{"pages":[{"id":1,"text":"مَنْهَجُ الأصْلَيْن\r( القسم الخاص بأصول الدين )\rتأليف\rالإمام شيخ الإسلام العلامة المجتهد\rأبي حفص عمر بن رسلان البلقيني\rرحمه الله تعالى\r( 724- 805 هـ )\rاعتنى به وضبط نصه\rالفقير إلى الله تعالى\rجلال علي الجهاني\rعفي عنه\rالإهداء\rإلى الشباب المتيقظ:\rأحمد حسنات\rمحمد العايدي\rربيع العايدي\rوَفَقهم الله تَعالى\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطاهرين وذريته المتقين، ورضوان الله على صحابته المجاهدين.\rأما بعد..\rفإن أفضل ما بذل الوقت والجهد فيه، هو علم التوحيد الذي به تكون النجاة في الآخرة، وبه يتحقق المرء من عقائد الإسلام، فيبني اعتقاده على القواطع اليقينيات لا على الشكوك والأوهام والظنون !! إذ يجب على كل الناس أن يبحثوا في عقائدهم ويتحققوا منها ويتبعوا الحق الذي هو عقيدة الإسلام.\rيقول الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في كتابه النفيس \" الاقتصاد في الاعتقاد \":\r\" اعلم أن صرف الهمة إلى ما ليس بمهم، وتضييع الزمان بما عنه بد، هو غاية الضلال ونهاية الخسران، سواء كان المنصرَف إليه بالهمة من العلوم أو الأعمال، فنعوذ بالله من علم لا ينفع.\rوأهم الأمور لكافة الخلق نيل السعادة الأبدية، واجتناب الشقاوة الدائمة.\rوقد ورد الأنبياء وأخبروا بأن لله تعالى على عباده حقوقاً ووظائف في أفعالهم وأقوالهم وعقائدهم، وأن من لم ينطق بالصدق لسانه ولم ينطو على الحق ضميره، ولم تتزين بالعدل جوارحه – فمصيره إلى النار، وعاقبته للبوار \" اهـ.\rويمثل علم التوحيد مع علم أصول الفقه والاستنباط – أصول مناهج الاستدلال والمعرفة في الإسلام، وبهما تتشكل عقلية المسلم الناضجة، ويدرك الأمور حوله بعمق ودقة، بلا زلل ولا خطل.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"ويخطأ خطأ شنيعاً من يتهم علماء الإسلام بأنهم كانوا يسيرون دون منهج واضح للبحث والمعرفة، إذ يبين ذلك جهل قائله الكبير والمركب بعلوم الإسلام وعلمائه.\rولا يعذر هؤلاء الخاطئون في مقالتهم هذه، لأن كتب علماء الإسلام متوافرة وواضح جداً فيها منهج البحث والمعرفة، ولا يكلف هؤلاء المتعالمون أنفسهم عناء البحث ليصلوا إلى الحق، بل يكتفون بترديد كلمات لبعض المستشرقين الأغبياء !! فيطبقون ما وجده علماء الغرب في الفكر الغربي على الفكر الإسلامي !!\rوعجيبٌ أيضاً موقف أولئك الذين يدعون أنهم مفكرون إسلاميون !! وهم يجهلون أو يتجاهلون أهم ما ينبغي إدراكه للمفكر، وهو منهج البحث المعرفي الإسلامي، إذ ليس \" المفكر \" إلا من يصدر عن مناهج ومسالك واضحة للتفكير والمعرفة والتحليل والاستنتاج !!\rفعلى الشباب الإسلامي الصاعد والباحث عن هويته أن يتحقق من معارف الإسلام وينطلق بها لعلاج مشاكل العصر، والنهضة بالمجتمع الضائع إلى دولة الإسلام والخلافة الرشيدة.\rمطلب في بيان ما ينبغي درسه\rمن كتب علماء الإسلام\rفي العقائد والأصول\rلا شك أن الكتب التي ألفت في شتى علوم الإسلام يصعب حصرها، ولكني ذاكر لكم هنا أهم ما تحتاجونه وأشهر ما ألفه علماؤنا في هذين العلمين الجليلين الخطيرين، ولم أذكر الكتب الصغيرة التي ألفت للمبتدئين لأن غايتها الإيصال إلى غيرها من الكتب العظيمة الآتية:\rأولاً: كتب العقائد:\r\" شرح العقائد النسفية \"، للإمام العلامة سعد الدين التفتازاني، إذ يعتبر من الكتب المحققة المتقنة التي ينبغي على الطلاب الاعتناء بها.\rكتب فخر الإسلام الرازي، وأهمها: \" الأربعين \" و \" المعالم \" و \" أساس التقديس \".\rكتب الإمام حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه، وأهمها: \" الاقتصاد في الاعتقاد \" و \" تهافت الفلاسفة \".\r\" شرح السنوسية الكبرى \" للإمام أبي عبد الله السنوسي المغربي.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"\" موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين \" لشيخ الإسلام العلامة البارع مصطفى صبري رحمه الله تعالى.\rثانياً: كتب أصول الفقه:\r\" منهاج الإمام البيضاوي \"، وعليه شروح كثيرة أهمها: شرح الإمامين الإسنوي والأصفهاني.\r\" المستصفى \" للإمام حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه.\r\" قواعد الأحكام \" للإمام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى.\r\" شرح التنقيح \" للإمام شهاب الدين القرافي رحمه الله تعالى.\r\" الإحكام في أصول الأحكام \" لسيف الدين الآمدي رحمه الله تعالى.\rوهذا غيض من فيض مما كتبه علماء الإسلام، فينبغي دراسة هذه الكتب دراسة محررة متقنة حتى تكون – أخي طالب العلم – على قدم راسخة لا تزلزلها الجبال.\rترجمة المصنِّف\rقال الحافظ تقي الدين بن فهد المكي رحمه الله في \" لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ \" ص 206 ما ملخصه:\rعُمرُ بن رِسْلان بن نصير بن صالح الكناني العسقلاني الشافعي، إمام الأئمة وعلم الأمة.\rحاز كل الفخر وهو أعجوبة الدهر، خاتمة المجتهدين، ومن دان لفضله كل عالم من أئمة الدين، شيخ الوقت وحجته وإمامه ونادرته، فقيه الزمان بالاتفاق، وشيخ الإسلام على الإطلاق، أعلم أهل عصره بجميع العلوم، وأدراهم بالمنطوق والمفهوم، مفتي الأنام وملك العلماء الأعلام، عون الإسلام والمسلمين، وحجة الله تعالى على خلقه أجمعين.\rأبو حفص سراج الدين.\rمولده: في ليلة الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة بغربي أرض مصر ببلقينة، فنشأ بها وحفظ القرآن العظيم وله من العمر سبع سنين، وحفظ في الفقه \" المحرر \" وفي الأصول \" مختصر ابن الحاجب \"، وفي القراءات \" الشاطبية \"، وفي النحو \" الكافية لابن مالك \".\rوقدم مصر في سنة سبع وثلاثين مع والده، وله اثنتا عشرة سنة، فعرض بها محفوظاته على علماء الوقت، فبهرهم بذكائه وسرعة إدراكه.\rوأكب على الاشتغال في فنون العلم والفقه والأصول والفرائض والنحو حتى فاق رفقاءه.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"ثم أقبل على الحديث وحفظ متونه ورجاله، فحاز من ذلك علماً جماً(1)، حتى أربع على أقرانه وصار أحفظ أهل زمانه لمذهب الشافعي رضي الله عنه، فاشتهر بذلك وطبقة شيوخه متوفرون.\rولم تر العيون أحفظ منه، خصوصاً لأحاديث الأحكام والفقه.\rحضر دروس شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في الفقه وبحث معه فيه، وأخذ عن شيوخ عصره كالشيخ شمس الدين بن عدلان ونجم الدين بن الأسواني والإمام العلامة بهاء الدين بن عقيل وانتفع به كثيراً وتزوج بابنته وناب عنه في القضاء، وقرأ في الأصول والمعقولات على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وأذن له بالإفتاء هو وجماعة غيره.\rوكان رحمه الله تعالى واسع العلم بحراً لا يجارى ولا تكدره الدلاء وحافظاً لا يكاد يفوته من علوم البشر إلا ما لا خير فيه، ديِّناً خيِّراً وقوراً حليماً مهيباً سريع البادرة قريب الرجوع كثير التلطف سريع البكاء في الميعاد مع الخشوع، لا يفتر عن الاشتغال أو الإشغال.\rاجتهد في آخر عمره واختار مسائل(2)، فانفرد بعلوم شتى ودارت عليه الفتوى، انتهى ملخصاً من لحظ الألحاظ.\rومن أراد التوسعة في ترجمته فعليه بكتاب \" ترجمة الإمام سراج الدين البلقيني \" لابنه عبد الرحمن، وهو مخطوط بدار الكتب المصرية في 65 لوحة تحت رقم 8107 / ح ، يسر الله من يقوم على نشره.\rمصنفاته:\r__________\r(1) خرج له الحافظ ابن حجر أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً، وكذا خرج له الحافظ ولي الدين العراقي مائة حديث من عواليه، ذكره ابنه في ترجمته.\r(2) ذكر بعضها ابنه عبد الرحمن في ترجمته لوالده المصنف رحمه الله.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"لقد كتب الإمام سراج الدين البلقيني العديد من المؤلفات في شتى العلوم، إلا أن الغالب على مؤلفاته عدم التمام، ويعلل ولده ذلك بقوله: \" والسبب في عدم إكماله لغالب مصنفاته أنه كان مشتغلاً بالدروس والفتوى فلا يتفرغ إلا قليلاً، لأنه أول النهار يكون مدرساً بهذه المدارس إلى الظهر غالباً، ومن العصر إلى المغرب يكتب على الفتاوى، فأي وقت فرغ إنما هو بين الظهر والعصر وبالليل، فبورك له في ذلك \"(1).\rوللأسف الشديد فإن ما بقي من مصنفات هذا الإمام لم تطلها أيد الباحثين والناشرين، فحرم جمهور الناس علماً وتحقيقاً جماً.\rوأذكر هنا أسماء مصنفاته التي ذكرها ولده والتي ذكرها ابن فهد المكي والبغدادي في هدية العارفين، والسخاوي في الضوء اللامع، مرتبة على الحروف الهجائية، وأذكر ما اطلعت له على مخطوط موجود بالمكتبات:\rإظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد.\rالأجوبة المرضية عن المسائل المكية.\rارتياح الأراوح في المواعيد، من إنشائه كله.\rالتأديب مختصر التدريب، قال ولده: كتب منه النصف.\rالتدريب في الفقه، قال ولده: كتب منه متوالياً إلى الرضاع، ومفرقاً منه مواضع متعددة، منه نسخة بتشستربيتي تحت رقم 4703 أوله بعد البسملة والحمدلة: ( أما بعد فهذا تدريب المبتدي منه في كثير من الفقه.. فيه نبذة من الدلائل وجملة من المسائل وقطعة من الضوابط والأصول وقواعد واستثناءات تنفع في النقول )، وتنتهي النسخة بأول باب النفقات، وخطها نسخي، ومنه نسخة أخرى بدار الكتب المصرية تحت رقم 845 فقه شافعي في 111 ورقة، و 527 فقه شافعي في 226 ورقة.\rتراجم البخاري، قال ولده: جزء صغير.\rترتيب الأقسام على مذهب الإمام في الفروع، ذكره في هدية العارفين.