{"pages":[{"id":1,"text":"مسالك الحنفا في والدي المصطفى\r\rلجلال الدين السيوطي رحمه الله","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.\rمسألة - الحكم في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم إنهما ناجيان وليسا في النار صرح بذلك جمع من العلماء، ولهم في تقرير ذلك مسالك:\rالمسلك الأول:\rأنهما ماتا قبل البعثة ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقد أطبقت أئمتنا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا وأنه لا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام وأنه إذا قتل يضمن بالدية والكفارة نص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه وسائر الأصحاب بل زاد بعض الأصحاب وقال أنه يجب في قتله القصاص ولكن الصحيح خلافه لأنه ليس بمسلم حقيقي وشرط القصاص المكافأة. وقد علل بعض الفقهاء كونه إذا مات لا يعذب بأنه على أصل الفطرة ولم يقع منه عناد ولا جاءه رسول فكذبه. وهذا المسلك أول ما سمعته في هذا المقام الذي نحن فيه من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي فإنه سئل عن والد النبي صلى الله عليه وسلم هل هو في النار فزأر في السائل زأرة شديدة فقال له السائل هل ثبت إسلامه فقال إنه مات في الفترة ولا تعذيب قبل البعثة، ونقله سبط ابن الجوزي في كتاب مرآة الزمان عن جماعة فإنه حكى كلام جده على حديث إحياء أمه صلى الله عليه وسلم ثم قال ما نصه: وقال قوم\r[ص 403]\rقد قال الله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) والدعوة لم تبلغ أباه وأمه فما ذنبهما. وجزم به الأبي في شرح مسلم وسأذكر عبارته. وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم يتمحنون يوم القيامة وآيات مشيرة إلى عدم تعذيبهم وإلى ذلك مال حافظ العصر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر في بعض كتبه فقال:","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"((والظن بآله صلى الله عليه وسلم يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له صلى الله عليه وسلم لتقربهم عينه.))\rثم رأيته قال في الإصابة: ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أكمه أعمى أصم ومن ولد مجنونا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحو ذلك أن كلا منهم يدلي بحجة ويقول لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال أدخلوها فمن دخلها كانت له بردا وسلاما ومن امتنع أدخلها كرها هذا معنى ما ورد من ذلك.\rقال: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد قال ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعا فينجو إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن وثبت أنه في ضحضاح من نار، وقد جعلت قصة الامتحان داخلة في هذا المسلك مع أن الظاهر أنها مسلك مستقل لكني وجدت ذلك لمعنى دقيق لا يخفى على ذوي التحقيق.\r(ذكر الآيات المشيرة إلى ذلك):\rالأولى:\rقوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وهذه الآية هي التي اطبقت أئمة السنة على الاستدلال بها في أنه لا تعذيب قبل البعثة وردوا بها على المعتزلة ومن وافقهم في تحكم العقل. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في قوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) قال إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبر أو تأتيه من الله بينة.\rالآية الثانية:\rقوله تعالى (ذلك إن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) أورد هذه الآية الزركشي في شرح جمع الجوامع استدلالا على قاعدة أن شكر المنعم ليس بواجب عقلا بل بالسمع.\rالثالثة:\rقوله تعالى (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين)\r[ص 404]\rأورد هذه الزركشي أيضا. وأخرج ابن أبي خاتم في تفسيره عند هذه الآية بسند حسن عن أبي سعيد الخدري","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول ثم قرأ هذه الآية (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين).\rالرابعة:\rقوله تعالى (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى).\rأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية عن عطية العوفي قال الهالك في الفترة يقول رب لم يأتني كتاب ولا رسول وقرأ هذه الآية لو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا - إلى آخر الآية.\rالخامسة:\rقوله تعالى (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا).\rأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس وقتادة في الآية قالا لم يهلك الله ملة حتى يبعث إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فلما كذبوا وظلموا بذلك هلكوا.\rالسادسة:\rقوله تعالى (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين).\rالسابعة:\rقوله تعالى ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين). أخرج عبد بن حميدو ابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن قتادة في الآية قال ما أهلك الله من قرية إلا من بعد الحجة والبينة والعذر حتى يرسل الرسل وينزل الكتب تذكرة لهم وموعظة وحجة لله ذكرى وما كنا ظالمين. يقول ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة. الثامنة: قوله تعالى (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم وما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) قال المفسرون احتج عليهم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو المراد بالنذير في الآية.\r(ذكر الأحاديث الواردة في أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع منهم أدخل الجنة ومن عصى أدخل النار):\rالحديث الأول:\rأخرج الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد وصححه عن\r[ص 405]","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربعة يمتحنون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما اسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن أدخلوا النار فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها.\rالحديث الثاني:\rأخرج أحمد وإسحاق بن راهوية في مسنديهما وابن مردويه في تفسيره والبيهقي في الاعتقاد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربعة يمتحنون فذكر مثل حديث الأسود بن سريع سواء.\rالحديث الثالث:\rأخرج البزار في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود فيقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ويقول المعتوه أي رب لم أجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول المولود لم أدرك العمل قال فيرفع لهم؟ فيقال لهم ردوها أو قال ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك؟ ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل فيقول تبارك وتعالى واياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب، في إسناده عطية العوفي فيه ضعف والترمذي يحسن حديثه وهذا الحديث له شواهد تقتضي الحكم بحسنه وثبوته.\rالحديث الرابع:","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"أخرج البزار وأبو يعلى في مسنديهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بأربعة يوم القيام بالمولود والمعتوه ومن مات الفترة وبالشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الله تبارك وتعالى لعنق من جهنم أبرزي فيقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه فيقول من كتب الله عليه الشقاء يا رب أتدخلناها ومنها كنا نفرق ومن كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعا فيقول الله قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشد\r[ص 406]\rتكذيبا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار.\rالحديث الخامس:\rأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام ثم أرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار فيقولون كيف ولم تأتنا رسل قال وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) إسناده صحيح على شرط الشيخين ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع.\rالحديث السادس:","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"أخرج البزار والحاكم في مستدركه عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم وعلى ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم أريتكم أن أمرتكم بأمر تطيعوني فيقولون نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخولها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا أجرنا منها فيقول لهم الم تزعموا أني أن أمرتكم بأمر تطيعوني فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول ادخلوها داخرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوها أول مرة كانت عليم بردا وسلاما قال الحاكم صحيح على شرط البخاري ومسلم.\rالحديث السابع:\rأخرج الطبراني وأبو نعيم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يأتي يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول الممسوخ عقلا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد بعقله مني وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك فيقول الرب إني آمركم بأمر فتطيعون فيقولون نعم فيقول اذهبوا فادخلوا النار قال ولو دخلوها ما ضرتهم فتخرج عليهم فرائص فيظنون\r[ص 407]\rأنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك فيقول الرب قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون ضميهم فتأخذهم.\rقال الكيا الهراسي في تعليقه في الأصول في مسألة شكر المنعم:","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبة أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول ولا يتلقى حكم من قضيات العقول فأما من عدا أهل الحق من طبقات الخلق كالرافضة والكرامية والمعتزلة وغيرهم فإنهم ذهبوا إلى أن الأحكام منقسمة فمنها ما يتلقى من الشرع المنقول ومنها ما يتلقى من قضيات العقول قال: وأما نحن فنقول لا يجب شيء قبل مجيء الرسول فإذا ظهر واقام المعجزة تمكن العاقل من النظر فنقول لا يعلم أول الواجبات إلا بالسمع فإذا جاء الرسول وجب عليه النظر وعند هذا يسأل المستطرفون فيقولون ما الواجب الذي هو طاعة وليس بقربة وجوابه أن النظر الذي هو أول الواجبات طاعة وليس بقربة لأنه ينظر للمعرفة فهو مطيع وليس بمتقرب لأنه إنما يتقرب إلى من يعرفه، قال وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئا حسنا فقال قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق إذ ما من خاطر يعرض له إلا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة فيجب التوقف إلى أن تنكشف الغمة وليس ذلك إلا بمجيء الرسول وههنا قال الأستاذ أبو إسحاق أن قول لا أدري نصف العلم ومعناه أنه انتهى علمي إلى حد وقف عند مجازه العقل وهذا إنما يقوله من دقق في العلم وعرف مجاري العقل مما لا يجري فيه ويقف عنده انتهى.