأما أولاً فلأن إرجاع الضمير إلى مجموع الثلاثة يقتضي أن يكون هنا أمراً رباعاً، حتى يفرق مجموع هذه الثلاثة عنه.\rوثانياً أن لفظ كل موضوع لمعنى الانفراد كما قرر في الأصول، وأيضاً إنه لا ينفك عن الإضافة لفظاً أو تقديراً، فيصير معنى قوله: أي لفرق كل منها لفرق كل واحد منها، فحينئذ يرجع الضمير إلى الواحدة من الثلاثة لا إلى الثلاثة، فيكون مناقضاً في كلامه.\rوثالثاً إن إرجاع الضمير إلى الإرادة فقط لا يحتمل أصلاً، فضلاً عن بعده.\rورابعاً إن قوله لكان أظهر غلط أيضاً، إذ لا يستقيم الوزن حينئذ إلا بإشباع الهاء، وهو تكلف في النظم، فكيف يكون أظهر، فتأمل.\rولفظ الفرق مصدر فرق بين الشيئين فرقاً وفرقاناً، من باب نصر، مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، أي لفرقنا إياها عن العلم والإرادة.\rوالباء في قوله: بافتراق يتعلق بالمصدر.\rوالافتراق بمعنى الفرق، وتنوينه للتعظيم، أي بفرق عظيم.\rوالوجدان هو العلم الحاصل بالحواس الباطنة، وإنما سمي وجداناً لجوده في الباطن.\rوحاصل هذا البيت أن الوجدان يشهد بمغايرة كلام الله النفسي لعلمه وإرادته تعالى، كما يشهد بمغايرة كلامنا النفسي، لعلمنا وإرادتنا، لمفارقته عنهما فيمن يخبر عما يعلم خلافه ويأمر لمن يريد عدم إطاعته وإظهار عصيانه، فهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى، مغايرة للعلم والإرادة وسائر الصفات، هذا كلامهم.","part":1,"page":77},{"id":79,"text":"وقال المولى الخيالي: استدل القوم على كونه مغايراً للعلم بأن الرجل قد يخبر عما لا يعلمه، بل يعلم خلافه، وفيه أن الموجود هناك صورة الخبر لا حقيقته، وأن الله تعالى لا يخبر إلا عن علم، فلا يصح القياس، وعلى كونه مغايراً للإرادة بأن الرجل قد يأمر لعبده عند امتحانه أو اعتذاره بعصيانه بما لا يريده كما مر، وفيه ما فيه.\rولما كان حال المستدلين ما ترى أحال المحقق التفرقة بينهما على الوجدان، فإنه يشهد بمغايرته للعلم والإرادة، ونحن نقول: أما مغايرته للإرادة فلأنها الصفة المخصصة المرجحة، والكلام لا يصلح لذلك، وأما مغايرة للعلم فظاهر إذا كان العلم إضافة بين العالم والمعلوم لتغاير النسبة لكل واحد من المنتسبين، أو صفة ذات إضافة مغايرة للصورة الذهنية، وأما إذا كان عبارة عنها كما ذهب إليه الفلاسفة فهما متحدان ليس إلا، كما يشعر به تقسيمهم النطق إلى الظاهري والباطني، أعنى إدراك الكليات والإدراك مطلقاً، فقد ظهر أن النزاع في أنه العلم أو غيره لفظي نشأ من عدم تحرير محل النزاع، انتهى.\rولما كان من جملة شبهة المعتزلة أنهم يقولون: إنكم معترفون باختلاف لغات الكتب السماوية وكثرتها وتعترفون أيضاً امتناع التغير والتكثر، فمما يقوم بذاته تعالى ولا شك أن ذلك الاختلاف والكثرة يقتضي الاختلاف والكثرة في صفة الله تعالى، أجاب الناظم رحمه الله عن هذه الشبهة بقوله:\rلا يقتضي خلقَ نفسي وكثرتَه……خلقُ اللغات كإنجيل وقرآن\rقوله: خلق نفسي تركيب إضافي منصوب على أنه مفعول لا يقتضي، قدم على الفاعل وهو قوله: خلق اللغات لأجل الضرورة.\rقوله: وكثرته بالنصب عطف على المضاف، وضميره راجع إلى المضاف إليه.\rولفظ الخلق في الموضعين مصدر مبني للمفعول، ولفظ الكثرة المضافة إلى ضمير اللغات محذوف بقرينة السابق، أي خلق اللغات وكثرتها، إذ حذف المعطوف شائع خصوصا ًمع القرينة الدالة عليه.\rوقوله: كإنجيل وفرقان تمثيل للخلق والكثرة.","part":1,"page":78},{"id":80,"text":"ومعنى البيت أن كون اللغات مخلوقة مع كثرتها كلغة إنجيل وفرقان مثلاً لا يقتضي كون كلام الله النفسي مخلوقاً، ولا كثرته، بل هو معنى واحد قائم بذاته تعالى كالعلم والقدرة، إذ الكثرة والتغير الحاصلان من التعلقات الحادثة لا يوجب ولا يقتضي الكثرة والتغير في مبدئها.\rثم اعلم أن كلام الله تعالى النفسي قديم أزلي مثل علمه تعالى في وجوب تعلقه بالواجب والممتنع والجائز، وفي وجوب وحدته، وفي عدم تناهي متعلقاته.\rفوجوب وحدته مذهب المحققين من أهل الحق، لأنهم قالوا: إن ثبوت صفة الكلام إنما هو بالسمع دون العقل، ولم يرد السمع بالتعدد، بل انعقد الإجماع على نفي كلام ثان قديم، ولم يمتنع التكلم بالأمر والنهي والخبر وغيرها بكلام واحد، فحكمنا بأنه واحد أزلي يتعلق بجميع المتعلقات، كما في سائر الصفات، وإن كانت العقول قاصرة عن إدراك كنه هذا المعنى.\rوحاصل ما قالوا أن الكلام الأزلي صفة واحدة قائمة بذاته تعالى، كقيام العلم بها، هو المنزل المعجز للبشر وهو الثابت في اللوح المحفوظ، وهو الذي أوحى به الملك للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، وهو الإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام، وهو زبور داود عليه السلام، وهو صحائف إبراهيم وآدم وشيت ونوح عليهم صلوات الله وسلامه، وهو صفة واحدة لم تزل ولا تزال، لا تبدلت ولا تغيرت عما هي عليه في حق الله، وإنما الكثرة والاختلافات في مظاهره ووجوداته بحسب القوابل المختلفة، ونظير ذلك تشكل الملك في صورة مختلفة في آن واحد من غير خروج عما هو عليه من الحقيقة الملكية، وكذلك تشكل الجن وأهل الكمال من الإنس كالأبدال، في أي صورة شاءوا مع بقاء حقيقتهم على ما هي عليه من غير تبدل ولا تغير.\rوفهم هذا صعب جداً على القاصرين، كذا في المطالب الوفية شرح الفوائد السنية، هذا البيان هو المناسب للمقام، والمطابق لمذهب أل الكلام.","part":1,"page":79},{"id":81,"text":"قال صاحب المقاصد: المذهب إن كلامه الذي(1) واحد يتكثر بحسب التعلق، انتهى.\rوظاهر كلام المولى الخيالي هنا يشير إلى أنه جعل قول الناظم رحمه الله خلق نفسي مرفوعاً فاعل لا يقتضي، وقوله: خلق اللغات مفعوله على العكس ما ذكرناه، فيكون هذا البيت بياناً للبيت السابق، وهو قوله: كلامنا صفة نفسية فبها إلخ.\rوعبارة الخيالي: هكذا أقول هو زيادة تثبيت للكلام النفسي، فإن واحداً منا قد يأخذ القلم في يده ويملى الألواح والصحف م حديث نفسه من غير تلفظ بكلمة، فظهر أنه محقق لا يسوغ إنكاره، وأنه لا يستلزم اللفظي كما يزعمه المعتزلة، انتهى.\rوحاصل مراده أن هذا البيت زيادة بيان للبيت السابق، والمعنى أن كلامنا النفسي يوجد مناً كثيراً، فإنكاره مكابرة، فإن واحداً منا قد يأخذ القلم في يده ويملأ الألواح والصحف من حديث نفسه من غير تلفظ وتكلم بكلمة، فظهر ظهوراً بيناً أن الكلام النفسي محقق وموجود فينا مع كونه مخلوقاً وكثيراً لا يسوغ إنكار وجوده، وأنه لا يستلزم اللفظي كما يزعمه المعتزلة حيث قالوا: لو كان لله تعالى كلام نفسي لكان له كلام لفظي، والتالي باطل والمقدم مثله.\rوهذا البيان من الخيالي هو المناسب لسياق الكلام في المآل، واللائق لمنبع الفهم والخيال.\r__________\r(1) لعلها: النفسي، جلال .","part":1,"page":80},{"id":82,"text":"ولي هنا حكاية عجيبة وقصة غريبة، وهي أني لما شرحت قول الناظم رحمه الله: لا يقتضي، إلى آخره، اعترضت على بيان المولى الخيالي في هذا البيت حيث قلت: وهذا البيان من الخيالي ليس بوجه وجيه وإن صدر من عالم نبيه، وهذا هفوة من الخيالي لا يليق بشأنه العالي، ولكن قالوا: لكل عالم هفوة، ولكل صارم نبوة، انتهى كلامي، وعرضت هذا الاعتراض على بعض الفحول، فلم يرض لهذا المحصول، فقال: إن المولى الخيالي له خطب وشأن عالي، فغير العبارة المسفورة إلى ما يشعر التعظيم وما يفيد التفخيم، فغيرت العبارة إلى ما حررت في الشرح، وهي قولي: وهذا البيان من الخيالي المناسب لسباق الكلام في المآل واللائق لمنبع الفهم والخيال.\rوبعد ما غيرت العبارة إلى ما ترى، نمت في مقامي، فرأيت في منامي جاءني رجلان، أحدهما في هيئة عالم كبير ذي شأن، والآخر في هيئة تلميذه الخادم له في كل آن، وهم قد دخلا علي وأنا في حجرة من الحجرات، فتقدمني العالم الكبير فجلس فوق مني وتكبر علي متكئاً على الوسادة، وصغرني في عينه النوارة، فكأنه ينظر إلى بعين الحقارة، وحصل لي انفعال من ذلك ولحقتني خجالة فيما هنالك، فشرعت في تعريف نفسي، فلم يلتفت إلى وجهي وإنسي، فانتبهت من ذلك النوم، وعزمت صون لساني عن هؤلاء القوم وأن لا أتكلم فيهم بعد اليوم.\rثم اعلم أن دليل صفة الكلام كدليل صفة السمع والبصر، وهو العقل والنقل، وقد سبق بيان الدليل العقلي والنقلي في قول الناظم: سميع بصير عالم شاء إلى آخره، ونقلنا هناك أن الدليل الشرعي في هذه الثلاث أقوى من العقلي، ووجه مذكور في المطولات.\rوقد ذكرنا هناك أيضاً أن الدليل الشرعي ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، أي إجماع الأنبياء والرسل، كذا أجمع المسلمون على صفة الكلام وإن اختلفوا في تفسيره.","part":1,"page":81},{"id":83,"text":"قال المقري في حاشية السنوسي: قيل: الاستدلال على الكلام بالإجماع أولى من الاستدلال عليه بالكتاب والسنة، لأن ذلك يشبه مصادرة، إذ فيه إثبات الكلام بالكلام، انتهى.\rأقول: إن أهل الكلام أوردوا على الاستدلال بالإجماع سؤالاً وجواباً، حيث قالوا: فإن قيل: صدق الرسول يتوقف على إخباره تعالى بأنه صادق، وهو كلام خاص له تعالى، فيدور.\rقلنا: لا نسلم توقفه على إخباره تعالى، بل يتوقف على إظهار المعجزة على وفق دعواه، فإظهار المعجزة يدل على صدق الرسول، ثبت الكلام بأن يكون الكلام من جنسه كالقرآن أو لم يثبت بأن كانت شيئاً آخر.\rوحاصل جوابهم: أن صدق الرسول لا يتوقف على الإخبار بأنه صادق، بل يتوقف على إظهار المعجزات مطلقاً، سواء كانت قرآناً أو غيره، فلا يلزم الدور من إثبات الكلام بالشرع، وهو ظاهر، فالناظم رحمه الله سلك في الجواب مسلكاً غريباً لم يسلك إليه أحد غيره، فإنه خالفهم في تخصيص إثبات الشرع بإعجاز القرآن الذي هو أبهر المعجزات، لا بإظهار المعجزة كما فعل غيره، وخالفهم أيضاً في تعميم الجواب، حيث قال:\rالشرع ليس بفرع للكلام لما ……يكفي لإثباته إعجاز قرآن\rيعني أن الكتاب والسنة نطقت بأنه تعالى متكلم، وانعقد الإجماع عليه، والأدلة الشرعية لما لم يتوقف صحتها ودلالتها على أنه تعالى متكلم صحت دلالتها عليه وثبت بها كونه تعالى متكلماً من غير دور، إذ التوقف من طرف الكلام لا من طرف الشرع، فلا دور قطعاً، ولا احتياج إلى الدليل العقلي لضعفه بالنسبة إلى الدليل الشرعي، كذا قال بهاء الدين في شرح الفقه الأكبر.\rفالظاهر أن الناظم المحقق أراد بالشرع الأدلة الشرعية الثلاث وإن أمكن تخصيصه بالإجماع.\rومعنى قوله: ليس بفرع للكلام ليس بموقوف لثبوت الكلام، لأن الموقوف فرع للموقوف عليه، وإذا لم يتوقف الشرع على ثبوت الكلام وإثبات الكلام بالأدلة الشرعية لم تكن دوراً.\rوفي لفظ الشرع والفرع جناس لاحق.","part":1,"page":82},{"id":84,"text":"وأراد النفسي بالكلام كما هو المناسب للمقام.\rوقول الشارح العالي: الظاهر يحمل على الإطلاق، ولو عين اللفظي لم يكن بعيداً، فتأمل.\rواللام في قوله: لما علة للحكم السابق، وكلمة ما موصول حرفي، ويكفي في تأويل المصدر، واللام في لإثباته متعلق بقوله: يكفي، فمعنى البيت ليس ثبوت الشرع موقوفاً على معرفة صفة الكلام، لكفاية إعجاز القرآن في إثبات الشرع من غير حاجة إلى كونه تعالى متكلماً، فلا يلزم الدور.\rوقال المولى الخيالي: لا يذهب عليك أن الأنسب بالمقام أن يراد النفسي بالكلام، فإن الشرع لا يتوقف عليه أصلاً، بل دلالة المعجزات مطلقاً، فيصح التمسك بالشرع في ثبوته كما مر، وإنما أسند إلى إعجاز القرآن وجعل كافياً في ثبوته لما أنه أبهر المعجزات وأظهر الدلائل، ولك أن تحمله على الحسي بقرينة ذكر القرآن فيما تقدم، فإن الشرع لو توقف فإنما يتوقف على إعجازه وكونه مخلوقاً له لا لغيره لا على كونه متكلماً به ومؤلفاً له وأنه ليس من تأليف المخلوقات، فيصح التمسك بالشرع عليه من غير لزوم دور وإثبات الأعلى بالأدنى، ما وعدناه فيما سبق، انتهى.\rقوله: أصلاً أي لا على نفسه ولا على إعجازه على تقدير كون إعجاز القرآن باعتبار المعنى.\rقوله: مطلقاً، أي من غير توقف على إخباره بطريق التكلم.\rقوله: وإنما أسند إعجاز القرآن، يعني أن الشرع يتوقف على إظهار المعجزة مطلقاً.\rوالناظم أسند التوقف إلى إعجاز القرآن وخصه به وجعله كافياً في ثبوت الشرع، لما أنه أبهر المعجزات وأظهر الدلائل.\rقوله: وبإثبات الأعلى بالأدنى، المراد بالأعلى الكلام القديم القائم بذاته تعالى، وبالأدنى الكلام اللفظي الحادث.\rفيما سبق، أي في شرح قوله: حي سميع عالم شاء، إلى آخره، حيث قال هناك: وستسمع من المولى المحقق كلاماً فيه دقة وغرابة يندفع [به] حديث الدور وغيره.","part":1,"page":83},{"id":85,"text":"ولما فرغ الناظم رحمه الله من مباحث الصفات الثمانية وما يتعلق منها شرع في مسألة الرؤية، وعطفها على المسائل السابقة، فقال:\rورؤية الله بالأبصار واقعة……للمؤمنين ولكن لا لعميان\rالرؤية مصدر مبني للمفعول، بمعنى الانكشاف التام بحاسة البصر، صفة المرئي لا مصدر مبني للفاعل صلة الرائي كما توهمه الشارح العالي.\rوالباء في قوله: بالأبصار متعلق بالرؤية، والأبصار بفتح الهمزة جمع بصر، وهو محل الذي يخلق الله فيه الإبصار عادة عند وجود شرطه.\rوالتصريح به تحرير لمحل النزاع بين المختلفين.\rوقوله: واقعة خبر المبتدأ، الوقوع هنا بمعنى الثبوت، أي ثابتة بالدلائل النقلية، وأما نفس وقوعها فإنما يكون في الدار الآخرة.\rويؤيد ما قلنا قول الجزائري في منظومة اللامية:\rفرؤية الله بالإبصار ثابتة …دليلها محكم القرآن فيه تلي\rوفي الصحيح من الأخبار بعضدها …إجماع من قد مضى في الأعصر الأول\rثم الرسول كليم الله يسألها…لو لم يجز قط لم يرغب ولم يسل\rويحتمل أن يكون واقعة بمعنى واجبة، لأن الوقوع يجيء بمعنى الوجوب، قال الله تعالى: ?وإذا وقع القول عليهم?، ويؤيده قول أهل الكلام: إن الرؤية جائزة في العقل واجبة بالنقل.\rوالظاهر أن اللام في قوله: للمؤمنين متعلق بالرؤية، ويجوز تعلقه بواقعة.\rوالمراد بالمؤمنين من اتصف بالإيمان عند الموافات، أي الموت، سواء كلف به بالفعل أو كان صالحاً للتكليف به، فيدخل الملائكة ومؤمنو الجن والأمم السابقة والصبيان والبله والمجانين الذين أدركتهم البلوغ على الجنون وماتوا عليه، ومن اتصف بالتوحيد من أهل الفترة، لأنه إيمان صحيح، كذا قاله اللقاني.\rواحترز بالمؤمنين عن الكفار، فإنهم لا يرون ربهم بوم القيامة، لقوله تعالى: ?كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون?.","part":1,"page":84},{"id":86,"text":"ولأن رؤيته تعالى من أعظم الكرامات والتشريف، والكافر ليس أهل لذلك، فتقييد الحكم بالمؤمنين الأبرار لإخراج الكفار الفجار، فيكون قول الناظم: ولكن لا لعميان تصريحاً بما علم ضمناً، لكمال الإيضاح في البيان، إذ المراد من العميان الكفرة من أهل الطغيان الذين استحبوا العمى على الهدى وحسبوا أنهم خلقوا عبثاً وسدى.\rوعميان جمع عمى، كحمران جمع أحمر، يقال: رجع عمى القلب، أي جاهل لا يعرف شيئاً، وقوم عمون أي جاهلون، فكل كافر جاهل من غير عكس.\rوفي هذا البيت صنعة طباق من وجهين، فتأمل.\rوفيه أيضاً تلميح إلى قوله تعالى: ?من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى?.\rثم اعلم أن في هذه المقام أربعة مباحث:\rالمبحث الأول:\rفي تفسير الرؤية وفي بيان محل النزاع، وفي رؤية الله تعالى من المتشابهات.\rفالرؤية في الأصل إدراك المرئي بالعين، يتعدى إلى مفعول واحد، فمعنى رؤية الله بالأبصار إدراكه تعالى على ما هو عليه بحاسة البصر، أو هي عبارة عن انكشافه تعالى انكشافاً تاماً بحاسة البصر، كما ذهب إليه الأشعري حيث قال: إن الرؤية عبارة عن الانكشاف التام، فيكون على طبق المنكشف في التكيف والتجرد عنها، انتهى.\rفالمصدر على الأول بني على للفاعل، وعلى الثاني مبني للمفعول، وهو المراد هنا كما أشرنا إليه سابقاً.\rولا نزاع للمخالفين في جواز الانكشاف التام العلمي ولا لنا في امتناع ارتسام صورة من المرئي في الباصرة أو اتصال شعاع خارج من الباصرة بالمرئي، أو حالة إدراكية مستلزمة لذلك، وإنما النزاع في أنا إذا عرفنا الشمس بحد أو رسم كان نوعاً من المعرفة، ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين كان نوعاً آخر فوق الأول، ثم إذا فتحنا العين حصل نوعاً آخر من الإدراك فوق الأولين نسميه الرؤية، بمعنى الانكشاف التام بالبصر.","part":1,"page":85},{"id":87,"text":"ولا تتعلق عادةً إلا بما في جهة ومكان ومسافة مخصوصة، فهل مثل هذه الحالة الإدراكية يصح أن يقع بدون المقابلة والجهة، وأن تتعلق بذات الله تعالى منزهاً عن الجهة والمكان ؟\rفإحالة المعتزلة بناء على أن ما ذكر من شروط عقلية للرؤية، وجوزناه نحن وأصحابنا من أهل السنة رضي الله تعالى عنهم بناء على أن ما ذكر شروط عادية لها يصح أن يتخلف عنها.\rوأيضاً نحن نقول: إن أصل رؤيته تعالى في الآخرة ثابت بالكتاب والسنة، إلا أنها متشابهة من حيث الجهة الكمية، فثبت ما أثبته العقل وينفى ما تنزهه العقل، والتشابه فيما يرجع إلى الوصف الذي يمنعه العقل لا يقدح في العلم بالأصل المطابق للنقل، كذا قاله علي القاري في شرح الفقه الأكبر، وهكذا قال علي البزدوي في أصول الفقه، وشمس الأئمة السرخسي أيضاً كذلك.\rالمبحث الثاني:\rفي دليل جواز الرؤية في الآخرة عقلاً\rقال الإمام السنوسي في شرح الجزائرية: وأما الاستدلال على جوازها من طريق العقل فلأنه لا شك أن العقل إذا خلا ونفسه لم يحكم بامتناع رؤيته تعالى، بل يجوزها ما لم يقم له برهان على الامتناع، ولم يوجد ذلك بعد شدة البحث عليه.\rوما تذكره المبتدعة في ذلك من الموانع فهوس لا يصح شيء منها البتة.","part":1,"page":86},{"id":88,"text":"ثم قال: وقد أراد أهل الحق في هذا الدليل العقلي بأن قالوا: إن قاطعون برؤية الأعيان والأعراض، ضرورة أنا نعرف بالبصر بين جسم وجسم وبين عرض وعرض، ولا بد للحكم المشترك من مصحح مشترك، وهو إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان، إذ لا رابع يشترك بينها، والحدوث عبارة عن الوجود بعد العدم، والإمكان عبارة عن صحة الوجود والعدم، ولا مدخل للعدم في مصحح الرؤية إذ هو لا يرى ولا مناسبة بينه وبين الرؤية أصلاً، فتعين أن المصحح للرؤية هو الوجود، وهو مشترك بين المولى وبين غيره، فيصح إذا أن يرى تبارك وتعالى، ولهذا يصح عندنا أن ترى سائر الموجودات من الأصوات والطعوم والروائح والعلوم والإرادة وغير ذلك، وإنما لم نرها لأن الله تعالى لم يخلق في العبد رؤيتها بطريق جري العادة، لا لأن رؤيتها ممتنعة.\rوأيضاً فلأن الرؤية لما قام البرهان العقلي على كونها عرضاً ينكشف به المرئي كما ينكشف المعلوم بالعلم لا سيما إن قلنا إن الرؤية من جنس العلوم كما قال به الأشعري، وتحقق بطلان كون الرؤية بانبعاث الأشعة وبطل استدعاؤها الجهة والقرب والبعد، صح قطعاً أن تتعلق بذاته تعالى من غير جهة ولا مقابلة ولا صورة، كما صح تعلق العلم القائم بقلوبنا بذاته تعالى كذلك.\rوللمتأخرين اعتراضات على ما سبق من تعليل الرؤية بالوجود وأجوبة يطول ذكرها، وقد أغنى الله تعالى عن ذلك بغيره، فلا حاجة إلى تطويل الكلام في شأنه، وبالله التوفيق، انتهى.\rولهذا قال الشيخ أبو منصور الماتريدي: نحن لا نثبت صحة الرؤية بالدلائل العقلية، بل نتمسك فيها بظواهر القرآن والأحاديث، ونتكلم عن تأويلات المخالفين.\rواختاره الإمام الرازي في الأربعين.\rوأيضاً قال السعد: والإنصاف أن ضعف هذا الدليل جلي.\rالمبحث الثالث:\rفي دليل وقوعها عقلاً ونقلاً\rأما عقلاً فقد مر في المبحث الثاني ولا مدخل للدليل العقلي في الوقوع.","part":1,"page":87},{"id":89,"text":"وأما نقلاً فمن الأدلة القرآنية قوله تعالى: ?وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة?، وذلك لأن النظر إن تعدى بحرف (إلى) كان ظاهراً في معنى الرؤية، ويؤكد أن المعنى بهذا النظر الرؤية إسناد النظر إلى الوجه الذي هو محل العين الباصرة، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسره بذلك.\rومنها: قوله تعالى: ?للذين أحسنوا الحسنى وزيادة? إذ وقع في الحديث تفسير الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إليه تعالى.\rومنها قوله تعالى: ?كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون? وذلك لأن فيه تحقيراً لشأن الكفار، وتخصيصاً لهم بكونهم محجوبون عن الواحد القهار، فيلزم أن لا يكون المؤمنون محجوبين، وهو المعنى بالرؤية، والحمل على أنهم محجوبون عن ثوابه ورحمته مجاز خلاف الظاهر، لا يحمل عليه إلا لضرورة داعية إليه، ولا ضرورة.\rومنها قوله تعالى: ?تعرف في وجوههم نضرة النعيم? فسر بالرؤية، وسياق الآية وخصوص ألفاظها يشهد لذلك.\rومنها قوله تعالى: ?أرني أنظر إليك? الآية، وتوجيهه أن الرؤية لو كانت ممتنعة لما طلب موسى عليه السلام وقوعها، لكونه عبثاً أو جهلاً بما لا يجوز في ذات الله تعالى، وهو على الأنبياء محال.\rوأيضاً إنها قد علقت على استقرار الجبل الذي هو ممكن في نفسه، فكذا ما علق عليه.\rوأما دليلها من السنة فقوله عليه السلام: ?إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر? وهو حديث مشهور، رواه أحد وعشرون من كبار الصحابة رضي الله عنهم، ووجه التشبيه بالقمر ما أشار إليه في آخر الحديث من عدم تصادر بعضهم ببعض وقت الرؤية، أما الجهة الجسمية والاستتارة الحسية ولوازم ذلك فغير مقصودة بالتشبيه، لأنها مستحيلة في حقه تعالى، وبالجملة فالمقصود تشبيه الرؤية بالرؤية فيما ذكر لا المرئي بالمرئي.","part":1,"page":88},{"id":90,"text":"وأما دليلها من الإجماع فلأن الأمة قبل ظهور أهل البدع كانوا مجتمعين على وقوع الرؤية في الآخرة، وعلى أن الآيات الواردة في ذلك محمولة على ظواهرها، ثم ظهرت أقاويلهم الباطلة وتأويلاتهم العاطلة، ومعلوم أن الإجماع المعتبر هو إجماع القرون الثلاثة الماضية، المشهود عليهم بالصدق والأمانة، فلا يقدح مخالفة اللاحقين إجماع السابقين.\rوهذه الأدلة السمعية كما دلت على وقوع الرؤية دلت على جوازها، إذ الوقوع مستلزمة للجواز والإمكان، ولذلك صرح الناظم المحقق بوقوعها ولم يتعرض بإمكان الرؤية.\rالمبحث الرابع:\rفي تمسكات المنكرين عقلاً ونقلاً.\rأما عقلاً فكثيرة، وأقواها أنهم قالوا: الرؤية مشروطة بكون المرئي في مكان وجهة ومقابلة من الرائي وثبوت مسافة مخصوصة بينهما بحيث لا يكون في غاية القرب ولا في غاية البعد، وكل ذلك مستحيل في حقه تعالى، فتستحيل رؤيته تعالى.\rوالجواب: منع هذه الشروط، إذ الرؤية عبارة عن الانكشاف التام للشيء على ما هو عليه بحاسة البصر، فيكون على طبق المنكشف في التكيف بكيفية والتجرد عنها.\rولما كان ذاته تعالى مجردة عن التكيف بالكيفيات وجب أن يكون رؤيته كذلك، فلا مانع في ذلك من جهة العقل أصلاً، فيجوز رؤيته تعالى قطعاً.\rولأنها بمحض خلق الله تعالى من غير أن يكون لشيء مدخل فيها، ولا يبعد أن تنكشف ذات الله تعالى عقيب صرف الباصرة.","part":1,"page":89},{"id":91,"text":"وتوضيح هذا الجواب أن معنى رؤية الله بالأبصار إدراكه تعالى على ما هو عليه سبحانه بحاسبة البصر، فأهل الحق قالوا: إن الإدراك معنى يخلقه الله تعالى في المدرك، فإن خلق في جزء من العين سمي إبصاراً، وفي جزء القلب سمي علماً، وفي جزء الأذن سمي سمعاً، وفي اللسان سمي ذوقاً، وفي كل الجسد سمي حساً، واختصاص كل واحد بالمحل الذي خلق فيه إنما هو بمحض خلق الله تعالى واختياره لذلك، وإلا فكل جزء من أجزاء البدن عموماً يصلح عقلاً أن يكون محلاً لكل إدراك، وكذا اختصاص بعض هذه الإدراكات ببعض الموجودات، وبأن يكون المدرك في جهة من المدرك وغير قريب جداً ولا بعيداً جداً ولا وراء حائل، كل ذلك إنما هو بمحض اختيار الله تعالى وإجرائه العادة، ولو خرق سبحانه وتعالى العادة لصح أن يتعلق كل إدراك بما قرب أو بعد، وما كان دون الحائل أو وراءه وبما ليس في جهة أصلاً، كما أجرى الله سبحانه وتعالى العادة بذلك في العلم.\rومنشأ غلط المنكرين أنهم قاسوا الغائب على الشاهد، وذلك فاسد، إذ لا يلزم من كون تلك الشرائط شرطاً في إدراكنا في هذه النشأة كونه شرطاً في النشأة الآخرة، لأنه لا شك في قدرة الله أن يخلق في البصر قوة يتمكن بها من إدراك ذاته بدون تلك الشرائط، بل عند الشيخ الأشعري وأتباعه تلك الشرائط أسباب عادية، فيجوز الإبصار بدونها في هذه النشأة، كأعمى الصين يرى بقة الأندلس، وكل موجود ممكن الرؤية عند كالأصوات والطعوم والألوان، كذا قاله الفاضل الدواني.\rوأما تمسكاتهم النقلية فوجوه أربعة:","part":1,"page":90},{"id":92,"text":"الأول: قوله تعالى: ?لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير?، والاستدلال بهذه الآية من وجهين: الأول أن الرؤية والأبصار مترادفان، أو متلازمان، بحيث لا يصح إثبات أحدهما ونفي الآخر، والأبصار جمع محلى باللام، هي من صيغ العموم كما تقرر في الأصول، فليستفاد من هذه الآية أن لا يراه أحد، ويلزم من عمومه في الأبصار عمومه في الأزمان، فيلزم أن لا يراه كافر ولا مؤمن في الدنيا والآخرة، وهو المطلوب.\rوالثاني: أن الله تعالى ذكر هذه الآية على طريق التمدح بها، فيكون نفي الإدراك بالنسبة إليه تعالى كمالاً، فثبوته إذا في حقه جل وعلا نقص، والنقص على الله تعالى محال، فإدراك البصر له محال.\rوأجيب عن الوجهين معاً بأنا لا نسلم أن الإدراك والرؤية مترادفان ومتلازمان، بل هو أخص منها، لكونه عبارة عن الرؤية على وجه الإحاطة لجميع جوانب المرئي، ولهذا يقال: رأيت القمر وما أدركته ببصري، فلا يلزم من نفيه وكونه مدحاً نفيها، وكون وجودها نقصاً، ولو سلم فلا نسلم أن الآية تفيد عموم السلب، بل سلب العموم لكون موضوعها جمعاً محلى باللام الاستغراقية كما اعترفتم به، دخل عليه النفي، فيكون المعنى لا تدركه جميع الأبصار بل أبصار المؤمنين، لأن رفع الإيجاب الكلي في قوة السالبة الجزئية، ولو سلم أنها تفيد عموم السلب في الأشخاص فلا نسلم العموم في الأوقات والأزمان، بل المراد نفي الرؤية في الدنيا للجمع بين هذه الآية وبين ما يقتضي من أدلة الرؤية في الآخرة، والجمع بين الأدلة ما أمكن يتقدم على إهمال بعضها.\rوقد يجاب عن الثاني فقط بأن التمدح إنما يكون إذا كان ممكن الرؤية ولم ير لكونه متعززاً بحجاب الكبرياء، إذ لا تمدح للمعدوم بأنه لا يرى، لامتناع رؤيته، فالآية حجة لنا لا علينا، فليتدبر.","part":1,"page":91},{"id":93,"text":"والوجه الثاني: أن سؤال الرؤية لم يذكر في موضع من كتابه تعالى إلا وقد كان مقروناً بالاستعظام والاستنكار، كقوله تعالى: ?وقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة? ونحوها، فاستعظامها وتعليق الوعيد بسؤالها إنما هو لامتناعها.\rوالجواب أن الاستعظام إنما كان لتعنتهم وعنادهم في طلبها وريبتهم في صدق ما أتى به رسوله موسى عليه السلام، لا لامتناعها، ولو كان ممتنعاً لمنعهم موسى عليه السلام كما منعهم عن سؤالهم حين قالوا: ?اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة? بقوله: ?إنكم قوم تجهلون?، أو أن الاستعظام كان لطلبهم الرؤية على طريق الجهة والمقابلة على ما عرفوا من حال الأجسام والأعراض.\rوالوجه الثالث: قوله تعالى لموسى عليه السلام حين طلب منه الرؤية: ?لن تراني? فإن لن للتأبيد، فإذا لم يره موسى عليه السلام أبداً لم يره غيره أصلاً، إذ لا قائل بالفرق.\rوالجواب: منع كون لن للتأبيد، بل هي لتأكيد النفي في المستقبل، فموسى إنما سأل رؤية ناجزة في الدنيا، فيرجع النفي في الجواب إلى مدة الحياة في الدنيا، إذ الأصل في الجواب المطابقة.\rوالوجه الرابع من تمسكات المنكرين: قوله تعالى: ?ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء?، فإن هذه الآية دلت على أنه لا يرى في وقت التكلم، فلا يرى في غيره، إذ لا قائل بالفصل.\rوالجواب: أن الوحي هو سماع الكلام بخفيته، ولا دلالة فيه على انتفاء الرؤية، إذ الآية دلت [و] سيقت لبيان أنواع تكليم الله البشر، والتكليم وحياً أعم من أن يكون مع الرؤية أو بدونها، بل ينبغي أن يحمل على حال الرؤية، ليصح جعل قوله ?أو من وراء حجاب? عطفاً عليه قسيماً له، إذ لا معنى له سوى كونه بدونه الرؤية تمثيلاً لحال من احتجب بحجاب، ولو سلم دلالتها على نفي الرؤية فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جمعاً بين الأدلة.","part":1,"page":92},{"id":94,"text":"والحاصل أن أدلة المعتزلة كلها مدخول فيها، وإن استدلوا بالقرآن العظيم، لأنهم لم يهتدوا بهدي القرآن، بل ضلوا، وقد قال الله تعالى: ?يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين?، الحمد لله الذي هدانا بهدي القرآن، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.\rفائدة:\rقال علي القاري في شرح الفقه الأكبر: اختلفوا في جواز الرؤية في الدنيا شرعاً، فأثبتها أكثرون، ونفاها آخرون، ثم الذين أثبتوها خصوا وقوعها لنبينا عليه السلام في ليلة الإسراء على خلاف في ذلك بين السلف والخلف من العلماء والأولياء، والصحيح أنه عليه السلام رأى ربه بفؤاده لا بعينه كما في شرح العقائد وغيره، انتهى.\rوقد روي أنه عليه السلام سئل: هل رأيت ربك ؟ فقال: ?رأيته بفؤادي?.\rوأما في المنام فقد حكى القول بها عن كثير من السلف، ولا نزاع في وقوعها وصحتها، لأن الشيطان لا يتمثل به تعالى كالأنبياء، كذا قالوا.\rثم اعلم أن المتأخرين اعترضوا على الدليل العقلي بوجوه مختلفة مذكورة في المطولات، وكان من أقوى الوجوه منعهم تعليل الرؤية باشتراك الوجود بين الواجب وغيره حيث قالوا: لا نسلم اشتراك الوجود، كيف يكون هذا والحال أن وجود كل شيء عين حقيقته، إذ لا خفاء في أن حقيقة الواجب لا تماثل حقيقة الممكن، فالوجود لا يكون علة مشتركة بين الواجب وغيره.\rوأجيب عن هذا الاعتراض بأن المعنى والمقصود من الوجود في مسألة الرؤية هو كون الشيء له هوية، فاشتراك الوجود بهذا المعنى ضروري، فالهوية علة مصححة للرؤية، وهي مشتركة بين الواجب والممكن، فالناظم المحقق أشار إلى هذا الجواب بقوله:\rيرى الهوية لا من جوهريته …أو كونه عرضاً أو سبق فقدان\rوتوضيح الجواب موقوف على حل مفردات هذا البيت، أما الهوية فقد قالوا: إن ما به الشيء هو هو باعتبار تحققه حقيقة، وباعتبار تشخصه هوية، ومع قطع النظر عن ذلك ماهية، فالأولان يضافان إلى الله تعالى بخلاف الثالث.","part":1,"page":93},{"id":95,"text":"واللام في الهوية بدل عن المضاف إليه، كقوله تعالى: ?فإن الجنة هي المأوى?.\rوهنا حذف المعطوف وهو شائع كثير في كلام البلغاء، والتقدير: يرى هوية الله تعالى، ويرى باقي المرء أيضاً من أجل هويته لا من جوهريته، ولا من عرضيته، ولا من جهة الحدوث، فالضميران المجروران راجعان إلى المرئي المفهوم من سياق الكلام، لا إلى الله ولا إلى الهوية بتأويل المرئي، ولا إلى المرئي مطلقاً، كما ذهب الشارحون.\rوالفقدان بكسر الفاء وضمها مصدر فقده، من باب ضرب، ضد الوجود، والمراد بسبق الفقدان الحدوث، إذ هو الوجود بعد العدم.\rوفي هذا البيت صنعة طباق، فتأمل.\rومعنى البيت أن متعلق الرؤية هو هوية الواجب في الواجب، وهوية المرئي في الممكن، لا جوهريته ولا عرضيته ولا غيرهما، فالهوية هي العلة المشتركة المصححة للرؤية لا علة مؤثرة، بل المؤثر فيها خلق الله تعالى، هذا هو النهاية في شرح هذا الكلام والعلم عند الله العليم العلام.\rوقال المولى الخيالي: أقول: أراد بالهوية ذات المرئي لا وجوده، فإن امتناع رؤيته ضروري، ومنعه مكابرة، كما نص عليه الإمام في نهاية العقول، ولم يرد بها هوية الواجب وإلا لم يكن لقوله: لا من جوهريته أو كونه عرضاً معنى، بل أراد بها هوية المرئي على الإطلاق، والضمير في قوله لا من جوهريته أو كونه عرضاً راجع إلى المرئي أو إلى الهوية بتأويل المرئي.\rوأراد بسق الفقدان الحدوث.\rفحاصل كلامه أن الرؤية لما كانت عند الأشعري عبارة عن العلم الخاص الذي لا يتعلق إلا بالموجود المتعين كما مرت إليه الإشارة، فظهر أن المصحح لها ليس هو خصوصية الجوهرية ولا خصوصية العرضية ولا خصوصية الحدوث أيضاً، بل الوجود كما هو المشهور أو التعين أو المجموع المركب منها، وكل منها متحقق في جناب الباري تعالى، فيصح رؤيته، هذا هو النهاية في شرح هذا المقام، والله الموفق للمرام، انتهى.","part":1,"page":94},{"id":96,"text":"قوله: أراد بالهوية ذات الشيء أي تعينه، يعني أن الهوية لها ثلاثة معان، على ما قالوا: أحدها التشخص، والثاني الشخص نفسه، والثالث الوجود الخارجي.\rوأراد الناظم المعنى الأول، أي التشخص والتعين كما أشار إليه في حاصل الكلام، وهذا المعنى مشترك بين الواجب وغيره.\rقوله: لا وجوده ؛ لأن في اشتراك الوجود تردداً.\rقوله: ولم يرد هوية الواجب، وإلا لم يكن لقوله: لا من جوهريته معنى ؛ لأن الله تعالى منزه عن الجوهرية والعرضية، فلا معنى لسلبهما عنه تعالى ولا لإضافاتهما إليه تعالى.\rقوله: بل أراد بها هوية المرئي على الإطلاق، يعني ليصح إرجاع الضميرين كما أشار إليه بقوله: والضمير في قوله: لا من جوهريته أو كونه عرضاً راجع إلى المرئي أو إلى الهوية بتأويل المرئي، وقد عرفت من تقريرينا أن أمر الضمير سهل لمن هو أهل.\rقوله: فحاصل كلامه إلخ، يعني أن مراد الناظم المحقق من إيراد هذا البيت دفع الاعتراض الوارد على الدليل العقلي، لا إثبات أصل المسألة بالدليل العقلي كما توهمه الشارح العالي حيث قال: والمقصود من هذا البيت الإشارة الخفية إلى استدلال السلف عقلاً على جواز الرؤية، وبهذا القول افتخر ذلك الشارح وجعل نفسه عالياً على الخيالي، حتى قال في آخر كلامه : وليست هذا أبلغ الخيالي.\rوسبب هذا القول العجب، وأقبحه العجب بالرأي الخطأ، فيفرح به ويصر عليه ولا يسمع نصح ناصح، بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال، قال الله الكبير المتعال: ?أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً? فنعوذ بالله من العجب الذي يردي أنفسنا.\rقوله: كما مرت إليه الإشارة، يعني في أول شرح قول الناظم: ورؤية الله إلخ حيث قال هناك: ذهب الأشعري إلى أن الرؤية عبارة عن الانكشاف التام.\rقوله: كما هو المشهور، أي بين المتقدمين من العلماء، لكن فيه اعتراض المتأخرين الأدباء.","part":1,"page":95},{"id":97,"text":"قوله: هذا هو النهاية في شرح هذا المقام، قيل: وهذا القول من الخيالي إظهار العجز عن كشف المقام، وهذا أولى من حمله إلى الافتخار في بيان المرام.\rأقول: إظهار العجز عن كشف والتوقف فيما يتعلق بأمر الدين إنما هو من كمال العلم واليقين، كما توقف إمامنا الأعظم وهمامنا الأقدم في جواب ثماني مسائل حيث امتحن وسئل، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون، وقال أيضاً: جنة العالم لا أدري، فإن أخطأ أصيبت مقاتله، وقال أيضاً: إن من العلم أن يقول الرجل: لا أعلم لما لا يعلم، وورد أن لا أدري نصف العلم، كذا قاله علي القاري.\rوقال عليه السلام: ما أدري عزير نبي الله أم لا ؟\rثم اعلم أن رؤية الله تعالى في الآخرة لما كانت عبارة عن الانكشاف التام بحاسة البصر كانت من جنس العلوم كما قال به الأشعري، فإثبات الرؤية بالدلائل العقلية والنقلية دل على أن حقيقة الحق [تعلم] للمؤمنين في الدار الآخرة، لكن تردد بعضهم في هذه القضية، فأشار الناظم المحقق إلى ذلك فقال:\rحقيقة الحق لم تعقل بعالمنا……لكن ترددهم في دار رضوان\rلفظ الحق له معان كثيرة، وهنا اسم من أسمائه تعالى، ومعناه هو الموجود حقيقة، أي المتحقق وجوده.\rوالحقيقة قد مر تفسيره قريباً، وأيضاً حقيقة الشيء كنهه.\rوفي الحديث ?لا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتى لا يعيب مسلماً بعيب هو فيه حتى لا يبلغ خالص الإيمان ومحضه وكنهه? كذا في النهاية.\rوالتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية، لا التأنيث كما ذهب إليه البعض.\rقوله: لم تعقل، بصيغة المجهول، وإنما أنث باعتبار وجود التاء، وهو من عقل يعقل، من باب ضرب يضرب.\rقيل: العقل في اللغة الربط، وفي العرف يطلق على ثلاثة معان: أحدها بمعنى السكينة والتؤدة دون الحزق والحمق.\rوالثاني: بمعنى التجربة والاختبار، فيقال: فلان عاقل، أي مجرب الأمور.\rوالثالث: بمعنى الإدراك، ولذلك قيل: العقل قوة للنفس يدرك بها الكليات.","part":1,"page":96},{"id":98,"text":"وذكر العيني في شرح البخاري أنهم اختلفوا في العقل، فقيل: هو العلم، لأن العقل والعلم في اللغة واحد، ولا يفرقون بين قولهم: عقلت وعلمت، انتهى.\rقلت: ولذلك استعملوه في الكليات كالعلم، بخلاف المعرفة فإنها تستعمل في الجزئيات.\rقال أبو بكر الوراق: المعرفة معرفة الأشياء بصورها وسماتها، والعلم عن الأشياء بحقائقها، كذا في التعرف.\rوبما ذكرنا ظهر وجه عدول الناظم المحقق عن لفظ لم تعرف، مع صحة الوزن إذا لم يجز سلب المعرفة، ولذلك قال الإمام الأعظم في الفقه الأكبر: نعرف الله حق معرفته، أي لا باعتبار كنه ذاته وإحاطة صفاته، بل بحسب مقدور العبد وطاقته في جميع حالاته، كما وصف الله تعالى نفسه في كتابه بجميع صفاته.\rحاصل ما قاله الإمام نعرف الله واجب معرفته الذي أوجبه على عباده في كتابه، ولا نقصر عن هذا القدر.\rوأما قول الإمام الشافعي: ما عرفناك حق معرفتك، فمبني على أن إدراك الذات والإحاطة بكنه الصفات ليس في قدرة المخلوقات، لقوله تعالى: ?لا تدركه الأبصار? ولقوله تعالى: ?ولا يحيطون به علماً?، فاختلاف القضية بتفاوت الحيثية، كذا قال علي القاري.\rقوله: لم تعقل، أي لم تعلم ولم تدرك حقيقة الحق وكنه ذاته في الدنيا أبداً، أي في الماضي والحال والاستقبال، لأن كلمة لم لها ثلاثة استعمالات في العربية، إذ المنفي بها تارة يكون منقطعاً، وتارة يكون مقصوراً على الحال، وتارة يكون مستمراً أبداً، فالأول نحو قوله تعالى: ?لم يكن شيئاً مذكوراً? أي ثم كان، والثاني نحو ?لم أكن بدعائك رب شقياً?، والثالث نحو ?لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد?، كذا ذكره ابن هشام في شرح الشذور.\rفقول الشارح العالي: (جعل النفي للاستمرار ترجيحاً لجانب المعنى)، نشأ من الغفلة عن هذا، فلا تكن من الغافلين.\rوالمراد بالعالم هنا عالم الشهادة، وهي الدنيا الفانية، بقرينة المقابلة.","part":1,"page":97},{"id":99,"text":"والباء بمعنى في، وإضافة العالم إلى الضمير من قبيل إضافة الظرف إلى المظروف، وإنما خص النفي بعالم الشهادة لأن الكلام بالنظر إلى المكلف من البشر لا بالنظر إلى الملائكة من عالم الملكوت، فإن حالهم غير معلومة لنا، ولا بحث عن حالهم ظناً.\rقوله: لكن ترددهم في دار رضوان، استدراك من قوله: لم تعقل، والمعنى حقيقة لم تعقل ولم تدرك في الدنيا جزماً، لكن تردد وتوقف بعضهم في حصول العلم بالكنه في دار الرضا، أي الآخرة.