{"pages":[{"id":1,"text":"التسيب في الفتوى","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمقدمة :\rالحمد لله الذي أنار قلوب عباده المتقين بنور كتابه المبين، وجعل القرآن شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد إمام العلماء والمفتين، الذي شرفه - سبحانه - بالنبوة والعلم والعرفان والذي فتح الله به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم البعث والنشور وعلى آله الطيبين الأطهار وأصحابه الهادين الأبرار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\rوبعد :\rمما لاشك فيه أن إنجاز أي بحث في أي مجال من المجالات المعرفية يعتبر ثمرة وعصارة فكرية تبين مدى استفادة الطالب من كل ما تلقاه خلال مسيرته الدراسية.\rوكغيري من الطلبة اخترت الاشتغال على موضوع \"التسيب في الفتوى\" وذلك راجع لعدة دوافع منها :\r• لما للفتوى من مكانة في الإسلام باعتبارها أقدم علم برز قبل سائر العلوم الإسلامية لأنها سايرت أسباب نزول الوحي، وارتبطت بشؤون مختلفة من أحوال الناس.\rومما يدل على شرف الفتوى أن الله تعالى تولاها بنفسه في غير ما آية من كتابه العزيز مصرحا بلفظ الإفتاء كما في قوله تعالى (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء). ويدل ما تولاه سبحانه في هذا المقام على تفضيل الفتوى، وكفى بذلك شرفا وتفضيلا.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"• كما أن عصرنا الحالي قد شهد تحولات كثيرة منها تطور وسائل الإعلام من جرائد وصحف وفضائيات ...، فابتليت الفتوى بظهور هذه الأطياف المختلفة من القنوات، والتي باتت تخصص حيزا مهما من برامجها للفتوى والإفتاء دون مراعاة شروط وضوابط هذا العلم الجليل الذي هابه من هابه من الجيل الفريد وهم من هم في العلم والورع ...، وفي وسط هذه الدوامة من صراع الأفكار، وتدافع التيارات كان لابد من أن تتأثر الفتوى والمتصدين لها بهذا الواقع. والذي وقع فيه المتحدثون باسم الشريعة في كثير من الأخطاء والانحرافات الجسيمة ترتب عليها تحليل ما حرم الله تعالى، وتحريم ما أحل الله تعالى، أو تشريع ما لم يأذن به الله تعالى.\rوكأي طالب اعترضت سبيلي مجموعة من الصعوبات أجملها فيما يلي:\r- قلة المراجع والمصادر في هذا الموضوع بالذات 'التسيب في الفتوى\" حيث اعتمدت بالدرجة الأولى على شبكة الانترنيت.\r- ضيق الوقت نظرا لشساعة الموضوع وأهميته والذي يحتاج إلى إحاطة شافية وشاملة.\rوتجدر الإشارة إلى أن هذا العمل قد كلفني جهدا كبيرا، ماديا ومعنويا لكن بعون الله تعالى ثم بفضل توجيهات أستاذي الكريم، استطعت ولله الحمد والمنة أن أوفق في إنجاز هذا البحث المتواضع.\rهذا وقد قسمت بحثي إلى فصلين أساسيين مع مقدمة وخاتمة ومدخل لكل فصل على حدة.\r- الفصل الأول : ويتضمن مبحثين اثنين، تناولت في المبحث الأول مدلول الفتوى في اللغة والاصطلاح مع بيان حكمها. وخصصت المبحث الثاني لشروط المفتي، والآداب الموضوعية للفتوى.\r- أما الفصل الثاني فقد قسمته إلى ثلاثة مباحث، تحدثت في الأول عن ظاهرة التسيب في الفتوى، وفي الثاني عن أسباب التسيب في الفتوى، وفي الثالث عن علاجات ومقترحات لهذه الظاهرة.\rفالله تعالى أسأل أن أنفع وأنتفع بهذا البحث وأن يرزقني السداد في القول والعمل، ويجنبني شطط الفكر والقلم وأن يهيئ لي من أمري رشدا. آمين.\rمدخل عام : مكانة الفتوى في الإسلام","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"تعتبر الفتوى من أقدم العلوم وأشرفها، إذ ظهرت قبل سائر العلوم الإسلامية، نظرا لارتباطها بأسباب نزول القرآن الكريم الذي ساير الأحداث والوقائع في ظهورها، مجيبا عن أسئلة السائلين وموضحا الطريق للتائهين.\rولأهمية الفتوى ومكانة الإفتاء تولى الله أمرها بنفسه في محكم كتابه قال تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد). كما تولاها الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان تصرفه بالفتيا غالب أحواله.\rوقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه مجموعة من فتاوى النبي عليه الصلاة والسلام منها : (أن امرأة سألته صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها ؟ قال \"نعم\" حجي عنها). وسار على نهجه صحابته رضوان الله عليهم، فقد نقل عن بعضهم أنهم كانوا يحرصون على الإفتاء خوفا من الوعيد في حق من كتم علما يعلمه لقوله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعدما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون). ولقوله صلى الله عليه وسلم \"من سئل عن علم فكتمه، ألجم بلجام من نار\".\rومن أجل تفادي هذا الوعيد الشديد تنبه الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى أن الفتوى تناط بها مهمة التبليغ والبيان والتعليم، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني \"... يروى أن أبا ذر كان جالسا يوما عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه قائلا : ألم تنه عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه قائلا : أراقب أنت علي ؟ لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها\".","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"وكذلك لما كان مكان الإفتاء عظيما بعيد المنال، وعر طريقه، إلا لمن سهله الله له، فإن الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله - سمى المفتي موقعا عن رب العالمين وقال في مقدمة كتابه \"... وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات\".\rوقال ابن الصلاح عن محمد بن المنكدر أنه قال \"إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم\".\rوقال الإمام النووي : \"اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل لأن المفتي وارث الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، وقائم بفرضي الكفاية، ولكنه معرض للخطأ ولهذا قالوا : المفتي موقع عن الله\".","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"المبحث الأول : تعريف الفتوى وحكمها\rالمطلب الأول : تعريف الفتوى\rلغة : \"الفتوى والفتيا هي تبيين المشكل من الأحكام، أصله من الفتى وهو الشاب الحدث الذي شب وقوي فكأنه يقوي ما أشكل ببيانه فيشب ويصير فتيا قويا، يقال أفتاه في الأمر : أي أبان له، وأفتى المفتي إذا أحدث حكما، وفي الحديث \"وإن أفتاك الناس وأفتوك\". وأفتوك أي وإن جعلوا له فيه رخصة وجوازا، وقوله تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) أي يسألونك سؤال تعلم\".\rوجاء في القاموس : \"الفتيا والفتوى ما أفتى به الفقيه، وأفتاه في الأمر أبانه له\".\rويظهر من معاجم اللغة أن الفتيا والفتوى كلمات متقاربة يقصد بها تبين المشكل من الأحكام.\rاصطلاحا : عرفت الفتوى بأنها \"إخبار بحكم شرعي من غير إلزام\". وبأنها أيضا \"حكم الشرع الذي يخبر عنه المفتي بإفتائه\".\rالمطلب الثاني : حكمها\rمن المعلوم أن الواجب ينقسم إلى قسمين : فرض عين، وفرض كفاية. فالأول يلزم كل المكلفين القيام به، أما الثاني فهو موجه للجميع ولكن إذا قام به البعض سقط التكليف عن الباقين.