{"pages":[{"id":1,"text":"الانتِصَارُ لِلأَشَاعِرَة\rوهو ردٌّ على كتاب \"جدل الأفكار\"\rبقلم\rالأستاذ الكبير أبي الفداء\rسعيد فودة\rحفظه الله تعالى ونفعنا به آمين","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r\nالمقدمة\r\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد:\r\nفإن الدفاع عن الدين أو الدفاع عن ما نعتقد أنه من الدين واجب شرعاً وعقلا، أي إن العقل يحكم بحسنه بلا تردد، فكيف إذا كان ما نعتقده هو ما يقول به أهل السنة والجماعة الذين هم جمهور المسلمين.\r\nوالكلام في العقائد من أهم الأمور، والجدال في سبيل الحفاظ على الفهم الصحيح للعقائد الإسلامية من أوجب الواجبات، ولا يجوز لأحد أن يغفل أهمية هذا الأمر، ولا يجوز له أن يقدم عليه غيره مع القدرة عليه وتقصير الآخرين في القيام به.\r\nثم إن بيان أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، والرد على المخالفين من أقوى الوسائل للقيام بذلك الواجب، وهذا لأن عقيدة أهل السنة هي عقيدة جماهير المسلمين من المتقدمين والمتأخرين، ولا يجوز لأحد أن يسمح لغيره بالتطاول عليها واعتبارها أنها هي أصل الجهل والفساد والإفساد والظلم!!!\r\nوأنا لا أشك أن من يتهاون في هذا الأمر فيسكت على من يدعي مثل هذه الادعاءات فإنه يجب أن يراجع انتماءه إلى أهل الحق، خصوصاً إن كان مَنْ تصدّى للرد على عقائد أهل الحق جاهلاً متجاهلاً لكثير من الحقائق التي يصرح بها علماء المسلمين في كتبهم بوضوح لا لبس فيه، فإن هذا يكون مراده إنما هو التدمير والتخريب ولا يكون مراده الانتقاد بهدف الوصول إلى الحق.\r\nولا تتردد في تجهيل من يعتبر أن الدور الكامل لخدمة الإسلام قد قامت به فرقة واحدة، ويهمل في نفس الوقت كل الأعمال التي صدرت عن الفرق الأخرى بل ويحاول أن يفسرها تفسيرات باطلة.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"ومن هذا الأصل فقد اهتممت أن أكتب ردا على كتاب أمين نايف ذياب الذي يدعي أنه يدعو إلى فكر المعتزلة، ويحارب الأشاعرة بكل ما أوتي من قوة !! ويبالغ في التفسيرات المشوهة لحقيقة فكر الأشاعرة والماتريدية، في كتابه المسمى\"جدل الأفكار\"، وحتى لا يقال أنه لم يرد عليه أحد ولم يبين وجه الحق في كلامه من الباطل أحدٌ من المنتمين إلى أهل السنة، فقد كان هذا الكتاب.\rوأنا لم أتبع أسلوب التهويل والتشنيع في هذا الرد، بل حاولت قدر الجهد أن ألتزم بالمنهج المتوازن مع التقليل قدر المستطاع من التجريح، والتجهيل، الأمر الذي لم أستطع تجنبه تماماً ،وذلك لكثرة ما رأيت من تجريحات وقعت منه في حق أهل السنة.\rومع ذلك فلن يجد القارئ في كتابي عرضاً كاذباً لآراء هذا الكاتب، ولن يجد فيه تفسيراً باطلاً لآرائه، ولن يجد مغالطات في الجدال.\rوأنا أجزم أن هذا الرد بالطريقة التي اتبعت فيه لن يكون له مثيل في هذا الزمان، وذلك لأنني أوضحت فيه أخطاء المؤلف وذكرت فيه محاسنه، كل ذلك مع عدم التحامل، وتجنب اتباع الهوى.\rوأسأل الله تعالى أن يكون في هذا الرد فائدة للإسلام والمسلمين وخطوة على طريق المعرفة والتعريف بعقائد الإسلام.\rوليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب\rسعيد فودة\rختم الله تعالى أعمالنا بالحسنات\rتم بتوفيق الله تعالى في 18/4/1996\rنقد وتعليق\rعلى كتاب جدل الأفكار\rكتاب جدل الأفكار كتبه \" أمين نايف \" الذي يدعي أنه يدعو الناس إلى فكر المعتزلة، ويدعي أن التقدم المنشود للأمة الإسلامية لا يكون إلا بالتمسك بفكرهم أو بالفكر الذي يدعو هو إليه !!\rوهو في هذا الكتاب ينتقد فكر حزب التحرير، ويرتكز الكتاب في أساسه إلى أن حزب التحرير يستمد أفكاره من أفكار أهل السنة - ويعني بأهل السنة الأشاعرة خصوصاً -، وهم عند المؤلف قائلون بالجبر وبكل أمر قبيح كما سنلاحظ من كلامه.","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"ومن الأمور التي يحسن أن نعلمها قبل الشروع في هذا التعليق هي أن المؤلف أي أمين نايف كان قد أمضى مع حزب التحرير عدداً لا بأس به من السنين، وكان يدعو إلى أفكارهم ويتبناها، حتى طرأ عليه طارئ لا نعلمه دعاه إلى أن يغير من فكره وينتسب إلى فكر المعتزلة بحجة أنه هو الفكر الوحيد الذي يمكن أن تقوم بناءاً عليه للأمة قائمة.\rونحن في هذا النقد سوف لن يكون الأساس الذي نبني عليه كلامنا هو الدفاع عن حزب التحرير، فإن هذا لسنا نحن المعنيين به!! بل سيكون الأساس هو الرد على المؤلف من حيث أنه أرجع حزب التحرير إلى فكر الأشاعرة الذين هم أهل السنة والجماعة على التحقيق، ثم شرع في نقدهم وتغليطهم في الأفكار التي دعوا إليها.\rومن هنا فإن لردنا محورين: الأول التفريق بين قول حزب التحرير وبين قول الأشاعرة عند وجود فرق، الثاني: الدفاع عن قول الأشاعرة وبيان غلط المؤلف عند نقضه له.\rونحن سوف نسير في الرد على المؤلف بنفس الترتيب الذي رتب هو كتابه عليه، إلا عند الحاجة إلى تجميع كلامه من الأبواب المختلفة، وبالله التوفيق.\rالباب الأول\rالمقدمة الأولى\rينص المؤلف في أول كتابه على أن الهدف الذي قام من أجله حزب التحرير إنما هو التغيير من أجل النهضة، وينقل عنهم \"ينهض الإنسان بما عنده من فكر عن الحياة والكون والإنسان وعن علاقتها جميعها بما قبل الحياة وما بعدها، فكان لا بد من تغيير فكر الإنسان الحاضر تغييراً شاملاً وإيجاد فكر آخر له حتى ينهض\" ، هذا هو الأساس الذي قام عليه حزب التحرير.\rويعلق المؤلف على ذلك فيقول: \"وبالرغم من أن حزب التحرير قام على أساس هذه العبارة إلا أنه لم يستطع إيجاد النهضة مع ما بذل الحزب من جهود سواء على صعيد الأفكار أو في الواقع العملي النضالي أو في تعدد الأساليب خلال مسيرته الحزبية منذ أن أنشأ المرحوم النبهاني الحزب عام 51 إلى أن توفاه الله عام 77\".","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"ويحدد الهدف من قراءته هذه لأفكار حزب التحرير بأنها \"قراءة لإعادة البناء، بناء الإنسان والمجتمع والدولة\".\rثم يقول: \"ولإعادة البناء لا بد من هدم، ومن هنا فإن هذه الأبحاث هي هدم لما تركز في عقول المسلمين من أفكار زائفة سار عليها المسلمون قرونهم السالفة، وهي وإن كانت تعالج أفكاراً لحزب التحرير إلا أن أفكار الحزب هذه هي أفكار ما سمي في التاريخ بأفكار أهل السنة والجماعة، وهي أفكار التشبيه والجبر واهتزاز الوعيد، ومنها كانت الكارثة\".\rثم يقول\"في صـ62ــفحة\" وإذا توصلنا إلى أن خطاب المرحوم تقي الدين النبهاني في موضوع القضاء والقدر هو الخطاب الجبري الأشعري بعبارات جديدة....\".\rويقول في صـ76ـفحة: \"النبهاني وهو مشدود بمقولات الأشاعرة عن الجبر والاختيار وما تفرع عن ذلك يحاول أن يعطي تبريرا معاصرا لتلك المقولات\".\rثم يقول في صـ185ـفحة: \"لماذا وقعت في هذا التناقض يا أبا إبراهيم،لأنك بقيد الأشعري أسير\".\rويقول في صـ149ـفحة: \"فالنبهاني يرفض اسم الكسب ويراه مقالة جبرية ولكنه يقول بأن الهدى والضلال خلق الله تعالى وفعل للإنسان... ولا يفسر لنا أيضا الفرق بين مقالته تلك ومقالة الأشعري\".\rويقول في صـ146ـفحة: \"والمرحوم النبهاني مفكر حزب التحرير الرئيسي رباه جده لأمه ودرس في الأزهر الشريف والقائمون على التدريس فيه أشاعرة، فليس غريباً أن يظهر فكره متأثراً بالأشاعرة رغم محاولاته الهروب منهم\".\rفهو هنا يعتبر أن أفكار أهل السنة والجماعة هي كانت الكارثة في تاريخ الأمة الإسلامية، وهي التي أدخلت الجبر والتشبيه وغير ذلك مما ذكر؟؟!!","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"وهذه الاتهامات سوف نعالجها في نقدنا هذا، مع أن مجرد سماعها هنا من قبل عارف لآراء أهل السنة والجماعة يدفعه إلى الضحك والتعجب من قائلها حتى من دون البحث عن تبريراته وحججه، فكيف لو عرفها ؟؟! وعرف عند ذلك مدى سخافتها وضحالتها، نعم سخافة هذه الأفكار التي سوف يعيد بناء فكر الأمة عليها ؟؟ كما يدعي! هذا المعتزلي .\rفهذه هي بعض النصوص التي يقرر فيها المؤلف أن حزب التحرير قد تأثر مؤسسه بأقوال الأشاعرة في كثير من المواضع، وهو يقرر في مواضع أخرى أن النبهاني حين يحاول أن يهرب من آراء الأشاعرة فإنه يهرب إما إلى رأي المعتزلة أو إلى رأي خاص به.\rوأنا أتعجب من إقراره بأن هذه المباحث إنما هدفها الأكبر هو هدم الأفكار التي تركزت في عقول المسلمين وداموا عليها دهوراً كثيرة، وهذه الأفكار هي أفكار الأشاعرة، وهم أهل السنة والجماعة باعترافه واعتراف مؤسس حزب التحرير، حين أقر بأنه يخالف الأشاعرة في بعض المباحث مع اعترافه في كلامه في \"الشخصية\" بأن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة.\rفصار الحاصل أن المؤلف قد اشترك مع النبهاني في هدم أفكار أهل السنة والجماعة بنص كلاميهما!! وهذا في غاية العجب، ونحن سوف نركز على الدفاع عن آراء أهل السنة والجماعة في هذا الرد ونبين وجه كلامهم وحقيقة معناه وتفاهة من يرده.\rتوضيح موقف المؤلف من أهل السنة والجماعة\rونحن سوف نزيد في بيان موقف المؤلف من أهل السنة والجماعة - الأشاعرة والماتريدية - كما ينص عليه هو في مواضع متفرقة من كتابه وذلك بالإضافة إلى ما مضى:\r· يقول في صـ25ـفحة: \"نعم إن إجابات المعتزلة في موضوع التوحيد والعدل هي إجابات تحتاج إلى مجاهدة ومواصلة بحث وإعادة القراءة المرة تلو المرة لفهمها، ولكنها كلها إجابات لسؤالات أقامها بعض المعقدين من أهل السنة والجماعة الذين رفضوا آيات محكمات ثلاث\".","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"· ويقول في صـ61ـفحة عن رأي الحزب في موضوع القضاء والقدر: \"إنه الخطاب السفياني الأشعري الجبري، يعيد نفسه بقوالب كلامية جديدة\".\r· وفي صـ78ــفحة يقول: \" ومن أخطر المقولات التي قالها المفكرون الإسلاميون قولهم: إن الرزق قضاء قضاه الله تعالى، فوصفوه بالظلم مع أنه العدل\" ، ومعلوم أن الأشاعرة هم الذين قالوا هذه المقولة.\r· وفي صـ135ـفحة يقول: \" يقفز النبهاني عن السؤال الكبير المطروح منذ الوجود الجبري أو الكسبي في الفكر السني\". ويقول:\"النبهاني وهو أسير لتيار أهل السنة والجماعة تيار أتباع معاوية لم يسأل نفسه هذه السؤالات ولهذا بقيت الحقائق غائبة رغم ما بذل النبهاني من جهد لإضفاء صفة الفكر الحق على فكر أهل السنة والجماعة، ومع هذا بقيت جماعة حزب التحرير تقول:\"بأن الرزق من الله وتفعل خلاف ذلك\".\r· ويصف المؤلف أهل السنة والجماعة (وهم الأشاعرة) في صـ141ـفحة بأنهم قالوا بفكرة الكسب بحكم الولاء للحكام الظلمة من بني أمية وبني العباس وأمراء الدويلات.\r· ثم في صـ145ـفحة يشركهم هم والوهابيين؟؟!! في كونهم فكرين جبريين يخدمان الظلم والتأخر.\r· ويكرر في صـ176ـفحة القول بأن أهل السنة والجماعة ينادون بآرائهم ليخدموا سلاطين الأمويين والعباسيين ليبقوهم في الحكم، ويدعي أنهم في قولهم بعدم خلود فاعل المعصية في النار لا يستندون إلى أي دليل مطلقا!!!\rهذا الكلام الذي نسمعه الآن من واحدٍ يدعي أنه يتبع المعتزلة في طريقتهم وعقائدهم، وهذه الاتهامات التي يلصقها هذا الرجل بأهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية ويبالغ في التأكيد عليها من حين لآخر، لا تختلف كثيراً عن الاتهامات التي يلصقها الوهابيون بالأشاعرة أيضاً، والعامل المشترك بين هؤلاء وأؤلئك واحد وهو مخالفة أهل الحق، وعدم معرفة كثير من أقوالهم وحقيقة معانيها.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"وكم كنت أتمنى أن يظهر الخلاف بين الأسلوب الذي يتبعه من يدعي اتباع المعتزلة والأسلوب الذي يتبعه الوهابيون في هذا الاتجاه، خصوصاً أنه ينبغي أن يظهر هذا الاختلاف بين المنهجين للاختلاف الحقيقي بين فكر المعتزلة وفكر الوهابية الذين هم المجسمة على التحقيق، ولكن ربما كان الباعث الأكبر على الاشتراك هو اتصاف كثير من أتباع كل من هذين المذهبين في هذا الزمان بالجهل الكبير والغباء المدقع.\rوإنني أُسَرُّ فعلا عندما أجد من يتصدى للرد على الأشاعرة لا يتصف أكثر ما يتصف إلا بمثل هذه الصفات؟!\rوبعد، فهذه هي بعض الاتهامات التي يكثر المؤلف من إلصاقها بأهل السنة والجماعة فليس يوجد عنده من مبرر لوجود هذا الفكر- أي فكر أهل السنة- إلا خدمة أهواء الأمراء والسلاطين، وفكرهم هذا يخدم التأخر والتخلف والجهل، وربما يظن البعض أنه كان من المفروض عليَّ عندما رأيته يضع أهل السنة والجماعة في مثل هذا الموضع أن أشنع عليه تشنيعاً في غاية العنف، وأن أظهر رأيه هذا وأؤلب عليه الناس ليرتدع، ولكني لم أرَ أن هذا السبيل صحيح لمجادلة المخالفين لأهل السنة بل الأصل أن أبين خطأ قولهم، وأوضح جهلهم بكثير مما يقوله أهل السنة عسى أن يكون هذا رادعاً لهم عن غيهم الذي سقطوا فيه، ومُعيناً لهم على معرفة الحق وأهله لينصروهم، وهذا هو الجدال بالتي هي أحسن، وإن لم يرتدعوا فإنه عندئذ يسلك معهم مسلك آخر، والله المستعان.\rوسوف نبدأ الآن في تعقب كلامه والتعليق عليه وبيان ما فيه من مفاسد باختصار كاف .\rالمقدمة الثانية\rهل الكفر يمكن أن يكون هينا من ناحية دينية بجانب ذنب من الذنوب؟؟!\rإن معنى أن يكون الكفر أهون من ذنبٍ أنه يكون أخف وأقل مفسدة وأقرب إلى القبول في ميزان العقول من الذنب.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"إن أي إنسان يفترض أن الكفر يمكن أن يكون أخف من أي ذنب يفترضه إنما هو إنسان غاب عن ذهنه كثير من حقائق الدين، فكيف يكون الكفر الذي يشمل نفي وجود الإله والإشراك به تعالى عن ذلك علواً كبيراً أهون من الذنب ؟! أي أهون من المعصية !!\rأليس هذا قلباً للأمور وعكساً للميزان الذي وضعه الدين بنص القرآن الكريم: ? إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ? (النساء: من الآية48)، هذا نص واضح على أن الكفر هو أشد ضرراً من أي ذنب يفترض.\rإن كون الكفر هو أخطر الذنوب إنما هو أمر مقرر في تعاليم الشريعة الغراء، لا يخالف في هذا إلا الجاهل الحقود.\rوقد تجرأ المؤلف هنا فقال بهذا الهراء التافه في سبيل معارضة قول أهل السنة بعدم خلود أهل المعاصي في جهنم، وأنهم مهما مكثوا فيها فهم لا بد خارجون.\rفقد قال في صـ33ـفحة :\"وأحاديث عدم الخلود بالنار للعصاة الذين فعلوا أفعالاً يهون الكفر إلى جانبها\"، أي إن هناك أحاديث تنص على عدم خلود أهل المعاصي في جهنم مع أنهم يفعلون أفعالاً أشد من الكفر، وأن هذه الأحاديث تهدم نظرية الالتزام بالاسلام!؟\rوكرر المؤلف هذا المعنى في الصفحة 173 أيضا فقال :\"...ودون أن يشير إلى اختلاف المسلمين في قضية إيمان أو عدم إيمان صاحب الشهادتين الذي يقوم بأفعال يهون الكفر المجرد إلى جانبها لما يلحقه من ضرر بالمسلمين...\" اهـ .\rهذه هي نظرة هذا الذي يدعي الانتماء إلى الاعتزال، وهذه هي طريقته في استنباط المعاني والقواعد !!\rفهل فعلاً تؤدي هذه القاعدة التي يقول بها أهل السنة إلى هدم الإسلام كما قال هذا المدعي ؟!","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"ويوجد باب خاص عقده المؤلف لمناقشة أهل السنة في قولهم بأن أهل المعاصي يخرجون من جهنم مهما بقوا فيها، وسنرجئ نقاشه في حيثيات هذا الموضوع إلى ذلك المحل، ولكن هنا اكتفينا بالإشارة إلى هذه الملاحظة، ليتعجب القارئ من هذا الرجل الذي يدعي الانتماء إلى المعتزلة !!\rالباب الثاني\rطريق الإيمان بين إثبات الخالقية والألوهية\rهذا الباب عقده المؤلف ليتناول فيه الطريق الذي سلكه حزب التحرير في إثبات وجود الله تعالى، ونحن لن يكون كلامنا منصبا على الدفاع عن حزب التحرير في مسلكه هذا لأن هذه وظيفة للمنتمين إلى هذا الحزب إن ارتأوا ذلك، بل إننا سوف نهتم ببيان تهافت المؤلف الذي نصب نفسه عدواً للأشاعرة ببيان عدم تمكنه من الاستدلال العقلي وصحة الاستنباط، وسوف نثبت أن هذا الرجل ليس بأهل للنظر في مثل هذه المباحث لعدم توفر أمور كثيرة فيه، والتي هي من الشروط الواجب توفرها فيمن ينظر في هذه المسائل !!\rقال في صـ41ـفحة في مناقشة النبهاني في الدليل الذي أتى به لإثبات وجود الله تعالى: \" إن الوصول إلى محدودية الكون والإنسان والحياة من المظاهر الفردية أمر لا يعقل، لأن مجموع المحدودات لا يكون محدوداً، إلا إذا كان عدد المحدودات معلوماً أما إذا كان العدد مجهولاً ومفتوحاً زماناً ومكاناً فإن القول بأنه محدود هو نوع من التجاوزات والمجازفات العاجزة عن تكوين القناعات، فكيف الإيمان ؟\" .\rكذا قال، وسوف نناقشه نحن هنا مناقشة خفيفة في بعض المفاهيم التي استعملها في هذه الفقرة.\r- إن قوله بأنه لا يمكن الوصول إلى محدودية الكون من المظاهر الفردية إلخ كلامه،هو كلام ضعيف، لأننا نعلم أن سائر المتكلمين أشاعرة ومعتزلة استدلوا على وجود الله تعالى وعلى عدم محدودية صفاته ووجوده من مجرد النظر في الكون ؟؟!\rفقد استدلوا بالنظر في الكون على محدوديته ومن ثم استدلوا على وجود الله تعالى وعدم محدوديته .","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"فكيف يقول هذا الرجل بأن ذلك لا يمكن ؟ فنحن نعرف أن دليل الحدوث الذي استعمله الأشاعرة بل المتكلمين كلهم في سبيل إثبات وجود الله تعالى يعتمدون فيه فقط على النظر في الكون المشاهد، ولهذا اشتهر هذا الدليل من بين جميع الأدلة التي ابتكروها لهذه الغاية، أي لسهولته لاعتماده على المحسوس، وقد صرح بهذا كثير من الكتاب المعاصرين بالإضافة إلى القدماء الفحول.\rفإن النظر في الكون يدل الناظر على محدوديته،وذلك لأن الدلائل قائمة فيه على النقص، والنقص دليل المحدودية، والمراد بالنقص هو الحاجة أي عدم القيام بالذات.\rنحن نسلم أن الطريقة التي استخدمها تقي الدين النبهاني لإثبات محدودية الكون فيها نظر أو إنها تحتاج إلى توضيح وتقعيد، ولسوء الحظ لم يفعل ذلك أحد من الحزب !! ربما لقلة المعرفة والاطلاع.\rومع أننا لا نوافق النبهاني في كل ما يقول، إلا أن ما يطرحه أمين نايف هنا لا يمكن قبوله مع ما فيه من مفاسد.\r- وقوله بعد ذلك: إن العدد إذا كان مجهولاً ومفتوحاً ... إلخ كلامه.\rالعدد الذي يقصد الاستناد إليه في مناقشته هنا هو المسمى في الرياضيات بالمالانهاية، فهذا هو المفتوح من الطرفين، ولكن ربما نسي أو لم يعرف المؤلف بأن المالانهاية لا يمكن أن تكون عدداً، ولذلك لا يجوز أن يقسم أي عدد عليها، أو أن تقسم هي إلى أي عدد أيضاً، وكذلك فباقي العمليات الرياضية التي تصلح لباقي الأعداد ربما لا تصلح هنا، ونفس الشيء يقال فيما يتعلق بالصفر فلا يمكن أن يعتبر عدداً كباقي الأعداد، وبالتالي لا يمكن أن يوجد عدد مفتوح من الطرفين كما عبر هو عنه.\rوأيضاً فالمالانهاية لا يقال عنها إنها مجهولة بالمفهوم الذي قال هو به، فإن الفاهم للرياضيات يعلم أن مفهوم العدد المجهول أمر ومفهوم المالانهاية أمر آخر، ولو كانت المالانهاية مجرد عدد مجهول لما كانت مالانهاية !!\rوعلى كل حال فهذا مبحث رياضي لا أظن أن المؤلف سوف يتناوله باستمتاع !!","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"ولا بأس هنا من ذكر ما قال العلامة التفتازاني في معنى الأزل كما ذكره في شرح العقائد النسفية: \" هو عبارة عن عدم الأولية أو عن استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي \". وقال: \" ليس هو حالة مخصوصة \".\rوالإمام التفتازاني يوضح في كلامه هذا أن المالانهاية ليست عدداً بل هي مفهوم وحالة معينة، لأنها لو كانت عدداً لكانت محدودة وهذا تناقض .