\rوإنما سميت دار الرضا لأن من دخلها كان في عيشة راضية.\rثم اعلم أن العلماء اختلفوا في أن حقيقة ذاته تعالى هل هي معلومة للبشر أو لا ؟\rفذهب الإمام الغزالي وإمام الحرمين والإمام الفخر في أكثر كتبه وجماعة من الصوفية إلى نفي وقوعه مطلقاً، وذهب منهم إلى إثباته مطلقاً، وبعضهم نفى في الدنيا وتردد فيه بعد رؤيته في دار الآخرة كما نقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وهذا القول الأخير هو المختار عند الناظم المحقق، فإنه قيد النفي بقوله: بعالمنا، والقول الأول هو الأصح عند عامة العلماء، كما صرح به الإمام السنوسي في شرح الجزائرية.\rوقال بهاء الدين زادة في شرح الفقه الأكبر: ثم الحق المحقق أن العلم بكنه ذاته تعالى غير متحقق لأحد أصلاً، ولا يبعد أن يدعى فيه الإجماع، فإن العجز عن إحاطة صفات الله تعالى منقولة عن علماء كل عصر، فضلاً عن العوام، فيكيف عن إحاطة ذاته، وقد قال أكمل البشر: ?لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك?، وقال الله تعالى: ?وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً?، وجميع العلوم في جنب علم الله أقل من القليل، فإذا حصل بكماله يكون الحاصل كثيراً، وأمر الله تعالى أكمل البشر باستزادة العلم بقوله: ?وقل رب زدني علماً?، انتهى.","part":1,"page":98},{"id":100,"text":"وهنا قول رابع وهو التوقف في هذه المسألة مطلقاً، لأنها من الوجدانيات وليس لها دليل سمعي، فحيث لا سمع ينبغي أن يتوقف ويتردد ولا يجزم بحصولها أو انتفائها، واختار هذا القول المولى الخيالي، وسيأتي بيانه، وتفصيل هذا البحث مع أدلة الطرفين مذكور في شرح المواقف والمقاصد بحيث يحصل به القناعة للطالب والقاصد، فقال:\rاختلفوا في أن ذاته تعالى هل يجوز أن يعلم بكنهها أم لا ؟ فذهب الفلاسفة إلى امتناعه وتبعهم الغزالي وإمام الحرمين وجماعة من الصوفية، وجوزه الجمهور من المتكلمين، ثم اختلفوا في وقوعه، فنفاه المحققون منهم، وأثبته الآخرون، ومنهم من تردد فيه بعد رؤيته في دار الآخرة، وهو المختار عند المحقق لما سنذكره.\rاحتج الأولون بأن تعقل ما لا يدرك كنهه بالضرورة لا يكون إلا بالحد، والله منزه عنه لاستلزامه التركيب المنافي للوجوب الذاتي، ورد بمنع الحصر، ويجوز أن يكون ذلك بطريق الفيض من غير سابقية قصد واكتساب، على أن الرسم قد يفيد الكنه وإن لم يكن مطرداً.\rواستدل النافون لوقوعه بأن ما يعلم منه البشر هو الصفات والسلوب والإضافات، وذلك ليس علماً بحقيقة الذات.\rورد بعد تسليم أن معلوم كل أحد ذلك، بأنه وإن لم يكن علماً لكنه يجوز أن يكون وسيلة إليه لا بد لنفيه من دليل.\rواستدل المثبتون بأنا نحكم على حقيقته تعالى بأحكام يقينية وظنية، والحكم على الشيء يستدعي تصوره.\rوالجواب أن التصديق وإنما يستدعي تصور المحكوم عليه بالوجه لا بالكنه، والنزاع إنما وقع فيه.\rواعلم أن هذه المسألة وجدانية، فالحاكم بحصولها لأنفسنا في الماضي والحال ليس إلا الوجدان، وأما في المستقبل فلا طريق إلى الجزم بها سوى السمع، وكذا الطريق إلى الجزم بحصولها للغير، سواء كان فيما مضى أو في الحال أو في الاستقبال، هو السمع، فحيث لا سمع ينبغي أن يتوقف ويتردد ولا يجزم بحصولها وانتفائها، فليتدبر، والله الهادي، انتهى.","part":1,"page":99},{"id":101,"text":"ولما فرغ من مسألة الرؤية وما يتعلق منها، شرع في مسألة خلق أفعال العباد، حاذفاً حرف العطف، فقال:\rالله خالق أفعال العباد وما ……يظن توليده من فعل إنسان\rالله مبتدأ، وخالق خبره، وإضافة خالق معنوية، فيكون المبتدأ والخبر كقولنا: الله إلهنا، فيجب تقديم المبتدأ.\rوقال بعض النحاة: إذا كان أحد الجزأين صفة تعين الاسم للابتدائية سواء تقدم أو تأخر، نحو زيد المنطلق، المنطلق زيد، فقول الشارح العالي: (والمعنى الله تعالى لا غيره خالق)، ليس في محله، لأنه يشعر أن تعريف المسند مطلقاً، يفيد قصر المسند على المسند إليه، والمذكور في كتب المعاني تعريفه باللام الجنسية يفيد القصر، فتأمل.\rوالخلق إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود.\rوالأفعال جمع فعل بالكسر، قال في القاموس: الفعل بالكسر حركة الإنسان.\rوالمراد بها الأفعال الاختيارية من الحركة والسكون الحاصلين في الأبدان والقلوب، أما حركة الأبدان وسكونها فظاهران، وأما حركة القلوب فانصرافها وانقلابها من حال إلى حال وسكونها قرارها وثباتها على حالة واحدة.\rوالمراد بالعباد كل مخلوق يصدر عنه الفعل، عاقلاً كان أو غيره، كذا قال إبراهيم اللقاني.\rوقال صاحب المطالب الوفية: المراد بالعباد عباد الله المكلفين وغيرهم، فدخل الحصى الذي سبح في كفه عليه السلام ونحوه، انتهى.\rويؤيده قوله تعالى: ?وإن من شيء إلا يسبح بحمده?.\rوبعضهم خص العباد بالمكلفين نظراً إلى أن بعض الأدلة لا يجري في غير المكلفين، وقال اللقاني: والصواب التعميم.\rأقول: من عمم أراد بالعبد المملوك، فيشمل الإنس والجن والملك والحيوانات والجمادات، كذا قاله السينابي في شرح الفقه الأكبر، فقول من قال: وتخصيص العبد لكونه محل النزاع، وإلا فهو تعالى خالق لأفعال جميع الأحياء، ليس بوجيه.","part":1,"page":100},{"id":102,"text":"والمعنى الله خالق جميع أفعال العباد، بحذف المضاف كما قال الإمام الأعظم في الفقه الأكبر، فلا حاجة إلى جعل الإضافة في أفعال الجنس أو اللام في العباد للجنس واضمحلال الجمعية فيهما.\rولفظ ما في ما يظن موصولة، ويظن بصيغة المجهول.\rوتوليده مصدر مبني للمفعول، أي كونه مولداً نائب الفاعل، والضمير راجع إلى ما، والموصول مع الصلة مجرور المحل، عطف على أفعال عطف الخاص على العام، وإنما أفرده بالذكر للرد على المعتزلة، إذ القائلون بالتوليد هم المعتزلة، لأنهم قسموا أفعال العباد على قسمين:\rأحدهما: ما وجد مع القدرة الحادثة في محل واحد، كحركة اليد الاختيارية مثلاً، فإن محلها ومحل القدرة التي قارنتها واحد وهو اليد، وهذا الفعل يكون بالمباشرة، أي بلا واسطة.\rوالثاني ما لا يجتمع مع القدرة الحادثة في محل واحد، كاندفاع الحجر وحركته في الهواء أو على الأرض عند حركة اليد ودفعها، وكذا حركة السهم والرمح والسيف عند الضرب بها، ونحو ذلك مما لا ينحصر.\rوهذا الضرب الثاني هو المعبر عنه بالتوليد عندهم.\rفمذهب أهل السنة في كلا الضربين أنهما واقعان بمحض خلق الله تعالى بلا واسطة، وأن القدرة الحادثة لا تأثير لها في أثر ما البتة، لا مباشرة كما في الضرب الأول، ولا توليداً كما في الضرب الثاني.\rومذهب المعتزلة أذلهم الله تعالى أن العبد هو المخترع لأفعاله الاختيارية التي خلقها الله تعالى له إما مباشرة كما الضرب الأول، وإما توليداً كما في الضرب الثاني، وليس فعل العبد عندهم فعلاً لله تعالى، مع أنه سبحانه هو الذي خلق له أسباب الفعل من قدرة ونحوها.\rقيل: وفي ذكر الظن الذي هو الطرف الراجح من الحكم إشارة إلى أن التوليد عندهم نوع مستقل من أفعال الإنسان.\rأقول: وفيه إشارة إلى أن ظن المعتزلة كذب بحث، قال الله تعالى: ?وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً? كذا قاله الفراء.","part":1,"page":101},{"id":103,"text":"قوله: من فعل إنسان، ظرف لغو متعلق بالتوليد، أو ظرف مستقر متعلق بمقدر، وبيان لما الموصولة.\rقال المولى التفتازاني في شرح المقاصد: وتحرير البحث في ذلك أن فعل العبد واقع عندنا بقدرة الله تعالى وحدها، وعند المعتزلة بقدرة العبد وحدها، وعند الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني بمجموع القدرتين على أن تتعلقا جميعاً بأصل الفعل، وعند القاضي أبي بكر الباقلاني على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل وقدرة العبد بكونه طاعة أو معصية، وعند إمام الحرمين في أخر أمره لقدرة العبد تأثير في ذات الفعل، لكن على وفق مشيئته تعالى وإرادته، وعند الحكماء بقدرة يخلقها الله تعالى في العبد، انتهى.\rوالحاصل أن في مسألة أفعال العباد للعقلاء ستة أقوال، خمسة منها مردودة، ووجوه الرد في المطولات مذكورة، والحق هو المذهب الأول، وهو المقبول والمعول.\rوثبوته بالأدلة العقلية والشواهد النقلية.\rأما الأولى: فكثيرة مذكورة في كتب الكلام، ونحن نكتفي بواحدة منها، وهي أن العبد لو كان خالقاً لأفعاله ومخترعاً لها لكان عالماً بتفاصيلها ومقدار كل جزء من أجزائها، كما قال تعالى: ?ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير?، والعبد بمعزل عن ذلك.\rوقال الإمام السنوسي في شرح الجزائرية: ودليل أهل السنة من جهة العقل برهان الوحدانية، فلا حاجة إلى التطويل مع المبتدعة بعد وضوح الحق وعدم الضرورة الداعية إلى ذلك، فإنه يشغل البال ويكدر الأحوال، انتهى.\rوأما الثانية فمن الكتاب قوله تعالى: ?إنا كل شيء خلقناه بقدر? وقوله تعالى: ?والله خلقكم وما تعملون? وقوله تعالى: ?الله خالق كل شيء?.\rومن السنة قوله عليه السلام: ?إن الله صانع كل صانع وصنعته?، أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد، والحاكم، والبيهقي في الأسماء عن حذيفة.","part":1,"page":102},{"id":104,"text":"ودل على قول أهل السنة أيضاً إجماع السلف قبل ظهور أهل البدع، على أن الله تعالى هو الخالق بالاختيار لكل ممكن يبرز للوجود، ذاتاً كان أو قولاً لها أو فعلاً لا يشاركه تعالى في ملك جميع الممكنات واختراعها شيء أي شيء كان، وأن التأثير وإيجاد الممكنات خاصة من خواص الله تعالى يستحيل أن يشاركه تعالى فيها غيره، كذا قاله السنوسي في شرح الجزائرية.\rوللمعتزلة خذلهم الله تعالى في إثبات مذهبهم شبه عقلية ونقلية، وعلماء أهل السنة أعانهم الله ذو المنة أجابوا عنها بأجوبة قاطعة ملزمة قامعة، ومن أراد الاطلاع على تفصيل المقالات، فليراجع إلى الكتب المطولات، وسيأتي لهذه المسألة زيادة توضيح عند شرح كسب العبد إن شاء الله تعالى.\rولما ثبت كونه تعالى خالقاً لجميع أفعال العباد وكان الاهتداء والإيمان والضلالة والكفران من أفعال الإنسان داخلان تحت خلق الرحمن، وكان الاختلاف في الهداية والإضلال فرع الاختلاف في خلق الأفعال، خصهما الناظم رحمه الله تعالى بالذكر بعد التعميم، لزيادة الفهم والتفهيم، فقال:\rهاد مضل حقيقي وإن نسبا…على المجاز إلى رسل وشيطان\rقوله: هاد مرفوع تقديراً، عطف على قوله: خالق بحذف حرف العطف، وكذا مضل.\rوقوله:حقيقي خبر مبتدأ محذوف، أي إسناد كل واحد من الهداية والإضلال المفهومين من لفظ هاد ومضل إليه تعالى إسناد حقيقي.\rويجوز أن يكون منصوباً وإن لم يساعده رسم الخط، على أن يكون صفة لمصدر محذوف مع فعله، أي إسناد كل واحد منهما إليه إسناداً حقيقياً.\rوالواو في قوله: وإن نسبا واو الحال، كذا قالوا في أمثاله، والصواب أن هذه الواو عاطفة على محذوف تقدير الكلام: إسنادهما إلى الله تعالى حقيقي على كل حال وإن نسبا إلى رسل وشيطان على المجاز في بعض الأحوال، فيكون من باب عطف الخاص على العام.\rورسل بسكون السين لغة في رسل بضمتين، فقول الشارح العالي: بسكون السين للوزن ليس في محله.\rوفي هذا البيت صنعة طباق من وجوه، فتأمل.","part":1,"page":103},{"id":105,"text":"وفيه أيضاً اللف والنشر على الترتيب.\rوفي تقديم الهداية إشارة إلى أن رحمته غالبة سابقة على غضبه، كما ورد في الحديث القدسي: ?سبقت رحمتي على غضبي?.\rثم اعلم أن الشيخ الأشعري ومن تبعه من أهل السنة ذهبوا إلى أن الهداية من الله تعالى بمعنى خلق فعل الاهتداء، وهو الإيمان وما يلحقه، وأن الإضلال من الله تعالى بمعنى خلق فعل الضلالة وهو الكفر وما يتبعه، فهما لا ينسبان عندهم حقيقة إلى غير الله تعالى، إذ لا خالق سواه، وما نسب منهما إلى الرسل والقرآن أو إلى الأصنام والشيطان فعلى سبيل الإسناد إلى الأسباب مجازاً كقوله تعالى: ?وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم?، وقوله تعالى: ?إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم?، وقوله تعالى: ?رب إنهن أضللن كثيراً من الناس?، وقوله تعالى: ?ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً?.\rوقالت المعتزلة: الهداية من الله تعالى بيان طريق الهدى، والإضلال منه تسمية العبد ضالاَ عند اختياره الضلالة، فعندهم لما لم يجز أن يخلق الله تعالى أفعالهم لم يوجد خلق فعل الاهتداء ولا خلق فعل الضلال، ويقولون: ما أضيف إلى الله تعالى الهداية فالمراد منه بيان طريق الدين لا تخليق فعل الاهتداء، وما أضيف إليه تعالى من الإضلال فالمراد إضافة الشيء إلى سببه أو شرطه، كحجة الإسلام.","part":1,"page":104},{"id":106,"text":"وفي التسديد شرح التمهيد: قال في الكفاية: والصحيح ما قلنا، وذلك لأن الله قال: ?ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها?، ولو كانت الهداية من الله تعالى هو بيان الطريق وأنه عام في كل نفس لما صح تعليق إتيان الهدى بالمشيئة، وكذا قوله تعالى: ?يهدي من يشاء ويضل من يشاء?، فلو كان المراد منه البيان لم يصح التخصيص بالمشيئة ولم يحقق هذه القسمة، لما أن البيان عام في جميع الخلق، وكذا في الإضلال لو كان المراد منه تسمية العبد ضالاً لقيد ذلك بمشيئة العبد لا بمشيئة الله تعالى، لأن تسمية ضالاً إنما يترتب على اختياره الضلال وإيجاده عند الخصم، فيكون ذلك مقيداً بمشيئة العبد لا بمشيئة الله تعالى، فعلم بهذا أن الهدى هو خلق الاهتداء دون البيان، ولذلك نفى الله تعالى الهداية عن النبي صلى عليه السلام لمن يحبه بقوله: ?إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء?، ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي، لأن النبي عليه السلام كان يبين الطريق لعامة الخلق لمن أحب وأبغض، انتهى.\rويؤيد هذا قوله عليه السلام: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون).\rوالمولى الخيالي قد أوضح هذا المقام مع إجمال في الكلام حيث قال: ذهب الأشعري ومن تبعه إلى أن الهداية عبارة عن خلق الاهتداء والإيمان، والإضلال عبارة عن خلق الضلالة والكفران، فلا ينسبان عندهم حقيقة إلى غير الله تعالى، إذ لا خالق سواه، نعم قد يسند الهداية على سبيل المجاز إلى الرسل والقرآن، كما في قوله تعالى: ?إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم?، والإضلال إلى الأصنام والشياطين كما في قوله تعالى: ?رب إنهن أضللن كثيراً?.\rخلافاً للمعتزلة بناء على توهمهم الفاسد سقوط قاعدة التكليف والمدح والذم والثواب والعقاب، فحملوا الهداية على بيان طريق الحق والإرشاد إلى طريق الجنة في الآخرة، والإضلال على الإهلاك والتعذيب أو التسمية أو التلقيب بالضلال أو الوجدان ضالاً.","part":1,"page":105},{"id":107,"text":"وأورد عليهم ورود الهداية في مواضع من القرآن مقيدة بالمشيئة، فإن البيان عام لا يقبل التقييد، وقوله تعالى: ?إنك لا تهدي من أحببت? وقوله عليه السلام: ?اللهم اهد قومي? مع أنه بين لهم طريق الحق.\rوللمعتزلة أن يحملوها على إرشاد طريق الجنة في الآخرة أو على الدلائل الموصلة إلى البغية اشتراكاً أو مجازاً، كما حمل الأشعري قولهم: هداه فلم يهتد على المجاز، وكذا قوله تعالى: ?وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى?.\rومن هنا ظهر الجواب عما يقال: إنه لا معنى لتعليق الإضلال بمعنى التسمية والتلقيب بالضال أو الوجدان ضالاً على مشيئة الله تعالى، كما وقع في كتابه المجيد.\rثم الهداية قد يفسر بوجدان طريق يوصل إلى المطلوب، ومقابله الضلال بمعنى فقدان ما يوصل إليه، فعلى هذا يكونان لازمين.\rوالمشهور أنها عبارة عن الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب، وعند المعتزلة هي الدلالة الموصلة إلى المطلوب، انتهى.\rيعني أن الهداية المتعدية لها تفسيران: الأول إنها عبارة عن خلق الاهتداء، والثاني إنها عبارة عن الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، لكن الثاني هو المشهور بين العلماء.\rولما فرغ من بعض فروع مسألة خلق أفعال العباد شرع في بعض آخر منها، وهو مبحث الحسن والقبح، فقال:\rالحسن والقبح شرعيان لكنا……نقول بالعقل أيضاً قد ينالان\rقوله: الحسن مبتدأ، والقبح عطف عليه، واللام فيهما عوض عن المضاف إليه، أي حسن جميع الأفعال وقبحها.\rوقوله: شرعيان خبر مبتدأ محذوف، أي هما شرعيان، والجملة خبر المبتدأ الأول، ولكن حرف عطف، وشرط كونها للعطف أن تقع بعد النفي أو النهي، وأن يقع بعدهما المفرد، وأن لا يقدمها الواو، نحو ما قام زيد لكن عمرو، ولا تضرب زيداً لكن عمراً، وعن الكوفيين جواز العطف بها بعد الإثبات قياساً على بل، لأن معناها كمعنى بل، وغير الكوفيين لم يجوزوا كونها للعطف بعد الإثبات، لأنه لم يسمع، كذا قاله ابن هشام في شرح الشذور.","part":1,"page":106},{"id":108,"text":"والناظم المحقق جعلها للعطف، إما حملاً على مفهوم كلامه، إذ المعنى لا عقلياً عند الأشاعرة، وإما حملاً على مذهب الكوفيين، ولها حكم خاص لا يوجد في سائر الحروف العاطفة، وهي اتصالها بالضمير.\rوالمراد بضمير الجماعة معاشر الماتريدية، لأنهم ذهبوا إلى أن حسن بعض الأشياء وقبحها ينالان، أي يدركان بالعقل، وسنذكره في تفصيل هذه المسألة إن شاء الله تعالى، ولذلك أتي الناظم بلفظ قد المفيدة للجزئية في قوله: قد ينالان.\rوفي هذا البيت صنعة طباق من وجهين، فتأمل.\rثم اعلم أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان:\rالأول: كون الشيء ملائماً للطبع ومنافراً له، كالفرح والغم.\rوالثاني: كون الشيء صفة كمال وصفة نقصان، كالعلم والجهل.\rوالثالث: كون الشيء متعلق المدح والذم، كالعبادات والمعاصي.\rولا خلاف بين العلماء أنهما بالتفسيرين الأولين عقليان، وأما بالتفسير الثالث فقد اختلف فيه، فعند الأشعري حسن جميع الأفعال وقبحها شرعيان لا حظ للعقل فيهما، فيعرف الحسن منهما بأمر الشارع بأن قال: افعلوه، ويعرف القبح منها بنهي الشارع بأن قال: لا تفعلوه، فالله تعالى خلق بعض الأشياء حسناً فأمر به، وبعضاً قبيحاً فنهى عنه.\rحاصله أن كل ما ورد الأمر به فهو حسن، وكل ما ورد النهي عنه فهو قبيح.\rوعند المعتزلة الحاكم بالحسن والقبح هو العقل، لأن الأصلح واجب على الله تعالى بالعقل، وفعل الأصلح حسن وتركه قبيح.\rهذا خلاصة قول أهل الأصول، وأما خلاصة قول أهل الكلام على ما قاله المولى الخيالي: فهو أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان:\rالأول: هو أن الحسن تعلق المدح بالفعل عاجلاً والثواب آجلاً، والقبح تعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً.\rوالثاني: أن الحسن ملائمة الغرض، والقبح منافرته.","part":1,"page":107},{"id":109,"text":"والثالث: هو أن الحسن صفة الكمال، والقبح صفة النقصان، ولا نزاع في أن هذين المعنيين ثابتان بالعقل، وإنما وقع النزاع في الأول، فذهبت المعتزلة إلى أنه ثابت بالعقل، والشرع إنما ورد للكشف والبيان، وقد صرح في شرح المقاصد بأن بعض أهل السنة وهم الحنفية ذهبوا إلى أن حسن بعض الأشياء وقبحها مما يدرك بالعقل، كما هو رأي المعتزلة، كوجوب أول الواجبات، ووجوب التصديق بالنبي عليه السلام وحرمة تكذيبه دفعاً للتسلسل، وكحرمة الإشراك بالله تعالى ونسبة ما هو في غاية الشناعة إليه على من هو عارف به وبصفاته وكمالاته، ووجوب ترك ذلك.\rولا نزاع في أن كل واجب حسن وكل حرام قبيح، إلا أنهم لم يقولوا بالوجوب أو الحرمة على الله تعالى، وجعلوا الحاكم بالحسن والقبح والخالق لأفعال العباد هو الله تعالى، والعقل آلة لمعرفة بعض ذلك من غير إيجاب ولا توليد، بل بإيجاد الله تعالى من غير كسب في البعض ومع الكسب بالنظر الصحيح في البعض الآخر.\rوهذا معنى قول الناظم المحقق: لكنا نقول بالعقل أيضاً قد ينالان.\rوذهب الأشاعرة إلى أنه ثابت بالشرع مطلقاً، واحتجوا عليه بوجوه مذكور في المطولات.\rوأما الرد على المعتزلة فهو أن أفعال العباد مستندة إلى الله تعالى ابتداء بلا واسطة ولا تأثير لكل ما سواه في شيء منها البتة، كذا قاله الإمام السنوسي في شرح الجزائرية، ثم قال: والبحث في هذه المسألة طويل جداً، وقد بان الحق فيها فلا حاجة إلى التطويل، وبالله التوفيق، انتهى.\rولما كان ثبوت الحسن والقبح بالشرع موهماً بانتفاء قدرة العباد فيما صدر عنهم من الخير والفساد، ومشعراً لمذهب الجبرية من أهل العناد، عقب المحقق ثبوت تلك المسألة أن للعباد اختيارات جزئية وإرادات قلبية، دفعاً لذلك الإيهام ورداً على من يقول بالجبر من الأنام، فقال:\rوللعباد اختيار وهو كسبهم ……فيوصفون بطوع أو بعصيان","part":1,"page":108},{"id":110,"text":"الواو لعطف مسألة على مسألة، قوله: للعباد خبر مقدم، واختيار مبتدأ مؤخر، والمراد من العباد هاهنا المكلفون، وهم الإنس والجن والملك بقرينة قوله: يوصفون بطوع أو بعصيان، بخلاف ما سبق في بيت أفعال العباد، فإنه عام لجميع المخلوقات على ما بيناه سابقاً.\rوأصل معنى الاختيار إيثار فعل أحد الشيئين على الآخر، وقال بعض الأخيار في معنى الاختيار: هو بمعنى الإرادة صفة من شأنها أن تتعلق بكل من الطرفين بلا داع ولا مرجح، وهو المراد هنا، ولذلك فسره الناظم بالكسب الذي هو تعلق إرادة العبد وقدرته بفعله حيث قال: وهو كسبهم.\rوسكون الهاء من هو بعد الواو لغة مشهورة، بل قراءة متواترة من القرآن، وكذا إشباع ميم الجمع بالضم في كسبهم لغة مشهورة وقراءة متواترة، أخطأ من قال: إنهما من ضرورات الشعر.\rوالفاء في قوله: فيوصفون بأفعالهم لا خالقون لها(1)، بل الخالق هو الله تعالى، والعبد كاسب متصف بالطاعة والعصيان.\rوقد أثبت الله تعالى اسم الطاعة والعصيان في أفعال العباد بقوله: ?ومن يطع الله ورسوله?، وقوله تعالى: ?ومن يعص الله ورسوله?.\rوفي قول الناظم: فيوصفون بطوع أو بعصيان إشارة إلى أن مدار التكليف ومناط الثواب والعقاب هو الجزء الاختياري.\rوكلمة أو للتنويع والتقسيم، أشار بها إلى أن المكلف على ثلاثة أنواع:\rبعضهم مطيع لربهم دائماً وهم الأنبياء والمرسلون والملائكة المقربون، وبعضهم متصفون بالكفر والعصيان من الجن والإنسان، وهم الكفرة الفجرة، وبعض منها متصف بالطاعة والعصيان معاً وهم الفسقة المهرة (2).\rوفي هذا البيت صنعة طباق من وجوه، فتأمل.\rثم اعلم أن هذه المسألة مترجمة بمسألة الكسب، وهي من غوامض مباحث الكلام، حتى ضرب بها المثل بين الأنام، فقيل: أخفى من كسب الأشعري.\rوادعى بعضهم أنه اسم بلا مسمى، بل هو شبيه باللغز والمعما، فلا بد لنا هنا من خمسة مقامات:\r__________\r(1) ها هنا خلل لم أتبينه، جلال .\r(2) كذا بالأصل .","part":1,"page":109},{"id":111,"text":"المقام الأول: في معنى الكسب لغة واصطلاحاً وما يتعلق به.\rفالكسب لغة طلب الرزق، وأصله الجمع، وبابه ضرب، وكسب واكتسب بمعنى، كذا في مختار الصحاح.\rواصطلاحاً تعلق قدرة العبد وإرادته بفعله الاختياري.\rوقال صاحب التعرف: ومعنى الاكتساب أن يفعل بقوة محدثة.\rوقال بعضهم: معنى الكسب والاكتساب أن يفعل لجر منفعة أو دفع مضرة، لقوله تعالى: ?لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت? ولهذا لا يوصف به الله تعالى، بل يوصف به الخلق.\rوفرقوا بين الكسب والخلق بأن الكسب ما وقع بآلة، والخلق لا بآلة.\rوقيل: الكسب أمر لا يستقل به الكاسب، والخلق أمر يستقل به الخالق.\rوقال بهاء الدين في شرح الفقه الأكبر: ومعنى الكسب وتحقيقه أن قدرة الله تعالى وإن كانت مستقلة في أفعال العباد من غير احتياج إلى انضمام أمر آخر، لكنه سبحانه أجرى عادته وحكم حكمته أن لا يخلق فعلاً من أفعال عباده إلا بعد أن يريدوا ويعلقوا قدرتهم عليه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ليترتب الأسباب والمسببات، وينطبق المبدأ والمعاد، ويكون لله الحجة البالغة، فيكون تعلق قدرة العباد بفعل ما بحسب إرادته علة موجبة لوجود ذلك الفعل بحسب العادة الإلهية، وإن لم يكن لها فيه تأثيراً أصلاً ولدوران القدرة المؤثرة الإلهية على قدرة العبد وتعلقها بالفعل سميت تلك القدرة كاسبة، وتعليق العبد قدرته بإرادته بفعلٍ ما كسبا، انتهى.\rخلاصة هذا القول أن الكسب فعل له مدخل في وجود الأثر في محل هو الفاعل بلا صحة انفراده، فيكون مقدور الله تعالى قدرة إيجاد وتأثير، ومقدور العبد قدرة اتصاف واكتساب، عليها يترتب الثواب والعقاب.\rوالحاصل أنهم ذكروا في الكسب طريقين:\rالأول: أن الله تعالى أجرى عادته بأن العبد متى صمم العزم على الطاعة يخلقها الله تعالى فيه، ومتى صمم على المعصية يخلقها فيه.","part":1,"page":110},{"id":112,"text":"وهذا القدر كاف في إضافة الفعل إليه وكونه مخاطباً من الله تعالى بالوعد والوعيد والمدح والذم، لأن الفعل حصل بسبب عزمه.\rالثاني: أن ذات الفعل والحركات والسكنات وكونها طاعة أو معصية صفات تحصل لها بسبب صرف الحركات والسكنات في الطاعة أو المعصية، وذات الفعل بخلق الله تعالى، وكونهما طاعة أو معصية بفعل العبد وبسبب صرفهما إليها، وهذا القدر كاف في صحة الأمر والنهي.\rهذا ما ذكروه، كذا قاله شارح الصحائف، لكن قيل: الطريق الأول صعب مشكل جداً، لأن تصميم العبد أيضاً فعل، فيكون هو أيضاً واقعاً بقدرة الله تعالى، فلا يكون فيه للعبد مدخل أصلاً.\rولصعوبة مسألة خلق الأفعال أنكر السلف على المناظرين فيها من غير داع، لأنه مؤدي إلى دفع التكاليف واستقباحها، أو القول بالشريك، عصمنا الله تعالى وإياكم عن مزالق الأقدام في مثل هذا المقام بالنبي عليه السلام.\rهذا الذي ذكرناه من معنى الكسب هو عند العلماء الحنفية، وأما عند الأشعري فقد قال المولى الخيالي: الكسب عند الأشعري عبارة عن مقارنة قدرة العبد لأفعاله الاختيارية من غير أن يكون لها مدخل في وجودها، انتهى.\rأقول: هذا مخالف لما قالوا: إن الأشعري قال في عامة كتبه: معنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة، فمن وقع منه الفعل بقدرة محدثة فهو مكتسب، انتهى.\rفإن هذا الكلام من الشيخ الأشعري صريح في وقوع الفعل بقدرة محدثة، والوقوع فرع التأثر، غاية الأمر أنه لم يطلق على العبد أنه خالق أدباً، كذا في قصد السبيل.\rالمقام الثاني في بيان مذهب الجبرية\rالقائلين بأن العبد مجبور لا اختيار له البتة في شيء من أفعاله، وإنما هو آلة للفعل كالسكين للقاطع والشجرة للريح والباب للغلق، بل هو كخيط معلق في الهواء تميله الريح تارة يميناً وتارة شمالاً، فالحيوانات عندهم في أفعالها بمنزلة الجمادات.","part":1,"page":111},{"id":113,"text":"وحاصل قولهم نفي الكسب والاختيار بالكلية، ومبنى مذهبهم - على ما قاله اللقاني – أصلان: أحدهما لا بد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، وثانيهما أن الفاعل المختار لا بد أن يكون عالماً بتفاصيل أحوال أفعاله وتفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة.\rالمقام الثالث: في بيان مذهب أهل القدر والاعتزال\rفإنهم ومن وافقهم من أهل الزيغ والضلال مطبقون على أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرتهم على سبيل الاستقلال بلا إيجاب، بل باختيار.\rومبنى مذهبهم - على ما قاله اللقاني - أصلان أيضاً: أحدهما أن العبد لو لم يكن قادراً على فعله لما حسن المدح والذم والأمر والنهي.\rوثانيهما: أن أفعال العباد واقعة على وفق قصودهم ودواعيهم.\rوالجواب عن أصولهما الفاسدة وشبههما الكاسدة مذكور في المطولات.\rويرد قول الفريقين قوله تعالى: ?إياك نعبد وإياك نستعين? لأنه تعالى وصف عباده بالعبادة، وهي كسبهم، فيكون رداً على الجبرية، وأيضاً وصفهم بالاستعانة وهي تنافي الاستطاعة فيكون رداً على المعتزلة.\rالمقام الرابع: في بيان مذهب الشيخ الأشعري رضي الله عنه\rفإنه قال: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحدها وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما، فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً وإحداثاً ومكسوباً للعبد.\rوالمراد بكسبه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون لها تأثير ومدخل في وجوده سوى كونه محلاً له، حتى قال: فعل العبد بالاختيار لا بالاضطرار، ولكن الاختيار من الله تعالى بالجبر والاضطرار، فنحن مختارون في وقت أفعالنا ومضطرون في اختيارنا الذي بواسطته وجدت أفعالنا، فأفعالنا موجودة بالجبر والاضطرار.","part":1,"page":112},{"id":114,"text":"خلاصة مذهب الأشعري أن الاختيار عنده مقارن لخلق الأفعال وواسطة في خلقها، فيكون العبد مجبوراً في الاختيار، فيلزم منه أن يكون مجبوراً في الأفعال، هكذا قالوا.\rالمقام الخامس: في بيان مذهب الشيخ أبي منصور الماتريدي رضي الله عنه\rفإنه قال: إن لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في الفعل من غير تأثير الإيجاد، ويعبر عنه بالكسب.\rوتفصيله أنه لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله المستعان، وثبت أيضاً بالضرورة والبداهة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في بعض الأفعال كحركة البطش دون البعض كحركة الارتعاش، وذلك المدخل ليس مدخل إيجاد واختراع، إذ هو مختص به تعالى بالدلائل الواضحة، فعلمنا أنه نوع آخر يعبر عنه بالكسب والإرادة الجزئية وقصرت العبارة عنه إلا بلفظ الكسب، كما أن التفرقة بين اللذة والألم معلومة قطعاً، ولا يعبر عنه عنهما إلا بهذين اللفظين، وقد جعل الله تلك الإرادة الجزئية سبباً عادياً لخلق أفعال العباد.\rوتحقيقه أن ذات العبد وصفاته مخلوقتان لله تعالى، فصفة الإرادة قابلة للضدين، أي الفعل والترك على البدل، وكذا القدرة، فأنفسهما مخلوقة لله تعالى، لكن تعلقهما وصرفهما إلى خصوص أفعال جزئية من العبد، وذلك الصرف من قبيل الحال لا موجودة ولا معدومة، لكنها قائمة بموجود كالعالمية، وهي النسبة بين العالم والمعلوم، والأمور النسبية لا وجود لها في الخارج، كذا قرر في محله، فصرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد الله الفعل عقيب ذلك خلق، والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور الله بجهة الإيجاد ومقدور العبد بجهة الكسب، وقدرة الله مؤثرة وقدرة العبد غير مؤثرة.\rوهذا القول هو الحقيق بالقبول عند أكثر علماء الفحول، وموافق لقول السلف: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، وأيضاً موافق للعقل ومطابق للنقل من كتاب الله تعالى وكلام رسوله.","part":1,"page":113},{"id":115,"text":"قيل: هذا القول منقول عن جعفر الصادق وأولاده الكرام، وقيل: سمع هذا أيضاً من الإمام الأعظم حجة الإسلام أبي حنيفة رضي الله عنه، كذا في شرح الصحائف.\rوهاهنا سؤال مشهور، وله جواب مسطور، حاصل السؤال: أن الجبر لازم هنا قطعاً، لأن علم الله تعالى وإرادته إما أن يتعلقان بوجود الفعل فيجب، أو بعدمه فيمتنع لامتناع انقلاب علمه سبحانه وتعالى جهلاً، وامتناع تخلف مراده عن إرادته أصلاً، وحينئذ لا اختيار مع الوجوب والامتناع قطعاً.\rوحاصل الجواب: أنه سبحانه وتعالى يعلم ويريد أن العبد يفعل أو يترك باختياره، فلا إشكال في هذا المقال، والعلم عند الله الكبير المتعال.\rوقد علم مما سبق من كون الحسن والقبح شرعيين أن لا دخل للعقل في أحكام الله تعالى، إلا أن الناظم المحقق كرره بقوله:\rلا دخل للعقل في حكم الإله وفي … تجويز تعليله في البعض قولان\rليجعل هذا القول توطئة لبيان مسألة أخرى، وهي انتفاء الأغراض في أفعاله وأحكامه تعالى.\rوالمراد بحكم الإله هنا الإيجاب والتحريم المتعلقين بأفعال المكلفين، وهو المسمى الحكم الشرعي.\rيعني لا دخل ولا تعلق للعقل في تحسين جميع حكم الإله وتقبيحه، بل قيل: هو آلة لمعرفة بعض الأحكام كما صرح به فيما سبق من الكلام.\rقوله: وفي تجويز تعليله ابتداء المسألة، وهو من قبيل إضافة المصدر إلى مفعوله، وضمير تعليل راجع إلى الحكم، والتقدير: وفي بيان تجويز المجوزين تعليل بعض الأحكام قولان عند العلماء الأعيان.\rوالمراد من بعض الأحكام ما عدا بعثة الأنبياء عليهم السلام، لاهتداء الأنام، والحجة عليهم، وما عدا إظهار المعجزة لتصديق الأنبياء فإنه لا خلاف في تعليل هذين الحكمين، فمن أنكر التعليل فيهما فقد أنكر النبوة، كذا قاله صاحب المعارف.\rوالمراد من القولين نفي الجواز وإثباته، أما المثبتون فهم الماتريدية وأكثر الفقهاء وبعض المعتزلة، وأما النافون فهم الأشاعرة.","part":1,"page":114},{"id":116,"text":"قال شارح الصحائف: اختلف العلماء في تعليل أفعال الله وأحكامه، فقالت المعتزلة وأكثر الفقهاء إنها معللة برعاية مصالح العباد، وذهب آخرون إلى امتناع تعليل أفعاله وأحكامه تعالى، انتهى.\rاحتج الفريق الأول عقلاً ونقلاً، أما عقلاً فلأنه تعالى لو لم يفعل لغرض أصلاً يلزم العبث، وهو على القادر الحكيم الغني محال.\rوأما نقلاً فهو قوله تعالى: ?وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون?، وقوله تعالى: ?وما أمروا إلا ليعبدوا الله? وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم، ودالة على تعليل أفعال الله الكريم.\rواحتج الفريق الثاني، وهم النافون، حيث قالوا: لا شك أن التعليل بالأغراض مستحيل في حقه تعالى مطلقاً، سواء كان الغرض راجعاً إليه تعالى أو إلى خلقه.\rأما وجه استحالة الغرض الراجع إليه تعالى فلأنه إن كان ذلك الغرض الباعث على الفعل قديماً وجب قدم العالم ولزم كون أفعاله تعالى بالإيجاب العقلي كما هو مذهب الفلاسفة أبعدهم الله تعالى.\rوإن كان الغرض حادثاً يتصف به عند إيجاد الأفعال لزم نقصه تعالى في ذاته وكونه مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، وإنه باطل.\rوأما وجه استحالة التعليل بالغرض الراجع إلى خلقه فهو أنه لا يجب عليه إيصال غرض إلى شيء من مخلوقاته، إذ لا يجب عليه تعالى مراعاة صلاح ولا أصلح على ما يأتي بيانه في محله، كذا قال الإمام السنوسي في شرح الجزائرية.\rوقال إبراهيم اللقاني في شرح الجوهرة: مذهب الأشاعرة أن أفعال الباري تعالى ليست معللة بالأغراض والمصالح، والغرض ما لأجله يصدر الفعل عن الفاعل، ومذهب الماتريدية امتناع خلو فعله عن المصلحة، ولزومها في جميع أفعاله، غاية الأمر أنا لقصر عقولنا لم نطلع عليها في كل أفعاله، وذلك لا يوجب انتفاؤها في نفس.","part":1,"page":115},{"id":117,"text":"قال السعد:والحق أن تعليل بعض الأفعال سيما الأحكام الشرعية بالحكم والمصالح ظاهر كإيجاب الحدود والكفارات وتحريم المسكرات وما أشبه ذلك، والنصوص أيضاً شاهدة بذلك كقوله تعالى: ?وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون?، انتهى (1).\rوليس فيه ما يرد مذهب الأشاعرة إذ يقولون بالحكمة والمصلحة في نفس الأمر، لأنهم يمنعون العبث في أفعاله تعالى، كما يمنعون الغرض، ولذلك كان التعبدي من الأحكام ما لم نطلع على حكمته لا ما لا حكمة له، على أن بعضهم نقل عن الأشاعرة أنهم إنما ينفون وجوب التعليل لا أنهم يحيلونه، كما صرح به ابن عقيل الحنبلي، وهو غريب، انتهى قول اللقاني.\rوالأشاعرة لا ينكرون كون فعل الله تعالى متضمناً لحكم ومصالح، وإن أنكروا كون أفعال الله معللة بالأغراض بناء على أن الغرض لا بد وأن يكون وجوده أولى من عدمه بالنسبة إلى الفاعل نفسه، فيلزم استكمال الواجب بالغرض، مع أنه ينافي الوجوب، كذا قال بهاء الدين.\rقيل: وعلى هذا يكون النزاع بين الأشاعرة والماتريدية قريباً إلى النزاع اللفظي، لأن من قال: أفعال الله غير معللة بالغرض بمعنى الباعث على الفعل بحيث لولاه لم يفعله، ومن قال: إنها معللة أراد أنها معللة برعاية مصالح العباد، ويؤيد هذا قول صاحب التعرف: وأجمعوا أنه تعالى يفعل الأشياء لا لعلة، ولو كان لها علة لكان للعلة علة إلى ما لا يتناهى، وذلك باطل.\r__________\r(1) من الأفضل هنا نقل كلام الإمام السعد في بيان أنواع التعليل في حاشيته الأصولية، على ما نقله الإمام مصطفى صبري في الموقف، جلال .","part":1,"page":116},{"id":118,"text":"وقال شارح الصحائف: والحق في هذه المسألة أن الله تعالى قادر حكيم غني، ولا بد من الفعل أو الترك بالنسبة إليه تعالى واحد في المقدورية، لأنه لا يباشر الفعل كما نباشر أفعالنا، بل يكفي في حدوث الحوادث قوله: كن، فحينئذ يختار أولى الطرفين وأحسنهما وما لا يكون قبيحاً، إذ ترك الأولى بلا ضرورة وحاجة عن مثل هذا القادر نقص ومحال بالضرورة، وتلك الأولوية لا تكون بالنسبة إليه تعالى، لتنزهه عن ذلك، بل في نفس الأمر أو بالنسبة إلى العباد، والفعل على هذا الوجه غاية الكال، وخلافه عين النقص والعبث.\rوأيضاً لا خلاف أن بعثة الأنبياء لاهتداء الخلق والحجة عليهم، وإظهار المعجزة لتصديق الأنبياء، فمن أنكر التعليل أنكر النبوة، وكل دليل يأتي به يكون قادحاً في النبوة.\rفإن قلت: جاز أن يكون إنكارهم في غير هاتين الصورتين.\rقلت: دلائلهم في التعليل مطلقاً، فيكون دعواهم كلية، وأيضاً لو كان كذلك لكان دلائلهم منقوضة بهاتين الصورتين، والدلائل العقلية لا يقبل التخصيص، وما نقل عن الثقات أنها غير معللة معناه غير معللة بما يرجع نفعه إلى الله تعالى، إذ العرف أن يقال: إني ما فعلت هذا لغرض أو علة، أي بما يرجع نفعه إلي، لا أنه ما فعله لمصلحة أصلاً، انتهى.\rولما فرغ من ذكر الاختلاف في تجويز تعليل البعض من أفعال الله تعالى عقبه بذكر مسألة تكليف ما لا يطاق، لكون التكليف بها فعلاً من أفعال الله تعالى، فقال:\rولا يكلف عبد فوق طاقته……لكنه لا لعقل عاجز عان\rالواو لعطف مسألة على مسألة، ويكلف فعل مضارع مجهول، من التكليف، يقال: كلفه الشيء تكليفاً إذا أمره بشيء يشق عليه، فيتعدى إلى المفعولين بلا حرف الجر، وأما استعمال بعضهم المفعول الثاني بالباء فباعتبار معنى الأمر.\rولو قال الناظم: (ولا تكلف نفس فوق طاقتها) لكان مناسباً لقوله تعالى: ?لا يكلف الله نفساً إلا وسعها?.","part":1,"page":117},{"id":119,"text":"والأصل في كلمة فوق أنها ظرف من ظروف المكان، وتقابلها التحت، وقد تستعار للمنزلة والرتبة ونحو ذلك، وقد يجئ بمعنى أفضل وأرفع وأكثر، قال الله تعالى: ?يد الله فوق أيديهم? أي أفضل من أيديهم، وقال الله تعالى: ?والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة? أي أرفعهم بمنزلة يوم القيامة، وقال تعالى: ?وإن كن نساء فوق اثنتين? أي أكثر من اثنتين، كذا في كتاب الوجوه والنظائر، والمعنى الأخير هو المناسب في هذا المقام، فقول من قال: كلمة فوق اسم بمعنى ما لا يسعه الطاقة نشأ من قلة التدبر أو من الفاقة.\rقوله: لكنه، استدراك من فحوى الكلام ومفهومه، وضميره راجع إلى ذلك المفهوم.\rوكلمة لا حرف عطف، والمعطوف عليه محذوف، واللام في العقل بمعنى الباء.