\rوالفتوى تندرج تحت القسم الثاني - أي فرض كفاية - \"فتكون فرض كفاية إذا كان في البلد مفتيان فأكثر\". وهذا عين ما أشار إليه الشيخ خليل في مختصره عند ذكره لفروض الكفايات بقوله \"كالقيام بعلوم الشرع، والفتوى والقضاء ... إلخ\". كما أشار صاحب \"الأشباه والنظائر\" إلى مثل ذلك عند ذكره لفروض الكفايات أيضا حيث قال \"ومنها : تعليم الطالبين، والإفتاء، ولا يكفي في إقليم مفتي واحد والضابط : أن لا يبلغ ما بين مفتيين مسافة القصر\".\rلذا وجب أن تكون زمرة من العلماء في كل عصر من العصور متهيئة للفتوى استجابة لقوله تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). وقوله سبحانه وتعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).\rكما قد تصبح الفتوى فرض عين إذا كان في البلد مفت واحد فقط، قال ابن حمدان \"... وتكون فرض عين إذا كان في البلد مفت واحد\". وعمل الإمام النووي على تفصيل ذلك حيث قال \"الإفتاء فرض كفاية فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعين عليه الجواب، فإن كان فيها غيره وحضرا فالجواب في حقهما فرض كفاية\".\rالمبحث الثاني : شروط المفتي والآداب الموضوعية للفتوى\rالمطلب الأول : شروط المفتي\rإذا كانت المجالات العلمية والمعرفية يحتاج المتكلم فيها إلى علم ودراية فمن باب أولى التكلم في أمور الشرع وبيان أحكامه للناس، فهو أحوج أكثر من غيره إلى اشتراط الشروط والتأكد من الأهلية والصلاحية.\rومن أجل ذلك سنخصص الحديث في هذا المطلب عن الشروط التي اشترطها أهل العلم والتي ينبغي توفرها في المفتي باعتباره المحرك الأساسي للفتوى والمخبر بالحكم الشرعي المناسب لكل نازلة، تحرزا من أن يدخل إلى هذا المجال من ليس من أهله. وفيما يلي بعض هذه الشروط :","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"شرط الإسلام :\r\"فأما شرط الإسلام فلأنه دين المفتي، وفي دائرته يخبر بالأحكام، ومنه بدايته ونهايته. وإذا كان الفقهاء قد شددوا في اشتراط العدالة في المفتي، فكيف يكون الأمر في اشتراط الإسلام الذي يحدد معالم هذه العدالة وغيرها\". وقال ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - عند ذكره لشروط المفني \"أن يكون مسلما ثقة مأمونا متنزها من أسباب الفسق ومسقطات المروءة، لأن من لم يكن ذلك فقوله غير صالح الاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد\". وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - \"شرط المفتي كونه مكلفا، مسلما، ثقة، مأمونا، متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظا\".\rوما يمكن استخلاصه من أقوال العلماء - السالفة الذكر - أنه ينبغي توفر الإسلام فيمن تقلد منصب الإفتاء.\r? شرط التكليف (العقل والبلوغ) :\rقد تبين من أقوال العلماء - السالفة الذكر - في شرط الإسلام، أنهم إلى جانب تأكيدهم على شرط الإسلام ضمن شروط المفتي، أكدوا على شرط التكليف (العقل مع البلوغ). فهما شرطان ضروريان \"لأن البلوغ مظنة العقل، قال صاحب المرشد المعين :\rوكل تكليف بشرط العقل ?? مع البلوغ بدم أو حمل\rفالمفتي دون بلوغ وعقل لا تقبل فتواه، ولا يعقد على سره ونجواه، فكيف باجتهاده ومقارعته للأدلة ونضاله، الكل مفقود، والكلام معه لا يفيد\".\rوهذا عين ما أشار إليه صاحب \"البحر الرائق في شرح كنز الدقائق\" حيث قال \"... فشرط المفتي إسلامه وعدالته، ولزم منها اشتراط بلوغه، وعقله، فترد فتوى الفاسق والكافر وغير المكلف إذ لا يقبل خبرهم ...\".","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"وقال الخطيب البغدادي – رحمه الله تعالى – \"أول أوصاف المفتي الذي يلزم قبول فتواه أن يكون بالغا، لأن الصبي لا حكم لقوله، ثم يكون عاقلا لأن القلم مرفوع عن المجنون لعدم عقله\". إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم \"رفع القلم عن ثلاث \"عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل وعن النائم حتى يستيقظ\". وقال الإمام الجويني – رحمه الله تعالى - : \"يشترط أن يكون المفتي بالغا\".\r? شرط العدالة :\r\"والعدالة في اللغة : الاستقامة\"، وفي الاصطلاح : \"هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة.\rوالملكة هي السجية، والتقوى هي فعل ما يحبه الله تعالى وترك ما يكرهه، والمروءة عنا هي فعل ما هو من صفات أهل الفضل والخير بحسب عرف البلد والزمن\".\r\"إلا أن العدالة في الفتوى بالإضافة إلى هذا المعنى العام الذي لابد من وجوده في المفتي، وغيره تناقضها أوصاف خاصة بالمفتي وعليها نبه الشيخ الهلالي بقوله : وأما شرط العدالة فلئلا يرتكب ما لا تجوز الفتوى به قصدا أو متساهلا\".\rإن الإنسان الذي يفتي الناس فيما يسألون عنه من أحكام الشريعة ويبين لهم أمور دينهم يقوم بعمل مهم جدا، وهو من أهم الأعمال وأعظمها، ولما كان هذا العمل بهذه المنزلة، كان من الواجب معرفة هذا الشخص الذي يؤدي هذا العمل \"قال الإمام مالك : لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى نفسه أهلا لذلك\". ولابد أيضا من اتصافه بالعدالة والعلم والتقوى ونحو ذلك من الصفات الحسنة، وهذا الأمر يعرف من شهادة الناس له وثنائهم عليه، فالناس كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم \"أنتم شهداء الله في الأرض ...\". كما أن تزكية العلماء لطالب العلم وشهادتهم باستحقاق منصب الفتوى دليل أكيد على صلاحية هذا الإنسان للقيام بهذا العمل العظيم.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"وقال الإمام النووي – رحمه الله تعالى – \"... وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع مشهورا بالديانة الظاهرة، والصيانة الباهرة. وكان مالك – رحمه الله – يعمل بما لا يلزمه الناس، ويقول : لا يكون عالما حتى يعمل في خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس مما لو تركه لم يأتم\".\rوهذا ما أشار إليه الإمام شهاب الدين القرافي عند ذكره لأحوال طالب العلم حيث قال \"والحالة الثالثة : أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلا وتخريجا، ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك\".\rكما عد الإمام الغزالي – رحمه الله – العدالة من شروط المجتهد حيث قال : \"... أن يكون (أي المجتهد) عدلا مجتنبا للمعاصي الفادحة في العدالة، وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس عدلا لا تقبل فتواه\".\r\"وتجدر الإشارة إلى أن لكل زمان أهله، قد تختلف أخلاقهم، وتتغير أحوالهم فتضعف بالتالي عدالتهم\".\rوقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أنس رضي الله عنه \"لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم\".