\rوقال المؤلف في نفس الصفحة السابقة: \" إن الزمان والمكان في فكر النبهاني زمان ومكان مطلقان لا حد لهما-نظرية نيوتن في الزمان والمكان-ولإثبات ذلك يكفي لفت النظر إلى استعماله كلمة الأزل لذات الله أو لعلمه، وكلمة اللامحدود لذات الله كصفة وجودية، والكلمتان \"الأزل واللامحدود\" لا يدرك العقل مفهوماً لهما إلا بالصيرورة إلى الزمان والمكان المطلقين\" اهـ .\rهذا هو ما زعمه هذا الناقد الفحل!!\rفهو قد وضع في هذه الفقرة علامات مميزة للفكر وضوابط للحكم نوع الفكر ومعرفة أساسه، فقال: إن استعمال الأزل واللامحدود علامة على الزمان والمكان المطلقين، وهذا إستنادٌ إلى إسحق نيوتن الذي قال - متبعاً في ذلك من قبله - بالزمان والمكان المطلقين، ولا أظن أن المؤلف يعرف أن نيوتن كان مقلداً في قوله هذا ومتبعاً لغيره من الفلاسفة الذين سبقوه ؟؟\rعلى كل حال، فالذي يهمنا هنا هو أن كل من قال بأن الله تعالى أزلي ولامحدود فإنه قائل لا محالة بالزمان والمكان المطلقين؟؟ فهذا هو خلاصة قول المؤلف الفذّ.\rونقول نحن له بكل ثقة: إنك لا تعرف ما هي موازين العلماء في كلامهم، فإننا لو سلمنا معك أن كل من قال بالأزل واللامحدودية من الغربيين فيلزم أنه قائل بما قلتَ، فلا نسلم ذلك في حق الإسلاميين وعلى الأخص لا نسلمه في حق الأشاعرة .","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"فالمعلوم عند المطلعين أن المسلمين هم أول من حقق نظرية كاملة في مقابل نظرية الفلاسفة اليونان في مفهوم الزمان والمكان، فإن المكان والزمان عند الفلاسفة إما حركة الفلك أو مقدار حركة الفلك، واخلتفوا فيه، فقال بعضهم: هو عرض، وبعضهم: هو جوهر، وحركة الفلك عندهم قديمة لقدمه أو لقدم نوعه، وله تعريفات أخرى تجدها في كتاب المسائل لنا وحاشيتنا على لقطة العجلان للزركشي وتهذيب المقولات وغيره من كتبنا.\rوأما المكان عندهم وعند غيرهم فهو الحيز الموجود الذي يحل فيه الجسم، أو هو السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي، فهو وجودي عندهم.\rفالزمان قديم ووجودي عندهم، وأما المكان فهو وجودي على القول الثاني والأول، ولكن أصحاب القول الأول قد يقولون إن المكان لا متناه، أي يمكن لهم أن يقولوا يعدم تناهي الأبعاد، لأن البعد هو جزء من المكان في الحاصل، أما أصحاب القول الثاني فلا يمكن أن يقولوا بذلك وهم لا يقولون به فعلا، لأن الأجسام عندهم محدودة في وجودها، أي إنه يوجد لها نهاية وحد.\rأما معنى الزمان عند المتكلمين من الأشاعرة ومن غيرهم أيضا فهو كما ذكرته في الجزء الثاني من كتاب المسائل وهو الذي اختاره العلامة العطار: الزمان هو مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم، إزالةًً للإيهام من الأول بمقارنته بالثاني.\rفالزمان عند التحقيق بمعنى مذهب المتكلمين إنما هو اعتباري كما صرحنا بذلك أيضا في بداية الكلام على معنى الزمان في كتاب المسائل فقلنا: أنكره المتكلمون وجعلوه أمرا اعتباريا، وأثبته الحكماء والمحققون منهم جعلوه من مقولة الكم اهـ .\rوكذلك المكان عند المتكلمين فهو عبارة عن بعد موهوم يشغله الجسم وتنفذ فيه أبعاده، أي إنه ليس أمراً موجوداًَ بل هو موهوم .\rومعنى قولهم عن الزمان إنه اعتباري أي أنه لا توجد له حقيقة في الخارج.","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"وكذلك معنى قولهم عن المكان إنه موهوم أي إنه كذلك لا حقيقة له في الخارج، بل هو من تجريدات الذهن وتقديراته، وذلك لتهوين النظر والتعامل مع الأمور الجسمانية، وهذا هو التحقيق في معنى المكان والزمان.\rولذلك قال بعض العارفين:إذا أردت أن تفهم التوحيد فجرد نفسك عن المكان والزمان، وذلك لأنه لا يوجد تقادير في حق الإله ولا يمكن أن تتصور متغيرات .\rولنعد إلى مناقشة هذا المؤلف الناقد، فهو يقول: إن كل من نسب الأزل واللامحدودية إلى الله تعالى، بل كل من نطق بهاتين الكلمتين فهو لا بد قائل بنظرية نيوتن في الزمان والمكان.\rونحن قد عرفنا أن نيوتن قائل بالزمان والمكان الوجوديين، ومع أننا نعرف أن كثيراً من المتكلمين يستعملون هاتين الكلمتين في حق الله تعالى، إلا أننا عرفنا أيضا أنهم لا يقولون بما يقول به نيوتن من مفهوم للزمان والمكان.\rوذلك لأن الأزل عندما يستعمله المتكلمون في حق الله تعالى لا يقصدون منه الزمان مطلقا، بل يقصدون منه عدم الأولية في الوجود التي هي بلا زمان، ولا متحركات ولا مكان، ولهذا فقد نبهنا نحن في شرحنا لعقيدة ابن الحاجب إلى هذا المعنى وحذرنا من أن يفهم البعض هذه الكلمة على غير ما يريد بها المتكلمون، فقلنا في صـ16ـفحة من بيان القدر الواجب من معاني عقيدة ابن الحاجب:","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"\"ولا معنى للقدم إلا إنه ليس بحاجة في الوجود إلى من يوجده، وهذه الصفة لا يتصف بها إلا الخالق عز وجل، ولهذا يقال: إن الله تعالى قد قدر فيما لم يزل أن يخلق العالم فيما لا يزال، وهذا لا يستدعي حدوث شيء إلا العالم، فلا يستدعي حدوث أمر في الخالق، والعالم لا يمكن أن يوجد إلا فيما لا يزال، لأن ذاته لا تقبل الوجود فيما لم يزل، وتنبه إلى أن عبارتَيْ (فيما لم يزل وفيما لا يزال) لا تعنيان الزمان لأنه لا وجود له في ذاته على ما هو التحقيق بل وجوده تقديري ومفروض، ولا معنى لهما إلا الإشارة إلى الاستقلال بالوجود وعدم الاستقلال به، فلا تغفل، والزمان لا يكون قديماً لئلا لزم وجود الحوادث في الأزل.\" اهـ .\rومع وضوح هذه الفكرة عند سائر المتكلمين إلا إنها ليست واضحة عند هذا المدعي المتعالي \"أمين نايف\" الذي تصدى لبيان تهافت الفكر الأشعري على حد زعمه، وللرد على حزب التحرير ذي الأصول الأشعرية كما يزعم أيضاً !!\rومن هذا كله نفهم أنه ليس كل من قال بالأزل فيلزم أن يكون قائلاً بنظرية نيوتن في الزمان والمكان، ولا يكون قائلا أيضا بقدمهما.\rفبان بذلك أن رده على النبهاني وعلى كل من يقول بقوله إنما هو رد متهافت سخيف، وليس سوى تحذلق لا حاصل تحته من علم أو تحقيق كما يحاول هو أن يُظهِرَ .\rولا أرغب من هذا البيان السريع لهذه المفاهيم إلا أن ألفت نظر هذا الكاتب إلى أن الأشاعرة ليسوا عبارة عن متسكعين في علم المعقولات ولا هم عابري سبيل في تاريخ الحضارة الإسلامية بل إن مكانهم في ذلك أكبر وأعظم ولا يعرفه من عمي قلبه ببغضهم والتنقيص من حقهم.","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"وإن أردت أن أمثل حال هذا المؤلف بمثل لتقريب ما يفعله في نقاشه مع الأشاعرة، فإنني لست أرى مثلا أقرب من ابن تيمية حين ادعى أن الأشاعرة قد عطلوا الله تعالى حين قالوا إن العالم حادث وليس قديماً ولا يوجد في الأزل إلا الله تعالى، فقال لهم: إن هذا القول يعني أن الله تعالى قد مرَّ عليه أزمان طويلة لم يكن فيها خالقاً ثم خلق!! وذلك بناءاً منه على اعتبار الزمان والمكان قديمين!! ومعلوم عند العارف أن هذا الكلام ما هو إلا محض تحكم وتأويل فاسد لكلامهم. وهو بالضبط ما يفعله هذا الناقد هنا، مع اختلاف الزمان، وقد بينت أنا خطأ ابن تيمية وألفت رسالة خاصة في نقض كلامه في هذه المسألة.\r- ثم قال هذا الناقد في صـ42ـفحة: إن تركز البحث بالخالقية عند حزب التحرير هو سبب إشكاليته وهي إشكالية الإيمان الإسلامي منذ قرون.\rوعلل ذلك قائلاً: لأن الإيمان أو التسليم بالخالقية ليس له أدنى تأثير في النهضة.\rثم قال في مكان آخر:لقد وقع حزب التحرير أسيراً والناس عموماً حين بحثوا عن الخالقية لا غير،وجعل ما عدا ذلك أمراً لا يهم الإنسان معرفته.\" اهـ .\rإننا نسلم مع المؤلف أن الإيمان بمجرد الخالق لا يؤدي بمجرده إلى الإيمان بالإله الذي يستحق العبادة، وذلك لأنه قد يتصور بعض الناس الخلق على معنى معين يجوز معه تصور الخالق غير فاعل إلا لحظة الخلق الأولى كما قال به بعض الفلاسفة اليونان وكما هو مقتضى فلسفة الغرب البراجماتية في هذه العصور على التسليم بأنهم يؤمنون بوجوده.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وهذا الفريق يقول: إن الخالق هو كالشرط لوجود المخلوق، لا كالعلة الفاعلة، والشرط بعد وجود المشروط لا يعود هناك حاجة لوجوده، فمن قال من الناس: إن الخالق كالشرط فإنه يلزم منه أن يكون الإيمان بأنه خالق غير كاف للإيمان التام، وأما من قال إن الله تعالى بصفاته أو بتعلقاتها كالعلة لوجود العالم، فلا يمكن أن يقول إن الإيمان بأنه تعالى خالق لا يكفي للإيمان التام، وذلك لأن الخلق عنده يكون بمعنى التدبير، والمدبر هو الرب والإيمان بالرب يستلزم الانقياد له، أو على الأقل التسليم بوجوب الانقياد له.\rوالمسلمون يقولون إن تعلق القدرة الإلهية لزم عنه وجود العالم وتغيراته، ولم يتخلف العالم عن التعلق المذكور، فالتعلق إنما هو علة لوجود العالم.\rولهذا التوضيح لا يجوز أن يقال: إن مجرد القول بالخالق لا ينتج عنه الإيمان التام الكامل المعتبر شرعاً والمنتج للعمل، بل يجب الاحتراز والتفصيل.\rهذا إن قصد المؤلف بكلامه السابق أن من قصر أبحاثه أو ركز في بحثه وأدلته على إثبات الخالق فلا يمكن أن يكون هذا أساساً كافيا للإيمان المعتبر، أما إن قصد أن الوقوف في البحث عند مجرد إثبات الخالق دون الاهتمام بإثبات صفاته وما يثبت له من أحكام،فكلامه صحيح ولا خلاف، مع أن ظاهر كلامه إنما يدل على الأول، وذلك لأنه شمل بحكمه الناسَ جميعاً، ونحن نعلم أن معظم المسلمين كما اهتموا بالكلام على إثبات الذات اهتموا أيضا بالكلام على إثبات الصفات، وهم جميع المتكلمين. ولم يقف من المسلمين عند الإيمان بالذات إلا الذين منعوا النظر أصلاً. بل حتى المجسمة من الذين ينتمون إلى الوهابية ومُدَّعِيْ السلفية لم يقتصروا في كلامهم على الذات فقط بل تكلموا أيضا على الصفات وبتفصيل أكثر من باقي المتكلمين، وإن أخطأوا فيه.\rفائدة جليلة:","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"ذكر الجلال الدواني في شرحه على العقائد العضدية كلاماً جيداً عن التوحيد فقال: \"واعلم أن التوحيد إما بحصر وجوب الوجود أو بحصر الخالقية أو بحصر المعبودية\" ثم تكلم عن الأول والثاني .. وقال: \"والثالث وهو حصر المعبودية فيه وهو أن لا يشرك بعبادة ربه أحداً، فقد دلت عليه الدلائل السمعية، وانعقد عليه إجماع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ كلهم قد دعوا المكلفين أولاً إلى التوحيد، ونهوهم عن الإشراك في العبادة، قال الله تعالى: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) اهـ .\rوهذا الكلام فيه فوائد ليس هنا مجال بيانها، فتأمل فيه تجد ما يرضيك.\rالباب الثالث\rالقضاء والقدر وأفعال العباد\rلا يكون كلامنا خطأ إذا قلنا: إن معظم كلام صاحب الكتاب موضوع النقد يدور حول مفهوم القضاء والقدر، فكل من مفهوم الرزق والأجل والمال والنصر إنما هي فروع عن هذه المسألة، وهي تشكل القسم الأكبر من الكتاب.\rولذلك لا ضرر في أن نفصل في نقض كلامه في مسألة القضاء والقدر بعض التفصيل، لأن ذلك سيكون قاعدة للكلام الذي يليه.\rنعم إن الكلام في القضاء والقدر إنما هو بحث في الحرية والمسؤولية والنتيجة، وهو بحث في العدل. ولكن لا يعني مجرد الابتداء بهذه الجملة أن كل ما قاله مؤلف الكتاب بعد ذلك هو وصف صحيح لحقيقة الواقع الخارجي فعلاً، بل قد يكون مخالفاً له تمام المخالفة.\rومع أن المؤلف يدعي أنه هو الذي يوضح المذهب الحق في العدل واحترام الإنسان ووضعه في موضعه الذي يستحق، ويجاهر بهذا الكلام ويبالغ فيه مبالغة تامة، إلا أن هذا الكلام منه قد لا يكون أكثر من ادعاء لا واقع تحته، والذين ينخدعون به لا يكونون إلا قصيري النظر وضعيفي التحصيل.","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"وأيضاً فإن مجرد تهويلاته في الحط من مذهب الأشاعرة لا يعني أنه فعلاً قد فهم مذهبهم، وعرف بالأدلة التامة أنه يخالف الواقع، بل إن الواقع الفكري واستقراء أساليب الكتاب يدل في معظم الأحيان على أن من يجاهر بفكرته ويستسخف أفكار الآخرين ويوهم قراءه أن مخالفيه في منتهى الانحطاط الفكري فإن حاله غالباً يكون الجهل بحقيقة حال من يرد عليهم، بل الجهل أيضاً بحقيقة المذهب الذي ينتمي هو إليه.\rهذا كله في حال عدم وصول الكاتب إلى التحقيق التام والعلم الواسع على الأقل في موضوع كتابته، كحال صاحبنا هذا.\rوقبل أن نشرع في نقد ما في كلام المصنف مما يتعلق بهذا الموضوع أي القضاء والقدر، لا بأس أن نوضح آراء الفرق الإسلامية وأقوالها فيه، لأن هذا يساعد في فهمه وفهم الكلام الذي سوف نقوله، مع ملاحظة أن المؤلف قد أشار باختصار - وبما لا يتعدى السطور - إلى ذلك.\rمفهوم القضاء والقدر:\rالقضاء والقدر هو في النهاية بحث في أفعال الإنسان، وبحث في إرادته، بل هذا البحث أولًا ينبني عند أهل السنة على النظر في أفعال الله تعالى، وقدرته، وإرادته، وذلك قبل انبنائه على أفعال الإنسان.\rهذا هو الأساس الحقيقي للمسألة، وذلك لأن وجود الإنسان وأفعاله في الحاصل إنما هو نتيجة لأفعال الله تعالى إما مباشرة أو بالوساطة على اختلاف مذاهب الناس، فأهل السنة قبل تقعيد القواعد في أفعال الإنسان يحققون الحق في أفعال الله تعال، بخلاف غيرهم، حيث كثيراً ما يعكسون الأمر.\rولهذا سوف نوضح أقوال الإسلاميين في هذا الأمر، ونركز بعض التركيز على توضيح قول أهل السنة حتى نبني أساساً قوياً نناقش عليه هذا الكاتب الذي يكثر من الخلط في الأمور.\rالذي يهمنا بيانه من المذاهب هو في النهاية مذهب أهل السنة، ولذلك سيكون اهتمامنا ببيان غيره من المذاهب من حيث يساعد في بيان قول أهل السنة، كما يقولون: \"وبضدها تتميز الأشياء\".","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"المذاهب التي سوف نوضحها هنا أربعة: وهي مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة ومذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة، وربما نشير إلى مذهب الفلاسفة في أفعال العبد والقضاء والقدر لزيادة التوضيح.\rأولا:مذهب الجبرية في الأفعال:\rأوضح الإمام السعد التفتازاني مذهب الجبرية في شرح العقائد النسفية بقوله: \"زعمت الجبرية أنه لا فعل للعبد أصلا وأن حركاته بمنزلة حركات الجمادات لا قدرة للعبد عليها ولا قصد ولا اختيار\" .\rوخلاصة رأي الجبرية أنهم يقولون أن العبد لا استطاعة له على فعله لا كسباً ولا خلقاً.\rوقد لخص الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح في كتابه\"دراسات في الفكر العربي الإسلامي\" صـ268-269ـفحة أصول مذهب الجبرية بكلام جيد نذكره هنا، قال:\rتؤكد الشواهد التاريخية أن الجهم بن صفوان الراسبي كان رأس مدرسة الجبرية الخالصة ومؤسسها والمدافع عن آرائها، وأنه كان يرى أن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات وتنسب إليه الأفعال مجازاً كما تنسب إلى الجمادات،كما يقال: أثمرت الشجرة وجرى الماء وترك الحجر وطلعت الشمس وغربت وتغيمت السماء وأمطرت واهتزت الأرض وأنبتت إلى غير ذلك.<أنظر الأشعري مقالات الاسلاميين 1/280،البغدادي الفرق بين الفرق ص/128،الشهرستاني الملل والنحل ص1/109،الاسفراييني التبصير في الدين ص96>.\rوبالعودة إلى القواعد الكلية الضابطة التي أشرنا إليها فيما تقدم يتبين لنا أن مذهب الجهم ينطوي على جملة أمور متداخلة ومتضايفة هي:\rأ) أن الإنسان غير فاعل على الحقيقة ونفي الفعل عنه حقيقة بإضافته إلى الرب تعالى، يعني: إنكاره للقدرة الحادثة وتأثيرها، سواء باستقلال عن القدرة الإلهية أو في اقتران معها.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"ب) إن إضافة الفاعلية والتأثير إلى القدرة الحادثة ليست إلا مجازاً كما ينسب الإحراق إلى النار، فالأفعال الإنسانية كفعل الجمادات طبع واضطرار لا اختيار فيه، انتهى كلامه .\rهذا هو خلاصة قول الجبرية، وهم الجبرية الخالصة أتباع الجهم بن صفوان.\rوقد ادعى بعض المستشرقين- كما أشار الدكتور عرفان في كتابه-، مثل فون كريمر وماكس هورتن ودوي بور وجوزيف شاخت ووليم طومسون إلى أن مذهب الجبرية ولد في الدولة الإسلامية نتيجةً لتأثره بالثقافات الأجنبية كالهندية واليونانية واليهودية والمسيحية، وهذا القول باطل فإننا لا ننسى أن كثيراً من المستشرقين ادعوا في علم الكلام كله بكافة اتجاهاته أنه ما كان إلا نتيجة لتأثر المسلمين بالثقافات الأجنبية وتقليدهم لها، وهذا هو شأن المستشرقين في محاولة عزو كل ناحية من نواحي الثقافة الإسلامية إلى الثقافات الأجنبية ليؤكدوا أن المسلمين لا يوجد لهم شخصية مستقلة تنبعث منها أفكارهم، باستقلال.\rوقسم من المستشرقين ادعى أن القول بالجبر جاء بإيحاء من الأمويين وتشجيع منهم حيث اتخذوا المذهب وسيلة لتبرير سلطانهم القائم على الكبت ومصادرة الحريات والدعوة إلى نزعة جبرية صارمة ترى الأمور مقدرة مسبقا وأزلاً، وأن ليس للإنسان تجاه الأوضاع والأحداث المقدرة له حول ولا سلطان إلا الاستسلام لها والانقياد لأحكامها<جولدزيهر(أجنتس)>العقيدة والشريعة في الإسلام-الترجمة العربية ص97وما بعدها>.\rقال الدكتور عرفان: وهذا الرأي مردود أيضاً على أصحابه ذلك أن الجهم بن صفوان رأس المدرسة الجبرية ومؤسسها قد خاض غمار ثورة مسلحة وعنيفة ضد السلطة الأموية في أخريات أيامها، فقتل على يد مسلم بن أحوز المازني وبأمر من والي الأمويين على خراسان سنة128هـ.","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"وقد قال بهذا الرأي في أصل منشأ الجبريةِ المعتزلةُ ونصوا عليه في كتبهم، ومن ذلك ما قاله القاضي عبد الجبار في كتاب \"طبقات المعتزلة\" الذي حققه فؤاد سيد، فقد نقل القاضي في هذا الكتاب عن الشيخ أبي علي الجبائي قوله: \"قال أبو علي: ثم حدث رأي المجبرة من معاوية لما استولى على الأمر ورآهم يأتمرون بأمره فجعل لا يمكنه حجة عليهم، وأوهم أن المُنكِرَ لفعله قد ظلمه، فقال:لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه، ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره. وكان إذا ذكر فيمن حاربه الغلبة يقول:كيف رأيتم صنع الله؟ يضيف ذلك إلى الله تعالى وإرادته، يستدعي بذلك إلى تقوية باطله، وكان يقول أنا خازن من خزان الله تعالى، أعطي من أعطاه الله تعالى وأمنع من منعه الله تعالى ولو كره الله أمراً لغيره. قال أبو علي:وحدث من ملوك بني أمية مثل هذا القول وذكر غيرُهُ عن معاوية أنه قال: يا أهل العراق أتروني قاتلتكم على الصيام والصلاة والزكاة، وأنا أعلم أنكم تقومون بذلك، وإنما قاتلتكم على أن أتأمر عليكم، وقد أمَّرَني الله عليكم\".\rثم قال القاضي عبدالجبار:\"فهذا الأمر الذي هو الجبر نشأ في بني أمية وملوكهم وظهر في أهل الشام ثم بقي في العامة وعظمت الفتنة فيه\" اهـ.