\rوعان اسم الفاعل من عنا إذا خضع وذل، فأعل إعلال قاض.\rوفي النهاية: العاني الأسير، وكل من ذل.\rفتقدير الكلام: نحن معاشر الحنفية نحكم بعدم وقوع التكليف بالمحال، لكن حكمنا إنما هو بالدليل القرآني لا بالعقل العاجز العاني، فإن العقل عاجز قاصر في فهم أمثال ذلك الأحكام، لجواز أن يقع لحكمة معلومة عند العليم العلام.\rحاصل ما ذكره المحقق أنا نستدل في هذه المسألة بالدليل النقلي فقط، لا بالدليل العقلي، وإن استدل بعض الحنفية بهما جميعاً، على ما ذكروا في كتب الكلام.\rثم اعلم أن ما لا يطاق له ثلاث مراتب:\rأقصاها أن يمتنع لذاته ونفس مفهومه، كجمع الضدين وقلب الحقائق، أي انقلاب واحد من الواجب والممكن والممتنع إلى الآخر، فلا يجوز التكليف بها، ولم يقع اتفاقاً، لأنها لا تدخل تحت القدرة القديمة، فضلاً عن الحادثة.\rوأوسطها أن لا يتعلق بها القدرة الحادثة أصلاً، كخلق الأجسام، أو عادة كحمل الجبال والصعود إلى السماء، فهذه المرتبة لا خلاف في عدم الوقوع، وأما جوازها فمختلف فيها.\rوفي شرح الصحائف: قال أكثر أهل العلم: تكليف ما لا يطاق محال، وذهب الأشعري وقوم من متابعيه إلى أنه جائز.","part":1,"page":118},{"id":120,"text":"وقال بهاء الدين في شرح الفقه الأكبر: والحق عندي جواز هذه المرتبة بالنظر إلى ذات الواجب وعنايته المطلقة وقدرته الكاملة وإرادته الشاملة، وأما بالنظر إلى حكمته ورأفته على عباده فالأقرب عدم جوازها لأن منافاتها لحكمة الحكيم ورأفة الكريم أظهر من أن يخفى، وأما تكليف الملائكة بإنباء الأسماء مع أنه غير مطاق لهم فتكليف تعجيز لا تحقيق، وكلامنا ليس إلا في الثاني، وأما صدور أفعال العباد عن قدرة الله دون قدرة العبد على ما هو الحق فلا يوجب كون الأفعال غير مطاق، بل يكفي في طاقة العبد أن لا يتخلف تأثير قدرة الله تعالى عن قدرة العبد وإرادته بطريق جري عادة الله عليه، انتهى.\rوأدناها أن يمتنع لتعلق علمه تعالى وإرادته بعدم وقوعها، كإيمان فرعون وأبي جهل وأبي لهب وسائر الكفار الذين ماتوا على الكفر، فقد اتفق الكل [على] جوازها ووقوعها شرعاً، بل قالوا: إن هذه المرتبة ليست من قبيل تكليف ما لا يطاق بالنظر إلى ذاتها، لأن لقدرة العبد تأثير في أفعاله توسطاً بين الجبر والقدر على ما عرف في محله، على أن علمه تعالى بأنه لا يؤمن باختياره لا يخرجه عن حيز الإمكان، كذا في مدار الفحول شرح منار الأصول.\rولما فرغ من بعض فروع مسألة خلق الأفعال شرع بعض منها فقال:\rلو كان أصلح فرضاً ما ابتلى أحداً بالكفر والفقر والبلوى وأحزان…\rأصلح اسم تفضيل، والمضاف إليه مقدار، أي أصلح الأفعال وأنفعها، لأن استعمال اسم التفضيل لا يخلو من أحد ثلاثة أشياء لفظاً أو تقديراً، كذا قرر في كتب العربية قاطبة، فقول من قال: الأولى الأصلح فليس قولاً بالأصلح.\rومعنى الفرض هنا الإلزام والإيجاب، ومنه قوله تعالى: ?.. فرض عليك.. لرادك..? أي أوجب عليك العمل به، فيكون المراد منه الوجوب الشرعي الذي يستحق تاركه الذم والعقاب، ويحتمل أن يكون الفرض بمعنى الوجوب العقلي المفسر بما لابد أن يفعله سبحانه وتعالى لقيام الداعي وانتفاء الصارف.","part":1,"page":119},{"id":121,"text":"فوجوب الأصلح على الله تعالى محال على كلا المعنيين، إلا أن أكثر أهل الحق مبني على المعنى الأول، وأما المعتزلة فبعضهم فسر الوجوب هنا بالتفسير الأول، وبعضهم بالثاني، كما قال إبراهيم اللقاني.\rوصلة الفرض محذوف، وهو على الله، وما في ما ابتلى نافية.\rوفاعل ابتلى راجع إلى المذكور معنى، وهو الله تعالى.\rوأحداً مفعول ابتلى.\rوالابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، وهنا مجاز عن معنى المعاملة، لأن الله تعالى منزه عن الاختبار.\rوالبلوى البلية والبلاء واحد، وهو إصابة المكروه.\rقوله: وأحزان، عطف على البلوى من قبيل عطف اللازم على الملزوم، وتجريده عن حرف التعريف للضرورة.\rثم اعلم أن أهل الحق أجمعوا على أن جميع ما فعل الله عباده من الإحسان والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف، تفضل منه، ولو لم يفعل ذلك لكان جائزاً، وليس على الله واجب.\rاستدلوا على عدم وجوب الأصلح على الله تعالى بالمعقول والمنقول.\rأما المعقول فمن وجوه:\rالأول ما ذكره الناظم من أنه لو كان الأصلح للعباد واجباً على الله تعالى لما خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة، سيما المبتلى بالأسقام والآلام وسائر أنواع المحن والملام.\rلو كان(1) ذلك لما وجب على العباد شكر الله تعالى على فعل، لكونه أداء للواجب عليه، كمن يرد ودايعه إلى صاحبه ويؤدي ديناً عليه.\rالثالث: أن مقدورات الله تعالى غير متناهية، فأي قدر عليه يضبطونه في الأصلح ففوقه هو أعلى منه فيجب لا إلى حد.\rالرابع: لو وجب رعاية الأصلح على الله لما أمات الأنبياء والأولياء المرشدين، ولما أبقى إبليس وذرياته المفسدين.\rوبالجملة لو وجب عليه تعالى الأصلح للعباد لما وجدت محنة دنيوية ولا إخروية.\rوأما المنقول فكثير، منه قوله تعالى: ?يضل من يشاء ويهدي من يشاء?، وقوله تعالى: ?ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها?.\rوقوله تعالى: ?لا يسئل عما يفعل وهم يسألون?.\r__________\r(1) سقط من أول الفقرة بعض الكلمات، جلال .","part":1,"page":120},{"id":122,"text":"ونحو ذلك من الآيات دالة على عدم وجوب الأصلح.\rوذهب جمهور المعتزلة إلى أن رعاية الأصلح للعباد واجبة، فمعتزلة البصرة خصصوها بالأمور الدينية، وأرادوا بالأصلح الأنفع في باب الدين، ومعتزلة بغداد عموها بالأمور الدينية والدنيوية، وأرادوا بالأصلح الأوفق للحكمة والتدبير.\rوالناظم رحمه الله رد الفريقين بالكفر والفقر والبلوى وأحزان.\rواعتمادهم في ذلك على قياس الغائب على الشاهد حيث قالوا: نحن نقطع بأن الحكيم إذا أمر بطاعته أحد وقدر على إعطاء ما يوصل المأمور إليها من غير تضرر بذلك ثم لم يفعل عد ذلك عند العقلاء في زمرة البخلاء.\rورد قولهم بأن ما قلتم في الشاهد كذلك، وأما في الغائب فليس كذلك.\rومن تفاريع مباحث خلق الأفعال مسألة الأرزاق، ولذلك نظمها الناظم سلك توابع الأفعال، فقال:\rوالرزق ما يسق للحيوان يأكله … محرماً أو مباحاً فهو قسمان\rفي المختار: قال الأزهري: يقال: رزق الله الخلق رزقاً بالكسر، والمصدر الحقيقي رزقاً والاسم يوضع موضع المصدر، انتهى.\rفهم من هذا الكلام أن الرزق بالكسر اسم ما ينتفع به، وقد يوضع موضع المصدر، وأما المصدر فبالفتح، ونظير هذا قولهم: الرعي بالكسر الكلاء، وبالفتح المصدر، فقول من قال: الرزق مصدر في الأصل سمي به المروق كالخلق بمعنى المخلوق يخالفه، فتأمل.\rوفي النهاية: الأرزاق نوعان: ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم، انتهى.\rوقوله تعالى: ?ومما رزقناهم ينفقون? يحتملها، والظاهر أن محل النزاع بيننا وبين المعتزلة هو النوع الأول.","part":1,"page":121},{"id":123,"text":"قال علماؤنا: إن الحرام رزق مثل الحلال، وقالت المعتزلة: الحرام ليس برزق، ومبنى الخلاف إنما نشأ من تفسير الرزق، هو عندنا مفسر بوجوه مذكورة في كتب الكلام، منها ما ذكره التفتازاني في شرح العقائد حيث قال: الرزق اسم ما يسوقه الله للحيوان فيأكله، وذلك قد يكون حلالاً وقد يكون حراماً، فسلك الناظم رحمه الله مسلك التفتازاني في تعرفي الرزق، وهو موافق لما اختاره بعضهم من أن الرزق هو كل ما يتغدى به الحيوانات من الأغذية والأشربة لا غير، ولكن قال صاحب الأبكار: والمختار أنه ما انتفع به حي، سواء كان بالتغذي أو بغيره، مباحاً كان أو محرماً، وإنما كان هذه مختاراً لأنه دخل فيه رزق الإنسان والدواب وغيرها، وشمل المأكول وغيره.\rومعنى الإضافة إلى الله تعالى يفهم من قوله: مباحاً أو محرماً، فلا يرد قول من قال: خال عن معنى الإضافة إلى الله تعالى.\rنعم يرد على هذا التفسير جواز أن يأكل شخص رزق غيره وأن يأكل غيره رزقه، هو خلاف مذهب أهل الحق، فالاعتماد والتعويل على ما ذكره الناظم الجليل.\rوأما عند المعتزلة فمفسر بوجوه ثلاثة، لأنهم تارة فسروه بأنه مملوك يأكله المالك، وتارة بأنه الحلال، وتارة بما لا يمنعه الشارع من الانتفاع به، وذلك لا يكون إلا حلالاً.\rويرد عليهم على التفسير الأول أن لا يكون ما يأكله الدواب، بل العبيد والإماء رزقاً.\rويلزم على التفسير الأول والثاني معاً أن من أكل الحرام طول عمره لم يرزقه الله شيئاً، وهو خلاف ما ثبت بالإجماع.\rويرد على الوجوه الثلاثة قوله تعالى: ?وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها?.\rومن تمسكاتهم أنهم قالوا: لو كان الحرام رزقاً لما جاز الذم والعقاب على أكله.\rقلنا: ذلك لسوء مباشرة أسبابه باختياره، وارتكابه للنهي عنه.","part":1,"page":122},{"id":124,"text":"ومن فروع هذه المسألة قول أهل الكلام في هذا المقام: وكل يستوفي رزق نفسه، لا يأكل أحد رزق غيره، ولا غيره رزقه، لأن ما قدره الله غذاء شخص يجب أن يأكله، ويمتنع أن يأكل غيره.\rوأما الرزق بمعنى الملك فلا يمتنع أن يأكله غيره، وكذا الرزق بمعنى الانتفاع، إذ يجوز أن يكون المأكول رزقاً لأحد بالانتفاع به من غير جهة الأكل، وينتفع به آخر بالأكل.\rقال صاحب الانتقاد: والحق في هذه المسألة أنه لا خلاف في الحقيقة، بل هو نزاع لفظي، ولا مناقشة في الاصطلاحات، غاية ما في الباب أن اصطلاحهم يؤدي إلى خلف خبر الله تعالى.\rويؤيده قول الشيخ أبي الحسن الرستغنيني وأبي إسحاق الإسفراييني، فإنهما قالا: الخلاف في هذه المسألة من حيث العبارة لا غير، وهو الصواب، انتهى.\rوكذا قال الشيخ علي القاري في شرح الفقه الأكبر.\rثم قول الناظم: يأكل، جملة حالية، قيد من قيود التعريف، وكذا قوله: محرماً أو مباحاً جزء من أجزائه، كما وقع في تعريف صاحب الأبكار، فقول من قال: لا دخل لهما في التعريف، بل هو تصريح منه بأنه ينقسم عندنا إلى ذينك القسمين، لا كما زعمت المعتزلة من اختصاصه بالحلال، ليس في محله.\rوفي ذكر لفظ المباح في مقابلة المحرم من غير داع كلام، فتأمل.\rوسكون هاء هو بعد الفاء لغة.\rولما كان كل واحد من الأرزاق والآجال مقدر بتقدير الله تعالى، ولا يزيد على ما هو مقدر في الأزل ولا ينقص، ناسب ذكر أحدهما عقيب الآخر فقال:\rولا يقدم حيوان على أجل……وإن تقطع في اتياب غيلان\rالواو لعطف مسألة على مسألة كما مر آنفاً، ويقدم بفتح الدال مع التشديد فعل مضارع من التقديم، والحيوان نائب فاعل، ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل من قدم بمعنى تقدم، ويؤيد الأول قوله تعالى: ?ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها?، ويقوي الثاني قوله تعالى: ?إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون?.\rوعلى كلا الوجهين فلا تسامح في عبارة الناظم كما ظن الشارح العالي.","part":1,"page":123},{"id":125,"text":"والأجل لغة الوقت المضروب، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها، ولذا يقال أجل هذا الدين شهران وآخر الشهر.\rوعرفاً هو منتهى زمن الحياة، ولذا يفسر بالوقت الذي حكم الله تعالى بطلان حياة الحيوان فيه، وهو الشائع في استعمال أهل الكلام.\rوتنوين أجل عوض عن المضاف إليه، أي على أجله.\rوإن في قوله: وإن تقطع، وصلية، وهذا الجملة عطف على محذوف، أي إن لم يتقطع وإن تقطع، والجملتان في محل النصب على الحالية من حيوان، أي لا يقدم حيوان على أجله مستوياً تقطعه وعدم تقطعه.\rويجوز للجملة الشرطية أن تقع حالاً، إذا شرط فيها الشيء ونقيضه، نحو: لا ضربته إن ذهب وإن مكث، كذا قالوا في أمثاله.\rوتقطع مطاوع قطع، يقال: قطع الشيء فتقطع.\rوالغيلان جمع غول، وهو جنس الجن والشياطين، وأريد به هنا كل ما يهلك الحيوان من المكلف وغيره.\rولو قال الناظم: وإن تقطع في أسياف إنسان لكان أحسن، فتأمل.\rثم اعلم أن هنا حكمان:\rالأول: أن المقتول ميت بأجله، وزعم كثير من المعتزلة أن المقتول قد قطع عليه أجله، وهو الوقت الذي علم الله موته فيه لولا القتل، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى الوقت الذي علم الله موته فيه على تقدير عدم القتل.\rوقال أبو الهذيل: إنه لو لم يقتل لمات في ذلك الوقت البتة.\rوكلا القولين باطل، إذ مذهبنا أن المقتول ميت بأجله من غير تقدم عليه ولا تأخر عنه، وأنه لو لم يقتل لانقطع، ولا نجزم بوجود الأجل وعدمه، فلا قطع بالموت ولا بالحياة، لأن اللازم إذا قدرنا عدم قتله إمكان بقائه وموته، لا الجزم بأحدهما.\rوالحكم الثاني: أن الأجل واحد، قال التفتازاني: زعم الكعبي من المعتزلة أن المقتول له أجلان: القتل والموت، وأنه لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، وزعمت الفلاسفة أن للحيوان أجلاً طبيعياً وهو وقت موته بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين، وأجلاً افتراسية بحسب الآفات والأمراض.\rوكلا القولين أيضاً باطل.\rواستدل أهل الحق عقلاً ونقلاً:","part":1,"page":124},{"id":126,"text":"أما عقلاً فلأن علم الله تعالى تعلق أولاً بالمعلومات على ما هي عليه، فيلزم أن يكون الأجل المقدر لموت كل حي واحد لا يمكن فيه التبدل والتغير، إذ تقدير الأجل إنما هو على وفق علم الله تعالى، وعلمه تعالى يستحيل التخلف عليه.\rوأما نقلاً فبقوله تعالى: ?إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون?، وبالحديث المعروف أن الله يبعث عند تصوير العبد في بطون أمه ملكاً فيكتب على جبهته رزقه وأجله وسعادته وشقاوته، فهذه الآية والحديث الشريف يدلان على أن أجل المقتول غير مقطوع عليه، بل هو أجله المقدر.\rواحتجب المعتزلة عقلاً ونقلاً.\rأما الأول: فلأنهم قالوا: لو كان المقتول ميتاً بأجله لما استحق القاتل ذماً ولا عقاباً، ولا أولياء المقتول دية ولا قصاصاً.\rوأما الثاني: فبقوله تعالى: ?ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده?، وقوله تعالى: ?وما يعمر من معمر ولا نقص من عمره إلا في كتاب?، وبالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات يزيد في العمر مثل قوله عليه السلام: ?لا يزيد في العمر إلا البر?.\rوالجواب عن الأول: أن أحكام الله وأفعاله تعالى غير معللة كما سبق، وأيضاً فوجوب العقاب والدية والقصاص على القاتل لارتكابه النهي وكسبه القتل الذي يخلق الله تعالى عقيبه الجرح والموت بطريق جري العادة، مع القطع بأن حركات القاتل وما وجد معها كل ذلك واقع بمحض خلق الله تعالى بلا واسطة.\rوعن الثاني أن الأجلين المذكورين في هذه الآية الكريمة ليسا أجلا حياة كل حي، بل الأول هو الأجل المقدر لحياة كل حي، والأجل الثاني هو الأجل المقدر لحياة العوام كلها وقيام الساعة، ولهذا وصفه بأنه مسمى عنده، إشارة إلى أنه لا يعمله غيره، كما قال في الساعة: ?قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو?.","part":1,"page":125},{"id":127,"text":"وعن الثالث: أن الضمير في قوله تعالى: ?وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره? راجع إلى مطلق العمر، ونظيره قولك: له درهم ونصفه، والمعنى ولا ينقص عمر شخص من أعمار أقرانه ومدد أمثاله، وقد جرت عادة الله سبحانه بالطول فيها وبالقصر فيها، وليس المراد من الآية تنقيص عمره الواقع في علم الله تعالى، وكيف يسوغ اعتقاد ذلك وفيه تغيير علمه تعالى، ويصح حمل الزيادة والنقص في هذه الآية على المحو والإثبات المعتورين على صحف الملائكة، إذ قد يثبت شيء في صحيفتهم مطلقاً وهو مقيد في علم الله تعالى، ولذلك حمل المحققون قوله تعالى: ?يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب?.\rوعن الرابع: بأن الله تعالى كا يعلم أنه لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين سنة مثلاً، لكن علم تعالى أنه يفعلها ليكون عمره سبعين سنة مثلاً، فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعات بناء على أنها أمارات عليها في علم الله تعالى، وأنها لو لم تكن لما كانت الزيادة قبل.\rوفي هذا الجواب نظر، لأنه يعود إلى القول بتعدد الأجل كما زعم الكعبي من المعتزلة، والمذهب أنه واحد، فالأوجه في الجواب أن يقال: المراد بالزيادة والنقصان بحسب الخير والبركة، كذا قاله علي القاري.\rومنهم من قال في الجواب: إن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية، ومنهم من قال: إن تلك الأحاديث صدرت في معرض الحث على بعض الطاعات بطريق المبالغة، يعني لو كان شيء يبسط به في أجل رجل لكان هذا، ويجوز فرض محال إذا تعلق به حكمة الملك المتعال.","part":1,"page":126},{"id":128,"text":"ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى قدر للخلق أقداراً، وضرب لهم آجالاً كما قال: ?وخلق كل شيء فقدره تقديراً? وقال: ?إنا كل شيء خلقناه بقدر?، وفي صحيح مسلم عن أبي عمير مرفوعاً أنه قال: ?قدر الله مقادير الحق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء?، وقال تعالى: ?ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها? وقال: ?وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً?، وأيضاً روي في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قالت أم حبيبة: اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ?قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجل الله شيئاً قبل حله، ولن يؤخر الله شيئاً عن محله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان خيراً وأفضل?.\rفالمقتول ميت بأجله، وقد علم الله وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض وهذا بسبب القتل وهذا بالهدم وهذا بالهرم وهذا بالغرق وهذا بالحرق وهذا بالقبض وهذا بالإسهال وهذا بالسم وهذا بالغم، والله سبحانه خلق الموت والحياة وخلق أسبابهما ولهذا كان أحمد بن حنبل يكره أن يدعى له بطول العمر ويقول: هذا أمر قد فرغ منه، وقد علم من حديث أم حبيبة أن الدعاء يكون مشروعاً نافعاً في بعض الأشياء وإن كان الكل تحت التقدير والقضاء، وحاصل هذه المسألة أن موت المقتول حادث بإيجاد الله تعالى كما أن وجود المقتول كائن بإيجاد الله تعالى لأنه هو المحي والمميت، بل وجود العالم بجميع أجزائها حادث بإحداث الله تعالى، ولذا عقب هذه المسألة بقوله:\rكل العناصر والأفلاك حادثة …وجزؤها جوهر فرد ببرهان","part":1,"page":127},{"id":129,"text":"العناصر جمع عنصر، وهو الذي تتألف منه الأجسام المختلفة الطبائع، وهو أربعة: الأرض والماء والهواء والنار، والمراد من العناصر الأجسام السفليات، بقرينة المقابلة، وتلك الأجسام إما بسيطة أو مركبة، أما البسيط فهي العناصر الأربعة: أحدها: كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال والبلاد المعمورة وغيرها، وثانيها: كرة الماء وهي البحر المحيط، وهذه الأبحر الكثيرة الموجودة في هذه الربع المعمور وما فيها من الأودية العظيمة لا يعلم عددها إلا الله تعالى.\rوثالثها كرة الهواء، ورابعها كرة النار.\rوأما الأجسام المركبة فهي المعادن والنبات والحيوان على كثرة أقسامها وتباين أنواعها.\rوالأفلاك جمع فلك، والمراد بها الأجسام العلويات، فهي العرش والكرسي وسدرة المنتهى والسموات السبع وما فيها من الكواكب والملائكة واللوح والقلم والجنة.\rقوله: حادثة، خبر كل، ومعنى حادثة أي منتقلة من العدم إلى الوجود، لا قديمة كما زعمت الفلاسفة.\rقوله: جزؤها مبتدأ، والضمير راجع إلى كل واحد من العناصر والأفلاك، وجوهره خبره، وفرد صفة جوهر.\rوصف الناظم الجوهر بالفرد تبعاً لعبارة المتقدمين، وأما المتأخرون فهم يعبرون عنه بالجزء الذي لا يتجزأ.\rوفائدة الوصف إخراج المركب كالجسم، إذ الجوهر أعم من الجسم مطلقاً، لأنه قد يطلق على ما يساوي العين وما له قيام بذاته منقسماً كان أو لا، فيكون المراد بالفرد ما لا يقبل الانقسام أصلاً، لا قطعاً ولا كسراً ولا وهماً.\rوهذا البيت مشتمل على مطلبين:\rالأول: أن العالم بجميع أجزائه من العلويات والسفليات والأعيان والأعراض حادث، أي وجد بإيجاد الله تعالى بعد أن كان معدوماً، وهذا المطلب كثير الفوائد، بل من مهمات العقائد كما قاله السعد التفتازاني.\rوالمطلب الثاني : أن الأجسام من السفليات والعلويات كلها مركبة من الجوهر الفرد، يعني الجزء الذي لا يتجزأ، فإنه ثابت لا ينكر عندنا، وحادث يتركب جميع الأجسام منه، ومتناه.","part":1,"page":128},{"id":130,"text":"قال علي القاري في شرح بدأ الأمالي: وإثبات الجزء الذي لا يتجزأ من جملة الفوائد لا من ضرورات العقائد.\rوالمخالفون في المطلب الأول هم الفلاسفة، منهم أرستطاليس وأتباعه، ونقل عن أفلاطون القول بحدوث العالم، وأدلتهم العاطلة والأجوبة عن أقوالهم الباطلة مذكورة في المطولات، وبرهاننا في هذا المطلب كثيرة، ونحن نكتفي بواحدة منها فنقول:\rإن العالم محدث، لأنه اسم لكل ما سوى الله تعالى، وكل ما سوى الله تعالى محدث، ينتج من الشكل الأول أن العالم محدث.\rأما الصغرى فظاهر، وأما بيان الكبرى فنقول: إن كل ما سوى الله محدث، لأنه إما أعيان وإما أعراض، لأن كل واحد منهما إما أن يكون قائماً بنفسه أو لا، فالأول أعيان والثاني أعراض.\rوالأعيان إما جسم أو جوهر فرد، لأنها إن كانت مركبة فهو جسم، وإلا فهو جوهر فرد، فالكل محدث.\rوهذا البرهان مؤيد بما في القرآن من خلق السموات والأرض وما فيهن وإبداعهن الذي هو الإيجاد من كتم العدم بالإرادة والقصد إلى تحصيل غير الحاصل، وذلك أيضاً من ضروريات الدين لا ينكره إلا من عمي قلبه وختمت حواسه عن مشاهدة اليقين.\rوالمخالفون في المطلب الثاني هم جمهور الفلاسفة المتأخرون، كما قاله شارح الصحائف، فإنهم نفوا وجود الجزء الذي لا يتجزأ في الخارج، وذهبوا إلى تركيب الأجسام من الهيولى والصورة قائلين بقدمهما وقدم العالم، وقد أجمعوا على كفرهم وكفر من تبعهم من الأنام.\rوأدلتنا على إثبات الجوهر الفرد كثيرة، منها ما ذكره الأصفهاني أن الجسم قابل للقسمة، وكل ما هو قابل للقسمة ليس بواحد، لنه لو كان واحداً لفاتت به وحدته بانقسام الجسم، لأن انقسام المحل يقتضي انقسام الحال.","part":1,"page":129},{"id":131,"text":"وحاصل معنى البيت أن العالم وهو ما سوى الله من الموجودات بظاهرها وباطنها وعلوياتها وسفلياتها وجواهرها وأعراضها حادث بإحداث الله تعالى إياه، وأن القول بكون الهيولى هو أصل العالم ومادة بني آدم باطل عند جميع أهل الملل من أهل الإسلام واليهود والنصارى وغيرهم من أتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rوعلم من مضمون البيت السابق أن العلويات مع أوضاعها من الحركات والسكنات وأن السفليات مع الحوادث الواقعة فيها حادثان بإحداث الله تعالى، ومستندتان إلى الله تعالى وليس شيء منهما مؤثراً في الآخر، ولا علة له كما زعمه المنجمون، فالناظم المحقق أشار إلى هذا الحكم بقوله:\rللعلو والسفل ربط لا بتعليل …إذ قد يدور مدار بل مضافان\rالعلو بضم العين وكسرها ضد السفل بضم السين وكسرها، وهما في الأصل بمعنى الفوق والتحت، يقال: علو الدار وسفلها، كذا في المختار، فقول من قال: إنهما مصدران سمّى بها جانب الفوق والتحت غلط، وإنما المصدر هو العلو بضمتين.\rوقول الناظم من قبيل ذكر المحل وإرادة الحال، فالمراد بالعلو الكواكب المتحركة بحركات الأفلاك، وبالسفل الحوادث الواقعة في عالمنا هذا، كما أشار إليه المولى الخيالي.\rوالباء في قوله: بالسفل متعلق بالربط، وهو في اللغة شد الشيء بالحبل وغيره، ومثله الارتباط.\rوفي المختار: ارتبط بمعنى ربط، وقيل: الربط التعلق بين الشيئين، كالنوط وزناً، ومعنى ربط العلو بالسفل هنا تعلق العلو بالسفل لا بجهة التعليل، بل بتقدير القادر الجليل، كما قال الملك الكريم: ?ذلك تقدير العزيز العليم?.","part":1,"page":130},{"id":132,"text":"قوله: إذ قد يدور مدار تعليل للنفي السابق، يعني أن للكواكب المتحركة الحاصلة في العلو ربطاً وتعلقاً للحوادث السفلية، وليست تلك الكواكب المتحركة بحركات الأفلاك علة للحوادث الحاصلة في السفل، ولا يدل عليها الدوران كما زعمه المنجمون والصابئون، حيث قالوا: إن الكواكب المتحركة بحركات الأفلاك هي العلل لحدوث الحوادث الواقعة في عالمنا هذا، وتمسكوا في ذلك بدوران الحوادث السفلية والتغيرات الواقعة في جوف فلك القمر وجوداً وعدماً مع ما لتلك الكواكب مع الأوضاع في البروج كما نشاهده في الفصول الأربعة وتأثيرات الطوالع، فرد الناظم رحمه الله قولهم هذا بأن نفى العلية المبنية على الدوران أولاً بالتصريح حيث قال: لا بتعليل، ثم أثبت النفي المذكور بقوله: إذ قد يدور مدار، يعني أنكم قد أثبتم هذه الدعوى بالدوران وهو لا يفيد العلية، لأن المدار أعني الكواكب أيضاً يدور على الحوادث، فيقال: إن الكواكب المخصوصة قد توجد عند وجود الحوادث المخصوصة وتنعدم عند عدمها، فلا يكون علية الكواكب أولى من عكسه، فإذا لا يفيد الدوران العلية سيما إذا تحقق التخلف بأن توجد الحوادث بدون أوضاع الكواكب، أو يوجد الوضع المخصوص بدون الحوادث، وذلك كثيرة جداً كما في التوأمين، فإن أحدهما قد يكون في غاية الشقاوة والآخر في غاية السعادة، وأما التفاوت بينهما في وقت الولادة فيكون بقدر درجة واحدة، وأنه لا يوجب التغير في الأحكام بالاتفاق.\rثم أضرب عن قوله: إذ قد يدور مدار للترقي في نفي إفادة الدوران العلية، يعني إن إفادة الدوران العلية يستلزم كون المعلول علة والعلة معلولاً، إذ قد يدور مع المعلول علته، بل قد يدور أمران متضايفان بلا تعليل، لأنه لو كان بتعليل لزم أن يكون [كل] منهما علة للآخر، وأنه باطل قطعاً.\rويشير إلى هذا التقدير قول بعض الأفاضل: (شعر)\rوجاز أن يصدر الاثنان من واحد…ولا اعتبار بأحكام بدوران","part":1,"page":131},{"id":133,"text":"إذ قد يدور مع المعلول علته …ودار من دون تعليل مضافان\rولقد أحسن هذا القائل في ترك الإضراب، إذ لا وجه له هنا أصلاً كما قاله المولى الخيالي.\rوأراد الناظم رحمه الله تعالى بالمدار هنا أوضاع الكواكب، وبالمضافان الشيئان المتضايفان مطلقاً لا أوضاع الكواكب والحوادث كما ظن هذا.\rويحتمل احتملاً بعيداً أن يكون بل هنا للانتقال من حكم إلى حكم آخر لا للإضراب، ويكون مضافان من الإضافة بمعنى النسبة لا من التضايف، والمعنى أن للكواكب المتحركة بحركات الأفلاك ربطاً وتعلقاً للحوادث السفلية وليست إحداهما علة للأخرى، لأن مبنى العلية على زعم القائلين بها الدوران، ولا اعتبار له في إثبات الأحكام، بل هما شيئان مضافان إلى خالقهما، وسيأتي ما يؤيد هذا المعنى في معنى الحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالى.\rوأصل هذا الحكم ما ذكره محي السنة في المصابيح، في باب الكهانة حيث قال: وعن زيد بن الجهني قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من [قال:] مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، قال شراح الحديث: النوء سقوط نجم من منازل القمر مع طلوع الصبح وهي ثمانية وعشرون نجماً يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة نجم منها في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكانوا يزعمون أنه لا بد وأن يحدث مع كل نوء منها مطر أو ريح أو غير ذلك ويضيفون الحوادث إليه، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك ونفاه.","part":1,"page":132},{"id":134,"text":"وفي جامع الأصول عن قتادة قال: خلق هذه النجوم لثلاث: جعله الله تعالى زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير هذا فقد أخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا يعنيه وما لا علم له به وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة صلوات الله عليهم أجمعين.\rوعن الربيع مثله، وزاد: والله ما جعل الله في نجم وحياة أحد ولا رزقه ولا موته، فإنما يفترون على [الله] الكذب ويتعللون بالنجوم، رواه البخاري، انتهى.\rوقال الإمام السنوسي في شرح الجزائرية: ومن هذيان المنجمين وأهل الفلسفة ما قالوا في هيئات الأفلاك وهيئات حركاتها وحركات أنجمها بمحض تخيلات هي أوهن من خيط العنكبوت، واللازم على الكامل في عقله ترك هذا النوع قولاً واعتقاداً إذ هو اتباع ما لا طريق إلى علمه، وقد قال الله تعالى: ?ولا تقف ما ليس لك به علم?، وكم من مخذول من الناس مصاب في عقله ودينه ترك ما يعنيه من تعلم العلوم الشرعية والعمل بمقتضاها وشغل نفسه بتعليم تلك العلوم الواهية التي قررها من لا قرار له من الفلاسفة لقصد الرياسة والإغراب عن الناس بالباطل المحض، انتهى مخلصاً.\rوقال علي القاري في ملحقات الفقه الأكبر: إن تصديق الكاهن بما يخبره من الغيب كفر، لقوله تعالى: ?قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله?، ولقوله عليه السلام: ?من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد?.\rثم الكاهن هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار في المكان، وقيل: الكاهن الساحر، والمنجم إذا ادعى العلم بالحوادث الآتية فهو مثل الكاهن، وفي معناه الرمال، انتهى.\rفائدة:\rإن الدوران لغة الطواف والحركة حول الشيء، واصطلاحاً: هو ترتب الشيء على الشيء الذي له صلوح العلية، كترتب الإسهال على شرب السقمونيات، و[يسمى] الشيء الأول دائراً والثاني يسمى مداراً.","part":1,"page":133},{"id":135,"text":"ولما فرغ الناظم من الإلهيات وما يعلق بها أراد أن يشرع في النبوات وما يتعلق بها، إذ هي الجزء الثاني من الإيمان فقال:\rاللهُ أرْسَلَ فينا بالهُدَى رُسلاً……مصدَّقين بآياتٍ وتبيانِ…\rالله مبتدأ، وجملة أرسل خبره، وتقديم المسند إليه هنا للتقوية فقط على ما ذهب إليه السكاكي.\rوأرسل يتعدى إلى مفعولين، أولها بنفسه وثانيهما بالحرف، وذلك الحرف يكون إلى غالباً، نحو قوله تعالى: ?إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر? أي بالإنذار.\rوقول الناظم رحمه الله: فينا، بمعنى إلينا، وقد يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل نحو قوله تعالى: ?وإني مرسلة إليهم بهدية?، وقول الناظم من هذا القبيل، إلا أنه أخر المفعول الأول لئلا يقع الفصل بين الموصوف والصفة، وهي قوله: مصدَّقين بفتح الدال، وقيل: أخر المفعول الأول للضرورة، وفيه لو قال: الله أرسل رسلاً بالهدى فينا بتخفيف الرسل كما هو لغة، لصح الوزن.\rقال اللقاني: والرسل جمع رسول، فعول بمعنى مفعول، نادر.\rوالظاهر أن المحقق رحمه الله ذهب إلى ترادف النبي والرسول، كما ذهب إليه التفتازاني في شرح المقاصد حيث قال: النبي إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحي إليه، وكذا الرسول، وقد يختص بمن له شريعة وكتاب فيكون أخص من النبي، انتهى.\rأقول: كونه أخص مطلقاً هو المشهور عند أكثر العلماء، بل هو المرجح عند البعض، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.\rوقيل: بينهما عموم وخصوص من وجه، فيجتمعان في الرسول من البشر، وينفرد النبي فيمن أوحى إليه من البشر ولم يؤمر بالتبليغ، وينفرد الرسول فيمن أوحى إليه من الملائكة وبعث إلى غيره.\rوقيل: هما متباينان وأن الرسل هم أصحاب الكتب والشرائع، والنبيون هم الذين يحكمون بالمنزل على غيرهم، مع أنهما يوحى إليهم، فالنبي غير الرسول والرسول غير النبي، كذا قاله الإمام السنوسي في شرح الجزائرية.","part":1,"page":134},{"id":136,"text":"وفي ذكر صيغة جمع الكثرة إشارة إلى ما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن عدد الأنبياء فقال: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً - وفي رواية: مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفاً - والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر - وفي رواية: وأربعة عشر -).\rوالأولى أن لا يتعرض لحصرهم في عدد معين، لأن هذا الحديث من خبر الواحد، وهو لا يفيد يقيناً، بل يفيد الظن وهو غير معتبر في الاعتقاديات.\rولأن حصر عددهم يخالف ظاهر النص، وهو قوله تعالى: ?منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك? فلا يؤمن من دخول من ليس فيهم وخروج بعضهم عنهم بناء على أن اسم العدد اسم خاص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان.\rقال مجاهد: وأولو العزم منهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وقيل: ستة، وقيل غير ذلك.\rوذهب العظماء من العلماء إلى أن أربعة من الأنبياء في زمرة الأحياء: الخضر والإلياس في الأرض، وعيسى وإدريس في السماء، كذا قاله الخيالي، وفيه بحث، لأن قوله عليه السلام في حق الخصر: (لو كان حياً لزارني) ينافيه.\rوأجيب بأنه يجوز أن يقع الزيارة بعد وروده، كذا في المشارق.\rوالآيات جمع آية، وهي طائفة من القرآن يتصل بعضها ببعض إلى انقطاعها، طويلةً كانت أو قصيرةً، وأصلها أوية كتمرة، قلبت عينها ألفاً على غير قياس من أوى إليه، فسميت المعجزة آية لأنها يؤوى إليها عند الاستدلال على النبوة.\rقال المولى الخيالي: وأراد بالآيات والتبيان المعجزات، فإنها من حيث إنها علامة وآلة بطريق جري العادة على تصديق الله إياهم تسمى آيات، ومن حيث إنها تبين وتوضح أمر النبوة تسمى تبياناً، انتهى.\rولا يخفى عليك أن عطف المفرد على الجمع يقتضي المغايرة بينهما.\rوالظاهر أن الناظم رحمه الله تعالى أراد بالآيات مطلق المعجزات، سواء كانت قولاً أو فعلاً أو تركاً، على ما سيأتي بيان الثلاثة.","part":1,"page":135},{"id":137,"text":"وأراد بالتبيان القرآن خاصة، إذ هو وصف القرآن كما وقع في الفرقان: ?ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين?، فيكون من باب عطف الخاص على العام، لكون القرآن أعظم المعجزات وأشرفها.\rوهنا ثلاث مقالات:\rالمقالة الأولى: في معنى المعجزة لغة واصطلاحاً\rأما لغة فهي اسم فاعل، مأخوذة من الإعجاز وهو إثبات العجز الذي هو ضد القدرة.\rوفي التحقيق: المعجز فاعل العجز في غيره، وهو الله سبحانه وتعالى، وسميت دلالات صدق الأنبياء وإعلام الرسل معجزة لعجز المرسل إليهم عن معارضتها.\rوالهاء فيه إما للمبالغة كعلامة ونسابة، وإما أن يكون صفة لموصوف محذوف كآية وعلامة، ذكره الطيبي.\rوقال ابن كمال: الإعجاز وصف المتحدي، أسند إلى ما يتحدى به مجازاً، من قبيل إسناد الشيء إلى سببه، ثم جعل اسماً للأمر المعهود [عند] المتكلمين.\rوالتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الاسمية كما في الحقيقة، وقيل: للمبالغة كما في العلامة لا للتأنيث، فيقال: القرآن معجزة، كما ذكره صاحب التمهيد.\rوقال في التسديد شرح التمهيد: وإن كانت هذه التاء للمبالغة كما في العلامة على ما ذكر في كتب الكلام الموثوق بها، لكن لم يخل عن معنى التأنيث، ولذلك وصفت هي في كتب اللغة بالتأنيث، فقال في الصحاح: المعجزة واحدة معجزات، وقال في المعرب: والمعجزة في اصطلاح المتكلمين معروفة، وأيضاً التاء في العلامة وإن كانت للمبالغة لا يوصف الله تعالى بها، فلا يقال: علامة بل يقال: علام، بدون التاء، صيانة لوصف الله تعالى عن شائبة التأنيث.\rوأما اصطلاحاً فقد عرفوها بتعريفات مختلفة، منها: قولهم: هي أمر خارق للعادة، داعية للخير والسعادة، مقرونة بدعوى النبوة، قصد بها إظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله.","part":1,"page":136},{"id":138,"text":"وقال المولى الخيالي: وهي في الاصطلاح عبارة عن أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى بمجرد إرادته على يد مدعي النبوة تصديقاً له في دعواه، فيجب أن يكون أمراً خارقاً للعادة لا يمكن معارضته، إذ لا دلالة على الصدق لغيره أن يكون فعل الله تعالى، إذ لا تصديق بما ليس من قبله، وفيه نظر.\rوأن يظهر على يد مدعي النبوة ليعلم أنه تصديق له، والظاهر أن الظهور على يد متبعيه كاف في صدقه، وإلى هذا يشير قول من قال: إن كرامات الأولياء معجزات للأنبياء، فليتدبر، وأن يوافق لدعواه وإلا لم يدل على صدقه، وأن لا يكون قبل الدعوى أن لا يعقل التصديق قبلها، وفيه تأمل، انتهى.\rالمقالة الثانية:\rفي أقسامها\rفهي تنقسم على ثلاثة أقسام: فعل وترك وقول.\rأما الفعل فكإحداث رياح وزلازل وحرق وغرق وإهلاك أشخاص ظالمة وتخريب بلدان فاسدة وانفجار الينابيع من الأحجار والأصابع.\rوأما الترك فكالإمساك عن الأكل والشرب برهة من الزمان بحيث لا يتعارف مثله.\rوأما القول فكالأخبار عن المغيبات الماضية والآتية بحيث لا يهتدي إليها عقول العقلاء وفحول الأذكياء، كذا قالوا.\rالمقالة الثالثة\rفي وجه دلالتها على صدق من أتى بها","part":1,"page":137},{"id":139,"text":"قال في الانتقاد شرح عمدة الاعتقاد: وجه دلالة المعجزة على صدق من أتي بها، وهو مدعي الرسالة، أنه مركوز في عقولنا وعلمنا يقيناً أن الله تعالى سامع لما يقوله هذا المدعي الرسالة، وأن يظهر من خوارق العادة على يده خارج عن مقدور البشر بل عن مقدور جميع المخلوقات ولا قدرة عليه إلا لله، فإذا ادعى الرسالة ثم قال: علامة صدق دعواي أن الله تعالى أرسلني أن يفعل كذا، ففعل الله ذلك، مثلاً أن يقول: إني رسول الله إليكم ودليلي على صدقي أن الله فعل فعلاً بسبب سؤال لا يقدر عليه جميع البشر، ثم قال: إلهي إن كنت صادقاً في دعوى الرسالة فسود وجه القمر، فسود عقيب سؤاله كان ذلك من الله تعالى بالضرورة تصديقاً لذلك المدعى فيما يدعيه من الرسالة بذلك الفعل الذي هو من نقض العادة، فيكون من فعله تعالى كقوله عقيب دعوى مدعي الرسالة: صدقت، لأن التصديق بالفعل كالتصديق بالقول، بل الفعل أبلغ من القول، إذ القول يحتمل الاستهزاء وهذا مما لا احتمال فيه بوجه من الوجوه، ويستحيل على الله تعالى تصديق الكاذب، فدل فعله تعالى على حسب سؤاله على أنه رسوله، انتهى.\rوالحاصل أنها ثلاث مقدمات، أحدها أن الله تعالى سامع دعوى هذا المدعي، وثانيها أن هذه الأشياء خارجة عن مقدور البشر، وثالثها: أن هذه الأشياء لما وجدت بخلق الله تعالى إذ لا قدرة عليها إلا لله، فلما كان كذلك كان ذلك من الله تعالى تصديقاً له في دعواه، إذ التصديق الفعلي بمنزلة القولي وذلك ثابت في الشرعيات وفي عرف الناس، وما ذكر في هذه المقالة الأخيرة تفصيل معنى قول الناظم رحمه الله: مصدقين بآيات وتبيان، فيكون مصدقون هم الرسل المؤيدون، والمصدق - بكسر الدال - هو الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.\rفائدة:\rأجمع المحققون على أن خوارق العادات تنقسم إلى ستة أقسام:\rمعجزة، وهي ما يظهر على يد الرسول تصديقاً له.\rوكرامة، وهي ما يظهر على يد الولي.","part":1,"page":138},{"id":140,"text":"وإعانة، وهي ما يظهر من قبل عوام المسلمين الذين لم يصلوا إلى درجة الولاية، ليخلصهم الله بها أو يخلص على أيديهم من محن الدنيا ومكارهها.