\r__________\r(1) ترجمة الإمام السراج البلقيني لولده ( مخطوط ).","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"ترتيب الأم للإمام الشافعي، قال ولده: وقد أكمله لكن بقي منه بقايا تكتب على متوالى الكتاب، منه الجزء الثالث من نسخة بمكتبة ولي الدين جار الله بتركيا، تحت رقم: 262.\rترجمان شعب الإيمان.\rتصحيح المنهاج للنووي، قال ولده: أكمل منه الربع الأخير في خمسة أجزاء، وكتب منه ربع النكاح تقدير جزء ونصف، ومفرقاً كراريس كثيرة، منه نسخة بدار الكتب المصرية في ستة مجلدات تحت رقم 56 فقه شافعي، وأخرى بدار الكتب أيضاً في خمسة مجلدات بها خروم تحت رقم 57 فقه شافعي، والجزء الرابع من نسخة ثالثة تحت رقم 438 فقه شافعي في 284 ورقة.\rتصنيف لطيف فيما يدخل العبد المسلم في ملك الكافر ابتداء.\rتكذيب مدعي الإجماع مكابرة على منع تعدد الجمعة في القاهرة.\rتنقيح القول المعلوم في تحقيق عموم المفهوم.\rجلا المعمى في الاسم والمسمى، ذكره في هذه الرسالة.\rالجواب الوجيه عن تزويج الوصي السفيه.\rالدلالات المحققة في الوقف طبقة بعد طبقة، قال ولده: رداً على السبكي في كتابه المباحث المشرقة.\rرفع الضمان عن من لم يجد خيانة إذا نصبه الحاكم للأمانة.\rصورة ثبوت المهر بالشاهد واليمين، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1546 فقه شافعي.\rصورة سؤال سئل عنه سراج الدين البلقيني في حديثي القرض والصدقة، منه نسخة بمكتبة البلدية بالإسكندرية ضمن مجموع رقم 2132 / د.\rالطريقة الواضحة في تمييز الصنايحة ( كذا ).\rعرف الشذا في مسألة كذا.\rالعرف الشذي على جامع الترمذي، قال ولده: كتب منه قطعة صالحة، وكان كثير النظر فيها.\rالفوائد المحضة على الرافعي والروضة، قال ولده: كتب منه أجزاء متفرقة، وذكر ابن فهد والسخاوي أن الحافظ ولي الدين العراقي قد جمعها في مجلدين، منه مجلد قدر النصف بدار الكتب المصرية في 195 ورقة به تبقيع وتلويث، تحت رقم: 23329/ ب.\rالفتح المقدر في شرح المحرر، قال ولده: كتب منه جزءاً من الشفعة والقراض ومن النكاح والضمان.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"الفيض الجاري على صحيح البخاري، قال ولده: كتب منه نحواً من خمسين كراساً على أحاديث يسيرة إلى أثناء الإيمان ومواضع متفرقة، منه عدة نسخ: منها بمعهد الدراسات الشرقية بداغستان تحت رقم 813 في 108 ورقات، وأخرى بالجامع الكبير بصنعاء تحت رقم 2366 في 205 ورقات، وأخرى بدار صدام بالعراق تحت رقم 606 في 378 ورقة، ورابعة بآيا صوفيا بتركيا تحت رقم 679.\rفتح الله بما لديه في بيان المدعي والمدعى عليه، ذكره ابن فهد.\rالفتح الموهب في الحكم بالصحة والموجب، قال ولده: لم يكمل، منه نسختان بدار الكتب المصرية تحت رقم: 25597/ ب، و484 مجاميع.\rفوائد الحسام على قواعد ابن عبد السلام، ذكره في هدية العارفين.\rفتاوى البلقيني، ذكره في هدية العارفين، وهو من جمع ولده العلامة صالح، وسماه: التجرد والاهتمام في جمع فتاوى شيخ الإسلام، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم 212 فقه شافعي/ طلعت، في 187 ورقة ، وأيضاً بدار الكتب المصرية جزء عنوانه: مسائل فقهية في العبادات نقلت من كتاب التجرد والاهتمام في جمع فتاوى شيخ الإسلام عمر بن رسلان البلقيني، رقمها 21527/ ب.\rقطر السيل في أمر الخيل، منه نسخة بمكتبة منغنيسيا بتركيا، تحت رقم 6461 من ا/أ إلى 102/أ، وذكر في مقدمته أنه لخصه من كتاب شرف الدين الدمياطي وأضاف إليه أشياء، وأخرى بمكتبة عارف حكمت تحت رقم 57 حديث في 94 صفحة، وعدة نسخ بدار الكتب المصرية تحت رقم: فنون حربية 214، في 60 ورقة، وفروسية تيمور 8 في 203 صفحات، وفروسية تيمور 9 في 84 صفحة وغيرها.\rالكشاف على الكشاف، قال ولده: وصل فيه إلى أثناء سورة البقرة في ثلاثة مجلدات ضخمة، منه نسخة بدار الكتب تحت رقم: تفسير 869، ونسب في الفهرس إلى ولده صالح.\rالمسؤول في علم الأصول، قال ولده: كتب منه قطعة صالحة.\rمحاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح، طبع بتحقيق د. عائشة عبد الرحمن عن دار المعارف بالقاهرة في مجلد.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"الملمات برد المهمات، قال ولده: كتب منه أجزاء متفرقة، وبدار الكتب المصرية جزء من أثناء الحج إلى أثناء الوكالة تحت رقم: 489 فقه شافعي.\rمناسبة أبواب الفقه على طريقة علماء الشافعية، بدار الكتب المصرية منه نسخة تحت رقم 1410 فقه شافعي.\rمناسبات تراجم أبواب البخاري، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم: 300 مجاميع، و590 تيمورية.\rوبدار الكتب تحت رقم 1081 فقه شافعي، أرجوزة في أحكام الجن، نظم أبو العباس أحمد بن عماد بن يوسف الأقفهسي، وجاء في الفهرس \" وهي نظم لكتاب المنة في دخول الجنة لعمر البلقيني سراج الدين \".\rالمنصوص والمنقول عن الشافعي في الأصول، قال ولده: كتب منه قطعة صالحة، ونقل بعضاً منه في الترجمة التي عملها لأبيه.\rمنهج الأصلين، قال ولده: أكمل منه أصول الدين، وهو محفوظ بأيدي الناس، وكتب قريباً من نصف أصول الفقه. وهو كتابنا هذا.\rنشر العبير لطي الضمير، وسماه ابن فهد: طي العبير لنشر الضمير، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم: 27880/ب في 12 ورقة.\rواضح المستندين في رفع الدين.\rالينبوع في إكمال المجموع، قال ولده: كتب منه جزءاً من النكاح.\rهذا ما استطعت الآن العثور عليه من أسماء مصنفات هذا الإمام، ولعل الأيام تكشف لنا عن بعض ما نظنه قد فقد أو ضاع.\rهذا الكتاب\rيعتبر هذا الكتاب مقدمة وتلخيصاً لمسائل علم التوحيد، سطّرها عالم من علماء المسلمين متقن بارع في علوم شتى، دل على مدى إتقان الإمام البلقيني مسائل وفن علم التوحيد.\rوكان المصنف عازماً على أن يضيف إليه مقدمة في أصول الفقه، ولكن لم تسعفه المنية لإتمامها، بعد أن كتب منها قطعة لم تشتهر كما ذكر ولده عبد الرحمن.\rوالكتاب ثابت النسبة حيث ذكره ولده في الترجمة التي عملها لأبيها الإمام سراج الدين البلقيني، كما نسبه إليه بعض من أتى بعده كالبغدادي في هدية العارفين.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وقد وجدتُ للكتاب نسختين: إحداهما بمكتبة تشتربيتي بإيرلندا ضمن مجموع رقم: وتبدأ من لوحة رقم 26-أ، إلى 53-ب، وهي التي جعلتها أصلاً.\rوالأخرى بدار الكتب المصرية تحت رقم 263 أصول فقه، في 23 لوحة، وأشرت لها بالنسخة ب، ولم يأت فيها ذكر الناسخ ولا تاريخ النسخ، بخلاف الأولى.\rوقد قمتُ بنسخ المخطوط الأصل ثم قابلته على النسخة الثانية، وأصلحت نسخة الأصل من بعض الأخطاء الكتابية، وأضفت فيها بعض ما زادته نسخة ب وهو قليل.\rوظني أن الكتاب بهذه الصورة جيد ومفيد ولا ينقصه شيء يذكر، وأنه يظهر كما أراد له مؤلفه الإمام الكبير، وأضفت عناوين وضعتها بين معقوفتين تسهيلاً للقراءة.\rوأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنه جواد رحيم.\rبسم الله الرحمن الرحيم\rاللهم صل على محمد\rقال شيخنا وسيدنا الإمام العلامة شيخ الإسلام بقية المجتهدين، وواحد الدعاة إلى رب العالمين، سراج الدين أبو حفص عمر البلقيني، حمى الله بوجوده الإسلام وحرسه من عين الأنام:\rالحمد لمن وجب وجوده لذاته، والتنزيه لمن تقدس في أسمائه وصفاته، الأول الذي لا ابتداء لأوليته، الدائم الذي لا انتهاء لأبديته، الواحد الذي لا ثاني له في وحدانيته، الفرد الذي لا شريك له في فردانيته، هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم العليم، فكل شيء له معلوم.\rبعث الرسل بالحجة على الخليقة، وبين للجميع الطريقة، وخص بالبعثة العامة أفضل الخلائق /26–أ/ الذين كمل في شريعته للدين الحقائق، سيدنا محمد أفضل الخلق أجمعين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.\rأما بعد..\rفهذا منهج الأصلين، ألخص فيه مسائل العلمين: علم أصول الدين، وعلم أصول الفقه المتين، ينفع الراغب ويفيد الطالب، نفع الله به آمين، والحمد لله رب العالمين.\rمقدمة\rفي الحد والنظر والفكر والعلم والدليل\rوالأمارة والأصل والدين\rالحد لغة: المنع، واصطلاحاً: القول الجامع لما نعرفه،المانع من دخول غيره فيه.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"والجامع هو المنعكس، والمانع هو المطرد، وشذَّ من عكس.\rولا بد من مساواته لما نعرفه في العموم والخصوص.\rوالمعرفات خمسة: الحد التام، والحد الناقص، والرسم التام، والرسم الناقص، وتبديل لفظ بلفظ مرادف له أشهر منه عند السامع.\rفالأول: ما أنبأ عن ذاتيات المحدود الكلية المعتبرة في التركيب، بجنس قريب وفصل مذكور بعده.\rوالثاني: كالتعريف بالجنس البعيد، أو أن يذكر الفصل قبل الجنس /26–ب/.\rوالثالث: ما أنبأ عن الشيء بعَرَضٍ لازم له أظهر منه بعد جنسٍ قريب.\rفإن بعُد الجنس أو تقدم الفصل فرسم ناقص، وهو الرابع.\rوالخامس تقدم ما يوضحه.\rالنظر: الفكر الذي يطلب به علم أو ظن.\rوالصحيح منه ما أدى إلى الوجه الذي يه يدل الدليل، والفاسد بخلافه.\rوالنظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى هو أول الواجبات على المكلف بالشرع.\rوقال الإمام في أول الإرشاد: أول ما يجب على البالغ شرعاً القصدُ إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدث العالم، وإذا تم النظر الصحيح حصل العلم بالمنظور فيه بالفتح الرباني.\rوالفكر: استحضار معلومات مترتبة بترتيب خاص، ليحصل غير المعلوم.\rوأما العلم فقيل: لا يحد، والصحيح أنه يحد، وهو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض.