{"pages":[{"id":1,"text":"تَهْذِيْبُ شَرْحِ السَّنُوسِيَّةِ ( أُمُّ البَرَاهِيْنِ)\rتصنيف\rسعيد عبداللطيف فودة","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r\nالمقدمة\r\nالحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد:\r\nإن علم العقائد هو من العلوم المهمة بل هو أهم العلوم الإسلامية على الإطلاق، وذلك لأن هذا العلم يبين للمسلم عقيدته التي يجب أن يجزم بها، ويبين للمسلم موقعه في هذا العالم، وما هو المطلوب منه تجاه دينه. ولهذا فهو واجب على المسلمين وجوب عين، على التفصيل المذكور في أول هذا الكتاب. وبدون أن يعرف المسلم عقيدته وأصول دينه كيف يصبح مسلما حقا. كما أن الشيوعي بدون أن يعرف أصول مذهبه كيف يصبح شيوعيا حقا.\r\nفعلم التوحيد علم عظيم الأهمية ويجب على المسلمين في هذا الزمان خصوصا أن يزيدوا من اهتمامهم به، لأن عامة المسلمين لا بل من يدعي أنه من الخاصة، أصبح لا يعرف القطعي من عقيدته، ولا يفرقون بين العقيدة والفقه، بين علم الاعتقاد والإيمان وبين علم العمل. ولا يعرفون أن لكل من هذين أنواع من الأدلة، فالأدلة المقبولة في الأول قد لا تكون مقبولة في الثاني، وهكذا.\r\nوقد كثر الخلط في زماننا هذا، ليس بين هذين العلمين فقط بل بين سائر العلوم الشرعية المختصة بهذا الدين؛ من عقيدة وأصول فقه وتصوف وحديث إلى آخر العلوم الإسلامية.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"ولهذا فقد رأيت من الواجب على كل من لديه القدرة على الخروج من هذا الإثم الذي وقع الناس فيه، أن يفعل هذا، وأن يبذل جهده لإخراج غيره من الإثم والخطأ. ومن هنا فقد جاء اهتمامي بكتاب العلامة الإمام السنوسي المسمى بأم البراهين، وشرحه للعلامة أحمد بن عيسى الأنصاري، فأما الأول فهو متن في عقائد أهل السنة على طريقة الإمام الأشعري، وتأتي قيمته مما يدل عليه اسمه فهو أم للبراهين حقا. وأما الشرح فهو يكاد يضارع المتن في الحسن والتمام ودقة التعبير، ولكن لما كان الناس في عصرنا هذا غير معتادين على أسلوب المتن والشرح والحاشية، مع أنه أسلوب عظيم ومفيد جدا إذا توفرت شروط الاستفادة منه، رأيت أن أدمج المتن في الشرح وأضيف إليه كثيرا من التعليقات التي علقها الشارح لفائدتها، وأضع كل هذا في صورة جديدة ككتاب جديد مستقل، ملتزما بعبارات الإمامين الجليلين ما استطعت. وربما أزيد عليهما قليلا من عبارات غيرهما من العلماء، وبهذا أكون قد حققت فائدتين الأولى تقديم أحد كتب العقائد المشهورة بكلام صاحبها، الثانية مراعاة ما يوائم عادة الناس في هذا العصر.\rوأرجو أن يحقق الله سبحانه وتعالى بهذا الكتاب الفائدة، وأن يكون هذا خالصا لوجهه الكريم. والحمد لله رب العالمين.\rمقدمة ثانية\rهذا الكتاب كتبته من مرحلتين، الأولى هي تحرير شرح العلامة الأنصاري كما أشرنا إليه في المقدمة الأولى، والثانية هي تحليته بنقول عزيزة ومفيدة من عدة شروح وحواش وُضِعَتْ على متن أم البراهين، وقد وضَعْتُ هذه النقول في حواشي الكتاب، ورتبتها بحيث يستفيد منها القارئ الكريم فوائد لم يحظ بها في الأصل، الذي هو التهذيب، وأضفت بعض ما طرأ في ذهني بحسب تيسير الله العزيز، ووضعته إما في الحاشية وإما في الأصل، بحسب ما رأيته مناسبا، وأشرت إلى صاحب هذه التعليقات بحسب الأخذ منه ووضعت لكل واحد رمزا كما يلي","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"أولا: حاشية البيجوري على أم البراهين، للعلامة إبراهيم البيجوري، وهو صاحب الحاشية المشهورة على جوهرة التوحيد، وقد رمزت له بالحرف (ج)، وهذه الحاشية مع أنها صغيرة الحجم نسبيا إلا إنها من أكثر الحواشي إفادة، وحاول العلامة البيجوري أن يجعلها حاوية لأكثر ما قد يحتاجه قارئ المتن. وهي تحتوي على درر عقلية مناسبة للمبتدئين، بل وللمتوسطين. ويمكن الاستغناء بها عن كثير غيرها لمن أراد الاقتصار على المطلوب الواجب في هذا الباب.\rثانيا: شرح أم البراهين، للعلامة الأستاذ سيدي المكي البطاوري وقد رمزت له بالحرف (ط). وهذا الشرح عبارة عن حل لألفاظ المتن، بأسلوب سهل مفيد جدا للصغار والمبتدئين، ولا يخلو من فائدة. جعله مؤلفه مقدمة لقارئ شرح الإمام السنوسي على أم البراهين.\rثالثا: طالع البشرى على العقيدة السنوسية الصغرى، للعلامة المحقق شيخ شيوخ عصره ومفتي المالكية بمصره، وأحد فطاحل المدرسين بالمعهد الزيتوني الشيخ إبراهيم بن أحمد المارغني.\rوله حاشية مفيدة على جوهرة التوحيد أشار إليها في أثناء شرحه هذا، وقد رمزت له بالحرف(غ). هذا الشرح جعله مؤلفه كتهذيب وتحرير لشرح الإمام السنوسي على هذا المتن، وذلك لما رأى فيه من أمور صعبة وبعض مباحث مطولة، ليس شرحا طويلا مملا ولا مختصرا مخلا، أودع فيه تنبيهات في غاية الإفادة، وتحريرات تنم عن ما يتمتع به من دقة نظر وفهم واسع لعقائد وأدلة أهل السنة. وهو من أحسن الشروح التي رأيتها.\rرابعا: شرح جوهرة التوحيد، للعلامة الشيخ أحمد الصاوي وهو الإمام المشهور صاحب الحاشية على الشرح الصغير على مختصر خليل في مذهب السادة المالكية، والحاشية على تفسير الجلالين وغيرهما من الكتب المفيدة.رمزت له بالحرف(ص). وهو شرح مختصر مفيد، دقيق العبارة من غير صعوبة، يمكن الاقتصار عليه في بابه،والابتداء بتعليمه للطلاب. ولم أنقل منه كثيرا، لا لعدم وجود فوائد فيه ولكن خوفا من التطويل.","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"خامسا: شرح أم البراهين، للعلامة الشيخ أحمد بن عيسى الأنصاري، وهو الشرح الذي اعتمدته في التهذيب، وذلك لما رأيت فيه من دقة كبيرة وفوائد عظيمة، وقد أودعت غالب ما ذكره من فوائد وحاولت أن أحتفظ بنفس كلماته في أغلب الأحوال.وحذفت منه أقل القليل. وقد كان السبب في تهذيبي لهذا الشرح بعدما قرأته وعرفت ما فيه من فوائد، هو ما رأيت فيه من أخطاء طباعية عديدة قد تحول بين القارئ وبين فهم الكتاب، فحاولت تخليصه من هذه الشائبة. وقد انتفع بتوفيق الله تعالى طلبة العلم بهذا المختصر.\rسادسا: الراجي من ربه التوفيق والسداد راقم هذه السطور، ورمزت لنفسي بالحرف(س). وقد قمت بإدراج بعض التعليقات التي رأيت أنها تفيد في توضيح المعنى وإغناء القارئ بالمعلومات. ولم أكثر من التعليقات التي وضعتها لاستغنائي عن ذلك بكلام السادة العلماء. ولما أن هذا ليس محلا للتفصيل، ولما رأيت من أن التعليقات التي انتخبتها من الشروح المذكورة تكفي المبتدئ. وأيضا فقد استفدت من كثير من الكتب التي ألفها علماء الإسلام الأفاضل في العقائد الإسلامية على طريقة أهل السنة. وقد أشرت إلى بعض ذلك في الحواشي. ولم ننقل من شرح العلامة السنوسي على أم البراهين مع أنه أقوى وأفيد الشروح على الإطلاق لأننا شارعون في كتابة شرح مطول على هذا المتن الجليل، وسوف نودع فيه غالب ما في شرح السنوسي مع نهاية التحرير والتحقيق والزيادات التي يقتضيها المقام. ندعو الله تعالى أن نتمه.","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"وأوصي القارئ من هذا الكتاب أن يقتصر على المتن، وأن لا يلجأ إلى ما في الحواشي إلا عند الحاجة، لا سيما عند قراءة الكتاب لأول مرة، فإنه بهذا يحافظ على ذهنه من الشرود والتقطع بين المتن والحاشية. ثم لا مانع أن ينظر في الحاشية عند استشكال أمر أو مسألة، أو بعد إكمال الكتاب وفهم ما فيه. واعلم أن القراءة الثانية والثالثة للكتاب في غاية الإفادة كما نبه عليه سادتنا العلماء، فقد كانوا يقرؤون الكتاب مرات عديدة قبل أن ينتقل إلى غيره من الكتب، وقد ذكر عن السيد الشريف الجرجاني أنه قرأ شرح المطالع في علم المنطق أكثر من أربعة عشر مرة قبل أن يذهب إلى مصنفه وهو العلامة القطب الرازي لقراءته عليه، وأخبار الفقهاء وأحوالهم في قراءة الكتب أشهر من أن نذكرها، فبعضهم كان يسمى بالمنهاجي لملازمته قراءة المنهاج للإمام النووي في الفقه، ومنهم من قرأ كتاب الرسالة للإمام الشافعي أكثر من ثلاثين مرة، وفي كل مرة يدرك منه ما لم يدركه سابقا.\rوهكذا فتكرار القراءة هي أهم خطوة يفتقر إليها أفراد هذا الجيل. فمن وفقه الله تعالى فتوجه لطلب العلوم، فإنه غالبا لا يعرف طريقة الطلب، فتراه يشرع في قراءة كتاب ثم وقبل أن يحقق مطالبه ويفهم مسائله ينتقل إلى كتاب آخر، وهكذا، وتكون النتيجة هي عدم إحاطة وتمكن هذا القارئ بشيء من الكتب، عدا عن ما يتسبب فيه هذا الأسلوب من إضاعة الوقت والجهد، وتشتيت التركيز.\rولهذا كان السادة العلماء ينصحون بالتزام كتاب واحد في بداية الطلب، ثم بعد تحقيق مسائله فلهم أن ينتقلوا إلى كتاب آخر، بل هذا الانتقال، أي قراءة أكثر من كتاب في نفس العلم، يكون من ألزم الواجبات في حق من يريد التحقيق في العلوم، والوصول إلى الغاية فيها. وما التوفيق إلا من عند الله تعالى.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"ثم اعلم إننا قد نبهنا إلى ما وقع فيه بعض علماء أهل السنة من مخالفات للجمهور في بعض المسائل المشهورة عنهم، وإن كانت هذه المسائل من المسائل الدقيقة التي لا يترتب على الخلاف فيها كبير ضرر، ونبهنا إلى من ردَّ عليهم ونبَّه إلى غلطهم فيها. ولم يكن مرادنا من ذلك إلا لفت نظر القارئ إلى هذا ولكي لا ينخدع بأهل البدعة خصوصا من المجسمة الذين انتسبوا إلى الإمام أحمد وهو منهم بريء، والذين صاروا يبالغون في الرد على السادة الأشاعرة والماتريدية أهل السنة، والتشنيع عليهم، وهم يتبعون في هذا أسلوبا مستصغرا، فيدعون أحيانا أن هؤلاء العلماء قد رجعوا عن المذهب الأشعري، ويوهمون الناس السذج أن هؤلاء العلماء رجعوا إلى ما يقولون هم به من تجسيم، وحاشا هؤلاء العلماء الأفاضل الذين حفظ الله بهم الدين أن ينزلوا إلى هذه المهاوي. ويدَّعون أحيانا أخرى أنهم متناقضون، ولا يوجد تناقض، ولكنه حبُّ التشكيك الذي وقعت فيه هذه طائفة المجسمة من دون أساس يعتمد عليه، وضعفُ عقولهم أدت بهم إلى ذلك الادعاء. ولو أنصفوا لعلموا أن التنبيه إلى الأغلاط التي يقع فيها العلماء، ميزة لأهل السنة الأشاعرة، لم يشاركهم فيه فرقة، فهم النُّقَّاد والكاشفون عن مغالطات الناس، وأنه إن لم يتم التنبيه إلى ذلك ربما ينخدع المبتدئ بها، لشهرة القائل بها، وسبحان الله الذي أبى أن تتم العصمة إلا لكتابه ولأنبيائه. ونحن مع تنبيهنا إلى أغلاطهم هذه فإننا نرفع من منزلتهم المحفوظة دائما التي لا يخفضها أن يغلطوا في مسألة أو مسألتين، لأننا نستحضر دائما مبلغ الجهد العظيم والكبير الذي قاموا به في سبيل الدفاع عن عقائد الإسلام أمام المبتدعة كالحشوية المجسمة ومن تبعهم من الحنابلة(1)\r__________\r(1) …لا تظنَّ أيها القارئ أن الحنابلة كلهم مجسمون، بل فيهم مجسمة كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن قدامة، وهؤلاء تجسيمهم أقل من ابن تيمية وابن القيم وغيرهم، وفي الحنابلة منزهون لله تعالى عن مشابهة الأجسام والمخلوقات، مثل الإمام الحافظ أحمد بن حنبل كما نص عليه علماء أهل السنة والإمام ابن عقيل والإمام المحقق ابن الجوزي وكثير غيرهم. ومع أنه يوجد من سائر المذاهب الأخرى بعض المجسمة، إلا أن نسبتهم في الحنابلة أعظم وأكبر، فلذا نبهنا إليهم في كلامنا ولم نذكر غيرهم. لأنه قد يغتر بكثرتهم في الحنابلة بعض الغافلين فيظن أن سائر الحنابلة مثلهم، وهو في ظنه هذا غالط. واعلم أن درجات التجسيم تتفاوت من واحد لآخر، فمن هؤلاء من يصرح بنفي المماسة مع إثبات الجهة والحد من جهة واحدة كالقاضي أبي يعلى، ومنهم من يثبت الجهة والمماسة ويثبت الحد من سائر الجهات الستة كابن تيمية.(س)","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"، ومن نسب نفسه إلى السلف الصالح وهم منه براء.\rواعلم أن هذا الأمر، أي التنبيه إلى أغلاط العلماء على قِلَّتِها بين أهل السنة هو ميزة لأهل الحق، فإنك لا تجد من بين المجسمة خاصة مَنْ ينصف نفسه وغيره ويعترف ولو ببعض الشنائع التي وقع فيها زعماؤهم، بل يحاولون دائما إنكار نسبة ذلك عنهم حتى ولو كانت ثابتة، أو تفسيرها بمعنى لا يريده قائلها نفسه، أو غير ذلك من الأساليب، بل يسارعون باتهام غيرهم بأنه لا يحترم علماء الأمة، والحال أننا لا ننتقد إلا آراء قسم قليل جدا من المنتمين إلى الأمة. والمسألة في الحقيقة ليست مسألة احترام أو لا، بل هي مسألة حق أو باطل، خطأ أو صواب، يفعلون ذلك لأنهم إنما يتبعون الرجال، ولسان حالهم القول بعصمتهم، وتنزيههم عن ما لم ينزهوا عنه الأنبياء، وأما نحن فإنما نتبع الحق الذي يدلنا عليه العلماء، لا نقدس أحدا من علمائنا الكبار، ولا نقول إن الخطأ عليه محال، ولا نقول فيه إنه معصوم كما يقول هؤلاء ولو بلسان الحال.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"واعلم أن السرَّ في عدم تصريحهم بأغلاط فضلائهم وسادتهم هو أن جميع علمائهم قد وقعوا في شنائع فظيعة، فإن هم حكموا على واحد منهم، فإنهم في الحقيقة إنما يحكمون على جميعهم، وهذا حكم على مذهبهم كاملا بالفساد والزوال والتهافت. بخلاف أهل السنة الأشاعرة، فإن من أخطأ من علمائهم قليل العدد جدا، وأيضا فإن باقي العلماء من أهل المذهب لم يتركوه وشأنه بل نبهوا إلى ما وقع فيه، مع توقيرهم له، واعترافهم بفضله، فلم تمنعهم فضيلته المُسَلَّمَةُ من الحكم بغلطه في ذلك الموْرِد. فهذا هو سبب عدم التصريح بالتصحيح لمن أخطأ من المجسمة، وأما عند أهل السنة، فلا يوجد هذا المانع مطلقا، لأنهم يعلمون أنهم إنما أمروا بالدفاع عن عقيدة الإسلام لا عقيدة فلان أو فلان ممن حتى يُسَمّون بمشايخ الإسلام! ويعلمون أنما مردُّهم إلى الله لا إلى أحد من السلاطين ولا إلى أحد من الملوك. فصار حال هؤلاء المجسمة هو الخوف من التصريح بالحق حفاظا على مذهب مشايخهم، ومكانتهم الدنيوية. وما هذا بغريب عليهم.\rولكن العجب الكبير إنما هو من العلماء المنتمين إلى مذهب أهل السنة والجماعة الذين أصبحوا خائفين وجلين من الدفاع عن عقائد هذا الدين أمام هذه الهجمة ذات الفكر التجسيمي المادي، الذي أصبح يسيطر الآن على فكر كثير من العامة والخاصة. فهؤلاء العلماء يرون هذا التغلغل الخطير لهذا الفكر المريض والمخالف لعقائد الإسلام، وتراهم لا يحركون ساكنا، بل لا يتجرأ الواحد منهم –إلا من رحم الله- على القول بأن هذا الفكر مخالف لعقيدة أهل الحق وعقائد الإسلام. مجرد هذا المستوى من النقد أصبح هؤلاء يخافون منه، بينما نرى أن علماء أهل السنة كانوا في الماضي سادة النقد والرد على المخالفين وأهل البدع.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"هكذا كان حال أهل السنة في الماضي، وأما الآن فإننا نراهم من أكثر الناس خوفا من انتقاد الآخرين، وخوفهم هذا راجع في أكثر الأحوال إلى جهلهم الحقيقي بمذهبهم وأصوله، فأكثر مشايخهم الآن يكتفون بمعرفة العقائد على سبيل الإجمال، ولا يتوسعون في هذا العلم الجليل، الذي نص عليه محققو علماء أهل السنة على أنه الأصل الذي ترجع إليه سائر العلوم. ونحن نعلم أن طريق الإجمال إنما هو طريق العامة في الخروج مما يجب عليهم في هذا العلم، فَلَكَ أن تتعجب بعد ذلك ممن جعل ديدنه الاقتصار على ما وضع أصلا للعامة، وترَكَ ما يرفعه إلى مقام المحققين في أهم العلوم الإسلامية على الإطلاق. ومن كان هذا حاله فإن من الطبيعي جدا عنده أن لا يلجأ إلى الخوض في الكشف عن مفاسد الآخرين لأنه في الحقيقة لا يعلم أن ما وقع فيه الآخرون مفاسد على التحقيق، وكيف يعارضهم وهو لا يعلم علم اليقين أن ما يقول به هو الحق! بل غالبهم يظن ذلك ظنا !\rولهذا الحال لجأ كثير من المنتسبين إلى أهل السنة إلى طريقة عجيبة وهي التسليم لكل واحد بما ذهب إليه، وهذا لعمري مفاسده أكثر وأوضح من أن تذكر.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"وفي الجانب المقابل فإننا نرى مذهبا كان من أضعف المذاهب الإسلامية على الإطلاق، وهو مذهب التجسيم، ومذهب الحشوية والتشبيه، فهذا المذهب كان المنتمون إليه في القرون السابقة، يخجلون من التصريح به، بل يلجئون غالبا إلى الكناية والتمسك بأقوال مجملة، تحتمل قولهم وقول غيرهم، حتى إذا سئلوا استطاعوا تخليص أنفسهم. فهؤلاء كانوا يثبتون الجهة لله تعالى ويسمونها العلو، فيقولون الله في العلو، والحال أن مطلق العلو لا يخالف في إثباته أحد من الناس، ولكن هؤلاء يطلقون العلو ويريدون الجهة. وكانوا ينسبون التجسيم إليه تعالى ويسمونه بعِظَمِ القَدْرِ، علما بأن كون الله تعالى عظيم القدر محل إجماع بين الناس، ولكن هؤلاء المجسمة يطلقون اسم القدر ويريدون الحجم والحيز والمكان، والمنزهون لله تعالى من المسلمين يطلقون القدر ويريدون جلالة وإحاطة الصفات نحو القدرة والعلم وعدم خروج شيء من تدبير الله تعالى، ومخالفة الله تعالى لنا في أصل الوجود وحقيقته. وهؤلاء الحشوية كانوا يخافون في السابق من التصريح بإثبات الأعضاء والأدوات والأركان لله تعالى، وأما في هذا الزمان فإنهم يصرحون بذلك ولا يلوحون، بل ويردون على من خالفهم من أهل الحق، ويسمونهم باسم الجهمية والمعطلة والنفاة. بل لقد صرح أحد كبرائهم ومن يلقبونه بشيخ الإسلام بأن الشريعة لم تذم التشبيه والمشبهة! والأمثلة على انقلاب الموازين في هذا العصر كثيرة لا يتسع المجال لذكرها. وما كان ذلك ليحصل وتتثبت أركانه، إلا لضعف المنتمين إلى أهل السنة وعدم تمكنهم من عقائدهم التي هي عقائد الدين، وارتباط كثير منهم بموازين الحياة الدنيا، فلذلك صاروا يحسبون أكبر الحساب لغضب فلان ورضى فلان، ولا يلتفتون أصالة إلى رضى الله تعالى ولا إلى غضبه. وقد برع هؤلاء جدا في التبرير، أي في تبرير مواقفهم هذه خاصة من سكوتهم وعدم ردهم على مذهب المجسمة، ونخص بالذكر مذهب المجسمة لأنهم هم الغالبون في هذا","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"العصر في كثير من البلاد الإسلامية.\rوقد امتنع كثير من العلماء في هذا العصر من الرد على فتنة المجسمة هذه، وتعللوا بكثير من العلل، فقالوا مثلا إن هذا العصر هو عصرهم، أي عصر المجسمة، فلهم فيه القوة المادية، وهي أكبر أسس انتشار مذهبهم، وقالوا: إن الرد على المجسمة في هذا العصر مع انتشاره بين الخاصة والعامة قد يتسبب عنه فتنة! كذا يقولون، فهم ابتعادا عن الفتنة التي يظنون لا يتعرضون لهم. وقالوا: إن أتباع هؤلاء المجسمة لا يعلمون أن مشايخهم الذين يقتدون بهم هم مجسمة، فلا ينبغي الرد عليهم! بل يعلمون ويعاملون معاملة حسنة بالإرشاد بالتدريج، وقد غفل من قال ذلك عن أن هؤلاء وإن كانوا لا يعترفون بأنهم مجسمة، إلا أن عقائدهم هي بالفعل عقائد المجسمة، وسواءا كانوا يعرفون ذلك أو يجهلونه، فلا بد من بيان الحق من الباطل، لهم ولغيرهم، وهذا يستدعي الرد على رؤوسهم وزعمائهم. بل إن بعض المشايخ من الذين ينتسبون إلى أهل السنة، صاروا يحاولون إيجاد بعض الأعذار لهؤلاء المجسمة، وتبرير وقوعهم في التجسيم، وقد نسي هؤلاء أنا حتى وإن سلمنا بوجود الأعذار لهم فإن ذلك لا يعفينا من بيان أنهم مبطلون، ولا يعفينا من الرد عليهم، ولا يعفيهم أيضا من محاولة معرفة العقائد الصحيحة.وقالوا غير ذلك.\rوقد نسي هؤلاء القائلون أن علم التوحيد يجب فيه النظر في الدليل ولا يعفي أحدا أن يقول إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتفون. بل من اعتقد الباطل وإن كان قد أخذه من أبيه وأمه، فإن هذا لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا.\rوالتحقيق عندي أن مواقف هؤلاء جميعا من فتنة التجسيم المنتشرة في هذا الزمان، لا يعدو أن يكون انعكاسا عن خوفهم من الرد عليهم، وجهلهم بعقائد أهل السنة على التحقيق، فإنهم لو عرفوا لما تقاعسوا عن نشرها ولم يتخاذلوا عن الرد على الخصوم.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"وعلى ذلك درج أهل السنة، أعني على التحذير من الأخطاء التي يقع فيها الناس، مهما كانت منزلتهم، فلا معصوم إلا الرسول عليه الصلاة والسلام، والانتقاد هو الأصل في علم التوحيد، لأنه لا تقليد فيه مع القدرة على التحقيق. وأهل السنة يعلمون أنهم بهذا الفعل يزيدون من قوتهم وبقائهم على الحق، لأنهم يعلمون أن مآلهم إلى الله لا إلى أحد من الخلق.\rسعيد فودة\rوليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب\rترجمة وجيزة\rللإمام أبي عبدالله السنوسي\rإن الكتاب الذي بين أيدينا، في الأصل هو عبارة عن تهذيب للشرح الذي وضعه العلامة أحمد بن عيسى الأنصاري، على متن أم البراهين، وهذا المتن هو أحد الكتب المعتبرة عند أهل السنة، وصاحبه هو أحد علماء أهل السنة والجماعة، وهو الإمام أبو عبدالله السنوسي رحمه الله تعالى. وفيما يلي نبين نبذة عن ترجمة هذا الإمام العلامة.\rاسمه ونسبه: هو الإمام محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي، ويلقب السنوسي اشتهر، نسبة لقبيلةٍ بالمغرب، ويلقب أيضا بالحسني نسبة للحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أم أبيه. وهو تلمساني أيضا نسبة إلى بلدة تلمسان.وهو عالم تلمسان وصالحها وزاهدها وكبير علمائها الشيخ العلامة المتفنن الصالح الزاهد العابد الأستاذ المحقق الخاشع أبو يعقوب يوسف.\rكان مولده بعد الثلاثين وثمانمائة.","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"مشايخه ودراسته: نشأ الإمام السنوسي خيرا مباركا فاضلا صالحا، أخذ عن جماعة منهم، والده المذكور، والشيخ العلامة نصر الزواوي، والعلامة محمد بن توزت، والسيد الشريف أبو الحجاج يوسف بن أبي العباس بن محمد الشريف الحسني، وقد أخذ عنه القراءات، وعن العالم المعدل أبي عبدالله الحباب علمَ الاصطرلاب، وعن الإمام محمد بن العباس الأصولَ والمنطق، وعن الفقيه الجلاب الفقه وعن الولي الكبير الصالح الحسن أبركان الراشدي حضر عنده كثيرا وانتفع به وببركته، وكان يحبه ويؤثره ويدعو له، فحقق الله فيه فراسته ودعوته. وعن الفقيه الحافظ أبي الحسن التالوتي أخيه لأمه الرسالة، وعن الإمام الورع الصالح أبي القاسم الكنابشي إرشاد أبي المعالي والتوحيد عن الإمام الحجة الورع الصالح أبي زيد الثعالبي الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، وأجازه ما يجوز له. وعنه وعن الإمام العالم العلامة الولي الزاهد الناصح إبراهيم التازي ألبسه الخرقة وحدثه بها عن شيوخه، وروى عنه أشياء كثيرة من المسلسلات وغيرها وعن العالم الأجل الصالح أبي الحسن القلصادي الأندلسي الفرائض والحساب. وأجازه جميع ما يرويه. وغيرهم.\rوكان آية في علمه وهديه وصلاحه وسيرته وزهده وورعه وتوقيه.\rمكانته العلمية وسيرته: له في العلوم الظاهرة أوفر نصيب، جمع من فروعها وأصولها السهم والتعصيب، لا يتحدث في فن إلا ظن سامعه أنه لا يحسن غيره سيما التوحيد والمعقول، شارك فيها غيره وانفرد بعلوم الباطن بل زاد على الفقهاء مع معرفة حل المشكلات سيما التوحيد.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"كان لا يقرأ علم الظاهر إلا خرج منه لعلوم الآخرة سيما التفسير والحديث لكثرة مراقبته لله تعالى كأنه يشاهد الآخرة. قال تلميذه الملالي:\"سمعته يقول ليس من علم من علوم الظاهر يورث معرفته تعالى ومراقبته إلا التوحيد، وبه يفتح في فهم العلوم كلها، وعلى قدر معرفته يزداد خوفه\"اهـ. وانفرد بمعرفته التوحيد إلى الغاية، وكتبه التي ألفها في العقائد كافية فيه خصوصا الصغرى (أم البراهين) لا يعادلها شيء من العقائد.\rوكان حليما كثير الصبر ربما يسمع ما يكره فيتعامى عنه ولا يؤثر فيه، بل يبتسم، وهذا شأنه في كل ما يغضبه، ولا يلقي له بالاً بوجهٍ، ولا يحقد على أحد، ولا يعبس في وجه أحد. يفاتح من تكلم في عرضه بكلام طيب وإعظام حتى يعتقد أنه صديقه.\rقال الملالي تلميذه: سمعته يقول: \"ينبغي للإنسان أن يمشي برفق وينظر أمامه لئلا يقتل دابة في الأرض\". وإذا رأى من يضرب دابة ضربا عنيفا تغير وقال لضاربها: \"ارفق يا مبارك\". وينهى المؤدبين عن ضرب الصبيان.\rقال الملالي: وسمعته يقول: \"لله تعالى مائة رحمة لا مطمع فيها إلا لمن اتسم برحمة جميع الخلق وأشفق عليهم\".\rوفاته: ولما أحس بمرض موته انقطع عن المسجد ولازم فراشه، حتى مات، ومرض عشرة أيام ولما احتضر لقنه ابن أخيه مرة بعد مرة، فالتفت إليه وقال له:\"وهل ثم غيرها\".\rوقالت له بنته:\"تمشي وتتركني!\". فقال لها:\"الجنة مجمعنا عن قرب إن شاء الله تعالى\". وكان يقول عند موته:\"نسأله سبحانه أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بالشهادة عالمين بها\". وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأخيرة عام خمس وتسعين وثمانمائة. وشم الناس المسك بنفس موته رحمه الله.\rقال تلميذه الملالي:\"وأخبرني قبل موته بنحو عامين أن سنه خمس وخمسون سنة\". قال التنبكتي في \"نيل الابتهاج\": ورأيت مقيدا عن بعض العلماء أنه سأل الملالي المذكور عن سن الشيخ ،فقال له:مات عن ثلاث وستين سنة والله أعلم.","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"كتبه ومؤلفاته: وأما تآليفه، فقال الملالي:\rمنها شرحه الكبير على الحوفية المسمى المقرب المستوفى، كبير الجرم كثير العلم، ألفه وهو ابن تسعة عشر عاما، ولما وقف عليه شيخه الحسن أبركان، تعجب منه وأمره بإخفائه حتى يكمل سنه أربعين سنة، لئلا يصاب بالعين، ويقول له :لا نظير له فيما أعلم، ودعا لمؤلفه.\rوعقيدته الكبرى سماها عقيدة أهل التوحيد في كراريس من القالب الرباعي أول ما صنفه في الفنِّ، ثم شرحها، ثم الوسطى وشرحها في ثلاثة عشر كراسا. قلت: وهذه العقيدة عليها شرح جيد للشيخ عليش، وعلى شرح السنوسي لها حاشية جليلة القدر للشيخ يس.\rثم الصغرى(1) وشرحها في ست كراريس وهي من أجل العقائد، لا تعادلها عقيدة، كما أشار إليه هو في شرحه عليها، قال الشيخ:\"لا نظير لها فيما علمت تكفي من اقتصر عليها عن سائر العقائد\". أقول: الحق ما قاله، فإن كل من قرأ هذا المتن انتفع بما فيه، واهتدى إلى الحق الصريح، في أقل زمان.\rوعقيدته المختصرة أصغر من الصغرى وشرحها في أربع كراريس، وفيه فوائد ونكت. والمقدمات المبينة لعقيدته الصغرى، قريبة منها جرما وشرحها في خمس كراريس. وشرح الأسماء الحسنى في كراسين، يفسر الاسم، ويذكر حظ العبد منه. وشرح التسبيح دبر الصلاوات، تكلم على حكمته.\rوشرح عقيدة الحوضي، خمس كراريس. وشرحه الكبير على الجزيرية(2)، فيه نكت نفيسة. ومختصرا لصحيح مسلم في سفرين فيه نكت حسنة. وله شرح على صحيح مسلم اسمه \"مكمل إكمال الإكمال\".\r__________\r(1) …وهذه الصغرى هي المسماة بأم البراهين، وهي التي نقدم تهذيبا لأحد شروحها الكثيرة. وعلى شرح الإمام السنوسي لأم البراهين حاشية مفيدة جدا للعلامة الدسوقي فيها فوائد قيمة في علم التوحيد، وهي مطبوعة.\r(2) …كذا بالمطبوع! وأظن أنها شرح الجزائرية، وهو كتاب في العقائد.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وشرح إيساغوجي في المنطق تأليف البرهان البقاعي، كثير العلم. ومختصره العجيب فيه زائد على الخونجي، وشرحه حسن جدا. ومن المعلوم أن متن الخونجي من أدق كتب علم المنطق. وعلى شرح متن السنوسي حاشية جليلة للبيجوري.\rوشرح قصيدة الحباك في الاصطرلاب، شرح جليل.وشرح أبيات الإمام الاليرى في التصوف. وشرح الأبيات التي أولها \"تطهر بماء الغيب\".\rوشرحه العجيب على البخاري، وصل فيه إلى باب من استبرأ لدينه. وشرح مشكلات البخاري في كراسين، ومختصر الزركشي على البخاري.\rقال التنبكتي في نيل الابتهاج:\"وقد وقفت على جميع هذه الكتب\".\rثم قال الملالي: ومنها عقيدة أخرى فيها دلائل قطعية يرد على من أثبت تأثير الأسباب العادية كتبها لبعض الصالحين، ومختصر حاشية التفتازاني على الكشاف، وشرح مقدمة الجبر والمقابلة لابن ياسمين.\rوشرح جمل الخونجي في المنطق، وشرح مختصر ابن عرفة وفيه حلٌّ لصعوبته، وقال لي:\"إن كلامه صعب سيما هذا المختصر، تعبت كثيرا في حله لصعوبته إلى الغاية، لا أستعين عليه إلا بالخلوة\".\rومنها شرح رجز ابن سينا في الطب، لم يكمل، ومختصر في القراءات السبع وشرح الشاطبية الكبرى لم يكمل وشرح الوغليسية في الفقه لم يكمل ونظم في الفرائض واختصار رعاية المحاسبي، ومختصر الروض الأنف للسهيلي لم يكمل، ومختصر بغية السالك في أشرف المسالك للساحلي، وشرح المرشدة والدر المنظوم في شرح الآجرومية.\rوشرح جواهر العلوم للعضد في علم الكلام على طريقة الحكماء وهو كتاب عجيب جدا في ذلك إلا أنه صعب متعسر على الفهم جدا.\rومنها تفسير القرآن إلى قوله وأؤلئك هم المفلحون، في ثلاثة كراريس، ولم يمكن له التفرغ له. وتفسير سورة (ص) وما بعدها.\rقال الملالي: فهذا ما علمت من تآليفه مع ما له من الفتاوى والوصايا والرسائل والمواعظ مع كثرة الأوراد وقضاء الحوائج والإقراء.اهـ\rقال التنبكتي: سمعت أن له تعليقا على فرعي ابن الحاجب، نفعنا الله به.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"تلاميذه: أخذ عنه أعلام، كابن صعد، وأبي القاسم الزواوي وابن أبي مدين والشيخ يحيى بن محمد، وابن الحاج البيدري، وابن العباس الصغير، وولي الله محمد القلعي ريحانة زمانه، وإبراهيم الجديجي، وابن ملوكة وغيرهم من الفضلاء.\rوبعد فهذه نبذة من سيرة هذا الإمام العطرة، وقطعة من أحواله، ولا شك أنها غير وافية بالمقصد، ولكن قد ذكر التنبكتي أن تلميذه الملالي جمع في سيرته وأحواله وفوائده تأليفا كبيرا في نحو ستة عشر كراسا من القالب الكبير، وقال إنه اختصره في جزء في نحو ثلاثة كراريس، وما ذكره في كتابه نيل الابتهاج إنما هو طرف منه. ونحن لم نذكر جميع ما ذكره في نيل الابتهاج، بل اختصرناه أيضا.\rنفعنا الله تعالى به وبعلومه آمين(1).\rبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\rالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد أفضل الخلق أجمعين. وبعد:\r__________\r(1) …اقتصرنا في هذه الترجمة الموجزة على ما ذكره العلامة أبو العباس سيدي أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت، عُرِفَ بِبابا التنبكتي رحمه الله تعالى، في كتابه الذي سماه \"نيل الابتهاج بتطريز الديباج\". وزدنا عليه قليلا، وهو كتاب جيد فيه تراجم عدد كبير من علماء السادة المالكية، وفيه معلومات عزيزة. فراجعه إن أحببت ص325 من المطبوع على هامش \"الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب\".","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"اعلم أن هذا العلم يسمى بعلم العقائد وعلم أصول الدين، وعلم التوحيد وعلم الكلام(1). وهو علم يبحث فيه عن العقائد الدينية المكتسبة من الأدلة اليقينية، والمراد بالعقائد الدينية أي العقائد المنسوبة إلى دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، نحو \"العالم حادث\" و\"خالقه الله\"، و\"الله واحد\".\r__________\r(1) …النصوص التي ينقلها البعض في التشنيع على من اشتغل بهذا العلم، وينسبونها إلى بعض السلف، لا يخلو الحال فيها من أمور، إما أن يكون هؤلاء السلف قد نهوا عن الكلام في العقائد مطلقا الصحيح منها والباطل، فهذا النهي مردود عليهم، فإنه قد ثبت بالأدلة الشرعية وجوب الاشتغال بهذا العلم، وليس هذا هو مرادهم بما نقل عنهم رحمة الله تعالى عليهم. أو أن يكون النهي واردا على من ابتدع وضل عن طريق أهل السنة والعقائد الصحيحة، فهو نهي صحيح، ومن الواجب على الإنسان أن يبتعد عن الطريق الباطلة، وعلى هذا الوجه حمل علماء الأمة النهي والتحذير الوارد عن بعض السلف، والمناسبات التي قالوا فيها ما نقل عنهم تدل على ذلك. أما أن يقال أن النهي موجه مطلقا على كل من اشتغل به سواء كان من أهل الحق أو من أهل الباطل فهذا الكلام باطل قطعا، ولا يلتفت إليه إلا من على قلبه غشاوة. واعلم أن الحشوية المجسمة والذين يدعون الانتساب إلى السلف الصالح خاصة في هذا الزمان-وهم منهم براء- قد بالغوا في النهي عن الاشتغال بهذا العلم، وما السبب الذي دفعهم إلى ذلك، إلا أن الذي يشتغل بهذا العلم ويفهم أصوله ويحقق الحق فيها، فإنه ينكشف له تماما أن مذهبهم من أبطل المذاهب، نعني به مذهب المجسمة من الذين يثبتون الحد والجهة والمكان والحركة وقيام الحوادث بالله تعالى وغير ذلك من مفاسد. فتعلم من ذلك أن نهي هؤلاء المدعين عن هذا العلم الجليل ما هو إلا طريقة لحماية مذهبهم لكي لا ينكشف عواره أمام الناس.(س)","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"وموضوع هذا العلم هو المعلوم من حيث يفضي إلى العلم بالأدلة القطعية على العقائد الدينية. وفائدته أن تصير العقائد الدينية متيقنة لا تزلزلها شبه المبطلين، فينجو في الآخرة بفضل الله تعالى من العذاب المترتب على الكفر وسوء الاعتقاد، وينجو في الحياة الدنيا من تشوهات الفكر والسلوك الناتجة عن عدم إدراك حقيقة العالم، فالارتقاء الناتج من هذا العلم نتائجه دنيوية وأخروية.\rواعلم أن المطلوب في العقائد من الناس هو العلم بها(1)، والعلم هو معرفة الشيء بدليله، فلا يكفي الاعتقاد الجازم المطابق للحق بلا دليل، لأن صاحبه لا يخلص من الإثم، وهو عاص وسيأتي بيان هذا.\rوقبل الشروع في بيان ما يجب الاعتقاد به نبين مقدمة مفيدة في تعريف الحكم وما يتعلق به، لأن هذا مما ينبني عليه كثير من أصول الاعتقاد.\rالحكم\rهو في اللغة المنع، ومنه سمي الحاكم حاكما لأنه يمنع الظالم من المظلوم. وفي الاصطلاح هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. مثال الإثبات كإثبات الوجود والقِدَمِ لله تعالى، ومثال النفي كنفي الحدوث عن الله تعالى.\rفالحكم من حيث هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.\rوينقسم من حيث مصدره إلى ثلاثة أقسام :شرعي وعادي وعقلي.\r__________\r(1) …الدين لغة ما يتدين به حقا كان أو باطلا، واصطلاحا هو وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى ما هو الخير لهم بالذات.(ص)\rوالعلم يطلق على الملكة الراسخة في النفس التي إدراك الشيء على حقيقته، وعلى الإدراك، وعلى القواعد والضوابط التي احتوى عليها الفن.(ص)","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"فالشرعي محله كتب الفقه وأصوله، والعادي يعرف بالتجربة والتكرار كوجود الاحتراق عند النار، فالخالق للإحراق هو الله تعالى فلا تأثير للنار وكذلك جميع الأسباب العادية، وإنما أجرى الله العادة أن يخلق الفعل عندها لا بها. ويصح أن توجد النار ولا يخلق الله تعالى الإحراق وكذلك جميع الأسباب العادية لا تأثير لها(1).\rوأما الحكم العقلي فيفهم من مجرد العقل من غير تكرار ولا وضع واضع. والعقل سر روحاني تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية، ومحله القلب ونوره في الدماغ، وابتداؤه من حين نفخ الروح في الجنين وأول كماله البلوغ.\rوهو ينحصر في ثلاثة أقسام:\rالأول الوجوب: وهو في اللغة الثبوت، وفي الاصطلاح عدم قبول الانتفاء في العقل.\rالثاني الاستحالة : في اللغة الامتناع، وفي الاصطلاح انتفاء قبول الثبوت في العقل.\rالثالث الجواز : في اللغة العبور، وفي الاصطلاح قبول الثبوت والانتفاء في العقل.\rوعلى هذا فالواجب هو ما لا يتصور في العقل عدمه، مثل الذات الإلهية وصفات المعاني والمعنوية والنفسية والسلبية فكلها ثابتة لله تعالى لا يصح نفيها عنه. وينقسم الواجب إلى قديم وحادث، فالقديم كالواجبات لله تعالى، والحادث كالتحيز للجرم، بأن تأخذ ذاته قدرا من الفراغ أو الخلاء، وكذلك من الواجب المحدث قبول الجرم للأعراض، فإن هذا مقيد بوجود الجرم إن انعدم الجرم انعدم، وأما الواجب القديم فلا يرتبط بغيره، لذلك فهو لا يتغير.\r__________\r(1) …الحكم العادي وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرار وينحصر في أربعة أقسام\rالأول:ربط وجود بوجود كربط الشبع بوجود الأكل. والثاني ربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل. والثالث: ربط وجود بعدم كربط وجود البرد بعدم الستر. والرابع: ربط عدم بوجود كربط عدم الإحراق بوجود الماء. (ج)","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"ثم إن الواجب له مرتبتان من حيث وضوحه في العقل؛ الأولى الضروري وهو الذي لا يحتاج إلى جهد وتعب لإدراكه كثبوت التحيز للجرم وكون الواحد نصف الإثنين. الثانية النظري(1) كثبوت الواجبات لله، وكالواحد أنه نصف سدس الاثني عشر.\rوالمستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده، فلا يصح في العقل ثبوته.\rولذا فإن الصفات النفسية والمعنوية والسلبية كلها ثابتة لله تعالى وإن كانت في نفسها عدمية، وهي واجبة لله تعالى.\rوللمستحيل مرتبتان الأولى الضروري مثل عزل الجرم عن الحركة والسكون معا، والثانية النظري كشريك الله وسائر المستحيلات على الله تعالى.\rوالجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه. مثل ذات الحوادث وصفاتها الحادثة من المعاني والمعنوية والنفسية والسلبية، فإنها كلها يصح ثبوتها ويصح نفيها، فيكون الحد شاملا لها كلها.\rوله مرتبتان:\rالأولى: الضروري كاتصاف الجرم بالحركة أو السكون فقط.\rالثانية: النظري ومثاله تعذيب المطيع الذي لم يعص الله تعالى قط وإثابة العاصي فإنه جائز في حقه لكنه نظري، وهذا باعتبار العقل وأما الشرع فأخبر أن الطائع له الثواب والعاصي له العقاب.\rالواجب على كل مكلف شرعا\rالمكلف هو البالغ(2)\r__________\r(1) …النظري هو الذي لا يدركه العقل إلا بعد التأمل والنظر، مثاله تعذيب المطيع الذي لم يعص الله تعالى في عمره أصلا، فإن تعذيبه جائز يقبل العقل وجوده بأن يدخله الله جهنم ويقبل عدمه بأن يدخله الله الجنة، ولكنه لا يقبله العقل حتى يتأمل ويعلم أن الله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية وأن الظلم في حقه تعالى محال لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير بلا إذن، ومولانا سبحانه هو المالك لجميع الخلق يعذب من يشاء. فإذا تأمل العقل في ذلك علم أن تعذيب المطيع جائز يصح وجوده ويصح عدمه.(ط)\r(2) …من مات قبل البلوغ فهو ناج ولو كان من أولاد الكفار، ولا يعاقب على كفره ولا غيره.(ص)\rواعلم أن المكلف هو البالغ العاقل سليم الحواس ولو السمع أو البصر فقط الذي بلغته الدعوة. فخرج الصبي ولو مميزا، والمجنون وفاقد الحواس ومن لم تبلغه الدعوة فليس كل منهم مكلفا. وطلب العبادة من الصبي المميز كالصلاة والصوم ليس لتكليفه بها بل لترغيبه فيها ليعتادها فلا يتركها إن شاء الله تعالى.(ج)","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"العاقل الذي بلغته الدعوة.\rوقد طلب الشرع من كل مكلف طلبا جازما أن يعرف الله تعالى بمعرفة(1) صفاته(2)، وليس المقصود بمعرفة صفاته أن يعرف حقائقها، لأن هذا مستحيل، بل أن يعرف بعض الأحكام التي تتعلق بها كما سترى.\rوالشرع لغة الطريق. واصطلاحا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله من الأصول والفروع، أي العقائد والفقه.\r__________\r(1) …حقيقة المعرفة هي الجزم المطابق عن دليل، فالجزم هو القطع وعدم التردد، فمن كان إيمانه على ظن أو شك أو وهم فهو باطل، والمطابق معناه الموافق فمن كان جزمه مخالفا فهو كافر، والمقصود بالدليل الدليل التفصيلي وهو للعلماء أ والإجمالي وهو لغيرهم كجزمنا بأن الله موجود، ودليل وجوده هو هذا العالم لأنه لا بد له من فاعل، وأما الجزم المطابق إذا لم يكن معه دليل لا تفصيلي ولا إجمالي كما إذا كان إنسان يجزم بأن الله تعالى موجود، وإذا سئل عن الدليل يقول لا أدري سمعت أبي يقول ذلك فقلته، فهذا ليس عنده معرفة وإنما عنده التقليد، وهو أخذ القول من غير معرفة دليله وهو لا يكفي في التوحيد.(ط)بتصرف يسير\r(2) …الواجب على العام والخاص الدليل الجملي وهو المعجوز عن تقريره وحل شبهه معا أو أحدهما،وأما التفصيلي فهو المقدور على تقريره وحل شبهه، فصاحب الجملي هو الذي يصور العقائد في ذهنه، وإن لم يحفظ اللفظ بحيث لو سئل عن المعنى لا يشك فيه، ودليله على كل واحد وجود العالم من غير تفصيل في كيفية الاستدلال، أو مع التفصيل لكن يعجز عن رد الشبه، فإن قدر على التفصيل ورد الشبه كان من أهل التفصيلي.(ص)","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"ودليل وجوب هذا من الكتاب قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله)سورة محمد:19، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\"(1). وحقيقة المعرفة هي الجزم المطابق للحق عن دليل، والشهادة تنبني على العلم، لا على الظن وغيره، فالشك والظن والوهم لا تكفي في العقائد بل هي كفر.\r__________\r(1) …رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله تعالى عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر رضي الله تعالى عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله تعالى عنه فعرفت أنه الحق.\rورواه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى عن أبي هريرة. وفي السنن الكبرى للنسائي رواه عن الزهري عن أنس بن مالك قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل العرب فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والله لو منعوني عناقا مما كانوا يعطون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه قال عمر فلما رأيت رأي أبي بكر قد شرح علمت أنه الحق.\rورواه الطبراني في المعجم الكبير عن معاذ بن جبل بلفظ حتى يشهدوا، وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى، وعن أبي هريرة بلفظ يقولوا.\rوهذا الحديث محفوظ في كتب السنن.(س)","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"وهاهنا مسألة مشهورة تسمى بمسألة المقلد، ما حكمه شرعا؟! والمقلد هو من اعتقد الواجبات والجائزات ونفى المستحيلات في حق الله تعالى بلا دليل، أي إنه جزم جزما مطابقا للحق بلا دليل، وذلك كأن يتلقى العقائد الواجبة من غيره بلا دليل. فمثل هذا اختلف فيه العلماء على عدة أقوال، فقال الجمهور هو مؤمن ولكنه عاص إن كان فيه أهلية للنظر ولم ينظر، أي إن كان يستطيع معرفة أدلة العقائد ولم يفعل فهو عاص لهذا، وإيمانه صحيح. وقيل هو مؤمن وغير عاص. وقيل كافر وليس بمؤمن وهذان القولان ضعيفان(1).\r__________\r(1) …الإنسان إن قلد في العقائد الصحيحة، فقد اختلف العلماء في إيمانه والمعتمد أنه إن كانت له القدرة على النظر الموصل إلى المعرفة كان مؤمنا عاصيا فقط، والعصيان من جهة أنه لم يعرف الدليل، وإيمانه منج له من الخلود من النار، وإن لم يكن له القدرة على النظر كان مؤمنا غير عاص. وقيل إن المقلد غير عاص مطلقا، وقيل إنه كافر.\rواعلم أن النظر الذي يخرج به المكلف عن التقليد إلى المعرفة هو النظر على طريق العامة وهو النظر الإجمالي كما أجاب به الأعرابي الذي سأله الأصمعي بقوله بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير وآثار الأقدام تدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحور ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير.\rولا يشترط النظر على طريق المتكلمين وهو النظر التفصيلي بتحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبه الواردة عليها.\rواعلم أن النظر وسيلة إلى معرفة الله ورسله بالصفات، والمعرفة وسيلة إلى الإيمان الشرعي وهو التصديق بجميع ما جاء به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مما علم من الدين بالضرورة، والمراد بالتصديق بذلك الامتثال الباطني وهو إذعان النفس وقبولها وقولها آمنت بذلك ورضيته المعبر عنه بحديث النفس، والله تبارك وتعالى الموفق لا رب غيره.(غ) بتصرف يسير.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"وأما ما يلزم المكلف معرفته(1)، فإننا نذكره هنا على وجه الإجمال ثم نشرع في تفصيله، فهو ما(2) يثبت في حق الله عز وجل، وهو قسمان عام ومفصل،فالعام: أن يعرف ويعتقد أن كل كمال فهو واجب لله تعالى. والتفصيل أن يعرف ويعتقد بالصفات العشرين الواجبة. ويلزمه أن يعرف ما يستحيل في حق الله تعالى عموما وتفصيلا، فالعموم أن يعتقد أن كل نقص فهو مستحيل في حق الله تعالى، والتفصيل الاعتقاد بأضداد الصفات العشرين الواجبة(3)\r__________\r(1) …اختلف في المعرفة فقيل هي الجزم المطابق للحق عن دليل، وقيل ولو بلا دليل.(ص)\r(2) …كلمة ما هنا تفيد العموم كما هو معلوم، لأنها بمعنى الذي،فيجب على المكلف أن يعرف جميع الواجبات والمستحيلات والجائزات، لكن جهة المعرفة تكون تفصيلية فيما علم تفصيلا وإجمالية فيما لم يعلم تفصيلا.(س)\r(3) …ما هو مذكور هنا من أن الواجب التفصيلي عشرون صفة والمستحيل التفصيلي كذلك مبني على القول بثبوت الأحوال المبني على الطريقة القائلة بأن الأمور أربعة أقسام: موجودات وهي ما تصح رؤيته، ومعدومات وهي ما لا ثبوت له، وأحوال وهي الواسطة بين الموجودات والمعدومات، وأمور اعتبارية وهي ما له ثبوت لكن لم يرتق إلى درجة الأحوال. وهذه القسمة مبنية على القول بثبوت الأحوال كقسم مستقل وهي ما مشى عليه الإمام السنوسي وغيره،بل قال بعض المحققين :الحق أن لا حال وأن الحال محال. لكن قال الإمام السنوسي في بعض كتبه وبالجملة فالمسألة مشهورة الخلاف ولكل من القولين أدلة تعلم من محلها فتدبر.\rوأما على القول بنفيه وهو المذهب الراجح عند جمهور العلماء فالأمور ثلاثة فقط: الموجود والمعدوم والأمور الاعتبارية. فالشيء إما أن يكون موجودا أو معدوما ولا حال للذات بين الوجود والعدم. وكذلك لا حال للصفة الوجودية. أهـ من(ج)بتصرف وزيادة (س)","part":1,"page":25},{"id":27,"text":". ويلزمه أن يعرف ويعتقد بما يجوز في حق الله عموما وتفصيلا، فالعموم أن يعتقد أن فعل كل ممكن أو تركه فهو جائز في حق الله، والتفصيل بأن يعتقد العقائد السمعية كأمور الآخرة فإنها جائزة عقلا وواجبة شرعا.\rويلزمه شرعا أن يعرف مثل الأقسام المتقدمة والتي هي الوجوب والاستحالة والجواز في حق الرسل ومثلهم الأنبياء، لأن كل رسول نبي، ويجب لهم الصدق والأمانة والفطانة، ويجب للرسل إثبات التبليغ، ويستحيل في حقهم الكذب والخيانة والكتمان والغفلة والبَلَه، ويجوز في حقهم الأعراض البشرية التي لا تؤدِّي إلى النقص في مراتبهم العلية.\rبعض ما يجب لله جل وعز\rوقلنا بعض ما يجب لأن كمالاته تعالى لا نهاية لها، ولم يكلفنا الله بمعرفة جميعها تفصيلا لأنه من تكليف ما لا يطاق، قال تعالى(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)البقرة:286، فترك التكليف بذلك فضلا منه تعالى. ويجب له عشرون صفة، والصفة تطلق على المعنى الوجودي القائم بالموصوف، وعلى ما ليس بذات وهذا هو المراد هنا. وتقسم الصفات إلى أربعة أقسام(1)، نفسية وسلبية ومعاني ومعنوية، نبينها فيما يلي بالترتيب، وفي هذه الأقسام تنازع نبينه في موضعه.\rالقسم الأول\rالصفات النفسية\rوسميت نفسية لأن الوصف بها دل على نفس الذات دون معنى زائد عليها.\r__________\r(1) …قسمة الصفات على نفي الحال كما يلي: الصفات إما عين الذات وهي النفسية، أو غير الذات وهي السلبية لكون مدلولها عدما، والفعلية لحدوثها،أو لا عين الذات ولا غيرها وهي وجودية وتسمى المعاني، أو لا عين الذات ولا غيرها وهي اعتبارية وتسمى معنوية. أو صفات جامعة وهي العزة والجلال والجمال والغنى ونحو ذلك.(ص) وهو كلام عظيم وكثير الفوائد.(س)","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"وهي صفة واحدة، هي الوجود(1)\r__________\r(1) …اختلف في الوجود، هل هو عين الموجود أو غيره، والذي عليه الإمام الأشعري رضي الله عنه هو الأول، بناءا على نفي الأحوال وهو المعتمد لأنه لا واسطة بين الوجود والعدم عند الإمام الأشعري، فالوصف به أمر اعتباري يعتبره الشخص لا ثبوت له، مثال ذلك كما لو أخرجت ثوبا من صندوق مثلا فالثوب يوصف بالظهور وهو أمر اعتباري، لا ثبوت له في الخارج، بحيث يصح أن يرى في نفسه بل هو أمر يعتبره الشخص. وعلى هذا فتسمية الوجود صفة بناء على قول بعض المحققين ليس المراد بالصفة المعنى القائم بالشيء، بل ما يحكم به عليه، سواء كان عين حقيقته أو قائما بها أو خارجا عنها، فدخل في هذا التعريف الوجود والسلبية والمعاني والمعنوية، ولو على القول بنفي الأحوال. (ص).\rوالقائل بأن الوجود أمر اعتباري هو الإمام الرازي وغيره، وعد الوجود صفة على قول الأشعري إنما هو على المعنى الأعم للصفة،لما أنه يقال \"الله موجود\"، فتنسب الوجود إلى الله تعالى.(س)\rقال العلامة البيجوري:واعلم أنه كما قال بعضهم لا يجب على المكلف اعتقاد شيء من ذلك بل يكفي أن يعتقد أن الله موجود وإن لم يعتقد أن الوجود عين الموجود أو غير الموجود، لأن هذا مما اختلف فيه المتكلمون اختلافا طويلا. فاحفظه.(ج)","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"، والوجود هو حال واجبة للذات ما دامت الذات غير معللة بعلة. وعلى ذلك فالوجود صفة نفسية مغايرة مفهوما للصفات المعاني والسلبية. فالمعاني صفات وجودية، والسلبية عدمية، والنفسية حال فهي صفة ثبوتية لا توصف بالوجود ولا بالعدم. ثم هي حال للذات لا للصفات، مع جواز أن تقول مثلا قدرة الله موجودة، وكذلك إرادته وعلمه إلى آخر المعاني، وصفة الوجود(1) أيضا واجبة للذات ما دامت الذات وهي –أي الصفة- غيرُ معللة بعلة، وذلك خلاف الأحوال المعنوية نحو كونه مريدا وكونه قادرا، فإن هذه معللة بالمعاني، ومعنى التعليل هنا هو التلازم في إفادة العلة معلولها الثبوت.\rوالدليل على وجود الله من الكتاب قوله تعالى (خالق كل شيء)الزمر:62.\rومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"إن الله صانع كل صانع وصنعته\"(2)\r__________\r(1) …وجود الله ليس كوجود الحوادث، لأن وجود الله ذاتي له أي ليس بتأثير مؤثر وفعل فاعل، ووجود الحوادث بتأثير الله وفعله لأنه تعالى كان وحده ولا شيء غيره كما ورد في الحديث الشريف كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، ثم أوجد جل جلاله الحوادث، فوجودها غير ذاتي لها بل هو طارئ عليها وعارض لها، ولكون وجوده تعالى ذاتيا لم يقبل سبحانه العدم في الأزل، ولا يقبله في الأبد، والأزل هو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، ويقابله الأبد وهو استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل، ويعبر عنه بما لا يزال.(غ) بتصرف يسير.\r(2) …هذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه بعدة أسانيد عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله خالق كل صانع وصنعته.\rوقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\r-ورواه البخاري في خلق أفعال العباد عن حذيفة أيضا رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يصنع كل صانع وصنعته وتلا بعضهم عند ذلك (والله خلقكم وما تعملون) فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة.\r-ورواه في خلق أفعال العباد عن حذيفة رضي الله تعالى عنه بلفظ إن الله خلق كل صانع وصنعته إن الله خلق صانع الخزم وصنعته.\r-ورواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له.\rفهذه الأحاديث كلها تدل على أن الله تعالى يقال له صانع، ويطلق هذا الاسم عليه جل شأنه. وفي هذه الأحاديث لمن تأملها فوائد أخرى عديدة.(س)","part":1,"page":28},{"id":30,"text":". وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى موجود. وأما برهان العقل فسيأتي.\rالقسم الثاني\rالصفات السلبية\rوسميت سلبية(1) لأنه ينتفي بها أمر لا يليق بالله تعالى.\rوهي القِدَم والبقاء ومخالفته تعالى للحوادث وقيامه بنفسه والوَحدانية.\rأولا: القِدَمُ(2)\rوحقيقة القِدَم (3)\r__________\r(1) …السلبية تسمى مهمات الأمهات، لأنه يلزم من نفي ضدها تنزيهه تعالى عن جميع النقائص.(ص)\r(2) …الصحيح أنه يجوز إطلاق القديم عليه تعالى لثبوت ذلك بالإجماع ووروده في بعض الروايات بدل الأول.(ج) قلت :الصحيح أنه يجوز ذلك مطلقا أما الإجماع فهو من أهل السنة وسائر الفرق المعتبرة خلافا لمن منع ذلك من المجسمة من أتباع ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وأن معناه نفس معنى \"الأول\"، كما وضحناه أعلاه، وقد ورد في بعض الأخبار الحسنة أو الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم:\"أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم…\" فوصف السلطان بأنه قديم. فيجوز نسبته إليه تعالى، وهذا الحديث حسن أو صحيح كما مر رواه أبو داود عن عبدالله عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث الذي أشار إليه العلامة البيجوري رواه ابن ماجه عن أبي هريرة وهو ضعيف، وما ذكرناه أقوى في الدلالة على الجواز، والمسألة أي إطلاق اسمٍ عليه تعالى ظنية تكفي فيها الأدلة الظنية لأنها من باب العمليات لا الاعتقادات، بخلاف الكلام في معنى القديم كما هو بين للفطن.(س)\r(3) …قال السعد: الأزلي أعم من القديم إذ القديم ما قام بنفسه ولا أول لوجوده، والأزلي ما لا أول له عدميا كان أو وجوديا قائما بنفسه أو بالذات العلية، فصفات الله يقال لها أزلية ولا يقال لها قديمة، وأما ذات الله فهي أزلية قديمة.(ص)\rوقال شارح الإحياء: وقال عبدالله بن سعيد وأبو العباس القلانسي وهما من قدماء الأشاعرة أن القديم بمعنى يقوم به فهم يقولون أن الإله سبحانه قديم لمعنى قديم قائم به، ويقولون أن صفاته قائمة به موجودة أزلية ولا يقال إنها قديمة ولا محدثة، وزعمت المعتزلة أن الله تعالى لا يوصف بأنه قديم ولا بأنه كان عالما في الأزل بنفسه،وسيأتي البحث في ذلك والرد عليهم إن شاء الله.(زبيدي)","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"عبارة عن انتفاء العدم السابق للوجود، بمعنى أن وجود الله تعالى لم يسبقه العدم.\rوالقدم مطلقا ثلاثة أقسام؛ قدم ذات وقدم زمان وقدم إضافي. فالقدم الذاتي قدم الله تعالى أي قدم ذاته وصفاته، والزماني كقدم أمس على اليوم، والإضافي كقدم الأبوة على البنوة. فالزماني والإضافي مستحيلان على الله تعالى. فلو قلت إن الله قديم بالزمان، للزمك طروء الحوادث عليه، وقدم الزمان قطعا، وجواز التسلسل في القدم، وكل هذا باطل.\rوالدليل على أن الله تعالى متصف بالقدم من الكتاب قوله تعالى(هو الأول)الحديد:3، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء\"(1)\r__________\r(1) …روى هذا الحديث البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه اللهم رب السماوات والأرض ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني عن الفقر.\rورواه البخاري أيضا في التاريخ الكبير.\r-ورواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول اللهم رب السماوات ورب الأرضين وربنا ورب كل شيء وفالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء والظاهر فليس فوقك شيء والباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.\rورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة، وعن عائشة رضي الله عنهما.وللحديث بهذا اللفظ روايات أخرى.(س)","part":1,"page":30},{"id":32,"text":". وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى متصف بالقِدَم(1)\r__________\r(1) …وهذا الإجماع مستند على روايات وردت في وصف الله تعالى بلفظ القديم، منها ما أشرنا إليه سابقا ما رواه أبو داود، قال حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح قال لقيت عقبة بن مسلم فقلت له بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال أقط قلت نعم قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم. وهذا قوي السند، لا ينزل عن رتبة الحسن بوجه، ويصلح للاعتماد عليه. وفيه تصريح بوصف الله تعالى وسلطانه بلفظ \"القديم\". إذا عرفت ذلك فلا تغتر بما تراه في تعليقات ابن باز على قول الإمام الطحاوي معترضا عليه:\"هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله الحسنى كما نبه عليه الشارح رحمه الله وغيره، وإنما ذكره كثير من علماء الكلام ليثبتوا به وجوده قبل كل شيء، وأسماء الله توقيفية لا يجوز إثبات شيء منها إلا بالنص من الكتاب العزيز أو السنة الصحيحة\"اهـ. يستنكر في كلامه هذا على الإمام الطحاوي، وكلامه باطل، يقصد بالشارح ابن أبي العز الحنفي الذي خالف اعتقاد الأحناف، والتابع الوفي لابن تيمية، وشَرْحُه هذا يمثل في كثير من المواضع مذهب المجسمة! وقد تبين لك أن هذا اللفظ ورد في السنة الصحيحة، وقد قام إجماع الأمة على جواز استعماله في وصف الله تعالى، كما نقل هذا الإجماع الزبيدي في شرح الإحياء، علما بأنه قد ورد أيضا نسبة هذا اللفظ في أحاديث أخر منها ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، في عدة الأسماء وفيه اسم القديم. ورواه الحاكم أيضا في مستدركه عنه أيضا وفيه اسم القديم. وقد بينا ذلك تفصيلا في حاشيتنا على متن الإمام الطحاوي، ونقَدْنا فيه جميع ما ادعاه ابن باز وبينا بطلانه واختلال أركانه، فانظره. علما أنه يجوز على التحقيق إطلاق وصف على الله تعالى وإن لم يرِد، فلم لم يعتبر ابن باز كلمة القديم من الأوصاف لا من الأسماء؟ فلا يلزمه الاعتراض على العلماء. ولكن هذا شأنهم دائما يتعنتون في إلصاق التهم بغيرهم.(س)","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"، فلم يسبق ذاته ولا صفاته عدم. وأما برهان العقل فسيأتي.\rالثانية: البقاء\rوحقيقة البقاء عبارة عن انتفاء العدم اللاحق للذات والصفات وهو أول بلا بداية وآخر بلا نهاية(1).\rوالدليل على البقاء من الكتاب قوله تعالى(ويبقى وجه ربك)الرحمن:27، أي ذاته، فإن الوجه في الآية بمعنى الذات. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"اللهم أنت الآخر فليس بعدك شيء\"(2). وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى متصف بالبقاء. وأما برهان العقل فسيأتي.\rالثالثة: مخالفته تعالى للحوادث\rوحقيقة المخالفة للحوادث عبارة عن نفي المشابهة في الذات والصفات والأفعال(3).\r__________\r(1) …البقاء هو عدم الآخرية للوجود، فمعنى الله باق لا آخر لوجوده، أي ليس لوجوده انقضاء وانتهاء فهو سبحانه موجود لا يلحق العدم وجوده، قال تعالى(هو الأول والآخر) أي إن الله سبحانه الأول قبل كل شيء بلا بداية والآخر بعد كل شيء بلا نهاية، فالأول في الآية يدل على القدم، والآخر يدل على البقاء وكلاهما يستلزم وجوب وجوده تعالى وما تقدم هو معنى البقاء بالنسبة إلى ذات الله وصفاته، وأما معناه بالنسبة إلى الحادث فهو استمرار الوجود مع جواز لحوق العدم.(غ) بقاء الحادث زماني، وبقاء القديم ليس زمانيا، أي بقاء الحادث إنما يكون على التَّقَضِّي والاستمرار بخلاف بقاء الله تعالى لأنه لا يطرأ عليه حال بعد حال، إذ لا يجوز عليه التغير أصلا.(س)\r(2) …قد سبق تخريج نحو هذا اللفظ في كلامنا على اسم الأول.(س)\r(3) …فلا مماثلة بين الله تعالى وبين الحوادث ولو في وجه من الوجوه، قال الله تعالى (ليس كمثله شيء) وقال تعالى(ولم يكن له كفوا أحد) أي ولم يكن أحد مكافئا أي مماثلا لله، فإذا وجدت في كلام الله أو كلام رسوله ما يوهم المماثلة فلا تعتقد ظاهره لإجماع العلماء على تأويله أي صرفه عن ظاهره.(غ)","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"فليست ذاته من جنس الأنوار ولا الظلمات ولا الأعراض ولا الأجرام بل \"كل ما يخطر ببالك فالله بخلاف ذلك\". فليس له جهة ولا مكان ولا يمر عليه الزمان وصفاته قديمة باقية ومخالف في أفعاله لأنه هو الخالق والعباد ليس لهم تأثير في شيء من الأفعال، وإنما هي قائمة بهم باكتسابهم لها.\rوالدليل على المخالفة من الكتاب قوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)الشورى:11، ومن السنة ما ورد عن أبي بن كعب \"أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله (قل هو الله أحد الله الصمد) فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ولا شيء يموت إلا سيورث وإن الله عز وجل لا يموت ولا يورث (ولم يكن له كفوا أحد) قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء\"(1). وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى مخالف للحوادث(2). وأما برهان العقل فسيأتي.\rالرابعة: قيامه تعالى بنفسه\r__________\r(1) …رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي بن كعب. وروى هذا الحديث أيضا الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب أيضا.(س)\r(2) …لقد نفى ابن تيمية هذا الإجماع، وادعى أنه لم تجمع الأمة على أن الله تعالى لا يشابه المخلوقات من جميع الوجوه، بل ادعى أنه لم يرد نفي التشبيه في الشريعة، وأنه لم يذم أحد بالتشبيه، وأما ما ورد عن بعض السلف من نفي التشبيه فمرادهم فقط نفي كون الله تعالى من لحم وعظم؟! وهذا الكلام في غاية الشناعة وهو متمش مع مذهبه في التجسيم والمغالطة. وقد بينا ذلك بتفصيل في كتابنا \"الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية\".(س)","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"وحقيقة القيام بالنفس عبارة عن انتفاء الاحتياج إلى المحل والمخصص. فهو سبحانه لا يحتاج إلى ذات يحل فيها كما تحل الصفة في الموصوف كما تدعيه النصارى والباطنية. وقد أجمع على أن من يعتقد أن الله تعالى في شيء فهو كافر، وأيضا مثل الحلول والاتحاد وهو صيرورة الشيئين شيئا واحدا. والقول بالاتحاد كفر أيضا، قال صاحب إضاءة الدجنة في عقيدة أهل السنة\rولا تصخ لمذهب النصارى… أو من إلى دعوى حلول صارا\rوذاك كالقول بالاتحاد…نحلة أهل الزيغ والإلحاد","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"وهو سبحانه لا يحتاج إلى مخصص(1) فلو احتاج كان حادثا. والدليل على أن الله تعالى غني عن المحل والمخصص من الكتاب قوله تعالى(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)فاطر:15، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"اللهم أنت لا إله إلا أنت الغني\"(2)\r__________\r(1) …المراد بالمخصص أي فاعل وموجد يخصصه بالوجود بدلا عن العدم، فهذا مستحيل في حق الإله، لأن الذي يحتاج إلى المخصص من يقبل العدم، والله تعالى لا يقبله لا في ذاته ولا في صفة من صفاته.(غ)بتصرف يسير.\r(2) …ورد بهذا اللفظ في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه قالت عائشة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن أوان زمانه وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين لا إله إلا الله يفعل ما يريد اللهم أنت لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول الى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله سحابا فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله فلم يأت مسجده حتى سألت السيول فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه فقال أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء..الخ\". وبهذا اللفظ أيضا رواه البيهقي في الكبرى عن عائشة أيضا، وابن حبان في صحيحه.\rوأما اسم الغني لله تعالى فهو وارد في القرآن وفي السنة كثيرا في الأحاديث التي فيها عدُّ الأسماء الحسنى.(س)","part":1,"page":35},{"id":37,"text":". وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى قائم بنفسه أي غني. وأما برهان العقل فسيأتي.\rملاحظة: اعلم أن الموجودات على أربعة أقسام، موجود غني عن المحل وهو ذات الله، وموجود غني عن المخصص قائم بالمحل وهو صفات الله، لأن المحل هو الذات، وموجود مفتقر إلى المحل والمخصص وهو العرض، لأنه مفتقر إلى القيام بالجرم، وموجود غني عن المحل مفتقر إلى المخصص وهو الجرم لأنه لا يحتاج إلى ذات يقوم بها ويحتاج إلى الفاعل، لأن الموجد له هو الله. واعلم أيضا أن صفات الله لا يقال فيها مفتقرة إلى الذات بل يقال قائمة بالذات، لأن الافتقار إنما يكون إلى الغير، ولا يقال إن الصفات غير الذات، كما لا يقال إنها عين الذات.\rملاحظة: يجوز وصف الله تعالى بالنفس، أي إطلاق هذا اللفظ عليه تعالى، قال الله تعالى حاكيا عن نبيه عيسى عليه السلام(تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)المائدة:116. وقال تعالى(ويحذركم الله نفسه)آل عمران:28.\rالخامسة: الوحدانية(1)\r__________\r(1) …التوحيد الشرعي هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفاتٍ وأفعالا. (ص) والوحدانية غير التوحيد فالتوحيد هو اعتقاد الوحدانية،بل التلبس به اعتقادا وفعلا، فهو فعل للعبد يتعلق به التكليف، وليس التوحيد صفة لله تعالى، وقال العلامة الشريف الجرجاني في تعريفاته:التوحيد في اللغة الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد، وفي اصطلاح أهل الحقيقة:تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان. والتوحيد ثلاثة أشياء معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة.(س)","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"وحقيقة الوحدانية عبارة عن نفي التعدد في الذات والصفات والأفعال. فهو سبحانه لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فوحدانية الذات تنفي الكم المتصل والمنفصل؛ فالمتصل أن تكون ذاته مركبة(1) من جواهر وأعراض أو أن تكون مركبة مطلقا ولو من غير الجوهر والعرض كالهيولى والصورة أو أي أمر آخر مفترض، والتركُّب على الله تعالى محال، لأنه لو كان مركبا لكان حادثا للزوم احتياج كل مركب؛ والمنفصل أن تكون ذات أخرى يجب لها من الكمال ما يجب لله ويستحيل عليها من النقص ما يستحيل عليه، وهذا محال لأن الله لا شريك له ولا نظير.\rووحدانية الصفات تنفي الكم المتصل والمنفصل فالمتصل أن يكون له قدرتان وإرادتان وهكذا إلى آخر الصفات، بل قدرته واحدة وإرادته واحدة وعلمه واحد(2)،ولكن قدرته مع ذلك متعلقة بجميع الممكنات، وعلمه كاشف عن جميع المعلومات، وإرادته مخصصة لجميع الممكنات، وكذا يقال في جميع صفاته، فالتعدد في الصفات محال.\rوتنفي المنفصل بأن لا يكون لأحد من المخلوقين صفات كصفات الله تعالى، بأن تكون له قدرة توجِد وإرادة تخصص وعلم محيط، وغير ذلك، وهذا محال لأن الله لا شبيه له.\r__________\r(1) …مطلق التركيب معناه، جواز انقسام الذات ولو ذهنا، أي حتى وإن لم تنقسم بالفعل، فإن مجرد إمكان ذلك في الذهن يستلزم التركيب. وهذا المعنى لازم لزوما بينا للمجسمة، ولا يمكنهم أن يدعوا أنه تعالى لا يجوز انقسامه ذهنا بناءا على مذهبهم من كونه في محل وعلى مكان وهو العرش، وله حيز، فإن هذه هي الشروط الأساسية الكافية لإمكان الانقسام ذهنا.فتأمل هذا فإنه مفيد.(س)\r(2) …علم الله تعالى واحد ومتعلق بجميع المعلومات، وإرادته واحدة في ذاتها ومتعلقة بجميع الممكنات، وقدرته الواحدة في ذاتها كذلك ومتعلقة بجميع الممكنات كذلك.(س)","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"ووحدانية الأفعال تنفي الكم المنفصل فقط، بأن يكون غيره يفعل كفعله وهذا محال، لأن الله لا شريك له في أفعاله بل هو المنفرد بالإيجاد والإعدام(1)، والمخلوقات ليس لها تأثير إلا قيام الفعل بها نتيجة لاكتسابها له، ويجب أن نعتقد أن الأفعال كلها لله تعالى(2).\rدل على وجوب الوحدانية له تعالى الكتاب والسنة والإجماع والعقل، أما الكتاب فقوله تعالى (وإلهكم إله واحد)البقرة:163، والسنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"إن الله وتر يحب الوتر\"(3)\r__________\r(1) …تعدد أفعاله ثابت لا يصح نفيه عنه لأن أفعاله تعالى كثيرة من خلق ورزق وإغناء وإفقار وإعزاز وإذلال وغير ذلك.(غ) وكل هذه الأفعال صادرة عنه تعالى لأنه قدير مريد عالم مع كون علمه وقدرته وإرادته وذاته واحدة، فصدور الكثرة عن الواحد ليس مستحيلا كما ادعاه بعض الفلاسفة.(س)\r(2) …ليس في الوجود فعل لغيره عز وجل، بل هو تعالى الفاعل لجميع الأفعال،وما يظهر من الأفعال على يد الخلق إنما لهم فيها الكسب وهو مقارنة القدرة الحادثة للفعل عند وجوده، فإذا أراد الإنسان فعلا كالقيام مثلا فالله تعالى هو الذي يخلق ذلك القيام ويخلق لذلك العبد قدرة تصاحبه عند وجوده، وتلك القدرة لا تأثير لها في القيام وإنما هي مصاحبة له، وهكذا جميع الأفعال(والله خلقكم وما تفعلون).(ط)\r(3) …رواه الإمام الترمذي في الجامع الصحيح عن علي قال الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة ولكن سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن قال وفي الباب عن بن عمر وابن مسعود وابن عباس قال أبو عيسى حديث علي حديث حسن.\rورواه الإمام النسائي في سننه الكبرى عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن. ورواه في المجتبى أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه قال أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا أهل القرآن أوتروا فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر.ورواه الحاكم في المستدرك في حديث عدِّ الأسماء الحسنى عن أبي هريرة بلفظ إنه وتر يحب الوتر.وروى الحاكم أيضا في المستدرك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استجمر أحدكم فليوتر فإن الله وتر يحب الوتر. وقال هذا حديث صحيح على شرط الصحيحين.\rوهو في سنن أبي داود والبيهقي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه، وللأخير أيضا عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة. والروايات في ذلك أكثر من أن تحصى هنا.(س)","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"،والوتر معنا الواحد الفرد. وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على أن الله واحد. وبرهان العقل يأتي.\rالقسم الثالث\rالمعاني\rوحقيقة صفات المعاني(1) هي الصفات الوجودية.\r__________\r(1) …إن صفات المعاني زائدة على الذات قائمة لازمة لها لزوما لا يقبل الانفكاك، فهي دائمة الوجود مستحيلة العدم، فهو حي بحياة عالم بعلم وهكذا . ثم اعلم أن وجوب صفات المعاني ذاتي لها مثل وجوب الذات وليست ممكنة في نفسها واجبة بوجوب الذات، خلافا للسعد تبعا للفخر وتبعه البيضاوي وجماعة، وشنع عليه التلمساني …الخ\"اهـ (ص)وتبعه في التشنيع السنوسي وكثير منهم الصاوي، والحق أن المسألة لا تستحق كل هذه الشدة، لأن مراد هؤلاء ليس إمكان الصفات بمعنى حدوثها، بل إمكانها بمعنى توقفها على الذات في الوجود، وهذا المعنى صحيح لأنها لا يمكن أن توجد وحدها، لامتناع قيام الصفة بلا ذات تقوم بها.وقد أكثر المتأخرون من المتكلمين من التشنيع على الإمام الرازي ومن قال بقوله في هذه المسألة، وحملوا كلامه ما لا يحتمله. هذا مع التسليم بأن قول الرازي لا يليق مع فرض صحة معناه بهذا المقام.(س)","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"فهي كل صفة موجودة في نفسها قائمة بموجود أوجبت له حكما، ولا تظن أن قولنا أن لها وجودا في نفسها يستلزم جواز قيامها بنفسها، بل هي لا تقوم إلا بالذات. والمراد بالإيجاب التلازم(1). والمراد بالأحكام أي المعنوية فالقدرة يلازمها كونه قادرا والإرادة يلازمها كونه مريداً الخ، وصفات المعاني سبعة(2)\r__________\r(1) …أي لا يجوز أن يتوهم أن المراد بالإيجاب هنا التأثير لكي لا يلزم أن الذات أوجدت الصفات أو أن بعض الصفات أوجدت البعض الآخر، فهذا كله باطل، بل المقصود أن الصفات والذات متلازمة لا الذات مؤثرة في الصفات ولا العكس. فالتأثر دليل النقص، حتى لو كانت الذات تؤثر في نفسها فهو نقص أيضا، لأن الأثر معناه أن يوجد أمر كان معدوما أو يعدم أمر كان موجودا، والذي يطرأ إما أن يكون نقصا أو كمالا فإن كان نقصا لزم اتصاف الذات بنقص، فيلزم كونها ناقصة وهو محال، وإن كان كمالا يلزم أن الذات لم تكن كاملة فقد كانت ناقصة لأنه لا توجد رتبة بين الأمرين، وكون الذات ناقصة باطل، حتى لو فرض استكمالها بعد ذلك. واستكمال الذات بما تحدثه في نفسها هو قول المجسمة الذين أجازوا قيام الحوادث بالذات الإلهية، وهو قول باطل، وممن قال به ابن تيمية وأصحابه، وهو خلاف ما يقول به أهل السنة. بل ابن تيمية يقول لا دليل على أن استكمال الذات بهذا الوجه باطل بل هو الواجب للذات، وهذا هو شأنه في تصوير الحق باطلا وتصوير الباطل حقا، وقد بينا ذلك بتفصيل في كتاب الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية، فتنبه.