\rوإهانة، وهي ما يظهر على مسيلمة مثلاً من ضد ما يقصد إليه، كدعائه لأعور أن تصير عينه العوراء صحيحة فصارت عينه الصحيحة عوراء.\rوإرهاص، وهو ما يظهر من الخوارق قبل دعوى النبوة، مقدمة لها وتأسيساً لأمرها.\rواستدراج وهي ما يظهر من الخوارق التي تظهر على يد من يحصل به إضلال الخلق كالدجال ونحوه.\rوفي إرسال الرسل حِكَم لا تحصى ومصالح لا تستقصى، ومن جملتها تكميل النفوس البشرية بحسب استعداداتهم المختلفة في العلميات والعمليات، وإليها أشار الناظم المحقق بقوله:\rلحاجة الخلق في حكم العقول إلى……متمم وكذا في علم أديان\rاللام في لحاجة متعلق بأرسل، وبيان لحكمة الإرسال، وفيه تضمين، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وقيل: أن يكون البيت الأول مفتقراً إلى البيت الثاني افتقاراً لازماً، وعلى كلا التقديرين فهو عيب في الشعر عند العروضيين.\rوالحاجة بمعنى الاحتياج، وألفها منقلبة عن الواو.\rوالخلق بمعنى المخلوق المراد منهم جنس المكلفين.\rوالحكم إثبات أمر أو نفيه، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي وعادي وعقلي، لأن الحاكم بالثبوت أو النفي إن كان الشرع فالحكم شرعي، وإن كان العادة فالحكم عادي، وإن كان العقل فالحكم عقلي.\rمثال الحكم الشرعي: ?أقيموا الصلاة? ?ولا تقربوا الزنا?.\rومثال الحكم العادي: النار محرقة.\rومثال الحكم العقلي: العلم حسن والجهل قبيح.\rوالمعنى: لحاجة في حكمهم العقلي.\rوالمراد بحكم العقول مصالح الدنيا من المعاملات والمناكحات وغيرها، مثل السياسات المتعقلة بشخص واحد أو أهل بيت، أو أهل بلد من الجماعات.\rفقوله: في حكم، ظرف الحاجة.\rوقوله: إلى متمم، صلة الحاجة.\rوفيه فائدتان:","part":1,"page":139},{"id":141,"text":"إحداهما: أن أفراد المتمم إشارة إلى أن المرسل إلى قوم معين في وقت معين يكون واحداً غالباً.\rوثانيهما: أن في لفظ المتمم إشارة إلى أن للعقل مدخلاً في الأحكام كما سبق من الناظم، إلا أنه غير تام، بل المتمم له هو الرسول المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق.\rقوله: وكذا في علم أديان، أي وكذا يحتاج الخلق إلى متمم في علم الأديان، أي علم الأعمال الظاهرة والباطنة من العمليات والاعتقاديات، فأديان جمع دين بمعنى الطاعة لا بمعنى الملة، فقول من قال: وجمع الأديان مع وحدة الدين باعتبار الرسل والأمم ليس في محله.\rثم اعلم أن إرسال الرسل من البشر إلى المكلفين من الثقلين جائز في حقه تعالى عقلاً عند أهل السنة بمحض فضل الله ولطفه، لكن الإيمان به واجب شرعاً تفصيلاً، وإجمالاً بمن علم منهم إجمالاً، قال الله تعالى: ?آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد منهم? بل نؤمن بالجميع.\rوعند المعتزلة واجب، على أصلهم الفاسد في وجوب مراعاة الصلاح أو الأصلح، وقد سبق فساد أصلهم.\rومذهب الحكماء كمذهب المعتزلة كما قاله اللقاني.\rوعند البراهمة والسمنية محال، بناء على قاعدة الحسن والقبح العقليين حيث قالوا: إن ما أتى به الرسول إن كان مما حسنه العقل فلا حاجة فيه إلى الرسول، [إذ] كل ما حسنه العقل فهو مقبول سواء أتى به الرسول أو لا، فيكون إرسال الرسول خالياً عن الفائدة، فهو لا يليق بشأنه تعالى، وإن كان ما أتى به الرسول مما قبحه العقل فكذلك لا حاجة فيه إلى الرسول، لأن كل ما قبحه العقل فهو مردود، سواء أتى به الرسول أو لا، لأن العقل حجة من حجج الله تعالى.","part":1,"page":140},{"id":142,"text":"والجواب: أن قاعدتهم هذه فاسدة وقد سبق بيانه، ولو سلمناها فقد يقال: إن ما يوافق العقل قد يستقل بمعرفته فيعاضده الرسول ويؤكده، بمنزلة توارد الأدلة العقلية على مدلول واحد، وقد لا يستقل بها فيدله الرسول عليه ويرشده إليه، وما يخالف العقل قد لا يكون مع الجزم فيدفعه الرسول أو يرفع عنه الاحتمال، وما لا يدرك حسنه ولا قبحه كالنظر لوجه العجوز الشوهاء وقد يكون حسناً يجب فعله أو قبيحاً يجب تركه مع أن العقول متفاوتة، فالتفويض إليها مظنة التنازع والتقابل، ويفضي إلى اختلال النظام، كما أشار إليه الناظم الهمام، بقوله:\rلولاه لم ينتظم أمر المعاش ولا ……أمر المعاد لإيثار وعدوان\rكلمة لولا حرف وضع لامتناع الشيء لوجود غيره، والضمير المتصل بها مبتدأ راجع إلى الرسول الدال عليه رسلا.\rوخبر هذا المبتدأ لازم الحذف، أي لولا الرسول المتمم المكارم الأخلاق موجود لم ينتظم أمر معاش الخلق ولا أمر معادهم، فالألف واللام في المعاد والمعاش عوض عن المضاف إليه.\rوالمراد بأمر المعاش مصالح الدنيا، وبأمر المعاد مصالح الدين، وفيه إشعار بأن عقول الخلق وإن كانت مدركة بحسن بعض الأشياء وقبحه إلا أن التفويض إليها مظنة التنازع لتفاوتها، فلا يتنظم بها أمر المعاش ولا أمر المعاد.\rوعلل عدم انتظامهما بها بقوله: لإيثار وعدوان، يعني أن الإنسان بطبعه مجبول على إيثار الخير واختياره لنفسه، وعلى العدوان لمن يخالفه في شيء من أمر الدنيا والدين، فيقع الاختلال في معاشهم ومعادهم.\rوفي بعض النسخ وقع المعاد أولا.\rوبين المعاش والمعاد جناس لاحق.\rوالظاهر أن هذا البيت دليل ثان للإرسال، كرره للتأكيد والإيضاح في البيان.\rقال المولى الخيالي: يعني أن فوائد النبوة والبعثة لا تقتصر على ما ذكر، بل لها فوائد أخر، وحاصلها إصلاح حال النوع على العموم في المعاش والمعاد وحفظ النظام عن الاختلال وتطرق الفساد على ما ينبغي.","part":1,"page":141},{"id":143,"text":"ولهذا ذهبت المعتزلة إلى وجوبها على الله تعالى لطفاً وصلاحاً للعباد، وأوجبها الفلاسفة أيضاً لكونها سبباً للخير العام المستحيل تركه في العناية الإلهية، ووافقهم جماعة من علماء ما وراء النهر، وقالوا: إنها من مقتضيات الحكمة الربانية، فيستحيل أن لا توجد، لتنزهه تعالى عن السفه والعبث، فتدبر، انتهى.\rلما فرغ عن إثبات النبوة عموماً أراد أن يشرع في إثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصاً، فقال:\rمحمد أفضل الرسل الذي سمعوا تصديقه من جمادات وذوبان\rمحمد مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: ممن أرسله الله محمداً، أو من الرسل المبعوث محمد، أو من المصدقين محمد.\rقوله: أفضل الرسل خبر مبتدأ محذوف، أي هو أفضل الرسل، وجملة الذي سمعوا صفة محمد، وما بين الصفة والموصوف جملة معترضة سيقت لبيان أفضلية رسولنا على جميع الرسل.\rويعلم منه أفضلية أمته عليه السلام على سائر الأمم، كما أشار إليه صاحب البردة بقوله:\rلما دعا الله داعينا لطاعته ……بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم\rوالرسل في قول المحقق يقرأ بسكون السين، لأنه لغة في ضمها، وقول من قال: يقرأ بإسكان السين للوزن ناش من عدم الوزن.\rوضمير سمعوا راجع إلى الأشخاص الذين حضروا وقت ظهور المعجزة.\rومعنى السماع هنا القبول.\rقوله: تصديقه مفعول سمعوا، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، وهو الله تعالى.\rوأراد بالتصديق التصديق الفعلي، لأنه بمنزلة القولي كما مر آنفاً، ولذلك جعلنا السماع بمعنى القبول، إذ معناه الأصلي إنما يتعلق بالتصديق القولي، فتأمل.\rوصلة التصديق محذوفة.\rوكلمة من بمعنى في متعلقة بمقدور، والتقدير سمعوا وقبلوا تصديق الله تعالى إياه بآيات الله ظاهرة منه بإظهاره تعالى في جمادات وذؤبان.","part":1,"page":142},{"id":144,"text":"ولفظ ذؤبان بضم الذال وسكون الهمزة جمع ذئب، ولو قال: تصديقه في جمادات وحيوان لكان أشمل وأحسن تقابلاً، لكن في ذكر ذؤبان نكتة لطيفة وهي أن محل المعجزة التي ظهرت في غير ذات الرسول والجمادات أو الحيوانات، والحيوانات لا تخلو إما أن تكون ذوات الإنس أو الموحشة، فظهور المعجزة في ذوات الوحشة أعجب وأغرب، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام كما لا يخفى على من تأمل في سياق الكلام، والعلم عند الله العزيز العلام.\rوهذا البيت مسوق لإثبات نبوة نبينا الكريم على وجه التخصيص بعد التعميم، وهو المقصد الأقصى والغرض الكلي، كذا قاله صاحب التسديد.\rوأما ذكر أفضليته عليه السلام فهو وارد على وجه الاطراد كما مر في تحرير المراد، فنقول في إثبات النبوة: إنه عليه السلام ادعى النبوة وأظهر المعجزة في يده، وكل من كان كذلك فهو نبي حق.\rأما دعوى النبوة فبالتواتر واتفاق الخصوم عليها.\rوأما إظهار المعجزة فلأنه أتى بأنواع كثيرة، منها ما ظهرت في ذاته الشريفة وفي جسمه اللطيفة كخاتم النبوة بين كتفيه وكطول قامته عند الطويل ووساطته عند الوسيط، وكرؤيته من خلفه كمن يرى من قدامه، وككونه مستجاب الدعوة، وكنبوع الماء من بين أصابعه إلى أن رويت جيشه ودوابهم.\r[و] منها ما ظهرت من الجمادات، سواء كانت أرضية أو سماوية، قال ابن عمر رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين تريد ؟ قال: أتوجه إلى أهلي، ثم قال له عليه السلام: هل لك من خير ؟ قال: وما هو ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فقال الأعرابي: هل لك من شاهد ؟ قال: أجل، هذه الشجرة، فدعى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على شط الوادي فأقبلت تخد الأرض خداً، حتى قامت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت له بالنبوة ورجعت إلى منبتها وآمن الأعرابي، وإليه أشار صاحب البردة:","part":1,"page":143},{"id":145,"text":"جاءت لدعوته الأشجار ساجدة …تمشي على ساق بلا قدم\rوفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما، انتهى.\rومنها ما ظهرت في الحيوانات، سواء كانت من الإنسيات، كقصة الجمل الذي استعمله أصحابه طويلاً، فلما كبر أرادوا نحره والجمل الذي جرجر إليه وأخبره بكثرة العمل وقلة العلف، فأمر أصحابه بالإحسان إليه، أو كانت من الوحشيات كما روى أبو هريرة رضي الله عنه وأبو سعيد وغيرهما أن الذئب كلم راعياً فأخبره ببعث النبي صلى الله عليه وسلم فجاء وأسلم، وكان أهبان بن أوس الأسلمي يرعى غنماً فجاء ذئب فوقف عنده وقال: العجب منك وأنت واقف مع غنمك وتركت نبياً لم يبعث الله نبياً قط أعظم منه قدراً عنده قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ينتظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب فتصير في جند الله تعالى، فذهب وأسلم.\rوروى وهب أن أبا سفيان وصفوان بن أمية وجدا ذئباً يطلب ظبياً حتى دخل الظبي في الحرم فوقف الذئب، فعجبنا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعو إلى النار.\rوفي بعض كتب السير روى أبو سعيد الخدري أن راعياً يرعى غنماً فوثب عليه ذئب إلى شاة، فاختطفها، فحال الراعي بين الذئب والشاة واسترجعها، فأقعى على ذنبه وقال للراعي: أما تتقي الله تعالى تحول بيني وبين رزقي ساقه الله إلي، فقال: العجب من ذئب يتكلم بكلام الناس، فقال الذئب: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، هذا رسول الله يحدث الناس بأنباء ما سبق، فأخذ الراعي الشاة إلى النبي عليه السلام، فأخبره بذلك، فقال: صدق، إن من اقتراب الساعة كلام السباع.","part":1,"page":144},{"id":146,"text":"والحاصل أن خوارقه عليه السلام كثيرة، وعند الأولين والآخرين شهيرة، بعضها إرهاصية ظهرت قبل النبوة، وبعضها تصديقية صدرت بعدها، والناظم المحقق أشار إلى أكثرها بعبارة مجملة متضمنة لمعان مفصلة، ثم أشعر بالعجز والقصور عن عد كمالات ذلك النور حيث قال:\rوأمره بين في حالتيه لمن…كانت له في اعتبار الحال عينان…\rأي شأنه في الرسالة بين لأهل البصائر، ومنكشف عند جميع القبائل والعشائر قبل النبوة وبعدها.\rوهذا دليل آخر على إثبات نبوته عليه السلام، خاصة كما سلك إليه الغزالي.\rوتقريره: أنه عليه السلام لم يقدم قط على أمر قبيح وإلا لنقله أعداؤه، وكان في غاية الفصاحة والبلاغة، حتى قال عليه السلام: (أوتيت جوامع الكلم) وكان في نهاية الصبر والسماحة لما تحمل في تبليغ الرسالة من أنواع المشاق من غير فتور في عزيمته، ثم إنه لما استولى على الأعداء وبلغ الرتبة العليا في نفاذ أمره في الأموال والأنفس لم يتغير عما كان عليه فكان في غاية الشفقة على الأمة والسخاوة، حتى خوطب بقوله تعالى: ?ولا تذهب نفسك عليهم حسرات?، وعوتب بقوله تعالى: ?ولا تبسطها كل البسط?.\rوكان لا يلتفت لزخارف الدنيا، حتى إن قريشاً عرض عليه المال والرياسة لم يلتفت إليهم أصلاً، وكان مع الفقراء والمساكين في غاية التواضع والمسكنة، ومع الأغنياء وأرباب الرياسة في غاية الترفع.\rوقد أوتي من علوم الأولين والآخرين كما يشهد به الزبر المؤلفة في التفاسير والأحكام، وقد أقدم عليه السلام حيث يحجم الأبطال، ولولا ثقته بعصمة الله تعالى إياه لامتنع ذلك منه، كذا ذكره الغزالي في كتابه المسمى بالمنقذ من الضلال، وارتضاه الجاحظ ممن أهل الاعتزال.","part":1,"page":145},{"id":147,"text":"وهنا مسلك آخر اختاره الإمام الرازي في كتابه المسمى بالمطالب العالية، وهو أنه عليه السلام بعث في قوم لا كتاب ولا حكمة لهم، بل هم كانوا عن الحق معرضين وعلى البطلان مصرين على وأد البنات وعبادة الأوثان، والفرس على عهر الأمهات وتعظيم النيران، والترك على درء العباد وتخريب البلدان، والهند على عبادة البقر وتعظيم الحجر بالسجود، واليهود على صنعة التزوير وكتم الحق بالجحود، والنصارى على التثليث في الفرد الصمد المعبود، فضلل آراءهم وسفه أحلامهم وأبطل مللهم وهدم دولهم مع كثرتهم أعواناً وأشياعاً، وقلته أصحاباً وأتباعاً، وكمل البرايا بالبر والإيمان، ونور العالم بالعلم والعرفان، وأظهر دينه على جميع الأديان، فاشتهر ذلك في الآفاق والأقطار، وصار كالشمس رابعة النهار.\rوهذا معنى قول الناظم: وأمره بين في حالتيه، أراد بالحالتين حالة ابتداءه وحالة انتهائه، أو حالة معاملته مع المؤمن الموافق وحالة مقاتلته مع الكافر المنافق.\rولما أثبت نبوته عليه السلام أراد أن يذكر نبذة من معجزاته فقال:\rإخباره عن عيوب كالحكاية عن بلوى تصيب بعثمان بن عفان\rيعني أن معجزات نبينا عليه السلام كثيرة، بعضها فعلية وبعضها قولية، فمن معجزاته القولية إخباره عن المغيبات الآتية، وذلك من الحكاية عن بلوى أصابت بعثمان بن عفان رضي الله عنه.\rذكر البخاري في مناقبه أن حماداً روى عن أيوب عن أبي عثمان عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل حائطاً وأمر بي بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيئة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه، فإذا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.","part":1,"page":146},{"id":148,"text":"وذكر في المصابيح في مناقب هؤلاء الثلاثة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعثمان معه، فرجف بهم، فضربه برجله فقال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان، قيل: أراد بقوله: شهيدان عمر وعثمان رضي الله عنهما.\rوالغيوب جمع غيب، وهو ما غاب عنك من حوادث القدر، قال الله تعالى: ?ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت?.\rوقول من قال: جمع غيب مصدر غاب بمعنى الغائب - ليس بشيء.\rوالمراد من الحكاية هنا نقل وقوع الشيء والخبر عنه، سواء كان وقوع ذلك الشيء في الماضي أو في المستقبل، وقد مر أن البلوى والبلية والبلاء بمعنى واحد، وهو إصابة المكروه.\rوالمراد به هنا ما أصاب به من المحاصرة والقتل.\rقوله: تصيب، صفة بلوى أراد به حكاية الحال الماضية.\rثم أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى معجزة أخرى من معجزاته عليه الصلاة والسلام فقال:\rوما جرى بين كسرى والصحابة من إنفاق كنز ومن تخريب بلدان\rما جرى عطف على بلوى في البيت السابق، أي من معجزاته القولية أيضاً إخباره عن الغيوب، كالحكاية عما جرى.\rوروى عن عدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز) ثم قال عدي: كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز.\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتفتحن كنوزهما في سبيل الله).\rقيل: كسرى بكسر الكاف وفتحها اسم لمن يملك الفرس، وجمعه أكاسرة على غير القياس.","part":1,"page":147},{"id":149,"text":"قال الشافعي والنووي وغيرهما من العلماء: معنى هذا الحديث لا يكون كسرى بالعراق ولا قيصر بالشام كما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وإنما قالوا ذلك لأنه إخبار عن المغيبات، فلا بد وأن يقع كما أخبره عليه السلام، وقد ملك قيصر بعده فاحتاجوا إلى ذلك التأويل، فأما كسرى فقد زال ملكه بالكلية من جميع الأرض ومزق ملكه كل ممزق واضمحل بدعوة رسول الله عليه السلام.\rروي أنه عليه السلام كتب إلى كسرى ابرديز بن هرمز بن نوشروان بدعوة الإسلام، وكتب اسمه فوق اسم ارديز، فغضب من ذلك ومزق كتابه صلى الله عليه وسلم، فدعا عليه السلام: (مزق الله ملكه كما مزق كتابي)، فاستجاب الله دعاءه، وأهلك ابرديز على بدايته شيرويه، وكتب إلى قيصر فأكرم كتابه ووضعه في المسك، فقال عليه السلام: (ثبت الله ملكه) فثبت ملكه بالروم وانقطع عن الشام، وأنفقت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وأورث الله أرضهم للمسلمين وخرب الصحابة بلادهم وأخذ المسلمون من كنوز كسرى مائة ألف بذرة من الذهب وزن كل بدرة أربعة آلاف درهم، كذا قالوا.\rثم أشار الناظم إلى معجزتين أخريين، بل إلى ثلاث معجزات، فقال:\rوغزوة البحر منهم مرتين وأن يكون مع أوليهم بنت ملحان\rوغزوة البحر عطف على محل ما جرى، أي من معجزاته القولية أيضاً إخباره عن الغيوب مثل الحكاية عن غزوة البحر.\rوإضافة الغزوة إلى البحر من قبيل إضافة المظروف إلى الظرف، فقول من قال: إن الغزوتين لم تكونا في البحر نشأ من الغفلة عن أصل القصة، وسيأتي بيانها إجمالاً.\rوضمير منهم راجع إلى غزاة المسلمين، سواء كانوا من الصحابة أو من غيرهم، فلا تغليب فيه كما توهم.\rوالجار والمجرور ظرف مستقر حال من الغزوة.\rوقوله: مرتين منصوب على الظرفية، وعامله متعلق الجار، أي حال كون تلك الغزوة كائنة منهم في وقتين مختلفين.\rويقرأ لفظ مع بسكون العين للضرورة.\rقوله: أوليهم أصله أولين منهم، فلما أضيف إلى ضمير المسلمين سقط النون منهم.","part":1,"page":148},{"id":150,"text":"قال أنس رضي الله عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنت ملحان، فاتكأ عندها، ثم ضحك فقالت: لم تضحك يا رسول الله ؟ فقال: ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله تعالى، مثلهم مثل الملوك على الأسرة، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: الله اجعلها منهم، ثم عاد فضحك، فقالت مثل ذلك أو مما ذلك، فقال لها مثل ذلك، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، قالت: أنت مع الأولين ولست من الآخرين، كذا قاله الخيالي.\rوفي تاريخ ابن كثير عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يوماً فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله، قال: ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، فقلت: يا رسول اله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا له رسول الله، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: قلت: ما يضحكك يا رسول الله، قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، كما قال في الأولى، قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت مع الأولين، قال: فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية، فنزعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت، رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى ين يحيى، كلاهما عن مالك، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الليث وحماد بن زيد كلاهما عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان، فذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركبوا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشام، فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت، انتهى.","part":1,"page":149},{"id":151,"text":"وقال ابن زبير: توفيت بقبرس، يعني في الغزوة الأولى من غزوتي البحر، لأنها قد كانت غازية مع زوجها عبادة بن الصمت في سنة سبع وعشرين مع معاوية بن أبي سفيان حين غزا قبرس وهو نائب الشام عن عثمان بن عفان.\rقال ابن كثير: والغزوة الثانية غزوة قسطنطنية مع أول جيش غزاها، وكان أميرها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وذلك سنة ثنتين وخمسين، وكان معهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، فمات هنالك رضي الله عنه وأرضاه.\rولم تكن هذه المرأة معهم لأنها توفيت قبل ذلك في الغزوة الأولى.\rوالحاصل أن غزوة البحر كانت مرتين، وبنت ملحان كانت من جملة الغزاة الأولين لا من زمرة الآخرين على ما أخبره نبي الأولين والآخرين.\rوفهم من مجموع ما ذكر ثلاث آيات من دلائل النبوة: الإخبار عن الغزوتين، والإخبار عن تلك المرأة أنها من الأولين وليست من الآخرين كما أشار إليه المحقق.\rثم شرع في ذكر نوع آخر من معجزاته الفعلية، سماوية كانت أو أرضية، فقال:\rوشقه قمراً والكشف إذ سألوا… غداة معراجه عن حال ركبان\rشقه بالرفع عطف على إخباره، لا على غزوة، إذ ليس هو من قبيل الأخبار بالغيب، وهو مصدر مضاف إلى فاعله.\rأي ومن معجزاته شقه عليه السلام القمر المنير بأمر الله القوي القدير.\rقوله: والكشف، عطف على شقه، والألف واللام عوض عن المضاف إليه، أي كشفه عليه السلام.\rقوله: إذ سئلوا ظرف الكشف، وظرف الشق محذوف بقرينة المذكور، وإنما قلنا محذوف، لأن هاتين المعجزتين وقعتا جواباً لسؤال المنكرين.\rوأما الأول ففي الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رؤي حراء بينهما، انتهى.","part":1,"page":150},{"id":152,"text":"فانشقاق القمر بإصبعه عليه السلام كان من معجزاته الباهرة وآياته النيرة الظاهرة، فعند ذلك قال المنكرون: هذا سحر مستمر، فأنزل الله تعالى: ?اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر?.\rوأما الثاني: فما روي أن النبي عليه السلام لما أخبر بحديث الإسراء قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لوي، هلم، فحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإسراء، فمنهم من صفق أصابعه ووضع على رأسه تعجباً وإنكاراً، ومنهم من سعى إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: إن كان قال ذلك فلقد صدق، فقالوا: أتصدقه على ذلك، فقال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمي الصديق، وارتد آخرون ممن آمن به، قالوا: إن كنت صادقاً فيما ذكرت فانعت لنا المسجد، فجلى الله البيت المقدس، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب فيه، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ينشدون ذلك نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: هذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا، وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين، كذا قاله الخيالي.\rقوله: غداة معراجه، ظرف سألوا، أصله غدوة بالتحريك، قلبت الواو ألفاً، وهي اسم مقابل للعشي.\rوعن متعلق بسألوا.\rوالركبان جمع الراكب، وهو في الأصل راكب الإبل خاصة، والمراد بها عيراً لقريش.\rثم أشار إلى معجزتين أخريين من معجزاته الفعلية الأرضية، فقال:\rوالرمي بالبدر بالحصباء أعينهم… والرد في أحد عين ابن نعمان\rالرمي معطوف على الكشف، ولامه مثل لامه.\rأي من معجزاته عليه السلام رميه الحصباء في أعين الكفار.\rوالباء في البدر ظرفية، ولو قال: في البدر كما قال: في أحد لكان أولى، فتأمل.\rوالبدر في الأصل اسم ماء كانت العرب يجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة، ثم قيل للمواضع القريبة منه بدراً.","part":1,"page":151},{"id":153,"text":"وقيل: البدر اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، فدخول اللام للضرورة، كما في بنات الأوبر، أو للقب كما في المدينة.\rوالحصباء بالمد جمع الحصب، وهي دقاق الحصى والرمل.\rوالباء في قوله: بالحصباء صلة الرمي.\rوأعينهم بالنصب مفعول الرمي على ضعف، لأن إعمال المصدر المعرف باللام ضعيف لا يقع غالباً إلا في الشعر.\rوالظاهر أن يكون منصوباً بنزع الخافض، أي في أعينهم.\rفإن قيل: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، كقولهم: ركب القوم دوابهم وتقلدوا سيوفهم، فيفيد إصابة الحصى عيناً واحدة من كل كافر، وليس كذلك، بل لم يبق مشرك في ذلك الوقت إلا دخل في عينه شيء من الحصى.\rقلنا: إن الناظم المحقق ذكر الأعين وأراد العينين، إقامة للجمع مقام التثنية، وهذا الاستعمال شائع في كلام العرب، خصوصاً في كلام الشعراء، أو نقول: يجوز أن يكون هذا التركيب من قبيل: باع القوم ثيابهم، فلا يقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، ولجواز أن يبيع كل واحد منهم ثياباً أو ثوبين أو ثوباً، فتأمل.\rقوله: والرد، عطف على الرمي، فهو إشارة إلى معجزة أخرى من معجزاته عليه السلام.\rقوله: في أحد ظرف للرد، بحذف المضاف، أي في غزوة أحد، أو ظرف مستقر صفة عين.\rوقدم موصوفه للضرورة.\rوالمعنى: ومن معجزاته رده عليه السلام عين ابن نعمان المقلوعة في غزوة أحد، وبيان ذلك أن أبا جهل لما خرج بجميع أهل مكة ونزل بالبدر لمقاتلة الرسول وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسول الله، إني أسألك ما وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم، فقال لما التقى الجمعان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا، وأردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وذلك قوله تعالى: ?وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى?.","part":1,"page":152},{"id":154,"text":"وأما الرد فذلك أنه أصيبت يوم أحد إحدى عيني قتادة بن النعمان برمح حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئاً، فقال: يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل وعطاء جليل، ولكني رجل مبتل بحب النساء وأخاف أن يقلن: أعور، فردها لي وتسأل الله الجنة، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأعادها إلى موضعها، فكانت أحسن عينيه وأحدهما ودعا له الجنة، كذا قالوا.\rثم قال الناظم مشيراً إلى أسانيد هذه المعجزات:\rوكم رووا بأسانيد مصححة …أمثال ما قد روى عنه الصحيحان\rالواو لعطف جملة على جملة، وكم اسم ناقص مبني على السكون، حملاً على كم الاستفهامية، ولهذا صدر الكلام وسمى جزية(1) وهي منصوبة على الظرفية لرووا أو مميزها محذوف، أي وكثير من المرات رووا بأسانيد مثبتة وطرقة مقررة.\rوالأسانيد جمع سند، والسند في اصطلاح المحدثين هو الطريق الموصلة إلى متن الحديث.\rونون الأسانيد للضرورة.\rوقوله: أمثال مفعول رووا.\rولفظ ما عبارة عن السند.\rوضمير عنه راجع إلى ما.\rوالصحيحان فاعل روى بحذف المضاف، أي صاحباهما.\rوالمعنى أن الأحاديث في إثبات المعجزة شهيرة لا تحصى، وفي العدد وفيرة لا تستقصى، وكثير من المرات روى أئمة الحديث بأسانيد صحيحة أمثال ما رواه الإمامان الجليلان في كتابهما.\rوقال المولى الخيالي: يعني أن الأحاديث المروية بأسانيد صحيحة في شأن المعجزة كثيرة كما ذكرت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من الزبر المؤلفة في الأحاديث، فمن أراد فليرجع إليها، انتهى.\rيشير إلى أن قوله أمثال مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي تلك الأسانيد ما رواه الإمامان.\rوسلك هذا المسلك الشارح العالي، وهذا ليس بقوي، إلا أن يقال: إن مراد الخيالي بيان حاصل المعنى.\r__________\r(1) كذا في الأصل .","part":1,"page":153},{"id":155,"text":"ثم المفهوم من هذا البيت أن كل واحد من أسانيد هذه المعجزات إن بلغ حد التواتر وجب علم اليقين فيثبت به المطلوب، وهو إثبات المعجزة، وإن لم يبلغ حد التواتر فهو يثبت المطلوب أيضاً، لأن القدر المشترك بين الكل متواتر بلا ريبة، كشعر حسان وشجاعة علي كرم الله وجهه وجود حاتم، وإلى هذا أشار الناظم المحقق رحمه الله بقوله:\rدلالة الصدق بين الكل مشترك… تواترت مثل معنى سفر حسان\rيعني أن كل واحدة من هذه المعجزات وإن لم يبلغ حد التواتر إلا أن القدر المشترك بين الكل متواتر بلا شك، مثل تواتر شعر حسان، فيجوز بها إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.\rولفظ معنى مقحم لإتمام البيت، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذه الأسانيد إذا لم يبلغ حد التواتر اللفظي، فلا أقل أن تكون من التواتر المعنوي.\rقوله: دلالة مبتدأ، ومشترك خبره، وجملة تواترت حالية من المبتدأ بحذف قد.\rولما كان تأنيث المصدر غير حقيقي جاز في ضميره الوجهان: التذكير والتأنيث، وقد قال المبرد: يجوز تذكير كل مؤنث غير حقيقي نحو: أعجبتني الدار، فقول من قال: تذكير الخبر لضرورة الوزن غفلة عن هذه القاعدة.\rولما فرغ من ذكر بعض معجزاته السالفة الحسية فقط شرع في ذكر معجزاته الباقية الحسية والعقلية معاً، وهي الآيات القرآنية والكلمات الفرقانية، فقال:\rوأعظم الآي قرآن لما عجزوا … عن سورة منه مع صرف لأذهان\rالعظم في صفات الأجسام كبر الطول والعرض والعمق، وأريد به هنا العظم في الرتبة والقدر.\rوالقرآن يطلق ويراد به القراءة، ويراد به المقروء ن ويراد به المصحف.\rوالأصل في هذا اللفظ الجمع، وسمي القرآن قرآناً لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض.","part":1,"page":154},{"id":156,"text":"والمراد به هنا هو المعنى الأخير، لأنه اسم للنظم والمعنى عند الجمهور، إذ حصول الإعجاز فيهما لا في المعنى فقط، وهو الصحيح عند أبي حنيفة رحمه الله، ولذلك عرف أهل الأصول بأنه المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة.\rواللام في قوله: لما عجزوا تعليل للأعظمية.\rوما مصدرية.\rوعن سورة متعلق بعجزوا بحذف المضاف، أي عن إتيان سورة.\rوفيه إشارة إلى أن المعجز لا يكون آية أو آيتين، بل إنما هو السورة أو مقدارها، أخذاً من قوله تعالى: ?وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله?.\rوضمير منه راجع إلى القرآن.\rومع ظرف عجزوا.\rوالصرف في الكلام التصنع والرياء فيه وخلط الكذب والزيادة على قدر الحاجة.\rواللام في قوله: لأذهان زائدة، وتنوين أذهان عوض عن المضاف إليه، أي مع صرف أذهانهم إلى المعارضة والمقاتلة على قدر جهدهم.\rفقول الناظم: لما عجزوا إشارة إلى جزء صغرى القياس وكبراه مطوية.\rوحاصل هذا القياس: القرآن العظيم أعظم المعجزات، لأن جميع البلغاء عجزوا عن إتيان سورة منه مع شموله على الإخبار عن المغيبات وعلى المعارف والإلهيات وأسرار النبويات مع بقائه على مر الدهور والأعصار بحيث يشاهده الناس في جميع الأقطار والأمصار، وكل شيء شأنه كذلك فهو أعظم.\rفالناظم لأجل الضرورة اكتفى بجزء صغرى القياس، وقد أشار إلى هذا التقرير المولى الخيالي بعد الاعتراض على ظاهر العبارة، حيث قال:","part":1,"page":155},{"id":157,"text":"ثم إن المولى المؤلف قد أصاب في المدلول، أعني قوله: وأعظم الآي قرآن، لكنه أخطأ في الدليل، أعني قوله: لما عجزوا، فإنه إنما يدل على كونه معجزاً كما مر، لا على كونه أعظم من سائر المعجزات، بل الدليل عليه هو أنه بعد تواتر إعجازه بوقوعه في الطبقة العليا من البلاغة والبراعة، يشمل على الإخبار عن المغيبات الواقعة وعلى المعارف الإلهية والأسرار النبوية ومكارم الأخلاق المرضية ومحاسن الأفعال السنية والإرشاد إلى المصالح الدينية والدنيوية، مع بقائه مر الدهور والأعصار، بحيث يشاهده الناس في جميع الأقطار والأمصار، ويمكن أن يكون ما ذكره المحقق إشارة إلى هذا، فإن عجز كل الناس إنما يتصور فيما بقي وهم يشاهدونه، ولك أن تقول: إن العجز عن سورة منه مما يدل على الأعظمية أيضاً، فتدبر، انتهى.\rأقول:لعل وجه التدبر وجوه الأعظمية كثيرة، إلا أن أعظم العلة في الأعظمية شيئان: أحدهما إخباره عن المغيبات، وثانيهما: كونه معجزة باقية على مر الدهور، كما أشار إليه صاحب البردة حيث قال:\rلم تقترن بزمان وهي تخبرنا…عن المعاد وعن عاد وعن إرم\rدامت لدينا ففاقت كل معجزة…من النبيين إذ جاءت ولم تدم\rوإذا علمت ما تلونا عليك من الكلام فلا تلتفت إلى ما صدر عن بعض الأوهام.\rثم اختلف الناس في وجه إعجاز القرآن، بعد الإجماع على أنه معجز.\rوتحقيق الكلام في هذا المقام أن في إعجازه مذاهب مختلفة وطرائق مفتاوته، فذهب البعض إلى أن إعجازه إنما هو اشتماله على الإخبار عن المغيبات.\rوذهب البعض إلى أن إعجازه إنما هو للصرفة، وهو أن الله تعالى صرف همم المتحدين عن معارضته مع قدرتهم عليها، إما بسلب قدرتهم أو بسلب العلوم التي لا بد منها في الاتيان بمثل القرآن، بمعنى أنها لم تكن حاصلة لهم، أو بمعنى أنها كانت فأزالها الله تعالى، وهذا الأخير هو المختار.\rوذهب البعض إلى أن إعجازه إنما هو لسلامته عن الاختلاف والتناقض.","part":1,"page":156},{"id":158,"text":"وذهب بعضهم إلى أن إعجازه لمخالفة أساليبه أساليب الرسائل والخطب والأشعار، سميا في المطالع والمقاطع.\rوذهب البعض إلى أن القرآن معجز باعتبار سلاسة الألفاظ وفصاحتها وبلاغتها، لا باعتبار المعنى.\rوالعقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة أن القرآن معجز لكونه في أعلى طبقات البلاغة، لا لصرفه وغيرها على ما ذهب إليه أصحاب الملل والمذاهب المتفرقة المذكورة.\rثم مع كونه معجزاً بهذا الاعتبار هو معجز باعتبار المعنى أيضاً، كذا ما قاله المولى المصنفك في شرح البردة.\rقيل: اعلم أن معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم بلغت ألفاً كما بينها الزاهدي في ×× بل ثلاثة آلاف سوى القرآن كما في الخصائص الكبرى للسيوطي.\rوأعظمها القرآن الثابت إعجازه من جهة اللفظ والمعنى كما صرح به الرازي والبيضاوي في سورة يوسف عليه السلام، انتهى.\rفإن قيل: إذا كان القرآن أعظم الآيات كان اللائق للناظم تقديمه على سائر المعجزات تشريفاً.\rقلنا: المناسب في مقام الاستدلال الترقي من الأدنى إلى الأعلى، هو عادة العرب في صفات المدح ××××× ولأن كل واحدة من المعجزات المذكورة ×××× والقرآن العظيم معجزة باقية، ولذلك ××××.\rولما فرغ من أعظم المعجزات شرع في أغرب المعجزات، وهو معراجه صلى الله عليه وسلم فقال:\rمعراجه واقع يقظان في بدن……بآية ومشاهير ووحدان\rالمعراج والعروج هو الارتفاع إلى السماء، فلا بد هنا من تغليب المعراج على الإسراء، أو من حذف قيد أو معطوف ليصح الكلام.\rيعني معراجه مع الإسراء.\rومعراجه ومسراه - بضم الميم - واقع، أي ثابت.\rقوله: يقظان، صفة مشبهة، مثل عطشان، غير منصرف، حال من ضمير معراجه.\rوكلمة في بمعنى مع.\rوتنوين بدن عوض عن المضاف إليه، أي مع بدنه.\rوبآية متعلق بواقع.\rومشاهير جمع مشهورة معطوف على آية، وموصوفه محذوف، أي وبأحاديث مشاهير، ونون للضرورة.\rقوله: وحدان جمع واحد، كراكب وركبان.","part":1,"page":157},{"id":159,"text":"والناظم رحمه الله لاحظ الترتب في الدليل دون المدلول وأفراد الدليل القطعي.\rوجمع ×× الظني إشارة إلى أن الدليل القطعي يثبت المدعى به، وإن كان فرداً، والدليل الظني إذا تعدد وتظاهر يقرب من اليقين.\rوأيضاً إن دليل الإسراء وقع في القرآن في موضع واحد، فلذلك أفرده، ودلائل المعراج سواء كانت مشاهير أو وحداناً وقعت في مواضع كثيرة من الأحاديث، ولذلك جمعها ×××.\rقيل: اختلف معراج النبي صلى الله عليه وسلم أنه هل كان في اليقظة أم في المنام ؟\rفعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: والله ما فقد جسد رسول الله، ولكن عرج بروحه، وعن معاوية أنه عرج بروحه، وعن الحسن: كان في المنام رؤيا رآها، والأكثرون أنه كان في اليقظة بالجسد إلى المسجد الأقصى بشهادة الكتاب ××××\rوقوعه كان تكراراً وقد دفعوا……به تعارض ما دل الحديثان\rالضمير في وقوعه راجع إلى المعراج السابق، والتكرار مصدر كرر على غير قياس، وهو في الأصل ذكر الشيء مرة بعد أخرى، لكن أريد به هنا معنى المفعول، أي وقوعه كان مكرراً.\rوضمير دفعوا راجع إلى أهل الحديث، الدال عليه البيت السابق.\rوضمير به راجع إلى الوقوع.\rوأراد بالتعارض مطلق التدافع والتنافي بين الحديثين، وهو التعارض الظاهري، وأما التعارض الحقيقي فهو أن يكون النصان متساويان في الذات والصفات وأن يقتضي أحدهما بالذات عدم ما يقتضيه الآخر، وهنا ليس كذلك كما لا يخفى منه على أهل الحديث.\rوكلمة ما موصولة، وجملة دل صلتها، والعائد محذوف، والألف واللام في الحديثان للعهد.","part":1,"page":158},{"id":160,"text":"والتقدير: تعارض ما دل عليه الحديثان المعهودان بين أهل الحديث، وذانك الحديثان حديث ابن صعصعة وحديث أبي ذر رضي الله عنهما، دل حديث أبي صعصعة على أنه كان في الحطيم، وحديث أبي ذر على أنه كان من بيته، فجمعها بعضهم بأنه قد تكرر،، والأول كان في المنام كما ينبئ أو حديث ابن صعصعة، والثاني كان في اليقظة كما يدل عليه حديث أبي ذر، ومنهم من قال: تكرر وقوعه مرة من مكة إلى السماء كما في حديث ابن صعصعة ومرة منها إلى بيت المقدس ثم إلى السماء، وهوالمشهور المذكور في القرآن العظيم وظاهر لفظ الناظم يساند ×× لهذا.\rوتفصيل قصة المعراج يطلب في كتب السير لأهل الاحتياج.\rولما أثبت الناظم نبوة نبينا عليه السلام بالدلائل الواضحة من أواع معجزاته، شرع في رد المنكرين نبوءته عليه السلام من اليهود وأضرابهم اللئام، مشيراً إلى رد ما تمسكوا به في ذلك فقال:\rودينه ناسخ الأديان أجمعها… ولم يكن نسخها جهلاً لديان\rالدين لغة الجزاء، ومنه قوله تعالى: ?مالك يوم الدين?، وغير ذلك مما ذكر في القرآن مقارناً باليوم.\rواصطلاحاً هو الشرع المبعوث به النبي الكريم من طرف المولى الرحيم.\rوضميره راجع إلى الرسول المعظم، وهو مبتدأ، وقوله: ناسخ الأديان خبره، والإسناد مجازي.\rوالناسخ حقيقة هو الشارع.\rوأجمعها تأكيد للأديان، أي دين رسولنا عليه السلام ناسخ أحكام جميع الأديان ××××\rوعندنا النسخ في اللغة الإزالة والنقل، والنسخ في الأحكام إبطال الحكم المتقدم بمتأخر.\rوقيل: هو أن يرد دليل شرعي متراخياً عن دليل شرعي آخر، مقتضياً خلاف حكمه، فهو تبيدل بالنظر إلى علمنا، وبيان لمدة الحكم بالنظر إلى علمه تعالى.