\rوقال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول:\rشكر المنعم لا يجب عقلا خلافا للمعتزلة لنا أنه لو تحقق الوجوب قبل البعثة لعذب تاركه فلا وجوب أما الملازمة فبينة وأما أنه لا تعذيب فلقوله سبحانه ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) نفى التعذيب إلى غاية البعثة فينتفي وإلا وقع الخلف في قول الله وهو محال انتهى. وذكر أتباعه مثل ذلك كصاحب الحاصل والتحصيل والبيضاوي\r[ص 408]","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"في منهاجه. وقال القاضي تاج الدين السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب على مسألة شكر المنعم تتخرج مسألة من لم تبلغه الدعوة فعندنا يموت ناجيا ولا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام وهو مضمون بالكفارة والدية ولا يجب القصاص على قاتله على الصحيح. وقال البغوي في التهذيب أما من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام فإن قتل قبل أن يدعي إلى الإسلام وجب في قتله الدية والكفارة وعند أبي حنيفة لا يجب الضمان بقتله وأصله أنه عندهم محجوج عليه بعقله وعندنا هو غير محجوج عليه قبل بلوغ الدعوة إليه لقوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فثبت أنه لا حجة عليه قبل مجيء الرسول انتهى. وقال الرافعي في الشرح من لم تبلغه الدعوة لا يجوز قتله قبل الإعلام والدعاء إلى الإسلام ولو قتل كان مضمونا خلافا لأبي حنيفة وبني الخلاف على أنه محجوج عليه بالعقل عنده وعندنا من لم تبلغه الدعوى لا تثبت عليه الحجة ولا تتوجه المؤاخذة قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) انتهى.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"وقال الغزال في البسيط من لم تبلغه الدعوة يضمن بالدية والكفارة لا بالقصاص على الصحيح لأنه ليس مسلما على التحقيق وإنما هو في معنى المسلم. وقال ابن الرفعة في الكفاية لأنه مولود على الفطرة ولم يظهر منه عناد. وقال النووي في شرح مسلم في مسألة أطفال المشركين المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون أنهم في الجنة لقوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) قال وإذا كان لا يعذب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى. انتهى فإن قلت هذا المسلك الذي قررته هل هو عام في أهل الجاهلية كلهم. قلت لا بل هو خاص بمن لم تبلغه دعوة نبي أصلا. أما من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثم أصر على كفره فهو في النار قطعا وهذا لا نزاع فيه. وأما الأبوان الشريفان فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه هذه الطائفة من عدم بلوغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أمور تأخر زمانهما وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم عيسى عليه السلام\r[ص 409]\rوكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا نحو ستمائة سنة ثم أنهما كانا في زمن جاهلية وقد طبق الجهل الأرض شرقا وغربا وفقد من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفرا يسيرا من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض كالشام وغيرها ولم يعهد لهما تقلب في الأسفار سوى إلى المدينة ولا عمرا عمرا طويلا بحيث يقع لهما فيه التنقيب والتفتيش فإن والد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش من العمر إلا قليلا.\rقال الإمام الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه الدرة السنية في مولد سيد البرية:","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"كان سن عبد الله حين حملت منه آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمانية عشر عاما ثم ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمرا لأهله فمات بها عند أخواله من بني النجار والنبي صلى الله عليه وسلم حمل على الصحيح انتهى. وأمه قريبة من ذلك لاسيما وهي امرأة مصونة محجبة في البيت عن الاجتماع بالرجال والغالب على النساء أنهن لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع خصوصا في زمان الجاهلية الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلا عن نسائه. ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا أبعث الله بشرا رسولا. وقالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بعث بما هم عليه فإنهم لم يجدو من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها وفقد من يعرفها إذ كان بينهم وبين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة فاتضح بذلك صحة دخولهما في هذا المسلك.\rثم رأيت الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال في أماليه ما نصه كل نبي إنما أرسل إلى قومه إلا نبينا صلى الله عليه وسلم قال فعلى هذا يكون ما عدا قوم كل نبي من أهل الفترة إلا ذرية النبي السابق فإنهم مخاطبون ببعثة السابق إلا أن تدرس شريعة السابق فيصير الكل من أهل الفترة. هذا كلامه فبان بذلك أن الوالدين الشريفين من أهل الفترة بلا شك لأنهما ليسا من ذرية عيسى ولا من قومه ثم يرشح ما قال حافظ العصر أبو الفضل بن حجر أن الظن بهما أن يطيعا عند الامتحان أمران أحدهما: ما أخرجه الحاكم في المستدرك\r[ص 410]","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"وصححه عن ابن مسعود قال قال شاب من الأنصار لم أر رجلا كان أكثر سؤالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه يا رسول الله أرأيت أبواك في النار فقال ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما وإني لقائم يومئذ المقام المحمود. فهذا الحديث يشعر بأنه يرتجي لهما الخير عند قيامه المقام المحمود وذلك بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة ولا شك في أنه يقال له عند قيامه ذلك المقام سل تعط واشفع تشفع مكان في الأحاديث الصحيحة فإذا سأل ذلك أعطيه.\rالأمر الثاني ما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) قال من رضا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. ولهذا عمم الحافظ ابن حجر في قوله الظن بآل بيته كلهم أن يطيعوا عند الامتحان.\rوحديث ثالث أخرج أبو سعد في شرف النبوة والملا في سيرته عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت ربي أن لا يدخل النار أحدا من أهل بيتي فأعطاني ذلك أورده الحافظ محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى.\rوحديث رابع أصرح من هذين: أخرج تمام الرازي في فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية- أورده المحب الطبري وهو من الحفاظ والفقهاء في كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى وقال إن ثبت فهو مؤول في أبي طالب على ما ورد في الصحيح من تخفيف العذاب عنه بشفاعته انتهى.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"وإنما احتاج إلى تأويله في أبي طالب دون الثلاثة أبيه وأمه وأخيه يعني من الرضاعة لأن أبا طالب أدرك البعثة ولم يسلم والثلاثة ماتوا في الفترة. وقد ورد هذا الحديث من طريق آخر اضعف من هذا الطريق من حديث ابن عباس أخرجه أبو نعيم وغيره وفيه التصريح بأن الأخ من الرضاعة. فهذه أحاديث عدة يشد بعضها بعضا فإن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة طرقه وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه.\rومما يرشح ما نحن فيه ما أخرجه ابن أبي الدنيا قال ثنا القاسم بن هاشم\r[ص 411]\rالسمسار ثنا مقاتل بن سليمان الرملي عن ابي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سالت ربي أبناء العشرين من أمتي فوهبهم لي. ومما ينضم إلى ذلك وأن لم يكن صريحا في المقصود ما أخرجه الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من أشفع له يوم القيامة أهل بيتي ثم الأقرب فالأقرب، وما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى وعزاه لأحمد في المناقب عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم. وهذا أخرجه الخطيب في تاريخه من حديث يغنم عن أنس.\rوما أورده أيضا وعزاه لابن البختري عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال\r((ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا ينتفع بلى حتى تبلغ حاكم وهم أحد قبيلتين من اليمن إني لأشفع فأشفع حتى أن من أشفع له ليشفع فيشفع حتى أن إبليس ليتطاول طمعا في الشفاعة.))\rونحو هذا ما أخرجه الطبراني من حديث أم هاني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي وأن شفاعتي تناول حاوحكم.))\r\" لطيفة\":","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"نقل الزركشي في الخادم عن ابن دحية أنه جعل من أنواع الشفاعات التخفيف عن أبي لهب في كل يوم اثنين لسروره بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وأعتاقه ثويبة حين بشر به. قال وإنما هي كرامة له صلى الله عليه وسلم.\rتنبيه: ثم رأيت الإمام أبا عبد الله محمد بن خلف الأبي بسط الكلام على هذه المسألة في شرح مسلم عند حديث إن أبي واباك في النار فأورد قول النووي فيه أن من مات كافرا في النار ولا تنفعه قرابة الأقربين ثم قال قلت أنظر هذا الإطلاق وقد قال السهيلي ليس لنا أن نقول ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات. وقال تعالى ( إن الذين يؤذون الله ورسوله) ولعله يصح ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا ولا يعجز الله سبحانه شيء ثم أورد قول النووي وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأنه\r[ص 412]","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الرسل. ثم قال قلت تأمل ما في كلامه من التنافي فإن من بلغتهم الدعوى ليسوا بأهل فترة فإن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول ولا أدركوا الثاني كالإعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين ولكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنما يعنون التي بين عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم. ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن وغيره. قلت أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة: الأول: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع. الثاني قصر التعذيب على هؤلاء والله أعلم. الثالث قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير الشرائع وشرع من الضلال ما لا يعذر به فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام:\rالأول\rمن أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعته كقس بن ساعدة وزيد ابن عمرو بن نفيل ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم كتبع وقومه.\rالقسم الثاني\rمن بدل وغير وأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلل وحرم وهم الأكثر كعمرو بن لحي أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام فبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي وزادت طائفة من العرب على ما شرعه أن عبدوا الجن والملائكة وحرقوا البنين والبنات واتخذوا بيوتا جعلوا لها سدنة وحجابا يضاهون بها الكعبة كاللات والعزى ومناة.