{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد للّه الذي اختصَّ الإنسانَ بفضيلةِ البيانِ، وصلَّى اللّه على محمدٍ خاتمِ النبيين، المرسل بالنور المبين، والكتابِ المستبين، الذي تحدَّى الْخَلْقَ أن يأتُوا بمثله فعجزوا عنه، وأقرّوا بفَضْلِه، وعلى آله وسلَّم تسليماً كثيراً.\rوبعد؛ فهذا كتابٌ اخترتُ فيه قطعةً كاملةً من البلاغات؛ في الشعر والخبر، والفصول والفقَر، مِمَّا حَسُنَ لفظُهُ ومعناه، واسْتُدِلَّ بِفَحْواهُ على مَغْزَاهُ، ولم يكن شارداً حُوشِيًّاً، ولا ساقطاً سُوقيًّاً، بل كان جميع ما فيه، من ألفاظه ومعانيه، كما قال البحتري الخفيف:\rفي نظام من البلاغةِ ما شَ ... ك أمْرُؤٌ أنَّهُ نِظَامُ فَرِيدِ\rحُزْنَ مُسْتَعْمَلَ الكلامِ اختياراً ... وتَجَنّبْنَ ظُلْمَةَ التَّعْقِيدِ\rوَرَكِبْنَ اللفظَ القريب فأدرك ... نَ به غايةَ المُرادِ البَعِيدِ\rولم أذهب في هذا الاختيار إلى مطولات الأخبار، كأحاديث صَعْصَعَةَ بن صُوحَان، وخالد بن صَفْوَان، ونظائرهما؛ إذ كانت هذه أجملَ لفظاً، وأسهلَ حفظاً.\rوهو كتابٌ يتصرَف الناظرُ فيه من نثره إلى شعرهِ، ومطبوعهِ إلى مصنوعهِ، ومحاورتهِ إلى مفاخرته، ومُنَاقَلَته إلى مُسَاجَلَته، وخطابه المبهت إلى جوابه المُسْكِت، وتشبيهاته المُصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجِدِّهِ المعجب إلى هَزْلِهِ المُطْرِب، وجَزْلِهِ الرائع إلى رقيقه البارع.\rوقد نزعْتُ فيما جمعت عن ترتيب البيوت، وعن إبعاد الشكل عن شكله، وإفراد الشيء من مِثْلِه؛ فجعلتُ بعضَه مُسَلْسَلاً، وتركتُ بعضَه مُرْسَلاً؛ ليحصل مُحَرَر النَّقْدِ، مُقَدَر السرْد؛ وقد أخذ بِطَرَفَي التأليف، واشتمل على حاشِيَتَي التصنيف؛ وقد يَعزُ المعنى، فأُلحقُ الشَّكْلَ بنظائره، وأعلق الأول بآخره، وتبقى منه بقية أفرّقها في سائره؛ ليسلَمَ من التطويل الممل، والتقصير المخلّ، وتظهر في التجميع إفادةُ الاجتماع؛ وفي التفريق لَذَاذَة الإمتاع، فيكمل منه ما يُونِقُ القلوبَ والأسماع؛ إذ كان الخروجُ من جِدّ إلى هَزْل، ومن حَزْن إلى سَهْل أنْفَى للكَلَل، وأبْعَدَ من المَلل؛ وقد قال إسماعيل بن القاسم هو أبو العتاهية: البسيط:\rلا يُصْلِحُ النفسَ إذ كانت مُدَابرةً ... إلاَ التنقلُ من حالٍ إلى حالِ\rوكان السببُ الذي دعاني إلى تأليفه، ونَدبني إلى تصنيفه، ما رأيته من رغبة أبي الفضل العباس بن سليمان - أطال الله مُدَته، وأدام نعمته! - في الأدب، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب؛ وأنَّ اجتهادَه في ذلك حمله على أن ارتحلَ إلى المشرق بسببها، وأغمضَ في طلبها، باذلاً في ذلك ماله، مستعذباً فيه تعبَهُ، إلى أن أورد من كلامِ بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، وغرائب غريبة، وسألني أن أجمعَ له من مُخْتارها كتاباً يكْتَفي به عن جملتها، وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدّمين ما قارَبه وقارَنه، وشابهه وماثله؛ فسارعتُ إلى مراده، وأعنته على اجتهاده، وألَفتُ له هذا الكتاب، ليستغني به عن جميع كتبِ الآداب، إذ كان موشَحاً من بدائع البديع، ولآلئ الميكالي، وشهيّ الخوارزمي، وغرائب الصاحب، ونفيس قابُوس، وشذور أبي منصور بكلامٍ يمتزجُ بأجزاء النفس لطافةً، وبالهواء رقّةً، وبالماء عذوبة.\rوليس لي في تأليفه من الافتخار، أكثرُ من حُسْن الاختيار؛ واختيارُ المرء قطعة من عقله، تدلُّ على تخلُفه أو فَضْلِه؛ ولا شك - إن شاء الله - في استجادة ما استجدت، واستحسانِ ما أَوْرَدت؛ إذ كان معلوماً أنه ما انجذبت نفسٌ، ولا اجتمع حِسن، ولا مال سِرّ، ولا جال فِكْرٌ، في أفضلَ مِنْ معنًى لطيفٍ، ظهر في لفظِ شريف؛ فكَسَاه من حسن الموقع، قبولاً لا يُدفع، وأبرزه يَخْتالُ من صفاء السبك ونقاء السّلك، وصحة الدّيباجة، وكثرة المائية، في أجمل حُلّة، وأجلى حلية الكامل:\rيستنبط الروحَ اللطيف نسيمهُ ... أَرَجاً، ويؤكل بالضمير ويُشْرَبُ","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"وقد رغبتُ في التجافي عن المشهور، في جميع المذكور، من الأسلوب الذي ذهبتُ إليه، والنحو الذي عوّلتُ عليه؛ لأن أوّل ما يقرع الآذان، أَدْعى إلى الاستحسان، ممَا مَجَّتْه النفوسُ لطول تكراره، ولفَظَتْه العقولُ لكثرة استمراره؛ فوجدت ذلك يتعذَّر ولا يتيسر، ويمتنع ولا يتّسع؛ ويُوجب ترك ما نَدر إذا اشتهر؛ وهذا يوجب في التصنيف دَخَلاً، ويكسب التأليف خَللا؛ فلم أُعْرِض إلاَّ عَمَّا أهانه الاستعمال، وأَذَاله الابتذال، والمعنى إذا استدعى القلوبَ إلى حِفْظِهِ، ما ظهر من مُسْتَحْسَن لفظه؛ من بارع عبارة، وناصع استعارة، وعُذُوبَةِ مورِد، وسهولة مَقْصِد، وحسن تفصِيل، وإصابة تمثيل؛ وتَطابُق أَنْحاء، وتَجَانُس أجزاء، وتمكُّن ترتيب، ولطافة تهذيب، مع صحَة طبع وجوده إيضاح، يثقفه تثقيفَ القِداح، ويصوره أفضلَ تصوير، ويقدّره أكْمَل تقدير؛ فهو مشرق في جوانب السمع، لا يُخْلِقه عَوْدُه علَى المستعيد: الكامل:\rوَهْوَ المُشَيَّعُ بالمسامع إن مَضَى ... وَهوَ المضاعفُ حُسْنُه إن كُرِّرا\rوإن كنتُ قد استدركتُ على كثير ممن سبقني إلى مثل ما جرَيْتُ إليه، واقتصرت في هذا الكتاب عليه، لِمُلَح أَوْرَدتها كنَوَافثِ السحْرِ؛ وفِقَر نظمتها كالغِنَى بعد الفَقْر، من ألفاظ أهلِ العصر، في محلول النثر، ومعقود الشعر؛ وفيهم من أدركتهُ بعُمْري، أو لحقه أَهْلُ دهري؛ ولهم من لطائف الابتداع، وتوليدات الاختراع، أبكار لم تَفْتَرِعْها الأسماع، يَصبو إليها القلبُ والطَّرْف، ويَقْطُر منها ماءٌ المَلاَحة والظَّرفِ، وتمتزجُ بأجزاء النفس، وتسترجع نافِرَ الأُنس، تخلَلَتْ تضاعيفَه، ووشّحَتْ تأليفه، وطرّزت ديباجه، ورصَّعت تاجه، ونَظمت عقوده، ورقمت بُرودَه؛ فنوْرُها يَرِفّ، ونُورُها يشِفّ، في روضٍ من الكلم مُونقٍ، ورَوْنَق من الحكم مشرِق الطويل:\rصفا ونَفى عنه القَذَى فكأنهُ ... إذا ما استشفّته العيون مُصَعَدُ\rفهو كما قلت السريع:\rبديع نثرٍ رقّ حتَّى غَدا ... يَجْرِي مَعَ الرُوح كما تجري\rمِنْ مُذْهَبِ الوَشْي على وَجْهِهِ ... ديباجةٌ ليسَت منَ الشِّعر\rكزهرةِ الدنيا وقد أقبلت ... تَرُود في رَوْنَقها النضْرِ\rأو كالنسيم الغَضِّ غِبَّ الْحَيا ... يخْتَال في أردية الفَجْرِ\rولعل في كثير مما تركتُ، ما هو أجودُ من قليل مما أدركت؛ إذ كان اقتصاراً من كلٍّ على بَعْض، ومن فَيْضٍ على بَرْض، ولكني اجتهدتُ في اختيار ما وجدتُ؛ وقد تدخلُ اللفظةُ في شفاعة اللفظات، ويمرُ البيت في خِلاَل الأبيات، وتعرض الحكايةُ في عرض الحكايات، يتمّ بها المعنى المراد، وليست ممّا يُسْتَجاد، ويبعث عليها فَرْط الضرورة إليها في إصلاح خَلَل؛ فمهما تَرَه من ذلك في هذا الاختيار، فلا تعْرِضْ عنه بطَرْفِ الإنكار؛ وما أقلّ ذلك في جميع المسالك الجارية في هذا الكتاب، الموسوم بزهر الآداب، وثمر الألباب، لكني أردت أنْ أُشارك من يخرج من ضيق الاغترار، إلى فسحة الاعتذار الكامل:\rويسيئ بالإحسان ظنًّاً، لا كمن ... يَأْتيك وَهْوَ بشِعْرِه مفْتُون\rواللّه المؤيد والمسدّد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\r\" إنَّ من البيان لَسِحْراً \" .\rروى عن عبد اللّه بن عبّاس - رضوان اللّه عليهما - قال: وَفَدَ إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الزِّبْرِقَانُ بن بَدْر وعَمْرُو بن الأهتم؛ فقال الزبرقان: يا رسولَ الله، أنا سيّدُ تميم، والمطاعُ فيهم، والمجابٌ منهم، آخذُ لهم بحقّهم، وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك - يعني عَمْراً.\rفقال عَمْرو: أجَلْ يا رسولَ اللّه؛ إنه مانعٌ لِحَوْزته، مُطَاعٌ في عشيرته، شديد العَارِضة فيهم.\rفقال الزبرقان: أَمَا إنه واللّه قد علم أكثرَ مِمَّا قال، ولكنه حسدني شَرفي! فقال عمرو: أما لئن قال ما قال؛ فواللّه ما علمته إلاَّ ضَيّق العَطَن زمر المروءة، أَحْمَقَ الأب، لئيمَ الخالِ، حديثَ الغِنَى.\rفرأى الكراهَةَ في وَجْه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا اختلفَ قولُه، فقال: يا رسول اللّه، رضيتُ فقلتُّ أحسنَ ما علمت، وغضبتُ فقلت أقْبحَ ما علمت، وما كذبت في الأُولى، ولقد صَدَقْتُ في الثانية!","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحِكْمَة. ويروى لَحُكما، والأول أصحّ.\rوالذي روى أهل الثبَت، من هذا الحديث أنَه قَدِم رجلان من أهْل المشرق فخطبا؛ فعجب الناسُ لبيانهما؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ من البيان لسحْرا، أو إنَّ من بعض البيان لسحرا.\rوعَمْرو بن الأهتم هو: عَمْرو بن سِنَان بن سُمي بن سِنَان بن خالد ابن مِنْقَر ابن عُبيد بن الحارث، والحارث هو: مُقَاعس بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم. وسُمي سِنان الأهتم، لأن قيس بن عاصم الْمِنقَري سيدَ أهلِ الوَبَرِ ضربه بقوسه فهتَم فاه. هذا قولُ أبي محمد عبد اللّه بن مسلم ابن قتيبة. وقال غيره: بل هُتِمَ فُوه يوم الكُلاب الثاني، وهو يومٌ كان لبني تميم على أهل اليمن. وكان عمرو يلقب المُكَحَّلَ لجماله، وبنو الأهتم أهلُ بيتِ بلاغةٍ في الجاهلية والإسلام. وعبد الله بن عمرو بن الأهتم هو جدّ خالد ابن صَفْوَان وشَبيب بن شَيْبَة. وكان يقال: الخطابة في آل عَمْرو، وكان شعره حُلَلاً منشَرَة عند الملوك تأخذُ منه ما شاءت. وهو القائل الطويل:\rذريني فإن البخلَ يا أمّ مالكٍ ... لصالح أخلاقِ الرجالِ سَرُوقُ\rلعمْرُكِ ما ضاقتْ بلاد بأهلها ... ولكنَّ أَخلاقَ الرجالِ تضيقُ\rوالزبرقان: اسمه حُصَين بن بَدْر بن امرئ القيس بن الحارث بن بَهَدَلَةَ بن عوف بن كعب بن سعيد. وسمي الزّبرقان لجماله؛ والزبرقان: القمر قبل تمامه وقيل: لأنه كان يُزَبرِقُ عمامتَه، أي يصفَرها في الحرب.\rوكانوا يسمّون الكلام الغريب السَحر الحلال، ويقولون: اللفظ الجميل من إحدى النّفَثَاتِ في العُقَد.\rوذكر بعضُ الرُواة أنه لما اسْتُخْلِفَ عمرُ بن عبد العزيز، رضي اللّه عنه، قَدِمَ عليه وُفُودُ أهلِ كلِّ بلد؛ فتقدَّم إليه وَفْدُ أهلِ الحجاز، فأشْرَأب منهم غلامٌ للكلام، فقال عمر: يا غلام، ليتكلمْ مَنْ هو أَسَن منك! فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنّما المرءُ بأَصغريه، قلبهِ ولسانِهِ، فإذا مَنَح اللَّهُ عبدَه لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسن لكان هاهنا مَنْ هو أحق بمجلسك منك.\rفقال عمر: صدقت، تكلّم؛ فهذا السحْرُ الحلال! فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وَفْدُ الْمَرْزِئة، ولم تُقْدِمْنا إليك رغبةٌ ولا رهبة؛ لأنا قد أمِنا في أيامك ما خِفْنا، وأدركْنا ما طلبنا! فسأل عمر عَنْ سِنّ الغلام، فقيل: عشر سنين.\rوقد روي أن محمد بن كعب القرظي كان حاضراً، فنظر وَجْه عمر قد تهلَل عند ثَناء الغلام عليه؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لا يغلبَنَ جهلُ القوم بك معرفتَك بنفسك؛ فإنّ قوماً خَدَعهم الثناءُ، وغرهم الشكر، فزلّت أقدامُهم، فهوَوا في النار. أعاذك الله أن تكون منهم، وألحقك بسَالِف هذه الأمة؛ فبكى عمر حتى خِيفَ عليه، وقال: اللهم لا تُخْلِنَا من واعظ! وقد رُوي أنّ عمرَ قال للغلام: عِظْني، فقال هذا الكلام، وفيه زيادة يسيرهّ ونقص. وأخذ قولَ عمرّ: هذا السحر الحلال أبو تمام فقال يعاتب أبا سعيد محمد بن يوسف الطائي الوافر:\rإذا ما الحاجةُ انبَعَثَتْ يَدَاها ... جَعَلْتَ المَنْعَ منكَ لها عِقَالاَ\rفأين قصائدٌ لي فيكَ تَأبى ... وتأنفُ أَنْ أُهان وأَن أذَالا\rهي السّحرُ الحلالُ لمُجْتَلِيه ... ولم أرَ قبلها سِحْراً حَلاَلا\rوكتب أبو الفضل بن العميد إلى بعض إخوانِه جواباً عن كتاب وردَ إليه فأحمده:","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وَصَلَ ما وصلْتَني به، جعلني اللّه فداك، من كتابك، بل نعمتك التامة، ومُنَّتك العامة؛ فقرَت عيني بوروده، وشُفِيَتْ نفسي بوفوده، ونَشَرتُه فحَكَى نسيمَ الرياض غِب المطر، وتنفسَ الأنوارِ في السَّحر، وتَأَمَلْتُ مفْتَتَحه، وما اشتمل عليه من لطائف كَلِمك، وبدائع حِكَمك؛ فوجدته قد تحمَّل من فنون البرّ عنك، وضروب الفَضْلِ منك، جِدًّاً وهزْلاً، ملأَ عيني، وعَمَرَ قلبي، وغلب فِكْري، وبَهَر لُبِّي؛ فبقيتُ لا أدري: أسُمُوط ذر خصصتَني بها، أم عقود جوهر منَحْتنِيها؟ كما لا أدري أَبِكْراً زَفَفْتَها فيه، أم روضةً جهزتها منْه؛ ولا أدري أخدوداً ضُرِّجت حياءً ضمّنته؛ أم نجوماً طلعت عشاءً أودعته؛ ولا أدري أجِدُّك أبلغ وألطف، أم هَزْلك أرفع وأظرف؛ وأنا أوَكَلُ بتَتَبع ما انْطَوَى عليه نَفْساً لا ترى الحَظَّ إلاَ ما اقْتَنته منه، ولا تَعُد الفضل إلا فيما أخذتْه عنه، وأمَتِّع بتأمّله عيناً لا تَقَرُ إلاَّ بمثْلِهِ، مِمَّا يَصْدر عن يَدِك، ويَرِدُ من عندك، وأعْطِيه نظراً لا يملُه، وطَرْفاً لا يطرِف دونه، وأجعله مِثالاً أرْتَسمه وأحْتَذِيه، وأمتعِ خلقي برَوْنَقِه، وأُغذي نفسي ببَهْجَتِه، وأمزج قريحتي برقَّته، وأشْرَح صَدْري بقراءته، ولئن كنت عن تحصيل ما قلْتَه عاجزاً، وفي تعديد ما ذكرته متخلفاً؛ لقد عرفت أنه ما سمعتُ به من السحْرِ الحلال.\rوقال بعض المحدثين يمدح كاتباً الكامل:\rوإذا جَرَى قلم له في مُهْرَقٍ ... عَجْلاَنَ في رَفَلانِهِ وَوَجِيفهِ\rنَظَمَتْ مراشفُه قلائد نُظّمَت ... بنَفيِسِ جَوْهَرِ لفظِهِ وشريفه\rبِدْعاً من السِّحْرِ الحلال تولَدَتْ ... عن ذهنِ مصقولِ الذكاءِ مَشُوفهِ\rمَثَلاً لضاربهِ وزادَ مُسَافر ... جُعِلَتْ وتحفةَ قادم لأَلِيفهِ\rوعلى ذكر قوله وتحْفَة قادم قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وصَفَ رجل رجلاً فقال: كان والله سَمْحاً سَهْلاً، كأنّما بينه وبين القلوب نَسَب، أو بينه وبين الحياةِ سبَبٌ، إنما هو عيادة مريض، وتُحْفَة قادم، وواسِطَةُ عِقْد.\rوأخذ بعضُ بني العباس رجلاً طالبياً، فهمَّ بعقوبته، فقال الطالبي: واللَهِ لولا أَنْ أفسد دينْي بفْساد دنياك لملكْتَ من لساني أكْثَر مِمَّا ملكْتَ من سَوْطك، واللّه إن كلامي لَفَوْقَ الشعر، ودون السحْر؛ وإنَّ أيسره ليَثْقُبُ الْخَردَل، ويحط الْجَنْدل.\rوقال علي بن العباس، يَصِفُ حديثَ امرأةٍ الكامل:\rوحديثها السحْرُ الحلالُ لَوَ أنه ... لم يَجْنِ قتلَ المسلم المتحرَزِ\rإن طال لم يُملَلْ، وإنْ هي أَوْجزَتْ ... ودَّ المحدَثُ أنَّها لم تُوجِز\rشَرَك العقولِ، ونزهةٌ ما مِثْلُها ... للمطمئنِّ، وعقلَةُ المستوفِز\rألَمَّ في بيته الآخر بقول الطائي الطويل:\rكَوَاعِبُ أَتْرابٍ لغيداءَ أصبحتْ ... وليس لها في الحُسْنِ شكْل ولا تِرْبُ\rلها منظَر قَيْدَ النواظِر لم يَزَلْ ... يَروح ويَغْدُو في خَفَارَتهِ الْحُب\rوأول من استثار هذا المعنى امرؤ القيس بن حجر الكندي في قوله الطويل:\rوقد أغتدِي والطيرُ في وُكُنَاتها ... بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابدِ هَيْكَلِ\rوكالت عُلَية بنت المهدي مجزوء الكامل:\rاِشْرَبْ على ذكر الغَزَا ... لِ الأغْيدِ الحُلْوِ الدَّلالِ\rاِشْرَبْ عليه وقُلْ له ... يا غُلَّ؟ ألبابِ الرجالِ\rوكانت علَيَّةُ لطيفةَ المعنى، رقيقَةَ الشعرِ، حسنةَ مجاري الكلام، ولها ألحانٌ حِسَان، وعَلِقَتْ بغلام اسمه رشأ وفيه تقول مجزوء الكامل:\rأضحى الفؤادُ بزينبا ... صَباً كئيباً مُتْعَبا\rفَجَعَلْتُ زَيْنبَ سُتْرَةً ... وكَتَمْت أمراً معجبا\rقولها: بزينب تريد برشأ.\rفنُميَ الأمر إلى أخيها الرشيد، فأبعده، وقيل: قتَله، وعَلِقَت بعده بغلام اسمه طَلّ، فقال لها الرشيد: واللّه لئن ذكَرْتِه لأقتلنك! فدخل عليها يوماً على حين غَفْلة وهي تقرأ: فإن لم يصبها وابلٌ فما نهى عنه أمير المؤمنين، فضحك، وقال: ولا كلّ هذا، وهي القائلة الكامل:","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"يا عاذِلي، قد كنتُ قبلَك عاذلا ... حتى ابتُليتُ فصرْتُ صَبًّاً ذاهلا\rالحب أول ما يكون مَجَانة ... فإذا تحكَم صار شُغْلاً شاغِلا\rأَرْضَى فَيَغْضَبُ قاتلي فتعجبوا ... يَرْضى القتيلُ ولا يُرضِّي القاتلا\rوهي القائلة الرمل:\rوُضع الحبٌ على الْجَوْرِ، فلو ... أنصف المعشوق فيه لَسَمُجْ\rوقليلُ الحب صِرْفاً خالصاً ... لك خير مِنْ كثيرٍ قد مزِجْ\rليس يُسْتَحْسَنُ في نَعْتٍ الهوى ... عاشق يُحْسِنُ تأليفَ الْحُجَجْ\rوكأنها ذهبت في الأول إلى قول العباس بن الأحناف الطويل:\rوأحْسَنُ أيام الهوى يومُك الذي ... تُروّع بالهِجران فيه وبالعَتْبِ\rإذا لم يكن في الحب سخْطٌ ولا رضا ... فأين حلاَوَاتُ الرسائل والكُتْب؟\rوقد زاد النميري في هذا فقال الخفيف:\rراحتي في مقالة العُذّال ... وشفائي في قيلهمْ بَعْدَ قالٍ\rلا يَطيبُ الهوى ولا يحسْنُ ال ... حب لصب، إلاّ بِخمسِ خصال\rبسماع الأذَى، وعَذْل نصيحٍ، ... وعِتابِ، وهِجْرَةٍ، وتقال\rوقال بعض المحدثين الكامل:\rلولا اطّرادُ الصيد لم تَكُ لذّةٌ ... فتطارَدِي لي في الوصال قليلا\rهذا الشراب أخُو الحياة ومالهُ ... من لذةٍ حتى يُصِيبَ غليلا\rوقال آخر الطويل:\rدع الصبَّ يَصْلى بالأذى من حبيبهِ ... فإنّ الأذى مِمَّن تُحِبّ سُرورُ\rغُبارُ قطِيع الشاء في عَيْنِ ذئبها ... إذا ما تلا آثارهُنَ ذَرُورُ\rوأنشد الأصمعي لجميل بن معمر العذري: البسيط:\rلا خَيْرَ في الحب وقفاً لا تحركهُ ... عواضُ أليأس أو يَرْتَاحه الطَّمَعُ\rلو كان لي صَبْرُها أو عندها جَزَعِي ... لكنتُ أَمْلِكُ ما آتي وما أدَعُ\rإذا دعا باسْمِها داعٍ ليحزننْي ... كادت له شعْبةَ من مُهْجَتي تقعُ\rوهذا البيت كقول علي بن العباس الرومي: الكامل:\rلا تكْثِرَنَّ ملامةَ العشاقِ ... فكفاهُمُ بالوَجْدِ والأشواقِ\rإن البلاءَ يطاقُ غيرَ مُضاعَفِ ... فإذا تضاعَفَ كان غير مُطَاقِ\rلا تُطْفئَنَّ جَوى بِلَوم؛ إنهُ ... كالريح تُغرِي النار بالإحراق\rويشبه بَيْتَ عليّة الآخر بيتٌ أنْشِدَ في شعرٍ رُوِي لأبي نواس، ورواه قوم لعنان جارية الناطفي، وهو: الكامل:\rحلو العتاب يهيجُهُ الإدلال ... لم يَحْلُ إلاَ بالعتابِ وصالُ\rلم يَهْوَ قطُ ولم يُسَمَّ بعاشق ... مَنْ كان يصرف وجهه التعْذَالُ\rوجميعُ أسبابِ الغرام يسيرة ... ما لم يكن غدْر ولا استبدالُ\rتصف القضيبَ على الكثيب قَنَاتُها ... ولها من البدر المنيرِ مِثَالُ\rولرُب لابسةٍ قِناعَ مَلاَحةٍ ... حسناء سار بحسنها الأمثالُ\rكَسَتِ الْحَداثةُ ظَرْفَها وجمالها ... نُوراً فماءُ شبابها يَخْتَال\rوكأنها والكأْسُ فوق بَنانِها ... شمس يمُدُّ بها إليك هِلاَلُ\rحتى إذا ما استأنست بحديثها ... وتكلّمت بلسانها الْجرْيال\rقلنا لها: إن صدَّقت أقوالَهَا ... أفعالها وجرى بهنَّ الْفَالُ\rقولي فليس تَرَاك عينُ نميمة ... حَضَرَ النصيحُ وغابَتِ العذالُ\rوضميرُ ما اشتملتْ عليه ضلوعُنا ... سِرّ لدى أبوابه أَقْفال\rوقد أخذ أبو الطيب المتنبي معنى قيد الأوابد، فقال يصف كلباً: الرجز:\rنَيْلُ المُنى وحكْم نفسِ المُرسِلِ ... وعقلةُ الظبي وحَتْفُ التَّتْفُلِ\rكأنّه من علمه بالمَقْتل ... عَلَّمَ بقرَاطَ فِصادَ الأكْحَلِ\rوقال في بني حمدان: الكامل:\rمتصعلكيِنَ عَلَى كَثافةُ مُلكهم ... متواضعينَ على عظيم الشأنِ","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"يتقَّلبون ظلالَ كل مُطَهَّمٍ ... أَجَلِ الظليم ورِبْقةِ السَّرْحانِ\rوقال أعرابي يصف فرساً: إنه لَدرَك الطالب، ومَنْجَى الهارب، وقَيْد الرهان، وزين الفناء.\rوقال بعضُ أهل العصر في وصفِ غلام: وَجْهُه قَيْدُ الأبصار، وأمَدُ الأفكار، ونهاية الاعتبار.\rوقال أبو القاسم إسماعيل بن عَبَّاد: الطويل:\rوقد أغتدِي للصَيْدِ غُدْوَةَ أصْيَدٍ ... أُعاجِلُ فيها الوحشَ والوحْشُ هُجَّدُ\rفعنَّتْ ظَباءٌ خِفْنَ تحتِيَ مطلقَ الي ... دين به أيْدِي الوحُوش تُقيّدُ\rفأدركتها والسيفُ لَمْعة بَارق ... ولم يُغْنَها إحضَارُهَا حين تجهَدُ\rوقد رُعْتُها إذ كان شعريَ رائعاً ... وطَرْفُ مشيبي عن عِذَاريَ أرْمَدُ\rوما بَلَغَتْ حدَّ الثلاثين مُدَّتي ... وهذا طِراز الشيب فيه يُمدَدُ\rوأبيات ابن الرومي من أجود ما قيل في حسن الحديث، وقد توسع الشعراء في هذا الباب، وكَثُر إحسانهم، كما كَثُر افتنانهم، وسأجري شأْواً في مختار ما قيل في ذلك، وأعود إلى ما بدأتُ به.\rقال القُطامي - واسمه عُمَير بن شيَيْمٍ التغلبي، وسمي القُطَامي لقوله: الرجز:\rيَحُطُهُنَّ جانباً فجانباً ... حطّ القُطامِيِّ القطا القَواربا\rوقال أبو عبيدة: ويقال للصقر قُطامي وقَطامي: البسيط:\rوفي الخُدْور غماماتٌ برَقْنَ لنا ... حتى تصيَّدْنَنَا من كلِّ مُصْطادِ\rيقتُلْنَنَا بحديثٍ ليس يَعلمه ... مَنْ يَتْقَيَن ولا مكْنونُهُ بادِي\rفهنَّ يَنْبِدن من قول يُصِبْنَ به ... مواقع الماء من ذي الغُلَة الصَادي\rوقال أبو حيَّة النُميري، واسمه الهيثم بن الربيع: الطويل:\rوَخبرَكِ الواشُونَ أن لن أُحبكُم ... بلى وستُور اللَهِ ذاتِ المحارمِ\rوإن دماً، لوْ تعلمينَ، جنيته ... على الحيّ جاني مِثْلِه غيرُ سالم\rأصدُ وما الصدُ الذي تعلمينهُ ... عزاءً بكُم إلاّ ابتلاع العلاقم\rحياءً وَتُقْيا أنْ تشيعَ نميمة ... بنا وبكم، أف لأهل النمائم\rأما إنه لو كان غيرُكِ أرْقلتْ ... إليه القنا بالراعفات اللهاذِم\rولكنه والله ما طل مسلماً ... كَغُرِّ الثنايا واحات الملاغمِ\rإذا هنَ ساقطنَ الأحاديثَ للفتى ... سُقُوط حَصَى المرْجانَ من كَفِّ ناظم\rرَمَيْن فأَنْفَذْنَ القلوبَ، ولا ترى ... دَماً مائراً إلا جَوًى في الحيازم\rوقال أيضاً: الطويل:\rحديث إذا لم تخشَ عيناً كأنهإذا ساقطتْه الشهْدُ أَو هُوَ أَطْيَبُ\rلو أنك تستشفي به بعد سكْرَةِ ... من الموت كادت سَكْرَةُ المَوت تذهَبُ\rإلى هذا ينظر قولُ الآخرِ وإن لم يكن منه: الطويل:\rأقول لأصحابي وهُم يعذِلُونني ... ودَمْعُ جُفُوني دائمُ العبَراتِ\rبذكر مُنَى نفسي فبلُوا، إذا دَنا ... خروجي من الدنيا، جُفُوفَ لَهاتي\rوقال سديف مولى بني هاشم يصفُ نساءً: الكامل:\rوإذا نَطقْنَ تخالهن نَوَاظماً ... درا يفصل لُؤلؤاً مكنوناً\rوإذا ابتسمْنَ فإنهنَ غمامة ... أو أقحوان الرَمْلِ بات مَعِينا\rوإذا طَرَفْنَ طرفن عن حَدَقِ المَهَا ... وفَضَلْنَهُنَ مَحَاجِراً وجُفُونا\rوكأنَ أجيادَ الظباء تَمُدّها ... وَخُصُورهن لطافةً ولُدُونا\rوأصحُّ ما رأتِ العيونُ مَحَاجِراً ... ولَهُنَ أمرضُ ما رأيتُ عيونا\rوكأنّهُن إذا نَهضْنَ لحاجةٍ ... يَنْهَضَ بالعَقَدات من يَبْرِينا\rوقال الطائي: الكامل:\rتُعطيكَ مَنْطِقَهَا فتعْلَمُ أنهُ ... لِجَنَى عُذُوبَتِهِ يَمُرّ بِثَغْرِها\rوأظُن حَبْلَ وصالها لِمُحبها ... أوْهى وأضعفَ قُوَةً من خَصْرِها\rأخذه أبو القاسم بنُ هانئ، فقال يمدح جعفر بن علي، إلاَّ أنه قَلَبَه فقال: الكامل:","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"قد طَيَّبَ الأفواهَ طِيبُ ثنَائهِ ... من أجل ذا نجد الثغور عذابا\rوكأَنما ضَرَبَ السماءَ سُرَادِقاً ... بالزاب، أو رفع النجوم قبابا\rأرضاً وطِئْتُ الدُّرَ رَضْرَاضاً بها ... والمسك ترباً والرياض جنابا\rوقال الطائي: الكامل:\rبَسَطَتْ إليك بنانةً أُسْرُوعا ... تصف الفراق ومقلة ينبوعا\rكادتْ لعرِفان النَّوى ألفاظُها ... من رِقّة الشكْوَى تكونُ دُمُوعا\rومن جيد هذا المعنى وقديمه قول النابغهّ الذبياني: الكامل:\rلو أنها عَرَضَتْ لأَشْمَطَ رَاهبٍ، ... عَبَدَ الإله، صَرُورة مُتَعَبدِ\rلرنَا للهجتها وطِيب حدِيثها ... ولخالَهُ رُشداً وإن لم يَرْشُدِ\rنَظَرَتْ إليك بحاجةٍ لم تَقْضِها ... نَظَرَ السليمِ إلى وجوه العُوَدِ\rومن مشهور الكلام قولُ الآخر: الطويل:\rوكنتُ إذا ما زُرْتُ سُعْدَى بأَرْضِها ... أرى الأرضَ تُطْوى لي ويَدْنُو بَعيدُها\rمِنَ الْخَفرات البيضِ ود جليسُها ... إذا ما انقضتْ أحدوثَةٌ لو تُعيدُها\rتَحَلَلُ أحْقادي، إذا ما لقيتُها ... وتُرمى بلا جُزم علي حُقُودها\rوقال بشار: مجزوء الكامل:\rوكأن رَجْعَ حدِيثها ... قِطَعُ الرِّياض كُسِينَ زَهْرَا\rحَوْراءُ إنْ نظرتْ إلي ... كَ سَقَتْكَ بالعينين خَمْرَا\rتنسي الغَوِيَ معادَهُ ... وتكون للحكماء ذكْرا\rوكأنها بردُ الشرا ... ب صفا ووافقَ مِنْكَ فطرَا\rوكأن تحتَ لِسانها ... هَارُوتُ يَنْفُثُ فيه سحرَا\rوتخال ما جمعتْ علي ... ه ثِيابَهَا ذهباً وعطرا\rوسمع بشارٌ قولَ كُثيًر بن عبد الرحمن: الطويل:\rأَلاَ إنما ليلَى عَصَا خَيْزُرَانَةٍ ... إذا غَمزُوها بالأكف تلينُ\rفقال: قاتل الله أبا صخْر! يزعم أنها عَصاً ويعتذر بأنها خيزُرانَة، ولو قال: عصا مخُّ، أو عصا زُبْد؛ لكان قد هَجَّنَها مع ذكر العصا، هلاّ قال كما قلت: الوافر:\rودَعْجَاء المَحاجر من مَعَدً ... كأن حديثها ثَمَرُ الْجنانِ\rإذا قامت لحاجتها تثنتْ ... كأنَّ عِظَامها من خَيْزُرَانِ\rوبعد قول كثيّر: ألا إنما ليلى عصا خيزرانة: الطويل:\rتَمَتعْ بها ما ساعَفَتْكَ، ولا يَكُن ... عليك شجًى في الصدْرِ حين تبينُ\rوإنْ هي أعطتك اللّيان فإنها ... لآخرَ من خُلانها سَتَلِينُ\rوإن حلَفَتْ لا ينْقُضُ النأيُ عهدَها ... فليس لمخضُوبِ البنانِ يمينُ\rوقال البحتري: الطويل:\rولمّا التَقَيْنا واللّوَى مَوْعد لنا ... تعجبَ رَائي الدُرِّ حُسْناً ولاقِطُهْ\rفمن لؤلؤ تجنيه عندَ ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تُساقطُهْ\rوقال المتنبي: الطويل:\rأمُنْعِمَةٌ بالعَوْدَةِ الظبيةُ التي ... بغير وَلي كان نائِلُها الوَسْمي\rتَرشفْتُ فَاهَا سُحْرَة فكأنني ... تَرَشَفْتُ حَرَ الوَجْدِ من باردِ الظلْم\rفتاة تسَاوَى عِقْدُها وكلامُها ... ومَبْسِمُها الدُرَيُ في النثر والنظمِ\rعاد الحديثُ الأول - قال أبو القاسم عبدُ الرحمن بن إسحاقَ الزجاجي: حدّثنا يوسف بن يعقوب قال: أخبرني جدَي قراءة عليه، عن أبي داود، عن محمد بن عبيد الله، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: \" إنَ من الشعر لَحُكْماً، وإن من البيان لسِحْراً \" قال أبو القاسم: هكذا روينا الخبر، وراجعت فيه الشيخ، فقال: نعم، هو: \" إن من الشعر لحُكماً \" - بضم الحاء وتسكين الكاف، قال: ووجهُه عندي إذا روي هكذا: إن من الشعر ما يلزم المقولَ فيه كلزوم الحُكْم للمحْكوم عليه؛ إصَابةً للمعنى، وقصداً للصواب، وفي هذا يقول أبو تمام: الطويل:\rولَوْلا سبيل سَنَّها الشعرُ ما دَرَى ... بُغاةُ العُلى من أينَ تُؤْتى المكارمُ","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"يُرَى حكمةً ما فيه وهو فكاهة ... ويُرْضَى بما يَقْضِي به وهو ظالم\rانتهى كلام أبي القاسم.\rوقد وجدنا في الشعر أبياتاً يُجْرَى على رسمها، ويُمْضَى على حكمها؛ فقد كان بنو أَنْف الناقة إذا ذَكَر أحدٌ عند أحد منهم أنف الناقة - فضلاً عن أن ينسبهم إليه - اشتدَّ غضبُهم عليه؛ فما هو إلاَّ أن قال الحطيئة يمدحهم: البسيط:\rسِيري أُمَامَ فإنَّ الأكثرينَ حَصًى ... والأَطْيبين إذا ما يُنْسَبُون أبا\rقومُ إذا عَقدوا عَقْداً لجارهِمُ ... شَدوا العِنَاج وشدّوا فَوْقَه الكَرَبا\rقوم همُ الأنفُ والأذْنابُ غيرهُمُ ... ومن يُسَوي بِأَنْف الناقةِ الذنبَا\rفصار أحدُهم إذا سئل عن انتسابه لم يَبْدأ إلاَّ به.\rوأنفُ الناقة: هو جعفر بن قريع بن عوف بن كعب بن زيد مناة بن تميم.\rوكان بنو العَجْلاَن يَفْخَرون بهذا الاسم، ويتشرّفُون بهذا الوَسْم، إذ كان عبدُ اللّه بن كعب جدُّهم إنما سمّي العجلان لتعجيله القِرَى للضيِّفَان؛ وذلك أن حياً من طيء نزلوا به، فبعث إليهم بقرَاهم عَبْداً له، وقال له: اعْجَل عليهم، ففعل العبدُ، فأعتقه لعجلته، فقال القوم: ما ينْبغي أن يسمَى إلاّ العجلان؛ فسمِّي بذلك، فكان شرفاً لهم، حتى قال النجاشي، واسمه قيس بن عمرو بن حرن بن الحارث بن كعب يهجوهم: الطويل:\rأولئكَ أخوالُ اللَعِينِ وأسرةُ ال ... هَجِين ورهْطُ الواهِن المتذلّلِ\rوما سُمي العجْلان إلاَ لقولهِ ... خُذِ القَعبَ واحلب أيها العبد واعْجلِ\rفصار الرجل منهم إذا سئل عن نسبه قال: كعبي، ويكنى عن العجلان.\rوزعمت الرواة أنّ بني العجلان استعدَوْا على النجاشي - لما قال هذا الشعر - عُمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، وقالوا: هَجَانا، قال: وما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله: الطويل:\rإذا اللَهُ عادىَ أهلَ لؤم ورِقَّةٍ ... فعادَى بني العَجْلاَن رهط ابنِ مقْبِلِ\rفقال: إنَّ الله لا يُعَادي مسلماً، قالوا: فقد قال: الطويل:\rقُبيلة لا يَغْدِرون بِذِمَّةٍ ... ولا يَظْلِمُون الناس حَبّة خَرْدَلِ\rفقال: وددت أن آل الخطاب كانوا كذلك! قالوا: فقد قال: الطويل:\rتَعَافُ الكِلاَبُ الضارِيَات لحومَهُمْ ... وتأكلُ من عَوْفِ بن كعب بن نهشلِ\rفقال: كفى ضَياعاً مَن تأكل الكلابُ لحمه! قالوا: فقد قال: الطويل:\rولا يَرِدُون الماءَ إلاَ عشيةً ... إذا صَدَر الوُرَادُ عَن كلِّ مَنْهَل\rفقال: ذلك أصفى للماء، وأقل للزّحام! قالوا: فقد قال: الطويل:\rوما سُميَ العَجْلانَ إلاَّ لقوله ... خُذِ القَعْبَ واحْلُب أيها العبدُ واعْجَلِ\rفقال: سيّد القوم خَادِمُهم! وكان عمر، رضي اللّه عنه، أعلَم بما في هذا الشعر، ولكنه دَرَأَ الحدودَ بالشبهات.\rوهؤلاء بنو نمير بن عامر بن صَعْصَعة من القوم، أحدُ جمرات العرب وأشرف بيوت قيس بن عيلان بن مضر. وجمرات العرب ثلاثة؛ وإنما سُمُّوا بذلك؛ لأْنهم مُتَوافرون في أنفسهم، لم يُدْخِلوا معهم غيرهم؛ والتجمير في كلام العرب: التجميع، وهم: بنو نمير بن عامر، وبنو الحارث بن كعب، وبنو ضبة بن أد. فطفئت جمرتان، وهما بنو ضبة؛ لأنها حالفت الرباب، وبنو الحارث؛ لأنها حالفت مَذْحِج، وبقيت نمير لم تحالف؛ فهي على كَثْرتها ومَنَعَتِها. وكان الرجل منهم إذا قيل له: ممَن أنْتَ؟ قال: نميري كما ترى! إدلالاً بنَسَبِه، وافتخاراً بمنصبه، حتى قال جرير بن عطية بن الْخَطَفي لعُبيْد بن حُصيْن الراعي أحد بني نمير بن عامر: الوافر:\rفغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ من نُمَيْرٍ ... فلا كَعْباً بَلَغْتَ ولا كِلاَبا\rكعب وكلاب: ابنا ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ فصار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ يقول: عامري، ويكنى عن نمير.\rومرَت امرأة بقوم من بني نمير، فأحَدُّوا النظر إليها، فقال منهم قائل: واللّه إنها لَرَشْحَاء، فقالت: يا بني نمير، واللّه ما امتثلتم فيَ واحدةً من اثنتين، لا قول اللّه عز وجلَّ: \" قُلْ لِلْمُؤمنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارَهِمْ \" ولا قول الشاعر:\rفَغُضَ الطَرْفَ إنَّكَ من نُمير","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وسايَرَ شريك بن عبد الله النميري يزيدَ بن عُمر بن هبَيرة الفَزاري، فَبَرَزَتْ بغلة شريك، فقال له يزيد: غُضَّ من لجامها، فقال: إنها مكتوبة، أصلح الله الأمير! فضحك، وقال: ما ذهبت حيث أردت، وإنما عرَّض بقوله: غُضَ من لجامها بقول جرير:\rفغُضّ الطَّرْف إنك من نمير\rفَعَرَض له شريكٌ بقول ابن دَارَة: البسيط:\rلا تَأمَننَ فَزَارِيًّاً خَلْوْتَ بِهِ ... على قَلُوصِكَ واكْتُبْهَا بأَسْيَارِ\rوبنو فزارة يُرْمَوْنَ بإتْيَانِ الإبل، ولذلك قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك لَمَا ولي عمر بن هبيرة العراق: الوافر:\rأميرَ المؤمنين لأنْتَ مَرءٌ ... أمينٌ لَسْتَ بالطَّبعِ الحريصِ\rأَوَلّيْتَ العراقَ ورَافِدَيْهِ ... فَزَارياً أحذَ يَدِ القَمِيصِ\rولم يكُ قَبْلَهَا رَاعِي مخَاض ... ليأمَنَه على وَرِكَيْ قَلُوص\rتَفَيْهَقَ بالعراق أبو المثنّى ... وعَلّمَ قومَهُ أَكْلَ الخبيصِ\rالرافدان: دجلة والفرات.\rوقال بعض النميريين يجيبُ جريراً عن شِعْرِه: الوافر:\rنميرٌ جمرةُ العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا\rوإني إذ أسُبُّ بها كُليباً ... فتحت عليهمُ لِلْخَسْفِ بابا\rولولا أن يقال هَجَا نميراً ... ولم يَسْمَعْ لشاعرهم جَوَابا\rرغبْنا عن هجاء بني كليبٍ ... وكيف يُشَاتِمُ الناسُ الكِلابا\rفما نفع نميراً، ولا ضرَّ جريراً، بل كان كما قال الفرزدق: الكامل:\rما ضرَّ تَغلِبَ وائل أَهَجَوْتَهَا ... أم بُلْتَ حيث تَنَاطَح البَحْرَانِ\rوقال أبو جعفر محمد بن منذر مولى بني صبير بن يربوع في هجائه لثقيف: الوافر:\rوسوف يزيدكم ضَعَةً هِجَائي ... كما وضع الهجاءُ بني نميرِ\rوسمع الراعي منشداً ينشد: الطويل:\rوَعاوٍ عَوَى من غير شيء رَمَيْتُهُ ... بقافيةٍ أَنفاذُهَا تَقْطُر الدَّما\rخَرُوج بأَفْواهِ الرُّوَاةِ كأنها ... قَرَى هِنْدُوَانيّ إذا هزَّ صَمَما\rفارتاع له، وقال: لمن هذا؟ قيل: لجرير، قال: لعن اللّه من يلومني أن يغلبني مثل هذا! وقد بنى الشعرُ لقوم بيوتاً شريفة، وهدم لآخرين أبْنِية منيفة:\rوما هو إلاَّ القول يَسْرِي فتغتدي ... له غُرَر في أوجهٍ ومَوَاسِمُ\rقال أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي: سمعت أبا عَمْرو بن العلاء ورجل يقول: إنما الشعر كالمِيسَم. فقال: وكيف يكون ذلك كذلك؟ والميسم يذهب بذهاب الجلد ويَدْرُس مع طولِ العهد، والشَعْرُ يَبْقَى على الأبناء بعد الآباء، ما بقيت الأرض والسماء! وإلى هذا نحا الطائي في قوله: الطويل:\rوأني رأيتُ الوَسْمَ في خُلُق الفتى ... هو الوَسْمُ لا ما كان في الشَّعْر والجِلْدِ\rوقال عمر، رحمة الله عليه: تعلّموا الشعر؛ فإن فيه محاسِنً تُبتغى، ومساوئ تُتقى.\rوقال أبو تمام: الكامل:\rإنَّ القوافِيَ والمساعيَ لم تَزَلْ ... مثلَ النظام إذا أصابَ فَرِيدا\rهِيَ جوهر نثر فإنْ ألفْتَهُ ... في الشعر كان قلائداً وعقودا\rمن أجل ذلكَ كانت العرب الأُلى ... يدعونَ هذا سُؤدداً مجْدُودا\rوتنِدُ عندهُمُ العُلاَ إلاَّ إذا ... جُعِلَت لها مِرَرُ القصيدِ قيودا\rوقال علي بن الرومي: الطويل:\rأرى الشعر يحيي الناسَ والمجدَ بالذي ... تُبقِّيْهِ أرواحٌ له عَطِراتُ\rوما المجدُ لولا الشعْرُ إلاَ معاهدٌ ... وما الناسُ إلاَ أَعْظُمٌ نَخِرَاتُ\rبعض ما قاله الرسول الكريم\rرجعت إلى ما قطعت، مِما هو أحق وأولى، وأَجلُ وأَعلى، وهو كلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكريم النْجْرِ، العظيم القَدر، الذي هو النهايةُ في البيان، والغاية في البرهان","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"المشتمل على جَوامع الكلم، وبدائع الحِكم، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: \" أنا أَفْصَح العرب، بَيْدَ أنّي من قريش، واستُرضعت في سعد بن بكر! \" وليس بعضُ كلامه بأَوْلى من بعض بالاختيار، ولا أَحق بالتقديم والإيثار؛ ولكني أُورد ما تيسر منه في أول هذا الكتاب استفتاحاً، وتَيَمُناً بذلك واستنجاحاً.\rوهذه شذورٌ من قوله صلى الله عليه وسلم، الصريح الفصيح، العزيز الوَجيز، المتضمن بقليل من المباني كثيرَ المعاني: قوله للأنصار: \" إنكم لَتقلُّون عند الطمع، وتَكْثُرون عند الفَزَع \" .\rوقوله عليه الصلاة والسلام: \" المسلمون تتكافأُ دماؤهم، ويَسْعى بذمتهم أدْناهم، وهم يَد على مَن سِوَاهم \" . الناس كإبل مائةٌ لا تجدُ فيها راحلة \" . \" إياكم وخَضْرَاء الدِّمَنِ \" . \" كل الصَيْدِ في جَوْفِ الفرَا \" - قاله لأبي سُفْيان صخر بن حرب - . \" الناسُ معادن، خيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فَقَهُوا \" . \" المؤمن للمُؤْمن كالبنيان يَشدُ بعضُه بعضاً \" . \" أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتُم \" . \" المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبَيْ زورٍ \" . \" المرأة كالضلع إن رُمتَ قوامها كسَرْتها، وإن دَاريتَهَا استمتعت بها \" . \" اليدُ العليا خير من اليد السفلى \" . \" مَطل الغنيَ ظُلم \" . \" يد اللّه مع الجماعة \" . \" الحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان، مثلُ أبي بكر كالقَطْر، أينما وقعَ نَفَع \" . \" لا تجعلوني في أَعْجَاز كتبكم كقَدح الراكب \" . \" أربعة من كنوز الجنة: كتمان الصَّدَقة والمرض والمصيبة والفاقة \" . \" جنة الرجل دارُه \" . \" الناس نيام فإذا ماتوا انتبهُوا \" . \" كفى بالسلامة داءً \" . \" إنكم لن تَسَعُوا الناسَ بأموالكم، فَسَعُوهم بأخلاقكم \" . \" ما قلَّ وكفى خيرٌ مِمَّا كثر وألهى \" . \" كلٌّ مُيَسرٌ لما خُلِقَ له \" . \" اليمين حِنْثٌ أو مَنْدَمة \" . \" دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يريبك \" . \" اُنْصُرْ أَخاكَ ظالماً كان أو مظلوماً \" . \" احترسوا من الناس بِسُوءِ الظّنّ \" . \" الندمُ تَوْبة \" . \" انتِظارُ الفرج عبادة \" . \" نعم صَوْمَعة الرجل بيتُهُ \" . \" المستشير مُعان والمستشار مؤتمن \" . \" المرءُ كثير بأخيه \" . \" إنَّ للقلوب صَدأ كصدإ الحديد وجِلاؤُها الاستغفار \" . \" اليوم الرهان وغَداً السباق، والْجَنَّةُ الغايةُ \" . \" كلُّ مَنْ في الدنيا ضيف، وما في يديه عاريةٌ، والضيف مُرْتحِل، والعاريَّة مؤدَاة \" .\rومن جوامع كَلِمِه، عليه الصلاة والسلام، ما رواه أهلُ الصحيح عن علَقمة بن وقّاص الليثي عن عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقول: \" إنما الأعمال بالنيّاتِ وإنما لكل امرئً ما نَوَى، فمن كانت هِجْرَتُه إلى اللّه ورسوله فهِجْرَتُه إلى اللَّهِ ورسوله، ومن كانَت هِجرتُه إلى دُنْيا يُصِيبها أو امرأة يتزوجها، فهجْرَتُهُ إلى ما هاجر إليه \" .\rقال أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني: سمعتُ أهلَ العلم يقولون: هذا الحديث ثُلُثُ الإسلامِ، والثلث الثاني ما رواه النعمان بن بشير أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: \" الحلاَلُ بيِّن، والحرام بيّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات، فمن تركها كان أوْفَى لدينه وعِرْضِه، ومن واقعها كان كالراتع حول الحمَى، أَلا وإنَ لكل ملك حِمًى، ألا وإنّ حمى اللّه مَحارمه \" .\rقال: والثلث الثالث ما رواه مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: \" مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ المرْء تَرْكُهُ ما لاَ يَعْنِيه \" .\rوقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الشعْرَ وأثابَ عليه، ونَدَب حسان بن ثابت إليه، وقال: \" إن الله ليؤيّده بروحِ القُدُس ما نافَحَ عن نبيِّه \" .\rولما انتهى شعرُ أبي سفيانَ بنِ الحارثِ بن عبد المطلب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، شَقَّ","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"عليه فدعا عبدَ الله بن رَوَاحة فاستنشدهُ فأَنْشَدَه فقال: أنتَ شاعرٌ كريم، ثم دعا كعبَ بن مالك فاستنشده فأنشده، فقال: أنت تُحْسِنُ صِفَة الحرب، ثم دعا بحسّان بن ثابت فقال: أجِبْ عني، فأَخْرج لسانه فضرب به أرْنَبته؛ ثم قال: والذي بعثك بالحق ما أُحِب أن لي به مِقْوَلاً في معد؛ ولو أن لساناً فَرى الشعَر لفرَاه. ثم سأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أن يَمسَ من أبي سفيان، فقال: وكيف، وبيني وبينه الرَّحِم التي قد علمت؟ فقال: أَسُلُّك منه كما تُسَلّ الشَّعْرةُ من العجين! فقال: اذهبْ إلى أبي بكر، وكان أعلمَ الناس بأَنساب قريش، وسائر العرب، وعنه أخذ جُبَير بن مُطعْمِ علم النسب، فمضى حسانُ إليه فذكر له معايبَهُ، فقال حسّان بن ثابت: الطويل،\rوإنّ سَنَامَ الَمجْدِ مِنْ آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووَالِدُك العبد\rومَن ولَدَتْ أبناء زُهْرَةَ منهُمُ ... كرامٌ، ولم يَقْربْ عَجَائِزَك المَجْدُ\rولَسْتَ كَعَبَّاسٍ ولا كابْنِ أُمِّه ... ولَكِنْ لَئيمٌ لا يقوم له زندٌ\rوإن امرأً كانت سُمَيَّةُ أمَّه ... وسَمْراءُ مغموزٌ إذا بلغَ الجَهْدُ\rوأنت زنيمٌ نِيط في آل هاشم ... كما نِيطَ خَلْفَ الراكب القدَحُ الفَرْدُ\rفلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا كلامٌ لم يَغِبْ عنه ابنُ أبي قُحافة يعني ببني بنت مخزوم عبدَ الله وأبا طالبٍ والزبيرَ بني عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أمُهُمْ فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأخواتهم بَرَّة وأميمة والبيضاء، وهي أم حكيم، والبيضاء جدَة عثمان بن عفان أم أمه.\rوقوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام يعني أميمة وصفية أم الزبير بن العوام، أمُها هَالَةُ بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة.\rوقوله: ولستَ كعباس ولا كابْنِ أمه أمّ العباس: نتيلة امرأة من النَّمِر ابن قاسط، وأخوه لأمه ضِرَار بن عبد المطلب.\rوقوله: وإن امرأ كانت سمية أمه سمية أم أبي سفيان، وسمراء. أم أبيه، وليس هذا موضع إطناب في رفع الأنساب.\rوكان عبدُ الأعلى بن عبد الرحمن الأموي عَتَبَ على بعض ولد الحارث فقال له مُعرَضاً بما قال حسان: السريع،\rإخالُ بالعمِّ وبالجَدّ ... مفتخِراً بالقَدَح الفَردِ\rالهَج بحسَّان وأشعارهِ ... فإنها أَدْعَى إلى المَجْدِ\rلولا سيوفُ الأَزْدِ لم تؤمنوا ... ولم تقيموا سُورةَ الحمدِ\rفتوعَّدوه، فخافهم، فقال: الطويل\rبني هاشم، عَفْواً عفا الله عنكُم ... وإن كان ثوبي حَشْوُ ثنْييهِ مُجرُم\rلكمْ حَرَمُ الرحمن والبيتُ والصَّفا ... وجَمْعٌ وما ضمَّ الْحَطِيمُ وزمزَمُ\rفإن قلتُمُ بادَهْتنا بعظيمة ... فأحلامُكُمْ منها أجلُ وأعظمُ\rوأسلم أبو سفيان - رحمه اللّه! - وشهد مع النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم حُنَيْنٍ، وكان ممسكاً بَغْلَته حين فرَّ الناس، وهو أحد الذين ثبتوا، وهم - على ما ذكره أبو محمدٍ عبدُ الملك بنُ هشام - أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه الفضلَ، وربيعة بن الحارث، وأُسامة بن زيد، وأيمنُ ابنُ أم أيمن بن عبيدة قتل يومئذ، وبعضُ الناس يعدُ فيهم قُثَمَ بن العباس، ولا يَعُدُّ أبا سفيان، وكان أبو سفيان من أشعر قريش، وهو القائل: الوافر،\rلَقَد ْعَلمَتْ قرَيش غيْرَ فَخْرٍ ... بأَنّا نَحْنُ أَجوَدُهُمْ حصَانَا\rوَأَكْثَرُهُمْ دُرُوعاً سابِغَات ... وأَمْضاهم إذا طعنوا سِنَانَا\rوَأدفعهم عن الضرّاء عنهم ... وأَبْيَنُهم إذا نطقُوا لسانا\rويروى أن ابن سيرين قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سَفرِه قد شنق ناقته بزمامها حتى وضعت رَأسها عند مقدمة الرَحل إذ قال: يا كعبُ ابن مالكٍ : أحد بنا! فقال كَعب: الوافر،\rقَضيْنا مِن تِهَامَةَ كلَّ حَقّ ... وَخَيْبَرَ ثم أجممنا السّيوفا\rنخيِّرُهَا وَلو نَطَقَت لقالَت ... قواطعُهُن: دَوْساً أَو ثَقيفَا","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"فقال عليه السلام: \" والذي نفسي بيده لهي أشدُّ عليهم من رَشق النبْل! \" ويقال: إنَ دوْساً أسلمت فَرَقاً من كلمة كعب هذه، وقالوا: اذهبوا فخذوا لأنفسكم الأمان من قبل أن ينزل بكم ما نزل بغيركم!.\rوقتَلَ النبي صلى الله عليه وسلم، النضر بن الحارث، وكان ممن أُسِرَ يوم بدر، وكان شديد العداوة للًه ولرسوله، وقَتَله علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، صَبراً، فعرضت للنبي صلى الله عليه وسلم، أختُه قتيلة بنت الحارث - وفي بعض الروايات أن قتيلة أَتَتْهُ فأنْشَدَتهُ: الكامل\rيا راكِباً إن الأثَيْلَ مَظنةٌ ... مِن صُبْحِ غادِيةٍ وَأَنْتَ موَفَّقُ\rأَبلِغ نجها مَيتاً بِأَن تَحيَّة ... ما إن تزالُ بها النَجَائبُ تُعْنِق\rمنَي إليه وعَبْرَةً مسفوحةً ... جادت بواكِفِها وَأُخْرَى تَخْنُق\rهل يسمعنِّي النَضرُ إنْ ناديته ... إن كان يسمع ميِّتٌ لا يَنطِقُ\rظلتْ سيُوفُ بني أبيه تَنُوشُه ... للَهِ أرحامٌ هناك تَشَقّقُ\rقَسْراً يُقادُ إلى المنيَّة مُتْعَباً ... رَسْفَ المقيّدِ وَهْوَ عَانٍ موثق\rأمحمد، ها أَنْتَ صِنْو كريمة ... في قومِها والفَحْلُ فحلٌ مُعْرِقُ\rما كانَ ضَرَّك لو مَنَنتَ وربَّما ... من الفتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ\rفالنضرُ أقربُ مَن قَتَلْتَ قَرَابَةً ... وأحقهم إن كان عِتْق يُعْتَقُ\rأو كنت قابلَ فِديِةِ فَلْيُفْدَيَن ... بأعزِّ ما يُغلى به مَنْ يُنْفِقُ\rفذُكر أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، رق لها ودمعت عيناه، وقال لأبي بكر: \" لو كنتُ سمعتُ شعرَها ما قتلته \" .\rوالنضر هذا هو النضر بن الحارث بن عَلقمة بن كَلَدة بن عبد مناف بن عبد الدار.\rقال الزبير بن بكار: وسمعت بعضَ أهلِ العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث ويقول: إنَّها مصنوعة.\rبعض ما قاله أبو بكر الصديق\rودخل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه، على النبي عليه الصلاة والسلام وهو مُسَجًّى بثَوْبٍ، فكشَف عنه الثوبَ وقال: بأبي أَنْتَ وأمي! طِبْتَ حَيًّاً وميّتاً، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموتِ أحدٍ من الأنبياء من النبوّة، فعظمْتَ عن الصفة، وجَلْلَت عن البكاء، وخَصَصْت حتى صرت مَسْلاَة، وعَممْتَ حتى صِرْنا فيك سَواء. ولولا أنَ موتك كان اختياراً منك لجُدْنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك نهيت عن البُكاء لأنْفَدْنَا عليك ماءَ الشؤون. فأمَّا ما لا نستطيع نفيَه عنَّا فكمد وإدْناف يتحالفَانِ ولا يَبْرَحان. اللهم فأَبلغه عنّا السلام، اذكُرْنَا يا محمد عند ربّك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلَّفْتَ من السكينة لم نُقمْ لما خلَفْتَ من الوحشة، اللهمَّ أبلغ نبيَّك عنّا وأحفظه فينا، ثم خرج.\rقوله رضي اللّه عنه: لولا أن موتك كان اختياراً منك إنَّمَا يريد قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: \" لم يُقْبَض نبيّ حتى يَرى مقعده من الجنة ثم يُخَيّر \" قالت عائشة رضي اللّه عنها: فسمعتُهُ وقد شخص بصرُه وهو يقول: \" في الرفيق الأعلى \" فعلمت أنه خُيِّر، فقلت: لا يختارنا إذَن، وقلت: هو الذي كان يحدثنا. وهو صحيح.\rوكان أبو بكر، لمَّا تُوفِي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، في أرضه بالسنح، فتواترت إليه الرسلُ، فأتى وقد ذُهِلَ الناس، فكانوا كالخرس، وتفرقت أحوالهم، واضطربت أمورُهم، فكذَّب بعضهم بموته، وصَمَت آخرون فما تكلّموا إلاَ بعد التغير،، وخَلَطَ آخرون فلاثُوا، الكلام بغير بَيَان، وحقّ لهم ذلك للرزيّة العظمى، والمصيبة الكبرى، التي هي بيضة العُقْر، ويتيمةُ الدهر، ومدى المصائب، ومنتهى النوائب، فكل مصيبةٍ بعدها جَلَل عندها، ولذلك قال، صلى الله عليه وسلم: \" لِتُعَزّ المسلمين في مصائبهم المصيبةُ بي \" .\rوكان عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، ممن كذَّب بموته، وقال: ما مات، وليرجعنّه اللّه، فليقطعنَّ أَيْدِيَ المنافقين وأرجلَهم، يتمنّون لرسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، الموتَ؛ وإنما واعده ربّه كما واعَدَ موسى، وهو يأتيكم.\rوأما عثمان، رضي اللّه عنه، فكان ممن أُخْرِس، فجعل لا يكلِّم أحداً، فيُؤخَذ بيده ويُجَاءُ به فينقاد.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وأمّا علي، رضي اللّه عنه، فلُبِطَ بالأرْضِ، فقعد ولم يَبرَح البيت حتى دخل أبو بكر، وهو في ذلك جَلْد العقل والمقالة، فأكبَّ عليه، وكشف عن وَجْهه ومسَحه، وقبَّل جبينه، وبكى بكاءً شديداً، وقال الكلامَ الذي قدّمته. ولمّا خرج إلى الناس وهم في شديد غَمَراتهم، وعظيم سَكَراتهم، قام فخطب خطبة جُلُها الصلاةُ على النبي، صلى الله عليه وسلم، قال فيها: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللّه وَحْدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل وأن الدينَ كما شرع، وأنَّ الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن اللّه هو الحقُّ المبين. في كلام طويل، ثم قال: أيها الناسُ؛ مَنْ كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبدُ اللّه فإن الله حقٌّ لا يموت، وإن الله قد تقدَّم إليكما في أمره، فلا تَدَعُوه جَزَعاً، وإن اللّه قد اختار لنبيهِ ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلَّف فيكم كتابه، وسنةَ نبيِّه، فمن أخذ بهما عَرفَ، ومن فرَّق بينهما أنكر؛ \" يا أَيهَا الَّذِين آمَنُوا كُونوا قَوَامِينَ بالْقِسْطِ \" ، ولا يَشْغَلنّكُمُ الشيطانُ بمَوتِ نبيّكُمْ، ويَفْتِنَنكُمْ عن دينكُم؛ فعاجلوه بالذي تعجزونه، ولا تستنظروه فيلحق بكم.\rفلمّا فرغ من خطبته قال: يا عمر، بلغني أنك تقول ما مات نبيُّ اللّه، أَما علمت أنه قال في يوم كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا: قال الله تبارك وتعالى: \" إنَّكَ ميِّت وإنّهُمْ مَيتُونَ \" ؟. فقال عمر: والله لكأني لم أسمعْ بها في كتاب اللّه قَبْل؛ لما نزل بنا، أشهد أنَّ الكتابَ كما نزل، وأن الحديثَ كما حدّث، وأنّ الله حيٌ لا يموت، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون! ثم جلس إلى جنب أبي بكر رحمه اللّه.\rقالت عائشة، رضوان الله عليها: لما قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجم النفاق، وارتدَّت العرب، وكان المسلمون كالغنم الشارِدَة، في الليلة الماطرة، فحمل أبي ما لو حملته الجبال لهَاضها، فوالله إن اختلفوا في معظم إلاّ ذهب بحظّه ورشده، وغنائه، وكنتُ إذا نظرتُ إلى عمر علمتُ أنه إنما خلِقَ للإسلام، فكان واللّه أحوذيًّاً نسيجَ وَحْدِهِ، قد أعَدَّ للأمور أقرانها.\rوحدث أبو بكر بن دريد عن عبد الأول بن يزيد قال: حدّثني رجل في مجلس يزيد بن هارون بالبصرة قال: لما تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، دُفِن ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، ورجعت فاطمة إلى بيتها؛ فاجتمع إليها نساؤها، فقالت: الكامل:\rاغبرَّ آفاقُ السماءِ، وكُوِّرَتْ ... شمسُ النهار، وأَظْلَم العصرانِ\rفالأرضُ من بعد النبي كئيبةٌ ... أسفاً عليه كثيرةُ الرجَفَان\rفَليَبْكِهِ شَرْقُ البلاد وغَرْبُها ... وليبكه مُضَرٌ وكل يَمَانِ\rوليبكه الطور المعظم جَوُهُ ... والبيتُ ذو الأسْتَار والأَركانِ\rيا خاتم الرسل المبارك ضوءُهُ ... صلَى عليك منزِّلُ الفُرقان\rوكان أبو بكر - رَضِي اللّه عنه - إذا أُثْني عليه يقول: اللهم أنت أَعَلَمُ بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، فاجعلْنِي خيراً مما يحْسَبُون، واغفرْ ليَ برحمتك ما لا يعلمون، ولا تؤاخِذْني بما يقولون.\rوقال رحمه الله في بعض خطبه: إنكم في مَهَل، من ورائه أجل، فبادروا في مهَل آجالكم، قبل أن تنقطع آمالكم، فتردكم إلى سوء أعمالكم.\rوذكر أبو بكر الملوكَ فقال: إن الملك إذا مَلك زَهَّدهُ الله في ماله ورغبه في مالِ غيره، وأَشرب قلبه الإشفاق؛ فهو يسخط على الكثير، ويحْسُدُ على القليل، جَذِلُ الظاهر، حَزِين الباطن، حتى إذا وَجَبتْ نفسُهُ، ونَضَبَ عمره، وضَحَا ظلُه حاسَبَهُ فأشدَّ حسابه وأقلّ عفوه.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وذكر أنه وصل إلى أبي بكر مالٌ من البحرين، فساوى فيه بين الناس، فغضبت الأنصار، وقالوا له: فَضَلْنَا! فقال أبو بكر: صدقتُم، إن أردتُمْ أن أفضلكم صار ما عملتُمُوه للدنيا، وإن صبرتم كان ذلك لله عزَ وجل! فقالوا: والله ما عملنا إلاّ لله تعالى، وانصرفوا؛ فَرَقيَ أبو بكر المنبر، فحمِدَ الله، وأثنى عليه، وصلّى على النبي، صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال: يا معشر الأنصار، إن شئتم أن تقولوا: إنا آوَيْناكم في ظِلاَلِنا، وشاطرناكم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم، وإنَ لكم من الفضل ما لا يُحْصِيه العدد، وإن طال به الأمد، فنحن وأنتم كما قال طُفَيل الغَنَوي: الطويل:\rجزى الله عنا جعفراً حينَ أزْلَقَتْ ... بنا نَعْلُنا في الواطئين فزَلَتِ\rأبوا أن يملُونا ولو أن أمنا ... تُلاَقي الذي يَلْقَوْنَ منَّا لَمَلَّتِ\rهُمُ أسكنونَا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوتٍ أدفأتْ وأظلَّتِ\rفِقَر من كلامه رضي اللّه عنه: صنائعُ المعروف تقي مصارعَ السوء. الموت أهونُ ممّا بعده، وأشدّ ممّا قبله. ليست مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة. ثلاث مَنْ كن فيه كنَّ عليه: البَغْي، والنكث، والمكر. إن الله قَرَنَ وَعْده بوعيد؛ ليكون العبد راغباً وراهباً.