\rونحن لا ننكر أن لبني أمية أثر ملحوظ في نشر تيار الجبرية، ولكن هذا لا يعني أن أصل هذا التيار جاء منهم، فقد يكون الجبر له أصول في المسلمين ورأى الأمويون أنه يمكن أن يخدمهم، فاستغلوه كما شاؤوا بعد ذلك.","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"ثم أوضح الدكتور عرفان رأيه في أصل منشأ الجبرية فقال: والحق فإن القول بالجبر حالة تتولد في العادة عن نزعة روحية ورعة من شأنها أن تخلق في الغاية والنهاية حالة نفسية سامية تتراجع معها الإرادة الإنسانية لتفنى في عظمة الخالق تعالى وجبروته وكماله، وهكذا يأتي القول بالجبر تعبيراً عن حالة نفسية لروح متديِّنة تذوب إرادتها في إرادة الله تعالى، فلا تعود تشعر معها باستقلالية في الفعل والتدبير وترى الكمال الإنساني في استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريد، وفي مثل هذه الحالة النفسية المعاشة والتجربة الروحية العميقة لا تقيم النفس الإنسانية للعقل ومنطقه ولوازمه وزناً، وتسقط من الاعتبار ما يراه العقل العملي أو النظري من رابطة علية بين القول بالجبر وما يترتب عليه من إسقاط للمسؤولية الخلقية وتسوية بين العقاب والثواب وانتفاء للفائدة من بعثة الأنبياء ورفع للتكاليف، فهذه كلها شأن العقل الاستدلالي المحكوم بمنطقه القائم على الربط بين المقدمات والنتائج، أما الروح الفانية في إرادة الله تعالى فإنها وقد أرسلت نفسها مع الله على ما يريد لا تقيم لمثل هذه العلية قدراً ووزناً، وعلى هذا الفهم الذي أسماه الصوفية بالتوحيد الإرادي، ينبغي أن تحمل أيضا جملة الآيات القرآنية التي تدل في ظواهرها على فناء الإرادة الإنسانية في الإرادة الإلهية السامية، انتهى كلامه .\rفهذه هي النظرات الثلاثة أو الأربعة- منها آراء مقبولة ومنها آراء مردودة.\rوقد ناقش أهل السنة رأي الجبرية الخالصة وأوردوا الأدلة على أنه بصورته التي تنفي أيَّ إرادة للبشر فهو مذهب مردود، مخالف لأصل التكليف، وأثبتوا بطلانه بهذه الصورة بالضرورة.\rثانيا:مذهب المعتزلة في الأفعال:","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"ربما يجب في البداية أن ننبه إلى أن النقيض التام للجبرية ليسوا هم المعتزلة بل القدرية، والقدرية فرقة أخرى غير المعتزلة وكانوا قبلهم في الزمان، وهم أصحاب معبد الجهني (ت 80هـ)، وغيلان الدمشقي ( ت99 )، وقد قالوا بالقدر الخالص وأنكروا علم الله تعالى الأزلي بأفعال العباد، وقالوا مقولتهم المشهورة المعروفة: \"لا قدر والأمر أُنُف\"، أي إن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد حصولها، وبالتالي يستحيل أن يكون قد قدرها منذ الأزل .\rوهذا المذهب مذهب مرذول مردود من قبل سائر الفرق الإسلامية، لأنه يعارض أموراً معلومة من الدين بالضرورة، كظاهر مذهب الجبرية كما نبهنا .\rقلنا: إن مذهب المعتزلة ليس هو مذهب القدرية، ويجب على الباحث المخلص التفريق بينهما، وسوف نشرع الآن في توضيح مذهب المعتزلة.\rحاصل مذهب المعتزلة أن العبد يفعل فعله بقدرته التي أودعها الله تعالى فيه باختياره، ومعنى فعل العبد هو أنه يخلق فعله ويوجده من العدم بإرادته الحرة، فالفعل ناتج فقط عن قدرة العبد وبلا تدخل من قدرة الله تعالى.\rمع إقرارهم أن الله تعالى يعلم ما سوف يكون منذ الأزل، ومع هذا فإن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى بل هي مخلوقة للناس.\rوهم يعللون هذا بأن الأفعال لو كانت مخلوقة لله تعالى للزم على هذا أن يكون العبد مجبوراً، لأنهم لم يتصوروا أمراً بين الخلق والجبر، فقرروا أنه إن لم يكن مخلوقاً للعبد فإن العبد يكون لا محالة مجبوراً عليه، وكل مقصدهم هو أن يفروا من كون العبد مجبوراً.\rففروا بهذا القول من المحظور الذي وقع فيه الجبرية ومن المحظور الذي وقع فيه القدرية، فكانوا وسطاً بينهما، ومع هذا فإننا نقول: إن مذهبهم أغفل أمراً مهما وهو أنه قد ثبت بالدليل القاطع أن الله تعالى هو الخالق ولا يوجد خالق غيره، وما دام هذا ثابتاً فكيف يكون العبد خالقاً لأفعاله ؟‍‍!","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"وحاصل مذهبهم على هذا التوضيح أن بعض الموجودات يخلقها العبد والبعض الآخر يخلقه الله تعالى، نعم لا خلاف أن مخلوقات الله تعال أكثر وأكمل، ولكن هذا ليس موضع النقاش، بل المهم هو أن بعض الموجودات صادرة عن قدرة المخلوق التي نتجت عن قدرة الخالق، وقد يقولون: إن هذا راجع إلى أن الله تعالى خالق للجميع ولكن بالواسطة، أي إنه ليس خالقاً مباشراً لبعض الموجودات.\rوهذه النقطة هي إحدى نقاط الخلاف مع مذهب الأشاعرة ومع الفلاسفة أيضاً، الذين يقولون بصدور الجميع عن الله تعالى بلا واسطة على التحقيق من مذهبهم كما قرره كثير من المحققين.\rوقد نقل الدواني في شرح العقائد العضدية أن حاصل مذهب الفلاسفة لا يختلف عن مذهب الأشاعرة من أنه لا فاعل في الوجود إلا الله تعالى، وأن جميع الحوادث صادرة عن الله تعالى بلا واسطة، وأن هذا هو التحقيق عندهم.\rوعلى مذهبهم إشكالات أولها أنه يخالف دليل التوحيد الذي ينتج عنه أن كل ما في الوجود فإنما هو بخلق الله تعالى.\rوادعى بعض المعتزلة أن كون الفعل واقع بقدرة العباد إنما هو أمر ضروري مركوز في الطباع وما يذكر من الأدلة إنما هو تنبيه على هذا الأمر المعروف بالضرورة.\rومن حججهم أن الجميع يعرف الفرق بين الحركات الصادرة بالاختيار كالمشي على الأرض وبين الحركات الصادرة من العباد بالضرورة وبلا اختيار كالسقوط،وما هذا الفرق إلا لأنه يدرك أن الأولى بإرادته وقدرته، ويدرك أن الثانية بخلافها.\rولكن الحق أن هذا الدليل لا يفيد ما يريدون إثباته، أي من أن للعبد قدرة يخلق بها، بل أقصى ما يفيده هو أن للعبد قدرة تعلقت بهذا الفعل على حسب قصده واختياره ولا تفيد أن الفعل مخلوق له.\rوأهل السنة لا ينكرون وجود قدرة للعبد على وفاق فعله ولا ينكرون وجود إرادة له كذلك، ولكن الذي ينكرونه هو أن تكون قدرة العبد الحادثة لها تأثير في خلق الأفعال أي في إيجادها من العدم.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"فيتضح أن الحاصل أن أدلة هؤلاء لا تنتج إثبات ما يريدون إثباته.\rوقال البعض الآخر أن الحكم بهذا الحكم أي إن للعبد قدرة يخلق بها ليس ضروريا بل هو نظري أي يحتاج إلى استدلال.واستدل هؤلاء على قولهم بأنه لو لم يكن للعبد قدرة يخلق بها لبطل التكليف والتأديب وارتفع المدح والذم والعقاب والثواب وبطلت فائدة البعثة.\rوالجواب على هذا سهل، وهو أن كلامهم هذا يلزم لو لم يكن للعبد قدرة أصلاً، كما يقول به الجبرية، أما بالقول بقدرة تتعلق بالفعل تعلقاً ليس هو الإيجاد بل هو الكسب كما يقول به أهل السنة، فلا يرد.\rوأيضا فأهل السنة والجماعة يقولون أيضا بوجود القصد والاختيار للعبد، ولكن لا يقولون إن القدرة هي التي توجد الفعل، بل يتعلق بها تعلقاً هو كسب لا تعلقاً هو إيجاد.\rوأيضاً فإن الذم والمدح يتصور ليس فقط بكون الممدوح هو خالق الشيء أو بكون المذموم هو خالق الشيء أيضاً، بل يكفي لكي يصح توجه المدح والذم إلى المرء أن يكون المرء مكتسباً له أي راغباً به وبقيامه بنفسه، مع أنه ليس فاعلاه له، فالمدح والذم إنما يتوجه على المرء من حيث هو محل للحسن والقبيح لا من حيث هو فاعل له، وهذا هو معنى قولهم، إن المدح والذم يتعلقان باعتبار المحلية لا ياعتبار الفاعلية.\rوأما لزوم الثواب والعقاب فهو ليس لزوماً عقلياً بل هو لزوم عادي، وهذه المسألة قد فُصِّلت في علم أصول الفقه.\rواتفق المعتزلة مع أهل السنة على أن الله تعالى عالم لكل ما سيكون من أفعال العبد منذ الأزل، وأن العلم بذاته ليس مؤثراً في الشيء، فعلمه تعالى بأن فلاناً سوف يفعل كذا لا يعني أن فلاناً قد صار مجبوراً على هذا الفعل، وفي نفس الوقت فإنه يعني أنه يجب أن يفعل الفعل الذي تعلق علم الله تعالى به، لأنه لو لم يفعله للزم الجهل عليه تعالى، وهذا مستحيل في حقه تعالى.","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"هذا هو حاصل مذهب المعتزلة، فهم كانوا يريدون أن يصححوا نزول الشرائع أي صحة التكليف، وكانوا يريدون أن ينزهوا الله تعالى عن العبث والظلم، ولكنهم لجأوا إلى أمر باطل في ذاته لا تسوغه لهم الأدلة العقلية ولا العمومات النقلية، ومن هنا فإننا نقول: إن مذهب أهل السنة هو أقرب إلى الحق من مذهب المعتزلة، ولكن القول بمذهب المعتزلة لا يؤدي إلى الكفر لأنه لم يخالف أمراً مقطوعاً به ولم يبطل أصلاً من أصول الشرائع.\rثالثا:مذهب الماتريدية في الأفعال\rقال الإمام البزدوي الماتريدي الحنفي في كتاب\"أصول الدين\": قال أهل السنة- أي الماتريدية -: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ومفعولة، والله تعالى هو موجدها ومحدثها ومنشئها، والعبد فاعل على الحقيقة، وهو ما يحصل منه باختيار وقدرة حادثين، هذا هو فعل العبد، وفعله غير فعل الله تعالى، وفعل الله تعالى هو الإيجاد والإحداث،كإيجاد العين، وللعبد فعل وليس منه إيجاد\" .\rفأثبت للعبد فعلاً غير فعل الله تعالى، وهذه هي أول نقطة يختلف فيها السادة الماتريدية من أهل السنة مع السادة الأشاعرة من أهل السنة أيضاً، فالأشاعرة يقولون إن فعل العبد هو نفس فعل الله تعالى.","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"ثم قال:\"إن الله تعالى قال: ? خلقكم وما تعملون ? جعل عملنا مخلوق الله تعالى فحقق عملنا وحقق خلق الله تعالى، وكذلك قال: ? وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق ? أضاف القول إلينا ثم جعله مخلوق الله تعالى، وكذلك قال: ? ومن آياته خلق السماوت والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ? أضاف اختلاف الألسن إلينا وجعل ذلك مخلوق الله تعالى، فقد جعل فعلنا مخلوق الله تعالى، فدلتنا هذه النصوص أن الأفعال منا بقدرة حديثة منا، وهي مخلوقة الله تعالى، فكانت هذه النصوص حجة على الخصوم أجمع، ولأن الله تعالى أضاف الأفعال إلينا في كتابه في مواضع كثيرة، قال تعالى: ? جزاءا بما كانوا يعملون ?، وقال: ? وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها ?، وقال: ? إذا قمتم إلى الصلاة ?، وكذلك نهانا عن أفعال كثيرة، وأمرنا بأفعال كثيرة فلا بد من أن يكون لنا فعل، ويجب أن يكون ذلك بهداية الله تعالى ومشيئته وإرادته، فإيجاد الجلوس فعل الله تعالى والجلوس فعل العبد، على معنى أنه حادث بقدرة حادثة حصلت منه فصار ذلك الفعل موجوداً بإيجاد الله تعالى، ففعل الله تعالى هو الإيجاد وهو إيجاد الجلوس والجلوس فعل العبد\" اهـ .\rهذه هي الطريقة التي يستدل بها الماتريدية على رأيهم في المسألة بناءا على النصوص التي ذكرناها، وعلى غيرها مما لم نذكره.","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"ثم قالوا بعد ذلك: بما أن فعل العبد مقدور لله تعالى فيجب إذن أن يدخل تحت القدرة الإلهية، أي يجب أن يكون الله تعالى هو خالقه، وبما أنه ينسب إلى العبد فيجب أن يكون العبد هو فاعله، وبما أنه لا مخالف في أن الفعل يدخل تحت قدرة العباد فيجب التسليم أيضا أنه يدخل تحت قدرة الله، لأنه يستحيل أن يدخل شيء تحت قدرة العبد ولا يدخل تحت قدرة الله، فللّه تعالى قدرة وللعبد أيضا قدرة، والفعل داخل تحت القدرتين معاً، من غير أن يؤدي ذلك إلى تناقض واستحالة، فالفعل يكون بإيجاد الله تعالى، وإيجاده تعالى قديم، وقدرته تعالى قديمة، والعبد يفعله بقدرة حادثة، فكان فعل العبد غير فعل الله تعالى، وكل واحد من القدرتين متعلق بهذا الفعل على معنى أنه يظهر آثار قدرتهما في هذا الفعل.\rوبقيت هنا مسألة وهي لو قال أحدهم رداً على مذهب الماتريدية بأنه يلزم عليه أن العباد يجوز لهم أن يحتجوا على تركهم للطاعات وفعلهم للمعاصي بأن أفعالهم ليست بخلقهم بل بخلق الله تعالى، ولم يكن لهم قدرة على فعلها ولا تركها.\rفالجواب بناءا على مذهبهم أن يقال:إن الله تعالى لا يأمر العبد بفعل إلا أن يكون للعبد آلة صالحة لأداء ذلك الفعل، ثم إن الله تعالى لا يخلق الفعل إلا لمن له تلك الآلة الصالحة للفعل وتوفر منه العزم عليه.\rولا بد من التفريق بين نوعين من الأفعال التي يتصف بها العباد، النوع الأول الضرورية التي سبق وصفها وهي التي توجد في العباد بلا قدرة منهم ولا اختيار ولا إرادة، النوع الثاني الأفعال التي توجد فيهم باختيار منهم وقدرة منهم عليها كما سبق.\rومع أن الله تعالى هو خالق هذين النوعين من الأفعال، إلا إنه يوجد فرق ضروري بينهما وهو أن أحدهما يوجد باختيار العبد وهو الذي يكون به التكليف، والنوع الآخر يوجد فيه بلا اختيار منه ولا يكون بهذا النوع تكليف. فلا يصح بعد هذا الاحتجاج بما قيل.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"ولا أكاد أجد فرقاً حقيقيا بين مذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة على ما قرره الإمام البزدوي هنا.\rوقد ذكر الإمام نور الدين الصابوني في كتاب البداية معاني ما نص عليه البزدوي ثم قال: \" فالحاصل أن فعل العبد يسمى كسباً لا خلقاً وفعل الله تعالى يسمى خلقاً لا كسباً، واسم الفعل يشملهما، وهذا عندنا. وعند الأشعرية الفعل عبارة عن الإيجاد حقيقة إلا أن الكسب يسمى فعلا مجازاً \".\rفأظهر الإمام الصابوني أن الخلاف بين المذهبين يكاد ينحصر في التسمية ولا أساس له في المعنى والحقيقة.\rولكن الشيخ المحقق محمد الحسيني الظواهري في كتابه \"التحقيق التام في علم الكلام\" قرر وجود فرق معنوي بين المذهبين على ما سيأتي، وهذا هو المشهور عند المتأخرين من المتكلمي،.كما أشار إليه الإمام ابن الهمام في المسامرة.\r- فقد ذكر انهم قالوا: إن الأشاعرة التجأوا إلى القول بخلق الله تعالى لكل شيء من الأفعال ومنها الأفعال الإنسانية كلها، لأنهم قالوا: إن الأدلة النقلية ملجئة إلى القول بذلك لعمومها، ولكن الواقع ليس كذلك فإن الأدلة تكون ملجئة إن لم تتعارض مع غيرها ولم تحتمل التخصيص، أماهذه الأدلة التي استندوا إليها فإنها تحتمل التخصيص، فإن ظاهر قول الأشاعرة يلجئ إلى القول بالجبر، لأنهم يقولون: إن كل الأفعال فالله تعالى هو خالقها، ولكننا نقول إن الله تعالى إن أعطى القدرة لعبيده على بعض الأفعال فإن ذلك لا يؤثر على شيء من المقام العالي له تعالى، ولا ينقص من خصائص الألوهية.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"ونفي الجبر المحض وتصحيح التكليف لا يتوقف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم كما تقوله المعتزلة بالإيجاد، بل يكفي لنفيه أن يقال جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات إنما يوجد بخلق الله تعالى وكذلك التروك التي هي أفعال النفس لأن الترك كف النفس عن الميل إلى الشيء وعن الداعية التي تدعو إليه وعن الاختيار له إنما يوجد الجميع بخلق الله تعالى لا تأثير لقدرة العبد فيه، وإنما محل قدرة العبد عزمه عقيب خلق الله تعالى فيه هذه الأمور في باطنه عزماً مصمماً بلا تردد وتوجهه توجهاً صادقاً للفعل طالباً إياه توجهاً لا يلابسه شوب توقف، فإذا أوجد العبد ذلك العزم المصمم خلق الله تعالى له الفعل عقيبه فيكون منسوباً إليه تعالى من حيث هو حركة.\rثم علق الشيخ الحسيني الظواهري على هذا الرأي فقال:\r\"وهذا الرأي يصحح التكليف بمثل ما صححه به المعتزلة إلا أنهم قصروا المسافة فجعلوا التأثير للعبد في العزم فقط\".\rثم زاد معارضا له فقال: وهو كلام إلى الخطابة أقرب ونقول لهم الجبر ينتفي بمدخلية العبد بغير التأثير لأن الجبر عند عدم المدخلية للعبد بالمرة، فقول البعض إن العبد مجبور في الباطن مختار في الظاهر فهما منه أن المنافي للجبر هو المدخلية على وجه التأثير مخالفٌ للواقع، لأن الجبر بعدم المدخلية أصلا.\rوهذا الكلام منه في غاية التحقيق.\rوبهذا نكون قد مهدنا السبيل إلى ذكر قول الأشاعرة المحققين من أهل السنة.\rرابعاً: مذهب الأشاعرة في الأفعال:\rقال الإمام العلامة السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية:\" وللعباد أفعال اختيارية يثابون بها إن كانت طاعة ويعاقبون عليها إن كانت معصية \" اهـ.\rوقوله: إن للعباد أفعالاً اختيارية أي يكتسبونها كسباً، فتنسب إليهم لذلك.","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"وقال العلامة صاحب التحقيق التام في علم الكلام: \" أفعال العباد من جملة أفعاله تعالى، فهو تعالى خالق لأفعال العباد الاختيارية وغير الاختيارية، بل هو خالق لسائر أفعال الأحياء وخصوا الكلام بالعباد لأن بعض الأدلة خاص بهم كالإيمان والشكر، واتفقوا على أنها تسند إليهم لا له لأن القائم والآكل والجالس هو زيد مثلاً وإن كان الفعل مخلوقاً لله تعالى فإن الفعل إنما يسند لمن قام به لا لمن أوجده، فالأبيض مثلاً هو الجسم لا الموجد\" اهـ .\rفالشيء ينسب إلى من قام به ذلك الشيء قيام اكتساب أو اتصاف، لا أي نوع من أنواع القيام، فاللوح المحفوظ قد قام به كلام الله تعالى أو بعضه، ولكن لا يقال إن الكلام الموجود فيه هو كلام للوح المحفوظ بل يقال: إنه كلام الله تعالى، وتحقيق هذه المسألة في علم الكلام.\rهذا هو الأصل الذي استند إليه أهل السنة والجماعة في تحقيق هذه المسألة، فالأفعال مخلوقة لله تبارك وتعالى، وتسند إلى العباد لا على أنها مخلوقة لهم بل على أنها مكتسبة منهم، بالقدرة الحادثة.\rقال بعض الفضلاء يخلص المذاهب ويبينها من بعضها:\r\" اعلم أن المؤثر في فعل العبد بالخلق والإيجاد إما قدرة الله تعالى فقط من غير دخل لقدرة العبد وهو مذهب الجبرية أو مع دخلها بالكسب وهو مذهب الأشعري، أو قدرة العبد فقط بلا إيجاب وهو مذهب جمهور المعتزلة أو بالإيجاب وهو مذهب الحكماء والمشهور فيما بين القوم عن إمام الحرمين، لكن صرح في الإرشاد وغيرها بخلافه، أو مجموع القدرتين على أن يؤثرا في أصل الفعل وهو مذهب الأستاذ منا والنجار من المعتزلة، أو على أن تؤثر قدرة الله تعالى في أصله وقدرة العبد في وصفه بأن يجعله موصوفاً بمثل كونه طاعة أو معصية وهو مذهب القاضي أبي بكر .","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"ثم الأستاذ إن أراد أن قدرة العبد غير مستقلة بالتأثير وإذا انضمت إليها قدرة الله تعالى صارت مستقلة بتوسط هذه الإعانة على ما قدره البعض فقريب من الحق، وإن أراد أن كلا من القدرتين مستقلة بالتأثير فباطلة لامتناع مؤثرين لأثر واحد.\rوالحق في هذه المسألة مذهب الأشعري وهو أن لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، أي إن للعبد اختياراً في نفسه، لكنه ليس منه، لأنه لا يُوجِد شيئاً بل من الله تعالى ويسمى هذا جبرا متوسطاً \" اهـ كلام الفاضل، وهو في غاية الإفادة.\rوأما قوله أن مذهب الأشعري يسمى جبراً متوسطاً فقد سبق التعليق عليه من كلام المحقق الحسيني وتبيين المراد منه والتحذير من فهمه فهماً غلطاً.\rفالأصل الذي يبني عليه أهل السنة كلامهم أن الله تعالى عالم بجميع أفعال العباد وقادر عليها ومريد لها، وأن هذا لا ينافي الاختيار للعباد، ولا يعني الجبر كما أشرنا وكما سوف يتضح أكثر فيما يأتي.\rقال العلامة التفتازاني:\" فإن قيل: بعد تعميم علم الله تعالى وإرادته فالجبر لازم قطعا، لأنهما إما أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع \" .\rهذا هو الإيراد الذي افترضه السعد، وأجاب عنه بما يلي، قال:\" قلنا: يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره فلا إشكال \".\rوهذا الجواب صحيح قطعاً ويبين الحق لمن يتمعن فيه.\rثم قال: \" فإن قيل: فيكون فعله الاختياري واجباً أو ممتنعاً وهذا ينافي الاختيار.\rقلنا: ممنوع، فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف له. وأيضا منقوض بأفعال الباري جل ذكره لأن علمه وإرادته متعلقان بأفعاله فيلزم أن يكون فعله واجباً عليه \" .