\rوالدليل لغة: المرشد وما به الإرشاد، والمرشد الناصب للدليل أو الذاكر له.\rوفي الاصطلاح: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب علمي للتصديق.\rثم العلم إن كان بمفرد سمي تصوراً ومعرفة، وإن كان بنسبة سمي تصديقاً.\rوكل من /27-أ/ التصور والتصديق ضروري ومطلوب، خلافاً لمن قال: إن التصورات كلها بدهية.\rفالتصور الضروري ما لا يتقدمه تصور يتوقف عليه كالوجود والشيء، والمطلوب بخلافه.\rوالتصديق الضروري ما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه، والمطلوب ما يطلب بالدليل.\rوأما الأمارة فهي ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيها إلى مطلوب ظني.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وأما الأصل فهو لغة لمعان: المحتاج إليه، أو ما يبنى عليه غيره، أو ما يستند وجوده إليه من غير تأثير، أو ما منه الشيء.\rواصطلاحاً: الدليل الراجح، والصورة المقيس عليها، والقاعدة، والمراد به في الأصول: الدليل.\rوأما الدين فهو لغة لمعان: الملة والعبادة والطاعة والجزاء والحساب والقضاء والقهر والذل والعصيان والسياسة والعزة والحال والنداء.\rواصطلاحاً: التصديق والعمل المحصل للإيمان والإحسان، ومن ذلك يعرف أصول الدين من حيث الأفراد.\rوأما تعريف أصول الدين من حيث العلمية فهو أدلة إثبات واجب الوجود لذاته وصفاته /27-ب/ وما تعلق بحجته والمعاد على قوانين الإسلام.\rمسألة في إثبات واجب الوجود لذاته\rالموجود: إما واجب الوجود لذاته، وهو الذي لا يقبل العدم، أو ممكن لذاته وهو الذي يقبل العدم، وكلاهما غير الممتنع لذاته، وهو ما استحال وجوده.\rولا بد للممكن من موجد، لكن ترجيح وجوده على عدمه لا يكون لذاته وإلا لكان واجباً، فيكون لغيره.\rوغيره: إما ممكن أو واجب، إن كان ممكناً انتقل الكلام إلى مثل ذلك فيه وتسلسل، والتسلسل باطل، وإن كان واجباً فهو المطلوب، وهو الله سبحانه وتعالى، الأول الذي لا ابتداء لأوليته، ولا انتهاء لأبديته.\rتنبيه: وجه إبطال التسلسل هو أنه لو تسلسلت العلل إلى غير نهاية، فمجموع الممكنات المتسلسلة محتاج إلى كل واحدة منها، ضرورة احتياج المجموع إلى كل واحد من أجزائه، فيكون المجموع ممكناً ومحتاجاً إلى سبب، وذلك السبب الذي يفتقر إليه المجموع ليس نفس المجموع لاستحالة كون الشيء علةً لنفسه، لما عُلِم من أن العلة غير المعلول، وليس /28-أ/ داخلاً في المجموع، لأن الشيء لا يكون علة لنفسه ولا لعلته، فلا يكون علة لكل واحد من الآحاد، لأن من جملة تلك الآحاد نفسه وعلته، وإذا بطل ذلك تعين أن يكون ذلك السبب خارجاً عن المجموع، والخارج عن كل الممكنات لا يكون ممكناً، بل يكون واجب الوجود لذاته، وهو المطلوب.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"مسألة: واجب الوجود لذاته واحد لا شريك له\rلا إله إلا هو\rبرهان ذلك: أنه لو كان معه غيره لكان الواجب لذاته محتاجاً في تعيينه إلى غيره وهو محال.\rولأنه لو فرضنا إلهين، واختلفت إرادتهما في طرفي نقيض، فإن حصل مرادهما لزم اجتماع النقيضين وهو محال، أو لم يحصل مرادهما لزم ارتفاع النقيضين وهو محال، أو حصل مراد أحدهما دون الآخر كان الآخر عاجزاً، فلا يكون إلهاً.\rولأن الشركة نقص، والنقص لا يجوز على الإله.\rولأن أحدهما إن لم يقدر على الآخر لزم النقص وهو محال على الإله، وإن قدر عليه لزم أن يكون الواجب ممكناً وهو محال، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فإذاً الفرض المذكور /28-ب/ محال، وليس واجب الوجود لذاته إلا واحداً، وهو الله لا إله إلا هو.\rمسألة: حدوث العالم\rما سوى واجب الوجود لذاته من الوجود، وهو العالَم – بفتح اللام – حادثٌ، يستوي في الحدوث الجوهر، نفساً كان أو غير نفس، والجسم والعرض.\rفالجوهر ما كان متحيزاً، وهو الذي يشار إليه بهنا وهناك.\rفإن تألف من جوهر آخر صار به جسماً.\rوالعرض ما ليس متحيزاً، ولكنه حالٌ في متحيز.\rوليس في الممكنات عند جمهور المتكلمين ما ليس متحيزاً ولا حالاً في متحيز.\rبرهان إثبات حدوث العالم:\rأن كل ما سوى واجب الوجود ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، فكل موجود سوى واجب الوجود محدث.\rتنبيه: وجود الموجود نفس ماهيته، ونسب إلى الأشعري، أو مغاير لماهيته، وهو قول المتكلمين، أو يفرق فكالأول في واجب الوجود وكالثاني في الممكن، وهو قول الحكماء.\rمسألة: حدوث العالم لا من شيءٍ\rالعالم كله حدث بإيجاد الله تعالى لا من شيء.\rفالشيء هو الموجود، والمعدوم لا يسمى شيئاً عندنا أهل السنة.\rوالشيء عندنا يطلق على واجب الوجود لذاته، وعلى الممكن بعد وجوده/29-أ/ جوهراً كان أو عرضاً.\rوإنما يطلق على واجب الوجود إذا لم نرد بشيءٍ المَشيءَ، فإن أريد به ذلك انحصر إطلاقه في الموجود الممكن.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وإذا لم يرد بشيء المَشيءَ فإطلاقه على الواجب والممكن حقيقة، وقيل: حقيقة في واجب الوجود مجاز في الممكن، وقيل: حقيقة الشيء المحدث، ولا يطلق على واجب الوجود.\rفإن أريد به ما كان بمعنى المشيء فذلك يمتنع إطلاقه على واجب الوجود كما سبق، وليس الكلام فيه.\rولعل صاحب هذا القول رأى أن اللفظة محتملة فامتنع من إطلاقها على الله تعالى، لاتفاقهم على أن ما أوهم نقصاً لا يجوز إطلاقه في حق الله تعالى.\rمسألة: في التنزيهات\rوالمراد بها: سلبُ ما يستحيل على الله سبحانه وتعالى.\rفمن ذلك: أنه لا شريك له، ولا ولد له، ولا والد له، وليس بجوهرٍ ولا جسمٍ ولا عرضٍ، وأن حقيقته تعالى لا تماثل غيرها من الحقائق، وأنه ليس في جهةٍ، ولا يتحد بغيره ولا يحل فيه.\rبرهان ذلك:\rأما نفي الشريك فقد تقدم برهانه.\rوأما أنه ليس بوالد فلأن الولد بعض الوالد، والإله واحد، ومحال /29-ب/ التبعيض.\rوأما أنه ليس بولد فلأن الولد بعضٌ مسبوقٌ بالعدم، وهو ممكن، والإله واجب الوجود لذاته كما تقدم.\rوكذلك الجوهر والجسم والعرض.\rوأما أنه لا مثل له، فلما تقدم في نفي الشريك.\rوأما أنه ليس في جهةٍ فلأنه لو كان في جهةٍ لكانت قديمة، وقد تبين بما سبق إبطال القدم بالنسبة إلى غير الله تعالى.\rوإن كانت حادثة يلزم احتياج واجب الوجود إلى الممكن، وهو محال.\rويلزم حلوله في الممكن وهو محال، وسيأتي.\rوأما الأخبار والآثار فالقواطع من الأدلة العقلية التي لا تقبل التأويل تقتضي صرف ذلك عن ظاهره.\rوأما لا يتحد بغيره، فإنه لو اتحد بغيره فإن بقيا موجودين فلا اتحاد، وإن لم يبقيا لم يتحدا، لأنه إن عدما ووجد ثالث فلا اتحاد، وكذلك إن عدم أحدهما وبقي الآخر، لأن المعدوم لا يتحد بالموجود.\rويلزمه فيما فرض في عدمهما عدم واجب الوجود لذاته وهو محال، وما أفضى إلى المحال فهو محال.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وأما أنه لا يحل في غيره فلأنه لو حل في شيء لزم إحاطة ذلك الشيء به، ويلزم تحيزه فيكون جوهراً أو عرضاً، وكلاهما /30-أ/ ممكن، فبطل أن يكون واجب الوجود حالاً في شيء لإفضائه إلى محال باطل.\rومن السلوب: أنه سبحانه وتعالى لا يتصف بالحوادث ولا يوصف بشيء من الألوان ولا من الطعوم ولا من الروائح، ولا بكونه يستلذ بشيء ولا يطعمه، ولا يفنى، ولا تتغير صفاته الحقيقية ولا تتبدل.\rوأما الإضافة كتعلق علمه بالمعلومات وقدرته بالمقدورات وإرادته بالمرادات، فالمعلومات والمقدورات والمرادات بالنسبة إلى غيره هي بالنسبة إلى أنفسها متغيرة، والتعلق: قيل قديم، وقيل حادث، والأرجح أنه أمر اعتباري لا يوصف بقدم ولا حدوث.\rوأما أنه لا يوصف بالحوادث فلأن الحدوث نقص، ويستحيل في حق الإله اتصافه بصفة النقص.\rوأما أنه لا تتغير صفاته الحقيقية فإنه لو جاز تبدلها لصح اتصافه بالمحدث، وهو لا يوصف بالمحدث لما تقدم.\rمسألة: في الصفات الثبوتية\rواعلم أن الصفة ليست غير الموصوف ولا عين الموصوف.\rفإن غير الشيء ما جاز وجوده مع عدم الآخر، وأما كونها ليست عينه فواضح.\rوالصفات /30-ب/ الثبوتية ثمانية: الحياة والعلم والقدرة والإرادة، وهذه الصفات تتوقف عليها الأفعال.\rوبقية الصفات الثمانية: السمع والإبصار والكلام والبقاء.\rوأثبت الحنفية صفة التكوين.\rصفة الحياة\rفأما الحياة فهي صفة ما يصح أن يعلمَ ويقدرَ، وليس المراد بها القوة التي تتبع الاعتدال النوعي ويفيض عنها سائر القوى الحيوانية، لأن ذلك محال في حق الله تعالى.\rوهو سبحانه حي بحياة، والدليل على أنه حي أنه عالم قادر، لما دل على ذلك وسيأتي، ومن كان عالماً قادراً كان حياً بالضرورة.\rومن الكلام الموجز المرجّز: لو لم يكن الإله حيا، استحال أن يوجد شيئا، ومن وجب علمه فالحياة حكمه، الحياة شرط العلم والقدرة، وعليهما دلت الفطرة.\rصفة العلم\rوأما العلم فمذهب أهل الحق أنه سبحانه وتعالى عالم بعلم.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وكل من علم أمراً لا بد أن يحصل بين العالم والمعلوم إضافة مخصوصة، وهذه الإضافة هي التي يعبر عنها جمهور المتكلمين بالتعلق، فالعلم صفة تقتضي تلك الإضافة.\rومنهم من قال: العلم عبارة عن نفس هذا التعلق ونفس هذه /31-أ/ الإضافة، وهي التي سماها المعتزلة عالمية.\rوهو سبحانه عالم بذاته وصفاته وخلقه والمكون وما يكونه والموجود موجوداً والمعدوم معدوماً، ويعلم الكليات على الوجه الكلي، والجزئيات على الوجه الجزئي.\rوعلمه باق لا يتغير، والتغير واقع في التعلق والمتعلق به.\rويعلم ما لانهاية له، ولا نهاية في التعلق.\rوالدليل على ذلك أن جهل شيء من ذلك نقص، والنقص مستحيل على الإله.