\rالقسم الثالث\rمن لم يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينا بل بقي عمره على حال غفلة عن هذا كله وفي الجاهلية من كان كذلك.","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما لا يعذبون به. وأما القسم الثالث فهم أهل الفترة حقيقة وهم غير معذبين للقطع كما تقدم. وأما القسم الأول فقد قال صلى الله عليه وسلم في كل من قس وزيد أنه يبعث أمة وحده. وأما تبع ونحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحد\r[ص 413]\rمنهم الإسلام الناسخ لكل دين انتهى ما أورده الآبي.\rالمسلك الثاني :\rأنهما لم يثبت عنهما شرك بل كانا على الحنيفية دين جدهما إبراهيم عليه السلام كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهما وهذا المسلك ذهبت إليه طائفة منهم الإمام فخر الدين الرازي: فقال في كتابه أسرار التنزيل ما نصه. قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه: منها أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه: منها قوله تعالى ( الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين قيل معناه أنه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمه أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى- (وتقلبك في الساجدين) على وجوه أخرى. وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين قوله عليه السلام لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات. وقال تعالى (إنما المشركون نجس) فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركا. هذا كلام الإمام فخر الدين بحروفه وناهيك به إمامة وجلالة فإنه أمام أهل السنة في زمانه والقائم بالرد على فرق المبتدعة في وقته والناصر لمذهب الأشاعرة في عصره وهو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"ليجدد لهذه الأمة أمر دينها. وعندي في نصرة هذا المسلك وما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور: أحدها دليل استنبطته مركب من مقدمتين: الأولى أن الأحاديث الصحيحة على أن كل أصل من أصول النبي صلى الله عليه وسلم من آدم إلى أبيه عبد الله فهو من خير أهل قرنه وأفضلهم. والثانية أن الأحاديث والآثار دلت على انه لم تخل الأرض من عهد نوح أو آدم إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ثم إلى أن تقوم الساعة من ناس على الفطرة يعبدون الله ويوحدونه ويصلون له وبهم تحفظ الأرض ولولاهم\r[ص 414]\rلهلكت الأرض ومن عليها. وإذا قارنت بين هاتين المقدمتين أنتج منها قطعا أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فيهم مشرك لأنه قد ثبت في كل منهم أنه من خير قرنه فإن كان الناس الذين هم على الفطرة هم إياهم فهو المدعي وأن كانوا غيرهم وهم على الشرك لزم أحد أمرين إما أن يكون المشرك خيرا من المسلم وهو باطل بالإجماع وإما أن يكون غيرهم خيرا منهم وهو باطل لمخالفة الأحاديث الصحيحة فوجب قطعا أن لا يكون فيهم مشرك ليكونوا من خير أهل الأرض كل في قرنه.\r(ذكر أدلة المقدمة الأولى):\rأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه.\rوأخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا.\rواخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طرق عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"وأخرج مسلم والترمذي وصححه عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم. وقد أخرجه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس من حديث واثلة بلفظ أن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتخذه خليلا واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزار ثم اصطفى من ولد نزار مضر ثم اصطفى من مضر كنانة ثم اصطفى من كنانة قريشا ثم اصطفى من قريش بني هاشم ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبد المطلب أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى.\rوأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير العرب\r[ص 415]\rمضر وخير مضر بنو عبد مناف وخير عبد مناف بنو هاشم وخير بني هاشم بنو عبد المطلب والله ما افترق فرقتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما.\rوأخرج الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم فأنا من خيار إلى خيار.\rوأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن ابن عباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حين خلقني جعلني من خير خلقه ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة وحين خلق النفس جعلني من خير أنفسهم ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم بيتا وخيرهم نفسا.","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا.\rوأخرج أبو علي بن شاذان فيما أورده المحب الطبري في ذخائر العقبى وهو في مسند البزار عن ابن عباس قال دخل ناس من قريش على صفية بنت عبد المطلب فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية فقالت صفية منا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا تنبت النخلة أو الشجرة في الأرض الكبا فذكرت ذلك صفية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وأمر بلالا فنادى في الناس فقام على المنبر فقال أيها الناس من أنا قالوا أنت رسول الله قال أنسبوني قالوا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قال فما بال أقوام ينزلون أصلي فو الله إني لأفضلهم أصلا وخيرهم موضعا.\rوأخرج الحاكم عن ربيعة بن الحارث قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قوما نالوا منه فقالوا إنما مثل محمد كمثل نخلة نبتت في كناس فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين فجعلني في خير الفرقتين ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلا ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم\r[ص 416]\rبيتا ثم قال أنا خيركم قبيلا وخيركم بيتا.\rوأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد ولم أجد نبي أب أفضل من بني هاشم. قال الحافظ ابن حجر في أماليه لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن ومن المعلوم أن الخيرية والاصطفاء والاختيار من الله والأفضلية عنده لا تكون مع الشرك.\r(ذكر أدلة المقدمة الثانية):","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"قال عبد الرزاق في المصنف عن معر عن ابن جريج قال: قال ابن المسيب قال علي بن أبي طالب لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدا فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع. وقد أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن الذبري عن عبد الرزاق به.\rوأخرج ابن جرير في تفسيره عن شهر بن حوشب قال لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض وتخرج بركتها إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده.\rوأخرج ابن المنذر في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى (قلنا اهبطوا منها جميعا فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي - الآية) قال ما زال لله في الأرض أولياء منذ هبط آدم ما أخلى الله الأرض لإبليس إلا وفيها أولياء له يعملون لله بطاعته. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر روى ابن القاسم عن مالك قال بلغني عن ابن عباس أنه قال لا يزال لله تعالى في الأرض ولي ما دام فيها للشيطان ولي. وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس قال ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض، هذا أيضا له حكم الرفع.\rوأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن زهير بن محمد قال لم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدا لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها.\rوأخرج الجندي في فضائل مكة عن مجاهد قال لم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعدا لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.\rوأخرج الإمام أحمد في الزهد عن كعب قال لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة\r[ص 417]\rعشر يدفع بهم العذاب.\rواخرج الخلال في كرامات الأولياء عن زادان قال ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعدا يدفع الله بهم عن أهل الأرض.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"وأخرج ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن ابن جريج في قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) قال فلن يزال من ذرية إبراهيم صلى الله عليه وسلم ناس على الفطرة يعبدون الله وإنما وقع التقييد في هذه الآثار الثلاثة بقوله من بعد نوح لأنه من قبل نوح كان الناس كلهم على الهدى.\rوأخرج البزار في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفاسيرهم والحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس في قوله تعالى (كان الناس أمة واحدة) قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين قال وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود كان الناس أمة واحدة فاختلفوا.\rوأخرج أبو يعلى والطبراني وابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس في قوله كان الناس أمة واحدة قال على الإسلام كلهم.\rوأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله نوحا وكان أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض.\rوأخرج ابن سعد في الطبقات من وجه آخر عن ابن عباس قال ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام. وأخرج ابن سعد من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عكرمة قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.\rوفي التنزيل حكاية عن نوح عليه السلام (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا) وولد نوح سام مؤمن بالإجماع والنص لأنه نجا مع أبيه في السفينة ولم ينج فيها إلا مؤمن.\rوفي التنزيل (وجعلنا ذريته هم الباقين) بل ورد في أثر أنه كان نبيا أخرجه ابن سعد في الطبقات والزبير بن بكار في الموفقيات وابن عساكر في تاريخه عن الكلبي وولده ارفخشد صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر. وفيه أنه أدرك جده نوحا وأنه دعا له أن يجعل الله الملك والنبوة في ولده ولد ارفخشد إلى تارح ورد التصريح بإيمانهم في\r[ص 418]","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"أثر، أخرج ابن سعد في الطبقات من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط من السفينة هبط إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتا فسميت سوق الثمانين فغرق بنو قابيل كلهم وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإسلام ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل حتى ملكهم نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم نمروذ إلى عبادة الأوثان ففعلوا، هذا لفظ هذا الأثر.