(س)\r(2) …عدُّ المعاني سبعة لا أكثر، لأن الدليل القطعي إنما دل على هذه السبعة، ولم يدل على أن ما عداها يغايرها، فمثلا لو قلنا الله تعالى مصور، فإننا لا نفهم من اسم المصور إلا أنه يخلق الصور، وكونه تعالى خالق للصور، مترتب على كونه تعالى قادرا مريدا عالما، وهكذا، فالخالق لا بد أن يكون قادرا مريدا عالما كذلك. والمنتقم كذلك، ولو تمعنت في أكثر الأسماء الحسنى الواردة في الكتاب والسنة لرأيتها ترجع إلى ما ذكرناه، فهذا هو ما نقصده عندما نقول إن الدليل لم يدل على أن الأسماء المذكورة دالة على وجود صفات غير هذه السبعة، وهذا لا يعني حصر صفات الله تعالى في نفس الأمر بهذه الصفات السبعة، ولكن غاية ما نقوله هو أنه لا دليل تفصيليا على الصفات الزائدة تفصيلا، بل الدليل دلُّ إجمالا على أن كمالات الله تعالى غير متناهية، لكن لا تتعلق قدرتنا بمعرفتها تفصيلا، ولم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على ما عدا هذه الصفات دلالة قطعية، والأصل أن نتمسك بالدليل القطعي خصوصا فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته،وأما ما ورد من نسبة الوجه واليد والعين إلى الله تعالى فراجع إلى ما ذكرناه من الصفات السبعة ولا يزيد عليها.(س)","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام(1).\rالقدرة والإرادة\rوحقيقة القدرة(2) :صفة أزلية يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه\r__________\r(1) …بيان الخلاف في صفة الإدراك:\rاختلفوا هل للمولى تعالى صفة زائدة على السبع المعاني تسمى الإدراك يدرك بها الملموسات والمذوقات والمشمومات لأنها كمال، وكل كمال يجب أن يثبت له، أو لا لأنه لم يرد إطلاقه على الله تعالى وصفة العلم مغنية عنه، وقيل بالتوقف وهو الأصح، لأنه وإن لم يرد إطلاقه لكنه كمال فلا نثبته ولا ننفيه. والدليل العقلي عليه ضعيف فإنه لا يلزم من كونها كمالا في حق الحادث كونها كمالا في حق القديم.(ص) بتصرف.واعلم أن السادة الماتريدية الأحناف مع قولهم أن الله يدرك المحسوسات وغيرها كما مضى إلا أنهم ينفون أن يكون إدراكه لها بمماسة كما ادعى ذلك بعض المجسمة عليهم. فالإدراك من باب صفة العلم والله تعالى لا يحتاج لكي يعلم إلى مماسة المعلوم.فتنبه.(س)\r(2) …يجب أن تثبت للقدرة أنها واحدة، ودليل هذا أنه يلزم على تعددها اجتماع مؤثرين على أثر واحد. ويجب أن تثبت أنها عامة التعلق بالممكنات ودليل هذا أنه لو خرج ممكن عن تعلقها لزم منه العجز، والحاصل أن تعلق القدرة التنجيزي مرتب في التعلق والحصول على تعلق الإرادة التنجيزي، وتعلق الإرادة مرتب على تعلق العلم في التعلق أيضا لا في الوجود، لأن الواقع أنهما قديمان.وهذا معنى قولهم يجب الإيمان بالقضاء والقدر، فالقضاء هو عين تعلق الإرادة والعلم التنجيزيين، والقدر هو عين تعلق القدرة التنجيزي وتعلق الإرادة التنجيزي الحادث على القول به.(ص)","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"على وفق الإرادة(1). وحقيقة الإرادة صفة أزلية يتأتى بها تخصيص(2) الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم(3)\r__________\r(1) …أي إن إيجاد الله للممكن وإعدامه له على وفق تعلق إرادته به لأنه تعالى لا يوجد أو يعدم بقدرته إلا ما أراد وجوده أو عدمه من الممكنات، وبهذا تعلم أن تعلق القدرة فرع عن تعلق الإرادة أي تابع له ومتأخر عنه في التعقل.(غ) فالتابعية هذه ليست زمانية كما قد يتوهم البعض، بل هي فقط في التعقل، بمعنى أن العقل لا يدرك قادرا إلا مريدا، فالتصديق بالإرادة شرط عقلي للتصديق بالقدرة.(س)\r(2) …وإسناد التخصيص إليها مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب، وإلا فالمخصص حقيقة هو الذات الأقدس، وكذلك إسناد التأثير إلى القدرة في قول بعضهم هي صفة تؤثر في الممكن الوجود أو العدم، فهو مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب وإلا فالمؤثر حقيقة هو الذات الأقدس، إذ لا فعل إلا له كما نص عليه غير واحد من المحققين.(ج)\r(3) …أي إن تخصيص الله تعالى للممكن على وفق تعلق علمه تعالى به لأنه جل وعز لا يخصص بإرادته إلا ما علم من الممكنات خيرا كان أو شرا، فكل ممكن علم الله تعالى أنه يكون أو لا يكون فذلك مراده، وبذلك تعلم أن تعلق الإرادة فرع عن تعلق العلم أي تابع له ومتأخر عنه في التعقل.(غ) ويقال هنا ما قلنا سابقا في ترتب القدرة على الإرادة، ومعنى كون الإرادة متأخرة في التعقل عن العلم، أي أن العقل لا يمكن أن يتعقل مريدا إلا بشرط كونه عالما، وليس هو ترتبا زمانيا كما قد يتوهم البعض. ولهذا الترتب المذكور هنا يقول العلماء أن هذه الصفات الثلاثة صفات مترتبات، واعلم أن هذه المسألة أي ترتب هذه الصفات الثلاثة كما هو مشروح هنا، لها تعلقا كبيرا في فهم معنى القضاء والقدر، وبناءا عليها يحل الإشكال الذي قد يوجهه البعض ممن لم يتمعن في معاني العقائد بأن كون الله تعالى خالق لأفعال العباد يلزمه أن العباد مجبورون على أفعالهم، وهذا الإيراد ساذج أي غير مبني على علم ولا على تحقيق، ورده مبني على المسألة السابقة كما ذكرنا.(س)","part":1,"page":42},{"id":44,"text":".\rوالذي يجوز على الممكن هي المتقابلات الستة، وهي ستة تقابلها ستة: الوجود والزمان المخصوص والمكان المخصوص والمقدار المخصوص والجهة المخصوصة والصفة المخصوصة. مع مقابلها. وهاتان الصفتان تطلبان أمرا زائدا على قيامهما بمحلهما. وهذا الطلب يسمى تعلقا.\rوللإرادة كما قيل تعلقات ثلاثة(1) صلوحي قديم وتنجيزي قديم وتنجيزي حادث. والقدرة لها تعلقان اثنان فقط وهما صلوحي قديم تنجيزي حادث.\rوتتعلق هاتان الصفتان بالممكنات فقط(2)،\rفلا يتعلقان إذن بواجب ولا مستحيل(3)\r__________\r(1) …ومنهم من أثبت للإرادة تعلقين اثنين فقط وهما صلوحي قديم وتنجيزي حادث(س).قال البيجوري:فتلخص أن للإرادة ثلاث تعلقات بناء على القول بأن لها تعلقا تنجيزيا حادثا، والتحقيق أن ذلك ليس تعلقا مستقلا بل إظهارٌ للتعلق التنجيزي القديم، وعلى هذا فيكون لها تعلقان فقط، أحدهما صلوحي قديم والآخر تنجيزي قديم.(ج)\r(2) …لا يقال: يلزم من عدم تعلقهما بالواجبات والمستحيلات نسبة العجز إلى الله تعالى لقصور قدرته وإرادته عن التعلق بهما، لأنا نقول: لا عجزَ ولا قصورَ، وإن توهمهما بعض الأغبياء من المبتدعة، وذلك لأن العجز والقصور إنما يلزمان فيما يمكن أن تتعلق به القدرة والإرادة ولم تتعلقا به، أما ما لا يمكن أن تتعلقا به فلا يلزم فيه ذلك أصلا، ولا شك أن المستحيلات والواجبات لا يمكن تعليق القدرة والإرادة بهما لما علمت(غ) أي من لزوم انقلاب كل من المستحيل والواجب ممكنا، أو قلب الحقائق.(س)\r(3) …فعدم تعلق القدرة بالواجب والمستحيل ليس بعجز، بخلاف عدم تعلقهما بالممكن.\rوأما قول الإمام الغزالي \"ليس بالإمكان أبدع مما كان\" فقد استشكلوه قديما لإيهامه العجز وهو عليه محال، وأجيب عنه بأجوبة منها؛ أن المراد بالإمكان إمكان الخلائق فالمعنى ليس في إمكان الخلائق تغيير ما أراده الله وأبدعه. ومنها أن المراد إمكان الله تعالى باعتبار تعلق علمه أزلا، وتعلق القدرة التنجيزي لا يكون إلا على طبق ما سبق به العلم، وإلا لانقلب العلم جهلا. ومنها أن المراد ليس في الإمكان جعل الحادث قديما.(ص)\rاعترض البقاعي على الغزالي في قوله :ليس في الإمكان أبدع مما كان بأن فيه نسبة العجز إليه تعالى. لكن أُجيب بأن المراد أنه لا يمكن أن يوجد أبدع من هذا العالم لعدم تعلق قدرة الله وإرادته بإيجاده. ولو شاء الله تعالى لأوجد أبدع منه، فليس في كلامه ما يقتضي نسبة العجز إليه تعالى كما توهمه البقاعي فاعترض عليه.(ج)","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"، لأنهما إن تعلقتا بإيجاد الواجب لزم تحصيل الحاصل، وهذا باطل عقلا، وإن تعلقتا بإعدام الواجب لزم قلب الحقائق، فالواجب لا يمكن أن يفنى، لأنه إن فَنِيَ أصبح غير واجب. ويستحيل أن يكون الواجب غير واجب. وكذلك المستحيل إن تعلقتا بإعدامه لزم تحصيل الحاصل.\rوإن تعلقتا بإيجاده لزم قلب الحقائق وكلاهما باطل. فالمستحيل لا يقبل الوجود(1)\r__________\r(1) …ولا يلزم من عدم تعلق القدرة بهما عجز لأنهما ليسا من وظيفتها، ولأنها لو تعلقت بهما لزم الفساد إذ يلزم عليه تعلقهما بإعدام الذات العلية، وبسلب الألوهية عنها ونحو ذلك، وبهذا يعلم سقوط قول بعض المبتدعة إن الله قادر أن يتخذ ولدا،إذ لو لم يقدر عليه لكان عاجزا.(ج) وهذا الذي أشار إليه البيجوري هو ابن حزم الظاهري الذي قال في كتابه الفصل في الملل والنحل: \"وكذلك من سأل هل الله تعالى قادر على أن يتخذ ولدا فالجواب إنه تعالى قادر على ذلك\"أهـ كلامه، وظاهرٌ أن كلامه هذا باطل واحتجاجه بالآية (لو أراد الله أن يتخذ ولد لاصطفى مما يخلق ما يشاء) استدلال تافه، لأن الاتخاذ هنا فسر في الآية نفسها بمعنى الاصطفاء وتخصيص جواب لو بالاصطفاء دليل على امتناع الاتخاذ على غير هذه الصورة، ومعنى الاصطفاء هو الرعاية، أما اتخاذ الولد بالمعنى العام كما يكون للواحد من الناس ولد،وكما هو ظاهر ما جوزه ابن حزم في كلامه، لا ظاهر الآية، فهو باطل عقلا ونقلا كما مر. وكلام ابن حزم متخابط كما لا يخفى. وقد رد عليه الإمام ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم فقال: \"فانظروا إلى هذه الداهية العظمى كيف جهل الجائز من المستحيل في العقل والمعقول المفهوم من الكلام دون ما لا يعقل، فإن هذا الكلام ليس له معنى مفهوم إذ قوله: هل يقدر الله أن يتخذ ولدا، ليس يفهم، لأن الله هو الذي لا يتصور أن يكون له ولد، ولا يمكن، فإذن، معنى قول القائل هل يقدر الله الذي لا يصح أن يوجد منه ولد على أن يكون له ولد، فنقض آخر الكلام أوله، فلم يكن له معنى معقول فيستحق به جوابا.\"أهـ، قلت: وقد رد على ابن حزم غير واحد من أهل السنة. وقد انخدع بعض الناس في هذا الزمان بقوله فقالوا به بل قالوا بأشنع مما قال هو به، وقد سمعت واحدا منهم يقول إن الله لو شاء أن يعدم نفسه لفعل. وهذا كفر بالله العظيم، وقال لو شاء الله أن يلد لولد، فهذه العبارة أشنع من قول ابن حزم لو شاء أن يتخذ ولدا لفعل، لاحتمال عبارة ابن حزم معنى ممكنا كما قربناه لك وإن كان بعيدا غير سائغ، بخلاف تلك العبارة الشنيعة.(س)\rونقل البيجوري عن بعضهم انه سئل عمن قال:لا يقدر الله أن يخرجني من مملكته هل يكفر أو لا؟فأجاب بأنه لا يكفر لأن خروجه من مملكته تعالى مستحيل، لعدم إمكان وجود مملكة لغيره فلا يخرجه إليها، والقدرة لا تتعلق بالمستحيل فلا ضير في ذلك كما لا ضير في أن يقال لا يقدر الله أن يتخذ ولدا أو زوجة أو نحو ذلك.أهـ كلامه، أقول: وهذا الجواب ضعيف لأن قولك الله لا يقدر، يوهم النقص لأنه يلزم منه أن القدرة أصلا تتعلق ولكنه لا يقدر، والأصل في الجواب أن يقال أصل القدرة لا تتعلق بالمستحيل، لأن المستحيل لا يقبل الوجود أصلا.وفرق بين أن يقال لا يقدر وبين أن يقال القدرة لا تتعلق بذلك. فتأمل.(س)","part":1,"page":44},{"id":46,"text":".\rوالدليل على وجوب وصف الله تعالى بالقدرة من الكتاب قوله تعالى(إن الله على كل شيء قدير)البقرة:148، لأن حقيقة القادرمن له قدرة. ومن السنة عدُّ الرسول صلى الله عليه وسلم في أسماء الله تعالى اسم القادر(1).\rودليل الإرادة من الكتاب قوله تعالى(فعال لما يريد)البروج:16، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"ما شاء الله كان وما شاء لم يكن\"(2)\r__________\r(1) …منها ما رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم..القادر المقتدر المقدم المؤخر..الخ. وكذلك هو عند الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة.\rوقال الإمام الطحاوي في شرح معاني الآثار: حدثنا علي بن معبد قال ثنا علي بن الجعد قال ثنا الربيع بن صبيح عن حيان الصائغ قال كان نقش خاتم أبي بكر الصديق نعم القادر الله.\rوأخرج الإمام النسائي في السنن الكبرى عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك قال أو من تحت أرجلكم قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أهون أو هذا أيسر.(س)\r(2) …رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى قال: أخبرنا أحمد بن عمرو قال حدثنا بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن سالما الفراء حدثه أن عبد الحميد مولى بنى هاشم حدثه إن أمه حدثته وكانت تخدم بعض بنات النبي إن بنت النبي صلى الله عليه وسلم حدثتها إن النبي صلى الله عليه وسلم قال قولي حين تصبحين سبحان الله وبحمده ولا قوة إلا بالله ما شاء الله كان وما شاء لم يكن اعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بك شيء علما فإنه من قالهنّ حين يصبح وذكر كلمة معناها حفظ حتى يمسي ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح.\rورواه الطبراني في المعجم الكبير عن زيد بن حارثة قال كنت غلاما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم انطلقوا بنا إلى إنسان قد رأينا شأنه قال فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأصحابه معه حتى دخلوا بين حائطين في زقاق طويل..حتى قال فيه.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اخسأ ما شاء الله كان ثم انصرف.\rورواه أبو داود في السنن عن عبد الحميد مولى بني هاشم حدثه أن أمه حدثته وكانت تخدم بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم أن ابنة النبي صلى الله عليه وسلم حدثتها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمها فيقول قولي حين تصبحين سبحان الله وبحمده لا قوة إلا بالله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما فإنه من قالهن حين يصبح حفظ حتى يمسي ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح.(س)","part":1,"page":45},{"id":47,"text":". وأجمع أهل السنة على أن الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة. وأما برهان العقل فسيأتي.\rملاحظة: الممكنات على أربعة أقسام ممكن وُجِدَ وانقضى وممكن موجود الآن وممكن سيوجد في المستقبل وممكن علم الله تعالى أنه لا يوجد كإيمان أبي جهل وغيره من الكفار الذين ماتوا على الكفر.\rوتتعلق القدرة والإرادة بكل من الأقسام الثلاثة الأولى قطعا، وأما القسم الرابع ففيه خلاف وضحه صاحب إضاءة الدجنة بقوله:\rفإن يكن علم بنفيه جرى…ففي تعلق به خلف سرى\rمثاله الإيمان من أبي لهب …والبعض للتوفيق في ذاك ذهب\rأي من يرى تعلقا به اعتبر…إمكانه الأصلي مع قطع النظر\rعن غيره ومن نفاه راعى…تعلق العلم به امتناعا\rوالصحيح أن التعلق نظرا لإمكانه الأصلي، هو تعلق صلوحي لا تنجيزي.\rالعلم\rوحقيقة العلم : صفة أزلية ينكشف بها لله كل معلوم على ما هو انكشافا لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه. وقال بعضهم حقيقة العلم صفة أزلية لها تعلق بالمعلوم على وجه الإحاطة والشمول دون سبق خفاء(1).\r__________\r(1) …العلم هي صفة وجودية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالشيء على وجه الإحاطة على ما هو به دون سبق خفاء، كذا قال الكمال وهو أحسن مما قاله غيره.(ج) يقصد بالكمال الكمال ابن الهمام العلامة المعروف صاحب كتاب المسامرة بشرح المسايرة في العقائد.(س)","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"والعلم يتعلق تعلقا تنجيزيا قديما بجميع الواجبات والمستحيلات والجائزات، مثال الواجبات ذاته وصفاته وأسماؤه فيعلمها على الحقيقة، مثال المستحيلات الزوجة والولد والشريك وسائر النقائص فيعلمها مستحيلة منفية عنه. ومثال الجائزات أنه يعلم سبحانه وتعالى جميع الجائزات ذاتَ الممكنات وصفاتها وأسماءها. ودليل العلم من الكتاب قوله تعالى(والله بكل شيء عليم)النساء:176، ومن السنة أنه صلى الله عليه وسلم عدَّ في الأسماء الحسنى العليم(1). وقد أجمع أهل السنة على أن الله تعالى عالم بعلم. وأما برهان العقل فسيأتي.\rملاحظة: تعلق العلم كله تنجيزي قديم وليس له تعلق صلوحي لأن من صلح لأن يعلم فليس بعالم في الحال.\rالحياة\rوحقيقة الحياة صفة أزلية تصحح لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك. والمراد بصفات الإدراك السمع والبصر والعلم ولا مفهوم للإدراك(2). فالحياة شرط عقلي في جميع صفات المعاني يلزم من عدمها عدم الإدراك ولا يلزم من وجودها وجود الإدراك ولا عدمه. فالإدراك واجب لله لقيام الأدلة على ذلك.\rوالحياة لا تتعلق بشيء(3)، وإنما هي شرط في جميع صفات المعاني ومن صفة نفسها أنها لا تتعلق بشيء، أي لا تطلب أمرا زائدا على قيامها بمحلها فليست من صفات التأثير كالقدرة والإرادة ولا من صفات الانكشاف كالسمع والبصر والعلم، ولا من صفات الدلالة كالكلام.\r__________\r(1) …مرت الإشارة أكثر من مرة إلى الأحاديث التي فيها عدُّ أسماء الله الحسنى.(س)\r(2) …أي لا مفهوم له كصفة خاصة بل من حيث إنه يصدق على ما ذكر.(س)\r(3) …أي لا تقتضي أمرا زائدا على القيام بمحلها بخلاف غيرها من صفات المعاني فإنه يقتضي أمرا زائدا على القيام بمحله، فالقدرة تقتضي مقدورا يتأتى بها إيجاده وإعدامه، والإرادة تقتضي مرادا يتأتى بها تخصيصه والعلم يقتضي معلوما يتضح به، والسمع يقتضي مسموعا يسمع به والبصر يقتضي مبصرا يبصر به والكلام يقتضي معنى يدل عليه.(غ)","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"والدليل على وجوب الحياة من الكتاب قوله تعالى (وتوكل على الحي الذي لا يموت)الفرقان:58، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"اللهم يا حي يا قيوم\"(1). وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى حي بحياة. وبرهان العقل يأتي.\rالسمع والبصر\rوحقيقة كل من السمع والبصر صفة أزلية ينكشف بها لله كل موجود. وانكشاف السمع يباين انكشاف البصر.\r__________\r(1) …رواه الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال في دعائه اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقد روي من وجه آخر عن أنس بن مالك.\rورواه النسائي في المجتبى عن أنس أيضا. وهذا الدعاء \"يا حي يا قيوم\" كان الرسول عليه السلام يكثر من استعماله، كما رواه أصحاب السنن، فقد روى الحاكم والنسائي في السنن الكبرى عن علي رضي الله عنه، أن الرسول عليه السلام دعا به في غزوة بدر. وهذا اللفظ مشهور في الأحاديث.(س)","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"وهما صفتان كما ورد النقل بهما ووجب الإيمان بهما ولا يزيدان على علمه في الانكشاف بل في حقيقتهما وتعلقهما الخاص بهما وهو تعلقهما بالموجودات سواء كانت الموجودات قديمة كذاته العلية وجميع صفاته الموجودة، أو حادثة كذوات الكائنات وجميع صفاتها الوجودية(1). وتعلقهما بذاته وصفاته الوجودية تنجيزي قديم، وبذوات الكائنات وصفاتها الوجودية تنجيزي حادث وصلوحي قديم.\rوالدليل على وجوب السمع والبصر من الكتاب قوله تعالى(وهو السميع البصير)الشورى:11.\r__________\r(1) …فيسمع سبحانه ويرى في الأزل ذاته العلية وجميع صفاته الوجودية التي منها سمعه وبصره ويسمع ويرى مع ذلك فيما لا يزال ذوات الكائنات كلها وجميع صفاتها الوجودية كيف ما كان كل منهما، فسمعه تعالى وبصره ليس بشرط عدم البعد جدا وعدم السر جدا وبصرنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات وهو الأجسام وألوانها وحركتها وسكونها بشرط أن يكون المرئي في جهة الأمام وأن لا يكون بعيدا جدا ولا قريبا جدا.(غ) وهذا لأن سمعه تعالى صفة من صفاته، وليس عضوا منه كما يتوهم المجسمة، فيقولون إن لله عينين وإن كل عين منهما يشار إليها إشارة غير ما يشار إلى الأخرى، وأن إحداهما على يمين الأخرى، فهذا تجسيم محض، تعالى الله عنه، وهو من افتراءات المجسمة. وأما نحن فنقول كما أن لله صفة هي العلم فله أيضا صفة هي السمع وسمعه بلا عضو ولا جارحة، كما هو في المخلوق، وكذا يقال في بصره.(س)","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم لما مرَّ بأناس يستسقون ويدعون الله جهرا فقال:\"يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم -أي أمهلوا عليها-فإنكم لم تدعوا أصمَّ ولا أعمى وإنما تدعون سميعا بصيرا\"(1). وأجمعت الأمة على أن الله تعالى سميع بصير. ودليل العقل يأتي.\rملاحظة: اعلم أنه تعالى يسمع سمعه بسمعه ويبصر بصره ببصره كما أنه يعلم علمه بعلمه، لأن صفات الانكشاف تتعلق بأنفسها بخلاف صفات التأثير فإنها تتعلق بالممكنات فقط.\rالكلام\rوحقيقة الكلام هو المعنى القائم بالذات المعبر عنه بالعبارات المختلفات المباين لجنس الحروف والأصوات المنزه عن التقديم والتأخير والكل والبعض واللحن والإعراب وسائر أنواع التغيرات المتعلق بما يتعلق به العلم من المتعلقات.\rوكلام الله تعالى ليس بحروف لأن الحروف حادثة.\r__________\r(1) …رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنه معكم إنه سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده.\rورواه أيضا عن أبي موسى الأشعري وفيه:\" إنكم تدعون سميعا قريبا\". وفي رواية عنه:\"ولكن تدعون سميعا بصيرا\".\rورواه مسلم في صحيحه والنسائي في الكبرى وأبو داود عنه أيضا والبيهقي عنه وعن جابر بن عبد الله. ورواه عبد بن حميد في المنتخب عن عبد الله بن قيس.وغيرهم.(س)","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"وكلام الله ليس بصوت لأن الأصوات حادثة، والحروف والأصوات فيهما تقديم وتأخير وكلام الله تعالى منزه عن ذلك(1)\r__________\r(1) …كون كلام الله تعالى ليس بحرف ولا بصوت هو المعتمد عند أهل السنة بل هو الحق الذي لا ريب فيه، وقال العضد إنه بحروف وأصوات قديمة ويلزم عليه كما قال المتأخرون أن كلامه تعالى فيه التقديم والتأخر، لكن أجيب عن ذلك:بأن حروفنا إنما جاءها التقدم والتأخر من اختلاف المخارج، ومن تنزه عن ذلك تنزه كلامه عن ذلك، وهذا الكلام إنما سرى للعضد من الحشوية فلا يعول عليه. وقال جماعة نسبوا أنفسهم إلى الحنابلة إنه بحروف وأصوات لكن إن نسبت إليه تعالى كانت قديمة، وإن نسبت إلى الحوادث كانت حادثة، ولا يخفى بطلان هذا الكلام(ج) ولا يخفى أن كلام العضد ضعيف وقد نبه على ذلك الإمام السعد في شرح العقائد النسفية، ووضح الشريف الجرجاني حاصل رأي العضد هذا في شرح المواقف، وقد ذكر هناك أن العضد ذكر رأيه هذا في مقالة خاصة في الكلام، فتأمل. ولكن إذا كان العضد يقصد بذلك ما وقع في علم الله تعالى فله وجه، مع أنه غير محل الخلاف. واعلم أن بعض الحشوية الذين انتسبوا إلى السلف الصالح وهم منهم براء، ادعوا أن كلام الله تعالى عبارة عن حوادث هي حروف وأصوات تقوم هذه الحروف والأصوات بذاته الشريفة، وتكون تابعة لإرادته وقدرته أي إن الله تعالى يوجدها في ذاته بعد أن لم تكن موجودة، وهي حادثة الشخص قديمة النوع، أي إن كل كلمة منها حادثة، وأما جنس الكلام فهو قديم، لأن الله يتكلم إذا شاء، ومشيئته تعالى قديمة، فيلزم عليه أن يكون كلامه قديما بالنوع حادثا بالأفراد. وهذا هو حقيقة قول ابن تيمية ومن تبعه، وقد صرح به في أكثر من موضع. واعلم أن هذا المذهب باطل، ولا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولكنهم جروا في ذلك على قياس كلام الخالق على كلام المخلوق، فقالوا إن كل كلام نراه في الشاهد فهو بحرف وصوت، فبما أنه قد ثبت أن الله متكلم فيجب إذن أن يكون كلامه بحرف وصوت. وظاهر أن هذا قياس للخالق على المخلوق، وهو من أبطل الباطل. فلا يلزم إذا كان كلام المخلوق حرفا وصوتا أن يكون كلام الله تعالى كذلك. ثم إننا نعلم أن الكلام في اللغة قد يطلق على الإشارات والعقد بالأصابع وعلى الكلام النفسي الذي يشعر به كل إنسان في نفسه. فالطفل الصغير قبل أن يتحدث بحرف وصوت فإنه يكون قبل ذلك يحدث نفسه بالكلام النفسي، فالكلام النفسي سابق في الوجود على الكلام بالحرف والصوت، بل هو شرط وجود الكلام الذي بالحرف والصوت، يعلم ذلك من لاحظ الطفل وهو يتعلم الكلام، والتفصيل في الاستدلال على الكلام النفسي ليس هذا محله، فقياسهم إذن معتمد على مقدمة باطلة، مع أن الكلام اللفظي يلزم عليه النقص للذات واستكمال الذات لكمالاتها على التدريج، وهو باطل بلا توقف.(س)","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"، وليس بسرٍّ أيضا ولا جهر لأنهما من كلام الحوادث.\rواعلم أنه يطلق على الكتب المنزلة على الرسل أنها كلام الله تعالى، لأنها ظهرت منه تعالى إحداثا وتركيبا، ولم يحدثها غيره، ولا يجوز أن يقال إن جبريل عليه السلام هو الذي ركب هذه الحروف في نفسه ثم أنزلها على سيدنا محمد عليه السلام، بل الله تعالى علم جبريلَ هذه الألفاظ وأمره بإنزالها على سيدنا محمد عليه السلام، وهذه الألفاظ ليست هي نفس الصفة النفسية كما يتوهم البعض، بل هي دالة عليها دلالة عقلية أو عرفية، لأن الألفاظ مركبة وحادثة(1)، والصفة النفسية التي هي الكلام لا يجوز أن تكون كذلك، لأن الحوادث لا تقوم بالخالق عز وجل. ومن هذا الباب يطلق على هذه الكلمات المنزلة على الرسل أنه كلام الله تعالى(2)، أي لأنها\r__________\r(1) …لا يجوز أن يقال كلام الله مخلوق أو حادث، ويقصد بكلام الله ألفاظ الكتب السماوية لئلا يتوهم من ذلك حدوث الكلام القديم، وكذا لا يجوز أن يقال القرآن مخلوق أو حادث لأن القرآن يطلق على اللفظ المنزل على نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز، وعلى صفة الكلام القائمة بذات الله تعالى، فربما يتوهم من إطلاق أن القرآن مخلوق أو حادث حدوث الصفة القائمة بذاته تعالى، نعم يجوز أن يقال ذلك في مقام التعليم.(غ) أي يجوز ذلك لئلا يسبق إلى الوهم أن هذه الحروف المركبة المنزلة على الرسل قديمة لا بداية لها.(س)\r(2) …كما يسمى الكلام القديم بكلام الله، تسمى الكتب السماوية بكلام الله،إما لأنها دالة على بعض مدلوله المترجم بها عنه فقيل لها كلام الله كما يقال للكلام المترجم كلام السلطان مثلا هذا كلام السلطان، وكما يقال للكلام المحكي في القرآن عن الأنبياء وأممهم الأعجميين هذا كلامهم مع أنه ليس عين كلامهم بل هو ترجمة عنه. وإما لأن الله تعالى خلق تلك الألفاظ وأنزلها على رسله بواسطة جبريل، فهي كلام الله بمعنى أنها مخلوقة لله وليست من تأليف الخلق.(غ)","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"دالة على بعض مدلولات الكلام النفسي الأزلي. فالكلام النفسي لله تعالى دال على جميع الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأما الكلام المنزل على الرسل صلوات الله تعالى عليهم، فيدل على بعض مدلولات كلام الله تعالى النفسي، أي إن الكتب السماوية لا تدل على جميع معلومات الله عز وجل، ولا على جميع مدلولات كلامه النفسي(1).\rويتعلق الكلام بالواجبات والمستحيلات والجائزات تعلُّقَ دلالة وإخبار(2)\r__________\r(1) …فألفاظ الكتب السماوية دالة على ما يدل عليه الكلام القديم،أي مشاركة له في مدلوله، لكن لا في كله بل في بعضه، لأن الكلام القديم دال على ما لا يتناهى من الواجبات والجائزات والمستحيلات، وتلك الألفاظ ترجمة عن بعض مدلوله ولذا اختلف باختلاف الألسنة واللغات، فالألفاظ المنزلة بالعربية قرآن وبالعبرانية توراة وبالسريانية إنجيل وزبور.(غ)\r(2) …الكتب السماوية دالة على بعض مدلولات الكلام النفسي، ولا يحيط بكل مدلوله إلا هو، وكذلك الكتب السماوية.وتكليم الله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام كان بالكلام النفسي على التحقيق عند الأشاعرة وبعض الماتريدية خلافا للمعتزلة والبعض الآخر من الماتريدية، فتقسيم الكلام النفسي إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد، إنما هو لتلك المدلولات التي يدل عليها الكلام الحسي وأما الصفة القديمة فيستحيل انقسامها.\rواعلم أن كلام الله يطلق بالاشتراك على الحسي والنفسي الذي هو الصفة القديمة فهو حقيقة عرفية في كل، فالحسي ما كان بحرف وصوت مدلوله بعض مدلول الكلام النفسي القائم بذاته تعالى. والنفسي ما ليس بحرف ولا صوت ولا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا تقسيم ولا بداية ولا نهاية، يتعلق بما يتعلق به العلم من المتعلقات وهو قديم ليس بمخلوق.(ص) بتصرف.","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"، مثال دلالة الكلام على الواجب قوله تعالى(قل هو الله أحد)الإخلاص:1،إلى آخر السورة، ومثال دلالته على الجائز قوله تعالى(وربك يخلق ما يشاء ويختار)القصص:68، ومثال دلالته على المستحيل قوله تعالى(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)الأنبياء:22. وتعلقه بالنسبة للواجب والمستحيل تنجيزي قديم وبالنسبة لأفعال المكلفين صلوحي قديم وتنجيزي حادث.\rودليل وجوب الكلام من الكتاب قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما)النساء:164، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:\"ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان\"(1) .\rوأجمعت أهل السنة على أن الله تعالى متكلم بكلام قديم أزلي. وبرهان العقل يأتي(2)\r__________\r(1) …رواه البخاري في صحيحه عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه.\rورواه عن عدي أيضا الترمذي في جامعه الصحيح، والطبراني في المعجم الكبير، والبخاري في خلق أفعال العباد،وابن ماجه في سننه، والبيهقي في الكبرى، والإمام أحمد في مسنده عنه أيضا.(س)\r(2) …قال الصاوي إن دليل الكلام نقلي وكذلك السمع والبصر، لأن صنع العالم لا يتوقف على الاتصاف بها، يقصد من هذا أننا لا نعرف بالعقل من صفات الله إلا ما كان مدلولا من النظر في العالم. ثم قال: إن قلت إنه يمكن أن يكون دليلها عقليا وتقريره أن تقول لو لم يتصف بها لاتصف بضدها وهو نقص. والنقص عليه محال. أجيب بأن النقص مشاهد في الحوادث ولا يقاس القديم على الحادث، لأن كل كمال في حق الحادث لا يلزم أن يكون كمالا في حق الله، ألا ترى أن الزوجة والولد فإنهما كمال في حق الحادث لا القديم. فضَعُفَ الدليل العقلي.(ص)\rيقصد من هذا أن العقل لا يستطيع أن يتوصل إلى الاستدلال على السمع والبصر والكلام من مجرد ما يملكه من معلومات عن العالم من حيث حدوثه. وأن الاستدلال على وجوب الاتصاف بها بالقول بأن الله إن لم يتصف بها لزم الاتصاف بأضدادها، وأضدادها نقص وهي العمى والصمم والخرس، فيلزم وجوب اتصافه تعالى بها. فإن هذا الاستدلال ليس قويا، لأنه ليس كل ما كان كمالا في حق الحادث يلزم أن يكون كمالا في حق القديم.وكذلك فإذا كان عدم اتصاف الحادث بالبصر يلزم منه اتصافه بالعمى، فلا يدل هذا على أن الله إذا لم يكن موصوفا بالبصر فإنه موصوف بالعمى! لإمكان أن يكون البصر أصلا ليس كمالا محضا وبالتالي فلا يجب اتصاف الله تعالى به.فتأمل.(س)","part":1,"page":54},{"id":56,"text":".\rملاحظة: اعلم أن كلام الله تعالى للنبي موسى عليه السلام أنه أزال منه المانع حتى سمع كلامه القديم الذي ليس بحرف ولا صوت على مذهب الإمام الأشعري وأكثر أهل السنة، ثم رد عليه المانع فلم يسمع وليس أن الله تعالى ابتدأ كلامه لموسى ولا انعدام كلامه بعد رد المانع عليه لأن كلامه تعالى قديم والقديم لا يتغير ولا يتبدل.\rملاحظة: صفات المعاني لها مطالب سبعة، وجودها وقدمها وبقاؤها ومخالفتها وغناؤها عن المخصص ووحدتها وعموم تعلقها بما تتعلق به إلا الحياة فمطالبها ستة.\rملاحظة: اعلم أن صفات المعاني لا يقال فيها عين الذات ولا غير الذات. فهي كالواحد مع العشرة لا عين العشرة ولا غيرها. فالعينية ممنوعة لفظا واعتقادا لأن الاتحاد محال. والغيرية بمعنى الانفصال عن الذات فلا تجوز لفظا ولا اعتقادا لأنه يلزم عليها الحدوث.\rالقسم الرابع\rالمعنوية\rوسميت معنوية لأنها منسوبة للمعاني بمعنى أنها ملازمة لها(1)،\rواعلم أن الملازمة من الطرفين(2). والصفات المعنوية هي\rكونه قادرا: والكون هو الثبوت وحقيقة القادر هو المتمكن من الفعل والترك.\r__________\r(1) …كونه تعالى قادرا لازم للقدرة، وكونه مريدا لازم للإرادة القائمة بذاته تعالى، وهكذا الخمسة الباقية، ووجه لزوم هذه الأكوان السبعة للمعاني أن كلا من المعاني صفة وجودية وكل صفة وجودية إذا قامت بموصوف قديم أو حادث لزم أن يكتسب منها حالا لا تثبت له عند عدم تلك الصفة منه، فمن قامت به القدرة لزم أن يكتسب حالا وهي أن يكون قادرا على ما تعلقت به تلك القدرة، ويعبر عن هذه الحال بكونه قادرا وبالقادِرِيَّة. ومن قام به العلم لزم أن يكتسب منه حالا وهي أن سكون عالما بما تعلق به هذا العلم ومطلعا عليه، ويعبر عن هذه الحال بكونه عالما وبالعالمية وقس الباقي.(غ)\r(2) …هذا –أي كون التلازم من الطرفين- نبه إليه البيجوري في حاشيته على أم البراهين.(س)","part":1,"page":55},{"id":57,"text":"كونه مريدا: وهي حال واجبة للذات لما قامت الإرادة بذات الله تعالى وجب وصفه بكونه مريدا. وحقيقة المريد هو الذي يرجح أحد طرفي الممكن على الطرف الآخر.\rكونه عالما: هي حال واجب للذات، لما قام العلم بذات الله تعالى وجب وصفه بكونه عالما. وحقيقة العالم هو الذي انكشف لعلمه الواجب والمستحيل والجائز.\rكونه حيا: هي حال واجبة للذات. لما قامت الحياة بذات الله وجب وصفه بكونه حيا. وحقيقة الحي هو الذي صح وصفه بصفات الإدراك.\rكونه سميعا: هي حال واجبة للذات، لما قام السمع بذات الله وجب وصفه بكونه سميعا. وحقيقة السميع هو الذي انكشف لسمعه كل موجود.\rكونه بصيرا: هي حال واجبة للذات، لما قام البصر بذات الله وجب وصفه بكونه بصيرا، وحقيقة البصر هو الذي انكشف لسمعه كل موجود.\rكونه متكلما: هي حال واجبة للذات، لما قام الكلام بذات الله وجب وصفه بكونه متكلما، وحقيقة المتكلم الذي دل كلامه على الواجب والمستحيل والجائز.\rوالفرق بين المعاني والمعنوية أن المعاني وجودية تعقل ذهنا وخارجا، والمعنوية ثبوتية تعقل ذهنا لا خارجا(1).\r__________\r(1) …الحال المذكورة صفة ثابتة في الخارج عن الذهن تقوم بموجود وليست موجودة بالاستقلال ولا معدومة عدما صرفا بل هي واسطة بين الموجود والمعدوم، أي إنها لم تبلغ درجة الموجود ولم تنحط إلى درجة المعدوم، ولعدم بلوغها درجة المعدوم لا تمكن رؤيتها.(غ)","part":1,"page":56},{"id":58,"text":"ملاحظة: الصفات المعنوية قال بها من أثبت الحال وهو القاضي الباقلاني ومن وافقه، وقال الإمام الأشعري والجمهور بنفي الحال، والمعنوية عندهم راجعة للمعاني، وهي عبارة عن قيام المعاني بالذات(1).\rملاحظة: إذا قلنا كونه مريدا، كونه قادرا، الخ، فهي صفات معنوية، وأما بدون كلمة كونه فتصبح أسماء للذات مثل مريد، قادر، الخ.\r__________\r(1) …لم يتفق المتكلمون على ثبوت الحال المذكورة، بل اختلفوا فذهب جماعة منهم إلى ثبوتها وقالوا إن مدلول الأكوان السبعة أي معناها من باب الحال فمدلول كونه قادرا عندهم حال قائمة بالذات العلية زائدة على قيام القدرة بذاته تعالى وهي مدلول القادرية عندهم أيضا، ومدلول كونه تعالى مريدا حال قائمة بذاته تعالى زائدة على قيام الإرادة بها، وهكذا باقي الأكوان. وذهب الإمام الأشعري والمحققون إلى نفي الحال، وقالوا إن ثبوتها من المحال، وإن مدلول الأكوان السبعة هو قيام صفات المعاني بالذات العلية لا صفات زائدة عليه، فمدلول كونه قادرا عندهم هو نفس قيام القدرة بالذات وهو مدلول القادرية عندهم أيضا، وهكذا باقي الأكوان.\rوعلى المذهب الأول تعد الأكوان السبعة من الصفات لأن مدلولاتها عليه أحوال والأحوال صفات قائمة بالذات زائدة على قيام صفات المعاني بها.