\rصفة القدرة\rوأما القدرة فهي عبارة عن معنى يوجب التخصيص بالوجود والعدم.\rوهو سبحانه وتعالى قادر بقدرة بالاختيار، إن شاء فعل وإن شاء ترك.\rلأن من لم يكن بالقدرة موصوفاً كان بسمة العجز مأووفا(1)ً، ودليل الكمال للإله المعبود نطق به الشاهد والمشهود.\rصفة الإرادة\rوأما الإرادة فهي عبارة عن معنى يوجب تخصيص الحادث بزمان دون زمان.\rوهو سبحانه وتعالى مريد.\rوالدليل على هذا أن تخصيص بعض المقدورات بالتحصيل دون بعض، وتخصيص بعضها بالتقدم وبعضها بالتأخر – لا بد له من مخصص، وذلك المخصص ليس هو نفس العلم /31-ب/ لأن متعلق العلم بالمعلوم على ما هو علم في نفسه، فيكون تابعاً للمعلوم، وتابع الشيء يستحيل أن يكون مستتبعاً له.\rوليس هو القدرة، لأن القدرة من شأنها الإيجاد، وذلك لا يقتضي الاختصاص بمقدور دون آخر، بل نسبتها إلى جميع المقدورات في الأوقات على نسبة واحدة.\rفإذاً لا بد من صفة غير العلم والقدرة لتخصيص المقدرات بالإيجاد والوقت المختص بها، وهي الإرادة.\rوإرادته تعالى غير حادثة، لأن وجود كل محدث موقوف على تعلق الإرادة به، فلو كانت إرادته محدثة لاحتاجت إلى إرادة أخرى وتسلسل، والتسلسل باطل لما تقدم.\r__________\r(1) أي مصاباً بآفة.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وإرادته سبحانه شاملة لجميع الكائنات ومريد للخير والشر، لا يخرج شيء عن قدرته وإرادته.\rومن الكلام الموجز: تخصيص الفعل بأوقاته دلالة إرادة إثباته، من تنوع إيجاده دل على أن الفعل مراده.\rصفة السمع والبصر\rوأما السمع والبصر فدلت الحجج السمعية على أنه سبحانه وتعالى سميع بصير، وليس في العقل ما يصرف تلك الحجج عن /32-أ/ ظاهرها، فوجب الإقرار بها.\rوأن ذلك لا يكون بآلات جسمانية، وهما قديمان.\rوهو سبحانه وتعالى يسمع كلامه القديم، كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من ذلك إثبات حرف ولا صوت، بل هو ثابت بما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ويبصر ذاته.\rويتعلقان بالمسموع من الحوادث والمبصرات منها عند وجود ذلك المسموع والمبصر.\rوالدليل على أنه سميع بصير أنه تعالى حي، للدليل القائم على ذلك، والحي إن لم يتصف بالسمع والبصر يكون ناقصاً، والنقص على الله تعالى محال.\rولا يلزم على ذلك أن يقال: عدم الشم والذوق واللمس نقص أيضاً، لأن هذه من طباع الأجسام الحية، وهي مستحيلة على الباري جل جلاله.\rوفي الإرشاد: الصحيح المقطوع به عندنا وجوب وصفه بأحكام الإدراك فيما يتعلق بالطعوم والروائح والحرارة والبرودة واللين والخشونة، إذ كل إدراك ينفيه ضد، فهو أنه كما دل على وجوب وصفه بحكم السمع والبصر فهو دال على وجوب وصفه بأحكام الإدراكات، ثم يتقدس الرب تعالى عن كونه شاماً ذائقاً لامساً.\rصفة الكلام\rوأما الكلام /32-ب/ فهو القول القائم بالذات،الذي تدل عليه العبارات، وما يصطلح عليه من الإشارات.\rوتواتر إجماع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واتفاقهم، على أنه سبحانه وتعالى متكلم، وثبوت نبوتهم غير متوقف على كلامه فوجب التصديق به.\rوكلامه ليس بحرف ولا صوت يقومان بذاته ولا بغيره، بل كلامه هو المعنى القائم بذاته، ويعلمه من شاء الله أن يسمعه ذلك.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وليس كلامه علمه ولا إرادته، فإن كلامه أمره ونهيه ووعده وإيعاده وإخباره، وهو سبحانه وتعالى قد أمر الناس كلهم بالإيمان، وقد علم أن منهم من لا يؤمن وهو الذي لم يرد منه الإيمان، فلو كان كلامه نفس العلم والإرادة لكان كل مأمور بالإيمان يعلم إيمانه أو يريد منه الإيمان، والواقع خلافه، فثبت أن الكلام غير العلم وغير الإرادة.\rوالقرآن من كلام الله، أنزل على نبيه محمد سيد الأولين والآخرين، وهو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور.\rوفي الإرشاد مع /33-أ/ ذكر هذا: وليس حالاً في المصحف، ولا قائماً بقلب.\rوالكتابة قد يعبر بها عن حركات الكاتب، وقد يعبر بها عن الأحرف المرسومة، وكلها حوادث.\rومدلول الخطوط والمفهوم منها الكلام القديم الأزلي.\rوالقراءة عند أهل الحق أصوات القراء ونغماتهم، وهي أكسابهم التي يؤمرون بها في حالٍ: إيجاباً في بعض العبادات، وندباً في كثير من الأوقات.\rفهذا ما أجمع عليه المسلمون ونطقت به الآيات، ودل عليه المستفيض من الأخبار.\rولا يتعلق الثواب ولا العقاب إلا بما هو من اكتساب العباد، ويستحيل أن يناط التكليف والترغيب والتعنيف بصفة أزلية خارجة عن الممكنات، هذا كلام الإرشاد.\rولا يستحل منه أن يقول الإنسان: لفظي بالقرآن مخلوق، فهذا منكر عند السلف.\rوقد قال السلف ومنهم الشافعي رضي الله عنه: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي.\rوجاء نحوه عن أحمد بن حنبل وأبي ثور، وقال إسحاق بن راهويه لما سئل عن الرجل يقول: القرآن ليس بمخلوق ولكن قراءتي أنا مخلوقة /33-ب/ لأني أحكيه وكلامنا مخلوق: هذا بدعة، لا يقر على هذا حتى يرجع عن هذا ويدع قوله هذا.\rونحوه عن أبي مصعب المدني.\rوقال البخاري رحمه الله: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب.\rفهؤلاء الأئمة الأعلام منكرون هذا، وكلام الإرشاد في ذلك إما منتقد أو مؤول.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"ثم قال: فأما المقروء بالقراءة فهو المفهوم منها المعلوم، وهو الكلام القديم الذي تدل عليه العبارات وليس منها.\rثم المقروء لا يحل القارئ ولا يقوم به، وسبيل القراءة والمقروء كسبيل الذاكر والمذكور.\rثم قال: كلام الله سبحانه مسموع في إطلاق المسلمين والشاهد لذلك من كتاب الله تعالى قوله عز من قائل: (( فأجره حتى يسمع كلام الله ))، والمعني به كونه مفهوماً له معلوماً، ولكنه ليس التكلم الذي وقع لموسى صلى الله عليه وسلم.\rوكلام الله سبحانه وتعالى واحد يتعلق بجميع متعلقاته، وكذلك القول في سائر صفاته.\rوهو العالم بجميع المعلومات بعلم واحد، والقادر على جميع المقدورات بقدرة واحدة.\rوكذلك القول في الحياة والسمع والبصر والإرادة.\rصفة البقاء\rوأما البقاء فذهب الأشعري إلى أن البقاء صفة قائمة بذاته جل /34-أ/ جل جلاله.\rوذهب القاضي وآخرون من أهل السنة إلى أن معنى بقائه امتناع عدمه.\rوالحجة للأشعري أن حقيقة البقاء ثبوت دوام الوجود، وذلك ثابت للإله عز وجل، لأن من وجب وجوده وجب بقاؤه.\rصفة التكوين\rوأما ما أثبته الحنفية من صفة التكوين فذكر أنه استنبط من قوله تعالى: (( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون )) فهذه صفة أزلية تتعلق بوجود المقدور وتؤثر فيه، والقدرة تتعلق بصحة وجوده وإن لم يوجد، والإرادة تتعلق بتخصيصه بوقت دون وقت، فالقدرة والإرادة لا يقتضيان وجود المكون، ولا بد من صفة تقتضي وجوده، وهي التكوين.\rوذهب جمهور المتكلمين إلى أن التكوين ليس صفة قديمة لله تعالى، وأن التكوين هو تعلق القدرة بالمقدور حال الإيجاد، ولذلك يترتب عليه وجود المقدور، والآية المذكورة تدل على أن التكوين مترتب على الإرادة، وتدل على أن التكوين حالة الإيجاد.\rوما ذكره الحنفية من أن القدرة والإرادة لا يقتضيان وجود المكون – ممنوع، بل القدرة تقتضي إيجاده /34-ب/.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"والتكوين والإيجاد والخلق بمعنى واحد، وصفة القدرة تعم ذلك، والإرادة تقتضي تخصيص تكوينه بذلك الوقت.\rمسألة: رؤية الله تعالى\rرؤية ربنا سبحانه وتعالى ممكنة، ويراه المؤمنون في الآخرة، على معنى أنه يصح أن يكشف الحجاب عن عباده المؤمنين كشفاً يحصل للمؤمنين بذلك رؤيته سبحانه وتعالى، بحيث يحصل لهم بذلك علم قاطع لا ريب فيه بما يعطيهم الله سبحانه وتعالى من القوة لأبصارهم، فتحصل لهم هذه السعادة التي هي أعظم النعيم، منحنا الله رؤيته بفضله.\rورؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى ليست كرؤية غيره من العالم، فإن رؤية غير الله ارتسام صورة المرئي في نظر الرائي، أو اتصال أشعة بالمرئي، على اختلاف المذهبين في ذلك، والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، وليس في رؤية المؤمنين له شيء من ذلك، ويرونه لا في جهة.\rوالحجة لإمكان الرؤية أنه سبحانه وتعالى موجود، وكل موجود يمكن رؤيته، فالله تعالى يمكن رؤيته.\rفإن قيل: الموجود غير الله في جهةٍ فأمكنت /35-أ/ رؤيته بمقتضى المقابلة، والله سبحانه وتعالى ليس في جهة، فلا يمكن رؤيته.\rقلنا: نفي الجهة لا يستلزم نفي الرؤية، فإنه سبحانه وتعالى يرى نفسه لا في جهة ولا مقابلة.\rفإن قيل: رؤيتنا له ليست كرؤيته لنفسه.\rقلنا: مسلم، ولكن ما ادعيتموه من المقابلة ممنوع.\rوالحجة لنا من جهة السمع: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية بقوله: (( رب أرني أنظر إليك )) ونبي الله لا يسأل محالاً.\rوأيضاً: فإن الله تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل، واستقرار الجبل ممكن، والمعلق على الممكن ممكن.\rوأيضاً قوله تعالى: (( إلى ربها ناظرة )).\rوقوله في الكفار: (( كلا إنهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون ))، وذلك يقتضي أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم عز وجل.\rوقد صحت الأحاديث أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة واستفاضت، وهي معروفة في كتب الحديث.\rمسألة: في حقيقة ذات الله سبحانه","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"كنه حقيقة الله تعالى هل هي معلومة للعالمين أم لا ؟\rأثبت ذلك كثير من المتكلمين.