\rفعرف من مجموع هذه الآثار أن أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمروذ. وفي زمنه كان إبراهيم عليه السلام وآزر فإن آزر والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب وأن كان عمه فلا استثناء. وهذا القول أعني أن آزر ليس أبا إبراهيم ورد عن جماعة من السلف. أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس في قوله (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) قال إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما كان تارح.\rوأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق بعضها صحيح عن مجاهد قال ليس آزر أبا إبراهيم. وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج في قوله (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) قال ليس آزر بابيه إنما هو إبراهيم بن تيرح أو تارح بن شاروخ بن ناحور بن فالخ.","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السدي أنه قيل له اسم أبي إبراهيم آزر فقال بل اسمه تارح. وقد وجه من حيث اللغة بأن العرب تطلق لفظ الأب على العم إطلاقا شائعا وإن كان مجازا، وفي التنزيل ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد آلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) فأطلق على إسماعيل لفظ الأب وهو عم يعقوب كما أطلق على إبراهيم وهو جده. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول الجد أب ويتلو (قالوا نعبد آلهك وإله آبائك الآية): وأخرج عن أبي العالية في قوله وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل قال سمي العم أبا. وأخرج عن محمد بن كعب\r[ص 419]\rالقرظي قال الخال والد والعم والد وتلا هذه الآية. فهذه أقوال السلف من الصحابة والتابعين في ذلك.\rويرشحه أيضا ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن سليمان بن صرد قال لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار جعلوا يجمعون الحطب حتى إن كانت العجوز لتجمع الحطب فلما أن أرادوا أن يلقوه في النار قال حسبي الله ونعم الوكيل فلما ألقوه قال الله (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) فقال عم إبراهيم من أجلي دفع عنه فأرسل الله عليه شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته. فقد صرح في هذا الأثر بعم إبراهيم وفيه فائدة أخرى وهو أنه هلك في أيام إلقاء إبراهيم في النار.\rوقد أخبر الله سبحانه في القرآن بأن إبراهيم ترك الاستغفار له لما تبين له أنه عدو لله ووردت الآثار بأن ذلك تبين له لما مات مشركا وأنه لم يستغفر له بعد ذلك. أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات فلما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له.","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"وأخرج عن محمد بن كعب وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم قالوا كان يرجوه في حياته فلما مات على شركه تبرأ منه ثم هاجر إبراهيم عقب واقعة النار إلى الشام كما نص الله على ذلك في القرآن ثم بعد مدة من مهاجره دخل مصر واتفق له فيها مع الجبار ما اتفق بسبب سارة وأخدمه هاجر ثم رجع إلى الشام ثم أمره الله أن ينقلها وولدها إسماعيل إلى مكة فنقلهما ودعا فقال (ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع) إلى قوله ( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) فاستغفر لوالديه وذلك بعد هلاك عمه بمدة طويلة. فيستنبط من هذا أن الذكر في القرآن بالكفر والتبري من الاستغفار له هو عمه لا أبوه الحقيقي فلله الحمد على ما ألهم.\rروى ابن سعد في الطبقات عن الكلبي قال هاجر إبراهيم من بابل إلى الشام وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة فأتى حران فأقام بها زمانا ثم أتى الأردن فأقام بها زمانا ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانا ثم رجع إلى الشام فنزل السبع أرضا بين ايلياء وفلسطين ثم أن بعض أهل البلد آذوه فتحول من عندهم فنزل منزلا بين الرملة وإيلياء. وروى ابن سعد عن الواقدي\r[ص 420]\rقال ولد لإبراهيم إسماعيل وهو ابن تسعين سنة فعرف من هذين الأثرين أن بين هجرته من بابل عقب واقعة النار وبين الدعوة التي دعا بها بمكة بضعا وخمسين سنة.\rتتميم:\rثم استمر التوحيد في ولد إبراهيم وإسماعيل قال الشهرستاني في الملل والنحل كان دين إبراهيم قائما والتوحيد في صدر العرب شائعا وأول من غيره واتخذ عبادة الأصنام عمرو بن لحي.","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"قلت وقد صح بذلك الحديث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب. وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو لن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه بالنار أنه أول من غير دين إبراهيم - ولفظ ابن إسحاق أنه كان أول من غير دين إسماعيل- ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي، وله طريق أخرى. وأخرج البزار في مسنده بسند صحيح عن أنس قال كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام وكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك قال فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك.\rقال السهيلي في الروض الأنف كان عمر بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهم عن مكة قد جعلته العرب ربا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم. وقد ذكر ابن إسحاق أنه أول من أدخل الأصنام الحرم وحمل الناس على عبادتها وكانت التلبية من عهد إبراهيم لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك حتى كان عمرو بن لحي فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فقال عمرو لبيك لا شريك لك فقال الشيخ إلا شريكا هو لك فأنكر ذلك عمرو وقال\r[ص 421]\rوما هذا فقال الشيخ قل تملكه وما مالك فإنه لا بأس بهذا فقالها عمرو ودانت بها العرب انتهى كلام السهيلي.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن ولي عمرو بن عامر الخزاعي مكة وانتزع ولاية البيت من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم فأحدث عمرو المذكور عبادة الأصنام وشرع للعرب الضلالات من السوائب وغيرها وزاد في التلبية بعد قوله لبيك لا شريك لك قوله إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فهو أول من قال ذلك وتبعته العرب على الشرك فشابهوا بذلك قوم نوح وسائر الأمم المتقدمة وفيهم على ذلك بقايا من دين إبراهيم. وكانت مدة ولاية خزاعة على البيت ثلثمائة سنة وكانت ولايتهم مشئومة إلى أن جاء قصي جد النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلهم واستعان على حربهم بالعرب وانتزع ولاية البيت منهم إلا أن العرب بعد ذلك لم ترجع عما كان أحدثه لها عمرو الخزاعي من عبادة الأصنام وغير ذلك لأنهم رأوا ذلك دينا في نفسه لا ينبغي أن يغير انتهى.\rفثبت أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو كلهم مؤمنون بيقين. ونأخذ في الكلام على الباقي وعلى زيادة توضيح لهذا القدر.","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"الأمر الثاني: مما ينتصر به لهذا المسلك آيات وآثار وردت في ذرية إبراهيم وعقبه. الآية الأولى وهي أصرحها قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه) أخرج عبد بن حميد في تفسيره بسنده عن ابن عباس في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال لا إله إلا الله باقية في عقب إبراهيم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال لا إله إلا الله. وقال عبد بن حميد حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال شهادة أن لا اله إلا الله والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده. وقال عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله وجعلها كلمة باقية في عقبه قال الإخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده أخرجه\r[ص 422]\rابن المنذر ثم قال وقال ابن جريج في الآية في عقب إبراهيم فلم يزل بعد من ذرية إبراهيم من يوحد الله ويعبده أخرجه ابن المنذر ثم قال وقال ابن جريج في الآية في عقب إبراهيم فلم يزل بعد من ذرية إبراهيم من يقول لا إله إلا الله قال وقول آخر فلم يزل ناس من ذريته على الفطرة يعبدون الله حتى تقوم الساعة. وأخرج عبد بن حميد عن الزهري في الآية قال العقب ولده الذكور والإناث وأولاد الذكور.\rوأخرج عن عطاء قال العقب ولده وعصبته.","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"الآية الثانية: قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام). أخرج ابن جرير في تفسيره عن مجاهد في هذه الآية قال فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته واستجاب الله له وجعل هذا البلد آمنا ورزق أهله من الثمرات وجعله إماما وجعل من ذريته من يقيم الصلاة. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن وهب بن منبه أن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فذكر الحديث بطوله في قصة البيت الحرام وفيه من قول الله لآدم في حق إبراهيم عليهما السلام واجعله أمة واحدا قانتا بأمري داعيا إلى سبيلي اجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم استجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم واجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته الحديث، هذا الأثر موافق لقول مجاهد المذكور آنفا ولاشك أن ولاية البيت كانت معروفة بأجداد النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر ذرية إبراهيم إلى أن انتزعها منهم عمرو الخزاعي ثم عادت إليهم فعرف أن كل ما ذكر عن ذرية إبراهيم فإن أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة الذين خصوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحدا بعد واحد فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار إليهم في قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه سئل هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام قال لا ألم تسمع قوله (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) قيل فكيف لم يدخل ولد إسحاق وسائر ولد إبراهيم قال لأنه\r[ص 423]","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"دعا لأهل هذا البلد أن لا يعبدوا إذا أسكنهم إياه فقال اجعل هذا البلد آمنا ولم يدع لجميع البلد بذلك فقال (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) فيه وقد خص أهله وقال (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة). فانظر إلى هذا الجواب من سفيان بن عيينة وهو أحد الأئمة المجتهدين وهو شيخ إمامنا الإمام الشافعي رضي الله عنهما. الآية الثالثة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي). أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) قال فلن يزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله. آية رابعة أخرج أبو الشيخ في تفسيره عن زيد بن علي قال قالت سارة لما بشرتها الملائكة (يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب) فقالت الملائكة ترد على سارة (أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) قال فهو كقوله (فجعلها كلمة باقية في عقبة) فحمد صلى الله عليه وسلم وآله من عقب إبراهيم داخل في ذلك وقد أخرج ابن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير. وذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله أوحى إلى أرميا أن أذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب وأمر الله أرميا أن يحتمل معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل ارميا ذلك واحتمل معد إلى أرض الشام فنشأ مع بني إسرائيل ثم عاد بعد أن هدأت الفتن. وأخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبد الله بن خالد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا مضر فإنه كان قد أسلم. وقال السهيلي في الروض الأنف في الحديث المروي لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مؤمنين.