\rوأما النسخ في الأديان فهو ورود شرع مؤخر عن الشرع السابق، يقتضي خلافه.","part":1,"page":159},{"id":161,"text":"وحكم هذا النسخ العمل بالشرع الثاني وهجر الأول، وجواز هذا النسخ متفق عليه، بل هو أصل شرعنا، لأن شرع نبينا باق إلى يوم القيامة وناسخ لما قبله من الشرائع والأديان، فيكون القائل بشرعه عليه السلام ونبوته قائلاً بالنسخ لا محالة.\rوقد ذهبت كثير من المنكرين لنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم كاليهود وأضرابهم إلى إنكار النسخ في الأحكام الشرعية، وامتنعوا من تصديقه عليه السلام لما تضمنت شريعته المطهرة من نسخ بعض أحكام شريعة موسى عيه السلام، وزعموا أن النسخ محال، فقوله: فلم يكن نسخها جهلاً لديان إشارة إلى رد ما تمسكوا به في ذلك وأن ثبوت نبوته عليه السلام يستلزم انتفاء بعض شرائع من قبله، وأنه باطل، وإلا يلزم الجهل على الشارع أو البدء فيما شرع به، وكلاهما محالان عليه تعالى، وذلك لأن حكمه يشتمل علىمصلحة البتة، فأما أن لا يعم هو فوات تلك المصلحة بالنسخ والرفع فيلزم الجهل، أو علم لكن رأى رعايتها أولا ثم أهملها ثانياً لا بسبب فيلزم البدء، فهو استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم.\rوقيل: ظهور الرأي بعد أن لم يكن.\rهذا حاصل تمسكهم عقلاً.\rوأما حاصل رد الناظم وتحقيقه فهو أن تكليفه تعالى إما تكويني وإما تشريعي، فالأول يتبدل بحسب تبدل المتعلقات في الأوقات المختلفة أو لحكم ومصالح لا تحصى، وذلك كما في النطفة، فإن الأمر التكويني يتعلق بها أولاً ثم يتبدل إلى العلقة ثم إلى المضغة ثم إلى العظام ثم إلى كسوتها لحماً ثم إلى خلق آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين.\rوكما أن كل مرتبة منها ناسخة للأولى ولا نسبة للأخرى إلى أن يجد كمالها ولم يلزم منه جهل المكون أصلاً فكذا الثاني، أعني التكليف الشرعي يتبدل بحسب تبدل متعلقاته من الأشخاص والأفعال في الأوقات المختلفة أو لحكم ومصالح من شرع إلى شرع إلى أن يبلغ غايته وهو دين الإسلام، فلا جهل فيه لحكم الديان.","part":1,"page":160},{"id":162,"text":"وأما تمسكهم نقلاً فهو أنهم ادعوا أن موسى عليه السلام نص أن شريعته لا تنسخ، فنقول:\rهذا النقل منهم كذب ودور لا شك في بطلانه، إذ لو كان حقاً لما ظهرت المعجزة على يد عيسى عليه السلام ولا على يد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما لم تظهر ولا تظهر على يد أحد إلى يوم القيامة بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: لا نبي بعدي، فإنكار اليهود النسخ كان حسداً وعناداً وستراً للحق الصريح كما ستروا نص موسى بن عمران نسخ توارته عناداً وحسداً كما أشار إليه الناظم رحمه الله بقوله:\rوربما نص لكن ما رووا أحداً … بنسخ توراة موسى بن عمران\rالواو لعطف جملة على جملة، ونظير هذا قد مر مراراً.\rورب حرف خافض يختص بنكرة، ويشدد ويخفف ويدخل عليه ما، وهي كلمة تكفه عن عمل الجر، فتجوز دخوله على الفعل، وحفه أن يدخل على الماضي، وأما قوله تعالى: ?ربما يود الذين كفروا? فلأن المترقب في أخبار الله تعالى كالماضي وتحققه.\rومعنى التقليل هنا الإيذان بأن نص موسى عليه السلام بنسخ تورارته كان في مدة قليلة، ويفهم من ذلك أن النسخ كان في بعض الأحكام لا في كله.\rقوله: نص، فعل ماضٍ فاعله قوله الآتي: موسى بن عمران، وما وقع بينهما جملة معترضة سيقت لدفع سؤال، وسيأتي تقريره.\rومن جعل ما نص ضميراً راجعاً إلى موسى أو إلى الله تعالى فقد غلط، فتأمل.\rوضمير رووا راجع إلى أصحاب موسى عليه السلام.\rقوله: بنسخ توراته تركيب إضافي متعلق بنص.\rوالنسخ مصدر مبني للمفعول بحذف مضافين، أي بمنسوخية بعض أحكام توراته، والضمير المجرور راجع إلى موسى بن عمران، لأنه مقدم معنى فلا يلزم الإضمار قبل الذكر مطلقاً.\rومن حذف الضمير وأضاف التوراة إلى موسى وقال: إثبات همزة ابن للضرورة فقد غلط أيضاً.\rوبعد هذه الغلطات شنع على المولى الخيالي تشنيعات لا وجه لها سوى تسويد وجه الورق وتحريك سلسلة عجبه من الحمق والحنق.","part":1,"page":161},{"id":163,"text":"وهذا البيت إشارة إلى رد تمسك من أنكر نسخ الأحكام نقلاً، كما أن البيت الأول إشارة إلى رد تمسكهم عقلاً، فحاصل الرد أن قولهم بأن موسى عليه السلام نص أن شريعته [ناسخة] - كذب لا شك في بطلانه، إذ لو كان حقاً لما ظهرت المعجزة على يد عيسى عليه السلام، بل ربما نقول: إن موسى عليه السلام نص بمنسوخية بعض أحكام التوراة، لكن أصحابه ما رووا ذلك حسداً وعناداً.\rهذا وقال المولى الخيالي: هذا البيت جواب عما يتوهم من أن دين عيسى عليه السلام لو كان مما ينسخ لوجب النص به وتعليمه لأصحابه.\rوالجواب: بأن التنصيص بنسخ الأديان لا يجب على الأنبياء، إذ ربما يفضي ذلك إلى قلق واضطراب في عقائد الأمم، أو يكتفي في ذلك بدلالة الحال كما في مواعدة موسى عليه السلام ثلاثين ليلة أولا، ثم أمره بإتمامها بعشر بعدها، ولو سلم فيجوز أن يقع النص من ابن عمران لكنهم يخفون ذلك حسداً من عند أنفسهم كما أشار إليه المحقق، انتهى، فتأمل في البيتين إن كنت من أهل البيان، وليس الخبر كالعيان.\rثم اعلم أن شرائع من قبلنا من الأنبياء صلوات الله عليهم وعلى نبيينا تلزمنا اقتداء وعملاً إلا [ما] ثبت نسخها، لقوله تعالى: ?أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده? أمر الله تعالى نبيه أن يقتدي بهديهم، والهدي اسم يقع على الإيمان والشرائع.\rفائدة\rقيل: وأما الأحكام التي لم يطرق ولم يقع فيه نسخ في جميع الأديان فستة أنواع:\rالأول: حفظ الدين، فكل ملة كلف أهلها بتوحيد الله تعالى.\rالثاني: حفظ النفوس، فحرم القتل بغير حق شرعي في كل ملة.\rوالثالث: حفظ العقل الذي هو ملاك الدين والدنيا وقطب دائرة الحياة.\rوالرابع: حفظ النسب.\rوالخامس: حفظ المال الذي [به] قوام الحياة.\rوالسادس: حفظ الأعراض التي فيها صيانة الدين والدنيا.\rوقد نظم الجزائري هذه الأنواع الستة في منظومته حيث قال:\rقد أجع الأنبياء والرسل قاطبة…على الديانة بالتوحيد في الملل","part":1,"page":162},{"id":164,"text":"وحفظ نفس ومال معهما نسب…وحفظ عقل وعرض غير مبتذل\rوقال البيضاوي في الغاية القصوى: الأشياء التي يجب حفظها في جميع الأديان خمسة: وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، انتهى.\rولما فرغ الناظم من إثبات نبوة الأنبياء عموماً وخصوصاً شرع في بيان عصمتهم فقال:\rالأنبياء بريئون اتفاقاً عن…كفر وكذب وعن فسق بإعلان\rالأنبياء جمع نبي جمع تكسير، كالأنصباء جمع نصيب، وهو مبتدأ، وبريئون جمع بريء وهي جمع سالم خبره،، وهو مأخوذ من بري من العيب براءة، فاستعماله [ ](1) غير صحيح.\rقوله: اتفاقاً مفعول مطلق لعل محذوف، أي اتفق العلماء في براءة الأنبياء.\rوعن متعلق بقوله: بريئون، وكذب عطف على كفر، وعن الثانية مثل الأولى.\rوأراد بالفسق مطلق الذنب الشامل للكفر والكذب على ما سيأتي بيانه.\rوبإعلان متعلق بالفسق، والمراد بالإعلان إظهار الكفر والكذب عند خوف الهلاك، ويسمى هذا تقية، وهو جائز عند الشيعة الشنيعة، ولا يضر خلافهم اتفاق المسلمين.\rثم اعلم أن الكلام في عصمة الأنبياء في موضعين: أحدهما قبل النبوة، وثانيهما بعدها، وهو المراد في كلام الناظم، بقرينة أنه أورد بحث عصمتهم بعد إثبات نبوتهم.\rوأيضاً يشير إليه تعبيره بالأنبياء، لكنهم معصومون من الكفر عمداً وسهواً قبل النبوة وبعدها بالإجماع، ونقل ذلك عن التفتازاني وغيره من الموثوقين، وقال الإمام السنوسي في شرح الجزائرية: وأما تعمد الكذب في الأحكام بعد النبوة فالإجماع على عصمتهم من ذلك، لأن المعجزة دلت على صدقهم فيما يبلغون عن الله تعالى، فلو جاز تعمد الكذب عليهم لبطلت دلالة المعجزة على صدقهم.\rوأما جواز صدور الكذب منهم في الأحكام غلطاً أو نسياناً فمنعه الأستاذ وطائفة كثيرة من أصحابنا لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة، وجوز القاضي وقال: المعجزة إنما دلت على صدقهم فيما صدر عنهم قصداً واعتقاداً، انتهى.\r__________\r(1) كلمة غير واضحة .","part":1,"page":163},{"id":165,"text":"والناظم المحقق لما لم يعتبر ولم يعتد مذهب القاضي ولم يقيد الكذب بالعمد ولا بكونه متعلقاً بأمر التبليغ جعل هذا الحكم اتفاقاً، أو أراد بالاتفاق اتفاق المحققين المعتبرين من الفقهاء والمتكلمين.\rثم أصل الفسق هو الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب كبيرة، وهذا المعنى ليس مراداً ههنا، لئلا يلزم التكرار، بل أراد به ذنباً شاملاً للكفر والكذب وسماه فسقاً، إذ إطلاق الفسق على الكفر والكذب شائع في القرآن، أما الأول فقوله تعالى: ?أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون?، وأما الثاني فقوله تعالى: ?إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا?، وقوله تعالى: ?ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون?.\rثم قيد الفسق بالإعلان إشارة إلى أنهم معصومون عن الكفر والكذب سواء كانا مطلقين أو مقيدين بالإعلان، وقد سبق معنى الإعلان، ويحتمل أن الناظم المحقق أراد بالفسق هنا تعمد الصغائر الغير المنفرة، وبالإعلان العمل جهراً، فيكون الاتفاق على هذا اتفاق الأكثر كما أشار إليه بقوله: وعن كبائر عمداً عند أكثرنا، فتعمد الصغائر الجهرية يلحق بالكبائر، كذا قاله شارح عقيدة الطحاوي.\rفشمل هذا البيت أربعة أحكام من عصمة الأنبياء عليهم السلام، كل واحد منها اتفاقية، والحكم الأول أن الانبياء كلهم بريئون عن الكفر عمداً وسهواً قبل النبوة وبعدها بالإجماع.\rوالثاني أنهم بريئون عن الكذب أيضاً بالإجماع.\rوالثالث أنهم بريئون عنهما معاً أو منفرداً بإعلان بالاتفاق أو أنهم بريئون عن قصد الصغائر الغير المنفرة جهراً باتفاق الأكثر، خذ هذا البيان وكن من الشاكرين، وإن صدر من قائل حقير لا يكاد يبين.\rوذكر المحقق في عصمة الأنبياء عليهم السلام ستة من الأحكام كلها اتفاقية عند العلماء الأعلام، وقد سبق أربعة منها وبقي اثنان، فأشار إليهما بقوله:\rوعن كبائر عمداً عند أكثرنا……وخسة مثل تطفيف بأوزان","part":1,"page":164},{"id":166,"text":"قوله: عن كبائر عطف على قوله: عن كفر على الأرجح، فيكون هذان الحكمان داخلين تحت الاتفاق، أما الأول أعني عصمة الأنبياء عن الكبائر عمداً فلأن الجمهور من المحققين منعوا ذلك، وأما الحشوية المجوزون للكبائر عن الأنبياء فلا اعتداد بمذهبهم، كذا قاله بهاء الدين في شرح الفقه الأكبر.\rوأما صدور الكبائر عنهم في سبيل السهو والنسيان فالأكثرون على جوازه، والمختار امتناعه أيضاً.\rوأما الحكم الثاني أعني عصمتهم عن الصغائر الدالة على الخسة سواء كان عمداً أو سهواً أو نسياناً كسرقة لقمة وتطفيف حبة، فقد اتفقوا على امتناع صدورها عنهم.\rفقوله: وخسة عطف على المقيد مجرداً عن قيده، فتأمل.\rوقال ابن الهمام: المختار، أي الجمهور أهل السنة، العصمة عنهما، أي عن الكبائر والصغائر إلا الصغائر الغير المنفرة خطأ وسهواً، ومن أهل السنة من منع السهو عليهم، والأصح جواز السهو في الأفعال.\rوالحاصل أن أحداً من أهل السنة لم يجوز ارتكاب المنهي عنهم عن قصد، ولكن بطريق السهو والنسيان، ويسمى هذا زلة.\rوقال القونوي: اختلف الناس في كيفية العصمة، فقال بعضهم: هي محض فضل الله تعالى، بحيث لا اختيار للعبد فيه، وذلك إما بخلقهم على طبع يخالف غيرهم بحيث لا يميلون إلى المعصية ولا ينفرون عن الطاعة، كطبع الملائكة، وإما بصرف هممهم عن السيئات وجذبهم إلى الطاعات جبراً من الله تعالى، بعد أن أودع في طبائعهم ما في طبائع البشر، وقال بعضهم: العصمة فضل من الله تعالى ولطف، ولكن على وجه يبقى اختيارهم بعد العصمة في الإقدام على الطاعة والامتناع عن المعصية، وإليه مال الشيخ أبو المنصور الماتريدي حيث قال: العصمة لا تزيل المحنة، أي الابتلاء والامتحان، يعني لا تجبره على الطاعة ولا تعجزه عن المعصية، بل لطف من الله تعالى يحمله على فعل الخير ويزجره عن الشر، مع بقاء الاختيار تحقيقاً للابتلاء والاختيار.\rوأدلة عصمتهم مذكورة في المطولات.\rفائدة:","part":1,"page":165},{"id":167,"text":"يقال في الأنبياء: معصومون، وفي الأولياء: محفوظون، لفرق دقيق بينهما، وهو أن العصمة لغة المنع والحماية، وعرفاً أن لا يخلق الله تعالى في المكلف الذنب مع بقاء قدرته واختياره، والحفظ توفيق الله تعالى التوبة كلما أذنب، فيقال للأولياء: محفوظون بمعنى أنهم إذا أذنبوا وفقهم الله للتوبة، فلا يمتنع وقوع الذنب منهم، ويقال أيضاً للأنبياء: مأمونون لا آمنون، بل خائفون منه تعالى أكثر من غيرهم، لأنهم أعرف بما له من صفات الجلال، كذا قالوا.\rوما نقل عن الأنبياء مما يشعر بكذب أو معصية فما كان منقولاً بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن، وإلا فمحمول على ترك الأولى أو كونه قبل البعثة، وإلى هذا أشار الناظم المحقق رحمه الله تعالى بقوله:\rيؤول القصص الحاكي لذنبهم… بأنه قبل وحي أو بنسيان\rيؤول بالنبأ المفعول من التأويل، وهو صرف الكلام إلى بعض محتملاته بدليل دعا إليه، أصله من الأول، وهو الرجوع والانصراف.\rوالقصص مصدر قولك: قصصت الحديث أقصه قصاً وقصصاً، وقد يجيئ اسماً بمعنى الخبر الذي اتصل بعضه ببعض، نحو قوله تعالى: ?لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب?،وقوله تعالى: ?فلما جاءه وقص عليه القصص? وهو المراد في هذا البيت.\rويشتمل للقصص الواقع في القرآن وغيره من الأحاديث والأخبار.\rقوله: الحاكي صفة القصص، بمعنى المنبئ، أي الخبر المنبئ والمشعر بذنبهم.\rوجعل الحاكي بمعنى المحكي ليس بشيء، لأنه موهم نقصاً في شأن الأنبياء عليهم السلام، فتأمل.\rوأراد بالذنب ما كان في صورة الذنب.\rوالباء في قوله: بأنه متعلق بقوله: يؤول بحذف المضاف، والضمير راجع إلى الذنب، أي بأن صدور الذنب كان قبل وصيهم.\rقوله: أو نسيان، قيل: عطف على قوله: بأنه، أي يؤول بأن صدوره كان بطريق النسيان.","part":1,"page":166},{"id":168,"text":"هذا البيت جواب عما استدل الخصم على مذهبه، كأن قائلاً قال: إن أقاصيص الأنبياء التي نقلت في كتاب الله تعالى وفي أحاديث رسول الله تشعر بصدور الذنب عنهم حال النبوة، فأشار الناظم المحقق إلى الجواب إجمالاً بأن ما نقل آحاداً مردود، وما نقل متواتراً أو منصوصاً في الكتاب محمول على السهو والنسيان أو على ترك الأولى، وكونه قبل البعثة أو غير ذلك من المحامل والتأويلات، والله أعلم بحقيقة الحالات.\rوأما الجواب التفصيلي فمذكور في التفاسير وفي الكتب المصنفة في هذا الباب، فمن أراد الاطلاع على التفصيل فليراجع إلى المطولات.\rوفي كتاب التعرف لمذهب التصوف: قال الجنيد والنوري وغيرهما من الكبار رحمهم الله تعالى: إن ما جرى على الأنبياء عليهم السلام إنما جرى على ظواهرهم وأسرارهم مستوفاة بمشاهدات الحق.\rواستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ?فنسي ولم نجد له عزماً?، قالوا: ولا تصح الأعمال حتى تتقدمها العقود والنيات، فما لا عقد له ولا نيته فليس بفعل، وقد نفى الله ذلك عن آدم عليه السلام بقوله: ?فنسي ولم نجد له عزماً?، وقالوا: ومعاتبات الحق لهم عليها إنما جائت علماً للأغيار لعيلموا عند إتيانهم المعصية المعاصي مواضع الاستغفار، انتهى.\rتتمة:\rاعلم أن الأنبياء عليهم السلام كما أنهم معصومون عن العصيان والضلال منزهون عن العزل والانعزال عن مرتبة النبوة والكمال، وقد حكى شارح الطوالع فيه إجماع الأمة، بخلاف حال الأولياء، فإنه قد يسلب منه الولاية كما يسلب الإيمان من المؤمن في الخاتمة والغاية، نسأل الله العفو والعافية.\rوأيضاً لا تبطل رسالتهم بموتهم لبقاء الأحكام التي جاءوا بها بعدهم ووجوب اتباع ذلك، والمنقطع بموتهم وجوب التبليغ منهم وتكليفهم بما لا كلفوا به، قاله في المواهب الفتحية.","part":1,"page":167},{"id":169,"text":"وقال بعض الأفاضل: رسالة الرسل ونبوة الأنبياء بعد موتهم [ثابتة] لهم في حال الحياة لا تبطل بموتهم، لأن هذا الوصف مضاف إلى أرواحهم في الحقيقة، وأرواحهم باقية، فيبقى الوصف ببقائها، ولولاه لما صح إيمان من أسلم الآن، فتأمل.\rوقال الأشعري: يبطل رسالتهم بمموتهم، لكن يبقى حكمها وحكم الشيء يقوم مقام ذلك الشيء، انتهى.\rووجه قول الأشعري مذكور في المطولات.\rولما فرغ من عصمة الأنبياء عليهم السلام شرع في تفضيلهم على الملائكة، فقال:\rوللنبيين رجحان على ملك ……تعليم علم وتكريم يدلان\rقوله: للنبيين خبر مقدم، ورجحان مبتدأ مؤخر.\rوأراد بالرجحان الأكثرية ثواباً وعلماً وكرامة عند الله تعالى، كذا قالوا.\rوملك أصله مالك بتقديم الهمزة، ثم قلب قلب مكان فصار ملاك، ثم حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، فيكون من الألوكة، وهي الرسالة، وإذا جمع ردت الهمزة، فيقال: الملائكة، سموا بها لأنهم رسائل بين الله وبين الناس.\rوأراد بالملك الجنس الشامل للعلوي والسفلي والعوام والخواص.\rقوله: تعليم، مصدر مضاف إلى مفعوله، أي تعليم الأنبياء علم الملائكة، وهو مبتدأ.\rوتكريم بالرفع عطف عليه، وتنوينه عوض عن المضاف إليه، أي تكريم الله إياهم.\rوجملة يدلان خبر المبتدأ، أي هما يدلان على ذلك الرجحان.\rوالمصراع الثاني إشارة إلى دليل الحكم السابق، أعني كل نبي من الأنبياء أفضل وأكثر ثواباً من كل ملك.\rووجوه الأفضلية كثيرة بعضها نقلية وبعضها عقلية، فقد أشار الناظم بقوله: تعليم علم وتكريم إلى بعض الوجوه النقلية، منها أن آدم عليه السلام أعلم من الملائكة ومعلم لهم، لأنه أنبأهم بالأسماء كلها، وبما علمه الله تعالى من الخصائص، والمعلم أفضل من المتعلم، وأيضاً العالم أفضل من غيره، لقوله تعالى: ?يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات? و?هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون?.","part":1,"page":168},{"id":170,"text":"ومنها أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام بقوله: ?وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم? فلا شك أن السجود المأمور به كان سجود خدمة وتكريم لا سجود عبادة إذ لا تكون العبادة إلا لله، فلو لم يكن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة لما أمرهم بالسجود له، لأن الله تعالى حكيم فلا يأمر الأفضل بخدمة المفضول.\rومنها قوله تعالى: ?ولقد كرمنا بني آدم?، فإن التكريم المطلق لواحد من الأجناس يدل على أفضليته من غيره.\rفهذه الوجوه الثلاثة مفهومة من صريح قول الناظم رحمه الله، الأول من لفظ تعليم، والثاني والثالث من لفظ تكريم، وباقي الوجوه من العقلية والنقلية، مع متعلقاتها مذكورة في المطولات.\rثم اعلم أن علم العقائد، أعني أصول الدين علم يبحث فيه عما يجب به الاعتقاد، وهو على قسمين: قسم يقدح الجهل به في الإيمان، كمعرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية والرسالة والنبوة وأمور الآخرة، وقسم لا يضر الجهل به في الإيمان، كتفضيل الأنبياء على الملائكة، فقد ذكر السبكي في تأليف له: لو مكث الإنسان مدة عره لم يخطر بباله تفضيل النبي على الملك لم يسأله الله تعالى عنه يوم القيامة، انتهى.\rقال بعض الأفاضل: محل الخلاف والنزاع في هذه المسألة غير نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه أفضل خلق الله أجمعين بإجماع علماء الدين، كما أشار إليه صاحب البردة حيث قال:\rفمبلغ العلم فيه أنه بشر……وأنه خير خلق الله كلهم\rوذكر صاحب المطالب الوفية في هذا المبحث ستة أقوال:\rالأول: وهو المشهور عند الجمهور أن الأنبياء عليه السلام أفضل من جميع الملائكة.\rوالثاني: وهو قول القاضي أبو بكر الباقلاني وأبي عبد الله الحليمي والإمام الرازي أن الملائكة العلوية أفضل من الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه أفضل من جميع الخلق بإجماع.\rوالثالث: الوقف في هذه المسألة وعدم التكلم فيها بشيء، بحيث إن سئل أحد يقول: لا أدري هل الأنبياء أفضل أم الملائكة.","part":1,"page":169},{"id":171,"text":"والرابع: السكوت عنها فلا ينطق بشيء مع اعتقاد ما أدى إليه الدليل من غير أن يظهر شيئاً بلسانه.\rوالخامس: أن الأنبياء أفضل من الملائكة باعتبار النبوة لا باعتبار البشرية.\rوالسادس: قول العز بن عبد السلام أن أرواح الأنبياء عليهم السلام أفضل من أرواح الملائكة وأجساد الملائكة أفضل من أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو قريب من القول الخامس، انتهى ملخصاً.\rوقال المولى الخيالي: ثم الإنصاف أن الأفضلية يعني زيادة القدرة والقوة والبطش، ظاهرة في الملائكة، وأما الأفضلية بمعنى كثرة الثواب عند الله تعالى فعلمها عنده، ولا طريق لنا إلى الجزم بها، فليتدبر، انتهى.\rقول يؤيد قول الخيالي، ما ذكر في كتاب التعرف حيث قال: سكت الجمهور منهم، أي من المتصوفة، عن تفضيل الرسل على الملائكة وتفضيل الملائكة على الرسل وقالوا: الفضل لمن فضله الله عز وجل، ليس ذلك بالجوهر ولا بالعمل، ولم يروا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل، انتهى.\rولما كان ظهور الكرامة على يد الأولياء أثر من آثار حقية نبوة الأنبياء ذكر الناظم بحث كرامات الأولياء عقيب ثبوت نبوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال:\rوللولي كرامات كما نقلت… عن آصف وأبي الدرداء سلمان…\rالولي هو العارف بالله حسب ما يمكن معرفة الذات والصفات، المواظب على الطاعات والمجتنب عن السيئات، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات، المدبر عن الدنيا، المقبل على العقبى، المديم على ذكر المولى.\rوفي شرح رسالة القشيري: الولي من توالت طاعاته من غير تخلل معصية.\rوهو قريب من المعنى الأول.\rوقيل: الولي ضد العدو، وأصله من الولي بمعنى القرب والدنو، فيحتمل أن الولي سمي به لقربه من آثار رحمه الله تعالى، كما في قوله تعالى: ?أولئك المقربون في جنات النعيم?.\rقال الإمام السنوسي نقلاً من شرح الإرشاد: للولي أربعة شروط:","part":1,"page":170},{"id":172,"text":"أحدها: أن يكون عارفاً بأصول الدين، حتى يفرق بين الخلق والخالق، وبين النبي والمدعي.\rالثاني: أن يكون عالماً بأحكام الشريعة نقلاً وفهماً، ليكتفي بنظره عن التقليد في الأحكام الشرعية، كما اكتفى عن ذلك في أصول التوحيد، فلو أذهب الله علماء أهل الأرض لوجد عنده ما كان عندهم، ولأقام قواعد الإسلام من أولها إلى آخرها.\rالثالث: أن يتخلق بالخلق المحمود الذي يدل عليه الشرع والعقل.\rالرابع: أن يلازم الخوف أبداً سرمداً، انتهى.\rوأراد الناظم بالولي الجنس.\rثم الكرامات جمع الكرامة، وهي أمر خارق للعادة، مقرون بالمعرفة والطاعة، خال عن دعوى النبوة، وبه فارق المعجزة، لأن شرط المعجزة دعوى النبوة، بخلاف الكرامة حيث يقر صاحبها بالمتابعة، فإن الولي يخرج بدعوى النبوة عن الإسلام فضلاً عن الولاية.\rوبهذا تبين أن كل كرامة لولي تكون معجزة لمتبوعه من نبي.\rويؤيد هذا ظاهر كلام الإمام في الفقه الأكبر، [و] عليه الجمهور.\rوقال الإمام القشيري ومن تبعه كابن السبكي: إن ما هو من المعجزات الكبار كإحياء الموتى وقلب العصا حية وانشقاق القمر وإشباع الجمع من الطعام القليل وخروج الماء من بين الأصابع، لا يمكن إجراؤه بطريق الكرامة للولي، كذا قالوا.\rحاصل هذه المسألة الذي في عبارة الناظم أن ظهور أنواع الكرامات وخوارق العادات ثابت للأولياء الكرام من الصلحاء الفخام، غير مختصة بأمة نبينا عليه السلام، كما أشار إليه بقوله: كما نقلت عن آصف، أي نقلت تلك الكرامات في القرآن العظيم وفي حديث الرسول ال?ريم.\rأما الأول فكقصة آصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام، أتى بعرش بلقيس من ناحية اليمن طرفة عين، وذلك قوله تعالى: ?أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك?، وكذلك قصة أصحاب الكهف ومريم.\rوأما الثاني فهو ما روي أنه كانت بين يدي سلمان وأبي الدرداء قصعة، فسبحت وسمعت تسبيحها.","part":1,"page":171},{"id":173,"text":"وأيضاً يجوز وقوع الكرامة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، كما أشار إليه الناظم بقوله:\rوصد سارية الفاروق عن جبل… والبعد بينهما في القدر شهران\rالواو لعطف جملة على جملة، وصد بالرفع مبدأ خبره محذوف، وهو مصدر صده عن الأمر منعه وصرفه من باب رد، يتعدى إلى مفعولين أولهما بنفسه وثانيهما بالحرف، وهو مضاف إلى فاعله، وهو سارية، غير منصرف للتأنيث اللفظي والعلمية.\rوإضافة سارية إلى الفاروق لأدنى ملابسة، لأنه كان أمير جيشه، ومفعول المصدر محذوف، فتقدير الكلام: ومن كرامات الأولياء صد سارية الفاروق جيشه عن وراء جبل.\rومن قال: إنه مضاف إلى مفعوله والفاروق فاعله لم يصب، لأن فاعل الصد والمنع هو سارية لا الفاروق، بل المفهوم من كلام الفاروق الإقبال إلى الجبل، إذ معنى قوله: يا سارية الجبل الجبل، أي الزم الجبل واحذر من ورائه، هكذا فسره صاحب التمهيد.\rفإن قيل: الصد ليس بكرامة، لأنها لا بد وأن يكون أمراً خارقاً للعادة، والصد ليس كذلك.\rقلنا: هنا تسامح في العبارة، إذ الناظم ذكر المسبب وهو الصد والمنع وأراد السبب وهو سماع سارية صوت الفاروق، وهذا السماع كرامة لعمر رضي الله تعالى عنه، وإن صدر من سارية.\rقال صاحب التسديد: قيل هذه الكرامة مشتملة على ثلاث كرامات: رؤية عمر جيشه بنهاوند وبلوغ صوته إلى سارية وسماع سارية - وهو أمير الجيش - صوته.\rوالواو في قوله: والبعد، للحال.\rإذا عرفت ما حررناه لك في هذا المقام فلا تلتفت إلى ما صدر عن بعض الأنام.\rقال علي القاري: وفي هذه المسألة خلاف المعتزلة في منعهم جوازها مطلقاً، معللين بأن في جوزاها وقوع الاشتباه بين المعجزة وغيرها، وخلاف الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني في بعضها حيث قال: كل ما جاز تقديره معجزة لنبي لا يجوز ظهور مثله كرامة لولي.\rوأجيب بأن المعجزة شرطها دعوى النبوة، بخلاف الكرامة، انتهى.\rفلا يلزم وقوع الاشتباه منها.","part":1,"page":172},{"id":174,"text":"ثم اعلم أن حصول الكرامة للولي مختص بأيام التكليف، كما قال الشيخ العلامة أبو الحسن سراج الدين في بدء الأمالي:\rكرامات الولي بدار دنيا ……لها كون فهم أهل نوال\rوقال الشارح جلال الدين البخاري: التقييد بدار الدنيا لأن دار العقبى محل كرامة جميع المؤمنين.\rقال في رسالة القشيري: ولا بد أن يكون الكرمة فعلاً خارقاً للعادة في أيام التكليف، انتهى.\rوقال شارحه القاضي زكريا: لا في الأيام الآخرة، لأنها ليست دار تكليف.\rوقال الإمام السنوسي: وزاد بعضهم في تفسير المعجزة قيداً آخر، وهو أن يكون في زمن التكليف، لأن ما يقع في الآخرة من الخوارق ليست بمعجزة، انتهى.\rوإذا اعتبر هذا القيد في المعجزة ففي الكرامة يكون بطريق الأولى.\rوقالوا: لا يبلغ الولي درجة النبي، لأن التابع لا يبلغ مرتبة المتبوع، فيكون للنبي فضل على الولي.\rوزعم قوم أن مرتبة الولي مطلقاً قد تكون أفضل من مرتبة النبوة، لأن الأول معاملة مع الحق، والثاني معاملة مع الخلق، وزعم آخرون أن مرتبة النبي أفضل من مرتبة نبوته، فالناظم أراد الإشارة إلى رد هذين القولين:\rفضل النبي جلي بل نبوته……فاقت ولايته في قول إخوان…\rقد مر معنى النبي والولي، وكذا معنى النبوة والولاية، وأراد بالنبي هنا الجنس، ومن خص هذا الحكم بنبينا صلى الله عليه وسلم لم يصب، إذ سبق من الناظم رحمه الله بيان فضله عليه السلام.\rومعنى جلي واضح لكل أحد، ثابت من الأزل إلى الأبد، بل صرح النسفي في عمدته أن نبياً واحداً أفضل من جميع الأولياء، وذلك لأن الولي تابع للنبي، ولا يكون التابع أعلى رتبة من المتبوع، ولأن النبي معصوم مأمون العاقبة، والولي يجب أن يكون خائفاً عن الخاتمة.\rولأن النبي مكرم بالوحي ومشاهدة الملائكة الكرام، ومأمور بتبليغ الأحكام وإرشاد الأنام بعد الاتصاف بكمالات الأولياء العظام، فما نقل عن بعض الكرامية من جواز أن كون الولي أفضل من النبي كفر وضلالة وإلحاد وجهالة.","part":1,"page":173},{"id":175,"text":"نعم قد يقع تردد في أن مرتبة النبوة أفضل أم مرتبة الولاية بعد القطع بأن النبي متصف بالمرتبتين، وأنه أفضل من الولي الذي ليس نبي، فمنهم من قال بالأول بناء على أن النبوة تكميل للغير وهو بعد الكمال، ومنهم من قال بالثاني زعماً بأن الولاية عبارة عن العرفان بالله وصفاته وقرب منه وكرامة عنده، والنبوة عبارة عن سفارة بينه وبين عبده في تبليغ أحكامه إليه، والقيام بخدمته متعلق بمصلحة العبد، وقاسوا الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق، فإنهم شبهوا الولي بمجالس الملك والنبي بالوزير في قيام أمر الملك.\rوالناظم المحقق رحمه الله تعال ذهب إلى القول الأول الذي هو المعتمد والمقبول، حيث قال: في قول إخوان.\rوالمراد بالإخوان هم الذين ذهبوا إلى القول الأول.\rوكلمة بل هنا للانتقال من حكم إلى حكم، لا للإضراب والترقي، ويمكن جعلها للترقي بأدنى تصرف في العبارة، هو أن يقال: إذا كان فضل النبي على الولي واضحاً كان فضل النبوة على الولاية التي كانت معها، فنبوته مبتدأ والضمير المجرور راجع إلى النبي.\rوقوله: فاقت، أي علت، من قولهمك فاق الرجل أصحابه، إذا علاهم بالشرف، خبر المبتدأ.\rقوله: ولايته، وضميره راجع إلى النبي.\rقال المولى الخيالي: ويمكن أن يكون خبر نبوته محذوفاً وفاعل فاقت لفظ ولايته، والمعنى أن فضل النبي جلي بل بنوته أيضاً جلية حال كون ولايته فائقة عليها، فهو إشارة منه ما نقل عن بعض العارفين من أن مرتبة ولاية النبي عليه السلام أفضل من نبوته، وعليك الاختبار ثم الاختيار، انتهى.\rأقول: لما كان هذا الاحتمال بعيداً عن أرباب الكمال فوض الوجدان والاختيار حتى يظهر لك الترجيح والاختبار.\rولما فرغ من فضيلة النبي على الولي شرع في أفضلية بعض الأولياء على بعض منها فقال:\rوأفضل الناس بعد الأنبياء أبو……بكر لتصديقه من قبل أقران\rأفضل الناس مبتدأ، وأبو بكر خبر.","part":1,"page":174},{"id":176,"text":"أي أكثرهم ثواباً وأعلاهم مقاماً أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، واسم أبيه أبو قحافة، ولقبه النبي عليه السلام بالصديق لأنه صدقه في النبوة من غير تلعثم وفي المعراج بلا تردد.\rفقول الناظم: لتصديقه من قبل أقران، استدلال على أفضليته بوجهين:\rالأول: أنه أول من صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على زيادة إيقانه وكمال إيمانه، ولذلك جعله عليه السلام خليفة في قيام الصلاة التي هي عمدة أحكام الإسلام.\rقال علي القاري: وأولى ما يستدل به على فضل الصديق في مقام التحقيق نصبه عليه السلام لإمامة الأنام مدة مرضه في الليالي والأيام، انتهى.\rوالثاني: أنه أسلم قبل جميع الأقران، أي جميع الناس على ما عليه الأكثرون، وصرح به حسان بن ثابت وأنشده على رؤوس الأشهاد، ولم ينكر عليه أحد، ويؤيده قوله عليه السلام: (أين مثل أبي بكر، كذبني الناس وصدقني، وآمن بي، وزوجني ابنته، وجهزني بماله، وأوساني بنفسه، وجاهد مع ساعة الخوف.\rقال علي القاري: واختلف في أول من آمن من الصحابة، فقيل: علي، لقوله: (سبقتكم إلى الإسلام طراً غلاماً ما بلغت أوان حلمي)، وهذا دليل لأصحابنا أن إسلام الصبي صحيح، خلافاً للشافعي، وقد ثبت أنه عليه السلام دعا علياً إلى الإسلام وهو ابن سبع سنين، وقيل: أبو بكر رضي الله عنه، وقيل: خديجة، وقيل: زيد، وجمع بأنه من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد.\rثم قيل: العبرة بإيمان أبي بكر رضي الله عنه، إذ لا رتبة للصبي والمرأة والعتيق عند الناس، انتهى.\rوأيضاً لا شك أن إيمان البالغ الصادر عن استدلال أفضل من إيمان الصبي.","part":1,"page":175},{"id":177,"text":"وأيضاً إن أبا بكر كان مشتهراً بين الناس ومحترماً غاية الاحترام، وكان نافذ القول والكلام، فحصل بسبب إسلامه قوة عظيمة في الإسلام، ألا ترى أنه لما أسلم اشتغل بالدعاء والتضرع إلى الله فأسلم ببركة دعائه على يده عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون إلى غير ذلك، فكان إسلامه أفضل من إسلام علي كرم الله وجهه.\rفظهر مما قررناه أن ما ذكره الناظم دليل نقلي مستفاد من السنة إلا أنه ظني، والدليل القطعي في هذه المسألة الإجماع، ولا عبرة بمخالفة الروافض الذي يزعمون بتفضيل علي على سائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كما قاله علي القاري، وكذلك قال المولى الخيالي: فالأولى فيه الاقتصار على الإجماع المنعقد قبل ظهور المخالفين، ولا نطول بذكره الكتاب، انتهى.\rواستدل الأصحاب على ذلك بالكتاب والسنة والآثار والأمارات، وكل ذلك مذكورة في المطولات، واحتج المخالف أيضاً كذلك والأجوبة مذكورة هنالك.\rوأفضل الناس بعد أبي بكر عمر الفاروق، فأشار الناظم إليه بقوله:\rوبعده عمر الفاروق إذ هو في… إظهار دين رسول خير معوان\rالواو للعطف، وبعد منصوب على الظرفية، وعامل الظرف محذوف، وهو مبتدأ، وقوله: عمر خبر.\rأي: وأفضل الناس بعد أبي بكر الصديق عمر الفاروق، [والفاروق] صفة عمر، ومعنى الفاروق المبالغ في الفرق بين الحق والباطل، أو بين الموافق [والمخالف].\rواختلف في أول من لقبه بذلك، ففي تهذيب النووي والرياض للمحب الطبري أنه عليه السلام لقبه بذلك، وقيل: جبرائيل عليه السلام، وقيل: أهل الكتاب، ذكره ابن حجر في فتح الباري.\rوإذ في قوله: إذ هو، تعليل للحكم السابق، وضمير هو مبتدأ راجع إلى عمر.\rوقوله: خير معوان خبره.\rوكلمة: في متعلقة بالخبر، قدم عليه للضرورة.\rوإظهار مصدر مضاف إلى مفعوله.\rوتنوين رسول عوض عن المضاف إليه، أي هو خير معوان في إظهار دين رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":1,"page":176},{"id":178,"text":"والمعوان بكسر الميم صيغة المبالغة، يقال: رجل معوان، أي كثير المعونة للناس.\rذهب أهل السنة إلى أن الأفضل بعد أبي بكر من الأصحاب عمر بن الخطاب، واستدلوا عليه بالسنة والأثر والأمارة.\rأما السنة فقوله عليه السلام: (خير أمتي أبو بكر ثم عمر).\rوأما الأثر فما روي عن ابن عمر: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل أمة النبي أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وعن علي: خير الناس بعد النبيين أبو بكر ثم عمر، ثم والله أعلم.\rوأما الأمارة فهو ما أشار إليه الناظم من أنه خير معوان دين الإسلام في زمن خلافته من فتح مشارق الأرض وقهر الأكاسرة وأخذ الخراج من القياصرة، ثل عروشهم وهدم دولهم والسبي من أموالهم وأولادهم، وترتيب الأمور وسياسة الجمهور وإفاضة العدل والإحسان على الفقراء والمساكين والعميان، مع إعراضه عن متاع الدنيا وطيباتها وملاذها وشهواتها، كذا قاله المولى الخيالي رحمه الله.\rأقول: الدليل الواضح في هذا الحكم الإجماع أيضاً، فتأمل.\rوأفضل الناس بعد الفاروق عثمان بن عفان، فأشار إليه الناظم رحمه الله بقوله:\rوبعد ذلك أفتى مشايخنا ……أن لا تردد في تفضيل عثمان\rالواو لعطف جملة على سابقها، وبعد منصوب على الظرفية، قدم على عامله وهو قوله: قد أفتى، وذلك إشارة إلى تفضيل عمر.\rومشايخنا فاعل أفتى.\rوالفتوى هي الحكم على ظاهر الأشياء.\rقال التفتازاني: والظاهر أنه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا به، انتهى.\rيعني قال السعد في شرح العقائد: وجدنا السلف قالوا بأن الأفضل أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فحسن الظن بهم يقضي بأنهم لو لم يعرفوا ذلك بدلائل وأمارات لما أطبقوا عليه، فوجب علينا اتباعهم ذلك، وتفويض الحق إلى الله هنالك.\rوهكذا قال شارح المواقف، وهذا معنى فتوى المشايخ.\rقالوا: هذا استدلال إجمالي، وبه استدل الناظم المحقق على كون عثمان أفضل من علي بن أبي طالب.","part":1,"page":177},{"id":179,"text":"وحاصل استدلاله أن عثمان بن عفان أفضل من علي باتفاق السلف الصالحين وحكمهم وفتواهم بأنه أفضل منه من غير تردد، وفي هذا الاستدلال رد على من تردد منهم فيما بينهم أو مال إلى أفضلية علي من عثمان رضي الله عنهما.\rوأما الاستدلال تفصيلاً فقد قال المولى الخيالي: ذهب كثير من الأصحاب إلى أن الأفضل بعد عمر من الصحابة هو عثمان بن عفان، وتمسكوا فيه بالأثر والأمارة، أما الأثر: فما روي عن ابن عمر: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل أمة النبي بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان.\rوأما الأمارة فما تواتر [في] عهد خلافته من فتح كثير من البلاد وإعلاء لواء الشرع إلى السماء واجتماع الناس على مصحف واحد مع كان له من تجهيز جيوش المسلمين والإنفاق في نصرة الدين والمهاجرة بهجرتين وكونه ختناً للنبي عليه السلام على ابنتين، وبلوغه الغاية القصوى في الاستحياء من الشين، وقد قال عليه السلام في حقه: (عثمان أخي رفيقي في الجنة) وقال عليه السلام: (ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء)، وقال عليه السلام: (إنه يدخل الجنة بغير حساب).\rوأفضل الناس بعد عثمان علي المرتضى ابن عم المصطفى زوج فاطمة الكبرى، وإليه أشار الناظم المحقق رحمه الله بقوله:\rوبعد ذلك علي وهو أقربهم ……إلى النبي وأحظى بين أختان\rبعد منصوب على الظرفية، وعاملة محذوف مبتدأ، وذاك إشارة إلى عثمان بن عفان، وعلي خبره.\rأي وأفضل الناس بعد عثمان علي بن أبي طالب بإجماع السلف والخلف، وإن كان مقتضى العقل تفضيل علي على عثمان، بل على الثلاثة، وذلك الاقتضاء بوجهين:\rأحدهما: أنه أقرب نسباً إلى النبي عليه السلام، لأنه ابن عمه أبي طالب.","part":1,"page":178},{"id":180,"text":"والثاني: أنه أفضل الأختان أيضاً، إلا أن علياً لكونه زوج فاطمة الزهراء أفضل الأختان لا يماثله في ذلك أحد، كيف وقد ولد عنهما الحسن والحسين سيدا شبان أهل الجنة وريحانتي نبي هذه الأمة، فأشار الناظم المحقق بقوله: وهو أقربهم إلى أن الدليل العقلي لا يعتد به عند وجود الدليل النقلي المعارض له، وهو إجماع السلف على تفضيل عثمان، فيكون قوله: وهو أقربهم جملة حالية قيداً لهذا الحكم وليس تعليلاً لأفضلية على من بعده كما توهم، لأن علة أفضليته معلومة من الأبيات السابقة أن يعلم من تفضيل كل من الأربعة على من بعده على الترتيب المذكور تفضيله على سائر الصحابة لانعقاد الإجماع على أفضلية الأربعة على سائر الصحابة فمن بعدهم، كذا [قال] علي القاري في شرح بدء الأمالي.\rقوله: وأحظى اسم تفضيل من حظيت المرأة عند زوجها تحظى حظوة، وحظوة بالضم والكسر أي سعدت به ودنت من قلبها وأحبها.\rوفي حديث عائشة: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى مني، أي أقرب إليه مني وأسعد به.\rمعناه هاهنا أن علياً هو أقربهم وأسعدهم وأحبهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بين الأختان، ومع هذا كان عثمان بل الثلاثة أفضل منه.