\rولما توفي، رضي اللّه عنه، وقفت عائشة على قبره، فقالت: نَضَّرَ اللَهُ وَجهَكَ يا أبتِ، وشكر لك صالحَ سَعْيك، فلقد كنت للدنيا مذلاً بإدبارك عنها، وللآخرة مُعزّاً بإقبالك عليها، ولئن كان أجَلَّ الحوادث بعد رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، رزؤُك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب اللّه لَيَعِدُ بحسن الصبر عنك حسنَ العوض منك، وأنا أستنجز موعودَ اللّه تعالى بالصبر فيك، وأستقضيه بالاستغفار لك، أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا فلقد قمتَ بأمر الدين لمّا وَهى شَعْبُهُ وتفاقم صَدْعهُ، ورجَفَتْ جوانبه؛ فعليك سلام الله توديعَ غير قاليةٍ لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك.\rوقال أبو بكر لبلال لما قُتل أمية بن خلف وقد كان يَسُومُه سوء العذاب بمكة فيخرجه إلى الرَّمْضاء، فيلقي عليه الصخرة العظيمة ليفارقَ دينَ الإسلام فيعصمه اللّه من ذلك: الوافر:\rهَنئياً زادك الرحمنُ خيراً ... فقد أدركْت، ثأرك يا بلالُ\rفلا نِكْسا وُجِدْتَ ولا جباناً ... غداة تنوشُكَ الأسَل الطوالُ\rإذا هاب الرّجال ثبتَّ حتى ... تخلِط أنْتَ ما هابَ الرّجالُ\rعلى مضض الكُلُوم بمشرفيٍّ ... جَلاَ أطرافَ مَتْنَيْهِ الصِّقَالُ\rبعض ما قاله عمر بن الخطاب\rوكتب عمرُ بن الخطاب - رضي اللّه عنه! - إلى ابنه عبد اللّه: أمّا بعد، فإنه مَن اتَّقى اللَهَ وَقَاهُ، ومن توكّل عليه كَفَاهُ، ومن شكر له زادهُ، ومنْ أقرَضهُ جَزَاهُ؛ فاجْعَلِ التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا نيّة له، ولا أجْرَ لمن لا خشيةَ له، ولا جديد لمن لا خلَقَ لهُ.\rودخل عديّ بن حاتم على عمَر، فسلّم وعمرُ مشغول، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أنا عديّ بن حاتم؛ فقال: ما أعْرَفَني بك! آمنتَ إذ كفروا، ووفيتَ إذ غَدَرُوا، وعرفتَ إذ أنكروا، وأقبلتَ إذ أدْبَرُوا! وقال رجل لعمر: مَن السيد؟ قال: الجواد حين يُسْأَل، الحليم حين يُسْتجهَل، الكريم المجالسةِ لمن جالَسه، الحسَن الْخُلُقِ لِمَنْ جاوره.\rوقال رضي اللّه عنه: ما كانتِ الدنيا همَّ رجل قطُ إلاَّ لزم قلبَه أربعُ خِصَالٍ: فَقْرٌ لا يُدْرَك غناه، وهَم لا ينقضي مَدَاه، وشُغْلٌ لا ينفَدُ أُولاه، وأمل لا يبلُغ مُنتهاهُ.\rفصول قصار من كلامه رضي اللّه عنه\rمن كتم سرّه كان الْخِيارُ في يده، أشقى الوُلاة من شقيَتْ به رعيَّتُهُ.\rأعقلُ الناس أعذرُهم للناس. ما الخمر صرْفاً بأَذْهَب لعقولِ الرجالِ من الطمع.\rلا يكن حُبُّك كَلَفا، ولا بُغْضُكَ تَلَفا، مُرْ ذوي القرابات أن يتزَاوَرُوا، ولا يتجاوَروا. قلَّما أدْبر شيء فأقبل، أشكو إلى اللّه ضَعْفَ الأمين، وخيانةَ القوي، تكثَّرُوا من العيال فإنكم لا تدرون بمن تُرْزَقون. لو أن الشكر والصبر بَعِيرانِ ما باليت أيَّهما أركب. من لا يعرفُ الشرّ كان أجدر أن يقع فيه.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وقال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة بن صُوحَانَ: صِفْ لي عُمَرَ بن الخطاب، فقال: كان عالماً برعيَّته، عادلاً في قضيَّته، عارياً من الكِبْر، قبولاً للعُذر، سَهْلَ الحِجَاب، مَصُونَ الباب، متحرّياً للصواب، رفيقاً بالضعيف، غير مُحابٍ للقريب، ولا جافٍ للغريب.\rوروى أن عمرَ بن الخطاب، رضي اللِّه عنه، حجَ فلمَّا كان بضجنان قال: لا إله إلاَّ اللّه العليّ العظيم، المُعْطِي مَن شاء ما شاء، كنتُ في هذا الوادي في مِدْرَعة صوف أرْعى إبل الخطّاب، وكان فظًّاً يُتْعِبني إذا عملت، ويَضربني إذا قصرت، وقد أمسيت الليلة ليس بيني وبين اللّه أحد، ثم تمثّل: البسيط:\rلا شيء مِمَاِ ترى تَبْقَى بشاشتُهُ ... يبقى الإله ويُودي المالُ والولدُ\rلم تغن عن هُرمُز يوماً خزائنهُ ... والْخُلْدَ قد حاولت عادٌ فما خلَدُوا\rولا سليمان إذْ تجرِي الرياحُ لهُ ... والجنُ والإنس فيما بينها تَرِدُ\rأين الملوك التي كانت نوافلُها ... من كل صَوْبٍ إليها وافِد يَفد\rحوضُ هنالك مورودٌ بلا كدر ... لا بدَ من وِرْدِهِ يوماً كما وَرَدوا\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح مكة: الطويل:\rألم تر أن اللَّهَ أظهر دِينَهُ ... على كل دينٍ قبل ذلك حائدِ\rوأمكنه من أهل مكة بعدما ... تدَاعَوْا إلى أمرٍ من الغي فاسدِ\rغداةَ أجَالَ الخيلَ في عَرَصاتها ... مسوَمةً بين الزبير وخالد\rفأمسى رسولُ الله قد عَزَّ نَصْرُهُ ... وأمْسى عدَاه مِنْ قتيل وشارِد\rيريد الزبير بن العوام حَوَارِيّ رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلم، وخالِدَ ابن الوليد سيفَ الله تعالى في الأرض.\rولما قتله أبو لُؤُلُؤَة غلامُ المغيرةِ بن شُعْبَة، قالت عاتِكة بنت زيد بن عمرو ابن نفَيل زوجته ترثيه: الخفيف:\rعَيْنُ جُودي بِعَبْرَةٍ ونَحِيبِ ... لا تملي على الأمين النجِيب\rفجَعَتْني المنونُ بالفارسِ الْمُع ... لَم يوم الهياج والتثويبِ\rعصْمَةُ الناس والمعينُ على الدَه ... ر وغيثُ المحروم والمحروبِ\rقل لأهْلِ الضراءِ والبُؤس موتوا ... قد سقته المنُونُ كأسَ شعَوبِ\rوقالت أيضاً ترثيه: الطويل:\rوفَجعني فيْرُوز لا دَرَّ درُه ... بأبيضَ تالٍ لِلْكِتابِ مُنِيبِ\rرؤوف على الأدنى غليظ على العِدَا ... أخي ثقة في النائبات نجيبِ\rمتى ما يَقُلْ لا يكذب القولَ فِعلُه ... سريع إلى الخيرات غير قَطوبِ\rوعاتكة هذه، هي أخت سعيد بن زيد، أحدِ العشرة الذين شهد لهم النبي، صلى الله عليه وسلم، بالجنَّة، وكانت تحت عبد اللّه بن أبي بكر، فأصابه سهْمٌ في غَزوَة الطائف فمات منه، فتزوجها عمر، رضي اللّه عنه، فقُتِل عنها، فتزوجها الزبير ابن العوام فقُتِلَ عنها، فكان علي، رضي الله عنه يقول: من أحبَّ الشهادة الحاضرة فليتزوج بعاتِكة!\rومن كلام عثمان بن عفان\rرضي اللّه عنه:\rما يَزَعُ اللَهُ بالسُلْطانِ، أكثَرُ مما يزعُ بالقرآن. سيجعلُ الله بعد عُسْرٍ يسراً، وبعد عِي بياناً، وأنتم إلى إمام فعَال، أحوجُ منكم إلى إمام قَوَّال، قاله في أول خلافته وقد صعد المنبر وأُرْتِج عليه.\rوكتب إلى علي، رضي اللّه عنه، وهو مَحْصُور: أمّا بعد، فقد بَلغ السَّيْلُ الزُبَى، وجاوز الحزامُ الطبْيَيْنِ، وطمع فيَ مَنْ كان لا يَدْفع عنه نفسه، ولم يعجزك كلئيم، ولم يغْلِبْك كمغَلَّب؛ فأَقبِلْ إليّ، معي كنت أو علي، على أيّ أمرَيْك أحببت الطويل:\rفإن كنتُ مأكْولاً فكُنْ أنت آكِلي ... وإلاّ فأَدْرِكْني ولَما أُمزَّقِ\rوهذا البيت للممزَّق العبدي، وبه سمي الممزّق، واسمه شأس، وإنما تمثّل به عثمان، رضي اللّه عنه؛ وحذّاق أحل النظر يدفعون هذا، ويستشهدون على فساده بأحاديث تُناقِضه ليس هذا موضعها.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"قالوا: وكان عثمان، رضي اللّه عنه، أتقَى لله أن يَسعى في أمره عليّ، وعليّ أتقى للّه أن يسعى في أمرِ عثمان، وهذا من قوله عليه السلام: أشقَى الناس مَن قتله نبي أو قَتل نبيًّاً.\rومن كلام عثمان، رضي الله عنه وأكرم نزله، وقد تنكر له الناس: أمر هؤلاء القوم رعاع عير، تطأطأت لهم تطأطأ الدلاء، وتلددت لهم تلدد المضطر، رأيتهم ألحف إخواناً، وأوهمني الباطل لهم شيطاناً. أجررت المرسون رَسَنَه، وأبلغت الراتع مسعاته، فتفرقوا عليّ فرقاً ثلاثاً، فصامتٌ صمته أنفذ من صَولِ غيره، وشاهد أعطاني شاهده ومنعني غائبه، ومتهافِتّ في فتنة زُيِّنَت شي قلبه، فأنا منهم بين ألسُنِ لِدَاد، وقلوب شداد، عذيري الله منهم، ألا ينهى عالم جاهلاً، ولا ينذر حليم سفيهاً؟ واللّه حسبي وحسبهما يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.\rسئل الحكم بن هشام فقال: كان واللّه خيار الخيرة، أمير البررة، قتيل الفجرة، منصور النصرة، مخذول الخذلة، مقتول القتلة.\rونظيرُ البيت الذي أنشده قولُ صخر الجعد: الطويل:\rفإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... فإنّ منايا القوم أكْرم من بعضِ\rقال المتوكل: أتيت بأسارى، فسمعت امرأة منهم تقول: الوافر:\rأمير المؤمنين سَمَا إلينا ... سَمُو الليث أخرجه العريفُ\rفإنْ نَسْلَمْ فعونَ اللَّه نرجو ... وإن نقْتَلْ فقاتِلُنا شريفُ\rوقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يُعرف لعثمان شعر، وأنشد له بعضهم: الطويل:\rغِنَى النفسِ يُغْني النفسَ حتى يكُفَّها ... وإنْ عضهَا حَتى يضرَّ بها الفَقْرُ\rوما عُسْرَةٌ فاصْبِرْ لها إن تَتَابَعَتْ بباقيةٍ إلاَّ سيتبعها يُسْرُ\rوقول عثمان، رضي الله عنه فيما روى: ولم يغلبك كمغلَّب من قول امرئ القيس: الطويل:\rفإنكَ لم يَفخَرْ عليك كفاخر ... ضعيفٍ ولم يَغْلِبك مِثْل مغَلَّبِ\rوقال أبو تمام وذكر الخمر: الكامل:\rوضعيفةٌ فإذا أصابَتْ فُرصة ... قَتَلَتْ، كذَلك قُدْرَةُ الضُّعَفاءِ\rمن كلام عليّ بن أبي طالب\rرضي اللّه عنه\rلا تَكُن ممن يَرْجُو الآخرة بغير عمل، ويؤخّرُ التوبةَ لطولِ الأمَل، ويقولُ في الدنيا بقول الزاهدين، ويعملُ فيها بعمل الراغبين، إنْ أُعطيَ منها لم يشبع، وإن مُنِح لم يَقنع، يعجز عن شُكرِ ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بَقِي، يَنْهى ولا يَنتهي، ويأمر بما لا يَأْتي، يحبُّ الصالحين ولا يعمل أعمالهم، ويبغِضَ المسيئين وهو منهم؛ يكره الموتَ لكثرة ذنوبه، ويقيمُ على ما يكرهُ الموت له، إن سقم ظَلَّ نادماً، وإن صحَ أَمِنَ لاهِيا، يُعْجَب بنفسه إذا عُوفي، ويَقْنَطُ إذا ابتلي، تغلِبُه نفسُهُ على ما يظن، ولا يَغلبُهَا على ما يستيقن، ولا يَثِقُ من الرزق بما ضمِنَ له، ولا يَعْمَل من العمل بما فُرِض عليه، إن استغنى بَطِر وفُتن، وإن افتقر قَنِطَ وحَزِن، فهو من الذّنب والنعمة موقَر، يبتغي الزيادة ولا يَشكر، ويتكلّف من الناس ما لم يُؤْمر، ويضيع من نفسه ما هو أكثر، ويُبَالغ إذا سأل، ويقصر إذا عمل، يخشى الموتَ، ولا يبادِر الفَوْتَ، يستكثر من معصية غيره ما يستقلُّ أكثره من نفسه؛ ويستكثرُ من طاعته ما يستقلّه من غيره، فهو على الناس طاعِن، ولنفسه مداهن، اللَغْوُ مع الأغنياء أحَب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيرِه لنفسه، ولا يحكمُ عليها لغيره، وهو يُطَاع ويَعْصِي، ويستوفي ولا يُوفي.\rوسُئِل، رضي اللّه عنه، عن مسألة فدخَلَ مبادراً، ثم خرج في حذاء ورداء، وهو يتبسّم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك كنت إذا سُئِلْت عن مسألة كنت فيها كالسِّكة المُحْماة! فقال: إني كنت حاقناً ولا رَأيَ لحاقن، ثم أنشأ يقول: المتقارب:\rإذا المشكلاتُ تصدَّيْنَ لي ... كشفتُ حقائِقَها بالنَّظَرْ\rوإن برقَتْ في مَخِيل الصوا ... ب عَمْيَاءُ لا تجتليها الذكر\rمقنعةً بأُمور الغيوب ... وضعت عليها صَحيحَ الفكَرْ\rلساناً كَشِقْشِقَةِ الأرحبيّ ... أو كالحسام اليَماني الذَّكَرْ\rوقلباً إذا استنطقته العيون ... أمرّ عليها بواهي الدرر","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"ولستُ بإمّعة في الرّجال ... أُسائل عن ذَا وذَا ما الخبر\rولكنني ذَرِبُ الأصغرَيْنِ ... أبيِّن مَعْ ما مضى ما غبرْ\rوقال معاوية، رضي اللّه عنه، لضِرار الصُدَائي: يا ضرار، صِفْ لي علياً، فقال: أعْفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، فقال: أما إذ أذنت فلا بدَّ من صفته: كان والله بعيدَ المَدَى، شديدَ القُوَى، يقولُ فَصْلاً، ويحكمُ عَدْلاً، يتفجرُ العلمُ من جوانبه، وتنطقُ الحكمةُ من نواحيه، يستَوْحِشُ من الدنيا وزهْرَتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان واللّه غزيرَ الدَمْعَة، طويل الفكرة، يقلبُ كفَّهُ، ويخاطب نفسه، يُعْجِبُهُ من اللِّباس ما قَصُرَ، ومن الطعام ما خشُنَ، وكان فِينا كأحدِنَا، يُجيبُنَا إذا سألناهُ، وينْبِئُنَا إذا أسْتَنْبَأْنَاهُ، ونحن - مع تقريبِهِ إيَّانا، وَقُرْبه منّا - لا نكادُ نكلمه لهيبته، ولا نَبْتَدِئُهُ لعظمته، يعظمُ أهل الدين، ويحب المساكينَ، لا يطمعُ القويُّ في باطله، ولا يَيْأسُ الضعيفُ من عدلِهِ، وأشهدُ لقد رأيتهُ في بعض مواقفه، وقد أرْخَى الليلُ سُدُولَه، وغارت نجومُهُ، وقد مَثَلَ في محرابه، قابضاً على لحيته يَتَملْمَلُ تململَ السليم، ويبكي بُكاء الحزين، ويقول: يا دُنيا، إليكِ عَنِّي! غُرِّي غَيْرِي، ألِي تَعَرَضْتِ، أمْ إليَّ تشوَّفْتِ؟ هيهات! قد باينتكِ ثلاثاً، لا رَجعَةَ لي عليك؛ فَعُمْرُكِ قصيرٌ، وخَطَرُكِ حَقِير، وخطبُكِ يسير؛ آهِ من قلّة الزاد، وبُعْدِ السفرِ، وَوَحْشَةِ الطريق! فبكى معاوية حتى أخْضَلَتْ دُموعُهُ لحيتَهُ؛ وقال: رَحِمَ اللَهُ أبا الحسن! فلقد كان كذلك، فكيفَ حُزْنُكَ عليه يا ضِرَار؟ قال: حُزْنُ مَنْ ذُبحَ وَاحِدُهَا في حِجْرِها! وقال عليّ، رضوان الله عليه: رَحِمَ اللَّهُ عبداً سَمِعَ فوَعَى، ودُعِيَ إلى الرشاد فَدَنا، وأخذ بحُجْزَة هَادٍ فنجا، وراقبَ رَبَّه، وخافَ ذَنْبَهُ، وقدَّم خالصاً، وعملَ صالحاً، واكتسبَ مَذْخُوراً، واجتنب محذوراً، ورمى غَرضاً، وكابرَ هوَاهُ، وكذَب مُنَاهُ، وحذرَ أجلاً، ودَأب عملاً، وجعلَ الصبرَ رغبةَ حياته، والثقَى عُدَّةَ وفاته، يُظهِرُ دون ما يكتُمُ، ويكتفي بأقل مما يعلم، لزمَ الطريقة الغرَّاء، والمحجة البيضاء، واغتنمَ المهلَ، وبادرَ الأجَلَ، وتزَوَدَ من العَمل.\rولما رَجع، رضي اللّه عنه، من صِفَين، فدخلَ أوائلَ الكوفة إذا قَبْرٌ، فقال: قَبْرُ مَنْ هذا؟ فقيل: خباب بن الأرَتِّ، فوقفَ عليه، وقالَ: رحم الله خَبَّاباً! أسلمَ رَاغِباً، وهاجرَ طائعاً، وعاشَ مجاهِداً، وابْتُلِيَ في جسمه أحوالاً، ولن يضيع اللَهُ أجرَ مَنْ أحسَنَ عملاً.\rومضى فإذا هو بقبور، فوقف عليها، وقال: السلامُ عليكم أهلَ الديار المُوحِشة، والمحال المقْفِرَةِ، أنتم لنا سَلَف، ونحنُ لكم تُبع، وبكم - عمّا قليل - لاحِقُون؛ اللهمَ اغْفِرْ لنا ولهم، وتجاوزْ عنَا وعنهم بعَفْوِكَ؛ طُوبى لمن ذكرَ المَعَاد، وعَمِلَ للحساب، وقَنِعَ بالكَفَاف. ثم التفت، رضي الله عنه، إلى أصحابه، فقالَ: أما إنهم لو تكلَمُوا لقالوا: وَجدْنا خيرَ الزادِ التقْوَى.\rوذَمَّ رجُلٌ الدنيا بِحَضْرَةِ علي، رضي الله عنه، فقال: دارُ صِدْق لمن صدقها، ودَارُ نجاةِ لمن فهم عنها، ودارُ غِنًى لمن تزوَدَ منها، مهْبِط وَحْيِ اللَهِ، ومُصلَى ملائكته، ومَسْجِد أنبيائه، ومَتْجَرُ أوليائه، رَبِحُوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذقها، وقدْ آذَنتْ بِبيْنهَا، ونادت بِفِرَاقها، وذكَّرَتْ بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيباً وترهيباً، فيأيهَا الذام لها، المعقَل نفسه بغرورها، متى خدٌعتْكَ الدُّنيا؟ أم بماذا أسْتَذَمَتْ إليك، أبِمَصْرًع آبائكَ في البلى؟ أم بِمَضْجَع أُمهاتك في الثرَى، كم مرضت بكفيك، وكم عللت بيديك، تطلبُ له الشفاء، وتستوصفُ الأطباء، غَداةَ لا ينفعُه بكاؤك، ولا يُغْنِي دواؤك.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"فقر من كلامه رضي اللّه عنه: البشاشة فخ المودة. والصبر قبر المغبون. والغالبُ بالظلم مغلوب. والحجَر المغصوبُ بالدار رهن بخرابها. وما ظفرَ مَن ظفرت به الأيام. فسالِمْ تَسْلَم. رَأْيُ الشيخ خيرٌ من مَشْهَدِ الغلام. الناس أعداءُ ما جهلوا. بقيةُ عمر المؤمن لا ثَمن لها، يدرك بها ما أفات ويُحْيي ما أمات. نقل هذا الكلام بعضُ أهلِ العصر، وهو أبو الفتح عليّ بن محمد البستي البسيط:\rبقيةُ العمر عندي ما لها ثمن ... وإن غَدَا وهو محبوب من الثمنِ\rيستدرك المرءُ فيها ما أفات ويح ... ييِ ما أمات ويَمْحُو السوءَ بالحسَنِ\rالدنيا بالأموال، والآخرة بالأعمال. لا تخافَنّ إلاَّ ذنبك، ولا ترجُوَنَّ إلاَّ ربّك. وجهُوا آمالكم إلى مَنْ تحبّه قُلوبُكم. الناسُ من خَوْف الذلّ في الذلّ. مَنْ أَيْقَنَ بالخُلْفِ جاد بالعطية. بقيَّةُ السيفِ أنْمَى عَدَداً، وأنْجَبُ ولداً - وقد تبيّنت صِحَّة ما قال في بنيه وبني المهلب - إنَ من السكوت ما هو أبْلَغُ من الجواب. الصبرُ مَطِيَّة لا تَكْبُو، وسَيْفٌ لا يَنْبُو. خَيْرُ المالِ ما أغنَاك، وخيرٌ منه ما كَفاك، وخير إخوانك مَنْ واساك، وخيرٌ منه من كفاك شرّه.\rوقال بعضُ أهل العصر ما يشاكِل هذا وهو أبو الحسن محمد بن لَنككٍ البصري: مجزوء الخفيف:\rعَدِّيا في زماننا ... عَنْ حَدِيثِ المكارمِ\rمَنْ كفى الناسَ شرَّهُ ... فهو في جُودِ حاتِمِ\rأبو الطيب: البسيط:\rإنَّا لَفي زَمَنٍ تَرْكُ القَبيحِ بهِ ... من أكْثَرِ الناس إحْسَان وإجْمَالُ\rإذا قدرت على عدوّك فاجْعَلِ العفوَ عنه شكراً للقُدْرة عليه. قيمةُ كلِّ امرئ ما يحسن.\rذكر أبو عثمان عمروُ بن بَحْرٍ الجاحظُ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال: فلو لم نَقِفْ من هذا الكتاب إلاَّ على هذه الكلمة لوجدناها شافية، كافية، ومجْزِية مُغْنِيةً، بل لوجدناها فاضلة عن الكِفاية، غير مقصِّرة عن الغاية، وأفضلُ الكلامِ ما كان قليلُه يُغْنِيك عن كثيره، ومعناه ظاهراً في لَفْظِه، وكأنَ اللّه قد ألْبَسه من ثيابِ الجلالة، وغشَاه من نُورِ الحكمة، على حَسَب نِيَّة صاحبه، وتَقْوَى قائله، فإذا كان المعنى غريفاً، واللفظ بليغاً، وكان صحيح الطبع، بعيداً من الاستكراه، منزَّهاً عن الاختلال، مَصُوناً عن التكلف؛ صَنَع في القلوب صَنِيعَ الغَيْثِ في الترْبَةِ الكريمة، ومتى فصِّلَت الكلمةُ على هذه الشريطة، ونَفَذَت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها اللّه، عزَ وجل، من التوفيق، ومنَحَها من التَأْييد، ما لا يمتنعُ من تعظيمها به صدورُ الجبابرة، ولا يذهل عن فَهْمِها معه عقولُ الجهلة.\rومن دُعائه، رضي اللّه عنه في حروبه: اللهمَ أَنْتَ أَرْضى للرضا، وأسْخَط للسُخْطِ، وأقدر على أن تغيّر ما كرهت، وأعلم بما تقدر، لا تُغْلَب على باطل، ولا تعجز عن حق، وما أنت بغافل عمّا يعمل الظالمون.\rوقال علي رضي اللّه عنه: الطويل:\rلِمَنْ رايةٌ سَوْداءُ يَخْفق ظِلُها ... إذا قيل قَدِّمْها حُضَيْنُ تقدَّما\rفيوردها في الصَّف حتى تردّها ... حياضُ المنايا تقطُر الموتَ والدَّما\rجزى الله قوماً قاتلوا في لقائهم ... لدى الروعِ قوماً ما أعزَّ وأكْرَما\rوأطيب أخْباراً وأفْضَلَ شِيمةً ... إذا كان أصواتُ الرجال تَغَمْغُما\rحضين الذي ذكره هو: أبو ساسَان الحضينُ بنُ المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي، وكان صاحب رايَتِه يومَ صِفّين.\rويروى عنه أنه قال بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها: الطويل:\rأرى عِلَلَ الدنيا عليَّ كثيرةً ... وصاحِبُها حتى المماتِ عليلُ\rلكل اجتماع من خليلين فُرْقَةٌ ... وإن الذي دُون المماتِ قليل\rوإنْ افتقادي فاطماً بعد أحمدٍ ... دليل على ألاَ يدومَ خَليلُ\rولما قتَل عمرو بن عبد وُدّ سقط فانكشفَتْ عَوْرَته، فتنحَى عنه وقال: الكامل \"\rآلى ابنُ عبد حين شَد أليّةًوحلفْتُ فاستمعوا من الكذاب\rألاَّ بِفر ولا يملل فالتقى ... أسَدَان يضْطَرِبان كل ضِرَابِ","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"اليوم يمنعني الفرارَ حفيظتي ... ومصمَمٌ في الرَأسِ ليس بنَابِ\rأعرضْتُ حين رأيتُه متقطراً ... كالجِذْع بين دَكادكٍ ورَوَابي\rوعففتُ عن أثوابه ولَوَ أنني ... كنت المقطّر بَزني أثوابي\rنَصر الحجَارة من سفاهة رَأيه ... ونَصَرْتُ دينَ محمد بصواب\rلا تحسبُنَّ اللَهَ خاذلَ دينهِ ... ونبيه يا مَعْشَرَ الأحزاب\rفي أبيات غير هذه، وبعضُ الرواة يَنْفيها عن علي رضي الله عنه.\rوعمرو هذا هو: ابن عبد وُد بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وكان قد جَزَع المذاد، وهو موضع حُفر فيه الخندقُ يومَ الأحزاب، وفي ذلك يقول الشاعر: الكامل:\rعمرو بن ودٍّ كان أولَ فارسٍ ... جَزَع المذادَ وكان فارسَ يَلْيَل\rولما صار مع المسلمين في الْخَندَق دعا إلى البراز، وقال: مجزوء الكامل:\rولقد بَحِحْتُ من الندا ... ء بجمعهم هَلْ مِنْ مُبارِزْ\rووقفْتُ إذ نكلَ الشجا ... ع بموقْفِ البَطَلِ المُنَاجِزْ\rإني كذلك لم أزلْ ... متسرَعاً نحو الهَزاهز\rإنَّ السماحة والشجا ... عةَ في الفتى خيرُ الغرائزْ\rفبرز علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: يا عمرو، إنك عاهدت اللّه لقريش ألاَ يدعوك أحدٌ إلى خلتين إلاّ أخذت إحداهما، فقال: أجل! قال: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجَةَ لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى المبارزة، فقال: يا ابن أخي، ما أُحِبُّ أن أقْتُلَك! قال علي: لكني واللَهِ أُحِبُّ أن أقتلك، فحمِيَ عمرو، فاقتحم عن فرسه وعَرْقَبه ثم أقبل إلى علي: الكامل:\rفتجاوَلاَ كغمامتين تكنفتْ ... مَتْنَيهما رِيحاً صَباً وشَمالِ\rفي موقف كادت نفوسُ كُماتِه ... تُبْتَزُ قَبْلَ تَوَرُدِ الآجالِ\rوعلت بينهما غبرة سترتْهُما فلم يرع المسلمين إلاَّ التكبيرة فعلموا أنَّ عليًّاً قتله.\rولما قُتل عمرو جاءت أخته فقالت: مَن قتَله؟ فقيل: علي بن أبي طالب، فقالت: كٌفء كريم! ثم انصرفت وهي تقول: البسيط:\rلو كان قاتلُ عمرو غيرَ قاتلهِ ... لكنت أبكي عليه آخرَ الأبدِ\rلكنَ قاتلَه من لا يُعابُ بهِ ... وكان يُدْعَى قديماً بَيْضَةَ الْبَلَدِ\rمن هاشمٍ في ذراها وَهْيَ صَاعِدَة ... إلى السماء تُمِيتُ الناسَ بالحسَدِ\rقومٌ أبى اللّه إلاَّ أن يكونَ لهم ... مكارمُ الدِّينِ والدُنيا بلا أمَدِ\rيا أم كلثوم بَكَيهِ ولا تَدَعِي ... بكاءَ مُعْوِلَةٍ حَرَى على وَلَدِ\rأم كلثوم: بنت عمرو بن عبد وُد. وبيضة البلد تَمْدَحُ به العربُ وتَذُم؛ فمن مَدَح به جعله أصلاً، كما أن البيضة أصلُ الطائِرِ. ومن ذم به أراد أنْ لا أصل له. قال الراعي يهجو عديّ بن الرقاع العاملي: البسيط:\rيا من تَوَعَدني جَهْلاً بكثرتِهِ ... متى تهدّدني بالعزِّ والعدَدِ\rأنت امرؤ نال من عِرْضِي وعزّتُه ... كعزة العَيْرِ يَرْعَى تَلْعَةَ الأسَدِ\rلو كنتَ من أحدٍ يهجَى هجوتكُمُ ... يا ابن الرّقاع ولكن لَسْتَ من أحدِ\rتأبى قُضاعةُ أن تَرْضَى لكُمْ نسباً ... وابنا نزارٍ؛ فأنتُمْ بيْضَةُ البلدِ\rوقال أبو عبيدة: عاملة بن عدي بن الحارث بن مرة بن أد بن زياد ابن يشجب، يُطْعَنُ في نسبه من قحطان، ويقال: هو عاملة بن معاوية بن قاسط ابن أهيب؛ فلذلك قال الراعي هذا. ويقال: إن جندل بن الراعي قالها، وقد قال يحيى بن أبى حفصة الأموي في عاملة الطويل:\rولسنا نُبالي نَأْيَ عاملةَ التي ... أجَدَ بها من نحو بُصْرَى انحدارُها\rتدافَعَها الأحياءُ حتى كأنها ... ثياب بدا للمشترين عَوَارُها\rقذفنا بها لَمَّا نأتْ قَذْف حاذف ... بسودِ حصًى خَفَتْ عليه صِغَارُهَا\rويشبه قول علي رضي اللّه عنه وعففت عن أثوابه قولَ عنترة بن شداد العبسي الكامل:\rهلاَّ سألتِ الخيلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ... إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمي","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"يُخْبِرك مَن شَهِدَ الوقيعةَ أنني ... أغْشَى الوغَى وأعِف عند المغْنَمِ\rوقال حبيب بن أوس الطائي البسيط:\rإن الأسُوْدَ أُسودَ الغابِ هِمَّتُها ... يومَ الكريهة في المَسْلُوبِ لا السَلَبِ\rقد علقت بذيل ما أوْردته، وألحقت بطرف ما جردته، من كلام سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأخيار الطيبين الطاهرين، قطعةً من كلام الخلفاء الراشدين، قدمتها أمام كلّ كلام، لتقدمهم على الْخَلْق، وأخذهم بقصَبِ السَبْقِ، وهم كما قال بعضُ المتكلِّمين يصف قوماً من الزهّاد الواعظين، جَلَوْا بكلامهم الأبصارَ العليلة، وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة، ونبهوا القلوبَ من رَقدَتِها، ونَقَلوها عن سوء عادَتها، فشفَوْا من داء القسوة، وغَبَاوة الغَفْلَةِ، وداوَوْا من العيِّ الفاضح، ونهجُوا لنا الطريقَ الواضح. وآثَرْت أن ألحق بعد ذلك جملةً من سليم كلام سائر الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم أجمعين، وأدرج في دَرج كلامهم وأثناء نثرِهم ونظمهم، ما التفَّ عليه والتفّت إليه، وتعلَّق بأغصانه، وتشبَّثَ بأفْنَانِهِ، كما تقدّم، وأخرج إلى صفات البلاغات، وآخُذ بعد ذلك في نظم عقود الآداب، ورَقْمِ برود الألباب: البسيط،\rمن كل معنًى يكاد الميتُ يَفْهَمُه ... حُسناً ويَعْبُدُهُ القِرْطَاسُ والقلمُ\rمن كلام الصحابة والتابعين\rقال معاوية بن أبي سفيان رحمه الله: أَفْضَلُ ما أُعْطِيَ الرجلُ العَقْلُ والحلمُ، فإذا ذُكّر ذكَر، وإذا أساء استغفر، وإذا وَعَد أنجز.\rوصف معاويةُ الوليدَ بن عُتْبة فقال: إنه لبعيد الغَوْر، ساكن الفور، وإن العُودَ من لِحَائه، والولد من آبائه، واللّه إنه لنبات أصل لا يخلف، ونجل فَحْل لا يقرف.\rومرض معاويةُ مرضاً شديداً فأرْجَف به مَصقلة بن هُبيرةَ وساعَده قَوْمٌ على ذلك، ثم تماثل وهم في إرجافهم، فحمل زياد مَصقلة إلى معاوية وكتب إليه: إنه يَجْمَعُ مرَاقاً من العرَّاق فيُرْجِفُون بأمير المؤمنين، وقد حملتُه إليه ليَرَى رأيه فيه \" .\rفقدم مَصْقَلة وجلس معاويةُ للناس؛ فلمَا دخل عليه قال: ادْنُ مني فَدَنا منه، فأخذَهُ بيده فجذَبه فسقط مَصْقَلة، فقال معاوية: مجزوء الكامل\rأبقى الحوادثَ من خلي ... لك مِثْلَ جَنْدَلةِ المرَاجِمْ\rصُلباً إذا خَار الرجا ... لُ أبل ممتنِعَ الشكائمْ\rقد رامني الأعداء قب ... لك فامتَنَعْتُ عن المظالمْ\rقال مصقلة: يا أمير المؤمنين، قد أبقى اللّه منكَ ما هو أعظَمُ من ذلك بطشاً وحِلماً راجحاً وكلأً ومرعًى لأوليائك، وسُمَاً ناقعاً لأعدائك، كانت الجاهلية فكان أبوك سيّدَ المشركين، وأصبح الناس مسلمين؛ وأنت أميرُ المؤمنين، وقام.\rفوصله معاوية، وأذن له في الانصراف إلى الكوفة. فقيل له: كيف تَرَكتَ معاوية؟ فقال: زعمتم أنه لما به، والله لقد غمزني غمزة كاد يَحْطِمُني، وجذَبَني جَذْبَة كاد يكسر عُضْواً مني! ودخل الأحنفُ بن قيس على معاوية وافداً لأهلِ البصرة، ودخل معه النَمر بن قُطْبة، وعلى النمر عباءة قَطَوَانية، وعلى الأحنف مِدرَعَةُ صوف وشَملة، فلمَا مثلا بين يدي معاوية اقتحمَتْهُمَا عينُه؛ فقال النمر: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ العباءة لا تكلَمك، وإنما يكلمك مَنْ فيها! فأومأ إليه فجلس، ثم أقبل على الأحنف فقال: ثم مَه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أهلُ البصرة عدد يسير، وعَظْمٌ كسير، مع تتابع من المُحُول، واتصالٍ من الذُحول فالمكْثِرُ فيها قد أطرق، والمُقلُّ قد أمْلَق، وبلغ منه المُخنق؛ فإنْ رَأى أميرُ المؤمنين أن ينعشَ الفقيرَ، ويَجْبُرَ الكسير، ويسهل العسير، ويَصْفَح عن الذُحول، ويُدَاوِي المُحول، ويأمر بالعَطَاء؛ ليكشف البَلاَء، ويُزِيل اللأواء. وإنَ السيدَ من يعم ولا يخص ومَنْ يدعو الجَفَلَى، ولا يَدْعُو النَقَرَى، إنْ أحْسِنَ إليه شكر، وإنْ أسِيءَ إليه غَفَرَ، ثم يكون وراء ذلك لرعيته عِمَاداً يَدْفعُ عنها المُلّمات، ويكشفُ عنهم المعضلات.\rفقال له معاوية: ها هنا يا أبا بحر ثم تلا: \" وَلَتَعْرِفَنَهُمْ في لَحْنِ الَقْوْل \" .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"ومن جميل المحاورات ما رواه المدائني، قال: وَفَدَ أهل العِراق على معاوية، رحمه اللّه، ومعهم زيادٌ، وفيهم الأحنف، فقال زياد: يا أميرَ المؤمنين، أَشْخَصَتْ إليك أقْوَاماً الرغبةُ، وأقعد عنكَ آخرين العُذْرُ، فقد جعلَ الله تعالى في سَعَة فضلك ما يُجْبَرُ به المتخلّف، ويكافأُ به الشاخص. فقال معاوية: مرحباً بكم يا معشر العرب، أما والله لئن فَرَّقَتْ بينكم الدعوة، لقد جمعتكم الرَحِم؛ إن الله اختاركم من الناس ليختارَنا منكم، ثم حفظ عليكم نَسَبَكُمْ بأن تخيَّر لكم بلاداً تجتاز عليها المنازل، حتى صفَاكم من الأُمم كما تُصَفَّى الفضةُ البيضاء من خَبَثِهَا؛ فصونوا أخلاقكم، ولا تُدنسُوا أنسابَكم وأعراضَكم، فإن الحسنَ منكم أحسَنُ لِقُرْبكم منه، والقبيح منكم أقبح لبعدكم عنه.\rفقال الأحنف: واللّه يا أمير المؤمنين، ما نَعْدَم منكم قائلاً جزيلاً، ورأياً أصيلاً، ووعداً جميلاً؛ وإن أخاك زياداً لمتبعٌ آثارَك فينا، فنستمتع اللّه بالأمير والمأمور، فإنكم كما قال زُهَيْر، فإنه ألقى على المدَاحين فصول القول: الطويل\rوما يكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آباءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ\rوهَلْ يُنْبِتُ الْخَطَيَّ إلاَّ وَشِيجُهُ ... وتُغْرِسُ إلاَ في مَنَابِتِهَا النَخْلُ؟\rوهذان البيتان لزهير بن أبي سلمى المزني في قصيدة يقول فيها:\rوفيهِمْ مقامَات حِسَانٌ وُجُوهُهَا ... وَأَنْدِيًةٌ يَنتابُهَا الْقَوْلُ والْفعْلُ\rعَلَى مُكْثِريهِمْ رزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِم ... وعندَ المُقلَينَ السَّمَاحَةُ والْبَذْلُ\rسَعَى بَعْدَهُمْ قَوْم لِكَيْ يُدْرِكُوهُم ... فلم يفعلوا ولم يُلِيمُوا ولم يَأْلُوا\rقال بعضُ أهل العلم بالمعاني: أعْجِبْ بقوله: ولم يألوا؛ لأنه لما ذكر السعي بعدهم، والتخلّف عن بلوغ مساعيهم، جاز أن يتوهّم السامع أن ذلك لتقصير الطالبين في طلبهم؛ فأخبر أنهم لم يألوا، وأنهم كانوا غيرَ مقصرين وأنهم - مع الاجتهاد - في المتأخرين؛ ثم لم يَرْضَ بأن يجعل مجدَهُم طارفاً فيهم، ولا جديداً لديهم، حتى جعله إرْثاً عن الآباء، يتوارَثَهُ سائرُ الأبناء، ثم لم يَرْضَ أن يكون في الآباء حتى جعله موروثاً عن آبائهم، وهذا لو تكلفه متكلّف فتي المنثور دون الموزون لما كان له هذا الاقتدار مع هذا الاختصار.\rوكانت قريشٌ معجبةً بشعر زُهَيْر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنَا قد سمعْنا كلامَ الخطباء والبلغاء، وكلامَ ابن أبي سلمى، فما سمعْنا مثلَ كلامه من أحد؛ فجعلوا ابنَ أبي سُلْمَى نهايةً في التجويد، كما ترى.\rوذُكِرَ أن عمرَ بن الخطاب، رضي الله عنه قال: إن من أشعر شعرائكم زُهَيراً، كان لا يُعاظل بين الكلام، ولا يتبع حُوشيهُ، ولا يمدح الرجلَ إلا بما يكون في الرجال.\rوأخذ معنى قولِ زُهَير:\rسعى بعدهم قوم لكي يدركوهم\rطُرَيْحُ بن إسماعيل الثَّقَفي، فقال لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي السفاح: المسرح\rقَدْ طَلبَ الناسُ ما بلغْتَ ولَم ... يَأْلُوا فما قَارَبوا وقَدْ جَهِدُوا\rفهم مُلوك ما لم يَرَوْكَ، فإن ... لاحَ لهمْ مِنْكَ بارقٌ خَمَدُوا\rتعروهُمُ رِعْدَةٌ لديكَ كما ... قُرْقِفَ تحت الدجُنَة الصَرِدُ\rلا خوفَ ظُلم ولا قِلَى خُلُق ... لكن جلاَلاً كَسَاكَهُ الصَّمدُ\rما يُبقك اللَهُ للأنام فَما ... يفقدْ من العالمين مفتقدُ\rوقال معاوية رحمه اللّه: المروءةُ: احتمال الجريرة.، وإصلاحُ أمر العشيرة؛ والنبلُ: الحلم عند الغضب، والعفوُ عند المقدرة.\rفِقَر من كلامه رضي الله عنه: ما رأيتُ تبذيراً قطُ إلاَّ وإلى جَنْبِه حق مُضَيع. أنْقَصُ الناسِ عَقْلاً مَنْ ظَلَم مَنْ هُو دُونَهُ. أولى الناس بالعَفْوِ أقدرُهم على العقوبة. التسلُط على المماليك مِنْ لُؤْمِ المقدرة وسوء المملكة.\rوقال يحيى بن خالد: ما حَسُنَ أدَبُ رجل إلاّ ساء أدبُ غِلْمانه.\rوقال معاوية: صلاحُ ما في يدك أسْلَم من طلب ما في أيدي الناس. غَضَبِي على مَنْ أمْلِك، وما غضبِي على مَنْ لا أَمْلِك؟","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"ولما تُوُفِّيَ معاويةُ رحمه الله واستُخْلِف يزيدُ ابنه اجتمع الناسُ على بابه، ولم يقدروا على الجمع بين تهنئة وتعزية، حنى أتى عبدُ الله بن همام السُّلولي، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، آجَرَك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعيَّة، فقد رُزئتَ عظيماً، وأُعْطِيتَ جسيماً، فاشْكُرِ اللّه على ما أُعطيت، واصبرْ له على ما رُزِيت؛ فقد فقدتَ خليفة الله، ومُنِحْتَ خِلافة الله؛ ففارقتَ جليلاً، وَوُهِبْتَ جزيلاً؛ إذْ قضى مُعاوِيةُ نَحْبه، فغفر اللّه ذَنْبَه؛ وولَيت الرياسة، فأُعطيت السياسة؛ فأوردك اللّه موارِدَ السرور، ووفقك لصالح الأمور، وأنشده: البسيط\rاصِبْرْ، يَزيدُ، فقد فارقْتَ ذا ثقة ... واشْكُرْ حِبَاء الذِي بالمُلْكِ أصْفاكا\rلا رُزْءَ أَصبَح في الأقوام نَعْلَمه ... كما رُزِئتَ ولا عُقْبَى كعُقْباكا\rأصْبحْتَ واليَ أمرِ الناسِ كلهم ... فأَنْتَ ترْعاهُمُ واللَّهُ يَرْعاكا\rوفي معاويةَ الباقِي لنا خَلفٌ ... إذا نُعيتَ ولا نسمعْ بمَنْعَاكا\rيريد أبا ليلى معاوية بن يزيد، وولَيَ بعد أبيه شهوراً، ثم انخلع عن الأمر، فقال لقائل: البسيط:\rوالملكُ بعد أبي ليلى لمن غلبا\rوأول مَنْ فتَحَ الباب في الجمع بين تهنئة وتعزية عبدُ الله بن همام، فَوَلجه الناس، ومن جيِّد ما قيل في ذلك قصيدةُ أبي تمام الطائي يمدح الواثقَ ويرثي المعتصم، يقول فيها: الكامل:\rإن أَصْبحَتْ هضباتُ قُدْسَ أزالها ... قدَرٌ فما زالتِ هِضابُ شمامِ\rأو يُفْتقدْ ذو النون في الهَيْجَا فقد ... دَفَعَ الإلهُ لنا عن الصَّمام\rأو كنت منا غاربا غدوا فقد ... رُحْنا بأسْمَى غَاربٍ وسنام\rتلك الرزيّةُ لا رزية مثلها ... والقَسْمُ ليس كسائرِ الأقسام\rوهذا المعنى كثير.\rوكان معاوية، رحمه الله، قد تركَ قولَ الشعرِ في آخر عمره، فنظر يوماً إلى جاريةٍ في داره ذات خَلْق رائع، فدعاها فوجدها بِكراً فافترعها، وأنشأ يقول: الوافر:\rسئمت غوايتي فأَرَحْتُ حِلمي ... وفيَّ عَلَى تحمّلِيَ اعتراضُ\rعلى أني أجيب إذا دَعَتْني ... ذواتُ الذَلِّ والْحَدق المِراضُ\rفِقرُ لجماعة الصحابة والتابعين\rرضي اللّه عنهم\rابن عباس: الرخصة من الله صدقة، فلا تردُوا صدقته. لكل داخل هيبة فابدأُوه بالتحية، ولكل طاعم حشمة فابدأُوه باليمين.\rابن مسعود رحمه اللّه: الدنيا كلها همومٌ، فما كان منها في سرور فهو ربح.\rعمرو بن العاص: مَن كثر إخوانه كَثُر غُرَماؤه. وقال: أكْرِمُوا سفهاءَكم، فإنهم يكفونكم العارَ والنار.\rالمغيرة بن شعبة: العيشُ في بقاء الْحِشْمَة. في كل شيء سَرَف إلاَ في المعروف.\rهذا كقول الحسن بن سهل - وقد أَنْفَقَ في دخول ابنته بُورَانَ على المأمون أموالاً عظيمة - فقيل له: لا خيرَ في السرف. قال: لا سَرَف في الخير. فَرَدَّ اللَفْظَ واستوفى المعنى.\rمُعاذ بن جبل: الدَين هَدْم الدَينِ.\rزياد: اِرضَ من أخيك إذا وُلِّيَ ولايةً بعُشْر ودَه قبلها.\rمصعب بن الزبير: التوَاضع من مصايد الشرف.\rالأحنف بن قيس: من لم يصبِرْ على كلمة سَمِعَ كلماتٍ! وقيل له: مَن السيد؟ قال: الذي إذا أَقْبَل هابوه، وإذا أَدبَر عَابُوه. وله: سِرُك مِنْ دَمِكَ. وله: مَنْ تَسَرَّع إلى الناس بما يَكْرَهون قالوا فيه ما لا يَعْلَمون. وله: الكامل مَنْ عُدَت هفواته.\rوقال يزيد بن محمد المهلبي: الطويل:\rمن ذا الذي تُرضَى سَجَاياه كلُها ... كَفَى المرء نُبْلاً أن تُعَدّ مَعَايبُهْ\rالحسن البصري: ألاَ تَسْتَحْيُونَ من طول ما لا تستحيون؟ ابنُ آدمَ راحِل إلى الآخرة كل يوم مرحلة. ما أَنْصَفَك مَنْ كلّفك إجلالَه، ومنعك مَالَه. بدن لا يشتكي مثل مَال لاَ يزكى. إن امرأ ليس بينه وبين آدَمَ أبٌ حي لمُعْرِق في الموتى.\rقال الطائيّ: الطويل:\rتأمَلْ رويداً هل تَعُدِّنَّ سالماً ... إلى آدم أو هل تُعَدُ ابنَ سالمِ؟\rوقال أبو نواس: الطويل:","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وما الناسُ إلاَ هالكٌ وتبنُ هالكٍ ... وذو نسبٍ في الهالكين عريقِ\rإذا امْتَحَنَ الدنيا لبيب تكشَّفَتْ ... له عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ\rوكان المأمون يقول: لو قيل للدنيا: صِفي نفسك ما عَدَت هذا البيت؛ وهو مأخوذ من قول مُزَاحم العقَيلي: الطويل:\rقَضَيْنَ الهوى ثم ارتَمَينَ قلوبَنَا ... بأَسْهُمِ أعداءً وهُنَّ صديقُ\rعمر بن عبد العزيز رحمه اللّه: ما الجزع مما لا بد منه؟ وما الطمع فيما لا يرجى؟ لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويواليه في السر.\rالشعبي: إني لأسْتَحْيي من الحقّ إذا عرفتُهُ أَلاَّ أرجعَ إليه.\rبعض ما قاله أهل البيت\rقطعة من كلام لبني علي بن أبي طالب أهْلِ البيتِ رضي اللّه عنهم: أهلِ الفضل والإحسان، وتلاوة القرآن، ونبعة الإيمان، وصُوَامِ شهر رمضان ولهم كلام يعرض في حَلْي البَيَانِ، ويُنْقَش في فصّ الزمان، ويُحْفَظُ على وَجْهِ الدهر، ويَفْضَحُ قلائدَ الدُر، ويُخْجِلُ نورَ الشمس والبدر، ولمَ لا يطأون ذُيولَ البلاغة، ويَجرُون فضولَ البراعة، وأبوهم الرسولُ، وأُمُّهم البتول، وكلّهم قد غُذي بدَرّ الحُكم، ورُبِّيَ في حِجْر العلم: الكامل:\rما منهُمُ إلاَ مُرَبى بالحِجَى ... أو مُبْشَرٌ بالأَحْوَذِيةِ مُؤدَمُ\rآخر: المتقارب:\rنَمَتْهُ العَرانين مِنْ هاشِمٍ ... إلى النَّسَبِ الأصْرَحِ الأوْضَح\rإلى نَبْعَة فرْعُها في السماء ... ومَغْرِسُها في ذُرَى الأبْطَحِ\rوهم كما قال مسلم بن بلال العبدي - وقد قيل له: خطب جعفرُ بن سليمان خطبةً لم يرَ أحسن منها، فلا يُدرى أوَجهه أحسن أم خطبته؛ فقال: أولئك قوم بنور الخلافة يُشْرِقون، وبلسان النبوَّة ينطقون، وفيهم يقول القائل: الكامل:\rلو كانَ يُوجَدُ عَرْفُ مَجْدٍ قَبْلَهُمْ ... لَوَجَدْتُه منهمْ على أميالِ\rإن جئتَهُم أبْصَرْت بينَ بيوتِهِمْ ... كَرَماً يَقيكَ موَاقفَ التَّسْآلِ\rنورُ النبوّة والمكارم فيهمُ ... متوقّد في الشِّيبِ والأطفالِ\rوسُئِلَ سعيد بن المسيب: مَنْ أبلغُ الناس؟ فقال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فقال السائل: إنما أعني مَنْ دونه. فقال: معاوية وابنُه، وسعيد وابنه، وإنَ ابنَ الزبير لحسَنُ الكلام، ولكن ليس على كلامه ملح. فقال له رجل: فأين أنتَ من عليّ وابنه، وعباس وابنه؟ فقال: إنما عَنَيت من تقارَبَتْ أشكالُهم، وتدانَتْ أحوالُهم، وكانوا كسهَامِ الجَعبَةِ، وبنو هاشم أعلامُ الأنامِ، وحُكَّامُ الإسلام.\rفصل لأبي عثمان عمرو بن بَحْرٍ الجاحِظِ\rفي ذكر قريش، وبني هاشم\rقد علم الناسُ كيفَ كَرَمُ قريش وسخاؤها، وكيف عقولها ودهَاؤُها، وكيف رَأُيها وذكاؤها، وكيفَ سياستها وتدبيرُها، وكيف إيجازُها وتحبيرها، وكيف رجاحةُ أحلامها إذا خفَّ الحليم، وحدَّةُ أذهانها إذا كَل الحديد، وكيفَ صَبْرُها عند اللقاء، وثباتها في اللأْواء، وكيف وفاؤُها إذا استحْسِن الغَدْرُ، وكيفَ جُودُها إذا حُبَّ المالَ، وكيفَ ذِكرها لأحاديثِ غدٍ وقلّةُ صدودِها عن جهة القَصْدِ، وكيف إقرارُها بالحق، وصفها عليه، وكيف وصفُها له، ودعاؤها إليه، وكيف سماحة أخلاقها، وصونُهَا لأعراقها، وكيف وصلوا قديمَهم بحديثهم، وطريفَهم بتليدِهم، وكيف أشبه علانيتَهم سرُّهم، وقولَهم فِعْلُهم. وهل سلامةَ صدرِ أحدهم إلاَ على قدر بُعْدِ غورِه؟ وهل غفلته إلاَ في وزن صدق ظنّه، وهل ظنّه إلا كيقين غيره؟ وقال عمر: إنك لا تنتفع بعقله حتى تنتفع بظنّه.\rقال أوس بن حَجَر: المنسرح:\rالألْمَعي الذي يَظنُّ لك الظَّ ... ن كأنْ قَدْ رَأى وقّد سَمِعَا\rوقال آخر: المتقارب:\rمليح نجيح أخُو مازنٍ ... فصيح يُحَدِّثُ بالغائبِ\rوقال بلعاء بن قيس: الطويل:\rوَأَبْغي صَوَابَ الرًأي أعْلَمُ أنهُ ... إذَا طاش ظَن الْمَرء طاشَتْ مَقَادِرُه","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"بل قد علم الناس كيف جمالُها وقَوامُها، وكيف نماؤُها وبهاؤها، وكيف سَروها ونَجابتُها، وكيف بيانُها وجَهارتها، وكيف تفكيرها وبدَاهتها، فالعرَب كالبَدَن وقريشٌ روحها، وقريش روحٌ وبنو هاشم سرّها ولبها، وموضع غاية الدين والدنيا منها، وبنو هاشم مِلح الأرض، وزينة الدنيا، وحلى العالم، والسنام الأضخم، والكاهل الأعظم، ولُبابُ كل جوهر كريم، وسِرُ كل عُنْصُرِ شريف، والطينة البيضاء، والمغْرسُ المبارك، والنِّصاب الوثيق، ومَعْدن الفهْم، وينبوع العلْم، وثهْلان ذو الهضاب في الْحِلم، والسيفُ الْحُسام في العَزْم، مع الأناة والْحزْم، والصفح عن الجرم، والقصد عند المعرفة، والعفو بعد المقدرة، وهم الأنْفُ المقدّم، والسّنام الأكرم، وكالماء الذي لا ينجسه شيء، وكالشمس التي لا تَخْفَى بكل مكان، وكالذّهب لا يُعْرَفُ بالنقصان، وكالنجم للحًيْرَان، والبارد للظمآن، ومنهم الثّقَلان، والشهيدان، والأطيبان، والسبطان، وأسد الله، وذو الْجَناحَيْن، وذو قَرْنَيْها، وسَيّدُ الوادي، وساقي الحَجِيج، وحَلِيم البطحَاء، والبَحْر، والحبر، والأنصار أنصارهم، والمهاجرون مَنْ هاجر إليهم أو معهم، والصدِّيق مَنْ صدقهم، والفاروق من فَرّق بين الحقّ والباطل فيهم، والحواريُ حواريّهم، وذو الشهادتين لأن شَهِدَ لهم، ولا خيرَ إلاّ لهم أو فيهم أو معهم، أو يُضاف إليهم، وكيف لا يكونُون كذلك ومنهم رسولُ رب العالمين، إمامُ الأولين والآخرين، ونجيبُ المرسلين، وخاتَمُ النبيين، الذي لم يتمَّ لنبي نُبَوَّة إلاَ بعد التصديق به، والبشارة بمجيئه، الذي عم برسالته ما بين الخافِقين، وأظهره الله على الدين كلِّه ولَو كَرِهَ المُشْرِكُون؟.\rقال الحسن بن علي، عليهما السلام، لحبيب بن مسلمة الْفهْرِي: رُبَّ مَسِيرٍ لك في غيرِ طاعة الله! قال: أمَّا مَسِيري إلى أبيك فليس من ذلك! قال: بلى! أطعت فلاناً على دنيا يسيرة، ولعمري لئن كان قام بّك في دنياك لقد قعد بك في دينك، فلو أنك إذْ فعلتَ شرّاً قَلتَ خيراً كنت كمن قال الله عزَّ وجلّ: \" خَلَطُوا عَمَلاً صالحاً وآخَرَ سَيئاً عسى اللَّهُ أن يَتُوبَ عليهِمْ \" ولكنك كما قال: \" كَلاَ بَل رَانَ عَلَى قُلوبِهِمْ ما كانوا يَكْسِبُونَ \" .\rوكان الحسن عليه السلام جواداً، كريماً، لا يردُّ سائلاً؛ ولا يَقْطَع نائلاً، وأعْطى شاعراً مالاً كثيراً فقيل له: أتُعْطِي شاعراً يَعْصِي الرَّحْمن، ويطيع الشيطان، ويقول البُهْتَانَ؟ فقال: إنَّ خَيْرَ ما بَذلْتَ من مالك ما وَقَيْتَ به عِرْضَك، وإنّ من ابتغاءِ الخيرِ اتقاءَ الشرّ.\rوقد روى مثلُ ذلك عن الحسين، رضي الله عنه، وقيل: إنّ شاعراً مدحه فأجْزَلَ ثوابَه، فليمَ على ذلك، فقال: أتَرَاني خِفْتُ أن يقولَ: لست ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا ابن علي بن أبي طالب! ولكني خِفْتُ أن يقول: لست كرسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، ولا كعليّ، رضي الله عنه؛ فيُصَدَّقَ، ويُحْمَلَ عنه، ويبقى مُخَلَّداً في الكتب، محفوظاً على ألسنة الرُواة. فقال الشاعر: أنت واللّه يا بْنَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعرفُ بالمدح والذمِّ مني.\rولما تُوفِّي الحسن أدخله قَبْرَه الحسينُ ومحمدُ بن الحنفيَّة وعبدُ الله بن عباس رضي الله عنهم، ثم وقف محمدٌ على قبره وقد اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاه بالدموع، وقال: رَحِمَكَ اللَّهُ أبا محمد! فلئن عَزَتْ حياتك، لقد هَدَتْ وفاتُكَ، ولَنعْمَ الرُوحُ، رُوحٌ تضمَّنَه بَدَنُكَ؛ ولنعم الجسَدُ، جسَدٌ تضمَنَه كَفَنُك، ولنعْمَ الكَفَنُ، كَفَنٌ تضمّنه لَحْدُكَ، وكيف لا تكون كذلك وأنت سليلُ الهدى، وخامِسُ أصحابِ الكِسَاء، وخَلَفُ أَهْلِ التقى؟ جَدُّك النبيّ المُصْطَفى، وأبوك عليّ المرتضَى، وأُمُك فاطمةُ الزهراء، وعمّكَ جعفر الطيار في جنَّة المَأْوى، وغَذَتْكَ أَكُفُّ الحقّ، وَرُبِّيت في حِجْرِ الإسلام، ورضعت ثَدْيَ الإيمان، فطِبْتَ حيًّاً وميتاً؛ فلئن كانت الأَنْفُس غيرَ طَيبةٍ لفراقك؛ إنها غيرُ شاكَّةٍ أنْ قد خِيرَ لَك، وإنك وأَخاك لَسَيدَا شَبَابِ أهل الجنة، فعليكَ يا أبا محمد منا السلام.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وقام رجلٌ من ولد أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب على قَبْرِهِ، فقال: إن أقدامَكم قد نَقَلَت، وإنَّ أعناقكم قد حَمَلَتْ إلى هذا القبر وَلياً من أولياء اللّه يُبَشَرَ نبيّ الله بمقدمه، وتُفَتحُ أبوابُ السماء لروحه، وتبتهجُ الحورُ العِين بلقائه، ويَأنَسُ به سادةُ أهل الجنة من أُمَّته، ويوحِش أهلَ الحِجَا والدين فَقْدُه، رحمة اللّه عليه، وعنده تحْتَسَبُ المصيبةُ به.\rألفاظ لأهل العصر في\rذكر المصيبة بأبناء النبوّة\rقد نُعيَ سليل من سُلالة النبوة، وفَرْعٌ من شجرة الرسالة، وعُضوٌ من أعضاء الرسول، وجزءٌ من أجزاء الوصِيَ والبَتُول. كتبت وليتني ما كتبت وأنا ناعِي الفضل من أقطاره، وداعي المجدِ إلى شَق ثوبِهِ وصِدَاره، ومخبر أنَّ شمس الكرم وَاجِبة، والمآثر مودِّعة، وبقايا النبوَة مرتفعة، وآمالَ الإمامة منقطعة، والدينَ منخذِلٌ واجم، وللتقوى دَمْعَان هامٍ وساجم. كتابي وقد شلَّتْ يمينُ الدَهْر، وفُقئت عينُ المجد، وقَصُرَ باعُ الفضْل، وكُسِفَت شمسُ المساعي، وخُسِفَ قمر المعالي، وتجدَدَ في بيت الرسالة رُزْء جَدَدَ المصائب، واستعادَ النوائب؛ كل هذا لفقْدِ من حَط الكرمُ برَبْعِه، ثم أدرج في بُرْدِه، وامتزج المجدُ به، فدفِنَ بدَفْنِه، إنها لمصيبةٌ عمتْ بَيْتَ الرسالة، وغضت طَرْف الإمامة، وتحيفت جانبَ الوَحْي المنزَل، وذكَرت بموت النبي المرسل. كتبت والدهرُ ينعي مهجَتَه والمجدُ يَنْدُب بَهْجَته، ومهابط الوَحْي والرسالة تُحْني ظهورَها أَسفا، ومآقي الإمامة والوصية والرسالة تُذْري دموعَها لهفاً؛ وذلك أن حادثَ قضاء اللّه استأثر بفَرْعِ النبوة، وعنصر الدين والمروءة.\rعود إلى بعض ما قاله أهل البيت\rووقع بينَ الحسنِ ومحمد بن الحنفية لِحاء، ومشَى الناسُ بينَهما بالنَّمَائِم، فكتب إليه محمدُ بنُ الحنفية: أمَّا بعد، فإن أبي وأباك عليُ بن أبي طالب؛ لا تفضُلني فيه ولا أفضُلك، وأُمي امرأةٌ من بني حَنيفة، وأُمُّك فاطمةُ الزَّهراء بنتُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلو مُلِئَتْ الأرضُ بمثل أُمي لكانت أمُك خيراً منها؛ فإذا قرأتَ كتابي هذا فاقْدَمْ حتى تترضاني، فإنك أحق بالفضل مني.\rوخطب الحسين بنُ عليً، رضوان الله عليهما، غداةَ اليوم الذي استُشهِدَ فيه، فحمدَ الله تعالى وأثنى عليه؛ ثم قال: يا عبادَ اللَّهِ، اتقُوا اللَهَ، وكونوا من الدنيا على حَذَر؛ فإنّ الدنيا لو بَقِيَتْ على أحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياءُ أحق بالبقاء، وأوْلى بالرَضاء، وأرْضَى بالقضاء؛ غيرَ أنَّ اللّه تعالى خَلَق الدنيا للفناء، فجديدُهَا بالٍ، ونعيمُها مُضْمَحِلٌ، وسرورُها مُكْفَهِرٌ، مَنْزِلُ تَلْعة، ودارُ قُلْعة؛ فتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى، واتَقُوا اللَهَ لعلكم تُفْلِحون.\rوكان لمعاوية بن أبي سفيان عَيْنٌ بالمدينة يكتبُ إليه بما يكونُ من أُمور الناس وقريش، فكتب إليه: إنَّ الحسين بنَ علي أعتْقَ جاريةً له وتزوَّجها؛ فكتبَ معاويةُ إلى الحسين: مِنْ أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن عليٍّ. أمَا بعد، فإنه بلغني أنك تزوَجْتَ جاريتَكَ، وتركْتَ أكْفاءَك من قريش، ممَنْ تسْتَنْجُبُهُ للولد، وتمجد به في الصِّهْر، فلا لنَفْسِكَ نظَرْتَ، ولا لِوَلَدِكَ انتقَيتَ.\rفكتب إليه الحُسَيْن بن علي: أمَا بعد، فقد بلغني كتابُك، وتَعْيِيرُكَ إياي بأني تزوَجْتُ مولاتي، وتركتُ أكْفائي مِنْ قُرَيش، فليسَ فَوْقَ رسول الله منتَهًى في شرَف، ولا غاية في نسب؛ وإنما كانت مِلْكَ يميني، خرجَتْ عن يدي بأمرٍ التمستُ فيه ثوابَ الله تعالى، ثم ارتجعتُها على سنةِ نبيه، صلى الله عليه وسلم، وقد رفع اللَهُ بالإسلام الخسيسة، ووضع عنَّا به النقيصةَ؛ فلا لَوْمَ على امرئ مسلم إلاَ في أمرِ مأثم، وإنما اللومُ لَوْمُ الجاهلية.\rفلمّا قرأ معاوية كتابَهُ نَبَذهُ إلى يزيد فقرأه، وقال: لَشَدَ ما فَخَرَ عليك الحسين! قال: لا، ولكنها ألسنةُ بني هاشم الحِداد التي تَفْلِقُ الصَخْرَ، وتَغْرِفُ من البحر! والحسين - رضي اللّه عنه! - هو القائل: الوافر:\rلَعْمْرُكَ إنَّني لأُحِب دَاراً ... تَحُلُّ بها سُكَيْنَةُ وَالرَّبابُ\rأُحِبهما وأَبْذُل كل مَالي ... وليس للائمٍ عِنْدِي عِتَابُ","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"سكينة: ابنته، والرباب: أمُها، وهي بنت امرئ القيس بن الجرول الكلبية.\rوفي سُكينة يقول عمر بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي كذباً عليها:\rقالت سُكَيْنَةُ والدموعُ ذَوَارِفٌ ... تجْرِي على الخدَيْنِ والْجِلْبابِ\rليتَ المُغِيرِيَ الذي لَمْ أجْزه ... فيما أطال تَصَيُّدِي وطِلابي\rكانت تردُ لنا الْمُنَى أيَّامنا ... إذ لا نُلاَمُ علَى هوًى وتصابي\rخُبرْتُ مَا قالتْ فَبِتُ كأنما ... يُرْمى الحشا بنوافِذِ النّشَابِ\rأَسُكَيْنَ، مَا ماءُ الفُرَاتِ وَطِيبُهُ ... مِنِّي عَلى ظَمَأ وَفَقْدِ شَرَابِ\rبألذَ منكِ، وإن نأيتُ، وقلَمَا ... ترعى النساءُ أمانةَ الغُيَّاب\rإنْ تَبْذُلِي لي نَائلاً أشفيِ بِهِ ... داءَ الفؤادِ فقد أطَلْتِ عَذَابي\rوعصَيْتُ فيكِ أقاربي وتقطعتْ ... بيني وبينهمُ عُرَى الأسبابِ\rفتركتني لا بِالوصالِ مُمَتَّعاً ... منهم، ولا أسْعَفتِني بِثوابِ\rفقعدتُ كالمُهْرِيقِ فَضْلَةَ مائِهِ ... في حرِّ هاجِرَةٍ لِلَمْعِ سَرَابِ\rوكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهن، وكان مصعب بن الزبير قد جَمَعَ بينها وبينَ عائشةَ بنت طلحة بن عبيد اللّه؛ فلّما قُتِل مصعب قالت سكينة: الطويل:\rفإن تَقْتُلُوهُ تَقْتُلُوا الماجِد الذي ... يَرَى الموتَ إلاَ بالسيوفِ حَرَاما\rوَقَبلَكَ ما خَاضَ الحسينُ مَنِيَّةَ ... إلى القومِ حتى أوْرَدُوهُ حِمَاما\rوقال علي بن الحسين رحمه الله: لو كانَ الناسُ يعرفونَ جُملةَ الحالِ في فضل الاستبانة، وجملة الحال في فضل التبيين، لأعربوا عن كل ما يتلَجْلَجُ في صدورهم، ولَوَجَدوا من بَرْدِ اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم، على أنّ إدراكَ ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلةِ العدَّةٍ، والفكرةِ القصيرة المدَةِ، ولكنهم من بين مغمورٍ بالجهلِ، ومفتونٍ بالعُجْبِ، ومعدُولٍ بالهَوى عن بابِ التثبّتِ، ومصروفٍ بسوء العادَة عن فَضْلِ التعلم.\rوقال رضي اللّه عنه: المِرَاءُ يُفْسِدُ الصداقةَ القديمة، ويَحُلّ العقدةَ الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكونَ به المغالبة، والمغالبة من أمْتَن أسباب القطيعة.\rومن دعائه: اللهمَّ ارْزقنْي خوفَ الوعيد، وسرورَ رجاء الموعود، حتى لا أرْجُو إلا ما رَجَيت، ولا أخاف إلاَّ ما خَوَفت.\rوحجَ هشام بن عبد الملك، أو الوليد أخوه، فطافَ بالبيتِ وأرادَ استلامَ الْحَجَر فلم يقدر، فنُصِب له مِنبَرٌ فجلس عليه؛ فبينا هو كذلك إذْ أَقْبَلَ عليُ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في إزارِ ورِدَاء، وكان أحسنَ الناس وَجْهاً، وأعطرهم رائحة، وأكثرَهم خشوعاً، وبين عينيه سَجادة، كأنها رُكبة عنز، وطاف بالبيت، وأتى ليَسْتَلم الحجرَ، فتنحّى له الناسُ هيبة وإجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً؛ فقال رجلٌ من أهل الشام: مَن الَّذي أكرمه الناس هذا الإكرام، وأعظموه هذا الإعظام؟ فقال هشام: لا أعْرفه، لئلا يَعْظُمَ في صدور أهل الشام؛ فقال الفرزدق وكان حاضراً: البسيط:\rهذا ابنُ خير عبادِ الله كلهِمُ ... هذا النقيُّ التقيُ الطاهرُ العَلَمُ\rهذا الذي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وطأتُه ... والبيتُ يعرفُه والحل والحَرَمُ\rإذا رأتْه قريشٌ قال قائلُها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرَمُ\rيكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ راحتهِ ... رُكنُ الحطيم إذا ما جاء يستلم\rفي كفّهِ خيزرانٌ رِيحُهُ عَبِق ... في كفِّ أَرْوَع في عِرنيِنه شَمَمُ\rيُغضِي حَياءً ويُغْضَى من مهابَتِه ... فما يُكلَمَ إلاَّ حين يَبتَسِم\rمُشتقَّة من رسول اللّه نَبْعَتُهُ ... طابتْ عناصِرُه والخِيم والشِّيَم\rيُنْمَى إلى ذِرْوة العزّ التي قصُرت ... عن نَيْلها عَرَبُ الإسلامِ والعَجَمُ","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"يَنْجَابُ نورُ الهدى عن نُورِ غُرَّتهِ ... كالشمس يَنْجَاب عن إشراقها القَتم\rحمَالُ أثقال أقوام إذا اقترحوا ... حُلْو الشمائل تَحْلُو عنده نَعَمُ\rهذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهِلَهُ ... بجدِّه أنبياءُ اللّه قد خُتِموا\rاللَّهُ فضّله قِدْماً وشرّفَهُ ... جرى بذَاك له في لَوْحهِ القَلَمُ\rمَنْ جدُهُ دانَ فَضْلُ الأنبياء لهُ ... وفَضْلُ أمّته دانَتْ له الأُمَمُ\rعَمَ البريّةَ بالإحسان فانقشعتْ ... عنها الغيابةُ والإملاقُ والظُلمُ\rكِلْتا يديه غِياث عَمَ نفعُهُمَا ... تسْتَوكفان ولا يَعْرُوهما العدُم\rسَهْلُ الخليقة لا تُخْشَى بوادِرُهُ ... تزينه الاثنتان الحِلْمُ والكَرَمُ\rلا يُخْلِفُ الوَعْدَ ميمون بغُرَّتِه ... رَحْبُ الفناء أَرِيب حين يعتزم\rما قال لا قطُ إلاَ في تَشَهُّدِهِ ... لولا التشهُّد كانت لاءهُ نَعَمُ\rمِنْ مَعْشَر حبهم دِينٌ، وبغضُهم ... كُفْر، وقُرْبُهُم منْجًى ومُعْتَصَمُ\rيسْتَدفَعُ السوءُ والبَلْوى بحبّهِمُ ... ويُسْتَرَب به الإحسانُ والنِّعَمُ\rمقدَمٌ بعد ذِكرِ اللّه ذكرهُمُ ... في كل بَدْء ومختومٌ به الْكَلِمُ\rإن عُدَّ أهل التقَى كانوا أئِمَّتَهُمْ ... أو قيل مَن خيرُ أَهْلِ الأرض قيل همُ\rلا يستطيعُ جَوَادٌ بعْدَ غايتهم ... ولا يُدانيهمُ قومٌ وإنْ كرُموا\rهمُ الغُيوثُ إذا ما أَزْمَة أَزَمَت ... الأُسْد أُسْدُ الشَّرَى والبأْس مُحْتَدِم\rيَأْبَى لهم أَنْ يَحلّ الذَّمُ ساحَتَهم ... خِيمٌ كريمٌ وأيدٍ بالنَّدى هُضُمُ\rلا يَنْقُصُ العسرْ بَسطاً من أكفِّهمُ ... سِيّان ذلك إن أثْرَوْا وإن عَدِموا\rأيُّ الخلائق لَيسَت في رِقَابهمُ ... لأوليَّةِ هذا أوْ لَهُ نِعم\rمَنْ يعرفِ اللّه يَعرِفْ أوليته ... فالدينُ من بيت هذا ناله الأُمم\rوليس قولكَ من هذا بضائِرِهِ ... العرْب تعرفُ من أنكَرتَ والعَجم\rوقد روي أن الحزين الكناني وَفَد على عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان وهو أمير على مصر فأنشده قصيدة منها: البسيط:\rلما وقفتُ عليه في الْجُموع ضحًى ... وقد تعرَّضتِ الْحُجَّابُ والْخَدَمُ\rحَييْتُهُ بسلام وهو مُرْتَفقٌ ... وضَجَّةُ القومِ عند الباب تَزْدَحِمُ\rفي كفه خيزران... - والبيت الذي يليه.\rويقال: إنها لداود بن سلم في قُثَم بن العباس بن عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وهو الذي يقول فيه الأخطل: الكامل:\rولقد غدوتُ على التِّجَار بُمسمِح ... هَرَّت عواذله هَرِيرَ الأكلُبِ\rلَذ، يُقبله النعيم، كأنما ... مُسِحَتْ تَرَائِبُه بماءً مُذهَبِ\rلبَّاسِ أرْدِيةِ الملوكِ، تَرُوقُه ... من كلّ مُرْتَقَبٍ عيونُ الزَبْرَبِ\rيَنْظُرْنَ مِنْ خَلَلِ السُتُورِ إذا بَدَا ... نَظر الهجان إلى الفَنِيق المُصعَبِ\rويقال: بل قالها في علي بن الحسين اللَعِينُ المِنقري، وسمي اللعين، لأنَّ عمر سمعه يُنشد شعراً والناس يُصَلُونَ، فقال: مَن هذا اللعين؟ فعلق به هذا الاسم ولْيَقُلْه مَن شاء، فقد أحسن ما شاء وأجاد وزاد.\rوقال ذو الرمة في بلال بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري: الطويل:\rمِنَ آل أبي موسى تَرَى الناسَ حَوْله ... كأنهم الكِرْوانُ عَايَنَّ بازيا\rفما يعرفون الضِّحْكَ إلاّ تَبَسُماً ... ولا ينبسون القوْلَ إلاَّ تَنَاجِيَا\rوما الفُحْشَ منه يرهبون، ولا الْخَنا ... عليهِ، ولكِنْ هَيْبَة هي مَاهِيَا\rفتى السِّنَ، كَهْلُ الْحِلم، يُسْمَعُ قولُ ... يُوازِنُ أدناهُ الجبال الروَّاسيا","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"ومن أجود ما للمحدَثين في ذلك قول أبي عبادة البحتري في الفتح ابن خاقان: الطويل:\rولمَّا حضْرنا سدَّةَ الإذْنِ أُخِّرَتْ ... رجالٌ عن الباب الذي أنا دَاخِلُهْ\rفأفْضَيْتُ مِنْ قُرْبٍ إلى ذي مَهابةٍ ... أقابِلُ بَدْرالتِّم حين أقابلُه\rبَدَا لي محمودَ السجيَّةِ شُمَرَتْ ... سَرَابيلُهُ عنهُ وطالتْ حَمائِلُهْ\rكما انتصب الرُمْحُ الردَيْنيُّ ثُقِفَتْ ... أنابيبُه واهتزَ للطعن عامِلُه\rوكالبدرِ وافَتْهُ لِتَمٍّ سُعُودُه ... وتَمَّ سَناهُ واسْتَهَلَّتْ منازِلُه\rفسلَّمتُ فاعتاقَت جَنانِيَ هَيْبَة ... تُنازِعُني القولَ الذي أنا قائلُه\rإلى مُسرِفٍ في الجود لو أنَ حاتماً ... لَدَيْه لأَضْحى حاتمٌ وهو عاذِلُهْ\rفلما تأمَلتُ الطَلاقَةَ وانْثَنَى ... إليَ ببشْرٍ آنسَتْنِي مَخَايَلهْ\rدَنَوتُ فقبلْتُ النَّدى من يَدِ امرئ ... جميل مُحَياهُ سِباطٍ أنامِلُهْ\rصفَتْ مِثْلَ ما تصفُو المدام خِلاَلُهُ ... ورفتْ كما رَق النَسِيمُ شَمَائِلهْ\rووقعت حرب بالجزيرة بين بني تَغْلِب، فتولَى الإصلاح بينهم الفتح بن خاقان فقال البحتري فيما تعلَّق بعضه بذكر الهيبة: الطويل:\rبني تَغْلِبٍ أعْزِزْ عليَّ بأنْ أرى ... ديارَكُمُ أمْسَتْ وليس لها أهْلُ\rخَلَتْ دِمْنة من ساكِنيها وأَوْحَشَتْ ... مرابعُ من سِنْجارَ يَهْمي بها الوَبلُ\rإذا ما التَقَوْا يومَ الهَيَاج تحاجَزُوا ... وللموتِ فيما بينهمْ قِسْمَةٌ عَذل\rكَفيٌ من الأحياء لاَقَى كَفيَّهُ ... ومِثْلٌ من الأقوام زَاحِفهُ مِثْلُ\rإذا ما أخ جَرَ الرماحَ انتهى لهُ ... أخٌ لا بليدٌ في الطعان ولا وَغلُ\rتحوطُهُم البِيضُ الرَقَاقُ، وضُمَر ... عِتاق، وأنسابٌ بها يُدْرَكُ التَّبْلُ\rبطَعْنٍ يَكُب الذَارِعين دِرَاكُهُ ... وضَرْبٍ كما تَرْغو المُخَزَمةُ البُزْلُ\rتَجَافَى أميرُ المؤمنين عَنِ التي ... عَلِمْتُمْ، وللجَانِينَ في مِثْلِها الثكل\rوكانت يدُ الفتح بنِ خاقانَ عندكُمْ ... يَدَ الغيْثِ عند الأرْض أجدَبَها المحْلُ\rولولاهُ طُلَّتْ بالعُقُوقِ دِمَاؤُكُمْ ... فلا قَوَدٌ يُعطَى الأَذَلُّ ولا عَقْلُ\rتلافَيْتَ يا فتْحُ الأراقِمَ بَعْدَما ... سقَاهُم بِأوحَى سُمَهِ الأرقَمُ الصًلُّ\rوهَبْتَ لهمْ بالسِّلْم باقي نفوسهمْ ... وقد أشرَفُوا أن يستتمَّهُمُ القتلُ\rأتاك وفودُ الشكْرِ يُثْنُونَ بالَّذِي ... تقدَّمَ مِن نُعماكَ عندهُمْ قَبْلُ\rفلم أرَ يوْماً كان أكثرَ سُؤدداً ... من اليوم ضَمَتهُمْ إلى بابكَ السُّبلُ\rتراءَوْك مِنْ أقصى السِّماط فقصروا ... خُطاهُمْ، وقد جازُوا السُّتُورَ وهم عُجْلُ\rولَمَّا قَضَوْا صَدْرَ السلام تهافتوا ... على يَدِ بَسَّام سَجِيتُهُ البَذْلُ\rإذا شرَعُوا في خُطْبَةٍ قَطَعَتْهُمُ ... جلالةُ طَلْقِ الوَجهِ جانِبُه سَهْلُ\rإذا نكَّسوا أبصارَهُمْ مِنْ مَهَابَة ... ومالوا بلَحْظ خلْتَ أنهُمُ قُبْلُ\rنصبْتَ لهمْ طَرْفاً حديداً، ومَنْطِقاً ... سَديداً، ورَأْياً مثل ما انتضيَ النَّصْلُ\rوسَلَّتْ سَخيمات الصدورِ فَعالُكَ ال ... كريمُ، وأبْرا غِلَها قولُكَ الفَصلُ\rبكَ الْتَأَمَ الشَّعْبُ الذي كان بينَهُمْ ... على حينِ بُعْدٍ منه، واجتمعَ الشّمْلُ\rفما بَرِحوا حتى تعاطَتْ أكفُّهُمْ ... قِرَاكَ، فلا ضغْنَ لديهمْ ولا ذخلُ","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"وجَرُوا ذيولَ العَصْبِ تَصْفُو ذيولُها ... عَطاءَ كريمِ ما تكاءدَهُ بُخْلُ\rوما عَمَّهُمْ عمرو بنُ غنم بنِسْبَةٍ ... كما عمهُمْ بالأمْسِ نائِلُكَ الَجْزلُ\rفمهما رَأوْا مِنْ غِبْطَةٍ في اصطلاحهمْ ... فمنك بها النّعْمى جَرَتْ ولَكَ الْفَضْلُ\rعمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط.\rوللطائيين أبي تمام والبحتري في ذلك أشعارٌ كثيرةٌ مختارة، منها قول البحتري يحذِّر عاقبة الحرب: الوافر:\rأَمَا لربيعة الفَرَس انتهاء ... عن الزلزالِ فيها والْحُروبِ؟\rوكانوا رَفعُوا أيّامَ سلم ... على تلك الضغائنِ والندُوبِ\rإذَا ما الجُرْحُ رَمَّ على فَسادَ ... تَبَيَّنَ فيه تَفْرِيطُ الطبيبِ\rرَزِيَّةُ هالِكٍ جَلَبَتْ رَزَايا ... وخَطْبٌ باتَ يكشِفُ عن خُطُوبِ\rيُشقُّ الجَيْبُ ثمَّ يجيءُ أَمْرٌ ... يُصَغرُ فيه تَشْقيقُ الجيوب\rوقَبْرٍ عن أيَامِنِ بَرْقَعِيدٍ ... إذا هي ناحَرَتْ أُفُقَ الجَنوبِ\rيُسَحُّ ترَابُهُ أبداً عليها ... عِهَاداً من مُرَاقِ دم صبيب\rفهل لاِبْنَيْ عَدِيٍّ مِنْ رَشِيدٍ ... يَرُدُّ شريدَ حِلْمهما العزِيبِ؟\rأخافُ عليهما إمرارَ مَرْعًى ... من الكلإ الذي عُقْبَاهُ تُوبي\rوأَعْلَمُ أَنَّ حَرْبَهُمَا خَبَال ... على الدَّاعي إليها والمُجِيب\rلعل أبا المُعَمِّرِ يَتّلِيها ... بِبُعْدِ الهَمِّ والصَّدرِ الرَحِيبِ\rفكم من سُؤْددٍ قد بات يُعْطي ... عطيّة مُكْثِرٍ فيها مُطِيبِ\rأهَيْثَمُ يا ابنَ عبدِ الله، دَعْوَى ... مشيرٍ بالنصيحةِ أوْ مُهِيبِ\rتَناسَ ذنوبَ قومِكَ إنَ حِفْظَ ال ... ذنوبِ إذا قَدُمْنَ من الذّنوب\rفَلَلسهْمُ السدِيدُ أحَب غِبًّاً ... إلى الرامي من السَهْمِ المُصيبِ\rمتى أحرَزْتَ نَصْرَ بني عُبَيْدٍ ... إلى إخلاصِ وُد بني حَبيبِ\rفقد أصْبَحْتَ أغلَبَ تغلبي ... على أيْدِي العشيرةِ والقُلوبِ\rيناسب قولَهُ: الوافر:\rإذا ما الجرْحُ رَمَ على فَسادٍ\rقولُ أبي الطيب المتنبي لعليّ بن إبراهيم التنوخي أحد بني القصيص: الوافر:\rفلا تغرُرْكَ أَلْسِنةٌ مَوَالِ ... تُقَلبهُن أفئدَةٌ أعادِي\rوكُنْ كالموْت لا يَرْثِي لِبَاكِ ... بَكَى منه، ويَرْوَى وهو صادِ\rفإن الْجُرْحَ ينغِرُ بعد حِينٍ ... إذا كانَ البناءُ عَلَى فَسَادِ\rوفى هذه القصيدة:\rكأن الهام في الهَيجَا عُيُون ... وَقَدْ طُبِعَتْ سُيُوفُكَ مِنْ رُقادِ\rوَقَدْ صُغْتَ الأسِنةَ مِنْ هُمُوم ... فَما يَخْطُرْنَ إلاَ في فؤَادِ\rكأنَ البيتَ الأوَلَ مِنْ هذين ينظِرُ إلى قولِ مسلم بن الوَليد من طَرْفٍ خَفِي: الكامل:\rوَلَوْ أَن قَوْماً يَخْلُقُونَ مَنِيةً ... مِنْ بأْسِهِمْ كانُوا بَني جِبريلاَ\rقوْم إذَا احمَرَ الهجيرُ من الوَغَى ... جَعَلُوا الجماجِمَ للسيوفِ مَقِيلاَ\rوإنما أخذه أبو الطيب من قول منصور النميري، وذكر سيفاً: الكامل:\rذَكَرٌ، برَوْنَقِهِ الدِّماءُ، كأنما ... يَعْلُو الرجالَ بأرْجُوَانٍ ناقِعِ\rوتَرَى مَسَاقِطَ شَفْرَتَيْهِ كأنها ... مِلْح تَبدَّدَ منْ وراءِ الدَّارع\rوتراهُ مُعتمًّاً إذا جَرًدْتَهُ ... بِدَمِ الرَجالِ عَلَى الأدِيمِ النَاقِعِ\rوكأن وقعتَهُ بِجمْجُمَةِ الفتَى ... خَدَرُ المُدَامَة أو نُعَاش الهاجعِ\rأردت هذا البيت، وقول النميري: الكامل:\rوَتَرَاه مُعْتَمًّاً إذَا جَرَدْتَهُ\rيشير إلى قول أبي الطيب، وذكر سيفاً: الكامل:\rيَبِسَ النَّجِيعُ عَلَيْهِ فَهْوَ مُجرد ... مِنْ غِمْدِهِ وكأنما هُوَ مُغْمَدُ","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"رَيانُ لو قَذفَ الذي أسْقَيْتَهُ ... لجَرَى من المُهَجَاتِ بَحْر مُزْبِدُ\rوبنو عبيد، وبنو حبيب - اللذان ذكرهما البحتري - هم: بنو عبيد ابن الحارث بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وحبيب بن الهجرس ابن تيم بن سعد بن جُشَم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيهم حبيب بن حرقة بن تغلب بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فلا أدري أيهما أراد! وقال البحتري: الطويل:\rأَسِيتُ لأخْوَالي ربيعةَ أنْ عَفَتْ ... مَصَايفُهَا منها، وأقْوَتْ ربُوعها\rبِكُرْهِيَ أنْ بانَتْ خَلاءً دِيارُهَا ... ووَحْشاً مَغَانِيها، وشَتَّى جميعُهَا\rإذا افترقوا من وَقعَة جَمَعَتْهُمُ ... دِماء لأُخْرَى ما يُطَلُّ نَجِيعُها\rتَذُمُّ الفتاةُ الرُود شِيمةَ بَعْلِهَا ... إذا باتَ دون الثأْرِ وَهْوَ ضَجِيعُها\rحَميَّةُ شَعْبٍ جاهلي وعِزَّة ... كلابية أعْيا الرجالَ خُضُوعُها\rوفرسان هيجاءً تَجيشُ صدورْهم ... بأحَفَادِها حتى تَضِيقَ دروعها\rلُقَتِّلُ من وِتْرٍ أعَزَّ نفوسِها ... عليها بأيدٍ ما تكادُ تُطِيعُها\rإذا احْتَرَبَتْ يوماً ففاضَت دماؤُها ... تذكَّرَتِ القُرْبَى ففاضتْ دموعُهَا\rشواجِرُ أَرْماحٍ تقطَع بينها ... شواجرَ أَرْحامٍ مَلوم قَطوعها\rفكنتَ أمينَ اللَّهِ مَوْلى حياتِها ... ومولاكَ فَتْحٌ يوم ذاك شفِيعها\rوقال أبو تمام الطائي: البسيط:\rمَهلاً بَني مالكٍ لا تجلُبنَّ إلى ... حيِّ الأراقِم دُؤلولَ ابنةِ الرقَمِ\rلم يَأْلُكُمْ مَالكٌ صَفْحاً ومغفرَةً ... لو كان ينفخُ قَيْن الحيِّ في فَحَمِ\rأَخْرَجْتموه بِكُرْهٍ من سَجِيَّتِهِ ... والنار قد تُنْتَضَى من ناضِرِ السلم\rأوطأتموهُ على جَمْرِ العقوقِ، ولو ... لم يُخْرَج الليثُ لم يخرج من الأَجَمِ\rلولا مناشدةُ القُرْبَى لغادَرَكم ... حَصائِدَ المرهَفَيْنِ السيفِ والقَلَمِ\rلا تجعلوا البَغْيَ ظَهْراً إنهُ جَمَلٌ ... مِنَ القطيعة يَرْعَى واديَ النّقَمِ\rوقال أيضاً: الكامل:\rمهلاً بني عمرو بن غُنْمٍ؛ إنكم ... هَدَفُ الأسِنَّةِ والقَنا تتحَطَّمُ\rما منكمّ إلا مرَدى بالحِجَى ... أو مُبشَرّ بالأحوذيَّةِ مؤَدَمُ\rعمرو بن كلثوم بن مالك بن عت ... اب بن سعدٍ سَهمكم لا يُسهم\rخلِقت ربيعةَ من لدن خُلِقت يَداً ... جُشَم بن بكرٍ كفها والمِعْصَم\rتغزو فتغلب تغلبّ مثل اسمها ... وتسيح غنم في البلاد فتغنم\rوستذكرون غداً صنائعَ مالكٍ ... إن جَلَّ خَطبٌ أو تُدوفع مَغرَم\rما لي رأيت ثَرَاكماَ بِبَسالَة ... ما لي أَرَىَ أطوَادَكُم تتهدَّمُ؟\rما هذِهِ القُربَى التي لا تصطفى ... ما هذه الرَّحِمُ التي لا ترحَمَ؟\rحَسَدُ القرابة للقرابة قرحةٌ ... أعيَت عَوائِدهَا وجرح أقدم\rتلْكم قريشٌ لم تكن آباؤها ... تَهفُو ولا أحْلاَمهَا تتقسمَ\rحتى إذا بعِثَ النَبِيُّ محمدٌ ... فيهم غَدَتْ شَحْنَاؤهمُ تتضرمُ\rعَزَبتْ عقولُهُمُ، وما مِنْ معْشَرٍ ... إلاَّ وهُم منه ألب وأحْزَم\rلما أقام الوَحْي بين ظهورهم ... ورأوا رسولَ اللّه أحْمَدَ منهم\rومن الحزامة لو تكونُ حَزَامة ... ألاَّ تؤخّرَ مَنْ بِه تتقَدَّمُ\rومالك هو: ابن طَوْق بن مالك بن عتاب بن زُفَرَ بن مرَة بن شريح ابن عبد اللّه بن عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جُشَمَ بن بكر بن وائل بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيه يقول دِعْبِل يهجوهُ: البسيط:","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"الناس كلهُم يَغدو لحاجتِهِ ... من بين ذي فَرَحٍ منها ومهمومِ\rومالكٌ ظَلَّ مشغولاً بنسبتِهِ ... يَرُمّ منها بناءً غيرَ مرْمُومِ\rيبني بيوتاً خراباً لا أنيس بها ... ما بين طوق إلى عمرو ابن كلثوم\rوالتكثير من المعنى المعترض، يزيح عن ثغرة الغَرَض، لكني أجري منه إلى حلبة الإجادة، وأقصدُ قصدَ الإفادة، ثم أعود حيثُ أُرِيد.\rوقال ابن الخياط المكي - واسمه عبد اللّه بن سالم - في باب الهيبة، في مالك بن أنس الفقيه، رحمة الله عليه؛ وقيل: إن هذا من قول ابن المبارك: الكامل:\rيَأبَى الجوَابَ فما يرَاجَعُ هَيْبَةً ... والسائلون نَوَاكِسُ الأذقَانِ\rأدَبُ الوقار، وعِزّ سلطانِ التقى ... فهو المَهِيبُ وليس ذَا سلْطانِ\rوقول الفرزدق البسيط:\rيكادُ يمسكه عرفان راحته\rقد تَجاذَبه جماعةٌ من الشعراء؛ قال أشجع بن عمرو السلمي لجعفر البرمكي:\rحَبذا أنتَ قادماً تردُ الشا ... مَ فتختالُ بين أرحُلِ عيرِكْ\rإن أرضاً تسري إليها لو اسْطَا ... عت لسارت إليك من قبل سَيْرِك\rوإليه أشار أبو تمام الطائي في قوله: الخفيف:\rديمَة سَمْحَة القِيَاد سكوبُ ... مُسْتغيثٌ بها الثرَى المكروب\rلو سَعَتْ بقعةٌ لإعظامِ نُعمَى ... لَسَعى نحوها المكان الجديبُ\rوفي هذه القصيدة في وصف الدِّيمة، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات:\rلذ شُؤبوبُها وطابَ فلو تس ... طيعُ قامتْ فعانَقَتْهَا القلوبُ\rفَهْوَ ماءٌ يجري وماءٌ يَلِيهِ ... وعَزَالٍ تنشا وأخرى تَصُوبُ\rأيُّها الغيثُ حَيَ أهلاً بمغدا ... ك وعندَ السّرَى وحين تؤُوب\rلأبي جَعْفَرٍ خلائق تحكِي ... هنَّ قد يشبه النجيبَ النجيبُ\rوأنشدها أبا جعفر بن الزيات، فقال: يا أبا تمام؛ والله إنك لتحلَي شعرَك من جواهر لفظك وبدائع معانيك، ما يزيد حُسْناً على بهيّ الجواهر في أجياد الكواعب؛ وما يُدَخَرُ لكَ شيءٌ من جزيل المكافأة إلا يَقصُرُ عن شِعرِكَ في الموازنة. وكان بحضرته رجل من الفلاسفة، فقال: هذا الفتى يموتُ شاباً! فقيل له: مِنْ أيْنَ حَكَمْتَ عليه بهذا؟ فقال: رأيت فيه من الحِدَّة والذكاء والفطنة مع لطافة الحسّ ما علمتُ به أن النفسَ الروحانية كل عمره كما يأكلُ السيفُ المهندُ غمدَه؛ قال الصولي: مات وقد نيف على الثلاثين.\rوقال في أبي دُلف العجلي القاسم بن محمد بن عيسى: الطويل:\rتكادُ عطايَاهُ يُجَن جُنُونُهَا ... إذا لَمْ يُعَوذْهَا بنعمةِ طَالِبِ\rتكادُ مَغانيهِ تَهَشُّ عِرَاصهَا ... فتركب من شَوقٍ إلى كل راكِبِ\rوقال البُحْتَري: الكامل:\rلو أنَّ مُشتاقاً تَكَلَّفَ فوقَ ما ... في وُسْعه لَمَشَى إليكَ المنبَرُ\rوقال أبو الطيب المتنبي لبدر بن عمار: الكامل:\rطَرِبَتْ مَرَاكِبُنا فَخِلْنا أنها ... لولا حَيَاءٌ عاقَهَا رَقَصَت بِنَا\rلو تعقلُ الشِّجَرُ التي قابلتَهَا ... مَدّتْ مُحَيية إليكَ الأغْصنا\rرجع إلى ما انقطع\rقال أعرابي لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، رضي اللّه عنه: هل رأيت اللّه حين عَبَدْتَهُ؟ فقال: لَمْ أَكُنْ لأَعْبد مَنْ لم أَره، قال: فكيف رأيتَه؟ قال: لم تره الأبصارُ بمشاهدة العِيان، ورَأَتْهُ القلوبُ بحقائق الإيمان، لا يُدرَك بالحواسَ، ولا يُشَبَّه بالناس، معروف بالآيات، منعوتٌ بالعلاماتِ، لا يجوزُ في القضيّات، ذلك اللَّهُ الذي لا إله إلاّ هو. فقال الأعرابي: اللّه أعلم حيثُ يجعلُ رسالته.\rقال الجاحظ: قال محمد بن علي: صلاح شأنِ الدنيا بحذافيرها في كلمتين؛ لأنَّ صلاحَ شأن جميع الناس في التعايش والتعاشر وهو مِلء مِكْيَال؛ ثلثاه فطنة، وثلثه تَغَافل.\rقال الحافظ: لم يجعل لغير الفِطْنة نصيباً من الخير، ولا حظًّاً من الصلاح؛ لأنَّ الإنسان لا يتغافلُ عن شيءً إلاَّ وقد عرفه وفطن له، قال الطائي: الكامل:\rليس الغبيُ بسيّدٍ في قَوْمِهِ ... لكنَّ سيِّدَ قَوْمِهِ المُتَغَابي","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وقال ابن الرومي لأبي محمد بن وهب بن عبيد اللّه بن سليمان: الطويل:\rتظلّ إذا نامت عيونُ ذوي العمى ... وإن حدّدوا زُرقاً إليك جَوَاحِظَا\rتَغَاضى لهم وَسْنَانَ، بل متواسِنا، ... وتوقِظُهُمْ يقظان بل متياقظا\rوأبو جعفر هذا هو الباقر، وكان أخوه زيد بن علي، رضي اللّه عنه، دَيِّناً، شجاعاً، ناسكاً، من أَحْسَنِ بني هاشم عبارةً، وأجملهم شَارَةً.\rوكانت ملوك بني أمية تكتُب إلى صاحب العراق أن امنَعْ أهلَ الكوفة من حضور زيد بن علي؛ فإنَّ له لساناً أقْطع من ظُبَةِ السيف وأحَدَّ من شَبَا الأسِنّة، وأبلغ من السحر والكهانَة، ومن كل نَفْثٍ في عُقْدَة.\rوقيل لزيد بن علي: الصمتُ خيرٌ أم الكلام؟ فقال: قبّح اللّه المساكنة، ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعِيِّ والْحَصَر واللّه للْمُماراة أسرعُ في هَدْمِ الْعِيِّ من النار في يَبَس العَرْفَج، ومن السيل إلى الْحدور.\rوقال له هشام بن عبد الملك: بلغني أنك ترومُ الخلافة وأنت لا تصلُحُ لها؛ لأنك ابنُ أمَة؟ قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابنَ أمة، وإسحاق ابنَ حُرَة؛ فأخرج اللّه من صُلب إسماعيل خيرَ ولد آدم! فقال له: قُمْ! فقال: إذاً واللّه لا تراني إلاّ حيثُ تَكْره! فلمّا خرج من الدار قال: ما أحبَّ أحَد الحياةَ قط إلاّ ذلَ، فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنَّ هذا الكلام منك أحَدٌ، وكان زيد كثيراً ما ينشد: السريع:\rشرّده الخوفُ وأزْرَى بِهِ ... كذاك من يَكْرَهُ حرَّ الْجِلاَد\rمنخرق الخفَّين يشكو الوجَى ... تَنكُبُه أطرافُ مَرْوٍ حِدَادْ\rقد كان في الموت له رَاحَة ... والموتُ حَتْمٌ في رقاب العبادْ\rوقد رُوِيت هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وقد رُوِيت لأخيه موسى.\rقال عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد: حدّثني رجل من بني هاشم قال: كنّا عند محمد بن علي بن الحسين، وأخوه زيد جالس، فدخل رجل من أهل الكوفة فقال له محمد بن عليّ: إنك لتَروي طرائفَ من نوادر الشعر، فكيف قال الأنصاري لأخيه؟ فأنشده: المتقارب:\rلَعمْرك ما إنْ أبو مالكٍ ... بِوانٍ ولا بِضَعيفٍ قُوَاهُ\rولا بألدَ لَهُ نَازغ ... يُعَادي أخاه إذا ما نَهَاهُ\rولكنَّه غيرُ مِخلافةٍ ... كريم الطبائع حلو نَثَاهُ\rوإن سُدْتَهُ سُدْتَ مِطوَاعةً ... ومهما وكَلْتَ إليه كَفَاهُ\rفوضع محمد يده على كَتِفِ زيد، فقال: هذه صِفَتُك يا أخي، وأُعِيذُك اللّه أن تكون قتيل أهل العراق! وكانت بين جعفر بن الحسن بن الحسين بن علي وبين زيد، رضوان الله عليهم، منازعة في وصيَّة، فكانا إذَا تَنَازعا انثالَ الناسُ عليهما ليسمعُوا محاوَرَتَهما؛ فكان الرجلُ يحفظ على صاحبه اللّفظة من كلام جعفر، ويحفظُ الآخرُ اللفظةَ من كلام زيد. فإذا انفصلا وتفرَق الناس عنهما قال هذا لصاحبه: قال في موضع كذا وكذا، وقال الآخر: قال في موضع كذا وكذا؛ فيكتبون ما قالا، ثم يتعلَّمُونه كما يتعلّم الواجب من الفَرض، والنادرُ من الشعر، والسائرُ من المثل! وكانا أعجوبةَ دَهْرِهِما وأُحدُوثَة عصرهما.\rولما قْتل زيداً يوسفُ بنُ عُمر وصلب جُثَّته بالكُنَاسة وبعثَ برَأسه مع شَبَّة بن عقال، وكلّف آل أبي طالب البراءة من زيد، وقام خطباؤهم بذلك؛ فكان أولَ مَنْ قام عبدُ الله بن الحسن بن الحسين بن علي، رحمة الله عليه، فأوْجَز في كلامه ثم جَلَس، وقام عبدُ الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأطْنب - وكان شاعراً خطيباً لسِناً ناسباً - فانصرف الناسُ وهم يقولون: ابن الطيار مِنْ أَخْطَبِ الناس، فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك، فقال: لو شئت أن أقولَ لقلت، ولكن لم يكن مقامَ سرور، وإنما كان مقامُ مُصيبة.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وعبدُ اللّه هذا هو: أبو محمد وإبراهيم الخارجَيْن على أبي جعفر المنصور، وهو القائلُ لابنهِ محمد أو إبراهيم: أيْ بُنَيَّ! إني مؤدِّ حقِّ الله في تأديبك، فأدَ إليَ حقَّ اللّه في الاستماع مني؛ أي بنيّ! كُفَ الأذى، وارفُضِ البَذَى واسْتَعِنْ على الكلام بطول الفكْر فيِ المواطن التي تَدْعُوك فيها نفسُك إلى الكلام، فإن للقول ساعات يَضُرُّ فيها الْخَطأُ، ولا يَنْفعُ فيها الصِّوابُ، واحذَرْ مشورةَ الجاهِلِ، وإن كان نَاصِحاً، كما تَحْذَر مشورة العاقِل إذا كان غَاشّاً؛ لأنه يُرْدِيكَ بمَشُورته؛ واعلمْ يا بني أنَّ رأيك إذا احتجْتَ إليه وجدْتَه نائماً، ووجدتَ هواك يَقْظان، فإياك أن تستبدَّ برأيك؛ فإنه حينئذ هَواك؛ ولا تفَعلْ فِعْلاً إلاَ وأَنْتَ على يقين أنَّ عاقبَته لا تُرْدِيك، وأن نتيجتَه لا تَجْني عليك.\rوهو القائل: إياك ومُعاداة الرجال فإنك لن تعدَم مَكْر حليمٍ، أو مُعاداة لئيم.\rوكتب إلى صديق له: أُوصيك بتقوى اللّه تعالى، فإن اللَّهَ تعالى جعل لمن اتَّقاه المخرج من حيث يَكْرَه، والرزق من حيث لا يحتسب.\rوعبدُ اللّه هو القائل: الكامل:\rأنُسٌ حرائرُ ما هَمَمْنَ بريبةٍ ... كظباء مكّة صَيْدُهُنَّ حرامُ\rيُحْسَبْنَ من لِينِ الحديث دوانيا ... ويصدّهن عن الْخَنا الإسلامُ\rقال: وهذا كما روي أن عبد الملك بن مروان استقبل عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقال له: قد عَلِمَتْ قريشٌ أنّكَ أطولُها صَبْوَة، وأبْعَدُها تَوْبة، وَيْحَك! أمَا لكَ في نساء قريش ما يَكْفِيك من نساء بني عبد مناف؟ ألست القائل: الطويل:\rنظرتُ إليها بالمُحَصَّبِ من مِنًى ... ولي نظر، لولا التحرُجُ، عارمُ\rفقلتُ: أصُبْح أم مصابيحُ راهبٍ ... بَدَتْ لك خلف السَّجفِ أم أنْتَ حالم؟\rبعيدةُ مَهْوَى القُرْطِ، إمَا لنَوْفلِ ... أبوها، وإما عبد شمسٍ، وهاشم\rفقال: يا أمير المؤمنين، فإنّ بَعْدَ هذا:\rطلبْنَ الهوى حتى إذا ما وجدنَهُ ... صَدَرنَ وهُن المسلمات الكرائم\rفاستحيا منه عبدُ الملك، وقضى حوائجه ووصله.\rوقال آخر في هذا المعنى: الطويل:\rتَعَطلْنً إلاَّ مِنْ محاسنِ أوْجُهٍ ... فهنّ حَوالٍ في الصفات عَوَاطِلُ\rكَوَاسٍ عَوَارٍ صامتات نواطقٌ ... بعفّ الكلام باخِلاَت بَوَاذل\rبَرَزْنَ عفافاً واحتجَبْنَ تستُراً ... وشِيبَ بحقَ القولِ منهنّ بَاطِلُ\rفذو الحلم مرتاد وذو الجهل طامعٌ ... وهنّ عن الفحْشَاء حِيدٌ نواكلُ\rوقال العُدَيل بن الفَرْخِ فيما يتطرف طرفاً من هذا المعنى: الكامل:\rلعبَ النعيمُ بهن في أطلاله ... حتى لبسنَ زمانَ عيَش غافلِ\rيأخذن زينتهنّ أحْسَنَ ما ترى ... فإذا عَطِلْنَ فهُنَ غيْرُ عَوَاطِل\rوإذا خَبأنَ خدودهنّ أَرَيْنَنِي ... حَدَقَ المَها وأخذن نَبْل القاتل\rيرميننا لا يستَترن بِجنة ... إلا الصبا وعلمن أين مقاتلي\rيلبسن أردية الشباب لأهلها ... ويجر باطلهن ذيل الباطل\rوتعرض لعبد اللّه بن الحسن رَجل بما يَكرَهَ، فقال فيما أنشده ثعلب: الطويل:\rأظَنَّت سَفاها من سَفَاهة رأيها ... أنَ أهجُوها لما هَجَتني مُحَارِبُ\rفلا وأبيها إنني بعشيرتي ... ونفسيَ عن ذاك المقام لراغب\rوأنشد هذين البيتين أبو العباس المبرد لرجل لم يسمِّه في رجل يُعْرَفُ بابن البعير، وقبلهما:\rيقولون أبناء البَعير وما لَهُم ... سَنَامِّ ولا في ذروَة المجد غَارِب\rوسايَرَ عبد الله بن الحسن أبا العباس السفاح بظهر مدينة الأنبار وهو يَنظُر إلى بناءً قد بناه أبو العباس ويدور به، فأنشد عبدُ اللّه: الوافر:\rألم تَرَ جَوْشَناً لما تبنَّى ... بناء نَفْعُه لبني بُقَيلَهْ\rيؤمِّلُ أنْ يُعَمّر عُمْرَ نُوحٍ ... وأمرُ الله يَحْدُث كلَّ لَيْلَه","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"وكان أبو العباس له مُكْرِماً، ولحقِّه معظِّماً؛ فتبسم مغضَباً، وقال: لو عَلِمْنَا لاشترطنا حقَّ المُسَايرة! فقال عبدُ اللّه: بوادِرُ الخواطر، وأغفال المسانح؛ واللَّه ما قلتُها عن رَوِيَّة، ولا عارَضَني فيها فكرة وأنتَ أجلُّ مَنْ أقَال، وأوْلَى مَنْ صَفح، قال: صدقت؛ خُذْ في غير هذا.\rولما قتل المنصورُ ابنَه محمداً - وكان عبدُ اللّه في السجن - بعث برأسه إليه مع الربيع حاجِبِه؛ فوُضع بين يديه، فقال: رحمك الله أبا القاسم، فقد كنتَ من \" الَذين يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ المِيثَاقَ، وَالَذِين يَصِلُونَ مَا أمَر اللَهُ بِهِ أنْ يُوصلَ، ويَخْشَوْنَ رَبّهُمْ وَيَخَافُونً سُوءَ الْحِسَابِ \" ! ثم تمثّل: الطويل:\rفتى كان يَحْمِيه من الذلِّ سَيْفُه ... ويكفيه سوءاتِ الأمورِ اجتنابها\rثم التفتَ إلى الربيع فقال له: قل لصاحبكِ قد مضَى من بُؤْسنا مدة، ومن نعيمك مثلها؛ والموعدُ لله تعالى! قال الربيع: فما رأيت المنصور قطّ أكثَر انكساراً منه حين أبلغتُه الرسالة.\rأخذ العباس بن الأحنف هذا المعنى، وقيل: عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فقال: الطويل:\rفإن تَلْحَظِي حالي وحالك مرّةً ... بنظرة عين عن هوى النفس تُحجَب\rتَجِد كلّ يوم مَرَ مِنْ بؤْسِ عيشتي ... يمرُ بيوم من نعيمكِ يُحسَبُ\rولما قتل المنصورُ محمدَ بن عيد الله اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، أنا امرأةُ محمد بن عبد اللّه، وهذان ابنَاه، أيتَمَهُما سيفك، وأضرَعَهمَا خوفُك، فناشدتك اللَهَ، يا أمير المؤمنين، أن تصَعِّرلهما خدَّك، أوْ ينأى عنهما رِفْدُك؛ ولتَعطِفْك عليهما شَوَابِكُ النسب، وأَوَاصِر الرّحِم، فالتفتَ إلى الربيع، فقال: اَرْدُدْ عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحب أن تكونَ نساءُ بني هاشم.\rوكان أهلُ المدينة لما ظهر محمد أَجْمعوا على حربِ المنصور، ونصر محمد؛ فلما ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الصادق، فقال له: قد رأيتَ إطباقَ أهلِ المدينة على حَرْبي، وقد رأيتُ أن أَبعثَ إليهم من يُغَوّر عيونهم، ويجَمِّر نَخلَهم. فقال له جعفر: يا أميرَ المؤمنين، إن سليمانَ أُعطِيَ فشكر، وإنّ أيوبَ ابتُلِي فصبرَ، وإنَ يوسف قَدَرَ فغَفَر؛ فاقْتَدِ بأيِّهم شئت، وقد جعلك اللّه من نَسل الذين يَعفونَ ويَصفَحون، فقال أبو جعفر: إنَّ أحداً لا يُعلِّمُنا الْحِلمَ، ولا يعرَفنَا العلم، وإنما قلتُ هَمَمْت، ولم ترني فعلت، وإنك لتعلمُ أن قدرتي عليهم تمنَعُني من الإساءة إليهم.\rوعزى جعفرُ بن محمد رجلاً، فقال: أَعْظِمْ بنعمةٍ في مصيبة جَلبَتْ أجراً وأَفظعْ بمصيبةٍ في نعمةٍ أكسبت كُفراً.\rهذا كقول الطائي: البسيط:\rقد يُنعِمُ الله بالبَلْوى وإن عظمتْ ... ويَبْتَلي الله بَعْض القَوْمِ بالنِّعَمِ\rوكان جعفرُ بن محمد يقولُ: إني لأُملِقُ أحياناً فأُتاجر الله بالصدقة فيُرْبحني.\rوقال جعفر، رضي اللّه عنه: من تخلَق بالخلق الجميل وله خُلق سوء أصِيل فتخلُقُه لا محالَة زائل، وهو إلى خُلقه الأَوَّل آيل، كطَلْي الذهب على النحاس ينْسَحِق وتظهر صفرَته للناس.\rهذا كقول العرجي: البسيط:\rيا أيُّها المتحلِّي غيرَ شيمتِه ... ومن خلائقه الإقصارُ والمَلق\rارجعُ إلى خلقك المعروف وأرضَ بِهِ ... إنَّ التخلقَ يأتِي دُونه الْخلق\rوكان يقول: ما توسَّل إليّ أحد بوسيلة هي أقرب إليَّ من يدٍ سبقَت مني إليه أُتْبعها أخْتَها لتحسن رَبَّها وحِفظَها؛ لأنّ مَنعَ الأواخر يقطعُ لسانَ الأوائل.\rوقيل لجعفر رحمه اللّه: إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبسُ مذ صارت إليه الخلافة إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجَشِب. فقال: يا وَيْحَه! مع ما مُكِّن له من السلطان، وجُبِيَ إليه من الخراج! قالوا: إنما يَفْعل ذلك بُخلاً وجمعاً للمال. فقال: الحمد لله الذي حَرَمه من دُنياه ما ترك له من دينه. انتهى.\rقال: ومن دعاء جعفر رضي الله عنه: اللهمّ إنك بما أنت أهلٌ له من العفو أوْلى بما أنا أهْل له من العقوبة.\rوكان عبد اللّه بن معاوية بن عبد الله، بن جعفر عالماً، ناسِباً، وكان خطيباً مُفَوّهاً، وشاعراً مُجيداً، وكتب إلى بعض إخوانه:","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"أما بعدُ، فقد عاقَني الشك في أَمْرِك عن عزيمة الرّأي فيك، وذلك أنك ابتدَأتَني بِلُطْفٍ عن غير خِبْرَة؛ ثم أعقَبْتَني جفاء عن غير جَرِيرة؛ فأَطْمَعَني أوّلُك في إخائك، وأَيأَسَنِي آخِرُك عن وفَائِكَ؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمعٌ لك اطِّراحاً، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقةٍ؛ فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الشكِّ في أمرك عن عزيمة الرأي فيك؛ فاجتَمَعْنَا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام.\rوهو القائل: الطويل:\rرأيتُ فُضَيلاً كأن شيئاً مُلفّعاً ... فكشفه التمحيصُ حتى بَدَا ليا\rفأنت أخي ما لم تكن ليَ حاجةٌ ... فإن عَرَضَت أيقنتُ أنْ لا أخاليا\rكلانا غنيٌّ عن أخيه حياتَه ... ونحن إذا مُتْنَا أشدُ تغَانيَا\rفلا زادَ ما بيني وبينَكَ بعدما ... بلوتُكَ في الحاجاتِ إلاَ تماديا\rفعين الرضا عن كل عَيْبٍ كليلةٌ ... كما أن عين السخط تُبلي المساوِيا\rوالقائل أيضاً: الكامل:\rلسْنَا وإنْ أحسَابُنَا كَرُمَتْ ... يوماً على الأحْسَابِ نتكِلُ\rنبْنِي كما كانَتْ أوَائِلُنا ... تَبْنِي ونَفَعلُ مِثْلَ مَا فَعَلوا\rوهذا كقول عامر بن الطفيل، قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: أنشدني محمد الحسن بن الحرون لعامر بن الطفيل: الطويل:\rتقول ابنةُ العَمْرِيَ: ما لك بَعْدَ ما ... أراكَ صَحيحاً كالسليم المعذَّبِ\rفقلتُ لها: هَمِّي الذي تَعْرفينهُ ... من الثّأْرِ في حَييْ زُبَيد وأرْحَبِ\rإن أغْزُ زُبيداً أغْز قوماً أَعِزّةً ... مركَّبُهُمْ في الحيّ خير مركب\rوإن أغْزُ حَيَّيْ خَثْعم فدماؤهم ... شِفاءٌ وخيرُ الثأرِ للمتأَوّبِ\rفما أدْرَكَ الأَوْتَارَ مِثْلُ محقِّق ... بأَجْرَدَ طاو كالعَسِيب المُشَذَّب\rوأَسْمَرَ خَطِّيٍّ وأبيض بَاترٍ ... وزَغْفٍ دِلاَصٍ كالغدير المُثَوِّبَ\rوإني وإن كنت ابنَ سيدِ عامر ... وفي السرِّ منها والصَّريح المهذّب\rفما سوّدتني عامر عن وراثةٍ ... أبى اللّه أن أسمو بأم ولا أب\rولكنني أحمي حماها، وأتّقي ... أذَاها، وأرمي مَنْ رماها بمنكب\rوقْال أيضاً يهنِّئ بعضَ الهاشميين بإملاك: زاد اللّه في نعمته، وبارك في فَوَاضِله، وجميل نوافِلِه؛ ونسألُ الله - الذي قسم لكم ما تحبُّون من السرور - أن يجنَبكم ما تكرهون من المحذور، ويجعل ما أحدثه لكم زيناً، ومتاعاً حسناً، ورشداً ثابتاً، ويجعل سبيلَ ما أصبحت عليه، تماماً لصالح ما سَمَوْت إليه؛ من اجتماع الشَّمْل، وحُسْن موافقةِ الأهْلِ، ألَفَ اللَّهُ ذلك بالصلاح، وتمَمه بالنجاح، ومَدَ لك في ثروة العدد، وطِيب الولد، مع الزيادة في المال، وحُسْنِ السلامةِ في الحال، وقُرَة العين، وصلاح ذات البَيْن.\rوهجا أبو عاصم محمد بن حمزة الأسلمي المدني الحسنَ بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمة اللّه عليه، فقال: الوافر:\rله حق وليس عليه حَقّ ... ومهما قال فالحسن الجميلُ\rوقد كان الرسولُ يَرَى حقوقاً ... عليه لغيره وهو الرسولُ\rفلما ولي الحسن المدينة أتاه متنكِّراً في زي الأعراب، فقال: الوافر:\rستأتي مِدحتي الحسنَ بن زيْدٍ ... وتشهد لي بصِفِّينَ القبورُ\rقبورٌ لم تزل مُذْ غاب عنها ... أبو حَسَن تُعَادِيها الدهور\rقبور لو بأحمدَ أو عليً ... يلوذُ مُجِيرُها حُميَ المُجير\rهما أبوَاك مَنْ وضَعَا فَضَعْهُ ... وأنت برفْع مَنْ رفعا جَدِيرُ\rفقال: من أنت؟ قال: أنا الأسلمي. قال: اُدْنُ حَيَّاك الله! وبسط له رداءَه، وأجلسه عليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وكان الحسن بن زيد قد عَوَد داود بن سَلْم مولى بني تَيمْ أن يصله، فلما مدح داودُ جعفرَ بن سليمان بن علي - وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعدٌ - أغضبه ذاك، وقدم الحسن من حج أو عمرة، فدخل عليه داود بن سلم مهنئاً، فقال: أنتَ القائل في جعفر بن سليمان بن علي: الطويل:\rوكنّا حديثاً قبل تأمير جعفرٍ ... وكان المنى في جعفرٍ أن يؤمَّرَا\rحوى المنبرين الطاهرين كليهما ... إذا ما خطا عن منبر أمَ منبرا\rكأن بني حَوَّاءَ صُفُّوا أمامُه ... فخُيِّرَ في أنسابهم فتخيَّرا\rفقال داود: نعم، جعلني اللّه فِداك، فكنتم خيرة اختياره! وأنا القائل: الطويل:\rلعمري لئن عاقبتَ أوجُدْتَ مُنْعِماً ... بعفوٍ عن الجاني وإن كان مُعْذِرا\rلأنتَ بما قَدَّمْت أولى بمدحةٍ ... وأكرم فخراً إن فخرت وعُنصرا\rهو الغرّة الزهراء من فرع هاشم ... ويدعو علياً ذا المعالي وجعفرا\rوزيد الندى والسبط سبط محمد ... وعَمَك بِالطَفّ الزكي المُطَهرَا\rوما نال منها جعفر غير مجلس ... إذا ما نفاه العُزْلُ عنه تأخّرا\rبحقّكم نالوا ذُراها وأصبحوا ... يرون به عزًّاً عليكم ومظهرا\rفعادله الحسن بن زيد إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسنُ إليه إلى أن مات.\rوقوله: وإن كان مُعْذِراً؛ لأن جعفراً أعطاه على أبياته الثلاثة ألفَ دينار.\rولما ولي الحسن بن زيد المدينة دخل عليه إبراهيمُ بن علي بن هَرْمَة، فقال له الحسن: يا إبراهيم، لستُ كمن باع لك دينه رجاء مدحك، أو خوف ذمك، فقد رزقَني اللّه تعالى بولادة نبيه، صلى الله عليه وسلم، الممادح، وجَنَّبني المقابح، وإنَّ من حقَه عليَ ألاَ أُغضِي على تقصير في حقٍّ وجب؛ وأنا أقسم لئن أتيتُ بكَ سكرانَ لأضربنَك حدًّاً للخمرِ، وحداً للسكر؛ ولأزيدَنَ لموضع حُرمتكَ بي، فليكن تركك لها للّه، عزَّ وجلَّ، تُعَنْ عليه، ولا تَدَعْهَا للناس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة، وهو يقول: الوافر:\rنهاني ابن الرسولِ عن المُدامِ ... وأدَبني بآدابِ الكرامِ\rوقال لي اصطبر عنها ودَعْها ... لخوفِ الله لا خوفِ الأنامِ\rوكيف تصبري عنها وحبي ... لها حُبٌّ تمكَنَ في عظامي\rأرى طيفَ الخيال عَلَيَّ خُبْثاً ... وطيب العيش في خبث الحرام\rوكان إبراهيم منهوماً في الخمر، وجلده خَيثَم بن عِرَاك صاحبُ شُرطة المدينة لرباح بن عبد اللّه الحارثي في ولاية أبي العباس.\rولما وفد على أبي جعفر المنصور ومدحه استحسن شعره ووصله، وقال له: سَل حاجتك، قال: تكتب لي إلى عامل المدينة ألاَ يَحُدني إذا أُتيَ بي سكران، فقال أبو جعفر: هذا حد من حدود الله تعالى لا يجوز أن أعطله، قال: فاحتك لي يا أمير المؤمنين! فكتب إلى عامل المدينة: مَنْ أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين.\rفكان الشُرَط يمرُّون به مطروحاً في سِكَكِ المدينة، فيقولون: مَن يشتري مائة بثمانين؟! وقال موسى بن عبد اللّه بن علي بن أبي طالب: الطويل:\rإذا أنا لم أقْبَلْ من الدهر كل ما ... تكَرَّهْتُ منه طال عَتْبي علىَ الدَهرِ\rإلى اللّه كل الأمر في الخلق كلهم ... وليس إلى المخلوق شيءٌ من الأمرِ\rتعودتُ مَسَّ الضر حتى ألِفْتُهُ ... وأسلمني طولُ البلاءَ إلى الصبرِ\rووسَع صدري للأذى الأنسُ بالأذى ... وإن كنت أحياناً يضيقُ به صدري\rوصيَّرني يَأسِي من الناس راجياً ... لسُرْعَةِ لطف الله من حيث لا أدري\rوموسى بن عبد اللّه هو القائل: مجزوء الوافر:\rتولت بهجة الدنيا ... فكلُّ جديدها خَلَقُ\rوخان الناس كلُهُم ... فما أدري بمَنْ أثق\rرأيت معالمَ الخيرا ... تِ سُدَت دونها الطرُقُ\rفلا حسَب ولا نسَب ... ولا دِينٌ ولا خُلُقُ\rفلست مصَدَقَ الأقوا ... م في شيء وإن صدقوا","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وكان المنصور حبسَهُ لخروجِهِ عليه مع أَخَوَيهِ، ثم ضربه أَلْفَ سَوْطٍ، فما نطقَ بِحرْفٍ واحد؛ فقال الربيع: عَذَرْت هؤلاء الفساقَ في صَبرِهم؛ فما بَالُ هذا الفتى الذي نشأ في النعمة والدَّعة؟ فقال: الكامل:\rإنِّي من القومِ الذين يَزِيدُهُمْ ... جَلَداً وصَبراً قسوة السلطان\rوولدت هند بنت أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زَمعة موسى، ولها ستون سنة، ولا يعلم امرأة ولدت بنت ستين سنة إلاَّ قرشيّة.\rاجتاز علي بن محمد العَلَوي بالجسر بحِدثان قَتْلِ عمر بن يحيى بن عبد اللّه ابن الحسين، وقاتلهُ الحسين بن إسماعيل هناك، قد جرَّد رجلاً للقتل، فلما رأت أمُّ الرجل عليًّاً سأَلتْه أن يشفَع فيه، فقال عليٌّ إلى الحسين فأنشده: الوافر:\rقتلتَ أبرّ مَن رَكِبَ المطايا ... وجئتُك أسْتَلِينُك بالكلامِ\rوعز عليَ أن ألقاكَ إلاَّ ... وفيما بيننا حَدُّ الْحُسامِ\rولكنّ الجناحَ إذا أُصِيبت ... قَوَادِمهُ يرفّ على الإكامِ\rفقال له: وما حاجَتُكَ؟ قال: العفوُ عن ابنِ هذه المرأة! فتركه.\rوسُئِل العباسُ بن الحسين عن رجلٍ، فقال لجليسه: أطرب من الإبل على الحدَاء، ومن الثمل على الغِنَاء.\rوذكر العباس رجلاً فقال: ما الْحِمام على الأَحْرَار، وطول السَّقَم في الأسفَار، وعِظَم الدَّينِ على الإقتار، بأشدَّ من لقائه.\rوقال العباسُ بن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن لساني يَنْطَلِق بمدْحِك غائباً، وقد أحببتُ أن يَتَزَيَّدَ عندك حاضراً، أفتأذنُ لي يا أمير المؤمنين في الكلام؟ فقال له: قل؛ فوالله إنك لتقولُ فتُحسِن، وَتَحضُر فتزبَّن، وتغيب فتُؤَتَمَن، فقال: ما بعدَ هذا كلامٌ يا أميرَ المؤمنين! أفتأذن بالسكوت؟ قال: إذا شئت.\rوذكر رجلاً بليغاً فقال: ما شَبَّهْتُ كلامَه إلا بثعبان ينهالُ بين رِمَال، وماء يتغلغل بين الجِبَال.\rوسمِعَ المنتجع بن نبهان كلامَ العباس بن الحسين، فقال: هذا كلامٌ يدلّ سائره على غابره، وأولُه على آخره.\rوسأل المأمونُ العباسَ بن الحسين عن رجل؟ فقال: رَأيتُ له حِلْماً وأناة، ولم أسمع لَحْناً وَلا إحالة؛ يحدَثُكَ الحديثَ على مَطَاوِيه، ويُنشِدُك الشعرَ على مَدارجه.\rوكان المأمون يقول: مَنْ أراد أن يسمعَ لَهواً بلا حَرج فليسمعْ كلامَ العباسِ، والعباس بن الحسين من أشْعَرِ الهاشميين؛ وهو يُعَد في طبقة إبراهيم ابن المهدي، وهو القائل: الوافر:\rأتاحَ لك الهوى بِيضٌ حِسَانٌ ... سَبَيْنَك بالعيون وبالشعور\rنظرت إلى النحور فكدت تَقضِي ... وأوْلى لو نظرت إلى الخصورِ\rوهو القائل أيضاً: مجزوء الكامل:\rصادَتْك من بعض القصور ... بِيضٌ نواعمُ في الخدورِ\rحُور تحور إلى صبَا ... ك بأعيُنٍ منهنّ حُورِ\rوكأنما بثغورهنّ ... جَنَى الرُّضاب من الخمور\rيَصْبُغْنَ تُفّاح الخدو ... د بماء رمان الصُّدور\rوهو: العباسُ بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، وأم عبيد اللّه جدّةُ بنت عبيدِ اللّه بن العباس بن عبد المطلب عمّ محمد بن علي أبي الخلفاء.\rوكان الرشيدُ والمأمون يقرِّبانِ العباسَ غايةَ التقريب؛ لِنَسَبِه وأدبه. قال أبو دلف: دخلتُ على الرشيد وهو في طارمة على طِنْفِسة ومعه عليها شيخٌ جميلُ المنظر؛ فقال لي الرشيد: يا قاسم، ما خَبَرُ أرْضك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خَرَاب يَبَاب، أَخْرَبَها الأَكراد والأعراب. فقال قائل: هذا آفةُ الجبل، وهو أفسده، فقلت: أنا أُصْلحه، قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفْسَدتُهُ وأنت عليَ وأُصلِحُه وأنتَ معي! قال الشيخُ: إن همته لترمي به من وراء سنِّهِ مَرْمًى بعيداً؛ فسألت عن الشيخ فقيل: العباس بن الحسين، وكان أبو دُلَفَ ذلك الوقت صغيرَ السنِّ.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"ولقي موسى بن جعفرٍ، رضي اللّه عنه، محمدَ بن الرشيدِ الأمينَ بالمدينة وموسى على بَغْلَة، فقال للفضل بن الربيع: عَاتِبْ هذا، فقال له الفضلُ: كيف لقيتَ أمير المؤمنين على هذه الدابة التي إن طَلَبتَ عليها لم تَسْبِق، وإن طلبت عليها تلحق، فقال: لست أحتاج أن أطْلُب، ولا إلى أن أُطلب؛ ولكنها دابةٌ تنحط عن خيَلاَء الخيلِ، وترتفع عن ذِلة العَيْر، وخيرُ الأمورِ أوسطُها.\rأُصيب علي بن موسى بمصيبة، فصار إليه الحسنُ بن سهل، فقال: إنا لم نأْتِكَ مُعَزِّين؛ بل جئنَاك مُقْتَدِين؛ فالحمدُ لله الذي جعل حياتكم للناس رَحمَة، ومصائبَكم لهم قدوة.\rوكان علي بن موسى الرضا، رحمه الله، قد ولاَّه المأمون عَهْدَه، وعقد له الخلافة بعده، ونزع السّواد عن بني العباس، وأمرهم بلباس الخضرة، ومات علي بن موسى في حياةِ المأمون بطُوس، فشق المأمونُ قبر الرشيد ودُفِنَ فيه تبرّكاً به، وكان الرشيد قد مات بطوس فدفن هناك؛ ولذلك قال دِعْبل بن علي الخزاعي: البسيط:\rاِرْبَعْ بطوسٍ على قَبْر الزكِّي بها ... إن كنت تربع من دِين على وَطر\rما ينفع الرِّجس من قُرْب الزكِّي، ولا ... على الزكيِّ بقرب الرجْسِ من ضَرَرِ\rهيهات كل امرئ رَهْن بما كسبت ... له يداه فخُذْ من ذاك أو فَذَرِ\rقبران في طُوس: خَيْرُ الناس كلهم ... وقبر شرّهم، هذا من العِبَرِ\rوكان دعبل مداحاً لأهلِ البيت، كثير التعصُب لهم، والغلوِّ فيهم. وله المرثية المشهورة، وهي من جيد شعره، وأولها: الطويل:\rمَدَارِس آياتِ عَفَتْ من تِلاَوةٍ ... وَمَنزِلُ وَحْيٍ مُقْفرُ العَرَصاتِ\rلآلِ رسولِ الله بالخَيْفِ من مِنى ... وبالبيت والتَّعرِيفِ والْجَمَراتِ\rدِيَارُ علي والحسينِ وجَعْفَر ... وحمزة والسَجَّاد ذي الثفنَات\rقِفَا نَسْأَل الدارَ التي خص أهلُها ... متى عَهْدُها بالصوْمِ والصلَوَاتِ\rوأينَ الأُلى شَطَّتْ بهم غُرْبَةُ النَوَى ... أفانينَ في الآفاق مفْتَرِقات\rأُحِبُّ قَصِيَ الدارِ من أجل حُبِّهم ... وأهْجُرُ فيهم أُسْرَتي وثِقَاتِي\rوهي طويلة.\rولما دخل المأمونُ بغداد أحْضَر دِعْبلاً بعد أن أعْطَاه الأمان، وكان قد هجاه وهجَا أباه، فقال: يا دعبل، من الحضيض الأوهد! فقال: يا أمير المؤمنين، قد عفوت عمن هو أشدُّ جُرْماً مني! أراد المأمون قول دعبل يهجوه: الكامل:\rإنِّي من القوم الذين سيوفُهُمْ ... قتلَتْ أخَاك وشرَفَتْكَ بِمَقْعَدِ\rشادُوا بذكرك بعد طولِ خُمولِه ... واستنقذوك من الْحَضِيضِ الأَوْهَدِ\rيفتخِرُ عليه بقَتْلِ طاهر بن الحسين بن مصعب ذي اليمينين أخاه محمداً، وطاهر مولى لخُزاعة، فاستنشده هذه القصيدة التائية، فاستعفاه، فقال: لا بأْسَ عليك، وقد رويتُها، وإنما أحببت أن أسمعَها منك، فأنشدها دعبل؛ فلما انتهى إلى قوله: الطويل:\rألَم تَر أني مذ ثلاثين حِجَّةً ... أروح وأغْدُو دائمَ الحسَرَاتِ\rأرى فَيئهم في غيرهم مُتقسِّماً ... وأيديَهُم من فيئهم صَفرات\rإذا وُتروا مدّوا إلى أهل وِتْرهم ... أكُفًّا عن الأوتار مُنْقَبضاتِ\rوآلُ رسول الله نُحْفٌ جسومهم ... وآل زياد غلَظُ القَصَراتِ\rبناتُ زيادٍ في القصورِ مَصْونَةٌ ... وبنت رسول اللّه في الفَلَواتِ\rبكى المأمون، وجدَّد له الأمان، وأَحْسَن له الصِّلة.\rوالشيء يستدعي ما قرَع بابه، وجذبَ أَهْدَابَه، قال سليمان بن قتيبة: الطويل:\rمررت على أبيات آل محمدٍ ... فلم أرَها عَهدِي بها يوم حُلّتِ\rفلا يبعد اللّه الديارَ وأهلَها ... وإن أصبحَتْ من أهلها قد تخلتِ\rوكانوا رجاءً ثم عادوا رَزِيةً ... ألا عظُمَت تلك الرزايا وجلّتِ\rوإن قتيل الطَفِّ من آلِ هاشم ... أذلَّ رقابَ المسلمين فَذَلتِ","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"ويشبه قوله: وكانوا رجاء ثم عادوا رزية قولَ امرأةٍ من العرب مرَت بالجسر بجثَّة جعفر بن يحيى البرمكي مَصْلوباً؛ فقالت: لئن أصبحت نهاية في البلاء، لقد كنت غايَةَ في الرجاء.\rألفاظ لأهل العصر في أوصاف الأشراف\rلها في هذا الموضع مَوْقع\rفلان من شرَفِ العنصر الكريم، ومعدن الشرف الصميم. أَصلٌ راسخ، وفرع شامِخ، ومَجْدٌ بَاذِخ، وحَسَبٌ شَادخ.\rفلان كريم الطَرَفين، شريف الجانِبَين، قد ركَّبَ الله دَوحَتَه في قرارةِ المَجْدِ، وغَرَسَ نَبْعَتُه في محلّ الفضل. أَصلٌ شريف، وعِرْق كريمِ، ومَغْرِس عظيم، ومغْرز صميم. المجد لسانُ أوصافه، والشرفُ نَسبُ أسلافه. نسبٌ فخم، وشرفٌ ضخم. يستوفي شرفَ الأرومة بكرم الأبوَّة والأمومةْ، وشرف الخؤُولة والعمومة. ما أَتَتْه المحاسِنُ عن كلالة، ولا ظَفر بالهدى عن ضلالة، بل تناول المجدَ كابراً عن كابر، وأخذ الفخْرَ عن أسِرَةٍ ومنابر: الكامل:\rشرفٌ تَنفل كابراً عن كابر ... كالرمح أُنبوبا على أُنوبِ\rاسْتَقى عِرْقَه من مَنْبع النبوّة، ورضعتْ شجَرَتُه من ثَدْي الرسالة، وتهدّلَت أغصانُه عن نَبْعَة الإمامة، وتبحبَحَت أطْرافُه في عَرصَةِ الشّرَفِ والسيادة، وتفقَّأت بيضته عن سلالةِ الطهارة، قد جذَبَ القرآن بضَبْعه، وشقَّ الوَحْيُ عن بصره وسَمْعِه، مختار من أكْرَم المناسب، منتَخَب من أشْرَف العناصر، مرْتضًى من أعلى المحاتد، مُؤْثَر من أعظم العشائر، قد وَرِث الشرفَ جامعاً عن جَامِع، وشهد له نداءُ الصوامع، هو من مُضر في سُوَيداء قَلْبِها، ومن هاشم في سَوَاد طَرْفها، ومن الرسالة في مهِبْطِ وَحيها، ومن الإمامة في موقف عزَها، ينزع إلى المحامِدِ بنفس وعِرْق، ويحن إلى المكارم بوراثة وخلق؛ يتناسب أصلُه وفَرْعُه، ويتناصف نَخرُه وطَبْعُه، وهو الطِّيب أصلُه وفَرعُه، الزَّاكي بذره وزَرْعُه، يجمع إلى عز النصاب، مَزِيَّةَ الآداب، لا غَزو أن يجريَ الجوادُ على عِرْقِه، وتلوح مخايل الليثِ في شِبْله، ويكون النجيبُ فَرْعاً مشيداً لأصله. له معِ نباهة شَرَفِهِ، نزاهة سَلَفِه، ومع كرم أرومته وحَزْمه، مزيةُ أدبه وعلمه، لن تخلف ثمرة غرْس ارْتِيدَ لها من المنابت أزْكاها، ومن المغارس أطْيبها وأغذاها وأنماها، قد جمع شرفَ الأخلاق، إلى شرفِ الأعراق، وكرمَ الآداب، إلى كرم الأنساب؛ له في المجد أول وآخِر، وفي الكرم تليدٌ وطَارِف، وفي الفضل حديثٌ وقديمٌ؛ لا غَرْوَ أنْ يغمر فضلُه، وهو نَجْلُ الصِّيد الأكارم، أو يغزر علمه وهو فَيْضُ البحور الخضارم، دَوْحَةٌ رسب عِرْقُها، وسَمَق فَرْعها، وطاب عُودُها، واعتدل عمودُها، وتفيَّأتْ ظِلالُها، وتهدَلَتْ ثمارُها، وتفرَعَتْ أغصانُها، وبرد مَقيلُها. مَجْدٌ يلحظ الجوْزَاء من عَال، ويطولُ النجمَ كل مَطَال. شَرَفٌ تضع له الأفلاكُ خدودَها وجِبَاهَها، وتَلْثِمُ النجومُ أرضَه بأفواهِها وشِفاهِها. نسبُ المجدِ به عَرِيق، وَرَوْضُ الشرفِ به أنيق. ولسانُ الثناء بفَضْله نَطوق. فَلَكُ المجدِ عليه يَدُور، ويدُ العُلاَ إليه تُشِير. محله شاهق، ومَجْدُه بَاسِق.\rبدء الكتاب\rقد تتمَ ما استفتحت به التأليف، وجعلته مقدمة التصنيف، مع ما اقترن به، وانْضَافَ إليه، والتف به، وانْعَطَفَ عليه، ورأيتُ أن أبتدئ مقدّمات البلاغات بغُرَر التحاميد وأوْصافها، وما يتعلَّق بأثنائها وأطرافها.\rوقد قال سهل بن هارون في أول كتابٍ عمله: يجب على كلّ مبتدئ مقالةً أن يبتدئَ بحمدِ اللّه قبل استفتاحها، كما بُدئ بالنعمة قبل استحقاقها.\rولأهل العصر: أولَى ما فَغَر به الناطقُ فمه، وافتتح به كَلِمه، حمدُ اللَهِ جل ثناؤُه، وتقدَّست أسماؤُه. حَمْدُ الله خيرُ ما ابْتُدِئ به القول وختُم، وافتُتِح به الخطابُ وتُمَمَ.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله: إن اللّه، جلَّ ثناؤه، لا يُمثل بنظير، ولا يُغْلَبُ بظهير، جل عن موقع تحصيل أدوات البشر، ولَطُف عن ألحاظ خطرات الفِكَر، لا يُحْمَدُ إلاَ بتوفيق منه يَقْتَضِي حمداً، فمتى تُحْصَى نعماؤه وتكافأ آلاؤه؟ عَجَز أقْصى الشكرِ عن أدَاء نعمته، وتضاءل ما خلق في سِعَةِ قُدْرَته؛ قَدر فَقَدَر، وحكَم فأحكم؛ وجعل الدِّين جامعاً لشمْل عباده، والشرائع مَنَاراً على سبيل طاعته؛ يَتْبَعُها أهل اليقين به، ويَحِيدُ عنها أهلُ الشك فيه.\rأخذ أبو العباس قولَه: ولا يحمد إلاَ بتوفيق منه يقتضي حمداً من قول محمود بن الحسن الوراق: الطويل:\rإذا كان شُكْري نعمةَ اللَّهِ نِعْمَةً ... عليَّ له في مِثْلها يَجبُ الشُكْرُ\rفكيف بلوغُ الشّكْرِ إلاّ بفضلهِ ... وإن طالت الأيام واتَصَلَ العمرُ\rإذا عمّ بالسَّرَّاء عَمَ سرورها ... وإن مَسَ بالضّراء أعقَبها الأَجْرُ\rفما منهما إلاَ له فيه نِعْمَةٌ ... تَضِيقُ بها الأوهامُ والبَرُ والْبَحْرُ\rوإنما أخذه محمود من قول أبي العتاهية: الخفيف:\rأحمد اللَهِ فَهوَ ألهمني الحم ... دَ على الحمد والمزيدُ لَدَيْه\rكم زمانٍ بَكَيْتُ فيه فلمَّا ... صِرْتُ في غيره بكيتُ عليهِ\rوقد اضطربت الروايةُ في هذين البيتين وقائلهما، وهذا البيت الثاني كثير، قال إبراهيم بن العباس: البسيط:\rكذاك أيامُنا لا شك نَنْدُبها ... إذا تقَضّت ونحنُ اليوْمَ نَشْكُوهَا\rوآخر: الطويل:\rوما مرَّ يوم أرتجي فيه راحة ... فأفْقدُهُ إلاّ بكيتُ على أمسِ\rومحمود هو القائل أيضاً: الكامل:\rتَعْصِي الإلهَ وأنْتَ تُظْهرُ حبهُ ... هذا محالٌ في القياس بديعُ\rلو كان حبُّك صادقاً لأطَعْتَهُ ... إنَّ المحب لمن أحَبَّ مُطِيعُ\rوكان كثيراً ما ينقلُ أخبارَ الماضين، وحِكَم المتقدَمِين، فيحلّي بها نظامَه، ويُزَين بها كلامَه، وهو القائل: الكامل:\rإني وَهَبْتُ لظالمي ظُلْمي ... وشكرْتُ ذَاكَ له على عِلْمِي\rورأيته أسْدَى إليَ يداً ... لَمَّا أبان بجَهْلِهِ حِلْمِي\rرَجَعَتْ إساءتُهُ عليه، وَلِي ... فَضْل فعادَ مُضاعَفَ الْجُرْم\rفكأنما الإحْسَانُ كان لهُ ... وأنا المسيءُ إليه في الزعْمِ\rما زال يَظْلِمُني وأرحمهُ ... حتى رَثَيْتُ له من الظلم\rوهو القائل: الطويل:\rأراني إذا ما ازددتُ مالاً وثروَةً ... وخَيْراً إلى خَيْرٍ تزيدْتُ في الشَرَ\rفكيف بشُكْر الله إنْ كنت إنما ... أقومُ مقامَ الشُّكْرِ لله بالكُفْرِ\rبأي اعْتِذَارٍ أوْ بأيةِ حُجَّة ... يقولُ الذي يدري من الأمر مَا أدْري\rإذا كان وَجْهُ الْعُذْرِ ليس ببينٍ ... فإنَ اطّرَاحَ العُذْرِ خيرٌ من العُذْرِ\rفي البلاغة\rولابن المعتز: البيان تَرْجُمانُ القلوب، وَصَيْقَل العقول، وَمُجَلي الشبهة، وموجب الحجة، والحاكم عند اختصام الظنون، والمفرِّقُ بين الشَكِّ واليقين، وهو من سلطان الرُسُل الذي انْقَاد به المصعَب، واستقام الأصْيد، وبهت الكافر، وسَلَم الممتنع، حتى أَشِب الحقُّ بأنصاره، وخَلاَ ربْعُ الباطلِ من عُمَّاره، وخيرُ البيان ما كان مصرَحاً عن المعنى؛ ليُسْرعَ إلى الفهم تلقّيه، وموجَزاً ليخفّ على اللفظ تعاطيه.