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"قلت وقفت عليه مسندا فأخرجه أبو بكر محمد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع في كتاب الغرر من الأخبار قال حدثنا إسحاق بن داود بن عيسى المروزي ثنا أبو يعقوب الشعراني ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا عثمان بن قايد عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن رسول الله\r[ص 424]\rصلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مسلمين. واخرج بسنده عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا تميما وضبة فإنهما كانا مسلمين. وأخرج بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا قسا فإنه كان مسلما. ثم قال السهيلي ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا.\rوذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج. قال وكعب بن لؤي أول من جمع يوم العروبة وقيل هو أول من سماها الجمعة فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم بأتباعه والإيمان به وينشد في هذا أبياتا منها قوله:\rيا ليتني شاهدا فحواء دعوته * إذا قريش تبغي الحق خذلانا\rقال وقد ذكر الماوردي هذا الخبر عن كعب في كتاب الإعلام له انتهى. قلت هذا الخبر أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وفي آخره وكان بين موت كعب ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة والماوردي المذكور هو أحد أئمة أصحابنا وهو صاحب الحاوي الكبير له كتاب أعلام النبوة في مجلد كثير الفوائد وقد رأيته وسأنقل منه في هذا الكتاب.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"فحصل مما أوردناه أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم من عهد إبراهيم إلى كعب بن لؤي كانوا كلهم على دين إبراهيم وولد كعب مرة الظاهر أنه كذلك لأن أباه أوصاه بالإيمان وبقي بينه وبين عبد المطلب أربعة آباء وهم كلاب وقصي وعبد مناف وهاشم ولم أظفر فيهم بنقل لا بهذا ولا بهذا. وأما عبد المطلب ففيه ثلاثة أقوال: أحدها وهو الأشبه أنه لم تبلغه الدعوى لأجل الحديث الذي في البخاري وغيره. والثاني أنه كان على التوحيد وملة إبراهيم وهو ظاهر عموم كلام الإمام فخر الدين وما تقدم عن مجاهد وسفيان بن عيينة وغيرهما في تفسير الآيات السابقة. والثالث أن الله أحياه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى آمن به وأسلم ثم مات حكاه ابن سيد الناس وهذا أضعف الأقوال وأسقطها\r[ص 425]","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"وأوهاها لأنه لا دليل عليه ولم يرد قط في حديث لا ضعيف ولا غيره ولا قال هذا القول أحد من أئمة السنة إنما حكوه عن بعض الشيعة ولهذا اقتصر غالب المصنفين على حكاية القولين الأولين وسكتوا عن حكاية الثالث لأن خلاف الشيعة لا يعتد به قال السهيلي في الروض الأنف وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي طالب عند موته وعنده أبو جهل وابن أبي أمية فقال يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال له أبو جهل وابن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب فقال أنا على ملة عبد المطلب قال فظاهر هذا الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك قال ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافا في عبد المطلب وأنه قد قيل فيه مات مسلما لما رأى من الدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد فالله أعلم غير أن في مسند البزار وكتاب النسائي من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة وقد عزت قوما من الأنصار عن ميتهم لعلك بلغت معهم الكدى فقالت لا فقال لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك قال وقد خرجه أبو داود ولم يذكر فيه حتى يراها جد أبيك قال وفي قوله جد أبيك ولم يقل جدك تقوية للحديث الضعيف الذي قدمنا ذكره أن الله أحيا أباه وأمه وآمنا به فالله أعلم. قال ويحتمل أنه أراد تخويفها بذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم حق وبلوغها معهم الكدى لا يوجب خلودا في النار هذا كله كلام السهيلي بحروفه.","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"وقال الشهرستاني في الملل والنحل ظهر نور النبي صلى الله عليه وسلم في أسارير عبد المطلب بعض الظهور وببركة ذلك النور الهم النذر في ذبح ولده وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه أنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطلب في ذلك ففكر وقال والله\r[ص 426]\rإن وراء هذا الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته وببركة ذلك النور قال لأبرهة إن لهذا البيت ربا يحفظه ومنه قال وقد صعد أبا قبيس:\rلا هم إن المرء يمنع * رحله فامنع حلالك\rلا يغلبن صليبهم * ومحالهم عدوا محالك\rفانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك\rانتهى كلام الشهرستاني، ويناسق ما ذكره ما أخرجه ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال كانت الدية عشرا من الإبل وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل واقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وينضم إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انتسب إليه يوم حنين فقال:\rأنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"وهذا أقوى ما تقوى به مقالة الإمام فخر الدين ومن وافقه لأن الأحاديث وردت في النهى عن الانتساب إلى الآباء الكفار. روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي بن كعب ومعاذ بن جبل أن رجلين انتسبا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما أنا فلان ابن فلان أنا فلان بن فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انتسب رجلان على عهد موسى فقال أحدهما أنا فلان بن فلان إلى تسعة وقال الآخر أنا فلان بن فلان ابن الإسلام فأوحى الله إلى موسى هذان المنتسبان أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة آباء في النار فأنت عاشرهم في النار وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين فأنت ثالثهما في الجنة. وروى البيهقي أيضا عن أبي ريحانة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وشرفا فهو عاشرهم في النار. وروى البيهقي أيضا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما يدحدح الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية. وروى البيهقي أيضا عن\r[ص 427]","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وأوضح من ذلك في التقرير أن البيهقي أورد في شعب الإيمان حديث مسلم أن في أمتي أربعا من أمر الجاهلية ليسوا بتاركيهن الفخر في الأحساب - الحديث. وقال عقبة فإن عورض هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في اصطفائه من هاشم فقد قال الحليمي لم يرد بذلك الفخر إنما أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم كرجل يقول كان أبي فقيها لا يريد به الفخر وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه قال وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء انتهى. فقوله أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم أو الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر فيه تقوية لمقالة الإمام وإجرائها على عمومها كما لا يخفى إذ الاصطفاء لا يكون إلا لمن هو على التوحيد ولا شك أن الترجيح في عبد المطلب بخصوصه عسر جدا لأن حديث البخاري مصادم قوي. وأن أخذ في تأويله لم يوجد تأويل قريب والتأويل البعيد يأباه أهل الأصول ولهذا لما رأى السهيلي تصادم الأدلة فيه لم يقدر على الترجيح فوقف وقال فالله أعلم وهذا يصلح أن يعد قولا رابعا فيه وهو الوقف واكثر ما خطر لي في تأويل الحديث وجهان بعيدان فتركتهما وأما حديث النسائي فتأويله قريب وقد فتح السهيلي بابه وأن لم يستوفه وإنما سهل الترجيح في جانب عبد الله مع أن فيه معارضا قويا وهو حديث مسلم لأن ذاك سهل تأويله بتأويل قريب في غاية الجلاء والوضوح وقامت الأدلة على رجحان جانب التأويل فسهل المصير إليه والله أعلم. ثم رأيت الإمام أبا الحسن الماوردي أشار إلى نحو ما ذكره الإمام فخر الدين إلا أنه لم يصرح كتصريحه فقال في كتابه","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"أعلام النبوة لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخيرة خلقه لما كلفهم من القيام بحقه\r[ص 428]\rوالإرشاد لخلقه استخلصهم من أكرم العناصر واجتباهم بمحكم الأواصر فلم يكن لنسبهم من قدح ولمنصبهم من جرح لتكون القلوب لهم أصفى والنفوس لهم أوطا فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع ولأوامرهم أطوع وأن الله استخلص رسوله صلى الله عليه وسلم من أطيب المناكح وحماه من دنس الفواحش ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة وقد قال ابن عباس في تأويل قول الله (وتقلبك في الساجدين) أي تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيا فكان نور النبوة ظاهرا في آبائه ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه وقصور نسبهما عليه ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية ولتفرده نهاية فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل فيه فلذلك مات عنه أبواه في صغره. فأما أبوه فمات وهو حمل وأما أمه فماتت وهو ابن ست سنين. وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام ليس في آبائه مسترذل ولا مغموز مستبذل بل كلهم سادة قادة وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة انتهى كلام الماوردي بحروفه.