\r\"ولذلك فعدالة أهل القرون الأولى المشهود لها بالخيرية، ليست هي عدالة من جاء بعدهم إلى عصرنا، حتى قال أبو الدرداء في زمانه : \"أدركت الناس ورقا بلا شوك فأصبحوا شوكا بلا ورق\". يشير رضي الله عنه إلى تبدل الأحول، وتغير الأعمال والأقوال. ولذلك فتقبل عدالة كل عصر حسب ظاهرها، وحال أصحابها، وقبول الأمثل فالأمثل، وبعض الشر أهون من بعض، ويراعى أقرب الناس إلى العدالة حين الاختيار، وإلا عمت الفوضى وفسد النظام\". وإلى هذا أشار ابن قيم الجوزية حيث قال : ... ونظير هذه المسألة إذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولى الأمثل فالأمثل.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"ونظير هذا لو كان الفسق هو الغالب على أهل تلك البلد، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له تعطلت الحقوق وضاعت، قبل شهادة الأمثل فالأمثل\".\r? شرط العلم :\rلأن المفتي سوف يخبر عن حكم الله تعالى – كما سبق في تعريف المفتي – ولا يمكن أن يخبر عن حكم الله وهو جاهل به. وإلى هذا المعنى أشار الإمام ابن قيم الجوزية حيث قال \"... ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات\".\rوقال الإمام الشافعي – رحمه الله – \"لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وترتيله ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك عالما بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة ...\" إلى أن قال \"فإن كان هكذا فله أن يفتي في الحل والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي\".\rوبناء على الأقوال المتقدمة ينبغي للمفتي أن يعلم عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسؤول غدا بين يدي االله، ومن أجل ذلك وضع العلماء شروطا – داخل شرط العلم – لمن يتولى هذا المنصب منها :\r1- إحاطة المجتهد أو المفتي بمدارك الأحكام المثمرة لها، من كتاب وسنة وإجماع واستصحاب، وقياس، ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض، وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النص على القياس.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"2- علمه بالناسخ والمنسوخ ومواضع الإجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أن ما يستدل به ليس منسوخا، وأن المسألة لم ينعقد فيها إجماع من قبل.\r3- معرفته بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر، والمؤول والمجمل، والمبين، والمنطوق والمفهوم، والمحكم والمتشابه.\r4- معرفته ما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث من أنواع الصحيح والحسن، والتمييز بين ذلك وبين الضعيف الذي لا يحتج به، وذلك بمعرفته بأسباب الضعف المعروفة في علم الحديث والأصول.\r5- أن يكون على علم بالنحو واللغة العربية يمكنه من فهم الكلام\".\rوقد أشار الإمام الشاطبي إلى \"... أن علم اللغة العربية فرض تتوقف صحة الاجتهاد عليه، فلابد من تحصيله على تمامه، وأن التمكن من اللغة يساعد على الفهم الصحيح، فمن كان تمكنه من اللغة قويا كان أشد فهما للشرع، ومن كان متوسطا فهو كذلك في فهم الشرع\".\rويستفاد من قول الإمام الشاطبي أن العلم باللغة العربية من أوكد الواجبات، لأنها وسيلة تساعد على فهم كتاب الله والسنة النبوية، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\rوينضاف إلى هذه الشروط شرط آخر يلزم المفتي حتى يستكمل عدته في الإفتاء، وهو جلوسه في حلقات العلم، لأنه وإن تدرج في العلم عن طريق الكتب، وأصاب بذلك علما كثيرا قد يحصل له الخلل والخطأ من حيث لا يدري، وقد يفهم الشيء على خلاف ما هو عليه، ولذلك فإن السلف الصالح ومن بعدهم لم يتلقوا العلم عن طريق الكتب فقط، وإنما أخذوا العلم عن أهله.\rوقد أشار الإمام الشاطبي إلى هذا المعنى حيث قال \"إن العلم لابد أن يؤخذ من أهله، وهذا الأخذ له طريقان هما :\r- المشافهة وهي أنفع الطريقين وأسلمها.\r- مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين\".\rوقال أيضا \"... وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالما اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائفة ولا أحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف\".","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"المطلب الثاني : الآداب الموضوعية للفتوى (شروط آداب المستفتي،\rآداب المفتي، الآداب الموضوعية للفتوى)\r? آداب المستفتي :\rإن بعض الأمور والحادثات قد يخفى حكمها على بعض المشتغلين في أمور العيش، كما قد يشغله عمله عن التفقه وطلب العلم، وخاصة بعد أن ضعفت الهمم عن طلبه، وقلت الدواعي إلى ذلك عما كان عليه الحال في الصدر الأول، فماذا يكون الحال عندما تنزل بالواحد من هؤلاء واقعة لا يدري حكمها، أو يواجه تصرفا أو تعاقدا لا يعرف أصحيح هو أم فاسد ؟ أحرام أم حلال ؟.\rوالإجابة عن ذلك لا تكمن في اللجوء إلى أهل الذكر والعلم والاستفتاء فيما عرض له وفق قول الله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).\rوقال الآمدي – رحمه الله تعالى – \"العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد – وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد – يلزمه اتباع قول المجتهدين والأخذ بفتواهم عند المحققين من الأصوليين\". وأشار الخطيب البغدادي إلى مثل ذلك حيث قال \"أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه\".\rومن تم يتضح أن الاستفتاء ضرورة واقعية وشرعية معا. ويجب على غير المجتهدين والعوام فيما يجهلون حكمه من تصرفاتهم.\rوقد أورد العلماء عدة آداب للمستفتي كي يبرأ من المسؤولية الدينية ومنها :\r• أن يختار المفتي المعروف بالعلم والعدالة وقد شدد الشاطبي في ذلك وقال \"لا يصح له أ ن يسأل من لا يعتبر في الشريعة جوابه، لأنه إسناد أمر إلى غير أهله والإجماع على عدم صحة مثل هذا\".\r• أن يحدد المسألة تماما بكل قيودها، ولا يخفي من حقيقتها شيئا، فإن السائل أعرف بمسألته من جميع الناس ومنهم مفتيه.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"• أن يوقر العالم ويجله في الخطاب ولا يسأل فيما لا ينفع أو لا يهم من الأمور. ولذلك قال الإمام الشاطبي \"كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب، وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا\". وقال ابن الصلاح \"ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي ويبجله في خطابه، وسؤاله، ونحو ذلك\".\r• ألا يعمل بالفتوى إذا كان يعلم أن حقيقة الأمر في الباطن كما يعرفها هو – وقد خفيت على المفتي إذ يحكم على ظاهر الأمر – بخلاف ما تتضمنه الفتوى. يقول ابن قيم الجوزية \"لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم : \"استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك\"* فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه\".\r? آداب المفتي :\r- أن تكون له (المفتي) نية صالحة في فتواه : قال ابن قيم الجوزية عند ذكره لفوائد وإرشادات تتعلق بالإفتاء : \"ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال : لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس، أولها : أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية : أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة ... إلخ\".