(غ)\rوقد مشينا نحن على هذا المذهب الأخير في هذا التهذيب تبعا للإمام السنوسي في أصل الكتاب وشرحه للأنصاري، ولذا عددنا فيها تلك الأكوان من الصفات، وأما على المذهب الثاني فلا تعد الأكوان السبعة لأن مدلولها الذي هو قيام صفات المعاني بالذات ليس في الحقيقة من الصفات بل هو أمر اعتباري أي أمر ثابت في ذهن المعتبر لا في الخارج عنه، وقد مشى الإمام السنوسي في عقيدته صغرى الصغرى على هذا المذهب وهو الأصح(س)استفدناه من شرح المارغني.","part":1,"page":57},{"id":59,"text":"ملاحظة: إن من أثبت الحال عنده أربعة معقولات: الذات والمعاني والأحوال المعنوية الملازمة لها والأسماء. ومن نفى الحال عنده ثلاثة معقولات: الذات والمعاني والأسماء. وأما المعنوية عنده فراجعة للمعاني لأنها اعتبارية. ولذلك عدَّ بعض العلماء الصفات اثني عشر فالوجود عندهم هو عين الذات، وليس حالا واجبة للذات والمعنوية عبارة عن المعاني والصفات الباقية هي السلبية الخمسة(1).\rبعض ما يستحيل على الله جل وعز\rوقلنا بعض ما يستحيل لأن المستحيلات على الله لا نهاية لها تفصيلا، فنفي كل كمال له تعالى نقص، يجب تنزيه الله عنه، وكل ما قدره العقل من نقص يستحيل على الله تعالى، فيجب علينا نفيه على العموم، وإنما يجب علينا معرفة عشرين مستحيلا هي أضداد(2) العشرين الواجبة، ويجب أيضا أن نعرف العشرين الواجبة فكل ما ينافيها فهو مستحيل على الله تعالى.\r__________\r(1) …علم مما قررناه قبل أن الخلاف بين المتكلمين إنما هو في مدلول الأكوان السبعة هل هو من الأحوال أو من الأمور الاعتبارية، وأما وجوب تلك الأكوان لله تبارك وتعالى فقد أجمعوا عليه كلهم وإنكاره كفر كما صرحوا به فتدبر ولا تغتر وبالله تعالى التوفيق.(غ) أي إن من أنكر كون الله عالما وكونه قادرا إلخ، فإنه يكفر، أما لو قال إن كونه تعالى عالما ليس إلا نفس اتصافه تعالى بصفة العلم، فهذا الخلاف لا يترتب عليه شيء. فالإجماع واقع على كفر من نفى المعنوية،أما المعاني فلا.(س)\r(2) …الضد في اللغة الأمر المنافي لغيره سواء كان وجوديا أو عدميا، وفي الاصطلاح الأمر الوجودي الذي يقابل أمرا وجوديا آخر، ولا يمكن اجتماعه معه وقد يرتفع هو مقابله وذلك كالبياض والسواد فإن كلا منهما أمر وجودي يقابل الآخر ولا يكن اجتماعهما في محل واحد، وقد يرتفعان عن المحل الواحد بأن يكون لا بياض ولا سواد بل أحمر مثلا، والمراد بالضد هنا الضد بالمعنى اللغوي.(غ) بتصرف يسير.","part":1,"page":58},{"id":60,"text":"العدم: وهو ضد الوجود وهو عبارة عن لا شيء فالوجود لله والعدم مستحيل عليه تعالى.\rالحدوث: وهو ضد القدم فالقدم واجب لله والمستحيل عليه تعالى والمراد بالحدوث هو التجدد بعد العدم فكل من لم يكن ثم كان فهو الحادث(1).\rطُرُوُّ العدم: وهو ضد البقاء فالبقاء واجب لله وطرو العدم مستحيل على الله تعالى، والمراد بطرو العدم الانقضاء بعد الوجود.\r__________\r(1) …التقابل بين الحدوث والقدم من التقابل بين الشيء وبين المساوي لنقيضه لأن نقيض القدم لا قدم وهو عين الحدوث، لأنه لا واسطة بينهما هذا إن فسر الحدوث بمعناه المجازي وهو التجدد بعد عدم، وأما إن فسر بمعناه الحقيقي وهو الوجود بعد عدم فالتقابل بينهما من التقابل بين الشيء والأخص من نقيضه، لأن نقيض القدم هو \"لا قدم\" كما علمت وهو يشمل الحدوث بالمعنى المذكور والتجدد بعد عدم، فعلى هذا ؛الحدوث أخص من لا قدم، الذي هو نقيض القدم.(ج)","part":1,"page":59},{"id":61,"text":"المماثلة للحوادث(1): هي ضد المخالفة الواجبة لله تعالى، والمماثلة مستحيلة على الله. والمماثلة عبارة عن المشابهة للحوادث في الذات والصفات والأفعال(2).\r__________\r(1) …الحوادث جمع حادث، وهو الذي وجد بعد أن كان معدوما وهو كل ما سوى الله تعالى، لأنه كان الله ولا شيء معه، ويسمى ما سوى الله سبحانه بالعاَلم بفتح اللام، وهو قسمان أجرام وأعراض، فالجرم ما يقوم بنفسه ولا يحتاج إلى ذات أخرى يقوم بها كذوات الحيوانات والحجر والشجر فإن كلا من هذه يقوم بنفسه، ومن صفات الجرم التحيز وهو أخذه قدر ذاته من الفراغ فكل جرم يأخذ مكانا قدر ذاته من الفراغ الذي بين السماء والأرض، فالجرم الطويل يأخذ فراغا مقدار ذاته في الطول والقصير يأخذ فراغا مقدار ذاته في القصر وهكذا. والعرض ما لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى ذات يقوم بها كالسواد والبياض وسائر الألوان والحركة والسكون فالسواد مثلا لا يوجد بنفسه بدون ذات يقوم بها بل لا تحقق له إلا في ذات من الذوات كثوب أسود أو خشبة سوداء وهكذا. والعالم محصور في هذين القسمين، والمولى سبحانه يستحيل في حقه أن يماثل شيئا من ذلك فليس جرما ولا عرضا.(ط)\r(2) …اعلم أن أنواع المماثلة عشرة، الأول:أن يكون جرما الثاني أن يكون عرضا يقوم بالجرم الثالث أن يكون في جهة، الرابع أن يكون له هو جهة. الخامس أن يكون في مكان. السادس أن يكون في زمان السابع أن يكون محلا للحوادث. الثامن أن يكون متصفا بالصغر. التاسع أن يكون متصفا بالكبر. العاشر أن يكون متصفا بالأغراض في الأفعال والأحكام.(ج) وهي مذكورة هنا على هذا الترتيب.(س)","part":1,"page":60},{"id":62,"text":"فيستحيل على الله تعالى أن تأخذ ذاته قدرا من الفراغ، فيستحيل عليه تعالى أن يكون جرما، أو يكون عرضا يقوم بالجرم. ويستحيل على الله تعالى أن يكون في جهة للجرم بأن يكون فوق العرش مثلا أو تحته أو يمينه أو شماله أو أمامه أو خلفه، لأن الله تعالى لو كان في جهة للجرم لكان جرما ولو كان جرما لانتفت المخالفة ونفي المخالفة عن الله محال، وهذا من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الذات وهو ما ينتجها بواسطة الجرمية(1).\r__________\r(1) …قال البيجوري فليس الله عن يمين العرش ولا عن شماله ولا أمامه ولا خلفه ولا فوقه ولا تحته، فليحذر كل الحذر مما يعتقده العامة من أن الله تعالى فوق العالم. لكن الصحيح أن معتقد الجهة لا يكفر كما قاله ابن عبدالسلام، وقيده النووي بأن يكون من العامة.(ج)قلت:قال العز في القواعد الكبرى:\"ولا سيما قول معتقد الجهة، فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة، ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم، فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العامة\"أهـ كلامه، وظاهره أن التقييد في حق العامة من العز وليس من النووي، وإنما النووي تبعه.(س)","part":1,"page":61},{"id":63,"text":"ويستحيل على الله تعالى أن تكون له جهة في نفسه بأن يكون له يمين أو شمال أو فوق أو تحت أو قدام أو خلف، لأنه لو كان كذلك لكان جرما وهذا من أوجه الماثلة المستحيلة باعتبار الذات وهو مما ينتجها بواسطة الجرمية(1).\rملاحظة: اعلم أن الجرم أخص من الذات والذات أعم، فكل جرم ذات وليس كل ذات جرما، فبعض الذات جرم كذوات الحوادث وبعض الذات ليس بجرم كذات الله تعالى، والجرم يشمل الجسم المركب والجوهر الفرد.\rملاحظة: إطلاق الذات على الله تعالى كما ورد به النقل في شعر حبيب حيث قال\rولست أبالي حين أقتل مسلما… على أي جنب كان في الله مصرعي\rوذلك في ذات الإله وإن يشأ… يبارك على أوصال شلو ممزع\r__________\r(1) …والمجسمة من الحنابلة ومن تبعهم من أتباع ابن تيمية يثبتون يَدَيْنِ لله تعالى، ويقولون إن معناهما في حق الله كمعناهما في حق المخلوق إلا إنهم لا يصرحون بلفظ الجارحة والجزء لأنه لم يرد، ولئلا يتوهم الواحد أنهما يجوز انفصالهما عن ذات الله تعالى عن هرائهم، وأن هاتين اليدين كل منهما في جهة من الأخرى، وما ذلك إلا لأنهما يعتقدون أن هاتين اليدين أعضاء وجوارح، في المعنى ولكنهم يمنعون من إطلاق اسم الجزء والجارحة عليهما. وهذا كله باطل عند أهل السنة لا يجوز إثباته لله تعالى. وقد ناقشت واحدا منهم قد تربع على عرش المشيخة صرح بكل وضوح أن الله تعالى له قدر وأن معنى القدر عنده هو نفس معنى الحجم والحيز، ولكنه لا يصف الله تعالى بلفظ الحجم لأن هذا اللفظ غير جميل. فالمسألة عند هؤلاء مسألة ألفاظ لا معاني.فتأمل واستغرب ما شئت. (س)","part":1,"page":62},{"id":64,"text":"وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر وأقره(1)، والدليل في قوله وذلك في ذات الإله.\rملاحظة:حقيقة العرض هو الذي لا يقوم بنفسه بل بالجرم.\rويستحيل على الله تعالى أن يتقيد بمكان، وحقيقة المكان هو استقرار جرم على جرم(2)\r__________\r(1) …رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة بلفظ:\" ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع\". والطبراني في المعجم الكبير.وابن حبان. ولم أجده عندهم بلفظ \"على أي جنب\"، ولكنه بمعنى \"شقّ\" كما تعلم.(س)\r(2) …هذا المعنى للمكان إنما هو بأحد الإطلاقات اللغوية، ويطلق المكان على الحيز الذي فيه الجسم والمحدود بأطراف الجسم، وهذا المعنى قريب جدا إلى المعنى الاصطلاحي، وأما في الاصطلاح فهو كما قاله البيجوري:\"والمكان عند أهل السنة هو الفراغ الموهوم\"أهـ قلت أي الفراغ الموهوم الذي يشغله الجرم وتنفذ فيه أبعاده، وسماه موهوما لأنه لا يوجد وحده إلا في الوهم بعد أن يجرده وتنزعه العقل الإنساني عن الجسم. وأما عند جمهور الفلاسفة فهو \"السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي كباطن الكوز المماس لظاهر الماء\"أهـ ، ومعنى المكان الذي نفيناه عن الله تعالى في المتن هو بمعنى الاستقرار على الشيء، فالله تعالى لا يجوز أن يقال إنه مستقر على العرش، ولا على غيره استقرار مماسة وجلوس، وهذا هو الذي يسميه المجسمة والذين ينتسبون إلى السلف بالاستواء، فهم يقولون إن الله تعالى مستو على العرش بمعنى مستقر عليه بمماسة، وهو نفس معنى الجلوس! وهذا المعنى باطل لا يقول به إلا المجسمة، والذين أحيوا مذهبهم في هذا الزمان، ونشروه بين العامة والخاصة باسم مذهب السلف! وانطلى هذا المكر على كثير من الفضلاء! ولعلك تستغرب جدا عندما تعلم أن ابن تيمية يثبت لله الأمرين، أعني أنه يثبت لربه أنه جالس مستو على العرش ومستقر عليه، بمماسة، فيقول بناء على ذلك إنه على مكان، وهذا هو الذي نفيناه أعلاه، ويثبه لله تعالى أنه له مكان وهو المعنى الثاني للمكان بمعنى الفراغ الموهوم، وهو عين معنى الحيز، فيقول ابن تيمية إن لله تعالى حيزا لذاته، وحجما معينا، ويسمي الحجم بالقدر، فيقول إن لله تعالى قدرا معينا. ويقول بأن الله تعالى محيط بالمخلوقات إحاطة ذاتية مكانية وزمانية، بمعنى أنه بذاته لا بقدرته وعلمه فقط، محيط إحاطة تامة بالمخلوقات، فلو هبط الواحد إلى قعر العالم وخرج من الناحية الأخرى منه من أي جهة من الجهات لهبط على الله! كذا يقول، ولو توجهت إلى الله من أي جهة من جهات العالم أو جهاتك أنت للاقيت ذات الله بالامتداد المفروض من جهتك إلى طرف العالم، وعلى هذا المعنى الذي يقر به ابن تيمية، يكون الله تعالى هو مكان العالم بناء على معنى المكان الذي يقول به الفلاسفة، وهو السطح الباطن من الحاوي، المماس للسطح الظاهر من المحوي. وقد ذكر ابن تيمية هذه الأمور في عدة أكثر من كتاب له كالرد على أساس التقديس، وكمجموعة الرسائل والمسائل، ودرء التعارض، وغيرها. وصرح بذلك بعض أتباعه أيضا، كشراح عقيدته الواسطية. فافهم ذلك وتعجب ما شئت. وإذا أردت أن تعرف كيفية قوله بذلك، فارجع إلى كتابنا \"الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية\" الذي كشفنا فيه بنصوص طويلة وتحليل كاف، بعض الفضائح التي يقولون بها.(س)","part":1,"page":63},{"id":65,"text":"فالمستقر عليه هو المكان لأن الله لو كان له مكان لكان جرما ولو كان جرما لانتفت المخالفة ونفي المخالفة عن الله تعالى محال، ولاحظ أن نفي المكان يستلزم نفي الحدود عن ذات الله تعالى، كما نص عليه أهل السنة(1).\r__________\r(1) …الحدُّ معناه هو طرف الذات ونهايتها من جهة من الجهات، الذي عنده تبدأ ذات أخرى مفروضة أو موهومة، وهذا المعنى منفي عن الله تعالى مطلقا، فالله تعالى ليس لذاته حدود، ونهايات، لأن هذا يستلزم كون الذات جسما، وقد صرح أهل السنة بنفي هذا المعنى عنه تعالى كما قال الإمام الطحاوي :\"وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات\"اهـ.وعلى ذلك إجماع أهل السنة، لم يخالف في ذلك أحد منهم. وأما المبتدعة من المجسمة فقد نسبوا لله تعالى الحدود، فبعضهم كالقاضي أبي يعلى قال إن الله تعالى محدود من جهة العرش فقط، وأما من سائر الجهات فهو غير محدود! ولم يرتض ابن تيمية هذا القول وقال:إن الله تعالى محدود من سائر الجهات، أي من جميع جهاته الست، اليمين واليسار..الخ، وبنى ذلك على أصله الذي يقول به وهو أن كل جسم فلا يمكن أن توجد له أبعاد لا نهاية لها.ذكر ذلك في الرد على أساس التقديس!\rوقد يتوهم بعض الجهلة أنا إذا قلنا إن ذات الله ليس لها حد، فإنه يلزمنا الحلول والاتحاد أو وحدة الوجود، وهذا دليل على جهلهم، فإننا نقول أيضا بنفي الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ومع ذلك نقول إن الله تعالى موجود وجودا يليق بذاته، ولا يليق بذاته أن تكون محدودة، فهو نفي للحد لا إثبات للاتحاد وغيره.(س)","part":1,"page":64},{"id":66,"text":"ويستحيل على الله زمان، فيستحيل عليه أن يمر عليه زمان لأن الله لو مرَّ عليه زمان لماثل الحوادث(1) باعتبار الذات الذات، وهو مما ينتجها بواسطة الجرمية.\rويستحيل أن تتصف ذاته العلية بالصفات الحادثة مثل الحركة والسكون وغيرهما، لأن حدوث صفة يلزم منه حدوث الموصوف وهذا من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الصفات وهو مما ينتجها مباشرة.\rملاحظة: الفرق بين الصفة والعرض أن العرض أخص والصفة أعم، فنقول كل عرض صفة وليس كل صفة عرضا، فبعض الصفات عرض كصفات الحوادث وبعض الصفات ليست بعرض كصفات الله.\r__________\r(1) … أي يستحيل أن تدور عليه الأفلاك أو يكر عليه الجديدان الليل والنهار، والمشهور أن الزمان هو حركة الفلك، وقيل هو مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم إزالة للإبهام كما في قولك آتيك طلوعَ الشمس، وقيل غير ذلك. واختار بعض المحققين أنه من مواقف العقول وهو الحق. (ج) وقوله إنه الحق قد لا يسلمه له البعض. فتأمل (س) وإنما استحال عليه تعالى التقيد بالزمان والمكان لأنهما حادثان، فلا يتقيد بهما إلا الحادث مثلهما، والله سبحانه قديم فوجوده قبل الزمان والمكان،فلا يتقيد بواحد منهما،ولهذا لا يقال الله في مكان أو زمان لئلا يوهم تقيده بهما. نعم يجوز أن يقال الله موجود قبل المكان والزمان ومعهما وبعدهما.(غ)","part":1,"page":65},{"id":67,"text":"ويستحيل أن تتصف ذاته العلية بالصغر أو الكبر فالصغر عبارة عن قلة الأجزاء والكبر عبارة عن كثرتها، لأن الصغر والكبر من خواص الأجزاء والله تعالى منزه عن هذا. وهو من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الذات وهو مما ينتجها بواسطة الجرمية. وأما الكبر بمعنى عظمة الشأن فهو واجب لله قال تعالى(فالحكم لله العلي الكبير)غافر:12، فهو كبر بمعنى عظم القدرة والسلطان لا بمعنى كبر الحجم كما يقوله المجسمة. ويستحيل على الله تعالى أن يتصف بالأغراض في الأفعال أو الأحكام والأغراض جمع غرض وهو الباعث(1) لمراعاة المصالح ودفع المفاسد لأن ذلك بالنسبة إلى ذاته محال إذ لا يحتاج إلى جلب منفعة ولا دفع مضرة لأنه هو الغني عن كل ما سواه(2)\r__________\r(1) …الغرض هو الأمر الباعث أي الحامل على فعل أو حكم، ويسمى سببا باعثا وعلة باعثة، مثلا إذا قصدت إخراج الماء من الأرض فحفرتها حتى خرج الماء فالحفر فعل وخروج الماء غرض أي أمر باعث لك على الحفر، والله تعالى يستحيل عليه أن يتصف بغرض يبعثه على فعل من أفعاله كإيجاده لزيد أو على حكم من أحكامه كإيجابه للصلاة وتحريمه للزنى.(غ)\r(2) …واعلم أن أفعاله تعالى وأحكامه وإن كانت منزهة عن الغرض لكن لا تخلو عن حكمة وإن لم تصل إليها عقولنا، لأنها لو لم تكن لحكمة لكانت عبثا وهو محال عليه تعالى. والفرق بين الغرض والحكمة أن الغرض يكون مقصودا من الفعل أو الحكم بحيث يكون باعثا وحاملا عليه والحكمة لا تكون كذلك.(ج) الحكمة ما يترتب على الفعل أو الحكم ولا يكون باعثا عليه كالركوب والزينة فإنهما الحكمة في خلق الله للخيل والبغال والحمير كما ذكره عز وجل في قوله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة) وإنما لم تكن الحكمة باعثا لأن صاحبها يعلم قبل أن يصدر منه الفعل والحكم أنها تترتب قطعا على فعله وحكمه بخلاف صاحب الغرض فإنه يريد ويقصد من فعله وحكمه حصول غرضه ولا يعلم هل يترتب غرضه عليهما أو لا يترتب، ألا ترى إلى حافر الأرض ليخرج الماء فإنه يريد ويقصد من حفره خروج الماء ولا يعلم هل يخرج الماء أو لا يخرج،والله تعالى قد سبق علمه في الأزل بأفعاله وأحكامه وبما يترتب عليهما فلا تكون الأمور المترتبة على أفعاله وأحكامه حاملة له عليهما وإلا لكانت أغراضا له وهو جل وعز منزه عنها لما سيأتي.(غ) واعلم أن اللام المذكورة في القرآن في مواضع كثيرة ومنها قوله تعالى(وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون) تسمى لام العاقبة ولا تسمى لام التعليل،فليست عبادة الإنس والجن هي التي دفعت الله تعالى إلى خلقهم، لأن هذا يلزم منه أن الله تعالى محتاج إليهم لكي يعبدوه، وهذا باطل بالعقل والنقل،أما العقل فلأن المحتاج إلى غيره لكي يكمله ليس بكامل في نفسه، وما كان كذلك فلا يستحق أن يكون إلها. وأما النقل فأحاديث كثيرة منها ما ذكره الرسول من أن الإنس والجن لو كانوا جميعهم على قلب أتقى رجل منهم لما زاد ذلك في الله شيئا، وأيضا لو كانوا على قلب أكفر رجل منهم ما نقص ذلك من الله شيئا. ويصير معنى الآية أي وما خلقت الإنس والجن إلا ليعقب ذلك العبادة، أو إلا لآمرهم بالعبادة، والعبادة تكمل الإنس ولا تكمل الله خالق الإنس والجن.(س)","part":1,"page":66},{"id":68,"text":". وأما بالنسبة إلى خلقه فلا تجب عليه مصلحة لهم ولا دفع مضرة إذ لا يجب عليه الصلاح والأصلح خلافا للمعتزلة، فالغرض على كل حال محال ولا يلزم من نفي الغرض العبث والسفه، لأن السفيه هو الجاهل بعواقب الأمور، وقد نفى الله السفه بقوله تعالى (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا)المؤمنون:115، وقال تعالى(وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين)الأنبياء:16. فالغرض من أوجه المماثلة المستحيلة باعتبار الأفعال والأحكام وهو مما ينتجها مباشرة.\rملاحظة:المراد بالأفعال الإيجاد والإعدام والإعزاز والإذلال والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار، والمراد بالأحكام أحكام الشريعة وهي الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، فليس فعله لغرض ولا حكمه لغرض بل ذلك فضل منه أو عدل منه.\rويستحيل عليه أن لا يكون قائما بنفسه: بأن يكون صفة حادثة أو قديمة تقوم بمحل، أو تحتاج إلى مخصص فيستحيل على الله تعالى أن يحل بذات كما تحل الصفة في موصوفها كما تدعيه النصارى والباطنية المنحرفون عن الصراط، فالنصارى قالوا حلَّ الإله بذات عيسى، والباطنية طائفة منحرفة قالوا: الولي الكامل يحل الله فيه، وهذا كله كفر صريح، لأن الله لو حل في شيء لكان صفة له ولو كان صفة له لم يصح وصفه بصفات المعاني والمعنوية لأن المعنى لا يقوم بمعنى ومولانا جل وعز يجب اتصافه بهما، فليس بصفة بل هو ذات لا تشبه الذوات، وصفاته لا تشبه الصفات. ومثل الحلول في الاستحالة الاتحاد، وهو صيرورة الشيئين شيئا واحدا وكذلك الباطنية قالوا في الولي، قال في الإضاءة\rولا تصخ لمذهب النصارى …أو من إلى دعوى حلول صارا\rوذاك كالقول بالاتحاد…نحلة أهل الزيغ والإلحاد\rوموهم المحذور من كلام …قوم من الصوفية الأعلام\rجريا على عرفهم المخصوص …يرجع بالتأويل للنصوص\rوالحاصل أن القول بالحلول والاتحاد كفر، بل الجهل بأنه كُفْرٌ كُفْرٌ.","part":1,"page":67},{"id":69,"text":"ملاحظة: صيرورة الشيئين شيئا واحدا مستحيل مطلقا في القديم والحادث. وبرهانه أن الشيئين إذا اتحدا فإن بقيا موجودين على حالهما فلا اتحاد لأنهما اثنان، وإن عُدِما معا كان الموجود غيرهما فلم يتحدا، وإن عدم أحدهما دون الآخر، امتنع الاتحاد لأن المعدوم ليس عين الموجود والقول بالاتحاد كفر بإجماع المسلمين.\rويستحيل على الله تعالى أن يفتقر إلى مُخَصِّص لأنه لو احتاج إلى مخصص(1) لكان حادثا والحدوث على الله محال.\r__________\r(1) …المراد من المخصص الموجد.(ج) والفاعل والمؤثر، أي إن الله تعالى لا يفتقر لا في ذاته ولا في صفاته إلى مخصص يخصصها على ما هي عليه، لأن ذلك يستلزم كون صفاته ممكنة الوجود وحادثة. ولا يقال أيضا إن الله تعالى يخصص ذاته بالوضع المعين أو بالصفات المعينة للزوم نفس المحذور أيضا. واعلم أن ابن تيمية أثبت ذلك المعنى في حق الله تعالى، فادعى مما ادعاه أن الله تعالى يتصرف في نفسه، بمعنى يغير أوضاع نفسه كما شاء، بالحركة والنزول والصعود والجلوس على العرش وإيجاد الصفات الحادثة في ذاته مثل الغضب والرضى والحروف والأصوات وغير ذلك. وهذا غلوٌّ من ابن تيمية في التجسيم.(س)","part":1,"page":68},{"id":70,"text":"ويستحيل أن لا يكون واحدا: فيجب أن يكون الله واحدا لا مركبا في ذاته، أو يكون له مماثل في ذاته أو في صفاته أو يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال(1). فيستحيل أن يكون لأحد من المخلوقين صفات كصفات الله بأن تكون له قدرة توجِد وإرادة تخصص وهكذا إلى آخر الصفات.وهذا مستحيل لأن الله لا شريك له في صفاته وهذا هو الكم المنفصل في الصفات، وهو محال. وكذا يستحيل عليه تعالى الكم المتصل في الصفات، أي يجب أن لا تكون صفاته متعددة ومن قال بالتعدد فهو محجوج بالإجماع، وقال بعضهم الكم المتصل في الصفات لا ينافي التوحيد، لكنه خطأ وخلاف الإجماع.\r__________\r(1) …فيه رد على المعتزلة في قولهم بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة خلقها الله فيه، والصحيح عدم كفرهم بذلك لأنهم لم يجعلوا خالقية العبد كخالقية الله تعالى،وذهب علماء ما وراء النهر إلى تكفيرهم، بل جعلوا المجوس أسعد حالا منهم، لأنهم لم يثبتوا لله تعالى إلا شريكا واحدا وهؤلاء أثبتوا لله شركاء كثيرة. (ج)","part":1,"page":69},{"id":71,"text":"ويستحيل على الله تعالى أن يكون معه شريك في الأفعال بأن يكون غيره يفعل كفعله، وهذا هو الكم المنفصل في الأفعال. وإذا عرفت هذا فلا تأثير لشيء من الكائنات في الأسباب العادية وغيرها لا بطبعها ولا بقوة جعلها الله فيها(1). وأما الكم المتصل فلا ينفى لأن الفعل كله مخلوق لله تعالى.\r__________\r(1) …فلا تأثير للأسباب العادية في مسبباتها فلا تأثير للنار في الحرق ولا للطعام في الشبع ولا للسكين في القطع وهكذا فمن اعتقد أن شيئا منها يؤثر بنفسه فلا نزاع في كفره، ومن اعتقد أن شيئا منها يؤثر بقوة أودعها الله فيه فهو فاسق مبتدع، وفي كفره قولان والراجح عدم كفره، كمن اعتقد أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة أودعها الله فيه، ومن اعتقد أنه لا تأثير لشيء منها وإنما المؤثر هو الله تعالى لكن بينها وبين مسبباتها تلازم عقلي فمتى وجدت النار مثلا وجد الحرق، فهو جاهل بحقيقة الحكم وربما جره ذلك إلى الكفر، لأنه يؤديه إلى إنكار الأمور الخارقة للعادة كمعجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكبعث الأجسام، فلا ينجو إلا من اعتقد أنه لا تأثير لشيء منها وأنه لا تلازم بينها وبين مسبباتها بأن اعتقد صحة التخلف فيمكن أن يوجد السبب ولا يوجد المسبب، والله هو الموفق.(ج)","part":1,"page":70},{"id":72,"text":"وكذا لا تأثير للعباد وغيرهم من الأحياء في أفعالهم وهي قسمان اضطرارية واختيارية فالأفعال الاضطرارية هي التي يخلقها الله في الحي ولا يكون له فيها اختيار ولا قدرة كحركة الارتعاش فإن صاحبها مضطر ومجبور عليها في الظاهر أي المشاهدة وفي الباطن أي الحقيقة والواقع(1)، ولا خلاف في أن الخالق للأفعال الاضطرارية هو الله تعالى وقد تفضل سبحانه بإسقاط التكليف عن المضطر.وأما الأفعال الاختيارية فهي التي يخلقها الله في الحي كالعبد ويكون له فيها اختيار ويخلق الله معها قدرة، وبيان ذلك أن الله تعالى إذا أراد خلق فعل اختياري(2) في العبد مثلا كالقيام والقعود والمشي فإنه جل وعلا يخطره ببال العبد ويجعل لخلقه سببا وهو اختياره لذلك الفعل، أي إرادته له وميله إليه، فإذا اختاره وتوجه إليه خلقه الله فيه، وخلق له معه قدرة، وهي صفة وجودية تتعلق بالفعل الاختياري أي ترتبط وتقترن به من غير أن يكون لها فيه تأثير(3)، فهي كالأسباب العادية يخلق الله الفعل عندها أي معها لا بها، ولا يلزم من تعلقها بالفعل الاختياري تأثيرها فيه، لأن الصفة قد تتعلق ولا تؤثر كالعلم فإنه من الصفات المتعلقة ولا تأثير له فيما يتعلق به(4)\r__________\r(1) …معنى كونه مجبورا هنا في الأفعال الاضطرارية كالارتعاش، أنه حتى لو أراد عدم الارتعاش فإنه يرتعش فالرعشة تحدث على خلاف إرادته. فلا تأثير لإرادته كفي عدم الارتعاش.(س)\r(2) …لاحظ هنا أن إرادة الله تعالى تابعة لعلمه تعالى بأن هذا العبد يريد هذا الفعل الإرادي، فإنه بعلمه الأزلي يعلم إرادة العبد لهذا الفعل، فيخلقه له بأن يخلق إرادة للعبد وقدرة ملازمة لهذه الإرادة.(س)\r(3) …بل الاقتران بين القدرة الحادثة والإرادة الحادثة وبين الفعل الحادث القائم بالعبد إنما يسمى كسبا أو فعلا أي لا على سبيل الخلق، لأن الخلق هو الإيجاد من العدم، والإيجاد من العدم لا يجوز إلا لله تعالى.(س)\r(4) …معنى ذلك أنه إذا قلنا بأن قدرة العبد لها تعلق بالفعل الاختياري، فلا يلزم من ذلك أن هذه القدرة هي التي أوجدت الفعل، لأن هذا الأمر إنما يكون قياسا على قدرة الله تعالى، ومعلوم أن هذا لا يجوز، أي التمثيل بين الله تعالى وبين العباد في شيء من الأمور. إذن ما دام نسبة الخلق والتأثير لقدرة العباد تستلزم التشبيه، ونحن جزمنا أنها متعلقة بالفعل فلا بد إذن أن يكون تعلقها على وجه غير الخلق والتأثير، وهذا الوجه هو الذي سماه أهل السنة بالكسب. ولا يجوز أن يقال إن قولنا بتغاير حقيقة تعلق قدرة العبد وتعلق قدرة الله تعالى، هو أمر مخالف للعقول، بحجة أن تعلق القدرة لا بد أن يكون على سبيل التأثير. لأننا نقول: إن زعمكم أن تعلق القدرة مطلقا يجب أن يكون على سبيل التأثير إنما جاء من قياسكم قدرة العبد على قدرة الله، وهذا باطل، فالأصل عدم القياس وعدم وجود أي وجه مشترك بين القدرتين وبالتالي بين تعلقي القدرتين. وذلك كما نقول في العلم الذي يتصف به الله تعالى فإنه يتعلق بالمعلومات تعلقا يغاير تعلق العلم الحادث بالمعلومات. فتعلق العلم الحادث قد يكون تأثرا أو كيفية، وقد يكون انطباع صورة في النفس، وغير ذلك،وقد يكون على سبيل الضرورة وقد يكون بعد نظر إلى آخر وجوه الافتراق بين العلمين،ومعلوم أن علم الله تعالى لا يجوز نسبة أي مفهوم من هذه المفاهيم إليه.ومع هذا فإننا نطلق على الحاصل فينا أنه علم، ونطلق على الصفة القائمة بالله تعالى أنها علم. فمع قولنا بالتغاير بين الحقيقتين إلا أننا أجزنا إطلاق نفس الاسم عليهما، وهذا ليس مستبعدا لغة، فوجود الله تعالى لا يساويه وجود آخر، ومع ذلك فإنك ترى أننا نطلق على أنفسنا الوجود ونطلق على الله تعالى الوجود.وهكذا البقاء، ونحن نقطع أن جميع هذه الصفات في الله مخالفة لما هي عليه فينا.فتعلم من هذا أن ما ادعيناه في القدرة الحادثة أمر غير مستغرب، وهو جار على نسق واحد مع باقي الصفات، كما ترى. والمخالف يلزمه التشبيه بلا ريب. فمن ذلك تعلم أن مخالفة كثير من الفرق للسادة الأشاعرة والماتريدية في كون القدرة الحادثة إنما هي على سبيل الكسب، مخالفة باطلة، وادعاؤهم أن هذا أمر غير مفهوم كلام متناقض مع ما يقررونه هم-أي سائر الفرق المخالفة- في سائر الصفات، من مخالفة الله تعالى لسائر الحوادث. ويشذ عن هذا القول المجسمة من الحنابلة والمنتسبين إلى السلف الصالح وهم منهم براء، لأنهم يماثلون في الحقيقة بين الخالق والمخلوق في حقائق سائر الأمور، ويميزون بينهما في الشكل والكيفية فقط. فهؤلاء ربما لا ينفون أن تكون قدرة العبد خالقة، وربما ينسبون ذلك كعادتهم إلى الفطرة والبداهة، وهم في ذلك مخالفون لسائر الفرق والعقلاء. فتأمل في هذا فإنه يحل إشكالات عديدة،ويوضح قول أهل السنة.(س)","part":1,"page":71},{"id":73,"text":"، وذلك التعلق أعني تعلق القدرة الحادثة بالفعل الاختياري أي ارتباطها واقترانها به هو المسمى بالكسب، ولأجله يضاف الفعل الاختياري إلى الحي وينسب إليه كما تضاف وتنسب إليه أعضاؤه كرأسه ويده رجله مع أنها مخلوقة لله وحده(1).فالفعل الاختياري ينسب إلى الله خلقا وللحي كسبا، ويصح نسبة شيء واحد لفاعلين مختلفين بجهتين مختلفتين كالدار المستأجرة تنسب لمالكها بجهة الملك ولمستأجرها بجهة الانتفاع.\r__________\r(1) …معلوم أن هذا التشبيه بين إضافة الرأس للعبد وبين إضافة الفعل الاختياري له، إنما هو من حيث مطلق الإضافة فقط، لأننا نعلم أن الرأس لا يقال فيه إن قدرة العبد متعلقة به على سبيل الكسب،ولكن أريد هنا أنه كما لا يبعد أن يضاف إلى العبد أمر اتفق على أنه غير مخلوق له كالرأس، فكذلك لا يبعد أن يضاف إليه فعله الاختياري على سبيل الكسب لا الخلق، ويضاف إلى الله تعالى على سبيل الخلق لا الكسب.فتأمل.(س)","part":1,"page":72},{"id":74,"text":"ومع أن الشر مخلوق لله تعالى على فرض أنه وجودي، لكن الأدب أن لا ينسب لله تعالى إلا الحسن فينسب الخير لله والشر للنفس وإن كان منسوبا خلقا لله، وذلك لأن نسبة الشر يتبادر منها عادة اكتسابه والرضى به، ومعلوم أن الله تعالى لا يرضى بالشرِّ(1).\r__________\r(1) …المنع من نسبة الشر إلى الله تعالى إنما هو بسبب أن البعض قد يتوهم أن نسبة الشر إليه تعالى تقتضي أن يكون شريرا، ومع أن هذا باطل، لأن الشرير هو من اكتسب الشر لا من خلقه، والكسب فيه جهة اتصاف،والخلق مجرد فعل في الحقيقة لا صفة كما بينا قبل ذلك في صفات الأفعال، وقلنا إن قولنا \"صفات الأفعال\" إنما هو على سبيل التجاوز لأن الفعل في الحقيقية ليس صفة، فالصفة تقتضي أن تكون قائمة بالموصوف، والفعل لا يقوم بالله، لحدوثه. فلذلك فإننا نقول بمنع نسبة الشر إلى الله تعالى دفعا لما يتوهمه الناس من اقتضاء ذلك كونه تعالى شريرا، ومع بطلان هذا إلا أن الاحتياط في مثل ذلك ألزم، والمنع على سبيل الأدب، فيصرح في مقام التعليم أن الله خالق الشر والخير، ويبين عدم اقتضاء ذلك لكونه تعالى شريرا. واعلم أن بعض العلماء حقق أن الشر أمر لا وجود له، لأنه يرجع في الحاصل إلى عدم أمر ما. وبالتالي فليس مخلوقا أصلا، لأن المخلوق لا يكون عدميا. وبالتالي يتم الخروج مطلقا من الإشكال المشهور وهو أن الله إذا كان خالقا للشر فهو شرير. هذا مع أننا بينا أعلاه أن خالق الشر لا يقال عنه شرير بل مكتسب الشر هو الشرير. وفي مسألة الشر كلام دقيق مبين في المطولات.(س)","part":1,"page":73},{"id":75,"text":"وما قررناه في الأفعال الاختيارية هو مذهب الإمام الأشعري ووافقه عليه جمهور أهل السنة وهو الحق الذي يجب اعتقاده وترك ما خالفه من المذاهب الباطلة(1)\r__________\r(1) …هذا الكلام المتعلق بالكسب أعلاه استفدناه من العلامة المارغني، ثم قال بعد ذلك:\" وعليه فليس للحي كالعبد في الأفعال الاختيارية إلا الاختيار في الظاهر والكسب، وإنما قلنا في الظاهر لأنه في الباطن مجبور لأن الله تعالى هو الذي خلق فيه الاختيار كما خلق الفعل والقدرة المقارنة له فهو مجبور في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب، وقد رتب الله تعالى على الاختيار في الظاهر وعلى الكسب التكليف والثواب والعقاب ولله التصرف في خلقه كيف شاء لا رادَّ لحكمه ولا معقب لقضائه ولا يسأل عما يفعل فلله الحجة البالغة\" أهـ. ولنا على هذه الفقرة تعليق ولذلك لم نثبته في الأصل. فقوله إن العبد مجبور في الباطن غير مسلم، لأن الجبر معناه صدور الفعل على خلاف الإرادة، فإذا كنا نقول أصلا بأن الفعل الاختياري لا يخلقه الله تعالى في العبد إلا موافقا لإرادة العبد المخلوقة فيه نتيجة لعلم الله تعالى، كما وضحناه في تعليقاتنا أعلاه، فكيف يقال إن العبد مجبور باطنا، مختار ظاهرا؟! بل هذا الكلام غير مستقيم، فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا، بل هذا هو الاختيار، لأنه تابع لإرادة العبد التي علمها الله تعالى منذ الأزل، وقد نبه إلى هذا العلامة المحقق الإمام السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية فقال:\"فإن قيل:بعد تعميم علم الله تعالى وإرادته،الجبرُ لازم قطعا لأنهما إما أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع. قلنا:يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره، فلا إشكال. فإن قيل :فيكون فعله الاختياري واجبا أو ممتنعا وهذا ينافي الاختيار. قلنا:ممنوعٌ، فإن الوجوب بالاختيار محقِّقٌ للاختيار لا مناف، وأيضا منقوض بأفعال الباري جل ذكره لأن علمه وإرادته متعلقان بأفعاله فيلزم أن يكون فعله واجبا عليه.\"أهـ كلامه وهو في غاية الإفادة. ومعنى عبارته الأخيرة :\" أي ومعلوم أن فعله غير واجب عليه، فيبطل كلامكم\".\rوهذه العبارة أعني \"العبد مجبور في قالب مختار\" قد فسرها الشيخ عليش في شرحه على السنوسية الكبرى فقال ما حاصله: العبد مجبور في الباطن ونفس الأمر على فعله الاختياري فإنه لا يمكنه تركه بعد خلق الشهوة والميل والإرادة والعزم عليه والقدرة عليه، وأما كونه مختارا للفعل والترك في الظاهر فلأنه بحسب الظاهر يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وفي نفس الأمر والحقيقة لا فعل له، وإنما الفعل لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. هكذا فسر الشيخ عليش هذه العبارة هو معنى حسن ولطيف. أي إننا يمكن أن نتصور أن يريد العبد بعد أن يترك فعله وذلك بعد العزم عليه وخلق الشهوة والميل الخ، ولكننا ندرك أن فعله في هذه الحالة واجب، لأن الفعل عند القدرة والداعية والإرادة واجب، وهذا يكون مخالفا لإرادته التي تصورنا وقوعها منه بعد ذلك. فافهم.(س)","part":1,"page":74},{"id":76,"text":".\rالعجز عن الممكنات: يستحيل على الله تعالى العجز عن ممكن ما وإيجاد شيء ما في العالم مع كراهيته لوجوده(1)؛ أي عدم إرادته له تعالى، أو مع الذهول أو الغفلة أو بالتعليل(2) أو بالطبع(3)\r__________\r(1) …الكراهة هنا هي مقابل الإرادة كما ذكرناه، وليست مقابل المحبة كما هو بين. أي فاللازم أنه لا يوجد شيئا إلا بإرادته، ولا يقال إنه تعالى لا يوجد شيئا إلا بمحبته.فتأمل.فقد فسرها بعض المجسمة بغير هذا، ونسبوا إلى الأشاعرة أنهم يقولون أن الله تعالى بما أنه أوجد الكفر، ولا يوجد شيئا مع كراهيته لوجوده،إذن فقد أوجده مع محبته، فقالوا إن الأشاعرة يقولون إن الله يحب الكفر مطلقا.وهو قول باطل كما ترى. لأن الكراهة هنا مقابل الإرادة لا مقابل المحبة.فتنبه.(س)\r(2) …وقع في كلام أهل السنة التعبير بالتعليل لكن ليس مرادهم به التعليل الذي قالت به الفلاسفة، وإنما مرادهم به التلازم بين أمرين عقلا أو شرعا أو عادة، فلا تغتر بظواهر العبارات.(غ) وقد استغل ابن تيمية وقوع لفظ التعليل في كلام بعض أهل السنة في كلامهم في الفقه نحو أن يقولوا إن علة تحريم الخمر هي الإسكار، وغير ذلك، فادعى أنهم يتناقضون ويبطلون أصولهم التي يبنونها. وكلامه هذا باطل لأنهم أي أهل السنة قد نبهوا على أن العلة إذا أطلقوها في الفقه وأصول الفقه فإنهم يريدون بها المعرِّف كما هو معلوم في أصول الفقه، بخلاف العلة في كلام المعتزلة فإنهم يريدون بها المؤثر. وابن تيمية عادة ما يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب في مناقشته للسادة الأشاعرة فإنه يفسر كلامهم تفسيرا باطلا ثم يبني رده على تفسيره لكلامهم، وينسب إليهم ما لم يقولوه.