\rوقال جمهور المحققين: إنه غير /35-ب/ حاصل، وإليه أشار الشافعي بقوله: ولا يدرك الواصفون كنه عظمته، وهو المختار، فإن المعلوم إنما هو الوجود والصفات الثبوتية والسلبية، والعلم بهذه الأمور لا يحصل منه العلم بالحقيقة المخصوصة، فوجب أن لا يكون العلم بالحقيقة المخصوصة حاصلاً.\rولأن الطاقة المخلوقة لا تفي بمعرفة ذات الخالق كما هو، لأنه غير قابل للتحديد، لانتفاء التركيب في ذاته.\rوهل يمكن أن يحصل ذلك في الدار الآخرة ؟\rتوقف فيه قوم، والصحيح أنه لا سبيل للعقول إلى ذلك.\rمسألة: أفعال الله تعالى\rالله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء بتوفيقه، وهو أن يخلق له قدرة على الطاعة.\rويضل من يشاء بخذلانه، وهو أن يخلق له قدرة على المعصية.\r(( لا يسأل عما يفعل )) بخلقه (( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام )) الآية.\rويطبع من شاء على ما يشاء، ويختم على قلب من يشاء، ومن هداه فهو المهتدي، ومن أضله فهو الضال.\rوتطلق الهداية على نصب الأدلة لا على خلق الهداية، ومنه (( فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على /36-أ/ الهدى ))، ومنه (( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم )).\rوالله تعالى مريد لجميع الكائنات: خيرها وشرها ونفعها وضرها.\rولم يطلق جماعة من أهل السنة ذلك في الشر من كفر وغيره لما فيه من إيهام الزلل وغيره، إذ قد يوهم أن ما يريده يأمر به، ولم يمنع من ذلك آخرون، والأولى أولى ومنه: (( والشر ليس إليك )).\rوفي الإرشاد: مما اختلف فيه أهل الحق في إطلاقه ومنع إطلاقه في ذلك: المحبة والرضا، فمنع من ذلك بعضهم، وقال: المحبة والرضا يعبر بهما عن إنعام الباري وإفضاله، وهما من صفات أفعاله، وليس المراد تحنناً وميلاً، فحقيقة ذلك محالة في حق الله سبحانه وتعالى.\rومحبة العبد لربه إذعانه له وانقياده لطاعته، فإنه تعالى يتقدس أن يميل أو يمال إليه، كذا قال.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وهذا الأخير غير مسلم، فالميل من العبد ليس بممتنع.\rقال: ومن حقق من أئمتنا لم يكف عن ذلك وقال: المحبة بمعنى الإرادة وكذلك الرضا، ولا يمنع الإطلاق بهذا المعنى.\rوما ذكره عن هذه الفرقة بعيد، والصواب المنع من إطلاق ذلك لقوله تعالى: (( ولا يرضى لعباده الكفر )).\rوأما الإطلاق بمعنى الإرادة /36-ب/ فظاهره غير مراد، فلا بد من إظهار المراد.\rوعلم مما قدمناه أن العبد لا يخلق شيئاً مما يصدر منه، وأن الخالق والمؤثر فيه هو الله سبحانه وتعالى.\rوللعبد كسبٌ هو تصميمه على ذلك الفعل، وذلك هو الذي نصب علماً لتعلق الحكم به والثواب عليه والعقاب بسببه.\rوالقدر هو سرُّ الله تعالى في عباده، لا جبرَ ولا تفويضَ.\rوالحجة لذلك أنه لو كان العبد خالقاً لأفعاله لزم الشريك في الخلق، وهو باطل.\rولأن الخالق يستدعي أن يكون عالماً بالفعل وعاقبته، قادراً عليه لا يتخلف عن إرادته، والعبد ليس كذلك.\rوالذي خلقه بعد أن كان عدماً هو الذي يخلق أفعاله بعد وجوده.\rتنبيه: الخلق من صفات الأفعال، والخالق صفة فعل، وكذلك الرازق.\rولا يتصف الباري في أزله قبل وجود الخلق بشيء من ذلك حقيقة، إذ لا خلق في الأزل، وإلا يلزم قدم العالم، وهو باطل كما تقدم.\rوإن وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزاً.\rأسماء الله تعالى\rوقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أسماء الرب سبحانه وتعالى ثلاثة أقسام: منها ما دل على أنه هو، وهو كل اسم دل على وجوده.\rومنها ما دل على صفة قديمة، وهذه الصفة ليست غير الموصوف ولا عينه كما تقدم.\rومنها ما دل على فعل، وهذه الصفة غير الموصوف.\rوقال بعض أئمة السنة: إن الاسم هو المسمى بعينه، والمعتمد ما تقدم، وقد بسطنا القول فيه في \" جلاء المعمى في الاسم والمسمى \".\rوأسماء الله تعالى توقيفية عند جمع من أهل السنة، فلا بد من ثبوت إطلاق ذلك الاسم عليه بالكتاب أو السنة أو الإجماع، ولا يشترط في السنة أن تكون متواترة على الأصح.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"ومنهم من قال: ليست توقيفية.\rومنهم من قال: إن سمع الفعل ونحوه جاز إطلاق اسم الفاعل منه، وإلا فلا.\rواتفقوا على أن ما أوهم نقصاً لا يجوز إطلاقه.\rوأما ما جاء من إطلاق الوجه والصورة والعين والأعين واليد واليدين والأيدي والأصابع والقدم والساق، فالذي عليه السلف الإيمان بذلك على مراد الله سبحانه وتعالى مع اعتقاد أن ربنا سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء /37-ب/.\rوالذي عليه الخلف تأويل ذلك على ما يليق بجلاله، ومذهب السلف أسلم.\rمسألة: التحسين والتقبيح\rلا قبح بالنسبة إلى شيء من أفعال الله تعالى، فإنه مالك الأمور على الإطلاق، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا علة لصنعه ولا غاية لفعله.\rويطلق الحسن منا لما أمرنا بالثناء عليه، وما لا حرج فيه، وفعل الله حسن بهذين الاعتبارين.\rويطلق بإزاء موافقة الغرض، وهذا يتعلق بالعباد، فإن أفعاله لا تعلل بالغرض.\rوأما القبيح بالنسبة إلى العباد فهو الذي نهي عنه شرعاً، والحسن ما ليس كذلك.\rفالتحسين والتقبيح شرعيان لا عقليان.\rوأما الحسن الذي يكون صفة كمال كالعلم أو الملائم للطبع كاللذة، والقبح الذي يكون صفة نقص كالجهل أو ما يكون منافراً للطبع كالألم فلا اختلاف في كونهما عقليين.\rكذا قال المتأخرون، وفيه نظر، فإن تلقي التحسين والتقبيح إن كان من جهة إطلاق ذلك لغة فاللغة توقيفية عند الأشعري، فيتحاج إلى التوقيف عنده، ولا مجال للعقل في ذلك.\rوإن كان المراد /38-أ/ إدراك مدح العلم بالعقل وذمه الألم بالعقل قبل مجيء الشرع فممنوع.\rوالدليل على أن التحسين والتقبيح شرعيان أنه لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفة لازمة أو اعتبار يعارضه لم يكن الباري مختاراً في الحكم، والتالي باطل بالإجماع، فيلزم بطلان المقدم.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وبيان الملازمة: أن الفعل الحسن يكون حينئذ راجحاً على القبيح في أن يكون متعلق الحكم الوجوب، والفعل القبيح في أن يكون متعلق الحكم التحريم، فحينئذ لا يخلو إما أن يكون الحكم بما هو غير راجح أو بالراجح: والأول باطل وإلا يلزم ترجيح المرجوح، وهو خلاف صريح العقل، فيلزم أن يكون متعلقاً بالراجح.\rوإذا كان متعلق الحكم بالراجح ضرورياً لم يكن مختاراً في حكمه وهو باطل.\rفثبت أن التحسين والتقبيح شرعيان لا عقليان.\rفإن قيل: يختار ما يوافق الحكمة.\rأجيب: بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالغرض.\rوفي الأربعين: إن أكثر المتأخرين من الفقهاء ذهبوا إلى أن أفعاله تعالى معللة برعاية مصالح العباد.\rقال: وهذا عندنا باطل /38-ب/.\rوذكر لذلك حججاً منها: لو كانت موجوديته معللة بعلة، لكانت تلك العلة إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الفعل، وهو محال.\rوإن كانت محدثة لزم كونه تعالى موجداً لتلك العلة إلى علة أخرى، ولزم التسلسل، وهو محال، وهذا هو المراد من قول مشايخ الأصول: كل شيء صنعه فلا غاية لصنعه.\rمسألة: لا يجب على الله شيء\rلا يجب على الله شيء، لأنه لو وجب عليه شيء لوجب بحكم حاكم عليه، ولكن لا حاكم عليه سبحانه وتعالى، فلا يجب عليه شيء، ولا حاكم إلا هو سبحانه وتعالى.\rوما وعده عباده الصالحين فهو صدق، فإنه لا يخلف المعياد، وكذلك ما يفعله من مصالح عباده فهو تفضله.\rوما يخلقه من الأمراض وغيرها فإنه يفعله في خلقه وملكه كما يريد (( لا يسأل عما يفعل )) (( وما ربك بظلام للعبيد ))، إن انتقم فبعدله، وإن أنعم فبفضله، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\rمسألة في النبوات\rلما لم يكن الإنسان بحيث لا يستقل وحده بأمره نفسه، وكان محتاجاً إلى ما يتعلق بأمور ربه /39-أ/ وما يتعلق بالعباد.","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"وكان ذلك مرة يكون بوحي نبوي، ومرة بإبلاغ النبي بالرسالة عن الله سبحانه وتعالى – استدعى ذلك نبوة الأنبياء وإرسال الرسل منهم بالشرائع، فاقتضت الحكمة الإلهية نبأ الأنبياء وإرسال الرسل لتقوم الحجة، فيحق الحق ويبطل الباطل، ويترتب على ذلك ما يترتب في الدنيا والآخرة، وذلك يستدعي ثبوت النبوة بالمعجزات الظاهرة الباهرة.\rوالمعجزة أمر خارق للعادة، من فعلٍ أو تركٍ، مقرونٌ بالتحدي، مع عدم المعارض، ليتميز عن السحر ونحوه.\rفالفعل يكون لسانياً بإخبار عن مغيَّب في اليقظة مشاهدة، أو بإخبار الملك له.\rويكون بجارحةٍ أخرى مثل أن يفعل فعلاً لا تفي به قوة البشر بما خصه الله تعالى به بما يجريه على يديه.\rوالترك مثل أن يمسك عن القوت مدة غير معتادة، وهو محفوظ في حياته وأحواله.\rووجه دلالة المعجزة أنها تدل على الصدق من حيث إنها تنزَّل منزلة التصديق من الله تعالى لعبده الذي أخبرنا به نبي الله ورسوله.\rوضرب لذلك مثال /39-ب/ وهو أنه إذا تصدى ملك للناس وتصدر ليدخل عليه رعيته واحتفل الناس وأخذ كل واحد منهم مجلسه، ثم انتصب واحد من خواص الملك وقال: معاشر الأشهاد قد حل خطب جسيم وأنا رسول الملك إليكم بكذا وكذا، فإن كنتُ أيها الملك صادقاً في دعواي فخالف عادتك وانتصب قائماً، ففعل الملك ذلك على وفق دعواه، فيستيقن الحاضرون بأن المدعي صادق في دعواه، ويتنزل الفعل الصادر منه بمنزلة قوله: صدق.\rواعلم أن التحدي هو المناوأة في الفعل، تقول: تحديت فلاناً إذا ناويته في فعل ونازعته الغلبة عليه.