\rوقال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن في قوله (وتقلبك في الساجدين) روى عن ابن عباس أنه قال تقلبه في الظهور حتى أخرجه نبيا. وما أحسن قول الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى:\rتنقل أحمد نورا عظيما * تلألأ في جباه الساجدينا\rتقلب فيهم قرنا فقرنا * إلى أن جاء خير المرسلينا\rوقال أيضا:\rحفظ الآله كرامة لمحمد * آباءه الأمجاد صونا لاسمه\rتركوا السفاح فلم يصبهم عاره * من آدم وإلى أبيه وأمه\rوقال الشرف البوصيري صاحب البردة:\rكيف ترقى رقيك الأنبياء * يا سماء ما طاولتها سماء\rلم يساووك في علاك وقد حا * ل سنى منك دونهم وسناء\r[ص 429]\rإنما مثلوا صفاتك للناس * كما مثل النجوم الماء\rأنت مصباح كل فضل فما تصدر * إلا عن ضوئك الأضواء","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"لك ذات العلوم من عالم الغيب * ومنه لآدم الأسماء\rلم تزل في ضمائر الغيب تختار * لك الأمهات والآباء\rما مضت فترة من الرسل إلا * بشرت قومها بك الأنبياء\rتتباهى بك العصور وتسمو * بك علياء بعدها علياء\rوبدا للوجود منك كريم * من كريم آباؤه كرماء\rنسب تحسب العلا بحلاه * قلدتها نجومها الجوزاء\rومنها:\rفهنيئا به لآمنة الفضل * الذي شرفت به حواء\rمن لحواء أنها حملت أحمد * أو أنها به نفساء\rيوم نالت بوضعه ابنة وهب * من فخار ما لم تنله النساء\rفأتت قومها بأفضل مما * حملت قبل مريم العذراء\r\" فائدة\": قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أبي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين آدم تسعة وأربعون أبا. الأمر الثالث: أثر ورد في أم النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.\rأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة بسند ضعيف من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت شهدت آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في علتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت:\rبارك فيك الله من غلام * يا ابن الذي من حرمة الحمام\rنجا بعون الملك المنعام * فودى غداة الضرب بالسهام\rبمائة من إبل سوام * أن صح ما أبصرت في المنام\rفأنت مبعوث إلى الأنام * من عند ذي الجلال والإكرام\rتبعث في الحل وفي الإحرام * تبعث بالتحقيق والإسلام\r[ص 430]\rدين أبيك البر إبراهام * فالله أنهاك عن الأصنام\rأن لا تواليها مع الأقوام\rثم قالت كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكرى باق وقد تركت خيرا وولدت طهرا ثم ماتت فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك:\rنبكي الفتاة البرة الأمينة * ذات الجمال العفة الرزينه\rزوجة عبد الله والقرينة * أم نبي الله ذي السكينة\rوصاحب المنبر بالمدينة * صارت لدى حفرتها رهينة.","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"فأنت ترى هذا الكلام منها صريحا في النهى عن موالاة الأصنام مع الأقوام والاعتراف بدين إبراهيم ويبعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الإجلال والإكرام بالإسلام. وهذه الألفاظ منافية للشرك وقولها تبعث بالتحقيق كذا هو في النسخة وعندي أنه تصحيف وإنما هو بالتخفيف ثم إني استقرأت أمهات الأنبياء عليهم السلام فوجدتهن مؤمنات فأم إسحاق وموسى وهرون وعيسى وحواء أم شيث مذكورات في القرآن بل قيل بنبوتهن ووردت الأحاديث بإيمان هاجر أم إسماعيل وأم يعقوب وأمهات أولاده وأم داود وسليمان وزكريا ويحيى وشمويل وشمعون وذي الكفل. ونص بعض المفسرين على إيمان أم نوح وأم إبراهيم ورجحه أبو حيان في تفسيره.\rوقد تقدم عن ابن عباس أنه لم يكن بين نوح وآدم والد كافر ولهذا قال (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا) وقال إبراهيم (رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) ولم يعتذر عن استغفار إبراهيم في القرآن إلا لأبيه خاصة دون أمه فدل على أنها كانت مؤمنة. وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس قال كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وإبراهيم. وإسماعيل. وإسحاق. ويعقوب. ومحمد عليهم السلام. وبنو إسرائيل كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر إلى أن بعث عيسى فكفر به من كفر فأمهات الأنبياء الذين من بني إسرائيل كلهم\r[ص 431]\rمؤمنات. وأيضا فغالب أنبياء نبي إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم فإن النبوة كانت تكون في سبط منهم يتناسلون كما هو معروف في أخبارهم.\rوأما العشرة المذكورون من غير بني إسرائيل فقد ثبت إيمان أم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبقي أم هود وصالح ولوط وشعيب يحتاج إلى نقل أو دليل والظاهر إن شاء الله تعالى إيمانهن","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"فكذلك أم النبي صلى الله عليه وسلم وكان السر في ذلك ما يرينه من النور كما ورد في الحديث. أخرج أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني عبد الله لخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين وأن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام. و\rلا شك أن الذي رأته أم النبي صلى الله عليه وسلم في حال حملها به وولادتها له من الآيات أكثر وأعظم مما رآه سائر أمهات الأنبياء كما سقنا الأخبار بذلك في كتاب المعجزات. وقد ذكر بعضهم أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت قال ومرضعاته أربع أمه وحليمة السعدية وثويبة وأم ايمن انتهى. فإن قلت فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرها وأنها في النار وهي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال ليت شعري ما فعل أبواي فنزلت (ولا تسال عن أصحاب الجحيم) وحديث أنه استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال لا تستغفر لمن مات مشركا، وحديث أنه نزل فيها (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) وحديث أنه قال لابني مليكة أمكما في النار فشق عليهما فدعاهما فقال إن أمي مع أمكما.\rقلت الجواب أن غالب ما يروى من ذلك ضعيف ولم يصح في أم النبي صلى الله عليه وسلم سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له ولم يصح أيضا في أبيه إلا حديث مسلم خاصة. وسيأتي الجواب عنهما. وأما الأحاديث التي ذكرت فحديث ليت شعري ما فعل أبواي فنزلت الآية لم يخرج في شيء من الكتب المعتمدة. وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به ولا يعول عليه ولو جئنا نحتج بالأحاديث الواهية لعارضناك بحديث واه أخرجه ابن الجوزي\r[ص 432]","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"من حديث علي مرفوعا هبط جبريل علي فقال إن الله يقرئك السلام ويقول إني حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك ويكون من باب معارضة الواهي بالواهي إلا أنا لا نرى ذلك ولا نحتج به، ثم إن هذا السبب مردود بوجوه أخرى من جهة الأصول والبلاغة وأسرار البيان وذلك أن الآيات من قبل هذه الآية ومن بعدها كلها في اليهود من قوله تعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) إلى قوله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) ولهذا ختمت القصة بمثل ما صدرت به وهو قوله تعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) الآيتين فتبين أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب.\rوقد ورد ذلك مصرحا به في الأثر:\rأخرج عبد بن حميدو الفريابي وابن جرير وابن المنذر في تفاسيرهم عن مجاهد قال من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل إسناده صحيح. ومما يؤكد ذلك أن السورة مدنية وأكثر ما خوطب فيها اليهود. ويرشح ذلك من حيث المناسبة أن الجحيم اسم لما عظم من النار كما هو مقتضى اللغة والآثار.","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله تعالى أصحاب الجحيم قال الجحيم ما عظم من النار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله تعالى (لها سبعة أبواب) قال أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية قال والجحيم فيها أبو جهل إسناده صحيح أيضا فاللائق بهذه المنزلة من عظم كفره واشتد وزره وعاند عند الدعوة وبدل وحرف وجحد بعد علم لا من هو بمظنة التخفيف وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذابا لقرابته منه صلى الله عليه وسلم وبره به مع اداركه الدعوة وامتناعه من الإجابة وطول عمره فما ظنك بأبويه اللذين هما أشد منه قربا وآكد حبا وابسط عذرا وأقصر عمرا فمعاذ الله أن يظن بهما انهما في طبقة الجحيم وأن يشدد عليهما العذاب العظيم هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق سليم. وأما حديث أن جبريل ضرب في صدره وقال\r[ص 433]\rلا تستغفر لمن مات مشركا فإن البزار أخرجه بسند فيه من لا يعرف.\rوأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضا والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب وقوله صلى الله عليه وسلم له لاستغفرن لك مالم أنه عنك.\rوأما حديث أمي مع أمكما فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال صحيح. وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرده بالتصحيح. ثم إن الذهبي في مختصر المستدرك لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح قال عقبه قلت لا والله فعثمان بن عمير ضعفه الدار قطني فبين الذهبي ضعف الحديث وحلف عليه يمينا شرعيا وإذا لم يكن في المسالة إلا أحاديث ضعيفة كان للنظر في غيرها مجال.","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"\"الأمر الرابع\": مما ينتصر به لهذا المسلك أنه قد ثبت عن جماعة كانوا في زمن الجاهلية أنهم تحنفوا وتدينوا بدين إبراهيم عليه السلام وتركوا الشرك فما المانع أن يكون أبوا النبي صلى الله عليه وسلم سلكوا سبيلهم في ذلك. قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في التلقيح تسمية من رفض عبادة الأصنام في الجاهلية: أبو بكر الصديق، زيد بن عمرو بن نفيل، عبيد الله بن جحش، عثمان بن الحويرث ورقة بن نوفل، رياب بن البراء، اسعد أبو كريب الحميري، قس بن ساعدة الأيادي، أبو قس بن صرمة انتهى. وقد وردت الأحاديث بتحنف زيد بن عمرو وورقة وقس، وقد روى ابن إسحاق وأصله في الصحيح تعليقا عن أسماء بنت أبي بكر قالت لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مستندا ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ثم يقول اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم. قلت وهذا يؤيد ما تقدم في المسلك الأول أنه لم يبق إذ ذاك من يبلغ الدعوة ويعرف حقيقتها على وجهها. وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن عمرو بن عبسة السلمي رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة.\rوأخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل من طريق الشعبي عن شيخ من جهينة أن عمير بن حبيب الجهني ترك الشرك في\r[ص 434]\rالجاهلية وصلى لله وعاش حتى أدرك الإسلام. وقال إمام الأشاعرة الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر ما زال بعين الرضا منه فاختلف الناس في مراده بهذا الكلام فقال بعضهم أن الأشعري يقول أن أبا بكر الصديق كان مؤمنا قبل البعثة وقال آخرون بل أراد أنه لم يزل بحالة غير مغضوب فيها عليه لعلم الله تعالى بأنه سيؤمن ويصير من خلاصة الأبرار.","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"قال الشيخ تقي الدين السبكي لو كان هذا مراده لاستوى الصديق وسائر الصحابة في ذلك. وهذه العبارة التي قالها الأشعري في حق الصديق لم تحفظ عنه في حق غيره فالصواب أن يقال أن الصديق لم يثبت عنه حالة كفر بالله فلعل حاله قبل البعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأقرانه فلهذا خصص الصديق بالذكر عن غيره من الصحابة انتهى كلام السبكي. قلت وكذلك نقول في حق أبوي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما لم يثبت عنهما حالة كفر بالله فلعل حالهما كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأبي بكر الصديق وأضرابهما مع أن الصديق وزيد بن عمرو إنما حصل لهما التحنف في الجاهلية ببركة النبي صلى الله عليه وسلم فإنهما كانا صديقين له قبل البعثة وكانا يوادانه كثيرا فأبوانه أولى بعود بركته عليهما وحفظهما مما كان عليه أهل الجاهلية. فإن قلت بقيت عقدة واحدة وهي ما رواه مسلم عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي قال في النار فلما قفى دعاه فقال إن أبي وأباك في النار، وحديث مسلم وأبي داود عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له فاحلل هذه العقدة. قلت على الرأس والعين: الجواب أن هذه اللفظة وهي قوله أن أبي وأباك في النار لم يتفق على ذكرها الرواة وإنما ذكرها حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وهي الطريق التي رواه مسلم منها وقد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر أن أبي وأباك في النار ولكن قال له إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار.\rوهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده صلى الله عليه وسلم بأمر البتة وهو أثبت من حيث الرواية فإن معمر اثبت من حماد فإن حمادا تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها ومن ثم لم يخرج له\r[ص 435]","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"البخاري شيئا ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت قال الحاكم في المدخل ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد خرج له في الشواهد عن طائفة؟ وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أين أبي قال في النار قال فأين أبوك قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار.\rوهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره. وقد زاد الطبراني والبيهقي في آخره قال فاسلم الأعرابي بعد فقال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. وقد أخرج ابن ماجه من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان فأين هو قال في النار قال فكأنه وجد من ذلك فقال يا رسول الله فأين أبوك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار قال فأسلم الأعرابي بعد قال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسعه إلا امتثاله ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة فعلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي رواه بالمعنى على حسب فهمه.","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه الراوي وغيره أثبت منه كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة. وقد أعله الإمام الشافعي رضي الله عنه بذلك وقال إن الثابت من طريق آخر نفى سماعها ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا\r[ص 436]\rالشافعي رضي الله عنه عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة. ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضا بما تقدم من الأدلة والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول. وبهذا الجواب الأخير يجاب عن حديث عدم الأذن في الاستغفار لأمه على أنه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة بدليل أنه كان في صدر الإسلام ممنوعا من الصلاة على من عليه دين وهو مسلم فلعله كانت عليها تبعات غير الكفر فمنع من الاستغفار لها بسببها. والجواب الأول اقعد وهذا تأويل في الجملة.","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"ثم رأيت طريقا أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر وأزيد وضوحا وذلك أنه صرح فيه بأن السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى الله عليه وسلم فعدل عن ذلك تجملا وتأدبا. فأخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن لقيط بن عامر أنه خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق فقال قدمنا المدينة لانسلاخ رجب فصلينا معه صلاة الغداة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا فذكر الحديث إلى أن قال فقلت يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا في جاهلية من خير فقال رجل من عرض قريش أن أباك المنتفق في النار فكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل فقلت وأهلك يا رسول الله فقال ما أتيت عليه من قبل قرشي أو عامري مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك. هذه رواية لا إشكال فيها وهي أوضح الروايات وأبينها. \"تقرير آخر\": ما المانع أن يكون قول السائل فأين أبوك وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس أن أبي أن ثبت المراد به عمه أبو طالب لا أبوه عبد الله كما قال بذلك الإمام فخر الدين في أبي إبراهيم أنه عمه وقد تقدم نقله عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج والسدي. ويرشحه هنا أمران: الأول أن إطلاق ذلك على أبي طالب كان شائعا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولذا كانوا يقولون له قل لابنك يرجع عن شتم آلهتنا وقال لهم أبو طالب مرة لما قالوا له\r[ص 437]\rأعطنا ابنك نقتله وخذ هذا الولد مكانه أعطيكم ابني تقتلونه وآخذ ابنكم أكفله لكم ولما سافر أبو طالب إلى الشام ومعه النبي صلى الله عليه وسلم نزل له بحيرا فقال له ما هذا منك قال هو ابني فقال ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا فكانت تسمية أبي طالب أبا للنبي صلى الله عليه وسلم شائعة عندهم لكونه عمه وكونه رباه وكفله من صغره وكان يحوطه ويحفظه وينصره فكان مظنة السؤال عنه.","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"والأمر الثاني أنه وقع في حديث يشبه هذا ذكر أبي طالب في ذيل القصة، أخرج الطبراني عن أم سلمة أن الحارث بن هشام أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع فقال يا رسول الله إنك تحث على صلة الرحم والإحسان إلى الجار وإيواء اليتيم وإطعام الضيف وإطعام المسكين وكل هذا كان يفعله هشام بن المغيرة فما ظنك به يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار. وقد وجدتعمي أبا طالب في طمطتم من النار فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إليّ فجعله في ضحضاح من النار.\r(تنبيه): قد استراح جماعة من هذه الأجوبة كلها وأجابوا عن الأحاديث الواردة فيها منسوخة كما أجابوا عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار وقالوا الناسخ لأحاديث أطفال المشركين قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولأحاديث الأبوين قوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ومن اللطائف كون الجملتين في الفريقين مقترنتين في آية واحدة متعاطفتين متناسقتين في النظم، وهذا الجواب مختصر مفيد يغني عن كل جواب إلا أنه إنما يتأتى على المسلك الأول دون الثاني كما هو واضح فلهذا احتجنا إلى تحرير الأجوبة عنها على المسلك الثاني.\r\"تتمة\" قد ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وانه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان يغلي منهما دماغه. وهذا مما يدل على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ليسا في النار لأنهما لو كان فيها لكانا أهون عذابا من أبي طالب لأنهما أقرب منه مكانا وأبسط عذرا فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابا\r[ص 438]\rفليس أبواه من أهلها، وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.\r(نصب ميداني جدلي):","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"المجادلون في هذا الزمان كثير خصوصا في هذه المسألة وأكثرهم ليس لهم معرفة بطرق الاستدلال فالكلام معهم ضائع غير أني أنظر الذي يجادل وأكلمه بطريقة تقرب من ذهنه فإنه أكثر ما عنده أن يقول الذي ثبت في صحيح مسلم يدل على خلاف ما تقول.\rفإن كان الذي يجادل بذلك من أهل مذهبنا شافعي المذهب أقول له:\rقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وأنت لا تصحح الصلاة بدون البسملة وثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون وأنت إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده تقول سمع الله لمن حمده مثله وإذا صلى جالسا لعذر وأنت قادر تصلي خلفه قائما لا جالسا. وثبت في الصحيحين في حديث التيمم إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ثم ضرب بيديه ضربة واحدة ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه وأنت لا تكتفي في التيمم بضربة واحدة ولا بالمسح إلى الكوعين فكيف خالفت الأحاديث التي تثبتت في الصحيحين أو أحدهما فلابد إن كانت عنده رائحة من العلم أن يقول قامت أدلة أخرى معارضة لهذه فقدمت عليها. فأقول له وهذا مثله لا يحتج عليه إلا بهذه الطريقة فإنها ملزمة له ولأمثاله.\rوإن كان المجادل مالكي المذهب أقول له:\rقد ثبت في الصحيحين البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وأنت لا تثبت خيار المجلس وثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ولم يمسح كل رأسه وأنت توجب في الوضوء مسح كل الرأس فكيف خالفت ما ثبت في الصحيح فيقول قامت أدلة أخرى معارضة له فقدمت عليه. فأقول له وهذا مثله.\rوإن كان المجادل حنفي المذهب أقول له:","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"قد ثبت في الصحيح إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا وأنت لا تشرط في النجاسة الكلبية سبعا وثبت في الصحيحين لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وأنت تصحح\r[ص 439]\rالصلاة بدونها وثبت في الصحيحين ثم ارفع حتى تعتدل قائما وأنت تصحح الصلاة بدون الطمأنينة في الاعتدال وصح في الحديث إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وأنت لا تعتبر القلتين وصح في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم باع المدبر وأنت لا تقول ببيع المدبر فكيف خالفت هذه الأحاديث الصحيحة. فيقول قامت أدلة أخرى معارضة لها تقدمت عليها. فأقول له وهذا مثله.\rوإن كان المجادل حنبلي المذهب أقول له:\rقد ثبت في الصحيحين من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم وثبت فيهما لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين وأنت تقول بصيام يوم الشك فكيف خالفت ما ثبت في الصحيحين فيقول قامت أدلة أخرى معارضة له فقدمت عليه. فأقول له وهذا مثله.