فتأمل ولا تغتر. ومثله في ذلك كل الذين اغتروا بكلامه ومنهم المعلمي والمقبلي والشوكاني وغيرهم كما هو معروف لدى المطلع، فإن هؤلاء ساروا خلف ابن تيمية يكررون ما قاله بلا تحقيق منهم، وحالهم أنهم يظهرون الاجتهاد وأين هم منه؟!(س)\r(3) …الفرق بين التعليل والطبع عند القائلين بهما وإن كانا مشتركين في عدم الاختيار أن الإيجاد بطريق التعليل لا يتوقف على وجود شرط ولا انتفاء مانع إذ لا يتصور أن تتحرك اليد ويمنع مانع من تحرك الخاتم الذي فيها، بخلاف الإيجاد بطريق الطبع كإحراق النار فإنه يتوقف على شرط وهو المس وانتفاء مانع وهو البلل. والفاعل بالتعليل والفاعل بالطبع عند القائلين بهما إنما يأتي منهما الفعل دون الترك، والفاعل بالاختيار هو الذي يتأتى منه الفعل والترك وهو مولانا سبحانه وتعالى لا غيره.(ط)","part":1,"page":75},{"id":77,"text":".\rوحقيقة العجز تعذر إيجاد ما يمكن إيجاده وإعدام ما يمكن إعدامه، وهو ضد القدرة، والقدرة واجبة له تعالى والعجز مستحيل على الله. فيستحيل على الله العجز عنه لأنه لو اتصف تعالى بالعجز لا يخلو إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما لزم أن لا يعدم لاستحالة عدم القديم. فلا يوصف المولى تبارك وتعالى بالقدرة لاستحالة جمع الضدين. وإذا لم يتصف بالقدرة فينتفي العالم، وهذا محال بالمشاهدة والعيان. وإن كان حادثا فإن اتصف به مع القدرة لزم الجمع بين الضدين وإن اتصف به مع عدمها لزم حدوثها لأن كل من يطرأ عليه العدم حادث، ويلزم من حدوث الصفة حدوث الموصوف فينتفي العالم ونفي العالم محال بالمشاهدة.\rوأما إيجاد شيء من العالم مع كراهته لوجوده فهو محال، لأن الكراهة ضد الإرادة والإرادة واجبة لله تعالى والكراهة مستحيلة على الله، والمراد بها هي الكراهة العقلية التي هي عدم الإرادة. وأما الكراهة الشرعية التي هي إحدى الأحكام الخمسة فلا تنافي الإيجاد وهي –أي المكروهات على هذا المعنى-واقعة بإرادة الله تعالى لأنه لو لم يردها لما وقعت، إذ لا يكون في ملكه تعالى ما لا يريد، ولم يأمر بها إذ لا ملازمة بين الأمر والإرادة عند أهل السنة، بل بينهما عموم وخصوص من وجه فيتواردان في إيمان أبي بكر مثلا فإنه مأمور به ومراد لله، وتنفرد الإرادة في كفر أبي جهل وغيره من الكفار وينفرد الأمر في الإيمان منهم، فهم مأمورون بالإيمان ولم يُرِدِ الله تعالى وقوعه منهم لعلمه بعدم إرادتهم لذلك.","part":1,"page":76},{"id":78,"text":"ويستحيل على الله تعالى الذهول وهو غيبوبة الشيء بعد العلم به، ويستحيل على الله تعالى الغفلة حالة إيجاده،والغفلة هي عدم العلم بالشيء مطلقا، أي إنه يستحيل على الله أن يوجد شيئا من العالم مع الغفلة أو الذهول(1).\rويستحيل على الله تعالى إيجاد شيء من العالم بالتعليل بأن يكون ذاته تعالى علة في إيجاد المخلوقات من غير إرادة وقدرة، فالقائلون بذلك أهل العلة من الفلاسفة. وحقيقة العلة عندهم ما يأتي منها الفعل دون الترك من غير توقف على وجود شرط ولا انتفاء مانع، قالوا مثال ذلك في الشاهد حركة الإصبع فإنها علة حركة الخاتم، ويلزم من حركة الإصبع حركة الخاتم، ومن عدمها عدم حركة الخاتم، وهذا عندهم، وأما عند أهل الحق فحركة الخاتم مع الإصبع مخلوقان لله تعالى. وهما متلازمان وجودا بإيجاد الله تعالى، وليس حركة الإصبع خالقا لحركة الخاتم، ولا العكس، بل هما متلازمان وجودا، وقد يتسامح البعض فيطلق على أحدهما اسم السبب، ويريد به السبب العادي، بمعنى الملازم لا المؤثر.\rوردّ أهل السنة على أهل العلة فقالوا لهم إن قلتم الذات قديمة يلزم قدم العالم لأن المعلول لا يتأخر عن علته وإن قلتم حادث فيفتقر إلى فاعل، والفاعل لا يكون عندكم إلا علة وهكذا. فيلزم الدور أو التسلسل وهما محالان.\r__________\r(1) …وقيل الذهول أعم من الغفلة لأن الغفلة زوال الشيء من المدركة مع بقائه في الحافظة، والذهول زواله من لمدركة مطلقا، وعلى هذا فالسهو مرادف للغفلة، كما يؤخذ من القاموس حيث قال غفل عنه تركه وسها عنه.أهـ وأما النسيان فهو أخص من الذهول لأنه زوال الشيء من الحافظة والمدركة معا.ووجه منافاة كل من الذهول والغفلة للإرادة أنهما منافيان للعلم، وكل ما كان منافيا للعلم كان منافيا للإرادة، فهما منافيان للإرادة بواسطة منافاتهما للعلم.(ج)","part":1,"page":77},{"id":79,"text":"ويستحيل على الله أن يوجد شيئا من العالم بالطبع، وحقيقة الطبع عندهم ما يأتي منها الفعل دون الترك مع توقف على حصول شرط أو انتفاء مانع(1)، قالوا مثال ذلك في الشاهد النار مع الإحراق. فإن النار طبيعتها الإحراق ولكن تتوقف على حصول شرط وهو المماسة وانتفاء مانع وهو البلل، فإذا حصل الشرط فيما لا يزال وجد العالم من غير إرادة فلا يلزمنا قد العالم. فقال لهم أهل السنة : إن قلتم المانع قديم لزم أن لا ينعدم لاستحالة عدم القديم فلا يوجد العالم، وإن قلتم حادث فيحتاج إلى مانع قبله فيلزم التسلسل وهو محال. وأما الشرط فلا يكون إلا حادثا على قولهم، فيحتاج إلى شرط آخر وكذلك شرط يحتاج إلى شرط فيلزم التسلسل وينتفي العالم وهو محال. فإذا بطلت العلة والطبيعة تعين أن الله تعالى فاعل بالاختيار بالقدرة والإرادة.\rوالقول بالتعليل والطبيعة كفر بالإجماع. وقولهم إن النار طبيعتها الإحراق باطل لأنه كفر بالإجماع إذ لا فاعل إلا الله وحده وهو الفاعل المختار.\rويستحيل الجهل عليه تعالى: وهو ضد العلم والجهل قسمان، مركب وبسيط، فحقيقة المركب تصور الشيء على خلاف ما هو به، وهو أن يجهل الشيء ويجهل جهله به، فهو مركب من جهلين. والبسيط أن يجهل الشيء ويعلم أنه جاهل به وحقيقته عدم العلم بالشيء فيما شأنه أن يعلم. هذان القسمان مستحيلان على الله تعالى. ويستحيل عليه أيضا ما في معنى الجهل، كالشك والظن والوهم والذهول والغفلة والنسيان وكون علمه ضروريا أو نظريا أو بديهيا أو معرفة، لأن المعرفة ما تقدمها جهل على قول بعض العلماء، أو كونه يقينيا لأن اليقين ما ثبت بالدليل، أو كونه نظريا أو كسبيا.\rملاحظة: المعلوم يشمل الواجب والمستحيل والجائز.\r__________\r(1) …فالفرق بين التعليل والطبع أن الأول لا يتوقف على وجود شرط وانتفاء مانع بخلاف الثاني.(ج)","part":1,"page":78},{"id":80,"text":"ملاحظة: التقابل بين العلم والجهل المركب تقابل بين الضدين، وبين العلم والجهل البسيط من باب عدم العلم والمَلَكَة. وحيث ثبت العلم انتفت حقيقة الجهل والملكة، فالعلم وجودي.\rويستحيل عليه تعالى الموت: وهو ضد الحياة(1)، وكذلك يستحيل عليه ما في معنى الموت، مثل أن تكون حياته تعالى بروح أو نفس أو بأكل أو شرب أو نوم أو سنة أو غير ذلك من أوصاف الحوادث.\rملاحظة: هناك مذهبان في حقيقة الموت الأول يقول الموت عرض يعقب الحياة فالموت على هذا المذهب وجودي، والثاني يقول الموت هو عدم الحياة فيما شأنه الحياة، والموت على هذا المذهب عدمي.\r__________\r(1) …الموت هو أمر وجودي عند أهل السنة، وأما عند المعتزلة فهو عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا، والتقابل بينه وبين الحياة من تقابل الضدين على الأول، ومن تقابل العدم والملكة على الثاني. (ج)","part":1,"page":79},{"id":81,"text":"ويستحيل عليه تعالى الصمم: ضد السمع، وحقيقة الصمم عدم السمع بالكلية بوجود آفة تمنع من ذاك(1)، وكذا يستحيل عليه تعالى ما في معنى الصمم ككونه يسمع الأصوات دون الذوات وكون سمعه بآذان أو صماخ أو غير ذلك، بل سمعه تعالى متعلق بكل موجود(2)\r__________\r(1) …هو أمر وجودي يضاد السمع عند أهل السنة، وأما عند المعتزلة فهو عدم السمع عما من شأنه أن يكون سميعا.(ج)\r(2) …قال الإمام السنوسي في شرح صغرى الصغرى:وقولنا في السمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات، أي ينكشف لسمعه تعالى وبصره جميع الموجودات قديمة كانت أو حادثة، وليس كسمع المخلوق الذي يختص عادة تعلقه بالأصوات ولا كبصر المخلوق الذي إنما يتعلق عادة بالأجسام والألوان والأكوان، وبرهان عموم التعلق لسمعه تعالى أن مصحح تعلقهما إنما هو الوجود، فلو تعلقا ببعض الموجودات دون بعض لافتقرا إلى مخصص، فيكونان حادثين، وقيام الحوادث بذاته تعالى مستحيل، والحاصل أن ثبوت هاتين الصفتين أخذ من الشرع وتعلقهما بجميع الموجودات أخذ من الدليل العقلي.اهـ، يقصد الإمام السنوسي بالدليل العقلي أن هذه المسألة تحتاج إلى مزيد نظر وبسط، ولا يكفي فيها الاعتماد على ما يبدو لأول النظر سواء في العقليات أو النقليات، وخالفه بعض العلماء في كون هاتين الصفتين تتعلقان بالموجودات، وقال بل تتعلقان بالمسموعات والمبصرات، ورد عليه السنوسي ردا مطولا، وبينهما مراسلات معروفة، وهي مسألة دقيقة. وعلى كل حال فلا يجوز التوهم بأن المقصود بالمسموعات مجرد الأصوات، لأن المعتمد عند أكثر من أهل السنة سماع كلام الله النفسي، وأن الله تعالى يسمع كلامه النفسي، وهو ليس بصوت ولا بحرف، وكذلك لا يقال بأن المبصرات هي الألوان فقط لأن الله تعالى يرى نفسه وهو تعالى ليس بلون ولا له لون. فعلى العاقل أن يستحضر هذه اللمعات فإنها تقرب كلام الإمام السنوسي إلى عقله ولا يبادر بالمخالفة، قبل الفهم. والمسألة من دقيق الكلام، ولنا فيها تحقيق لا يتسع هذا المختصر لإثباته.فتأمل.(س)","part":1,"page":80},{"id":82,"text":".\rويستحيل عليه تعالى العمى: ضد البصر وحقيقة العمى عدم البصر بالكلية بوجود آفة تمنع من ذلك(1). وكذا يستحيل عليه تعالى ما في معناه من المقلة والأجفان والحدقة وغير ذلك.\rويستحيل عليه تعالى البكم: وهو ضد الكلام وحقيقة البكم عدم الكلام بالكلية بوجود آفة تمنعه من ذاك(2)، وكذا يستحيل عليه تعالى ما في معناه بأن يكون كلامه بحروف وأصوات وغير ذلك من الصفات الحادثة.\rوأما استحالة أضداد ومنافيات الصفات المعنوية فهي واضحة ويزداد جلاؤها ظهورا بعد العلم باستحالة أضداد المعاني كما سبق.\rالجائز في حق الله تعالى\r__________\r(1) …هو أمر وجودي يضاد البصر عند أهل السنة وأما عند المعتزلة فهو عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا.(ج)\r(2) …هو أمر وجودي يضاد الكلام عند أهل السنة، وأما عند المعتزلة فهو عدم الكلام عما من شأنه أن يكون متكلما.(ج)","part":1,"page":81},{"id":83,"text":"يجوز في حق الله تعالى إيجاد كل ممكن أو تركه(1)، ففعل كل فرد من أفراد الممكن وتركه جائز، ولا يجوز فعل الممكنات جميعا دفعة واحدة، لأن الممكنات لا نهاية لها فكل ما قدر العقل جوازه فهو ممكن وفعله دفعة واحدة يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له وهذا محال(2).\rملاحظة: دخل في الجائز بعثة الرسل فليست بواجبة كما قالت المعتزلة ولا مستحيلة كما قالت البراهمة والسُّمَنِيَّة، ولا مكتسبة كما قالت الفلاسفة ولا ذاتية كما قالت الكرَّامية، فالبراهمة والفلاسفة ضلُّوا والمعتزلة والكرامية مبتدعة. ومذهب أهل السنة أن النبوة والرسالة فضلٌ من الله تعالى.\r__________\r(1) …ما يجوز في حقه تعالى منحصر فيما ذكر.(ج) والممكن عند علماء هذا الفن كل ما حكم العقل باستواء وجوده وعدمه ويسمى جائزا ومعنى فعل الممكن إيجاد الله له ومعنى تركه إبقاؤه في العدم، وكل ممكن يجوز عقلا في حق الله تعالى فعله أو تركه، ولا يجب عليه عقلا فعل شيء منه، ولا يستحيل عليه عقلا ترك شيء منه بل يفعل منه ما شاء ويترك ما شاء فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،ويسمى كل فعل من أفعاله تعالى شأنا له قال تعالى (كل يوم هو في شأن) أي كل وقت هو أي الرب تعالى في شأن أي أمر يظهره على وفق ما قدره وأراده في الأزل من إيجاد وإعدام وإعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وإعطاء سائل وإجابة داع وغير ذلك من شئونه جل وعز.(غ)\r(2) …وأيضا إيجاد الممكنات دفعة واحدة يؤدي إلى فراغ قدرة الله تعالى، أي عدم قدرته على إيجاد ممكن آخر، لأنه قد أوجده.فتأمل.(س)","part":1,"page":82},{"id":84,"text":"ودخل في الجائز ثواب المطيع وعقاب العاصي(1)، ورؤية الله تعالى فيراه المؤمنون منزها عن الجهة والمقابلة والمكان وغير ذلك من الأمور العادية، فكما علموه منزها يرونه كذلك، فرؤيته تعالى جائزة وواقعة في الآخرة للمؤمنين وأما في الدنيا فجائزة عقلا ممنوعة شرعا لحديث\"لن تروا ربكم حتى تموتوا\"(2)\r__________\r(1) …قد يعرض لبعض الممكنات الوجوب لإخبار الشرع بوقوعه ويسمى واجبا عرضيا وواجبا لغيره وقد يعرض لبعضها الاستحالة لإخبار الشرع بعدم وقوعه ويسمى مستحيلا عرضيا ومستحيلا لغيره، فالأول كدخول الطائع الجنة، والثاني كدخول الكافر الجنة،فإن كلا منهما من الممكن عقلا بالنظر لذاته، لكن صار الأول واجبا شرعا والثاني مستحيلا شرعا لما ذكرنا.(غ)\r(2) …رواه النسائي في سننه الكبرى عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني حدثتكم عن المسيح الدجال حتى خفت أن لا تعقلوه هو قصير فجج جعد أعور مطموس عين اليسرى ليس بناتئة ولا حجراء فإن التبس عليكم فاعلموا أن ربكم تبارك وتعالى ليس بأعور وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا.\rورواه الطبراني في مسند الشاميين عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا وإنه أعور العين ليست بناتئة ولا حجراء واعلموا أن الله عز وجل ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا.\rوقد استدل بعض الحمقى بهذا الحديث على أن الله تعالى له عينان اثنتان، وأن معنى ذلك هو نفس ما يفهم إذا قيل إن للإنسان عينان اثنتان، ولكنه منع فقط إطلاق اسم الجارحة والعضو والجزء عليهما، وأما معناه فأثبته، ونسب ذلك للسلف ولأهل السنة كذبا عليهم. وهذا تجسيم محض، وعدم التصريح بلفظ الجزء والبعض منه لا يعفيه من كونه مجسما فإن حكمنا عليه بالتجسيم مبني على المعنى الذي يثبته في حق الله تعالى لا على اللفظ. ولاحظ أنه لا يوجد تصريح مطلقا في الحديث بأيٍّ من ذلك، ولكنه فهمه بمفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة ضعيف وفي قبوله في الفقهيات خلاف فكيف يعتمد أصلا في العقائد! هذا فضلا عن أن مفهوم المخالفة يستلزم التشبيه بين الخلافين. وهذا يستلزم هنا تشبيه الله تعالى بخلقه، وهو باطل عندنا. ولكن هذا القائل توهم أنه إذا نفي عنه تعالى كونه أعورا فيلزم من ذلك كونه له عينان، وهذا فهم باطل، فالمقصود من الحديث هو مجرد نفي النقص عنه تعالى، ولفت النظر إلى أن العوَرَ نقص لا يليق به جل شأنه. ولا يلزم من ذلك إثبات عينين جارحتين، لأن نفي العور أعم من أن يكون له عينان أو اكثر أو أقل أو أن لا يكون له عينان أصلا. ولعل هذا الحديث فيه إشارة إلى أن أكثر أتباع الدجال في آخر الزمان هم المجسمة الذين يعتقدون أن الله تعالى على صورة الإنسان، فهؤلاء هم فقط من يمكن أن يضلوا فيعتقدوا أن الدجال هو إلههم الذي يعبدونه، خاصة حين صدور بعض الخوارق على يديه بإذن الله تعالى، فنبههم الرسول عليه السلام كما يناسب عقولهم إلى أن الدجال أعور، وأن الله لا يليق به أن يكون أعور حتى لو كان على صورة الإنسان في زعمكم. فيكون الحديث إلزاما لهم على سبيل التنزل. وإذا فهم هذا من الحديث أن لله تعالى عينين اثنتين، فليفهم منه أيضا أن الله تعالى لا يفترق في الشكل عن الدجال إلا بأن الدجال أعور العين، فإذا منع ذلك، فيجب عليه الاعتراف بأن الحديث إنما أريد به نفي النقص عن الله تعالى، لا إثبات عينين. وهذا الحديث فيه تحذير كبير من التشبيه والتجسيم كما لا يخفى. وفيه فوائد أخرى، لا مجال لذكرها هنا.(س)","part":1,"page":83},{"id":85,"text":"،وأما في الدنيا فلم تقع لأحد كما هو المعتمد عند المحققين(1). فكل هذا جائز في العقل لكن الشرع أخبر بوقوعها فيجب الإيمان به.\rودخل في الجائز مراعاة الصلاح والأصلح(2) خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاح والأصلح، والمراد بالصلاح ما ضده فساد والأصلح ما ضده صلاح.\rواعلم أن الإيجاد والإعدام وغيرهما مما يجوز في حقه تعالى تسمى بصفات الأفعال(3)، وهي عبارة عن التعلقات التنجيزية أي التعلقات بالفعل للقدرة كإيجاد زيد بالفعل وإعدام عمرو بالفعل، وكلها حادثة لأنها جائزة، وكل جائز حادث.\rفصفات الأفعال حادثة وليست من الصفات القائمة بذاته تعالى حتى يلزم قيام الحوادث بذاته، وهو محال، وإنما عدوها من صفاته تعالى لأنها صادرة عن قدرته فهي أثر لها لا أنها قائمة بذاته تعالى لأنها جائزة كما علمت، فالجائز لا يقوم بذاته تعالى.\r__________\r(1) …ونازع البعض فادعى وقوعها للنبي عليه السلام، وهو مرجوح، والخلاف فيها يسير(س)\r(2) …المقصود بالصلاح والأصلح عند المعتزلة أي بالنسبة إلى الفرد لا المجموع.(س)\r(3) …يطلق السادة الماتريدية على هذا المعنى صفة التكوين. وتحديدا فإن صفة التكوين عندهم هي ما تصدر عنه هذه الأفعال وليست هي نفس هذه الأفعال، وعندهم أن القدرة متعلقة بصحة وجود المقدور، والتكوين متعلق بوجود المقدور ومؤثر فيه، كما نص عليه أبو عذبة في الروضة البهية، وقال السعد في شرح العقائد: والتكوين صفة حقيقية هي مبدأ الإضافة التي هي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود لا عينها.اهـ ومنه يفهم أن الفعل عندهم ليس قديما بل الصفة التي يقع بها الفعل هي القديمة. فصفات الأفعال عندهم هي صفات قديمة تصدر عنها أفعال حادثة. والمعتمد عندهم إثبات صفة التكوين وهي صفة الفعل، بالمعنى المتقدم. وأما الأشاعرة فالتحقيق عندهم كما بيناه في الأصل من أن الأفعال هي تعلقات لصفة القدرة، ولكونها ناشئة عن صفة يسمونها بصفات الأفعال. وهو الذي عليه المحققون(س)","part":1,"page":84},{"id":86,"text":"ولأن الذي يقوم بذاته من الصفات ما كان له تحقق في الخارج عن الذهن، وصفات الأفعال ليست كذلك لأنها إضافات أي تعلقات بين القدرة ومقدورها، والإضافات أمور اعتبارية لا ثبوت لها في الخارج.\rولهذا لا يطلق على صفات الأفعال الحدوث بمعنى الوجود بعد العدم، وإنما يطلق عليها الحدوث بمعنى التجدد، ولا شك أنها متجددة فيما لا يزال(1).\rالشروع في البراهين على العقائد\rواعلم أن ما مرَّ كان عبارة عن بيان الأقسام الثلاثة ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى، من دون ذكر للأدلة، وهذا إذا قَبِلَه الإنسان واعتقد به فإنه مؤمن ولكنه مقلد، وقد مرَّ الخلاف في حكم المقلد، وللخروج من الخلاف سنذكر هنا فيما يلي الأدلة العقلية على ما مضى.\rبرهان وجود الله\r__________\r(1) …هذه الفقرة استفدناها من شرح المارغني، واعلم أن ابن تيمية قد أوهم في بعض كلامه أن السادة الماتريدية يقولون بقيام الصفات الحادثة بالله تعالى وكون الأفعال قديمة، في حين إنهم يقولون إن الصفة التي بها الفعل قديمة وليس الأفعال، مفسرا قولهم بصفة التكوين وهي المقصودة بصفة الأفعال كما وضحناه أعلاه، وادعى أنهم يقولون أن إثبات هذه الصفة يلزم عنه قيام الحادث بالله تعالى، ولا يريد ابن تيمية من ذلك إلا نصرة مذهبه الذي ينص على أن الحوادث تقوم بذات الله تعالى، وهو أيضا يقول إن أفعال الله تعالى قائمة بذاته، وليس كذلك مذهب الماتريدية. وهذا هو شأن ابن تيمية في تفسير مذاهب خصومه كما يريد هو لا كما يريدون هم، ثم يستغلها بعد ذلك في تثبيت مذهبه في التجسيم.والجاهل بأقوال القوم هو الذي يغتر بأقواله ومزاعمه.(س)","part":1,"page":85},{"id":87,"text":"برهان وجود الله(1)\r__________\r(1) …قال بعض العلماء لا يبعد أن تحدث معرفة الله تعالى في عبد من العباد بالإلهام، ولكن لا يجوز أن يقال إن معرفته تعالى تحدث في جميع الناس بالإلهام. فمعرفة الله تعالى على الأغلب نظرية، أي تحتاج إلى نظر، والنظر في سبيل الوصول إلى ذلك قد يطول وقد يقصر على حسب جلاء نفس الناظر. واعلم أن معرفة الله تعالى هي نوع من أنواع العلوم، ولا يجوز ان يقال إن معرفته تعالى تحدث في نفس الإنسان بالفطرة، أي تكون موجودة فيه منذ الولادة، وذلك لأن هذا يعني أن بعض العلوم تكون موجودة في نفسه الإنسان منذ الولادة، وهذا باطل، لأنه يناقض صريح قوله تعالى(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) فهو نص صريح على أننا عندما نخرج من بطون أمهاتنا لا نكون عالمين بشيء مطلقا، ومنها العلم بأن الله تعالى موجود، ولكن إذا قصد أن الإيمان بوجود الله تعالى يوافق الفطرة أي الخلقة وما يناسبها من الوصول إلى الكمال،فإنه يكون صحيحا، فالإنسان عند ولادته يكون مستعدا لتلقي العلوم، ولا يكون علم واحد حاصل في نفسه، وتلقي العلوم إنما يكون بالوسائل التي ذكرها الله تعالى في نفس الآية، وهي السمع والأبصار والأفئدة.وفي هذا الموضوع تفصيل لا يليق ذكره هنا. ولذلك قال جمهور علماء السنة إن معرفة الله تعالى على الأغلب نظرية، أي يحتاج الإنسان إلى نظر لاكتسابها. ولا يبعد حصولها للبعض بالبداهة، كما ذكرناه. ولكن قد قال الحشوية إن معرفة الله تعالى لا تكون إلا بالفطرة، وليس قصدهم من هذا وصف الواقع وبيان حقيقة الإنسان، ولكن قصدهم هو مخالفة أهل الحق في طرق الاستدلال على وجود الله تعالى، لأن بها ينهدم كل قول لهم بالتجسيم. وهؤلاء هم الذين يبالغون في تنفير الناس من العقل والتفكير العقلي كأن الناس إذا استعملوا العقل الذي خلقه الله فيهم يتوصلون به إلى الكفر! وهو جل وعز قد أخبرنا في كتابه العزيز أن العقل به يهتدي الناس إلى الحق والهدى. فهؤلاء قد خالفوا نصوص القرآن نصرة لمذهبهم، وهكذا هو شأن أهل البدعة. وما التوفيق إلا من عند الله.(س)","part":1,"page":86},{"id":88,"text":"هو حدوث العالم، والمراد بالحدوث الوجود بعد العدم، والمراد بالعالم كل موجود سوى الله تعالى، أي إن خروج العالم من العدم إلى الوجود هو دليل على وجود الله تعالى،لأن العالم في هذه الحالة يكون حادثا(1) أي صنعة والصنعة لا بد لها من صانع وهو الذي ورد عن الأنبياء أن اسمه \"الله\"، لأن العالم لو لم يكن له محدث بل حدث بنفسه، أي ترجح وجوده على عدمه من غير مرجح، لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين في العقل مساويا لصاحبه راجحا عليه بلا سبب مرجح، وهذا محال لأنه جمع بين النقيضين(2).\r__________\r(1) …اعلم أن الدليل بالترتيب المنطقي هو كما يلي،العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، فالعالم له محدث وهو الله الواجب الوجود، لأن المحدث للعالم يجب أن يكون غير العالم، والعالم ممكن، فالله يجب أن يكون واجب الوجود، لأنه لو كان ممكنا لاحتاج إلى من يحدثه. واعلم أن المقدمة الأولى وهي قولنا العالم حادث، نظرية ليست بديهية، أي تحتاج إلى إقامة البرهان عليها. والمقدمة الثانية وهي ضرورة وجود محدث للحادث، تقترب من البداهة ويمكن الادعاء بأنها بديهية، والاستدلال عليها يسير. فيبقى محل النظر هو المقدمة الأولى، وبها انشغل العلماء. وقد أقام عليها أهل السنة والمتكلمون أدلة قوية مذكورة في المطولات.(س)\r(2) …المراد هنا أن القول بأن الحادث قد وجد بذاته بلا حاجة إلى محدِث، هذا القول يؤدي إلى اجتماع الضدين أو النقيضين حسبما قدرته، فيؤدي إلى اجتماع التساوي واللاتساوي، أو التساوي والرجحان، وذلك لأن العالم بالنظر إلى كونه حادثا، أي بعد إثبات أنه حادث، فهو ممكن، والممكن يتساوى فيه الطرفان وهما الوجود والعدم لذاته. فلو قيل إن هذا العالم الممكن قد وجد بذاته والوجود يلزمه الرجحان أي رجحان طرف الوجود على العدم، فيلزم أنه لذاته اجتمع فيه مساواة الوجود والعدم، ورجحان الوجود على العدم. ومعلوم أن هذا باطل.(س)","part":1,"page":87},{"id":89,"text":"ملاحظة: المراد بالأمرين الوجود والعدم، والزمان المخصوص مع مقابله من الأزمنة، والجهة المخصوصة مع مقابلها من الجهات، والمقدار المخصوص مع مقابله من المقادير، والصفة المخصوصة مع مقابلها من الصفات، والمكان المخصوص مع مقابله من الأمكنة. فهذه ستة تقابلها ستة وكل واحد مع مقابله بالنسبة إلى الجرم مثلا متساويان تساويا ذاتيا، فترجيح أحدهما على مقابله بلا مرجح محال. لأنه جمع بين النقيضين فتعين أن للعالم مرجحا أي فاعلا وجودّه على عدمه، وكذلك المتقابلات كلها ترجيح الفاعل المختار، ولا فاعل إلا الله.\rالعالم ينقسم بالنظر والمشاهدة إلى الأجرام وهي ما يقوم بذاته كالأجسام، والأعراض وهي ما يقوم بالأجرام كالحركة والسكون والألوان والكيفيات المختلفة وغير ذلك، فطريقة البرهان على حدوث العالم أن يتم البرهان على حدوث كل من القسمين وبهذا يتم البرهان على حدوث العالم، لأنه ليس شيئا غيرهما.\rفدليل حدوث الأجرام، أن كل جرم فهو ملازم للأعراض الحادثة المتجددة من حركة وسكون واجتماع وافتراق وهذه الأعراض الأربعة تسمى الأكوان الأربعة، والجرم لا يخلو من أحدها، لأنه إما أن يكون متحركا أو ساكنا(1)\r__________\r(1) …يخص العلماء الحركة والسكون بالكلام عليهما في أثناء بيان حدوث العالم، لأن التحقيق أن أغلب الأعراض ترجع إليهما.(س).\rوقال البيجوري وإنما خص الحركة والسكون بالتصريح بهما لأن ملازمة الأجرام لهما ضرورية لكل عاقل، لكن في جعلهما من الأعراض نظر،لأن الأعراض جمع عرض وهو خاص بالأمر الوجودي كالسواد والبياض، ولا كذلك هما، لأن الحركة هي انتقال الجرم من حيز إلى حيز آخر، والسكون ضده. وقيل الحركة هو الحصول الأول في غير الحيز الأول والسكون ما عدا ذلك، وكل من الانتقال وضده أو الحصول الأول في غير الحيز الأول وماعداه أمر اعتباري.(ج)","part":1,"page":88},{"id":90,"text":"أو مجتمعا أو مفترقا، ومن الأعراض الطعوم والروائح والألوان وغير ذلك، والأعراض حادثة ودليل تغيرها كما يأتي، والجرم الملازم لها حادث مثلها لملازمته لها(1)\r__________\r(1) …ما لازم الحادث لا بد أن يكون حادثا، وهذه المقدمة قوية جدا، فإنه قد ثبت أن الجرم لا ينفك عن الأعراض بالمشاهدة والدليل العقلي، وثبت أن الأعراض كلها حادثة، أي لجميع الأعراض أول وبداية لم تكن موجودة قبلها، وبما أن الجرم يستحيل وجوده بدون الأعراض، فصار كأن وجوده مشروط بوجود الأعراض، ولما كانت الأعراض حادثة، صار وجود الجرم مشروطا بحادث، وما كان مشروطا وجوده بحادث فلا بد أن يكون حادثا. بهذا يثبت حدوث الأجرام. واعلم أن ابن تيمية قد حاول التشكيك في هذه المقدمة أي في قولنا أن كل ما لازم الحوادث فيجب أن يكون حادثا، وادعى أنها ليست مبرهنة، وليست مقدمة قوية، وهي في الحقيقة كما ترى قوية ومبرهن عليها، ولكن ابن تيمية لما شكك فيها لم يكن تشكيكه نابعا من نظر محض، أي لم يكن ناظرا إلى نفس القضية، بل كان ناظرا إلى ما يلزم عنها، من نفي قيام الحوادث بالله تعالى، وهي العقيدة التي يقول بها السادة الأشاعرة بل كل الفرق الإسلامية عدا المجسمة ومنهم ابن تيمية، فإنه لما لاحظ ذلك حاول جهده أن ينقض هذه المقدمة، ولكن كان كل ما أتى به ضعيفا، وهو في الواقع لم يأت بشيء إلا ادعاءه أن هذه المقدمة لم يأت بها الكتاب والسنة، ولم يستطع أن يدلل على أنها تناقض العقول مطلقا، وقد رد عليه أهل السنة ودللوا على أن الكتاب والسنة فيهما أدلة على هذه المقدمة، وعلى تنزيه الله تعالى عن قيام الحوادث به. وهو-أي ابن تيمية- من القائلين بأن الحوادث تقوم بذات الله تعالى، فتقوم فيه الحركة فإنه عنده ينتقل من محل إلى آخر، وتقوم به إرادة حادثة، وذلك عندما يريد أن يخلق أي مخلوق جديد، وتقوم به الأصوات والحروف التي يدعي أنها كلامه تعالى وصفته القائمان بذاته، ويقوم به الغضب الحادث عند ملاحظة الله تعالى للكافرين وأعمالهم، ويقوم به الانتقام الحادث كذلك، ويقوم به الرضا الحادث، وغير ذلك من الحوادث التي تقوم بالله تعالى عند ابن تيمية، وهذا كله مخالف لما نص عليه علماء أهل السنة، ومخالف لعقائد الإسلام. ولم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي واحد.والقول بقيام الحوادث من الأمور التي بدع علماء الإسلام بها ابن تيمية.فاحذر أيها المسلم من هذه الأقوال الفاسدة.(س)","part":1,"page":89},{"id":91,"text":".\rملاحظة: المراد بالحركة انتقال الجرم من حيز إلى حيز، والمراد بالسكون ثبوت الجرم في حيز واحد، المراد بالاجتماع كون الجوهرين بحيث لا يتخلل بينهما ثالث،والافتراق ضده.\rوالبرهان على حدوث العالم: هو أن ملازم الحادث حادث، وتفصيله أن تقول في بيان حدوث الأجرام(1): لو كانت الأجرام قديمة، لزم ملازمتها للأعراض الحادثة، ويستحيل أن يلازم القديم الحادث، إذن الأجرام حادثة.\r__________\r(1) …اعلم أن دليل حدوث الأجرام يتوقف على إثبات زائد عليها وهو الأعراض وعلى إثبات الملازمة بينهما،وعلى إبطال حوادث لا أول لها، وذلك لأن الخصم ربما يقول:لا نسلم أن هناك زائدا على الأجرام، فنبطله نحن بالمشاهدة، إذ ما من عاقل إلا ويحس أن لذاته شيئا زائدا عليها. فيقول: سلمنا ذلك لكن لا نسلم الملازمة بينه وبين الأجرام، فنبطله بمشاهدة عدم الانفكاك. فيقول: سلمنا ذلك، لكن لا نسلم دلالته على حدوث الأجرام، لاحتمال أن تكون قديمة وذلك الزائد حوادث لا أول لها، إذ ما من حركة إلا وقبلها حركة وهكذا، فتكون حادثة بالشخص قديمة بالنوع، بمعنى أن نوع الحركة قديم وشخصها حادث. فنبطله بأمور عديدة ؛منها أنه لا وجود للنوع إلا في ضمن شخصه، فإذا كان الشخص حادثا لزم أن يكون النوع كذلك فبطل حوادث لا أول لها.(ج)","part":1,"page":90},{"id":92,"text":"ودليل حدوث الأعراض(1) مشاهدة تغيرها من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم. وما لم نشاهد فيه التغير فهو قابل له(2)، ويقاس على الأول لتساويهما في أصل الجرمية، فما صدق على أحدهما صدق على الآخر.\rملاحظة: هذا البرهان يتم إذا قلنا أن العرض يبقى زمانين، وأما إذا قلنا إن العرض لا يبقى زمانين فكلها متغيرة بالحصول دون القبول.\rوتركيب البرهان أن تقول:\r__________\r(1) …دليل حدوث الأعراض يتوقف على إبطال قيام العرض بنفسه، وإبطال انتقاله لغيره، وإبطال كمونه وإبطال أن القديم ينعدم، وذلك لأن الخصم ربما يمنع أنها تتغير من عدم إلى وجود وعكسه فالحركة بعد السكون مثلا لم تكن معدومة ثم وجدت بل كانت موجودة قبل ذلك، فنقول له: هل كانت قائمة حينئذ بنفسها أو انتقلت من محلها لمحل آخر أو كمنت في محلها، فإن كان الأول لزم قيام العرض بنفسه وهو باطل، وإن كان الثاني فكذلك، لأنه يلزم قيام العرض بنفسه في لحظة الانتقال، وإن كان الثالث لزم اجتماع الضدين وهو باطل. فيقول سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه يدل على حدوثها لاحتمال أن تكون قديمة وتتغير من عدم إلى وجود وعكسه، فنبطله بأن القديم لا ينعدم.(ج)\r(2) …يمكن أن يقال: إن الأعراض التي شاهدناها في العالم منها ما شاهدنا حدوثه، كتحرك الأشجار وغيرها، ومنها ما شاهدنا أنه دائما متحرك ولم نره ساكنا، مثل القمر والكواكب، ومنها ما شاهدنا أنه دائما ساكن ولم نر انه يتحرك مثل الجبال. فالقسم الأول حادث بالمشاهدة، والقسمان الآخران كل منهما حادث بالقياس على الأول، لأن الجامع بينهما هو الجسمية، أي إن كل ذلك أجسام وأجرام، والأجرام لها نفس الأحكام، فما جاز على بعضها يجب جوازه على الآخر، فلما جازت الحركة والسكون على بعضها علمنا بالقياس القطعي أنها جائزة على ما لم نشاهد تغيره من القسمين الآخرين، وإذا ثبت جوازها على القسم الغائب عن حواسنا، فيلزمه الحدوث.فافهم.(س)","part":1,"page":91},{"id":93,"text":"لو كانت الأعراض قديمة (هذه القضية ملزومةٌ)، لما تغيرت (وهذه لازم لها)، لاستحالة تغير القديم (وهذا بيان الملازمة)، لكن نفي تغير الأعراض محال (وهي الاستثنائية)، (بيانها) المشاهدة.\rواعلم أن الأصول التي يبنى عليها برهان حدوث العالم سبعة:\rالأول:إثبات زائد على الأجرام فهو العرض. الثاني:إبطال قيامه بنفسه.الثالث: إبطال انتقاله.الرابع:إبطال ظهوره وكمونه.الخامس:استحالة عدم القديم.السادس:إثبات كون الأجرام لا تنفك عن ذلك الزائد. السابع:استحالة حوادث لا أول لها(1).\rووجه الاستدلال على هذه الأصول السبعة باختصار أن تقول:\r__________\r(1) …وهو الأمر المسمى بتسلسل الحوادث في القدم، وحقيقته تتابع الأشياء واحدا بعد واحد إلى ما لا نهاية له في الزمان الماضي، كما لو فرض أن زيدا أحدثه عمرو وأن عمرا أحدثه خالد، وأن خالدا أحدثه بكر وهكذا إلى ما لانهاية له، فقد تتابعت المحدثون واحدا بعد واحد إلى ما لا نهاية له في الماضي، وإنما كان التسلسل باطلا، لأنه يلزم عليه وجود حوادث لا أول لها، وهو باطل، لأن كل حادث لوجوده أول، كما دلت على ذلك البراهين.(غ) بتصرف يسير.","part":1,"page":92},{"id":94,"text":"أما الأول: وهو إثبات زائد على الأجرام تتصف به كالحركة والسكون وغيرهما من الأعراض فهو ضروري لا يحتاج إلى دليل إذ ما من عاقل إلا وهو يحس أن في ذاته صفات زائدة عليها.وأما الثاني:وهو إبطال قيام العرض بنفسه والثالث: وهو إبطال انتقاله فدليلهما أنه لو قام العرض بنفسه أو انتقل لزم قلب حقيقة العرض فإن الحركة مثلا حقيقتها انتقال جوهر من حيز إلى حيز، ولو قامت بنفسها أو انتقلت هي لزم قلب هذه الحقيقة، أي تصير الحركة جوهرا وهذا باطل. وأما الرابع: وهو إبطال الكمون والظهور فلأن القول بالكمون والظهور يؤدي إلى الجمع بين الضدين في المحل الواحد. وأما الخامس: وهو إثبات استحالة عدم القديم فوجهه أنه لو انعدم لكان وجوده جائزا والجائز لا يكون وجوده إلا محدثا، فيكون هذه القديم محدثا وهذا تناقض. وأما السادس: وهو إثبات كون الأجرام لا تنفك عن ذلك الزائد فهو ضروري لأنه لا يعقل كون الجرم منفكا عن كونه متحركا أو ساكنا. وأما السابع: وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها، فأقرب الأدلة فيه أن يقال: إذا كان كل فرد من أفراد الحوادث حادثا في نفسه فعدم جميعها ثابت في الأزل، ثم لا يخلو إما أن يقارن ذلك العدمَ فردٌ من أفراد الحادث أو لا، فإن قارنه لزم اجتماع وجود الشيء وعدمه وذلك مستحيل بضرورة العقل، وإن لم يقارن ذلك العدمَ شيءٌ من الأفراد الحادث لزم لجميعها أول وخلو الأزل على هذا الفرض عن جميعها(1)\r__________\r(1) …أي مهما طرأ على ذهنك من حادث، فإنك تجزم أن له أولا، ومهما طرأ على ذهنك من حوادث سواء كان لعددها نهاية أو لم يكن لها نهاية، فالحكم العقلي القطعي ينص على أن كل واحد منها له أول، وبالتالي فيجب أن يكون لجميعها أول.واعلم أنه قد يتوهم إنسان أن هذا الكلام الذي ذكرناه هنا مبني على المصادرة على المطلوب، وهو في هذا واهم، لأننا لم نفعل شيئا أكثر من تحليل قول من قال إن الحوادث لا أول لها، فقلنا له لننظر في قولك هذا، فإن استقام، فهو جائز عقلا وإلا فغير جائز، فلنفرض أننا قلنا كل حادث فله أول، فإن الجميع يقطع أن هذا القول صحيح عقلا، وأيضا لو قلنا لو أن سلسلة متألفة من عدد محدود من الحوادث، موجودة لقطعنا أن لها أولا، فهذا القول أيضا صحيح، اتفاقا ولو قلنا إن عددا لا نهاية له من الحوادث تألف في سلسلة فإننا لأول وهلة لا نستطيع أن نقول إنه يجب أن يكون لهذه السلسلة أول، لأننا فرضناها لا متناهية، فامتناع أن يكون لها أول إنما جاء إذن من تنبهنا إلى ادعاء كونها لا نهاية لها، وما هذا إلا فرض ليس لهم عليه دليل، فهو ليس إلا ادعاءا. أما قولنا إن جميع هذه الحوادث سواء كان لها أول أولم يكن لها أول فيجب أن يكون لكل واحد منها بداية، فهذا القول، قاطع ومعقول. فإن كل حادث فيجب أن يكون له أول، وما يتألف من حوادث فعدم جميعها ثابت في الأزل، أي عدم كل واحد منها يجب أن يكون ثابتا في الأزل. وهذا القول ليس مجرد فرض بل هو مسلمة من الطرفين، وما دام عدم كل واحد منها يجب أن يكون ثابتا في الأزل، فلو فرضنا أن الأزل لم يخل من واحد منها، أي لو فرضنا أن واحدا وجد في الأزل، للزم أن يكون هذا الواحد مساوقا لعدمه ومجتمعا معه في الأزل، وهو تناقض، لأنه اجتماع وجود الشيء وعدمه. وقد يقال هنا إن الأزل ليس شيئا محددا لكي يفرض فيه حادث، بل الأزل عبارة عن عدم الابتداء،قلنا:عدم الابتداء عبارة عن وصف لشيء وليس أمرا قائما بنفسه، وأيضا فالحادث لا يمكن أن يقال فيه إنه وجد في أمر هو عدم الابتداء، للتناقض الحاصل بين عدم الابتداء وكون الحادث له بداية. أي إن الأزل ليس زمانا معينا وليس كذلك زمانا غير معين حتى يقال إن الحوادث أو الحادث وجد فيه، بل هو عبارة عن تعبير نعبر به عن كون الشيء ليس له بداية، ومجرد هذا التعبير يناقض مفهوم الحادث،لأنه ما له بداية.