\rمسألة: اختصاص النبوة بالذكور من بني آدم\rالنبوة تحصر بالذكور الكمَّل من بني آدم، فلا تكون لامرأة ولا لجني ولا لحيوان من طير وغيره.\rأما كونها لا تكون لامرأة فلأن النبوة صفة كمال، وذلك من خصائص الرجال، قال الله سبحانه وتعالى: (( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم )).\rفإن قيل: الكلام في النبوة.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"قلتُ: إذا كانت صفة الكمال مختصة بالرجال في الرسالة لكونها منصب كمال، اختصت أيضاً بالذكور /40-أ/ لأنها منصب كمال فاختص بالرجال.\rوما ذكر في مريم وآسية من خلاف هو غير معتمد، وإن صححه بعضهم في مريم، فاعتقادنا فيها أنها صديقة، قال الله تعالى: (( وأمه صديقة )) ولم ينقل عنها ولا عن آسية ولا عن امرأة صالحة غيرهما دعوة النبوة، ولم يقع لما تقدم.\rوأما كونها لا تكون لجني، فلقوله تعالى: (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة )) والمراد آدم ومن أراده الله تعالى من ذريته اتفاقاً، وأعلى المناصب النبوة لكونها مقتضية للخلافة، وذلك هو منصب الكمال المختص بالآدميين، وقضية التخصيص نفي مشاركة غيرهم فيه، وذلك يقتضي انتفاء النبوة في الجن.\rأما قوله تعالى: (( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم )) فأكثر المفسرين على تأويلها بأن المراد: من الإنس.\rوقال بعضهم: يكون الرسول من الجن من جهة الرسول الآدمي الذي جاء عن الله تعالى، فهو رسول الرسول كما في رسل عيسى، وشذ من أثبت الرسالة في الجنة عن الله تعالى.\rوأما الخلافة المجردة عن النبوة فهذا /40-ب/ من توابع النبوة.\rوأما النذارة المجردة عن النبوة فهذه تقع لأتباع الأنبياء من إنس وجن، قال الله تعالى: (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم )) وقال: (( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ))، وقال في الجن: (( ولوا إلى قومهم منذرين )).\rوإذا انتفت النبوة عن النساء وعن الجن فانتفاؤها عن الحيوان غير الناطق من طير وغيره أولى، ولا توقف في ذلك.\rمسألة في إثبات نبوة\rنبينا وسيدنا محمد سيد الأولين والآخرين\rالمبعوث رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً\rوهادياً وسراجاً منيراً\rوأنه خاتم النبيين\rلا نبي بعده\rقد ثبت بالتواتر والاتفاق أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه نبي الله ورسوله لجميع الناس والعالمين، وأنه خاتم النبيين.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وقامت له المعجزات الباهرة شاهدة بما أخبر به وتحدى به، وقد نقل إلينا بالتواتر الذي جاء به عن الله تعالى وأنزله الله تعالى، وفيه التحديث بسورة للفصحاء والبلغاء بقوله: (( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله )) الآية، ولم يعارض، بل عجزوا عن ذلك /41-أ/ لأنهم لو قدروا عليها لعارضوا، لتوفر دواعيهم على المعارضة، ولو وقعت المعارضة لاشتهرت ولم ينقل شيء من ذلك .\rوما نقل عن مسيلمة الكذاب من الكلمات المستخبثة الركيكة المستسمجة التي تمجها الأسماع – لا يخالف ما قلناه، فإن مثل ذلك لا يعد شيئاً.\rفعلم أن القرآن معجز متواتر، وثبت أنه أظهر المعجزة المنقولة إلينا بالتواتر، وهو المطلوب.\rوأيضاً فقد أخبر عن المغيبات المستقبلة والأمور الماضية التي ذهب أثرها، وذلك ما ورد في القرآن والأخبار فكان المستقبل كما قال.\rوأخبر عن القصص المذكورة في القرآن من غير قراءة كتاب ولا استفادة من إنسان.\rوأيضاً بلوغه الغاية القصوى من الحكم النظرية والعلمية في جميع العلوم بلا تعلم من بشر ولا ممارسة كتب متقدمة، وهذا خارق للعادة.\rوأما المعجزات الحسية من انشقاق القمر وتسليم الحجر وسعي الشجر ونبع الماء من بين أصابعه وحنين الجذع وغير ذلك، وجميع سيرته وصفاته المتواترة، كملازمته الصدق وسخائه وحلمه وفصاحته وقيامه في الله وجهاده فيه – كل ذلك دليل على نبوته ورسالته العامة /41-ب/، وأنه خاتم النبيين لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم.\rمسألة في عصمة الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام\rومعنى العصمة عند بعضهم: ملكة نفسانية تمنع المتصف بها من الفجور.\rوقيل: هو كون الشخص بحيث يمتنع صدور الذنب منه لخاصة في نفسه أو بدنه.\rوالذي يظهر أن العصمة ملكة دينية حاجزة بين العبد وبين المعصية، واجبة لصفة النبوة والملائكة، وجائزة لغيرهما.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"ومن وجبت له العصمة فلا تقع منهم كبيرة ولا صغيرة، وأما قبل الوحي في الأنبياء فلا يقع منهم كبيرة أصلاً، ولا صغيرة على طريقة تعمد ذلك.\rوما ورد مما يخالف ذلك مؤول على مكروه أو نسيان أو نحو ذلك مما لا يقتضي قدحاً وقد حكوا في المسألة اختلافات لا نرى ذكرها، وهذا هو الذي نعتقده ونقتصر عليه.\rوكذلك نعتقد عصمة الملائكة، المرسلين منهم وغير المرسلين، قال الله سبحانه وتعالى: (( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ))، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\rوإبليس لم يكن من الملائكة وإنما كان من الجن ففسق عن أمر ربه.\rوأما هاروت وماروت فلم يصح فيهما خبر، والذي في القرآن من قوله: (( وما أنزل /42-أ/ على الملكين )) لا يقتضي خلاف هذا، فقد قيل: ( ما ) نافية، والتقدير: ولم ينزل على الملكين، وقيل: موجبة والله سبحانه وتعالى امتحن الناس بالملكين المذكورين ليبين حال السحر، ولهذا يقول الملكان لمرتجي تعلمه: (( إنما نحن فتنة فلا تكفر )) وهذا إنذار منهما، وفعلهما طاعة لله تعالى ولغيرهما فتنة.\rوقيل: رجلان علجان من أهل بابل، وقيل: رجلان من بني إسرائيل، وقيل: قد قرئ بكسر اللام من الملكين، فلم يصح وقوع معصية من أحد من الملائكة، وهذا معتقد المعتمد عليهم في الدين، والحمد لله رب العالمين.\rمسألة: التفضيل بين الأنبياء وبين الملائكة\rالأكثر من الأشاعرة على تفضيل الأنبياء على الملائكة.\rوذهب القاضي أبو بكر الباقلاني والحليمي إلى أن الملائكة العلوية أفضل.\rوينبغي أن يكون محل الخلاف غير النبي صلى الله عليه وسلم، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو أفضل خلق الله أجمعين.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"وأما الصالحون من البشر غير الأنبياء، فأكثر العلماء على تفضيل الملائكة عليهم، وعندنا أن من كان منهم نقياً تقياً موافياً للموت على ذلك، فقد يفضل على الملك باعتبارات المشقات في عبادته، مع ما فيه من الدواعي إلى الشهوة وغيرها، لا سيما من كان خليفة سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة والتسليم.\rفإن قيل: كيف يستقيم أن تعتقد العصمة في جميع الملائكة ثم تقول هذا في غير المعصوم ؟\rفجوابه: أنه ليس الكلام من جهة العصمة، وإنما الكلام من جهة المشقة الحاصلة للعابد من البشر في عبادته.\rومع ذلك لا يكون وليٌ أفضل من نبي قط، لاستوائهما في البشرية وزيادة النبي بالعصمة /42-ب/.\rوالمختار عند الحنفية أن خواص البشر، وهم المرسلون، أفضل من جملة الملائكة، والملائكة الخواص أفضل من الأنبياء غير المرسلين، والأنبياء غير المرسلين أفضل من غير الخواص من الملائكة.\rومنهم من وقف في التفضيل بين صالح البشر والملائكة.\rوالحجة للمتقدم أعني الأشاعرة تكريم آدم عليهم بأمرهم بالسجود له، وتفضيله عليهم بالخلافة والعلم، ولأن طاعة البشر أشق، والآتي بالأشق أفضل.\rمسألة في إثبات الكرامة\rوتمييزها عن المعجزة\rالذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادات للأولياء، والفرق بينها وبين المعجزة أن مع المعجزة دعوى النبوة، بخلاف الكرامة.\rومال الأستاذ أبو إسحاق إلى منع الكرامة، وهذا ترده المنقولات الثابتة في قصص متعددة.\rوالمجوزون اختلفوا: فمنهم من شرط الكرامة الخارقة للعادة أن تجري من غير اختيار من الولي، وهذا فرق ما بين المعجزة والكرامة عند هؤلاء.\rوجوز غيرهم وقوع الكرامة اختياراً من الولي، لكن لا يدعي بها الولاية، وهذا فرق ما بين المعجزة والكرامة عند هؤلاء.\rوقال آخرون: لا يمنع ظهور أمر خارق للعادة مع دعوى الولاية.\rوصار بعض الأشاعرة إلى أن ما وقع معجزة لنبي لا يجوز تقدير وقوعه كرامة /43-أ/ لولي.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"والصحيح جواز ذلك، أطلق ذلك مطلقون، ويستثنى منه القرآن، فإنه لا يجوز أن يكون كرامة لولي.\rوالفرق بين الكرامة والسحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق، وليس ذلك مقتضى العقل، ولكنه متلقى من إجماع الأمة، كذا في الإرشاد.\rولو قيل: ولكنه متلقى من اضطراد العادة التي هي سنة الله تعالى في خلقه، لكان أظهر.\rمسألة في الإمامة\rوهي رياسة في الدين والدنيا عامة، لرجل من الأمة المحمدية، ويشتمل على صفات مخصوصة ليس منها اشتراط العصمة.\rوواجب بالدليل السمعي على الأمة نصب الإمام، فإن نصب الإمام يوجب دفع الضرر، ولا يمكن دفعه إلا به، لأن البلد إذا خلا من رئيس مطاع يأمر بالطاعات وينهى عن المعاصي ويدفع بأس الظلمة على المستضعفين – استولى على ذلك البلد الشيطان، وظهر فيه الفسوق والعصيان وسفك الدماء المحقونة، وهتك الأستار المصونة.\rوعدم الإمامة في الدنيا سببٌ لهذه المضار فيكون نصبه مطلوباً دفعاً للمضار، فإن دفعها بقدر الإمكان مما اتفقت عليه شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ودفع الضرر موقوف على نصب الإمام لما بيّنا، وما يتوقف الواجب /43-ب/ وهو مقدور للمكلف فهو واجب، فيكون نصب الإمام واجباً.