\rولا يخفى على أحد ما للنية من مقام عظيم في الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام : \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\".\r\"والمقصود باشتراطها في الفتوى أن يريد بها المفتي وجه الله، وأن يتحرى وجه الحق والصواب فيها، قدر الإمكان والطاقة، وأن يبذل وسعه في تفهم النازلة ...\".","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"- حسن السيرة : ويندرج تحتها خصال كثيرة على رأسها الحلم والوقار والسكينة، وفي هذا الصدد يقول ابن قيم الجوزية \"... فليس صاحب العلم والفتيا إلى شيء أحوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوة علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس، وقال بعض السلف : ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم\".\r- أن تكون له معرفة بالناس وتصرفاتهم : \"المفتي ابن زمانه مطالب بالتعرف على ما يجري حوله من وقائع الناس، ومعاملاتهم، حتى ينزل عليها عند الإفتاء فيها الحكم الشرعي المناسب لها. كما يجب عليه معرفة أحوال الناس، ودراسة ما يحصل في مجتمعهم، وما ترمي إليه مقاصدهم وأعرافهم مطلعا على مكايدهم، وصور حيلهم في التصرفات والمعاملات\".\rلأن المفتي إذا لم تكن له معرفة بالناس وتصرفاتهم اختلط عليه الأمر، والتبس عليه، وقد أشار ابن قيم الجوزية إلى ذلك حيث قال \"... فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق ...\".\r? بعض الآداب الموضوعية للفتوى :\r- الالتجاء إلى الله قبل الفتوى : قال ابن قيم الجوزية \"... ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي [الحالي] لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب، ومعلم الخير، وهادي القلوب، أن يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة\". وكان سعيد بن المسيب رضي الله عنه لا يكاد يفتي بفتوى حتى يقول \"اللهم سلمني، وسلم مني\".\r\"لأن الفتوى مبنية على العلم، ولا يوصف به على الكمال والحقيقة إلا ذو الجلال والإكرام سبحانه \"قال تعالى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). وقوله عز وجل على لسان ملائكته (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"- فهم الواقعة المفتى فيها : \"الواقعة المسؤول عنها هي المحرك للفتوى، ولا يستطيع المفتي أن يخبر بحكم ما، دون فهم هذه الواقعة أو النازلة التي يريد الفتوى فيها، وذلك بمعرفتها المعرفة الكافية، \"لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره\". لأن عدم فهم المفتي للواقعة المسؤول عنها قد يعرضه إلى ارتكاب الخطأ وذلك بتنزيله للحكم الشرعي على غير النازلة المناسبة له. وإلى هذا أشار الدكتور يوسف القرضاوي حيث قال \"ومن أسباب الخطأ في الفتوى عدم فهم الواقع الذي يسأل عنه السائل فهما صحيحا، ويترتب على ذلك الخطأ في \"التكييف\" أعني في تطبيق النص الشرعي على الواقعة العلمية\". وقال أيضا \"ومهما يكن علمه (أي المفتي) بالنصوص، ومعرفته بالأدلة، فإن هذا لا يغني ما لم يؤيد ذلك بمعرفة الواقع المسؤول عنه، وفهمه على حقيقته\". وقال ابن قيم الجوزية : \"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم : أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن، والامارات والعلامات حتى يحيط به علما.\rوالنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر\".","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"- المشاورة في الفتوى : قصد استيضاح المسألة أو الاتفاق في الجواب، يقول الخطيب البغدادي \"فأول ما يجب على المفتي أن يتأمل ورقة الاستفتاء تأملا شافيا ثم يذكر المسألة لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم في الجواب ويسأل كل واحد منهم عما عنده، فإن في ذلك بركة واقتداء بالسلف الصالح وقد قال الله تبارك وتعالى (وشاورهم في الأمر). وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مواضع وأشياء وأمر بالمشاورة، وكان الصحابة بتشاورون في الفتاوى والأحكام\". وقال ابن القيم – رحمه الله – \"إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب، ذهابا بنفسه وارتفاعا بها، أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم، وهذا من الجهل، فقد أثنى الله سبحانه على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم\".\r- التزام حمى لا \"أدري\" : \"خاصية العلم في أي مجال في الإنسان ناقصة والأصل في بني آدم عدم العلم، والمفتي كسائر البشر، قد لا يحضره العلم بحكم شرعي في لحظة من اللحظات، فإذا سئل عن شيء لا يعلمه فلا يضيره أن يقول فيه \"لا أدري\". \"فقد سئل الإمام مالك عن مسألة فقال : لا أدري، فقيل له، إنها مسألة سهلة فغضب وقال : ليس في العلم خفيف، أما سمعت قول الله : (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) وقال : لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحي بن سعيد، فأمراني، ولو نهياني لانتهيت.\rمدخل عام : الحديث عن الفتوى في عصرنا الحالي\rإذا كانت الفتوى قد أحيطت بسياج من الرعاية والاهتمام في العصور الأولى، فإنها قد تعرضت إلى كثير من الإهمال في عصرنا الحالي حيث انتحلها من ليس لها بأهل.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"فإذا كنا نقرأ في بعض المصادر أن طائفة من الفقهاء سجلوا ضجرهم وسخطهم وأبدوا تحسرهم عما آلت إليه الفتوى في عصورهم، \"منها أن أبا الوليد الباجي حكى عن أحد أهل زمانه، أخبره أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبا، فلما حضروا قالوا : لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى، قال : وهذا مما لا خلاف بين المسلمين المعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز\".\r\"وروى الحافظ ابن حزم أنه كان عندهم مفت قليل العلم، فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته – على طريقة الكدلكة – جوابي مثل جواب الشيخ، وقد اتفق يوما أن اختلف مفتيان في الجواب فكتب تحتهما جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له : إنهما تناقضا، فقال : وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا\".\rإلى غير ذلك من الحكايات المؤلمة التي تبين الحالة التي كانت تنزل إليها الفتوى، وإذا كان هؤلاء قد عبروا عن سخطهم، وسجلوا ضجرهم وقد عاشوا في عصر ازدهار العلوم، وعزة الفقه والفقهاء، فما ظنك بالعصور التي أعقبته وخاصة عصرنا الحالي الذي وجد فيه الانترنيت والقوات الفضائية فأصبح الكل يفتي، السياسي يفتي، والإعلامي يفتي، والصحافي أحيانا يفتي، حتى الفنان يفتي ويتكلم في أمور لا يستطيع أن يتقنها ولا يحفظها.\rكما أن الفتوى أصبحت مادة دسمة لكل شخص كيفما كانت مؤهلاته العلمية والمعرفية. كما أصبحت تشغل حيزا مهما في برامج الفضائيات بحيث لا تكاد تخلو قناة من القنوات الفضائية العربية إلا وتجد فيها ركنا مخصصا لهذا الشأن.