فافهم. وإذا عرفت أن الأزل ليس أمرا معينا ولا هو أمر غير معين، بل هو عبارة عن مفهوم نعبر به عن عدم البداية للشيء،فإنك سوف تدرك أن الأزل يناقض كلا من وجود سلسلة من الحوادث ممتدة إلى الأزل، ويناقض وجود حادث معين في الأزل.(س)","part":1,"page":93},{"id":95,"text":".\rبرهان وجوب القِدَم\rوبرهان وجوب القدم لله أنه لو لم يكن قديما لصار حادثا جائز الوجود، لأن الموجودات تنحصر في القديم والحادث فلا واسطة بينهما، وإذا كان حادثا فلا بد له من محدث أيضا لأنه لو فرض أنه مثله ثم كذلك، لزم الدور أو التسلسل، وهما محالان باطلان لأنه يلزم في الدور التقديم والتأخير في وقت واحد لكل منهما فإن كلا منهما فاعل للآخر ومفعول له، وكونه فاعلا يلزم أن يكون متقدما على مفعوله، وكونه مفعولا له يلزم أن يكون متأخرا عنه، وكون الشيء الواحد متقدما متأخرا في وقت واحد جمع بين النقيضين. ويلزم في التسلسل الفراغ وعدم النهاية لأن فرض التسلسل ترتيب أمور غير متناهية ودخولها في الوجود يقتضي أنها متناهية، لأن كل ما دخل في الوجود فهو متناه، فيلزم على القول بالتسلسل جمع بين النقيضين، والجمع بين النقيضين محال. فإذا بطل الدور والتسلسل بطل حدوث الإله، وإذا بطل الحدوث وجب القدم وهو المطلوب.\rملاحظة: الفرق بين الوجود الجائز والوجود الواجب، أن الوجود الجائز هو الذي سبقه العدم ويمكن لحوق العدم له، وأما الوجود الواجب فهو الذي لا يسبقه العدم ولا يمكن لحوق العدم له.\rبرهان وجوب البقاء\rوالبقاء عبارة عن نفي العدم اللاحق للوجود، فلو أمكن أن يطرأ عليه العدم لانتفى عنه القدم، والقدم قد وجب له بالبرهان القاطع، لأن وجوده حينذاك يصبح جائزا والجائز لا يكون وجوده إلا حادثا مسبوقا بالعدم، فإذا بطل نفي القدم بطل إمكان لحوق العدم وإذا بطل إمكان لحوق العدم وجب أن الإله باق وهو المطلوب.","part":1,"page":94},{"id":96,"text":"ملاحظة: وهي عبارة عن قاعدة جليلة وهي\"كل ما ثبت قدمه استحال عدمه\"(1) ولا قديم إلا الله تعالى.\rبرهان وجوب مخالفته تعالى للحوادث\rوالحوادث هي الموجودة بعد العدم أجراما كانت أو أعراضا أو غيرهما إن قدر أن في العالم ما ليس بجرم ولا عرض كالمجردات، والله مخالف لكل ذلك فكل ما سواه حادث كما في الحديث \"كان الله ولا شيء معه\"(2)\r__________\r(1) …اتفقت العقلاء على هذه القاعدة الكلية. وأُورِدَ عليها عدمنا الأزلي فإنه وجب قدمه ولم يستحل عدمه، وبعضهم منع الإيراد من أصله بأن عدمنا الأزلي يستحيل عدمه، لأنه لو عدم لوجدنا في الأزل، ووجودنا في الأزل محال لأنه لا يوجد فيه إلا الله وصفاته، وفيه أنه إنما يستحيل عدمه في الأزل لما ذكر وهذا لا ينافي أنه ينعدم بتناهي الأزل، فيصدق عليه أنه وجب قدمه ولم يستحل عدمه. فتأمل.(ج)بتصرف يسير، وقوله لا يوجد في الأزل إلا الله وصفاته، لو قال إلا الله تعالى لكان أحسن، لأن الصفات ليست غير الله تعالى.فقولك إلا الله شامل للذات والصفات. فتنبه.(س)\r(2) …رواه البخاري عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا بن الحصين فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها.\rورواه في موضع آخر عن عمران بلفظ: قال كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض. ورواه الطبراني في معجمه الكبير عنه أيضا بلفظ: كان الله ولم يكن غيره وكان عرشه على الماء. ورواه البيهقي بلفظ: كان الله ولم يكن شيء غيره وعرشه على الماء. ثم قال: والمراد به والله أعلم ثم خلق الماء وخلق العرش على الماء وخلق القلم وأمره فكتب في الذكر كل شيء. ورواه ابن حبان أيضا عنه بلفظ: قال كان الله وليس شيء غيره وكان عرشه على الماء. وفي رواية أخرى عنه بلفظ: كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض.\rوهذا الحديث خالف ابن تيمية رواياته العديدة الدالة على إثبات أن الله تعالى كان ولم يكن شيء غيره، وادعى أنه لا توجد دلالة على ذلك من الحديث، ورد جميع الألفاظ الواردة إلا \"كان الله ولم يكن شيء قبله\"، بحجج واهية، وذلك تحريفا منه للحديث ليمكنه القول بالقدم النوعي للعالم، وبناء مذهبه في التجسيم. وقد بينا تفصيل ذلك في تعليقنا على رد الإخميمي عليه وفي كتابنا \"الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية\".\rوروى الإمام أحمد في مسنده عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الناس يسألون حتى يقولوا كان الله قبل كل شيء فما كان قبله.\rوالمراد من ذلك أن السؤال عن بداية كل مخلوق سؤال صحيح، وله جواب لأنه يوجد لكل المخلوقات بداية، وأما السؤال عن بداية لوجود الله تعالى فهو سؤال باطل لأنه لا توجد له جل شأنه بداية. بل هو ثابت قبل كل شيء، وتأمل في هذه الرواية التي تنص على إبطال التسلسل في القدم وتدل عليه دلالة أكيدة، وقد قال ابن تيمية كما ذكرنا بعدم انقطاع سلسلة الحوادث في القِدَمِ، مخالفا في قوله ذلك جميع هذه الروايات والآيات الكثيرة التي تدل على أن الله تعالى أوجد الخلق كلهم وجعل لهم بداية، وعليه فيستحيل أن توجد سلسلة من المخلوقات لا بداية لها. وقد بنى ابن تيمية أغلب مذهبه على هذه القاعدة الباطلة.(س)","part":1,"page":95},{"id":97,"text":"فالله لو شابه بعضا من الحوادث لكان حادثا أي موجودا بعد العدم، لوجوب استواء المثلين في كل ما يجب وما يستحيل وما يجوز، لأن الحوادث وجب لها الحدوث واستحال عليها القدم وجاز لها الوجود والعدم، فلو ماثل الحوادث لوجب عليه الحدوث كما يجب لها(1). وحدوث الله محال عقلا لما تقدم من بيان وجوب قدمه تعالى وبقائه في برهان القدم والبقاء.\rودليل آخر أن نقول: لو ماثل الله شيئا من الحوادث لزم حدوثه لأجل مماثلته ولزم قدمه لأجل ألوهيته، وكون الشيء الواحد قديما حادثا محال للجمع بين النقيضين.\rبرهان وجوب قيام الله بنفسه\rوالقيام بالنفس معناه الغنى عن المحل والمخصص بالذات، فالقيام بالنفس هو الاستغناء بالذات عن المحل والمخصص، فالقيام بالنفس إذن مركب من جزأين: الاستغناء عن المحل والاستغناء عن المخصص. فأما برهان الجزء الأول فلأنه تعالى لو احتاج إلى محل أي ذات يحل فيها كما تحل الصفة في الموصوف، لكان صفة، والصفة معنى من المعاني، فلا يحتاج إلى محل إلا الصفات، والذات لا تحتاج إلى ذات تقوم بها لأن الذات لو قبلت أن تقوم بذات أخرى لزم أن الذات الأخرى تقوم بذات فيلزم التسلسل، لأن القبول وصف نفسي لكل ذات. والصفة لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية لأن الصفة لو قبلت أن تقوم بها صفة لكانت صفتها كذلك، فيلزم التسلسل ودخول ما لا نهاية له في الوجود.\r__________\r(1) …الحكم بوجوب الحدوث عند المماثلة تابع للقاعدة العقلية المسلمة من جميع العقلاء التي تنص على أن الأمثال لها نفس الأحكام. وهذه القاعدة أساس لكثير من العلوم والمعارف التي يعرفها البشر. فلا يجوز لأحد أن يناقضها، لكونها بديهية عند العقل.(س)","part":1,"page":96},{"id":98,"text":"ملاحظة: مفهوم المعاني والمعنوية أن الصفات تتصف بالصفات النفسية والسلبية بأن يقال علم الله موجود مثلا فهذه صفة نفسية وكذا غير العلم من صفات المعاني فوجود كل صفة منها نفسي لها ويقال في وصف الصفات السلبية قدرة الله قديمة وباقية الخ، وكذا يقال في علم الله وغيره من المعاني إلى آخره. وإنما وصفت الصفات بالنفسية لأنها عدمية لا وجود لها في الخارج وأما المعاني فإنها وجودية، والمعنوية ملازمة لها، فيلزم بها التسلسل ولذا فإن الصفة لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية. والله جل وعز يجب عقلا ونقلا اتصافه بصفات المعاني والمعنوية فليس هو إذن صفة. بل هو ذات لا تشبه الصفات. إذن هو سبحانه لا يحتاج إلى المحل وهو المطلوب.\rوبرهان الجزء الثاني وهو استغناؤه عن المخصص أنه لو احتاج إلى مخصص فاعل لكان حادثا، لأنه لا يحتاج إلى المخصص إلا الحادثُ، وأن يكون حادثا باطل، لما تقدم من قيام الدليل القاطع على وجوب قدمه تعالى وبقائه.\rبرهان وجوب الوحدانية لله\rالتوحيد على أقسام منها: توحيد الألوهية وتوحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات. وتوحيد الألوهية مرجعه إلى أن الله هو الإله وحده، أي هو المتفرد بوصف الألوهية الذي يرجع كل ممكن لاحتياجه إليه، وتوحيد الذات مرجعه إلى أن الله هو الفاعل وحده، وتوحيد الصفات مرجعه إلى أن الله هو الحي وحده، وتوحيد الذات مرجعه إلى أن الله هو الموجود على الحقية(1).\r__________\r(1) …المقصود من الوجود على الحقية هنا أي أن الله تعالى هو الموجود الذي لا يستمد وجوده من غيره، وأما كل ما سواه فإنهم يستمدون وجودهم من إيجاده تعالى لهم. فصار كأن وجودهم غير حقيقي لأنه ليس بالذات بل بالغير، ووجود الله تعالى هو الحقيقي لأنه بالذات. وهكذا معنى أنه الحي وحده، فافهم ولا تتوهم منه وحدة الوجود.(س)","part":1,"page":97},{"id":99,"text":"والدليل على الوحدانية أن نقول: لو لم يكن واحدا في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله لزم أن لا يوجد شيء من العالم أجراما كانت أو أعراضا للزوم عجزه حينئذ.\rوبيان الدليل كما يلي:\rلو كان معه مماثل في الألوهية للزم عجزهما سواء اتفقا أو اختلفا أو اقتسما، فكل من هذه الأقسام، إما أن يكون اضطراريا أو اختياريا، فإن كان اضطراريا لزم قهرهما وعجزهما فينتفي العالم، ونفي العالم محال. وإن اتفقا اختيارا فيتعرض لهما جوهر فرد فإن أوجداه معا لزم انقسام ما لا ينقسم(1) وهو محال، لأن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام، وإن أوجد أحدهما عين ما أوجده الآخر لزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإن أوجده أحدهما وعجز الآخر، فالآخر ليس بإله لأنه عجز والإله ليس بعاجز، والذي قدر على فعله أيضا ليس بإله لأن الفرض أنه مثل للآخر، ومثل العاجز عاجز. وإن عجز الاثنان فهما ليسا بإلهين، وإذا لزم عجزهما عن إيجاد هذا الجوهر لزم عجزهما عن سائر الممكنات لأنه لا فرق بين ممكن وممكن. وإن اختلفا بأن يريد أحدهما حركة جسم في زمان واحد ويريد الآخر سكونه في ذلك الزمان بعينه، فلا يصح أن يحصل مرادهما لما فيه من الجمع بين الضدين ولا يصح عدم مرادهما لما فيه من ارتفاع الضدين مع قبول الجسم لهما، ولا يصح أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر لأن عجز أحدهما دليل على عجز الآخر لأنه مثله، وإن اقتسما اختيارا لزم عجز كل واحد منهما مما عند صاحبه لأن شرط الإله يجب أن تكون قدرته عامة التعلق بجميع\r__________\r(1) …لزوم انقسام ما لا ينقسم هنا مرجعه إلى أنه قد فرض فاعلان كل منهما متفرد بإنتاج الأثر، فلو فرض أنهما أوجدا الجوهر الفرد معا، فإن هذا لا يتصور مع استحضار عدم انقسام الجوهر الفرد إلا بإيجاد الموجود أي تحصيل الحاصل وهو محال، وأما من غير انتباه إلى ذلك، فإن الذهن يفرض مباشرة أن كل واحد منهما أوجد قسما من الجوهر الفرد، الذي فرضناه أولا لا ينقسم، فيلزم انقسام ما لا ينقسم.(س)","part":1,"page":98},{"id":100,"text":"الممكنات. ومن هذا البرهان تعلم أن الإله واحد. وهو برهان قاطع في ذلك.\rملاحظة: من برهان الوحدانية يلزم أنه لا تأثير للعباد بقدرتهم الحادثة لا مباشرة ولا تولدا، بل لهم كسب فقط فهو مقارنة القدرة الحادثة للمقدور من غير تأثير.\rملاحظة: المذاهب في ثبوت القدرة الحادثة ثلاثة أقسام مذهب أهل السنة: وجودها مقارنة للفعل بلا تأثير. والثاني مذهب المعتزلة: وجودها وإنها مؤثرة في الأفعال الاختيارية. والثالث: مذهب الجبرية عدم وجودها أصلا. والصحيح مذهب أهل السنة والمذهبان الأخيران باطلان ومذهب المعتزلة مخالف لدليل العقل والنقل، لأن دليل العقل دل على أنه لا خالق إلا الله تعالى، كما في برهان الوحدانية. وأما النقل فقد قال الله تعالى(الله خالق كل شيء)الزمر:62. ومذهب الجبرية باطل بالضرورة للفرق الواضح بين حركتي المرتعش والمختار. والحاصل أن قدرة العبد وفعله مخلوقان لله فمن خلق له قدرة حادثة واختيارا كلفه؛ حتى وإن كان لا تأثير له فلا يسأل عما يفعل.\rقال صاحب إضاءة الدجنة\rوقدرة للعبد وغير ذلك……فالكل خلق للقدير المالك\rنعم له كسب به يكلف……شرعا ولا تأثير منه يعرف\rوالكسب مقارنة القدرة الحادثة للفعل بلا تأثير، وكذلك لا تأثير للأسباب العادية فلا أثر للنار في الإحراق ولا للماء في الري ولا للجدار في ظل ولا للثوب في الستر ولا للسكين في القطع ولا لغير ذلك من الأسباب والحوادث إذ لا فاعل إلا الله وحده.\rبرهان وجوب اتصافه تعالى\rبالقدرة والإرادة والعلم والحياة","part":1,"page":99},{"id":101,"text":"لو انتفى شيء من صفات المعاني الأربعة والمعنوية الأربعة وكذلك لو انتفى مطلب من مطالبها لما وجد شيء من الحوادث لاستحالة وجود المتوقِّف بدون المتوقَّف عليه، إذ وجود العالم متوقف على اتصاف الفاعل بهذه الصفات فلو انتفت القدرة لزم العجز، والعاجز لا يوجد شيئا من الحوادث ولو انتفت الإرادة لانتفى التخصص فلا يوجد شيء من الحوادث ولو انتفى العلم لانتفت الحوادث لاستحالة القصد للشيء المجهول ولو انتفت الحياة لانتفت هذه الصفات فلا يوجد شيء من الحوادث. ونفي الحوادث محال ودليل هذا المشاهدة، فإذا بطل نفي الحوادث بطل انتفاء شيء من هذه الصفات ووجب أن الإله متصف بهذه الصفات وهو المطلوب.\rبرهان وجوب\rالسمع والبصر والكلام","part":1,"page":100},{"id":102,"text":"والدليل على ثبوت هذه الصفات، الكتاب والسنة والعقل، فأما الكتاب والسنة(1) فقد مر ذكر دليل عليها منهما، وأما العقل فلأنه تعالى لو لم يتصف بهذه الصفات لزم أن يتصف بأضدادها التي هي الصمم والعمى والبكم، وهذه الأضداد هي نقائص لا تجوز نسبتها إلى المولى العظيم فالنقص عليه محال، بمعنى أنه ممتنع عقلا ونقلا، فلو لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها لأن المحل القابل للوصف لا يخلو عن الاتصاف به أو بمثله أو بضده، لكن اتصافه بأضدادها محال لأنها نقائص(2)\r__________\r(1) …إن قلت إن الكتاب والسنة والإجماع إنما دلت على أنه تعالى سميع بصير متكلم، لا على أنه متصف بصفات هي السمع والبصر والكلام كما هو قول أهل السنة. فالجواب: إن أهل اللغة لا يفهمون من سميع وبصير ومتكلم إلا ذاتا متصفة بالسمع والبصر والكلام، لأن من لم يقم به وصف لا يشتق له منه اسم، فلا يقال قائم إلا لمن اتصف بالقيام ولا قاعد إلا لمن اتصف بالقعود، وهكذا، فاستدلال أهل السنة بالكتاب والسنة والإجماع إنما يعنون به الاستدلال بها مع اعتبار ما فهمه أهل اللغة لا الاستدلال بها وحدها.(غ) بتصرف يسير.\r(2) …حاصل هذا الدليل كما يلي: هذه الأضداد نقائص، والنقص عليه تعالى محال عقلا ونقلا كما مر،ينتج أن هذه الأضداد مستحيلة عليه تعالى.إذن ما دام الاتصاف بأضداد هذه الصفات مستحيلا، يلزم وجوب اتصافه تعالى بها، أي بالسمع والبصر والكلام.قال البيجوري:وقد تقدم ضعف ذلك بأنه لا يلزم من كونها نقائص في الشاهد أن تكون نقائص في الغائب.أهـ، أي إننا مع تسليمنا بأن النقص مستحيل على الله تعالى عقلا ونقلا، إلا أننا لا نسلم أن عدم اتصافه تعالى بالسمع والبصر والكلام يلزم منه النقص عقلا، لأن العقل يستعيض عن السمع والبصر بالعلم، وعن الكلام بالقدرة والإرادة. ولقائل أن يقول سلمنا أن العقل يمكنه الاستغناء عن السمع والبصر بالعلم، لكن لا نسلم الاستغناء عن الكلام مطلقا بالقدرة والإرادة، لأن الذي يلزم الاستغناء عنه بذلك إنما هو الكلام الذي بحرف وصوت، أما الكلام النفسي فكيف يتم بيان الاستغناء عنه؟! وهو قوي والله أعلم.(س)","part":1,"page":101},{"id":103,"text":"والنقص عليه تعالى محال لأنه يلزم عليه احتياجه إلى من يدفع عنه النقص، والاحتياج ينافي الاستغناء، ونفي الاستغناء عنه تعالى محال.\rملاحظة: اعلم أن الدليل النقلي في السمع والبصر والكلام أقوى من العقلي (1).\rبرهان القسم الثاني\rوهو المستحيلات في حق الله\rإن براهين الواجبات هي نفسها تستلزم البرهان على المستحيلات في حق الله تعالى، لأنه لا يثبت الواجب إلا بنفي المستحيل، فإنه يستحيل مثلا أن يكون الله عالما وغير عالم، لأنه لو جاز لجاز اجتماع النقيضين وهذا باطل. إذن إما أن يكون عالما أو جاهلا، ولا قسم آخر، فلما أثبتنا كونه عالما بطل أن يكون جاهلا. وهكذا القول في باقي الصفات.\rبرهان جواز فعل الممكنات وتركها\rلو وجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات عقلا أو استحال عقلا لانقلب الممكن الذي صح في العقل وجوده وعدمه واجبا لا يتصور في العقل عدمه، فلو وجب عليه بعض الممكنات عقلا لزم أن تنقلب كلها واجبة أو استحال بعضها عقلا لزم أن تنقلب كلها مستحيلة وذلك باطل لا يتصور في العقل وجوده لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين لأنه بالنظر لكونه ممكنا يقبل الوجود والعدم وبالنظر لكونه واجبا لا يقبل إلا الوجود فقط، وبالنظر لكونه مستحيلا لا يقبل إلا العدم فقط، وكون الشيء الواحد يقبل الأمرين ولا يقبل إلا واحدا تناقض وهو باطل.\rملاحظة: إذا وجب عليه البعض وجب الكل، وإذا استحال البعض استحال الكل لأنه لا فرق بين ممكن وممكن. لأنه ما ثبت للأمر ثبت لمثيله.\r__________\r(1) …راجع ما ذكرناه سابقا بخصوص الدليل العقلي على هذه الصفات الثلاثة وبيان جهة ضعفه.(س) وحاصله أن كون أضداد تلك الصفات نقائص إنما هو بالنسبة إلى المخلوق، ولا يلزم من كون الشيء نقصا في حق المخلوق كونه كذلك بالنسبة للخالق جل وعلا، فإن عدم الولد مثلا نقص في حق المخلوق دون الخالق سبحانه ولأجل مثل هذا الاعتراض لم يكتف في هذه الصفات بالدليل العقلي وإنما يذكر تبعا للنقلي.(ط)","part":1,"page":102},{"id":104,"text":"وحاصل الدليل أنه إذا بطل انقلاب الممكن واجبا أو مستحيلا بطل وجوب البعض أو استحالته وإذا بطل وجوب البعض أو استحالته وجب أن الممكنات جائزة وهو المطلوب.\rإذن فجميع الممكنات لا يجب منها على الله فعل شيء ولا تركه لا شرعا ولا عقلا.ودليل النقل على جواز فعل الممكنات أو تركها من الكتاب قوله تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار)القصص:68، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم \"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن\"(1).\rوبهذا نكون قد انتهينا من بيان ما يجب على المسلم معرفته مما يتعلق بالذات الإلهية، ونشرع بعون الله فيما يلي في بيان ما يتعلق بالرسل من أحكام.\rالرسل عليهم الصلاة والسلام\r__________\r(1) …مرَّ تخريجه، انظر ص(50).","part":1,"page":103},{"id":105,"text":"الرسول (1)هو إنسان حرُّ ذكر بالغ فطن أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه للعباد سواء كان له كتاب أم لا.\r__________\r(1) …قال الإمام عبد القاهر البغدادي: والفرق بينهما-أي بين النبي والرسول- أن النبي من أتاه الوحي من الله عز وجل ونزل عليه الملك بالوحي. والرسول من يأتي بشرع على الابتداء أو بنسخ بعض أحكام شريعة قبله.أهـ، ومال الإمام التفتازاني كما في شرح المقاصد إلى الترادف بين معنى النبي والرسول، فقال: النبي إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحى إليه، وكذا الرسول.أهـ وعلى هذا مشى الإمام السنوسي في أم البراهين. وقال الملا أحمد الجندي في حاشيته على شرح العقائد :لكنه خلاف ما عليه الجمهور، وما اختاره القاضي البيضاوي في تفسير قوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي )الآية، حيث قال الرسول من بعثه الله بشريعة متجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعثه إلى الخلق لتقرير شرع سابق. وقيل الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه والنبي غير الرسول من لا كتاب له. وقيل الرسول من يأتيه الملك بالوحي والنبي يقال لمن يوحى إليه في المنام.أهـ كلام القاضي قال الملا أحمد ولم يتعرض للمساواة.أهـ كلامه، ففهم أن قوله أن اختيار السعد خلاف الجمهور من حيث القول بالمساواة. ولاحظ أن جميع هذه الأقوال التي نقلت عن أهل السنة لم يلاحظ في واحد منها أن النبي غير مأمور بالتبليغ، بل بعضها مصرح بأنه يبلغ وبعضها كالمصرح في ذلك،ولكنه لاحظ جهة نبوته في التعريف. فلهذا رجحنا أن كون النبي مأمور بالتبليغ ولو من حيث كونه مأمورا باتباع رسول قبله محل اتفاق بينهم، وحملنا نحن معنى التعريف الذي أوردناه أعلاه، على أن النبي غير مأمور بتبليغ الأحكام الإلهية الخاصة التي يعرفه الله تعالى بها، كما تراه في الحاشية التالية، وليس المراد من التعريف أن النبي غير مأمور بالتبليغ مطلقا، لكونه مأمورا باتباع رسول قبله.فتأمل.(س)","part":1,"page":104},{"id":106,"text":"فخرج الملائكة والجن فإن الله تعالى لم يرسل إلينا ملكا ولا جنيا، وخرج العبد لأن الرسول لا يكون إلا حرا، وخرج الأنثى والخنثى والصبي، وخرج الأبله والبليد والمتنبئ وهو من يدعي النبوة وهو كذاب، وخرج أيضا من هذا التعريف النبي لأنه قال\"أمره بتبليغه\" فالنبي هو إنسان حر بالغ فطن أوحى الله إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه للخلق(1)\r__________\r(1) …وأما النبي فهو إنسان أوحى إليه بشرع أمر بتبليغه أم لا.فالنبي أعم من الرسول مطلقا، هذا هو المعتمد،ومقابله قولان: الأول أنا لرسول إنسان أوحي إليه بشرع وكان له كتاب، فلا بد في الرسول من الكتاب والشريعة ولا يلزم من كونه له كتاب أن يكون له شريعة لاحتمال أن يكون ما في الكتاب مواعظ، واعترض هذا القول بأن الكتب قليلة والرسل كثيرة فكيف يشترط في الرسول أن يكون له كتاب. والقول الثاني يقول لا بد في الرسول من أحد أمرين إما أن يكون له كتاب وإما أن تكون شريعته ناسخة لشريعة من قبله، فإذا نزلت التوراة على موسى وأوحي إلى نبي من بني إسرائيل مثلا بتبليغ أحكامها ولم ينزل عليه كتاب ولم تكن شريعته ناسخة لشريعة موسى فلا يكون رسولا.انتهى من حاشية العلامة المحقق الدسوقي على شرح أم البراهين للسنوسي. وهي من أعظم الحواشي وأكثرها فوائد. وقد قال الإمام الحليمي في المنهاج في معنى النبوة والفرق بين النبي والرسول: \"إن النبوة اسم مشتق من النبأ وهو الخبر، إلا أن المراد به في هذا الموضع خبر خاص وهو الذي يلزم الله عز وجل به أحدا من عباده فيميزه بإلقائه إليه عن غيره، ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد، فتكون النبوة على هذا :الخبر والمعرفة بالمخبرات الموصوفة التي ذكرتها، والنبي هو المخبر بها. فإن انضاف إلى هذا التوفيق أمر تبليغه إلى الناس ودعائهم إليه،كان نبيا رسولا. وإن ألقي إليه ليعمل به في خاصته ولم يؤمر بتبليغه والدعاء إليه كان نبيا ولم يكن رسولا، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا\".أهـ. (س)","part":1,"page":105},{"id":107,"text":"، فالرسول أخص من النبي والنبي أعم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، فبعض النبي رسول وبعض النبي ليس برسول إذا لم يؤمر بالتبليغ(1)\r__________\r(1) …في الحقيقة لا بد هنا من أن نوضح زيادة توضيح الفرق بين النبوة والرسالة، ونوجه قول علمائنا الذين مشوا على هذا التعريف، خلافا لمن تسرَّع وجزم بغلطهم في هذا التعريف، أي في تعريف النبي والرسول، وأوحى إلى القراء أن قولهم ليس بمستند إلى حجة مطلقا بل هو في غايته مبالغة في التقليد وخطأ محض ومخالفة لصريح القرآن؟! مع أنه ليس من شأن أهل السنة الجزم بالأمر ما دام فيه بعض الاحتمال! ولو أن هذا الاعتراض صدر من قبل المخالفين من المجسمة لما استدعى هذا أن نفصل في المسألة هنا، ولكن صدر هذا القول ممن ينتسب إلى أهل السنة، فاقتضى العجب. وسوف نذكر كلاما مختصرا هنا لأنه لا يليق التفصيل، نبين ونوجه فيه التعريف المذكور أعلاه، وللتفصيل محل آخر. فنقول وبالله التوفيق:\rسنبين فيما يلي كيف فهم العلماء تدرج سيدنا محمد في مراتب النبوة والرسالة، ليتبين للقارئ الكريم ما الذي يريدونه بالفرق بين النبي والرسول.ومن جهل هذا التدرج سهل عليه مخالفتهم في تفريقهم.\rلما جد الأمر في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ودنا وقتها، حبب إليه الله تعالى الخلاء بعد أربعين سنة من عمره حين تكامل نهاه واشتد قواه ليكون مهيأ لما قدر له ومتأهبا لما أريد به، فكان يتخلى في غار بحراء في ذوات العدد من الليالي وقيل شهرا في السنة، على عادة كانت لقريش في التبرر بالمجاورة بحراء، ويعود إلى أهله إلى أن استدام الخلاء في الغار لما أراده الله تعالى، فكان يؤتى بطعامه وشرابه فيأكل منه ويطعم المساكين برهة من زمانه وهو غافل عن النبوة، وإن كان أمرها في الناس موهوما، وعند أهل الكتب معلوما،ليكون ابتكار البديهة بها مانعا من التصنع فلا ينسب إلى اختراعه ولو تصنع واخترع لظهرت أسبابهما ونمت شواهدهما ولم يخف على من عاداه أن يتداوله، وعلى من والاه أن يتأوله، وحسبك بهذا وضوحا أن يكون بعيدا من التهمة سيما من الظنة فيهما، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلوته إلى أن أظهر الله تعالى أمارات نبوته فأيقظه بها من الغفلة وبشره بها بعد المهلة، ثم بعثه بها رسولا بعد البشرى، على تدريج وترتيب في أحواله ليتوطأ لتحمل أثقالها ويعلم لوازم حقوقها حتى لا تفجأه بغتة فيذهل، ولا تخفى عليه حقوقها فينكل، فكان ذلك من الله تعالى لطفا به وإنعاما عليه وداعيا لأمته إلى الانقياد إليه، فسبحانه من لطيف بعباده ومنعم على خلقه.\rوالذي تدرجت إليه أحواله في النبوة حتى علم أنه نبي مبعوث ورسول مبلغ، ترتب تدريجا على ستة أحوال فيهن إلى منزلة بعد منزلة حتى بلغ غايتها.\rفالمنزلة الأولى:الرؤيا الصادقة في منامه بما سيؤول إليه أمره.\rوالمنزلة الثانية: ما ميز به صلى الله عليه وسلم عن سائر الخلق من تقديسه عن الأرجاس وتطهيره عن الأدناس ليصفو ويخلص فيستخلص فيكون ذلك إنذارا بالأمر وتنبيها على العاقبة.\rوالمنزلة الثالثة: البشرى بالنبوة من ملك أخبر بها عن ربه اختصت بشراه بالإشعار وتجردت عن تكليف وإنذار لم يسمع بها وحيا، ولا رأى معها شخصا وإنما كان إحساسا بالملك اقترن بآية دلت وأمارة ظهرت اكتفى بها عن مشاهدته، واستغنى بها عن نطقه ليعلم أنه من أنبياء الله فيتأهب لوحيه ويعان بإمهاله فيكون على البلوى أصبر وللنعمة أشكر.\rوالمنزلة الرابعة: أن نزل عليه جبريل بوحي ربه حتى رأى شخصه وسمع مناجاته فأخبره أنه نبي الله ورسوله، واقتصر به على الإخبار ولم يأمره بالإنذار، ليعلمها بعد البشرى عيانا ويقطع بها يقينا فتكون نفسه بها أوثق وعلمه بها أصدق، فلا يعترضه وهم ولا يخالطه ريب.وهذا لما نزل عليه جبريل في غار حراء وقال له اقرأ. وكان ما نزل به جبريل عليه السلام في هذه الحال مقصورا على إخباره بالنبوة ليعلم أن الله تعالى قد اصطفاه، فينقطع إليه ويقف نفسه على ما يأمر به، وينزل عليه، فيكون لأوامره متبعا، ولما يراد به متوقعا، وأذن له في ذكره وإن لم يأذن له في إنذاره لقوله تعالى(وأما بنعمة ربك فحدث) أي بما جاءك من النبوة، فكان يذكرها مستبشرا صلى الله عليه وسلم.\rوالمنزلة الخامسة: أن أُمر بعد النبوة بالإنذار فصار به رسولا ونزل عليه القرآن بالأمر والنهي، فصار به مبعوثا ولم يؤمر بالجهر وعموم الإنذار، ليختص بمن أمنه ويشتد بمن أجابه، فنزل عليه قوله تعالى(يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر) فتمت نبوته بالوحي والإنذار وإن كان على استسرار.\rوالمنزلة السادسة: أن أمر بأن يعم بالإنذار بعد خصوصه ويجهر بالدعاء إلى الإسلام بعد استسراره، فأنزل عليه تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن الجاهلين).قال ابن إسحاق: وذلك بعد ثلاث سنين من مبعثه صلى الله عليه وسلم.\rهذا حاصل ما ذكره العلامة النبهاني في كتابه حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين.\rونقل العلامة القسطلاني في المواهب اللدنية عن الإمام النووي قوله: أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فض الله من قيام ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمسة ليلة الإسراء بمكة.\rثم قال: ثم فتر الوحي فترة شق عليه وأحزنه. وفترة الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السلام من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود. وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما جزم به ابن إسحاق.\rثم قال القسطلاني: فقد تبين أن نبوته صلى الله عليه وسلم كانت متقدمة على إرساله،…،فكان في نزول سورة (اقرأ) نبوته، وفي نزول المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعا متأخر عن الأول، لأنه لما كانت سورة اقرأ متضمنة لذكر أطوار الآدمي من الخلق والتعليم والإفهام، ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعي، وهو أن يذكر سبحانه وتعالى ما أسداه إلى نبيه عليه السلام من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك في معرض تعريف عباده بما أسداه إليهم من نعمة البيان الفهمي والنطقي والخطي، ثم يأمره سبحانه وتعالى بأن يقوم فينذر عباده.انتهى كلام القسطلاني.\rفتأمل كيف ينص العلماء على أن سيدنا محمدا كان نبيا عند مجرد نزول الوحي عليه، ثم صار رسولا، بأمره بالنذارة. فهكذا فهم العلماء الفرق بين النبوة والرسالة.وبعثة سيدنا محمد عليه السلام مثال صادق لصحة فهمهم. وبناءا على هذا تستقيم القاعدة التي ذكروها بأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، أما عند من قال بأن النبي هو إنسان أمره الله بشرع من قبله، وأمره بتبليغه، فبناءا عليه لا يكون كل رسول نبيا، لأنه ليس كل رسول أرسل إليه شرع جديد، أمر باتباع شرع من قبله.\rوالأقرب أن نقول: إننا إن قلنا إن معنى التعريف المشهور والذي ذكرناه في المتن، أن النبي قد لا يؤمر بالتبليغ فعلا، فهذا التعريف يكون ضعيفا، لأن كل إنسان فهو مأمور بالتبليغ، وذلك على الأقل بتبليغ رسالة الرسول الذي قبله كما أن كل مؤمن فإنه يجب عليه التبليغ، فكيف لا يكون النبي مأمورا بالتبليغ، هذا خلف. أما إن قلنا إن معناه إن معنى النبوة إنما يلتفت إلى كون النبي مبَلَّغا عن ربه بأمور، بغض النظر أُمِرَ بالتبليغ أو لم يؤمر، فهذا المعنى قوي، وهو ظاهر كلام العز بن عبد السلام في آخر قواعده الكبرى، وحاصله أن النبي اسم للإنسان الذي أوحي إليه بأمور من عند ربه، وأما الرسول فهو بالإضافة إلى ذلك أمر بالتبليغ إلى الناس. فالرسالة متصورة عند ذاك ومفهومها منفصل عقلا عن مفهوم النبوة، مع أنها في الواقع لا تنفصل.أي لا يمكن أن يوجد رسول ليس نبيا، فالرسول حاز المرتبتين، وأما النبي فحائز على مرتبة واحدة فقط. ومن هذا قال العز إن مرتبة النبوة أفضل من مرتبة الرسالة لاتصالها بالله من طرفيها واتصال الرسالة بالله تعالى من طرف واحد فقط، ولم يقل إن النبي أفضل من الرسول، لأن الرسول بالإضافة إلى كونه نبيا فهو رسول أيضا، ونحن نقطع أن من حاز فضيلتين أفضل ممن حاز فضيلة واحدة.ومنه فلا وجه للتشنيع عليه. فتأمل.\rوما كان مرادنا في هذا العجالة إلا بيان وجه سائغ وتخريج معقول للتعريف المشهور. والمسألة تحتاج إلى زيادة تفصيل وتحرير، خصوصا أن ظاهر كلام الأصل قد يُفْهِمُ بأنه يمكن أن يوجد نبي غير مأمور بالتبليغ مطلقا. ثم هذا لا يصح إلا إذا قيل إن المعلومات التي يوحي بها الله إلى النبي إنما تتعلق بذاته تعالى وبأسمائه ليزداد معرفة به تعالى، ومثل هذه المعلومات لا داعي للأمر بتبليغها إلى عامة الناس لأنه يكفيهم في إصلاح أمورهم ما سمعوه من رسلهم، وهذه المعلومات الموحى بها لا يطلع عليها إلا بعض الخاصة، ولهذا قلنا إن بعض ما أوحاه الله تعالى للرسول لم يأمره بتبليغه كالأسرار الإلهية وغيرها، فعلى هذا يستقيم كلامهم، ولا يقدح هذا المعنى في كون هذا الرسول مأمورا بالتبليغ من جهة كونه مأمورا باتباع رسول قبله. على أنهم قد صرحوا أن النبي يجب عليه أن يخبر الناس بنبوته ليحترم، وليعرف الناس مقدار فضل الله تعالى على البشر، فيزدادوا توقيرا له وخشوعا. وهذا نوع من التبليغ.فتأمل فيما قلته لك.(س)","part":1,"page":106},{"id":108,"text":".\rملاحظة: ليس كل ما علمه الرسول يبلغه، فإن هناك أمورا يعلمها الرسول ولا يبلغها(1)، ولكن كل ما أمر الرسول بتبليغه فإنه يبلغه، وذلك لأن الأقسام ثلاثة: قسم أمروا بتبليغه وقسم أمروا بكتمانه وقسم خيروا فيه.\rالواجب(2) في حق الرسل عليهم السلام\r-الصدق(3) في دعواهم للرسالة وفيما يبلغونه عن الله تعالى، وحقيقة الصدق مطابقة الخبر لما في نفس الأمر وافق الاعتقاد أو لا.\r-الأمانة: وهي حفظ جوارحهم الظاهرة والباطنة من الوقوع في محرم أو مكروه(4).\r__________\r(1) …خصوصا في الأسرار الإلهية والأمور الأخروية.(س)\r(2) …المراد بالوجوب هنا عدم الانفكاك ولو بالدليل الشرعي، لأن وجوب الأمانة والتبليغ بدليل شرعي وأما وجوب الصدق فبدليل عقلي على أن دلالة المعجزة عقلية، أو وضعي بناء على أن دلالتها وضعية لأنها منزَّلة منزِلَة قوله تعالى صدق عبدي فيما يقول، ودلالته وضعية وهذا ظاهر كلام السنوسي، والصحيح أنه عادي بناء على أن دلالتها عادية، أي مستندة للعادة الجارية بأن تلك معجزة علامة على الصدق.(ج)بتصرف يسير.\r(3) …اعلم أن الصدق ثلاثة أقسام:الصدق في دعوى الرسالة والصدق في الأحكام التي يبلغونها عن الله تعالى، والصدق في الكلام المتعلق بأمور الدنيا كقام زيد وقعد عمرو وأكلت كذا أو شربت كذا ونحو ذلك، والمراد هنا القسمان الأولان، لأن البرهان المذكور فيما يأتي إنما يدل عليهما، وأما القسم الثالث فهو داخل في الأمانة. فإن قيل كل من القسمين الأولين داخل أيضا في الأمانة بل التبليغ أيضا داخل فيها فلا وجه في لإفراد ذلك عنها، أجيب بأنه قد تقدم أن خطر الجهل في هذا الفن عظيم فلا يكتفى فيه بالإجمال(ج) بتصرف يسير.\r(4) …وعرفها بعضهم بعدم خيانتهم بفعل محرم أو مكروه، وقال بعضهم هي ملكة راسخة في النفس تمنع صاحبها من ارتكاب المنهيات وعلى كل فهي ترجع إلى العصمة التي عبر بها بعضهم.(ج)بتصرف يسير.","part":1,"page":107},{"id":109,"text":"-تبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق(1).\r- الفطانة والذكاء.\rالمستحيل في حق الرسل عليهم السلام\rيستحيل في حقهم عليهم الصلاة والسلام أضداد الصفات الواجبة وهي كما يلي\r-الكذب: وحقيقة الكذب عدم مطابقة الخبر لما في نفس الأمر سواء وافق الاعتقاد أم لا.\r-الخيانة :بفعل شيء مما نهوا عنه نهي تحريم كالزنا وشرب الخمر، أو كراهة كقراءة القرآن في الركوع والسجود مثلا.\rوأما وقوع المكروه منهم عليهم الصلاة والسلام في بعض الأوقات للتشريع فجائز، وإنما المكروه المستحيل عليهم هو الذي لم يقع بقصد التشريع فإنه لا يقع منهم.\r__________\r(1) …الأقسام ثلاثة، الأول ما أمروا بتبليغه، والثاني ما أمروا بكتمانه، والثالث ما خيروا فيه.فالأول هو الواجب عليهم أن يبلغوه ويجب علينا الاعتقاد بأنهم قد بلغوه، والثاني يجب عليهم كتمانه، ويجب علينا الاعتقاد بأنهم قد كتموه والثالث خيروا فيه فيخبرون به من شاؤوا.(س)","part":1,"page":108},{"id":110,"text":"فالأمانة واجبة لهم والخيانة مستحيلة عليهم، فهم معصومون من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها فلا يقع منهم محرم ولا مكروه لا عمدا ولا سهوا(1) من حين فطرتهم إلى حين انتقالهم إلى دار الكرامة(2).