\rومن فسره بكونه أوفر حظاً فيما بين الأختان فقد أوفر في معنى الحظوة، فتأمل.\rثم قوله: أختان جمع ختن، وفي المختار: ختن الرجل عندهم زوج ابنته، وفي النهاية: علي ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي زوج ابنته، وهي فاطمة رضي الله عنها.\rفإن قيل: إن السلف جعلوا من علامات أهل السنة والجماعة تفضيل الشيخين ومحبة الختنين، أراد بالختنين عثمان وعلي رضي الله عنهما، فما وجه الجمع هنا ؟\rقلنا: قد يذكر الجمع ويراد به التثنية، وهو كثير في كلام الشعراء، وهنا كذلك.\rولك أن تقول: إنما أورد الجمع اعتباراً لبنات الرسول كما لا يخفى على الفحول.","part":1,"page":179},{"id":181,"text":"ولما فرغ من النبوات وما يتعلق بها من الولاية والكرامة شرع في أحوال الآخرة من الحشر والنشر، فقال:\rالحشر والبدء إمكاناً وتمييزاً ……ونفي مدخل أوقات سويان\rالحشر في اللغة الجمع، والمراد به هنا البعث، وهو أن يبعث الله الموتى من القبور يوم الحشر والنشور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها.\rقيل: اختلف في كيفية حشر الأجساد، قال بعضهم: بالإعدام بالكلية ثم الإيجاد، وقال آخرون: إنه بالجمع بعد تفريق الأجزاء، واختار البعض التوقف فإنه [لا] طريق إلى تعيينه يقيناً ولا كثرة فائدة تتعلق بتعيينه، كذا قاله بهاء الدين.\rواختار التوقف إمام الحرمين حيث قال: يجوز عقلاً أن ينعدم الجواهر ثم يعاد، وأن تبقى وتزول أعراضها المعهودة المعينة، ثم تعاد بنيتها، ولم يدل قاطع سمعي على تعيين أحدهما، فلا يبعد أن يصير أجساد العبادة على صفة أجسام التراب، ثم تعاد تركيبها إلى ما عهد، ولا يحيل أن ينعدم منها شيء ثم يعاد، والله أعلم، كذا في شرح المقاصد.\rفالحشر في كلام الناظم الإيجاد الثاني، والبدء الإيجاد الأول، ولو قال: البدء والبعث إمكاناً وتمييزاً، لكان مناسباً لقوله تعالى: ?ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة? في الترتيب وفي لفظ البعث أيضاً، لكنه قدم الحشر لكونه محل النزاع وجعل الحشر مرادفاً للبعث.\rقوله: إمكاناً وتمييزاً منصوبان على التمييز، يرفعان الإبهام عن نسبة مقدرة في سويان، قدما للضرورة.\rوسويان بمعنى مستويان خبر عن قوله: الحشر.\rوالواو في ونفي مدخل بمعنى مع، ونفي منصوب على أنه مفعول معه، والمعنى الخلق الثاني والخلق الأول كلاهما مستويان من جهة التمييز وإمكان مع عدم دخل للأوقات والأزمان داخلان تحت قدرة الخلاق العليم.\rولا يشك في هذا الحكم إلا الفلاسفة أصحاب الجحيم، فإنهم أنكروا حشر الأجساد يوم يقوم الأشهاد.","part":1,"page":180},{"id":182,"text":"ثم اعلم أن تصديق الحشر الجسماني من ضروريات الإسلام، فنفيه أو الشك في ثبوته كفر وتكذيب للكتب المنزلة والرسل المرسلة وتجهيل لورثة الأنبياء وللبررة الأتقياء من لدن آدم عليه السلام.\rقال الإمام الفخر في الأربعين: الجمع بين إنكار المعاد الجسماني والإقرار بالقرآن متعذر، لأن وروده في القرآن لا يقبل تأويلاً، ونص الغزالي على كفر الفلاسفة، وذكر الإجماع على كفرهم، فكشف هذا المقام يحتاج إلى البسط في الكلام فنقول بعون الله الملك العلام:\rذهب الطبيعيون من الفلاسفة إلى نفي الحشر للإنسان، بناء على أنه عبارة عن هذا الهيكل المحسوس، وأنه يفنى بالموت، فتمتنع إعادته لامتناع الإعادة على المعدوم.\rوذهب الإلهيون منهم إلى القول بالمعاد الروحاني وامتناع الجسماني لما مر.\rوذهب أكثر المتكلمين إلى العكس من ذلك.\rومنهم من جمع بينهما وجزم بثبوت الإعادة للأرواح والأجسام جميعاً، وعليه الاعتماد.\rفالناظم المحقق أشار إلى دليل هذا الحكم عقلاً، وإلى الجواب عن احتجاج المخالف.\rأما بيان الدليل العقلي فهو أن البدء أي الإيجاد أولاً والحشر أي الإيجاد ثانياً أمران متحدان في الماهية، وإنما يختلفان بحسب العوارض الخارجة عن ماهيتهما، فيلزم من إمكان الأول إمكان الثاني، وإلا يلزم الاختلاف في لوازم الطبيعة الواحدة، وهو محال، فيكون كل واحد منهما ممكناً في نفسه، وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه فهو حق، فالحشر والإعادة حق لا مرية فيه.\rوإلى هذا أشار بقوله: الحشر والبدء سويان.\rوأما الجواب عن الاحتجاج فلأن المخالف احتج بوجهين:\rالأول: أنه لو جاز إعادة المعدوم بعينه وفرضنا وقوعه لجاز إيجاد مستأنف مثله، فلنفرض وجوده أيضاً مع ذلك المعاد، فيلزم الاثنينية بدون التمايز، وأنه باطل بديهة.","part":1,"page":181},{"id":183,"text":"فالجواب ما أشار إليه المحقق أولاً وهو أن الامتياز بالعوارض المشخصة كما في المثلين المتبدئين، وإن أريد بالتماثل الاتحاد من كل الوجوه فلا تلزم الاثنينية، بل لا يتصور التماثل حينئذ، وإن أريد الاتحاد في العوارض فالملازمة مسلمة وبطلان اللازم ممنوع، إذ الاثنينية حينئذ تكون اعتبارية، فيكفيها التغاير الاعتباري.\rالثاني من الوجهين: لو جاز إعادة المعدوم بعينه، أي بجميع عوارضه المشخصة لوجب أن يعاد جميع الخواص التي كان هو بها هو، وإلا لما كان المعاد هو، ومن خواصه وقته، وإذا أعيد وقته كان هو غير معاد، لأن المعاد هو الذي وجب في وقت ثان، وهذا وجب في وقت أول، فالإعادة والإبداء إنما يتمايزان بتغاير الوقتين.\rوالجواب عن هذا ما أشار إليه المحقق ثانياً، وهو نفي كون الزمان العوارض المشخصة الشيء من المبدأ والمعاد، وإلا لكان الشخص الواحد أشخاصاً متعددة بحسب تعدد الأزمنة، وإنه سفسطة ظاهرة.\rوالحاصل أنه لا مدخل للأوقات في حشر الأجساد، فتأمل.\rوأما الدليل النقلي على الحشر فالكتاب والسنة والإجماع.\rأما الإجماع فلأنه لا شك أن الملل كلها من لدن آدم إلى سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم مجمعة عليه.\rوأما السنة فما روي أنه عليه السلام قال: (إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً) ثم قرأ ?كما بدأ،ا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين?.\rوأما الكتاب فهو قوله تعالى: ?هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده?،وقوله: ?وإن الله يبعث من في القبور? وغير ذلك من الآيات.\rولما احتج المنكرون للحشر الجسماني بأنه موقوف على إعادة المعدوم بعينه وأنه محال أشار المحقق في البيت السابق إلى منع المحالية وأثبت إمكانه بالدليل العقلي، وأشار أيضاً في ضمن هذا الدليل إلى الجواب عن احتجاج المخالف كما مر تقريره، ثم أراد أن يشير إلى منع التوقف والاحتياج إلى القول بصحة إعادة المعدوم فقال:\rبل لا احتياج إلى قول بصحة أن… يعاد ما عدمت من حشر أبدان…","part":1,"page":182},{"id":184,"text":"على ما ذهب إليه البعض في كيفية حشر الأبدان، فإن القائلين بالحشر الجسماني منهم من يقول ذلك بإعادة المعدوم بعينه، ومنهم من يقول: تجمع الأجزاء المتفرقة وإحيائها كما مر، فعلى القول الثاني لا يتوقف إثبات الحشر على القول بصحة إعادة المعدوم بعينه كما زعمه المنكرون.\rوأما على القول بالتوقف فنحن نتمسك في إثباته بالقول الثاني، وبيان ذلك أن الله تعالى يجمع الأجزاء الأصلية بوجه ما، ويعيد الأرواح إليها، ولايضرنا عدم كون المعاد عين الأول كما ورد في الحديث، ولذلك ترى بعض المنكرين بإعادة المعدوم يقولون بحشر الأبدان، كبعض الكرامية، فإنهم ذهبوا إلى إثبات إعادة بمعنى جمع ما تفرق من الأعضاء والأجزاء، لا بمعنى إعادة ما عدم من الأشياء.\rوقال إمام الحرمين: يجوز أن ينعدم الجواهر ثم تعاد، وأن تبقى وتزول أعراضها المعهودة المعينة ثم تعاد بنيتها، ولم يدل قاطع سمعي على تعيين أحدهما، فينبغي التوقف، وهو المختار عند بعض المحققين، كذا قاله المولى الخيالي.\rوكلمة بل في قول الناظم للترقي من الأدنى إلى الأعلى، لأن هذا البيت منع لصغرى القياس المطوي، كما أن البيت السابق منع للكبرى، ومنع الصغرى أقوى من منع الكبرى، فتأمل.\rويتزن البيت بوصل همزة الاحتياج وإسقاطها لفظاً.\rوكلمة ما عبارة عن الأجزاء.\rوعدمت بكسر الدال وضميره راجع إلى ما.\rقوله: في حشر أبدان متعلق بعدمت.\rومن استدلال المنكرين أيضاً أنهم قالوا: لو أكل إنسان إنساناً وصار غداء له وجزء من بدنه فالأجزاء المأكولة إما أن تعاد إلى بدن الآكل أو في بدن المأكول، وأياً ما كان لا يكون أحدهما بعينه معاداً بتمامه، على أنه لا أولوية لجعلها جزء من بدن أحدهما دون الآخر، ولا سبيل إلى جعلها من كل منهما.\rوأيضاً إذا كان الآكل كافراً والمأكول مؤمناً فيلزم تنعيم الأجزاء العاصية أو تعذيب الأجزاء المطيعة.","part":1,"page":183},{"id":185,"text":"والجواب: أنا نعني بالحشر إعادة الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره، لا الحاصلة بالتغذية، والأجزاء المأكولة فضلة من الآكل لا أصلية، فالمعاد من كل الآكل والمأكول الأجزاء الأصلية الحاصلة في أول الفطرة، أعني حال نفخ الروح من غير لزوم فساد، كذا في شرح المقاصد، وإلى هذا الجواب أشار الناظم بقوله:\rأجزاء أصلية كلا وإن أكلت ……فتلك لم تك أجزاء جثمان\rقوله: أجزاء خبر مبتدأ محذوف، وأصلية صنعة أجزاء، تنوينهما عوض عن الألف واللام، أي المعاد هو الأجزاء الأصلية.\rقوله: كلا أي كل زمان من أزمنة العمر، وقيل: أي من أول العمر إلى آخره، ونصبه على الظرفية، لأن كلا وبعضاً ينوبان عن الزمان والمكان إذا أضيفا إليهما، والمضاف إليه هاهنا زمان مقدر.\rوفي التنزيل: ?كل يوم هو في شأن?، ومثله: سرت كل اليوم.\rقوله: وإن أكلت، إن هذه وصلية، وأكلت على بناء المفعول، وإعراب هذه الجملة سبق عند قول الناظم: ولا يقدم حيوان على أجل.\rيعني أن المعاد هو الأجزاء الأصلية، وإن كانت تلك الأجزاء مأكولة، لأن الله تعالى يبعث من في القبور ومن في أجواف الوحوش والطيور، فالأجزاء المأكولة أجزاء أصلية بالنسبة إلى المأكول وإن كانت فضلة بالنسبة إلى الآكل.\rوالفاء في قوله: فتلك، جواب لشرط محذوف، وتلك إشارة إلى الأجزاء، مبتدأ، وجملة لم تك خبره، ومن خصائص كان أن لام مضارعها يجوز حذفها تخفيفاً إذا دخل عليه جازم، نحو ?ولا تك في ضيق مما يمكرون?.\rقوله: لجثمان بضم الجيم وسكون المثلثة الجسد، وقع في بعض النسخ: لجسمان بضم الجيم وسكون السين الجسد أيضاً، وقال الأهمقي: الجثمان بالثاء الشخص والجسمان بالسين الجسم، كذا في المختار.\rوحاصل هذا البيت أن المعاد هو الأجزاء الأصلية من أول العمر إلى آخره، لا الحاصلة بالتغذية التي هي فضلة في الآكل.","part":1,"page":184},{"id":186,"text":"ولما اعترض بأنه يجوز أن تكون تلك الأجزاء الغذائية التي هي فضلة في الآكل نطفة وأجزاء أصلية بالنسبة إلى بدن آخر، فيعوذ المحذور، أشار الناظم إلى جواب هذا الاعتراض بقوله: فتلك.. إلخ.\rحاصله لعل الله تعالى يحفظها أن تكون أجزاء لبدن آخر، فضلاً عن الأجزاء الأصلية.\rفائدة\rأنكر كثير من المعتزلة حشر ما لا خطاب عليها، وهو مردود بما ورد من أن الله تعالى يحيي الحيوانات للاقتصاص، إظهاراً لكمال العدل، فيقتص للشاة الجماء من القرناء، ثم يقول لهن: كونوا تراباً، فيصرن تراباً، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.\rولما فرغ من بيان إمكان الحشر شرع في إثبات وقوعه وسائر ما يتعلق به من الصراط والميزان والحساب وأهوال القيامة إلى غير ذلك من السمعيات، فقال:\rوواقع كل ما نص الصدوق به… من ممكن كصراط أو كميزان…\rالواو لعطف جملة على جملة.\rقوله: واقع خبر مقدم، وكل مبتدأ مؤخر مضاف إلى ما، أي كل حكم نص به الصدوق، أي الذي بلغ في الصدق غايته وصار الصدق طبيعة له بحيث لا ينفك عنه أبداً، لأنه من الصفات الواجبة في حقه عليه السلام، وضده محال بلا ريب ولا كلام.\rقوله: من ممكن، بيان لما، وإشارة إلى أن دليل الكل هو الإمكان.\rيعني أنها أمور ممكنة أخبر بها الصادق، فتكون واقعة، والتصديق بها واجباً.\rوأما إمكان الحشر فلما مر [من] جواز الإعادة على المعدوم، ولا شك في أن الأجزاء المتفرقة المختلطة بعضها ببعض قابلة لنوع ما من الجمع وإعادة الروح إليها.\rوأما إمكان غيره فظاهر، ولهذا لم يتعرض به المحقق ولم يشتغل بالدليل صراحة، لا عقلاً ولا نقلاً، وسنذكر دليل كل واحدة منها نقلاً في موضعه إن شاء الله تعالى.\rاعلم أن الصراط جسر يضرب على متن جهنم، يمر عليه الخلائق من الأولين والآخرين والصالحين والطالحين، والنبي عليه السلام يقول: (يا رب سلم سلم).\rوهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، على ما ورد في الحديث الصحيح.","part":1,"page":185},{"id":187,"text":"والناس في جوازه متفاوتون على حسب إيمانهم وأعمالهم، والله تعالى يسهل الطريق على من أراد، كما جاء في الخبر: إن منهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالجواد من الخيول وغير ذلك مما ورد في الحديث.\rوروي أيضاً أنه يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض مثل الوادي الواسع.\rوثبوت الصراط بالكتاب والسنة:\rأما الكتاب فقوله تعالى: ?وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً?.\rقال النووي في شرح مسلم: الصحيح أن المراد في الآية المرور على الصراط، انتهى.\rوهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنه وجمهور المفسرين، وقد روي مرفوعاً أيضاً.\rوأما السنة فقد ورد في صحيح مسلم أن الصراط ممدود على ظهر جهنم، أدق من الشعر وأحد من السيف، وغير ذلك من الأحاديث، وأنكره المعتزلة زعماً منهم أنه لا يمكن عليه، ولو أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة.\rوالجواب أن الله تعالى على كل ممكن قادر، وإن إمكان العبور أمر ظاهر، فكما لا يستحيل الطيران في الهواء والمشي على الماء لا يستحيل المرور على الصراط، ومن اعترف بما يظهر على الرسل من خوارق العادات فليس يليق به استبعاد هذه الأمور، غايته مخالفاً العادة، ولا شك أن الآخرة أكثر أحوالها خوارق.\rوالمشهور أن الميزان قبل الصراط، لكن لما كان الصراط من أعظم أحوال الآخرة قدمه الناظم رحمه الله على الكل.\rثم ذكر الميزان، وهو عبارة عما يعرف به مقدار الأعمال وما يترتب عليه من العدل والفضل، بحسب تفاوت الأحوال، والعقل قاصر عن إدراك كيفيته وتصور ماهيته، لأن الأعمال أعراض يستحيل بقاؤها، فلا يوصف بالخفة والثقل أجزاؤها، لكن لما ورد الدليل على ثبوته وجب اعتقاد حقيته من غير اشتغال بكيفيته، فالله سبحانه قادر على أن يعرف عباده مقادير أعمالهم بأي طريق أراده.","part":1,"page":186},{"id":188,"text":"وقد ورد أن الموزون صحائف الأعمال، كما يدل عليه حديث البطاقة التي فيها كلمة التوحيد والبسملة.\rوذهب بعضهم إلى أن الأعمال تتجسد وتتجسم بحسب تفاوت الأحوال ثم توزن ليعرف الخلق ما لهم من النوال والوبال، وذهب كثير من المفسرين إلى أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان وساقان، عملاً بالحقيقة لإمكانهما، وقد ورد في الحديث تفسيره بذلك فالميزان المفسر بهذا التفسير مما يجب الإيمان به، وهو ثابت بإجماع أهل السنة والآيات والأحاديث الصحيحة المستفيضة.\rوأنكره بعض أهل الاعتزال، لأن الأعمال لا يمكن وزنها، ولو سلم فعبث لا فائدة فيه، لأنها معلومة لله تعالى، بل المراد به العدل الثابت في كل شيء، كما يشعر به ذكر ما في القرآن بلفظ الجمع.\rوالجواب: أنه قد ورد في الحديث أن كتب الأعمال هي التي توزن، فلا إشكال، وعلى تقدير تسليم كون أفعال الله تعالى معللة بالأغراض لعل في الوزن حكمة لا نطلع عليها، وعدم إطلاعنا على الحكمة لا يوجب العبث.\rوقد يجاب بأنه قد يجعل الأعمال الحسنة أجساماً نورانية، والسيئة أجساماً ظلمانية فتوزن، وفيه نظر، كذا قاله المولى الخيالي.\rأقول: لعل وجه النظر لزوم قلب الحقائق، أي قلب الأعراض أجساماً، وهو محال.\rوأجيب: أن الله تعالى يخلق أجساماً على عدد تلك الأعمال، ويجعلها في مقابلتها وعوضاً عنها من غير تغيير لتلك الأعراض عن العرضية، كذا قاله اللقاني.\rثم إن الله تعالى ذكر الموازين بلفظ الجمع، والحال أن الميزان واحد، نظراً إلى كثرة الخلق، على سبيل مقابلة الجمع بالجمع، أو لأجل كبر ذلك الميزان عبر عنه بلفظ الجمع في ميدان البيان، أو جمع موزون، ولا شك في جمعه، كذا قالوا.\rفائدة:\rقال الغزالي والقرطبي: لا يكون الميزان في حق كل أحد، فالسبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفاً، وهو بظاهره يخالف تقسيم القرآن.","part":1,"page":187},{"id":189,"text":"وأما ما ذكره القنوي من أن الشيخ الإمام علي بن سعيد الرستفي سئل أن الميزان يكون للكفار ؟ فقال: لا، فمردود بقوله: ?ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون?، والمؤمن لا يخلد في النار، كذا قاله علي القاري في شرح الفقه الأكبر.\rوقال السينابي: والحق أنه لا استبعاد في أن يوزن أعمال من لم يصدر منه ذنب قط، إظهاراً لشرفه على رؤوس الأشهاد، وتنويهاً بسعادته وعلو همته، وأن توزن أعمال من لم يكن له حسنة قط، لإظهار شقاوته وفضيحته على رؤوس الأشهاد، انتهى.\rوروي عن حذيفة موقوفاً: إن صاحب الميزان يوم القيامة جبرائيل عليه السلام.\rقوله: أو كميزان لفظ أو فيه بمعنى الواو، ويدل عليه البيت الآتي.\rومن جملة ما نص به رسول الملك المنان الحساب وأهوال القيامة والحوض والكيزان، وإليها أشار الناظم المحقق رحمه الله تعالى بقوله:\rوكالحساب وأهوال القيامة أو ……كحوض سيدنا فيها وكيزان\rقوله: وكالحساب عطف على كميزان.\rقال في شرح الإرشاد: الحساب يكون على الصراط على ما ذهب إليه أبو الحسن، وكذا ذكره أبو المعالي حيث قال: يرد الأولون والآخرون، وإذا توفروا عليه للملائكة ?وقفوهم إنهم مسؤولون? انتهى.","part":1,"page":188},{"id":190,"text":"قال بهاء الدين: أما الحساب أي محاسبة الله تعالى عبده على أعماله وأقواله فالدليل عليه قوله تعالى: ?فسوف يحاسب حساباً يسيراً?، وقوله تعالى: ?إن الله سريع الحساب?، وقوله عليه السلام: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)، ولها أهوال نطق بها الكتاب والسنة، فإن قوله تعالى: ?وقفوهم إنهم مسؤولون? نطق بهول الوقوف، قيل: مدة الوقوف ألف سنة أو خمسون ألفاً، وقيل: أقل، وقيل: أكثر، وقوله تعالى: ?فأما من أوتي كتابه بيمينه? ?وأما من أوتي كتابه بشماله? أو ?من وراء ظهره? نطق بهول تطاير الكتب، وقوله تعالى: ?فوربك لنسألنهم أجمعين? نطق بهول المسألة، وقوله تعالى: ?يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون?، وقوله تعالى: ?تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم? ?وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد?، وقوله عليه السلام: (ما من يوم وليلة يأتي على ابن آدم إلا قال: أنا ليل جديد وأنا فيما تعمل شهيد..) إلى آخر الحديث ناطقة بهول الشهادة من الشهود العشرة المذكورة.\rوقوله تعالى: ?يوم تبيض وجوه وتسود وجوه? وما في معناه ناطق بهول تغير الألوان.\rوقوله عليه السلام: (يكون عند كل كفة الميزان ملك، فإذا ترجح كفة الخير نادى الملك الأول: ألا إن فلاناً سعد سعادة لا شقاوة بعدها أبداً، وإذا ترجح الكفة الأخرى نادى الملك الثاني: ألا إن فلاناً شقي شقاوة لا سعادة بعدها، ناطق بهول المناداة بالسعادة والشقاوة) انتهى.\rفهم من هذا التقرير أن هذه الأهوال كلها من فروع المحاسبة ومندرجة تحتها، فيكون عطف الأهوال من قبيل عطف الأفراد على الجنس، فقول من قال: اكتفى بذكر الحساب عن السؤال والكتاب – ليس بقول سديد ولا صواب، لأن السؤال والكتاب من أفراد الأهوال.","part":1,"page":189},{"id":191,"text":"وإلى اندراجهما أشار المولى الخيالي حيث قال: وأما أهوال القيامة فكثيرة، منها هول الوقوف، قيل: ألف سنة، وقيل: خمسون ألف سنة، ويدل عليه قوله تعالى: ?وقفوهم إنهم مسؤولون?، ومنها هول تطاير الكتب، قال الله تعالى: ?وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً?، ومنها هول السؤال بقوله: ?فوربك لنسألنهم أجمعين?، ومنها هول شهادة الألسن والأيدي والأرجل والسمع والبصر والجلود والأرض والليل والنهار والحفظة الكرام بقوله تعالى: ?يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون? وقوله تعالى: ?شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم?، وقوله عليه السلام: (ما من يوم وليلة يأتي على ابن آدم إلا قال: أنا ليل جديد وأنا فيما تفعل في شهيد) وكذا اليوم، وقوله تعالى: ?وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد?، ومنها هول تغير الألوان، لقوله تعالى: ?يوم تبيض وجوه وتسود وجوه?، ومنها هول النداء بالسعادة والشقاوة، كما ورد في الحديث، انتهى قول الخيالي، مطابقاً لما نقلناه عن بهاء الدين في المآل، ودافعاً لقول من قال بالاكتفاء عن ذكر الكتاب والسؤال، والله أعلم بحقيقة الحال.\rفائدة:\rوهل يظهر من هذه الأهوال أثر في الأنبياء والأولياء وسائر الصلحاء والأتقياء ؟\rفيه تردد، والظاهر السلامة، لقوله تعالى: ?إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا? ?ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون? كذا في شرح المقاصد.\rومقتضى ما نقل ابن عبد البر والرازي أن الجن يحاسبون كالإنس.\rوأما الملائكة فقد أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن السائب أنه قال: أول من يحاسب جبرائيل، لأنه كان أمين الله في وحيه إلى رسله.","part":1,"page":190},{"id":192,"text":"وأما حوض النبي عليه السلام فقد دل عليه قوله: ?إنا أعطيناك الكوثر?، وفسره الجمهور بحوضه أو بنهره، ولا تنافي بينهما، لأن نهره في الجنة وحوضه في موقف القيامة، على خلاف في أنه قبل الصراط أو بعده، وهو الأقرب والأنسب.\rوقال القرطبي: هما حوضان الأول قبل الصراط وقبل الميزان على الأصح، فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم فيردونه قبل الميزان والصراط.\rوالثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثراً، انتهى.\rوقول الناظم فيها يشير إلى القول الأصح، فتأمل.\rوروى الترمذي وحسنه أنه عليه السلام قال: (لكل نبي حوض، وأنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة).\rوفي شرح الجزائرية للسنوسي: وقد رود أن لكل نبي حوضاً إلا صالحاً فإن ضرع ناقته يقوم مقام الحوض.\rهذا ونقل القرطبي أن من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض والمعتزلة وكذا الظلمة والفسقة المعلنة يطردون عن الحوض لما وقع منهم من الخوض.\rوقد ورد (حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وطعمه أحلى من العسل وألين من الزبد وأبرد من الثلج، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منها فلا يظمأ بعده أبداً).\rوأو في قوله: أو كحوض، بمعنى الواو.\rوكيزان جمع كوز، عطف على الحوض، والمراد كيزان الحوض المذكور.\rوبين ميزان وكيزان جناس.\rومن جملة ما نص به الصدوق وقوع نوع حياة للميت في القبر، مقدار ما يعرف به لذة التنعم للمؤمنين، وألم التعذيب للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين، وإليه أشار الناظم بقوله:\rومن حياة قبور ما يذاق به……لذات نعماء أو آلام ديدان\rالواو منتصب على كلمة ما.\rوقوله: من حياة قبور، ظرف مستقر حال من ما الموصولة، وتقديمها للضرورة، وما عبارة عن الحالة، ويذاق فعل مضارع مبني للمفعول، وبه نائب الفاعل، والموصول مع صلة مجرورة المحل معطوفة على صراط، والكاف مسلط على ما أيضاً.\rأي ومثال الممكن ما مر من الصراط والحوض ومثل ما يذاق به.","part":1,"page":191},{"id":193,"text":"وفي لفظ يذاق إشارة إلى أن المدعى وقوع نوع حياة في القبر قدر ما يتألم ويتلذذ به الميت، وذلك لا يقتضي إعادة الروح، ومن الأشاعرة من قال بإعادة الروح إليه، وأبو حنيفة توقف عليه كما سيأتي تفصيله.\rقوله: لذات نعماء أو آلام ديدان، إشارة إلى قول أهل الكلام: وعذاب القبر للكافرين ولبعض عصاة المؤمنين حق، وكذا تنعيم أهل الطاعة في القبر حق بما يعلمه الله ويريده.\rوهذا أي ذكر عذاب القبر مع تنعيم أهل الطاعة أولى مما وقع في عامة الكتب من الاقتصار على إثبات عذاب القبر دون نعيمه، بناء على أن النصوص الواردة في عذاب القبر أكثر، وعلى أن عامة أهل القبور كفار وعصاة، فالتعذيب بالذكر أجدر، كذا قاله السعد في شرح العقائد.\rثم في تقديم اللذات على الآلام إشارة إلى [أن] رحمته سابقة على غضبه، وفيه إيماء أيضاً إلى رعاية الترتيب الواقع في الحديث الدال عليهما، وهو قوله عليه السلام: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران).\rوفي إعراب قوله: لذات، وجهان، أحدهما الرفع على أنها بدل من ما، بدل الكل، أو عطف بيان له، ويجوز أن يكون مرفوعاً على القطع، والتقدير: هي لذات نعماء.\rوثانيهما النصب على القطع، والتقدير: أعني لذات نعماء.\rوالآلام جمع ألم، وهو الوجع، عطف عليها.\rوديدان جمع دود، والدود جمع دودة.\rوحاصل معنى البيت أن أمثال الممكن الذي أخبره به الصدوق ما مر من الصراط والحوض، ومثل الحالة التي يذوقها الميت في القبر من اللذات والآلام للمؤمنين وللكفار ولبعض العصاة الفجار، ممن أراد الله الملك الغفار.","part":1,"page":192},{"id":194,"text":"ثم اعلم أن أهل الحق اتفقوا على أن الله تعالى يخلق في الميت نوع حياة في القبر، قدر ما يتألم ويتلذذ، ولكن اختلفوا في أنه هل يعاد الروح إليه، والمنقول عن أبي حنيفة رضي الله عنه التوقف، إلا أن كلامه في الفقه الأكبر يدل على إعادة الروح، إذ جواب الملكين فعل اختياري، فلا يتصور بدون الروح، وقيل: يتصور، ألا ترى أن النائم يخرج روحه ويكون متصلاً بجسده حتى يتألم في المنام ويتنعم، وقد روي عنه عليه السلام أنه سئل: كيف الألم في القبر ولم يكن فيه الروح ؟ فقال: كما يوجع سنك، وليس فيه الروح.\rوفي المسألة خلاف المعتزلة وبعض الرافضة.\rلنا قوله تعالى: ?النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب?، فإنه قد عطف عذاب القيامة على عرض النار صباحاً ومساءاً، فإذا هو غيره، وليس ذلك إلا في القبر قبل الانتشار.\rوقوله عليه السلام: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران).\rوقوله عليه السلام: (استنزهوا من البول فإن أكثر عذاب القبر منه).\rوقوله عليه السلام حين مر على قبرين: (إنهما ليتعذبان، وما يعذبان في كبيرة، بل لأن أحدهما كان لا يستنزه من البول، والآخر كان يمشي بالنميمة).\rوبالجملة فالأحاديث الواردة فيه أكثر من أن يحصى، بحيث بلغ القدر المشترك فيما بينها حد التواتر.\rوأما احتجاج المخالف والأجوبة من طرف أهل الحق فمذكورة في المطولات.\rفائدة:\rقيل: أما الأنبياء عليهم السلام فالأصح أنهم لا يسألون، كما جزم به النسفي في بحره.\rوأما الملائكة على تقدير موتهم، لأن الموت يجوز عليهم، فقال الفاكهاني: الظاهر أنهم لا يسألون.\rوأما سؤال الصغير فمنقول عن السيد أبي شجاع من الحنفية، واعتمد صاحب الخلاصة والبزازي في فتواهما، وجرى عليه النسفي في العمدة، لكن جزم صاحب البحر بخلافه، وهو مقتضى قول النووي في الروضة والفتاوى.","part":1,"page":193},{"id":195,"text":"وقد وردت أحاديث باستثناء عدة منهم الشهيد والمرابط يوماً وليلة في سبيل الله ومن مات يوم الجمعة أو ليلتها ومن قرأ بسورة الملك في كل ليلة والمبطون، يعني الذي [مات] من الاستقاء، وفي الإسهال قولان للعلماء كما ذكره القرطبي.\rوذكر الترمذي وابن عبد البر أن سؤال القبر من خصائص هذه الأمة، ولعل الحكمة في ذلك أن يعجل عذابهم في البرزخ فيوافون القيامة لمخضة عن الذنوب، كذا قاله علي القاري.\rومن الصفات الجائزة عليه تعالى عقلاً أن يثيب العاصي وأن يعاقب الطائع، لولا ما أخبر به من إثابة المطيع، فلا يجب عيه تعالى عندنا واحد من الأمرين، فإن أثابنا الله تعالى على فعل الخير - وإثابته إيانا عليه محض فضل منه، وإن عذبنا على فعل الشر فتعذيبه إيانا عليه محض عدل، فالناظم المحقق رحمه الله أشار إلى هذا الحكم، فقال:\rعقوبة الذنب عدل غير واجبة ……كذا المثوبة من إحسان منان\rالعقوبة بمعنى العذاب كالعقاب، وإنما سمي عقوبة لأنه يعقب الذنب، ويجيء العقوبة بمعنى المصدر، أي المعاقبة، وهو المراد هاهنا.\rوهو مضاف إلى مفعوله، وفاعله متروك، تقديره معاقبة الله على ذنب العاصي كافراً كان أو مؤمناً، على أن يكون الألف واللام عوضاً عن المضاف إليه.\rوالظاهر أن المراد بالذنب غير الكفر من الذنوب إذ ?حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم من أصحاب النار?.\rوالعدل وضع الشيء في محله من غير اعتراض على الفاعل، عكس الظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله مع الاعتراض، يقال: رجل عدل ورجلان عدل وامرأة عدل، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، لأنه مصدر، كذا قاله في الوجوه والنظائر، فهو خبر المبتدأ، أي عقوبة الله تعالى على ذنب العاصي عدل من الله تعالى.\rقوله: غير واجبة، خبر بعد خبر المثوبة.\rوالثواب جزء الطاعة، كذا في المختار.\rقال في النهاية: يقال: أثابه يثيبه إثابة، والاسم الثواب، انتهى.","part":1,"page":194},{"id":196,"text":"فهم من هذين النقلين أن كل واحد من المثوبة والثواب اسم مصدر، وعليه كتب اللغة قاطبة، فقول الشارح العالي: المثوبة بمعنى الثواب كالمفتون بمعنى الفتنة، غلط فاحش من وجهين، فتأمل.\rوكذا قول من قال: ويحتمل أ، يراد بالمثوبة الجنة، فتدبر.\rفالمثوبة هنا بمعنى الإثابة، والألف فيها عوض عن المضاف إليه، أي إثابة الله تعالى على الطاعة فضل وإحسان منه غير واجبة.\rقال في النهاية: المنان اسم من أسماء الله تعالى، وهو المنعم المعطي، من المن لا من المنة، وهو من أبنية المبالغة، كالسفاك والوهاب، انتهى.\rوفي إطلاقه منكراً على الله تعالى توقف على النقل، فإن وجد فيها، وإلا فهو كلفظ الرحمن لا يطلق على الله إلا معرفاً، والله أعلم.\rأما بيان هذه المسألة فقد ذهب الأصحاب إلى أن العقاب على الذنب عدل من الله تعالى من غير وجوب عليه، وكذا الثواب على الطاعات لا يجب عليه تعالى، بل هو فضل وإحسان منه لعباده، لأن الكل ملكه، فله أن يتصرف فيه بإرادته ثواباً وعقاباً من غير لزوم صدور أحدهما عنه، واستحقاق الذم علىتركه، إلا أنه يفي بما وعده لما أن الخلف في الوعد نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه، فيثيب المطيع البتة إنجازاً لوعده، بخلاف الخلف في الوعيد فإنه فضل وكرم يجوز إسناده إليه تعالى، فيجوز أن لا يعاقب العاصي إلا أن يصدر منه تعالى وعيد مجزوم كعقاب الكفار، فإنه أيضاً واقع البتة بناء على قوله تعالى: ?ما يبدل القول لدي? وهو الوعيد المتقدم في قوله تعالى: ?لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد?، وقوله تعالى: ?وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار?.\rوخالفنا في هذا المطلب بعض المعتزلة، فإنهم قالوا بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله تعالى، وتمسكوا فيه بوجوه:\rمنها إلزام الميثاق من التكاليف بدون منفعة تقابلها ظلم، وأنه تعالى منزه عنه، وتلك المنفعة هي الثواب، فلا بد من الثواب.","part":1,"page":195},{"id":197,"text":"ثم إن سبب وجوب العقل إنما هو دفع المضرة، وإلا لوجب النوافل، فيلزم استحقاق العقاب على تركه ليحسن الإيجاب(1).\rورد بأنه لا غرض في فعله تعالى، كما هو المذهب، ولو سلم فيجوز أن يكون شيئاً آخر غير الثواب كالابتلاء وشكر النعماء وتهذيب الأخلاق وحصول الوعد بالمدح على أداء الواجبات إلى غير ذلك.\rومن تمسكاتهم العقلية أنه لو لم يجب الثواب والعقاب لأفضى ذلك إلى التواني والتكاسل في الطاعة والاجتراء على المعاصي لثقل الأولى على النفس وملائمة الثانية لها، فلا يبعثها ولا يصدرها إلا وجوب الثواب والعقاب.\rورد بأن النصوص المشتملة على الوعد والوعيد كاف في الترغيب والترهيب، على أنك قد عرفت أن لا نزاع في ترتب الثواب والعقاب في مجاري العقول والعادات، وذلك كاف أيضاً.\rومنها الآيات والأحاديث الواردة في تحقيق الثواب والعقاب يوم الجزاء، فلو لم يجبا وجاز العدم لزم الخلف والكذب، وهما محالان على الله تعالى.\rورد بأن غاية الوقوع البتة، وهو لا يستلزم الوجوب على الله تعالى، والاستحقاق من العبد على ما هو المدعى.\rواستدل أهل السنة على عدم وجوب الثواب بوجوه مذكورة في المطولات، وأشار الناظم إلى واحد منها، فقال:\rوكيفَ تلزمه طاعاتنا عوضاً … ونعمةُ الوقت تربو كل شكران…\rالواو لعطف الدليل على المدلول، وكيف للاستفهام الإنكاري، مبني على الفتح، والعامل فيه قوله: تلزمه، وهو من الإلزام، يقال: ألزمه الشيء فالتزم، يتعدى إلى مفعولين أولهما ضمير راجع إلى الله تعالى، لأنه مذكور حكماً، وثانيهما عوضاً، وفاعله طاعتنا.\rوالواو في قوله: ونعمة الوقت، حالية، والإضافة بيانية، لأن وقت الطاعة نعمة عظيمة، ويمكن أن تكون الإضافة من قبيل إضافة المظروف إلى الظرف، أي النعمة الواقعة في وقت واحد، كما أشار إليه المولى الخيالي.\r__________\r(1) كذا بالأصل .","part":1,"page":196},{"id":198,"text":"وخبر هذا المبتدأ قوله: تربو، وهو مضارع ربا الشيء زاد، وبابه عدا، واستعمل الناظم هذا اللفظ بمعنى تزيد المتعدي وفاعله راجع إلى النعمة.\rوكل مفعول تربو.\rوشكران ضد الكفران، مصدر شكره يشكره بالضم شكراً وشكراناً أيضاً، يقال: شكره وشكر له، وتعديته باللام أفصح.\rوتقرير هذا الدليل على ما قالوا: إن طاعة العبد وإن كثرت لا تفي بشكر بعض ما أنعم الله به عليه في وقت، بل ولا تفي بنعمة الوقت ونعمة الإقدار عليها والتوفيق لها، فكيف يتصور استحقاقه عوضاً عليها؟\rولو استحق العبد بشكره الواجب عوضاً، لاستحق الرب على ما يوليه من الثواب عوضاً، كذا في شرح المقاصد.\rوقيل: تقرير الدليل: أن الطاعة لو كان مستوجباً للثواب واستحقاق العبد له، لكان العبد مستوفياً لشكره النعم كلها، والتالي باطل ضرورة أن نعمةً من نعم وقت واحد من الأوقت تزيد كل شكران العبد، بحيث لا يمكن استيفاء شكرها طول عمره، لانتفاء المناسبة والمجانسة، فكيف يتصور الاستحقاق من نعم الجنة التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؟\rسيما لمن له تصديق قلبيٌ فقط، كمن آمن بربه ومات ولم تتيسر له الطاعات، انتهى.\rوقال المولى الخيالي: هذا إشارة إلى ما استدل به الأصحاب على عدم وجوب الثواب، وهو أن طاعات العبد وإن كثرت لا تفي شكر بعض ما أنعم الله به عليه في وقتٍ، فكيف يستحق عوضاً عنها في الدار الآخرة ؟\rهذا ولعل السر في شرعية الأحكام وإيجاب التكاليف الشاقة للعباد هو تطويع النفس الآبية عن الانقياد، ثم تجريدها عن الظلمات الهيولانية والغواشي الجسمانية، ليتنقش فيها الصورة القدسية والمعارف الربانية، ثم تفوز بالتجليات الحقانية والاقتباس بالأنوار السبحانية على ما أشير إليه بقوله تعالى: ?كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون? ، انتهى.","part":1,"page":197},{"id":199,"text":"والحاصل أن أصحابنا قالوا: الثواب على الطاعة فضلٌ من الله تعالى، والعقاب على المعصية عدلٌ منه تعالى، وعمل الطاعةِ دليلٌ على حصول الثواب، وفعل المعصية علامةٌ على العقاب، ولا يكون الثواب على الطاعة واجباً على الله، ولا العقاب على المعصية؛ لأنه لا يجب على الله شيء.\rولما صرَّح الناظم في البيت السابق بأن عقاب الكافر عدلٌ من الله تعالى، لا يجب عليه تعالى شيءٌ، فهم منه جواز غفران الكفر والشرك مطلقاً، مع أن قوله تعالى: ?إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء? يقتضي عدم غفران الشرك والكفر، فأشار إلأيه الاظم، إلى دفع ذلك فقال:\rفي العقل غفران كفر جائز لكن… أتى لها نص تخليد بنيران\rغفرانُ مبتدأٌ، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف.\rومعنى الغفران ترك عقوبة المجرم والستر عليه بعدم المؤاخذة.\rوتنوين (كفر) عوض عن المضاف إليه، أي غفران الله كفر الكافر.\rوجائز خبر المبتدأ.\rقوله: (في الجائز) متعلق بجائز، واللام في (لها) متعلق بأتى، ويجوز أن يتعلَّق بنص، وتقديمه للحصر أو للضرورة.\rولا بد من تقدير مضاف إلى الضمير، وهو راجع إلى الكفر باعتبار كونه ملة، أي: أتى لأرباب ملة كالكفر نصٌ يفيد التخليد باعتبار والتأبيد.\rوالباء في قوله (بنيران) للظرفية، وهي جمع الكثرة للنار، وأصله نوران، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.\rذهب الأكثرون إلى أن غفران الكفر والشرك جائزٌ عقلاً؛ لما أن العقاب حقه تعالى، فيجوز إسقاطه، وإنما علم امتناعه بدليل السمع، وهو آية التخليد في النار.","part":1,"page":198},{"id":200,"text":"ومنعه بعضهم؛ لأنه مخالف لحكمة التفرقة بين من أحسن غاية الإحسان، وبين من أساء غاية الإساءة، وضعفُه ظاهرٌ؛ إذ على تقدير اقتضاء الحكمة التفرقة بينهما يجوز أن يدخل المحسن في الجنة ابتداء، ثم يدخل المسيء فيها بعد أزمنة متطاولة، أو يدخلهما معاً، ولكن يعطى للمحسن درجات لا ينالها المسيء أصلاً، أو يدخل المحسن في الجنة ولا يدخل المسيء جنةً ولا ناراً، كذا قالوا.\rومما أخبر به الصادق ودلَّ عليه القرآن الناطق أن الجنة حق موجودة الآن، وباقية لا يلحق إليها ولا إلى أهلها الفناء، وكذا النار من غير شك ولا شبهة.\rواستدلوا على هذه المسألة بالآيات والأحاديث والإجماع، فأشار الناظم إلى وجود الجنة بوجهين:\rأعدت الجنة استدعى تكونها… ونقل آدم منها بعد إسكان\rقوله: (أعدت الجنة) مبتدأ أريد لفظه، وجملة استدعى خبره، أي هذا التركيب استدعى واقتضى أن تكون الجنة موجودة الآن، لأن صيغة (أعدت) موضوعة لمعنى المضي.\rوالناظم ذكر لفظ (أعدت الجنة) على وجه الاقتباس من الآية الكريمة، ولذلك غيرها تغييراً يسيراً، بأن أظهر الضمير المستتر في (أعدت)، وذلك لا يضره الاقتباس، كما علم في موضعه.\rومن غفل عن هذا قال: لفظ الجنة بدل من الضمير المستتر، جيء به لبيان مرجعه، وبعد هذا قد أخطأ هذا القائل خطأ بيناً حيث قال: لفظ الجنة ليس من مقول الله، والعجب منه أنه اعترف بأن الجنة بدل من الضمير المستتر في (أعدت)، وإذا كان المبدل منه من مقول الله والبدل يكون منه، وأيضاً مرجع الضمير يكون عين الضمير.\rوالتكون مطاوع التكوين، والمراد به هنا الوجود والحصول الآن وقبله.\rقوله: (ونقل آدم) عطف على محل (أعدت الجنة)، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، أي نقل الله آدم منها، أي من الجنة.\rقوله: (بعد إسكان) تكميل للبيت، وإلا فلا حاجة إليه؛ إذ النقل يستلزم الإسكان، بخلاف العكس، لأن أهل الجنة بعد دخولهم الجنة لا ينتقلون منها ولا ينقلون.","part":1,"page":199},{"id":201,"text":"ثم اعلم أن أهل السنة وبعض المعتزلة ذهبوا إلى [أن] الجنة والنار مخلوقتان الآن، وخالفهم أكثر المعتزلة، وقالوا: إنما يخلقان يوم العرض والجزاء.