\rهذا أقرب ما يقرب به لأذهان الناس اليوم. وإن كان المجادل ممن يكتب الحديث ولا فقه عنده يقال له قد قالت الأقدمون المحدث بلا فقه كعطار غير طبيب فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطار يعرف ما تصلح له الأدوية إلا أنها ليست عنده.\rوإني بحمد الله قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك فأنا أعرف كيف أتكلم وكيف أقول وكيف استدل وكيف ارجح وأما أنت يا أخي وفقني الله وإياك فلا يصلح لك ذلك لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيئا من الآلات والكلام في الحديث والاستدلال به ليس بالهين ولا يحل الإقدام على التكلم فيه لمن لم يجمع هذه العلوم فاقتصر على ما آتاك الله وهو أنك إذا سئلت عن حديث تقول ورد أو لم يرد وصححه الحفاظ وحسنوه وضعفوه ولا يحل لك في الإفتاء سوى هذا القدر وخل ما عدا ذلك لأهله:\rلا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"وثم أمر آخر أخاطب به كل ذي مذهب من مقلدي المذاهب الأربعة وذلك أن مسلما روى في صحيحه عن ابن عباس أن الطلاق الثلاث كان يجعل واحدة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من أمارة عمر. فأقول لكل طالب علم هل\r[ص 440]\rتقول أنت بمقتضى هذا الحديث وأن من قال لزوجته أنت طالق ثلاثا تطلق واحدة فقط فإن قال نعم أعرضت عنه وإن قال لا أقول له فكيف تخالف ما ثبت في صحيح مسلم فإن قال لما عارضه أقول له فاجعل هذا مثله والمقصود من سياق هذا كله أنه ليس كل حديث في صحيح مسلم يقال بمقتضاه لوجود المعارض له.\rالمسلك الثالث :\rأن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به. وهذا المسلك مال إليه طائفة كثيرة من حفاظ المحدثين وغيرهم منهم ابن شاهين والحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي والسهيلي والقرطبي والمحب الطبري والعلامة ناصر الدين بن المنير وغيرهم واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ والخطيب البغدادي في السابق واللاحق والدار قطني وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك بسند ضعيف عن عائشة قالت حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فنزل فمكث عني طويلا ثم عاد إلي وهو فرح مبتسم فقلت له فقال ذهبت لقبر أمي فسالت الله أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها الله. هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين بل قيل إنه موضوع لكن الصواب ضعفه لا وضعه وقد ألفت في بيان ذلك جزءا مفردا، وأورد السهيلي في الروض الأنف بسند قال أن فيه مجهولين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما. وقال السهيلي بعد إيراده الله قادر على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختص بما شاء من فضله وينعم عليه بما شاء من كرامته.","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"وقال القرطبي لا تعارض بين حديث الأحياء وحديث النهي عن الاستغفار فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما بدليل حديث عائشة أن ذلك كان في حجة الوداع ولذلك جعله ابن شاهين ناسخا لما ذكر من الأخبار. وقال العلامة ناصر الدين بن المنير المالكي في كتاب المقتفى في شرف المصطفى قد وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى نظير ما وقع لعيسى بن مريم إلى أن قال وجاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحي له\r[ص 441]\rأبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين. وقال القرطبي فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه قال وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلا ولا شرعا فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى قال وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته. وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته بعد ذكر قصة الأحياء والأحاديث الواردة في التعذيب وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل راقيا في المقامات السنية صاعدا في الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن وأن يكون الأحياء والإيمان متأخرا عن تلك الأحاديث فلا تعارض انتهى.\rوقد أشار إلى ذلك بعض العلماء فقال بعد إيراده خبر حلمه خبر حليمة وما أسره صلى الله عليه وسلم إليها حين قدومها عليه:\rهذا جزاء الأم عن إرضاعه * لكن جزاء الله عنه عظيم\rوكذاك أرجو أن يكون لأمه * عن ذاك آمنة يد ونعيم\rويكون أحياها الآله وآمنت * بمحمد فحديثها معلوم","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"فلربما سعدت به أيضا كما * سعدت به بعد الشقاء حليم\rوقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في مولد الهادي بعد إيراد الحديث المذكور منشدا لنفسه:\rحبا الله النبي مزيد فضل * على فضل وكان به رؤوفا\rفأحيا أمه وكذا أباه * لإيمان به فضلا لطيفا\rفسلم فالقديم بذا قدير * وإن كان الحديث به ضعيفا\r(خاتمة)\rوجمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك فأبقوا حديثي مسلم\r[ص 442]\rونحوهما على ظاهرهما من غير عدول عنها بدعوى نسخ ولا غيره ومع ذلك قالوا لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك. قال السهيلي في الروض الأنف بعد إيراده حديث مسلم وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى الله عليه وسلم لقوله \"لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات\" وقال تعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله) الآية. وسئل القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية عن رجل قال أن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار. فأجاب بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار. ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس وهو الوقف، قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير الله أعلم بحال أبويه.","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"وقال الباجي في شرح الموطأ قال بعض العلماء: أنه لا يجوز أن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بفعل مباح ولا غيره، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذي بمباح وليس لنا المنع منه ولا يأثم فاعل المباح وأن وصل بذلك أذى إلى غيره قال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إذ أراد علي بن أبي طالب أن يتزوج ابنة أبي جهل إنما فاطمة بضعة مني وإني لا احرم ما أحل الله ولكن والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبدا فجعل حكمهما في ذلك أنه لا يجوز أن يؤذى بمباح واحتج على ذلك بقوله تعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله) الآيتين فشرط على المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا وأطلق الأذى في خاصة النبي صلى الله عليه وسلم من غير شرط انتهى.\rواخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي أغنية قال حدثنا نوفل بن الفرات وكان عاملا لعمر بن عبد العزيز قال كان رجل من كتاب الشام مأمونا عندهم استعمل رجلا على كورة الشام وكان أبوه يزن بالمنانية فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال ما حملك على أن تستعمل رجلا على كورة من كور المسلمين كان أبوه يزن بالمنانية قال أصلح\r[ص 443]\rالله أمير المؤمنين وما على كان أبوه النبي صلى الله عليه وسلم مشركا فقال عمر آه ثم سكت ثم رفع رأسه فقال أأقطع لسانه أأقطع يده ورجله أأضرب عنقه ثم قال لا تلى لي شيئا ما بقيت. وقد سئلت أن أنظم في هذه المسالة أبياتا أختم بها هذا التأليف فقلت:\rإن الذي بعث النبي محمد=أنجى به الثقلين مما يجحف\rولأمه وأبيه حكم شائع= أبداه أهل العلم فيما صنفوا\rفجماعة أجروهما مجرى الذي=لم يأته خبر الدعاة المسعف\rوالحكم فيمن لم تجئه دعوة=أن لا عذاب عليه حكم يؤلف\rفبذاك قال الشافعية كلهم=والأشعرية ما بهم متوقف\rوبسورة الإسراء فيه حجة=وبنجو ذا في الذكر آى تعرف\rولبعض أهل الفقه في تعليله=معنى أرق من النسيم وألطف\rونحا الإمام الفخر رازي الورى=منحى به للسامعين تشنف","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"إذ هم على الفطر التي ولدوا ولم=يظهر عناد منهم وتخلف\rقال الأولى ولدوا النبي المصطفى=كل على التوحيد إذ يتحنف\rمن آدم لأبيه عبد الله ما=فيهم أخو شرك ولا مستنكف\rفالمشركون كما بسورة توبة=نجس وكلهم بطهر يوصف\rوبسورة الشعراء فيه تقلب=في الساجدين فكلهم متحنف\rهذا كلام الشيخ فخر الدين في=أسراره هطلت عليه الذرف\rفجزاه رب العرش خير جزائه=وحباه جنات النعيم تزخرف\rفلقد تدين في زمان الجاهلية=فرقة دين الهدى وتحنفوا\rزيد بن عمر وابن نوفل هكذا=الصديق ما شرك عليه يعكف\rقد فسر السبكي بذاك مقالة=للأشعري وما سواه مزيف\rإذ لم تزل عين الرضا منه على=الصديق وهو بطول عمر أحنف\rعادت عليه صحبة الهادي فما=في الجاهلية بالضلالة يقرف\rفلأمه وأبوه أحرى سيما=ورأت من الآيات ما لا يوصف\rوجماعة ذهبوا إلى إحيائه=أبويه حتى آمنا لا خوفوا\rوروى ابن شاهين حديثا مسندا=في ذاك لكن الحديث مضعف\rهذي مسالك لو تفرد بعضها=لكفى فكيف بها إذا تتألف\rوبحسب من لا يرتضيها صمته=أدبا ولكن أين من هو منصف\rصلى الآله على النبي محمد=ما جدد الدين الحنيف محنف\r(حديث متعلق بهما)\rقال البيهقي في شعب الإيمان أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو جعفر الرزاز ثنا يحيى بن جعفر أنا زيد بن الحباب أنا يس بن معاذ ثنا عبد الله بن قريد عن طلق بن علي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو أدركت والدي أو أحدهما وأنا في صلاة العشاء وقد قرأت فيها بفاتحة الكتاب تنادي يا محمد لأجبتها لبيك. قال البيهقي: يس بن معاذ ضعيف.\r(فائدة)","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"قال الأزرقي في تاريخ مكة حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران عن هشام بن عاصم الأسلمي قال لما خرجت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد فنزلوا بالأبواء قالت هند ابنة عتبة لأبي سفيان بن حرب لو بحثتم قبر آمنة أم محمد فإنه بالأبواء فإن اسر أحدكم افتديتم به كل إنسان بارب من أرابها فذكر ذلك أبو سفيان لقريش فقالت قريش لا تفتح علينا هذا الباب إذا تبحث بنو بكر موتانا.\r(فائدة) من شعر عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم أورده الصلاح الصفدي في تذكرته:\rلقد حكم السارون في كل بلدة * بأن لنا فضلا على سادة الأرض\rوإن أبي ذو المجد والسؤدد الذي * يشار به ما بين نشر إلى خفض\rوجدي وآباء له اثلوا العلا * قد يما بطيب العرق والحسب المحض\r(فائدة)\rقال الإمام موفق الدين بن قدامه الحنبلي في المقنع ومن قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما كان أو كافرا.\r[ص 445]\rتم بحمد الله","part":1,"page":54}],"titles":[{"id":1,"title":"مسالك الحنفاء في والدي المصطفى - السيوطي","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"المسلك الأول:","lvl":1,"sub":0},{"id":16,"title":"المسلك الثاني :","lvl":1,"sub":0},{"id":50,"title":"المسلك الثالث :","lvl":1,"sub":0}]}