\rملاحظة: جاء في الحديث \"كل خلة يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب\"(3)\r-كتمان شيء مما أمروا بتبليغه للخلق المبعوثين إليهم، فهذا مستحيل في حقهم ولا يقع منهم عمدا ولا سهوا(4)\r__________\r(1) …المراد بالكراهة هنا ما يشمل خلاف الأولى ولا يرد على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بال قائما وتوضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين لأنه بال للتشريع ولبيان الجواز،وذلك واجب في حقه صلى الله عليه وسلم.فعلم مما تقرر أنه لا يقع منهم عليهم الصلاة والسلام محرم ولا مكروه على وجه كونه مكروها وكذا لا يقع منهم مباح على وجه كونه مباحا بل على وجه كونه قربة أو للتشريع أو للتقوي على العبادات أو نحو ذلك، فأفعالهم دائرة بين الواجب والمندوب فقط، كيف وقد يتفق ذلك لبعض أوليائه فبالأولى أن يكون لصفوة الله من خلقه.(ج)\r(2) …واعلم أنه لا فرق بين الصغيرة والكبيرة فلا تقع منهم صغيرة ولا كبيرة ولو سهوا قبل البعثة وبعدها، لا يقال ما كان سهوا أو قبل البعثة ليس بمعصية، لأنا نقول هو صورة المعصية، وما ورد مما يوهم وقوع ذلك منهم يجب تأويله.(ج)\r(3) …رواه القضاعي في مسند الشهاب عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبع المؤمن على كل خلة خلا الخيانة والكذب. ورواه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل خلة يطبع أو يطوى المؤمن إلا الخيانة والكذب.(س)\r(4) …السهو في التبليغ مستحيل، وأما في غيره فجائز فقد سها عليه الصلاة والسلام في الصلاة لكن باشتغال قلبه بالتعظيم لله وإلى هذا المعنى أشار بعضهم\rيا سائلي عن رسول الله كيف سها …والسهو من كل قلب غافل لاهي\rقد غاب عن كل شيء سره فسها …عما سوى الله فالتعظيم لله (ج)","part":1,"page":109},{"id":111,"text":".\rملاحظة:قال القاضي عياض في الشفاء : وكذا يستحيل عليهم الجنون والجذام والبرص، وما كان لسيدنا أيوب ليس بجذام.\r- البلاهة والغباء مستحيلان عليهم صلوات الله تعالى عليهم أجمعين.\rالجائز في حق الرسل عليهم السلام\rيجوز عقلا وشرعا عليهم الصلاة والسلام ما هو من الأعراض أي الصفات الحادثة المتجددة، بعكس الصفات القديمة التي هي صفات الله فلا يصح أن يتصف بها غيره لأن الحادث لا يتصف بصفات القديم. وتجوز على الرسل الصفات البشرية التي لا تؤدي إلى نقص ودناءة في مراتبهم العلية عند الله، كالمرض الخفيف كالحمى والصداع وغير ذلك وأما الأمراض المزمنة كالعقاد والجذام والبرص الذي تعافه الأنفس والجنون قليله وكثيره والعمى والعور وداء الفرج كالجب والاعتراض والخصاء والعنة فلا يجوز في حقهم. ومثل المرض الخفيف أيضا يجوز كالنوم وكذلك الجرح والقتل وإذاية الخلق لهم بالقول والفعل، والموتُ والنكاح والطلاق والبيع والشراء والجوع والعطش والسهو في الصلاة فإن هذا كله جائز. وكل ما وجب للرسل واجب للأنبياء الذين لم يرسلوا للتبليغ للخلق فإنهم لم يؤمروا به، لكن يجب على النبي أن يخبر الناس أنه نبي ليحترمه الناس.\rملاحظة: النصارى وصفوا النبي عيسى عليه السلام بصفات الله فزعموا أنه صفة العلم القديمة قائمة بجسد عيسى عليه السلام وجعلوه لذلك إلها على خبط لهم عظيم لا يفوه به عاقل.\rملاحظة:اليهود وصفوا الأنبياء بالأمور التي لا تليق بهم، فالنصارى أفرطوا فرفعوا عيسى فوق حقه إلى قولهم إنه ابن الله واليهود فرطوا.\rملاحظة: ما ذكر عن النبي شعيب صلى الله عليه وسلم أنه كان ضريرا لم يثبت كما ذكره المحققون وأما يعقوب عليه السلام فحصلت له غشاوة ولم تمنعه النظر ثم زالت عنه، وأما بلاء أيوب صلى الله عليه وسلم فلم تعفه النفس ولم يستقر به بل صار بدنه بعد الشفاء أجمل منه قبل.","part":1,"page":110},{"id":112,"text":"ملاحظة: الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم(1)\r__________\r(1) …رواه البخاري في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان قالت ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربع ركعات فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا فقلت يا رسول الله تنام قبل أن توتر قال تنام عيني ولا ينام قلبي.\rورواه البخاري أيضا عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في مسجد الحرام فقال أولهم أيهم هو فقال أوسطهم هو خيرهم وقال آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك فلم يرهم حتى جاؤوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبي صلى الله عليه وسلم نائمة عيناه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فتولاه جبريل ثم عرج به إلى السماء.\rوروى النسائي في سننه الكبرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا القاسم نسألك عن أشياء فإن أجبتنا فيها اتبعناك وصدقناك وآمنا بك قال فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا الله على ما نقول وكيل قال أخبرنا عن علامة النبي صلى الله عليه وسلم قال تنام عيناه ولا ينام قلبه…الخ.\rورواه عنه أيضا الطبراني في المعجم الكبير.\rوروى البيهقي في سننه الكبرى عن عائشة في حديث ذكره في صلاة الليل قالت فقلت يا رسول الله تنام قبل أن توتر فقال يا عائشة أن عيني تنامان ولا ينام قلبي.قال:رواه البخاري في الصحيح عن القعنبي ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك وروينا عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على أنه صلى الله عليه وسلم كان تنام عيناه ولا ينام قلبه قال أنس بن مالك وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.\rوروى الحاكم في مستدركه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.(س)","part":1,"page":111},{"id":113,"text":"إما غالبا أو دائما وهذا صححه الإمام النووي.\rالشروع في البراهين\rوبعد بيان ما يتعلق بالرسل عليهم الصلاة والسلام، نأتي إلى بيان البراهين على ما تقدم.\rبرهان وجوب صدقهم عليهم السلام\rلو انتفى عنهم الصدق وثبت لهم الكذب لزم الكذب في كلامه تعالى لهم بالمعجزة(1) المنزلة في الدلالة في صدق الرسل منزلة قوله جل وعز \"صدق عبدي مدعي الرسالة في كل ما يبلغ عني\"، فالمعجزة تنزل في الدلالة على صدق الرسل منزلة بالتصديق بالكلام وتساوي الكلام في المعنى. فلو لم يصدق الرسل للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة، لكن الكذب في خبره تعالى محال، لأن خبره على وفق علمه، والخبر على وفق العلم لا يكون إلا صدقا، وإذا بطل الكذب في خبره تعالى بطل الكذب في خبر الرسل، وإذا بطل الكذب في خبر الرسل وجب صدق الرسل وهو المطلوب.\r__________\r(1) …المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوى النبوة أو الرسالة، مأخوذة من الإعجاز لإعجازها للغير عن معارضتها أي الإتيان بمثلها وتكون قولا كالقرآن وفعلا كنبع الماء من بين أصابع نبينا صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر له، وغير قول ولا فعل كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكيفما كانت المعجزة فهي دالة على تصديق الله تعالى لمن ظهرت على يده،لأنها نازلة منزلة خبر صادر من الله وهو قوله \"صدق عبدي في كل ما يبلغ عني، فلو لم يكن الرسل صادقين للزم الكذب في خبره تعالى الذي نزلت المعجزة منزلته، والكذب في خبره تعالى محال.(غ)بتصرف","part":1,"page":112},{"id":114,"text":"والدليل على إثبات الصدق للرسل من جهة النقل الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى في حق نبينا (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)النجم:3،4، وقوله تعالى (ليسأل الصادقين عن صدقهم)الأحزاب:8، وقوله تعالى(وصدق الله ورسوله)الأحزاب:22. والسنة قوله صلى الله عليه وسلم\"لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا\"(1). وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على وجوب صدق الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rملاحظة : حقيقة المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة.\r__________\r(1) …رواه البخاري قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم أن محمد بن جبير قال أخبرني جبير بن مطعم أنه بينما يسير هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال أعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا.\rورواه الطبراني في المعجم الأوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيه: \"لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا\".وفي الكبير عن محمد بن جبير بن مطعم بلفظ:\" لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا\".وكذا رواه ابن حبان عنه. ورواه الإمام مالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب أيضا.وغيرهم.(س)","part":1,"page":113},{"id":115,"text":"ملاحظة:الكرامة(1) هي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا مقدمة لها. وهي للأولياء، فالمقرون بدعوى النبوة معجزة، والمقدمة لها إرهاص فإنه للأنبياء سابق على دعوى النبوة كتظليل الغمام له صلى الله عليه وسلم. وإعانة وهي ما تقع لبعض عوام المؤمنين الذين لم يصلوا لمرتبة الولاية تخليصا لهم من المحن والمهالك. واستدراج وهو ما يقع لبعض الكفرة والفسقة مطابقة لمرادهم. وإهانة وهي ما تقع للفساق والكفرة أيضا مخالفة لمرادهم كما وقع لمسيلمة الكذاب أنه بزق في بئر ليزداد حلاوة فصار ملحا أجاجا. وابتلاء وهو ما يحصل على يد من يريد إضلال الخلق كالدجال مثلا. وأما السحر والشعبذة فليسا من الخوارق لأن لهما أسبابا تتعلم. وهذه الخوارق لا تأثير للعباد فيها وإنما الفاعل هو الله وحده.\rبرهان وجوب الأمانة للرسل عليهم السلام\rلو خانوا بفعل محرم أو مكروه لانقلب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم.\r__________\r(1) …نفى أبو عبدالله الحليمي من أهل السنة، والمعتزلة وقوع الكرامات، قالوا لو وجدت الكرامات لالتبست بمعجزات الأنبياء فيلتبس النبي بغيره،ولو وجدت واستمرت لكثرت وخرجت عن كونها خارقة للعادة.(ص) والجمهور من أهل السنة على جواز الكرامة ووقوعها في حياة الولي وبعد موته، ومن قال بنفيها لا يلتفت إليه.(غ)","part":1,"page":114},{"id":116,"text":"لأن الله قد أمرنا معشر العباد بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم(1)\r__________\r(1) …وتقريراتهم وسكوتهم على الفعل إذ لا يقرون على خطأ،ويستثنى من ذلك ما ثبتت خصوصيته بهم كنكاح ما زاد على الأربع. ويعلم من ذلك أنه ليس للمكلف منا أن يتوقف في فعل شيء مما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، لاحتمال الخصوصية، بل يتبعه في جميع أقواله وأفعاله إلا ما ثبت أنه من خصوصياته لإطلاق قوله تعالى(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) وقد أجمعت الصحابة على اتباعه عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله من غير توقف، لكن هذا بالنظر للغالب وإلا فقد وقع منهم التوقف في غزوة الفتح حيث أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفطر في رمضان فاستمروا على الامتناع، فتناول القدح وشرب فشربوا، وفي غزوة الحديبية حيث أمرهم صلى الله عليه وسلم بالنحر والحلق فلم يفعلوا لاستغراقهم في التفكر فيما وقع من المشقة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قدم هو وأصحابه معتمرين، ونزرول بأقصى الحديبية فمنعهم المشركون من دخول مكة فأرسل صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان بكتاب لأشراف مكة يعلمهم بأنه إنما قدم معتمرا لا مقاتلا، فصمموا على أن لا يدخل مكة هذا العام ثم رمى رجل من أحد الفريقين على الفريق الآخر فكانت بينهم معركة بالنبل والحجارة، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم وأمسكوا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأشاع إبليس أنهم قتلوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لا نبرح حتى نناجزهم الحرب، ودعا الناس عند الشجرة للبيعة على الموت أو على أن لا يفروا فبايعوه على ذلك، فلما سمع الكفار بالمبايعة نزل بهم الخوف وأرسلوا رجلا منهم يعتذر بأن القتال لم يقع إلا من سفهائهم، وطلب أن يرسل من أسر منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم:إني غير مرسل حتى ترسلوا أصحابي، فقال ذلك الرجل:أنصفتنا. فبعث إليهم فأرسلوا عثمان وجماعة من المسلمين، ووقع الصلح بينه صلى الله عليه وسلم وبين ذلك الرجل على شرط أن يوضع الحرب بينهم عشر سنين، وأن يؤمن بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم ويأتي معتمرا في العام القابل،وأن يرد إليهم من جاء منهم مسلما، وأن لا يردوا إليه من جاء إليهم ممن تبعهم، وكتب لهم علي بن أبي طالب بذلك كتابا، فكره المسلمون هذه الشروط،وقالوا:يا رسول الله إنا نرد ولا يردون، قال:نعم أما من ذهب منا إليهم فأبعده الله تعالى، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا، ثم قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا واحلقوا، قال الراوي فوالله ما قام منهم أحد حتى قال ذلك ثلاثا. فلما لم يفعلوا دخل على أم سلمة وقال: هلك المسلمون أمرتهم أن يحلقوا وأن ينحروا فلم يفعلوا، فقالت : يا رسول الله لا تلمهم فإنه شق عليهم هذا الصلح، اخرج ولا تكلم أحدا حتى تفعل ذلك، فخرج فنحر بيده ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا كما في البخاري.(ج)","part":1,"page":115},{"id":117,"text":"، قال تعالى في حق نبينا(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)آل عمران:31، وقال تعالى (واتبعوه لعلكم تهتدون)الأعراف:158، وقال صلى الله عليه وسلم\"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين\"(1). والله تعالى لا يأمر بمحرم ولا مكروه لقوله تعالى (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)الأعراف:28، وانقلاب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم محال لأنه جمع بين النقيضين، فإذا بطل انقلاب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم بطل صدور الخيانة منهم، وإذا بطل صدور الخيانة منهم وجب لهم الأمانة وهو المطلوب.\rبرهان وجوب كونهم قد بلغوا\rما أمروا بتبليغه\r__________\r(1) …رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ.\rقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وقد روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا حدثنا بذلك الحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا حدثنا أبو عاصم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه والعرباض بن سارية يكنى أبا نجيح وقد روي هذا الحديث عن حجر بن حجر عن عرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.\rوهذا الحديث عن العرباض الذي أشار إليه الترمذي رواه الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الكبير، وابن ماجه في سننه، والبيهقي في سننه الكبرى، والدارمي في سننه.(س)","part":1,"page":116},{"id":118,"text":"وهو يجري على نفس طريق البرهان السابق، وبيانه: لو كتموا لانقلب الكتمان الذي هو محرم طاعة في حقهم لأن الله قد أمرنا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم ولا يأمر الله بمحرم ولا مكروه، وإذا بطل انقلاب كتمان طاعة في حقهم بطل كتمان الرسل وإذا بطل كتمان الرسول وجب التبليغ، وهو المطلوب. والدليل على وجوب التبليغ من النقل الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد قال الله تعالى(اليوم أكملت لكم دينكم)المائدة:3، وقال تعالى(قد تبين الرشد من الغي)البقرة:256، وقال تعالى(فتول عنهم فما أنت بملوم)الذاريات:54، والسنة قوله صلى الله عليه وسلم \"ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع\"(1). وقد أجمع السلف على أن الأنبياء لم يكتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لا عمدا ولا نسيانا.\r__________\r(1) …رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن سيرين قال أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال أتدرون أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس يوم النحر قلنا بلى قال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال أليس ذو الحجة قلنا بلى قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليست بالبلدة الحرام قلنا بلى قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.\rورواه أيضا عن ابن عمر، والنسائي في الكبرى عنه،والحاكم في المستدرك عن ابن عمر، والطبراني في الكبير، وهذه العبارة مشهورة في كتب السنن.(س)","part":1,"page":117},{"id":119,"text":"برهان وجوب الفطانة والذكاء لهم عليهم السلام\rالفطانة هي حدة العقل، ولا يجوز أن يكون الرسول مغفلا أو بليدا أو أبلها، لأنهم قد أرسلوا لإقامة الحجة وإبطال شبه المجادلين ولا يكون ذلك من مغفل ولا أبله ولا بليد. ولأننا مأمورون بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم والمقتدى به لا يكون بليدا. ولأن البلادة صفة نقص تخل بمنصبهم الشريف.\rبرهان جواز الأعراض البشرية على الرسل عليهم السلام\rوالأعراض الجائزة هي التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية. ودليل جوازها هو وقوعها بهم. فمن كان في عصرهم رآها، ومن لم يكن في عصرهم فقد ورده الخبر المتواتر بهذا الأمر. والحاصل أن الأعراض البشرية شوهد وقوعها بهم تارة وعدم وقوعها بهم تارة أخرى وما كان بهذا السبيل فهو الجائز. فإذا بطل نفي وقوع الأعراض البشرية بهم بطل عدم جوازها وإذا بطل عدم جوازها وجب أن تكون الأعراض جائزة في حقهم وهو المطلوب.","part":1,"page":118},{"id":120,"text":"وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، قال تعالى (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)الفرقان:7، وقال تعالى(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)الفرقان:20. وأما السنة فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم أكل وشرب ونام وتزوج وطلق وباع واشترى، وكذا غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال صلى الله عليه وسلم\" أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني\"(1) وقد أجمعت الأمة على ذلك.\rفوائد وقوع الأعراض بهم عليهم السلام\r__________\r(1) …رواه الإمام البخاري في صحيحه عن حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.\rورواه النسائي في الكبرى وفي المجتبى عنه كذلك، وعبد بن حميد في المنتخب،والبيهقي في الكبرى،وابن حبان،وأحمد في المسند.(س)","part":1,"page":119},{"id":121,"text":"تعظيم الأجور: أي تكثير الثواب باعتبار ما يطرأ على ظواهرهم من الآفات والتغيرات والآلام وتجرع كأس الحمام.فقد مرض صلى الله عليه وسلك واشتكى وأصابه الحر والبرد والجوع والعطش وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم من ذلك. فكل هذه الأعراض تقع ويصبرون عليها، فهم أشد الناس بلاء. قال صلى الله عليه وسلم:\"إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر\"(1)\r__________\r(1) …رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات عن أبي سعيد الخدري قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو محموم فوضعت يدي فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر قلت يا رسول الله فأي الناس أشد بلاء قال الأنبياء قلت ثم من قال ثم الصالحون إن كان ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة فيجوبها ويلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء.\rورواه الحاكم في المستدرك عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو محموم فوضعت يدي من فوق القطيفة فوجدت حرارة الحمى فقلت ما أشد حماك يا رسول الله قال إنا كذلك معشر الأنبياء يضاعف علينا الوجع ليضاعف لنا الأجر قال فقلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء قلت ثم من قال ثم الصالحون إن كان الرجل ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء فيحويها ويلبسها وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.(س)\rقال الإمام القشيري: ليس كل أحد أهلا للبلاء إذ البلاء للأولياء، وأما الأجانب فيتجاوز عنهم ويخلي سبيلهم، وروي أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يتزوج بامرأة فقيل له:إنها لم تمرض فأعرض عنها، وحكي أن عمار بن ياسر تزوج امرأة لم تمرض فطلقها.(ج) واعلم أن عروض هذه المشاق للأنبياء والأولياء يناسب وظيفتهم التي كلفهم الله تعالى بها، وقاموا هم بحقها، فإن هذه الأمور لا بد أن تلاقي المناكدة من عامة الناس.مما يترتب على الصبر على ذلك عظيم الثواب وهكذا شأن كل من تصدى للقيام بهذه الوظيفة، فإنها عظيمة الخطر بالغة التأثير وما كان هذا شأنه فلا بد أن يوجد من يعارضه يقاوم الداعي إليه، فتنبه.(س)","part":1,"page":120},{"id":122,"text":". وهذه الأعراض حظها منهم الظاهر وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك. وقد حفظت من النوم الذي هو أدنى فما بالك بغيره.\rالتشريع :أي التعليم للغير كما عرفنا أحكام الصلاة من السهو الواقع له عليه الصلاة والسلام، وعرفنا كيف تؤدى الصلاة في المرض من فعله عليه الصلاة والسلام.\rالتسلي: أي التصبر ووجود الراحة واللذة عن الدنيا عند فقدها لأجل كونهم أكرم الخلق على الله أصابتهم الشدائد وكان من دونهم من باقي البشر أحرى. فإذا أصابت باقي البشر تسلى هؤلاء بالرسل عن الدنيا.\rالتنبيه لخِسَّة قدر الدنيا عند الله، فإن العاقل إذا نظر في ما واجهه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في هذه الدنيا تبين لهم قطعا أن الدنيا خسيسة القدر عند الله إذ لو كان لها بال لأعطاها السادة الكرام ومنعها الفجار اللئام(1)، وإن الله لم يرض الدنيا دار جزاء لأوليائه بسبب اعتبار أحوال الرسل من الضيق والشدائد.\r__________\r(1) …قال النبي صلى الله عليه وسلم:\"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء\". وقال صلى الله عليه وسلم خطابا لابن عمر والمراد ما يعمه وغيره:\"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل\". زاد الترمذي وعد نفسك من أهل القبور\".(ج) والحديث الأول أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح. والثاني أخرجه البخاري وزاد أحمد وابن ماجه والترمذي \"وعد نفسك من أهل القبور\".(س)","part":1,"page":121},{"id":123,"text":"ملاحظة:اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الدنيا(1) زاهدا فيها وكذلك الأنبياء، وقد راودته الجبال أن تكون ذهبا فأبى. فلا يقال إنه صلى الله عليه وسلم فقير ولا مسكين ومن قال ذلك يقتل. وكذلك الأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام.\rملاحظة: حقيقة التواتر خبر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة ولا يكون خبر التواتر إلا عن محسوس لا عن معقول.\rباب في كيفية اندراج معاني العقائد المتقدمة في الشهادتين\rأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله\rوهذا الباب من استوعبه حصل لديه الفهم بعقائد الإيمان تفصيلا وإجمالا.\rقول لا إله إلا الله محمد رسول الله يجمع معاني هذه العقائد المتقدمة كلها، فمعنى هذا القول هو الجامع لمعنى العقائد،ولا بد من فهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، لأن من لم يفهم معناها لم ينتفع بها، والمراد بمعناها اعتقاد الوحدانية لله واعتقاد الرسالة لرسوله بأن يعتقد أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.\r__________\r(1) …اعلم أن الذم الوارد في الدنيا إنما هو في الدنيا الشاغلة عن الله تعالى وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم:\"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه\" أي من التسبيح والتحميد والتهليل، أما الدنيا التي لم تشغل المؤمن فلا ذم فيها بل هي محمودة يحمل عليها قوله صلى الله عليه وسلم:نعم الدنيا مطية المؤمن بها يصل إلى الخير وبها ينجو من الشرور. وبذلك يعلم أنها ليست محمودة لذاتها ولا مذمومو لذاته.(ج) وحديث الدنيا ملعونة..الخ أخرجه ابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن وتمامه \"وعالم ومتعلم\".(س)","part":1,"page":122},{"id":124,"text":"ويلزم من كلمة التوحيد ثبوت معنى الألوهية لله وحده ونفيه عن كل ما عداه، والمنفي كل فرد من أفراد حقيقة إله، غير مولانا جل وعز، والمثبت من تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا عز وجل،فلا يمكن أن توجد تلك الحقيقة لغيره لا عقلا ولا شرعا(1) لأنه دل النقل والعقل أن الإله الحق هو الله وحده الواجب الوجود، المستحق جميع العبادة وعبادة غيره باطلة وكفر. وها نحن نذكر كيفية جمع الكلمة لجميع العقائد.\rمعنى الألوهية(2)\r__________\r(1) …يجب على المكلف أن يلاحظ عدم إمكان ثبوت معنى الألوهية لغير الله تعالى، لا مجرد ثبوته له تعالى.(س)\r(2) …لما كان الإمام السنوسي قد اختار المعنى المذكور أعلاه للألوهية، اعترض عليه البعض بأن معنى الألوهية المشهور هو كون الإله معبودا بحق، ويلزم من ذلك استغناؤه عن كل ما سواه، وإذا كان معنى الإله ما ذكر كان معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، ويلزم من ذلك أنه لا مستغني عن كل ما سواه إلا الله، فالمصنف اختار التفسير باللازم لأن اندراج معاني العقائد المذكورة فيها أظهر منه في المعنى المطابقي، وبذلك يندفع ما ادعاه بعض الفرق الضالة من أن المصنف لم يعرف معنى الكلمة وإلا لما فسرها بما ذكر.(س) عن البيجوري بتصرف.\rواعلم أن معنى الألوهية مطابقة ليس هو كما ذكره البيجوري فيما نقلناه عنه آنفا، بل كما ذكرناه في التهذيب أعلاه، من أن معناها مطابقة هو وجوب الوجود، لأن الله تعالى إله حتى قبل أن يعبده أحد من خلقه، فكونه معبودا بحق أو غير ذلك، هذا المعنى لازم لكونه واجبا للوجود وما يلزم عن هذا المعنى من احتياج كل أحد إليه تعالى، ولما يلزم منه أن كل ما سواه فهو ممكن الوجود. وعلى هذا المعنى يكون تفسير كلمة التوحيد \"لا واجب للوجود إلا الله تعالى\"، وهذا المعنى يلزم عنه جميع العقائد لزوما بينا.(س)","part":1,"page":123},{"id":125,"text":"استغناء الإله عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه.وهذا معنى الألوهية استلزاما ولا شك أن الاستغناء والافتقار يستلزمان جميع العقائد كما يأتي بيانه.\rوأما معنى الألوهية مطابقة فهو عبارة عن وجوب الوجود واستحقاق العبادة(1).\rومعنى الإله كلي انحصر بالأدلة النقلية والعقلية في فرد واحد ولا شك أن هذا المعنى خاص بالله تعالى. فيكون لا إله إلا الله لا مستغني عن كل ما سواه ومفتقرا إليه كل ما عداه إلا الله تعالى، أو هو لا إله \"واجب الوجود\" ومستحق للعبادة إلا الله تعالى إذ هو الإله الواجب الوجود المستحق للعبادة.\rأما العقائد التي تندرج تحت الاستغناء فهي غناه الذاتي الأبدي جل وعز عن كل ما سواه فاستغناؤه يوجب له تعالى الوجود لأنه لو كان جائز الوجود لافتقر إلى محدث والافتقار ينافي الاستغناء. ونفي الاستغناء عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا قال الله تعالى (والله هو الغني الحميد)فاطر:15، وأما العقل فهو برهان القيام بالنفس.\rملاحظة: معنى جل هو تنزه عن كل نقص، ومعنى عزَّ هو انفرد بكل كمال.\rواستغناؤه تعالى يوجب له القدم، أي انتفاء العدم السابق للوجود لأنه لو لم يكن قديما لكان حادثا، ولو كان حادثا لافتقر إلى محدث، وينتفي عنه الغنى، ونفي الغنى عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.\rواستغناؤه يوجب له تعالى البقاء وهو عبارة عن انتفاء العدم اللاحق للوجود لأنه لو أمكن أن يلحقه العدم لكان جائز الوجود والجائز لا يكون وجوده إلا حادثا، فيفتقر إلى محدث وينتفي عنه الغنى، ونفي الغنى عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.\r__________\r(1) …لا حظ أن استحقاق العبادة إنما يكون لازما عن كونه تعالى واجب الوجود، فكونه واجب الوجود هو الأصل، وكونه مستحقا للعبادة هو الفرع.(س)","part":1,"page":124},{"id":126,"text":"واستغناؤه يوجب له تعالى المخالفة للحوادث أي عدم المماثلة للحوادث في الذات والصفات والأفعال، لأنه لو ماثل شيئا منهما لكان حادثا مثلها فيفتقر إلى محدث والافتقار ينافي الاستغناء ونفي الاستغناء عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.\rواستغناؤه يوجب له تعالى القيام بالنفس الذي هو الاستغناء عن المحل والمخصص لأنه لو افتقر إلى محل أو مخصص لم يكن غنيا ونفي الغنى عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا. لا يقال القيام بالنفس هو الاستغناء، فكيف يستدل على الشيء بنفسه؟ لأنا نقول القيام بالنفس خاص بالاستغناء عن المحل والمخصص فقط، والاستغناء عن كل ما سواه أعم، والاستدلال بالأعم على الأخص صحيح.\rواستغناؤه يوجب له تعالى التنزه عن النقائص وهي الخصال الدنيئة، لأنه لو لم يكن منزها عنها،لاتصف بها، فيحتاج إلى من يدفع عنه النقائص، والاحتياج ينافي الاستغناء ونفي الاستغناء عن الله محال لثبوته له عقلا ونقلا. ويدخل في وجوب التنزه عن النقائص وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام، ووجوب كونه سميعا وبصيرا ومتكلما لأن وجود المعاني يستلزم وجود المعنوية.","part":1,"page":125},{"id":127,"text":"لاحظ أن ما يندرج من الصفات الواجبة تحت الاستغناء إحدى عشرة صفة، واحدة نفسية وهي الوجود، وأربعة سلبية وهي القدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس، وثلاثة معاني وهي السمع والبصر والكلام، وثلاثة معنوية وهي كونه سميعا وبصيرا ومتكلما، وإذا ثبتت هذه الصفات انتفت أضدادها وهي إحدى عشرة أيضا، إذ لو لم تجب له هذه الصفات الإحدى عشرة وانتفت أضدادها لكان محتاجا إلى المحدث وهذا استدلال على وجوب الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث وأحد جزأي معنى القيام بالنفس الذي هو الاستغناء عن المخصص يعني لو انتفت هذه الصفات لكان محتاجا إلى المحدث، واحتياجه تعالى محال لثبوت الغنى له تعالى عقلا ونقلا. أو لكان محتاجا إلى المحل وهذا استدلال على وجوب الجزء الثاني من معنى القيام بالنفس وهو الاستغناء عن المحل، فلو لم يكن مستغنيا عن المحل لكان محتاجا له والاحتياج ينافي الاستغناء، ونفي الاستغناء عنه تعالى محال، لوجوبه عقلا ونقلا. أو لكان محتاجا إلى من يدفع عنه النقائص، وهذا استدلال على وجوب التنزه عن النقائص ومن جملة النقائص أضداد السمع والبصر والكلام، لأنه لو لم يكن منزها عن النقائص لكان محتاجا إلى من يدفع عنه النقائص والاحتياج ينافي الاستغناء ونفي الاستغناء عن الله تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا.","part":1,"page":126},{"id":128,"text":"ويؤخذ من وجوب استغنائه جل وعز عن كل ما سواه تنزهه تعالى عن الأغراض في أفعاله وأحكامه والأغراض جمع غرض وهي البواعث لمراعاة المصالح ودفع المفاسد(1) وأفعال الله نحو الإيجاد والإعدام والإعزاز والإفقار والإحياء والإماتة، وأحكامه هي الأحكام الشرعية الخمسة، وإن جاز عدم تنزهه عن الأغراض في أفعاله وأحكامه لزم افتقاره إلى ما يحصل غرضه، لأننا نشاهد أن كل من له غرض في شيء يحتاج إلى ما يحصل به غرضه لكن افتقاره تعالى إلى ذلك ينافي الاستغناء، والاستغناء ثبت له تعالى عقلا ونقلا، كيف يتصور افتقاره وهو جل وعز الغني عن كل ما سواه.\rويؤخذ من استغنائه تعالى أنه لا يجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات إيجادا وإعداما(2) ولا تركه أي عدم فعله. إذ لو وجب عليه تعالى فعل شيء منها كالثواب والصلاح والأصلح وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام لكان جل وعز مفتقرا إلى ذلك الشيء ليكتمل به، إذ لا يجب في حقه تعالى إلا ما هو كمال له لكن احتياجه محال، كيف وهو الغني عن كل ما سواه، وإذا بطل وجوب شيء عليه وجب أن فعل الممكنات أو تركها وجائز في حقه تعالى وهو المطلوب.\r__________\r(1) …سواء فرضت المصلحة لله تعالى وتنزه، أو فرضت للمخلوقات، فوجود الباعث على ذلك مستحيل في حق الله. وإنما مصلحة العباد تنشأ عن أمره تعالى ونهيه.(س)\r(2) …شأن الواجب أن يحصل الكمال بفعله، كالصلوات الخمس فإنها واجبة على الإنسان فإذا فعلها صار متكملا بها فهو مفتقر إليها.(ط) ومن هذا تعلم لماذا نفى أهل السنة أن يكون ثم واجب على الله تعالى.(س)","part":1,"page":127},{"id":129,"text":"وما مر كان عبارة عن بيان ما يندرج من العقائد تحت الاستغناء، وأما افتقار كل ما سواه إليه فهو يوجب له تعالى عقلا الحياة أي كونه حيا، إذ لو لم يتصف بالحياة لما افتقر إليه شيء لأن الميت لا يوجد شيئا ولا يفتقر إليه شيء، ونفي الافتقار إليه تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا، أما النقل فقوله تعالى(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله)فاطر:15، وأما العقل فبرهان الوحدانية لأنه دل على أنه لا إله غيره.\rوافتقار كل ما سواه إليه يوجب له تعالى عموم تعلق القدرة وعموم تعلقها بجميع الممكنات فلو لم تكن له قدرة عامة التعلق لاتصف بالعجز ولو كان عاجزا لما افتقر إليه كل ما سواه.\rوافتقار كل ما سواه إليه يوجب له الإرادة وعموم تعلقها بجميع الممكنات إذ لو لم تكن له إرادة عامة التعلق لاتصف بالكراهة ولو كان كارها لما افتقر إليه شيء ونفي الافتقار إليه تعالى لثبوته عقلا ونقلا.\rوافتقار كل ما سواه إليه يوجب له تعالى العلم وعموم تعلقه بجميع المعلومات،لأنه لو اتصف بالجهل لما افتقر إليه شيء ونفي الافتقار إليه تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا. وثبوت هذه الصفات يستلزم المعنوية وهي كونه قادرا وكونه مريدا وكونه عالما.\rولو انتفى شيء من هذه الصفات أو مطلب من مطالبها وأحرى لو انتفى جميعها لما أمكن أن يوجد شيء من الحوادث، والعلة في ذلك استحالة وجود المتوقِّف بدون المتوقَّف عليه، فلا يفتقر إليه شيء، لأن علة الافتقار الإمكان والحدوث فلو انتفى شيء منها لما افتقر إليه شيء، كيف يتصور نفي الافتقار إليه تعالى وهو عز وجل يفتقر إليه كل ما سواه ابتداء بالإيجاد ودواما بالإمداد.","part":1,"page":128},{"id":130,"text":"وافتقار كل ما سواه إليه جل وعلا يوجب له تعالى الوحدانية في الألوهية إذ لو كان معه ثان في الألوهية لما افتقر إليه شيء للزوم عجزهما حينئذ أي حين فرض وجودهما معا ويثبت العجز لهما سواء اتفقا أو اختلفا أو اقتسما، لكن كونه لا يفتقر إليه شيء باطل لما سبق من وجوب افتقار كل ما سواه إليه، كيف وهو جل وعلا الذي يفتقر إليه كل ما سواه ابتداء ودواما.\rويؤخذ من افتقار كل ما سواه إليه حدوث العالم بأسره، إذ لو كان شيء منه قديما لكان ذلك الشيء واجب الوجود ويكون مستغنيا عنه تعالى لوجوده وحصوله وتحصيل الحاصل محال، إذ كونه تعالى لا يقبل العدم سابقا ولا لاحقا دليل على عدم افتقاره إلى مخصص، فيكون غنيا عنه تعالى، وهذا محال،لأنه لو استغنى البعض لاستغنى الكل للتماثل وغنى كل الممكنات عنه تعالى محال، لوجوب افتقار كل ما سواه إليه، كيف يتصور عقلا غنى شيء عنه تعالى وهو جل وعلا الذي يجب عقلا أن يحتاج إليه كل ما سواه بدليل العقل والنقل.\rملاحظة: اعلم أن من قال بقدم شيء من العالم أو ببقائه -أي بالذات- أو شك في ذلك كان كافرا بالإجماع.