\rوأما شروط الإمام والطرق التي تنعقد بها الإمامة فمحلها الفروع، وهو مبسوط فيها.\rوالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد جاءت أخبار تشير إلى ذلك أو تصرح به من استخلافه في إمامة الصلاة وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر ))، وقوله للمرأة التي قالت: إن لم أجدك – يعني الموت، قال: (( ائت ابن أبي قحافة )).\rوقد وقعت البيعة له.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"وبأن فيها وعد الله الذي أنزله في قوله: (( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ))، وهذا وعدٌ لبعض الصحابة بالاستخلاف والتمكين بدليل قوله ( منكم )، وهذا الوعد وقع قطعاً، والذي برز فيه هذا الوعد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه.\rوالخليفة بعد الصديق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم بعده عثمان وقتل ظلماً رضي الله عنه، ثم بعده علي رضي الله عنه.\rوهم في الفضيلة على هذا الترتيب رضي الله عنهم.\rولم يعلم نص على أن الخليفة عقب موت النبي صلى الله عليه وسلم عليٌّ /44-أ/.\rومدعي العلم بذلك يقال له: العقل لا يقتضي التنصيص على شخصٍ معين، والخبر المتواتر غير موجود، والآحاد لا يفيد العلم بذلك، ولم يصح منها في ذلك شيء.\rوأفضل الصحابة بعد المذكورين بقية العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم.\rوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من متعلقات الإمامة، ويتعلقان أيضاً بالكافة إذ هو أعم فروض الكفاية.\rمسألة في الأرزاق والآجال\rالرزق كل ما انتفع العبد به، ويطلق على الحرام رزق.\rوتحقيق ذلك: أنه إن أريد بالمرزوق ما استولى عليه العبد دخل الحرام، وإن أريد به ما جاز تناوله شرعاً لم يدخل الحرام .\rوالأجل يعبر به عن الوقت، فأجل كل شيء وقتُه، وأجل الحياة وقتها المقارن لها.\rوالأوقات يعبر بها عن حركات الفلك وولوج الليل والنهار.\rومعنى الزمن قرن حادثٍ بمتجددٍ وقرن متجددٍ بمتجددٍ، ولذلك كان واجب الوجود لذاته قبل الزمان.\rوالغرض من المسألة أن من قُتل فقد مات بأجله، كمن مات حتف أنفه، لأن الله تعالى علم في أزله ما يؤول إليه أمر المقتول أو الميت، قال الله سبحانه: (( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )).","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"وأما نقص العمر /44-ب/ المشار إليه بقوله تعالى: (( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ))، فتأويله: وما تنقص من عمر آخر، وأعاد الضمير على لفظ معمر كـ ( له علي درهم ونصفه )، أو باعتبار ما يتعلق بالمحو والإثبات المتعلقين بصحف الملائكة، فقد يثبت في صحيفة شيء مطلق وهو مقيد في صحيفة أخرى، وذلك هو المشار إليه بقوله سبحانه: (( يمحو الله ما يشاء وثبت )).\rوقد قيل في زيادة العمر بصلة الرحم ونحوها هذا المعنى، ومنهم من تأوله على البركة، وقد جاء فيه خبر يدل على أنه يرزق ذرية صالحة.\rومنهم من تأوله على ما يتعلق بالمدة من خروجه إلى الدنيا ومكثه في البرزخ فيزيد في أحدهما من الآخر وتنقص.\rوإذا انقضى أجل العبد خرجت روحه من جسده، وذلك هو الموت.\rوالله سبحانه هو الذي يتوفى الأنفس حين موتها بالحقيقة، وملك الموت يتوفاها بالمباشرة بالإذن، قال الله تعالى: (( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم )).\rومجيء الملائكة وسؤالها في البرزخ حق.\rوعذاب القبر حق، ودليله من السمع واضح، والعقل لا يحيله.\rمسألة في الفناء\rما سوى الله تعالى يجوز الفناء عليه، سواء فيه الأرواح البشرية والعقول الملكية والنفوس الفلكية /45-أ/ والأجرام والهيولى، وهي المادة التي لم تقترن بها الصورة، وغير ذلك من المكونات، لما بيّنا في حدوث العالم أن كل ما سوى الله تعالى فهو محدث، وكل محدث فحقيقته قابلة للعدم والوجود، وهذه القابلية من لوازم الماهية، وكل ما كان من لوازم الماهية فإنه واجب الدوام في جميع زمان دوام الماهية، فإذاً قابلية العدم من لوازم كل ما سوى الله تعالى، وهو المطلوب.\rولا يلزم من جواز ذلك وقوعه.\rوالخرق والالتئام جائزان على أجرام الأفلاك بطريق الأولى.\rثم قال جمع من علماء المسلمين: إنه تعالى يعدم الذوات والأجرام ثم يعيدها.\rوقال آخرون: إنه لا يعدمها، بل يفرق أجزاءها، ثم يؤلفها من أخرى.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"احتج الأولون بقوله تعالى: (( كل شيء هالك إلا وجهه )).\rوأجاب الآخرون: بأن الإهلاك عبارة عن خروجها عن كونها منتفعاً بها.\rوالذين قالوا: ( لا يعدمها، بل يفرقها ) ليس لاعتقادهم أن إعادة المعدوم ممتنعة، وإنما حملهم على ذلك آياتٌ وأخبار تقتضي ذلك منها: قوله تعالى: (( قل من يحيي العظام وهي رميم ))، (( أءذا كنا تراباً )) وما شابه ذلك.\rوقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً /45-ب/ واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة )).\rوقد جاء في خبر آخر ما يقتضي استثناء أجساد الأنبياء.\rوفي أصل المسألة غير ذلك من الأخبار المعروفة، وما يتعلق بالجنة والنار يأتي الكلام عليه.\rمسألة في المعاد وما يتعلق به\rقال جمع من المتكلمين: معرفة المعاد فرع معرفة النفس والخلاء، ومعرفة النفس فرع معرفة الجوهر الفرد، فرتب الكلام في المعاد على تقرير هذه المسائل.\rوبعضهم لم يرتب ذلك على ذلك، فمعرفة المعاد وإثباته لا تتوقف على معرفة ما ذكر.\rوإذ قد ذكرنا ذلك فنشير إلى أنموذج منه:\rأما الجوهر الفرد فهو عبارة عن جوهرٍ لا يقبل التجزي بالقول ولا بالفعل ولا بالقوة.\rوهذا قد أثبته أكثر المتكلمين من جهة أن الأجسام محسوسة مركبة من أجزاء متناهية ، وكل واحد منها غير قابل للقسمة.\rومن حجتهم أن النقطة موجودة مشار إليها، وهي لا تنقسم، فلزم إثبات الجوهر الفرد.\rأما كون النقطة شيئاً موجوداً فمتفق عليه، وأما كونها مشاراً إليها فمحسوس، وأما عدم انقسامها فلأن الخط موجود /46-أ/ بالفعل فتكون نهايته موجودة بالفعل، ولا معنى للنقطة إلا نهاية الخط، فثبت أن النقطة موجودة بالفعل وحصل المدعى.\rوأما النفس فهو ما يشير إليه كل أحد بقوله: أنا.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"واختيار كثير من المتكلمين أنه جسم، وهو الهيكل المحسوس – ضعفه صاحب الأربعين بقوله: إني أعلم ببديهة العقل أني الآن غير الذي كان موجوداً قبل هذا اليوم بعشرين سنة، وهذا الهيكل الموجود ليس هو الذي كان قبل ذلك بعشرين سنة، لأن أجزاء هذا الهيكل تبدلت بالسمن والهزال وسائر أنواع التحللات من العرق ونحوه.\rوما ذكره مردود، فإني أعلم أني الآن أنا الذي كنتُ موجوداً قبل ذلك بسنين، والهيكل حصل له نمو لا يقتضي غيرية الكائن في الحال السابق.\rويلزم على ما قاله أن يكون كل من الأنبياء عند نفسه غير نفسه المولود الذي ولد قبل ذلك، وكذلك في الأولاد والأزواج والرقيق، وهذا خرق عظيم لا يصار إليه ولا يعول عليه، وكل من له أدنى فهم يأبى هذا.\rوالنفس عند جمع من الحكماء عبارة عن جسم موجود /46-ب/ في داخل الهيكل، هوائي.\rأو ناري.\rأو مائي.\rأو مجموع الأخلاط الأربعة.\rأو الدم.\rأو أجزاء مختلفة الماهية إذا شاركت هذا الهيكل وسرت فيه صار حياً.\rأو المزاج الذي هو عبارة عن اعتدال الأركان.\rأو الأجسام اللطيفة المتكونة في البطن الأيسر من القلب.\rأو الأزواج المتكونة في الدماغ الصالحة لقبول الحس والحركة والحفظ والفكر والذكر.\rأو أجزاء غير متغيرة من أول العمر إلى آخره، أقوال عشرة.\rوقيل: النفس جسماني، وهو عبارة عن صفة الحياة، أو الشكل، أو التخطيط، أو تناسب الأركان والأخلاط، أقوال.\rوقيل: ليس بجسم ولا جسماني، ونُسب إلى اختيار الغزالي والراغب.\rوأما الخلاء فهو بُعدٌ قائم لا في مادة، من شأنه أن يملأه الجرم.\rومعنى ذلك أن يوجد جسمان لا يتماسان، ولا يحصل بينهما ما يماسانه.\rوالحجة لإثباته أنّا إذا فرضنا سطحين مستويين منطبقين ارتفع أحدهما بتمامه عن الآخر دفعة قطعنا بحصول الخلاء فيما بين ذينك الجسمين.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"وإذا تقرر ذلك فإعادة المعدوم جائزة، ولا فرق بين /47-أ/ أن يكون جوهراً أو عرضاً، خلافاً لمن ذهب من أصحابنا إلى أن الأعراض لا تعاد، فلا أصل لما ذهب إليه عند المحققين.\rوالدليل على أن إعادة المعدوم جائزة: هو أن المعدوم لو امتنع وجوده بعد عدمه فإما أن يمتنع لذاته أو لشيء من لوازمه، وحينئذ يلزم أن لا يوجد أصلاً، لأن الامتناع لا ينفك عن ذاته فيمتنع وجوده ابتداءً، وهو باطل ، أو يمتنع لشيء من عوارضه المفارقة فيكون ممتنعاً لغيره، فيمكن وجوده عند ارتفاع ذلك المانع، وهو المطلوب، إذ المدعى إمكان وجوده، وإذا كان العقل لا يحيله، والقواطع السمعية شاهدة لإثباته، فهو حق واقع.\rوالسمعيات في ذلك من القرآن كثيرة، قال الله تعالى: (( كما بدأكم تعودون )) وقال: (( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده )) وقال: (( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث )) الآية، وقال عز وجل: (( وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ))، والآيات في ذلك ظاهرة، وثبت في ذلك الأخبار الصحيحة المشهورة المستفيضة.\rوأجمع المسلمون على أن الله تعالى يحيي الأبدان بعد موتها وبعد تفرق أجزائها، لأن الإحياء ممكن وقد أخبر الصادق به، وكل ما كان كذلك فهو حق.