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وفَضل القرآن على سائر الكلام معروف غيرُ مجهول، وظاهر غيرُ خفي؛ يشهدُ بذلك عَجْز المتعاطين، وَوَهن المتكلّفين، وتحيّرُ الكذابين، وهو المبلِّغ الذي لا يُمل، والجديد الذي لا يَخْلُق، والحقّ الصادع، والنورُ الساطع، والماحِي لظُلَم الضلال، ولسانُ الصِّدق النافي للكذب، ونذيرّ قدَّمَتْه الرحمة قبل الهلاك، ونَاعِي الدنيا المنقولة، وبَشِيرُ الآخرةِ المخلَدة، ومِفْتاح الخير، ودليل الجنة، إنْ أوْجَزَ كان كافياً، وإنْ أكثر كان مُذَكِّراً، وإن أوْمَأ كان مُقنِعاً، وإن أطال كان مُفهِماً، وإن أمر فَناصحاً، وإن حكم فَعَادِلاً، وإن أخبر فصادقاً، وإنْ بيَّن فشافياً، سَهْلٌ على الفهم، صَعْبٌ على المتعاطي، قريب المَأْخَذَ، بعيدُ المرام، سِرَاجٌ تستضيءُ به القلوب، حُلوٌ إذا تذوَّقَتْه العقول، بَحْرُ العلوم، وديوانُ الْحِكَم، وجَوْهَر الكلم، ونُزْهَة المتوسِّمين، ورَوْح قلوب المؤمنين، نزل به الرُوح الأمِينُ على محمد خاتم النبيين، صلى اللّه عليه وعلى آله الطيبين، فخصمَ الباطل، وصَدع بالحق، وتألف من النفرة، وأنْقَذَ من الهَلَكة، فوصل الله له النصر، وأضرع به خَدَّ الكفر.\rقال علي بن عيسى الرماني: البلاغةُ ما حُطَّ التكلّفُ عنه، وبُني على التبيين، وكانت الفائدةُ أغْلب عليه من القافية، بأَنْ جَمَعَ مع ذلك سهولةَ المخرج، مع قُرْبِ المتناوَل؛ وعذوبةَ اللفظ، مع رشاقَةِ المعنى؛ وأن يكون حُسْنُ الابتداءَ كحُسْن الانتهاء، وحسن الوَصل، كحُسْنِ القطع، في المعنى والسمع، وكانت كلُّ كلمة قد وقَعتْ في حقِّها، وإلى جَنب أُختها، حتى لا يقالَ: لو كان كذا في موضع كذا لكان أولى! وحتى لا يكونَ فيه لفظٌ مختلف، ولا معنى مُستَكرَه، ثم أُلبسَ بَهَاءَ الحكمة، ونورَ المعرفة، وشرفَ المعنى، وجَزالة اللّفظ، وكانت حلاوتُه في الصدر وجلالته في النفس تفتِّقُ الفهم، وتنثر دقائقَ الحكم، وكان ظاهرَ النفع، شريفَ القَصْد، معتدلَ الوَزْنِ، جميل المذهَبِ، كريمَ المطلب، فصيحاً في معناه، بيناً في فَحْواه؛ وكلُّ هذه الشروط قد حواها القرآن، ولذلك عَجَزَ عن معَارَضته جميعُ الأنام.\rألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن\rالقرآن حبل اللَّه الممدود، وعَهده المعهود، وظلُه العميم، وصرَاطه المستقيم، وحجَّتُه الكبرى، ومحجّته الوسطَى، وهو الواضح سبيلُه، الراشدُ دليلُه، الذي سَنِ استضاءَ بمصابيحه أبْصَر ونَجَا، ومَنْ أعرض عنه ضَلَّ وهَوَى؛ فضائل القرآن لا تُسْتقصى في ألفِ قرن، حجّة اللّه وعهْده، ووعيدُه ووعده، به يعلمُ الجاهلُ، ويعملُ العامِلُ، ويتنبَّه الساهي، ويتذكَّر اللاهي، بَشِيرُ الثواب، ونَذِيرُ العقابِ، وشفاءُ الصدور، وجَلاءُ الأمورِ؛ من فضائله أنه يُقْرَأُ دائماً، ويُكتَبُ، ويُمْلَى، ولا يَملّ. ما أهْون الدنيا على مَنْ جعل القرآن إمامه، وتصوَّر الموتَ أمامه، طوبى لمن جعل القرآن مصباح قلبه، ومفتاح لُبِّه. من حقّ القرآن حِفْظُ ترتيبه، وحسْنُ ترتيله.\rقال بعض الحكماء: الحكمة مُوقِظَةٌ للقلوب من سِنَة الغفْلة، وَمُنْقذَة للبصائر من سَكْرَةِ الْحَيْرَة، ومُحْيِيَة لها من مَوْتِ الجهالة، ومُسْتَخْرِجة لها من ضيقِ الضَلالَة؛ والعلمُ دواء للقلوب العليلة، ومِشْحَذٌ للأذهان الكليلة، ونورٌ في الظلمة، وأُنْسٌ في الوَحْشَةِ، وصاحبٌ في الوَحْدَة، وسَمِيرٌ في الْخَلْوةِ، ووصْلَةٌ في المجلس، ومادَّةٌ للعقل وتَلْقيحٌ للفهم، ونَافٍ للعِيّ المُزْرِي بأهْلِ الأحْسَابِ، المقصِّرِ بذوي الألباب؛ أنطق اللّه سبحانه أهله بالبيان الذي جعله صفةً لكلامه في تنزيله، وأيدَ به رُسُلهُ إيضاحاً للمشكلات، وفصْلاً بين الشبهات: شَرَّفَ به الوضيعَ، وأعزَّ به الذليلَ، وسوَّدَ به المَسُود، من تحلَى بغيره فهو معطَّلُ، ومن تَعَطَّل منه فهو مغفّل، لا تُبْلِيه الأيام، ولا تَخْتَرِمُه الدهور، يتجدَدُ على الابتذال، ويَزْكُو على الإنفاق؛ للّه على ما منَّ به على عبادِه الحمدُ والشُّكْرُ.\rرجع إلى البلاغة","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلَغك الجنَة، وَعَدَلَ بك عنِ النار، وبصَرَك مَوَاقع رُشْدِك، وعواقبَ غَيّك. قال السائل: ليس هذا أُريد، قال: من لم يُحسِن أن يسكُتَ لم يُحْسِنْ أن يَسْتَمِع، ومن لم يُحسِنْ الاستماعَ لم يُحْسِن القولَ، قال: ليس هذا أُريد، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: \" إنَّا معشرَ الأنبياء فينا بَكْءٌ \" أي قِلَةُ كلام؛ وكانوا يكرهون أن يزيد منطقُ الرجل على عَقْله، قال السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فِتْنَة القولِ ومن سقطَاتِ الكلام ما لا يخافون من فِتنَةِ السكوت، وسقَطَاتِ الصَمْتِ، قال: ليس هذا أُريد، قال عمرو: يا هذا، فكأَنك تريدُ تَحْبير اللفظ في حسن الإفهام، قال: نعم، قال: إنَك إن أردتَ تقريرَ حُجَّةِ اللَّهِ عزَّ وجلّ في عقول المكلّفين، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتَزْيين تلك المعاني في قلوب المُريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة في الأذهان، رغبةً في شرْعة إجابتهم، ونَفْيِ الشواغلِ عن قلوبهم، بالموعِظَة الحسنة على الكتاب والسنة - كنت قد أُوتيت الحكمةَ وفَصْلَ الخطابِ، واستوجَبْت من اللّه جزيلَ الثواب، فقيل لعبد الكريم بن روح الغِفاري: مَنْ هذا الَذِي صَبَرَ له عَمْرو هذا الصبر؟ قال: سألتُ عن ذلك أبا حفص الشمري، فقال: ومن يَجْتَرِئ عليه هذه الجرأة إلاَ حفص بن سالم.\rوعمرو بن عبيد بن باب هو رئيسُ المعتزلة في وَقْته، وهو أوَلُ من تكلّم على المخلوق، واعتزلَ مجلسَ الحسن البصري، وهو أول المعتزلة.\rودخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور، فقال: عِظْني، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَ اللّه أعطاكَ الدنيا بأسْرِها، فاشْتَرِ نفسَك منه ببعضها؛ يا أميرَ المؤمنين، إن هذا الأمرَ لو كان باقياً لأحَدٍ قبلَك ما وصل إليك، أَلمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُكَ بِعَادِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ؟ قال: فبكى المنصور حتى بَل ثوبه. ثم قال: حاجتَك يا أبا عثمان! وكان المنصور لَمَّا دخل عليه طرَح عليه طَيْلَساناً، فقال: يُرْفَعُ هذا الطيلسان عني! فرُفع، فقال أبو جعفر: لا تَدَعْ إتياننا؛ قال: نعم، لا يضمُني وإياك بلد إلاّ دخلتُ إليك، ولا بَدَتْ لي حاجة إلاَ سألتُكَ، ولكن لا تُعْطِني حتى أسألك، ولا تَدْعُني حتى آتيك، قال: إذاً لا تأتينا أبداً.\rوقد رُوي مثل هذا لابن السماك مع الرشيد.\rوقوله: لو كان هذا الأمر باقياً لأحدٍ قبلَك ما وصل إليك كقول ابن الرومي: الطويل:\rلعمرُك ما الدُّنيا بدارِ إقامةٍ ... إذا زال عن عَيْنِ البصيرِ غِطاؤها\rوكيف بقاءُ الناسِ فيها وإنما ... يُنال بأسْبَاب الفَنَاء بقاؤها؟\rووعظ شبيب بن شبة المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، إن اللّه لم يجعل فوقك أحداً، فلا تَجْعَلْ فوق شكره شكراً.\rودخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده المهدي فقال له: هذا ابنُ أخيك المهدي، وليُ عهد المسلمين، فقال: سمَيْتَه اسماً لم يستحقّ حمله، ويفضي إليكَ الأمر وأنت عنه مشغول.\rوكان عمرو بن عبيد يقول: اللهمَ أغْنِنِي بالافتقارِ إليك، ولا تُفْقرْني بالاستغناء عنك.\rوقال له المنصور: يا أبا عثمان، أعِنَي بأصْحَابك: قال: يا أميرَ المؤمنين، أظْهِرِ الحق يَتْبَعْكَ أهلُه.\rوقال عمر الشمري: كان عمرو بن عبيد لا يكادُ يتكلَم، وإنْ تكلَم لم يَكَدْ يُطيل؛ وكان يقول: لا خيرَ في المتكلِّم إذا كان كلامُه لمن يَشْهَدهُ دونَ قائله، وإذا طال الكلامُ عرضَتْ للمتكلّم أسبابُ التكلف، ولا خيرَ في شيء يَأْتيك به التكلف.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"قال معمر بن الأشعث: قلت لبَهْلَةَ الهندي أيام اجتلَبَ يحيى بن خالدٍ أطباءَ الهند: ما البلاغةُ عند أهلِ الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ولكنني لا أحسِن ترجمتَها، ولم أُعالجْ هذه الصناعَةَ، فأَثِقَ من نفسي بالقيام بخصائصها، ولطيفِ معانيها. قال ابنُ الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها: أولُ البلاغة اجتماعُ آلة البلاغة، وذلك أن يكونَ الخطيب رابطَ الجأش، ساكنَ الجوارحِ، قليل اللَحْظِ، متخير اللفظ، لا يكلم سيدَ الأمَة بكلام الأمة، ولا الملوكَ بكلام السُّوقة، ويكون في قُوَاهُ فَضْلُ التصرف في كل طبقة، ولا يدقّق المعاني كلَّ التدقيق، ولا يُنقحُ الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفيها كل التصفية، ولا يهذّبها غايةَ التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادفَ حكيماً، أو فيلسوفاً عليماً، ومن قد تعوَّد حَذْفَ فُضُول الكلام، وإسقاطَ مشتركات الألفاظ، وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لا على جهة التصفِّح والاعتراض، ووجه التظرُّف والاستظراف.\rقال إسحاق بن حسان بن قوهي: لم يفسّر أحد البلاغة تفسيرَ عبد اللّه ابن المقفع إذ قال: البلاغةُ اسمٌ لمعانٍ تَجْرِي في وجوهٍ كثيرة، فمنها ما يكونُ في الاستماع، ومنها ما يكونُ في السكوت، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكونُ في الحديث، ومنها ما يكونُ في الاحتجاج، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكونُ جواباً، ومنها ما يكون سَجْعاً، ومنها ما يكون خُطَباً، ومنها ما يكون رسائلَ، فغايةُ هذه الأبواب الوَحْيُ فيها والإشارة إلى المعنى؛ والإيجازُ هو البلاغة، فأمّا الخطب فيما بين السِّماطين، وفي إصلاح ذات البين، فالإكثارُ في غير خَطَل، والإطالةُ في غير إملال، ولكن لِيَكن في صَدْرِ كلامِك دليلٌ على حاجتك، كما أَنَّ خيرَ أبياتِ الشعر البيتُ الذي إذا سمعتَ صَدْرَه عرفتَ قافيته كأنه يقول فرِّق بين صدر خطبة النكاح وخطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة التَّوَاهُب، حتى يكونَ لكل فَنٍّ من ذلك صَدْرٌ يدل على عجُزِهِ فإنه لا خيرَ في كلام لا يدلُ على معناك، ولا يشيرُ إلى مَغْزاك، وإلى العمود الذي إليه قَصَدْت، والغرض الذي إليه نزعْت.\rفقيل له: فإنْ ملَّ المستمعُ الإطالة التي ذكرت أنها أحق بذلك الموضع؟ قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمتَ بالذي يجب من سياسة الكلام، وأرضيتَ مَنْ يعرف حقوقَ ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو؛ فإنهما لا يَرْضَيَان بشيء؛ فأمّا الجاهِلُ فلستَ منه وليس منك، ورضا جميع الناس شيءٌ لا يُنَال.\rالإطالة والإيجاز\rوقد مدحوا الإطالة في مكانها، كما مدحوا الإيجازَ في مكانه. قال أبو داود ابن جرير في خطباء إياد: الكامل:\rيَرْمُونَ بالخطب الطوال، وتارةً ... وَحْيَ المَلاحظِ خِيفَة الرقباء\rقال أبو وَجْزة السعدي يصف كلام رجل: الكامل:\rيَكْفي قليلُ كلامِه، وكثيرُهُ ... ثَبتٌ، إذا طَالَ النِّضَالُ، مُصِيبُ\rوأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرَد ولم يسمِّ قائلَه، وهو مولّد ولم ينقصه توليدُه من حظّ القديم شيئاً: المتقارب:\rطَبِيبٌ بداء فُنُون الكلا ... م لَمْ يَعْيَ يوماً ولم يَهْذُرِ\rفإنْ هو أَطْنَبَ في خُطْبَةٍ ... قَضَى للمُطِيل على المُنْزر\rوإن هو أَوْجَزَ في خُطبَةٍ ... قَضى للمُقِلِّ على المُكْثِرِ\rوقال آخر يصف خطيباً: الكامل:\rفإذا تكلَّم خِلْتَهُ متكلّماً ... بجميع عِدَّةِ أَلْسُنِ الخطباءِ\rفكأن آدم كان علّمه الّذِي ... قد كان عُلِّمَهُ مِنَ الأسماءِ\rوكان أبو داود يقول: تلخيص المعاني رِفق، والاستعانة بالغريب عَجْز، والتشدق في الإعراب نقْصٌ، والنظرُ في عيون الناس عِيّ، ومسُّ اللحية هُلك، والخروجُ عما بُنِي عليه الكلام إسهاب.\rوقال بعضهم يهجو رجلاً بالعيّ: الطويل:\rمَلِيءٌ بِبُهْرٍ والتفاتٍ وسعلةٍ ... ومَسْحَةِ عثُنُونٍ وفَتْل الأصابع","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ووصف العتابي رجلاً بليغاً فقال: كان يُظْهِر ما غَمض من الحجة، ويصور الباطلَ في صورة الحقّ، ويُفْهِمك الحاجةَ من غيرِ إعادة ولا استعانة. قيل له: وما الاسْتِعَانة؟ قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسْمَع، وفَهِمت! وما أشبهَ ذلك. وهذا من أَمَاراتِ الْعَجْزِ، ودلائل الحصَرِ! وإنما ينقطعُ عليه كلامه فيحاولُ وصْلَه بهذا، فيكون أشدَ لانْقطَاعِه.\rوكان أبو داود يقول: رَأسُ الخَطَابة الطَّبْع، وعمودها الدربة، وجَناحَاها رِوَاية الكلام، وحَلْيُها الإعراب، وبهاؤُهَا تخيرُ اللفظ؛ والمحبةُ مقرونة بقلة الاستِكْراه.\rوقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: قال بعض جهابِذَةِ الألفاظ، ونفاد المعاني: المعاني القائمةُ في صدور الناس، المختلجة في نفوسهم، والمتصورة في أذهانهم، المتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرفُ الإنسانُ ضميرَ صاحبه، ولا حاجةَ أخيه وخليطِهِ، ولا معنى شريكه والمعاون له على أمره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلاّ بغيره، وإنما يحيي تلك المعاني ذِكْرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها.\rوهذه الخصالُ هي التي تقرّبها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفيَّ منها ظاهراً، والغائب شاهداً، والبعيدَ قريباً. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقَيداً، والمقيّد مطلقاً، والمجهول معروفاً، والوَحْشِي مألوفاً، والغفل موسوماً، والموسوم معلوماً؛ وعلى قدْرِ وضوحِ الدلالة، وصواب الإشارة، وحُسْنِ الاختصار، ودقة المدْخَلِ، يكون ظهورُ المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضَحَ وأفصَحَ، وكانت الإشارة أَبْيَن وأنور، كانت أنفع وأنجع في البيان. والدلالةُ الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله يمْدَحه، ويَدْعُو إليه، ويحث عليه؛ بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم.\rوالبيان: اسمٌ لكل شيء كَشَفَ لك عن قناع المعنى، وهَتَك لك الْحُجُبَ دون الضمير، حتى يُفْضِيَ السامعُ إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل؛ لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائْلُ والسامع إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأيّ شيء بلَغْتَ الإفهامَ وأوضحتَ عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع.\rثم اعْلَمْ - حَفِظَكَ اللَهُ! - أن حُكْمَ المعاني خلافُ حكم الألفاظ؛ لأَنَّ المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعاني محصورة معدودة، ومحصلة محدودَة.\rوجميعُ أصْنَافِ الدلالات على المعاني من لفظٍ أو غيره خمسةُ أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللَفظ، ثم الإشارة، ثم العُقد، ثم الخطّ، ثم الحال التي تسمى نُصبة. والنُّصبَة هي الحالُ الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تَقْصُرُ عن تلك الدلالات.\rولكل واحدةِ من هذه الدلائل الخمسة صورةٌ بائنةٌ من صورةِ صاحبتها، وحِلْيَةٌ مخالفة لِحِليَةِ أختها؛ وهي التي تكشف لك عن أَعْيَان المعاني في الجملة، وعن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأَقْدَارِها، وعن خاصّها وعامِّها، وعن طبقاتها في السار والضارّ، وعما يكون منها لَغْواً بَهْرَجاً، وساقطاً مُطَّرَحاً.\rوفي نحو قول أبي عثمان: إنَ المعاني غير مقصورة ولا محصورة يقول أبو تمام الطائي لأبي دُلَفَ القاسِمِ بن عيسى العجْلِيَ الطويل:\rولو كان يَفْنَى الشعرُ أَفْنته ما قَرَتْ ... حِيَاضُكَ منه في العصورِ الذَّوَاهِبِ\rولكنه فَيْضُ العقولِ إذا انجلَتْ ... سحائبُ منه أُعْقِبَتْ بَسَحَائِبِ\rكما أشار إلى قول أوْس بن حَجر الأسدي: الطويل:\rأقول بما صَبتْ عليَّ غمامتي ... وجهديَ في حبل العشيرة أحطِبُ\rوقال بعضُ البلغاء: في اللسان عشرُ خصالٍ محمودة، أداةٌ يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير؛ وحاكمٌ يفصل الخطاب، وواعظٌ يَنْهَى عن القبيح، وناطق يردُ الجواب، وشافع تُدْرَك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، ومُعْرِبٌ يُشْكَر به الإحسان، ومُعَز تذهب به الأحْزان، وحامِدٌ يذهبُ الضغينةَ، ومونق يلهي الأسماع.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وقال أبو العباس بن المعتز: لحظةُ القلب أسرع خطرةً من لحظة العين، وأبعدُ مَجالاً، وهي الغائصة في أعماق أوْدِيةِ الفكر، والمتأملة لوجوه العواقب، والجامعةُ بين ما غاب وحَضَر، والميزانُ الشاهدُ على ما نَفَع وضَرَّ، والقلبُ كالمُمْلِي للكلام على اللسان إذا نطق، واليد إذا كتبت، والعاقل يكسو المعاني وَشْيَ الكلام في قلبه، ثم يُبديها بألفاظ كَوَاسٍ في أحسن زينة، والجاهلُ يستعجلُ بإظهار المعاني قبل العناية بتزيين مَعَارضها، واستكمال محاسنها.\rوقيل لجعفر بن يحيى البرمكي: ما البيان؟ قال: أن يكونَ الاسمُ يحيط بمعناك، ويَكْشِف عن مَغْزَاكَ، ويخرجه من الشركة، ولا يُسْتَعان عليه بالفكر، ويكون سليماً من التكلُفِ، بعيداً من الصَّنعة، بَرِيئاً من التعقيد، غَنِيًّاً عن التأويل.\rوذكر سهل بن هارون - وقيل ثُمَامة بن أشرس - جعفرَ بن يحيى فقال: قد جَمَع في كلامه وبلاغته الهَذَّ والتمهل، والجزالة والحلاوةَ، وكان يُفهم إفهاماً يُغْنيه عن الإعادة للكلام. ولو كان يَسْتَغني مستغنٍ عن الإشارة بمنطقه لاستغنى عنها جعفر. كما استغنى عن الإعادة فإنه لا يتَحبَّسُ ولا يتوقف في منطِقه ولا يتلَجْلَجُ، ولا يتسعَّل، ولا يترقّب لفظاً قد استدعاه من بُعْد، ولا يتلّمس معنًى قد عصاه بعد طلبه له.\rوقيل لبشَّار بن بُرْد: بِمَ فقْتَ أهل عمرك، وسبقتَ أهْلَ عصرك، في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تُورِدُهُ علي قريحتي، ويُنَاجيني به طَبْعِي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسِرْتُ إليها بفهمٍ جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سَبْرَها، وانتقيت حُرها، وكشفتُ عن حقائقها، واحترزتُ من متكلَفها، ولا والله ما ملك قيادي قَطُ الإعجابُ بشيء مما آتي به.\rوكان بشارُ بن برد خطيباً، شاعراً، راجزاً، سجاعاً، صاحب منثور ومزدوج، ويلقب بالمرعَّث لقوله: مجزوء الخفيف:\rمَنْ لِظَبْي مُرعَثٍ ... ساحر الطَّرْفِ والنظَرْ\rقال لي لن تنالني ... قلت أو يغلب القَدَرْ\rوليس هذا موضع استقصاء ذكره، واختيار شعره، وسأستقبل ذلك إن شاء اللّه.\rوقال الوليد بن عبيد البحتري: كُنْتُ في حَدَاثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أرْجِعُ فيه إلى طبْعٍ، ولم أكُنْ أقِف على تسهِيل مَأْخَذِهِ، ووجوه اقتضابه، حتى قصدْتُ أبا تمام، وانقطعت فيه إليه، واتكَلْتُ في تعريفه عليه؛ فكان أول ما قال لي: يا أبا عُبَادة؛ تخير الأوقاتَ وأنت قليلُ الهموم، صِفْرٌ من الغموم، واعلم أن العادةَ جرت في الأوقاتَ أن يقصد الإنسانُ لتأْلِيفِ شيءً أو حِفْظِه في وَقْتِ السَّحَر؛ وذلك أن النَّفْسَ قد أخذَتْ حظها من الراحة، وقِسْطَها من النوم، وإن أردتَ التشبيب فاجعل اللفظ رشيقاً، والمعنى رقيقاً، وأكْثِر فيه من بيان الصَّبابة، وتوجُّع الكآَبة، وقلق الأشواق، ولَوْعَة الفراق، فإذا أخذتَ في مديح سيّد ذي أيادٍ فأشْهِر مناقبَه، وأظهر مناسبه، وأبِنْ معالمه، وشَرِّفْ مقامه؛ ونَضِّدِ المعاني، واحذر المجهولَ منها، وإيَّاك أن تَشين شِعْرَك بالألفاظ الرديئة، ولتكن كأنك خيَّاط يقطع الثيابَ على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجَرُ فأَرحْ نفسَك، ولا تعمل شعرك إلاّ وأنْتَ فارغُ القلبِ، واجعل شهوتَكَ لقولِ الشعر الذريعةَ إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة نِعْمَ المعين، وجملةُ الحال أنْ تعتبر شعرَك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسن العلماءُ فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء اللّه.\rقال: فأعملت نفسي فيما قال فوقفت على السياسة.\rوقالوا: البليغ مَنْ يَحُوك الكلامَ على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدُود المعاني.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ولذكر الطائي الليل ذكر بعض أهل العصر - وهو أبو علي محمد بن الحسن ابن المظفَّر الحاتمي - الليلَ فقال: فيه تَجُمُّ الأذهانُ، وتنقطع الأشغال، ويصحّ النظر، وتؤلّف الحكمة، وتدرّ الخواطرَ، ويتسع مَجَالُ القلب، والليل أَضْوَأ في مذاهب الفكر، وأَخْفى لعمل البر، وأعون على صَدَقة السّرّ، وأصحّ لتلاوة الذكر، ومُدبِّرُو الأمور يختارون الليلَ على النهار، فيما لم تصف فيه الأناة لرياضة التدبيرِ وسياسة التقدير، في دَفْع الملّم، وإمضاء المهمّ، وإنشاء الكتب، وتصحيح المعاني، وتقويم المباني، وإظهار الْحُجَج، وإيضاح المَنْهَج، وإصابة نَظْمِ الكلام، وتقريبه من الأفهام.\rوقال بعض رؤساء الكتاب: ليس الكِتَابُ في كل وقتٍ على غير نسخة لم تُحَرَر بصواب؛ لأنه ليس أحدٌ أولى بالأناة وبالرويّة من كاتب يَعْرِض عقله، وينشرُ بلاغته؛ فينبغي له أن يعمل النسخ ويرويها، ويقبل عَفْوَ القريحة ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميعَ الناس أعداء له، عارفون بكتابه، منتقدون عليه، متفرغون إليه.\rوقال آخر: إنّ لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجِدّةً تعجب، فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمل، وصَفَت النَفس، فليعد النظر، وليكن فَرًحُه بإحسانه، مساوياً لغمَه بإساءته؛ فقد قالت الخوارج لعبد الله بن وهب الراسي: نبايعك الساعة فقد رأينا ذلك، فقال: دَعُوا الرأي حتى يبلغ أناته، فإنه لا خيرَ في الرأي الفَطير، والكلام القضيب.\rوقال معاوية بن أبي سفيان، رحمه الله، لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا وكذا. فقال: أريد أن أًصْقُلَ عقلي بنَوْمَة القائلة، ثم أروح فأقول بعدُ ما عندي.\rقال الشاعر: البسيط:\rإن الحديث تَغُر القومَ جَلْوَتُهُ ... حتى يغيّرَه بالوَزْنِ مضمارُ\rفعند ذلك تستكفي بلاغتهُ ... أو يستمرّ به عِيّ وإكْثَارُ\rوقالوا: كل مُجْرٍ بالْخَلاء يُسَرُ، وقال أبو الطيب المتنبي: الخفيف:\rوإذا ما خَلاَ الْجَبانُ بأَرْضٍ ... طَلَبَ الطعْنَ وَحْدَه والنّزالاَ\rوكان قلم بن المقفع يَقفُ كثيراً، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يَزْدَحِمُ في صدري، فيقف قلمي ليتخير.\rوقالوا: الكِتابُ يُتصفح أكثر ممّا يتصفح الخطاب؛ لأنَ الكاتب متخير، والمخاطِبَ مضطرّ، ومن يَرِدُ عليه كتابك فليس يعلم أأَسْرعْتً فيه أم أبطأت؛ وإنما ينظر أأخطأتَ أم أَصبتَ؛ فإبطاؤك غيرُ قادح في إصابتك، كما إن إسراعك غير مُغَط على غَلَطِك.\rووصف بعضُ الكتّاب النسخ فقال: ينبغي أن يصحَبها الفكر إلى استقرارها، ثم تُستبرأ بإعادة النظر فيها بعد اختيارها، ويوسَّع بين سُطُورِها، ثم تحرر على ثقةٍ بصحتها، وتُتأمل بعد التحرير حَرْفاً حرفاً إلى آخرها.\rفقد كتب المأمون مُصْحفاً اجتمع عليه؛ فكان أوله: بسم الله الرحيم، فأغفلوا الرحمن؛ لأن العينَ لا تَعتبرُ ذلك؛ ثقة أنه لا يُغْلَط فيه، حتى فَطِنَ المأمون له.\rوقال محمد بن عبد الملك الزيات للحسن بن وهب: حرر هذه النسخة وبكَر بها، فتصبح الحسن فقال له: لم تصبحت؟ قال: حتى تصفحت! وقال أحمد بن إسماعيل بَطاحَة: كان بعض العلماء الأغبياء ينظر في نسخهِ بعد نفوذ كُتُبه، فقال بعض الكتاب: السريع:\rمُستَلَبُ اللُب غَوِيُ الشباب عذَّبه الهَجْر أشدَ العذابْ\rيؤمل الصبر وأنى لَهُ ... به وقد مُكّن منه التَّصَابْ\rكناظرٍ في نسخهٍ يبتغي ... إصلاحَها بعد نفوذِ الكتابْ\rأوصاف بليغة في البلاغات\rعلى ألسنة أقوام من أهل الصناعات\rقال بعضُ من ولَد عقائل هذا المنثور، وألَف فواصل هذه الشذور: تجمَع قوم من أهل الصناعات، فوصفوا بلاغاتِهم، من طريق صناعاتهم: فقال الجوهري: أحسنُ الكلام نِظاماً ما ثقبته يَد الفكرة، ونظمته الفِطْنة، ووُصِل جَوْهَرُ معانيه في سُموط ألفاظه، فاحتملته نحورُ الرواة.\rوقال العطار: أطيبُ الكلامِ ما عُجِنَ عَنْبَر ألفاظه بمسْك مَعَانيه، ففاح نسيمُ نَشَقِه، وسطعت رائحة عبَقه، فتعلّقت به الرُوَاة، وتعطَرت به السَّراة.\rوقال الصائغ: خيرُ الكلام ما أَحْمَيْتَه بكِير الفِكر، وسبَكْتَه بمشَاعِل النّظر، وخلَّصته من خَبَث الإطناب، فبرز بروزَ الإبريز، في معنى وَجيز.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وقال الصيرفي: خيرُ الكلام ما نَقَدَتْهُ يدُ البصيرة، وجلَته عين الروية، ووزنْتَه بمِعْيار الفصاحة، فلا نظر يُزَيّفه، ولا سماعَ يُبَهْرِجُه.\rوقال الحداد: أحسن الكلام ما نصبت عليه مِنْفَخة القريحة، وأشعلْتَ عليه نارَ البصيرة، ثم أخرجتَه من فحم الإفحام، ورقَّقته بفطِّيس الإفهام.\rوقال النجار: خيرُ الكلام ما أحكمتَ نَجْرَ معناه بقدُوم التقدير، ونَشَرْتَه بمنشار التدبير، فصار باباً لبيت البيان، وعارِضة لسَقفِ اللسان.\rوقال النجاد: أحسنُ الكلام ما لطُفت رَفَارِف ألفاظه، وحسُنت مَطارح معانيه، فتنزّهت في زَرَابيِّ محاسنه عيونُ الناظرين، وأصاخت لنمارِق بَهْجَتهِ آذان السامعين.\rوقال الماتح: أبْيَن الكلام ما علقتْ وَذَمُ ألفاظه ببكرة معانيه، ثم أرسلته في قَلِيب الفطَن فمتحت به سقاء يكشِفُ الشبهات، واستنبطت به معنى يروي من ظمإ المشكلات.\rوقال الخياط: البلاغة قميص؛ فجُربانه البيان، وجَيْبُه المعرفة، وكُفَاه الوجازة، ودَخَارِيصه الإفهام، ودُرُوزُه الحلاوة، ولابس جَسَدُه اللفظ، وروحُه المعنى.\rوقال الصباغ: أحسن الكلام ما لم تنْضَ بهجة إيجازه، ولم تكشف صبغة إعجازه، قد صَقَلتْه يَدُ الروِيةِ من كُمُود الإشكال، فَرَاعَ كواعِبَ الآداب، وألَف عَذَارَى الألْبَابِ.\rوقال الحائِك: أحسنُ الكلام ما اتَّصَلت لُحمة ألفاظه بسَدَى معانيه، فخرج مُفوَّفاً مُنيراً، وموشَّى محبراً.\rوقال البزار: أحسن الكلام ما صدقَ رقم ألْفاظه، وحسن نَشْرُ معانيه فلم يستَعْجِم عنك نَشر، ولم يستبهم عليك طَيّ.\rوقال الرائض: خيرُ الكلام ما لم يخرج عن حَدِّ التَّخْليع، إلى منزلة التَّقْرِيب إلاَّ بعد الرياضة، وكان كالمُهْرِ الذي أطمع أوَل رياضته في تمام ثَقافته.\rوقال الجمَال: البليغُ من أخذَ بخِطام كلامه، فأناخَه في مَبْرك المعنى، ثم جعل الاختصار له عِقَالاً، والإيجاز له مَجالاً، فلم يَندَّ عن الآذان، ولم يشذَّ عن الأذهان.\rوقال المخنَّث: خيرُ الكلام ما تكسرَت أطرافُه، وتثنَّت أعطافه، وكان لفظه حُلَّة، ومعناه حِلْية.\rوقال الخمّار: أبلغُ الكلام ما طبَخَتْه مَرَاجِلُ العلم، وصَفَاه رَاوُوق الفَهْمِ، وضمَّته دِنَان الحكمة، فتمشَّت في المفاصل عُذُوبَتُه، وفي الأفكارِ رِقَته، وفي العقول حِدّته.\rوقال الفقاعي: خيرُ الكلام ما رَوَّحَتْ ألفاظُه غَبَاوَةَ الشكّ، ورفعت رِقَته فظاظةَ الجهل، فطاب حِساءُ فطنته، وعذُب مَصُّ جُرَعِهِ.\rوقال الطبيب: خيرُ الكلام ما إذا باشر دواءُ بيانه سَقَمَ الشُبهة استطلقت طبيعةُ الغباوة؛ فشُفِي من سوء التفهّم، وأورث صحة التوهم.\rوقال الكحَّال: كما أن الرمَد قذى الأبصارِ، فكذا الشبهة قَذَى البصائر، فاكْحَلْ عَيْنَ اللكنة بميلِ البلاغة، واجْلُ رمَصَ الغَفْلة بِمرْوَدِ اليقظة.\rثم قال: أجمعوا كلّهم على أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمْسُه، انكشف لَبْسه، وإذا صدقت أنواؤه اخضرّت أحماؤه.\rفِقرٌ في وصف البلاغة لغير واحد\rقال أعرابي: البلاغةُ التقرّب من البعيد، والتباعد من الكُلْفَة، والدلالة بقليل على كثير.\rقال عبد الحميد بن يحيى: البلاغة تقريرُ المعنى في الأفهام، من أَقْرَب وجوه الكلام.\rابن المعتز: البلاغةُ البلوغ إلى المعنى ولم يطل سَفَر الكلام.\rسهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروْض القلوب، وقال: العقل رائدُ الروح، والعلم رائدُ العقل، والبيان تَرجمان العلم.\rإبراهيم ين الإمام: يكفي من البلاغة ألا يُؤْتَى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتَى الناطق من سوء فهم السامع.\rالعتَّابي: البلاغة مدُ الكلام بمعانيه إذا قَصر، وحُسن التأليف إذا طال.\rأعرابي: البلاغة إيجاز في غير عَجْز، وإطناب في غير خَطَل.\rوكتب إبراهيم بن المهدي إلى كاتب له ورآَه يتبع وَحْشِيَ الكلام: إياك وتتبع الوحشي طمعاً في نَيْلِ البلاغة؛ فإن ذلك العِيُ الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل.\rوقال الصولي: وصف يحيى بن خالد رَجُلاً فقال: أخذ بزمام الكلام، فقاده أسهل مَقَاد، وساقه أجمل مَسَاق؛ فاسترجع به القلوبَ النافرة، واستصرف به الأبصار الطامحة.\rوسمع أعرابي كلامَ الحسن البصري رحمه الله، فقال: والله إنه لفصيح إذا نطق، نصيح إذا وَعَظ.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"قال الجاحظ: ينبغي للكاتب أن يكون رقيقَ حَوَاشي الكلام، عَذْبَ ينابيع اللسان؛ إذا حاور سدَد سهمَ الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم الخاصة بكلام العامة، ولا العامة بكلام الخاصة.\rوقال أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحراري: ما المنزلة التي إذا نزل بها الكاتب كان كاتباً في قوله وفعله واستحقاقه؟ قال: أن يكون مطبوعاً على المعرفة، مُحْتَنكاً بالتجربة، عارفاً بحلال الكتاب وحرامه، وبالدهور في تصرّفها وأحكامها، وبالملوك في سِيَرِها وأيامها، وأجناس الخط، وبادية الأقلام، مع تشاكل اللفظ وقرب المأخذ. قال الحسن: فليس في الدنيا إذاً كاتب.\rوقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.\rوقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسنُ الاقتضاب عند البَدَاهة، والغزارة يومَ الإطالة.\rوقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحُسْن الإشارة.\rوقيل للفارسي: ما البَلاَغة؟ قال: مَعْرِفة الفَصْل من الوصل.\rوقال علي بن عيسى الرُمّاني: البلاغةُ إيصال المعنى إلى القَلْبِ في أحسن صورة من اللفظ.\rومن كلام أهل العصر\rفي صفة البلاغة والبلغاء\rقال علي بن عيسى الرماني: أبلغ الكلام ما حَسُنَ إيجازه، وقلَّ مَجازه، وكثر إعجازه، وتناسبَتْ صدوره وأعجازه.\rأبلغ الكلام ما يُؤْنِس مُسْمِعَه، ويُوئس مضيّعه.\rالبليغ من يجتني من الألفاظ أنوارَها، ومن المعاني ثمارها.\rليست البلاغةُ أن يُطال عِنانُ القلم أو سِنَانه، أو يُبْسِط رهان القول ومَيْدَانه، بل هي أنْ يبلغ أمد المراد بألفاظ أعْيان، ومعان أَفْراد، من حيث لا تَزَيُّدٌ على الحاجة، ولا إخْلاَل يُفْضِي إلى الفاقة.\rالبلاغة ميدان لا يُقْطَع إلا بسوابق الأذهان، ولا يُسْلَك إلاَّ ببصائر البيان.\rفلان يعبث بالكلام، ويقوده بأَلين زمام، حتى كأنَّ الألفاظ تتحاسدُ في التسابق إلى خواطره، والمعاني تتغايَرُ في الانْثِيَال على أنامِله.\rهذا كقول أبي تمام الطائي: البسيط:\rتغَايَرَ الشعرُ فيه إذ سَهِرْتُ لَهُ ... حتى ظننتُ قوافيهِ ستَقْتَتِلُ\rفلان مشرفي المشرق، وصَيْرَفيّ المنطق. البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفوُ خطراته. كأنما أوحى بالتوفيق إلى صَدْره، وحسن الصواب بين طَبْعه وفكره.\rفلان يحزّ مَفَاصِل الكلام، ويسبق فيها إلى دَرك المرام، كأَنما جمع الكلام حولَه حتى انتقى منه وانتخَب، وتناول منه ما طَلَب، وترك بعد ذلك أذْنابَاً لا رؤوساً، وأَجْساداً لا نفوساً.\rفلان يَرْضَى بعَفْو الطَّبْع، ويقنع بما خفَّ على السمع، ويُوجِز فلا يخِلُّ، ويطُنِب فلا يُمِلّ، لله فلان أخذ بأزمَّة القول يقودُها كيف أراد، ويَجْذبُها أنَى شاء؟ فلا تعصيه بين الصَّعب والذُّلُول، ولا تسلمه عند الحُزونة والسّهول، كلامه يشتدّ مرَّة حتى تقول الصخْر الأملس، ويَلين تارةً حتى تقولَ الماء أو أَسْلَس، يقول فيَصُول، ويُجِيب فيصيب، ويَكْتُب فيطبِّقُ المَفْصِل، أو يُنَسِّقُ الدرَّ المفَصَّلَ، ويَرِدُ مشارعَ الكلامِ وهي صَافِيَة لم تُطرَق، وجامَة لم تُرَنَّق، خاطِرُهُ البَرْقُ أو أسرَع لمعاً، والسيْفُ أو أحَدُّ قَطْعاً، والماء أو أَسلَس جَرياً، والفلك أو أقْوَم هَدْياً؛ هو ممن يسهلُ الكلام على لفظه، وتتزاحَمُ المعاني على طَبْعِه، فيتناول المَرْمَى البعيدَ بقريب سَعْيِه، ويستَنْبِطُ المَشْرَع العميق بيسيرِ جَرْيِه، لسانُه يَفلِق الصّخُور، ويغيض البحور، ويُسْمِع الصم، ويستنزل العُصْمَ، خَطيب لا تنالُه حُبْسة، ولا ترتهنه لُكْنَة، ولا تتمشّى في خطابه رنة، ولا تتحيَّف بيانه عُجْمَة، ولا تعترض لسانه عُقْدة.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"فلان رقيق الأَسَلَة، عذب العذَبَة لو وُضِع لسانُه على الشَّعْر حَلَقه، أَوْ على الصَّخْر فَلَقه، أو على الجمر أحرقه، أو على الصَفَا خرقه، قد أحسن السّفارة، واستوفى العبارة، وأدى الألفاظ، واستغرق الأغراض، وأصاب شواكِلَ المراد، وطبَّق مفَاصِلَ الشَداد، وبسط لسانَ الخطابِ، ومدَّ أطناب الإطناب، وطلب الأمَدَ في الإسهاب، قالَ حتى قال الكلامُ: لو أُعفيت! وكتَب حتى قالت الأقلامُ: قد أحفيت، قد اتَسَع له مَشْرَعُ الإطناب، وانفرج له مَسْلَك الإسهاب، أرسل لسانَه في مَيْدانِهِ، وأرخى له من عنانه، قال وأطال، وجَالَ في بَسْطِ الكلام كلَّ مَجال، إذا اسْحَنْفَر في الكلام طَفَح آذِيه، وسَال أتِيُّه، وانثال عليه الكلام كانثِيَال الغمام، واستجاب له الخِطاب كصَوْب الرَباب. ألفاظٌ كغمزات الألْحَاظ، ومَعان كأنها فكُّ عَانٍ! ألفاظ كما نوَّرت الأشجار، ومَعَانٍ كما تنفَّست الأسْحَار، ألفاظ قد استعارت حلاوةَ العِتابِ بين الأحباب، واستلانَتْ كتشكَي العُشاق يوم الفراق. كلامٌ قريب شاسِع ومُطمع مانِع، كالشمس تَقرب ضياءً، وتبعد علاءً، أو كالماء يَرْخُص موجوداً، ويغلو مفقوداً. كلامٌ لا تمجه الآَذان، ولا تُبليه الأزمان، كالبُشْرَى مسموعة، أو أزاهير الرياض مجموعه، ومعان كأنْفَاس الرياح، تَعْبَقُ بالرَيْحَان والراح.\rكلام سَهْلُ متسلسل، كالمدام بماء الغمام، يقرب إذنه على الأفهام.\rكلام كبَرْد الشَّراب على الأكبادِ الحِرَار، وبُرْد الشباب في خلع العِذار.\rكلام كثيرُ العيونِ، سَلِسُ المتون، رقَيقُ الحواشي، سَهْل النواحي.\rكلام هو السِّحْرُ الحلالُ، والماء الزُّلال، والبُرُود والحِبَر، والأمثال والعِبَر، والنعيم الحاضر، والشباب النَّاضِرِ.\rنظرت منه إلى صورةِ الطرف بَحْتاً، وصورة البلاغة سَبْكاً ونحتاً، ألفاظ هي خُدَع الدهر، وعُقَد السحر.\rكلام يسرّ المحزون، ويُسَهِّل الْحُزون، ويعطل الدرّ المخزون. كلامٌ بعيد من الكُلَف، نقيّ من الكَلَف.\rكلام كما تنفّس السَّحَر عن نسيمه، وتبسّم الذُرُّ عن نظيمه، ألفاظ تأنَّقَ الخاطر في تَذْهِيبها، ومعَانٍ عُنِي الفهمُ بتهذيبها. ألفاظ حسبتها من رِقتها منسوخة في صحيفة الصّبا، وظننتها من سلاستها مكتوبةً في نَحْر الهوى.\rكلام كالبُشْرى بالولد الكريم، قُرعَ به سَمْعُ الشيخ العقيم.\rكلام قرُب حتى أطْمع، وبَعُد حتى امتنعَ، وقرُب حتى صار قابَ قوْسَيْن أو أدنى، ثم سما وعلا حتى صار بالمنزل الأعْلى. رقيق المزاج، حُلْو السماع، نقيُ الشَبْك، مقبول اللَفْظ. قرأت لفظاً جلياً، حَوى معنًى خفيّاً، وكلاماً قريباً، رَمَى غرضاً بعيداً. لو أنَّ كلاماً أُذِيبَ به صَخْر، أو أُطْفئَ به جَمْر، أو عُوفي به مريض، أو جُبر به مَهِيض لكان كلامَه الذي يقودُ سامعيه إلى السجود، ويجري في القلوب كجَرْي الماء في الْعُود. ألفاظه أنوار، ومعانيه ثمار. كلامُه أنْسُ المقيم الحاضر، وزادُ الراحل المسافر. كلامُه يُصغِي إليه المقبور، وينتفض له العُصفور، كلامٌ يقضي حق البيان، ويملك رِقّ الْحُسْنِ والإحسان، كلامٌ منه يجتني الدر، وبه يُعْقَدُ السحْر، وعنده يُعْتِب الدهر، وله يَنْشَرِحُ الصدر.\rومن ألفاظهم\rفي وصف النظم والنثر والشعر والشعراء","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"نثر كنثر الورد، نَظْمٌ كنظمِ العِقد. نثر كالسحر أو أَدَقُّ، ونظمٌ كالماء أو أرقُّ. رسالة كالرَوْضَة الأنيقة، وقصيدة كالمخدرة الرشيقة. رسالة تَقْطُر ظَرْفاً، وقصيدة تمزجُ بماء الرَاح لطفاً. نثره سِحْرُ البيان، ونَظْمه قِطَعُ الْجُمان. نثرٌ كما تفتح الزهَر، ونظم كما تنفَّس السَحَر. نثر ترقُّ نواحيه وحَوَاشِيه، ونَظْمٌ تروقُ ألفاظه ومعانيه. نثر كالحديقة تفتَّحت أَحْدَاق ورْدِها، ونظم كالْخَرِيدة تورَدَتْ أسرارُ خَدِّها. رسالة تَضْحَك عن غُرَر وزَهَر، وقصيدة تنطوي على حِبَر ودرَر. لم تَرْضَ في بِرك، بأخوات النّثرة من نثرك، حتى وصلتها ببنات الشِّعرى من شِعْرك. كلام كما هَبَ نَسيمُ السحر، على صفحات الزهر، ولذَ طعمُ الكَرَى بعد برْحِ السَهر. وشِعْر في نفسه شاعر، تُوسم به المواسم والمشاعر. كلام أنْسَى حلاوة الأولاد بحلاوته، وطلاوَةَ الربيع بطلاوته، وشِعْر من حلَّةِ الشباب مسروق، ومن طِينة الوِصال مَخْلُوق. قصيدة، في فنها فرِيدة، هي عروس كُسْوَتُها القوافي، وحِلْيَتُها المعاني. شِعرٌ يترقْرَقُ فيه ماء الطبع، ويرتفع له حجابُ القَلْب والسمع. شعر لا مزية الإعجاز أَخْطَأَتْه؛ ولا فضيلة الإيجاز تخطته شعرٌ رَوَيْتُه لما رأَيتْه، وحَفِظْتُه لما لحظته. أبياتٌ لو جُعلت خلعاً على الزمان لتحَلَى بها مُكاثراً، وتجلَى فيها مُفَاخراً. شِعْرٌ رَاقَني، حتى شاقني، فإنه مع قُرْبِ لفظه بعيدُ المرام، مُمَرَّ النظام، قويّ الأسْر، صافي البَحْر. نظمٌ قد ألبِس من البداوة فَصَاحَتها، وغُشًي من الحضارة سَجَاحتها فإن شئت قلت عَبِيد ولَبِيد، وإن شئتَ حَبيب والوليد قصيدتُه رَوْضَة تجتنىَ بالأفكار، ونَقْل يتَناوَلُ بالأسماع والأبصار، ونَقْلُ العلم والأدب، ألَذُ من نَقْل المأكْل والمشرب، وفاكهةُ الكلام، أطيبُ من فاكهة الطعام. نظم كنظم الْجُمَان، ورَوْض كالجنَان، وأمنِ الفؤاد، وطيبِ الرُقاد. قصيدةٌ لم أَرَ غيرها بكْراً، استوفَتْ أقسامَ الْحُنكة، واستَكْملَتْ أحْكامَ الدُّرْبَة؛ فعليها روْنَق الشباب، ولها قُوَةُ المُذْكيَات الصلاب، روح الشعرِ، وتاجُ الدهر، ومقدمة عساكر السحر. كل بيت شعر خيرٌ من بيت تِبْر. شعر يُحكم له بالإعجاز والتَّبْريز، ويشبه في صفاء سَبْكه بالذّهب الإبريز. شعر تَأتِلفُ القلوب على دُرَرِه ائتلافاً، وتصير الآذان له أصدافاً. للّه دره ما أحْلى شعره! وأنقى دُرَه، وأعْلى قدره، وأعجب أمْره! قد أخذ برِقاب القوافي، ومَلك رِقّ المعاني، فَضْله بُرْهان حق، وشعره لِسَان صدق. فلان يُغرب بما يَجْلِب، ويُبْدِعُ فيما يصنع، حَسَنُ السبك، مُحْكم الرَصْف، بديع الوَصْفِ، مرغوب في شِعْرِه، مُتَنافس في سحره. هو ضارِب في قِدَاح الشعر بأَعْلى السهام، آخِذٌ في عيون الفضل بأَوْفى الأقسام، شِعَاره أشعارُه، ودأبه آدابه، هو ممن يَبْتَدِهُ فيبتدع، طبعه يُمْلي عليه، ما لا يُمَل الاستماع إليه. قَرِيحة غير قَرِيحة، وطَبْعٌ غير طَبع، وخِيم غيرُ وخيم، لبيد عنده بَليد، وعَبِيد لديه من العَبيد، والفرزدقُ عنده أقل من فرزدقة خَمير، وجريرُ يُقَاد إليه بجَرير، قد نسجَ حُلَلاً لا يُبْلي جدَّتها الجديدان، ولا تزداد إلا حُسْناَّ عَلى تردُدِ الأزْمَان. نَظْمُه قد نظم حاشيتي البَرِّ والبَحْر، وأَدركَ ناحيتي الشرْقِ والغرب. أشعار قد وردَتِ المياه، وركِبت الأفواه، وسارت في البلاد، ولم تَسِرْ بِزَاد، وطارَتْ في الآفاق، ولم تَمْشِ على ساق. شعرُه أسيَر من الأمثال، وأسْرَى من الخيال، سار مسيرَ الرياح، وطار بغير جَناح. أشعارُه سارت مَسِيرَ الشمس، وهبًتْ هبوب الريح، وطبقت تخُومَ الأرض، وانتظمت الشرق إلى الغرب. قد كادت الأيامُ تنشدها، والليالي تَحْفَظُها، والجنّ تدرسها، والطير تتغنَّى بها. أبيات أسْفَر عنها طَبع المَجْدِ، فعلمت كيف يتكسّر الزَّهر على صفحات الحدائق، وكيف يغرس الدرّ في رياض المَهَارق. شِعْر قد أَحْسَن خِدْمَته بكمالِ فِكْره، ووقف كيف شاء عند عَالي أَمْره. شعرٌ يُعَلَق في كَعْبَةِ المجد، ويتوّج به مَفْرِقُ الدهر. جاءت القصيدة ومعها عِزّةُ المُلك، وعليها رواءُ الصدق، وفيها سِيماء العلم، وعندها لِسَانُ المجد، ولها صِيَال الحقِّ، لا غروَ إذا فاضَ بَحْرُ العلم على لسانِ الشَعْرِ أن ينتج ما لا عين","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وقعَت على مثله ولا أذن سَمِعَتْ بشبهه. شعر يكتب في غُرّة الدهر، ويشرح في جَبْهَة الشمس والبدر.عَت على مثله ولا أذن سَمِعَتْ بشبهه. شعر يكتب في غُرّة الدهر، ويشرح في جَبْهَة الشمس والبدر.\rوهذه جملة من فصول أهل العصر\rتليق بهذا الموضع\rكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبي محمد خلاد الرامهرمزي القاضي.\rوصل كتابُك الذي وصلت جَناحَه بفنونِ صلاتك وتفقُدك، وضروبِ برك وتعهُّدك؛ فارتَحْتُ لكلِّ ما أوْلَيْت، وابتهَجْتُ بجميع ما أهْدَيت، وأضَفْت إحسانَك في كل فصل إلى نظائره التي وكلت بها ذِكري، ووقفت عليها شُكْري، وتأمَلْتُ النظم فملكني العُجْب به، وبَهَرَنِي التعجُّبِ منه، وقد رُمْتُ أن أجْري على العادة في تشبيهه بمستَحْسنِ من زهر جَني، وحُلَل وحُلي، وشذور الفرائد، في نحُور الخرائد: الخفيف:\rوالعذارى غَدَوْنَ في الحلل البي ... ض وقد رُحنَ في الخطوط السُودِ\rفلم أره لشيء عَدْلاَ، ولا أرْضى ما عددتُهُ له مثلاً؛ واللّه يزيدك من فضله، ولا يُخْليكَ من إحسانه، ويلهمك مِنْ بر إخوانِكِ ما تتمم به صنيعَك لديهم، ويُرَب معه إحسانك إليهم.\rوكتب أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب إلى أبي سعيد الشبيبي: قد رأى شيخُ الدولتين كيف الْكَلَفُ بسادتي من أهل ميكال - أيدهم الله! - بين ود أُضْمِره على البُعْد، وإيثار أُظهره على تراخي المزار، وتقريظٍ يمليه عليَ المَلَوان، ومَدْحٍ أنْطِقُ فيه بلسان الزَّمَان، حتى إن ذِكْرهم إذا جَرَى على لساني اهتزتْ له نَفْسي، وفَضلَهم إذا جرى على سَمْعِي انفرج له صَدْرِي، فتلك عصبةُ خير فَضْلُها باهِر، وشرفُها على شرف النماء زاهِر، وشجرةٌ طيبة أصلُها ثابت وفَرْعُها في السماء ناظر، والله يتمَمُ أعدادها، ولا يعدمني وِدَادها، وإذا كان إكباري لهم هذا الإكبار فكلّ منتسب إلى جنبهم أثِيرٌ لديَّ، كثير في يديَّ. وطرأ عليَ فلان منتسباً إلى جملتهم، وحبذا الجملة، ومُعتزِياً إلى خدمتهم، ونِعْمَت الخدمة، ففررناه عن طَبْعٍ سَمْح، ولَفْظٍ عَذْب، وصلةِ نثرٍ بنظم؛ فإن شاء قال: أنا الوليد، وإن شاء قال: أنا عبد الحميد؛ ولم أعظِم بمن خرَجته تلك النعمة ونتجته تلك السدَة أن يأخذَ من كلِّ حسنة بعُرْوة، ويقدح في كل نارٍ بجَدْوَة؛ وآنسَنا بالمقام مُدة، أكدتها شوافِع عِدَّة، إلى أن تذكَّر مَعاهدَ رَأى فيها الدَهْرَ طَلْقاً، والزمان غُلاماً، والفضلَ رهناً، والإفضال لِزاماً؛ فحنَّ حنينَ الرِّكاب، ورَكبَ عَزِيم الإياب.\rفصل من كتاب كتبه الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي إلى أبي القاسم الداوودي جواباً عن كتاب له ورد عليه، وأبو الفضل رئيس نيسابور وأعمالها في وقتنا هذا، وسيمرُّ من كلامه ونثره ونظامه ما يغني عن التنويه، ويَكْفِي عن التنبيه، ويجل عن التشبيه، ويكون كما قال أبو الحسن الأخفش علي بن سليمان: استهدى إبراهيم بن المدبر أبا العباس محمد بن يزيد جليساً يَجْمَعُ إلى تأديب ولده الإمتاعَ بإيناسه؛ فندَبني لذلك، وكتب إليه معي: قد أنفذت إليك - أعزَك الله - فلاناً، وجملة أمره أنه كما قال الشاعر: الوافر:\rإذا زُرت الملوك فإن حسبي ... شفيعاً عندهمْ أن يَخْبُروني\rوفصل أبي الفضل: وقفتُ على ما أتحفني به الشيخ: من نَظمِه الرائق البديع، وخَاله المُزْري بزهر الربيع، مُوشَّحاً بغُرَرِ ألفاظه، التي لو أعِيرت حِلْيَتُها لعطَّلَت قلائد النحور، وأبكارِ معانيه التي لو قُسمت حَلاَوتها لأعْذَبَتْ مَوَارِدَ البحور، فسرَحْتُ طَرْفي منها في رياضٍ جادتْها سحائبُ العلوم والْحِكم، وهبَّ عليها نسيمُ الفضل والكرَم، وابتسمَتْ عنها ثغورُ المعالي والهِمَم، ولم أدرِ - وقد حيرَتْني أصنافُها، وبهرتني ثغورُها وأوصافها، حتى كستْني اهتزازاً وإعجاباً، وأنشأت بيني وبين التماسك سِتْراً وحجاباً، ولم أدْرِ أدهَتْني لها نَشْوَة راح، أم ازْدهَتْني نغمةُ ارتياح، وانتظم عندي منها عِقد ثَناء وقَريض، أم قَرَع سَمْعِي منها غناء مَعْبَدٍ وغَريض، وكيفما كان فقد حَوَى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جَارِحةٍ إلا وهي تودُ لو كانت أذناً فتلتَقط دررَه وجواهره، أو عيناً تَجْتَلي مطالَعه ومناظره، أو لساناً يَدْرُس محاسنَه ومفاخره.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وله فصل من كتاب إلى أبي منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي: وصل كتابُ مولاي وسيدي، أبْدَع الكتب هَوَاديَ وأعجازا، وأبرعها بلاغةً وإعجازاً، فحسِبْت ألفاظَه دَرَ السحاب، أو أصفى قطراً ودِيمة، ومعانيه دُرّ السخاب، بل أوفى قدْراً وقيمة. وتأمّلتُ الأبياتَ فوجدتها فائقةَ النظْمِ والرَّصْفِ، عَبِقَة النسيم والعَرف، فائزة بقدَاح الْحسْن والطرْف، مالكةً لِزمام القَلْبِ والطرْف؛ ولا غَرْوَ أن يصدر مثلُها عن ذلك الخاطر، وهو هَدَف الفقَر والنوادر، وصَدَف الدرر والجواهر، واللّه يُمَتعُه بما منحه من هذه الغُرَر والأوضاح، كما أطلق فيه ألسنة الثناء والامتداح.\rوأبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا على طريق التخمين لا على حقيقة اليقين وهو فريدُ دهره، وقريع عصره، ونسيجُ وَحْدِه، وله مصنفات في العلم والأدب، تشهدُ له بأعلى الرتب، وقد فرَّقْت ما اخترته منها في هذا الكتاب، مع ما تعلق بشاكلته من الخطاب؛ منها كتاب سماه سحر البلاغة قال في صدر هذا الكتاب: \" أخرجتُ بعضه من غُرَر نجوم الأرض، ونكَت أعيان الفضل، من بُلَغاء العصر، في النثر، وحللت بعضه من نظم أمراء الشعر، الذين أوردت مُلَح أشعارهم في كتابي المترجم بيتيمة الدهر، فلفقْت جميع ذلك وحرّرته، وسقته ونسَقته، وأنفقت عليه ما رُزِقته، وعملته بكد الناظر، وجهد الخاطر، وتَعَبِ اليمين، وعرق الجبين، وتعمَدْتُ فيه لَذةَ الجِدة، ورَوْنق الحداثة، وحلاوة الطَراوة، ولم أَشُبْهُ بشيء من كلام غير أهل العصر، إلاَّ في قلائل وقلائد من ألفاظِ الجاحظ وابن المعتز، تخلّلَت أثناءَه، وتوشحت تضاعيفه، ولم أُخْل كلماتِه - التي هي وسائط الآداب، وصياقل الألباب، وما تستَمْتِعُه أنْفسُ الأدباء، وتلذّ أعين الكتاب - من لفظ صحيح، أو معنًى صريح، أو تجنيس أنيس، أو تشبيه بلا شَبيةٍ، أو تمثيل بلا مَثيل ولا عَديل، أو استعارة مُختارة، أو طِباق، في رَوْنق باق؛ فمن رَافَقَ هذا الكتاب قَرُبَ تناوُلُه من الكتاب، إذا وشَّوا ديباجةَ كلامهم بما يقتبسونه من نُوره، وسماحة قيادِه لأفراد الشعراء إذا رصَعوا عقودَ نظامِهم بما يلتقطونه من شذُوره، فأمَا المخاطبات والمحاورات، فإنها تتبرَج بغرَّة من غُرره، وتتوَج بدرة من درَرِه.\rوقد ذكر جملة مَنْ أخرج معظم كتابه من نثرهم ونظمهم، وهم: الصابيان، والخالِديان، وبديع الزمان، وأبو نصر بن المَرْزُبَان وعلي بن عبد العزيز القاضي، وأبو محمد القاضي، وأبو القاسم الزعفراني، وأبو فراس الحمداني، وابن أبي العلاء الأصبهاني، وأبو الطيب المتنبي، وأبو الفتح البُستْي، وأبو الفضل الميكالي، وشمس المعالي، والصاحب بن عباد، وجماعة يكثر بهم التعداد، قد ذكرهم في كتابه، فكل ما مرَّ أو يمر من ذكر ألفاظ أهل العصر فمن كتابه نَقَلْتُ، وعليه عَوَّلت.\rوفي أبي منصور يقول أبو الفتح علي بن محمد البُستي: البسيط:\rقلبي رهينٌ بنيسابورَ عند أخ ... ما مثلُهُ حين تُسْتَقرَى البلاد أخ\rله صحائف أخْلاَق مهذّبةٍ ... من الحِجَا والعُلا والطرْفِ تُنتسَخُ\rوأما الذين ذكر أسماءهم في كتابه فسأُظهر من سرائر شعرِهم الرصين، وأجلو من جواهر نثرهم الثمين، ما أخذ من البلاغة باليمين.\rفصل لأبي الفضل: وصل كتابُ الشيخ المبشر من خبر سلامته التي هي غُرَّة الزمان البهيم، وعذر الدهر المليم، بما أشرقت له آفاقُ الفَضْلِ والكرم، وتمَت به نفائِسُ الآلاء والنعم، فسرَحْتُ طَرْفي من محاسن ألفاظه، في أنْوار تَرُوق أزاهِرُها، وقلائِدَ تروعُ دُرَرُها وجواهرها، ومَبَار يسترق الرِّقابَ باطنها وظاهرها.\rوله إلى أبي سعيد بن خلف الهمداني: وصل كتابُك متحملاً من أخبار سلامتك، وآثارِ نعمِ اللّه بساحتك، ما أدى روحَ البَرِّ ونسيمه، وجمع فنونَ الفضل وتقاسيمه، ومجدَداً عندي من عمر مواصلته، ومعسول كلامه ومحاوَرته، ما ترك غُصنَ المِقَة غضاً تروق أوْراقه، ووَجْهَ الثقة طَلْقاً يتهلّلُ إشراقه، فكم جنيت عنه من ثمر مَسَرّة كانت عوائقُ الأيام تُحاذِنِيهِ، وحويت به من عِلْق مَضنَّة قلما يجود الدهر بمثله لبنيه.\rوله فصل إلى بعض الحكام بجُوَيْن:","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"وصل كتابُ الحاكم وقد وشَّحه بمحاسن فِقَره، ونتائج فِكَره، من لفظ شهيً أعطته القلوبُ فَضلَ المقادة، ومعنى سنيٍّ جاده صَوْبُ الإصابة والإجادة، وبِرٍّ هنيٍّ اتَّفَقَتْ على الاعتراف بفضله ألسنةُ الثناء والشهادة، فسرَّحْتُ طَرْفي فيما حواه من بدائع وطُرَف، قد جمعت في الحسن والإحسان بين واسطة وطَرَف، حتى لم تبقَ في البلاغة يتيمة إلاَّ جبرتها وتمِّمتها.\rوله إلى الأمير السيد أبيه يهنئه بالقدوم.\rكتبت وأنا بمنزلة من ارتدَّ إليه شبابُه بعد المشيب، وارتدى بردَاء مِنَ العمر قَشِيب، والحمد للّه رب العالمين، وصل كتابُ مولاي مبشِّراً من خبر عَوْده إلى مقرَ عزّه وشَرَفه، محروساً في حفظ اللّه وكَنَفه، بما لم تزل الآمال تتنسَّم روائحه، وتترقّب غاديَ صُنْع اللّه فيه ورائحَه، واثقةً بأنّ عادةَ اللّه الكريمة عنده تُسَايره وتُرافقه، وتلزم جنابه فلا تُفارِقه، حتى تْخرجَه من غَمْرة الغَماء خروجَ السيف من الغِمْدِ، والبدر بعد السِّرَار إلى الانجلاء، فعددْتُ يوم وُرودِهِ عيداً، أعاد عهد السُّرور جَدِيداً، وردَ طَرْفَ الحسود كليلاً وقد كان حَدِيداً، ولم أُشَبِّهْهُ في إهداء الرَّوح والشفاء، وتلافي الرُّوح بعد أن أشْفَى على المكروه كل الإشفاء إلا بقميص يوسف حين تلقّاه يعقوبُ عليه السلام من البشير، وألقاه على وجهه فنظر بعَيْنِ البصير، فكم أوسعتُه لثماً واستلاماً، والتقطت منه بَرْداً وسلاماً، حتى لم تبق غُلَّة في الصدر إلاَّ بَرَدْتُهَا، ولا غُمّة في النفس إلاَ طَرَدْتها، ولا شريعة من الأنس إلاَّ وردْتها.\rوله فصل من رسالة: وكان فرطُ التعجب مَرَّة وعِظَمُ الإعجاب تارة يقفُ بي عند أول فصل من فصوله، ويثبّطني عن استيفاء غُرَره وحُجُوله، ويُوهمني أنَّ المحاسنَ ما حَوَتْه قلائدُه، ونَظمته فرائدُه؛ فليس في قوس إحسان وراءها مِنْزَع، ولا لاقتراح جَنَان فوقها مُتطلَع، حتى إذا جاوزته إلى لففه وتَزْيِينه، وأجَلْتُ فكري في نكتِه وعُيونه، رأيتُ ما يُحَيِّر الطَّرْف، ويُعْجِز الوَصْفَ، ويَعْلُو على الأول مَحَلاً ومكاناً، ويفوقه حسناً وإحساناً، فرتَعْتُ كيف شئتُ في رياضِه وحدَائِقه، واقتبست نُورَ الحِكَم من مطالعه ومَشارقه، وسلّمت لمعانيه وألفاظه فضيلةَ السَبق والبَرَاعةِ، وتلقيتها بواجبها من النَشرِ والإذاعة؛ فإنها جمعت إلى حسْنِ الإيجاز درجةَ الإعجاز، وإلى فضيلة الإبداع جلالةَ الموقع في القلوب والأسماع.\rوله من فصل: وصل كتاب الشيخ فَنَشَر عندي من حُلل إفضاله وإكرامه، ومحاسن خطابه وكلامه، ما لم أشبّهه إلا بأنْوَار النُّجُود، وحِبَر البرود، وقلائد العُقُود.