\rويؤخذ من افتقار كل ما سواه إليه جل وعلا أنه لا تأثير لإيجاد ولا إعدام لشيء من الكائنات في أثر ما ولو قلَّ(1)\r__________\r(1) …الناس في هذه المسألة وهي مسألة التأثير أربعة فرق:\rالأولى:تعتقد أن النار أو السكين مثلا تؤثر بطبعها وذاتها وهذه الفرقة لا نزاع في كفرها.\rوالثانية: تعتقد أن النار أو السكين مثلا تؤثر بقوة جعلها الله فيها، وهذه الفرقة اختلف في كفرها والأصح عدم الكفر كما قيل في المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة أودعها الله فيه.\rالثالثة: تعتقد أن التأثير ليس إلا لله تعالى لكن تعتقد التلازم بين النار أو السكين مثلا وبين آثارها عقليا، وهذه الفرقة ليست كافرة لكن ربما جرها ذلك الاعتقاد إلى الكفر، لأنه قد يؤديها إلى إنكار الأمور الخارقة للعادة كمعجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكبعث الأجساد.\rوالرابعة :تعتقد أن التأثير ليس إلا لله تعالى، وتعتقد إمكان التخلف بين النار أو السكين مثلا وبين آثارها، وهذه الفرقة هي الناجية إن شاء الله تعالى.\rفالاعتقاد الصحيح أن لا تأثير لشيء من هذه الأمور مع إمكان التخلف، فقد توجد النار ولا يوجد الإحراق كما وقع لسيدنا إبراهيم حين رمي بالمنجنيق وحفظه الله تعالى منها، وفد نزل له جبريل في تلك الحالة، وقال: ألك حاجة قال أما لك فلا، فأمره بالدعاء لله تعالى، فقال : علمه بحالي يغني عن سؤالي، وهذا إنما كان عند غلبة الحقيقة عليه، فلا ينافي مشروعية الدعاء كما في مواضع كثيرة من الكتاب أو السنة، وتوضيح ذلك أن من اصطفاه الله تعالى قد تغلب عليه الحقيقة فيكتفي بعلمه تعالى عن الدعاء وغيره، وقد تغلب عليه الشريعة فيدعوه تعالى، وقد توجد السكين ولا يوجد القطع كما في قصة إسماعيل بناء على أن أباه أمرَّ بالسكين على مذبحه، والصحيح أنه لم يقع منه إلا الهم على ذلك. (ج) بتصرف يسير.","part":1,"page":129},{"id":131,"text":"، فلا تأثير للنار في الإحراق ولا للطعام في الشبع ولا للماء في الري ولا لغيره في سبب من الأسباب العادية وغيرها. فلو كان لشيء من الأسباب العادية وغيرها تأثير ما لزم أن يستغني ذلك الأثر عن مولانا جل وعز، ويفتقر لمن أثر فيه وذلك محال لأنه لو استغنى البعض لاستغنى الكل عن مولانا جل وعز، وذلك ينافي الافتقار إليه تعالى، ونفي الافتقار إليه تعالى محال لثبوته له عقلا ونقلا. كيف يتصور الاستغناء وهو جل وعلا يفتقر إليه كل ما سواه عموما في جميع الذوات وعلى كل حال(1)\r__________\r(1) …وعلى كل حال أي في حالتي الوجود والعدم، فالممكن يفتقر إليه تعالى في الحالتين، أما في حالة العدم فلأنه يحتاج إليه تعالى في إيجاده، وأما في حالة الوجود فلأنا إن قلنا إن العرض لا يبقى زمانين افتقر الممكن إليه تعالى في إمداد ذاته بالأعراض التي لولا تعاقبها عليها لانعدمت، وإن قلنا بأن العرض يبقى زمانين فأكثر وهو الراجح، افتقر الممكن إليه تعالى أيضا في دوام وجوده بناء على المختار من أن منشأ افتقار الممكن الإمكان، أي استواء نسبتي الوجود والعدم إليه بالنظر لذاته، لأن هذا الوصف لا يفارقه فيكون مفتقرا إليه تعالى في كل لحظة في ترجيح وجوده على عدمه، وأما على مقابله من أن منشأ افتقاره الحدوث أي الوجود بعد العدم فلا يفتقر إليه تعالى من دوام وجوده ضرورة أن هذا الوصف أعني الوجود بعد عدم قد حصل، فلو احتاج إليه بعد حصوله لزم تحصيل الحاصل\".(ج) واعلم أن القول بأن علة الافتقار هي الحدوث ضعيف جدا، إذا قصد منه أن علة افتقار الشيء في ذاته هي حدوثه، لأن الحدوث زائد عن الشيء في ذاته، ويمتنع أن يكون هذا علة لافتقار الشيء في ذاته، وإنما الصحيح هنا أن يقال إن علة افتقار الشيء في ذاته هي إمكانه الذاتي. وقد خطر لي تخريج لقول من قال إن علة الافتقار هي الحدوث، أي بمعنى أن علة معرفتنا أن الشيء مفتقرا هي معرفتنا بأنه حادث. وبهذا التخريج يكون قولهم قويا جدا، ولا يتعارض مع من قال إن علة افتقار الشيء في ذاته هو الإمكان،كما ترى.فتأمل(س)","part":1,"page":130},{"id":132,"text":"في جميع الصفات سواء كانت أجراما أو أعراضا أم غيرهما إن قدر أن في العالم ما ليس بجرم ولا عرض كما يزعمه الفلاسفة، وعلى كل حال ابتداء ودواما.\rملاحظة:إن قدرتَ أن شيئا من الكائنات يؤثر بطبعه أي يحققه بذاته فإن بطلان هذا إنما يؤخذ من الافتقار. وأما إن قدرته مؤثرا بقوة جعلها الله تعالى فيه فإنما يؤخذ بطلان هذا من الاستغناء. وقد تبع كثير من جملة المؤمنين الفلاسفةَ في هذا الاعتقاد.\rملاحظة: إن من اعتقد أن تلك الأسباب تؤثر في ما قارنها بطبع أو علة فلا خلاف في كفره، ومن اعتقد أنها تؤثر بقوة جعلها الله فيها فهو فاسق مبتدع وفي كفره قولان والراجح أنه فاسق ومبتدع، وأما من اعتقد أنها لا تؤثر بطبعها ولا بقوة أودعها الله فيها وزعم أن التلازم بينها وبين ما قارنها أمر عقلي ولا يصح فيه التخلف، فهو جاهل بحقيقة الحكم العادي وربما جره جهله إلى الكفر، وذلك إذا أنكر نحو معجزات الأنبياء والبعث لأنها كلها على خلاف العادة، وأما من اعتقد أنها لا تؤثر بطبعها ولا بقوة جعلها الله فيها، وزعم أن التلازم بينها وبين مسبباتها أمر عادي يصح فيه التخلف، فهذا هو المؤمن المحقق الإيمان، الذي ينجو بفضل الله تعالى من مهالك الدنيا والآخرة.\rملاحظة: تأثير شيء من الكائنات بقوة جعلها الله تعالى فيه ممتنع عقلا، لأنه يصير حينئذ مولانا محتاجا في إيجاد بعض الأفعال إلى واسطة تلك القوة، وهذا باطل لما عرف من وجوب استغنائه جل وعز عن كل ما سواه. ويلزم عليه أن إرادته وقدرته قد طرأ عليهما التخصيص لخروج شيء من تعلقاتهما، وهو يستلزم النقص، وهو محال.\rوبهذا يكون قد بان لك تضمن كلمة \"لا إله إلا الله\" للأقسام الثلاثة التي يجب على المكلف معرفتها باعتقادها بالدليل وربط القلب بها، وهي الأقسام التي في حق مولانا عز وجل ما يجب وما يستحيل وما يجوز.\rوأما كلمة \"محمد رسول الله\" فقد حان بيان ما تتضمنه من عقائد.","part":1,"page":131},{"id":133,"text":"فقولنا \"محمد رسول الله\" يدخل فيه التصديق بجميع الأنبياء، أي التصديق بوجودهم وأنهم من عباد الله أكرمهم الله تعالى بهذه الرتبة التي لا يصل إليه أحد غيرهم، وأنهم معصومون من الصغائر والكبائر كما تقدم، أولهم السيد آدم وآخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبه ختم الله النبوة كما قال تعالى (وخاتم النبيين)الأحزاب:40، عليهم الصلاة والسلام(1)، ويجب تعظيمهم وتوقيرهم وأن من استخف بأحد منهم قتل كفرا إن لم يتب إجماعا، وحدَّا إن تاب عند المالكية.\r__________\r(1) …إن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت كل الشرائع التي قبلها وذلك بصريح الآية \"ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين\" وهذه الآية لا تقبل التأويل. فيجب اعتقاد ذلك إذن.\rفائدة جليلة: خير القرون قرن الصحابة وهو مائة وعشرون سنة مبدؤها البعثة، ثم التابعين، وقرن التابعين سبعون سنة الذي انفرد فيه عن الصحابة، وتابعي التابعين وقرنهم ثلاثون سنة.(ص)","part":1,"page":132},{"id":134,"text":"ويجب الإيمان تفصيلا بمن اشتهر منهم اسمه بالكتاب والسنة(1) كمحمد وإبراهيم وموسى وعيسى وأيوب ويعقوب ويوسف وغيرهم، وإجمالا لمن لم يشتهر بأن تعتقد أن كل ما في علم الله من نبي فهو حق، واختلف هل يُعْلَمُ عدد الأنبياء والرسل أم لا، فقيل لا يعلم عددهم لقوله تعالى(منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)غافر:78، وقيل يعلم عدد الأنبياء والرسل لما في بعض الروايات من حديث أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم عدد الأنبياء والرسل،قال:\"مائة ألف نبي وأربعة عشر ألفا\" قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير(2)\r__________\r(1) …ذكر في القرآن أسماء خمسة وعشرين نبيا، فمن أنكر واحدا منهم بعد معرفته كفر.(ص)\r(2) …رواه البيهقي في سننه الكبرى عن أبي ذر قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فذكر الحديث إلى أن قال فقلت يا رسول الله كم النبيون قال مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي قلت كم المرسلون منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر تفرد به يحيى بن سعيد السعيدي.\rورواه الحاكم في المستدرك.(س)","part":1,"page":133},{"id":135,"text":"، أولو العزم(1) منهم خمسة على ما ذكره ابن عطية(2) وهم محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلاة الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين، وزاد الكشاف خمسة وهم يعقوب وإسحاق ويوسف وداود وأيوب(3).\rملاحظة: الصحيح أن الذبيح هو إسماعيل وهذا هو ما عليه الشافعي وكثير من العلماء، وقد قال بعض العلماء نظما\rإن الذبيح هُدِيتَ إسماعيل…نطق الكتاب بذاك والتنزيل\rشرف به خَص الإله نبيَّنا…وآياته التفسير والتأويل\r__________\r(1) …روى البيهقي في سننه عن أبي العالية فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل نوح وهود وإبراهيم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر هؤلاء فكانوا ثلاثة ورسول الله صلى الله عليه وسلم رابعهم قال نوح إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات بيات الله إلى آخرها فأظهر لهم المفارقة وقال هود حين قالوا إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء الآية فأظهر لهم المفارقة وقال إبراهيم قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم إلى آخر الآية فأظهر لهم المفارقة وقال محمد إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة يقرؤها على المشركين فأظهر لهم المفارقة.(س)\r(2) …الذي قاله ابن عطية في تفسيره لسورة الأحقاف، عند قوله تعالى(فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل):\"والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، هذا قول عطاء الخراساني وغيره. ثم حكى عن أبي القاسم الحكيم أنه قال:الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس عليه السلام.اهـ، ولا شك أن التعيين ليس عليه دليل قطعي، ولكن التحقيق كما قاله ابن عطية في تفسيره أيضا(5/107):\"ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزما وصبرا\".اهـ وهذا هو ما يجب الركون إليه.(س)\r(3) …اختلف العلماء في ثلاثة منهم أنهم من الأنبياء أو لا، وهم لقمان والعزيز وذو القرنين.(ص)","part":1,"page":134},{"id":136,"text":"ويدخل في قولنا محمد رسول الله، الإيمان بسائر الملائكة ومعنى الإيمان بهم التصديق بوجودهم وأنهم مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون(1) وأنهم سفراء بين الله وبين خلقه متصرفون فيهم كما أذن لهم، صادقون فيما أخبروا به، وأنهم بالغون من الكثرة ما لا يعلمه إلا الله، قال تعالى(وما يعلم جنود ربك إلا هو)المدثر:31، وقال صلى الله عليه وسلم:\"أطَّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله\"(2)\r__________\r(1) …لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا ينافي ذلك ما ينقل عن هاروت وماروت لأنه إنما ينقله المؤرخون عن الإسرائيليات أي كتب اليهود والنصارى، ولم يصح فيه خبر كما قاله المفسرون، وما يذكره كذبة المؤرخين من أنهم عوقبا ومسخا كذب وزور لا يجوز اعتقاده، بل الذي يجب اعتقاده أن تعليمهما السحر لم يكن لأجل العمل به بل للتحذير منه، وليظهر الفرق بينه وبين المعجزة، فإنه قد وقع أن السحرة كثروا بسبب استراق السمع وتعليمهم إياهم، فظن الجهلة أن معجزات الأنبياء سحر، فأنزلهما الله تعالى ليعلما الناس كيفية السحر، ليظهر الفرق بينه وبينها، هذا كله بناء على أنهما كانا ملكين، وقيل إنهما كانا رجلين صالحين وسميا ملكين لصلاحهما.(ج) واعلم أن البعض قال إن الملائكة يجوز عليهم العصيان لله تعالى، واستندوا في قولهم هذا إلى أن إبليس من الملائكة، وهو قول ضعيف جدا بل باطل، لأنه يخالف نص الآية الكريمة(إلا إبليس كان من الجن ففسق) فهذا نص في أن إبليس لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن، ونحن نعلم أن الجن هم جنس غير الملائكة ولا يندرجون تحتهم، ولا وجه لمن قال إن بعض الملائكة يقال له جنٌّ، لأن هذا لا دليل عليه، وهو خلاف الظاهر.فتنبه.(س)\r(2) …روى الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطَّتِ السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتكم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله لوددت أني كنت شجرة تعضد قال أبو عيسى وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وأنس قال هذا حديث حسن غريب ويروى من غير هذا الوجه أن أبا ذر قال لوددت أني كنت شجرة تعضد.\rوروى الحاكم في المستدرك عن أبي ذر قال رضي الله تعالى عنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا حتى ختمها ثم قال إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا ملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى والله لوددت أني شجرة تعضد هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\rورواه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي ذر أيضا وفيه ما فيها قدر موضع أصبع إلا ملك، ورواه الإمام أحمد في المسند.(س)","part":1,"page":135},{"id":137,"text":".\rملاحظة: قوله أطت بفتح الهمزة أي صوتت وحنت من ثقل ما عليها من ازدحام الملائكة، وقال بعضهم هذا ضرب مثل وإعلام بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثَمَّ أطيط حقيقة. قال بعض المحققين والأول أولى لأنه جائز أن يخلق الله إدراكا وصوتا فيها.\rويجب الإيمان بهم تفصيلا في من اشتهر وعلم من الكتاب والسنة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت(1) ومالك ورضوان ومنكر ونكير ورقيب وعتيد. جبريل صاحب الوحي للأنبياء وإسرافيل موكل بالروح والنفخ في الصور وميكائيل موكل بالأرزاق والأمطار والبحار وملك الموت موكل بقبض الأرواح، ورقيب كاتب الحسنات وعتيد كاتب السيئات ورضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران ومنكر ونكير موكلان بسؤال الأموات وما عدا هؤلاء يجب الإيمان بهم إجمالا، بأن يعتقد المكلف أن كل ما في علم الله من ملك فهو حق.\rوسابُّ الملائكة كسابِّ الأنبياء، يقتل سابُّهم.\rويدخل في قولنا محمد رسول الله، الإيمان بالكتب السماوية ومعنى الإيمان بها التصديق بها، ونعتقد أنها كلام الله، أي دالة على كلامه القديم القائم بذاته، وأن ما فيها فهو حق وصدق أنزلها على بعض رسله.ويجب تفصيلا معرفة أربعة وهي: القرآن أنزل على نبينا محمد، والتوراة على النبي موسى، والإنجيل على النبي عيسى، والزبور على النبي داود، وما عدا هؤلاء الأربعة يعتقدها على الجملة، ولا يعلم عددها إلا الله تعالى.\r__________\r(1) …يقال أن اسمه عزرائيل، وبعض الناس يقول لم يرد هذا الاسم، ولذا لا يجوز تسميته به، وبعضهم يقول بل ورد في بعض الأحاديث وهي وإن كانت ضعيفة إلا أن هذا الأمر يكفي فيه مثل هذا، ولا يترتب عليه ضرر.(س)","part":1,"page":136},{"id":138,"text":"ملاحظة: قال بعض العلماء جملتها مائة كتاب، خمسون على شيث، وثلاثون على إدريس وعشرة على إبراهيم وعشرة على موسى قبل التوراة. والتحقيق الإمساك عن حصرها في عددٍ للاختلاف فيه، فالواجب على المكلف الاعتقاد أن الله أنزل كتبا من السماء على الإجمال إلا الكتب الأربعة فالواجب عليه معرفتها والإيمان بها تفصيلا.\rملاحظة:سميت بالكتب السماوية لأن جبريل أتى بها من جهة السماء والله سبحانه يستحيل عليه الجهات.\rويدخل في قولنا محمد رسول الله الإيمان باليوم الآخر أي التصديق به وبما اشتمل عليه من البعث لعين هذه الأجساد لا لمثلها قال تعالى (كما بدأنا أول الخلق نعيده وعدا علينا)الأنبياء:104، ومن جملة ما اشتمل عليه الحشر وهو سوق الناس إلى المحشر وهو موضع الوقوف كل واحد يساق على حسب عمله في الدنيا، والشفاعة يتنصل منها كل أحد إلا سيد البشر عليه الصلاة والسلام ويقول أنا لها أنا لها أمتي أمتي(1)\r__________\r(1) …روى هذا الحديث كثير من حفاظ الأمة، منهم الإمام البخاري في صحيحه، قال: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال العنزي قال اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة فقال يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة فقال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال هيه فحدثناه بالحديث فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا قلنا يا أبا سعيد فحدثنا فضحك وقال خلق الإنسان عجولا ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حدثني كما حدثكم به وقال ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخِرُّ له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله.\rورواه النسائي في الكبرى عنه وعن ابن عباس وعن عبدالله بن عمرو وعن أبي هريرة، والحاكم عن ابن عباس،وكذا الطبراني في المعجم الكبير،والدارمي في سننه عن أنس بن مالك وكذا ابن حبان عنه،ومسلم عنه وعن أبي هريرة وعن عبدالله بن عمرو، ورواه كثير غيرهم.(س)","part":1,"page":137},{"id":139,"text":"ويشفع في فصل القضاء وهي الشفاعة العظمى. والميزان والجمهور على أن الموزون هو صحائف الأعمال وأن الميزان واحد. وإعطاء كتب الحسنات والسيئات والحوض. والصراط فيمرون عليه(1).\r__________\r(1) …حتى الكفار على الأصح.(ج) وكل يمر عليه بحسب عمله في الدنيا لا حسب مهارته في المشي على الأمور الضيقة كما يتوهمه بعض الجهلة.(س) وصحح القرافي تبعا للعز أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال. قال بعضهم الأظهر أنه مختلف في الضيق والسعة باختلاف أحوال الناس كما أن المرور كذلك، والراجح أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، وقدرة الله صالحة لمرورهم عليه مع كونه كذلك والله أعلم(ج).","part":1,"page":138},{"id":140,"text":"وغير ذلك مما هو مفصل في الكتاب والسنة وتآليف العلماء(1)\r__________\r(1) …أصول السمعيات أربعة الإيمان بسائر الرسل والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر، ومن السمعيات الواجب اعتقادها شرعا الإيمان بالقضاء والقدر وبسؤال القبر ونعيمه وعذابه وبالنشر والبعث والحشر والحساب وأخذ الصحف أي الكتب وبالميزان والصراط وحوض خير الرسل صلى الله عليه وسلم، وشفاعة نبينا المختار وغيره من مرتضى الأخيار، والجنة والنار ووجودهما وأنهما دار خلود للسعيد والشقي وأن من نعيم الجنان الحور العين والولدان وأن أعظم نعيمها وأجله رؤية الباري جل وعلا ومنها وجوب الإيمان بالحفظة والكتبة الكرام من الملائكة عليهم السلام وبملك الموت سيدنا عزرائيل عليه السلام وأنه الذي يقبض الأرواح قاطبة وبعموم الموت أي فناء كل العالم إلا ما ورد استثناؤه كالعرش والكرسي والقلم والجنة والنار وعجب الذنب وأجساد الأنبياء والشهداء عليهم الصلاة والسلام وبوجود إبليس اللعين عليه وعلى كل أتباعه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأنه أول من عصر وكفر، وحسد وكذب وتكبر، وبوجود الجن وهم نسل إبليس ومنهم الشياطين وفيهم المؤمن والكافر. ومما يجب الإيمان به أفضلية نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق وإسراؤه ومعراجه بجسده يقظة وأفضلية صحبه رضوان الله على سائر الأمة وبراءة زوجه عائشة رضي الله عنها مما رميت به من الإفك، ونزول سيدنا عيسى عليه السلام قرب الساعة وقتله الدجال ورفع القرآن وبقاء الأرواح وأن الموت بالأجل وأن الفسق لا يزيل الإيمان، ومما يجب الإيمان به أيضا حياة الأنبياء والشهداء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم عند ربهم يرزقون، وثبوت المعجزة والعصمة للأنبياء والرسل، والكرامة للأولياء رضي الله عنهم، ونفع الدعاء. فهذه عدة من السمعيات وهي أهمها وآكدها يجب على المكلف معرفتها والإيمان بها تفصيلا أو إجمالا كما مضى تفصيله في بيان معرفة الله عز وجل ومعرفة رسله عليهم السلام.(غ) بتصرف يسير.واعلم أن بعض ما ذكره المارغني هنا فيه خلاف يعلم من المطولات، والأمر فيه يسير خلافا لما يصوره بعض الجهلة.(س)","part":1,"page":139},{"id":141,"text":".\rوكل ما مضى يدخل تحت قولنا محمد رسول الله لأنه عليه الصلاة والسلام جاء مرسلا من الله بتصديق معاني ذلك كله، فهو إذن حق، وجاء أيضا بتكليفنا بتصديق كل هذا، فمن لم يصدق بواحد مما ذكر لم يكن مؤمنا لأن الإيمان ستة الإيمان بالله والإيمان بالأنبياء والإيمان بالملائكة والإيمان بالكتب السماوية والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر(1) بأن يعتقد أن كل ما وقع من خير أو شر إنما هو بإرادة الله وقدرته كما تعلق به علمه قبل وجوده.\r__________\r(1) …واخلفوا في تعريف القدر فقالت الأشاعرة: هو إيجاد الله للأشياء على طبق ما سبق به علمه وإرادته، فهو صفة فعل وهي حادثة. وقالت الماتريدية هو تحديده تعالى أزلا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح وغير ذلك. فهو تعلق العلم والإرادة، وعليه فهو قديم. وقد يقال الخلاف لفظي فمن نظر لمظهر الإيجاد قال:هو حادث، ومن نظر لمتعلق العلم والإرادة التنجيزي الأزلي قال هو قديم. فنقول في تعريفه الجامع لهما هو إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والإرادة.\rوالقضاء اصطلاحا :عرفه الماتريدية بأنه الفعل مع زيادة إحكام. فعليه هو حادث. وعرفه الأشاعرة بأنه إرادة الله المتعلقة بالأشياء أزلا. وعليه فهو قديم، وقال بعضهم القضاء والقدر شيء واحد وهو إيجاد الله الأشياءَ على طبق تعلق العلم والقدرة، وفي الحقيقة الأشاعرة والماتريدية تعاكسا فما قالت الأشاعرة أنه قضاء قالت الماتريدية إنه قدر، وبالعكس.(ص)","part":1,"page":140},{"id":142,"text":"ويؤخذ من قولنا محمد رسول الله، وجوب صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، أي مطابقة خبرهم للواقع وإضافة الرسول إلى الله تقتضي وجوب صدقه، ويؤخذ أيضا استحالة الكذب عليهم. وذلك لأن الإيمان بالرسالة الواجبة بشهادة ما لا يحصى من المعجزات توجب شرعا الإيمان برسالتهم لأنه جاء بتصديقهم، وإن لم يصدقوا، لم يكونوا رسلا أمناء لمولانا العالم بالخفيات(1).\rويؤخذ من قولنا محمد رسول الله استحالة فعل المنهيات كلها سواء نهي تحريم أو كراهة، وذلك محال على الأنبياء كلهم. لأنهم أرسلوا ليعلموا الخلق المبعوثين إليهم بأقوالهم وأفعالهم وسكوتهم فإن فعل أحد من الناس فعلا وعلم به الرسول أو بلغه وسكت عنه وأقره عليه ولم ينكر على الفاعل فنستدل على جوازه بسكوته، فنفعله وإن كان من جنس العبادات فمطلوب إما وجوبا أو ندبا، وإن كان من جنس العادات فمباح، لأنهم عليهم الصلاة والسلام لم يقروا أحدا على باطل. فيلزم أن لا يكون في جميعها مخالفة لأمر مولانا جل وعز الذي اختارهم على جميع خلقه، واختياره لهم يستلزم وصفهم بالصدق والأمانة وهو تعالى أمَّنهم على خبر وحيه.\rملاحظة:يؤخذ مما ذكرنا من اختيار الله للأنبياء على جميع الخلق تفضيلهم على الملائكة وهو قول الجمهور، وذهب المعتزلة وبعض أهل السنة إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء، وهذا الخلاف واقع في غير محمد، وأما هو صلى الله عليه وسلم، فلا خلاف في أنه أفضل من جميع الخلق على الإطلاق، ونقل الأئمة عليه الإجماع.\rملاحظة:ذهب الزمخشري إلى تفضيل جبريل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا قال بعض المغاربة:جهل الزمخشري مذهبه، لأن المعتزلة يقولون أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء ومن جميع الملائكة.\r__________\r(1) …الخفيات: هي مشكلات الأمور وغوامضها بالنسبة للمخلوقين وأما بالنسبة إلى الله تعالى فهو عالم بجميع المعلومات تفصيلا.(س)","part":1,"page":141},{"id":143,"text":"ويؤخذ من قولنا محمد رسول الله جواز الأعراض البشرية عليهم صلاة الله وسلامه عليهم، لأننا أضفنا لنبينا محمد الرسالة وليس الألوهية حتى يلزم استحالة الأعراض البشرية في حقه، والعرض البشري لا ينقص في رسالتهم ونبوتهم وعلو منزلتهم عند الله تعالى بل ذاك مما يزيد فيها.\rوبهذا يكون قد بان لك تضمن كلمتي الشهادة مع قلة حروفها لجميع ما يجب على المكلف معرفته من عقائد الإيمان في حقه تعالى وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ما ذكرناه جعلها الشرع ترجمة على ما في القلب من الإيمان.\rباب في بيان\rمعنى الإيمان والإسلام","part":1,"page":142},{"id":144,"text":"ذهب جمهور الماتريدية وبعض المحققين من الأشاعرة إلى ترادف الإيمان والإسلام. وذهب جمهور الأشاعرة إلى أنهما متغايران لأن مفهوم الإيمان شرعا تصديق القلب(1) بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة بمعنى إذعانه له وتسليمه إياه(2)\r__________\r(1) …هذا التصديق يستلزم أمرين، الأول هو نسبة الصدق إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني: الإذعان النفسي لما أخبر به النبي عليه السلام. وهو ما يطلق عليه بعض العلماء اسم حديث النفس التابع للمعرفة. فليس التصديق هو مجرد القول بأن النبي عليه السلام صادق، خلافا لما يصوره بعض جهلة الحشوية عن مذهب أهل السنة. (س)\r(2) …قال الإمام السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: ذهب جمهور المحققين إلى أنه –أي الإيمان- التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، لما أن التصديق بالقلب أمر باطن لا بد له من علامة، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى وإن لم يكن مؤمنا في أحكام الدنيا، ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق فبالعكس، وهذا هو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه الله، والنصوص معاضدة لذلك، قال الله تعالى(أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) وقال الله تعالى(وقلبه مطمئن بالإيمان)، وقال تعالى(ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)، وقال النبي عليه السلام:\"اللهم ثبت قلبي على دينك \"، وقال عليه السلام لأسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله:\"هلا شققت عن قلبه؟\"انتهى كلام السعد.\rواعلم أن الخلاف بين أهل السنة في هذه المسألة قريب. وأما من خالفهم من الفرق الأخرى مثل من قال إن الأعمال تدخل في أصل الإيمان، فقد حقق الإمام الحليمي في كتابه المنهاج هذه المسألة وحاصل ما قاله هناك، أن الذي اعتمد عليه هؤلاء إنما هو إطلاقات وردت من الشارع ذكر فيه العمل من الإيمان،كالصلاة والزكاة وغيرهما، والتحقيق أن هذا راجع إلى الاستعمال اللغوي، فكلمة آمن بالباء، نحو قوله تعالى(الذين يؤمنون بالغيب) وقوله تعالى(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)، وتتعدى باللام مثلما ورد في قوله تعالى(قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون). فهي على الاستعمال الأول بمعنى التصديق بالقلب، وهو المراد بأنه معنى الإيمان، وعلى المعنى الثاني أي أنتبعك، فهي بمعنى الاتباع والتسليم والانقياد.وبناء على هذا فإذا قيل في الشريعة أن الصلاة مثلا هي إيمان، فإنما المراد من ذلك أنها إيمان لله بمعنى انقياد له تعالى. فحينئذ ينقسم الإيمان في استعمال الشارع إلى قسمين الأول إيمان بالله والثاني إيمان لله. فما دام يوجد قسمان، فلا يجوز إذن أن يندرج هذان القسمان تحت تعريف واحد، بل لا بد أن يكون لكل واحد منها تعريف. فالإيمان بالله هو التصديق به تعالى، وهو المراد حيثما أطلق. والإيمان لله هو الانقياد له تعالى بشرط الإيمان به وهو بمعنى الإسلام. فالذي أدرج الأعمال مع التصديق تحت نفس الاسم لم يلاحظ هذه التفرقة. مع ما يلزمه من لوازم فاسدة عديدة تم التنبيه إليها في الكتب المطولة.(س)","part":1,"page":143},{"id":145,"text":"، ومفهوم الإسلام شرعا امتثال الأوامر واجتناب النواهي لبناء العمل على ذلك بالإذعان بالقلب. وهما مختلفان مفهوما، وإن تلازما شرعا بحيث لا يوجد مسلم ليس بمؤمن ولا مؤمن ليس بمسلم.\rملاحظة: إن أريد بالإسلام الإذعان بالقلب والقبول والانقياد، فهو مرادف للإيمان وإن أريد به عمل الجوارح مثل الصلاة والصوم والحج ولفظ الشهادتين وغير ذلك من الأعمال فهما متغايران لكنهما متلازمان شرعا(1)، وهذا التفصيل هو الحق.\rوفُسِّر الإيمان بأنه حديث النفس التابع للمعرفة، والمراد بحديث النفس الإذعان والانقياد والقبول والتسليم الباطني كله معنى واحدا، فتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به من عند الله والتسليم له والإذعان والانقياد له بقلبه هو تصديق خاص لا مجرد نسبة النبي صلى الله عليه وسلم للصدق من غير انقياد وإذعان وقبول وتسليم، فعلى هذا يكون الإيمان والإسلام مترادفين.\rوالحاصل أن تصديق النبي صلى الله في كل ما جاء به من عند الله، فهو مع الإذعان بالقلب والانقياد هو إسلام وإيمان، وأما عمل الجوارح كالصلاة والصوم والنطق بالشهادتين وغير ذلك فهو الإسلام.\r__________\r(1) …معنى أنهما متلازمان شرعا أي إن أحدهما لا يغني عن الآخر، فمن صدق بقلبه وانقاد انقيادا نفسانيا، فإن الشرع لم يعفه من الواجبات الشرعية الأخرى نحو الصلاة والزكاة والحج وغيرها، وكذلك فمن صلى وقام بالأعمال المأمور هو بها ولم يحقق أصل التصديق في نفسه فعمله باطل،لكفره. وأما الأول أي من صدق ولم يعمل فليس بكافر، ولكنه عاص، وحسابه على الله. أما عندنا فإن لم نره يعمل أي عمل من أفعال الإسلام، ولا حتى سمعناه يتشهد بالشهادتين، فإننا نحكم عليه بالكفر ظاهرا، أي فيما يظهر لنا، ونوكل باطنه إلى الله تعالى. وكذلك فإنه في الواقع لا يجوز أن نقول عن إنسان معين أنه مؤمن غير مسلم ولا أن نقول إنه مسلم غير مؤمن، فهذا هو معنى التلازم.(س)","part":1,"page":144},{"id":146,"text":"إن الإيمان لا يقبل من الكافر القادر على النطق بالشهادتين إلا بهما، أما المسلم الذي ولد في الإسلام فإيمانه صحيح وإن لم ينطق بهما إلا إنه عاص بترك النطق لأنها تجب في العمر مرة واحدة(1).\rولا يشترط في حق الكافر لفظ أشهد ولا النفي ولا الإثبات بل إن قال الله واحد ومحمد رسوله كفى ذلك(2).\r__________\r(1) …الحكم بالكفر هنا من حيث الظاهر.\rوأما أولاد المؤمنين فليس النطق فيهم شرطا، ولا شطرا اتفاقا، كالذي له عذر في عدم النطق بها فيحكم عليهم بالإيمان وإن لم بنطقوا بها أصلا، نعم يجب عليهم النطق بها في الصلاة دون غيرها خلافا لما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه من أنه يجب عليهم مرة واحدة كالحمد والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.(ج)بتصرف. ومنه يعلم أن ما ذكرناه أعلاه إنما هو جار على مذهب الإمام مالك دون إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنهما.(س)\r(2) …هذا الإيجاب إنما هو جار على مذهب الإمام مالك، وأما الإمام الشافعي وأكثر الفقهاء والشافعية أنه لا يكفي الله واحد ومحمد رسول مثلا، بل يشترط النفي والإثبات، وهو المعتمد عند الشافعية. وأما عند المالكية فما ذكرناه أعلاه هو المعتمد.(ج) بتصرف يسير.","part":1,"page":145},{"id":147,"text":"والراجح في مسألة الإيمان أن الإيمان هو التصديق بالقلب(1) فقط وأما النطق بالشهادتين فهو شرط إجراء أحكام المسلمين عليه(2) من الغسل والصلاة إذا مات والدفن في مقابر المسلمين وغير ذلك من الأحكام. فالكافر إذا صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى، إلا أن يكون بحيث لو طلب منه النطق يأبى فلا ينفعه تصديقه إلا أن يكون لا يقدر على النطق. والحاصل أن الآبي الممتنع من النطق كافر والعاجز معذور(3)\r__________\r(1) …واعلم أن المراد بالتصديق، ليس نسبة الصدق إلى النبي عليه السلام، بل الإذعان بذلك أيضا، والكافي في ذلك الإذعان النفسي، ولا يلزم من ذلك أن ما سوى ذلك من الأعمال غير واجبة كما يتوهم بعض الحمقى من الحشوية المجسمة، بل هي واجبة ولكن ليست شرطا لصحة الإيمان.(س)\r(2) …القول بأن التلفظ بالشهادتين شرط صحة قول ضعيف، والقول بأنها شطر منه أقوى مما قبله ولكن فيه ضعف، والراجح أنها شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، فهي شرط كمال في الإيمان على التحقيق، وعلى هذا فمن أذعن بقلبه ولم ينطق بلسانه لكن لا لعناد بل اتفق له ذلك فهو مؤمن ناج، لكن لا تجري عليه الأحكام الدنيوية كدفنه في مقابر المسلمين والصلاة عليه.ومحل الخلاف المذكور في الكافر الأصلي.(ج) بتصرف يسير، أي إنه يعتبر مسلما باطنا كافرا ظاهرا. والمقصود بالظاهر أي فيما نراه منه حسب الأحكام الشرعية التي كلفنا الله تعالى بها، والمقصود بالباطن أي إن الله تعالى يعلم أنه في نفسه مؤمن فهو يعلم الباطن وأخفى، ولكن نحن مكلفون بالعمل بالظاهر.(س)\r(3) …يشترط في الإيمان الإتيان بلفظ أشهد وبالنفي والإثبات عند الشافعية، وأن يعرف المعنى ولو إجمالا، وأن يرتب فلو عكس لم يحكم بإسلامه على المعتمد، وأن يوالي بينهما، وأن يكون عاقلا بالغا فلا يصح إسلام الصبي ولا المجنون إلا تبعا. وأن لا يظهر منه ما ينافي الانقياد، فلا يصح إسلام الساجد لصنم في حال سجوده. وان يكون مختارا فلا يصح إسلام مكره إلا إذا كان حربيا أو مرتدا، لأن إكراهه حينئذ بحق. وأن يقر بما أنكره أو يرجع عما استباحه إن كان كفره بجحد مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة أو استباحة محرم إلى غير ذلك.(ج) بتصرف يسير.","part":1,"page":146},{"id":148,"text":".\rولذا فعلى العاقل أن يكثر من كلمة التوحيد فالإكثار مندوب، وأن يستحضر حين الذكر ما احتوت عليه من عقائد الإيمان حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه فإنه يرى لها من الأسرار من محاسن الأخلاق الدينية الباطنة كالزهد والتوكل وهو ثقة القلب بالله تعالى والحياء بتعظيم الله تعالى وغير ذلك من الأمور الدينية، ومن العجائب من كرامات ظاهرة تحصل لذاكرها. وهذا كله إنما يحصل إذا ذكرها بقصد العبودية والإخلاص لله تعالى، فيجب على الذاكر أن لا يقصد بعمله التشوف للكرامات ولا غيرها وإلا كانت عبادته هباء منثورا ولا يحصل له ما قصده.","part":1,"page":147},{"id":149,"text":"وبالله التوفيق(1) لا رب غيره ولا معبود سواه نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بكلمتي الشهادة عالمين بها، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين.\rوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ومن اتبعه إلى يوم الدين\rانتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه\rيوم الجمعة 26-محرم-1411هـ الموافق 17-8-1990\rوما توفيقنا إلا بالله وليس وراء الله للمرء مذهب\rسعيد عبداللطيف فودة\r__________\r(1) …قال العلامة الهدهدي في شرح أم البراهين: والتوفيق خلق الطاعة، وقيل خلق قدرة الطاعة في العبد.أهـ وعلق العلامة المحقق الشرقاوي على كلامه هذا فقال:وقوله خلق الطاعة،هذا تعريف إمام الحرمين، وهو أولى مما بعده المنسوب إلى للأشعري، لأنه مأخوذ من الوفاق، فيكون خلق ما يكون به العبد موافقا لما طلبه منه الشرع،والموافقة مباشرة إنما تكون بنفس الطاعة لا بالقدرة عليها، ولأن خلق القدرة على الطاعة موجود في الكافر، مع أنه غير موفق. وأجيب عن هذا بأن القدرة هي العرض المقارن للطاعة، وذلك غير موجود في الكافر لعدم وجود الطاعة منه، وليس المراد بها سلامة الأسباب كما فهم المعترض.أهـ كلامه.والله تعالى بمنه وكرمه يوفقنا ويوفق جميع المسلمين بفضله لمقتضى أمره ونهيه بجاه أكرم رسله وأشرف خلقه سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.(س)","part":1,"page":148}],"titles":[{"id":1,"title":"تهذيب السنوسية","lvl":1,"sub":0}]}