\rومعنى هذا أن الله تعالى يريد أفعاله ويعلمها، ويلزم من هذا أنها لا بد أن تقع، وهذا لا يعني أنه تعالى مجبور على أفعاله.","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"وقد بين الحسيني المعنى الإجمالي للكسب فقال: \" إنا نعلم بالبرهان أنه لا خالق سوى الله ولا تأثير إلا للقدرة القديمة، ونعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض أفعاله كالصعود دون البعض كالهبوط، فيسمى أثر القدرة الحادثة كسباً وإن لم نعرف حقيقته، وهذا الإجمال في معرفته مرجعه إلى ما نجده في أنفسنا ... وتوضيح المقام أنه لما بطل الجبر المحض بالضرورة وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل وجب التوسط في العقيدة، وهو أن أفعال العباد بقدرة الله اختراعاً وبقدرة العبد بوجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب، نجده من أنفسنا، ولا نعرف حقيقته، وليس بواجب أن يكون تعلق القدرة على وجه الاختراع دائماً، إذ قدرة الله تعالى في الأزل متعلقة بالأشياء من غير اختراع، ثم تتعلق به نوعا آخر من التعلق، فالفعل خلق لله ووصف للعبد، وقدرة العبد خلق للرب ووصف للعبد، وليست كسباً له، هكذا يجب تحرير المقام قبل الاستدلال\" اهـ .\rويجب على القارئ التمعن في هذه الفقرة قبل المضي في هذا الرد، بل التمعن في جميع هذه المذاهب المذكورة، ليوقن بعد ذلك إن كانت نفسه صافية بأن مذهب الأشاعرة من أهل السنة هو المذهب الحق لا غيره.\rوقد أبان الإمام السعد عن وجه الحق في هذه المسألة في شرح العقائد النسفية أيضاً كما نبهنا من قبل،\rفقال:\" فإن قيل :لا معنى لكون العبد فاعلاً بالاختيار إلا كونه موجداً لأفعاله بالقصد والإرادة، وقد سبق أن الله تعالى مستقل بخلق الأفعال وإيجادها، ومعلوم أن المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين.\rقلنا: لا كلام في قوة هذا الكلام ومتانته، إلا أنه لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله تعالى، وبالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في لعض الأفعال،كحركة البطش دون البعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التفصي عن هذا المضيق إلى القول بأن الله تعالى خالق كل شيء والعبد كاسب.","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسبٌ، وإيجاد الله تعالى الفعلَ عقيب ذلك خلقٌ، والمقدور الواحد دخل تحت القدرتين لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب.\rوهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى وإيجاده مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار \" اهـ .\rواستند الأشاعرة إلى العمومات النقلية كما سبقت الإشارة إليه نحو قوله تعالى: ? لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ?، ? قل الله خالق كل شيء ?، ? خلق كل شيء فقدره تقديراً ?، ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ?، ? والله خلقكم وما تعملون ?، ? هل من خالق غير الله ?، وغير ذلك .\rونحن هنا لا نريد استقصاء ذكر الأدلة التي استند إليها أهل السنة في هذه المسألة، وذكر وجه دلالتها، فإن هذا الأمر يحوجنا إلى كلام كثير وقد أوفى العلماء هذا المبحث حقه في كتب علم الكلام المطولة والمختصرة، ولكنا هنا نذكر هذه المعاني لأننا متأكدون أن القاريء بل وأيضا المردود عليه لا يعرف الكثير منها على هذا الوجه، ولم يفهم كلام أئمة علماء الإسلام عندما كتب الكلام الذي كتبه وهو موضع النقد والرد، بل إن بعض العلماء المحققين أفردوا لهذه المسألة كتباً خاصة فصلوا فيها الكلام تفصيلاً.\rوالحاصل في توضيح رأي الأشاعرة وهو هنا ما نريده \"لا ننفي قدرة العبد ولا تعلقها وإنما ننفي تعلقها على جهة التأثير\".\rقال الشيخ الظواهري في توضيح أصول هذه المسألة وتلخيص المذاهب فيها:","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"\"مسألة خلق الأفعال نشأ فيها الخلاف بسبب أن أدلتها تتدافع، فالجبرية مرجعهم إلى أن ترجيح الفعل لا بد له من مرجح ليس من العبد، ومرجع المعتزلة إلى أن العبد قادر على فعله وهذان الأمران متعارضان، واعتمد الجبرية أيضاً على أن تفاصيل أحوال الأفعال لا تعلمها العباد، واعتماد المعتزلة على أن أفعال العباد واقعة تبعاً لمقصودهم، وهما متعارضان.\rوالدلائل السمعية مملوءة بما يوهم الأمرين، ومذهبنا وسط بينهما لأن المبادئ القريبة لأفعال العباد على القدرة والاختيار، والمبادئ البعيدة لها على العجز والاضطرار، لأن أفعال العباد متعلقة بمشيئتهم، ومشيئتهم ليست إلا بمشيئة الله تعالى، فلا ننفي القدرة للعبد أصلاً حتى نكون كالجبرية، ولا نثبت تأثيرها حتى نكون كالمعتزلة. فهو مختار كما نجده في أنفسنا ومجبور لقيام الأدلة العقلية والنقلية على أن الأفعال كلها لله \" اهـ .\rفهذا تلخيص كاف وبيان واف بمذاهب القوم، ذكرناها هنا لا كما ذكرها المؤلف بل كما يجب أن تذكر في الكتب، وهذا بيانٌ للباحث عن الحق والمريد معرفة حقائق معاني الأقوال المتعددة والمختلفة، ذكرنا المقبول منها والمرذول كلاً على وجهه، لم نغير حقيقته ليسهل الرد عليه والتقليل من قدرها، بل ذكرناها منا أرادها أصحابها بل ربما أفضل مما فعلوا هم، ولا نريد بهذا إلا وجه الله تعالى ورضاه، وأما الدخول في الأدلة والمناقشات فليس هنا محل ذلك كما أشرنا في غير محل.\rفرع في بيان معنى القضاء والقدر عند الناس\rويتضمن هذا الباب بيان كيف أن الاحتجاج بالقضاء والقدر على نفي العقاب والثواب غير صحيح.","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"وقبل أن نبدأ بذلك لا بد أن نبين ما هو معنى القضاء والقدر عند أهل الحق من أهل السنة، ليتسنى لنا بعد ذلك كيف أن احتجاج الناس بالقضاء والقدر لا يصح، وكيف أن اتهام البعض لأهل السنة بأنهم جبريون يسقط عندهم العمل وأن مذهبهم يبطل أصل التكليف والثواب والعقاب إن هو إلا اتهام ساقط لا أساس له، فنقول:\rالقضاء عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال.\rوالقدر هو إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأحوالها.\rومعلوم أن الإرادة كما هو مقرر عند الأشاعرة تتعلق على حسب العلم الأزلي القديم، والعلم لا يتعلق بالأشياء تعلق تأثير بل تعلق كشف للحقائق.\rوهذا المعنى للقضاء والقدر لا ينبغي أن يدعي أحد أنه يؤدي إلى الجبر وأنه تبطل التكاليف بناءا عليه، لأن الأساس الذي ينبني عليه هو في حاصله العلم.\rومن الآيات التي استدل بها الأشاعرة على أن الكل يكون بقضاء الله تعالى وقدره،قوله تعالى في سوررة القمر: ? إنا كلَّ شيء خلقناه بقدر ? .","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"قال صاحب التبصير في الدين ص92:\"ومن عرف معنى هذه الآية وما ورد في معانيها من السلف علم في الحقيقة أن القدري من يجعل لنفسه شيئاً من القدر وينفيه عن ربه، تعالى الله عن قولهم، وتحقق له أنه ليس بقدري من أثبت القدرة لله ونفاها عن نفسه كما بينه الله تعالى في هذه الآية، وتقرر عنده أن من قال بالتسليم الكلي وفوض الأمر إلى الرب القوي فهو من أهل السنة والجماعة، فمن اعتقد أن شيئا من أفعاله لا يكون ظلماً ولا باطلاً وأنه لا اعتراض عليه في شيء مما يأتيه أو يذره ولا يقول كما يقول القدرية إن له أن يفعل كذا وليس له أن يفعل كذا، وبنى عقائده على قوله تعالى: ? لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ?، لم يكن قدرياً وكان من المقاتلة والخصومة بَرِيَّا، وأي تسليم وبراءة من الخصومة أكبر من قول أهل السنة:إن كل ما جرى على العبد من المعاصي فهو خلق الله تعالى، وهو عدل منه سبحانه ومعصية من العبد، وكل ما جرى من العبد من الطاعات فهو خلق من الله تعالى وهو من الله فضل، فهما من العبد طاعة ومعصية ومن الرب فضل وعدل \" اهـ .\rوأشار بعد ذلك العلامة الإسفراييني أن العمدة في الإيمان بالقضاء والقدر عند أهل السنة هو قول الرسول في جواب جبريل عليه السلام :\"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره حلوه ومره من الله\" اهـ .\rوهذا الحديث رواه مسلم وغيره.\rوقوله عليه الصلاة والسلام:\"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" رواه البخاري.\rوما رواه الإمام علي رضي الله عنه قال: قال الرسول عليه الصلاة والسلام:\" إن الله قدر التقادير ودبر التدابير قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام \" أخرجه مسلم.\rوبعد بيان معنى القضاء نذكر الآن الكلام الذي يدعيه من يحتج بالقضاء والقدر على إبطال التكاليف والثواب والعقاب.","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"يدعي هؤلاء أن التكليف بترك الإشراك لا يصح لأن الأفعال كائنة بإرادة الله تعالى وتقديره، فلا اختيار للمشرك في إشراكه ولا للمؤمن في إيمانه !!\rوكلامهم هذا باطل، لأن كون الفعل بمشيئة الله تعالى وتقديره لا يخرجه عن اختيار العبد إلا على طريقة الجبر المحض، وأما على طريقة أهل الحق القائلين بالاكتساب فلا يخرجه ذلك عن مكانة العبد واختياره.\rفلا يصح الاحتجاج بالقضاء والقدر لفسق الفساق إذ ليس القضاء والقدر بالمعنى الذي قدمناه جبراً صرفاً، كما قال الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه للسائل حين سأله بعد انصرافه من صفين فقال: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره ؟\rفقال:والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء الله تعالى وقدره.\rفقال السائل: عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئاً .\rفقال: مه أيها السائل، عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين.\rفقال السائل: كيف والقضاء والقدر ساقانا ؟\rفقال: ويحك، لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حتماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ... إلى أن قال: إن الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً.\rفقال السائل: وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما ؟\rقال:هو الأمر من الله والحكم، ثم تلا قوله تعالى: ? وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ?، انتهت الرواية كما ذكرها العلامة الحسيني الظواهري في كتابه.\rثم قال: من هذا تعرف أن علياً رضي الله عنه وكرم وجهه جعل القضاء قسمين حتميا وغيرَ حتمي، وهو يؤيد ما قلنا، والتكليف صحيح مع القضاء والقدر لأن التكليف يصح عند وجود الاختيار ولا شك في وجوده، والاختيار لا ينافي القضاء والقدر بالمعنى الذي قدمناه اهـ .","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"ثم قال في محل آخر: وتفسير الإمام على للقضاء والقدر بالأمر والحكم يرجع إما أن يرجع إلى صفة الكلام أو إلى صفة العلم وهو أحد المعاني اهـ .\rفائدة:\rنذكر هنا مذهب الفلاسفة في القضاء والقدر ليشتد تمييز القارئ للمذاهب ويعرف الفروق بينها .\rقالت الفلاسفة: القضاء عبارة عن العلم بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمى عندهم بالعناية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها.\rوالقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرر في القضاء.\rفالفلاسفة يجعلون خروج الكون على هذه الصورة واجباً على الله تعالى، وذلك لأنهم يقولون إن الله تعالى فاعل على سبيل العلة ولذلك لا يمكن إلا أن يحدث ما يلزم عن العلة التي هي عندهم ذات الباري تعالى.\rوقد أوضح بعض المحققين أن مذهب الفلاسفة في الحاصل يرجع إلى أن الله تعالى هو الفاعل على الحقيقة لجميع الأفعال بلا واسطة، كما هو مذهب أهل السنة، ويبقى الفرق أن الفلاسفة يقولون بالوجوب وأهل السنة يقولون بالاختيار.\rفمذهب الفلاسفة في أفعال العباد أن العبد يخلق أفعاله الاختيارية بقدرة خلقها الله تعالى فيه بطريق الإيجاب لتمام الاستعداد، وأما عند المعتزلة فإن العبد يخلق أفعاله بقدرة خلقها الله تعالى فيه بطريق الاختيار، وكل هذا لتصحيح التكليف ونفي الجبر المحض.\rخاتمة لهذا المبحث:\rنختم هذا البحث بكلام للعلامة محمد الحسيني الظواهري في غاية الحكمة والإتقان، فقد قال في خاتمة مبحث أفعال العباد في كتابه المفيد المسمى بالتحقيق التام في علم الكلام: \" وبعد إحاطتك خبراً بالمذاهب وأدلتها، وبمناقشة الأدلة تعلم أن مذهب الحكماء يتنافى مع النصوص القطعية فمثل قدم العالم يتنافى مع وجوب فنائه الذي هو في ذاته ممكن وأخبر به الصادق، فوجب التصديق به ووقوعه.","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"ووجه المنافاة أن قدم العالم بقدم علته فوجب بقاؤه ببقاء علته، وعلته واجبة البقاء، كيف والنصوص القاطعة دالة بالنص على أنه لا بد من فناء هذا العالم ؟!\rومذهب المعتزلة ظاهره صحة التكليف ولكن أدلته لم تنتج مدعاه وقريب منه مذهب الماتريدية، ويزيد على ذلك أن في بعض نواحي الاستدلال كلاماً خطابياً.\rوالمذهب المعقول مذهب الأشاعرة وقد بسطنا الكلام فخذه بحمد الله سائغا نسأل الله الهداية للسبيل المستقيم فمن اعتقد واحداً من المذاهب الثلاثة غير الحكماء فاعتقاده صحيح لا يضره شيء وهي ترمي إلى تصحيح التكليف، ولا تتنافى مع النصوص القطعية، وأما مذهب الحكماء فهو وإن صحح التكليف إلا أنه يتنافى مع النصوص القطعية فلا يجوز اعتقاده اهـ .\rونحن وإن كنا قد أطلنا في بيان المذاهب في القضاء والقدر وما يتعلق بهما فإن ذلك كان ضرورياً ليكون مستندا لنا في تفهيم صاحب الكتاب موضوع الرد خطأ كلامه الذي ذكره في هذا المبحث، وكثرة تجنياته على أهل السنة وتحامله عليهم، فأردنا إظهار خطئه بما يليق-من تفصيل- في هذا المحل ليتسنى لنا إقامة الحجة عليه، وليتسنى لنا بعد ذلك أيضاً الحفاظ على فهم القراء وتعريفهم بالحقيقة الخالصة لا على وجه التحامل-كما فعل هو- بل على وجه التحقيق، لا سيما وإن هذا الأصل هو الذي بنى عليه المؤلف كتابه كما أشرنا في بداية هذا المبحث، وهو أصل مهم في عقائد أهل السنة بل عند كل الفرق الإسلامية، كما أنه مسألة هامة في مذاهب الفلاسفة أيضاً.\rونرجع الآن إلى متابعة نقاش المؤلف في بقية كلامه.\rالباب الرابع\rتكملة الرد على المؤلف\rإننا بما سبق أن أوردناه من معاني حول القضاء والقدر وأفعال الإنسان، نكون قد أجبنا على أكثر تساؤلات المؤلف ورددنا عليها.\rوزيادة في بيان تهافته سوف نخصص الكلام فيما يلي على كلامه الجزئي بألفاظه كما كانت البداية، وليس فقط الأفكار العامة التي اعتمد عليها.","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"في صـ54ـفحة يستغرب المؤلف من النبهاني عندما يأتي بتعريف القدر ثم يقرر أن هذا المعنى لا يقتضي كون الإنسان مجبراً، وتعريفه لا يختلف عن تعريف أهل السنة الذي ذكرناه سابقاً.\rويقول المؤلف إن النبهاني لم يجب عن السؤال التالي : إذا كان الدليل القطعي قد دلَّ على أن ما قدره الله تعالى وعلمه وكتبه في اللوح المحفوظ لا محالة كائن، فكيف للإنسان أن يفعل غيره؟؟!\rونحن بدورنا يحق لنا أن نستغرب من استغرابه، لأن الإجابة على سؤاله لم يخالف فيها حتى كبار المعتزلة الذين سلموا أن علم الله تعالى غير مؤثر في أفعال عباده ومع أنهم يقولون أن الله تعالى خالق أفعال عباده إلا أنهم لم يجعلوا من هذا السؤال حجر عثرة في طريقهم، وذلك لأن الجواب عليه معلوم للجميع.\rوقد أشرنا في بحثنا السبق إلى الجواب، وعلى سبيل القطع أن العلم بما سيكون من الأفعال ليس معارضاً لاختيار العباد على الإطلاق، وبالتالي لا داعي لاستغراب المؤلف، ويبقى وجه استغرابنا قائماً.\rوربما يحق لنا أن نتساءل هنا: هل يعني المؤلف بذلك أن الله تعالى لم يعلم كل شيء منذ الأزل؟؟! وهل يريد أن يقول أن الله تعالى لا يعلم الأمور إلا بعد حدوثها ؟\rإنه لا يوجد معنى لذلك إلا ما ذكرناه ،لأنه إن كان يعتبر كون الله تعالى عالما بكل شيء منذ الأزل يلزم عنه أمر باطل وهو كون العباد مجبورين؟ فلا بد له أن ينفك عن أحد الأمرين ،فإما أن يقول إن العباد مجبورون، وهذا الأمر لا يقول به المؤلف قطعا كما لا نقول نحن به، وإما أن يقول إن الله تعالى لا يعلم جميع الأشياء منذ الأزل، ولا سبيل إلى غير هذه الاحتمالات.","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"والحق أن هذا الأمر يلزمه لزوماً حقيقياً بناءاً على قوله الذي ذكرناه هنا، وإذا قال به فإنه يصير تابعا للقدرية وليس تابعاً للمعتزلة كما تعرفه من تفريقنا بين أقوال الفرقتين كما سبق، ولا قائلا بمذهبهم!! ويكفينا الوصول إلى هذا الأمر لنعلم أن كلام المؤلف في كتابه متهافت لا قيمة له في الغالب.\rثم ذكر المؤلف بعد ذلك بعض الروايات التي يحتج بها على أن الصحابة قائلون بخلق العباد لأفعالهم؟؟!\rإنه يحتج على ذلك بقول أبي بكر رضي الله عنه للناس: \"إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني\"، وبقول كثير من الصحابة: \"أقول في المسألة برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان\".\rثم ذكر قصة الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجه مع السائل وهي ذكرناها وذكرنا تفسيرها ومعانيها في بحثنا السابق في القضاء والقدر.\rأما احتجاجه على خلق الأفعال بقول أبي بكر فهو أغرب استدلال رأيته وأضعفه ؟؟ فكيف يحتج على هذا المعنى بتلك السذاجة ،إن قول أبي بكر رضي الله عنه لا يدل إلا على أن الأفعال تنسب إليه ولا تدل مطلقا على أنه خالق لأفعاله!!\rأين وجه الدلالة عليها من كلام أبي بكر المذكور؟!\rإن كون هذه الكلمات دالة على ما أشار إليه المؤلف إن هو إلا محض توهم وخيال.\rثم ونحن لا ننكر أن الأفعال تنسب إلى الإنسان وذلك لأنه هو الذي اكتسبها، وهي قائمة فيه قيام اكتساب، فلا بد أن تنسب إليه، ولكن أن يكون مجرد نسبة الفعل إلى العبد معناه أن العبد هو خالق الفعل، هذا خلط كبير، واختلال واضطراب في التفكير.\rوأما قول الصحابة وغيرهم أنهم إن أخطأوا فمن أنفسهم ومن الشيطان، وإن أصابوا فمن الله، فقد فسره المؤلف أن معنى من أنفسهم أي من خلقهم وإيجادهم، ومعنى قولهم من الشيطان أي فمن تزيين الشيطان، وأما معنى قولهم من الله، أي بإلطاف الله تعالى وتوفيقه لا بإيجاده وخلقه.","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"والحق أنه من الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين يمكن لنا بكل سهولة أن نتحقق من أنهم قائلون بمذهب أهل السنة –الأشاعرة - من أن الله تعالى خالق لأفعال الناس كما هو خالق لغيرها، وأن الناس كاسبون لها ويحاسبون عليها وذلك كما حققنا من مذهب أهل السنة، وسوف نورد بعض الروايات التي تدل على ما نقول:\rقال الإمام الطبري في تفسيره[ج27ص65] لسورة القمر عند آية ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ?: \" يقول تعالى ذكره إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه، وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم في القدر مع كفرهم به\".\rثم ذكر رحمه الله تعالى أن هذه الآية قد أنزلت لما جاء مشركو قريش يخاصمون النبي عليه الصلاة والسلام في القدر، ولما عرفنا نحن أن الله تعالى قال لهم في الآية ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ?، علمنا أنهم كانوا ينفون القدر، فيتضح أن المشركين ينفون القدر وأن المؤمنين يثبتون القدر.\rويبقى الأمر إلى هنا غامضاً في معنى القدر المثبت، ولكننا نستطيع أن نستدل عليه من الروايات التي ذكرها الطبري في تفسيره، ومنها ما رواه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما نزلت هذه الآية إنا كل شيء خلقنه بقدر، قال رجل: يا رسول الله: ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه أو في شيء قد فرغ منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى وسنيسره للعسرى \".