\rأما كون الإحياء ممكناً فلأن الإمكان /47-ب/ بالنسبة إلى قابلية المحل حاصل، لأن أجزاء الميت قابلة للجمع على الوجه المخصوص وقابلة للحياة، لأنها لو لم تقبلها لم تتصف بها في الوجود الأول، لكنها اتصفت بها، فتكون الأجزاء قابلة لها.\rوبالنظر إلى قادرية الفاعل أيضاً حاصل، لأن الله تعالى عالم بأعيان أجزاء كل شخص على التفصيل لما سبق من أنه تعالى عالم بكل المعلومات وقادر على جمعها وإيجاد الحياة فيها، لما تقرر من أن قدرة الله تعالى شاملة لجميع الممكنات، فثبت أن إحياء الأبدان ممكن.\rوأما الثاني وهو إخبار الصادق عن ذلك فهو ثابت قطعاً كما تقدم.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وما ذكر من أنه لو أكل إنسان إنساناً وصار المأكول أجزاء للآكل أن الجزء المأكول إما أن يعاد في الآكل أو في المأكول: وأياً ما كان فلا يعود أحدهما بتمامه، وجعله جزءاً لبدنيهما محال.\rفجوابه: ما تقدم في النفس من أن ذلك الشكل الذي وجد من أول مرة وحصل له النمو هو الذي يعاد، وأما ما يتعلق بمأكول ونحوه فلا أثر له.\rوأجيب أيضاً: بأن لكل إنسان أجزاء أصلية باقية من أول عمره إلى آخره، وهي الإنسان /48-أ/ حقيقة، فلا يقع التفاوت فيها حال حياته، وأجزاء فضلية وهي ما زاد على ذلك، فهذه قد يقع التفاوت فيها، فإن السمين قد يهزل وبالعكس، وحقيقته باقية في الحالين، وهذا قد يجري على القول العاشر من أقوال الحكماء وقد يجري على ما قررناه.\rوإذا كان كذلك فالجزء المأكول أصلي من الإنسان المأكل منه، فضلي من الآكل، فيعاد في المأكول منه دون الآكل.\rوأما الجنة والنار فهما مخلوقتان موجودتان، قال الله تعالى: (( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة )).\rفإن قيل: تلك الجنة غير جنة الدار الآخرة.\rقلنا: خلاف الظاهر.\rوقال تعالى في صفة الجنة: (( عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ))، وقال في النار: (( أعدت للكافرين )) أخبر عن الإعداد بلفظ ماضٍ وذلك يقتضي وجودهما.\rفإن قيل: لو كانت مخلوقة الآن لما كانت دائمة لقوله تعالى: (( كل شيء هالك إلا وجهه )) وعدم دوام الجنة يرده قوله تعالى: (( أكلها دائم )) أي مأكولها، وإذا كانت الجنة غير مخلوقة الآن فالنار كذلك إذ لا قائل بالفرق.\rفجوابه: أن قوله تعالى: (( كل شيء هالك إلا وجهه )) /48-ب/، معناه أن كل شيء غير ذات الله تعالى قابل للفناء، ولا يلزم من كون القابلية وقوعها، وإذا كان كذلك فلا يلزم من كون الجنة مخلوقة الآن طرو العدم عليها.\rومما يتعلق بالمعاد الثواب والعقاب:\rلا يجب على الله تعالى الثواب على أداء الطاعة، ولا العقاب على المعصية لما تقدم.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وعذاب الفساق غير الكفار منقطع، قال الله تعالى: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )).\rونعيم أهل الجنة دائم لا يفنى، وعذاب الكفار دائم (( لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور )).\rومما يتعلق بالمعاد شفاعة نبينا محمد سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة والسلام وأعظم البركات والتكريم.\rوله شفاعات: منها الشفاعة العظمى في أهل الموقف.\rومنها الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب.\rومنها الشفاعة في قوم استحقوا دخول النار، فيشفع لهم في أن لا يدخلوها /49-أ/ وأن يدخلوا الجنة.\rومنها الشفاعة في قوم دخلوا النار، فيشفع لهم في إخراجهم منها وإدخالهم الجنة.\rوهاتان يختص إثباتهما بأهل السنة.\rومنها الشفاعة في رفع درجات لقوم في الجنة.\rومنها الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب عنه.\rوالأدلة في ذلك ثابتة صحيحة.\rوكذلك حوضه سقانا الله منه.\rومما يتعلق بالمعاد: الصراط والميزان وتطاير الكتب وأحوال المحشر وأحوال الجنة والنار، فقد ثبت بالأدلة السمعية الصحيحة، والعقل لا يحيل شيئاً من ذلك، وقد أخبر به الصادق، وكل ما أخبر به الصادق فهو صدق يجب التصديق به.\rومن ذلك الإتيان بالموت في صورة كبش يذبح بين الجنة والنار إلى غير ذلك من الأخبار المعروفة التي جاءت للأبرار والفجار.\rمسألة في الإيمان والإسلام والإحسان\rالذي يحصل به تمام مقام الإنسان\rومنه يظهر الصفاء للصوفية أهل العرفان\rالإيمان لغة: التصديق.\rوشرعاً: التصديق بالله تعالى على ما /49-ب/ تقرر في أصول الدين، والتصديق بملائكته وكتبه ورسله، والتصديق ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم البعثة العامة، وبشريعته جملةً وتفصيلاً، والتصديق بفناء الدنيا وعذاب القبر وسؤال الملكين والبعث الآخر وأحواله على ما تقرر.\rوالإسلام لغة: الانقياد.\rوشرعاً: الاتيان بالأعمال الظاهرة.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وأعلاه النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما من الشعب ما يتناول أبواب الشريعة كلها من الطهارة إلى آخر الأبواب المترجم عليها في الفروع.\rوالإيمان النافع يعتبر فيه الإسلام بالنطق بالشهادتين لمن أمكنه النطق، والإسلام النافع يعتبر فيه الإيمان، والإيمان الكامل والإسلام الكامل هو الاتيان بالطاعات تصديقاً وانقياداً واجتناب المحرمات والشبهات، فكل مؤمن مسلم بهذا الاعتبار، وكذلك كل مسلم مؤمن بالاعتبار المذكور.\rوقد يطلق الإسلام /50-أ/ ظاهراً على من أظهره ولم يصدق به، قال الله تعالى: (( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا )).\rوقد يطلق أحدهما على الآخر وإن لم يكن كاملاً باعتبار شرطيته فيه.\rوالإيمان الكامل قولٌ وعملٌ ونيةٌ، ويزيد وينقص، والنقص يكون من فوات ما يقتضي التكملة كفروع الشجرة، ولا يلزم من ذهاب ذلك ذهاب أصله كما في قطع بعض فروع الشجرة، وإنما يذهب الإيمان بذهاب أصله كما تذهب الشجرة بقطع أصلها.\rوالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فيحصل الخشية والمراقبة والخوف والتفويض والتسليم والتوبة والرجاء والشكر والدعاء وغير ذلك مما يتعلق بحقيقة العبودية، مما هو مبسوط في كتب الحقيقة، وقد بسطتُ أنموذج ذلك في \" ترجمان شعب الإيمان \".\rومن هنا يحصل المحبة والولاية والصفاء والخلود في النعيم المقيم والرضوان الجسيم ورؤية الله سبحانه التي هي أعظم النعيم، منحنا الله الكريم ذلك بفضله /50-ب/ العميم، آمين.\rمسألة:\rيجب في الإيمان على كل مكلف استمراره على الجزم في قلبه بعقد الحق، والجزم به في نطقه إذا نطق به.\rويكفيه في الجزم في التوحيد اعتقاد أن الله تعالى واحد لا شريك له، إله الخلق أجمعين، وإن لم يعرف تفاصيل ما ذكر في أصول الدين من الدقائق التي تختص بمعرفتها العلماء.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وعن الأشعري قول آخر أنه لا بد من العلم بجميع الصفات، والأول هو المشهور وعليه الجمهور.\rويجب الكف عن فعل الكفار من سجود لصنم أو استخفاف بنبي أو بالكعبة ونحو ذلك.\rوفاعل ذلك من المكلفين مختاراً عامداً مع العلم بالحال، محكوم بكفره إجماعاً، سواء قلنا: إنه كفرٌ، أو دليل على الكفر.\rوأما النطق جواباً لمن سأله عن إيمانه أو إسلامه فهل يجيب مع قوله: ( إن شاء الله )، أم لا يذكر المشيئة هنا ؟\rهذا مما تكلموا فيه، فنقول:\rالسؤال عن ذلك بدعة إلا عند جهل الحال، والاحتياج إلى معرفته، وكان بعض السلف لا يجيب عن هذا السؤال، وبعضهم يجيب بقوله: آمنا /51-ب/ بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.\rومراده اتباع الأمر في قوله: (( قولوا آمنا بالله )) الآية.\rوجمهور السلف من الصحابة والتابعين والفقهاء يجيبون مقروناً بالمشيئة، فيقولون: مؤمن إن شاء الله، وهذا قد نسب إلى الشافعي، وصرح به أحمد بن حنبل، وليس ذلك شكاً في الإيمان والإسلام قطعاً، بل الجزم ثابت قطعاً.\rوذهب جمع من العلماء إلى أنه يجيب بقوله: أنا مؤمن، وكذلك: مسلم.\rوأما جوابه بقوله: أنا مؤمن حقاً، أو أنا مؤمن عند الله، أو في علم الله، فهذا قد منع منه جمع من السلف، وهو جدير بالمنع.\rفإن عُني به الحالة الكائنة عند السؤال كان قريباً من قوله: أنا مؤمن.\rوكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن.\rومنهم من خير بين ذكر المشيئة وبين أن لا يذكرها.\rوالذين ذكروا المشيئة ظاهرُ كلام جمع منهم، أن ذلك واجب، ومنهم من لم يوجبه، وذكر المشيئة في وجهٍ تبركاً.\rوذكروا لقرن المشيئة بذلك وجوهاً أخرى: إحداها: أن الإيمان /51-ب/ عند الإطلاقِ الكاملُ، وهو يزيد وينقص، فيدخل المشيئة للخوف من النقصان.\rالثاني: أن هذه صفة مدح وتزكية، فلا يدخل في شهادته لنفسه بذلك ويزكيها، قال الله تعالى: (( فلا تزكوا أنفسكم ))، فقرن بالمشيئة لهذا المعنى.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"الثالث: أن المؤمن من أهل الجنة، وإنما يكون ذلك لمن مات على الإيمان الذي يحصل به النجاة، وغير المعصوم لا يدري ما يتفق له في المستقبل، فيأتي بالمشيئة على مقتضى النظر إلى ما يختم الله.\rختم الله لنا بخاتمة السعادة، وجعلنا من الذين له الحسنى وزيادة، أهل الإيمان المنعمين في الجنات، الذين أحل عليهم الرضوان، أجب اللهم دعانا بكرمك يا كريم يا منان، وأدخلنا في الصالحين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.\rوكان الفراغ من نسخ هذه الكراريس المباركة يوم الاثنين رابع عشرين من شهر الله المحرم، سنة ثلاثين وثمانمائة، على يد العبد الفقير المعترف بالتقصير الراجي عفو ربه القدير: أحمد بن محمد بن علي القطان الناسخ، غفر الله له، ولكل المسلمين.","part":1,"page":39}],"titles":[{"id":1,"title":"منهج الأصلين","lvl":1,"sub":0}]}