\rوذكر أبو منصور الثعالبي الأمير أبا الفضل في كتاب ألفهُ، فقال في بعض فصوله: مَنْ أراد أن يسمعَ سِرَّ النظم، وسِحْرَ الشعر، ورُقْيَةَ الدهر، ويرى صَوْب العَقْل، وذَوْب الظرْف، ونتيجة الفَضل؛ فليستنشد ما أسفْر عنه طبعُ مَجْده، وأثْمَرَه عالي فكره، من مُلَحِ تمتزجُ بالنفوس لنفاستها، وتشرَب بالقلوب لسلاستها: المتقارب:\rقوافِ إذا ما رَوَاها المشو ... ق هزَت لَها الغانيات القُدُودا\rكَسَوْنَ عَبِيداً ثياب العَبِيد ... وأضحى لَبيد لديها بَلِيدا\rوأيْمُ الله ما مرَّ يوم أسعفني فيه الزمانُ بمواجهة وَجْهه، وأسْعَدَني بالاقتباس من نُوره والاغتراف من بَحْرِه، فشاهدت ثِمارَ المجدِ والسؤود تنَتثِرُ من شمائله، ورأيت فضائلَ الدهرِ عيالاً على فضائله، وقرأتُ نسخة الفَضْلِ والكرم من ألْحَاظِه، وانتهَبْتُ فضائل الفوائد من ألفاظه، إلاَ تذكرت ما أنشدنيه، أدام الله تأييده لابن الرُومي: البسيط:\rلولا عجائب صُنْعِ اللّه ما ثبتت ... تلك الفضائلُ في لَحمِ ولا عَصَبِ\rوقول الطائي: الوافر:\rفلو صورْتَ نفسَك لم تَزِدْها ... على ما فيكَ من كَرَمِ الطِّبَاعِ\rوقول كُشاجم: الكامل:\rما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عَيْبٍ يُوَفيه مِنَ العَيْنِ\rوربعت بقول أبي الطيب: الوافر:\rفإن تَفُقِ الأنامَ وأَنْتَ مِنهُم ... فإن المسكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"ثم استعرت فيه بيانَ أبي إسحاق الصابي حيث يقول للصاحب وَرثَهُ الله أعمارها، كما بلغه في البلاغة أنوارها: السريع:\rالله حسبي فيك من كلِّ ما ... تعوَد العبدُ على المولى\rفلا تَزَل ترْفُلُ في نعمةٍ ... أَنْتَ بها من غَيْرِك الأَوْلَى\rوقال في فصل منه: وما أنس لا أنسَ أيامي عنده بفيروزاباد، إحدى قُرَاه برستاق جُوين، سقاها اللّه ما يحكي أخلاقَ صاحبها من سَيْل القَطْرِ، فإنها كانت - بطَلْعَتِه البَدْرِية، وعِشْرَته العِطْرِية، وآدابه العلوية، وألفاظِه اللؤلؤية، مع جلائل نِعَمِهِ المذكورة، ودقائق كرمه المشكورة، وفوائد مجالسه المعمورة، ومحاسِن أقواله وأفعاله التي يَعْيا بها الواصفون - أنموذجات من الجنّة، التي وُعِد المتقون، وإذا تذكرتها في المَرابع التي هي مَرَاتِع النوَاظر، والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر، والبساتين التي إذا أخذَتْ بدائعَ زخارفها، ونشرت طرائفَ مطارفها، طُوِي لها الديباج الْخُسْرُوَاني، ونُفي معها الوَشْي الصّنعاني، فلم تُشَبه إلاَّ بشِيَمِهِ، وآَثار قَلمه، وأزهارِ كلمه، تذكرت سِحراً وسيماً، وخيراً عميماً، وارتياحاً مُقيماً، وروحاً ورَيْحاناً ونعيماً.\rوكثيراً ما أحْكِي للإخوان أني استغرقتُ أربعة أشهر بحضرته، وتوفّرت على خِدْمَته، ولازَمْتُ في أكثر أوقاتي عَالي مَجْلسه، وتعطَّرت عند ركوبه بغُبار مَوْكِبه؛ فبالله يميناً كنتُ غنياً عنها لو خفت حِنْثاً فيها إني ما أنكَرت طَرَفاً من أخلاقه؛ ولم أشاهد إلاَ مَجْداً وشرفاً منْ أحواله. وما رأيتُه اغْتَابَ غائباً، أو سبَّ حاضِراً، أو حَرَم سائلاً، أو خيَّب آملاً، أو أطاع سلطانَ الغَضَبِ في الحضَر، أو تَسلَى بنار الضَّجَر في السَّفَر، أو بطش بَطْشَ المُتجبِّر؛ ولا وجدت المآثرَ إلاَّ ما يتعاطاه، والمآثمَ إلاَّ ما يتخطَاه.\rوقال في فصل منه يصفه: وأما فنونُ الأدب فهو ابن بَجْدتها، وأخو جملتها، وأبو عُذْرتها، ومالِك أزِمَتها، وكأنما يُوحَى إليه في الاستئثار بمحاسنها، والتفرُد ببدائعها، ولله هو إذا غرس الدُرَّ في أرض القراطيس، وطَرّزَ بالظلام رِدَاء النهار، وألقت بِحَارُ خواطره جواهِرَ البلاغة على أنامله، فهناك الْحُسْنُ برُمَّته، والْحُسْن بكلَيته.\rوذكر عمر بن علي المُطَوَعي في كتاب ألّفه في شعر أبي الفضل ومنثوره والشعراء، فقال: رأيتُ أهل هذه الصناعة قد تشعّبوا على طُرُق، وانقسموا على ثلاث فرق، فمنهم من اكتسى كلامه شرف الاكتساب دون شرف الانْتِساب كالمكتسبين من الشعراء بالمدائح، المترشحين بها لأخْذِ الجوائز والمنائح، وهم الأكثرون من أهل هذه الصناعة؛ ومنهم من شَرُفت بناتُ فكره عند أهل العقول، وجلبت لديهم فضائل القَبُول، لِشَرَف قائلها، لا لِكَثرة عقائلها، وكرم واشيها، لا لرِقَة حواشيها، كالعدد الكثير، والجمّ الغفير، من الخلفاء والأمراء والجِلّة والوزراء؛ ومنهم من أخذ بحبل الْجَوْدة من طَرَفَيْه، وجمع رداءَ الْحُسْنِ من حاشِيَتَيه، كامرئ القيس ابن حُجْر الكندي في المتقدّمين، وهو أميرُ الشعراء غير مُنازع، وسيّدهم غير مجاذَب ولا مدافع، وعبد الله بن المعتز بالله أمير المؤمنين في المولدين، وهو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية، وأبرع أنشاء الدولة العباسية، ومَنْ جلَّ كلامه في التشبيه، عن أن يُمثَّل بنظير أو شبيه، وعَلَت أشعاره في الأوصاف، عن أن تتعاطاه ألسنةُ الوُصَّاف؛ والأمير أبي فراس بن حَمْدان فارس البلاغة، ورجل الفصاحة، ومن حكمت له شعراءُ العصر قاطبةً بالسيادة، واعترفت لكلامه بالإحسان والإجادة، حتى قال أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: بُدِئ الشعرُ بملك وخُتِم بملك، يعني أمرأ القيس وأبا فراس؛ وهذه الطائفة أشهر الثلاثة تقدّماً، وأثبتها في مواطن الفَخْرِ ومواطئ الشرف قَدَما، وأسبق الشعراء في مَيْدان البلاغة، وأرجَحهُم في ميدان البَرَاعة؛ فإنَّ الكلامَ الصادرَ عن الأعيان والصدور، أقرُ للعيون وأشفى للصدور، فشرف القلائد بمن قُلدها، كما أن شرف العقائل بمن وَلَدَها: الوافر:\rوخَيْرُ الشِّعْرِ أكْرَمُه رِجَالاً ... وشَرُّ الشّعْرِ ما قالَ العَبِيدُ","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وإذا اتفق مَن اجتمعت فيه هذه الشرائط، وانتظمت عنده هاتيك المحاسن، كان خليقاً بأن تُخلَّد في صحائف القلوبِ أشعارُه، وتُدوَن في ضمائر النفوس آثارُه، وتكتَب على الأحداق والعيون أخبارُه، وجديراً بأن يختصنَ بسرعة المجال في المجالس، وخِفة المدار في المدارس، كالأمير الجليل السيد مولانا: الطويل:\rأبى الفضل مَنْ نال السماءَ بفضلِهِ ... ومن وَعَدَتْهُ نفسُهُ بمزيدِ\rتودُ عقودُ الدرّ لو كانَ لفظَهُ ... فينظمها من تَوْأَم وفريدِ\rوهذه مقطعات لأهل العصر\rفي وصف البلاغة\rقال أبو الفتح البُسْتي: الطويل:\rمدحْتُك فالتامتْ قَلائد لم يَفُزْ ... بأمثالها الصِّيدُ الكِرَامُ الأعاظمُ\rلأنك بَحْرٌ والمعاني لآلِئُ ... وفكرِيَ غَوَّاصٌ وشعْرِي ناظم\rوقال أيضاً: البسيط:\rما إن سمعتُ بنُوَّارٍ له ثمرٌ ... في الوقت يُمْتِعُ سَمْعَ المرء والبَصَرا\rحتى أتاني كتابٌ منك مبتسِمٌ ... عن كل لفظٍ ومعنى يشبه الدُرَرَا\rفكان لَفْظك في لأْلاَئه زَهَراً ... وكان معناه في أثنائه ثمرا\rتسابقَا فأصابَا القَصْدَ في طَلَقٍ ... للَّهِ من ثمرٍ قد سابقَ الزَهَرَا\rوقال أيضاً: البسيط:\rلَمَا أتاني كتاب منك مبتسمٌ ... عن كلّ بِر ولفظ غَيْرِ محدودِ\rحكَتْ معانيه في أثناء أسْطُرِهِ ... آثارَكَ البيضَ في أحواليَ السُّود\rكأنه ألم بقول الطائي: الطويل:\rيرى أقبحَ الأشياء أوْبَةَ آمل ... كَسَتْها يَدُ المأمولِ حُلّةَ خَائِبِ\rوأحسنَ من نَوْر تُفتّحُه الصّبا ... بياضُ العطايا في سَوَادِ المَطَالِبِ\rوقال أبو الفتح البستي في أبي نصر أحمد بن علي الميكالي: الخفيف:\rجمع اللَه في الأمير أبي نص ... ر خِصالاً تَعْلو بها الأقدارُ\rراحةً برةً وصَدْراً فَضاءً ... وذكاءً تبدو له الأسرارُ\rخَطُهُ روضةٌ وألفاظُه الأز ... هار يَضْحَكن، والمعاني ثِمارُ\rوقال عمر بن علي المطوعي يَمْدَح أبا الفضل الميكالي من قصيدة: الكامل:\rوإلى الأمير ابن الأمير المعتلي ... بكمال سُؤددهِ على الأمراء\rوطِئتْ بيَ الوَجْناءُ وَجْنَةَ مَهْمَهِ ... متقاذفِ الأكْنَافِ والأرْجاءِ\rكيما ألاحظَ منه في أفق العُلاَ ... فَلَكاً يُدِير كواكِبَ العَلْيَاء\rكالْبَدْرِ غير دَوَامِه متَكامِلاً ... كالْبَحْرِ غير عذوبةٍ وصفاء\rبالفضل يُكْنى وهو فيه كامن ... كالرّيَ يَكْمُن في زُلال الماءِ\rيا من إذا خَطَ الكتابَ يمينه ... أهْدَى إلينا الوشْيَ من صَنْعاء\rلم تجر كفُك في البياض مُوقعاً ... إلا تحلتْ عن يَد بيضاءِ\rقَرْم يداه وقَلْبُه ما منهما ... في النظْم والإعطاء إلاَّ الطائي\rوقال فيه أيضاً: الطويل:\rكلامُ الأمير النَّدْبِ في ثنْي نَظْمهِ ... يَنُوبُ عن الماء الزلال لمن يَظْما\rفنرْوى متى نَرْوي بدائعَ نَظْمه ... ونَظْمَا إذا لم نرْو يوماً له نَظْما\rوكتب إليه أيضاً: الطويل:\rأقول وقد جادت جُفوني بأدْمُعٍ ... كأني قد استَمْليْتُهُن من السُحْبِ\rوقد علِقتْ بي للنزاع نَوَازعُ ... كتْبنَ معاناةَ العناء على قلبي\rإلى سيّدٍ أوفى على الشمسِ قدرُهُ ... وزادت معاليه ضياء على الشهب\rأبي الفضل مَنْ راحت فواضلُ كفّه ... وراحتِهِ تُربي على عَدَدِ التربِ\rسقى اللَهُ أرضاً حلّ فيها سحائباً ... كنائله الفياض أو لفظِهِ العذْب\rسحائبَ يَحْدُوها نسيم كخُلْقهِ ... ويقدمها بَرْق كصارمه العَضْبِ\rولا زال أفْلاَك السعود مُطِيفةً ... بحضرته تنتابها وهو كالقُطْبِ\rوقال أبو منصور الثعالبي للأمير أبي الفضل: الكامل:","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"لك في الفضائل معجزات جَمة ... أبداً لغيرك في الوَرى لم تُجْمَع\rبحرانِ بحرٌ في البلاغة شابَهُ ... شِعْرُ الوليد وحُسْن لفظِ الأصمعي\rكالنَورِ أو كالسِّحر أو كالدُّر أو ... كالوَشْي في بُرْدٍ عليه مُوشَع\rشكراً فكم من فَقْرَةِ لك كالغِنَى ... وافى الكريمَ بُعَيْدَ فَقْرٍ مُدْقِع\rوإذا تفتق نَوْرُ شِعْرِك ناضراً ... فالحسنُ بين مُرَصَّع ومُصَرَعِ\rأرْجَلْتَ فُرسان الكلام ورُضْت أف ... راسَ البديع وأنت أمْجَدُ مُبدِع\rونقشت في فصّ الزمان بدائعاً ... تُزْرِي بآثارِ الربيع المُمْرعِ\rوقال في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه: الكامل:\rيا مُهْدِي الطّرْف الجوادِ كأنما ... قد أنعلوه بالرياح الأربعِ\rلا شيء أسرعُ منه إلا خاطري ... في شكر نائلك اللطيف المَوْقَع\rولو أنَّني أنصفْتُ في إكرامِهِ ... لجلال مُهْدِيه الكريم الأروَعِ\rأنظمته حَب القلوب لِحُبه ... وجعلت مربطه سَوادَ المَدْمَعِ\rوخلعت ثم قطعت غير مضيق ... بُرْد الشباب لجله والبُرْقع\rوكتب إليه في جواب كتاب ورد عليه: الخفيف:\rأنسيمُ الرياض حَوْلَ الغدير ... مازَجَتْه رَيا الحبيب الأثيرِ\rأم وُرُود البشير بالنجْح من ف ... ك أسيرٍ أو يُسْر أمرٍ عسيرِ\rفي مُلاء من الشباب جديدٍ ... تحت أيْكٍ من التصابي نضير\rأم كتاب الأمير سيدنا الفَرْ ... دِ؛ فيا حبّذا كتابُ الأميرِ\rوثمار الصدور ما أجتنيه ... من سُطورٍ فيها شفاءُ الصدورِ\rنمقَتْها أنامل تَفْتقُ الأن ... وارَ والزهر في رياض السطورِ\rكالمُنى قد جُمِعْنَ في النعم الغَ ... رَ مع الأمن من صروفِ الدهور\rيا أبا الفضل وابنَهُ وأخاهُ ... جل باريكَ من لطيفٍ خبير\rشِيَمٌ يَرتَضعْنَ دَرَّ المعالي ... ويُعبّرْن عن نسيم العبير\rوسجايا كأنهنّ لدى النش ... رِ رُضابُ الحَيا بأَرْيٍ مَشورِ\rومحيا لدى الملوك محيّا ... صادق البشر مُخْجل للبدورِ\rفأجابه أبو الفضل بأبياتٍ يقول فيها في صفة أبياته: الخفيف:\rوهَدِيٍّ زُفَّتْ إلى السَّمْعِ بِكْرٍ ... تتهادى في حِليَةٍ وشُذُورِ\rعجب الناس أنْ بدَتْ مِنْ سَوَادٍ ... في بياضٍ كالمِسْكِ في الكافورِ\rنُظِمت في بلاغة ومعانٍ ... مثل نظم العقود فَوْقَ النحور\rكم تذكَرت عندها من عُهُودٍ ... للتلاقي في ظلّ عيْش نَضِير\rفذممْتُ الزمانَ إذْ ضنَ عنّا ... باجتماع يَضُمُّ شَمْلَ السرورِ\rولئن راعَنَا الزمانُ ببينٍ ... ألْبَس الأُنس ذِلَة المهجورِ\rفعسى اللَهُ أنْ يُعيدَ اجتماعاً ... في أمانٍ من حادثاتِ الدهورِ\rإنه قادر على ردَ ما فا ... ت وتَيْسير كلِّ أمْرٍ عَسِيرِ\rوقال أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن هلال الصابي في الوزير المهلَبي: الكامل:\rقل للوزير أبي محمدٍ الَذي ... قد أعجزت كلَّ الوَرَى أوصافُهُ\rلك في المجالس مَنْطِق يَشْفي الْجَوَى ... ويَسُوغُ في أُذُنِ الأديب سُلافهُ\rوكأنَ لفظَك جَوْهَرٌ متنخل ... وكأنما آذانُنا أصدافُه\rوالمهلبي هذا هو أبو محمد الحسن بن هارون بن إبراهيم بن عبد اللّه بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلَّب، وَزَرَ لأحمد بن بُوَيْه الدَّيْلمي، وكانت وزارته سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وكان أبو محمد من سَرَوات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعِفَّائهم؛ وفيه يقول أبو إسحاق الصابي: الخفيف:\rنِعَم اللّه كالوحوش فما تأ ... لَفُ إلاَّ الأخايرَ النساكا\rنَفّرَتها آثامُ قوم وصيَّر ... ن لها البر والتُّقَى أشرَاكا","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وكان قبلَ اتِّصاله بالسلطان سائحاً في البلاد، على طريق الفقْرِ والتصوّف، قال أبو علي الصوفي: كنت معه في بعض أوقاته، أُماشِيه في إحدى طرقاته، فضجِر لضيق الحال، فقال: الوافر:\rألا موتٌ يُبَاعُ فأشتريهِ ... فهذا العيشُ ما لا خَيْرَ فيهِ\rألا رَحِمَ المهيمن نفس حرٍّ ... تصدّقَ بالوفاةِ على أخيهِ\rثم تصرَّف بما يُرْضِيه الدهر، وبلغ المهلبي مَبْلغه. قال أبو علي: دخلت البصرة فاجتزت بسُرَّ مَنْ رأى، وإذا أنا بناشطيات وحراقات وَزَيارب وطَيَّارات في عُدَّة وعُدَد، فسألتُ: لِمَنْ هذا؟ فقيل: للورْير المهلبي، ونعتوا لي صاحبي؛ فوصلتُ إليه حتى رأيته، فكتبتُ إليه رقعة، وتوصّلت حتى دخلتُ فسلَّمت، وجلستُ حتى خلا مجلسه، فدفعتُ إليه الرقعةَ وفيها: الوافر:\rألاَ قُلْ للوزير بلا احْتِشام ... مقال مُذَكِّرٍ ما قد نَسيه\rأتذكر إذ تقولُ لضيق عيشي ... ألاَ مَوْت يُباعُ فأَشْتَرِيهِ\rفنظر إليَ وقال: نعم، ثم نهض وأنهضني معه إلى مجلس الأُنس، وجعل يُذَاكِرني ما مَضى، ويَذْكُرُ لي كيف ترقَت حالُه، وقُدِّم الطعام فَطعِمنا، وأقبل ثلاثةٌ من الغلمان على رأسِ أحدِهم ثَلاَثُ بِدَر، ومع الآخر تخوتٌ وثياب، ومع الآخر طِيب وبخور، وأقَبلَتْ بَغْلَة رائعة بسَرجٍ ثقيل؛ فقال: يا أبا علي، تفضَّلْ بقبول هذا، ولا تتخلَّف عن حاجة تَعْرِضُ لك، فشكرته وانصرفت، فلمّا هممْتُ بالخروج من الباب استردّني وأنشدني بديها: مجزوء الكامل:\rرَقَّ الزمان لفاقتي ... ورَثَى لطول تحرُقي\rوأنالني ما أرتَجي ... وأجارَ ممَّا أتَّقي\rفلأغفرنَّ له الكثي ... رَ من الذنوب السُبَّقِ\rإلا جنايَته التي ... فعلَ المشيب بمَفْرِقي\rقال بعضُ العلماء: العقول لها صُوَر مثلُ صورِ الأجسام، فإذا أَنْتَ لم تسلُكْ بها سبيلَ الأدب حارَتْ وضلَت، وإن بعثْتَها في أَوْدِيتها كلت وملّت، فاسْلُكْ بعقلك شِعَاب المعاني والفهم، واسْتَبْقِهِ بالجِمَام للعلم، وارْتَدْ لعقلك أفْضَلَ طبقاتِ الأدب، وتَوَقَّ عليه آفةَ العَطَب؛ فإن العقلَ شاهدُك على الفَضْل، وحارسُك من الجهل.\rواعْلَمْ أن مغارِسَ العقول كمغارس الأشجار؛ فإذا طابت بِقَاعُ الأرض للشجر زكا ثمرُها، وإذا كَرُمَت النفوسُ للعقول طاب خَيْرُها، فاغْمُز نفسَك بالكرم، تَسْلَمْ من الآفَةِ والسَقَم.\rواعلَمْ أَنَّ العقل الحسن في النفسِ اللئيمة، بمنزلة الشجرة الكريمة في الأرض الذميمة، ينتفع بثمرها عَلَى خُبْثِ المَغْرِس؛ فاجْتَنِ ثمرَ العقول وإن أتاك من لِئَام الأنفس. وقال النبي عليه السلام: \" رب حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هو أوعى له \" . وقيل: رب حامل فقه غير فقيه، ورب رَمْيَةٍ من غير رام.\rوقيل: الحِكْمَةُ ضالَةُ المؤمن، أينما وجدها أخذها. وسمع الشَّعبيُ الحجاجَ ابن يوسف وهو على المنبر يقول: أمّا بعد، فإنّ الله كتب على الدنيا الفنَاءَ، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناءَ لما كُتِب عليه البقاء، ولا بَقاء لما كتِب عليه الفناء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائبِ الآَخرة، وأقْصِرُوا من الأملِ، لقِصَر الأجل. فقال: كلامُ حكمة خَرَجَ من قلب خَرَابٍ! وأخرج ألواحَه فكتب.\rوقد روى ذلك عن سفيان الثوري.\rوقد سمع إبراهيم بن هشام وهو يَخْطُب على المنبر ويقول: إن يوماً أشاب الصغير، وأسْكَر الكبير، ليومٌ شَرُه مُسْتَطِير!\rوصف الكتب\rقال الجاحظ: الكتاب وعاء مُلئ عِلْماً، وظرف حُشِي ظَرفاً، وبُسْتَان يُحْمَلُ في رُدْن، ورَوْضَةٌ تقلَّب في حِجر، ينطق عن الموتى، ويُتَرْجِمُ كلامَ الأحياء.\rوقال: من صنَف كتاباً فقد استهدف؛ فإنْ أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"وقال: لا أعلم جاراً أبرّ، ولا خليطاً أنْصَف، ولا رفيقاً أطوع، ولا مُعَلماً أخضع، ولا صاحباً أظْهَر كفاية، وأقل جناية، ولا أقل إملالاً وإبراماً، ولا أقل خلافاً وإجراماً، ولا أقل غِيبةً، ولا أبعد من عضيهِة، ولا أكثر أعجوبة وتصَرّفاً، ولا أقل صَلَفاً وتكلفاً، ولا أبعد من مِرَاء، ولا أترك لشِغْب، ولا أزهد في جِدال، ولا أكف عن قتال، مِنْ كتاب. ولا أعلم قريناً أحْسَن مُواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحْضر مَعْونة، ولا أقل مَؤُونة، ولا شجرة أطولَ عمراً، ولا أجمع أمراً، ولا أطيب ثمرة، ولا أقْرب مُجْتَنى، ولا أسرع إدراكاً في كل أوَانٍ، ولا أوجد في غير أبان، مِنْ كتاب. ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنّه، وقرب ميلاده، ورِخَص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المُتَراخِية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يَجْمع الكتاب.\rودخل الرشيد على المأمون، وهو يَنْظر في كتاب، فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب يَشْحَذ الفِكْرَة، ويُحسن العِشرة. فقال: الحمدُ للّه الذي رزَقنِي مَنْ يرى بعَيْن قلبه أكْثَر مما يرى بعين جسمه.\rوقيل لبعض العلماء: ما بَلَغ من سرورك بأدبك وكُتُبك؟ فقال: هي إن خَلَوْت لذتي، وإن اهتممتُ سَلْوَتي، وإن قلتَ: إنَ زهْرَ البستان، ونوْر الجِنان، يَجْلُوانِ الأبصار، ويمْتِعانِ بحسنهما الألحاظ؛ فإنَ بستانَ الكتب يَجْلُو العقل، ويَشْحَذُ الذّهن، ويُحيي القلب، ويقوَي القريحة، ويُعِينُ الطبيعة، ويَبْعثُ نتائج العقول، ويستثِير دفائنَ القلوب، ويُمتِعُ في الْخَلْوةِ، ويُؤْنِسُ في الوَحْشَة، ويُضْحِكُ بنوادره، وَيُسرُ بغرائبه، ويفيد ولا يَستفيد، ويُعْطي ولا يأخذ، وتَصِلُ لذته إلى القلب، من غير سآمة تدْرِكُك، ولا مشقّةٍ تَعْرِض لك.\rوقال أبو الطيب المتنبي: الطويل:\rوللسِّرِّمنِّي مَوْضِعٌ لا يَنَالُهُ ... نديمٌ، ولا يُفْضِي إليه شَرَابُ\rوللْخَوْدِ مني ساعةٌ، ثم بَيْنَنا ... فَلاَةٌ إلى غَيْرِ اللقاءَ تُجَابُ\rوما العشْقُ إلا غِرَّةٌ وطمَاعَة ... يُعَرَضُ قلْبٌ نَفْسَهُ فيُصَاب\rوغَيْرُ فؤادي لِلْغَواني رَمِيَّةٌ ... وغَيْرُ بَنَاني للرِّخَاخِ رِكَابُ\rتَركْنَا لأطرافِ القَنَا كلَّ لَذَّةٍ ... فليس لنا إلا بهن لِعاب\rنُصرِّفُه للطَّعْنِ فَوْقَ سَوَابحٍ ... قد انقَصَفَتْ فيهنَّ مِّنْهُ كِعَابُ\rأَعَز مكانٍ في الدُّنا سَرْجُ سابحٍ ... وخَيرُ جَلِيسٍ في الزّمانِ كِتَابُ\rفِقر في الكتب\rإنفاق الفضّة على كُتب الآداب، يُخلفك عليه ذَهَبَ الألباب. إنّ هذه الآداب شَوَارد، فاجعلُوا الكتبَ لها أزِمّة. كتاب الرجل عُنوان عقله، ولسانُ فضله.\rابن المعتز: مَن قرأ سَطْراً من كتاب قد خطّ عليه فقد خان كاتِبه؛ لأن الخطّ يُحْرز ما تحته.\rبزرجمهر: الكتبُ أصْدَاف الحِكم، تنشقُّ عن جواهر الكلم.\rبعض الكتاب: إعجام الخطّ يمنع من استعجامه، وشَكْله يؤمن من إشكاله.\rكأن هذا الكاتب نَحَا إلى قول أبي تمام: الطويل:\rترى الحادثَ المستعجمَ الخطبِ معجَماً ... لديهِ، ومشكولاً إذا كان مُشكِلاَ\rما كُتب قرَ، وما حُفِظ فرَّ. الخطوط المعجَمَة، كالبرود المعَلَمة.\rوقال ابن المعتز يصف كتاباً: الوافر:\rوذي نكَت موشًّى نمقّتْهُ ... وحاكَتْه الأناملُ أيَ حَوْكِ\rبشكل يَرْفَع الإشكال عنه ... كأن سطورَه أغصانُ شَوْكِ\rجملة من ألفاظ أهل العصر في صفة الكتب\rوتهاديها، وما يتعلّق بأسمائها ومعانيها","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"حضرة مولاي تَجَلُّ عن أنْ يُهْدى إليها غيرُ الكتب، التي لا يترفّع عنها كبير، ولا يَمْتَنع منها خطير، وقد فكّرت فيما أنفذت به مقيماً للرَّسْم في جملة الخدَم، وحافِظاً للاسم في غمارِ الْحَشم، فلم أجِدْ إلاَّ الرّقَّ الذي سبق ملْكه له، والمال الذي مَنَحه وخَوَّله، فعدَلْتُ إلى الأدَب الذي تَنْفُقُ سوقُه بباب سيِّدنا ولا تكْسد، وتهب ريحُه بجانبه ولا تَرْكُد، وأنفذت كتابي هذا راجياً أن أشَرَّف بقبوله، ويوقّع إليَّ بحصوله؛ ولمَا وجب على ذوي الاختصاص لسيدنا إهداء ما جرت العادةُ بتسابق الأولياء إلى الاجتهاد في إهدائه، وجب العدولُ في إقامة رسم الخدمة إلى اتباع ما صدر عنه من الرخصة فيما تسهُلُ كلفته، وتجلّ عند ذوي الألباب قيمتُه، وتحلو ثمرتُه: وهو علْمٌ يُقْتَنى، وأدبٌ يُجْتَنى.\rقال أبو الحسن ابن طَبَاطَبا العَلَوي: الكامل:\rلا تُنكِرَنْ إهْدَاءَنَا لك مَنْطِقاً ... منكَ استفدْنا حُسْنَهُ ونظامَهُ\rفاللَّهُ عزَّ وجل يشكر فِعْلَ مَن ... يَتْلُو عليه وَحْيَهُ وكلامَهُ\rوأهدى أحمد بن يوسف إلى المأمون في يوم مِهْرجانٍ هديةً قيمتُها ألف ألف درهم، وكتب: الطويل:\rعلى العَبْدِ حقّ فَهْوَ لا بدَّ فاعلُهْ ... وإنْ عَظُمَ المَوْلَى وجَلَّت فضائلُهْ\rألَمْ تَرَنا نُهْدي إلى اللَه ما لهُ ... وإن كان عنه ذا غِنًى وَهْوَ قابِلُهْ\rوقال أبو الفتح البستي: البسيط:\rلا تُنكِرنَّ إذا أهديت نحوك مِن ... علومك الغُرّ أو آدابك النتفا\rفقيمُ الباغِ قد يُهْدِي لمالكهِ ... برسم خدمته من بَاغه التّحَفا\rوكتب أبو إسحاق الصابي إلى عضد الدولة في هذا المعنى: العبيد تُلاطِف ولا تكاثر الموالي في هَداياها، والموالي تَقْبَل الميسور منها قبولاً هو محسوبٌ في عطاياها. ولما كان - أدام الله تعالى عزّه - ! مبرزاً على ملوك الأرض في الخطر الذي قَصَروا عنه شديداً، والسعي الذي وقفوا منه بعيداً، والآداب التي عجزوا عن استعلامها فَضْلاً عن علْمها، والأدوات التي نكِلوا عن استفهامها فضلاً عن فهْمِها، وجب أن يُعْدَلَ عن اختياراتهم ما تَحْظَى به الجسومُ البهيمية، إلى اختيارِه فيما تخطَى به النفوسُ العليَّة، وعما يَنْفُق في سوقهم العامية، إلى ما يَنْفُق في سوقه الخاصية، إفراداً لرُتْبَتِه العُلْيا، وغايته القصْوى، وتمييزاً له عمن لا يجْري معه في هذا المضمار، ولا يتعلقُ منه بالغُبار: وقد حملت إلى خِزانة - عمرها الله! - شيئاً من الدفاتر وآلة النجوم، فإنْ رآى مولانا أن يتطوَل على عبده بالإذن في عَرْضِ ذلك عليه مُشَرَفاً له وزائداً في إحسانِه إليه فَعَلَ إنْ شاء الله تعالى.\rوأهدى أبو الطيب المتنبي إلى أبي الفضل بن العميد في يوم نوروز قصيدة مدحه فيها، يقول في آخرها: الخفيف:\rكَثُرَ الفِكْرُ كيف نُهْدِي كما ته ... دي إلى ربها الرئيسِ عِبَادُهْ\rوالَذي عندَنا من المالِ والْخَي ... ل فَمِنْه هِباتُهُ وقيادُهْ\rفبعثنا بأرْبَعينَ مِهَاراً ... كُل مُهْرٍ مَيْدَانُهُ إنْشَادُهْ\rفارْتَبِطْها فإنَ قَلْباً نَماها ... مَرْبِطٌ تَسْبِقُ الجيادَ جِيَادُه\rوفي هذه الكلمة يقولُ وقد احتفل فيها، واجتهد في تجويد ألفاظها ومعانيها، فعقَّب عليه أبو الفضل في مواضع وقف عليها فقال: الخفيف:\rهل لُعذرِي إلى الهُمام أبي الفض ... ل قَبُولٌ سَوَادُ عيني مدادُهْ؟\rأنا من شدة الحياء عليْلٌ ... مكْرُماتُ المُعِلَةِ عُوَادُهْ\rما كفاني تَقْصيرُ ما قُلْتُ فيه ... عن عُلاَهُ حتى ثناه انتقادُهْ\rما تَعَوَدْتُ أن أرى كأبي الفض ... ل، وهذَا الَذي آتاهُ اعْتيادُهْ\rغَمرَتْني فوائد شاءَ منها ... أن يكونَ الكلامُ مِمَّا أفادُهْ\rما سَمِعْنَا بمن أحَبَّ العطايا ... فاشتهى أن يكونَ مِنْها فؤادُهْ\rوقد كان مدحه بقصيدته التي أولها: الكامل:\rبادٍ هواكَ صَبَرْت أم لم تَصْبِرَا ... وبُكاكَ إن لم يجر دَمْعُكَ أوْ جَرَى","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وفيها معانٍ مخترعة، وأبيات مبتدعة، يقول فيها: الكامل:\rمَنْ مُبلغُ الأعرابِ أنّي بَعْدها ... جالَسْتُ رَسْطاليسَ والإسكندرا\rومَللتُ نَحْرَ عِشارِها فأضافني ... مَنْ يَنْحَرُ البِدَرَ النضَار لمنْ قَرَى\rوسمعْتُ بطْلِيموسَ دارِسَ كُتْبِهِ ... مُتَمَلكاً مُتبدياً مُتحَضرا\rورأيت كلَّ الفاضلين كأنما ... ردَّ الإلهُ نفوسَهم والأعْصُرَا\rنُسِقوا لنا نسق الحساب مقدَماً ... وأتى فذلك إذْ أتيت مُؤخّرَا\rوفيها يقول:\rفدعاك حُسَدك الرئيسَ وأمسكُوا ... ودَعاكَ خالِقُك الرئيسَ الأكْبَرا\rخَلَفَتْ صفاتُكَ في العيون كلامَهُ ... كالخطّ يمْلأُ مِسْمَعَيْ منْ أبْصَرا\rأخذه من قول الطائي يصف قصائده: الطويل:\rبقُرْبٍ يَرَاها مَنْ يراها بِسَمْعِه ... ويَدْنُو إليها ذو الحجا وَهْوَ شاسعُ\rنموذج في وصف الكتب","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"كتاب كَتَبَ لي أماناً من الدَّهر، وهنَّاني في أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد فوق الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. كتاب النظر فيه نعيم مقيم، والظفرُ به فتح عظيم. كتاب ارتحت لعيانه، واهتززت لعُنوانه. كتاب هو من الكتب المَيَامين، التي تأْتي من قبل اليمين. كتاب عددته من حجول العُمرِ وغُرَره، واعتَدَدته من فُرَص العيش وغُرَره. كتابٌ هو أنفس طالع، وأكرم متطلع، وأحْسن واقع، وأجلُّ متوقع. كتابٌ لو قُرئ على الحجارةِ لانْفجرَت، أو على الكواكب لانتثَرت. كتاب كِدتُ أُبْليه طيًّاً ونشراً، وقبّلتهُ ألفاً، ويَدَ حامله عشراً. كتاب نسيتُ لحسنه الرَوْضَ والزّهر؛ وغفرتُ للزمان ما تقدّم من ذنبه وما تأخر. كتابٌ أمْلَيْته هِزّة المجدِ على بنانكَ، ونطقَ به لسانُ الفَضلِ عن لسانك. أنا ألتقطُ من كلِّ حَرفٍ تُديرُه أنامُلك تُحفة، وآخُذ من كل سطرٍ تتجشَّمُ تخطيطَه نزهة. إذا قرأت من خطك حَرْفاً، وجدتُ على قلبي خِفًّاً، وإذا تأمّلت من كلامك لفظاً، ازددت من أُنْسي حظاً. كتاب كتبَ لي أماناً من الزمان، وتوقيعٌ وقعَ مِنِّي مَوْقِعَ الماء من العطشان. كتاب هو تَعِلَّةُ المسافر، وأُنْسَةُ المستوحش، وزبدة الوصال، وعُقْلة المستوفز. كتاب هو رُقية القلب السليم، وغرة العيش البهيم، كتاب هو سَمَرٌ بلا سَهَر، وصَفْوٌ بلا كدَر. كتاب تمتَّعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود، ووكلتُ طرفي من سُطُورِهِ بوشْي مُهلَّل، وتاج مُكَلَّل، وأَوْدَعْتُ سمعي من محاسنه من أنساني سماعَ الأغاني من مطربات الغواني. نشأت سَحَابة من لفظك، غَيْمُها نِعمةٌ سابغَة، وغيْثها حِكْمَةٌ بالغهٌ، سقَتْ رَوْضة القلب، وقد أجهدتها يَدُ الْجَدْبِ؛ فاهتزت وَرَبَتْ، واكتست ما اكتسَبَتْ. كتابٌ حسبته ساقطاً إليّ من السماء، اهتزازاً لمطلعه، وابتهاجاً بحسْنِ موقعه، تناولتُه كما يُتناول الكتابُ المرقومُ، وفضضْتُهُ كما يَفضُ الرَّحيق المختوم. كتاب كالمشتري شَرُفَ به المسير، وقميص يوسفَ جاء به البشير. كتاب هو من الحسن، رَوضة حَزن، بل جَنةُ عَدْنٍ، وفي شرح النفس وبَسْطِ الأنس برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. قد أهديت إليّ محاسنَ الدنيا مجموعةً في ورقه، ومباهج الحلى والحلل محصورة في طبقه. كتابّ ألصقْتُه بالقَلْبِ والكبد، وشممته شمَّ الولد. ورَدَ منك المسْكُ ذكياً، والزهرُ جَنِيًّاً، والماء مريّاً، والعيش هنيًّاً، والسحر بابليًّاً. كتاب مَطلعهُ أهِلّة الأعياد، وموقعه موقع نَيْل المراد. كتاب وجدته قصيرَ العمر، كليالي الوصال بعد الهجْر، لم أبدأ به حتى استكمل، وقارَبَ الآَخِر منه الأوّل. كتاب منتقض الأطراف، منقطع الأكتاف، أبتَرُ الجوارح، مضطرب الجوانح، كتاب كأنه توقيع متحرَز، أو تعريض مُتبرز. كاد يلتقي طَرَفاهُ، ويتقارب مُفْتتحه ومُنتهاهُ. كتاب التقَتْ طرفاه صِغَراً، واجتمعت حاشيتاه قِصراً. ما أظنني ابتدأْتُهُ حتى ختمته، ولا استفتحته حتى أتممته، ولا لمحته حتى استوفيته، ولا نشرته حتى طويته، وأحسبنْي لو لم أجوّد ضبطه، ولم أُلْزم يَديَّ حفظَهُ، لطار حتى يختلط بالجوّ، فلا أَرَى منه إلاَّ هباءً منثوراً، وهواءً منشوراً. كتاب حسبته يطيرُ من يدي لخفّته، ويلطف عن حِسّي لقلّته، وعجبتُ كيف لم تحمله الرياحُ قبل وصوله إليّ، وكيف لم يختلط بالهواء عند وصوله لديّ. كتاب قصَّ الاقتصارُ أجنحته، فلم يَدَع له قوادم وَلا خوَافِي، وأخذ الاختصار جثِّته، فلم يبق ألفاظاً ولا معاني. طلعَ كتابُكَ كإيماء بطَرْفٍ، أو وَحْيٍ بَكَفّ.\rوقال أبو العباس عبد اللّه بن المعتز: استعرت من علي بن يحيى المنجم جُزْءاً فيه أخبار مَعْبد بخط حماد بن إسحاق الموصلي، وكان وعدني به، فبعث إليّ بستّ ورقات لِطَاف، فرددتها وكتبت إليه: إن كنت أردتَ بقولك جُزْءاً الجزء الذي لا يتجزّأ فقد أصبت، وإن كنت أردتَ جُزْءاً فيه فائدة للقارئ، ومُتْعَةٌ للسامع، فقد أحَلْت: وقد ردَدْته عليك بعد أن طار اللَّحْظ عَلَيْهِ طيرة.\rفأجابني: إذا كان السِّفر عِنْدَك منجاةً فما أصنْع؟\rفي محادثة الجليس","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"وقال أبو العباس: دخل رجلٌ على الحسن بن سَهْل بعد أن تأخّر عنه أياماً، فقال: ما يَنْقَضِي يوم من عُمْرِي لا أراك فيه إلاّ علمت أنه مبتورُ القَدرِ، منحوس الحظ، مَغْبُون الأيام.\rفقال الحسن: هذا لأنّك توصل إليّ بحضورك سُروراً لا أجده عند غيرك، وأتنَسَّم من أرواح عِشْرَتك ما تجدُ الحواسُّ به بُغْيَتَها، وتستوفي منه لذتها، فنفسُك تألف مني مثل ما آلفُهُ منك.\rوكان يقال: محادثة الرَجال تَلْقيح الألباب.\rوقال ابن الرومي: مجزوء الكامل:\rولقد سَئِمْتُ مَآرِبي ... فكأنَّ أطيبَها خَبِيثُ\rإلاَ الحديثَ؛ فإنهُ ... مِثْلُ اسْمِهِ أبداً حَدِيثُ\rقال مخارق: لقيني أبُو إسحاق إسماعيلُ بن القاسم قبل نسكه، فقال: أنا والله صَبّ بك، وَلُوع إليك، مغمورُ القلب بشكرك، واللسانِ بذِكْرك، متشوِّف إلى رؤيتك ومفاوضتك، وقد طالتِ الأيامُ على ما أعِدُ به نَفْسِي من الاجتماع معك، ومن قضاء الوَطَر منك؛ فما عندك؟ أنا الفِدَاء لك! وتزورني أم أزورك؟ قلت: جعلني اللّه فِدَاك! ما يكونُ عند مَنْ هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحل إلاَ الانقياد إلى أمرك، والسمعُ والطاعةُ لك، ولولا أن أسيء الأدبَ في أمرٍ بدَأت فيه بالفضل لقلت: إن كثيرَ ما ابتدأتَ به من القول يقلُّ فيما عندي من الشوقِ إليك، والشَّغف بك، دون ما حرَك هذا القولُ مني، فوجبَتْ لك به المنَّة عليَّ، وأنا بين يديك، فأثْنِ عِنَاني إلى ما أرَدْت، وقُدْني كيف شئت، تجدني كما قال القائل: البسيط:\rما تشْتَهِيه فإني اليوم فاعلُهُ ... والقلبُ صَبّ فما جَشَّمْته جِشما\rوذكر سهل بن هارون رجلاً، فقال: لم أر أحسن منه فَهماً لجليل، ولا تفهما لدقيق، أشار إليه أبو تمام فقال: الوافر:\rوكنت أعَز عِزّاً من قنوع ... تعرَضَه صَفوح من مَلولِ\rفصرت أذلّ من معنًى دقيقٍ ... به فَقرٌ إلى ذِهنٍ جليلِ\rوقال سعيد بن مسلم للمأمون: لو لم أشكُر اللَه تعالى إلاّ على حسن ما أبلاني من أمير المؤمنين من قصدِهِ إليَ بحديثه، وإشارته إلي بِطَرفه؛ لقد كان في ذلك أعظمُ الرفعة، وأرفعُ ما تُوجِبه الحرمة. فقال: يفعل أمير المؤمنين ذلك؛ لأن أمير المؤمنين يَجِدُ عندك من حسْن الإفهام إذا حَدثت وحسن الفهم إذا حُدثت ما لا يجدُه عند أحَدٍ ممن مضى، ولا يظن أنه يجده عند أحد ممن بَقِي، فإنك لتستَقصِي حديثي، وتَقفُ عند مقاطع كلامي، وتُخْبِر بما كنتُ أغفلته منه.\rوقال المتوكل لأبي العيناء: ما تحسنُ؟ فال: أفهَمُ وأُفهِم.\rوقال بعض الحكماء لتلميذه، وقد ضَرَب الموسيقى: أفهمت؟ قال: نعم، قال: بل لم تفهم، لأني لا أرى عليك سرور الفهم! وقد قيل: مَنْ نظر إلى الربيع وأنواره، والروض وأصبْاغه، ولم يبتهج كان عديمَ حِسّ، أو سقيم نفس.\rومرَّ أبو تمام بأيرشهر من أرض فارس، فسمع جارية تغني بالفارسية، فَشَاقَه شجيّ الصوت، فقال: الوافر:\rومُسْمِعَةٍ تروقُ السمعَ حسناً ... ولم تصممهُ، لا يصممْ صداها!\rلوت أوتارها فشجتْ وشاقت ... فلوْ يسطيعُ حاسدُها فَدَاها\rولم أفْهم معانيها، ولكن ... وَرَتْ كبدي فلم أجْهل شداها\rفكنت كأنني أعمى معَنًّى ... يُحَب الغانياتِ ولا يراها\rقال أبو الفضلى أحمدُ بن أبي طاهر: قلت لأبي تمام: أخذت هذا المعنى من أحد؟ قال: نعم، أخذتُه من قول بشار بن برد: البسيط:\rيا قومِ أذْني لبعض الحيِّ عاشقةٌ ... والأذن تعْشَقُ قبلَ العينِ أحيانا\rقالوا: بمنْ لا تَرى تهذْي؟ فقلت لهم: ... الأُذْنُ كالْعَيْنِ تُوفي القلبَ ما كانا\rوقال بشار أيضاً في هذا المعنى: البسيط:\rقالت عَقِيل بن كعب إذ تعلقَها ... قَلبي فأضْحَى به من حُبّها أَثَرُ:\rأنّىَ ولم تَرَها تَهْدي! فقلْتُ لهم: ... إن الفؤادَ يرى ما لا يَرَى البَصَر\rوقال: الطويل:\rيُزهِّدني في حُبّ عَبْدَة معشرٌ ... قلوبُهُمُ فيها مخالِفَةِّ قلبي\rفقلت: دعُوا قلبي وما اختارَ وارتضى ... فبالْقَلْبِ لا بالعين يبْصِرُ ذو اللُبِ","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وما تبْصِرُ العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذْنانِ إلاَ من القلبِ\rوقد قال أبو يعقوب الخريمي في هذا المعنى، وكان قد أعورَ ثم عمي، وقيل: إنها للخليل بن أحمد: الكامل.\rقالت أتهزأ بي غَدَاة لقيتها؟ ... يا للرجال لصبْوة العميانِ\rفأجبتها: نفسي فداؤك إنما ... أُذْني وعيني في الهوى سِيَّانِ\rوقريب من هذا قول الحكم بن قنبر إنْ لم يكن منه: البسيط:\rإن كُنْتَ لَست معي فالذكر منك معي ... يَرْعاك قلبي وإن غُيِّبتَ عن بَصَرِي\rالعين تُبْصِر مَنْ تَهوَى وتفقده ... وناظرُ القلب لا يَخلو من النظر\rوقال آخر: الطويل:\rأما والّذي لو شاءَ لم يخْلُق الهَوَى ... لئن غِبْتَ عن عيْني فما غِبتَ عن قلبي\rترِينيكَ عَيْنُ الوَهْمِ حتى كأنني ... أُناجيك من قرْبٍ وإنْ لم تكن قربي\rوقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم: الطويل:\rلئن كانَ عن عينيَّ أحمدُ غائباً ... فما هو عن عين الضمير بغائبِ\rله صورةٌ في القلب لم يُقْصِها النوى ... ولم تتخَطَّفْها أكفُّ النوائبِ\rإذا ساءني منه شُحُوطُ مزاره ... وضاقت بقلبي في نَواهُ مَذَاهبي\rعطفتُ على شَخْصٍ له غير نازحٍ ... مَحَلَّتُهُ بين الحَشَا والتَّرَائب\rوذكر أبو عبيدة كيسان مسْتمليه في بعض الأمر، فقال: ما فَهِمَ، ولو فهم لوَهِمَ. وكان كيسان يوصف بالبَلادة والغفلةّ.\rقال الجاحظ: كان يكتبُ غيرَ ما يسمع، ويستقني غير ما يكتب، ويقرأ غيرَ ما يستقني، ويُملي غير ما يقرأ، أمليت عليه يوماً: مجزوء الوافر:\rعجبتُ لمعشرٍ عدلوا ... بمعتمر أبا عمرِ\rفكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستقنى أبا زيد.\rقال أبو عباد: للمحدث على جليسه، السامع لحديثه، أن يَجْمَع له بالَه، ويُصغِي إلى حديثه، ويكتم عليه سِرًهُ، ويبسط له عذره.\rوقال: ينبغي للمحدث إذا أنكر عين السامِعِ أن يستَفهمه عن مَعْنى حديثه، فإن وجده قد أخْلَص له الاستماع أتمَّ له الحديث، وإن كان لاهياً عنه حرمهُ حُسْنَ الإقبال عليه، ونَفْعَ المؤانسة له، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المحدث.\rوقال: نَشَاطُ المحدّث على قَدْر فهم المستمع.\rوكان عبد اللّه بن مسعود - رضي الله عنه! - يقول: حدِّثِ الناسَ ما حَدَّجُوك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فتوراً فأمسك.\rوقال أبو الفتح البستي: الوافر:\rإذا أحَسَست في لَفظي فتوراً ... وحفظي والبلاغة والبيانِ\rفلا تَرْتَبْ بفهمي إنَّ رَقْصي ... على مقدار إيقاعِ الزِّمانِ\rوقال عامر بن عبد قيس: الكلمةُ إذا خرجتْ من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تُجاوز الآذان.\rوقال الحسن - وقد سمع متكلِّماً يَعِظُ فلم تَقَعْ موْعِظته من قَلْبِهِ ولم يرق لها - : يا هذا، إن بقلبك لشرًّاً، أو بقلبي! وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك لجاريته: - كيف ترين ما أعِظُ الناس به؟ قالت: هو حَسَن، إلاّ أنك تكرره، قال: إنما أكرره ليفهمه مَنْ لم يكن فَهِمه، قالت: إلى أن يفهمه البطيء يَثْقُل على سَمْع الذكي.\rوأستعيد ابنُ عباس حديثاً فقْال: لولا أني أخافُ أن أغُضَ من بهائه، وأُريق من مائه، وأُخْلِق من جِدِّه، لأعدته.\rوقال أبو تمام الطائي يصف قصائده: الوافر:\rمُنزهةً عن السرق المؤِّدّى ... مكرَمةً عَنِ المَعْنَى المعادِ\rأخذه البحتري فقال: مجزوء الكامل:\rلا يُعْمِلُ اللفظَ المك ... ررَ فيه واللفظَ المُرَدَدْ\rوالإطالة ممْلولة كما يمَلُّ التكرير.\rوقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانية، وثلاثة أنُوشروانية، وثلاثة عربية، وواحدة أرْبَتْ عليهن؛ فأما الشهرجانية فضربُ العْود، ولعب الشطْرنج، ولعب الصَّوَالج. وأما الأنوشروانية فالطّب، والهندسة، والفروسية. وأما العربية فالشعْر، والنَّسب، وأيام الناس. وأما الواحدة التي أرْبَتْ عليهنّ، فمقطعات الحديث، والسمر، وما يتلقَّاه الناسُ بينهم في المجالس.\rوكان يُقال: خُذ من العلوم نتفها، ومن الآداب طُرَفها.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وكان يقال: مقطعَات الأدب، قُراضاتُ الذهب.\rوحضَر بشارُ بن بُرْدٍ مجلساً فقال: لا تجعلوا مَجلِسنا غِناء كلَه، ولا شعراً كله، ولا سَمراً كله، ولكن انتهبوه انْتِهاباً.\rوقال الحسن رحمه الله: حادثُوا هذه القلوبَ فإنها سريعةُ الدُّبُور، واقْدَعُوا هذه الأنفس فإنها طُلعة؛ وإنكم إلا تَزَعُوها تنزعْ بكم إلى شَر غاية.\rوقال أزدشير بن بابك: إن للأذهان كَلالاً، وللقلوب ملالاً، ففرِّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماماً.\rويروى في حكمة آل داود: لا ينبغي للعاقل أن يُخْلي نفسهُ من أربع؛ عدّة لِمَعَادِهِ، وصلاحٌ لمَعاشه، وفِكْرٌ يقفُ به على ما يُصْلِحُه من فساده، ولذة في غير مُحَرم يستعينُ به على الحالات الثلاث.\rوما أحسن ما قال أبو الفتح بن كشاجم: الرمل:\rعَجَبِي ممَّن تَنَاهَتْ حالُهُ ... وكفَاه اللَهُ ذِلاَتِ الطلَبْ\rكيف لا يَقْسِم شَطْرَيْ عمرِه ... بين حالَيْن نَعيم وأدَبْ؟\rساعة يُمِتع فيها نَفْسَهُ ... من غذاء وشراب منتخَبْ\rودُنُو من دُمًى هُنَ لَهُ ... حين يشتاقُ إلى اللّعب لُعَبْ\rفإذا ما نَالَ مِنْ ذا حَظه ... فحديث ونشيد وكُتُبْ\rمرة جِد، وأخرى راحة ... فإذا ما غسَقَ الليل انتْصبْ\rفقضى الدنيا نَهاراً حقَّها ... وقضى للَه ليلاً ما وَجَبْ\rتلك أقسامٌ متى يَعْمَلْ بها ... دَهْرَهُ يَسعَدْ ويَرْشُدْ ويُصِبْ\rوقال أبو العباس محمد بن يزيد: قسَّمَ كسرى أيامه فقال: يَصْلُح يَوْمُ الريح للنوم، ويوم الغَيْم للصيد، ويومُ المَطَر للشرب واللَهو، ويوم الشمس لقضاء الحوائج.\rقال الحسين ابن خَالَويْه: ما كان أعرفهم بسياسة دُنْياهم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهُمْ عن الآخرة هم غافلون، ولكن نبيَّنا، صلى الله عليه وسلم، قَدْ جَزأ نهاره ثلاثة أجزاءَ: جُزْء لله، وجزءٌ لأهله، وجزءٌ لنفسه، ثم جُزءٌ جزأه بينه وبَينَ الناس؛ فكان يستعين بالخاصَّة على العامة، وكان يقول: أبْلِغوني حاجةَ من لا يستطيعُ إبلاغي؛ فإنه من أبلغَ ذا سلطان حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغَها آمنهُ اللهُ تعالى يَوْمَ الفَزَع الأكبر.\rرجع إلى البلاغة\rوقال شبيب بن شيبة: إن ابتُلِيت بمقام لا بدَ لك فيه من الإطالة فقدم إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخَطَلِ، قبل التقدّم من إحكام البلوغ في شَرَفِ التَّجْويد؛ ثم إياك أنْ تَعْدِل بالسلامة شيئاً، فقليلٌ كافٍ خَيرٌ لك من كثير غير شاف.\rوكان جعفر بن يحيى يقول لكتابه: إن استَطعْتم أن يكون كلامُكم كلُه مثل التوقيع فافعلوا.\rوقال ثمامة بن أشرس: لم أرَ قط أنطَق من جعفر بن يحيى بن خالد، وكان صاحبَ إيجازٍ.\rوكان أبو وائلة إياس بن معاوية - على تقدمه في البلاغة، وفضْلِ عقله وعلمه - بالإكثار مَعِيباً، وإلى التطويل مَنْسوباً، وقال له عبد اللّه بن شبرمة: أنا وأنْتَ لا نتفق، أنْتَ لا تشتهي أن تسكت، وأنا لا أشتهي أن أسْمَع. وقيل له: ما فيك عيبٌ إلاّ كَثْرة كلامك. قال: أفتسمعون صواباً أم خطأ؟ قالوا: بل صواباً، قال: فالزيادةُ في الخير خير.\rقال الجاحظ: وليس كما قال، بل للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فَضَل عن مقدار الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والكَلاَل؛ فذلك هو الفِضَال والهَذَر والْخَطل والإسْهاب الذي سمِعْتُ الخطباءِ يَعيبونه.\rوذكر الأصمعي أن ابن هبيرة لمّا أراد إياساً على القضاء قال: إني واللّه لا أصلح له، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنِّي دميم حَدِيد، ولأني عيَيّ، قال ابنُ هبيرة: أما الحِدّة فإن السوْط يُقَوَمك؛ وأما العِيُّ فقد عبَّرْتَ عما تريد؛ وأما اللّه الدَّمامة فإني لا أريد أن أُحاسِ بك.\rولم يصفه أحد بالعيِّ، وإنما كان يُعَابُ بالإكثار، ولكنه أراد المدافعة عن نَفْسه والحديث ذو شجون.\rقال أبو العيناء، ذُكِرْتُ لبعض القيَان فعشقني على السماع، فلمّا رأتْني استقبحتني، فقلت: الطويل:\rوشاطرةٍ لمّا رَأتني تنكَّرَتْ ... وقالت: قبيحٌ أحْوَلٌ ما له جسمُ\rفإن تُنْكري مني احوِلالاً فإنني ... أديبّ أريبٌ لا عييّ ولا فَدْمُ","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"فاتصل بها الشعر، فكتبَتْ إلي: إنَّا لم نرد أن نُولَيك ديوانَ الزمام! وكان عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عدي بن أرطاة: إن قِبَلك رَجُلَيْن من مزينة - يعني بكر بن عبد اللّه، وإياس بن معاوية - فَوَلِّ أحَدَهما قضاءَ البَصْرَة؛ فأحضرهما، فقال بكر: واللَّهِ ما أحْسن القضاء؛ فإن كنتُ صادقاً فما تَحِلُّ تَوْليتي، وإن كنتُ كاذباً فذلك أوجْبُ لِتركي، فقال إياس: إنكم وَقَفْتُمُوه على شَفِير جهنَّم، فافْتَدى منها بَيَمينٍ يكفرها، ويستَغفِرُ اللّه تعالى منها، فقال له عديّ: أما إذ اهتديت لها فأنْتَ أحقُّ بها، فولاّه.\rودخل إيَاس الشام وهو غلام صغيرٌ، فقدّم خَصْماً له إلى بعض القضاة، وكان الْخَصْمُ شَيْخاً، فصالَ عليه إياسٌ بالكلام، فقال له القاضي: خَفَض عليك، فإنه شَيخ كبير، قال: الحقُّ أكْبَر منه، قال: اسكت! قال: فمَنْ يَنطِقُ بحجتي؟ قال: ما أراك تقولُ حقاً، قال: لا إله إلا اللّه! فدخل القاضي على عبد الملك فأخبره؛ فقال: اقْضِ حاجتَه الساعَةَ وأخْرجه من الشام لا يُفْسِد أهلَها! وقال أحمد بن الطيب السَّرَخْسِي تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي: كنتُ يوماً عند العباس بن خالد، وكان ممن حبَّب اللّه إليه أن يتحدَّث، فأخذ يحدّثني، ويتنقلُ من حديثٍ إلى حديث، وكنّا في صَحْنٍ له، فلما بلغتنا الشمس انتقلنا إلى موضع آخر، حتى صار الظلّ فَيْئاً؛ فلمّا أكْثَر وأضْجَر، ومللت حُسْنَ الأدبِ في حُسْنِ الاستماع، وذكرت قول الأوزاعي: إن حسنَ الاستماع قوة للمحدث، قلت له: إذا كنتُ وأنا أسمع قد عَيِيتُ ممّا لا كُلْفَة عليَ فيه، فكيف أراك وأنْتَ المتكلم؟ فقال: إنَّ الكلام يحلَلُ الفضولَ اللَزجة الغليظة التي تعرض في اللَّهَوَاتِ وأصْل اللسان ومنابِت الأسنان، فوثَبْتُ وقلت: لا أراني معك اليوم إلاَ إيَارج الفَيقرا، فأنت تتغَرغَر بي! فاجتَهد في أن أجلِسَ فلم أفعَل.\rقال أحمد بن الطيب: كنا مرَة عند بعض إخواننا، فتكلَّم وأعجبَه من نفسه البيان، ومِنَّا حسنُ الاستماع، حتى أفْرَط، فعرض لبعض مَن حضَر مَلل، فقال: إذا بارك الله في الشيء لم يَفْنَ، وقد جعل الله تعالى في حديث أخينا البركة! ولعبد الله بن سالم الخياط في رجل كثير الكلام: المنسرح:\rلي صاحبٌ في حديثه البركة ... يزيدُ عند السكون والحَرَكةْ\rلو قال لاَ في قليل أحرُفها ... لردها بالحروف مُشتَبكة\rومن طرائف التطويل ما أنشأه البديع، وسيمرّ من كلامه ما هو آنَق من زَهر الربيع.\rفي الظرف والمُلح والمزاح\rقال الأصمعي: بالعلم وصَلنا، وبالملَح نِلنَا، وقال الأصمعي أيضاً: أنشدت محمد بن عمران قاضي المدينة، وكان أعقَل من رأيْتُه: السريع:\rيا أيُّها السائلُ عن مَنْزِلي ... نزلتُ في الخانِ على نَفسِي\rيغدو عليَ الْخُبزُ من خابزٍ ... لا يقبل الرَّهن ولا ينسِي\rآكُلُ مِن كِيْسِي ومن كسْرتي ... حتى لقد أوجعني ضِرسي\rفقال: اكتب لي هذه الأبيات، فقلت: أصلحك اللّه! هذا لا يُشْبِهُ مثلَك، وإنما يَرْوِي مثل هذا الأحداثُ؛ فقال: اكتُبْها فالأشرافُ تُعْجِبهم المُلَح.\rوقد قال أبو الدَرداء رحمه الله تعالى: إني لأستَجِمُّ نفْسي ببعض الباطل، ليكونَ أقْوَى لها على الحق.\rوقال ابن مسعود رحمه الله: القلوب تمل كما تمل الأبدان، فاطلبوا لها طَرَائِفَ الحكمة.\rوقال ابن الماجِشُون: لقد كنَّا بالمدينة وإن الرجلَ ليحدّثني بالحديث من الفقه فيُمليه عليَ، ويذكر الخبرَ من المُلَح فأستعيدُه فلا يفعل، ويقول: لا أعطيك مُلَحِي، وأهَبُك ظَرْفي وأدبي.\rوقال ابن الماجِشُون: إني لأسْمَع بالكلمة المَليحة وما لي إلاَّ قميصٌ واحدة فأدْفَعه إلى صاحبها، وأستَكْسِي اللّه عزّ وجلّ.\rوقال الزبير بن بكار؛ رُؤي الغاضريّ يُنَازع أشْعَبَ الطمعَ عند بعض الوُلاة، ويقول: أصْلَح اللَهُ الأمير! إنّ هذا يَدْخُلُ عليّ في صناعتي، ويطلبُ مشاركتي في بِضاعتي، وهيْأتُه هيأةُ قاض، والأمير يضحك، وكانا جميعاً فرسَيْ رهان ورضيعَيْ لِبان في بَيَانهما؛ إلاَّ أنّ الغاضري كان لا يتخلَق بالطمَعِ تَخلُقَ أشْعَب.","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"وأتى الغاضري يوماً الحسنَ بن زيد فقال: جُعلت فِدَاك! إني عصيت اللَّهَ ورسوله، قال: بئس ما صنَعْت! وكيف ذلك. قال: لأنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يُفْلِحُ قومٌ ولَوا أمرَهم امرأة \" ، وأنا أطعتُ امرأتي، فاشتريتُ غلاماً فهرب.\rقال الحسن: فاخترْ واحدةً من ثلاث: إن شئتَ فثمَنُ الغلام، قال: بأبي أنتَ! قِفْ عند هذه ولا تتجاوَزها! قال: أعْرِضُ عليك الخصلتين، قال: لا، حَسْبي هذه.\rوقد رُوِي نحوُ هذا عن أشعب، أنه قال له بعض إخوانه: لو صرتَ إليّ العشيَّة نتفرج؟ قال: أخاف أن يجيء ثقيل، قلت: ليس معنا ثالث، فمضى معي، فلفا صلّينا الظهر ودعوتُ بالطعام، فإذا بداق يدق البابَ، قال: ترى أنْ قد صِرْنا إلى ما نكره، قلت له: إنه صديق، وفية عشرُ خصال إن كرِهْتَ واحدةً منهن لم آذَنْ له، قال: هَاتِ، قلت: أولها أنه لا يأكل ولا يَشرب، فقال: التسعُ لك! قل له يدخل! ورأى سفيان الثوْري الغاضريَّ وهو يُضْحِكُ الناسَ؛ فقال: يا شيخُ، أوَ ما علمتَ أن للّه يوماً يَخْسَرُ فيه المُبِطلون؟ فوجَمَ الغاضري، وما زَال ذاك يُعْرَفُ فيه حتى لَقِي اللّه عزّ وجل.\rوأشعب الطمِع هو أشعب بن جُبير، مولى عبد اللّه بن الزبير، وكان أحْلَى الناسِ، قال الزبير بن أبي بكر: كان أهلُ المدينة يقولون: تغيرَ كل شيء إلاَّ مُلَح أشعب، وخُبْز أبي الغيث، ومِشية بَرّة؛ وكان أبو الغيث يعالج الخُبز بالمدينة، وبرّة بنت سعيد بن الأسود كانت مِنْ أجمَلِ النساء وأحسنهنّ مِشيَةً، وأشعب يضربُ به المثلُ في الطَّمع، وكان أشْعَبُ قد نشأ في حِجْر عائشة بنت عثمان - رحمها الله! - مع أبي الزناد قال أشعب: فلم يزَلْ يعلو وأنحط حتى بلغنا الغاية.\rوقال أشعب: أسلمتني أمي إلى بَزَّاز، فسألتني بعد سنة، أين بلَغت؟ فقلت: في نصف العمل، قالت: وكيف؟. قلت: تعلمت النَشْر وبقي الطَي، قالت: أنتَ لا تفلح.\rوسألتْه صديقةٌ له خاتماً، فقالت: أذكُرُكَ به، قال: اذْكُري أنك سألتني ومنَعْتُك! وقيل له: كم كان أصحابُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم بَدْر؟ !قال: ثلاثمائة عشر درهماً! ثم تنسَك في آخر عمره، وغَزَا ومات على خَيْرٍ، رحمه الله تعالى! وقيل لأشعب: أرأيتَ أطمع منك؟ قال: نعم، كلبة آل فلان، رأتْ رجلين يَمْضُغان عِلْكاً، فتبعَتْهُما فَرْسخين تظنُّ أنهما يأكلان شيئاً.\rوأهدى رجلٌ من ولد عامر بن لؤي إلى إسماعيل الأعرج قالوذجة وأشعَبُ حاضر، فقال: كُلْ يا أشعب، فأكل منها؛ فقال: كيف تَراها. فقال: عليه الطلاق إن لم تكن عُمِلَت قبل أن يُوحِيَ ربك إلى النحْل أي: ليس فيها حَلاَوة.\rوروى أبو هفان قال: دخل أبو نُواس الحسنُ بن هانئ على يحي بن خالد فقال: أنشدني بعض ما قُلْتَ، فأنشده: الكامل\rإني أنا الرجلُ الحكيمُ بطَبعِه ... ويَزيد في علمي حِكايَةُ مَنْ حَكَى\rأتتبعُ الظرفاء أكتبُ عنهم ... كيما أحدث مَنْ أُحب فيضْحَكا\rفقال له يحيى بن خالد،: إن أول زَندك ليُوري بأوَلِ قَدْحةٍ، فقال ارتجالاً في معنى قول يحيى: الكامل\rأما وزَنْدُ أبي علي ... إنه زَنْدٌ إذا اسْتَوْرَيْتَ سهَلَ قَدْحَكَا\rإن الإلهَ لِعِلْمِهِ بعباده ... قد صاغَ جَدَّك للسماح ومَنْحَكا\rتَأْبى الصنائعَ همَتي وقَرِيحتي ... من أهْلها وتَعَافُ إلاَ مَدْحَكا\rووصف أبو عبد الله الجماز أبا نواس فقال: كان أظْرفَ النَّاس منطقاً، وأغْزَرهم أدباً، وأقدَرهم على الكلام، وأسْرَعَهم جواباً، وأكثرهم حياءً، وكان أبيضَ اللَونِ، جميل الوَجْهِ، مليح النغمة والإشارة، ملتفَّ الأعْضاء، بين الطويلِ والقصير، مَسْنُونَ الوَجْه، قائِم الأنف، حسن العينين والمَضْحَك، حُلْو الصورة، لَطيفَ الكَفّ والأطراف؛ وكان فصيحَ اللسان، جَيِّدَ البيان، عَذْب الألفاظ، حُلْوَ الشمائل، كثيرَ النوادر، وأَعْلَمَ الناس كيف تكلمت العربُ، رَاويةً للأشعار، علامة بالأخبار، كأن كلاَمه شعرٌ موزون.\rوأقبل أبو شراعة العبسي، والجَمَازُ في حديثه، وكان أقبح الناسِ وجهاً، وكانت يدُ أبي شَرَاعة كأنها كَرَبة نَخْل؛ فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبي شراعة لتمَ حُسْنُه؛ فغَضِب أبو شراعة وانصرفَ يَشْتُمه.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"والجماز هو: أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا يَزْعمون أنهم من حِمْيَر، نالَهُمْ سِباء في خِلاَفَةِ أبي بكر، رضي اللّه عنه، وهم مَوَالِيه، وسَلْم الخاسر عمّهُ، وكان الجماز من أحْلَى الناسِ حكاية، وأكثرِهم نادرة.\rقال بعض جلساءِ المتوكّل: كُنَّا نكْثِر عند المتوكل ذِكْرَ الجماز حتى اشتَاقه، فكتبَ في حَمْله إليه، فلما دخل أُفْحِم، فقال له المتوكل: تكلمْ فإنّي أُريدُ أن أسْتَبرئكَ، فقال: بحَيْضَةٍ أو بحَيْضَتين يا أميرَ المؤمنين؟ فقال له الفتح: قد كلَّمتُ أميرَ المؤمنين يُولَيك على القرود والكلاب! قال: أفلستَ سامِعاً مطيعاً.؟ فضحك المتوكل وأمر له بعَشْرَةِ آلاف درهم.\rوكان لا يُدْخِلُ بيتَه أكثر من ثلاثةٍ لضيقه؛ فدعا ثلاثةً، فجاءه ستّة، وقَرَعوا الباب، ووقفوا على رِجل رِجل فَعدَ أرجُلَهم من خَلْفِ الباب، فلّما حصلوا عنده، قال: اخرجُوا عني، فإنما دعوتُ ناساً ولم أدعُ كَراكِي.\rوقال الطائي في عمرو بن طوق التغلبي : الكامل\rالْجِد ُّشيمَتُه، وفيه فكَاهَة ... سجحٌ ولا جِدٌ لمن لم يَلْعَبِ\rشَرِس، ويتبع ذاك لينُ خَلِيقة ... لا خيرَ في الصَهْباء ِما لم تقطَبِ\rوقال في الحسن بن وَهْب: الكامل:\rلِلَّهِ أيامٌ خطَبْنا لِينَها ... في ظلِّه بالخندريس السَلْسَلِ\rبمدامةٍ نَغَمُ السماع خفيرُها ... لا خيرَ في المعلول غيرَ معللِ\rيخشى عليها وهو يَجْلُو مُقلتَيْ ... بازٍ، ويغفلُ وهو غيرُ مُغَفل\rلا طائشٌ تَهْفُو خلائقُه، ولا ... خَشِنُ الوقارِ كأنَه في محفلِ\rفكِه يجمُ الجدّ أحياناً، وقد ... يُنْضَى ويُهْزَلُ عَيْشُ مَنْ لم يهْزِلِ\rوقال فيه: الكامل:\rولقد رأيتكَ والكلامُ لآلئٌ ... تُؤْمٌ فَبِكْر في النِّظَامِ وثَيبُ\rوكأن قُسًّا في عُكاظٍ يَخْطُبُ ... وابن المقفعِ في اليتيمةِ يُسْهِبُ\rوكأن لَيْلَى الأخيلية تَنْدُبُ ... وكثِيرَ عزَةَ يَوْم بَيْنٍ يَنْسِبُ\rيَكْسُو الوقارَ ويستخف موقراً ... طَوْراً فَيُبْكِي سامِعيهِ ويُطْرِبُ\rوقال أبو الفتح البستي: الطويل:\rأفِدْ طَبْعَكَ المَكْدُود بالهمَ رَاحةً ... بِرَاح، وعلِّلْهُ بشيءً مِنَ المَزْحِ\rلكِنْ إذا أعطيْتَه المَزْحَ فَلْيَكُنْ ... بمقدارِ ما نُعْطِي الطعامَ من المِلْحِ\rوما زال الأشراف يمزَحون ويسمحون بما لا يَقْدَحُ في أديانهم، ولا يغضُّ في مُرُوءَاتِهِم.\rوقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" بعثت بالحنيفية السَّمْحَة \" .\rوقال: \" إني لأمْزَحُ ولا أقُول إلا حقاً \" .