\rونفهم نحن من هذه الرواية أن الرجل قد فهم أن معنى أن كون كل شيء قد خلق بقدر يستلزم أن العمل لا فائدة منه، لأن المقصود من العمل إن كان ما سيحدث فلا قيمة لهذا العمل لأن الله تعالى قد قدره، وإن كان في شيء قد فرغ منه فظاهر عدم الفائدة منه.","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"هذا هو حاصل سؤال الرجل، أما جواب الرسول عليه السلام، فنفهم منه إقراره لما فهمه الرجل من أن معنى كل شيء بقدر أن كل شيء معلوم ومكتوب منذ الأزل، وأنه سيخلق بناءاً على ما هذا العلم وهذا هو ما يقول به أهل السنة، ولكنه عليه السلام قد خالف الرجل في أن هذا يستلزم عدم فائدة العمل؟ فقال له: اعمل فإن عملك لا ينتفي إذا قلنا إن كل شيء بقدر، لأن كونك سوف تعمل هذا الأمر إنما هو من هذا القدر، وأن كونك لن تعمل هذا الأمر بإرادتك أيضاً هو من القدر، .فالقدر لا ينفي العمل.\rوهذا هو قول أهل السنة كما بينا نحن فيما سبق، فتفكر بهذا ولا تغفل عنه.\rثم روى الطبري عن ابن عباس قوله:\" ? إنا كل شيء خلقناه بقدر ? قال:خلق الله الخلق كلهم بقدر وخلق لهم الخير والشر بقدر\".\rوكلام ابن عباسٍ هذا في غاية الأهمية، فهو يبين أن الله تعالى هو الذي خلق للبشر كلهم الخير والشر، ولكنه تعالى لم يخلقه عبثا بل خلقه بقدر، والقدر هو العلم الأزلي والإرادة المتعلقة على وفق العلم الأزلي كما أشرنا من قبل.\rوهذا التفسير لا يطرد ولا يصح إلا على قول أهل السنة من أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه تعالى خالق أفعال العباد على حسب علمه الأزلي، وأنهم عاملون وفقا لإرادتهم الحادثة، وهذا هو حاصل القول بالكسب، فافهم.\rولو أردنا أن نستقصي كل ما ورد عن السلف في القضاء والقدر لطال الكتاب، وما ذكرناه يكفي العاقل.\rثم يقع المؤلف في مغالطة كبيرة جداً بل في جهل عظيم أتعجب كيف يقع فيه من يدعي في نفسه أنه متأهل للبحث في هذه القضايا العقائدية الدقيقة، إنه يقول في صـ58ـفحة وما بعدها: فالاغتصاب للفتاة قضاء قضاه الله تعالى، ودور المغتصب تحقيق قضاء الله فيها، وإظهاره ومسؤوليته ليست في الاغتصاب بل بكونه يقوم بفعل الاغتصاب، ومثل هذا الجواب هو وجه آخر للجبرية الأشعرية (الكسب)، فالأشعري يقول: يخلق الله الفعل حين إرادة الإنسان (الكسب).","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"ثم يقول في الصفحة التي تليها: فالقضاء الإلهي هو الذي أوقع السجن على المسجون والقضاء هو الذي أوقع الاغتصاب على الفتاة التي لها مغتصب، وكسر الأيدي الحاصل على شباب من الضفة الغربية من قبل جيش اليهود هو قضاء الله فيهم!!\rثم يقول مستنتجا من هذا الكلام: فلا مسؤولية لهؤلاء الفاعلين عن نتائج أفعالهم بل المسؤولية هي عن قيامهم بالفعل، أي على الأمر بالسجن وعلى القيام بفعل الاغتصاب وعلى القيام بكسر الأيدي، وهكذا فك الارتباط بين الفعل والنتائج المتولدة من الفعل اهـ .\rثم يؤكد قائلاً: إن هذا الفهم هو وجه آخر لمقولة الأشعري النافية للسبب الكافي.....إنه الخطاب السفياني الأشعري الجبري يعيد إنتاج نفسه بقوالب كلامية جديدة اهـ .\rلأنه يصرُّ في كل موضع على وضع المذهب الأشعري في موقع العداء ويصر بكل ما وسعه الجهد على التنقيص من قيمة هذا المذهب بصورة عجيبة، ويصر أيضاً على تفسير مقولات المذهب الأشعري بمعاني لم تخطر من قبل على ذهن أحد من الأشاعرة، ويخالط كل هذا جهل عظيم بالمذهب كما هو واضح، وتلفيق وخلط عجيب من جهة الاستدلال، وسوف نوضح كل هذا فيما يلي:\rتوجد عدة قضايا لا بد من تمييزها وبحثها،هنا قبل الشروع في مناقشة هذا المؤلف؟! في كلامه المنثور والمشار اليه سابقاً.","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"الأولى: أن الأشاعرة وأهل السنة عموماً قد صرحوا أن ما يجب الإيمان به هو القضاء لا المقضي، فالقضاء يجب الرضى به على كل الأحوال، ويجب الإيمان به، وأما المقضي فقد يجب الرضا به وقد يحرم الرضا به، وبالجملة فهو يتعرض للأحكام الشرعية الخمسة، أي إن المقضي في كلامهم إنما هو من مسؤولية الإنسان وليسن من مسؤولية الله تعالى، ونحن هنا عندما نقول إنه من مسؤولية الإنسان إنما نقصد أنه من مسؤولية الإنسان التكليفية لا التخليقية والإيجادية، فإن هذه قد سبق القول فيها إنها لا تثبت إلا لله تعالى، فيوجد عند الأشاعرة فرق عظيم بين القضاء والمقضي، وإنما يجب الإيمان بالقضاء لا المقضي، وبيان عبارتهم هذه بيناها فيما سبق.\rقال العلامة الظواهري الحسيني: \" وجوب الرضا إنما هو بالقضاء دون المقضي \" اهـ .\rفالرضا المطلوب بالأشياء ومنها سائر الأفعال لا يكون من حيث حسنها أو قبحها بل من حيث كونها مقضية من قبل الله تعالى.\rولهذا قال الإمام العلامة السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: \"لا يقال: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب الرضاء به، لأن الرضاء بالقضاء واجب، واللازم باطل لأن الرضاء بالكفر كفر\" اهـ.\rوقد أجاب الإمام المحقق السعد عن هذا الإيراد فقال:لا يقال هذا الكلام: \" لأنا نقول الكفر مقضي لا قضاء، والرضاء إنما يجب بالقضاء دون المقضي \" اهـ .\rهذا هو جواب أهل السنة عن مثل ما يقوله هؤلاء الذين لا أجد تسمية لهم سوى أنه عابثون بالمفاهيم وعابثون بأقوال العلماء، بل هم عابثون بالتراث الإسلامي الضخم الذي خلفه هؤلاء، ولا يدعونا لقول هذا إلا تساهلهم في تخطئة العلماء ومن دون تكليف أنفسهم حتى النظر في كلام الشراح، بل إنني أجزم أنهم حتى لا يدرون كثيراً من كلام الأئمة.","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"وقد أوضح المحقق مكمِّلُ حاشية العلامة الجندي كلام السعد فقال: \"اعترضه الأصفهاني- أي اعترض الأصفهاني على جواب السعد - بأن قال: القائل رضيت بقضاء الله لا يريد أنه رضي بصفة من صفات الله بل إنه راض بمقتضى تلك الصفة وهو المقضي، قال والجواب الصحيح أن يقال:الرضاء بالكفر-مثلاً- لا من حيث ذاته بل من حيث إنه من قضاء الله سبحانه ليس بكفر\" اهـ .\rثم أوضح المحشي هذا الكلام فقال: \" إن للكفر نسبة إلى الله سبحانه باعتبار فاعليته له وإيجاده له ونسبة أخرى إلى العبد باعتبار محليته له واتصافه به، وإنكاره - أي إنكار الكفر وعدم الرضا به- إنما هو باعتبار النسبة الثانية دون الأولى، والرضاء بالعكس ... ثم قال: ومن الواضح أن رضاء القلب بفعل الله تعالى بل بتعلق صفته واضح الصحة لا خفاء فيه، ثم إن الرضاء بكل منهما يستلزم الرضاء بالمتعلق من حيث انه متعلق مقضي لا من حيث ذاته ولا من حيث سائر الحيثيات كما لا يخفى اهـ .\rوهذا الذي قاله المحشي من أنه لا يخفى، أي إنه لا يخفى على العاقل الذكي الفؤاد الذي يحسن فهم كلام العلماء ولا يستسخف آراءهم، ولا يظن بنفسه أنه بلغ الغاية في العلم، بينما حاله أنه لا يتعدى رتبة التلاميذ بل لا يترقى إلى فهم كلام الشراح فضلا عن العلماء الأعلام، فكيف بمن حاله كحال صاحبنا المؤلف؟! وغيره ممن هم على شاكلته كثيرون!!\rمن كل هذا الكلام نتبين أن مسؤولية العبد لا تنتفي لمجرد كون الأعمال من خلق الله تعالى، وإلا لكان مذهب أهل السنة نافياً للتكاليف، ومعنى كونه نافياً للتكاليف أي أنه ينفي الشرائع، وهذا أكبر الكفر أو يكون مبنياً على أضعف الأدلة، ومعاذ الله أن يكون مذهب أهل السنة يؤدي إلى هذا الأمر، وكل من يتهمهم بهذه التهمة فهو إنسان جاهل حقود وفيه من الغباء قدر عظيم.","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"وقد كنا لنكتفي بما ذكرناه من كلام في مبحث القضاء والقدر لأنه يوجد فيه رد على هذا التهافت الذي صدر من بين شفتي هذا الكاتب، إلا أننا أردنا أن نزيد هذا المعنى بيانا ولهذا زدنا المذهب شرحاً هنا.\rالثانية: لما تبين لنا بالأدلة القوية أن مذهب أهل السنة لا يؤدي إلى نفي التكاليف ولا نفي المسؤولية الواقعة على العبد كأثر من آثار اختياره واكتسابه لأفعاله القبيحة أو الحسنة، كان لا بد لنا من أن نظهر فساد نقطة أخرى اعتمد عليها المؤلف في تلفيقه لكلامه الذي سود به صفحات كتابه، نقصد بها محاولة اعتماده على رأي أهل السنة في عدم وجود الرابطة العلية الخارجية بين الأشياء، أي قولهم بأن تعاقب الأسباب والمسببات إنما هو من قبيل عادة الله تعالى في خلقه للمخلوقات، وهذا الجانب هو الجانب الذي اعتمدوا عليه في إثباتهم نبوة النبي، أي هو أصلهم الذي بنوا عليه مفهوم المعجزة.\rوحاصل ما نريد أن نقوله هو أنه لا علاقة عند المحققين بين انتفاء العلية والتأثير بين أفراد العالم الخارجي، وبين عدم مسؤولية العبد عن فعله.\rبل إن العلاقة والمسؤولية موجودة وثابتة سواء قلنا برأي المعتزلة من التولد ووجود الأسباب والعلل الخارجية الحقيقية، أو قلنا برأي أهل السنة من أنه لا يوجد إلا مؤثر واحد في الكون وهو الله تعالى، أي إنه لا يوجد إلا خالق واحد في الكون وهو الله تعالى.","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"وهذا الكلام سبق الإشارة إليه في أثناء بيان معنى القضاء والقدر عند فرق الإسلام، وبينا هناك أن التكليف يصح على أي رأي من آراء الفرق الإسلامية (المعتزلة،والماتريدية،والأشاعرة)، ومع ثبوت التكليف فإن المسؤولية عن الفعل أيضاً ثابتة، وإن لم يكن أساس ثبوت هذه المسؤولية هو أن العبد خالق لأفعاله، بل هو كون العبد مكتسب لأفعاله، ومكتسب لكل ما من شأنه أن يكون نتيجة عادية لأفعاله، فالعبد مسؤول عن كل هذا، ولهذا فالقتل غير العمد صاحبه مسؤول عنه عند جميع المذاهب الفقهية السنية، ولم يدع أحد أن هذا يخالف الأصل العقائدي وهو القول بالكسب أو القول بأن العباد غير خالقين لأفعالهم.\rبل إننا لم نسمع بهذا إلا من بعض الصعاليك في عالم الفكر سواء في الماضي أو في هذه العصور.\rفهل سمع أحد أن الأشاعرة يقولون أن الاغتصاب ونتيجة الاغتصاب ليس من مسؤولية المغتصب، إن هذا الأمر لم يقل به أحد من أهل السنة ولا أحد من العلماء العرفين بمعاني الكلام.\rوهل فعلاً يلزم على مذهب الأشاعرة أن الحاكم الظالم إذا أمر بسجن واحد من الناس، هل يلزم المذهب فعلا أن هذا الحاكم ليس مسؤولاً عن ما يصيب هذا المظلوم في الآخرة، ألا يقر الجميع أن الحاكم الظالم سوف يعاقب عن كل ما تسبب فيه للمظلوم إن لم يكن في الدنيا ففي يوم القيامة؟!\rوهل قال أحد من الأشاعرة فعلا أو التزم أن اليهود الذين كسروا أيدي الشباب ليسوا مسؤولين إلا عن فعلهم للتكسير، وأما ما نتج عنه كالانكسار مثلا فهم غير مسؤولين عنه؟!\rإن هذه ما هي إلا اتهامات تصدر عن غافل!!\rفحاصل الكلام أن كل الاتهامات التي رددها المؤلف في هذه الفقرة بل في كل فقرات كتابه ما هي إلا أكاذيب ومحض توهمات أراد الكاتب أن يلصقها بالأشاعرة وبمن اتبع الأشاعرة في هذا الأمر.","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"إن المسؤولية عند أهل السنة مترتبة على أعمال العباد وإن لم يكونوا هم الخالقين، وتلك المسؤولية أن الفعل لم يكن ليوجد لولا أن العبد قد اختاره، والأساس الذي يبنى عليه هذا الفهم هو مفهوم العادة، أي عادة الله تعالى في خلقه، فالله تعالى قد خلق العالم على أن العبد إن أراد الفعل المعين فإنه تعالى يخلقه له، وهذا هو المراد بالكسب، فلم ينسب الفعل إلى العبد على سبيل الخلق بل على سبيل الكسب، وذلك يشبه كما لو أن العبد طلب من الله تعالى أن يخلق له الفعل المعين مع تضمن العبد لكامل المسؤولية العادية المترتبة على الفعل.\rوالعاقل يعلم تمام العلم أن المسؤولية يمكن أن تترتب على الفعل ليس فقط بكون الفاعل خالقاً بل مجرد مختار ومكتسب، كما لو أمر آمرٌ بقتل أحد الناس ووظف رجلاً لذلك، فإن مسؤولية القتل تكون على القاتل بالفعل وعلى الذي استخدمه.\rمفهوم القضاء والقدر عند المؤلف\rعرَّفَ المؤلف القضاءَ والقدر كما يلي: إن القضاء والقدر يعني الوجود الكوني وخاصياته وهو قيومية الله تعالى على خلقه سنناً وخاصيات وقابليات، أي هي من أفعال الربوبية والتدبير التي عليها الأشياء والنظم والمخلوقات.\rوهي أمور موجودة على الدوام إلى حين الفناء وسواء نتج عنها أفعال كالمطر والعواصف وتلبد الغيوم واشتداد وسرعة الريح وتآكل المعادن وفساد الأطعمة وتحلل الأنسجة الحية والمركبات العضوية أو لم ينتج، فالكون محكوم بالقضاء \"الخلق والنظام\" والقدر \"الخاصيات والقابليات كامنة أو ظاهرة\" اهـ .\rهذا هو مفهوم القضاء والقدر عند المؤلف، فهو عبارة عن خاصيات الكون المادي الذي يقال عنه إنه ليس عاقلاً، ولا حياة فيه، أما أفعال الإنسان فهل تقع ضمن القضاء والقدر عنده ؟","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"إنه يجيب على ذلك قائلاً: \" إن الأفعال مثل \"سلب المال وموت المقتول واغتصاب الحقوق والاعتداء على حرية إنسان بتقييده أو سجنه والأذى الذي يلحق به في معنوياته ......إن كل هذه المتولدات إنما هي فعل الإنسان الفاعل ونتجت عن الفعل الإنساني على وجه التلازم...فالقضاء ليس فاعلاً لهذه المتولدات مطلقاً....\rوقال في محل آخر : \"إن التسبب فعل إنساني محض وليس فعلاً للقضاء والقدر\".\rفالحاصل أن الذي يخرج من القضاء والقدر عند المؤلف إنما هو فقط فعل الإنسان ولوازمه أي ما يتولد عنه، فالقضاء والقدر شمل كل شيء إلا أفعال الإنسان.\rولا بد أن يتنبه القارئ إلى أن هذا القول في القضاء والقدر لا يختلف كثيراً عن رأي الفلاسفة كما أوضحناه.\rوأساس هذا القول عند المؤلف هو أن الذي يتحمل مسؤولية الفعل إنما هو الخالق للفعل، فهو قد أخرج الفعل الإنساني من أن يكون داخلاً في القضاء والقدر لئلا يلزم أن يخرج من المسؤولية عنده.\rونحن نقول كما ذكرناه أكثر من مرة سابقاً: إن المسؤولية لا تترتب فقط على الخلق، بل إنها تترتب أيضاً على الكسب بالمفهوم السابق، ولذا لا يلزم أن نقول: إن الإنسان لا يكون مختاراً إلا بالقول بأنه خالق لأعماله!! هذه هي أساس المشكلة، وقد أوضحناها نحن في كلامنا السابق عن القضاء والقدر وأفعال الإنسان، وتفريقنا بين الخلق والكسب.\rلذا فقد كان عليه أن يقول بدخول الأفعال الإنسانية في القضاء والقدر كما تدخل غيرها، ويفرق بينهما بالفرق الذي بيناه.\rأما المعنى الذي أتى به المؤلف للقضاء والقدر، فسوف نتكلم عليه فيما يلي وذلك بعد تقديم مقدمة تمهيداً، فنقول:\rلو نظرنا إلى الأمور التي جعلها الله تعالى أركانا من الإيمان، وهي الإيمان بالله تعالى وبالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، لوجدنا أن كلاً من الستة عدا القدر موضع الكلام، تشترك مع الأخرى في معنى كلي، نبينه فيما يلي:","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"إن الأصل في الإيمان هو الإيمان بالله تعالى، وكل من الأمور الأخرى إنما كانت ركناً لأن لها مدخلية بالأصل، وهو الإيمان بالله تعالى، فالملائكة هم الذين يوصلون الشرائع إلى الرسل، والرسل هم الذين يوصلون الشرائع إلى بقية البشر، والكتب هي نفس الشرائع أي التي تحتوي على الشريعة، وأما اليوم الآخر فمدخليته من حيث إن فيه يتم الحساب، فالأركان الأربعة كلها لها علاقة بالأصل وهو الإيمان بالله تعالى، فمعنى القضاء والقدر يجب أن يكون له مدخلية من هذه الناحية، فكل هذه الأركان لها علاقة بالتكليف.\rأما المعنى الذي ذكره المؤلف للقدر\" الخاصيات والقابليات كامنة أو ظاهرة \"، وللقضاء \" الخلق والنظام \"، فلا أرى له مدخلية في التكليف مطلقاً، فما دمنا قد بينا أن التكليف يصح حتى لو لم يكن للموجودات الحادثة خاصيات ولا قابليات كامنة، ما دام هذا قد ثبت، فلا تصبح هناك علاقة بين المعنى الذي ذكره وبين التكليف أصلاً، بل يكون الإيمان بالقضاء والقدر ليس أكثر من بيان لطبيعة هذا الوجود، ومجرد هذا البيان لا علاقة له بالتكليف من وجه من الوجوه.\rوقد فهم الأعرابي الذي سأل الإمام علياً رضي الله عنه وكرم وجهه أن الأصل أن تدخل أفعال الإنسان في مفهوم القضاء والقدر وأن هذه النقطة لم تكن محل اسفهام له، لكنه أخطأ في الجهة التي أدخل بها الأفعال تحت القضاء والقدر، فأوضح له الإمام علي ذلك،كما مر معنا.\rوهذا المؤلف يذكر كلامه هذا مخالفاً أصل هذه الرواية التي أوردها هو في كتابه وهو غافل عن ذلك ؟!\rفمن هنا فقد حل بنا التعجب منه كيف يخرج الآن الأفعال الإنسانية من الدخول تحت القضاء!\rالقدر يجب أن يكون متعلقا بالتكليف من وجه قريب، ويجب أن يكون بحيث يكون محتملا لأن يحتوي على الخير والشر.","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"وإذا علم الإنسان أن أفعاله التي تشتمل على الخير والشر إنما توجد بإرادة الله تعالى وبقدرته،ومع ذلك فهو مكلف بها ومحاسب عليها، فقد يعترض البعض على ذلك لما يتوهم في ظاهره من التعارض، ولذلك فقد كُلِّفَ المسلم بأن يرضى بهذا الأمر كعلامة على انقياده لله تعالى وإيمانه بأنه لا يظلم أحدا.ً\rوهذا المعنى يمكن القول به بناءا على قول أهل السنة فقط ولا يمكن القول به بناءاً على قول المؤلف، فتأمل.\rإن المأمور به المسلم هو أن يؤمن أن كل ما يصيبه من خير أو شرٍّ فهو من الله تعالى،ومع ذلك فهو غير خارج من التكليف ومسؤول عن أفعاله.\rولا شك أنك تعلم أن الخاصيات والنظام - وهما اللذان اعتبرهما المؤلف القضاء والقدر - ما هما إلا المقضي على التفرقة التي بيناها سابقاً، ومعلوم أن الرضا لا يكون متعلقا بالمقضي وإنما يكون متعلقا بالقضاء.\rفما وجه الإيمان بالقضاء والقدر بناءا على هذا التفسير الذي ذكره المؤلف ؟‍!\rإن الإيمان بالقضاء والقدر بناءا على هذا لا يصبح ذا معنى مقبول، فما معنى أن ترضى بالمخلوقات خيرها وشرها، وهل هذه أصلاً مشكلة من المشاكل القوية التي تواجه بني الإنسان حتى يؤمر بالإيمان بها ؟! وهل يقوم عليها أصل من أصول التكليف أيضا ؟!\rإن كل الناس عندما تصيبهم الزلازل مثلا فإنهم يعلمون علما مطلقا أن هذا الأمر لا يمكنهم فيه إلا مواجهته بدون يأس لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا تجاهه شيئا حتى الآن.\rوأما الأمر الذي يضعهم على المحك وفي موقع الاختبار وهو أن يعلموا ويؤمنوا أن أفعالهم أيضا مخلوقة بقدرة الله تعالى، كغيرها من المخلوقات، وأنهم كاسبون لهذه الأفعال فقط، ومسؤولون عنها أيضاً.","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"ولا بد أن أقول في نهاية هذا الأمر أن المعنى الذي بنى عليه المؤلف معنى القضاء والقدر بعيد جداً عن الأصل الذي يجب أن يكون، فإن كل الروايات الواردة كما مرت الإشارة إلى بعضها ولها علاقة بهذا المبحث تشير إلى أن القضاء والقدر يجب أن يكون مبنياً على نفس الأصل الذي أشرنا إليه في بحثنا المتقدم في القضاء والقدر.\rوبهذا يكون المؤلف قد ابتعد كثيراً عن الحق كما ابتعد عنه الشيخ تقي الدين النبهاني أيضاً، فإن تعريف المؤلف للقضاء والقدر ما هو إلا تكرار لتعريف النبهاني.\rالباب الخامس\rالآجال\rسوف نوضح أولا كيف يفهم المؤلف رأي الأشاعرة في الأجل، ثم نشرح قولهم من كتبهم، ثم نذكر تعليقنا على كلام المؤلف.\rذكر المؤلف إن الأشاعرة يقولون: إن الأجل هو سبب الموت، وحتى لو ذبحت حيواناً فإنّ سبب الموت عند الأشاعرة كما يدعي هو إنما هو الأجل وليس شيئا آخر(ص67) .\rثم ناقش النبهاني في فهمه لمعنى الأجل، وسوف نشير إلى هذا في محله .