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"ولكن الملفت للنظر ليس هو كثرة هذه القنوات التي تتناول الفتوى، ولكن في كيفية معالجة قضايا الناس والإجابة على أسئلتهم إضافة إلى تضارب الفتاوى من عالم إلا آخر ومن قناة إلى أخرى، أصبح معها المستفتي لا يدري بأي فتوى يأخذ أبالتي ذكرت في قناة المجد أم بالتي ذكرت في قناة \"الناس\" أو \"اقرأ\" كما أنه من الملفت للنظر أن نجد برنامجا مثلا بخصوص الفتوى معروضا على الشاشة مباشرة (برنامج فتاوى على الهواء، الشريعة والحياة، ...) ويجيب من خلاله العالم أو المفتي على أسئلة الناس دون تريث ولا تثبت ولا تشاور بينه وبين أهل العلم في مسائل كان يجمع له عمر رضي الله عنه أهل بدر لمشاورتهم واستشارتهم، أهؤلاء أحسن علما من الصحابة رضوان الله عليهم.\rومن الملفت للنظر أيضا أن نجد في الآونة الاخيرة وعلى شبكة الانترنيت فتاوى عديدة، ومن الأشياء التي أثارت انتباهي تحريم قول (وتقبل تحياتي) (مع تحيات فلان) وهكذا ولكن الملاحظ أننا نسمع هذه العبارات كثيرا وخاصة في القنوات التلفزيونية وبوجود مشايخ وأهل العلم ولم ينكرها أحد وآخرها أنني كنت أتابع برنامج في قناة \"المجد\" للشيخ \"عائض القرني\" وكان المقدم للبرنامج يقول من حين لآخر هذه العبارة سواء للمتصلين أم أثناء قراءة رسائل المشاهدين، وحتى في ختام الحلقة قال (تقبلوا تحياتي) ولم ينكر عليه الشيخ مثل هذا الكلام.\rأعتقد أنه لو كان محرما مثلما نقرأ في الانترنيت لأنكره الشيخ أو أي أحد غيره من أهل العلم الذين تتردد كثيرا في وجودهم.\rوهذا ما قرأته في مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – حيث سئل الشيخ عن هذه الألفاظ \"أرجوك\" و\"تحياتي\" و\"أنعم صباحا\" و\"أنعم مساء\" فأجاب قائلا \"لابأس أن تقول لفلان أرجوك في شيء يستطيع أن رجاءك به، وكذلك \"تحياتي لك\" و\"لك مني تحية وما أشبه ذلك لقوله تعالى (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا\" ).","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"أضف إلى ذلك جماعة ممن يحسبون أنفسهم من العدد بلا عدد كما وصفهم ابن حمدان – رحمه الله تعالى – حيث قال \"... عظم أمر الفتوى وخطرها وقل أهلها ومن يخاف إثمها وخطرها، وأقدم عليها الحمقى والجهل، ورضوا فيها القيل والقال، واغتروا بالإمهال والإهمال، واكتفوا بزعمهم أنهم من العدد بلا عدد، وليس معهم بأهليتهم خطر أحد\".\rبالإضافة إلى كونهم غير مؤهلين للإفتاء، فقط أنهم أناس متحمسون ومندفعون وعلى درجة من الجهل يظنون أنهم يحسنون ويفعلون خيرا فتجدهم إما يتساهلون ويتعجلون في إباحة كل شيء أو بالمقابل يتشددون في تحريم كل ما هو مألوف.\rوفي الجهة الأخرى نجد كثيرا من الناس في هذا العصر يريدون مفتين على أهوائهم وحتى المفتي الذي يكون له وزن في بلاده معروفا بالعلم والعدالة يتهم بالرجعية والتخلف في فتاويه فأصبح كثير من الناس بين عالم مرفوض وبين جاهل مطلوب.\rالمبحث الأول : ظاهرة التسيب في الفتوى\rإذا وجدنا الإسلام يرغب في الاجتهاد ويأجر عليه، ووجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يحبب إليه ويعطي القدوة بنفسه، فهذا لا يعني أن هناك حرية مطلقة في ممارسة الاجتهاد أو اعتلاء مناصب الإفتاء كما لا يعني أن لكل شخص الحرية المطلقة في أن يقول ما شاء ومتى شاء وما تميل إليه نفسه، بل الإفتاء أمانة ومسؤولية ويكفي دليلا على ذلك أن المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم قال الإمام الشاطبي – رحمة الله عليه – عندما تحدث عن مكانة المفتي ومسؤوليته : \"المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك أمور : أحدها : النقل الشرعي في الحديث : \"إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم\".\rالثاني : أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام، بقوله صلى الله عليه وسلم : \"ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب\". وقوله : \"بلغوا عني ولو آية\".","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"الثالث : أن المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول من صاحبها وإما مستنبط من المنقول، فالأول : يكون فيه مبلغا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع\".\rوقد كان السلف الصالح يهابون الفتيا ويشددون فيها ويتدافعونها إذ كان الواحد منهم يود لو أن أخاه كفاه إياه، يقول ابن المبارك عن أبي عبد الرحمان ابن أبي ليلة قال \"أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث\".\rوقال عطاء بن السائب – رحمه الله تعالى – \"أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسأل عن الشيء فيتكلم وإنه ليرعد\".\rوقال الأشعت – رحمه الله تعالى – \"كان محمد بن سيرين إذا سئل عن الشيء من الفقه الحلال والحرام تغير لونه وتبدل، حتى كأنه ليس بالذي كان\".\rهذا وغيره كثير يدل على صفاء سريرة جيلهم وطهارة قلوبهم وإخلاص نياتهم لله عز وجل.\rوإذا كان للفتوى هذه المكانة في قلوب من يقدرونها حق قدرها، فقد وجدنا في عصرنا الحالي من اقتحم حماها وهم ليسوا أهلا لها، ورضوا بذلك القيل والقال، حتى شبه بعض المثقفين الفتوى بالطب الذي دخله مشعوذون وخبراء الأعشاب وباعة الأدوية، وفتحت الانترنيت لهم عيادات بلا مرجعيات، وصيدليات تبيع كل ما يتمناه المريض من علاجات، من الأحجار البركانية إلى الاكتشافات الطبية التي لا تزال تحت التجريب، وسائلو الفتوى هم مثل المرضى يريدون حلا حاسما والعلاجات تأتيهم عبر الانترنيت والتلفزيون والإذاعة والصحف والتجمعات وغيرها، وبلغ حجم الفتاوى التي أطلقت في عشر سنوات فضائية أكثر مما أفتى به علماء المسلمين في ألف وأربعمائة عام. وهذا يعبر عن طفرة مرضية لا تمت للواقع الإسلامي الماضي إلا بالقليل، هل أصبحت الفتوى تجارة معاصرة تساير عهد الاتصال، وتجارتها مع غيرها من مسابقات وبرامج متنوعة.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"وطالما أن الشاشة صارت الحاكم الأول في كل بيت فمن الطبيعي أن يكون لكل واحد منهم فيها نصيب، وطالما أن المفتين التلفزيونيين لا يمرون بامتحانات ولا يقدمون وثائق علمية ولا تزكية من مراجع دينية بل يدخلون من الباب إلى الشاشة، فمن الطبيعي أن يتضخم حجم الفتاوى التي أصدرت خلال العشر سنوات الماضية التي لم تترك شاردة ولا واردة إلا أفتت فيها، بحجة أن العصر الحديث بمستجداته يتطلب حكما إسلاميا لتحقيق الشرعية لكل ما هو حديث وهذا ما يبرر ازدحام الفتاوى، حتى بات الوضع يستحق إطلاق فضائية جامعة لكل الفتاوى، هذا صحيح، عدا أن المخولين للفتوى أصبحوا عامة وليسوا نخبة، كما أن الإشكال يعود إلى كثرة المفتين وتضارب أطروحاتهم بالمغالاة في التحريم، أو التساهل في الإباحة كل ينظر إليها من زاويته، مع غياب التفسيرات حول هذه الجرأة وهذا التسيب في تحمل مسؤولية إطلاق حكم شرعي كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يهابونه خوفا من الوقوع في الخطأ بل وكانوا يقسمون بالله لبعضهم وهم أهل للثقة أنهم سمعوا من رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال كذا وكذا، حتى لا يحملون وزرها، وكان بعضهم لا ينام الليل قلقا حتى يطلع صبحه ليتدارس أمر مسألة معينة، \"وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن – شيخ الإمام مالك – يبكي فقال : ما يبكيك ؟ فقال : استفتني من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم قال : ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق\".\rقال بعض العلماء فيما نقله ابن القيم عنه \"فكيف لو رأى ربيعة زماننا ؟ وإقدام من لا علم له على الفتيا، وتوثبه عليها، وهو باع التكلف إليها، وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب\".\rالمبحث الثاني : بعض أسباب التسيب\r? الجهل بالنصوص أو الغفلة عنها :","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"كان السلف الصالح إذا نزلت بهم نازلة يسألون عنها نظروا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن وجدوا الحكم فيها لم يتجاوزوه إلى رأي أو قياس بل يتوقفوا عنده ممتثلين لأمر الله عز وجل في أكثر من آية في القرآن الكريم برد الحكم إلى الله تعالى وإلى رسوله، ومن الآيات الصريحة في ذلك قوله تعالى : (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول).\rكما أن النصوص مضمون لها الصواب ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، كما تتميز بالعصمة والسمو على الآراء والاجتهادات، بالإضافة إلى كون النصوص عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها. وقد فطن الصحابة إلى هذا كله فلمسنا ذلك في فتاويهم، فكانوا إذا سئلوا على مسألة يقولون قال الله كذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط.\rيقول ابن القيم \"فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور\". لذلك جاءت فتاويهم أبعد ما تكون عن الخطأ.\rثم خلف من بعدهم خلف رغبوا عن النصوص بل تجاهلوها واستبدلوها بآرائهم وأذواقهم فنبذوا كلام الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وراء ظهورهم، وهؤلاء هم الذين حذر منهم الرسول – صلى الله عليه وسلم – حيث قال \"تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون به ما أحل الله ويحلون ما حرم الله\". وقد علق الإمام بن القيم عن هذا الحديث فقال \"... والكلام في الدين بالخرص والظن : ألا ترى إلى قوله في الحديث \"يحلون الحرام ويحرمون الحلال\" ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله، والحرام ما في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه، فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم وقاس برأيه ما خرج منه عن السنة، فهذا الذي قاس الأمور برأيه فضل وأضل\".","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"كما ذكر الإمام أدلة كثيرة على ذم الصحابة رضوان الله عليهم القول بالرأي ومن جملة ما ذكره \"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أصبح أهل الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأي\". \"وأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال \"لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا، وتجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم\".\rكما أن الجهل بالنصوص أو الغفلة عنها هي إحدى المزالق التي وقع فيها كثير من المفتين في عصرنا الحالي وقد أشار إلى ذلك يوسف القرضاوي، حيث قال \"... ومما يعرض المفتي للخطأ أو الغفلة عن النصوص الشرعية أو الجهل بها، وعدم الإحاطة بها وتقديرها حق قدرها وخصوصا إذا كان من يتعرض للفتوى من الجرآء المتعجلين، كالذين يريدون أن وا أنهار الصحف أو المجلات بأي شيء، دون أن يجشم نفسه عناء الرجوع إلى المصادر، والبحث عن الأدلة في مظانها، ومراجعة الثقات من أهل العلم\".\rوقال أيضا \"وأكثر ما تقع الغفلة عنه هنا هو : نصوص السنة، فقد فشا الجهل بها في هذا العصر فشوا مخيفا، حتى أن بعضهم ليفتي بما يناقض أحاديث الصحيحين أو أحدهما مناقضة صريحة بينة، لأن حضرته لم يقرأ هذه الأحاديث ولم يسمعها فجعل جهله حجة على دين الله\".\r? الشرع وسوء التأويل :\rإذا كان الجهل بالنصوص أو الغفلة عنها أحد المزالق أو الأسباب التي تؤدي إلى التسيب في الفتوى، فإن هناك سببا آخر يتمثل في سوء تأويل هذه النصوص ولي أعناقها عن مرادها لحاجة في نفس المفتي.","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"وسوء التأويل من الآفات الخطيرة التي منيت بها النصوص الشرعية في وقتنا الحاضر، وقد أشار إلى ذلك الدكتور يوسف القرضاوي حيث قال \"... وقد لا يأتي الخطأ من عدم استحضار النص، ولكن من سوء تأويله وفهمه على غير وجهه اتباعا لشهوة، أوارضاء لنزوة، أو حبا لدنيا، أو تقليدا أعمى للآخرين\". وقال أيضا \"وسوء الفهم أو سوء التأويل، آفة قديمة منيت بها النصوص الدينية، والكتب المقدسة، وهو أحد الوجهين فيما وصم به القرآن أهل الكتاب من تحريف الكلم عن مواضعه.\rفليس المقصود بالتحريف تبديل لفظ مكان لفظ فحسب، بل يشمل تفسير اللفظ بغير المراد منه، فهذا هو التحريف المعنوي، والأول هو التحريف اللفظي\".\rويكفي دليلا على أن التأويل آفة قديمة خربت الأديان السابقة ما أشار إليه ابن قيم الجوزية بقوله \"... وليس مختصا بدين الإسلام فقط، بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد وما لا يعلمه إلا رب العباد\".","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"وقد ضرب ابن القيم مثالا لذلك، كما بين النتائج التي يؤدي إليها سوء التأويل حيث قال \"ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي قصده الشرع مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمها الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة لم يرد به ذلك الدواء العام الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه وإنما أراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب العظيم، وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول، فاستعمل الناس الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول، ففسدت أمزجة لكثير من الناس، فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن بدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول ...\" إلى أن قال \"... وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس\". وهذا هو حال الفتوى في عصرنا الحالي الذي تطورت فيه وسائل الإعلام من جرائد وفضائيات حيث أصبحت الفتوى تلقى صدى واسعا بين أوساط المتلقين.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"كما أن من أسباب التسيب في الفتوى التسرع وعدم التثبيت فيها، وتحرج كثير من المفتين خاصة في واقعنا الحاضر من قولهم \"لا أدري\" أو \"لا أعلم\" للأمور التي يجهلونها. بعدما أن كانت هذه الكلمات هي شعار القدامى، والذين كانوا يتناقلونها فيما بينهم، قال الإمام النووي – رحمه الله – \"... وقالوا ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري : معناه أن يكثر منها وليعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم لا أدري لا يضع منزلته بل هو دليل على عظم محله وتقواه وكمال معرفته لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة بل يستدل بقوله لا أدري على تقواه وأنه لا يجازف في فتواه. وإنما يمتنع من لا أدري من قل علمه وقصرت معرفته وضعفت تقواه لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الناس\".