\rلنا وجهان:\rالأول: ما أشار إليه الناظم المحقق بقوله: أعدت الجنة إلخ، يعني أن الله تعالى قد عبر عنهما في مواضع من كتابه بصيغة الماضي، الدالة على تكونهما، كقوله تعالى في حق الجنة: ?أعدت للمتقين? ?وأزلفت الجنة للمتقين?، وفي حق النار ?أعدت للكافرين? ?وبرزت الجحيم للغاوين?، وحملها على التعبير عما يقع في المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه مجاز، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة هاهنا.\rوعورض بقوله: ?تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً?.\rوأجيب بأنه يحتمل الحال، ولو سلم فالمعنى نجعلها بعد هلاكه لحظة ذاتاً أو صورة للذين لا يريدون في الأرض الطغيان والفساد، بل يلبون مرضاة ربهم الأعلى، وبهذا اندفع ما قاله أبو هاشم من أنهما [لو] كانتا مخلوقتين، لوجب هلاكهما تحقيقاً، لمعنى قوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه?، لكنها باطل لقوله تعالى: ?أكلها دائم?، وذلك لأن المراد بدوام الأكل أنه إذا أفنى منه شيء جيء ببدله، لا أنه يبقى بعينه، وذلك لا ينافي الهلاك لحظة.\rوالوجه الثاني: نقل آدم عليه السلام وحواء منها بعد إسكانهما [](1) يتحقق القائل بالفصل كان ثبوت الجنة ثبوتاً للنار، ولذلك اكتفى بذكر الجنة والاستدلال عليها، وقد أوله المخالف بأنهما إنما نقلا عن بستان من بساتين الدنيا بكون في أرض فلسطين، قال صاحب المقاصد: هذا منهم يجري مجرى التلاعب بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين.\rوأما احتجاج المخالفين والأجوبة من أهل السنة والجماعة فمذكورة في المطولات، فسنذكر نبذة منهما في البيت الآتي بعد هذا البيت إن شاء الله تعالى.\rفائدة:\r__________\r(1) كذا في الأصل، والخلل واضح .","part":1,"page":200},{"id":202,"text":"قال في شرح المقاصد: لم يرد نص صريح في تعيين مكان الجنة والنار، والأكثرون علىأن الجنة فوق السبع وتحت العرش، تمسكاً بقوله تعالى: ?عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى?، وقوله عليه السلام: (سقف الجنة عرش الرحمن، والنار تحت الأرضين السبع)، والحق تفويض ذلك إلى العليم الخبير.\rولما فرغ من دليل وجود الجنة الآن وقبل ذلك من الأزمان شرع في دليل بقائها على طريق الاستلزام، إذ أبدية النعيم مستلزمة لأبدية الجنة، فقال:\rنعيمُها أبدي لا زوالَ له………وأكلها دائم لا أنه فان\rالنعيم والنعمة بالكسر، وكذلك النعماء بالفتح والمد، والنُعمى بضم النون والقصر كلها ما أنعم الله به عليك من النعم.\r[و] الأبدي منسوب إلى الأبد، والأبد استمرار الوجود في أزمنة غير متناهية في جانب المستقبل، كما أن الأزل استمرار الوجود في أزمنة غير متناهية في جانب الماضي.\rومعنى الأبدي لا يكون منعدماً.\rوالزوال مصدر زال الشيء من مكانه يزول زوالاً.\rومعنى الزوال الانتقال من حال الوجود إلى حال العدم، فجملة لا زوال له إما خبر بعد خبر أو بدل من الأبدي بدل الجملة من المفرد، وهو جائز على ما صرح به بعض النحاة.\rوفي المختار: الأكل ثَمّ النخل والشجر وكل ما يؤكل، ومنه قوله تعالى: ?أكلها دائم? انتهى.\rويجوز ضم الكاف وسكونها، وقد قرئ بهما في السبعة، واختير السكون في هذا البيت للضرورة، وقول من قال: السكون لمحافظة الوزن خارج عن الوزن، فتأمل.\rوجملة أكلها دائم عطف على جملة نعيمها أبدي، عطف الخاص على العام، اهتماماً لشأنه، وهو اقتباس من قوله تعالى: ?مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم?.\rقيل: هذا البيت إشارة إلى رد ما عليه الجهمية من زوال نعيم الجنة وفنائها وانقطاع عذاب النار وهلاكهما بعد دخول أهلهما فيهما، وهو قول باطل مخالف لما عليه الكتاب والسنة، ليس عليه شبهة فضلاً عن دليل.","part":1,"page":201},{"id":203,"text":"وفيه إشارة إلى رد ما عليه طائفة خارجة عن الإسلام من إنكار الخلود في الجنة والسعير، بناء على أن آثار القوة الجسمانية متناهية، وأيضاً حرارة الجحيم تفني الرطوبة التي هي مادة الحياة، على أن دوام الإحراق مع بقاء الحياة خروج عن الإنصاف وطور العقل.\rفيجاب بأنها مبنية على قواعد الفلسفة الظاهرة العوار، وليست بمستقيمة عند القائلين بالقادر المختار، قال الله تعالى: ?كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب? انتهى.\rأقول: المصراع الأول من هذا البيت إشارة إلى رد المذكورات، وأما المصراع الثاني فهو إشارة إلى رد ما استدل به المخالف، فلا بد لنا من بيان وجوه استدلال المخالف وبيان الأجوبة من طرف أهل السنة والجماعة، فنقول:\rاستدل المخالف بأن الجنة غير مخلوقة الآن، لأنها لو كانت مخلوقة الآن لما كانت دائمة، لكان اللازم باطل، والملزوم مثله.\rأما بيان الملازمة فلأن الجنة مما سوى الله تعالى، وكل ما سوى الله تعالى فهو ينعدم، لقوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه?، ينتج أن الجنة ينعدم، فثبت أنها لو كانت موجودة لما كانت دائمة.\rوأما بطلان اللازم وهو عدم الجنة فلقوله تعالى: ?أكلها دائم? أي مأكولها، وحينئذ يلزم دوام الجنة، إذ وجود مأكول الجنة بدون وجودها غير معقول المعنى.\rوإذ ثبت أن الجنة غير مخلوقة الآن ثبت أن تكون النار كذلك، لعدم القائل بالفصل.\rوأجيب عن هذا الاستدلال بوجوه:","part":1,"page":202},{"id":204,"text":"الأول: أن معنى قوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه? أن كل شيء مما سوى الله تعالى فهو هالك في حد ذاته، أي قابل للهلاك في حد ذاته، وبالنظر إليه من حيث هو هو مع قطع النظر عن علة وجوده وعدمه، إذ كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن، فيكون وجوده مستفاداً من غيره، وكل ما يكون كذلك فهو في حد ذاته كالعدم، وليس المراد كل شيء مما سوى الله يطرأ عليه العدم، وإذا كان كذلك فلا يلزم من كون الجنة مخلوقة الآن طريان العدم عليها، وهذا الجواب في الحقيقة منع الملازمة.\rوالثاني: أنا لا نسلم أن المراد منه كل شيء مما سواه يطرأ عليه العدم، لم لا يجوز أن يكون هذا العام مخصوصاً بقوله تعالى: ?أكلها دائم?، ومعناه حينئذ أن كل شيء مما سوى الله تعالى غير الجنة يطرأ عليها العدم، يؤيده ما حكي عن الضحاك أنه قال: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار، وهذا الجواب راجع إلى منع دليل الملازمة، يعني لا نسلم أن كل ما سوى الله تعالى فهو ينعدم.\rوالوجه الثالث: أن قوله تعالى: ?أكلها دائم? على معنى أن مأكول الجنة دائم لا يمكن أن يجري على ظاهره، لأن مأكول الجنة حدث عقيبه مثله، وإذا كان المراد هذا فلم لا يجوز أن ينعدم الجنة طرفة عين، فإن ذلك لا ينفي حدوث المأكولات بعضاً عقيب بعض، وهذا الجواب في الحقيقة منع بطلان التالي، كذا قاله صاحب الإنقاد.\rفقول الناظم: أكلها دائم لا أنه فان، إشارة إلى جواب الثالث من الأجوبة السابقة.\rوحاصله أن أكل الجنة دائم بمعنى لا ينقطع، كلما فني شيء منه حدث عقيبه مثله، لا بمعنى أنه فان بالأكل، لأن الفاني بالأكل لا يوصف بالدوام، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام، فإنه من مزالق الأقدام.","part":1,"page":203},{"id":205,"text":"وقال المولى الخيالي: وفي قوله: وأكلها دائم لا أنه فان، إشارة إلى رد ما استدل به أبو هاشم على كون الجنة والنار غير مخلوقتين، وقد سبق منا تصويره، وحاصل ما قصده المحقق تخصيص الجنة من آية الهلاك أو حمل الهلاك على غير الفناء، انتهى.\rأقول: التوجيه الثاني من كلام الخيالي يحتاج إلى كثرة الفكر والخيال، حتى تنكشف الحال في المآل.\rولما كان أبدية النعيم والأكل مستلزم لأبدية الجنة وأهليها استلزاماً ظاهراً، اكتفى الناظم بذكر الملزوم عن اللازم، ولم يتعرض ما في عامة الكتب من قولهم: ولا تفنيان ولا يفنى أهلهما.\rومن المسائل السمعية أن أهل الكبائر غير التائبين في مشيئة الله تعالى عند أهل السنة، والناظم المحقق أشار إلى ذلك بقوله:\rأهل الكبائر غير التائبين لهم…رجاء عفو برغم الحاسد الشاني…\rقوله: أهل الكبائر مبتدأ، وغير التائبين صفة أهل، [و] لهم خبر مقدم عن المضاف إليه، وهو فاعله، ومفعوله محذوف، أي لهم رجاء عفو الله كبائرهم.\rوالباء في قوله: برغم الحاسد للملابسة، والجار والمجرور ظرف مستقر حال من المضاف إليه، ومن قال: حال من المضاف وهو الرجاء فقد غلط، وسيأتي وجهه.\rأي لهم رجاء عفو ملابساً برغم أنف الحاسد.\rوالرغم بتثليث حركة الراء الكره، مصدر رغم يرغم كمنع يمنع، كذا في القاموس، وهو كناية عن الإذلال والتحقير.\r[و] الحسد هو تمني زوال نعمة الله عن عباده.\rوعفو الكبائر هاهنا من أعظم نعم الله تعالى وفضله عن عباده.\rومعنى الحاسد إنكاره لعفو الله، والشاني المبغض عليه، وأراد بالحاسد الشاني أهل الاعتزال، وسبب صدهم العداوة لأهل السنة.","part":1,"page":204},{"id":206,"text":"ثم اعلم أنه لا خلاف في أن الكبيرة المقرونة بالتوبة معفوة، وإنما الخلاف في الكبيرة الغير مقرونة بها، فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو ولا بالعقاب، بل كلاهما في مشيئة الله تعالى، وإذا كانا في مشيئة الله تعالى فالعفو مرجو منه تعالى، لأنه كريم، فأشار إليه الناظم بقوله: لهم رجاء عفو، هذا الذي ذكرناه في الكبائر.\rوأما الصغائر فهي عندنا كالكبائر، إلا أن الرجاء فيها أقوى.\rوهاهنا مذهبان آخران:\rالأول مذهب المرجئة، فإنهم قالوا: إنه تعالى يعفو عن الصغائر والكبائر مطلقاً، إذ لا عقاب إلا على الكافر عندهم، وتمسكوا فيه بقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ?إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى?، وقوله تعالى: ?كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير?، وقوله تعالى: ?فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى?.\rوالجواب عن الأول: أن المراد بالعذاب ما كان مؤبداً، فإنه مختص بالكافر.\rوعن الثاني: أن الآية مسوقة لبيان حال الكفار في النار، والمعنى كلما ألقي فيها فوج من الكفار في جهنم سألهم خزنتها: ألم يأتكم نذير ؟! فأجابوا بأنه قد جاءنا نذير، لكن كذبناهم وضللناهم، فوقعنا في هذا العذاب، وذلك لا ينافي إلقاء طائفة أخرى من عصاة المؤمنين في جهنم لعصيانهم وعدم امتثالهم أمر ربهم.\rوعن الثالث: أن المراد بالنار النار المخصوصة العقوبة [الشديدة] الحرارة، كما يشعر به صيغة التفعل.\rوأريد بذلك نفي التأبيد، فإنه مخصوص بالكفر كما سبق.","part":1,"page":205},{"id":207,"text":"والمذهب الثاني: مذهب المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى امتناع العفو سمعاً، وإن جاز عقلاً، ومنهم من منعه عقلاً أيضاً، وتمسكت المعتزلة القائلون بامتناعه بالآيات الواردة في وعيد الفساق، مثل قوله تعالى في حق آكل أموال اليتامى: ?ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً?، وفي الفار عن الزحف: ?ومأواه جهنم وبئس المصير?، وقوله تعالى: ?ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها أبداً? إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الوعيد في حقهم، فلو تحقق العفو وترك العقاب يلزم الخلف في وعيده والكذب في أخباره، وكلاهما محالان عليه تعالى.\rوالجواب: أنا لا نسلم كون هذه الآيات عامة، بل خاصة بالكافرين، فيكون من قبيل العام الذي خص منه البعض، وعلى تقدير عمومها إنما تدل على الوقوع دون الوجوب، وقد كثرت النصوص في العفو فتخصص المذنب المغفور من عمومات الوعيد.\rوبعض الأشاعرة أجاب بجواز خلف الوعيد بناء على أنه كرم عرفاً، فيجوز من الله تعالى.\rقال السعد في شرح العقائد: والمحققون على خلافه، كيف وهو تبديل للقول، وقد قال تعالى: ?ما يبدل القول لدي?، انتهى.\rوقال في كشف الأسرار شرح البزدوي في الأصول: الدليل الواضح على العفو عن صاحب الكبيرة ما نرى بأن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في الدنيا، حتى كان العفو عن القصاص وعن كل جناية مندوباً إليه، قال الله تعالى: ?فمن عفي له من أخيه شيء فابتاع بالمعروف? ?فمن عفا وأصلح فأجره على الله?، وكذا العفو في الآخرة حسن، وإن مات مصراً على الكبيرة من غير توبة عند أهل السنة، حتى جاز أن يدخله الله تعالى الجنة بفضله وكرمه من غير تقديم عقوبة رغماً لأنوف المعتزلة، انتهى.\rوبهذا النقل انكشف قول الناظم: برغم الحاسد الشاني، من حيث المعنى والإعراب، فتأمل.","part":1,"page":206},{"id":208,"text":"وقال ابن جماعة: الناس على قسمين: مؤمن وكافر، فالكافر في النار إجماعاً، والمؤمن على قسمين: طائع وعاص، فالطائع في الجنة إجماعاً، والعاصي على قسمين: تائب وغيره، فالتائب في الجنة وغير التائب في مشيئة الله.\rفائدة:\rوفي التسديد شرح التمهيد: اعلم أن هنا مسألة ذكرها المصنف في التبصرة والسيد الإمام في المصداق، قال مشايخنا: إذا كان صاحب الكبيرة معتزلياً أو خارجياً يكفر، لأنه لما ارتكب الكبيرة مع اعتقاده أنه يكفر أو يخرج عن الإيمان كان كافراً وخارجاً عن الإيمان، ولأنه بارتكابه ييأس من روح الله ويقنط من رحمته، ?ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون? ?ومن يقنط من رحمته إلا الضالون? انتهى.\rواستدل الناظم المحقق رحمه الله على هذه المسألة بوجهين فقال:\rإذ العقوبة تعفى عنده معها ……ولم يقيد بها آيات غفران\rهذا تعليل للحكم السابق، وهو كونه الكبائر مرجو العفو.\rقوله: تعفى مضارع مبني للمفعول، ونائب فاعله ضمير راجع إلى العقوبة، وعنده ظرف تعفى، والضمير المجرور راجع إلى أهل الاعتزال الدال عليه لفظ الحاسد.\rوضمير معها راجع إلى التوبة الدال عليها لفظ التائبين.\rقوله: ولم يقيد، بالتذكير مع تأنيث نائب الفاعل للفصل بينهما.\rوإضافة الآيات إلى الغفران من قبيل إضافة الدال إلى المدلول، أي آيات دالة على غفران الله تعالى، وفيه إشارة إلى أن العفو والغفران بمعنى واحد، وهو ترك عقوبة المجرم والستر عليه بعدم المؤاخذة.\rوجملة لم يقيد معطوفة على مدخول إذ، إشارة إلى دليل النقلي التحقيقي، كما أن الجملة الأولى إشارة إلى الدليل العقلي الإلزامي.","part":1,"page":207},{"id":209,"text":"أما بيان الدليل العقلي فهو أن الاعتزال قد اعترفوا بأنه تعالى عفو، وهو الذي يعفو عن الذنب مع استحقاق الذنب مع استحقاق العذاب والعقاب، وهم لا يقولون به، إذا مرتكب الكبيرة مات بلا توبة، إذ لا استحقاق للعقاب بالصغائر، أو بالكبيرة مع التوبة عندهم، فلم يبق إلا الكبيرة الغير المقرونة بالتوبة، فثبت أنه يعفو عنها بمقتضى اسمه العفو كما ذهب إليه الجمهور من الأصحاب.\rوأما بيان الدليل النقلي فهو أن الآيات الواردة في باب العفو والغفران بعضها مطلقة وبعضها عامة، كقوله تعالى: ?إن الله لذو مغفرة للناس على ظلمهم? وقوله تعالى: ?إن الله يغفر الذنوب جميعاً? وقوله تعالى: ?إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء? فيجب إجراؤها على إطلاقها وعمومها، إذ لا دليل على تقييدها بالتوبة أو حملها على تأخير العقوبة المستحقة، أو على ترك ما فعل بالأمم السالفة من المسخ وكتبة الآثام على أبوابهم، إلى غير ذلك من التأويلات الفاسدة التي يزعمها أهل الاعتزال.\rعلى أن التقييد بالتوبة لا يستقيم في قوله تعالى: ?إن الله لا يغفر أن يشرك..? فإن المغفرة بالتوبة تعم الشرك وما دونه، فلا يصح التفرقة أصلاً، إذ لا فرق بين الشرك وما دونه في غفرانهما، كذا قالوا.\rوفي هذا البيت شبه تضمين، لأن البيت الأول يفتقر غليه، فتأمل.\rومن الدلائل الدالة على ثبوت العفو لمرتكب الكبيرة من غير توبة الأحاديث الواردة في باب الشفاعة، والمعتزلة خصصوها برفع الدرجات وزيادة المثوبات للمطيعين والتائبين، فأشار الناظم إلى رد ذلك فقال:\rولا تخص أحاديث الشفاعة ما ……ليست تعم لأوقات وأعيان\rالواو لعطف دليل على دليل.\rقوله: لا تخص بالتأنيث، وأحاديث منصوب على أنه مفعول تخص، وهو جمع حديث على غير قياس، والقياس أن يجيء على أحدثة، كرغيف على أرغفة.\rوالشفاعة طلب العفو عن الذي وقع الجناية في حقه.","part":1,"page":208},{"id":210,"text":"وقريب من هذا المعنى قول من قال: إن الشفاعة اسم لطب التجاوز عن أمور مخوفة وشدائد موبقة.\rوكلمة ما مرفوعة المحل، فاعل تخص، هو عبارة عن الآيات الدالة على نفي الشفاعة، مثل قوله تعالى: ?وما للظالمين من حميم ولا شفيع مطاع?.\rواسم ليست ضمير راجع إلى ما، وجملة تعم خبر ليست، واللام في الأوقات صلة تعم.\rوأعيان بمعنى أشخاص، وعطف على أوقات.\rوفي هذا البيت صنعة طباق، فافهم.\rوالمعنى أن الأحاديث الواردة في باب الشفاعة مثل قوله عليه السلام: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) مما يدل أيضاً على ثبوت العفو لمن ارتكب الكبيرة من غير توبة، إذ معنى الشفاعة طلب العفو كما سبق.\rوقد جعلها المعتزلة مخصوصة للمطيعين والتائبين لرفع الدرجات، لورود النصوص الدالة على نفي الشفاعة مثل قوله تعالى: ?واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة?، وقوله تعالى: ?من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة? ?وما للظالمين من حميم ولا شفيع مطاع?.\rورده الناظم المحقق بأنها ليست تعم لأوقات وأعيان، فلا تكون مخصصة [لما] ذكرناه، فتدبر، كذا قاله المولى الخيالي.\rوالحاصل أن تلك الآيات لا يجوز أن تكون مخصصة لأحاديث الشفاعة بأهل الكبائر التائبين، بل تبقى عامة لهم ولغيرهم من أهل الكبائر، فتدل على المقصود، وهو ثبوت العفو لمرتكب الكبيرة من غير توبة، وإذا ثبت جواز العفو والمغفرة بدون الشفاعة لصاحب الكبيرة بفضله ورحمته فبالشفاعة بطريق الأولى.\rومن المسائل السمعية شفاعة الأخيار الثابتة بالآيات والأحاديث، فأشار الناظم المحقق رحمه الله عليه إليها، بقوله:\rوللرسول بل الأخيار كلهم ……شفاعة لعصيان عند رحمن\rقوله: للرسول خبر مقدم، وشفاعة مبتدأ مؤخر، وتعريفه للجنس، ومن خصصه برسولنا صلى الله عليه وسلم، فله أن يعم الأخيار حتى يشمل لسائر الأنبياء والرسل وللأصفياء والعلماء الذين هم هداة السبل.","part":1,"page":209},{"id":211,"text":"وفي سنن ابن ماجة عن عثمان بن عفان رضي الله عنه مرفوعاً: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء والشهداء)، ومعنى الشهادة قد مر قبيل هذا البيت.\rوكلمة بل للترقي من الأعلى إلى الأدنى، وعادة العرب عكس هذا، كقولهم: فلا عالم نحرير.\rوتنوين عصاة عوض عن المضاف إليه، أي لعصاة المؤمنين.\rوإنما خصت الشفاعة لعصاة المؤمنين لأنهم محل النزاع، ولذلك ورد: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).\rوفي ذكر رحمن تلميح إلى قوله تعالى: ?لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً? وقوله تعالى: ?إلا من أذن له الرحمن?.\rوفي استعمال الرحمن منكراً كلام، وليس له جواب إلا الضرورة.\rواتفقت الأمة على ثبوت الشفاعة للأنبياء والرسل وسائر الأخيار من العلماء الأبرار، ثم اختلفوا فذهب الأشاعرة إلى ثبوتها لأهل الكبائر من الأمة لإسقاط العذاب والعقاب لما مر من الأحاديث، ولقوله تعالى: ?واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات? أي لذنبهم بدلالة سياق الآية عليه، ولأن مرتكب الكبيرة مؤمن عند أهل الحق، وطلب المغفرة والعفو لذنب المؤمن شفاعة له في إسقاط عقابه.\rوقالت المعتزلة: بل هي زيادة الثواب ورفع لدرجات لا لدرء العذاب والعقاب، وقد مر الجواب عن قولهم، فتذكر.\rثم الظاهر من عبارة الناظم أن [الشفاعة ليست خاصة بـ] هذه الأمة بل عامة للأمم السالفة، نعم الشفاعة الكبرى مختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم.\rومن المسائل السمعية أيضاً أن لدعوة المطيعين الله تعالى تأثيراً بليغاً في صرف القضاء المعلق دون المبرم، وفي تخفيف الذنوب ودفع العذاب ورفع الدرجات، وذلك أيضاً يدل على ثبوت العفو لأهل الكبائر من الأمة، فأشار إليها بقوله:\rوللدعاء لأموات وأحياء … منافع شوهدت في بعض أحيان\rوقع في بعض النسخ: وفي الدعاء لأحياء وأموات، بكلمة في، وبتقديم الأحياء على الأموات، لكن النسخة التي اخترناها هي الأولى، فتدبر.","part":1,"page":210},{"id":212,"text":"يعني أن الدعاء للأموات له منافع لدفع العذاب والعقاب عنهم، كما يشاهدها أولي الأبصار من عباد الله الصالحين، ويحكمون بوقوعها.\rوأما الدعاء للأحياء فله أيضاً منافع لهم لدفع البلاء وكشف البأساء والضراء، ويشاهدها أولي الأبصار من عباد الله الصالحين ويحكمون بوقوعها، ويدل [عليها] قوله تعالى: ?ادعوني استجب لكم?، وقوله عليه السلام: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) رواه الترمذي، قوله عليه السلام: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل) رواه البزار والطبراني والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.\rوالحاصل أن الله تعالى قاضي الحاجات ومجيب الدعوات ودافع البليات.\rوالمعتزلة خالفوا في هذه المسألة أهل السنة والجماعة تمسكاً بأن القضاء لا يتبدل.\rقال صاحب بدء الأمالي:\rوللدعوات تأثير بليغ……وقد ينفيه أصحاب الضلال\rوالمراد بأصحاب الضلال هم المعتزلة.\rقال المولى الخيالي: ومن هنا قد ظهر بطلان قاعدة وجوب رعاية الأصلح لأهل الاعتزال، إذ لو وجبت لكان تغييراً للواجب، وإنه باطل قطعاً، انتهى.\rفائدة:\rقيل: وأما إجابة دعوة الكافر ففيها خلاف بين مشايخ الحنفية، ونقله الروياني في كتابه بحر المذهب عن الشافعية، ونفي الاستجابة فيه فهو المنقول عن الجمهور على ما ذكر في شرح العقائد، وكأن مستدلهم ما نقله البغوي في معالم التنزيل عن الضحاك في تفسير قوله تعالى: ?وما دعاء الكافرين إلا في ضلال?.\rوقوله عليه السلام: (اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنه ليس من دونها حجاب) رواه أحمد وغيره عن أنس مرفوعاً، كذا قاله عليه القاري.\rأقول: فهم من مجموع ما ذكر هاهنا أن للدعوات تأثيراً بليغاً، سواء كانت الدعوة لنفع الغير أو لضره، ولذلك عمم الشيخ العلامة أبو الحسن سراج الدين علي بن عثمان الأوشي في منظومته المسماة ببدء الأمالي حيث قال:\rوللدعوات تأثير بليغ … إلخ\rوكان اللائق على الناظم التعميم، إلا أنه ذكر ما هو الغالب في باب الدعاء، وهو ما يكون للمنافع.","part":1,"page":211},{"id":213,"text":"ثم أشار إلى تحقيق مسألة اختلف فيها العلماء، فقال:\rوليس يدخل في الإيمان أعمال… بل ليس ذا غير تصديق وإذعان…\rقوله: أعمال اسم ليس، وفي يدخل ضمير راجع إلى الأعمال، والجملة خبره، فالأعمال وإن تأخرت لفظاً لكنها متقدمة رتبة، فلا يلزم الإضمار قبل الذكر.\rوالمراد منها الفرائض كالصلاة والزكاة والصوم إلى غير ذلك، وفيه إيماء إلى أن القائلين بدخول الأعمال يريدون أن جميع الأعمال داخلة في الإيمان.\rوكلمة بل للانتقال من حكم إلى حكم آخر، لا للإضراب.\rوذا اسم ليس، إشارة إلى الإيمان، وغير تصديق تركيب إضافي خبر ليس.\rوإذعان عطف على تصديق.\rومعنى الإذعان قبول حكم المخبر على وجه الإيقان.\rقيل: الإيمان في اللغة التصديق مطلقاً، قال الله تعالى: ?وما أنت بمؤمن لنا? أي بمصدق لنا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) أي تصدق.\rواختلف الناس في معناه الشرعي اختلافاً لا سبيل إلى ذكره، لكثرة الأقاويل فيه، فنحن نذكر بعض الأقوال لئلا يؤدي إلى الملال.\rفمن الناس من زعم أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان.\rوحكي ذلك القول عن مالك والشافعي والأوزاعي، وعن أهل الظاهر، وجميع أهل الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه.\rوقال صاحب التبصرة: الإيمان الشرعي عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان دون غيرهما من الجوارح.\rقال سعد الدين في شرح المقاصد: وكون الإقرار ركناً من الإيمان ملحقاً بأصله إنما هو عند بعض العلماء كشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام وكثير من الفقهاء، وعند البعض هو التصديق وحده والإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، حتى لو صدق بالقلب ولم يقر باللسان مع تمكنه منه كان مؤمناً عند الله، انتهى.","part":1,"page":212},{"id":214,"text":"وقال بعضهم: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وإليه ذهب الشيخ أبو منصور الماتريدي، وهو مروي عن أبي حنيفة رحمه الله في كتاب العالم والمتعلم، فأشار المحقق إلى هذا المذهب الأقوى والاعتقاد الأسنى بقوله: بل ليس ذا غير تصديق وإذعان.\rوالدليل على ذلك المذهب من وجوه:\rالأول: مقابلة الإيمان بالكفر في مواضع كثيرة، والمراد من الكفر التكذيب بالاتفاق، فيكون المراد من الإيمان المذكور في مقابلته التصديق بالقلب.\rوالثاني: قول الكفار عند الاضطرار: آمنا، كما قال فرعون عند قرب الغرق ?آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل?، وقال قوم يونس عليه السلام: ?آمنا بالله وحده?، والخصم مقر بأن المراد من الإيمان في ذلك التصديقُ العاري عن العمل.\rوالثالث: عطف الأعمال على الإيمان في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: ?إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات?، والعطف يقتضي المغايرة.\rوالرابع: إضافة الإيمان إلى القلب في كثير من الآيات، كقوله تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ?أولئك كتب في قلوبهم الإيمان?، وقوله تعالى: ?ولم تؤمن قلوبهم?.\rوإذا كان الإيمان عبارة عن التصديق والإذعان عند الأكابر والأعيان، فلا تكون الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، كما أشار إليه الناظم بقوله: وليس يدخل في الإيمان.\rويدل على هذا الحكم قوله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة?، وقوله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام? لأن الأمر بالفرائض بعد النداء بآمنوا يدل على أنها ليست أجزاء للإيمان، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ?فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن?، وقوله تعالى: ?ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن?، لأن الشيء لا يكون قيداً ولا شرطاً لجزئه.\rويدل عليه أيضاً قوله عليه السلام في جواب جبريل عند سؤاله عن حقيقة الإيمان: (الإيمان أن تؤمن بالله) الحديث.","part":1,"page":213},{"id":215,"text":"وأيضاً نقول: حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة إيمان من تكلم بكلمة الشهادة قبل العمل بالفرائض وحكم بها الصحابة والتابعون ومن بعدهم من العلماء إلى هذا الآن، ولم ينكر عليه أحد من علماء الزمان، فذلك إجماع وحجة لا يسوغ إنكارها في ذلك الشأن.\rوما قاله الناظم من أن الأعمال غير داخلة في الإيمان هو ما عليه أكابر العلماء الأعيان كأبي حنيفة وأصحابه، واختاره إمام الحرمين وجمهور الأشاعرة، لما مر من أن حقيقة الإيمان هو التصديق القلبي فقط، أو هو مع الإقرار، ومذهب مالك والشافعي والأوزاعي هو المنقول عن السلف وكثير من المتكلمين، أنها أي الأعمال داخلة في الإيمان.\rقال علي القاري: والظاهر كما قال بعض المحققين أن مرادهم أنها داخلة في الإيمان الكامل، لا أنه ينتفي الإيمان بانتفائها كما هو مذهب المعتزلة والخوارج، فالنزاع في المسألة بين الفريقين من أهل السنة لفظي، انتهى.\rولما استشعر الناظم قائلاً يقول: لو كان الإيمان عبارة عن التصديق القلبي فقط لما كان المصدق بقلبه كافراً بشد الزنار وغيره من الأفعال والأقوال، قال مجيباً لذلك السؤال:\rوالشرعُ قد عدَّ شدَّ المرء زناراً… دليلَ جحدٍ كتعظيم لأوثانِ\rأي صاحب الشرع، وهو مبتدأ، وجملة قد عد خبره.\rوشد المرء مفعول أول لعد، وهو مصدر مضاف إلى فاعله.\rوزناراً مفعوله، وهو حبل يشد على الوسط، مخصوص بالنصارى.\rقوله: دليل جحد مفعول ثاني لعد.\rوالجحد والجحود الإنكار مع العلم.\rقوله: كتعظيم خبر مبتدأ محذوف، أي مثال هذا الحكم مثل تعظيم المرء لأوثان، والمراد بتعظيم الأوثان السجود لها بالاختيار.\rوالأوثان جمع وثن، بالتحريك، ويجمع على وثن بالضم أيضاً، مثل أسد وآساد.","part":1,"page":214},{"id":216,"text":"وحاصل هذا الجواب أن صاحب الشرع وهو نبينا صلى الله عليه وسلم قد عد أمثال هذه الأفعال من أمارات التكذيب ودلائله، فلهذا حكمنا بكفر من فعل أمثال هذه الأفعال بالاختيار وإن كان له تصديق قلبي، فحقيقة الإيمان هو التصديق الخالي عن أمارة التكذيب.\rومن أمثال ذلك استحلال المحرمات القطعية والاستخفاف وعدم المبالاة بالمعصية وعدها هيناً وحقيراً.\rثم اعلم أن لمسألة كون الأعمال جزء من الإيمان تفاريع، منها: مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فمن قال بالجزئية يقول بزيادة الإيمان، ومن قال بعدمها يقول بعدم الزيادة، فنقول:\rإذا عرفت أن الإيمان عبارة عما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله من التصديق والإقرار، وذلك لا يزيد ولا ينقص بحسب الأجزاء، لكن يقوى ويرسخ باعتبار تعاضد الأدلة اليقينية والكشف والأسرار الباطنة، ويكمل أيضاً باعتبار المداومة على العبادات والمجانبة عن السيئات إذ يعرف كل أحد أن إيمان الأنبياء عليهم السلام والملائكة الكرام واعتقادهم ليس كإيمان العوام واعتقادهم في القوة والثبات، لأن إيمانهم لا يقبل التغير وإن وصلت إليهم النوائب والحوادث بخلاف إيمان العوام.\rوالآيات الدالة على زيادة الإيمان كقوله تعالى: ?وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً?، وقوله تعالى: ?وأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً?، وقوله تعالى: ?ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم? تأول بذلك الاعتبار المذكور آنفاً.\rوقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أن من آمن بكل آية نزل واعتقد عليه زاد إيمانه باعتبار متعلقه.\rوقال البعض: الثبات في الإيمان توحيد في كل ساعة، مثل ما انعدم.\rوقيل: يزداد نور الإيمان بالأعمال الصالحة وينقص بارتكاب المعاصي، أو نقول: المراد من الزيادة من ثمرته وإشراق نوره وضيائه في القلوب بالأعمال الصالحة.\rوالحاصل: الزيادة تكون في عوارض الإيمان ولوازمه الخارجة عنه، والزيادة في العوارض لا يستلزم الزيادة في الحقيقة، وكلامنا فيها، كذا قالوا.","part":1,"page":215},{"id":217,"text":"وقال صاحب المواقف: ظاهر الكتاب والسنة أن الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب الأشاعرة والمعتزلة، والمحكي عن الشافعي وكثير من العلماء، وروي عن أبي حنيفة رحمه الله وعن أصحابه وكثير من العلماء وهو اختيار إمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص، لأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، ولا يتصور فيه الزيادة والنقصان، والمصدق إذا ضم الطاعات إليه وارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلاً، وإنما يتغير إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة، انتهى.\rلكن الحق أن النزاع في هذه المسألة بين الفريقين لفظي أيضاً، أي كما في أصلها.\rوقال الرازي: هذا المبحث نزاع لفظي، لأن المراد إن كان هو التصديق فلا يقبلهما، وإن كان الطاعات فيقبلهما.\rثم ذهب إلى التوفيق بين المذهبين فقال: الطاعات مكملة التصديق، فكل ما دل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان يكون مصروفاً إلى أصل الإيمان، وما دل على كونه قابلاً لهما كان مصروفاً إلى المكملات مجازاً، فحينئذ تكون الزيادة الواردة في قوله تعالى مصروفاً إلى المكملات لا إلى حقيقة الإيمان.\rفإن قيل: إن قوله تعالى: ?اليوم أكملت لكم دينكم? يدل على أن الإيمان كان قبل ذلك اليوم ناقصاً وزاد في هذا اليوم، فثبت أنه يقبل الزيادة والنقصان.\rأجيب عنه بوجهين: الأول أن معنى قوله: ?أكملت? أظهرت، حتى قدرتم على إظهاره، والثاني: أن تمامه وكماله بالأمن عن العدو، كن يقتل عدوه من الملوك ويقول: اليوم تم ملكي وسلطنتي وعزتي.\rومن التفاريع مسألة أن الإيمان والإسلام واحد عند الحنفية، خلافاً لبعض الشافعية والحشوية، وإلى هذا أشار الناظم المحقق رحمه الله بقوله:\rولا يغاير إيمان وإسلام……ولم يكن لهما في الشرع حكمان\rالواو لعطف مسألة على مسألة.\rقوله: يغاير من المغايرة التي تقتضي مشاركة الاثنين في أصل الفعل.\rوالمعنى: لا يغاير إيمان المؤمن لإسلامه ولا إسلامه لإيمانه.","part":1,"page":216},{"id":218,"text":"والواو في قوله: ولم يكن، لعطف جملة على جملة للكشف والبيان، ولو قال: فلم يكن، لكان أحرى، فتأمل.\rقال المولى الخيالي: قد يفهم من كلام الأصحاب أن المراد بعدم المغايرة بين الإيمان والإسلام هو الاتحاد بحسب المفهوم لكونهما عبارتين عن الإذعان والقبول، وقد يفهم أن المراد بذلك عدم الانفكاك بينهما، فعلى هذا يكون قول المحقق: ولم يكن لهما في الشرع حكمان قريبان من العطف التفسيري، انتهى.\rوالظاهر أن قوله: لم يكن، مضارع كان التامة، بمعنى لم يوجد، والألف واللام في الشرع عوض عن المضاف إليه، أي في شرع الله أو في شرع رسول الله، إذ لا شارع غيرهما.\rوحكم الشيء أثره المترتب عليه.\rقال في شرح المهمات: وحكم الإيمان اثنان: أحدهما أن يحفظ عرض المؤمن وماله ودينه وأهله وعياله، وثانيهما أن يدخله الجنة، وكذلك حكم الإسلام، فليسا متغايرين وليس لهما حكمان متغايران، بل لهما حكم واحد في شرع الله تعالى.\rثم اعلم أن هذه المسألة من تفاريع مسألة عدم دخول الأعمال في الإيمان كما مرت إليه الإشارة، فنقول:\rقد اختلف الأئمة في أن الإيمان عين الإسلام أو غيره، بمعنى أنهما مترادفان كالليث والأسد، أم متغايران كالإنسان والفرس، فذهب عامة أهل السنة والجماعة من المتكلمين إلى أنهما شيء واحد، وهما من قبيل الأسماء المترادفة، فكل مؤمن مسلم وكل مسلم مؤمن وإن اختلفا بحسب اللغة، إذ الإيمان في اللغة هو التصديق، والإسلام هو الانقياد، وقيل: الإخلاص، كما قال الله تعالى: ?أسلم قال أسلمت لرب العالمين? أي أخلص.\rواستدلوا على مطلوبهم بوجوه:\rالأول: أن الإيمان هو التصديق بالله تعالى، والإسلام إما أن يكون مأخوذاً من التسليم وهو تسليم العبد نفسه لله تعالى، أو يكون مأخوذاً من الاستسلام وهو الانقياد، وكيف ما كان فهو راجع إلى ما ذكرنا من تصديق القلب واعتقاده بأنه تعالى خالقه، فحينئذ يكون كل مؤمن مسلماً، وكل مسلم مؤمناً.","part":1,"page":217},{"id":219,"text":"والثاني: أنهما لو كانا متغايرين لتصور أحدهما بدون الآخر، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.\rوالثالث: أن الإيمان هو الدين، والدين هو الإسلام، ينتج أن الإيمان هو الإسلام، وهو المطلوب، أما بيان الصغرى فظاهر، وأما بيان الكبرى فلقوله تعالى: ?إن الدين عند الله الإسلام? فلو كان الدين غير الإسلام لما صدق عليه بهو هو، لكن اللازم باطل والملزوم مثله.\rقال المولى الخيالي: وأما التمسك فيه بقوله تعالى: ?فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين? فضعيف جداً كما لا يخفى.\rأقول: وجه الضعف على ما قاله عصام الدين هو أن الاستثناء يصح إذا كان المسلمون أخص من المؤمنين، ونظيره ليس في البلد من العلماء إلا أهل بيت من النحويين، فلا يكون حينئذ في الآية دلالة على اتحادهما.\rوذهبت بعض الحشوية وبعض من المعتزلة وأصحاب الظواهر إلى أنهما متغايران.\rوتمسكوا فيه يوجوه:\rالأول: أنه تعالى نفى الإيمان مع إثبات الإسلام في قوله تعالى: ?قالت الأعراب آمنا قل لم يؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا?، فلو كان الإيمان عين الإسلام لما صح نفي أحدهما مع إثبات الإسلام، ولزم التناقض، فاللازم باطل والملزوم مثله، وبيان الكل ظاهر.\rوالثاني: أن الله تعالى عطف المؤمنين على المسلمين، والعطف يقتضي المغايرة.\rوالثالث: قوله عليه السلام، فإنه عليه السلام عرف الإيمان بالإسلام حين سأله جبريل عليه السلام فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان، فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) فقال: صدقت، فقال: أخبرني عن الإسلام فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً) قال: صدقت، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، فدل على تغايرهما.","part":1,"page":218},{"id":220,"text":"والجواب عن الأول: أن الكلام في الإيمان والإسلام المعتبرين في الشرع، لا مفهومها بحسب اللغة، فإن الإسلام يطلق بالاشتراك اللفظي على معنين: أحدهما لغوي وهو الاستسلام والانقياد الظاهري، وثانيهما شرعي وهو نفس الإيمان الذي هو مراد من قوله تعالى: ?ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه?، والذي أثبته الله تعالى لهؤلاء الأعراب مع نفي الإيمان عنهم هو المعنى الأول لا الثاني، أي اللغوي لا الشرعي، فيكون معنى الآية – والله أعلم – قولوا: استسملنا خوفاً من السيف.\rوعن الثاني: أن تغاير العطف على طريق التفسير.\rوعن الثالث: بوجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن جبريل عليه السلام سأل في المرة الثانية عن الإسلام، بل سأله\rعن أحكام الشرائع، كما ذكر في بعض الروايات أنه سئل عن شرائع الإسلام فأجاب بما أجاب.\rالثاني: أنا سلمنا أن سؤاله في المرة الثانية عن الإسلام، لكن يجوز أن يكون المراد منه الشرائع مجازاً، كما ذكر الإيمان وأريد به الصلاة في قوله تعالى: ?وما كان الله ليضيع إيمانكم?، أي صلواتكم إلى بيت المقدس، وفيه نظر؛ لأن الأصل عدم المجاز.\rقال صاحب الانتقاد: والحق أن إثبات اتحادهما صعب؛ لأن كلام الله تعالى وكلام الرسول كل واحد منهما يدل على المغايرة بينهما، قال الله تعالى: ?إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات?، فإن العطف يقتضي المغايرة بينهما، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في جواب جبرائيل: (أن الإيمان أن تؤمن بالله) الحديث.\rثم قال: التوفيق بين المذهبين أن الإيمان في ظاهر الشرع إنما هو الإقرار، وجعلوا الإقرار لدلاته على الاعتقاد قائماً مقام الاعتقاد، والإسلام أيضاً كذلك، فمن نظر إلى ظاهر الشرع ذهب إلى أنهما واحد، ومن نظر إلى الحقيقة ذهب إلى التغاير بينهما، والخوض في هذه المسألة لا طائل تحته، فلهذا أعرضنا عن إطنابها، انتهى.\rومن التفاريع أن إيمان المقلد صحيح أم لا ؟ وإليه أشار بقوله:","part":1,"page":219},{"id":221,"text":"وللمقلد إيمان يثاب به……وإن يكن عاصياً بترك إمعان\rالمقلد شخص متصف بالتقليد.