\rثم أورد بعض الأسئلة الغبية كاعتراض على ما فهمه من مذهب الأشاعرة، فقال: الانتحار حرام والمنتحر من أهل النار فإذا كان قد مات بأجله فعلى أي شيء يعذب؟! (ص76) .\rثم يصر في صـ76ـفحة على أن النبهاني في قوله هذا ما هو إلا متبع لمذهب الأشاعرة، ويشنع عليهم.\rهذا هو ما يفهمه المؤلف من مذهب الأشاعرة، وهو يدعي أن هذا هو حقيقة معناه.\rوسوف نشرح نحن حقيقة مذهبهم فيما يلي من كتبهم قبل نقد ما قاله هذا المدعي.\rقال الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه المفيد غاية الوصول: \" (ولا يموت أحد إلا بأجله) وهو الوقت الذي كتب الله في الأزل انتهاء حياته فيه بقتل أو غيره، وذلك بأن الله حكم بآجال العباد بلا تردد وبأنه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.\"أهـ","part":1,"page":54},{"id":56,"text":"هذا هو مذهب الأشاعرة كما يوضحه الشيخ زكرياء لا كما يدعيه أمين نايف، الذي يدعي أنه معتزلي، ويذم الأشاعرة بكل مذمة يتخيلها، بل إنه يحملهم مسؤولية كل مصيبة أصابت المسلمين كما هو واضح من مقتضى كلامه .\rالشيخ زكرياء يصرح أن الأجل ليس هو السبب الذي به يموت الميت، بل ما هو إلا الظرف الذي يموت عنده الإنسان، وفرق كبير بين السبب والظرف، وقول الشيخ زكرياء: \"بقتل أو غيره\" الباء هنا سببية أي بسبب القتل أو بسبب غيره، أي إن السبب عند الأشاعرة ليس هو الأجل بل هو غيره، وما الأجل إلا الظرف الذي يموت فيه أو عنده، ولا أظن المؤلف يريد أن يفهم هذا الفرق، وحتى إن فهمه فلا أظنه يريد أن يقتنع أن هذا هو ما يريده الأشاعرة، وليس الأشاعرة وحدهم، فقد شاركهم في ذلك سائر أهل السنة، أقصد السادة الماتريدية،كما سوف نظهره، وأما أمين نايف فلا يريد أن يقرَّ بأي أمر يقول به الأشاعرة أنه صحيح.\rوزيادة في توضيح مفهوم الأجل عند الأشاعرة أهل الحق، نقول:\rحاصل المعنى الذي يقولون به هو أن الله تعالى قد علم منذ الأزل أن فلاناً سوف يعيش كما تقتضيه طبيعة وجوده وقابليته وتأهله للوجود الحادث على ما يليق به وعلى حسب الظروف التي تحيط به، لأنه يوجد انفعال مكتسب بين الحادث من سائر الأمور التي تؤثر في طبيعته مما يحيط به، وقد قال السادة الأشاعرة أن الله تعالى قد علم ما سوف يؤول إليه كل عبد من العبيد، وعلم متى سوف يموت، فكتب ذلك لا لحاجة لكتابته بل لحكمة يستفيد منها العباد أنفسهم وذلك من حيث هم مكلفون، فالأجل إما هو المدة أو هو نهايتها، أي هو الظرف الزماني- على القول الأول - الذي يعيش فيه العبد، ولا يمكن أن يتجاوزه فيمتد عمره أكثر من ذلك ولا أن ينقص عنه.\rوأما الموت فقد أوضح شيخ الإسلام زكرياء أن سببه إما القتل أو غيره، فأبان بذلك أن الأجل ليس هو السبب بل هو الظرف، هذا هو حاصل قول الأشاعرة بلا تطويل.","part":1,"page":55},{"id":57,"text":"فيظهر من ذلك الفرق الكبير بين ما يدعيه المؤلف من أنه هو مذهبهم، وبين حقيقة مذهبهم كما نجده من كتبهم المعتمدة، فلا يكون قول المؤلف إلا جهلاً بقولهم وهو الأمر الذي نصر نحن عليه في كل موضع نناقشه فيه، أو أنه يعرفه ولكن يلبس عليهم ليمعن في التنديد بهم لهدف يريده هو ويعرفه، وهذا الاحتمال لا نريد أن نخرج بنتيجة في نهاية بحثنا هذا ترجحه، بل إن الأمر الأول عندنا -كما له- أهون في الدنيا وفي الآخرة، وهو الذي نميل إليه في حال هذا الرجل، وفي حال غيره ممن يشابهه.\rوزيادة في التعريف بمذهب الأشاعرة ولإظهار عقلانيتهم التي لا يعرفها الكثير خصوصاً من الباحثين في هذا العصر، بل يظنون أن العقل والمنهج العقلي لا يتصف به إلا المعتزلة ومن مشى على نسقهم، بل إن كثيراً من الكتاب يفضل الإسماعيلية من حيث الالتزام بالعقل والمنطق على الأشاعرة، وهذا يظهر الجهل العظيم الذي يتصف به هؤلاء حتى أصبح صفة لازمة لذاتهم إذا انفكوا عنها فكأنهم يعدمون أنفسهم، وأنى لهم ذلك.\rوالحق أن إعدام الذات أهون مصاباً من الوقوع في كل هذا الأغاليط والجهالات.\rقال العلامة المحقق السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية: \" (والمقتول ميت بأجله) أي بالوقت المقدر لموته\" اهـ .\rوعلق المحشي على كلامه فقال: \"قوله بأجله الباء للظرفية، أي موته كائن في الوقت الذي علم الله في الأزل\" اهـ .\rفظهر هنا أن الأجل عند السادة الأشاعرة والماتريدية ليس إلا ظرفاً يحدث فيه الموت.\rوورد هنا السؤال التالي :\"إذا حاول إنسان قتل إنسان آخر، فلم يمت المغدور، فهل يبقى المغدور حياً أو إنه يموت؟؟\"\rهذا السؤال يوضح الجواب عليه أصلاً وقدراً كبيراً من معنى الأجل عند الأشاعرة، وقد أجابوا عليه كما قرره المحشي على الشرح بقوله:\"ولو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل\" اهـ.\rوهذا هو الجواب الصحيح الظاهر على غيره.","part":1,"page":56},{"id":58,"text":"وقال السعد التفتازاني بيانا لقول أهل السنة في هذه المسألة: \"لكنهم لم يقطعوا بالموت إن لم يقتل كما سبق عنهم لأن عدم قتل المقتول سيما مع تعلق علم الله تعالى بأنه يقتل أمر مستحيل\" اهـ ..\rوقد أشرت إلى معنى قول السادة الأشاعرة في مسألة الأجل في متن التحصيل الذي ألفته قبل أكثر من ثماني سنوات، فقلت: \" فصلٌ: الله تعالى مقدِّرُ الآجال، والأجل هو المدة المقدرة التي يموت الحيوان عقبها، أو اللحظة التي علم الله تعالى حصول الموت فيها سواءاً بسبب ظاهر كالقتل أو لا. ولو لم يقتل لجاز أن يموت وأن يبقى حياً \" اهـ .\rفالأشاعرة لا يلغون الأسباب مطلقاً، ومن يدعي هذا من الناس ما هو إلا كاذب عليهم، ولكن الذي ينفونه هو تأثير الأسباب، أي كون السبب موجداً لنتيجته، وأما الترتب الحاصل بين السبب والنتيجة فلا ينكرونه مطلقاً، بل يقولون به ويصرحون أن هذا الترتب اسمه الترتب العادي، وأن العادة تفيد القطع والعلم الأكيد.\rوبذلك تنتفي أيضاً عنهم تهمة أخرى يلصقها بعض الحمقى بهم وهي أن حاصل مذهبهم يؤول إلى مذهب الشك؟؟!!\rوهذه أعجب تهمة سمعتها توجه إلى الأشاعرة، والتحقيق عندي أن مقولة العادة هي من أبدع الأفكار التي جاء بها السادة الأشاعرة، وكثير من أفكارهم بل أكثر أفكارهم ومقولاتهم تحتوي على التحقيق، ولكن كثير من الناس لا يعلمون.\rإن الترتب بين القتل والموت ما هو إلا ترتب عادي على ما وضحناه في مسألة القضاء والقدر، والترتب العادي يستتبع ترتب المسؤولية على المكتسب ولا يستلزم نسبة القبيح إلى الله تعالى، بل إلى مكتسبه، فافهم.","part":1,"page":57},{"id":59,"text":"واعلم انه لا يبعد في العقل ولا يستحيل فيه أن يكون الله تعالى قد أراد إرادة محضة منذ الأزل لبعض الناس أن يموتوا في وقت معين لانتهاء قابليتهم للحياة وهذا الذي يقال عنه إنه مات بلا سبب أي بلا سبب ظاهر لنا، وإن كان في الحقيقة له سبب أكيد، ويمكن أن تتعلق إرادة الله تعالى بموت إنسان حتى ولو كان يمكن أن يعيش زيادة لحكمة يريدها هو تعالى.\rومن فهم هذا الكلام انحلت عنه إشكالات كثيرة يوجهها الناس على مذهب أهل السنة، فهذا هو قول أهل السنة ظاهر في كتبهم،فما بال هذا الرجل يتهمهم بأقوال فاسدة ويلصق بهم كل أمر قبيح؟؟!\rالباب السادس\rالرزق\rتلخيص ما قاله المؤلف في هذا الباب:\rابتدأ كلامه قائلاً: إن من أخطر المقولات التي قالها المفكرون الإسلاميون قولهم: \"إن الرزق قضاء قضاه الله\".\rثم شرع في سرد الآيات التي ورد فيها ذكر كلمة الرزق أو أحد مشتقاتها، وكذلك الآيات التي ورد فيها أحد مشتقات المال وغير ذلك، وملأ بهذا الكلام الصفحات من ص81 إلى ص 130 ، أي إنه أنفق خمسين صفحة من صفحات الكتاب في أمر هو عبارة عن سرد، وقسم كل عدد من الآيات إلى مجموعة وعلق على كل مجموعة بكلام مقتضب لا يفيد وليس فيه جنس التحقيق.\rوهذا الاستقراء كان قد أغناه عنه المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لأن ما فعله المؤلف هو عبارة عن نسخة من هذا المعجم، ونقلٍ لبعض صفحاته لا غير.\rوالحقيقة أنه أتعب نفسه في هذا الأمر ولم تترتب عليه الفائدة المرجوة منه وذلك لضعف التعليقات التي وضعها المصنف كعادته!!\rولم يتبع في هذه التعليقات أسلوب الاستنباط الحقيقي أو الاستدلال الأصولي المعتبر، بل كان ما فعله ما هو إلا عبارة عن كلام خطابي أو فهم عام لا يسلم له في كثير من المواضع، وبالتالي كان أكثر هذه الصفحات في حكم العدم.\rثم بعد ذلك تكلم في الصفحات 131-145 عن الرزق في فهم حزب التحرير، وسوف نعرض فيما يلي خلاصة ما قاله.","part":1,"page":58},{"id":60,"text":"قال: إن إسناد الرزق إلى الله تعالى دلالة على خلقه الرزق وليس توزيعه، وأنه من الجحود أن نسند فقر الفقراء وسوء التوزيع إلى الله تعالى، ومن الظلم أن نسند إليه أنه يرزق الحرام ثم يعاقب عليه.\rثم ادعى أن الناس يعانون حالة فصامية بين القول والممارسة إذ ورثوا مقولة فكر أهل السنة والجماعة من أن الرازق هو الله ولكنهم يباشرون أعمال طلب الرزق والتعامل مع الرزق وقد أداروا ظهورهم لأقوالهم.\rويدعي أن أهل السنة يقولون أن إسناد الرزق إلى الله تعالى إنما هو إسناد توزيع لا إسناد خلق.\rويقول: إن النبهاني يقر أن خلق الرزق إنما هو من عمل الله تعالى، ولكن الحصول عليه إنما هو من عمل الإنسان.\rويعارضه في ذلك، ويخالفه في قوله: إن السعي للرزق ليس سبباً للرزق لأن السبب ينتج عنه المسبب وجوباً، بينما نرى أن كثيراً من الناس يسعون إلى الرزق ولا يحصلون عليه، علماً أن النبهاني يقصد بالسبب أي الذي يوجد نتيجته حتماً، ويقصد بالسعي السعي المتعارف عليه.\rويقول المؤلف: إن في هذا تفريقاً بين السبب ونتيجته، وأن هذا كله من النبهاني تقليد للأشاعرة.\rوسوف نعلق فيما يلي على الأفكار التي ذكرها المؤلف،كما يليق بالمقام.\rإن الأساس الذي يبني عليه المؤلف جميع كلامه هنا هو نفس الأساس الخاطئ الذي بنى عليه جميع المباحث المتقدمة وهو الذي أشرنا إليه سابقاً أكثر من مرة، إن أساس اعتراضه على الأشاعرة إنما هو نتيجة فهمه الخاطئ أو عدمه فهمه على الإطلاق لمعنى كلامهم في الكسب والخلق، وعدم تفريقه بين مفهوم الخلق والكسب.\rإن الأشاعرة بهذا التفريق قد حفظوا للألوهية مقامها، فلم ينسبوا الخلق أي الإيجاد من العدم إلى المخلوقات، وحفظوا أساس التكليف الذي لا يقوم أصلاً إلا على الاختيار، فقولهم بالكسب هو قول فريد وبالعناية حقيق.","part":1,"page":59},{"id":61,"text":"وهو أيضا لا يزال يظن أن القول بأن الله تعالى هو خالق جميع ما في الكون من أعراض وجواهر، يلزم عنه الجبر المطلق، وهو نفس الإشكال الذي وقع فيه كبار المعتزلة سابقاً، وخالفهم فيه أكثر الطوائف الإسلامية.\rإن القول بالكسب لا يلغي عند الأشاعرة الاختيار وبالتالي لا يبطل التكليف.\rوكذلك هو قولهم بالرزق وأن الله تعالى هو الرازق فهو مبني على نفس الأساس، فالقول أن الله تعالى هو الرازق يعني أن الله تعالى هو خالق الرزق، وهذا لا يبطل أن العبد باكتسابه هو الذي يمكنه أن يتحكم برزقه إلى حد كبير وعلى ما يحيط به علمه وقدرته.\rوشَرْحُ هذا الكلام كما يلي:\rإن العالم الذي نعيش فيه مبني على قوانين معينة وهي إرادة الله تعالى بأن يكون على ما كائن عليه، وإرادة الله تعالى لا جبر فيها مطلقاً، ولا من ناحية من النواحي، كما أشرنا إلى ذلك في مبحثنا في القضاء والقدر.\rفعلى مذهب الأشاعرة إذا قلنا: ( قوانين ) فإننا نقصد إرادة الله تعالى وما يلزم عنها من عادة مطردة خلق الله تعالى عليها الكون، وإنما إطلاقنا لهذا اللفظ عليها هو من قبيل المجاز الإنسانية واللغة البشرية، ولا حرج في هذا من ناحية دينية، فقد ثبت عندنا أنه يجوز إطلاق الأوصاف على الله تعالى ما دام لا يوجد فيها أي إشارة إلى النقص.\rوقد تعهد لنا الله تعالى أن الكون سيبقى على هذه الصورة إلى يوم القيامة وهو موعد الحياة الآخرة، وبالتالي فلا يوجد معجزات ستوجد ولا يوجد خرق للعادة إلا بالقوانين الإلهية أي على سبيل الكرامة والكرامة عند أهل السنة لا تعطى هكذا لأي أحد، بل لها علامات وأسس كما ذكروها في كتب العقائد.\rوقد أخبرنا الله تعالى أنه مع أنه هو تعالى خالق الكون بما فيه من جواهر وأعراض، إلا أنه سيوجد لنا الأعمال التي نريد اكتسابها وعلى حسب القدرة الإنسانية والقابلية العادية.","part":1,"page":60},{"id":62,"text":"فأفهمنا أننا إذا توجهنا إلى اكتساب شيء ما فإنه تعالى سيوجده لنا على حسب ما تتعلق به إرادتنا وعزمنا وقابليتنا، فإن إمكاناتنا الوجودية يبرزها الله تعالى إلى غاياتها.\rونحن بناءاً على هذا يمكننا أن نكتسب بعض الأمور باتخاذ بعض التدابير، هذا مع إيماننا بأن الله تعالى هو خالق الجميع.\rفقدرتنا إنما هي على الكسب وقدرة الله تعالى على الخلق لا الكسب.\rوإذا علمنا القوانين التي خلق الله تعالى الكون عليها،أي إذا علمنا عادة الله تعالى في خلقه،فإنه يمكننا أن نستفيد من هذه العادة في اكتساب ما نريد من أمور، وهذا هو أساس التكليف عندنا.\rهذا الكلام عام في كل أمر من أمور التكليف.\rوأما ما يتعلق بالرزق خاصة، فإن النظرة الواعية إلى الكون والى عادة الله تعالى في خلقه، تعلمنا أن الله تعالى قد خلق في بعض البلاد من الموارد اللازمة للأعمال البشرية ما لم يخلقه في بلد آخر.\rمثلاً الحديد يوجد بكميات كبيرة في بعض البلاد ولا يوجد في بعض البلاد الأخرى، وكذلك الكربون، وكذلك البترول الذي هو أساس كبير ومصدر عظيم من مصادر الطاقة، وكذلك القول في سائر المعادن والمواد.\rفالرزق [ لا نريد هنا التفريق بين الرزق والمال مع وجود الفرق بينهما، ولكننا نتكلم بإدراج المعنييين تحت كلمة الرزق ] هنا قد تفاوت بدون مدخلية لقدرة الإنسان.","part":1,"page":61},{"id":63,"text":"فهذا ما يتعلق بالكون من غير ملاحظة أثر قدرة الإنسان، وأما بملاحظتها، فإن الإنسان يمكنه أن يصور ويشكل المعادن بأشكال عديدة وكثيرة، وهذا باكتسابه وباتباعه الطرق العادية التي خلق عليها الكون، مثلاً إذا علمنا أن نهراً معيناًَ يسير باتجاه معين لنفرضه من الشمال إلى الجنوب، وأردنا نحن أن نحوله إلى الشرق أو إلى الغرب، فما علينا إلا أن نحفر له ممراً أقل انخفاضا من الممر الذي يسير فيه عادة إلى الاتجاه المطلوب، فينتج أن المياه تسير في المجرى المصنوع، وبذلك نحصل على الأمر الذي نريده، ونحن نعلم أننا لسنا من خلق المياه ولا من جعلها تسير من المكان المرتفع إلى المكان المنخفض، وكل ما فعلناه هو أننا استغللنا هذه الصفة الذي أوجد الله عليها المياه لتحقيق ما نريده من أمور، فالحاصل أن النهر قد تحول مجراه من اتجاه معين إلى اتجاه آخر مطلوب لفائدة الناس في هذا الموضع المعين، وبهذا فإننا نكون قد حصلنا على رزقنا من المياه، بلا خلق منا، بل باكتساب لهذا الرزق، فهل يجوز أن يقال بعد ذلك أننا نحن من أوجد ميلان المياه عن هذه الجهة إلى تلك، أو أننا من جعل الماء فعلا يسير في الجهة الثانية ؟‍!\rوكذلك إذا علمنا أن فلانا من الناس يملك مبلغا من المال، ويريد تنفيذ عمل معين، ولا يقدر هو على تنفيذه، ونحن في المقابل نريد قدراً من المال ولا نملكه، فإذا علمنا أننا إذا قمنا لهذا الرجل بالعمل الذي يريده، فإنه سوف يعطينا بعض المال الذي يملكه، فإننا نعرض بناءاً على هذا العلم على الرجل أن نقوم له بالعمل الذي يريده مقابل أن يعطينا مبلغا نتفق عليه من المال.\rوهكذا فإننا نكون قد حصلنا على رزقنا بأسلوب آخر، ولا نكون قد خلقنا هذا المال خلقا، ولم نوجده من عدم، بل اكتسبنا صيرورته في أيدينا بعد أن كان بيد غيرنا.","part":1,"page":62},{"id":64,"text":"إن المواد التي يمكن أن نستعملها في غذائنا وشرابنا، هي في الأصل غير مخلوقة لنا، بل كل ما نقوم به نحن هو أن نستغل طبيعة الكون التي خلقه الله تعالى عادة عليها، لتحقيق بعض ما نريده، وهو بالضبط المقصود بالاكتساب عند الأشاعرة.\rإن الاكتساب في حاصله هو اكتساب النسبة أي نسبة أمر معين إلينا سواءاً بأسلوب التملك أو بأسلوب الاغتصاب أو القهر أي قهر الغير عليه، فالاكتساب ترد عليه سائر الأحكام الشرعية الخمسة، أما أننا نُوجد نحن أصل هذا المملوك فلا يحصل هذا إلا في خيال بعض الجهلة أما في الواقع فلا يحصل مطلقاً.\rمثلاً إن تسخين الحديد، أي إيجاد الحرارة في الحديد، وهي في حاصلها لا تعني أكثر من تمليك الإلكترونات في مادة الحديد طاقة أكثر مما كانت تملكها، هذا الأمر هل نحن حقيقة من يوجده ؟\rإن العقل السليم يقول لا بكل ثقة، أما العقل المختل فإنه يصرح بكل جراءة بأننا فعلا من يوجد هذه الحرارة في إلكترونات الحديد.\rوحقيقة الأمر أننا لا نفعل شيئا أكثر من تعريض الحديد للنار، والنار تتسرب إلى إلكترونات الحديد بفعل الله تعالى، لا بفعل نفسها، إن ما يحصل عندما نقرب النار إلى الحديد هو أمر لا نعرفه على الحقيقة حتى الآن، وهو ما عبرنا عنه سابقا بأنه اكتساب.\rوحتى لو طبقنا ذلك على جوارحنا فإننا سوف نجد أننا في الحقيقة لا ندري كيف تتحرك اليد تفصيلا، وكل ما ندريه هو أننا نريد نقل اليد من موضع إلى آخر، وبمجرد عزمنا على ذلك فإن اليد تتحرك.\rفهذا هو ما يحدث، فهل هذا هو المراد بالخلق، إن الخلق وهو الإيجاد من العدم ليس كذلك، ومن يتوهم أن هذا فعلا هو معناه فقد اشتد في ضلاله، فإن أول شروطه هو العلم بالمخلوق، فكيف يقال بعد ذلك أننا نخلق حركة اليد ونحن لا ندري كيف تتحرك على الحقيقة؟؟! أي لا ندري تفاصيل حركة اليد وأسبابها الحقيقية الواقعية تفصيلا؟ إن من يقول ذلك يتجاهل أموراً كثيرة، ويكون كلامه مصادرة على المطلوب.","part":1,"page":63},{"id":65,"text":"فالحاصل أن ما يحدث حقيقة في جميع أفعالنا ما هو إلا اكتساب، أي سعي في تحصيل نسبة الفعل بل النتيجة إلى أنفسنا، أما ما عدا ذلك فلا دخل لنا فيه.\rوينطبق نفس الكلام على المواهب الخلقية، من الذكاء والقوة وغيرها، فهذه في أصلها لا تكتسب بل إنها من خلق الله تعالى، ولا تلتفت إلى من قال إن الذكاء يكتسب، بل إن الذي يكتسب هو الإلف والعادة والخبرة والممارسة وليس أصل الذكاء.\rوكذلك المال الذي ترثه من الميت لك فهل فعلا أنت من اكتسبه أو أوجده؟! ألا تسميه رزقا قد ساقه الله تعالى لك، إن مجرد تمكنك من رفض هذا المال لا يعني أنك أنت من أوجده، أو أنك قد اكتسبته بالعمل، لأن هذا ليس هو العمل المقصود، كما هو ظاهر، وإلا لانتفى أصل الخلاف بين المؤلف وبين الحزب.فتأمل !\rقال الله تعالى: ? والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ?، وفيه نص على أن الرزق من عند الله، ثم قال تعالى: ?ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ?، وقال: ? ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومَن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ?.\rفما الذي يقدر أن يقوله المؤلف في هذه الآيات التي تبين أن الرزق منه ما هو من عند الله تعالى وأن التوزيع فيه من عند الله تعالى، وغير ذلك من الآيات التي أهملها المؤلف.\rإن الذي ذكرناه هنا ما هو إلا أمر بسيط في تحقيق معنى الكسب، ولكنا أردنا ذكره هنا لنبين وجود فرق كبير بين الخلق والكسب، لأن هذا يخدمنا في جميع مسائل الكتاب، ومنها مسألة الرزق التي نحن بصددها هنا.\rفحاصل الأمر أن الحصول على الرزق بعضه يكون بالكسب، وبعضه يكون بلا كسب، وامتلاك المال وحيازته لا يكون إلا النية.\rوأما حقيقة الرزق أي الشيء المرزوق فإنه يكون بخلق الله تعالى له، وهذا إشارة إلى شيء مما يحتوي عليه مذهب أهل السنة.","part":1,"page":64},{"id":66,"text":"قال الله تعالى: ? الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ?.