\rوقال أيضا \"إذا سئل عن شيء لا يعرفه أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه أو لا أتحققه ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم \"الله أعلم\"، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه \"يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم\".\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه \"خمس احفظوهن لو ركبتم الإبل لأنضيتموهن من قبل أن تصيبوهن، لا يخاف عبد إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي جاهل أن يسأل ولا يستحي عالم إن لم يعلم أن يقول : الله أعلم ...\".","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"كما أن التسرع قد يؤدي إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو القول عليهم بلا علم قال ابن قيم الجوزية \"إذا نزلت بالحاكم أو المفتي النازلة، فإما أن يكون عالما بالحق فيها، أو غالبا على ظنه، بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته، أولا فإن لم يكن عالما بالحق فيها ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله، ودخل تحت قوله تعالى \"قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون \".\rوقال الإمام مالك – رحمه الله – \"العجلة في الفتوى نوع من الجهل، والخرق\". وكان يقول \"التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما عجل امرؤ فأصاب، واتأد آخر فأصاب إلا كان الذي اتأد أصوب رأيا، ولا عجل امرؤ فأخطأ واتأد فأخطأ إلا كان الذي اتأد أيسر خطأ\".\r? الخضوع للأهواء :\rلما كان الإفتاء إخبارا عن الله تعالى وتوقيعا عنه سبحانه فيما شرع لعباده من أحكام الحل والتحريم، والإذن والمنع، وحقوق الله على عباده وجب الاعتناء بهذه الأمانة اعتناء يفي بجسامتها وخطورتها، لذلك نجد القرآن الكريم في أكثر من آية يحذر من اتباع الهوى والانسياق وراء هذا الإله الجديد الذي عبد من دون الله تعالى ومن تلك الآيات قوله تعالى (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين). وقد علق الإمام الجليل ابن القيم عن هذه الآية فقال \"فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى\".","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"وقال تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب). قال ابن القيم \"فقسم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحق وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله، وإلى الهوى وهو ما خالفه\".\rوقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين). قال ابن القيم \"فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة بها وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فأمر بالأول، ونهى عن الثاني\".\rوغيرها من الآيات التي تدل بمجموعها على تجنب إتباع الهوى لأنه مظنة الوقع في الباطل.\rوقد عد الدكتور يوسف القرضاوي اتباع الهوى والخضوع له من أشد المزالق خطرا على المفتين في عصرنا الحالي حيث قال \"ومن أشد المزالق خطرا على المفتي أن يتبع الهوى في فتواه، سواء هوى نفسه أم هوى غيره، وبخاصة أهواء الرؤساء وأصحاب السلطة الذين ترجى عطاياهم، وتخشى رزاياهم، فيتقرب إليهم الطامعون والخائفون، بتزييف الحقائق وتبديل الأحكام، وتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعا لأهوائهم، وإرضاء لنزواتهم، أو مسايرة لشطحاتهم ونطحاتهم\".","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"كما كثر من المفتين في واقعنا الحاضر من يفتي الناس بحسب معرفته لهم أو قربه منهم وقد ضرب يوسف القرضاوي لذلك مثلا فقال \"... لقد رأينا من هؤلاء من أصدروا فتوى مطولة مفصلة، معللة مدللة، بتحريم الصلح مع العدو الغاصب لأرض المسلمين، دامغين بالفسق بل بالكفر، وخيانة الله ورسوله والمؤمنين من يستحل ذلك من الزعماء والحكام، ولم تمض سنوات قلائل حتى أصدر هؤلاء أنفسهم فتوى أخرى مناقضة للأولى، تجوز ما منعوه، وتحلل ما قد حرموه من الصلح، ولم يتغير لشيء في الموقف إلا تغير رياح السياسة، وأهواء الحاكمين\".\rلذلك وجدنا الكثير من المحققين من يعتبرون ذلك زيغا عن الحق وانحرافا عن الطريق المستقيم، ومن هؤلاء الإمام ابن قيم الجوزية حيث قال \"وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتحيز وموافقة الفرص، فيطلب القول الذي يوافق غرضه، وغرض من يحابيه فيعمل به، ويفتي به ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر والله المستعان\".\r? عدم فهم الواقع والخضوع له :\rومما ابتليت به الفتوى في وقتنا الحالي عدم فهم كثير من المفتين للواقع الذي يفتون فيه، فأصبحنا نرى الفقه أبعد ما يكون عن الواقع، وسار الواقع أبعد ما يكون عن الفقه. كما أصبح الفقه فقه نظر وتجريد، لا فقه عمل وتسديد.\rكما تجاهل كثير من المفتين بأن الواقع والفقه كمثل الحبل الملفوف الذي تكونه خصلتان تلتف إحداهما على الأخرى من أوله إلى آخر ه، فإذا التف الواقع بمشاكله ونوازله، التف الفقه باجتهاداته وفتاويه فتسير الحياة سيرا عاديا مفتولا يعطيها متانة وقوة وتماسكا، فإذا لم ينجح المفتون في معرفة هذا فلن يبق لفتاويهم قيمة ولا معنى وبالتالي يتم تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"يقول الإمام الشاطبي في ذلك \"إن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ\". ولا يكون الإطلاع على مآلات المكلفين إلا بفهم أحوالهم ومعاشهم وجزئيات واقعهم لأنه محل تنزيل هذه الأحكام. ويقول ابن القيم \"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما.\rوالثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده، واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع، والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله\".\rومن المزالق أيضا أن أصبح المفتون في زماننا صدى لما يريده المجتمع، فلم تعد مهمتهم هي إصلاح هذا المجتمع بل الخضوع له والانسياق وراءه بلي أعناق النصوص، وفي هذا الشأن يقول يوسف القرضاوي \"... ومن المزالق التي تزل فيها أقدام المفتين في عصرنا الخضوع لضغط الواقع الماثل بما فيه من انحراف عن الإسلام، وتحد لأحكامه وتعاليمه\".\rويقول أيضا \"... ولكن الواقع يضغط عليهم بقوة (يعني المفتين) من حيث يشعرون أو لا يشعرون فهم يركبون الصعب والذلول لتطويع النصوص للواقع، على حين يجب أن يطوع الواقع للنصوص، لأن النصوص هي الميزان المعصوم الذي يحتكم إليه ويعول عليه، والواقع يتغير من حسن إلى سيء، ومن سيء إلى أسوأ أو بالعكس، فلا ثبات له ولا عصمة.