\rومعنى التقليد: قبول قول الغير من غير دليل، فكأنه بقبوله جعله قلادة في عنقه.\rالإمعان في الشيء الدقة فيه والاهتمام، والمراد به هنا النظر والاستدلال.\rيعني إذا ثبت أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، وأن الأعمال ليست داخلة فيه، ثبت أن إيمان المقلد صحيح يثاب عليه إذا وجد منه التصديق المذكور، فينال الثواب الموعود المسطور بفضل الله الملك الغفور، سواء وجد منه ذلك التصديق عن دليل أو عن غير دليل، إلا أنه يكون عاصياً بترك النظر والإمعان في الاستدلال على الإيمان.\rوتفصيل الكلام في هذا المقام:\rاختلف أهل الملة من الأنام، في أن إيمان المقلد صحيح أم لا؟\rفذهب بعضهم إلى أنه صحيح، وإن كان عاصياً بترك الاستدلال والنظر المؤدي إلى معرفة قواعد الدين، وهو كفساق أهل الملة في جواز مغفرته وتعذيبه بقدر ذنبه، ثم عاقبة أمره إلى الجنة، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والأوزاعي وكثير من المتكلمين وعامة الفقهاء وأهل الحديث.\rواستدلالهم بالعقل والنقل وفعل الرسول:\rأما العقل: فهو أن الإيمان عبارة عن التصديق، فإن من أخبر بخبر فصدقه غيره، لم يمتنع أحد من أن يقول: آمن به، أو آمن له، فإذا صدق المقلد من أخبره عن الله وعن جميع صفاته وعن رسوله وعن جميع ما جاء به الرسول من الفرائض صار مؤمناً.\rوأما النقل: فقول الرسول عليه السلام حين سأله جبرائيل عليه السلام، ما أجابه إلا بالتصديق حيث قال: (صدقت).\rوأما فعل الرسول: فإنه عليه السلام كان يكتفي بالإيمان من الأعراب الخالين عن النظر في هذا الباب بمجرد التلفظ بكلمتي الشهادة، وكذا اكتفى به الصحابة ومن بعدهم من الأئمة الكرام، نور الله مرقدهم إلى يوم القيامة.","part":1,"page":220},{"id":222,"text":"وقالت عامة المعتزلة: إن إيما المقلد غير صحيح، حتى قالوا: لا بد مع ابتناء الاعتقاد على الدليل من الاقتدار على مجادلة الخصوم ودفع ما يورد عليه من الشبهة.\rواستدلوا على صحته بأن حقيقة الإيمان إدخال النفس في الأمان، فإذا لم يعرف ما اعتقده بالدليل العقلي لم يأمن من الوقوع في الشبهة والخداع، فلم يكن التصديق الخالي عن الدليل إيماناً، فلا يكون المقلد مؤمناً.\rوأجيب عنه: بأنّا سلمنا أن الإيمان إدخال النفس في الأمان، لكن شرط أنه لم يقترن بالمخبر ولم يعد بكلمة الباء أو لالام، كما إذا قيل: آمن فلان، وأما إذا قيل: آمن فلان بكذا أو آمن به أو آمن له، فلا يراد إلا التصديق، كذا قاله صاحب الانتقاد.\rثم قال: اعلم أن فائدة الخلاف في أن إيمان المقلد هل هو صحيح أم لا إنما يتحقق في حق من نشأ في شاهق جبل ولم يخالط الناس ولم تبلغه الدعوة ولم يتفكر في ملكوت السموات والأرض آناء الليل وأطراف النهار وأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده، فصدقه ذلك فيما أخبره من غير تفكر وتأمل، فعند القائلين بصحته أنه صحيح، [وعند] القائلين بعدم صحته لا.\rوأما من نشأ بين المسلمين من أهل القرى والأمصار، وكان من ذوي النهى والأبصار، وتفكر في السموات والأرض من آناء الليل وأطراف النهار، فإن ذلك نوع استدلال منه، ولا يكون داخلاً في حد المقلد، وإن كان لا يهتدي إلى العبارة عن دليله، ولا يقدر على دفع الشبه المعترضة، حتى إن واحداً منهم متى عاين من الأهوال والأفزاع يصف الله بكمال قدرته ونفاذ مشيئته، فلم يكن فيه خلاف بيننا وبين الأشعري، وإنما الخلاف فيه بيننا وبين المعتزلة، انتهى.","part":1,"page":221},{"id":223,"text":"ويؤيد هذا ما قاله التفتازاني في شرح المقاصد: فإن قيل: أكثر أهل الإسلام آخذون بالتقليد، قاصرون أو مقصرون في الإسلام، ولم يزل الصحابة ومن بعدهم من الأئمة والخلفاء يكتفون منهم بذلك، ويجرون عليهم أحكام المسلمين، فما وجه الاختلاف ؟ وذهاب كثير من العلماء والمجتهدين إلى أنه لا صحة لإيمان المقلدين ؟\rقلنا: ليس الخلاف في هؤلاء الذين نشأوا في ديار الإسلام من الأمصار والقرى والصحارى، وتواتر عندهم حال النبي صلى الله عليه وسلم، وما أوتي به من المعجزات ولا في الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، فإنهم كلهم من أهل النظر والاستدلال، بل فيمن نشأ على شاهق جبل مثلاً ولم يتفكر في ملكوت السموات والأرض، فأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده، فصدقه فيما أخبره بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر، انتهى.\rقال المولى علي القاري في شرح بدء الأمالي: ثم التحقيق ما ذكره السبكي من أن التقليد إن كان أخذاً بقول الغير من غير حجة ولا جزم به، فلا يكفي إيمان المقلد قطعاً، لأنه لا إيمان مع أدنى تردد فيه، وإن كان التقليد أخذ قول الغير بغير حجة لكن جزماً فيكفي إيمانه عند الأشعري، انتهى.\rوخلاصة هذا البحث في هذا المقام أن إيمان المقلد صحيح عند الأئمة الأربعة الكرام إلا أنه عاص، لأنه ترك الاستدلال ولو بعقله، ولا عذر لذي عقل في جهل خالقه، وإليه أشار الناظم المحقق بقوله:\rلا عذر من عاقل في جهل خالقه …إن نال مدة فكر عند نعمان\rالجهل معرفة المعلوم على خلاف ما هو به.\rوحد العلم معرفة المعلوم على ما هو به، على ما ذكره ابن جماعة.\rوالعقل غريزة يتبعها العلم بالضروريات عنده سلامة الآلات، وقيل: العقل ملكة تعقل صاحبها عن الفضائح وتمنعه من القبائح.","part":1,"page":222},{"id":224,"text":"واختلف في محلها، فقيل: الدماغ ونوره في القلب حتى يدرك الغائبات، وكماله أن ينجي صاحبه من ملامة الدنيا وندامة العقبى، وقد قيل: إن العقل حياة الأرواح، كما أن الروح حياة الأشباح.\rقوله: إن نال، شرط، وفاعل فعل الشرط ضمير راجع إلى عاقل، ويجب حذف الجواب إذا تقدم على الشرط ما هو الجواب في المعنى، كما في قوله تعالى: ?متى هذا الوعد إن كنتم صادقين? أي إن كنتم صادقين فمتى هذا الوعد، وهاهنا كذلك إذ المعنى: إن نال العاقل مدة يسع فكره لا عذر.\rومفهوم هذا الشرط إن لم ينل مدة فكره يعذر، وهذا القيد غير مذكور في بعض المتون كبدء الأمالي، حيث قال صاحبه:\rوما عذر لذي عقل بجهل ……بخلاق الأسافل والأعالي\rومدة منصوب على الظرفية مضاف إلى فكر، وهو بكسر الفاء اسم المصدر وبالفتح المصدر، من باب نصر.\rوالتفكر التأمل، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ?أولم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض?.\rقوله: عند نعمان، ظرف لا عذر، وفيه إشارة إلى أن هذا القول، أعني وجوب الإيمان بالعقل أرجح قول أبي حنيفة، كما تفيده كلمة عند، إذ روي عنه عدم الوجوب كما سيأتي، لكنه مرجوح بالنسبة إلى هذا القول.\rثم اعلم أن الأمة اتفقت على أن الإيمان بالله تعالى واجب، والكفر حرام، لكنهم اختلفوا في وجوب الإيمان بالعقل أم بالسمع ؟\rفذهب عامة مشايخنا إلى أنه واجب بالعقل ولو لم يؤمن يخلد في النار، قال أبو حنيفة: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه.\rوقال أبو اليسر البزدوي: لا يجب بالعقل ويعذر ولو لم يؤمن، وبه قال الأشعري، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله.","part":1,"page":223},{"id":225,"text":"فمن أوجب الإيمان بالعقل استدل بأن حدوث العالم مشعر أن له محدثاً وهو الصانع جل وعلا، فيكون الإيمان به واجباً على كل ذي لب وعقل، وقد قال الله تعالى: ?أو لم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض?، فأحثهم الله تعالى [على] النظر والتفكر، وذلك لا يمكن إلا بالعقل، فثبت وجوب الإيمان على العاقل.\rعلى أن الدليل الموجب للإيمان قائم، وهو الآيات الدالة على حدوث العالم وجود الصانع.\rومن لم يوجب الإيمان بالعقل استدل بقوله تعالى: ?وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً? وبأن العقل ليس بعلة موجبة للإيمان.\rقيل: وثمرة الخلاف إنما تظهر في حق من لم تبلغه الدعوة أصلاً أو نشأ على شاهق جبل ولم يؤمن بالله تعالى، وكذا من مات في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام ولم يؤمن، فعند من أوجبه لا يعذر، وعند من لا يوجبه يعذر.\rثم اعلم أن أصل هذا الخلاف إنما هو في الإيمان بالله، وأما في باقي أحكام الشرع فقد أجمعوا على أن الذي لم تبلغه الدعوة فهو معذور في أحكام الشرع إلى قيام الحجة.\rفائدة:\rالصبي العاقل إذا كان بحال يمكنه الاستدلال هل يجب عليه معرفة الله تعالى أم لا ؟\rقال الشيخ أبو منصور وكثير من مشايخ العراق: يجب، وقال في بحر الكلام: وكل عاقل بالغ يجب عليه أن يستدل بأن للعالم صانعاً كما استدل إبراهيم عليه السلام، انتهى.\rقال بعضهم: لا يجب عليه شيء قبل البلوغ، لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاث: الصبي حتى يبلغ …) الحديث، وأما إذا أسلم قبل البلوغ يكون إيمانه صحيحاً وارتداده يكون ارتداداً وإسلامه يكون إسلاماً، كذا قاله علي القاري.","part":1,"page":224},{"id":226,"text":"وقال المولى الخيالي: وأما من لم يبلغ منه أوان الحلم كالأطفال فقد ذهب الأكثرون إلى أنهم في حكم آبائهم، لما روي عن خديجة رضي الله عنها سألت عن ذلك فقال عليه السلام: (هم في النار)، وقالت المعتزلة: لا يعذبون، بل هم خدم أهل الجنة، على ما ورد في الحديث، وقيل: علم الله تعالى ××××××(1) على تقدير البلوغ ففي الجنة، ومن علم منه الكفر والعصيان ففي النار.\rولما كان العقل علة موجبة للإيمان عند العلماء المعتبرين، وأن العبد ما دام عاقلاً بالغاً لا يصل إلى مرتبة مسقطة عنه الأمر والنهي، وكان القول بسقوط التكاليف قولاً باطلاً أحدثه الإباحية، أشار الناظم المحقق إلى رده فقال:\rوليس مرتبة للعبد مسقطة ……تكليفه كمجانين وصبيان\rليس فعل ناقص، ومرتبة اسمه، وتنوينه للتعظيم والكمال.\rأي ليس مرتبة بالغة غاية الكمال.\rوتذكير عاملها مبني على ما ذهب إليه بعض النحويين من جواز تذكير كل مؤنث غير حقيقي، نحو أعجبني الدار، وقد يقال: إن التاء في المرتبة من نفس الكلمة، ولا تجوز حذفها، وكل مؤنث لا يجوز حذف تائه يجوز تذكيره، كما في قوله تعالى: ?لعل الساعة قريب? ولم يقل: قريبة، والناظم أشار هاهنا إلى تجويز الوجهين.\rوللعبد ظرف مستقر صفة.\rوأراد بالعبد الكامل من العبادة، ومسقطة بالنصب خبر ليس.\rوقول من قال: ويحتمل أن يكون خبر ليس، ومسقطة بالرفع صفة مرتبة ليس بشيء، لعدم جواز الفصل بين الصفة والموصوف.\rوتكليفه مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله متروك، أي تكليف الله إياه، أو مصدر مبني للمفعول، أي كون العبد مكلفاً، وعلى كلا التقديرين هو مسقطة لاعتمادها على المبتدأ.\rقوله: كمجانين يقرأ بالتنوين للضرورة، جمع مجنون، وفيه حذف مضافين، أي كمرتبة جنون المجانين، والتشبيه راجع إلى نقيض القضية السابقة.\r__________\r(1) كلمة غير واضحة في مصورتي .","part":1,"page":225},{"id":227,"text":"يعني أن مرتبة الجنون والصبيان مسقط تكليف المجنون والصبي، ومرتبة الكمال للعبد ليست كذلك، إذ مرتبة الكمال تقتضي الترقي، ومرتبة الجنون تقتضي التدلي والانحطاط.\rوالحاصل أن العبد ما دام عاقلاً بالغاً لا يصل إلى مقام يسقط به عنه الأمر والنهي، لقوله تعالى: ?واعبد ربك حتى يأتيك اليقين?، فقد أجمع المفسرون على أن المراد به الموت.\rوذهب بعض أهل الإباحة إلى أن العبد إذا بلغ غاية المحبة وصفا قلبه من الغفلة واختار الإيمان على الكفر والكفران سقط عنه الأمر والنهي، ولا يدخله الله النار بارتكاب الكبائر، وبعضهم إلى أنه يسقط عنه العبادات الظاهرة، ويكون عبادته التفكر وتحسين الأخلاق الباطنية، وهذا كفر وجهالة وضلالة، فإن أكمل الناس في المحبة والإيمان هم الأنبياء ذوي الإيقان، خصوصاً حبيبنا حبيب الرحمن، مع أن التكاليف في حقهم أتم وأكمل وأعم وأشمل، فقد قال حجة الإسلام: قتل هذا القائل أولى من قتل مائة كافر.\rوأما قوله عليه السلام: (إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب) فمعناه أنه تعالى عصمه من الذنوب، فلم يلحقه ضرر العيوب، أو وفقه للتوبة بعد حصول الحوبة.\rومفهوم هذا الحديث أن من أبغضه الله تعالى فلا ينفعه طاعة حيث لا يصدر عنه عبادة صالحة ونية صادقة، ولذا قيل: من لم يكن للوصال أهلاً فكل طاعاته ذنوب.\rوأما ما نقل عن بعض الصوفية من أن العبد السالك إذا بلغ مقام المعرفة سقط عنه تكليف العبادة فوجهه بعض المحققين منهم بأن التكليف مأخوذ من الكلفة بمعنى المشقة، والعابد يعبد ربه بلا كلفة ومشقة، بل يتلذذ بالعبادة وينشرح قلبه بالطاعة، ويزداد شوقه ونشاطه بالزيادة، علماً بأنها سبب السعادة، ولذا قال بعض المشايخ: الدنيا أفضل من الآخرة لأنها دار الخدمة، والآخرة دار النعمة، ومقام الخدمة أولى من مقام النعمة.","part":1,"page":226},{"id":228,"text":"وقد حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لو خيرت بين المسجد والجنة لاخترت المسجد، لأنه حق الله تعالى، والجنة حظ النفس، ومن ثمة اختار بعض الأولياء طول البقاء في الدنيا على الموت مع وجود اللقاء في العقبى، كذا قاله علي القاري.\rومن المسألة المختلف فيها قولهم: المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، فالناظم المحقق أشار إليها بقوله:\rقدْ يخطئُ المرءُ في فتواه مجتهداً……كحُكمِ داودَ مع فتيا سليمانِ\rيقال: أخطأ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمداً أو سهواً، ويقال: خطئ بالكسر بمعنى أخطأ أيضاً، وقيل: خطئ إذا تعمد وأخطأ إذا لم يتعمد، كذا في النهاية، فقول الناظم: يخطئ مضارع أخطأ لا خطئ، فافهم.\rوالمراد من الشخص المجتهد، وهنا حذف معطوف مع العاطف للضرورة، والتقدير: وقد يصيب المرء في اجتهاده.\rيقال: استفتاه في مسألة فأفتاه، والاسم الفتوى والفتيا أيضاً.\rقال في المفاتيح: الفتوى الحكم على ظاهر الأشياء، وهي غير التقوى.\rوفي العرائس: الفتوى هي الجواب الجديد في حادثة.\rقوله: كحكم داود، خبر مبتدأ محذوف، أي مثال وقوع الخطأ في الاجتهاد والإصابة فيه مثل حكم داود عليه السلام مع فتيا ابنه سليمان عليها السلام.\rوفي إدخال كملة مع على فتيا سلميان إشارة إلى إصابة سليمان في الحكم ورجوع داود عليه السلام إلى حكمه، إذ روي أن داود عليه السلام قال حين حكم سليمان: القضاء ما قضيت.\rوتحقيق هذا المقام على ما قاله أهل الكلام أن المسألة الاجتهادية إما أن يكون لله تعالى فيها حكم معين قبل اجتهاد المجتهد أو لا يكون، وحينئذ إما أن لا يكون من الله تعالى دليل أو يكون، وذلك الدليل إما قطعي أو ظني، فذهب إلى كل احتمال جماعة، فحصل أربعة مذاهب:\rالأول: أن لا حكم في المسألة قبل الاجتهاد، بل الحكم ما أدى إليه رأي المجتهد، فعلى هذا قد يتعدد الأحكام الحقة في حادثة واحدة، ويكون كل مجتهد مصيباً، وإليه ذهب عامة المعتزلة.","part":1,"page":227},{"id":229,"text":"ثم اختلفوا فذهب بعضهم إلى استواء الحكمين في الحقية، وبعضهم إلى كون أحدهما أحق.\rالثاني: أن الحكم معين، ولا دليل عليه منه تعالى، والعثور عليه كالعثور على دفين، وإليه ذهب طائفة من الفقهاء والمتكلمين.\rالثالث: أن الحكم معين وعليه دليل قطعي، والمجتهد مأمور بطلبه، وإليه ذهب طائفة من المتكلمين.\rالرابع: وهو المختار أن الحكم معين وعليه دليل ظني، إن وجده المجتهد أصاب، وإن فقده أخطأ، والمجتهد غير مكلف بإصابته لغموضه وخفائه، فلذلك كان المخطئ معذوراً بل مأجوراً، فلا خلاف في هذا المذهب في أن المخطئ ليس بآثم، وإنما الخلاف في أنه مخطئ ابتداء وانتهاء، أي بالنظر إلى الدليل والحكم معاً، وإليه ذهب بعض المشايخ، وهو مختار الشيخ أبي منصور، أو انتهاء فقط أي بالنظر إلى الحكم حيث أخطأ فيه، وإن أصاب في الدليل حيث أقامه على وجهه مستجمعاً شرائطه وأركانه فأتى بما كلف به من الاعتبار، وليس عليه إقامة الحجة القطعية التي مدلولها حق البتة، كذا قاله التفتازاني.\rثم الدليل على أن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب من وجوه:\rمنها ما أشار إليه الناظم المحقق من قصة داود مع ابنه سليمان، لأن الضمير في قوله تعالى: ?ففهمناها سليمان? راجع إلى الحكومة أو الفتيا، ولو كان من الاجتهادين صواباً لما كان لتخصيص سليمان بالذكر فائدة، لأن كلاً منهما قد أصاب الحكم، حينئذ وفهمه.","part":1,"page":228},{"id":230,"text":"وتوضيحه أن داود عليه السلام حكم بالغنم لصاحب الحرث وبالحرث لصاحب الغنم، وحكم سليمان بأن يكون الغنم لصاحب الحرث ينتفع بها ويقوم صاحب الغنم على الحرث حتى يرجع كل واحد منهما إلى ملكه، وكان حكم داود بالاجتهاد دون الوحي، وإلا لما جاز لسليمان خلافه ولداود الرجوع عنه، ولو كان كل من الاجتهادين حقاً لكان كل منهما قد أصاب الحكم وفهمه، ولم يكن لتخصيص سليمان بالذكر وجه، فإنه وإن لم يدل على نفي الحكم عما عداه دلالة كلية لكنه يدل عليه في هذا الموضع بمعونة المقام كما لا يخفى على من له معرفة بأقانين الكلام.\rوهذا مبني على جواز اجتهاد الأنبياء عليهم السلام وتجويز وقوعهم في الخطأ، لكن بشرط أن ينبهوا حتى ينتبهوا.\rوقد يجاب بأن المعنى ففهمنا سليمان الفتوى أو الحكومة التي هي أحق وأولى، بدليل قوله تعالى: ?وكلاً آتينا حكماً وعلماً? فإنه يفهم منه إصابتهما في فصل الخصومات والعلم بأمر الدين، وبدليل قول سليمان: غير هذا أوفق للفريقين أو أرفق، كأنه قال: هذا حق وغيره أحق.\rومنها الأحاديث والآثار الدالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، بحيث صارت متواترة المعنى، قال عليه السلام: (إذا أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة)، وفي حديث آخر: (جعل الله للمصيب أجرين، وللمخطئ أجراً واحداً) وهو أجر الكد والتعب، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن أصبت فمن الله، وإلا فمني ومن الشيطان، وقد اشتهر تخطئة الصحابة بعضهم بعضاً في الاجتهاديات.\rوتحقيق باقي الأدلة والجواب عن تمسكات المخالفين مذكورة في المطولات.","part":1,"page":229},{"id":231,"text":"ومن أجل هذه المسألة لم ينقل عن الأئمة الكرام والعلماء الأعلام جواز اللعن على معاوية وأتباعه، لأنه أخطأ في اجتهاده، إلا أنهم اختلفوا في ابنه يزيد، فالأكثرون على منع اللعن عليه، وبعضهم جوزه، ومع هذا لو ترك واحد اللعن عليه لا يعاقب يوم القيامة، لأن من ترك اللعن على إبليس مع كونه ملعوناً لا يستحق العقاب، فيزيد لا يزيد عليه مفسدة، كما قال الناظم:\rولا عقابَ بترك اللعن من أحد…في حق إبليس وهو الكافر الجاني\rفلعن يزيدٍ يزيد منه مفسدة … فاسكت ولا ترض لوماً باسم لعان\rالواو لعطف مسألة على مسألة.\rوعقاب اسم لا، وخبره محذوف، وهو موجود.\rوالترك مصدر تركا لشيء خلاه، مضاف إلى مفعوله.\rوقوله: أحد فاعله في المعنى، وزيادة من جائزة في المثبت على قول، أي ولا عقاب موجود بترك أحد اللعن.\r[و] في المختار: اللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى.\rقيل: اللعن على نوعين: أحدهما الطرد والإبعاد من الله تعالى، وذلك لا يكون إلا للكافر، وثانيهما الإبعاد من درجة الأبرار من العباد ومقام الصالحين من الزهاد، وذلك لا يكون إلا للمؤمن العاصي، لأن مذهب أهل السنة أن المؤمن لا يخرج من الإيمان بارتكاب المعاصي.\rقوله: في حق إبليس ظرف مستقر صفة للعن، يقال: إبليس من رحمة الله أي يأس، ومنه سمي إبليس، وكان اسمه عزازيل، والإبلاس أيضاً الانكسار والحزن، وهو غير منصرف للعلمية والوصفية الأصلية.\rقوله: وهو الكافر الجاني جملة حالية بالواو والضمير معاً، وسكون الهاء من هو بعد الواو لغة، واختير هنا للضرورة.\rوتعريف المسند بالألف واللام لقصر المسند على المسند إليه على وجه المبالغة والإدعاء.","part":1,"page":230},{"id":232,"text":"قوله: الجاني اسم فاعل من الجناية، بمعنى الذنب والجرم، وذكره لمجرد إتمام البيت وإكماله، وإلا فكل كافر جان ولا عكس، ويمكن أن يكون المراد بالكافر في علم الله والجاني الصابر إلى الكفر بسبب جنايته على نفسه بأن نسب خالقه إلى الجور والظلم وأظهر من ذلك فحوى قوله: ?أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين?، ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم، وهذا وجه كفره لعنه الله لا تركه للسجود.\rفائدة:\rقال العراقي: اتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم عليه السلام، وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود، وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافراً، وليس كذلك، ولا كان كفره لكونه حسد آدم عليه السلام على منزلته من الله تعالى، وإلا لكان كل حاسد كافراً، ولا كان كفره لعصيانه وفسقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافراً.\rوقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبة الحق جل وعلا إلى الجور والظلم والتصرف الذي ليس بمرضي، وأظهر ذلك من فحوى قوله: ?أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين?، ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم، وهذا وجه كفره لعنه الله تعالى، كذا ذكره الإمام الدميري.\rويزيد هو يزيد بن معاوية، وتنوينه للضرورة، وضمير منه راجع إلى إبليس في البيت الأول.\rوالمفسدة واحدة المفاسد، بمعنى الفساد.\rوفي المختار: المفسدة ضد المصلحة.\rوالفاء في قوله: فاسكت فاء فصيحة، أي إذا كان الحال على هذا المنوال فاسكت عن اللعن والجدال.\rوفي لفظ اسكت إشارة إلى منع اللاعن عن لعنه بالفعل، لأن هذا القول لا يقال إلا بعد تكلم الرجل بكلام غير لائق له، ويؤيد هذا قوله: ولا ترض لوماً باسم لعان، يعني: ولا تكن راضياً بلحوق لوم الناس بسبب اسم هو اللعان.","part":1,"page":231},{"id":233,"text":"وتفصيل هذا المقام أنهم قالوا: لم ينقل عن الأئمة الكرام والعلماء الفخام جواز اللعن على معاوية وأمثاله، كيف وقد قال عليه السلام: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقال: (الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم)، وقال علي رضي الله عنه في حق معاوية وأتباعه من أهل الشام وغيرهم: إخواننا بغوا علينا، ومنع أصحابه عن اللعن عليهم.\rإلا أنهم اختلفوا في ابنه يزيد فذكر في بعض الفتاوى أنه لا ينبغي اللعن عليه ولا على يوسف الحجاج لورود النهي عن لعن أهل القبلة، وأما ما روي من أن النبي عليه السلام كان يلعن بعضهم فلعلمه بهم، فلو أوتيت بمثل ما أوتي به لكان لك ذلك.\rوهذا القول هو المختار عند الناظم، لما أنه قال: لا عقاب على أحد بترك اللعن على إبليس الذي هو الكامل في الكفر والجناية، ولا شك أن يزيد وأحزابه لا يزيدون منه في الجناية والمفسدة، فاسكت في حقهم إذ النجاء حينئذ في السكوت.\rوقال الإمام الغزالي: وبالجملة ففي لعن الأشخاص خطر، فليجتنب عنه، فلا خطر في السكوت عن لعن إبليس فضلاً عن غيره.\rومنهم من جوز اللعن على يزيد كالرافضة والخوارج وبعض المعتزلة بأن قالوا: رضاه بقتل الحسين واستبشاره وإهانة أهل بيت النبوة مما تواتر معناه، كما ذهب إليه التفتازاني.\rورد بأنه لم يثبت بطريق الآحاد، فكيف يدعى التواتر في مقام المراد، مع أنه نقل في التمهيد عن بعضهم أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين وإنما أمرهم بطلب البيعة أو بأخذه وحمله إليه، فهم قتلوه من غير حكمه، على أن الأمر بقتل الحسين بل قتله ليس موجباً للعنه على مقتضى مذهب أهل السنة من أن صاحب الكبيرة لا يكفر، كذا قاله علي القاري.","part":1,"page":232},{"id":234,"text":"ولما فرغ من بيان حقيقة الإيمان وما يتفرع عليه من الزيادة والنقصان، شرع في بيان ما هو السبب لحفظ الإيمان والأبدان ودفع الضرر المظنون عن أهل البلدان، وهو نصب الإمام من خواص الأنام، ممن اتصف بالشوكة والقوة على تنفيذ الأحكام وإقامة حدود الشرع بين ذوي الأجرام، فقال الناظم:\rنصب الإمام علينا واجب سمعاً… لدفع مظنون إضرار وطغيان\rيقال: نصب الشيء نصباً من باب ضرب، إذا أقامه.\rوالنصب بوزن الضرب أيضاً ما نصب وعبد من دون الله تعالى.\rوالمراد به هنا هو المعنى الأول، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله عبارة عن المسلمين، أي نحن معاشر المسلمين نصبنا إماماً قادراً على تنفيذ أحكامنا، واجب علينا.\rقوله: سمعاً أي من جهة الدليل السمعي لا العقلي، كما قالت الزيدية وأكثر المعتزلة، وبه أشار المحقق إلى أن مذهب أهل السنة والجماعة من أن نصب الإمام واجب على الخلق لا على الله تعالى، بدليل سمعي لا بدليل عقلي، وسيأتي تفصيل المذاهب الممكنة هاهنا.\rقوله: لدفع مظنون إضرار وطغيان، أراد بالإضرار نهب الأموال وغصبها، وبالطغيان سفك الدماء والقتال.\rوالناظم أشار بهذا إلى حكمة الإمامة، وهي رعاية أحوال الناس ودفع الفتن وقمع المعاندين، كذا قاله صاحب المعارف في شرح الصحائف، ومن خيل إليه أنه دليل أصل المسألة فقد دقق النظر، فتدبر.\rثم اعلم أن الإمامة هي رياسة لحفظ مصالح الناس في الدين والدنيا، وحكمة الإمامة وغايتها رعاية أحوال الناس ودفع الفتن وقمع المعاندين، كما مر.\rقيل: مباحث الإمامة وإن كانت من الفقه لكن لما شاع بين الناس في الإمامة اعتقادات فاسدة ومالت فرق أهل البدع والأهواء إلى تعصبات باردة تفضي إلى رفض كثير من قواعد الدين ونقض عقائد المسلمين والقدح في الخلفاء الراشدين، ألحقت تلك المباحث بالكلام، وأدرجت في تعريضه عوناً للقاصرين وصوناً للأئمة المهتدين عن مطاعن المبتدعين.","part":1,"page":233},{"id":235,"text":"ثم اعلم أن هذه المسألة مشتملة على ثلاثة مباحث: فالأول في وجوب نصب الإمام، والثاني في بيان شرائطها، والثالث في بيان تعينه.\rأما الأول:\rفقد اختلفت الأمة، فمنهم من ذهب إلى [أن] نصب الإمام واجب علينا بالدليل السمعي، وهو مذهب أهل السنة، وإليه أشار الناظم بهذا البيت، ومنهم من ذهب إلى أنه واجب على الله تعالى عقلاً، وهو مذهب الإمامية والإسماعيلية، ومنهم من ذهب إلى أنه واجب علينا بالدليل العقلي، وهو مذهب أكثر المعتزلة والزيدية، ومنهم من ذهب إلى أنه لم يجب نصب الإمام على الله تعالى ولا علينا مطلقاً في شيء من الأوقات، بل هو من الأمور الجائزة، وهو مذهب الخوارج، وقيل: عند الأمن من الفتنة، وقيل: بل بالعكس.\rوأما دليل أهل السنة فمن وجوه:\rالأول: قوله عليه السلام: (من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية).\rوالثاني: الإجماع المنعقد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على امتناع خلو كل عصر من خليفة وإمام ليقوم بأمر الدين القيم.\rوالثالث: ما أشار إليه الناظم المحقق من أن فيه دفعاً للضرر المظنون في العباد، وكل ما هو كذلك فهو واجب، أما الصغرى فيشهد بصحتها ما يشاهد من استيلاء الفتن وتكثر المحن بمجرد موت من يتصدى برعاية بيضة الإسلام، فكيف ظنك فيمن أقام جميع مصالح الأنام، وأما الكبرى فبالإجماع، لأن دفع المضار واجب على المسلمين بإجماع الأنبياء عليهم السلام وباتفاق العقلاء في جميع الأديان، فيجب نصب الإمام علينا، لأن دفع المضرة واجب، وهو يتوقف على نصب الإمام، والموقوف عليه الواجب أولى أن يكون واجباً.\rوإنما كان هذا الدليل سمعياً لأن بعض مقدماته إجماع الأنبياء، وباعتبار هذا صار نقلياً، كذا قاله صاحب الانتقاد.","part":1,"page":234},{"id":236,"text":"فإن قيل: كما أن نصب الإمام يقتضي هذه المصالح التي ذكرتم فقد يحتمل مفاسد أيضاً، إذ ربما يستنكف الناس عن طاعته، فيزداد الفساد أو يستولي على الناس فيظلمهم، أو يحتاج لدفع المعارض وتقوية الرياسة إلى مزيد مال، لأنه حينئذ يحتاج إلى خرج كثير، فيغصب المال منهم.\rأجيب: بأن ما ذكرتم من الاحتمالات وإن كانت جائزة لكنها مرجوحة مكسورة، لأنها إذا قوبلت المفاسد الحاصلة من عدم الإمام المطاع بالمفاسد الحاصلة من وجوده كانت المفاسد الحاصلة من عدمه أزيد من المفاسد الحاصلة من وجوده، وعند التعارض يعتبر الراجح دون المرجوح، فإن ترك الخير الكثير لأجل التوقي عن الشر القليل شر كثير، كذا قالوا.\rوأما المبحث الثاني:\rفقد قيل: اعلم أن شرائط الإمامة كثيرة، بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه.\rأما المتفق عليه فخمسة لا تنعقد الإمامة بدونها بالاتفاق:\rالأول: أن يكون حراً، لأن العبد حقير بين الناس، مشتغل بخدمة السيد، والإمام يجب أن يكون معظماً بين الناس حتى يكون مطاعاً، وأن لا يكون مشتغلاً بخدمة أحد حتى يحصل الفراغ لقيام مصالح الأمة، ولأن العبد لا ولاية له لنفسه فيكف يكون له ولاية لغيره ؟‍!\rوالثاني: أن يكون ذكراً، لأن المرأة لا تصلح لإظهار القهر والغلبة وجر العساكر وتدبير الحروب غالباً، كما أشار النبي عليه السلام بقوله: (كيف يفلح قوم تملكهم امرأة)، ولأن النساء ناقصات عقل ودين والإمام يجب أن يكون موصوفاً بكمال العقل والدين.\rوالثالث: أن يكون بالغاً لأن الغالب من حال الصبيان أن لا تحصل لهم هذه الصفات التي هي تدبير الحروب والقهر والغلبة وإظهار السياسة وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالإمامة، ولأنه لا ولاية لنفسه فكيف يكون له ولاية لغيره.\rوالرابع: أن يكون عاقلاً، لأن الصفات المذكورة لا تحصل للمجنون، فلا تحصل له الإمامة.","part":1,"page":235},{"id":237,"text":"والخامس: أن يكون شجاعاً حتى يقوى على ذب الظلمة ورعاية الإسلام، لأنه لو لم يكن شجاعاً لم يحصل به ما نصب الإمام لأجله، وهو المقاتلة وجر العساكر وإظهار السياسة، كذا ذكره صاحب التبصرة.\rوأما المختلف فيه فستة:\rالأول: أن يكون ظاهراً في كل وقت، ولا يكون مختفياً ولا منتظراً، خلافاً للروافض.\rوالثاني: أن يكون قرشياً، خلافاً للضرارية والكعبي.\rوالثالث: أن لا يشترط أن يكون معصوماً، خلافاً للشيعة الشنيعة، قال صاحب المقاصد: مقصودهم بذلك نفي إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.\rوالرابع: أن لا يشترط أن يكون أفضل زمانه، وإن كان هو الأولى، خلافاً لجمهور الراوفض.\rوالخامس: أن يكون الإمام واحداً، خلافاً لبعض أهل السنة، فإنه يجوز عندهم نصب الإمامين في عصر واحد، كما ذهب إليه صاحب الصحائف حيث قال: يجوز نصب الإمامين إذا تباعد البلدان بحيث لا يصل المدد من أحدهما إلى الآخر، وأدلة كل واحد من الطرفين مع أجوبتها مذكورة في المطولات، ومن أراد التفصيل فليراجع إلى المطولات.\rتتمة:\rقيل: إذا تعدد عقد الإمامة في بلد أو بلاد، فالأول أولى، فيجب إمضاؤه ولو أمر الآخر يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله، فإن كانا في آن واحد ولم يعلم أيهما أقدم يجب استئناف العقد لمن وقع عليه الاجتهاد.\rوقال الغزالي: فإن اجتمع عدة من الموصوفين بهذه الصفات فالإمام من انعقدت له البيعة من أكثر الخلق، والمخالف يجب رده إلى الانقياد إلى الحق.\rقال ابن الهمام: وكلام غيره من أهل السنة باعتبار السبق، كذا قاله علي القاري.","part":1,"page":236},{"id":238,"text":"وأما المبحث الثالث: الذي هو في بيان تعيين الإمام وتنصيصه من الشارع فقد اختلفوا في تنصيص النبي عليه السلام على إمام بعده، فذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والخوارج إلى نفيه، وذهب آخرون إلى إثباته، ثم اختلف المثبتون فقال الحسن البصري: إنه عليه السلام نص على أبي بكر رضي الله عنه نصاً خفياً، قال: (مروا لأبي بكر ليصل بالناس)، وقال بعض أصحاب الحديث: إنه عليه السلام نص عليه نصاً جلياً، وهو قوله عليه السلام: (ائتوني بدواة وقرطاس لأكتبن لأبي بكر كتاباً لا يختلف فيه اثنان، يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)، وإلى هذا النص أشار الناظم بقوله:\rإمامنا بإشارات الرسول أبو بكر كما أجمع القاصي مع الداني\rوبعده قد نص أبو بكر لفاروق… وبعده صار شورى بين أركان\rومن إشارات الرسول قوله: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)، وقوله عليه السلام: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً) أي ينال الرعية منهم ظلم، كأنهم يعضون عضاً، وكان خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثني عشر سنة، وخلافة علي ست سنين.\rومنها ما تقدم من قوله عليه السلام: (ائتوني بدواة وقرطاس لأكتبن..) إلى آخره، فإن هذه الأحاديث إشارة، بل تصريحاً بحقة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، كما ادعاه أصحاب الحديث، لكن العمدة في إثبات خلافته إجماع الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا، كما صرح به الناظم المحقق بقوله: كما أجمع القاصي مع الداني.\rفالمراد بالداني هو الصحابة، وبالقاصي من بعدهم من القرون، ويحتمل أن يراد بالداني من اجتمع في سقيفة بني ساعدة، وبالقاصي الذين كانوا خارجين عنها، كذا قاله المولى الخيالي.","part":1,"page":237},{"id":239,"text":"وقد علم مما سبق من النقل في حقية خلافة أبي بكر رضي الله عنه حقية خلافة عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، إلا أن العمدة في إمامة عمر نص أبي بكر باستخلافه، وإليه أشار الناظم المحقق بقوله: وبعده قد نص أبو بكر لفاروق، أي بعدما ثبت نص الرسول لإمامة أبي بكر ثبت أن أبا بكر نص الفاروق، فإنه دعا في مرضه الذي توفي منه عثمان بن عفان داره أن اكتب: هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده من الدنيا وأول عهده من العقبى، يوقن فيها الفاجر ويؤمن فيها الكافر، إني استخلفت عمر بن الخطاب، فإن أحسن السيرة فذلك ظني والخير الذي أردته، وإلا (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).\rوأما العمدة في إمامة عثمان وعلي فهي البيعة، كما أشار إليه الناظم بقوله: وبعده صار شورى بين أركان.\rوأراد بالأركان عثمان وعلياً وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وذلك أن عمر رضي الله عنه لما استشهد ترك الخلافة شورى فيما بينهم، وهم قد فوضوا الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف ورضوا بمن اختاره، فاختار عثمان وبايعه بمحضر من الصحابة، فبايعوه وانقادوا لأمره، وأقاموا معه الجمع والأعياد، فكان إجماعاً، وهذا معنى قول الناظم المحقق رحمة الله عليه:\rفسلمت خمسة منهم لسادسهم … فبايعون بطوع بين أعيان\rأي سلمت خمسة من الصحابة، وهم علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص بعد المشورة أمر الخلافة لسادسهم وهو عثمان بن عفان، فبايع كل واحد منهم لذلك السادس بطوع ورضاء بين أعيان من الصحابة، فيكون المراد من الأعيان غير الخمسة المذكورة، والناظم بين ذلك السادس بقوله:\rوذاك عثمان ثم القوم جلتهم ……قد بايعوا بعلي عقد رضوان\rالمبايعة عبارة عن المعاقدة والمعاهدة على الإسلام والنصر، ويقال لها بيعة، ومنها بيعة الإمام.\rوجلة القوم كبيرهم.","part":1,"page":238},{"id":240,"text":"وأراد بالقوم هنا كبار المهاجرين والأنصار، فإنهم لما استشهد عثمان اجتمعوا على علي رضي الله عنه، والتمسوا منه قبول الخلافة، وبايعوه، لأنه كان أفضل أهل عصره وأولاهم بالخلافة.\rوأشار الناظم إلى التماسهم بقول: عقد رضوان.\rوالحاصل أن خلافة علي صارت باجتهاد كبار الصحابة واتفاقهم، لا بنص صريح من رسول الله عليه السلام كما ادعاه الشيعة، وأشار إلى رد ادعائهم بقوله:\rلا نص فيه جلياً بل قد اجتهدوا… لكن معاوية المخطئ كمروان\rالضمير في فيه راجع إلى أمر الخلافة، والجلي الواضح، وضمير اجتهدوا راجع إلى القوم، وهم الصحابة الكرام نور الله مراقدهم إلى يوم القيامة.\rوهنا حذف المعطوف مع العاطف، وقد اجتهدوا أو أصابوا في اجتهادهم.\rقوله: لكن معاوية المخطئ جملة اسمية عطف على ذلك المعطوف، وتعريف لفظ المخطئ لقصر المسند على المسند إليه، ويقرأ بحذف الهمزة للضرورة.\rقوله: كمروان، خبر مبتدأ محذوف، أي خطأ مثل خطأ مروان، وقد مر أن المخطئ في الاجتهاد معذور، بل مأجور.\rوالمعنى أنه لم يوجد نص صريح ولا حكم واضح يدل على خلافة علي كرم الله وجهه، بل إنما تثبت باجتهاد أدلة الصحابة واتفاقهم على أنه أولى وأفضل من أهل عصره، فلهذا خالفهم معاوية، وأدى رأيه إلى خلافته، لكنه أخطأ، فهو معذور، بل هو مأجور، فلا نذكره إلا بالبر، وبه أمر الناظم فقال:\rواذكر صحاب رسول الله قاطبة … بالبر والخير واهجر طعن طعان\rلقوله عليه السلام: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقوله عليه السلام: (أكرموا أصحابي فإنهم خياركم)، وقوله: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله تعالى يوشك أن يأخذه) وكالأحاديث الصحيحة المنقولة في مناقبهم كما في الصحيحين وغيرهما.","part":1,"page":239},{"id":241,"text":"قيل: وما وقع فيما بينهم من المحاربات والمنازعات فينبغي أن يحمل على محملات وتأويلات صحيحة، ولا يطعن بها فيهم، ومن سبهم وطعن فيهم يخاف أن يقع في الكفر ويعد من أهل الأهواء والابتداع، فإن كلهم بذلوا للدين مهجهم وأرواحهم، وللشريعة كانوا خير أنصار، وبعضهم نظم هذا المعنى في بيت، وألحق به بيتين آخرين، وجعل هذه الأبيات الثلاثة من تتمة القصيدة اللطيفة، فقال:\rوكلهم بذلوا للدين مهجتهم... وللشريعة كانوا خير أعوان\rيا رب لا تسلبني حبهم أبداً ...من قال: آمين يأمن سلب إيمان\rودام نصرة من بالخير يذكرني ... ما اخضرَّ وجه الربى من قطر نيسان\rوالظاهر أن هذه الأبيات الثلاثة ليست من كلام الناظم، ولهذا لم يذكرها الشارح الأول، وهو المولى الخيالي، ولو كانت من كلام الناظم لشرحها.\rوهذا آخر ما قصدناه، وتتمة ما أردناه من شرح هذه القصيدة الفاخرة، فنسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، وأن يختم لنا بالإيمان ويحفظنا من شر الأعداء والشيطان، وأن يجعل هذا الشرح خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً لحصول رضوانه بدار النعيم.\rولما كان أصله جامعاً للفرائد، سميته بـ ?خير القلائد شرح جواهر العقائد?، فالمأمول من العلماء الفحول أن ينظروا إليه بنظر القبول، ولا ينظروا إليه بعين الغفلة والذهول، لأن كل ما ذكر فيه مأخوذ من الكتب المؤلفة في الأصول، فلا عجب إن وجدوا فيه خللاً أن الخالي عنه كلام من عز وعلا.\rوالحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على نبيه باطناً وظاهراً، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\rوكان الفراغ من طبع هذا الكتاب(1) بمطبعة الأحوج إلى هداية ربه الوهاب، محمد أسعد، برخصت نظارت المعارف الجليلة، في وسط شهر صفر الخير، سنة إحدى وثلاثمائة بعد الألف، من هجرة من له العزُّ والشرف.\r__________\r(1) هذا تاريخ الطبعة الأولى واليتيمة للكتاب.","part":1,"page":240}],"titles":[{"id":1,"title":"خير القلائد شرح جواهر العقائد","lvl":1,"sub":0}]}