\rقال العلامة الكفوي في الكليات: \"والرزق الحاصل للعباد باختيارهم كحصوله بالتجارات وقبول الهبات والصدقات والغصوب والسرقات وغير ذلك، أو بغير اختيارهم كحصوله بالإرث، فهذه الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى، فكان الحاصل بها مخلوقا لله تعالى\".\rفهذا فيه دليل على ما قلنا من أن أهل السنة يقسمون الرزق إلى القسمين المذكورين.\r\"والرزاق لا يقال إلا لله تعالى، والرزاق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له وهو الله تعالى ويقال للإنسان الذي يصير سبباً في وصول الرزق، رازق له\".\rوهذا الكلام يبين على أي وجه يمكن أن يطلق الرازق على غير الله تعالى.\rثم قال الكفوي: \"ويقول البعض: لو لم أكتسب لما وجدت الرزق، وبعضهم يقول:لو تركت الكسب لوجدت ما وجدت بالرزق، وبعضهم يقول: هذا من الله ومن كسبي. فالأول مشعر بالاعتزال، ولا يدل على الاتكال بالكسب، والثاني مشعر بالجبر وإنكار السبب، والثالث هو الصواب، لأنه لم ينكر السبب ولم ينكر تأثير الله تعالى في الأسباب، فمن ترك الكسب فليس بمتوكل، ومن اتكل بالكسب دون الله تعالى فليس بموحِّدٍ \".\rوهذا النص عظيم المعنى وفيه يلخص المحقق الكفوي جميع ما قلناه في معنى الرزق وما يجب أن يعتقده فيه المؤمن، وهو قد وضع فيه معياراً يزن فيه الإنسان نفسه من أي طائفة هو، فافهمه وتمسك به والله تعالى هو الموفق.\rولهذا أجمع كل علماء أهل الحق على أن السعي واجب على العبد، ولم يقل أحد منهم أن الرزق بجميع أنواعه يمكن أن يحصل عليه العبد بلا اكتساب أصلاً، فالسعي والحركة واجبان بلا خلاف، لأنهما عند أهل السنة سببان عاديان جعل الله تعالى خلق الرزق عند اكتسابهما.\rونختم هذا الكلام بذكر بعض كلام العلماء في معنى الرزق.","part":1,"page":65},{"id":67,"text":"قال شيخ الإسلام زكرياء في كتابه الفذ غاية الوصول: \"(والرزق) بمعنى المرزوق عندنا - أي عند الأشاعرة - (ما يُنتفع به) في التغذي وغيره (ولو) كان (حراما) \" اهـ.\rوقد يقول قائل: كيف يكون الرزق حراما وهو مستند إلى الله تعالى في الجملة ؟\rقلنا: إن وصفه بأنه حرام في الحقيقة ما هو إلا وصف لكسب الإنسان، أي ما هو إلا وصف لطريقة الإنسان المكلف التي اتبعها في الحصول على هذا الرزق، ففعل الإنسان هو الموصوف في الحقيقة بالحلال والحرام، وأما الشيء في ذاته فلا يوصف بالحل والحرمة، وذلك لما تقرر في علم الأصول من أن الأحكام التكليفية إنما تتعلق بأفعال العباد ولا تتعلق بالأشياء في ذاتها.\rوقد قررنا أن فعل الإنسان الذي هو كسبه مضاف اليه أولاً وأخيراً، ولا يضاف إلى الله تعالى، وهذا الكسب هو الموصوف بالحل والحرمة، ففي الحقيقة لا ينسب الحرام إلى الله تعالى، لأنه فعل العبد لما أنه كسبه، وأما الشيء الذي اكتسبه الإنسان فيوصف بالحل والحرمة.\rفقول الشيخ زكريا وقول غيره من أهل السنة: ( ولو كان حراماً )، المقصود منها ولو كان كسب العبد له حراما، أي إن المرزوق ينسب إلى الله تعالى ولو كان كسب العبد له حراماً، فافهم.\rوقد تقرر في علم الأصول أن الأحكام الشرعية ليست أموراً وجودية، أي لا يوجد لها وجود وتحقق في الخارج، بل هي أمور اعتبارية، وهي مربوطة بهذا الوجود الحادث المتحقق، ولهذا صرح الجمهور بأن الملائكة ليسوا مكلفين بالشرائع التي قد كلفنا نحن بها، بل أجمعوا على أننا في اليوم الآخر وفي الحياة الأخرى لا نتعرض إلى التكاليف ولا يجب علينا صوم ولا صلاة، وما ذلك إلا لأن الشريعة بل الشرائع كلها إنما جاءت بالنسبة إلى الوجود المعين المتحقق وليست هي أموراً مطلقة لها في ذاتها حقيقة، فتفكر.\rوقال الإمام السعد التفتازاني في شرح العقائد: \"الرزق اسم لما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان فيأكله\" اهـ .","part":1,"page":66},{"id":68,"text":"والمراد من قوله: ( فيأكله ) أي تناوله فيعم المأكول والمشروب، هذا تعريفه عند الماتريدية، وأما عند السادة الأشاعرة فالرزق أعم من ذلك كما مرَّ عن الشيخ زكريا الأنصاري، وقد نقل المحشي على الشرح أن الآمديَّ قد اعتمد أن الرزق هو اسم لما ساقه الله تعالى إلى الحيوان فانتفع به للتغذي وغيره، وهو ما اعتمده الإمام السعد في المقاصد، فيدخل في هذا سائر الأمور التي يستفيد منها الإنسان، وعلى هذا التعريف فما ساقه الله تعالى إلى الإنسان حسب كسبه أو بلا كسب منه ولم يحصل الانتفاع منه فليس برزق له وإن كان في أصله مما يساق للانتفاع ومما يقصد اكتسابه للانتفاع.\rوعلى كل من التعريفين فإن الإنسان لا يأخذ إلا رزق نفسه لأنه ما دام قد انتفع به أو تغذى به فلا يمكن لأحد أن ينتفع به حال انتفاعه هو به، ومجرد الانتفاع هو الرزق المقصود أصالة، فافهم.\rوبذلك يفهم معنى قول أهل السنة كيف أن كل أحد يستوفي رزق نفسه، أي يستوفي الرزق الذي كتبه الله تعالى له، وليس في هذا جبر له ولا ظلم له، لأنه تعالى لا يكتب إلا ما قد علمه بعلمه الأزلي، ولهذا قال الإمام السعد: \" (وكل يستوفي رزق نفسه حلالا كان أو حراما) لحصول التغذي بهما جميعا \" اهـ .\rوعلى قول السادة الأشاعرة : وكل يستوفي رزق نفسه حلالاً كان أو حراماً لحصول الانتفاع به، كما أشرنا إليه عند الكلام على عبارة الشيخ زكرياء.\rوبهذا الشرح والتوضيح ينهدم كل ما جاء به المؤلف الذي يدعي الاعتزال من كلام ومن مفاهيم عن الرزق، وينهدم أيضا كل ما قاله من رد وهجوم وانتقاد لمذهب الأشاعرة.\rويتبين أن كل ما قاله ما هو إلا تخرصات كما سبق له ذلك في المواضع التي نقدناه فيها.\rتعقيب سبق الإشارة إليه ...","part":1,"page":67},{"id":69,"text":"وهذا التعقيب في أن كون الله تعالى هو الخالق لا يعني الانفكاك التام بين فعل الإنسان وبين نتيجة فعل الإنسان، بل إن الترابط ما زال قائماً، ولكن هذه الرابطة ليست قائمة على أساس الخلق، بل على أساس رابطة أخرى هي رابطة العادة التي يستند إليها الكسب. وبالتالي يمكن أن يعلم الإنسان أنه عندما يأخذ أجرة قليلة فهو مظلوم وظالمه هو صاحب العمل، وليس الله تعالى، مع أنه بعلم في نفس الوقت أن الله تعالى هو خالق هذه الأجرة، وذلك لأنه يعلم أن من أكسبه هذه الأجرة هو صاحب العمل، وأن الله تعالى قد خلق الأجرة على ما أراد صاحب العمل. ونحن نعلم أن صاحب العمل سوف يعاقب في الآخرة لأنه خالف أوامر الله تعالى في إعطاء الأجير حقه التام، وفي إنقاصه مما يستحق. ولا يلزم من هذا مطلقا أن الله تعالى هو الظالم كما هو ظاهر، وهذا هو معنى قول أهل السنة على سبيل الاختصار.\rوبهذا التوضيح تبطل جميع الأسئلة التافهة التي وجهها المؤلف على مذهب الأشاعرة، ويزداد وضوحاً لدى القارئ أنه غارق في جهالاته وتجنياته على أهل السنة ؟!\rالباب السابع\rالهدى والضلال\rذكر المؤلف أن الأشاعرة قد صرحوا أن الله تعالى هو خالق كل شيء، ولم يستثنوا من ذلك شيئاً، ويدعي أن مقولة الأشاعرة والماتريدية بالكسب تؤدي إلى الجبر، مع أنه لم يبين في أي موضع من كتابه كيف أن القول بالكسب يؤدي إلى القول بالجبر، كما لم يستطع أن يبين ذلك أحد من قبله، وذلك أن حقيقة الأمر أنه لا يؤدي إلى الجبر مطلقاً.\rويكرر سؤاله الساذج دائماً وهو أنه إذا كان الإنسان هو الذي يهتدي وهو الذي يضل، فكيف يقال بعد ذلك أن الهدى والضلال خلق الله تعالى؟! أليس معنى أن الإنسان يهتدي أي يخلق الهدى في نفسه عقلا وفعلا؟ وكذلك بالنسبة إلى الضلال؟!","part":1,"page":68},{"id":70,"text":"إن المؤلف ما يزال يعاني من نفس المشكلة التي سبق أن نبهنا عليها، وهي عدم تفريقه بين الكسب والخلق، وعدم إدراكه أن الكسب لا يعارض ولا ينافي التكليف، ومعنى أن الله تعالى يخلق الهدى والضلال في العبد، فمعنى هذا أنه يخلقه عندما يريد العبد اكتساب الضلال أو اكتساب الهدى، ولا نريد أن نكرر ما كنا قد ذكرناه سابقاً في معنى الخلق والكسب مع أنها نفس الإشكالية التي تتكرر عند المؤلف.\rقال في شرح العقائد النسفية: \" (والله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء) بمعنى خلق الضلالة والاهتداء لأنه الخالق وحده\" اهـ .\rوأما اكتساب الهداية واكتساب الضلال فإنما هو بيد العبد وحده، كما سبق بيانه في معنى الكسب.\rوأما قول المؤلف في صـ152ـفحة: \"وينبغي أن يعلم أن الفعل لا يكون بين فاعلين، بل له فاعل واحد، والمقدور لا يكون بين قادرين، فالعجب كل العجب من قول من يقول عن الهدى أنه خلق له تعالى وفعل للإنسان بل هو للإنسان وحده\" اهـ .\rوقد كان ينبغي أن لا يتعجب من هذا القول، لأننا قد بينا أن الله تعالى قادر وفعله الخلق، والعبد أيضاً قادر وفعله الكسب لا الخلق، وبالتالي فإن الفعل عندما يكون لله تخليقاً وللعبد اكتساباً، لا يكون بين فاعلين لفعل من نفس النوع، لأن معنى الكسب يختلف اختلافاً كبيراً عن معنى الخلق، وليسا هما من نفس الجنس حتى يقال ما قاله المؤلف الذي لا يصدر منه إلا كل قول عجيب غريب لا يستوي مع مقاييس العقول ولا مع ما ورد عن العلماء من النقول.\rوأما قوله في صـ154ـفحة :\"فإسناد الهدى إلى الله حقيقة هو إسناد الثواب، وإسناد الضلال إلى الله حقيقة هو إسناد العقاب\" اهـ .","part":1,"page":69},{"id":71,"text":"فلا ريب في أنه قاله لما رآه في آيات القرآن من إسناد الهداية والإضلال إلى الله تعالى نحو قوله تعالى: ? ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ?، وقوله تعالى: ? يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النوربإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ?، وقوله تعالى: ? يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس،إن الله لا يهدي القوم الكافرين ?، وقوله تعالى: ? ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ?، وقوله: ? من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ?، فأراد أن يبرر ورود مثل هذه الآيات ففسر الهدى والضلال بهذا التفسير الغريب، مع أن ظاهر هذه الآيات وغيرها كثير أن الله تعالى هو الذي يخلق الهدى والضلالة في العبد.\rواعلم أن المؤلف لم يشر مطلقاً إلى هذه الآيات مع أن البحث الحقيقي يوجب عليه أن يشير إليها ويذكر ما يفهمه منها، وذلك لأن ظاهرها يعارض ما يذهب هو إليه، فتأمل.\rالباب الثامن\rالنصر\rهل مفهوم الأشاعرة للنصر والهزيمة يخالف أصول العقل أو أصول الإسلام كما يدعي هذا المدعي ؟!!\rلكي يتسنى لنا الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعرف كيف يفهم الأشاعرة النصر والهزيمة.\rولكن ينبغي أن نقول قبل ذلك أن أساس المشكلة عند المؤلف هو نفس الأساس الذي أشرنا إليه فيما سبق من المباحث، وهو عدم معرفته للفرق بين السبب العادي والسبب العقلي، وبالتالي عدم تمكنه من معرفة الفرق بين الكسب والخلق.\rإن النصر في حاصله ما هو إلا إجبار خصمك على الانقياد لإرادتك أو كسر إرادة الخصم وإجباره على عدم تنفيذها.\rوالخصم عادة يحاول باكتساب الأسباب العادية أن يهزمك وأنت تحاول بنفس الأسباب ولكن من جهتك أن تهزمه، أي إن كلاً منكما يحاول أن يمتلك أسباب القوة التي بها يتمكن من القضاء عليك أو جعلك تخدمه وتسير بنفسك تجاه هدفه هو لا هدفك أنت.","part":1,"page":70},{"id":72,"text":"وما دام الكلام قائماً على الأسباب العادية فلا خفاء في أن الغلبة إنما تكون لمن يتمكن من هذه الأسباب، وأما خرق العادات والتدخل المباشر من الله تعالى- وإن كان جائزاً عند أهل السنة - فليس هو من الأسباب العادية بل هو من الأسباب الخارقة للعادة.\rفالنصر عند أهل السنة لا يكون إلا بتجهيز الأسباب العادية مع الدعاء لله تعالى بتوفيقهم وبهدايتهم إلى ما قد يغفلون عنه عادة.\rهذا هو حاصل معنى النصر عند أهل السنة، بل هذه هو الأساس الذي يقوم عليه مفهوم النصر عند أهل السنة.\rوهذا الكلام لا ينتج عنه ما يوهم بالجبر أو يلزم عنه الاتكال بله التواكل وعدم العمل، بل إن أهل السنة هم ضد هذا الفهم السقيم لمفهوم النصر.\rأما من يفهم منه غير ما قلناه ويلزمهم بما لا يلزمهم فهو من لم يفهم معنى الكسب ولم يفهم معنى السبب العادي الذي هو الأساس الحقيقي عند أهل السنة وخصوصاً الأشاعرة، وبالتالي فإن من لم يحصل هذا الفهم فإنه يباشر ويسارع إلى تخطئتهم وتبديعهم بل ربما يدعي أنهم وقعوا في الأمور الكفرية !!\rوقول الله تعالى صريح في وجوب الأخذ بالأسباب العادية للنصر ? وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ?، فالخيول والأسلحة من سيوف وبنادق وقنابل بكافة أنواعها وكافة أنواع القوة يجب على المسلمين أن يسعوا إلى امتلاكها بكل قوة، لأنها هي التي يخاف منها الأعداء ولا يمكنهم أن يواجهوا قوة الأعداء إلا بما يوازي قوتهم بل يتفوق عليها.\rوإننا نقول ونكرر، إن مفهوم العادة عند أهل السنة من أهم المفاهيم التي يجدر بالمسلم أن يفهمها ويحصلها في ذهنه تحصيلاً جيداً لأن كثيراً من الأمور التي تميز بها الأشاعرة إنما يعتمد في الأساس على مفهوم العادة.","part":1,"page":71},{"id":73,"text":"والرابطة العادية عند أهل السنة ليست رابطة احتمالية أي إننا إذا عرفنا أن السبب العادي للنصر هو امتلاك سلاح معين، ومن ثم استعماله بصورة جيدة وبإتقان، فإننا يجب أن نوقن أننا عندما نؤدي هذا الأمر، فإن هذا لا محالة سوف يؤدي إلى النصر وإلى انهزام العدو، ولا يجوز لنا أن نشك في هذا الأمر.\rوهذا الكلام يتأكد تمام التأكد عندما يلاحظ الإنسان أن الله تعالى قد وعد المسلمين بالنصر وشرط هذا بأن ينصروه هم، ولم يعلق نصره لهم على غير هذا الشرط، فمعنى هذا أنه تعالى سوف يخلق النصر مباشرة عندما يكتسبون هم أسبابه من الأمور العادية المؤدية إليه، وهي التي ترشد إليها العقول والنصوص الشرعية الصريحة الموجودة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، مثل قوله تعالى: ?إن تنصروا الله ينصركم ?، وقوله تعالى: ? ولينصرن الله من ينصره، إن اله لقوي عزيز ?، وقوله تعالى: ? إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ?، وقوله تعالى: ? وكان حقا علينا نصر المؤمنين ?، وقوله تعالى: ? وما النصر إلا من عند الله ?، وقوله تعالى: ? إن ينصركم الله فلا غالب لكم ?.\rهذا هو تلخيص لقول أهل السنة في مفهوم النصر وكيف يتأتى الحصول عليه.\rوبعد هذا التوضيح لمفهوم الكسب ومنه كسب النصر، يصبح كل كلام يوجه نقدا لمذهب أهل السنة ويتهمهم فيه بالجبر وإسقاط التكاليف وانتهاء المذهب إلى القعود عن العمل، كل كلام يكون هذا حاصله أو معناه ما هو إلا كلام ساقط تافه لا يؤخذ بعين الاعتبار بل يرمى في المكان اللائق به ويوضع في حيز الإهمال.","part":1,"page":72},{"id":74,"text":"وفي نهاية هذا المبحث العاجل لا بد أن نعيد ونكرر القول بأن كل ما ذكرناه عن مفهوم العادة لا يعني أن الله تعالى لا يجوز له أو أنه يمتنع أن يتدخل في شؤون الخلق، بل إنه تعالى فاعل مختار وعدم تدخله ما هو إلا وعد منه تعالى بناءاً على ترك الناس في مجرى الاختبار والتكليف بالحصول على رضاه تعالى وذلك بالامتثال بأوامره والانتهاء عن نواهيه، فيجوز له تعالى أن يتدخل وذلك على سبيل الكرامة أو على سبيل المعجزة كما سيحدث في آخر الزمان، والله تعالى هو الموفق على الحقيقة.\rالباب التاسع\rالجزاء\rبحث المؤلف موضوع الجزاء ويقصد به الجزاء في يوم الآخرة، ويورد فيه بعض الأفكار التي سوف نذكرها فيما يلي ونعلق عليها بما يتيسر.\rأولاً: المقولة الأولى التي يذكرها المؤلف في هذا المجال هي أن أحدا من الصحابة لم يذكر أن هناك انتقال من النار إلى الجنة، وادعى أنه لا قيمة للأحاديث المزورة الواردة في الخروج من جهنم، وزعم أن هذه الأحاديث هي في محل التعارض مع القرآن، ولهذا يجب أن ترد، وتعارض العدل الثابت لله تعالى (راجع الصفحتين 168-169).\rثانياً:ذكر أن أهل السنة يقولون أن عصاة أمة محمد لا يُخَلَّدون في العذاب، وادعى أنهم لا يملكون دليلاً واحداً على ذلك!! (راجع كلامه في صفحة176).\rوهذا الموضوع هو آخر موضوع سنخصص له محلاً مستقلاً للنقاش، ومع أن تهافت كلام هذا المدعي بيِّنٌ عند من له أقل اطلاع على أحكام الدين، إلا أننا سوف نذكر بعض الأدلة التي تدل القارئ الكريم والباحث على الحق وتبين له اختلال كلام هذا المدعي!!\rسوف نورد فيما يلي بعض الآيات والأحاديث التي تدل على خلاف ما ادعاه هذا الرجل.","part":1,"page":73},{"id":75,"text":"إن الأحاديث التي وردت وتدل على إخراج أهل المعاصي من النار بعد أن يعذبوا ما شاء الله تعالى، قد بلغت حد التواتر المعنوى، ومنها الأحاديث التي أوردها البخاري في أول كتابه، ومنها \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن مثقال شعيرة،وما يزن خردلة وما يزن ذرة\"، ومنها ما أخرجه ابن اسحق وابن جرير وابن عساكر عن عبادة بن الصامت \"كنا أحد عشر رجلا في العقبة الأولى فبايعنا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة النساء قبل أن يفرض علينا الحرب، بايعناه على ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نقتل أولادنا ولا نعي في معروف فمن وفى فله الجنة ومن غش شيئا فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له\" وأخرجه أيضا البخاري ومسلم بنحو ذلك.\rفهذا الحديث مع قوله تعالى: ? إن الله لا يفغر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ? وهذه الآية فيمن لم يتب، نص على أن الله تعالى يمكن أن يعذب العاصي وكل من أخطأ ويمكن أن يغفر له، والأصل أن يعذب، وأما المشرك بالله تعالى فلا يغفر الله له، وما دام الله تعالى قد وضع أمر العاصي بفعل إحدى الكبائر بين يدي مشيئته فإن هذا العاصي يستحيل أن يخلد في النار، وما دام يستحيل أن يخلد في النار ويمكن أن يعذب، فإنه يلزم حتما أنه إن عُذِّبَ فإنه لا محالة خارج من النار.\rوفي هذا دلالة على أن من دخل في النار يمكن أن يخرج منها وبهذا يكون دليلاً على ضد دعوى قول المؤلف أنه لم يرد دليل على أنه يمكن أن يخرج من النار من دخل فيها، فتأمل.","part":1,"page":74},{"id":76,"text":"وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها،رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال عملت يوم كذا وكذا وكذا وكذا؟ فيقول نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول ربِّ، قد عملت أشياء لا أراها ههنا. فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.\" وهو موجود في مسند الإمام أحمد، وهذا الحديث نصٌّ آخر في أن هناك من يخرج من النار؟؟!\rوفي رواية ابن أبي حاتم قال: ذكر عن عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي ثنا سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية ? لا يموت فيها ولا يحيى ?، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:\" أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت الغثاء في حميل السيل\".\rوقد ثبت في الصحيحين حديث أبي ذر لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل:\"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر على رغم أنف أبي ذر\".\rوثبت عنه قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى:\" أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة من إيمان، مثقال حبة من إيمان، مثقال ذرة من إيمان \".