\rولهذا يجب أن يرد المتغير إلى الثابت، ويرد غير المعصوم إلى المعصوم، ويرد الموزون إلى الميزان\".\rالمبحث الثالث : علاج هذه الظاهرة (مقترحات وحلول)","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"فقد تبينا مما سبق المزالق والأسباب التي أدت إلى تراكم كم كبير من الفتاوى منها الغث والسمين، وهذا يعبر عن طفرة مرضية لم يسبق لها مثيل من قبل، فكان من الضروري البحث عن حلول وعلاجات لهذه الظاهرة قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء. وفيما يلي بعض المقترحات والحلول لذلك :\ro تشكيل مجموعة من العلماء مهمتهم تداول أمر الفتوى في المشكلات والمعضلات، وذلك لأسباب متباينة منها :\r? إعطاء قوة أكبر للفتوى.\r? سد الباب على استفتاء من لا علم له.\rوفي المقابل وضع شروط وضوابط محددة ينبغي أن تتوفر في أفراد هذه المجموعة منها التأهيل العلمي والعقلي وذلك نظرا لأهمية الفتوى الجماعية كما أنمها مطلب شرعي بحيث فعلها الصحابة (رضي الله عنهم أجمعين). وكذلك نتيجة انتشار القنوات الفضائية فالحاجة ماسة لها، كما أن الرأي الجماعي أقرب إلى الصواب وأكثر إقناعا لدى المتلقي.\ro إنشاء دائرة إسلامية عالمية مستقلة، تستطلع آراء العلماء في مختلف البلاد حول القضايا الملحة والعامة وتقدم عرضا محايدا للآراء المختلفة بموضوعية تامة، لتخليص الفتوى من التلوين الذي يحدثه كونها ضمن إطار سياسي أو مذهبي أو إقليمي محدد. كما يخرج الفتوى عن القوالب المحددة التي تفقدها قوتها، وعن المؤثرات التي تخرج بها عن أهميتها. ولأن هذا يمكن أن يوجد موقفا موحدا للجماهير المسلمة، مما يجمع المسلمين، ويقرب وجهات نظرهم، خصوصا في ظل كثرة هذه القضايا والمستجدات، ولأن هذا ينشئ سلطة أدبية للدعاة.\rفإذا كانت المجالات الأخرى نجد فيها المحتسب والمراقب فمن باب أولى أن نجد هذا في مجال الإفتاء، وهذا عين ما أشار إليه \"ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث كان شديد الإنكار على من يقول على الله تعالى ورسوله بغير علم، ولما قال له بعضهم يوما : أجعلت محتسبا على الفتوى ؟ قال له : يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب\".","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"o منع ولاة الأمور أو من له سلطة الحكم المفتي الماجن أو الجاهل وفي ذلك يقول أبو الفرج ابن الجوزي – رحمه الله تعالى – \"ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرأس الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب، وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطيب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟!\".\rخاتمة :\rوبعد، فقد حاولت قدر الإمكان أن أعالج النقط الرئيسية التي آثرتها في هذا الموضوع ويتعلق الأمر \"بالتسيب في الفتوى\".\rولعل أعظم ثمرة أقطفها من هذه القطوف الدانية خلال مسيرتي هذه هي :\r• تعلم الصبر ومجاهدة النفس وتربيتها على المشاق لأن بحثا كهذا من شأنه أن يزرع بذور هذه الخصلة في كل من خاض غماره لما يتطلبه من قوة التركيز والدقة في نقل المعلومات من مظانها.\r• أن موضوع الفتوى ليس بتلك البساطة التي كنت أتصورها، بل هو علم قائم بذاته له شروطه وضوابطه التي تحدده عن غيره من العلوم.\r• كما أ ن هذا الموضوع أتاح لي فرصة التعرف على علم من أجل العلوم وأشرفها عن طريق البحث في أمهات الكتب والمراجع التي تناولته، وأخص بالذكر كتاب \"أعلام الموقعين عن رب العالمين\" لابن قيم الجوزية – رحمه الله – وهو من أجل الكتب حيث أحاط بهذا الموضوع إحاطة شاملة وعالجه من جميع جوانبه.\rوأخيرا أتجرأ وأقول أن موضوع الفتوى ينبغي إحاطته بسياج من العناية والاهتمام يفي بجسامته وخطورته، وسد الباب أمام المتلاعبين بدين الله تعالى ورسوله وذلك بالضرب على أيديهم.\rوفي الختام أرجو أن أكون بهذا البحث قد بذلت جهدا متواضعا، وأرجو كل من تصفح هذا البحث أن يتجاوز عن ما وقع فيه من خطأ ناتج عن سهو أو جهل أو نسيان.\rوالحمد لله في النهاية كما حمدناه في البداية، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.\rوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات\rوالله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.","part":1,"page":31},{"id":34,"text":"فهارس المصادر والمراجع\r• القرآن الكريم .\r1- أدب الفتيا لجلال الدين السيوطي، تحقيق د. محي هلال السرحان، مطبعة الإرشاد، بغداد 1986.\r2- آداب المفتي والمستفتي لابن الصلاح، تحقيق د. موفق بن عبد الله، الطبعة الأولى، 1986، عالم الكتب.\r3- الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، ط 1 ، 1405/ 1985\r4- الأشباه والنظائر للإمام جلال الدين السيوطي، الطبعة الأخيرة، 1959، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر.\r5- أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي لمحمد رياض، الطبعة الثالثة 2002، مطبعة النجاح الجديدة.\r6- أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية، بتعليق طه عبد الرؤوف سعد، مطبعة النهضة الجديدة، 1968 القاهرة.\r7- التبصرة لابن فرحون، الطبعة الأولى 1986، مكتبة الكليات الأزهرية بمصر.\r8- التوقيف على مهمات التعاريف لمحمد عبد الرؤوف المناوي، تحقيق د. محمد رضوان الداية، دار الفكر، الطبعة الأولى 1990.\r9- صفة الفتوى لابن حمدان الحراني الحنبلي، تعليق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة 1397، المكتب الإسلامي .\r10- فتح الباري لابن حجر العسقلاني، تحقيق محي الدين الخطيب ومن معه، الطبعة الثالثة 1407، المطبعة السلفية القاهرة\r11- الفتوى بين الانضباط والتسيب ليوسف القرضاوي، د. يوسف القرضاوي، الطبعة الأولى 1988، دار الصحوة القاهرة.\r12- الفروق لشهاب الدين القرافي، الطبعة الأولى 1344، دار إحياء الكتب العربية بمصر.\r13- الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد بن الحسن الحجوي، تحقيق عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ 1977، المدينة المنورة.\r14- القاموس، لمجد الدين الفيروز أبادي، الطبعة الثانية 1952، البابي الحلبي بمصر.\r15- لسان العرب لابن منظور، دار صادر بيروت.\r16- المجموع شرح المهذب لمحي الدين بن شرف النووي، مطبعة العاصمة القاهرة دون تاريخ.\r17- محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي لعمر الجيدي، منشورات عكاظ.\r18- الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق عبد الله، دار طبع المكتبة التجارية دون تاريخ.\r19- مواهب الجليل شرح مختصر خليل الحطاب، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة 1328، مصر.\r20- شبكة الأنترنيت .","part":1,"page":33}],"titles":[{"id":1,"title":"التسيب في الفتوى","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"مقدمة :","lvl":1,"sub":0},{"id":6,"title":"المبحث الأول : تعريف الفتوى وحكمها","lvl":1,"sub":0},{"id":34,"title":"فهارس المصادر والمراجع","lvl":1,"sub":0}]}