\rفهذه النصوص جميعاً تدل على خلاف ما ادعاه هذا المدعي من أنه لم يرد عن أحد من الصحابة أنه يخرج بعض أهل النار منها، ومن أنه لا دليل لأهل السنة على خروج أهل المعاصي من النار سواء بعد العذاب أو بعد المغفرة أو بعد الشفاعة والمغفرة.","part":1,"page":75},{"id":77,"text":"والحق أن الأدلة على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار وإن دخلوها كثيرة جداً، والحق أيضا أن هذه المسألة من أضعف أصول المعتزلة التي تمسكوا فيها،وهم لا يملكون دليلاً عليه.\rوبذلك نكون قد أتينا ببعض الأدلة الكافية لإسكات الخصم.\rوأما ما ادعاه من أن هذه الأحاديث تعارض ما ورد في القرآن الكريم فهو من أعجب الأمور، وعلى كل حال فقد أجاب عليها العلماء في كتبهم أحسن الأجوبة وذكرنا نحن هذا المبحث في غير هذا المحل، بتفصيلاته في غير هذا المحل.\rالباب العاشر\rكلام حول حزب التحرير\rسوف نقسم هذا الباب إلى قسمين:\rالأول نذكر فيه بعض المواضع- ولن نذكرها جميعها لكثرتها - التي لم نتطرق إليها ونرى أن المؤلف قد أخطأ فيها بما يستحق التنبيه وإن كانت أصلاً تعود إلى المباحث التي نقضنا كلامه فيها من المواضيع السابقة.\rالثاني:سوف نورد ما نرى أن المؤلف قد أصاب فيه من رده على الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير، وربما نضيف لها بعض ما لم يذكره هو من ذلك، وسوف نجعل هذا القسم مختصراً لأننا سوف نخصص للشيخ تقي الدين النبهاني كتاباًَ كاملاً نوضح فيه ما نراه أنه متوجه عليه، كما يليق بمقامه.\rالقسم الأول\rسوف نسير في هذا القسم بترتيب المؤلف في كتابه ليسهل على القارئ متابعتنا.\r1- قال في صـ27ـفحة : ليس من وظيفة السنة الإخبار فكل خبر يدعي أهل الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله إنما هو كذب على الرسول.\rوقال في صـ202ـفحة:\"وكون هذا الفعل مطلوبا فعله أو غير مطلوب فعله .....فإنها للبيان المقطوع به أنه من الله تعالى، أما بيان كيفيات الفعل التفصيلية فهو من بيان الرسول لمجملات الكتاب وهذا البيان لا يتعلق إلا بالأعمال ولا يتعلق أبداً بالأخبار فالرسول مبين لما أجمله الله في كتابه وليس مخبراً لأن كل خبر في ذاته قابل إلى ما لا نهاية من الأخبار بخلاف الأفعال فإنها يمكن أن تتوقف إلى حد ما \".","part":1,"page":76},{"id":78,"text":"هذا الكلام منه الذي يصر عليه يهدم كثيراً من الأركان التي اعتمد عليها أهل الإسلام في فهم الدين، ولست أدري من أين جاء بهذا الأصل ؟‍‍‍!!!\rوأما الاستدلال التافه الذي جاء به بعد ذلك فلا يلتفت إليه إلا غافل، حتى المعتزلة لم يقولوا بهذا الكلام، فالعجب كل العجب من معتزلي يخالف المعتزلة في الأصول.\rثم يدعي أنه يدعو إلى فكر المعتزلة، أي معتزلة هؤلاء هم المعاصرون ؟ وكيف يدعون بالمعتزلة وهم يخالفون القدماء ببعض أو قُلْ كثيرٍ من أصولهم ؟\rإن الكلام الذي أتى به لتعليل كيف أن السنة لا تكون إلا للبيان وأنه لا يجوز أن يؤخذ الخبر من الأحاديث إنما هو تعليل متهافت.\rوقد اتفق أهل السنة ولا أعلم خلافاً لهم من غيرهم على أن الأحاديث التي وردت عن الرسول تكون حجة سواءاً كانت إنشاءاً أو أخباراً فإنها مقبولة مطلقاً إذا صح سندها.\rوما الفرق في العقل بين أن يصدر خبر عن الرسول وبين أن يصدر أمر ونهي عنه عليه السلام، أليس حاصل الأمرين واحداً، فإن الأمر فيه إخبار للناس بأن حكم الله تعالى في الأمر الفلاني هو كذا وكذا، فحاصل الأمر والنهي هو إخبار عن حكم الله تعالى، ونحن نصدق النبي في هذا لا لأن ما أخبر عنه بيان أو خبر أو نهي أو أمر بل لأن الرسول في ذاته صادق بدليل المعجزة التي أتى بها، والتي ينتج عنها صدقه في كل ما أخبر عنه.\rإن كل ما أتى به الرسول وكان من أمور الدين فهو مقبول، وقد اختلف العلماء في التعبد بما كان منه عليه السلام على سبيل العادة والجبلة، ولم يكن على سبيل التبليغ وأداء الرسالة، فبعض قال يجب الاقتداء به فيه وبعض قال لا، على التفصيل المعروف في علم الأصول.","part":1,"page":77},{"id":79,"text":"2- في صـ28ـفحة أدرج المؤلف الإمام ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي والطحاوي والبخاري ومسلم وغيرهم مع الوهابية مثل التويجري وابن باز وابن عبد الوهاب وأتباعهم من المدعين الانتماء إلى السلف مثل الألباني ومحمد أحمد شاكر وابن قيم الجوزية، وهؤلاء جميعاً على اختلافهم فيما بينهم في بعض الأمور يشتركون في أنهم يتبعون ابن تيمية أصل التشبيه والتجسيم والذي يرتكز في أصوله إلى المذهب الكرامي المعروف، ومنهم من يعلن أنه لا يقلد ابن تيمية ومنهم من يعلن أنه يوافقه في كل صغيرة وكبيرة أو حاله كذلك.\rوالعجب أن الإمام السيوطي والإمام ابن حجر العسقلاني معروف لدى العامة من طلبة العلم أنهم ينتمون إلى المذهب الأشعري، وأما الإمام البخاري ومسلم فعلم لدى القدماء والمحدثين أنهم ينتمون إلى مدرسة ابن كُلاب وهو يعتبر أساساً من الأسس القوية التي اعتمد عليها الإمام الأشعري في مقاومته للمعتزلة وفي تأسيس مذهبه المنسوب إليه، ومعلوم أن كثيراً من الأشاعرة عندما يذكرون ابن كلاب فهم يقولون عنه إنه من أصحابنا المتقدمين ومعنى المتقدمين عندهم أنه متقدم على الإمام الأشعري، ومعنى أنه من أصحابنا مع أن الصاحب في عرف العلماء هو الموافق أو المتبع، وهذا ينبغي أن يكون متأخراً في الزمان عن المتبوع لا متقدما، أي إنه من الموافقين لنا في الأصول التي نقول بها، ومن الناس الذين اعتمدنا نحن عليهم في بناء مذهبنا وتشييد أركانه.\rفيكون المؤلف بعد هذا التوضيح قد خلط بين الفرق مما يبين أنه ليس أهلا للكلام في مثل هذه المباحث، أو إذا أجزنا له الكلام فإنما يجوز له إلى حد معين ولا يسمح له بعد ذلك بالخوض أكثر.\r3- يقول في صـ131ـفحة عن موضوع الرزق: \" بل إن الاختلاف قد تسرب إلى الواحد من المسلمين، فبينما تراه يسند الرزق إليه تعالى، إذ تراه من أكثر الناس اجتهاداً في الحصول عليه والتكاثر فيه والحرص عليه \"..","part":1,"page":78},{"id":80,"text":"إن المؤلف يصر على فهم الأمور كما يريد هو أن يفهمها لا كما ينبغي أن تفهم، فلم لا يقول إن الناس فعلاً ينسبون الرزق إلى الله تعالى، على سبيل الخلق أحياناً وعلى سبيل توزيعه أحياناً أخرى، كما هو مذهب أهل السنة، ولهذا نراهم يجدون في طلب الرزق لأنهم يعتقدون أن الكسب لا ينتفي وإن قالوا بكون الله تعالى خالقاً لأرزاقهم.وذلك كما بيناه فيما سبق.\rونحن لا ننفي أن يكون كثير من العامة يفهمون الرزق فهما غلطاً، ولا ننفي كذلك أن كثيراً منهم يفهمها فهما صحيحا، وكل هذه الأمور يكابر فيها المؤلف ولا يريد أن يعترف بما هو متقرر.\r4- في صفـ140ـفحة يقول المؤلف: \" إن النبهاني لا يفرق بين السبب الكافي والسبب الضروري، فالسعي للرزق هو سبب كاف ولا يسد غيره مكانه، وتتحقق فاعليته من خلال السبب الضروري فالتاجر الذي يعرض بضاعة وقت الكساد، أحدث السبب الكافي والذي تأخر السبب الضروري، وهو عدم وجود الطلب، فالسبب الكافي لا يشتغل في الفراغ وإنما يشتغل وفق حالة المجتمع \" اهـ .\rإن المؤلف يقع هنا في أخطاء هي عبارة عن أمثلة لما قلناه سابقاً وفي أكثر من محل من أن المؤلف لا يملك مقومات النظر في هذه المباحث، وبيان ذلك كما يلي:\rلا يوجد أمرٌ اسمُه سبب كافي وسبب غير كاف سماه ضرورياً، لأن السبب لا يكون إلا ضرورياً في إنتاج المسبب، أي لا يكون إلا كافياً لإنتاج المسبب، وإن افتُرِضَ أمرٌ ما أنه سببٌ ثم قيل عنه إنه غير كاف فإن هذا يناقض كونه سبباً، فالسبب لا يكون إلا كافيا كما قلنا.\rوأما المعروف بين العلماء فهو الشرط الكافي والشرط غير الكافي، وأنا متأكد أن المؤلف خلط بين الأمرين أي أن ما ذكرناه نحن عن الشرط توهمه هو عن السبب.\rوهو يبني نقضه لرأي الأشاعرة على ما فهمه هو عنهم ورأي النبهاني كما يقول به على التفرقة الخاطئة هذه بين السبب وبين الشرط الكافي والشرط غير الكافي، فيلزم عن هذا أن يتهافت في جميع ما قاله عن ذلك.","part":1,"page":79},{"id":81,"text":"ثم من قال: إن الطلب هو السبب الضروري للبيع، أليس السبب للبيع هو وجود المبيع مع العرض مع وجود الطلب وتوفر الأثمان والتراضي عليها ؟ أليس هذا كله بمجموعه يسمى سبباً، وهو إن وجد فإن البيع لا بد أن يوجد، أما أن يقال إن السبب الضروري هو وجود الطلب، فهذا قول قاصر باطل.\r5- قال في صـ143ـفحة :\"كيف يتأتى إقناع من يعمل عند الآخرين بأجر شهري يبذل في العمل الجهد وكثيراً ما يتحمل معاناة نفسية وقد يتحمل ما لا يطيقه مجبراً نفسه على ذلك، وبصورة أخرى يعلم أن مستأجره ظالم يزيد المعاناة ويقلل الأجر ويسيء المعاملة، ويقال له هذا رزق الله لك ؟! \" اهـ .\rهذا الكلام من المؤلف إنما هو مغالطة مكشوفة وتهافت بيِّنٌ، لأن الذي يقال حقيقة عن الرزق الموصوفة حالته: هذا هو الرزق الذي اكتسبتَه أنت؟ وما اكتسبه الإنسان لا يجب عليه أن يرضى به بمعنى أن لا يطلب المزيد منه، وإلا لانتفى وجوب السعي.\rوفي الوقت نفسه أيضاً يقال عن الرزق الموصوف بأنه خلقه الله تعالى لمن اكتسبه وعلى حسب اكتسابه المحكوم بالقوانين العادية، أي بالأحكام العادية.\rوما أكثر المغالطات التي ذكرها المؤلف في كتابه هذا وما نذكره نحن هنا ما هو إلا عينات على ذلك.\r6- أورد المصنف مثالا في رأيه عن التناقضات التي يقع فيها حزب التحرير، وذلك في ص172 فقال: \"يؤكد حزب التحرير عدم جواز تكفير المسلمين الشاهدين الشهادتين بل الشهادة الواحدة، كما هي في حديث أبي هريرة ويتناسى حزب التحرير تكفيره لبعض حكام المسلمين لأن أعمالهم وتصرفاته تنم عن اعتقادهم \" اهـ .\rإن ما قال المؤلف هنا ينطوي على غلطين:\rالأول:لا يوجد في كلام الحزب ما يدل على أنه يقول بإيمان من شهد بالشهادة الواحدة فقط، بل كل كلامه يدل على خلاف ذلك، وما ادعاه المؤلف عبارة عن اتهام محض.","part":1,"page":80},{"id":82,"text":"الثاني:ما ذكره الحزب أولاً من عدم تكفير من نطق بالشهادتين ثم تكفيره لبعض حكام المسلمين لا ينطوي على تناقض، لأن عدم التكفير المذكور مشروط بعدم مناقضة الشهادتين بالفعل أو بالقول أو الاعتقاد، وهذا هو الأصل، وأما تكفيره لبعض الحكام فلأن هؤلاء الحكام قد فعلوا بما يخالف مدلول الشهادتين، إما بالعمل أو بالقول أو بالاعتقاد، وهذا الحال لا تناقض فيه، بل فيه عدم فهم من المؤلف لما قاله الحزب أو تحريف لكلامهم وتشنيع عليهم.\rالقسم الثاني\rفي هذا القسم سوف نذكر بعض النقاط التي أوردها المؤلف معترضاً على حزب التحرير ونوافقه فيها نحن، وقد نزيد على ذلك بذكر بعض المسائل التي يقول بها الحزب ونعارضه فيها:\r1- صار الكثير من الأحزاب والجماعات الإسلامية يميلون نحو الفكر السلفي، وصاروا يبنون أصولهم على مفاهيم من يأخذونها من السلفيين.\rوأما حزب التحرير فقد تأثر الكثير من أفراده بهذه المفاهيم واتجه نحوها دون أن يشعر أنها مخالفة لكثير من الأصول التي يبني عليها الحزب أصوله.\rولكن انفعال وتأثر الحزب بهذا الأمر أقل بكثير من تأثر غيره من الأحزاب لأنه يملك عدداً من الأصول التي يمكنها أن تصمد أمام الحملة السلفية على الفكر الحديث بكامله، وقد لاحظ المؤلف هذا الأمر فقال في صـ30ـفحة:\"بل إن الحزب تراجع وتحول من أشعري الأصول إلى سلفي الأصول، إذ لا فرق بين عضو حزب التحرير والألباني من ناحية أصولية\" اهـ، إلا أن كلام المؤلف بهذا الصدد مبالغ فيه كالعادة.\rونحن عندما نقول إن الحزب تأثر بمقولات السلفية إلى حد ما، إنما نعني تأثر كثير أفراده بشكل أساسي، ولا ننسى تأثر بعض القياديين بهم أيضاً.\rوقد صار لا يخفى علينا الأسلوب المبالغ فيه الذي ينتهجه المؤلف سواءاً في مناقشة الأشاعرة أو مناقشة غيرهم من أصحاب الأفكار، وبالتالي لا يجوز أن ينخدع القارئ بهذا الكلام كثيراً.","part":1,"page":81},{"id":83,"text":"2- لقد منع الحزب من التفكير في الأمور العقائدية باستخدام أسلوب التفكير الذي استخدمه المتكلمون وادعى أن هذا الأسلوب لم يعرفه المسلمون إلا بتقليد الفلسفة اليونانية، ولهذا لا يجوز استخدامه!!\rوبالتالي فقد ترتب على هذا الموقف عدة آراء تتعلق بمسائل من العقيدة الإسلامية منها الكلام في القضاء والقدر حين ادعى أن البحث في هذه المسألة لم يأت إلا من تأثر المسلمين باليونان، وكذلك بالنسبة لبعض المسائل الأخرى.\rومن هذه المسائل الكلام في الصفات التي يجب أن يثبتها المسلم لله تعال، .فإن الحزب لم يتكلم في هذه المسألة لا باعتبار أن التبني لا يجوز فيها، ولكن باعتبار أن نفس هذه الأساليب ليست صحيحة ؟! وهو بهذا الموقف يكون قد حرم نفسه من كثير من الأمور التي أبدع فيها المتكلمون في مجالات شتى.\rوقد أجاد المؤلف في الإشارة إلى هذا الغلط الذي وقع فيه الشيخ تقي الدين النبهاني وهو الادعاء بأن المتكلمين قد قلدوا الفلاسفة اليونان في علم الكلام، وذكر في أكثر من صفحة أن تقي الدين النبهاني يصر على أن المتكلمين مقلدون لليونان في مناهجهم وفي كثير من أقوالهم،كما قال في صـ47ـفحة:\"يصر النبهاني على أن أبحاث المتكلمين الإسلاميين هي أبحاث متأثرة بالفلسفة اليونانية دون أن يقدم دليلا واحدا يؤكد مقالته والمغالطة واضحة في القول\" اهـ، وفي صـ48ـفحة يقول المؤلف أيضا: \"خرافة تأثير الفلسفة في فكر الاعتزال أو علم الكلام قبلها النبهاني دون إعادة نظر ودون بحث وتمحيص\" اهـ . .","part":1,"page":82},{"id":84,"text":"وقد نص المؤلف على هذا المعنى في أماكن عديدة، وكلام المؤلف في هذه المسألة صحيح تماماً، فإن القول بأن علماء الكلام قد تأثروا تماماً بالفلسفة كلام ساقط لا يلتفت إليه، وهذه الفكرة روج لها في هذا العصر وفي العصور السابقة فريقان، الأول هم ذوو الأفكار المتحجرة من المجسمة ومن الذين ينتسبون إلى أهل الحديث، وبعض المنتسبين إلى أهل السنة من دون وعي لما يقولون، ومخالفين للمحققين من أهل السنة في هذا القول.\rالفريق الثاني:كثير من الباحثين المعاصرين الذين ادعوا أن المتكلمين لم يأتوا في أبحاثهم بشيء يذكر ويستحق الالتفات إليه، بل كانوا في أكثر مباحثهم مقلدين لليونان، وأنهم لم يخدموا الفكر الإنساني بشيء يستحق الذكر، وهؤلاء قد تبعوا الكثير من المستشرقين في قولهم هذا.\rومن ضعف الفكرة أن يقول أحد المفكرين المسلمين بهذه المقولة دون أن يعي خطورتها، وقد ردَّ الكثير من المفكرين المعاصرين والقدماء على هذا الادعاء ونقضوه نقضاً لا تقوم له قائمة عند من تدبره.\r3- مما ترتب على الفكرة السابقة - أي أن المتكلمين قد تأثروا بالفلاسفة - نهي تقي الدين النبهاني عن الخوض في الكلام على صفات الله تعالى وإتهامه للمتكلمين بأنهم قد خاضوا في ذات الله تعالى عندما تكلموا على بعض أحكام الصفات.\rوقد شنع الشيخ تقي على المتكلمين وادعى أنهم قد تجاوزا الحد المسموح به شرعاً عندما خاضوا في تلك المباحث.\rوأما المؤلف فقد عارض النبهاني في ذلك، وقال في صـ44ـفحة: \" إن البحث في الصفات ليس بحثا في الذات لأن هذه الصفات من مستلزمات الوجود والكمال وهو بحث في استحقاق الذات \" اهـ .","part":1,"page":83},{"id":85,"text":"وهذا الكلام من المؤلف صحيح، وقد أشرنا نحن إليه في أكثر من محل وفي أكثر من كتاب لنا، وقد نص عليه كبار المتكلمين، أي إن البحث في الصفات ليس بحثا في الذات، وبالتالي فإنه لا يحرم شرعاً الخوض فيها، والحق أن هذا الموقف الذي تبناه حزب التحرير أو على الأقل الذي قال به الشيخ تقي واتبعه فيه سائر أفراد الحزب على حد علمي، قد أفقد الحزب الكثير من الفوائد العلمية التي كان يمكن أن يستفيدها من العلماء الأوائل، فهو بهذا الموقف قد وضع حاجزاً بينه وبينهم منعه من هذه الفوائد.\r4- إن النبهاني لما نقد المتكلمين في موضوع القضاء والقدر من حيث أنهم بنوا أصوله على أساس أن الله تعالى هل هو الخالق للأفعال أو العباد، وقد عارضهم في ذلك وادعى أن هذا التأسيس غلط، وعارضه في ذلك المؤلف ومجرد معارضته له في ذلك أمر صحيح وأما أن الأساس الذي بنى المؤلف عليه البحث هل هو صحيح أو لا فهذا أمر آخر بيناه في موضعه أثناء ردنا عليه.\r5- رد المؤلف الذي وجهه على الأشاعرة كما ادعى في موضوع الآجال كان الأحرى به أن يقول إنه متوجه على الحزب فقط، لا عليه وعلى الأشاعرة، وبيان هذا يتضح في مناقشتنا للمؤلف فيما سبق.\rوعلى كل الأحوال فهذا لا يعني أن طريقة مناقشته للحزب صحيحة، بل فيها أغلاطٌ كثيرة أيضاً.\r6- كما أن معارضة المؤلف للحزب في قضية الرزق هي صحيحة، كما لا يخفى على أحد، ولكنه قد أدخل في ضمن كلامه الصحيح هذا أموراً كثيرة فيها أغلاط واضحة يتضح بعضها من مناقشتنا للمؤلف، من أهمها أنه نفى أن يكون قسم من الرزق من عند الله تعالى مباشرة بلا كسب من العبد كما أشرنا إليه في الرد، وهذه النقطة كبيرة الخطر كما لا يخفى وتجاهلها متسبب عن سوء النظر والقصد.","part":1,"page":84},{"id":86,"text":"وجلُّ اعتراضنا على المؤلف في هذه المسألة إنما هو اتهامه للأشاعرة وإلصاقه بهم الفهم الغالط وذلك كما أشرنا في ردنا عليه، وأيضا في التلبيس على الحزب في بعض النقاط، وإن كان قد تهافت هو كثيراً في هذا الموضوع كما اتضح للقارئ الكريم.\r7- ونفس الكلام يقال في مسألة النصر، فإن الحزب فرق بأسلوب كبير بين السبب والنتيجة ولم يلتفت إلى مفهوم السبب العادي كما وضحناه نحن في ردنا على المؤلف، ومن هنا توجه عليه كثير مما أورده المؤلف، وهذا مع مغالاة المؤلف في كثير من المواضع من غير وجه حق.\r8- وأما موقف النبهاني من الهدى والضلال وقوله: إن رأي أهل السنة والجماعة ورأي الجبرية واحد فهو كلام باطل بلا ريب، فالفرق كبير بين رأي الجبرية ورأي أهل السنة كما بيناه في أول هذا الرد.\rخاتمة","part":1,"page":85},{"id":87,"text":"لقد ذكر المؤلف لهذا الكتاب، المتهافت كما رأينا، في نهايته بعض الكلام يريد منهم أن يثبت أن المعتزلة هم الوحيدون في التاريخ الإسلامي الذين يستحقون أن يمدحوا، وهذا منه يستدعي غاية العجب والاستغراب، فإن أحداً من العقلاء لا ينكر أن للمعتزلة أفضالهم في التاريخ لما قدموه للإسلام من خدمات وإن خالفناهم نحن في مقولاتهم التي يتشبثون بها، ويكفي أن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي وهو من هو في العلم والتقوى والورع قد شهد له بالعلم أعداؤه وأحباؤه قد قال في بداية رده على ابن زفيل وهو المجسم المشهور بابن قيم الجوزية: \" وهاتان الفرقتان المعتزلة والأشاعرة هما فحولتا أهل الإسلام \"، ولو كنت في حال أستطيع فيها أن أذكر نصه كما هو لفعلت ولكني قد كتبت هذا الكتاب ولا يتوفر عندي إلا أقل المراجع في سائر العلوم، وكثيراً ما اعتمدت على الملاحظات التي كتبتها في دفاتري الخاصة والكتب التي سطرتها للرد عل هذا الكتاب، ولو كان الظرف غير ما ذكرت لأوردت في هذا الرد من النقول ما تتحير منه العقول ومن التحقيقات المستقيمة ما يطرب له طالب الحق، مع أن ما ذكرته هنا يكفي للرد على ادعاءات صاحب الكتاب، وفيه من التنبيهات ما تعين القارئ على التنبه إلى ما لم أتعرض له بالرد والنقض على التفصيل بل إن فيه مع هذا من التحقيقات ما يعزُّ وجوده في كتاب آخر، وما التوفيق إلا من عند الله.\rانتهى الكتاب\rوالحمد لله رب العالمين\rوالله هو الموفق على الحقيقة\rوليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب","part":1,"page":86}],"titles":[{"id":1,"title":"الانتصار للأشاعرة","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"المقدمة","lvl":1,"sub":0}]}