\rوقيل لسعيد بن المسيب: إنَّ قوماً من أهل العراق لا يَرَوْنَ إنشادَ الشعر، فقال: لقد نَسَكُوا نُسكاً أعْجَمِياً.\rوقيل لابن سيرين: إنَّ قوماً يزعمون أن إنشادَ الشعر ينقض الوضوء، فأنشد: الطويل\rلقد أصبحَتْ عِرْس الفرزدق نَاشِزاً ... ولو رَضِيَت رَشح آسْتِه لاستقرَتِ\rوقام يصَلي! وقيل: بل أنشد: البسيط\rأنْبِئْتُ أن عَجُوزاً جِئتُ أَخطبها ... عُرقوبُها مِثْلُ شَهْرِ الصَوم في الطَولِ\rما قيل في النسيب والغزل\rوقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يَشْتَهي النسيب؟. فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.\rوروى مصعب بن عبد اللّه الزبيري عن عروة بن عبيد اللّه بن عروة الزبيري قال: كان عُروَة بن أُذَينة نازلاً في دار أبي بالعقيق، فسمعتُه يُنْشِدُ لنفسه: الكامل\rإنَ التي زَعَمَتْ فؤادَك مَلَّها ... خُلِقَتْ هواك كما خُلِقْتَ هَوًى لها\rفيك الذي زعمَتْ بها، وَكِلاَكُمَا ... أبْدى لِصَاحِبه الصبَّابَةَ كُلَّها\rولَعَمْرُها لو كان حبُك فَوقَها ... يوماً وقد ضَحِيَتْ إذَنْ لأظَلَّهَا\rفإذا وجَدْت لها وَسَاوِسَ سَلوَة ... شَفَع الضميرُ إلى الفؤاد فَسَلَّها\rبيضاء بَاكَرَها النَّعيمُ فصَاغَها ... بِلَبَاقةٍ فَأَدَقَّهَا وَأجلَها","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"لَمَّا عرَضْتُ مُسَلَماً، لِيَ حاجة ... أخْشَى صُعُوبتها، وأرجُو ذُلّها\rمَنَعَتْ تَحيَّتَها فَقُلتُ لصاحبي: ... ما كانَ أكْثرَها لنَا وأقلَّها\rفَدنا وقال: لعلّها مَعْذُورة ... في بعضِ رِقْبتِها، فقلت: لَعلَّها\rقال: فأتاني أبو السائب المخزومي فقلتُ له بَعْدَ التَّرْحيب به: ألَكَ حاجة؟ فقال: نعم، أبياتٌ لعُروة بلغني أنك سمعتَه يُنشِدُها، فأنشدته الأبيات، فلمّا بلغت قوله:\rفدنَا وقالَ لعلَها معذورَة.. البيت\rطرب، وقال: هذا واللّه الدائمُ الصبَّابة، الصادق العَهْد، لا الذي يقول: الكامل:\rإن كان أهلُكِ يمنعونَك رَغْبَةً ... عني فأَهلْي بي أضَنُّ وأَرغَبُ\rلقد عَدا هذا الأعرابي طَوْرَه، وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحب هذه الأبيات لحُسْن الظنّ بها، وطَلب العُذْر لها، قال: فعرضت عليه الطعام فقال: لا واللّه ما كنت لأخْلط بهذه الأبيات طعاماً حتى الليل، وانصرف.\rوكان أبو السائب غَزِيرَ الأدب، كثير الطَرَب، وله فكاهاتٌ مذكورة، وأخبار مشهورة، وكان جَدُّه يكنى أبا السائب أيضاً، وكان خليطاً لرسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم، إذا ذكره قال: نِعْمَ الخليط! كان أبو السائب لا يشَارِي ولا يماريَ.\rواسمُ أبي السائب عبدُ اللّه، وكان أشرافُ أهلِ المدينة يستظرفونه ويقَدمونه لشَرَفِ منصبه، وحلاوة ظَرْفِهِ.\rوكان عروة بن أذينة - على زُهْدِه، ووَرَعه، وكَثْرةِ علمه وفَهمِهِ - رقيقَ الغزَل كثيره، وهو القائل: البسيط:\rإذا وجَدْتُ أُوارَ الحُبِّ في كَبِدي ... أقْبَلْتُ نحوَ سِقاءِ القوم أبْتَرِدُ\rهَبْني بَرَدْتُ بِبَرْدِ الماءَ ظاهِرَهُ ... فَمَنْ لِنارٍ على الأحْشاء تتقِدْ؟\rوقد رُوِي هذان البيتان لغيره.\rومرّت به سكينةُ بنتُ الحسين بن عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنهم! - فقالت له: أنْتَ الذي تزعم أنَّك غيرُ عاشق، وأنت تقول: البسيط:\rقالتْ وأَبثَثْتُهَا سِرَي فَبُحْتُ به ... قد كنتَ عندي تُحِبُّ السِّتْرَ فاسْتَتِرِ\rألسْتَ تُبْصِرُ مَنْ حَولي؟ فقلت لها ... غَطِّي هواكِ وما ألْقَى على بَصَري\rواللّه ما خرج هذا من قَلْبِ سليم.\rوروى الزّبير عن رجل لم يسمِّه، قال: قال لي أبو السائب: أنشدني لِلأَحْوًص فأنْشَدْتُه: الكامل:\rقالت وقلت: تحرَّحِي وَصِليحَبْلَ امرئ بوصالِكُمْ صَب :\rصَاحِبْ إذَنْ بَعْلي؟ فقلت لها: ... الغدرُ شيءٌ ليس من ضَرْبي\rشيئان لا أدْنُو لوَصْلِهما ... عِرْس الخليل وجَارةُ الْجَنْبِ\rأمّا الخليلُ فلستُ فاجِعَهُ ... والجارُ أوصاني به رَبِّي\rعُوَجا كذا نَذْكَرْ لغانيةٍ ... بعضَ الحديث مَطيكم صَحْبِي\rونَقُلْ لها: فيمَ الصَّدُودُ ولم ... نُذنِبْ، بَك أنْتِ بدَأت بالذَّنْبِ؟\rإن تُقْبِلي نُقْبِل ونُنْزِلُكم ... مِنا بِدارِ السَهْلِ والرُحْبِ\rأو تَهْجُرِي تكدرْ معيشتُنا ... وتُصَدعي مُتَلائِمَ الشَعْبِ\rفقال: هذا واللّه المحب حقاً، لا الذي يَقُول: الوافر:\rوكنت إذا حبيبٌ رامَ هَجْرِي ... وجدت وَرَايَ مُنفَسحاً عريضا\rثم قال: اذْهَب، فلا صَحِبك الله، ولا وسَع عليك! وخرج أبو حازم يوماً يَرْمِي الجمار، فإذا هو بامرأة حَاسِر قد فَتَنتِ الناسَ بحُسنِ وجهها، وألهتْهُمْ بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك بمَشْعَرٍ حرام، وقد فتنتِ الناسَ وشَغَلْتِهم عن مَناسكهم، فاتقي الله واستَتَري؛ فإنّ الله، عزَ وجل، يقول في كتابه العزيز: \" وَلْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبهن \" ؛ فقالت: إني من اللاتي قيل فيهنّ: الطويل:\rأماطَتْ كِساء الْخَزِّ عن حُر وَجْهها ... وأرْخَتْ على المتنين بُرْداً مهلهلا\rمن اللاءِ لم يحججْنَ يَبْغِين حِسبةً ... ولكن ليَقْتلْنَ البريء المُغَفّلا","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"الشعر للحارث بن خالد المخزومي، فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا نَدْعُ اللّه لهذه الصورة الحسنة ألاَّ يعذبها اللّه تعالى بالنار! فجعل أبو حازم يَدْعُو وأصحابه يُؤمَنُون، فبلغ ذلك الشعبي، فقال: ما أَرَقّكم يا أهلَ الحجاز وأظرفكم! أما والله لو كان من قُرَى العراق لقال اعزبي عليك لَعْنَة اللّه! وكان أبو حازم من فضلاء التابعين، وله مقامات جميلة من الملوك، وكلامٌ محفوظ يدلُّ على فضله وعقله، وهو القائل: كل عمل تكْرَهُ من أجله الموتَ فاتركه، ولا يضرك متى متَ. وكان يقول: ما أحببتَ أن يكون معك غداً فقدمه اليوم. وكان يقول: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد، أما أمس فلا يجدون لذّته، وأنا وإياهم من غَدٍ على وَجَل؛ وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم.\rوقال أبو العتاهية: البسيط:\rحتى متى نحن في الأيام نَحْسَبُها ... وإنما نحْنُ فيها بين يومَيْنِ\rيومٌ تولَى، ويومٌ نحن نأمُلُه ... لعلّه أجْلَبُ اليومين للحَيْنِ\rوروى الزبير بن أبي بكر قال: قدمت امرأة من هُذَيل المدينَة، وكانت جميلةً، ومعها ابن لها صغير، وهي أيِّم، فخطبَها الناسُ وأكثروا، فقال فيها عبيد الله بن عبد اللّه بن عُتْبَةَ بن مسعود: الطويل:\rأحِبُّكِ حباً لا يحبّكِ مثلَهُ ... قَريبٌ ولا في العالمينَ بعيدُ\rأحبّكِ حبًّاً لو علمت ببعَضهِ ... لَجُدْتِ ولم يصعُبْ عليك شديدُ\rوحبُّكِ يا أمّ العلاء مُتيَّمي ... شهيدي أبو بكر فَذَاكَ شهيدُ\rويعلم وَجْدِي القاسمُ بن محمدٍ ... وعُرْوَةُ ما أَلْقَى بكم وسعيدُ\rويعلم ما أُخْفي سليمانُ كلّه ... وخارجةٌ يُبْدي لنا ويُعيدُ\rمتى تسألي عما أقول فتخْبَري ... فَلَلحُبُّ عندي طارفٌ وتليدُ\rفقال له سعيد بن المسيِّب: قد أَمِنَ أن تسألنا، ولو سألَتْنا ما شهدْنا لك بزور.\rوكان عبيد الله أحَدَ الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم علمُ المدينة، وقد ذكرهم عبيد اللّه في هذه الأبيات؛ وهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومي. والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير ابن العوام، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد ابن ثابت الأنصاري.\rوقيل لعبيد اللّه: أتقول الشعر على شَرَفِكَ؟ فقال: لا بُدَ للمصدور أن يَنْفُث؛ وعبيد اللّه هو القائل: الوافر:\rشَقَقْتِ القلبَ ثم ذَرَرْتِ فيه ... هَوَاكِ فَلِيمَ والتأمَ الفُطُورُ\rتَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤادِي ... فَبَادِيهِ مع الَخَافي يَسيرُ\rتَغَلْغَلَ حيث لم يبلُغ شرابٌ ... ولا حُزْنٌ ولم يبلغْ سرورُ\rأخذه سَلْم بن عمرو الخاسر فقال: الطويل:\rسقتني بعينَيْها الهوى وسقَيْتُها ... فدَب دَبيبَ الخَمْرِ في كلِّ مَفْصِلِ\rوقال أبو نُوَاس: الوافر:\rأحِب اللومَ فيها ليس إلا ... لترداد اسمها فيها أُلاَمُ\rويَدْخُل حبها في كل قَلبٍ ... مَداخِلَ لا تَغَلْغَلُهَا المُدَام\rومنه قول المتنبي: الطويل:\rوللسِّرِّ منّي موضِعٌ لا يَنَالُهُ ... نَديمٌ، ولا يُفْضِي إليه شَرَابُ\rوقال بعض المحدثين: الكامل:\rما زلت تغويني وتطلبُ خُلَّتي ... حتى حللت بحيثُ حَل شرابي\rثم انصرفت بغير جزْمٍ كان لي ... ما هكذا الأحْبابُ للأحْبَابِ\rأخذ أبو نُواس، قوله: أحب اللوم فيها... البيتَ من قول أبي محمد ابن أبي أمية: الطويل:\rوحدَّثني عن مَجْلِسٍ كُنْت زينَهُ ... رسولٌ أمينٌ، والنساءُ شهود\rفقلت له رُدَّ الحديث الذي مضى ... وَذكْركِ من بيْنِ الحديث أُريدُ\rأناشدُهُ باللَّهِ إلاّ أَعَدْتَهُ ... كأني بطيء الفهم عنه بَعِيدُ\rوقول أبي نواس في البيت الأول كقوله: الوافر:\rإذا غَادَيْتني بصَبُوحِ لَوْم ... فممزوجاً بتَسْمِيَةِ الحبيبِ\rفإني لا أُعِدُ اللَوْمَ فيها ... عليكِ، إذا فعلْتِ، من الذنوبِ","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"ولا أنا إن عَمدْتُ أرى جَنَانا ... وإن ضَنَتْ بمبحوس النصيب\rمقنعة بثَوْبِ الحُسْنِ تَرْعَى ... بغير تكلُفٍ ثمَرَ القُلوبِ\rوفي جنان هذه يقول أبو نواسٍ: البسيط:\rيا ذا الذي عن جَنانٍ ظَل يُخْبِرُنا ... باللَهِ قُلْ وأعِدْ يا طيبَ الخبرِ\rقالوا اشتكَتْكَ وقالت ما ابتليتُ به ... أراه من حيث ما أقبلتُ في أثرِي\rويرفع الطَرْفَ نحوي إن مررتُ بِه ... حتى لَيُخْجِلُني من شِدّةِ النظر\rوإن وَقَفْتُ له كيما يُكَلمني ... في الموضع الخِلْو لم يَنْطِقْ من الحَصَر\rما زال يفعلُ بي هذا ويُدْمِنُه ... حتى لقد صار من همَي ومن وَطَرِي\rوفي جنان أيضاً يقول أبو نواس، وكان بها صباً، ولها محبّاً: الوافر:\rجنانُ تسبني ذُكِرَتْ بخير ... وتزعم أنني رجل خبيثُ\rوأن مودَّتي كذِب ومَيْن ... وأني للذي تطوى بَثوث\rوليس كذا، ولا ردّ عليها، ... ولكنَّ الملول هو النكوثُ\rولي قلبٌ يُنَازِعني إليها ... وشوقٌ بين أضلاعي حَثيثُ\rرَأَتْ كَلَفي بها وقديمَ وَجْدِي ... فملّتني، كذا كان الحديثُ\rوكانت جنان مولاة لبعض الثقفيين.\rوفي معنى قول ابن أبي أمية يقولُ العباسُ بن الأحنف: الطويل:\rوحَدَّثْتني يا سعدُ عنها فَزِدْتني ... جنوناً فزِدْني من حديثك يا سَعْدُ\rوأهل المدينة أكثر الناس ظَرْفاً، وأكثرهم طِيباً، وأحلاهم مزاجاً، وأشَدُهم اهتزازاً للسماع، وحسنَ أدبٍ عند الاستماع. وقال عبد الله بن جعفر: إن لي عند السماع هِزّة لو سُئلت عندها لأَعْطَيْتُ، ولو قاتلت لأبْلَيت.\rوروى أبو العيناء قال: قال الأصمعي: مررت بدار الزبير بالبَصْرَة، فإذا شيخٌ قديم من أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبَا ريحانة جالس بالباب عليه شَمْلة تَسْتُرُهُ، فسلّمتُ عليه، وجلستُ إليه؛ فبينما أنا كذلك إذ طلعَتْ علينا سويداء تحمل قِرْبة، فلما نظر إليها لم يتمالَكْ أن قام إليها، فقال لها: بالله غَنّي صوتاً. فقالت: إن مواليَ أَعْجَلوني، فقال: لا بدَّ من ذلك، قالت: أما والقِرْبَة على كتفي فلا، قال: فأنا أحْملها، فأخذ القربة منها، فاندفعت تُغنَي: الطويل:\rفُؤادي أسِيرٌ لا يُفَكُّ، ومُهْجَتي ... تفيضُ، وأحْزَاني عليك تَطُولُ\rولي مُقْلَةٌ قَرْحَى لطول اشتياقها ... إليك، وأجْفَاني عليك هُمُولُ\rفديتك، أعْدَائي كثيرٌ، وشُقتي ... بعيدٌ، وأشْيَاعي لديك قليل\rفطَرِب وصرخ صَرْخَةً، وضرب بالْقِربة إلى الأرض فشقّها؛ فقامت الجارية تبكي، وقالت: ما هذا بِجَزَائي منك؛ أسْعَفْتُك بحاجتك فعرضْتَني لما أكره من مواليّ. قال: لا تغتمي فإنّ المصيبة عَلَيَّ حصلت، ونزع الشَملة ووَضع يداً من خلف ويداً مر قُدَام، وباع الشَمْلة وابتاع لها قِرْبةً جديدة، وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجلٌ من ولد عليّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه! - فعرف حاله، فقال: يا أبا ريحانة، أحسبك من الذين قال الله تعالى فيهم: \" فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين \" . قال: لا يا ابنَ رسُولِ اللّه، ولكني من الذين قال اللّه تعالى فيهم: \" فَبَشّرْ عِبَادِ الَذِين يَسْتَمِعُونَ الْقَولَ فَيَتبِعُونَ أَحْسَنه \" ، فضحك، وأمر له بألْفِ درهم.\rومرَ بالأوقص المخزومي، وهو قاضي المدينة، سكرانُ وهو يتغنَّى بليل، فأشرف عليه، وقال: يا هذا، شَرِبت حَرَاماً، وأيْقَظْتُ نياماً، وغنّيت خطأ، خُذهُ عني، وأصلَح له الغناء.\rوسمع سعيد بن المسيب منشداً ينشد: الطويل:\rفلم ترَ عيني مثلَ سرْبٍ رأيتهُ ... خرجن من التنعيم مُعْتَمرَاتِ\rمَرَرْنَ بفَخّ ثم رُحْنَ عَشِيّةً ... يلَبينَ للرَحْمن مؤتجراتِ\rولما رأتْ ركُبَ النميري أعرضَتْ ... وكنَ مِنَ آن يلْقَيْنَهُ حَذِرات\rدعت نسوة شُمَ العرانين بُزَلاً ... نواعم، لا شعْثاً ولا غَبَراتِ","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"فأبرزن لما قمن يحجبنَ دونها ... حِجَاباً من القَسِّيّ والحبراتٍ\rتَضَوَّع طيباً بَطنُ نعمان إذ مشَتْ ... به زينبٌ في نسوةٍ عَطِرَاتِ\rيُخَبئن أطرافَ البنَان من التقَى ... ويَخْرُجْن شطر الليل مُعْتَجِرات\rفقَال سعيد: هذا واللّه مما يلذّ استماعه، ثم قال: الطويل:\rوليست كأُخْرى وسَّعَتْ جَيبَ درعها ... وأبدت بَنانَ الكَفّ للجَمَراتِ\rوغالَتْ بَيان المسك وَحفاً مُرَجلاً ... على مِثلِ بَدرٍ لاَحَ في الظلمَاتِ\rوقامت تَرَاءَى بين جَمْع فأفتَنَتْ ... برؤيتها مَنْ راحَ مِن عَرَفاتِ\rقال: فكانوا يرون أن الشعرَ الثاني له، والأولى لمحمد بن عبد اللّه بن نميِر الثقفي يقوله في زينب بنت يوسف أخت الحجاج؛ وطلبه الحجاج حتى ظَفر به فقال: أنت القائل ما قلت؟ قال: وهل قلت أصلح اللّه الأمير إلاّ:\rيخبّئن أطرافَ البَنان من التقى ... ويخرجن شَطْر الليل مُعتَجِراتِ\rقال له: كم كُنْتُم إذ تقول:\rولما رأت رَكْبَ النميري أعْرَضت\rقال: والله ما كنت إلاَّ أنا وصاحب لي عَلَى حمّارٍ هَزيل! فضحك وعفا عنه. وهو القائل: الوافر:\rأهَاجَتْكَ الظَّعائِنُ يوم بَاتُوا ... بنِي الزِّيّ الجميل من الأثاثِ\rظَعائن أسْلَكَت في بَطْنِ قَوٍّ ... تَحُثّ إذا رَنَتْ أي احْتِثَاث\rكأنٌ على الهوادج يَوْمَ بانوا ... نِعَاجاً تَرْتَعي بَقْلَ البِراث\rيهيِّجك الْحَمَامُ إذا تغنى ... كما سجع النَّوَادِب بالمَراثي\rوقال ابن المعتز: وَعْدُ الدنيا إلى خَلَفِ، وبقاؤها إلى تَلَفِ، وبَعْدَ عَطائِها المنع، وبعد أمانها الفَجْع، طَوَاحة طرَّاحة، آسِيَة جَرَّاحة، كم راقد في ظلِّها قد أيقظته، ووافق بها قد خَانَته، حتى يلفظَ نفسَه، ويودعّ دنياه، ويسْكُن رَمْسَه، وينقطع عن أمله، ويُشْرِف على عمله، وقد رَجَح الموتُ بحياته، ونقضَ قُوَى حَركاته، وطَمس البلَى جمالَ بَهْجَته، وقطع نظامَ صورته، وصار كخًطٍّ من رَماد تحت صفائح أنْضاد؛ وقد أسلمه الأحباب، وافترش التُرَاب، في بيت نجرتْه المَعَاوِلُ، وفُرِشَتْ فيه الْجَنادل، ما زال مضطرباً في أمَلِه، حتى استقرَّ في أجَله، ومحت الأيامُ ذِكْرَه، واعتادتِ الأَلْحَاظُ فَقْدَه.\rوكتب وهو معتقل إلى أستاذه أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب يتشوّقه: الرجز:\rما وَجدُ صَادٍ بالحبال مُوثَقِ ... بماء مزْنٍ باردٍ مُصَفَّقِ\rبالرِّيح لم يَكدُر ولم يُرَنَقِ ... جادت به أخلافُ دَجن مطبِقِ\rبصخرةٍ إن تَرَ شَمساً تبرق ... مَادَ عليها كالزّجاج الأزرقِ\rصَرِيحُ غَيثٍ خالصٍ لم يُمذَق ... إلاّ كوَجْدي بك، لكن أتّقي\rيا فاتحاً لكل باب مُغْلَقِ ... وصَيرَفيًّاً ناقداً للمنطِقِ\rإنْ قالَ هذا بَهْرج لم ينفقِ ... إنَّا على البعاد والتفرُّقِ\rلنلتقي بالذكر إن لم نَلتَقِ\rفأجابه: أخذتَ، أطال اللّه بقاءك، أودَ هذه الأبيات مما أمليْتُه عليك من قول جميل: الطويل:\rوما صادِياتٌ حُمنَ يوماً وليلةً ... على الماء، يخشين العصيَ حَواني\rكواعبُ لم يَصدُرْن عنه لِوجْهَةٍ ... ولا هنَّ من بَردِ الحياض دَوَاني\rيَرَينَ حَبابَ الماء والموتُ دونهُ ... فهنَّ لأصواتِ السّقاةِ رَوَاني\rبأكثرَ مني غُلَّةً وَصبابةً ... إليكِ، ولكنَّ العدوَّ عراني\rوأخَذْتَ آخرَهَا من قول رُؤْبَة بن العجاج: الرجز:\rإني وإن لم تَرَني فإنّني ... أخوك والرَّاعي إذا اسْتَرْعَيْتَني\rأراك بالوُد وإنْ لَمْ تَرَني\rقال: فاستخفني في ذلك ونسب إليَ سوءَ الأدب.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وكان أبو العباس عبدُ اللّه بنُ المعتز في المنصب العالي من الشعر والنثر، وفي النهاية في إشراق ديباجَةِ البيان، والغاية من رقَةِ حاشية اللسان. وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف من بديع الشعر إلى رقيقِ النّثر أتى بحلال السحر، وليس بعد ذي الرّمة أكثرُ افتناناً وأكبرُ تصرّفاً وإحساناً في التشبيه منه. وإنما فرقتُ جُمْلة ما اخترتُ من شعره ونثره في جملة هذا الكتاب؛ لئلاّ أخرج عما تقدم به الشرط في البسط، وآتي ههنا ببعض ما أختاره له، قال: الوافر:\rوفِتْيَانٍ سَرَوْا والليلُ داجٍ ... وضوءُ الصبح متهَمُ الطّلوعِ\rكأنّ بُزاتَهُمْ أُمراءُ جيش ... على أكتافهم صدَأ الدُّروعِ\rوقال أيضاً: الكامل:\rفي ليلةٍ أكَل المحاقُ هِلالَها ... حتى تبلَّى مِثْلَ وَقْفِ العاجِ\rوالصبحُ يَتْلُو المشتَري فكأنَّهُ ... عُرْيان يَمْشِي في الدُّجَا بِسرَاجِ\rوقال أيضاً يصف فرساً: الكامل:\rولقد غَدَوْتُ على طمِر سابحٍ ... عَقَدَتْ سنابِكُه عَجَاجَةَ قَسطَلِ\rمتلثم لُجُمَ الحديد يَلُوكُها ... لولا الفتاة مساوِكاً من إسْحِلِ\rومحجل غير اليمين كأنَه ... متبختر يَمْشِي بكمٍّ مُسْبَلِ\rوقال: مجزوء الرمل أو الرجز:\rقد أغْتَدِي بِقَارح ... مُسَوم يَعْبُوبِ\rينفي الْحَصى بحافرٍ ... كالقَدَح المكبوب\rقد ضحكت غُرَتُهُ ... في موضع التقطيبِ\rوقال أيضاً: الكامل:\rولقد وطئتُ الغيثَ يحملني ... طِرْفٌ كلَوْنِ الصبح حين وَفدْ\rخمَاع أطْرَافِ الصّوار فما الْ ... أخرى عليه إذا جَرى بأشدّ\rيمشي فيعرض في العِنان كما ... صدف المعشَق ذو الدّلال وصدْ\rفكأنه مَوْج يذوبُ إذا ... أطلقتهُ فإذا حبست جمدْ\rوقال أيضاً يصف سيفاً: الطويل:\rولي صارمٌ فيه المنايا كَوامِن ... فما يُنتضَى إلاَ لسفْكِ دِمَاء\rترى فَوْقَ مَتْنيْه الفرِنْد كأنهُ ... بقيةُ غيْمٍ رَق دُونَ سَمَاء\rوقال يَصِف ناراً: الطويل:\rمُشهَرة لا يحجب النخلُ ضوءَها ... كأنَ سيوفاً بين عيدانها تُجْلى\rيفرج أغصان الوقود اضطرامُها ... كما شقّت الشقراء عن مَتْنها جُلا\rوقال بعض أهل العصر، وهو السَّريّ الموصليّ: المنسرح:\rيوم رذاذ مُمَسَّك الحجُب ... يَضْحَكُ فيه السرورُ من كثَبِ\rومجلسٍ أُسْبلِت ستائرهُ ... على شموسِ البهاء والحسبِ\rوقد جرت خيلُ راحنا خَبَباً ... في حلْيِهَا أو هممن بالخبَبِ\rوالتهبت نارُنَا فمنظَرُها ... يُغْنِيك عن كل منظَرٍ عَجَبِ\rإذا ارتمت بالشرار فاطَّردت ... على ذَرَاها مَطَارِدُ اللَّهَب\rرأيتَ ياقوتةَ مشبكةً ... تطيرُ عنها قرَاضَةُ الذهب\rفانهض إلى المجلس الذي ابتسمت ... فيه رياضُ الجمالِ والأدبِ\rوقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفرج الببغا: الخفيف:\rفَحَماً قَدَّمَ الغلامُ فأَهْدَى ... في كوانينه حياةَ النُّفُوسِ\rكانَ كالآبَنُوسِ غَيْرَ محلًّى ... فغدا وهو مُذْهَبُ الآبنوسِ\rلقي النارَ في ثيابِ حِدَادٍ ... فكَسَتْهُ مُصَبَّغَاتِ عَرُوسِ\rوقال أبو الفضل الميكالي: المتقارب:\rكأن الشَّرارَ على نارِنا ... وقد راقَ مَنْظَرُها كلَّ عَيْنِ\rسُحالةُ تِبْرٍ إذا ما علا ... فإمَا هَوَى ففُتات اللُجَيْنِ\rوقال ابن المعتز يصف سحابة: الوافر:\rومُوقَرة بثِقل الماءَ جاءَتْ ... تَهَادى فوق أعناقِ الرِّياحِ\rفباتَتْ ليلَهَا سَحاً ووَبْلاً ... وهَطْلاً مثل أفواهِ الْجِرَاحِ\rكأَن سماءَها لما تجلَتْ ... خِلاَل نجومها عند الصباحِ\rرياضُ بَنَفْسَج خَضِل ثراهُ ... تفَتح بينه نَوْرُ الأقاحِ\rوقال: البسيط:","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"ولُجَّةٍ للمنايا خُضتُ غَمْرَتها ... بصارم ذكرٍ صَمْصَامَةٍ خَذِم\rوقارحٍ صَبَغَ الْخِيلانُ دُهْمَتَهُ ... بشُهْبَةٍ كاختلاط الصبْح بالظلم\rوقال: الطويل:\rوليل ككُحْل العَيْنِ خُضْت ظلامَه ... بأزرقَ لمَاعٍ وأبيضَ صارمِ\rومَضْبورةِ الأعضادِ حرْفٍ كأنها ... تصافحُ رضراضَ الحصى بمنَاسم\rوقال يصف حيَّة: البسيط:\rنَعَتُّ رقطاء لا تَحيا لَدِيغَتُهَا ... لوقدَّها السيف لم يعلق به بلَلُ\rتلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتها ... كأَنها كُمّ دِرْعٍ قدَّهُ بَطَلُ\rوقال أيضاً: الطويل:\rوأَسْأَرَ منِّي الدَهرُ عَضْباً مُهَنَّداً ... يفُلُّ شَبَا حَظِّي، وقلباً مشيعَا\rورأيا كمرآة الصنَاع أرى بِهِ ... سرائر غَيْبِ الدهر من حيث ما سَعَى\rأخذه من قول المنصور لابنه المهدي: لا تُبْرِمنَّ أمراً حتى تفكّر فيه؛ فإن فِكْره العاقل مرآته، تريه قبحه وحسنه.\rولما دُفِن المنصور وقف الربيعُ على قبره فقال: رَحِمَك اللَهُ يا أمير المؤمنين، وغفر لكَ! فقد كان لك حِمًى من العقل لا يطيرُ به الجهل، وكنت ترى باطنَ الأمر بمرآةٍ من الرأي، كما ترى ظاهره. ثم التفت إلى يحيى بن محمد أخي المنصور فقال: هذا كما قال أبو دهبَل الجمحي: الكامل:\rعُقمَ النساءُ فما يَلِدنَ شَبيهَهُ ... إن النساء بمثلِه عُقْمُ\rوبعده:\rمتهللٌ بنَعَمْ، بِلاَ متباعِدٌ ... سِيان منه الوَفْرُ والعدمُ\rنزْرُ الكلام من الحياء تخالُه ... ضَمِناً، وليس بجسمه سُقْمُ\rأخذ البيت الأخير من قول ليلى الأخيلية: الكامل:\rلا تقْرَبَنَ الدَّهرَ آل مُطَرّفٍ ... إن ظالماً يوماً وإنْ مظْلوما\rقوم رِباطُ الخيل حَوْلَ بيوتهم ... وأسنة زرق يُخَلنَ نُجُوما\rوممزَق عنهُ القميص تَخَالَهُ ... وسطَ البيوت من الحياء سقيما\rحتى إذا رُفِع اللواءُ رأيتهُ ... يوم الهياج على الخميس زعيما\rوقال: البسيط:\rيُشَتهون ملوكا في تجلتهمْ ... وطول أنْصِبَة الأعنَاق واللمَمِ\rإذا بَدَا المسكُ يَجرِي في مَفَارقهم ... راحُوا كأًنهمُ مَرْضى من الكرمِ\rوقال أبو علي الحاتمي: وما أحسن أبياتاً أنشدها أبو عمر المطرز غلام ثعلب يعترض في أثنائها هذا المعنى: الطويل:\rتخالُهُم للحلم صُمًّاً عن الْخَنا ... وخُرْساً عن الفَحْشاءِ عند التهاتُرِ\rومَرضَى إذا لاَقَوْا حياء وعِفّةً ... وعند الحروب كالليوث الْخَوَادرِ\rلهم عزُ إنصافٍ وذلُّ تواضع ... بهم وًلَهُمْ ذَلتْ رِقابُ العشائر\rكأن بهم وَصماً يخافون عارهُ ... وليس بهم إلاّ اتقاءُ المَعايرِ\rوأنشد: الطويل:\rأحلام عادِ لا يَخَافُ جَليسهُم وإن نَطَقَ العوْراء عَيْبَ لسانِ\rإذا حُدّثوا لم يُخْشَ سوءُ استماعهم ... وإن حدَثوا أدَوْا بحُسن بيانِ\rوقال ابن المعتز: الطويل:\rوعاقِدِ زُنارٍ على غُصُن الآسِ ... دقيق المَعَانِي مُخْطَفِ الخصر مَياسِ\rسقاني عُقاراً صَب فيها مِزَاجها ... فأَضْحَكَ عن ثَغْرِ الْحَبابِ فَمَ الْكاسِ\rوقال: الكامل:\rيا ليلةً نَسِيَ الزمانُ بها ... أحْدَاثه، كُوني بلا فَجْرِ\rفاح المساء ببدرها، وَوَشَتْ ... فيها الصبّا بمواقع القَطْرِ\rثم انقضت والقَلْب يَتْبَعُها ... في حيث ما سقطَتْ من الدَهْرِ\rوقال: الكامل:\rيا رُب إخوانٍ صحبتهمُ ... لا يملكون لِسلْوة قَلْباً\rلو تستطيع قلوبُهم نَفَرَتْ ... أجسامهم فتعانقت حُبّا\rهذا كقول ابن الرومي: الطويل:\rأعانقه والنفسُ بَعْدُ مَشُوقَةٌ ... إليه، وهل بَعْد العِنَاق تَدَاني؟\rوألثم فاه كي تَزُولَ حَرَارَتي ... فيشتد ما ألقى من الهَيمان","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"ولم يك مِقْدَارُ الذي بي مِنَ الْهَوَى ... ليرويَهُ ما ترشُفُ الشَفَتان\rكأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يُرَى الروحان يمتزِجَان\rومن منثوره: لا يزالُ الإخْوَانُ يُسافرون في المودَة، حتى يبلغوا الشُقة، فإذا بلغوها أَلْقوا عَصا التَّسيار، واطمأَنَّتْ بهما الدار، وأقبلت وفودُ النصائح، وأمنت خَبايا الضمائر، فحلُوا عُقَد التحفّظ، ونزعوا ملابس التَخَلُق.\rوله: سار فلان في جيوش عليهم أردِيَة السيوف، وأَقْمصَةُ الحديد، وكأنَّ رِمَاحَهم قرونُ الوُعْولِ، وكأنَّ دروعَهم زَبَدُ السيولِ، على خيل تأكُل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنَّقْع سُرَادِقَها، قد نُشرت في وجوهها غُرَر كأنها صحائف الرق، وأمسكها تحجيلٌ كأنه أَسْورة اللّجين، وقُرِّطت عذُراً كأنها الشَنْف، تتلقّف الأعداء أوائلُه ولم تَنْهَض أواخره، قد صُب عليهم وقار الصبر، وهبّت معهم ريح النَّصر.\rوله في عليل: آذنَ اللَّهُ في شفائك، وتَلَقى داءك بدوائك، ومسحَ بيدِ العافيةِ عليك، ووجه وَفْدَ السلامة إليك، وجعل عِلَّتك ماحية لذنوبك، مضاعفَةً لثوابك.\rوكتب إلى عبيد اللّه بن سليمان بن وَهب في يوم عيد: أَخّرَتْني العِلَّةُ عن الوزير أعزه اللّه، فحضرت بالدعاء في كتاب لينوبَ عنيّ، ويَعْمُر ما أخْلَتْه العوائِقُ مني، وأنا أسألُ اللّه تعالى أن يجعلَ هذا العيدَ أعْظَمَ الأعياد السالفة بركةً على الوزير، ودون الأعياد المستَقْبَلة فيما يُحَبُ ويُحَبّ له، ويَقْبل ما توسّل به إلى مَرْضَاته، ويضاعفَ الإحسان إليه، على الإحسان منه، ويمتّعه بصحبة النعمة ولباسِ العافية، ولا يُرِيَهُ في مسرَةٍ نقصاً، ولا يقطع عنه مَزِيداً، ويجعلني من كل سوءً فِدَاء، ويصرف عيون الغِيَرِ عنه، وعن حظِّي منه.\rوله إلى بعض الرؤساء: لا تَشِنْ حُسْنَ الظَّفَر بقُبح الانتقامِ، وتجاوز عن كل مُذْنِب لم يَسْلكْ من الإعذار طريقاً حتى اتّخذ من رجاء عَفْوِكَ رفيقاً.\rوله اعتذار إلى القاسم بن عُبَيْدِ اللّه: ترفّع عن ظُلْمِي إن كنتُ بَرِيئاً، وتفضل بالعفو إن كنتُ مسيئاً، فواللّه إني لأطلب عَفوَ ذَنبٍ لم أجْنِه، وألتَمس الإقالةَ مما لا أعرفه؛ لتزدَاد تطوُّلاً، وأزداد تَذَلُلاً؛ وأنا أُعِيذُ حالي عندك بكرمك من واشٍ يَكِيدُهَا، وأحْرُسها بوفائك من باغٍ يحاولُ إفسادها، وأسأل اللّه تعالى أنْ يجعلَ حظِّي منك، بقدر ودِّي لك، ومحلّي من رجائك، بحيث أسْتَحقُّ منك.\rوله إليه: لو كان في الصَّمْتِ مَوضعٌ يَسعُ حالي لخففْت عن سَمْعِ الوزير ونَظَره، ولم أشغل وَجْهاً من فِكْره، وما زالت الشكوى، تُغرِبُ عن لسان البَلْوَى، ومن اختلّت حالته، كان في الصَّمْتِ هَلَكَتُه، وقد كان الصبرُ ينصرُني على سَتْر أمْرِيَ حتى خذلني.\rوهذا كقول أحمد بن إسماعيل: فصاحةُ الشكوى، على قَدْرِ البلوى، إلاَّ أن يكونَ بالشاكي انقباض، وبالمشكُوِّ إليه إعْرَاض.\rفي باب الوصف\rوقد أحسن أبو العباس بن المعتز في صفة الماء في أرجوزته التي أنشدتها آنفاً، وقد قال في قصيدة له وذكر إبِلاً: الخفيف:\rفتبدَّى لهنَّ بالنَّجَفِ المُدْ ... بِرِ ماء صافي الجِمام عَرِيُّ\rيتمشّى على حَصًى يَسْلُبُ الما ... ءَ قَذَاه فَمتْنُه مَجْليُّ\rوإذا داخلته دُرّةُ شَمْسٍ ... خِلْته كُسِّرت عليه الْحُليُّ\rوقال: الكامل:\rلا مثْل منزلة الدُوَيرةِ منزلٌ ... يا دارُ، جادكِ وَابِلٌ وسَقاكِ\rبُؤساً لدَهْرٍ غَيَّرتْكِ صروفُهُ ... لم يَمْحُ من قلبي الهوى ومَحَاكِ\rلم يَحْلُ للعينين بعدك منظَرٌ ... ذُمَ المنازل كلّهنَّ سِوَاكِ\rأي المعاهد منكِ أنْدُبُ طِيبَهُ ... مُمْساك بالآصال أم مَعْدَاكِ\rأم بَرد ظلّك ذي الغصون وذي الجنى ... أم أرضك الميثاء أم رَيَّاكِ\rوكأنما سطعت مجامرُ عنبرٍ ... أو فُتَّ فأْرُ المسكِ فوق ثَراكِ\rوكأنما حَصْبَاءُ أرضِكِ جَوْهَرٌ ... وكأن ماءَ الورْدِ دَمْعُ نَداكِ","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"وكأنما أيدي الربيع ضُحيّة ... نشَرَتْ ثياب الوَشْي فوق رُباك\rوكأن دِرْعاً مُفْرغاً من فِضة ... ماءُ الغدير جَرَتْ عليه صبَاكِ\rوعشقت عاتكة المرية ابنَ عمٍّ لها فراودها عن نفسها فقالت: الطويل:\rفما طَعْمَ ماءً أيّ ماء تقولهُ ... تحدَر عن غرٍّ طوالِ الذوائبِ\rبمنعرَج من بَطْنِ وَادٍ تقابلتْ ... عليه رياحُ الصيفِ من كل جانبِ\rنَفَتْ جَرْيَةُ الماء القَذَى عن متُونِه ... فما إن به عَيْب تَرَاهُ لِشَاربِ\rبأطيبَ ممن يقِصر الطَّرْفَ دونَهُ ... تُقَى اللَّه واستحياءُ بَعْضِ العواقبِ\rوأنشد الأصمعي قال: أنشدني أبو عمرو بن العلاء لجابر بن الأرق، وقال: هو أحْسَن ما قيلَ في معناه: الطويل:\rأيا وَيْحَ نَفْسِي كلّما الْتحْتُ لوحةً ... على شَرْبَةٍ من ماء أحْوَاضِ مَارِبِ\rبقايا نِطَافٍ أوْدَع الغيم صَفْوها ... مصقلة الأرْجاءِ زُرْق المَشَارِبِ\rتَرَقْرَقَ دَمْعُ المُزْنِ فيهنّ والْتَوَتْ ... عليهن أنْفَاسُ الرياح الغرائبِ\rوأنشد إسحاق بن إبراهيم للأُبيْرِد اليربوعي، ورويت لمضرس بن رِبعي الأسدي: الطويل:\rفألْقَت عَصا التسيَارِ عنها، وخَيَّمت ... بأرجاءَ عَذْبِ الماء زُرْقٍ مَحَافِرُهْ\rأزال الْقذَى عن مائه وَافِدُ الصبّا ... يروحُ عليه ناسماً ويُباكِرُهْ\rوأول من أتى بهذا زهير بن أبي سُلْمى في قوله: الطويل:\rفلما وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُهُ ... وَضَعْن عِصِي الحاضِرِ المتَخَيمِ\rوقال ابن الرومي: الطويل:\rوماء جَلَتْ عن حُر صفحته الْقَذَى ... من الريح مِعطارُ الأصائِل والبُكَرْ\rبه عَبَق ممَا تسَحَبَ فوقَهُ ... نسيم الصبا يجْرِي على النوْر والزَهَرْ\rوصف الدور والقصور\rويتعلق بهذا الباب قولُ البحتري يصف بِركة الجعفري وهو قصر ابتناه المتوكل في سر من رأى: البسيط:\rيا من رَأى البركَةَ الحسنا ورونَقها ... والآنساتِ إذَا لاَحَتْ مَغَانيها\rما بالُ دجلةَ كالغَيْرَى تُنافِسُها ... في الحُسْنِ طوْراً وأطوَاراً تُباهيها!\rإذا علتْها الصبا أبْدَت لها حُبْكاً ... مثلَ الجواشِنِ مَصقولاً حَوَاشيها\rفحاجبُ الشمس أحياناً يُغَازِلُها ... ورَيقُ الغَيثِ أحياناَ يُباكيها\rإذا النجومُ تراءَتْ في جوانبها ... لَيْلاً حَسبتَ سماءً رُكبَتْ فيها\rكأنما الفِضةُ البيضاء سائلة ... من السبائك تَجْري في مَجاريها\rتنصبُّ فيها وفودُ الماء مُعجَلةً ... كالخيل خارجةً من حَبْل مُجريها\rكأن جِن سليمان الذين وَلُوا ... إبداعَهَا فأدقُوا في مَعَانيها\rفلو تَمُرُ بها بِلْقيسُ عن عُرُضٍ ... قالت: هي الصَرْحُ تمثيلاً وتشبيها\rلا يَبلُغُ السمَكُ المقصورُ غايتها ... لبُعْدِ ما بين قاصيها ودانيها\rيَعُمْنَ فيها بأَوْسَاطٍ مُجَنّحةٍ ... كالطَير تنشر في جوٍّ خَوَافيها\rولم يُنْفِق أحدٌ من خلفاء بني العباس في البناء ما أَنْفَقَه المتوكل؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف، وفي أبنيته يقول علي بن الجهم: المتقارب:\rوما زِلتُ أسمَع أنَّ الملو ... كَ تَبْني على قَدْرِ أخْطَارِها\rوأعلمُ أنَ عقولَ الرجا ... ل يُقْضى عليها بآثارها\rصُحونٌ تسافر فيها العُيون ... فتَحْسِر من بُعْد أقْطَارِها\rوقبَّة مَلْك كأنَّ النجو ... م تُفضِي إليها بأسْرَارها\rإذا أُوقِدَت نَارُها بالعراق ... أضاء الحِجازَ سَنَا نَارِها\rلها شُرُفات كأنّ الربيع ... كساها الرّياضَ بأنْوَارِها\rفهنّ كمصطحباتٍ خَرَجْنَ ... لِفصْح النصارى وإفطارها","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"نظمن القسِيَ كنظم الحلى ... بعُونِ النساءَ وأبْكارِها\rفمن بين عاقصةٍ شَعْرَها ... ومُصلحة عَقْد زُنَّارها\rوللبحتري فيها شعر كثير منه: الوافر:\rأرى المتوكِّلِيّةَ قد تعالَتْ ... مصانعها وأكملتِ التماما\rقُصورٌ كالكواكب لامِعَاتٌ ... يَكَدْنَ يُضِئْنَ للساري الظّلاما\rوروضٌ مِثْلُ بُرْدِ الوَشْي فيه ... جَنَى الحَوْذانِ يُنْشَرُ والخُزَامى\rغرائبُ من فنون النوْرِ فيها ... جَنَى الزَّهْرِ الفُرادَى والتؤاما\rتُضَاحِكُها الضُّحى طوراً وطَوراً ... عليه الغيم ينسجمُ انسجاما\rولو لم يستهل لها غَمامٌ ... بِرَيِّقِهِ لكنتَ لها غَماما\rوقال أيضاً: الكامل:\rقد تمَّ حُسْنُ الجعفريِّ ولم يكن ... لِيَتِمَّ إلاّ للخليفةِ جَعْفَرِ\rملكٌ تبوَّأَ خَيْرَ دارٍ أُنشِئت ... في خير مبْدًى للأَنامِ ومَحْضَرِ\rأفي رأس مُشْرِفَةٍ حَصاها لُؤلؤ ... وترابُها مِسْكٌ يُشَابُ بعَنْبَرِ\rمُخْضَرَّةٌ والغيثُ ليس بسَاكب ... ومضيئةٌ والليلُ ليس بِمُقْمِرِ\rرفعتْ بمُنْخَرقِ الرياح، وجاورتْ ... ظِلَّ الغمام الصيِّب المستعبر\rوبعده:\rورَفَعْتَ بُنْياناً كأنّ زُهاءَه ... أعلامُ رَضْوَى أو شواهقُ ضَيْبَر\rعالٍ على لَحْظِ العيونِ كأنما ... يَنْظُرْنَ منه إلى بياضِ المشتري\rملأت جوانِبُهُ الفضاءَ، وعانَقَتْ ... شُرفاتُهُ قِطَعَ السحابِ المُمْطِر\rوتسيلُ دجلةُ تحْتَه ففِناؤه ... من لُجّة فُرِشت ورَوْضٍ أَخْضَر\rشجرٌ تُلاَعِبُهُ الرياحُ فتنثني ... أعطافُهُ في سَائحِ متفجِّرِ\rأخذ أبو بكر الصنبوري قولَ البحتري في صفة البركة فقال يصف موضعاً: المتقارب:\rسقى حلباً سافِك دَمعهُ ... بَطِيءُ الرُّقُوء إذا ما سَفَكْ\rمَيادينُه بسطُهُن الرياض ... وساحاتُه بينهنّ البِرَكْ\rترى الريح تَنْسِج من مائه ... درُوعاً مُضَاعَفةً أو شَبَكْ\rكأن الزجاجَ عليها أُذِيب ... وماء اللُجَيْنِ بها فد سبك\rهي الجوُّ من رقَة غير أن ... مكانَ الطيورِ يَطِيرُ السمكْ\rوقد نُظِمَ الزهر نظم النجوم ... فمفترق النَّظم أو مشتبِك\rكما درَج الماءَ مَر الصبا ... ودبجَ وجهَ السماء الحُبُكْ\rيُبَاهِين أعلامَ قُمْصِ القيان ... ونَقْشَ عَصائبها والتكَكْ\rوأخذ قوله:\rإذا النجُوم تراءَتْ في جَوَانبها\rفقال: الطويل:\rولما تعالى البدرُ وامتدَّ ضوؤُه ... بدجله في تشرين في الطولِ والعرْضِ\rوقد قابل الماء المفضّض نورُه ... وبعضُ نجوم الليل يَقْفُو سَنَا بَعْضِ\rتّوهم ذو العين البصيرة أنه ... يرى باطن الأفلاكِ مِنْ ظاهِرِ الأرضِ\rولأهل العصر في هذا النجْوم كلام كثير: قال الأمير أبو الفضل الميكالي، يصف بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على مَهْو مطل عليها يقول: البسيط:\rأما ترى البركة الغرّاء قد لَبِسَتْ ... نوراً من الشمس في حافاتها سطعَا\rوالمَهْو من فوقها يُلْهِيك منظَرُه ... كأنهُ ملكٌ في دَسْتِه ارتفَعَا\rوالماء من تحته ألقى الشعاع على ... أعلى سماواته فارتجَ مُلْتَمِعا\rكأنه السيفُ مصقولاً تُقلبه ... كفُّ الكمي إلى ضَرْبِ الكميَ سَعَى\rوقال علي بن محمد الإيادي يمدح المعز ويصف دار البحر بالمنصورية: الطويل:\rولما استطال المَجْدُ واستولت البُني ... على النجم واشتدَ الرواق المروَّقُ\rبنى قبةً للملك في وَسْطِ جَنَّة ... لها منظرٌ يُزْهى به الطَّرْفُ مُونِقُ","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"بمعشوقة الساحات، أمَا عِراصُها ... فَخُضْرٌ، وأمَّا طيرها فَهْيَ نُطَّقُ\rتحف بقَصْرٍ ذي قصُورٍ كأنما ... ترى البحر في أرجائه وهو مُتْأق\rله بركةٌ للماء مِلْء فَضَائِه ... تَخُب بقصريهَا العيون وتُعْنِقُ\rلها جَدْولٌ يَنْصَب فيها كأنهُ ... حُسَامٌ جَلاَه الْقَيْنُ بالأرض مُلصَقُ\rلها مَجلس قد قام في وَسْط مائِها ... كما قام في فَيض الفرات الخَوَرْنَقُ\rكأنَّ صفاءَ الماء فيها وحُسْنهُ ... زجاج صَفَتْ أرجاؤه فهو أزرقُ\rإذا بث فيها الليلُ أشْخاص نَجْمِه ... رأيتَ وجوهَ الزنج بالنار تُحْرَقُ\rوإن صافحتْها الشمس لاحَتْ كأنها ... فرِنْد على تاج المُعزّ وروْنقُ\rكأن شُرافات المَقاصر حولها ... عَذَارَى عليهنَ المُلاءُ الممَنْطَقُ\rيذوب الجفاء الجعْدُ عن وَجْهِ مائها ... كما ذاب آلُ الصَحْصَحَان المرَقَرقُ\rوقال عبد الكريم بن إبراهيم: البسيط:\rيا ربَّ فتيان صِدْق رُحْتُ بينهم ... والشمس كالدَّنِف المعشوقِ في الأُفق\rمَرْضَى أصائلها حَسْرى شمائلها ... تروح الغُصُن الممْطُور في الوَرق\rمعاطياً شمْسَ إبريق إذا مُزجَت ... تقلّدَت عِقْدَ مرجان من النَزَقِ\rعن ماحِل طافحٍ بالماء مُعْتلِج ... كأنما نَفْسُه صِيغَتْ من الْحَدَق\rتَضُمُهُ الرَيحُ أحياناً، وتفَرْقُهُ ... فالماء ما بَيْنَ محبوس ومُنْطَلق\rمِنْ أخضر ناضر والطَّل يلحقه ... وأبيض تحت قَيْظِيِّ الضحَى يَقَق\rتهزهُ الريح أحياناً فيمنَحُها ... للزجر خَفْقَ فؤادِ العاشق القلِقِ\rكأنَّ حافاتِهِ نُطّقن من زَبَد ... مَناطقاً رُصعَتْ مِنْ لؤلؤ نَسَق\rكأن قَبّته من سُنْدُسِ نمط ... حسناء مَجْلُوَّةُ اللبات والعُنُقٍ\rإذا تبلَج فَجْرٌ فوق زُرْقَتِه ... حسبته فرساً دهاء في بَلق\rأو لازَوَرْداً جَرَى في مَتْنِهِ ذَهَب ... فلاح في شارقٍ من مَائِهِ شرقِ\rعشيّة كملت حُسناً وساعدَها ... ليلٌ يُمَدِّدُ أطناباً على الأُفُقِ\rتجلى بغُرَّةِ وَضاح الجَبِين له ... ما شئتَ من كَرمٍ وافٍ ومن خُلُقِ\rألفاظ لأهل العصر في وصف الماء\rوما يتصل به","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"ماء كالزُّجاج الأزرق، غدير كعين الشمس، مَوَارِد كالمَبَارِد، وماء كلسان الشمعة، في صفاءِ الدَمْعَة، يسبح في الرَّضْرَاض، سَبْحَ النضْناض، ماء أزرق كعين السِّنَّور، صاف كقضيب البلور، ماء إذا مسَّتْه يَدُ النسيم حكى سَلاَسِلَ الفضّة، ماء إذا صافحته رَاحة الريح، لبسَ الدِّرْع كالمسيح، كأنّ الغَدِيرَ بترابِ الماء رداء مُصندل، بركة كأنها مرآة السماء، بركة مَفْرُوزةٌ بالخضرة، كأنّها مِرآة مجلوّة، على ديباجة خضراء، بركة ماء كأنها مِرآةُ الصَّناعِ، غدير ترقرقت فيه دموعُ السحائب، وتواترَتْ عليه أنفاسُ الرياح الغرائب ماء زرق حِمامُه، طامية أرجاؤه، يَبُوحُ بأسْرَاره صفاؤه، وتلوحُ في قراره حَصْبَاؤه، ماء كأنما يفقده مَنْ يَشْهده، يتسَلْسَلُ كالزرافين، ويرضع أولاد الرَّياحين، انحلَّ عقدُ السماء، ووَهَى عقد الأنْوَاء، انحلَّ سلكُ القطر عن دُرِّ البَحْر، أسْعَد السحابُ جفونَ العُشَاق، وأكُفَّ الأجواد، وانحلَّ خَيْطُ السماء، وانقطع شِرْيَانُ الغَمامِ، سحابة يتجلَّى عليها ماءُ البحر، وتفضُ علينا عقودَ الدّر، سحابٌ حكى المحبَّ في انسكاب دموعِه، والتهاب النارِ بين ضُلُوعه، سحابة تحدو من الغيوم جمالاً، وتمدُّ من الأمطار حِبالاً، سحابة ترسلُ الأمطارَ أمواجاً، والأمواجَ أفواجاً، تحللت عقد السماء بالدِّيمة الهَطْلاء، غيث أجشُّ يروي الهِضَابَ والآكام، ويُحيي النبات والسَّوَام، غيث كغزارة فضلِكَ، وسلاسة طبعك، وسلامة عقدك، وصفاء وُدِّك، وَبْل كالنبل، سحابهٌ يضْحَكُ من بُكائها الرَوْض، وتَخْضَر من سَوَادها الأرض، سحابة لا تجف جفونُها ولا يَخفّ أنينها، ديمة رَوَّت أديمَ الثرى، ونبهت عيونَ النوْرِ من الْكَرى، سحابة ركبت أعْنَاق الرياح، وسَحَتْ كأَفْوَاه الجراح، مطر كأفْواه القِرَب، ووَحل إلى الركب، أنْدِية مَنَّ اللّه معها على البيوت بالثبُوت، وعلى السقوف بالوُقُوف، أقْبل السَّيلُ يَنْحَدِرُ انحداراً، ويحمل أحجاراً وأشجاراً، كأن به جِنة، أو في أحشائه أجِنَّة.\rوبعض ما مرّ من هذه الألفاظ محلول نظام ما تقدّم إنشاده.\rولهم في مقدمات المطر\rلبست السماءُ جلبَابها، وسحبت السحائِبُ أذيالها، قد احتجبت الشمسُ في سُرَادق الغَيم، ولبس الجوُّ مُطْرَفَهُ الأدكَنَ، باحت الريحُ بأَسْرارِ النَّدَى، وضربت خيمَة الغمام، ورشّ جيش النسيم، وابتلّ جناحُ الهواء، واغرورقت مُقْلة السماء، وبَشَرَ النسيم بالندى، واستعدت الأرضُ للقطر، هبّت شمائل الجنائِب، لتأليف شمل السحائب. تألّفت أشتاتُ الغيوم، وأسبلت السُّتُور على النجوم.\rوفي الرعد والبرق\rقام خطيبُ الرَّعْدِ، ونبض عِرْق البَرْقِ، سحابة ارتجزت رَوَاعدها، وأذهبت ببروقها مطاردها، نطقَ لسانُ الرعد، وخفق قَلْبُ البرق، فالرعْدُ ذو صَخَبٍ، والبَرْقُ ذو لَهَبٍ، ابتسم البَرْقُ عن قهقهة الرعد، زأرت أسْد الرعد، ولمعت سيوف البَرْقِ، رعدت سيوفُ الغمائم، وبَرَقَتْ، وانحلّت عَزَاليُ السماء فطبقت، هَدَرت رَوَاعِدها، وقربت أبَاعدها، وصدقت مَوَاعدها، كأن البرق قلب مَشُوق، بين التهاب وخُفُوق.\rويتصل بهذه الأنحاء","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"ما حكاه عمر بن علي المطوعي قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد اللّه بن أحمد - أدام الله عزَّه! - أيام مُقامِهِ بجُوَيْن أن يطالع قريةً من قرى ضيَاعه تدعى نجاب على سبيل التنزّه والتفرُّج، فكنت في جملة مَن استصحبه إليها من أصحابه، واتفق أنّا وصلنا والسماء مُصْحِية، والجوُّ صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فًيْرُوزَج لم يعبق به كافور السحاب؛ فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع، متّسِقة الأورق والغصون، قد سترت ما حوالَيْها من الأرْض طولاً وعرضاً، فنزلنا تحتها مستظلِّين بسَماوَةِ أفْنَانِها، مستَتِرينَ من وَهَج الشمس بستارة أغصانها، وأخذنا نتجاذبُ أذيال المذاكرة، ونتسالب أهْدَاب المُناشَدَة والمحاورة؛ فما شعرنا بالسَماء إلاَ وقد أرْعَدَت وأبرقت، وأظلمَتْ بعد ما أشرقت، ثم جادت بمَطَرٍ كأَفْوَاه القِرَب فأَجادت، وحكت أنامل الأجْوَاد ومدامع العشاق، بل أوْفَتْ عليها وزادت، حتى كاد غيثها يعود عَيْثاً، وهَمَّ وَبْلها أن يستحيل وَيْلاً، فصبرنا على أذاها، وقلنا: سَحَابة صيفٍ عما قليل تَقَشَّع، فإذا نحن بها قد أمطرتنا بَرَداً كالثغُورِ، لكنها من ثغور العَذَاب، لا من الثغورِ العِذَاب، فأَيقنَا بالبَلاَء، وسلَمنَا لأسباب القضاء؛ فما مرت إلا ساعة من النهار، حتى سمعنا خَرِيرَ الأنهار، ورأينا السيْلَ قد بلغ الزُبَى، والماء قد غَمَرَ القِيعان والرُبى؛ فبادرنا إلى حِصْن القرية لائِذين من السَيْل بأفنيتها، وعائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صَندل كافوريها ماءُ الوَبْل، وغلَف طِرازيها طينُ الوَحْل، ونحن نحمدُ الله تَعالى على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياضَ الأكمام والأردان، ونشكره على سلامةِ الأنفس والأرواح، شُكرَ التاجر على بقاء رأسِ المال إذا فجِع بالأرباح؛ فبِتْنا تلك الليلة في سماءً تكِفُ ولا تكف، وتبكي علينا إلى الصباح بأدمعٍ هَوَام، وأربعة سِجام؛ فلما سُلَّ سيفُ الصبح من غِمد الظلام، وصُرِفَ بِوَالي الصحو عَامِلُ الغمام، رأينا صوابَ الرأي أن نوسِع الإقامة بها رَفْضاً، ونتخذ الارتحالَ عنها فَرْضاً؛ فما زِلْنَا نطوي الصحارى أرضاً فأرضاً، إلى أن وافينا المستقر ركضَاً؛ فلمّا نَفَضْنَا غُبَارَ ذلك المسير، الذي جمعنا في رِبْقَةِ الأسير، وأفضيْنَا إلى ساحةِ التيسير، بعد ما أُصبْنَا بالأمر العسير، وتذاكَرْنا ما لقينا من التعب والمشقة، في قطع ذلك الطريق وَطَي تلك الشقة، أخذ الأمير السيد - أطال الله بقاءه! - القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالاً: المتقارب\rدهتْنَا السماء غداة السحَاب ... بغيثِ على أفْقهِ مُسْبِل\rفَجَاء برَعْدٍ له رَنة ... كَرنةِ ثَكلى ولم تثكل\rوثنى بوًبْل عَدا طَورَه ... فعاد وَبَالاً على المُمْحِل\rوأشرف أصْحابُنَا مِنْ أذَاه ... على خطرٍ هائل مُعْضِل\rفَمِنْ لائِذٍ بِفِناءِ الجِدَار ... وآوٍ إلى نَفَق مُهْمَل\rومن مستجير يُنَادي: الغريقَ ... هناك، ومن صارخٍ مُعْوِلِ\rوجادَتْ علينا سَمَاءُ السقوف ... بِدَمْعٍ من الوَجْدِ لم يهمل\rكأن حَرَاماً لها أن تَرَى ... يَبيساً من الأرض لم يُبْلَل\rوأقبَلً سيْلٌ له رَوْعةٌ ... فأَدْبرَ كُلَ عن المُقْبِل\rيُقلِّعُ ما شاء من دَوْحَةٍ ... وما يَلْق من صخرةٍ يَحْمِلِ\rكأنَ بأَحْشائِه إذ بَدَا ... أَجنَّةَ حُبْلَى ولم تحبل\rفمنْ عامرٍ ردَّة غامراً ... ومن مُعْلَم عادَ كالمَجْهَل\rكفانا بليَّتَه ربّنا ... فقد وجب الشكْرُ للمُفْضِلِ\rفَقُلْ للسماء ارعُدي وابْرُقي ... فإنّا رجعنا إلى المنزلِ\rأخذ المطوعي قوله: فلما سُلَّ سيفُ الصبحِ من غِمْدِ الظلام من قول أبي الفتح البستي: الرمل:\rرُب ليل أغمد الأنوار إلاّ ... نُورَ ثَغْر أو مدام أو ندامِ\rقد نعمنا بدَيَاجيه إلى أن ... سُل سيف الصبحِ مِنْ غَمْدِ الظلامِ","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشئ الطويل:\rخليليَّ، هل للمُزن مُقْلةُ عاشق ... أم النار في أحشائها وهي لا تَدْرِي؟\rأشارت إلى أرض العراق فأصبحتْ ... وكاللؤلؤ المنثورِ أدْمُعها تجْري\rسحاب حكَتْ ثَكْلَى أُصيبَتْ بواحد ... فعاجَتْ له نحوَ الرياض على قَبْرِ\rتَسّربَل وَشْياً من حُزون تطرزتْ ... مَطارفُها طرزاً من البَرْق كالتبرِ\rفوشْي بلا رقمٍ، ورقم بلا يدِ ... ودمْع بلا عَيْن، وضِحْكٌ بلا ثَغْرِ\rوقال آخر: المتقارب:\rأرقْتُ لبَرْقٍ شديد الوَميض ... تَرامَى غواربه بالشُهُبْ\rكأنَ تألُقه في السماء ... سُطُور كُتِبْنَ بماءَ الذهبْ\rوقال ابن المعتز: الطويل:\rكأن الرَّباب الْجَوْنَ دون سحابهِ ... خليع من الفِتْيان يسحب مِئزَرا\rإذا لحقته خيفةً من رعودهِ ... تلفتَ واستل الحُسام المُذكَرا\rوقد قال حسان بن ثابت: المتقارب:\rكأن الربَّاب دُوَيْنَ السحاب ... نعامٌ تعلّقَ بالأرْجُل\rوقال ابن المعتز: الرجز:\rباكية يضحك فيها برقها ... موصلة بالأرض مُرْخاة الطُنُبْ\rرأيت فيها برقها منذ بدا ... كمثل طرف العين أو قلب يجِبْ\rجرت بها ريح الصبا حتى بدا ... منها لِيَ البرقُ كأمثال الشهب\rتحسبه طوراً إذا ما انصدعَتْ ... أحشاؤها عنه شجاعاً يضطربْ\rوتارة تحسبه كأنه ... أبْلَقُ مَالَ جُلَّهُ حين وَثْبْ\rوتارةً تحسبه كأنه ... سلاسلُ مفصولة من الذهبْ\rوقال الطائي: الرجز:\rيا سهمُ للبَرْقِ الذي استطارا ... صار على رغم الدُجى نَهَارا\rآض لنا ماء وكان نارا\rوينشد أصحاب المعاني: البسيط:\rنارٌ تجدَدُ للعينين نضرتُها ... والنار تلفحُ عيداناً فتحترقُ\rوقال ابنُ المعتز يمدح الشُرْب في الصَحْوِ، ويذمّه في المطر: الخفيف:\rأنا لا أشتهي سماءً كبطن الْ ... عَيْر والشَرْب تحتها في خرابِ\rبين سَقْفٍ قد صار مُنخلَ ماء ... وجدارٍ ملقًى وتَل تُراب\rوبيوت يوقِّع الوَكْف فيه ... ن وإيقاعُهُ بغَيْرِ صوابِ\rإنما أشتهي الصَّبوحَ على وَج ... هِ سماءً مَصقولةِ الجِلْبَابِ\rونَسيم منَ الصبا يتمشّى ... فوق رَوْضٍ نَدٍ جديدِ الشَبابِ\rوكأنّ الشمس المضيئة دِينا ... رٌ جَلَتْه حدائِدُ الضرَاب\rفي غدَاة وكأسها مثلُ شمسٍ ... طَلَعتْ في ملاءَة من شَرابِ\rأو عروس قد ضُمِّخت بخَلُوقٍ ... فَهْيَ صَفْراء في قميص حَباب\rوغناء لا عُذْر للعودِ فيه ... بتَنَدَي الأوْتَارِ والمضراب\rونَقاء البساط من وَضَرِ الطي ... ن ومَسْحِ الأقدام في كل بَابِ\rونشاط الغلمان إن عرضَتْ حا ... جاتنا في مجيئهم والذّهابِ\rوجفاف الريحان والنرَّجس الغ ... ضّ بأيدي الخلاّن والأصحابِ\rلا تندَى أنوفُهم كلما حُي ... وا بضغث ندى أنوف الكلاب\rذاك يومٌ أراه غنْماً وحظاً ... من عَطاء الْمُهَيْمِنِ الوَهَابِ\rوقال الصَّنَوْبَري: المتقارب:\rأنيس ظباءً بوحش الظبا ... وصبغ حَياً مثل صبغ الحيَا\rويوم تكلله الشمس من ... صَفاء الهوَى وصفاء الهوا\rبشَمْسِ الدَنان وشمس القِيانِ ... وشمسِ الجنَانِ وشمسِ السَما\rوشَبِيهٌ بالأبيات التي كتبها ثَعْلب إلى أبي العباس بن المعتز لجميل قول الآخر: الطويل:\rوما وَجْدُ مِلْواح من الهِيْمِ خُلَيَتْ ... عن الوِرْد حتى جَوْفُها يتصَلْصَل\rتحوُم وتَغْشاها العِصِيُّ وحَوْلها ... أقاطيعُ أنْعام تُعَل وتَنْهَلُ","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"بأكثر مِنَي لوعةً وصبابةً ... إلى الوِرْد إلاّ أنني أتجمَلُ\rوقال أبو حيّة النميري: الطويل:\rكفى حَزَناً أنِّي أرَى الماءَ مُعْرَضاً ... لعيني ولكِنْ لا سبيلَ إلى الوِرْدِ\rوما كنت أخْشَى أن تكون منيّتي ... بكفّ أعزّ الناسِ كلّهم عِنْدي\rقال ابنُ المقفَّع: كان لي أخ أعظم الناس في عيني، وكان رَأس ما عظمه في عيني صِغر الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بَطْنِه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكْثِر إذا وجد، وكان خارجاً من سُلْطانِ فَرْجه، فلا تدعوه إليه مؤنة، ولا يتسخفّ له رأياً ولا بدناً، وكان لا يتأثر عند نِعْمَةٍ، ولا يستكينُ عند مصيبة. وكان خارجاً من سُلْطانِ لسانه، فلا يتكلَمُ بما لا يعلم، ولا يُماري فيما علم، وكان خارجاً من سُلْطانِ الجهالة، فلا يتقدَم أبداً إلا على ثقة بمنفعة، وكان أكثر دَهره صامتاً، فإذا قالَ بَزَ القائلين، وكان ضعيفاً مستضْعَفاً، فإذا جد الجدّ، فهو اللَيثُ عادياً. وكان لا يدخل في دَعْوَى، ولا يُشارِكُ في مِرَاء، ولا يُدْلي بحُجة حتى يَرَى قاضياً فَهما، وشهوداً عُدُولا. وكان لا يلومُ أحداً فيما يكونُ العُذْرُ في مثله حتى يعلَم ما عُذْرُه.\rوكان لا يَشْكُو وجعه إلا عند مَنْ يرجو عنده البُرْء، ولا يستشيرُ صاحباً إلا أنْ يرجوَ منه النصيحة. وكان لا يتبرَم ولا يتسخط، ولا يتشكّى ولا يتشهّى، ولا ينتقم من العدو، ولا يَغْفُل عن الولي، ولا يَخُصُّ نفسه بشيء دون إخوانه من اهتمامه وحيلته وقوتِه. فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولَنْ تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع.\rوعلى ذكر قوله: وإن قال بَرَّ القائلين قال ابن كناسة - واسمه محمد بن عبد الله، ويكنى أبا يحيى - في إبراهيم بن أدهم الزاهد: الطويل:\rرأيْتُك لا تَرْضَى بما دونه الرضا ... وقد كان يَرْضَى دون ذاك ابنُ أدْهَما\rوكان يَرى الدنْيَا صغيراً عظيمُها ... وكان لأمْرِ اللَهِ فيها مُعَظِّما\rوأكْثرُ ما تلْقَاهُ في الناس صامِتاً ... وإنْ قال بَز القائلين فأفْحَما\rيُشِيعُ الغِنَى في الناس إن مَسَّهُ الغِنى ... وتلقى به البأْساءُ عيسى بن مريما\rأَهان الهوى حتى تجنَّبه الهوى ... كما اجتنب الجاني الدم الطالبَ الدَّما\rألفاظ لأهل العصر في ذكر التقى والزهد\rفلان عَذْب المَشْرب، عَفّ المَطْلَب، نَقيّ الساحة من المآثم، بَرِيء الذمة من الجرائم، إذا رضي لم يَقُلْ غيرَ الصدق، وإذا سخِط لم يتجاوَزْ جانِبَ الحق، يرجعُ إلى نفسٍ أمَّارة بالخير، بعيدةٍ من الشر، مدلولة على سبيل البِر؛ اعْرَض عن زِبْرجِ الدنيا وخُدَعها، وأقبل على اكتساب نِعَم الآخرة ومُنَعِها. كَفَ كَفَه عن زُخْرف الدنيا ونَضْرَتها، وغَضَّ طَرْفَه عن متاعها وزَهْرتها، وأعرض عَنهَا وقد تعرَضتْ له بزينتها، وصدَ عنها وقد تصدَّت له في حِلْيتها.\rفلانٌ ليس ممن يَقِف في ظل الطمع، فيُسِف إلى حَضيض الطَّبَع، نَقيّ الصحيفة، عَلي عن الفضيحة، عَف الإزار، طاهر من الأَوْزَار، قد عاد لإصلاح المعاد، وإعداد الزاد.\rوكان ابن المقفع من أشراف فارس، وهو من حكماء زمانه، وله مصنّفات كثيرة، ورسائلُ مختارة، وكان مُحْجِماً عن قول الشعر، وقيل له: لم لا تقولُ الشعر؟ فقال: الذي أرضاه لا يَجِيئني، والذي يجيءُ لا أَرْضاه.\rأخذ هذا بعضُهم فقال: الطويل:\rأبى الشعرُ إلا أن يَفيءَ رَدِيهُ ... إليَ، ويَأْبى منه ما كانَ مُحْكَما\rفيا ليتني إذْ لم أجِدْ حَوْكَ وَشْيِهٍ ... ولم أكُ من فرْسانه كنت مُفْحَما\rوكان ظريفاً في دينه، وذكر أنه مرّ ببيت النار فقال: الكامل:\rيا بيتَ عاتكةَ الّذي أتعزلُ ... حَذَرَ العِدَا وبه الفؤادُ مُوَكَّلُ\rأصبحتُ أمنحُك الصدودَ، وإنني ... قَسَماً إليك مع الصدود لأَمْيَلُ","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"البيتان للأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، أخي بني عمرو بن عوف. وعاصم بن ثابت حَمِيُّ الدَبْر، قتله بنو لحيان من هُذَيل يوم الرَجيع، فأرادوا أن يَبْعَثوا برَأسِه إلى مكة، وكانت سلافة بنتُ سعد نذرت لَتَشْرَبَن في رأسه الخَمْر، وكانْ قتلَ بعضَ ولدها من طلحة بن أبي طلحة أحد بني عبد الدار يوم أُحد، فلمّا أرادوا أخْذَ رأسه حمته الدَبْر - وهي النحل - فلم يَجِدُوا إليه سبيلاً، وجعلوا يقولون: إنّ الدّبر لو قد أمسى صِرْنا إلى حَشْوِ استه، فلما أمسوا بعثَ اللّه أتِيا فوارَاه منهم. وعاتكة التي ذكر هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية.\rولمّا دخل أبو جعفر المنصورُ المدينة قال للربيع: ابغِني رجلاً عاقلاً عالماً بالمدينة ليَقِفَني على دُورِها؛ فقد بَعُد عَهْدي بديار قومي؛ فالْتَمس لَه الربيع فتًى من أعقل الناس وأعلمهم، فكان لا يبتدِئُ بإخْبَارٍ حتى يسأله المنصور فيجيبه بأَحْسَن عبارة، وأجود بيان، وأوفى معنى، فأُعْجِب المنصور به، وأمر له بمالٍ، فتأخّر عنه، ودعتهُ الضرورة إلى استنجازِه، فاجتاز ببيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا بيتُ عاتكة الذي يقول فيه الأحوص: يا بيت عاتكة الذي أتعزَّل... البيتَ، ففكر المنصور في قوله، وقال: لم يُخَالف عادتَه بابتداء الإخبار دون الاسْتِخبار إلاّ لأمر، وأقبل يردّد القصيدة ويتصفّحها بيتاً بيتاً حتى انتهى إلى قوله فيها:\rوأراكَ تَفْعَلُ ما تقولُ وبعضُهُمْ ... مَذِقُ اللسان يقولُ ما لا يَفْعلُ\rفقال: يا ربيع، هل أوصَلْتَ إلى الرجلِ ما أمَرْنَا له به؟ فقال: أخرتَه عنه - لعلَّةٍ ذكرها الربيع - فقال: عَجلْه له مُضَاعَفاً، وهذا ألطف تعريض من الرجل، وحُسْنُ فهم من المنصور.\rفي الحسد\rومن كلام ابن المقفع: الحاسِدُ لا يزالُ زارياً على نعمة اللّه ولا يَجِدُ لها مَزَالاً، ومكدَراً على نفسه ما به من النعمة فلا تَجِدُ لها طَعْماً، ولا يزالُ ساخطاً على مَنْ لا يترضَاه، ومتسخِّطاً لما لا ينال، فهو كَظُوم هَلُوع جَزُوع، ظالم أشْبه شيء بمظلوم، محروم الطلِبَة، منغَّص العيشة، دائم التسخّط، لا بما قُسِمَ له يَقْنَع، ولا على ما لم يُقْسَم له يغلب، والمحسودُ يتقلّب في فَضْلِ نعم اللّه مباشراً المسرور، ممْهَلاً فيه إلى مُدَةٍ لا يقدر الناسُ لها على قطْعٍ ولا انتقاص، ولو صبر الحاسِدُ على ما به لكان خيراً له؛ لأنه كلما أراد أن يُطفِئَ نورَ اللّه أعْلاَهُ، وَيأْبى اللَهُ إلاَ أن يُتمَ نورَه ولو كَرِه الكافرون.\rقال الطائي:\rلولا التخَوُفُ للعَوَاقِبِ لم تَزَلْ ... لِلْحَاسِدِ النُّعْمَى عَلَى المحسودِ\rوإذا أراد الله نَشْرَ فضيلة ... طُوِيَتْ أتَاحَ لها لسانَ حَسُودِ\rلولا اشتعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ ... ما كان يعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ\rأخذه البحتري فقال: الطويل:\rولَنْ تَسْتَبِينَ الدهرَ مَوْضعَ نِعْمَةٍ ... إذَا أنْتَ لم تُدْلَلْ عليها بحَاسِدِ\rولقد أحسنَ القائل: والبسيط:\rإن يحسدوني فإني غيرُ لائمِهِمْ ... قَبْلي من الناس أهْلِ الفضلِ قد حُسِدوا\rفدام لي ولَهُمْ ما بي وما بهمُ ... وماتَ أكثرُنا غَيْظاً بما يَجِدُ\rأنا الذي يَجِدُوني في صدورِهمُ ... لا أرْتَقي صَدَراً عنها ولا أَرِدُ\rوقال ابن الرومي لصاعد بن مَخْلَد: الطويل:\rوضدّ لكم لا زَال يَسْفُل جَده ... ولا برحَتْ أنفاسه تتصَعَدُ\rيَرَى زِبْرِجَ الدنيا يُزَف إليكم ... ويُغْضِي عن استحقاقكم فهو يُفَأَدُ\rولو قاس باستحقاقكم ما مُنِحْتُمُ ... لأَطْفَأَ ناراً في الْحَشا تتوَقَدُ\rوآنقُ من عِقْدِ العقيلةِ جيدُها ... وأحسنُ من سِربالها المتجَرَدُ\rوقال معن بن زائدة: البسيط:\rإني حُسِدْتُ فزادَ اللّه في حَسدِي ... لا عاشَ مَنْ عاش يوماً غَيْرَ محسودِ\rما يُحْسَدُ المرءُ إلا مِنْ فضائلهِ ... بالعلم والظرْفِ، أو بالبَأسِ والْجُودِ\rألفاظ لأهل العصر في ذكر الحسد","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"دَبت عقارِبُ الحسَدَة، وكمنت أفاعِيهم بكل مَرْصَدٍ. فلان مَعْجُون من طِينَةِ الحسد والمُنَافَسَة، مضروبٌ في قالب الضَيق والمناقشة. قد وكلَ بي لَحظاً ينتضِلُ بأَسهُمِ الحسد. فلان جَسدٌ كلُه حسد، وعقد كلُه حِقْد. الحاسدُ يَعمَى عن محاسن الصُبح، بعين تُدْرِكُ حقائقَ القُبْحِ.\rكتب محمد بن حماد يُعَرض في حاجة له ببيتي شعر إلى الواثق يقول: الطويل:\rجذبتَ دَواعي النفسِ عن طلبِ المُنى ... وقلت لها كُفي عن الطلب المُزْرِي\rفإن أميرَ المؤمنين بكفهِ ... مَدار رحًى بالرزق دائبة تَجْرِي\rفوقع تحتها: جَذْبك نفسَك عن امتهانها بالمسألةِ دعاني إلى صَوْنِك بِسَعَةِ فَضلي عليك، فخُذْ ما طلَبتَ هنيئاً.\rقال علي بن عبيدة: أتيت الحسن بن سَهل بفم الصلح؛ فأقَمتُ ببابه ثلاثة أشهر لا أحظَى منه بطائل، فكتبت إليه: الطويل:\rمَدَحْتُ ابن سهل ذا الأيادي وما لهُ ... بذاك يدٌ عندي ولا قَدَم بَعْدُ\rوما ذَنْبُه، والناس إلاَّ أقلّهم عيالٌ له، إن كان لم يَكُ لي جَدُ\rسأحمده للناس حتى إذا بَدَا ... له فيَّ رَأيٌ عادَ لي ذلك الحمد\rفكتب إليَ: باب السلطان يَحْتَاج إلى ثلاث خِلال: عقل وصَبْرٌ ومال، فقلت للواسطة: تؤدّي عني؟ قال: نعم. قلت: تقول له: لو كان لي مال لأغْناني عن الطلب إليك، أو صبْرٌ لصبرت عن الذلَ ببابك، أو عَقْل لاستدللت به على النزاهة عن رِفْدك! فأمر لي بثلاثين ألف درهم.\rوقال علي بن عبيدة الريحاني يوماً، وقد رأى جارية يَهْوَاها: لولا البُقيا على الضمائر لَبُحْنا بما تُجِنه السرائر، لكن نِيران الْحُبّ تتدارك بالإخفاء، ولا تُعاجَل بالإبداء؛ فإن دوامَها مع إغلاق أبواب الكِتْمان، وزوالَها في فَتْحِ مَصَارعِ الإعلان. وقد قال محمد بن يزيد الأموي: مجزوء الخفيف:\rلا وحُبيك لا أُصَا ... فِحُ بالدَّمع مدمعا\rمن بكى حبَّه اسْتَرَا ... ح وإن كان مُوجَعا\rومن كلام عليّ بن عبيدة: اجعَل أنْسَك آخرَ ما تَبْذُل من وُدّك، وصن الاسترسال منك، حتى تجد له مستحقاً، فإن الأُنْسَ لِباسُ العِرض، وتُحْفة الثقة، وحِبَاء الأكفاء، وشِعار الخاصَة، فلا تُخلق جِدَّته إلاَ لمن يعرف قَدْرَ ما بذلتَ له منك.\rوقال: لولا حركاتٌ من الابتهاج أجِد حِسَها عند رؤيتك في نفسي لا أعْرِف لها مُثيراً من مظانها إلاّ مُؤَانَستك لي، لأبقَيْت عليك من العناء، وخففت عنك مؤونة اللقاء، لكني أجد من الزيادة بك عندي أكْثر من قَدْرِ راحتك في تأخرك عني، فأضيق عن احْتِمال الخسران بالوَحدة منك.\rوقال: لِوجلي من طُلُوع الملالة بكَرّ اللقاء أَسْتَخِف التَّجَافي مع شدَة الشوقِ، لتبقى جدَة الحالِ عند من أُحِب دوامه لي؛ ورد طَرْفِ الشوق باطناً أيْسَر من مُعاناةِ الجفاء مع الود ظاهراً.\rوقال بعض المحدثين: البسيط:\rكم استَراحَ إلىِ صبر فلم يُرَحِ ... صَبٌّ إليكم من الأشواق في تَرَحِ\rتركتم قَلْبَه من حُزْنِ فُرْقَتكم ... لو يُرزَق الوصل لم يَقْدر على الفَرَحِ\rوقال أعرابي: الطويل:\rألاَ قُلْ لدارٍ بَيْنَ أكْثِبَةِ الْحِمَى ... وذات الغَضَى: جادَتْ عليك الهَواضِبُ\rأجِدكَ لا آتيك إلاّ تتابَعَتْ ... دموع، أضاعت ما حفظتُ، سَواكِبُ\rديار تنسمْتُ المُنَى نَحْوَ أَرْضِها ... وطاوَعَني فيها الهَوَى والْحبائِبُ\rلياليَ لا الهجرانُ محْتَكِمٌ بها ... على وَصلِ مَنْ أَهْوَى ولا الظن كاذِب\rآداب الجلوس","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"تنازع إبراهيمُ بن المهدي وابن بختيشوع الطبيبُ بين يدي أحمد بن أبي دُواد في مجلس الحكم في عقار بناحية السَواد، فأرْبَى عليه إبراهيمُ وأغْلَظَ له، فأحفظ ذلك ابنَ أبي دُوَاد، فقال: يا إبراهيم، إذا نازعتَ في مجلس الحكم بحضرتنا امرءاً فلا أعلمنَّ أنكَ رفعْتَ عليه صَوْتَاً، ولا أَشَرْتَ بيد، وليكن قَصْدُك أمَماً، وريحُك ساكنة، وكلامُك معتَدِلاً، مع وفاء مجالس الخليفة حقَوقها من التَّعْظيم، والتوقير، والاستكانة، والتوجّه إلى الواجب؛ فإن ذلك أَشْكَل بك، وأَشمَلُ لمذهبك في مَحْتدِك، وعظيم خَطرك، ولا تعجَلن، فرُبَّ عَجَلة تَهَبُ رَيْثاَ، واللهُ يعصمك من خَطَل القول والعمل، ويتَمّ نعمتَه عليك كما أتَّمها على أبويك من قبل، إن ربك حكيم عليم.\rفقال إبراهيم: أصْلَحك الله تعالى: أمَرْتَ بسَدَاد، وخضَضْتَ على رشاد؛ ولستُ عائداً لما يَثْلِمُ مُرُوءَتي عندك، ويُسْقطني من عينك، ويخرجني من مقدارِ الواجب إلى الاعتذار، فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذارَ مُقِرّ بذنبه، معْتَرِف بجُرْمِه، ولا يزال الغضبُ يستفزني بمواده، فيردني مثلُكَ بحلمه، وتلك عادةُ اللّه عندك وعندنا منك؛ وقد جعلتُ حقي من هذا العقار لابن بختيشوع، فليتَ ذلك يكون وأفياً بأَرْش الجناية عليه؛ ولم يَتْلفْ مال أفادَ موعظةً؛ و \" حسْبُنا اللَهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ \" .\rلفا استوثق أَمْرُ أردشير بن بابك وجَمَعَ ملوكَ الطوائف، وتم له مُلْكه، جمع الناسَ فخطبهم خطبة حضّ فيها على الألفة والطاعة، وحذرهم المعصية ومفارقَة الجماعة، وصف الناسَ أربعة صفوف؛ فخزُوا له سُجَداً، وتكلَّم متكلِّمهم فقال: لا زلت أيها الملك محبوّاً من اللّه تعالى بعزّ النصر، ودَرَك الأمل، ودوام العافية، وتمام النّعمة، وحُسْن المزيد، ولا زلت تتَابَعُ لديك المكرمات، وتَشفع إليك الذمَامات حتى تبلغَ الغاية التي يِؤمَنُ زوالها، وتصل إلى دار القرار التي أعدَها الله تعالى لنظرائك من أهْل الزّلفَى عنده والمكانة منه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاءَ الشمسِ والقمر، زائِدَيْن زيادة النجوم والأنْهَار، حتى تستوي أقْطَارُ الأرض كلّها في علو قَدْرِك عليها، ونفاذِ أمْرِك فيها، فقد أشْرَقَ علينا من ضياء نورك ما عمنا عمومَ ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأَنفُسِنا اتصال النسيم؛ فأصبحت قد جمع اللهُ بك الأيدي بعد افتراقها، وأَلف القلوبَ بعد توقد نيرانها، ففضلُكَ الذي لا يُدْركُ بوصف، ولا يُحدُ بنَعْت.\rفقال أردشير: طوبَى للممدوح إذا كان للمدح مستَحِقاً، وللداعي إذا كان للإجابة أهلاً.\rوقيل لأردشير: أيها الملك الرفيع الذي حَلَب العصور، وجرّب الدهور، أي الكنوزِ أعْظمُ قدراً؟ قال: العلم الذي خفّ محمله، فثقُلَتْ مفارقته، وكَثُرَتْ مرافقته، وخَفيَ مكانه، فأُمنَ من السَّرَقِ عليه؛ فهو في الملأ جَمَال، وفي الوَحدَة أنيس، يرأسُ به الْخَسيس، ولا يمكن حاسدك عليه انتقاله عنك. قيل له: فالمال؟ قال: ليس كذلك. مَحمْلُه ثقِيل، والهمُّ به طَويل؛ إن كنت في مَلأ شغلك الفِكْرُ فيه، وإن كنت في خَلْوَة أتعبتك حراسته.\rسير الملوك وأخبارهم\rقال الجاحظ: حدّثني الفضل بن سهل قال: كانت رسلُ الملوك إذا جاءت بالهدايا يُجْعَلُ اختلافهم إليّ، فتكون المؤامراتُ فيما معهم من ديواني، فكنت أسأًلُ رَجُلاً رجلاً منهم عن سِيَر ملوكهم، وأخبار عظمائهم، فسألتُ رسولَ ملك الروم عن سيرة ملكهم، فقال: بَذَلَ عُرفَه، وجرَّدَ سَيْفَه، فاجتمعت عليه القلوبُ ركبةً ورهبةً، لا ينظر جُنده، ولا يُحْرج رعيته؛ سَهْلُ النَّوال، حَزْن النكال، الرجاءُ والخوف معقودان في يده.\rقلت: فكيف حُكْمُه؟ فقال: يردُ الظّلم، ويرْدَع الظالم، ويعْطِي كل ذي حق حقه؛ فالرعية اثنان: راضِ، ومغتبط.\rقلت: فكيف هيبَتُهم له؟ قال: يتَصور في القلوب، فتُغْضِي له العيون.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"قال: فنظر رسولُ ملك الحبشة إلى إصْغائي إليه، وإقبالي عليه، فسأل الترجمان: ما الذي يقولُه الروميّ؟ قال: يَذكُرُ ملكهم، ويصِفُ سيرتَه؛ فتكلم مع الترجمان بشيء، فقال لي الترجمان: إنه يقول: إن ملِكَهم ذو أناة عند القُدرة، وذو حلم عند الغضبِ، وذو سَطْوة عند المغالبة، وذو عقوبةٍ عند الاجْتِرَام، قد كسا رعيَّته جميلَ نِعْمَته، وخوفهم عسف نِقْمَته؛ فهم يتراءونه رَأيَ الهلال خيالاً، ويخافونه مخافةَ الموتِ نكالاً، وَسِعَهم عَدْلُه، ورَدعَتْهم سَطْوَته، فلا تَمتَهِنْهُ مَزْحَة، ولا تؤمنه غَفلة؛ إذا أعطى أوسع، وإذا عاقب أوجع؛ فالناس اثنان: راجٍ وخائف، فلا الراجي خائِبُ الأمل، ولا الخائف بعيد الأجل. قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: لا ترفعُ إليه العيون أجفانَها، ولا تتبِعُهُ الأبصارُ إنسانَهَا، كأن رعيتَه قَطاً رفرفت عليها صقور صوائد.\rفحدثْتُ المأمون بهذين الحديثين فقال: كم قيمتُهما عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: يا فضل؛ إن قيمتهما عندي أكْثَرُ من الخلافة، أما عرفت قول علي بن أبي طالب، كرَم اللّه وجهه: قيمةُ كلِّ امرئً ما يحسن. أفتعرِفُ أحداً من الخطباء البُلَغاء يُحْسِنُ أن يصف أحداً من خلفاء اللّه الراشدين المهديين بهذه الصّفة؟ قلت: لا. قال: فقد أمَرْت لهما بعشرين ألف دينار، واجعل الْعذْر مادة بيني وبينهما في الجائزة على المعوز؛ فلولا حقوقُ الإسلام وأهله لرأيْتُ إعطاءهما ما في بيتِ مال الخاصة والعامة دون ما يستحقانِه.\rوقال الجاحظ: حدثني حميد بن عطاء قال: كنتُ عند الفَضْل بن سهل، وعنده رسولُ ملك الخزَرِ، وهو يحدَثنا عن أُخْتٍ لملكهم، قال: أصابتنا سَنَة احتدم شِوَاظُها علينا بحر المصائب، وصنوفِ الآفاتِ؛ ففَزع الناسُ إلى الملك، فلم يدرِ ما يُجِيبُهم به، فقالت أخته: أيها الملك، إن الخوفَ لله خُلُق لا يخْلُقُ جديدهُ، وسبب لا يمتهن عزيزه، وهو دالّ المَلِكِ على اسْتِصْلاَح رَعِيَّته، وزاجِرُهُ عن استفسادها، وقد فَزِعَتْ إليك رعيتُك بفضل العَجْزِ عن الالتجاء إلى مَنْ لا تزيدُه الإساءَة إلى خلقه عِزاً، ولا يَنقُصه العَوْدُ بالإحسان إليهم مُلْكاً، وما أحد أوْلَى بحفظ الوصية من الموصي، ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بِحُسْنِ الرعاية من الراعي. ولم تزل في نعمة لم تغبرها نِقْمَة، وفي رِضاً لم يكدره سُخْط، إلى أن جَرَى القَدَرُ بما عَمي عنه البصر، وذُهِل عنه الْحَذَر، فسلب الموهوب، والواهب هو السالب؛ فعُدْ إليه بشُكْرِ النعم، وعُذْ بِه من فظيع النقم، فمتى تَنْسَهُ يَنسَك، ولا تجعلن الحياء من التذلل للمعزّ المذِل ستراً بيْنك وبين رعيتك، فتستحق مذمومَ العاقبة؛ ولكن مُرْهُم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار له بكُنْهِ القدرة، وبتذلل الألْسُن في الدعاء بمَحْضِ الشُكْرِ له؛ فإن الملك ربما عاقب عَبده ليرجعه عن سَيئ فِعل إلى صالح عمل، أو لَيْبَعثه على دائبِ شُكْرٍ ليُحْرِز به فَضْلَ أجْر.\rفأمرها الملك أن تقومَ فيهم فتنذرهم بهذا الكلام، ففعلت، فرجع القومُ وقد علم الله منهم قبولَ الوَعْظِ في الأمر والنهي؛ فحال عليهم الْحَول وما منهم مفتقد نِعمةٍ كان سُلِبَها، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصنع؛ فاعترف لها الملك بالفضل، فقلدها المُلْك؛ فاجتمعت الرعية لها على الطاعة في المكروه والمحبوب.\rقال: وهذا وهم أعداء الله تعالى، وضرائر نِعمته، ومستوجبو نِقْمَته، أعادَ لهم بالشكر ما أرادوا، وأعطاهم بالإقرار له بكُنْه قدرته ما تمنوا، فكيف بمن يجمَعُه على الشكر نورانِ اثنان: قرآن منزل، ونبي مرسل، لو صدقت النياتُ، واجتمعت على الافتقار إليه الطلبات؛ لكنهم أنكروا ما عرفوا، وجهلوا ما علموا، فانْقَلبَ جدُهم هَزلاً، وسكوتُهم خَبلاً.\rقطعة صادرة من أقوال الملوك\rدالة على فضل كرمهم وبعد هممهم\rغضِب كسرى أنو شروان على بعض مَرَازبته، فقال: يُحَطُ عن مرتبته، ولا ينقص من صِلَته؛ فإن الملوك تؤدب بالهجران، ولا تعاقِب بالحِرْمَان.\rواصطنع أنو شروان رجلاً فقيل له: إنه لا قديمَ له. قال: اصطناعُنا إياه شرفه.","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"قال معاوية، رضي الله عنه: نحن الزمان، من رَفَعْناهُ ارتفع، ومن وضعْناه اتضع. وكان يقول: إني لآنفُ من أن يكون في الأرض جَهْل لا يسَعُهُ حِلْمِي، وذَنْبٌ لا يسَعُهُ عفوي، وحاجة لا يَسَعُها جُودي.\rعبد الملك بن مروان - أفضل الناس مَن تَوَاضَعَ عن رفعة، وعَفا عن قُدْرَة؛ وأنْصَف عن قُوة.\rزياد - استشفعوا لِمَن وراءكم؛ فليس كل أحدٍ يصلُ إلى السلطان، ولا كل من وصل إليه يَقدِرُ على كلامه.\rالمهلب - عَجبتُ لمن يشتري المماليك بماله، كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه! وقد روى هذا لابن المبارك. وقال لبنيه: يا بني، أحسن ثيابكم ما كان على غيركم.\rقال أبو تمام الطائي يَستهدِي فَرواً، وعرض بقول المهلب: الطويل:\rفهل أنتَ مُهدِيه بمثل شكيره ... من الشُكر يعلو مُصعِداً ويصوبُ؟\rفأنت العليمُ الطَّبُّ أيُّ وصيّةِ ... بها كان أوْصَى في الثياب المهلَّبُ\rيزيد بن المهلب - استكْثِرُوا من الحمد؛ فإنّ الذمَّ قلَّ من ينجُو منه.\rالسفاح - ما أقْبَح بنا أن تكون الدنيا لنا وأولياؤُنا خالُون من أثرها.\rالمأمون - إنما تُطْلَبُ الدنيا لتُملك، فإذا مُلكت فلتوهب. وقال: إنما يتكثَّر بالذهب والفضة من يَقلاَن عنده.\rالحسن بن سهل - الأطراف مَنَازِل الأشراف؛ يتناولون ما يزيدون بالقُدْرَة، وينتابهم من يريدهم بالحاجَةِ. وتعرض له رجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذي أحسنتَ إليَّ يوم كذا وكذا. فقال: مرحباً بمن توسَل إلينا بنا.\rولما أراد المعتصم أنْ يشرف أشناس التركي بعقب فَتْح الخزمية أمر أصحابَ المراتب بالترجّل إليه، فترحل إليه الحسنُ بن سهل، فنظر إليه حاجبُه يَمشي ويتعثّر في مشيه، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ إن الملوك شرّفتنا وشرفت بنا.\rومن كلام أهل العصر\rللأمير شمس المعالي قابوس بن وَشْمَكير - مَن أقْعَدَتْهُ نكاية الأيام أقامته إغاثة الكرام؛ ومن ألبسه الليلُ ثوب ظلماته نزعَه النهار عنه بضِيائه.\rوله: ابتناءُ المناقب باحتمال المتاعب، وإحرازُ الذكر الجميل بالسَّعْي في الخطب الجليل.\rالصاحب بن عباد: المتقارب:\rوقائلةٍ: لِمْ عَرَتْك الهمومُ ... وأَمْرُك مُمْتثَل في الأُمَمْ؟\rفقلت: ذَرِيني لما أشتكي ... فإنَ الهمومَ بِقدرِ الهِمَمْ\rأبو الطيب المتنبي: البسيط:\rأَفاضِلُ الناس أغْرَاضٌ لِذَا الزمَنِ ... يَخْلُو من الهَمَ أخْلاهُمْ من الْفطَنِ\rأبو الفتح البستي: الرمل:\rصاحبُ السلطان لا بُدَ له ... من هُمُوم تَعْتَرِيهِ وغُمَمْ\rوالَذِي يَركَبُ بحْراً سَيَرى ... قُحَم الأهْوالِ من بَعْدِ قُحَمْ\rومن كلام الملوك الجاري مجرى الأمثال\rأردشير - إذا رغبت الملوكُ عن العَدْلِ رغبت الرعيةُ عن الطاعة.\rأفريدون - الأيام صحائفُ آجالِكم، فخلِّدُوها أحْسَن أعمالِكم.\rوقيلَ للإسكندر: ما بالُ تعظيمك لمؤدِّبك أكثر من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأنَ أبي سبَبُ حياتي الفانية ومؤدِّبي سببُ حياتي الباقية.\rودخل محمد بن زياد مؤدِّب الواثق على الواثق، فأظهر إكرامه، وأكثر إعظامَه، فقيل له: مَنْ هذا أيا أمير المؤمنين؟ قال هذا أولُ من فَتق لساني بِذِكْرِ اللَهِ، وأدْناني من رحمة اللّه.\rوأُشِير على الإسكندر بتبييت الفرس، فقال: لا أجعل غلبتي سَرِقة. وقيل له: لو تزوَّجت بنت دارا؟ فقال: لا تغلُبني امرأةٌ غلبتُ أباها.\rأنوشروان - الملك إذا كثر مالُه مما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سَطْحَ بيته بما يَقْتَلِعه من قواعد بُنْيانه.\rأبرويز - أطِعْ مَنْ فوقك يطعك مَن دونك.\rالسفاح - إن من أدنَى الناس ووضعائهم من عدَ البخل حَزْماً، والعفو ذُلاً. وكان يقول: إذا كان الحلم مَفْسَدَة كان العفوُ معْجَزة، والصبرُ حَسن إلاّ على ما أوقع بالدّين، وأوْهَى السلطان؛ والأناةُ محمودة إلاّ عند إمكان الفرصة.\rوقد قال ابن المعتز: الكامل:\rكم فرصةٍ ذَهَبتْ فعادَتْ غُصّةً ... تُشْجِي بطُول تَلَهُفِ وتَنَدُّمِ\rولما عزم المنصور على الفَتْك بأبي مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى، فكتب إليه: الطويل:\rإذا كنت ذَا رَأي فكن ذا تَدَبرِ ... فإن فسادَ الرَأي أَنْ تتعجَّلاَ","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"فأجابه المنصور: الطويل:\rإذا كنتَ ذَا رأي فكن ذا عزيمةٍ ... فإنَ فسادَ الرأي أن تتردَدا\rولا تُمْهِل الأعداء يوماً بغُدْوة ... وبادِرْهُمُ أن يملكوا مِثْلها غَدَا\rوهذا في موضعه كقول الإمام علي، كرّم الله وجهه: من فكَر في العواقب لم يشجع.\rوقال سعد بن ناشب فأفرط: الطويل:\rعليكم بداري فاهدموها؛ فإنها ... تُرَاثُ كريمٍ لا يَخَافُ العواقبا\rإذا هَمَّ ألقى بين عينيه عَزْمَهُ ... وكبَ عن ذِكْرِ العواقب جانبا\rولم يَسْتَشِرْ في رأيه غيرَ نفسِهِ ... ولم يَرْضَ إلاَّ قائمَ السَيْفِ صاحبا\rسأغسل عنيّ العارَ بالسيف جالباً ... عليَّ قضاءُ اللَّه ما كان جالِبا\rويَصْغُرُ في عيني تِلادِي إذا انثنتْ ... يميني بإدْرَاكِ الذي كُنْتُ طالِبا\rوكان سَعْد من مَرَدَةِ العرب وشياطين الإنس، وفيه يقول الشاعر: الطويل:\rوكيف يُفيقُ الدهرَ سَعْدُ بن ناشبٍ ... وشَيْطانُهُ عند الأهِلَةِ يُصْرَعُ؟\rكتب مروان بنُ محمد الجَعْدِي إلى عبد الله بن علي يسأله حفظَ حرمه، فقال له: الحقّ لنا في دَمِكَ، وعلينا في حُرْمِك.\rوقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: إياك والدالة فإنها تفسد حرمة، ومنها أتي البرامكة.\rوقال المأمون: الملوك تَحتَمِلُ كلَّ شيء إلا ثلاثاً: إفْشَاءَ السر، والقدح في الملك، والتعرّض للحُرَم.\rالمعتصم: إذا نُصِر الهوى بطل الرَأي.\rالمنتصر - لَذَّةُ العَفْوِ أَطْيَبُ من لذة التَشَفي؛ وذلك أن لذةَ العَفْوِ يلحقها حَمد العاقبة، ولذّةُ التشفّي يلحقها ذم الندم.\rوالمنتصر يقول عن تجربة، لأنه قتل أباه المتوكل، والأمْرُ في ذلك أَشْهَرُ من أن يُذكَرَ، ولكني أُلْمِعُ منه بالسير: كان المتوكِّلُ قد عَقَدَ لولده المنتصر والمعتزّ والمؤيد ولايةَ العهد، ثم تغيّر على المنتصر دون أَخَوَيْهِ، وكان يسميه المُنتظِر، ويقول له: أنتَ تتمنى موتي، وتنتظر وَقتي! ويأمرُ الندماء أن يعبثوا به، إلى أن أوْغَر صدْره، وأقلَّ صبره؛ فلما كانت ليلة الأربعاء لثلاثِ خَلْونَ من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان المتوكّلُ يَشْرَب مع الفَتْحِ في قصره المعروف بالجعفري، ومعه جماعة من الندماء والمغنيّن، وكأن المنتصر معهم، فلما انصرمت ثلاثُ ساعاتٍ من الليل قال لزرَافَة التركي: ألا تَسَعُني ساعةً حتى أشكو إليك ما يمرّ بي؟ قال: بلى، وجعل يماطله ويطاوله، وغَلّقَ بُغا الشرابي الأبوابَ كلَّها إلاَّ باب الماء، ومنه دخل الذين قتلوه، فأوّل مَنْ ضربه باغر التركي ضربة قطع بها حبل عاتقه، وتلقاه الفَتْح بنفسه فأكَبّ عليه، فقُتِلا جميعاً، وبويع المنتصر من ساعته، وكانت مدّة المنتصر في الخلافة مدة شيرويه ابن كسرى - حين قتل أباه - ستة أشهر.\rوقال إبراهيم بن أحمد الأسدي يرثي المتوكّل: الخفيف:\rهكذا فَلْتَكُنْ مَنايا الكِرامِ ... بين نايٍ ومِزْهَرٍ ومُدَامِ\rبين كأسين أرْوَتَاه جميعاً ... كأس لذاته وكأس الحِمام\rيَقظٌ في السرور حتى أتاه قدر اللَهُ حَتْفُه في المنامِ\rوالمنايَا مَراتب يتفاضل ... نَ وبالمُرهَفات مَوتُ الكرام\rلم يزرْ نفسه رسولُ المنايا ... بصنوفِ الأوْجاع والأسقَام\rهابَه مُعْلناً فدَب إليه ... في سُتُور الدُّجَى بحدِّ الحسَام\rأخذ هذا المعنى عبد الكريم بن إبراهيم التيمي، فقال يرثي عيسى بن خلف، صاحب خراج المغرب، وكان قد تناول دواءً فمات بسببه: الطويل:\rمنايا سدَدْتَ الطرْقَ عنها ولْم تَدع ... لها مِن ثنايا شاهِق مُتَطلعا\rفلماّ رأت سُورَ المهابة دونها ... عليك ولما لم تَجِدْ فيك مَطْمَعا\rترقّت بأسبابٍ لِطَافٍ ولم تكد ... توَاجه موفور الجَلالَةِ أروَعا\rفجاءتك في سِرَ الدواء خَفِيَّةً ... على حينِ لم تَحذَر لداء تَوَقُعا\rفلم أر ما لا َيُتّقى مثل سَهْمها ... ولا مثلها لم تخْشَ كيداً فترجعا","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"وقد رثاه البحتري ويزيد المهلبي بمرثيتين من أَجودِ ما قيل في معناهما، وكانا حاضِرَيْن ليلة قَتْله. فاختفى أحدُهما في طيّ الباب، والآخر في قناة الشاذَرْوَان؛ فمن قصيدة البحتري: الطويل:\rتَغَيَّرَ حسنُ الجْعَفَرِيِّ وأُنْسه ... وقُوِّض بادي الجعفريِّ وحاضرهْ\rتحَمَلَ عنه ساكنوهُ فُجَاءةً ... فآضت سواءً دُورُه ومقابرُه\rولم أرَ مثل القَصرِ إذ رِيعَ سِرْبُهُ ... وإذ ذُعِرَتْ أطلاؤه وجآذِرْه\rوإذْ صِيحَ فيه بالرّحيل فَهُتِّكَتْ ... على عجَل أَسْتَارُهُ وستائرُهْ\rإذا نحن زُرْناه أجَدَ لنا الأَسَى ... وقد كان قبلَ اليوم يُبْهَجُ زائرُهْ\rفأين عميدُ الناسِ في كل نَوْبَةٍ ... تَنُوبُ وناهِي الدهر فيهم وآمرُهْ\rتَخَفَّى لهُ مُغتَالُهُ تحتَ غِرَّةٍ ... وأولى لمن يغْتَالُه لو يجَاهِرُهْ\rصريع تقاضاه السيوفُ حُشاشةً ... يَجُودُ بها والموتُ حُمْرٌ أظافِرُهْ\rحَرام عليَّ الراحُ بَعدَكَ أو أَرى ... دماً بدم يجري على الأرض مائِرُهْ\rوهلَ يُرْتَجى أن يَطْلُبَ الدمَ طالبٌ ... مَدَى الدهر والموتورُ بالدم وَاتِرُهْ\rفلا ملِّيَ الباقي تُرَاثَ الذي مضى ... ولا حمّلت ذاك الدعاءَ مَنَابرهْ\rوهي طويلةٌ، وكان أبو العباس ثعلب يقول فيها: ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرّح فيها تصريحَ مَنْ أذهلته المصائبُ عن تخوّف العواقب.\rوقد كان البحتري يرتاح في كثير من شعره إلى ذكره وذكر الفتح بن خاقان، فمن ذلك قوله لبعض من يمدحه: الطويل:\rتداركَني الإحسانُ منكَ، ونالني ... على فاقةٍ ذاك النَّدى والتطوُلُ\rودافَعْتَ عني حين لا الفَتْحُ يُرْتَجَى ... لدفْعِ الأذى عني ولا المتوكّلُ\rوقال: الطويل:\rمضى جعفرٌ والفَتْحُ بين مُوَسَّدٍ ... وبين قتيل في الدماء مضَرَج\rأأطْلُبُ أنْصاراً على الدهر بعدما ... ثَوَى منهما في التربِ أوْسِي وخَزْرَجي؟\rوقال في غلام له: الطويل:\rعسى آيسٌ من رَجْعَةِ الوصل يوصَلُ ... ودَهْرٌ تَوَلَّى بالأحبَّةِ يُقْبِلُ\rأياً سكناً فاتَ الفراقَ بنفسه ... وحالَ التَّعادي دونه والتزيلُ\rأتعجبُ لَّما يَغُلْ جِسْمي الضَّنا ... ولم يخترمْ نفسي الحِمامُ المُعَجَّلُ؟\rفَقَبْلَكَ بانَ الفَتْحُ منِّي مودِّعاً ... وفارقني شَفْعاً له المتوكّل\rفما بَلَغَ الدّمعُ الذي كنتُ أرتجي ... ولا فَعَلَ الوجدُ الذي خِلْتُ يَفْعَلُ\rوقال أبو خالد يزيد بن محمد المهلبي في قصيدة أولها: البسيط:\rلا وَجْدَ إلاَ أراه دُونَ ما أجدُ ... ولا كَمَنْ فَقدَتْ عَيْنَاي مفتقَدُ\rيقول فيها:\rلا يَبْعَدَنْ هالك كانت مَنِيّتُهُ ... كما هَوَى من عضاهِ الزُبية الأَسَدُ\rجاءت مَنِيتُهُ والعينُ هادِية ... هلاَ أتتْه المنايا والقنَا قُصُدُ؟\rفخرَ فوق سرير الملك مُنْجَدِلاً ... لم يَحمِهِ مُلْكُه لمّا انْقَضى الأمَدُ\rلا يدفع الناسُ ضَيْماً بعد ليلتهم ... إذ لا يهزُ إلى الجاني عليك يَدُ\rعلَتْك أسياف مَنْ لا دونَه أحدٌ ... وليس فوقك إلاَّ الواحدُ الصَمَدُ\rإذا بكيتُ فإن الدمعَ مُنهَمِلٌ ... وإن رثَيْتُ فإن الشعرَ مُطَرِدُ\rإنَا فَقَدْناكَ حتى لا اصطبارَ لنا ... وماتَ قَبْلك أقوامٌ فما فُقِدُوا\rقد كنتُ أُشرِفُ في مالي فتُخْلِفُهُ ... فعلمَتْني الليالي كيف أقْتَصِدُ\rوقال فيها يذكر الأتراك، ويحضّ على اصطناع العرب:\rلما اعتقدتم أُناساً لا حِفَاظَ لهم ... ضِعْتم وضيعتمُ مَنْ كان يُعتَقدُ\rولو جعلتم على الأحرارِ نعمَتكُم ... حمتكم الذَادة المنسوبة الحُشُدُ","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"قوم همُ الأصلُ والأسماءُ تجمعكم ... والدينُ والمجدُ والأرحامُ والبلدُ\rإن العبيدَ إذا أذللتهم صلحُوا ... على الهوَان وإنْ أكرمتهم فَسَدُوا\rوقال أبو حية النميري: الطويل:\rرَمَتْهُ فتاة من ربيعة عامرٍ ... نَؤوم الضحى في مَأتمٍ أي مأْتمِ\rفقلن لها في السر: نفْدِيك لا يَرُح ... صحيحاً وإلاَ تقتُليهِ فألْمِمِي\rفأَلْقَت قِناعاً دونه الشمسُ واتُّقَتْ ... بأحسَن موصولَين كف ومعصم\rوقالت فلمّا أفرَغتْ في فؤاده ... وعينيه منها السحرَ قالت له نَمِ\rفأصبح لا يَدْرِي أفي طلعة الضحى ... تَرَوَح أم داجٍ من الليل مُظْلِمِ\rأخذ قوله: فألقت قناعاً دونه الشمس من قول النابغة الذبياني: الكامل:\rقامت تَرَاءى بين سَجفَي كِلَةٍ ... كالشمس يومَ طلوعِها بالأسعُدِ\rسَقَطَ النَصِيفُ ولم تُرِد إسقاطَه ... فَتناولته واتقتْنا باليدِ\rوقال أبو حية يرثي سلمة بن عياش: الطويل:\rكأنَ أبا حفص فتى البَأس لم يُجَبْ ... به الليل والبِيض القِلاَص النجائبُ\rإلى الغاية القُصوَى، ولم تهد فتيةً ... كراماً وتخطوه الخطوبُ النوائبُ\rويُعْمِلُ عتَاقَ العيِسِ حتى كأنها ... إذا وُضِعَتْ عنها الْعَلاَيا المشاجب\rبعيد مثاني الهم يُمْسِي ومالُه ... سوى الله والعَضْبِ السُرَيجْي صاحب\rيَرُومُ جسيمات العُلا فينالها ... فتى في جسيمات المكارم راغبُ\rفإن يمسِ وَحْشاً بابُه فَلربُما ... تَوَاتَرُ أفواجاً إليه المواكب\rيحيون بساماً كأنَّ جبينهُ ... هِلال بَدَا وانجاب عنه السحائبُ\rوما غائب مَنْ غاب يُرجَى إيابهُ ... ولكنه من ضُمِّنَ اللَحْدَ غائبُ\rوزعم الصولي أن أبا حية إنما قالها في محمد بن سليمان بن علي بن عبيد الله بن العباس. وكان أبو حية جَيد الطبع، مألوفَ الكلام، رقيق حواشي الشعر.\rوسُئِلَ الأصمعي عن قيس بن الملوح المجنون، فقال: لم يكن مجنوناً، وإنما كانت به لُوثة كلوثة أبي حَية، وهو القائل: الطويل:\rرمتني وسِتْرُ اللَّه بيني وبينها ... عشية أحجارِ الكِناسِ رَمِيمُ\rرميمُ التي قالت لجارات بيتها: ... ضَمِنْتُ لكم ألا يَزَالَ يهيمُ\rألا رُبَّ يوم رمتْني رميتها ... ولكنّ عهدي بالنضار قديم\rفيا عجباً من قاتلِ لي أودُّهُ ... أشَاطَ دَمِي شخصٌ عليَ كريم\rيرى الناسُ أني قد سَلَوْتُ، وإنني ... لمدنَف أحْناءِ الضلوع سَقيم\rوأنشدني إسحاق بن إبراهيم المَوصلي في مثله، ولم يسَمَّ قائله: الطويل:\rهل الأُدْم كالآَرام والزُّهرُ كالدُّمَى ... مُعاوِدَتي أيامُهنَّ الصوالح\rزمانَ سِلاحي بينهنّ شبيبتي ... لها سائفٌ من حسنهن ورامحُ\rفأقسمْنَ لا يسقينني قَطْرَ مُزنَةٍ ... لِشَيْبِي ولو سَالَتْ بهن الأباطحُ\rوقال هارون بن علي بن يحيى المنجِّم: مجزوء الكامل:\rالغانيات عهودُهُ ... نَّ إلى انصرام وانْقِضَابِ\rمَنْ شابَ شِبْنَ له المودَّ ... ةَ بالخديعة والكِذابِ\rفانْعَمْ بهنَّ وزَنْدُ سِنِّ ... كَ في الشبيبة غيرُ خابي\rما دُمْتَ في رَوْق الصِّبَا ... وغصُونه الخُضر الرِّطابِ\rفافْخَرْ بأيام الصِّبا ... واخْلَع عِذَارَكَ في التصابي\rوَاعْطِ الشبابَ نصيبهُ ... ما دُمتَ تعذر بالشبابِ\rوقال أشجع بن عمرو السلمي: الطويل:\rوما ليَ لا أُعْطي الشبابَ نصيبهُ ... وغصناهُ يهتَزَّانِ في عُوده الرَّطْبِ\rرأيتُ الليالي ينتهبن شبيبتي ... فأسرعتُ باللذات في ذلك النَّهْبِ","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"فإنَّ بنات الدَّهر يخلسنَ لذّتي ... فقد جُزن سَلمي وانتهين إلى حَرْبي\rوقد حوَّلَت حالي الليالي وأسرَجت ... على الرأس أمثال الفتيل من العَطْب\rومَوْت الفتى خيرٌ له من حياته ... إذا كان ذا حالين يَصبُو ولا يُصبي\rوقال آخر: مجزوء الكامل:\rما العَيش إلا أن ... تحب وأن يحبك مَن تُحبه\rفِقَرّ تتصل بهذه الأبيات، وفي وصف الشباب\rأطاع الشبابَ وغِرَّته، وأجاب الصبا وشرَتَهُ، جرَّ إزارَ الصبا، وأذَالَ ذيولَ الهوى، ورَكَضَ في ميدان التصابي، وجنى ثمرات الملاهي. هو في إقتبال شبَابه، وحداثة أترابه، ورَيْعَان عمره، وعُنفوان أمره. هو في إبان شبابه واعتداله وريعان إقباله واقْتباله. بعثَه على ذَلك أشَر الصبا، ولينَ الغصنِ، وشَرْخُ الشبيبة، وسكر الحَدَاثة، فَتي السن، رطيب الغصنِ، عمره في إقباله، ونشاطُه في استقباله، وشبابُه في اقتباله، وماؤه بحاله. فلانّ في حكم الأطفال، الذين لم يَعضّوا على نَوَاجِذ الرجال. هو في عنفَوان شبيبةٍ تُخاف سقطاتُها وهَفواتُها، ولا يُؤمن جَيحاتها ونَزواتُها. هو في سكرَى الشباب والشراب، وبين نزوات الشبان، ونزغَات الشيطان. شبابُه أَعمَى عن الرشد، أصمُّ عن العَذل، قد لبَّى دَاعِيَ هَواه، وانغمس في لُجَّةِ صِبَاه. قد هَجَم بسكْرِ الحداثَة على سكرات الحوادث، يَجْرِي إلى الصِّبا جَرْيَ الصَبَا. فلان غُفْلٌ من سِمةِ التَّجْرِبة، جامحٌ في عِذار الغَفْلَة، صَعْبُ المراس على لجام العظَة. هو مِنْ سلطان الصِّبا في النَّوْبَة الأولى. قد خلع عِذَاره ومِقوَده، وألْقَى إلى البطالة باعَه ويَدَه. هو بين خُمَار الغَدَاة وسكر العَشِي لا يعرف الصَّحو، ولا يفارق اللهو. فلان لا يفيق، ولا يذكر التوفيق. هو بين غرَرِ الشباب، وغُرَر الأحباب.\rويتعلّق بهذه الألفاظ ألفاظ لهم\rفي نجابة الشباب وترشحهم للمعالي\rقد جمع نَضَارة الشباب إلى أُبّهة المشيب، وهو على حدوث ميلادِه وقُرْب إسناده شيخ قَدْرٍ وَهَيْبَة، وإن لم يكن شيخَ سِنٍّ وشَيْبة. هو بين شباب مُقْتبل، وعقل مكْتَمِل، قد لبس بُرْدَ شبابه على عَقْل كهل، وَرَأي جزل، وَمَنْطِق فصل. للدهر فيه مقاصد، وللأيام فيه مَواعد، أرى له عي فصل ضمانِ الأيام وَدائَع الحظوظ والأًقسام، تَبَاشِيرَ نجح، ومَخايلَ نضْرٍ وفتح. قد استكَمل قوَّة الفَضل، ولم يتكامَل له سِنّ الكَهْلِ. ما زالت مَخَايِلُه وليداً وناشئاً، وشمائله صغِيراً ويافعاً، نواطِق بالحسن عنه وضوامِنَ النجحِ فيه! قد سما إلى مراتب أعْيَان الرجال، التي لا تدرك إلاَ مع الكمال والاكتهال. حمِدَت عزائمه، قبل أن حُلَت تمائمه؛ وشهِدت مكرماته، قبل أن تدرجَ لِذَاته.\rوقال البحتري: البسيط:\rلا تنظرن إلى العباس من صغر ... في السن وانظر إلى المجد الذي شَادَا\rإن النجوم نجومَ الأفقِ أصغرها ... في العين أذهبها في الجوَ إصْعَادا\rوقال آخر: الوافر:\rرأيت العقل لم يكن انتهاباً ... ولم يقسَم على قَدرِ السنينا\rفلو أن السنين تقسَمته ... حوى الآباءُ أنصبةَ البنينا\rوقال الفضل بن جعفر الكاتب: الطويل:\rفإن خلّفته السن فالعَقلُ بالغ ... به رُتْبَةَ الكَهْلِ المؤهَل للمَجْدِ\rفقد كان يحْيَ أُوتِيَ الْحُكْم قبله ... صبِياً وعيسى كلَم الناسَ في المهْدِ\rوكان أبو حيَّة كثير الرواية عن الفرزدق، وعُمَر حتى التقى بابن مناذر فاستنشده شعره، فأنشده أبو حية: الطويل:\rألاَ حَيِّ من أجل الحبيب المَغَانيا ... لبِسْنَ البِلى مِما لَبِسْنَ اللّياليا\rإذا ما تَقَاضى المرءَ يومٌ وليلة ... تقاضاه شيءٌ لا يملّ التقَاضيا\rحَنتكَ الليالي بعدما كنت مرةً ... سَوِيَ الْعَصَا لو كُنَ يُبْقِينَ باقيا\rفقال ابن مناذر: أوَ شعرٌ هذا؟ فقال أبو حيّة: ما في شعري عيب، غير أنك تسمعه.\rوفي هذه القصيدة يقول أبو حيّة: الطويل:\rولما أبتْ إلاّ التَّواءَ بِوُدَها ... وتكَديرَها الشرْبَ الذي كان صافيا","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"شربتُ برَنْقٍ مِنْ هَوَاها مُكَدَّرٍ ... وكيف يعاف الرَنْقَ من كان صَادِيا؟\rوقد قال عَمرُو بن قَميئةَ في معنى قول أبي حية: الكامل:\rكانت قَنَاتي لا تَلِينُ لغامزٍ ... فألانها الإصباحُ والإمْساءُ\rودعوتُ ربي في السلامة جاهداً ... ليُصِحنِي فإذا السلاَمَةُ داءُ\rوقال النّمر بن تولب: الطويل:\rيَوَدُ الفتى طولَ السلامة والبَقا ... فكيف يرى طولَ السلامة يفْعَلُ؟\rيعود الفتى من بَعْدِ حُسنٍ وصحةٍ ... ينوءُ إذا رَامَ القيام ويُحْمَلُ\rوقد روي في الحديث الشريف: \" كفى بالسلامة داءً \" .\rوقد أحسن حُمَيد بن ثور في قوله: الطويل:\rأرَى بَصَرِي قد رَابَني بعد صِحَةٍ ... وحَسْبكَ داءً أن تَصح وتَسْلَما\rولن يَلبَثَ العصْران يوم وليلةٌ ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما\rوهذان البيتان من قصيدة طويلة، وهي أجود شعر حُمَيد، ومن أجوَد ما فيها: الطويل:\rومَا هاجَ هذا الشوقَ إلاّ حَمَامَةٌ ... دَعَتْ ساقَ حُر تَرحَةً وتَرنُمَا\rتَروح عليه وَالهاً ثم تَغْتَدِي ... مولّهَةً تَبغي له الدَهرَ مطْعَمَا\rتؤمل منه مُؤْنِساً لانْفرَادِها ... وتَبكي عليه إنْ زَقَا وتَرَنَّما\rكأنَ على إشراقه نورَ خمرةٍ ... إذ هُوَ مَدَ الجيد منهُ لِيطْعَما\rفلمَا اكْتَسَى الريشَ السُحامَ ولم تَجِد ... لها مَعهُ في ساحةِ الحي مجْثَما\rتنحَّتْ قريباً فوقَ غُصنٍ تَذَءَّبتْ ... به الريح صِرْفاً أيّ وجه تَيَمَّما\rفأهوى لها صَقْرٌ مُسِفّ فلم يَدَعْ ... لها وَلَداً إلاّ رِماماً وأعْظُما\rفأوْفَتْ على غُصْنٍ ضُحَيًّا ولم تَدعْ ... لنائحةٍ في نَوْحِها مُتَلوَما\rعَجِبْتُ لها أنى يكونُ غِناؤها ... فصيحاً ولم تَفْغَرْ بمَنْطِقها فما\rفلم أر مِثلِي شاقَهُ صَوْتُ مِثْلِها ... ولا عَرَبيًّا شاقَهُ صَوتُ أعْجَمَا\rومن خبيث الهجاء قولُه في هذه القصيدة يخاطب رجلين بعثهما: الطويل:\rوقولا إذا جاوزتُما أَرْضَ عامرٍ ... وجاوزتما الحيَّيْنِ نَهْداً وخَثْعَما\rتريعان مِنْ جَرْمِ بنِ زَيَّانَ أنهم ... أبوْا أن يريقوا في الهَزاهِزِ مِحْجَمَا\rوما هُجِيت جَرْم بأشدَ من هذا، يريد أنهم لذلتهم لم يَتِروا أحداً فيطالبهم بِذَحْل.\rوقال الأصمعي: قيل لبعض الصالحين: كيف حالُك؛ قال: كيف حالُ من يَفْنَى ببقائه، ويَسْقَم بسلامَتِه، ويُؤتى من مَأمنه.\rوقال محمود الوراق: الطويل:\rيُحِب الفتى طولَ البقاء كأنهُ ... على ثقةٍ أنَّ البقاءَ بَقَاءُ\rإذا ما طوى يوماً طوى اليومُ بَعْضَهويَطْويه إنْ جَن المساء مَساءُ\rزيادته في الجسم نقصُ حَيَاته ... وأنى على نَقْصِ الحياة نماءُ؟\rجديدان لا يَبْقَى الجميعُ عليهما ... ولا لهما بَعْدَ الجميع بقاءُ\rوقال المتنبي: الطويل:\rزيادةُ شَيْبٍ وَهْيَ نَقْصُ زِيادتي ... وقُوةُ عِشقٍ وَهْيَ مِنْ قُوَّتي ضَعْفُ\rوبيت محمود الأخير كقول البحتري: الوافر:\rأناةً أيها الفَلك المُدارُ ... أَنَهْب ما تُصَرّف أم جُبارُ؟\rسَتَفْنَى مثلَ ما تفْني وتَبْلَى ... كما تُبْلي فيدرَكُ مِنْكَ ثارُ\rتُنابُ النائباتُ إذا تناهَتْ ... ويَدْمُرُ في تَصَرُّفه الدَّمارُ\rوما أهْلُ المنازِلِ غَيْر رَكْبٍ ... مطاياهُمْ رَواحٌ وابْتِكار\rويقول فيها:\rلنا في الدَهر آمال طوالٌ ... نرَجِّيها وأعمارٌ قِصارُ\rأما وأبي بني حار بْنِ كعبٍ ... لقد طَرَدَ الزمانُ بهمْ فساروا\rأصاب الدَهْرُ دولةَ آلِ وَهْبٍ ... ونالَ الليلُ منهم والنهارُ\rأعارَهُم رداءَ العِز حتى ... تقاضاهُمْ فَرَدُوا ما استعاروا","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"وقد كانوا وأوْجُهِهُمْ بُدُور ... لمبصرِها وأيديهمْ بِحَارُ\rأخذ قوله: ستفْنَى مثل ما تُفْنى أبو القاسم بن هانئ فقال: الكامل:\rتَفْنى النجومُ الزّهرُ طالِعَةً ... والنيرانِ: الشَّمْسُ والقمرُ\rولَئِنْ تبَدَتْ في مَطالِعها ... منظومةً فَلَسوْف تَنتثِرُ\rولئن سعى الفَلَكُ المدارُ بها ... فلسوف يُسْلِمُها وَيَنْفَطِرُ\rوقد استقصى علي بن العباس الرومي المعنى الأول فقال: البسيط:\rوالدَّهرُ يُبْلي الفتى من حيْثُ يُنْشِئُهُ ... حتى تَكُرَ عليه لَيلةُ القَرَبِ\rيَغْذُوهُ في كل آنٍ وَهْوَ يأْكُله ... ويحْتسي نغَباً مِنْهُ على نُغَبِ\rيُودي بحالٍ فَحالٍ من شَبيبتهِ ... تسرّب الماء في مُسْتأنَفِ الكُتَبِ\rحَسْب امرئ مِنْ خَنَى دهْرٍ تطاوُلُهُ ... وإنْ أجم فلَمْ يُنكَبْ ولم يُنَب\rفي هُدْنَةِ الدَهْرِ كافٍ من وَقائِعِهِ ... والعمْرُ أقْدَح مِبرَاةً من الوَصَبِ\rوقال أيضاً: البسيط:\rيَا بَانِي الحِصْنِ أرساه وشَيدَهُ ... حرزاً لِشِلو من الأعْداء مشجونِ\rانظر إلى الدهر هل فاتته بغيتُهُ ... في مطمح النسر أو في مَسْبَح النونِ\rومن تحصن مَنْخُوباً على وَجَل ... فإنما حِصَتُه سِجْن لمسجونِ\rأشكو إلى الله جَهْلاً قد أضَرَ بنا ... بل ليس جهلاً ولكنْ عِلْمُ مفتونِ\rوقال الطائي: الطويل:\rوإن تُبْنَ حيطان عليه فإنما ... أولئك عُقالاَتُهُ لا مَعاقِلُه\rودخل يحيى بن خالد على الرشيد وقد ابتدأت حاله في التغير، فأُخبر أنه مشغول، فرجع، فبعث إليه الرشيد: خُنْتني فاتهمتني، فقال: إذا انقَضَت المدة كان الْحَتفُ في الحيلة، والله ما انصرفتُ إلا تخفيفاً.\rأخذه ابن الرومي فقال وقد فصده بعضُ الأطباء، فزعم أن الفَصدَ زاد في علّته: الكامل:\rغلط الطبيبُ عليَ غَلطَةَ مُوردٍ ... عجزت محالته عن الإصدارِ\rوالناسُ يَلْحَوْنَ الطبيب، وإنما ... غَلَطُ الطبيبِ إصابةُ المقدارِ\rما قيل في الثغر\rوقال أبو حية النميري: الطويل:\rسَقَتْنِي بكَأْسِ الحبِّ صِرْفاً مروَقاً ... رِقَاق الثنَايَا عَذْبَةَ المترَنَقِ\rوخُمصانَةٍ تَفْتَرُ عن متنشق ... كنَوْرِ الأقاحي طيب المتذوَق\rإذا امتضغت بعد امتتاع من الضحى ... أنابيبَ من عُودِ الأراك المخلَقِ\rسَقَتْ شُعَبَ المسواك ماءَ غمامةٍ ... فضيضاً بخرْطُوم الرَحيقِ المرَوّقِ\rوأنشد الثوري: الطويل:\rترى الدّر منثوراً إذا ما تكلَّمت ... وكالدر منظوماً إذا لم تكلَّمِ\rتُعبِّد أحرارَ القلوبِ بِدلها ... وتملأُ عَيْنَ الناظر المتوسّمِ\rوالبيت الأول من هذين كقول البحتري: الطويل:\rفمن لؤلؤ تَجْلُوهُ عند ابتسامِها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تُساقِطُهْ\rوقد تقدم.\rقال أبو الفرج الرياشي: سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما قيل في وصف الثغر قول ذي الرمة: الطويل:\rوَتَجلُو بِفَرْعٍ من أراكٍ كأنه ... من العَنْبَرِ الهِنْدِيِّ والمِسْكُ يُصْبَحُ\rذُرَى أقْحُوان وَاجَه الليل وارْتَقَى ... إليِهِ الندَى من رامةَ المتروَحُ\rهِجان الثنَايا مُعْرِب لو تَبَسَّمَتْ ... لأَخْرَسَ عنه كاد بالقولِ يُفْصِحُ\rومن قديم هذا المعنى وجيّده قولُ النابغة الذبياني في صفة المتَجَرِّدَةِ امرأةِ النعمان بن المنذر: الكامل:\rتَجْلو بقادِمَتَي حَمامةِ أيْكَة ... بَرَداً أُسِفَ لِثاتُه بالإثمدِ\rكالأُقْحُوَان غَدَاةَ غبِّ سمائِه ... جَفَّت أعاليه وأَسْفَلُه نَدي\rزَعَم الهُمَامُ بأنَّ فَاهَا بَارِدٌ ... عَذبٌ مقَبَّلهُ شَهِيُ المَوْرِد","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"زَعم الهمامُ ولم أَذُقه أنه ... يشفي بريَّا رِيقها العَطِشُ الصَّدِي\rومن قوله - ولم أذقه أخذ كلّ من أتى بهذا المعنى، ففتقه الناس بَعْدَهُ، قال المتوكل الليثي: الوافر:\rكأنَّ مدامةً صهباءَ صِرْفاً ... تَرَقرَقُ بَيْنَ راوُوقٍ ودَنَ\rتُعَلُّ بها الثَّنايَا من سليمى ... فِراسةُ مُقلتي وصَحِيحُ ظَني\rوقال بشَّار: البسيط:\rيا أطْيَبَ الناس رِيقاً غيرَ مختَبرِ ... إلاَّ شهادةَ أطرافِ المساويكِ\rقد زُرْتِنا مرةً في الدهر واحدةً ... ثَنِّي ولا تجعليها بَيَضةَ الدَيكِ\rيا رَحمةَ اللّه حُلِّي في منازلنا ... حَسبي برائحة الفرْدَوس مِنْ فيكِ\rوقيل لبشار: يا أبا معاذ، كم بين قولك، وأنشد هذه الأبيات. وبين أن تقول: الرمل:\rإنما عَظْم سُلَيمى خُلَّتي ... قَصَبُ السُكَرِ لا عَظْمُ الجمل\rوإذا قُرَب منها بَصَلٌ ... غلب المِسكُ على ريح البَصلْ\rفقال: إنما الشاعر المطبوع كالبحر؛ مرةً يقذِف صَدَفهُ، ومرةً يقذف جِيَفَه.\rوقد تناول هذا المعنى أبو الحسن عليّ بن العباس الرومي من أقْرَب متناول فقال: وكَشَفه بأوْضح عبارة - في صفته لجارية أبي الفضل عبد الملك بن صالح السوداء بعد أن استوفى جميعَ صفاتها وكان قد اقْتُرِح عليه وصْفُها: المنسرح:\rوصَفْت فيها الَّذِي هَويت على ال ... وهم ولم نَخْتَبِرْ ولم نَذقِ\rإلاّ بأخبارك التي رُفعَتْ ... منك إلينا عن ظبية البُرَقِ\rحاشا لسَوْداء منظرٍ سكَنَتْ ... ذراك إلاَ عَنْ مَخْبَرٍ يَقَقِ\rوهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد، واحتجّ بتفضيله على البياض، حتى أغْلق فيه الباب بعده، ومنع أن يَقْصد فيه أحد قصده، إلاَّ كان مقصّر السهم عن غرض الإحسان. وقد نبّه علي بن عبد اللّه بن العباس المسيب على فضائلها، وأجاد التشبيه، وكشف عن وجوه الإبداع، وضروب الاختراع.\rوقد مدح الناسُ السوادَ والسّود فأكثروا؛ فمن جيد ما قالوا فيه قول أبي حفص الشطرنجي: السريع:\rأشبَهك المِسكُ وأشبهتِهِ ... قائمةً في لوْنه قاعِدَهْ\rلا شكَّ إذا لَوْنكما واحدٌ ... أنكما من طينةٍ واحدهْ\rفأخذ ابنُ الرومي هذا المعنى، وأضاف إليه أشياء أخر توسعاً واقتداراً، فقال:\rيذكرك المسك والغَوالي والسّكّ ... ذوات النسيم والعَبَقِ\rوهذه الأشياء وإن كانت ناقِصةً عن المسك، فهي ممدوحة بالطيب، غير مستغنى عن ذكرها في التشبيه، فأما زيادَتُه على جميع مَنْ تعاطى مدح السواد فقوله: المنسرح:\rسوداء لم تنتسب إلى برَص الشّ ... قر ولا كُلْفَةٍ ولا بَهَق\rوالأبيض الشديد البياض مَعِيب، وقد دل عليه قوله: المنسرح:\rوبَعْض ما فُضّلَ السوادُ بهِ ... والحق ذو سلّمٍ وذو نَفَقِ\rألا يعيبَ السَّوادَ حَلْكَتُهُ ... وقد يُعابُ البياضُ بالبَهَقِ\rقوله: الحق ذو سُلّم وذو نَفَق أراد أنَّ الحقِّ يتصرًفُ في جهات، وضَربَ الصعودَ والنزولَ لذلك مثلاً؛ ثم قصد لوَصْفِ هذه السوداء بالكمال في الصفة؛ ومن عيب السُودان أن أكفّهم عابسة متشققة، وأطرافهم ليست بناعمة ليّنة، وكذلك لا يزال الفَلْحُ في شفاههم، وهي الشقوق المذمومة الموجودة في أكثر السودان في أوساط الشفاه، وأيضاً فإن الأسود مهجو بخبث العَرَق، فنفى هذه الصفات المذمومة الموجودة في أكثر السودان عنها، فقال: المنسرح:\rلَيسَت من العُبْسِ الأكُفّ ولا ال ... فُلْحِ الشَفاهِ الخبائثِ الْعَرَقِ\rثم عاج بخاطره على وصف هذه السوداء بأضداد تلك الصفات المذمومة، فقال: المنسرح:\rفي لِينِ سَمُّورة تخيرها الْ ... فرَاء أَو لِينِ جيدِ الدلَق\rومن بديع مدح السوداء قوله: المنسرح:\rأكسبها الحبّ أنها صُبِغت ... صبغة حَب القلوب والْحَدَقِ\rفانصرفت نحوها الضمائِرُ والْ ... أبصار يَعْشَقْنَ أيما عَشَقِ","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"فأخبر أن القلوب إنما أحبتها بالمجانسة التي بينها وبين حَب القلوب من السواد، وكذلك الْحَدَق.\rومن جيّد تشبيهات أبي نواس وقد نبه نديماً للصبوح فأخبر عن حاله وقال: البسيط:\rفقام والليل يَجْلُوهُ الصباحُ كما ... جَلاَ التبسُم عن غُر الثنياتِ\rولعلي بن العباس عليه التقدم بقوله: المنسرح:\rيفتَرُّ ذاك السوادُ عن يَقق ... من ثغرها كاللآَلئ النّسقِ\rكأنها والمزاحُ يُضْحِكُها ... ليل تَعَرَى دُجاه عن فَلَقِ\rوفضلُ هذا الكلام على ذاك أن هذا قدَمَ لمعناه في التشبيه مقدمة أيَّدَتْه، ووطَأَتْ له الآَذان، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان، وهي قوله:\rيَفَترّ ذاك السوادُ عن يقق\rوفي هذه السوداء يقول، وقد سأله أبو الفضل الهاشمي أن يستغرقَ صفات محاسنها الظاهرة والباطنة، فقال: المنسرح:\rلها حِرٌ يستعير وَقْدَته ... من قلب صبٍّ وصدرِ ذي حَنق\rكأنما حرُه لِخَابرِهِ ... ما ألهبتْ في حشاه من حُرَق\rيَزْداد ضيقاً على المِراس كمَا ... تَزْدَاد ضيقاً أُنْشُوطةُ الوَهَق\rثم فكَرَ فيما فكَرَ فيه النابغة، وقد أمره النعمانُ بوصف المتجرِّدة، فوصف ما يجوز ذكره من ظاهر محاسنها، ثم كره أن يذكر من فضائلها ما لا يسوغ بمثله أن يذكر منها، فرد الإخبار عن تلك الفضائل إلى صاحبها، وهو الملك، فقال: الكامل:\rزعمَ الهُمام بأن فاها باردٌ ... عذْب إذا قبَّلته قلتَ أزْدَدِ\rفاحتذى عليّ بن العباس هذا، فقال بعد ما سأله أن يستغرقَ في وصف فضائلها الظاهرة والباطنة: المنسرح:\rخُذْها أبا الفضل كسوةً لك مِنْ ... خَزِّ الأماديح لا مِنْ الْخِرَقِ\rوصفت فيها التي هَوِيتَ على الْو ... هْمِ ولم نَخْتَبِرْ ولم نَذُقِ\rإلاَّ بأخبارك التي وَقَعَتْ ... منكَ إلينا عن ظَبْيَةِ البُرَقِ\rحاشا لسوداء مَنْظَرٍ سَكَنَتْ ... ذُرَاكَ إلاَ عنْ مخبر يقَقِ\rوهذا المعنى أومأ إليه النابغة إيماءً خفيّاً تذهبُ معرِفتُه عن أكثرِ الناس، ولو آثرَ النابغةُ تركَ الاختصار، وهمَ بكَشْفِ المعنى وإيضاحه، ما زادَ على هذا الكشف الذي كشفه ابن الرومي.\rوأصحابه المعاني ينشدون للفرزدق: الطويل:\rوجِفْنِ سِلاَحٍ قد رُزئتُ فلم أنح ... عليه ولم أبْعَث عليه البَوَاكِيَا\rوفي بَطْنِه مِنْ دَارِم ذو حَفِيظةٍ ... لَو أن المنايا أنْسَأَتْه ليَاليا\rومعناه عندهم أنه رثى امرأة توفَيت حاملاً، فقال علي بن العباس وقد وصف هذه المرأة السوداء: المنسرح:\rأخلِقْ بها أن تقومَ عن ذَكَرٍ ... كالسيف يفري مُضَاعَفَ الحلَقِ\rإنَّ جفونَ السيوفِ أكْثرها ... أسْوَدُ والحق غير مُخْتَلقِ\rفْهذه زيادةٌ بيّنة، وعبارة واضحة، لم تحتج إلى تفاسير أصحاب المعاني، وقال ممّا لم ينشده المتنبي: المنسرح:\rغُصْن من الآبَنُوس رُكَبَ في ... مؤتَزَرٍ مُعجب ومنتطقِ\rيهتز من ناهديه في ثمرٍ ... ومن دواجي ذُرَاه في ورَقِ\rوهذا معنى قد بلغ قائلُه من الإجادة، فوق الإرادة، وامتثل أبو الفضل الهاشمي ما أشار به ابن الرومي، فأولدها، فأنجبت.\rوفي معنى قول الفرزدق قال الطائي وأحسن وذكر وَلَدَيْنِ تَوْأَمَيْنِ ماتا لعبد الله ابن طاهر: الكامل:\rإن تُرْزَ في طَرَفَيْ نهارٍ واحدٍ ... رُزأيْن هاجَا لَوْعةً وبَلاَبِلا\rفالثّقلُ ليس مضاعفاً لمطِيةٍ ... إلا إذا ما كان وَهْماً بازِلا\rلهفي على تلك المشاهد منهما ... لو أُمهلتْ حتى تكون شمائلا\rلَغَدا سكونُهما حِجًى، وصباهُما ... حُكماً، وتلك الأريحيّة نائلا\rإن الهلالَ إذا رأيت نماءَهُ ... أيقنْتَ أنْ سيكون بدراً كاملاَ\rوعلى ذكر التوأمين ألفاظ\rلأهل العصر في التهنئة بتوأمين","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"تيسرت مِنحَتَانِ في وطن، وانتظمت مَوهِبتان في قَرَن، طلع في أفق الكمال نجمَا سَعْد، وشِهاباَ عِزّ، وكَوْكَبا مَجْد، فتأهلت بهما رُبوع المحاسن، ووُطِّئت لهما أكنافُ المكارم، واستشرقَتْ إليهما صدور الأسرَّةِ والمنَابر. بلغني خَبَرُ الموهبة المشفوعة بمِثْلها، والنَعْمَة المقرونة بِعِدْلها في الفارسين المقبلين، رضيعي العز والرفعة، وقَريني المجد والمنعة، فشملني من الاغتباط ما يُوجِبُه ازْدِوَاج البُشْرى، واقترانُ غادِيةٍ بأُخْرَى.\rوالشيءُ يُذْكَر بما قارب ناحيةً من أنْحائه، وجاذبَ حاشيةَ من رِدائه.\rفي الهجاء\rوقال بعض أهل العصر يهجو رجلاً وضمَّن قول النابغة: الكامل:\rكالأقحوان غَدَاةَ غِب سَمَائه\rوأزاحه عن بابه؛ فجاءَ مليحاً في الطبع، مقبولاً في السمع: الكامل:\rيا سائلي عن جعفر، عَهْدِي بِهِ ... رَطْبَ العِجَانِ وكفه كالْجَلْمَدِ\rكالأُقْحُوان غَدَاة غِب سمائِهِ ... جَفَّتْ أعاليه وأسْفَلُه نَدِيَ\rومن مستحسن ما روي في هذا التضمين قول الآخر وضمّن بيتاً لمهلهل ابن ربيعة: الوافر:\rوسائلةٍ عن الحَسَن بن وهبٍ ... وَعَمّا فيه من كَرَم وخِيرِ\rفقلت هو المهذّب، غيرَ أني ... أراه كثيرَ إرخاء الستورِ\rوأكثر ما يغنَيه فَتاهُ ... حُسَيْنٌ حين يخلو بالسُرور\rفلولا الريح أُسْمِعَ مَنْ بِحُجْرٍ ... صَليلَ البيض تُقْرَع بالذُكورِ\rوهذا البيت لمهلهل ممّا يعدُونه من أول كذب العرب، وكانت قبل ذلك لا تكذب في أشعارها، وكان بين الموضع الذي كانت فيه هذه الواقعة وهي بالجزيرة وبين حُجْر وهي قَصَبَة باليمامة مسافةٌ بعيدة، فأخرجَه هذا الشاعر بقوة مُنّته، ونفاذِ فِطنته، إلى معنىً آخر مستظرف في بابه. وهذا المذهبُ أحسَن مَذاهب التضمين. ومن مليح ما في هذا الباب تضمينات الحمدوني في طيلسان أحمد بن حرب المهلبي، وسيأتي ما أختارَه من ذلك في غير هذا الموضع.\r؟؟رجع إلى ما قيل في الثغر\rوقد جاء في صفةِ الثغور والأفواه والرِّيق شعرٌ كثير. قال جميل: الطويل:\rتمنيْتُ منها نظرةً وهي واقِفٌ ... تُرِيك نَقِيًّا واضِحَ الثغر أشْنَبا\rكأن عَرِيضاً من فَضيض غمامةٍ ... هزيمُ الذُّرى تَمْرِي له الريحُ هَيْدَبا\rيُصَفِّقُ بالمسك الذكيَ رُضابهُ ... إذا النجْمُ من بعد الهدو تَصَوَبا\rوقال: الكامل:\rوكأن طارقَها على عَلَلِ الكرى ... والنجْمُ وَهْناً قد بَدَا لِتَغَوُرِ\rيَسْتَافُ ريحَ مُدامةٍ معلولةٍ ... برُضابِ مسكٍ في ذكيَ العنبرِ\rوقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: الطويل:\rيَمُج ذَكِيَ المِسْكِ منها مُفَلج ... نَقي الثنايا ذو غُرُوب مُؤشَرُ\rيَرِفّ إذا تَفْتَرُ عنه كأنه ... حَصَى بَرَدٍ أو أُقحوانٌ مُنَوِّرُ\rوقال الهذلي: الوافر:\rوما صَهْبَاءُ صافيةٌ لضبّ ... كلون الصّرْف مُنْجابٌ قَذاها\rتُشَخ بنُطْفَةٍ مِن ماء مُزْن ... أحلته برَضراضٍ عُراها\rبأطْيَبَ مَشْرَعاً من طَعْمِ فيها ... إذا ما طار عن سِنَةٍ كَراها\rوقال آخر: البسيط:\rوشق عنها قِناع الخز عن بَرَدٍ ... كالدُرّ لا كَسَس فيه ولا ثَعَلُ\rكأنه أقْحوانٌ باتَ يَضْرِبُه ... طَل من الدَجْنِ سقاطُ النَّدَى هَطِل\rكأن صِرْفاً كميتَ اللَوْنِ صافية ... شُجت بماء سماء شَنَّه جَبَلُ\rفوُها إذا ما قَضَتْ من نومها سِنَةً ... أو اعتراها سُباتُ النَوم والكسلُ\rوقال الآخر: الوافر:\rهِجانُ اللَوْنِ واضِحَةُ المحيا ... قطيع الصَوتِ آنِسَةٌ كسولُ\rتَبسمُ عن أغَرَّ له غُرُوبٌ ... فُرات الريقِ ليس به فلولُ\rكأنَ صَبِيبَ غادية لصبّ ... تُشَجُ به شآميةٌ شمولُ\rعلى فيها إذا الجَوْزاء عالَتْ ... مُحَلقَةً وأرْدَفها رَعِيلُ","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"وقال ابن المعتز: المديد:\rيا نديميَ أشربا واسقِيانا ... قد بَدا الصبحُ لنا واستبانا\rواقتلا همّي بصرفٍ عقارٍ ... واتركا الدَهْر فما شاءَ كانا\rإن للمكروه لَذْعةَ شَرٍّ ... فإذا دامَ على المَرْء هانا\rوامزجا كأسي بريقةِ ألْمَى ... طاب للعطشان وِرداً وحَانا\rمن فمٍ قد غُرِس الدُّرُ فيهِ ... ناصح الريق إذا الرّيق خَانَا\rوقال ابن الرومي: السريع:\rيا رُبَّ ريقٍ بات بَدْرُ الدُّجى ... يمجه بين ثَناياكا\rيروي ولا ينهاك عن شربِهِ ... والماءُ يُرْوِيك ويَنْهاكا\rوقال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر: الكامل:\rوإذا سأَلتُكِ رَشْفَ ريقِكِ قُلت لي: ... أخْشَى عُقُوبةَ مَالِكِ الأملاكِ\rماذا عليك؟ جُعلت قبلك في الثرى! ... من أنْ أكُونَ خليفة المسوَاكِ\rأيجوزُ عندك أن يكون مُتَيَّمٌ ... صَب بحبك دون عُودِ أراكِ؟\rوهذا المعنى يجاوُز الإحصاء، ويفوتُ الاستقصاء؛ وكلّه مأخوذ من قول امرئ القيس: المتقارب:\rكأنَّ المُدَامَ وصَوْبَ الغمام ... وريحَ الخُزَامَى ونَشْرَ القُطُرْ\rيُعَل به بَرْدُ أنْيابها ... إذا طرَبَ الطائرُ المُسْتحِرْ\rفجمع ما فرَقوه، وأخذه الجعفري فقصَّر عنه: المتقارب:\rكأن المُدامَ وصَوْبَ الغمامِ ... وريحَ الخُزَامى وذوْبَ العَسَلْ\rيُعَل به بَرْدُ أنيابها ... إذا النَّجْمُ وَسْطَ السماء اعْتَدَلْ\rويلحق بهذه المعاني من شعرِ أهل العصر قولُ أبي علي محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمي - وذكر خمراً: الكامل:\rمِنْ كفِّ ساقٍ أهْيَفٍ حَرَكاتُه ... فِتَنٌ تَقَنَّعَ بالملاحةِ واعتَجَر\rناولته كأسِي وكسرُ جُفونِهِ ... يُوحي إليَّ أن ارتقبهم واصْطَبرْ\rفثنى لها أَقْلامَ دُرٍّ رَخْصَةٍ ... تهْوى إلى أفراد دُرّ ذِي أشَرْ\rفتحدِّرَتْ من كأْسِهِ في ثَغرِهِ ... كالشمس تَغْرُب في هِلالٍ من قمرْ\rوأهدى أبو الفتح كشاجم لبعض القيان مِسْواكاً وكتب إليها: الرمل:\rقد بعثْنَاهُ لكي تَجْلُو بِهِ ... واضحاً كاللؤلؤ الرَّطْبِ أغَرّ\rطابَ منه العَرْفُ حَتى خِلْتُهُ ... كان من ريقِك يُسْقَى في السحَرْ\rوَأما واللّه لو يَعلَمُ مَا ... حَظّهُ منكِ لأثْنَى وشَكَرْ\rليتني المهدَى فيَروِي عَطَشِي ... بَردُ أنيابِكِ في كلِّ سَحَرْ\rأملح الشعر وأرقّه\rوكان ذُكرَ بحضرة ابن أبي عتيق شعر عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين، فقال رجل من وَلد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرةّ: صاحِبُنا الحارث أشعر، فقال ابنُ أبي عتيق: دَعْ قولَك يَا بْنَ أخي، فلِشِعْرِ ابنِ أبي ربيعة لَوْطةٌ بالقلب، وعَلَق بالنفسِ، ودَرْك للحاجَة ليس لشِعْرِ الحارث، وما عُصِي اللَّهُ بشعرٍ قطّ أكثر مما عُصِي بشعر ابن أبي ربيعة، فخُذْ عنّي ما أصِفُ لك: أشعَرُ قريش مَنْ رَفّ معناه، ولَطُف مَدْخَله، وسَهُل مَخْرَجه، وتعطَّفَتْ حواشيه، وأنارت معانيه، وأعْرَب عن صاحبه، فقال الذي من ولد خالد بن العاص: صاحبُنا الذي يقول: الكامل:\rإني وما نَحرُوا غَداةَ مِنَى ... عند الجِمار تَؤودها العُقْلُ\rلو بُدِّلَتْ أعْلى منازلها ... سُفْلاً وأصبح سُفلها يَعْلُو\rفيكادُ يَعْرِفها الخبيرُ بها ... فيرده الإقواءُ والمَحل\rلعرفت مغناها بما احتَمَلتْ ... مني الضلوعُ لأهلها قَبْلُ\rفقال ابنُ أبي عتيق: يا ابن أخي، اسْتُرْ على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر بمثل هذا، أما تطَير الحارثُ عليها حين قَلَبَ رَبْعَها فجعل عالِيه سافلَه؟ ما بقي إلاَ أن يسألَ اللّه حجارةً من سجيل وعذاباً أليماً. ابنُ أبي ربيعة كان أحْسَنَ الناسِ للرَّبع مخاطبةً وأجملَ مصاحبةً إذ يقول: الخفيف:","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"سائِلا الرَبْعَ بالبُلَيِّ وقولا ... هجتَ شوقاً لي الغَدَاةَ طويلا\rأين أهلٌ حَلُوك إذ أَنتَ مَسرو ... ر بِهمْ آهِلٌ أَراك جَميلا؟\rقال: سارُوا وَأمْعَنُوا، واستقلُوا ... وبكُرْهِي لو استطعتُ سَبيلا\rسَئمُونَا ما سَئمْنَا مُقَاماً ... واستحبوا دَمَاثَةً وسهولا\rوهاهنا حكاية تَأْخُذُ بطَرَفِ الحديث، دخل مزيد المدني على مَوْلى لبعض أهل المدينة، وهو جالس على سرير ممهد، ورجلٌ من ولد أبي بكر الصديق وآخرُ من ولد عمر - رضي الله عنهما! - جالسان بين يَدَيه على الأرض، فلمّا رأى المولى مَريداً تجهَمه، وقال: يا مَزْيد، ما أكثَر سؤالك! وأشد إلْحَافك! جئتَ تسألني شيئاً؟ قال: لا والله، ولكني أردتُ أن أسأَلك عن معنى قول الحارث بن خالد: الكامل:\rإنِّي وما نَحرُوا غَداة مِنَى ... عند الْجِمار تَؤودها العُقْل\rلو بُدِّلَتْ أعْلَى منازلها ... سُفْلاً وَأَصْبَحَ سُفْلَهَا يَعْلُو\rفلّما رأيتك ورأيتُ هذين بين يديك عرفتُ معنى الذي قال. فقال: أعزُب في غير حِفْظِ اللّه! وضَحِكَ أهلُ المجلس.\rوأخذ الحارث قوله: الكامل:\rلعرفت مَغْناها بما احتَمَلَت ... مني الضلوعُ لأهْلِها قَبْلُ\rمن قول امرئ القيس؛ قال علي بن الصباح وَرَاقُ بن مُحلم: قال لي أبو محلم: أتعرفُ لامرئ القيس أبياتاً سينية قالها عند موته في قُرُوحه والحلة المسمومة، غير قصيدته التي أولها: الطْويل:\rألمَا عَلَى الرَبع القديم بعَسْعَسَا\rفقلت: لا أعرف غيرها، فقال: أنْشَدَني جماعةٌ من الرُواة: المتقارب:\rلِمَنْ طَلَل دَرَسَت آيَهُ ... وغيرَه سالفُ الأحْرُسِ\rتَنكَّرُهُ الْعَيْنُ من حادِثٍ ... ويعرفه شَغَفُ الأنفسِ\rوفد أخذه طريح بن إسماعيل الثقفي، فقال: الكامل:\rتَسْتَخْبِرُ الدِّمَنَ القِفار ولم تكنْ ... لترد أخْبَاراً على مُسْتَخْبِر\rفَظَلْلتَ تحكم بين قلْبٍ عارفٍ ... مَغْنى أحبته وطرْفٍ مُنكِرِ\rوقال الحسن بن وهبٍ، إشارة إلى هذا المعنى: المنسرح:\rأبْلَيْتَ جِسمي من بعدِ جِدَّتهِ ... فما تكادُ العيونُ تُبْصرُهُ\rكأنه رَسمُ منزلٍ خَلق ... تَعْرفُهُ العينُ ثم تنكرُهُ\rوقال يحيى بن منصور الذهلي: الطويل:\rأما يستفيقُ القلب إلاَّ انبَرى لهُ ... تذكُر طيفِ من سُعاد ومَرْبعِ\rأُخادع مِنْ عِرْفَانِهِ العينَ؛ إنهُ ... متى تعرف الأطلالَ عينيَ تَدْمَعِ\rوقال آخر: مجزوء الوافر:\rهي الدارُ التي تَعرِ ... ف لِمْ لا تعرف الدَارَا\rترى منها لأحباب ... كَ أعلاماً وآثارَا\rفيبدي القلبُ عِرْفاناً ... وتبدي العينُ إنكارَا\rوقال أبو نُوَاس، وتعلّق أولُ قوله بهذا المعنى، وأنا أنشد الأبيات كلّها لِمَلاَحتها؛ إذ كان الغرض في هذا التصرف هو إرادة الإفادة: الطويل:\rأَلاَ لا أَرَى مثلي امتَرَى اليومَ في رَسمِ ... تَغضُّ به عيني ويَلْفظُهُ وَهْمِي\rأتت صُوَرُ الأشياءً بيني وبينه ... فظني كَلاَ ظن وعِلمي كَلاَ عِلْمِ\rفطِبْ بحديثٍ من حبيبٍ مساعدٍ ... وساقية بين المرَاهق والْحُلْمِ\rضعيفة كرَ الطَرْفِ تحسب أنها ... قَرِيبَة عَهْدٍ بالإفَاقَةِ مِنْ سُقْم\rيفوّق مَالي من طَرِيفِ وتَالِدٍ ... تفوّقيَ الصهباءَ من حَلَبِ الكَرْمِ\rوإني لآتي الوَصْلَ من حيثُ يُبْتَغَى ... وتَعْلَم قوسي حِين أنزع مَن أرْمي","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"ورَوَى أبو هفان قال: كان أبو عبد اللّه محمد بن زياد الأعرابي يطعن على أبي نواس، ويَعِيبُ شعْرَه، ويضعفه، ويستلينه، فجمعه مع بَعْضِ رُوَاةِ شعر أبي نواس مجلسٌ والشيخُ لا يَعْرِفُه، فقال له صاحبُ أبي نواس: أتعرفُ - أعزَّكَ اللّه! - أحْسَنَ من هذا؟ وأنشده: ضعيفة كرّ الطَّرْفِ... الأبيات، فقال: لا واللّه، فَلِمَنْ هو؟ قال: للذي يقول: الكامل:\rرَسْمُ الكَرَى بين الجفون مُحِيلُ ... عَفَّى عليه بكاٌ عليك طًوِيلُ\rيا ناظراً ما أقْلَعَتْ لحظاتُه ... حتى تشحَطَ بينهنَّ قَتِيلُ\rفطربَ الشيخُ، وقال: وَيْحك! لمنْ هذا؟ فوالله ما سَمِعْتُ أجْوَد منه لقديم ولا لمحدَث! فقال: لا أُخْبرك أو تكتبه؛ فكتبه، وكتب الأول، فقال: للذي يقول: البسيط:\rرَكْب تَسَاقَوْا على الأكوار بينهمُ ... كَأْس الكَرَى فانتَشَى المَسْقيُّ والساقي\rكأن، أرْؤُسهمْ والنوْمُ وَاضِعُها ... على المناكب لم تُخْلَقْ بأعناقِ\rساروا فلم يقطعوا عَقْداً لرَاحِلَة ... حتى أناخُوا إليكم قَبْلَ إشراقي\rمِنْ كل جائلةِ الطَرْفين ناجيةً ... مشتاقةٍ حَمَلَتْ أوصالَ مُشْتَاقِ\rفقال: لمن هذا؟ وكتبه. فقال: للذي تَذُمُّه، وتَعِيب شعره، أبي علي الحكمي! قال: اكْتُم عليّ، فوالله لا أعود لذلك أبداً.\rأخذ قولَه: كَأَنَ أرْؤُسهم والنوم واضعها أبو العباس بن المعتز، فقال يصف شَرْباً: الطويل:\rكأن أبارِيقَ اللُجَيْن لديهمُ ... ظِباءٌ بأَعْلى الرَقْمَتَيْنِ قيامُ\rوقد شربوا حتى كأن رُؤوسهم ... من اللِّين لم يُخْلَقْ لَهُن عِظَامُ\rالبيت الأول من هذين من قول علقمة بن عبدة: والبسيط:\rكأنَّ إبريقَهم ظَبْيٌ على شَرفٍ ... مُفَدَمٌ بسَبَا الكَتَّانِ مَلْثُومُ\rأراد بسبائب، فحذف. وقد أحسن مسلم بن الوليد في قوله: الكامل:\rإبْرِيقُنَا سَلَبَ الغزالةَ جِيدَها ... وحكى المديرُ بمُقَلَتَيْهِ غَزَالا\rيَسْقيك بالألحاظ كأسَ صَبَابةٍ ... ويُديرها من كَفًّه جِرْيَالا\rوأنشد الحارث بن خالد أبياتَهُ: الكامل:\rإني وما نَحَرُوا غَدَاةَ مِنًى ... .........................\rلعبد الله بن عمر، فلما بلغ إلى قوله: الكامل:\rلعرَفْتُ مَغناها بمَا احتملتْ ... مِني الضلوعُ لأهْلِها قَبْلُ\rقال له ابن عمر: قلْ إن شاء الله، قال: إذاً تفسد الشعر يا أبا عبد الرحمن، فقال: لا خَيْرَ في شيءً يُفْسده إن شاء الله.\rوكان الحارث بن خالد أحدَ المجيدين في التشبيب، ولم يكن يعتقد شيئاً من ذلك، وإنما يقولُه تظرفاً وتخلّعاً، وكان أكثر شعره في عائشة بنت طَلْحَة، فلما قُتِلَ عنها مُصْعَبُ بن الزبير قيل له: لو خطبتَها! قال: إني لأكْرَه أن يتوهَم الناسُ عليَ أني كنت معتقداً لِمَا أقول فيها، وهو القائل: البسيط:\rيا أمَّ عِمْرانَ ما زَالَتْ وما بَرِحَتْ ... بنا الصبابَةُ حتى مسَّنا الشًفَقُ\rالقلبُ تاقَ إليكم كيْ يلاقيَكم ... كما يتوقُ إلى مَنْجَاتِهِ الغَرِقُ\rتُوفيك شيئاً قليلاً وهي خائفة ... كما يمسُ بظَهْر الحية الفَرِقُ\rأخذ هذا الطائيُ فحسَّنه فقال: الكامل:\rتَأبى على التصْرِيدِ إلاَ نَائِلاً ... إلاَّ يكنْ ماءً قَرَاحاً يُمذَقِ\rنزراً كما استكرَهْتَ عابرَ نفحةٍ ... من فَأْرة المِسْكِ التي لم تُفْتَق\rوحَجَّت عائشةُ بنْتُ طلحة، فوجه إليها يستأذنها في الزيارة، فقالت: نحن حَرام، فأخِّر ذلك حتى نحلّ، فلمّا أحلَتْ أدْلَجَتْ ولم يعلم، فكتب إليها: الكامل:\rما ضركُمْ لو قُلْتُمُ سَدَداً ... إنَّ المنيةَ عاجلٌ غَدُها\rولها علينا نِعْمةٌ سلَفتْ ... لسنا على الأيام نَجْحَدُها\rلو تَمَّمَتْ أسبابَ نِعْمَتها ... تَمَتْ بذلك عندنا يَدُها\rإني وإياها كمفتَتِنٍ ... بالنار تَحْرِقهُ ويعْبُدُها","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"وابنُ أبي عتيق هذا هو عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه! وكان من أفاضل زَمانِهِ عِلْماً وعَفافاً، وكان أحْلَى الناس فكَاهةً، وأظرفهم مزاحاً، وله أخبار مستظرفة سيمرُ منها ما يُسْتَحسن إن شاء الله.\rروى الزبير بن أبي بكر أنه دخل على عائشة - يعني بنت طلحة، رضي الله عنهما! - وهي لما بها؛ فقال: كيف أنت، جُعِلْتُ فداكِ؟ قالت: في الموت، قال: فلا إذاً، إنما ظننت في الأمر فُسْحَة، فضحكت، وقالت: ما تَدَعُ مَزْحك بحَالٍ.\rوفيه يقول عمر بن أبي ربيعة القرشي: المديد:\rليْت شعري هل أقولنْ لركب ... بفلاةٍ هُمْ لديها خُشُوعُ\rطَالَما عرَّسْتُمُ فاسْتَقِلُوا ... حان من نَجْمِ الثريا طلوعُ\rإنَّ هَمِّي قد نَفَى النومَ عَنّي ... وحديثُ النفس مِنّي يَرُوعُ\rقال لي فيها عَتيقٌ مقالاً ... فجرَتْ ممّا يقولُ الدموعُ\rقال لي: وَدَعْ سليمى ودَعْها ... فأجاب القلبُ: لا أستطيع\rلا تَلُمْنِي في اشتياقي إليها ... وابكِ لي ممّا تُجِنُّ الضّلُوعُ\rقال أبو العباس محمد بن يزيد: قوله: حان من نجم الثريا طلوع كناية، وإنما يريد الثريا بنت علي بن عبد اللّه بن الحارث بن أميَّة الأصغر، وكانت موصوفةً بالجمال، وتزوّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فنقلها إلى مصر، وفي ذلك يقول عمر، وضرب لهما المثل بالنجمين: الخفيف:\rأيها المُنكِحُ الثريا سُهَيْلاً ... عَمْرَكَ اللَهَ، كيفَ يَلْتَقيَانِ؟\rهي شامية إذا ما استقلَتْ ... وسهيلٌ إذا استَقَلَّ يَمَانِي\rفمات سُهيل عنها، أو طلَقها، فخرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة دمشق تَطْلب في دَين عليها، فبينما هي عند أمّ البنين ابنة عبد العزيز إذ دخل الوليدُ فقال: مَنْ هذِه عندكِ؟ قالت: الثريا، جاءتك تطلبُ في دَيْنٍ ارتكبها، فأقبل الوليد عليها، فقال: أتروِين من شعرِ عُمَر بن أبي ربيعة شيئاً؟ قالت: نعم، أما إنه رحمه الله كان عفيفاً، عفيف الشعر، أروي له قوله: الخفيف:\rما عَلَى الرَسْمِ بالبُلييْنِ لو بي ... ن رَجْعَ السلامِ أوْ لو أجَابَا\rفإلى قَصْرِ ذِي العُشَيرة بالصا ... ئف أمْسى من الأنِيس يَبَابا\rوبما قد أَرَى به حَيَ صِدْقٍ ... ظاهري العيشِ نعمةً وشَبَابَا\rوحِساناً، جَوَارياً، خَفرَاتٍ، ... حافظاتٍ عند الهوى الأحْسَابَا\rلا يُكَثِّرْنَ بالحديث ولا يت ... بَعْن، يَنْعَقْنَ بالبِهَامِ، الظرَابا\rفلما خلا الوليد بأمِّ البنين قال: للّه درُ الثريا؛ أتدرين ما أرادَتْ بإنشادها ما أنشدَتْ من شعر عمر؟ قالت: لا، قال: فإنّي لما عرَضْت لها بعمر عرّضت بأن أمي أعرابية؛ وأمّ الوليد وَلاّدة ابنةُ العباس بن جزء بن الحارث بن زُهير العبسي، وهي أمُ سليمان، ولا تُعلم امرأة ولدت خليفتين في الإسلام غيرها، وغير الخيزُرَان، وهي سَبِية من خَرشَنة، ولدت موسى الهادي وهارون الرشيد ابني محمد المهدي، وشاهسفرم بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار بن كِسْرى أبروير؛ فإنها ولدت للوليد بن عبد الملك يزيدَ بن الوليدِ الناقصَ وإبراهيمَ بن الوليد المخلوع؛ جلس في الخلافة بَعْد أخيه يزيد مدةً يسيرة، ثم جاء مروان بن محمد بن مروان آخر ملوك بني أمية فخلعه ووُلِّي بعده.\rوشَبِيه بقول الثريّا في باب التعريض أنه دخَلتْ عَزَّةُ على عبد الملك بن مروان، فقال لها: أنْتِ عزَةُ كثير؟ قالت: أنا أمّ بكر الضمْرِية، قال لها: يا عزَّةُ؟ هل تروين من شعر كثيِّر شيئاً؟ قالت: ما أعرفه، ولكن سمعت الرواة ينشدون له: الطويل:\rقَضَى كل ذي دَيْنٍ فوفى غريمَهُ ... وعَزّةُ ممطولٌ مُعَنًّى غَرِيمُها\rقال: فتروين قوله: الطويل:ِ\rوقد زعمتْ أني تَغَيرْتُ بَعْدَها ... ومَنْ ذا الذي يا عزّ لا يَتغيّرُ؟\rتغيّر حالي والخليقة كالذي ... عَهِدْتِ ولم يُخْبَرْ بسرّك مُخْبَرُ\rقالت: ما سمعت هذا، ولكن سمعتُهم ينشدون: الطويل:","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"كأنّي أُنادي صَخْرَةً حين أعرضَتْ ... من الصّم لو تَمْشِي بها العُصْمُ زَلَتِ\rغَضُوباً فما تَلْقَاك إلاَ بَخيلةً ... فمنْ مَل منها ذلك الوصلَ مَلَتِ\rقال: وكُلُّ ما ذَكَر ابنُ أبي ربيعة في شعره من عتيق، أو أبي عتيق، فإنما هو ابنُ أبي عتيق، وكان عمرُ بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، واسمُ أبي ربيعة حذيفة، ابن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، ويكنى أبا الخطاب، أمُّه أم ولد سبيّة من حضرموت، ويقال من حمير، ومن ثم أتاه الغَزَل؛ لأنه يقال: عِشْقٌ يماني، ودَل حجازي. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: الخفيف:\rإن قلبي بالتلِّ تَلِّ عزاز ... مع ظَبْي من الظّباء الجوازي\rشَادِنٍ لم يَرَ العِراقَ وفيه ... مَعَ ظَرْفِ العراق دَلُّ الحِجازِ\rوقال الطائي وذكر نفسه: الكامل:\rقد ثَقَّفَتْ مِنْه الحجازُ، وسَهَّلَتْ ... منه العراق، ورفَقته المشرِقُ\rوهجرت الثريا غمَر، فقال: الخفيف:\rقال لي صاحبي ليَعْلَم ما بي: ... أتُحِبُّ القَتُولَ أخْتَ الرَّبَاب؟\rقلتُ: وَجْدِي بها كوَجْدِك بالما ... ء إذا ما فَقَدتَ بَرْدَ الشَّرابِ\rأَزْهَقَتْ أُمُّ نَوْفَل إذ دعَتْها ... مُهْجتي؟ ما لقاتلي من مَتَابِ\rأبرزوها مثلَ المهاة تَهَادَى ... بَيْنَ خمسي كواعبٍ أَتراب\rوهي مكنونةٌ تحدَّر منها ... في أَديم الخدَيْن ماءُ الشباب\rثم قالوا: تُحِبّها؟ فلتُ: بَهْراً ... عَدَد الرَمْل والحَصَى والتُراب\rولما بلغ ابنَ أبي عتيق قولُه:\rمَنْ رسولي إلى الثريّا؟ فإني ... ضِقْتُ ذرعاً بهجرها والكِتاب\rقال: إياي أراد، وبي هَتَف ونَوَّه، لا جَرَمَ لا ذُقْتُ طعاماً أو أشخص إليها، وأصلح بينهما؛ قال مولى لبني تميم: فنهض ونهضتُ معه، ثم خرج إلى السوق إلى الضمرتين، فأَتى قوماً من بني الديل بن بَكْرٍ يَكْرونَ النجائب، فقال: بكم نكرُونَني راحلتين إلى مكة؟ قالوا: بكذا وكذا درهماً، فقلت لبعض التجار: اسْتَوضِعوا شيئاً، فقال ابن أبي عتيق: ويحك! إن المِكَاس لَيس من أخلاق الناس. ثم ركب واحدةً وركبتُ أخْرَى، وأجدَّ السير، فقلت: ارفقْ بنفسك، فقال: ويحك! أُبادر حَبْلَ الوصل أن يتقَضّبا. وما أملح الدنيا إذا تمَ الوصلُ بين عمر والثريّا! فقدمنا مكة وأتى بابَ الثريا، فقالت: والله ما كنتَ لنا زَوَارا، فقال: أجل، ولكن جئتُ برسالة، يقول لك ابن عمك عمر: ضِقتُ ذَرْعاً بهجرها والكِتابِ. فلامَه عمر، فقال ابن أبي عتيق: إنما رأيتك مبادراً تَلْتَمِسُ رسولاً، فخفَفت في حاجتك، فإنما كان ثوابي أن أُشْكَر.\rووصف ابن أبي عتيق لعمر امرأةً من قومه، وذكر جمالاً رائعاً، وعقلاً فائقاً، فرآها عمر، فشّبب بها، فغضِب ابنُ أبي عتيق وقال: تشبّب بامرأة من قومي؟ فقال عمر: الخفيف:\rلا تَلُمْني عتيقُ حَسْبي الَذي بي ... إنَّ بي يا عتيقُ ما قد كَفَاني\rإن بي مُضْمَراً من الحبِّ قد أبْ ... لَى عِظامي مكنونُهُ وبراني\rلا تَلُمني فأنْتَ زَيَّنتهَا لي.\rفقال ابن أبي عتيق:\rأنْتَ مِثْلُ الشيطانِ للإنسانِ\rفقال عمر: هكذا ورَبّ الكعبة قلت.\rفقال ابن أبي عتيق: إن شَيْطَانك وربّ القَبْر ربما ألمَّ بي! وحَجتْ رملة بنت عبد الله بن خلف أخت طلحة الطلحات، فقال عمر فيها: الخفيف:\rأصبح القلبُ في الحبال رَهِيناً ... مُقْصَداً يوم فارَقَ الظاعنينا\rولقد قلت يومَ مكةَ سِراً ... قبلَ وَشْكٍ من بينكم: نَولّينا\rأنتِ أهوى العباد قُرْباً وبُعْداً ... لو تُوَاتينَ عاشقاً محزونا\rقاده الحينُ يوم سرْنا إلى الح ... ج جهاراً ولم يَخَفْ أنْ يَحينا\rفإذا نعجة تراعي نِعَاجا ... ومَهاً نُجلَ النواظر عِينَا\rفَسَبَتْني بمقلة وبِجِيدٍ ... وبوجه يضيء للناظرينا\rقلتُ من أنتم؟ فصَدَتْ وقالت ... أمُبِد سؤالَكَ العالَمِينا؟","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"قلت بالله في الجلالة لما ... أن تبَلْتِ الفؤادَ أن تصدقينا\rأيُ من تجمُع المواسِمُ أنتمْ ... فأبيني لنا ولا تكذبينا\rفرأت حِرْصِيَ الفتاةُ، فقالت ... أخْبريه بعلم ما تكتمينا\rنحن من ساكني العراق، وكنّا ... قبلها قَاطنينَ مكَةَ حينا\rقد صَدَقْناكَ إذ سألْتَ فمن أن ... ت؟ عسى أن يجر شأنٌ شؤونا\rوترى أننا عَرَفْناك بالنْع ... ت ظنوناً وما قَتلْنا يقينا\rبسوادٍ الثَّنِيَّتينِ ونعْتٍ ... قد نراه لناظرٍ مُسْتبينا\rقولها: وكنا قبلها قاطنين مكّة حينا أرادت إذ كانت مكةُ لخزاعة. وكان آخرَ من نَبَذَ مفتاح الكعبة من خُزَاعة أبو غُبْشان، فباعه من قصَي بزق خمر؛ فقيل في المثل: أخسر صفقةً من أبي غُبْشان. وكان أبو غُبشان إذ باعَ المفتاحَ قُصَياً مريضاً قد يئس من نفسه، فلما أبلّ من مرضه لامه قومه، وسألوه استرجاعه، وذلك الذي هاج الحربَ بين خُزَاعة وقريش، فظفر قُصَي واستولى على مكة، وجمع قريشاً بها؛ ولذلك سمي مجمعاً، قال مطرف الخزاعي: الطويل:\rأبوكُمْ قُصي كان يُدْعَى مُجَمعاً ... به جمع الله القبائلَ من فِهْرِ\rوقال الطائي: الطويل:\rولمّا نَضَا ثوبَ الحياةِ وأوْقَعَتْ ... به نائباتُ الدهر ما يُتَوقَعُ\rغدا ليس يَدْري كيف يصنع مُعْدم ... ذرى دَمْعه في خدِّه كيف يصنعُ\rولم أنس سَعْيَ الجودِ خَلْفَ سريره ... بأكْسفِ بَالٍ يستقلُّ ويظْلَعُ\rوتكبيرهُ خَمْساً عليه مَعاً لنَا ... وإن كان تكبيرَ المُصَلِّين أرْبَعُ\rوما كنتُ أدري يَعلَمُ اللَهُ قَبْلَها ... بأنّ النَدَى في أهْلِه يتشَيّعُ\rغَدَوْا في زَوايا نعشِه وكأنَمَا ... قريشٌ قريش يوم ماتَ مُجَمَعُ\rوقال الشاعر في أمر قصيّ وأبي غُبْشان: الوافر:\rأبو غُبْشَانَ أظْلَمُ مِنْ قُصَيً ... وأظْلَمُ مِنْ بني فهرٍ خزاعَهْ\rفلا تَلْحَوْا قُصَيًّا في شِرَاهُ ... ولوموا شَيْخَكُمْ إذْ كانَ باعَهْ\rوكان عمر أسود الثنيتين.\rقال مولى ابن أبي عتيق بلال: أتيتُ الثريّا مسلماً عليها، فقالت: أنشدني لعمر، فأنشدتها: الخفيف:\rأصْبَح القلبُ في الْحِبَال رَهِيناً\rفقالت الثريّا: إي واللّه، لئن سلِمت له لأردَّن من شَأوه، ولأثنينَّ من عِنَانه، ولأعرفنَّه نفسه! فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله: الخفيف:\rقُلْتُ مَن أنتمُ فَصدَّتْ وقالت ... أمُبِد سؤَالكَ العالَمِينا؟\rفقالت: أو قد أجابته بهذا؟ أي وقت؟ فلما انتهيت إلى قوله: الخفيف:\rوترى أننا عرفناك بالنَّعتِ\rقالت: جاءت النَّوْكاءُ بآخِر ما عندها من مَوْقِف واحد.\rوسأله أخوه الحارث - وهو المعروف بالقُبَاع، وكان من أفاضل أهْل دهره - أن يترك الشعر، ورغب إليه في ذلك، ووعظه، فقال: أمَّا ما دمتُ بمكة فلا أقدِرُ، ولكني أخرج إلى اليمن، فخرج؛ فلما سار إلى هناك لم تَدَعْهُ نفسُه وتَركَ الشعر، فقال: البسيط:\rهيهات مِنْ أمَّةِ الوهابِ منزلُنا ... إذا نزلْنا بِسِيفِ البحر من عَدَنِ\rواحتلَّ أهلُكَ أجياداً، وليس لنا ... إلا التذكر أو حظ من الحَزَنِ\rبل ما نسيت غداة الْخَيْف موقفَها ... وموقفي، وكِلانا ثَمَّ ذُو شجَنِ\rوقولها للثريّا وهي مطرقةٌ ... والدمعُ منها على الخدَّين ذُو سَنَنِ\rباللَّه قولي له في غير مَعْتبةٍ ... ماذا أردتَ بطُولِ المُكْثِ في اليمن\rإن كنت حاولت دُنْيا أو ظفِرْتَ بها ... فما أخذتَ بترك الحجِّ من ثَمنِ\rفلمّا بلغ الشعرُ الحارثَ قال: قد علمنا أنه لا يَفي.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وروى سفيانُ بن عيينة عن ابن جريج قال: لزمَني دَين مرَّةً فضاقَتْ ساحتي وبلادي بي، فتوجهت إلى مَعْن بن زائدة باليمن، فقال: ما أقْدَمك هذه البلدة: قلت: ديْن طردني عن وطني، قال: يُقْضَى دَيْنُكَ، وتُردّ إلى وطنك محبوًّا مَحْبُوراً، قال: فأقمت عنده، ثم رأيتُ الناس يرحَلُون إلى الحجّ، فحننت إلى مكة، وذكرت قول ابن أبي ربيعة، وذكر الأبيات... فأتيتُ باب مَعْن، فقلت للحاجب: استأْذِنْ لي على الأمير، فلمّا دخلت عليه قال: إنَّ لك لحادثَ خَبر! قلت: أسْتَوْدِعُ الله الأمير وأستحفظه عليه. قال: وما هاج هذا مِنْك؟ فقلت: رأيت خروجَ الناس إلى الحجّ، وذكرت قولَ عمر، فحننت إلى مكّة، فقال: أَنْتَ وحنينك، وإن كنتُ بفراقك ضَنينا، وسيتْبَعُك ما تحتاجُ إليه؛ فسِرْ مُصَاحَبا، قال: فسرْتُ إلى رَحْلي، فأتبعني بمالٍ وثياب ومَطَايا ودوابّ، وسرت إلى مكَّةَ من فًوْري.\rوكان عمر - على غَزَله، وما يذكره في شعره - عفيفاً. حدّث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: دخلت مع أبي مكةَ، فجاءه عمر، فسلّم عليه، وأنا غلام شابّ وعليّ جبَّة، فجعل يَأْخُذُ بخصلة من شَعْرِي فتمتدّ في يده، يُرْسِلها فترجع، فيقول: واشباباه! فمّال لي: يا ابن أخي، قد سمعتَ قولي: قُلت لها وقالت لي؛ وكل مملوك لي حرّ إن كنت قط كشفت عن فرج حَرَام! قال: فقمت وفي نَفْسِي من يمينه شيء؛ فسألتُ عن رَقيقه، فقيل لي: أما في هذا الحول فسبعون.\rويستحسن قول عمر في المساعدة: الوافر:\rوخِلّ كنتُ عَيْنَ النّصْح منهُ ... إذا نظرَتْ ومستمِعاً مُطِيعا\rأطاف بِغَيَّةٍ فَنَهَيْتُ عَنْها ... وقلتُ له: أرى أمراً شنيعا\rأرَدْتُ رَشادَه جُهْدي، فلمّا ... أبى وعَصَى أتيْنَاها جميعا\rوهذا مأخوذ من قول دريد بن الصِّمة الجُشَمي: الطويل:\rأَمَرْتُهُمْ أمْرِي بمُنْعَرَج اللَوى ... فلم يستبينوا الرُشْدَ إلاَ ضُحَا الغَدِ\rفقلت لهم؛ ظُنوا بألفَيْ مُدَججٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفارسي المسرَّدِ\rفلما عصوني كنتُ منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غَيْرُ مُهْتَدي\rوما أنا إلاّ من غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ، وإن تَرْشُدْ غَزِيةُ أرْشُدِ\rومن جيد شعره: الطويل:\rيقولون إني لستُ أصْدُق في الهَوَى ... وإنيَ لا أرعاكِ حين أغِيب\rفما بال طرْفِي عف عمّا تَسَاقَطَتْ ... له أنْفُس من مَعْشَرٍ وقُلُوبُ\rعشيةَ لا يستنكرُ القومُ أن يَرَوْا ... سَفَاه حِجًى ممن يقال لبيب\rولا فتنةً من ناسكٍ أوْمَضتْ له ... بَعَيْنِ الصّبا كَسْلَى القيام لَعُوبُ\rتروَّحَ يَرْجُو أن تُحَط ذُنُوبه ... فآبَ وقد زيدَت عليه ذُنُوبُ\rوما النَّسْكُ أسْلاَنِي، ولكِنَ لِلْهَوى ... على العين منّي والفؤادِ رقيبُ\rونظر عمرُ بن أبي ربيعة إلى فتَى من قريش يكلّم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه، فذكر أنها ابنةُ عمه، فقال: ذلك أشْنَع لأمرك، فقال: إني خطبتُها إلى عمي، وإنه زعم أنه لا يزوجني حتى أصدقَهَا أربعمائة دينار، وأنا غيرُ قادر على ذلك، وذكر مِنْ حاله وحبّه لها؛ فأتى عُمَرُ عمَه، فكلّمه في أمرها، فقال: إنه مُمْلَقٌ ، فزوَجه، وساق عُمَرُ عنه المَهر.\rوكان عمر حين أسنّ حَلَف ألاَ يقول بيتاً إلاَّ أعتق رقبة، فانصرف إلى منزله يحدّث نفسَه، فجعلت جاريته تكلّمه ولا يجيبُها؛ فقالت: إن لك لشأنا، وأراك تريدُ أن تقولَ شعراً، فقال: الوافر:\rتقول وليدتي لمّا رأتْنِي ... طَرِبْتُ وكُنْتُ قد أقْصرْتُ حِينا\rأراكَ اليومَ قد أحْدَثْتَ أمْراً ... وهاجَ لكَ الهوى داءً دَفِينا\rوكنتَ زعمتَ أنك ذُو عَزَاءً ... إذا ما شئتَ فارقْتَ القَرِينا\rلعمرك هل رأيتَ لها سميًّا ... فشاقَك أمْ لقيتَ لها خَدِينا؟\rفقلتُ: شكا إلي أخٌ مُحِب ... كبعْضِ زَماننا إذْ تَعْلَمِينا\rفقصَ عليَ ما يَلْقَى بهندٍ ... فذكَّر بَعْضَ ما كنّا نَسِينا","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"وذُو الشوقِ القديم وإنْ تعزى ... مَشُوق حين يَلْقَى العاشقينا\rفكم من خُلة أعرضْتُ عنها ... لغير قِلىً، وكنتُ بها ضَنِينا\rأردْتُ بِعَادَها فصَدَدْتُ عَنْهَا ... وإن جُنَّ الفؤادُ بها جُنُونا\rثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم.\rقال عثمان بن إبراهيم: حججت أنا وأصحابٌ لنا، فلما رَجَعْنا من مكّة مررْنا بالمدينة، فرأينا عمر بن أبي ربيعة، وقد نَسَك وتَرَك قول الشعر، فقال بعضنا لبعض: هل لكم فيه؟ فمِلنَا إليه، وسلمنا عليه، وجَلَسْنَا وهو ساكتٌ لا يكلمنا. فقال له بعضنا: أيعجبك قول الفرزدق: البسيط:\rسَرَتْ لعيْنك سَلْمَى بعد مَغْفَاها ... فبِتّ مُسْتَلهياً من بعد مَسرَاها\rفقلتُ: أَهْلاً وسَهْلاً! مَنْ هَدَاكِ لنا؟ ... إن كنتِ تِمْثَالَهَا أو كُنْتِ إياهَا\rتأتي الرياح التي من نحو بَلدتكم ... حتى نقول: دَنَتْ منا برياها\rوقد تراختْ بهم عَنّا نوًى قذفٌ ... هيهات مصبَحها مِنْ بَعْدِ مُمساها\rمن أجلها أتمنى أن يُلاَقيني ... من نحو بَلدَتِها نَاع فَيَنْعَاهَا\rكيما أقول: افتراقٌ لا اجتماعَ لهُ، ... وتضميِرُ النفس يأساً ثم تسلاها\rولو تموتُ لراعتني وقلتُ لَهَا: ... يا بؤْس للدهر ليتَ الدهرَ أبقاها\rفلم يهشَ لذلك! فقال الآخر: أيعجبك قول العُذْري: البسيط:\rلو حزَّ بالسيف رَأسي في مَوَدَتها ... لمرَ يَهْوِي سَرِيعاً نَحْوهَا رَاسِي\rولو بَلى تحتَ أطْبَاق الثرَى جَسَدِي ... لكنت أَبْلَى وما قلبي لكم نَاسي\rأو يَقبض الله رُوحي صَارَ ذِكْركُمْ ... رُوحاً أعيشُ به ما عشتُ في الناس\rلولا نسيم لذكراكُمْ يُرَوِّحني ... لكنتُ محترقاً من حَرِّ أنفاسِي\rفتحرّك ثم قال: يا وَيحَه! أبعد ما يحزّ رأسه يَميل إليه؟ ثم أنشأ يحدّثنا، فقال: أتاني خالد الدليل، فقال: إن هنداً وأَتْرابها بموضع كذا وكذا من الصحراء أيام الربيع، فقلت: كيف الحيلة؟ فقال: تتلثّم وتكْتَفل كأنك طالبُ ضالّة، ففعلت، فدُفعت إليهنّ، فقلْن: يا أعرابي، ما تطلب؟ قلت: ضالّة لي، فقلْن: قد كلِلت يا أعرابي، فلو جلست فأصبت منْ حديثنا وأصبْنا من حديثك، ولعلّك تروح إلى وجود ضالتك، فنزلت؛ فلمّا امتدّ الحديثُ بنا حسرت هِنْدٌ لِثَامي، وقالت: أتُرَاك خدعْتنا؟ نحن واللّه خَدَعْنَاك، وبعْثنا إليك خالداً، رأينا خلاءً ومنظراً فأرَدْنَاك، ونظرت في دِرْعِي فأعجبني ما رَأَيت، فقلت: يا أبا الخطاب، قال عمر: فقلت: لبَّيْك، وفي ذلك أقول: الطويل:\rألمْ تسأل الأطلالَ والمُتَرَبعا ... بِبَطْنِ حُليَّاتٍ، دوَارِسَ بلقعا؟\rإلى السّرح من وادي المغمَس بُدِّلَتْ ... معالُمُه وَبْلاً وكباء زَعْزَعا\rفيبخَلْنَ أو يُخبِرْنَ بالْعِلْم بَعْدَما ... نكَأْنَ فؤاداً كان قِدْماً مُوَجَّعاً\rلهند وأترابٍ لهند إذِ الهوى ... جميعٌ وإذ لم نًخْش أن يتَصَدَّعا\rوإذ لا نطيعُ العاذلين ولا نَرَى ... لواشٍ لدينا يَطْلُبُ الهجْرَ مطمعا\rوإذ نحنُ مثلُ الماء كان مِزَاجُهُ ... كما صفق الساقي الرحيقَ المُشَعْشَعا\rتُنُوعتنَ حتى عاودَ القلبَ خَبْلُه ... وحتى تذكَّرت الحبيبَ المودّعا\rفقلت لمُطرِيهنّ بالْحُسن: إنما ... ضَرَرْتَ، فهل تسْطِيعُ نَفْعا فتنفعا؟\rوأشريتَ فاستشرى وقد كان قد صَحَا ... فؤاد بأَمْثَال المَهَا كان مولَعا\rلئن كان ما حُدِّثْتُ حَقّاً فما أرى ... كمثل الأُلى أطْريت في الناس أربعا\rفقال: فقم فانظر، فقلتُ: وكيفَ لي؟ ... أخافُ حديثاً أن يشاع فيَشْنُعا\rفقال: اكتفل ثم التثمْ فأْتِ باغيا ... فسلمْ ولا تُكثر بأَن تتورَّعا\rفأقبَلْتُ أَهوِي مثل ما قال صاحبي ... لموعدِهِ أَبْغي قَلُوصاً موقّعا","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"فلمّا تواقفنا وسلَّمتُ أقبلت ... وجُوه زَهَاهَا الحسنُ أنْ تتقنعَا\rتبالَهْنَ بالعِرْفان لَمَّا رأينني ... وقلْنَ: امرُؤ باغ أَكَلَّ وأَوْضَعا\rوقَرَّبْنَ أسبابَ الهوى لمتيَّمٍ ... يَقيسُ ذِراعا كلّما قِسْنَ إصْبَعا\rفلمّا تنازعْنَ الأحاديثَ قُلْن لي ... أخِفْتَ علينا أن نُغَرَ ونُخْدَعا؟\rفبالأمس أرْسَلْنَا بذلك خالداً ... إليكَ، وَبينَا له الأمرَ أجمعا\rفما جئتنا إلاَ على وَفْقِ مَوْعدٍ ... على ملأ منَا خَرَجْنا له مَعا\rرأينا خلاءً من عُيُونٍ ومنظراً ... دَمِيثَ الرُبى سَهْل المحلة مُمرِعا\rوقلن: كريمٌ نال وَصْلَ كرائمٍ ... فحقّ له في اليوم أن يتمتَّعَا\rوقوله: وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا يقول: هذه الوجوهُ مُدِلَة بجمالها فلا تختمر، فتستر شيئاً عن الناظرين إليها. وقد أشار إلى هذا المعنى الشماخ بن ضِرَارٍ يصف ناقته: الطويل:\rكأنَ ذِرَاعَيْها ذراع مُدِلَةٍ ... بُعَيْد الشباب حاولت أن تُعَذَّرَا\rمن البيض أعطافا إذا اتّصَلت دعَتْ ... فِراسَ بن غَنْمٍ أو لَقِيط بن يَعْمُرا\rبها شَرَق من زعفران وعَنبر ... أطارت من الحسن الرَدَاء المحبَّرا\rفي معانٍ أخرى\rقال: وكانت عائشة بنت طلحة بن عبيد اللّه لا تستُر وجهها، فلمّا دخلت على مُصْعب بن الزبير قال لها في ذلك، فقالت: إن الله تعالى وسَمني بميسَم جمال، فأحببتُ أن يراه الناس، والله ما بي وَصمة أسْتتر لها.\rوقال علي بن العباس الرومي يصف قينة: المنسرح:\rلم يَعْتَصِمْ عودُها بزامرةٍ ... ولا انْضَوَى وَجْهُها إلى السترِ\rوقد ردّد معنى قوله: لم يعتصم عودها بزامرة فقال: يصف بَرعَة الكبيرة: السريع:\rغَتتْ فلم تحوجْ إلى زامِر ... هل تحوجُ الشمسُ إلى شَمْعَهْ؟\rكأنما غنّت لشَمْس الضحى ... فألبستها حُسنها خِلْعَهْ\rكأنما رَنّةُ مسموعها ... رقّة شَكْوَى سبقت دَمْعَهْ\rتُهْدِي إلى قلبك ما يشتهي ... كأنها قد أطلعت طلعهْ\rيجتمع الظرفُ لجلاَّسِها ... والحسنُ والإحسانُ في بُقْعَهْ\rطَفل على من حصلت عندَهُ ... فبعض تطفيل الفَتَى رفْعَهْ\rربيع غيثٍ فانتجِعْ رَوْضَهُ ... فلن يُعابَ الحر بالنُّجْعَه\rوكان ابن الرومي لا يزال معتمًّا، وكان يغضب إذا سُئل عن ذلك، وسأله بعضُ الرؤساء: لِمَ تَعْتَمّ؟ فقال بديها: المنسرح:\rيا أيها السائلي لأُخبرَهُ ... عَنيَ لِمْ لا أرَاكَ مُعْتَجِرا\rأستر شيئاً لو كان يمكنني ... تعريفُهُ السائلينَ مَا سُتِرَا\rوقد بيًن العلة التي أوجبت اهتمامه في قوله: الطويل:\rتعممت إحصاناً لِرأسيَ بُرْهَةً ... من القَرَ يوماً والْحَرُورِ إذَا سَفَعْ\rفلما دَهى طولُ التعمم لِمتَى ... وأودى بها بعد الإطالة والفَرَعْ\rعزمت على لُبْسِ العمامة حيلةً ... لتستر ما جَزَتْ عليَ من الصَلعْ\rفيا لك من جانٍ عليَ جِنايةً ... جعلت إليه من جنايته الفزَعْ\rوأعجب شيء كان دائي جعلته ... دَوَائي على عَمْد وأعجِبْ بأَنْ نَفعْ\rوهذا كقوله، وإن لم يكن في معناه، وقد رأيت من ينسبه إلى كشاجم: الوافر:\rطربتُ إلى الْمِرَاةِ فرَوَعَتْنِي ... طوالِعُ شيبتينِ ألمتَا بي\rفأمّا شَيْبَة فَفَزِعتُ منها ... إلى المِقْرَاضِ حُبًّا للتصابي\rوأما شَيْبَة فصفَحْتُ عنها ... لتَشْهَد بالبَراءةِ من خِضَابي\rفأعجِبْ بالدَليل على مَشيبي ... أقمْتُ بهِ الدَليل على شَبَابي\rوهو القائل في صفة رجل أصلع: السريع:\rيجذب من نقرته طُرَةً ... إلى مَدًى يقصرُ عن ميلهِ","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"فوجْهُه يَأْخُذُ من رأسِهِ ... أَخْذَ نهار الصيْفِ من لَيْلِهِ\rوقال أعرابي: الرجز:\rقد ترك الدَهْرُ صَفَاتِي صَفْصَفَاً ... فصار رَأسِي جَبْهَةً إلى القَفَا\rكأنه قد كان رَبْعاً فَعَفَا\rقال أعرابيّ لسليمان بن عبد الملك: إني أكلّمك يا أميرَ المؤمنين بكلام فاحتمله، فإنَّ وراءَه إن قبِلتَه ما تحبّه، قال: هاته يا أعرابي، فنحن نَجُودُ بسعَةِ الاحتمال على مَنْ لا نأْمن غَيْبته، ولا نرجُو نصيحته، وأنت المأمون غيباً، الناصح جَيْباً. قال: فإني سأُطْلِقُ لساني بما خَرِست عنه الألسن، تأديةً لحقّ الله تعالى؛ إنه قد اكتنفك رِجَالٌ أساءوا الاختيارَ لأنفسهم؛ وابتاعوا دُنْيَاك بدينهم، ورضاكَ بسَخَطِ ربّهم، وخافوك في الله ولم يخافوا اللَّه فيك، فهم حرب للآخرة، وَسَلْم للدنيا، فلا تأْمَنْهم على ما ائتمنك اللَّهُ عليه؛ فإنهم لم يَأْلُوا الأمانةَ تضييعاً، والأمة كسفاً وخَسْفاً، وأنت مسؤول عما اجترموا، وليسوا مسؤولين عمّا اجترمْت؛ فلا تُصلِحْ دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظَم الناسِ عند اللّه غَبَناً مَنْ باع آخِرَتَه بدُنْيَا غيره.\rفقال سليمان: أما أنت يا أعرابي، فقد سللت لسانك وهو سَيْفُك، قال: أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.\rوروى العتبي عن أبيه عن مولى لعمرو بن حريث قال: شخصت إلى سليمان بن عبد الملك، فقيل لي: إنك تَرِدُ على أفصح العرب، وسيسألك عن المطر، فانْظُرْ ما تجيبه، فقلت: ما عندي من الجواب إلاّ ما عند العامّة، فقيل لي: ما ذلك بمُقْنِع عنده، فلقيني أعرابي فقلت: هل لكَ في درهمين. فقال: إنّي واللّه محتاج إليهما، حريصٌ عليهما، فما شَأنُك؟ فقلت: لو سألك سائل عَنْ هذا المطر بمَ كنت تُجيبه؟ قال: أو يَعْيَا بهذا أحد؟ قلت: نعم، سَائِلُكَ! قال: أَتَعْيَا أن تقول: أصابتنا سماءٌ، عَمد لها الثَّرى، واتصَل بها العُرَى، وقَامَتْ منها الغُدُر، وأتتك في مثل وِجَار الضَّبُعِ؟ فكتبتُ الكلامَ، وأعطيتُه درهمين: فكان هِجِّيرَايَ على الرَاحلة ، فإذا نزلت أقْبَلت عليه وأمثل نفسي كأني واقفٌ بين يديه، وقد سلَّمت عليه بالخلافة وهو يَسْأَلني عن المطر! فلمّا انتهيتُ إليه سألني فاقتصَصْت الكلامَ، فكَسَر إحْدَى عينيه، وقال: إني لأَسمَع كلاماً ما أنت بأبي عُذْرته. قلت: صدقت! وحياتك يا أمير المؤمنين اشتريته بدرهمين! فاستغرب ضَحِكاً، ثم أحْسَنَ صِلَتي.\rوقال أعرابي يمدح رجلاً: الطويل:\rحَليمٌ مع التقْوَى، شُجَاعٌ مع الْجَدَا ... نَدٍ حينَ لا يَنْدَى السَّحابُ سَكُوبُ\rويَجْلو أموراً لو تَصيَّفْنَ غيرهُ ... لمات خُفاتاً أو لكادَ يذوبُ\rشديد مَنَاطِ الْقَلْبِ في الموقف الذي ... به لقلوبِ العالَمينَ وَجيبُ\rفتًى هو مِنْ غَيْر التخلّق ماجِدٌ ... ومن غَيْر تأديبِ الرِّجالِ أدِيب\rوقال بعض المحدّثين يمدح: الطويل:\rفتًى يَجْعَلُ المعروفَ قبل سُؤَالِهِ ... ويَجْعل دون العُذْر فضل التَّكَرُّمِ\rأغرُّ متى تَقْصِدْ به فَضْل حظهِ ... تُصبْ ومتى تطلب به الغُنْم تَغْنَمِ\rعلى رأيه ينضمّ مُنْصَدِعُ الصَفا ... وينحلُّ من عَقْدِ العُرى كل مُبْرَمِ\rله عَزْمة أغنى من الجيش في الوَغَى ... وخَطْرَةُ رام كالْحُسَام المصمِّمِ\rجملة من كلام بديع الزمان الهمداني\rأبي الفضل أحمد بن الحسين\rوهذا اسمٌ وافق مُسَمَاه، ولفظ طابقَ مَعْناه، وكلام غَضُّ المكاسر، أنِيق الجواهر، يكادُ الهواء يسرقه لُطْفاً، والهوى يعْشَقَه ظَرْفاً.","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"ولمّا رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أغْرب بأربعين حديثاً، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادِن فِكْرِه، وأبداها للأَبصار والبَصائر، وأهداها للأفكارِ والضمائر، في معارض أعجمية، وألفاظ حُوشِية، فجاء أكثرُ ما أظْهر تَنْبُو عن قبوله الطباعُ، ولا ترفعُ له حُجُبَهَا الأسماعُ، وتوسَع فيها؛ إذ صرَف ألفاظَها ومعانيها، في وجوه مختلفة، وضروس متصرّفة، عارضها لأربعمائة مقامة في الكُدْيَة، تذوب ظَرْفاً، وتقطر حُسْناً، لا مناسبةَ بين المقامتين لفظاً ولا معنى، وعطف مُسَاجلتها، ووقَفَ مناقلتها، بين رجلين سمَى أحدهما عيسى بن هشام والآخرَ أبا الفتح الإسكندري، وجعلهما يتهاديان الدّر، ويتنافثان السحر، في معانٍ تُضْحِكُ الحزين، وتحرّك الرَصِينَ، يتطلع منها كل طريفة، ويُوقِفُ منها على كلِّ لطيفة، وربما أفرد أحَدهما بالحكاية، وخصَ أحدهما بالرواية؛ وسأذكر منها ما لا يُخِل طولُه بالشرط المعقود، ولا ينافي حصولُه الغرضَ المقصود.\rكتب إلى أبي نصر أحمد بن علي الميكالي: كتابي - أعَزَ الله الأمير! - وبودي أن أكُونَه، فأسعد به دُونَه، ولكن الحريصَ محروم، لو بلغ الرزق فاه، لولاه قَفَاه. فرَق الله بين الأيام، تفريقَها بين الكِرام، وألهمها أن تورد بعقل، وتُصدر بتمييز، وما ذلك على الله بعزيز، وأنا في مفاتحة الأمير، بين ثقة تعِد، وَيدٍ تَرْتَعِد، ولم لا يكونُ ذلك. والبحْرُ وإن لم أره، فقد سمعتُ خبرَه، ومن رأى مِنَ السيف أثره، فقد عاين أكثرَه، والليث وإن لم ألْقَه، فلم أجهل خلقه، وما وراء ذلك من تالِد أصْل وحَسَب، وطارفِ فَضْل وأدب، وبُعْد همة وصِيت، فمعلوم تَشْهَد به الدفاتر، والخبرُ المتواتر، وتنطق به الأشعارُ، كما تصدق به الآثارُ، والعين أقل الحواس إدراكاً، والأذن أكثرها استمساكاً، وإن بعدت الدار فلا ضَير؛ إنَّ أيْسَر البعدين بُعْدُ الدارين، وخيرَ القربين قُرْبُ القلبين.\rوكتب إليه في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة: الأمير الفاضل، والشيخ الرئيس، رفيع مُنَاطِ الهمة، بعيد منال الحرمة، وفسيح مجال الفضل، رَحِيبُ مُنْخَرَقِ الجود، رطيب مكْسِرِ العود: المجتث:\rفلو نَظَمْتُ الثريا ... والشعرَيَيْن قَرِيضا\rوكاهل الأرض ضربا ... وشعب رَضْوَى عَرُوضا\rوصُغْتُ للدر ضدا ... وللهواء نقيضا\rبل لو جَلَوْتُ عليهِ ... سُودَ النوائب بِيضَا\rأو ادَّعيت الثريا ... لأخمصيه حَضِيضا\rوالبحر عند لُهَاهُ ... يوم العطاء مَغِيضَا\rلما كنت إلاَّ في ذمّة القُصُور، وجانب التقصير، فكيف وأنا قاعدُ الحالة فيُ المدح، قاصِرُ الآلة عن الشَرْح؟ ولكني أقول: الثناء مُنْجحٌ أنَى سلك، والسخيّ جوده بما ملك، وإن لم تكن غُرَّةٌ لائحة فَلَمْحَةٌ دالّة، وإن لم يكن صَدَاء فماء، وإن لم يكن خمر فَخَل، وإن لم يُصِبْها وابل فَطَلّ، وبَذْلُ الموجود غاية الجود، وبعض الجهد آخر المجهود، وماش خير من لا ش، ووجود ما قلَّ خيرٌ من عدم ما جَلَّ. وقليل في الجيب خير من كثير في الغَيْبِ، وجهد المقلّ خيرٌ من عذر المخل، وحمار أيْس خير من فرسِ لَيْس، وكوخ في العِيان خيرٌ من قصر في الوهم. وذَيْتَ خير من ليت، وما كان أجود من لوْ كان، وقد قيل: عصفور في الكف أجودُ من كُرْكي في الجو، ولأنْ تقطف خَيْرٌ من أن تقف، ومن لم يجد الجميم رعى الهشيم، ومن لم يحسن صهيلاً نَهق، ومن لم يجد ماء تيمَّمَ؛ والأمير الرئيس - أدام اللّه نعماه! - لا ينظر في قوافي صنيعته إلى رَكَاكة ألفاظها، وبُعْدِ أغراضها، ولكن إلى كثرة جذرها، وثقل مهرها، وقِلَّة كفئها، وإنني منذ فارقت قَصَبَة جرجان، ووطئت عَتبة خراسان، ما زففتها إلاَ إليه، ولا وقَفْتُها إلاَّ عليه، هذا على تمرغي في أعطاف المحن، وضرورتي إلى أبناء الزمن، وإن كان الأمير الرئيس يرفعُ لكل لفظٍ حجابَ سمعه، ويُفْسِحُ لكلِّ شعر فِناء طبعه، فهاك من النثر ما ترى، ومن النظم ما يترى: مجزوء الرمل:\rأدْهِقِ الكاسَ فعَرْفُ الْ ... فَجرِ قد كادَ يلوحُ\rفهو للناس صباحٌ ... ولذي الرأي صَبُوحُ\rوالذي يمرح بي في ... حَلْبة اللَهو جَمُوحُ","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"فاسقنيها والأمانِيّ ... لها عَرْفٌ يفوحُ\rإنّ للأيام أسرا ... راً بها سوف تَبُوحُ\rلا يغرَنّكَ جسمٌ ... صادقُ الحِسِّ وروح\rإنما نحن إلى الآ ... جال نَغْدُو ونروح\rويْك هذا العمر تبري ... ح وهذا الروح ريح\rبينما أنْتَ صحيح الْ ... جسم إذ أنتَ طرِيح\rفاسقنيها مثل ما يل ... فظه الدّيك الذّبيح\rقبل أن يضرب في الده ... رِ بيَ القِدْحُ السَّنِيح\rإنما الدَّهرُ غَرُورٌ ... ولمنْ أَصْغَى نصيحُ\rولسان الدَّهر بالْوَع ... ظِ لوَاعيهِ فَصِيحُ\rنستبيح الدَّهرَ والأيا ... م منّا تَسْتَبِيح\rنحن لاهون وآجا ... لُ المنايا لا تريح\rيا غلامُ الكأْسَ فاليأ ... سُ من الناس مُرِيحُ\rضاع ما نحميه من أن ... فسنا وَهْوَ مبيح\rوقنوعاً فمقام الذّ ... ل بالمرء قبيح\rأنا يا دهر بأبنا ... ئك شِقٌّ وسَطيحُ\rوبأبكار القوافي ... لا على كُفْءً شَحِيحُ\rيا بني ميكال والجو ... دُ لعِلاَتي مُزِيح\rشرفاً إن مجال الْ ... فضل فيكمْ لفسيحُ\rوعلى قدر سَنَا المم ... دوح يَأْتيكَ المديح\rفهناك الشرف الأَر ... فع والطَّرْف الطمُوح\rوالنَّدى والخُلُقُ الطا ... هر والخَلْق الصَّبِيحُ\rمرتَقَى مجدٍ يحار الط ... رف فيه ويطيح\rأيهَذا الكرم الما ... ثل والخُلْقُ السَجِيحُ\rكان هذا الجود ميتاً ... عادَه منك المسيح\rهذه - أطال الله بقاءَ الأمير! - هديّة الوقت، وعَفْو الساعة، وفَيْضُ البديهة، ومسارقة القلم، ومسابقة اليَدِ للفم، وجمرات الحدّة، وثمرات المدّة، ومجاراة الخاطر للناظر، ومباراة الطَّبْع للسَّمْع، ومجاذبة الجنان للبيان، والشعر إذا لم تقدّمه روّية، ولم تنضجه نيّة، لم يفتح له السمع بابه، ولم يرفع له القلب حجابه، وإذا لبس الأمير هذه على علاّتها رجوت أن يكون بعدها ما هو أفتن وأحسن وأرصن، فرأيه أيّده اللّه في الوقوف عليها موفقاً إن شاء الله.\rوله إليه معاتبة: الطويل:\rلَئِنْ سَاءَني أَنْ نِلْتني بمسَاءَةٍ ... لقد سرَّني أنّي خَطَرْتُ ببالِكَ\rالأمير الفاضل الشيخ الرئيس، أطال اللَّهُ بقاءهُ إلى آخر الدعاء، في حَال برّه وجفائه مُتَفَضل، وفي يومَيْ إبعاده وإدْنَائِه مُتَطَوِّل. وهنيئاً له من حِمَانا ما يُحِلُه، ومن عُرَانا ما يَحُله، ومن أعْرَاضِنا ما يستحلُّه، بلغني أنه - أدام اللَّهُ عِزه! - استزاد صنيعته، وكنت أظنني مجنيًّا عليه، مُساءً إليه، فإذا أنا في قرارة الذَّنْبِ، وبمثابة العتْب، وليت شعري أيّ محظور في العشرة حَضَرْته، أو مفروض من الخِدْمة رَفَضْتُه، أو واجبٍ في الزيارة أهْمَلْتُهُ. وهل كنتُ إلاَ ضيفاً أهداه بَلدٌ شاسع، وأدَّاه أمل واسع، وحَداه فَضْلٌ وإن قلّ، وهدَاهُ رأيٌ وإنْ ضَلّ، ثم لم يُلْقِ إلاَّ في آلِ مِيكَالَ رَحْلَه، ولم يَصِلْ إلاَ بهم حَبْلَه، ولم يَنْظِم إلاَّ فيهم شِعْرَه، ولم يَقفْ إلاّ عليهمِ شُكْرَه، ثم ما بَعُدَت صحبةٌ إلاَّ دَنَتْ مَهَانةً، ولا زادت حُرْمَة إلاَّ نقصت صيانة، ولا تضاعَفتْ مِنّة إلاّ تراجعت مَنْزِلة، ولم تزل الضعَة بنا حتى صار وابلُ الإعظام قَطْرَة، وعاد قميصُ القيام صُدْرَة، وذلك التقربُ أزْوِرَاراً، وطويل السلام اختصاراً، والاهتزازُ إيماء، والعبارة إشارة؛ وحين عاتبته آمل إعتابه، وكاتبته أنْتِظِر جوابه، وسألته أرجو إيجابه، أجاب بالسكوت، وأَعْتَب بالقُنُوت، فما ازددت إلا له ولاءً، وعليه ثناءً؛ لا جَرَم إني اليوم أبيضُ وَجْهِ العهد، واضح محجَّةِ الوُد، طويلُ عِنَان القول، رفيع حِكْمَةِ العُذْر؛ وقد حمَلت فلاناً من الرسالة ما تجافَى عنه القلم؛ والأمير الرئيس أطال الله بقاءَه يُنْعِمُ بالإصغاء لما يورده موفقاً إنْ شاء اللّه.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"وله إليه في هذا الباب: أنا في خدمة الأمير الرئيس - أطال الله بقاءَه! - مترجحٌ بين أَنْ أشْرَبها رنقة ولا أُسِيغُها، وألجلج منها مُضْغة ولا أُجيزها، وبين أَنْ أَطْوِيها على عَرَها، ولا أرتضع أَخلاف دَرَها: الوافر:\rفلا نَفْسِي تُطاوعني لِرَفْض ... ولا هِممي تُوَطنُني لَخْفضِ\rوبقي أن أقْرُصَه بأنامل العَتْبِ، وأَحشمَه بأَلحاظ العَذْل، وأعرفه أني ما أطوي مسافَة مزار إلاّ متجشّماً، ولا أطأُ عَتبة دار إلاَ متبرَماً؛ ولستُ كمن يَبْسُط يدَهُ مُسْتَجْدياً، أو ينْقل قدمَه مُسْتَعْدِياً؛ فإن كان الأميرُ الرئيس - أيّده اللَهُ! - يسرحُ طَرْفة مني في طامح أو طامِع، فلْيُعِد للفِراسةِ نَظرا: الطويل:\rفما الفقْرُ من أرض العشيرة سَاقَني ... إليك، ولكنّا بِقُرْباكَ ننجحُ\rوأجِدُني كلما استفزّنِي الشوق إلى تلك المحاسن، أطِير إليها بجناحين عَجِلا، وأرجع بعَرجاوَيْن خَجِلا، ولولا أنّ الرضا بذلك ضربٌ من سقوط الهمة، وأن العتابَ نوعٌ من أنواع الخدمة، لصُنْتُ مجلسه عن قَلمي، كما أصُونه عن قَدَمي، ولَمِلْتُ إلى أرْض الدعاء فهو أنْجَع، وإلى جانبِ الثناء فهو أوْسع، وسأَفعل لتخف مؤْنتي، ولا تثقل وَطْأتي: المتقارب:\rإذا ما عَتَبْتُ فلم تُعْتِبِ ... وهُنْتُ عليك فلم تُعْنَ بي\rسلَوْت، ولو كان ماء الحياة ... لعِفْتُ الورُودَ ولم أشْرَبِ\rقطعة من مفردات الأبيات لأهل العصر\rفي معان شتّى تجري مجرى الأمثال\rأبو فراس الحمداني: الطويل:\rإذا كان غيرُ اللَهِ للمَرْء عُدَةَ ... أتتْهُ الرَزايا من وجوهٍ المَكَاسِبِ\rوله: الطويل:\rعَفَافكَ عي، إنما عِفَةُ الفَتى ... إذا عَف عن لَذَاتِه وَهوَ قادِرُ\rوقال المتنبي: الخفيف:\rكل حِلْم أتى بغَيْرِ اقتِدارِ ... حُجة لاجِئ إليها اللئام\rوله: الخفيف:\rوإذا كانتِ النفُوسُ كِباراً ... تَعِبَتْ في مرادِها الأجْسَامُ\rوله: الكامل:\rوإذا أتَتْكَ مَذَمّتي من ناقص ... فَهْيَ الشَهادَةُ لي بأنيّ كامِل\rوله: البسيط:\rلا يُعْجِبَنَّ مَضِيماً حُسْنُ بِزَّتِهِ ... وهل تَرُوقُ دَفيناً جَوْدَةُ الكَفَنِ؟\rوله: الخفيف:\rمن أطاقَ التِمَاسَ شيءً غِلاباً ... واغْتِصاباً لم يَلْتَمِسْهُ سُؤالا\rوله: الكامل:\rوالظلْم من شِيَمِ النفوسِ، فإنْ تَجِدْ ... ذا عِفَةٍ فلِعِلَةٍ لا يَظْلِمُ\rوله: البسيط:\rماذا لقيتُ من الدنيا وأَعْجَبُهُ ... أني بما أنا بَاك مِنْه مَحْسُودُ\rوله: البسيط:\rذِكْرُ الْفتى عُمْره الثاني، وحاجَتُهُ ... ما قَاتَه، وفُضولُ الْعَيْشِ أشغالُ\rوالمتنبي اكْثَرُ المحدَثين افْتِناناً وإحساناً في الإغراب بهذا البابِ؛ والاستقصاء يخرج عن شرط الكتاب.\rوقّال السري الموصلي: البسيط:\rخُذُوا من العيشِ فالأعمار فائتةٌ ... والدهر مُنْصَرِمٌ والعيشُ منْقَرِضُ\rوله: الوافر:\rفإنك كلَّما استُودِعْتَ سِرًّا ... أَنمُ مِن النَّسيمِ على الرِّياضِ\rوقال أبو إسحاق الصابي: البسيط:\rالضب والنّون قد يُرْجَى التقاؤُهما ... وليس يُرْجَى التقاءُ اللبِّ والذهبِ\rوقال ابن نباتة: الكامل:\rمثَل خَلَعْتُ على الزمان رِداءَهُ ... عَوَزُ الدَّرَاهمِ آفةُ الأجْوَادِ\rوله: الكامل:\rيهوى الثناءَ مبرِّزٌ ومُقَصِّرٌ ... حبُّ الثناء طبيعةُ الإنسانِ\rوقال أبو الحسن السَّلامي: الوافر:\rتبسَطنا على اللَّذات لمَا ... رَأَيْنَا الْعَفْوَ من ثَمَرِ الذُنوبِ\rوقال ابن لنكك البصري: الطويل:\rوماذا أُرجي من حَياةٍ تكدَّرَتْ ... ولو قد صَفَتْ كانَتْ كأحلامِ نائمِ\rوقال أبو طالب المأموني: الكامل:\rلي في ضَمير الدهر سرٌّ كامِن ... لا بدَ أن تستَلهُ الأقدارُ\rوقال أبو الفضل بن العميد: الكامل:\rالرأي يَصْدَأ كالْحُسام لعارِضٍ ... يَطْرَا عليه وصَقْلُهُ التذكيرُ","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"وقال أبو الفتح: الطويل:\rبطِرْتم فطِرْتم والعَصَا زَجْرُ مَنْ عَصَى ... وتقويم عَبْد الهُون بالْهُونِ رادِعُ\rوله: المتقارب:\rإذا بلغ المرء آمالهُ ... فليس له بعدها مُقْتَرحْ\rوقال الصاحب إسماعيل بن عباد: مجزوء الرمل:\rإن أُمَّ الصقر في الودْ ... دِ لَمِقْلاَةٌ نَزُورُ\rوله: مخلع البسيط:\rمن لم يَعُدْنا إذا مَرِضْنَا ... إنْ مات لم نَشْهَد الجنازَهْ\rوله: الرجز:\rحِفْظُ اللسانِ راحةُ الإنسانِ ... فاحْفَظْهُ حِفْظَ الشكر للإحسان\rوقال إسماعيل الناشئ: الطويل:\rوكنتُ أرَى أنَّ التجاربَ عُدَّةٌ ... فخانتْ ثِقَاتُ الناسِ حتى التجارب\rوقال أبو الفتح البستي: السريع:\rلا تَرْجُ شيئاً خالصاً نَفْعُه ... فالغيثُ لا يَخْلُو من الْعَيْثِ\rوله: الطويل:\rولم أر مثل الشكر جَنة غارسٍ ... ولا مثل حُسْنِ الصبر جُبة لابِس\rوله: الطويل:\rوطول مُقام الماء في مستقرِّهِ ... يُغَيره ريحاً ولوناً ومَطْعما\rوله: الخفيف:\rما استقامت قَنَاةُ رأييَ إلا ... بعدما عَوَجَ المَشِيبُ قَنَاتِي\rوقال أبو الفضل الميكالي: الطويل:\rهو الشوك لا يُعْطيك وافرَ منةٍ ... يدَ الدهر إلاَّ حين تَضْرِبه جَلْدَا\rوله: السريع:\rذو الفضل لا يسلَم من قَدْح ... وإن غَدَا أقْوَم من قِدْحِ\rوقال شمس المعالي: البسيط:\rوفي السماء نجومٌ ما لها عَدَدٌ ... وليس يُكْسَفُ إلاَ الشمسُ والقمرُ\rهذا مأخوذ من قْول الطائي: البسيط:\rإن الرياحَ إذا ما استعصفت قَصَفَتْ ... عيدانَ نجْدٍ فلم يعبأْنَ بالرًتَمِ\rبناتُ نعشٍ ونَعْش لا كُسوفَ لها ... والشمسُ والبَدْرُ منها الدهر في الرَقم\rوقال أبو الحسن علي بن عبد العزيز القاضي: البسيط:\rالهجر أَرْوَحُ من وَصْل على حَذَرٍ ... والموتُ أَطيَب من عَيْشٍ على غَرَرِ\rوقال أبو بكر الخوارزمي: الخفيف:\rلا تغرّنكَ هذه الأوجه الْغُرّ ... فَيَا رُب حَيةٍ في رِياضِ\rقال أبو العيناء: كان عيسى بن فَرْخان شاه يَتِيهُ عليَ في ولايته الوِزَارَة، فلمَا صُرِف رهَبَتي، فلقيني فسلّم عليَّ فأَحْفَى، فقلت لغلامي: مَنْ هذا؟ قال: أبو موسى؛ فدنوتُ منه وقلت: أعزَّك الله، واللّه لقد كنْتُ أقْنَع بإيمائك دون بَيانِكَ، وبلَحْظِكَ دُونَ لَفْظك، فالحمدُ لله على ما آلَتْ إليه حالُك، فلئن كانت أخْطَأَتْ فيك النعمة، فلقد أصابت فيك النقْمَةُ، ولئن كانت الدنيا أَبْدَتْ مقابِحَها بالإقبال عليك، لقد أظهرَتْ محاسنها بالانصرافِ عنك، وللهِ المنّة إذ أَغْنانا عن الكَذِب عليك، ونزَّهَنَا عن قول الزورِ فيك، فقد واللّه أًسَأْتَ حَمْلَ النعم، وما شَكَرْتَ حقّ المُنْعِم، فقيل له: يا أبا عبد الله، لقد بالغت في السب، فما كان الذنب؟ قال: سألته حاجةً أقل من قيمتهِ، فردَ عنها بأقْبَحَ من خِلْقَتِه.\rوقال عليّ بنُ العباس الرومي لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل لمّا نكبه الموفق بن أحمد وألَمَ في بعض قوله بقول أبي العيناء: الكامل:\rلا زالَ يومُك عِبرةَ لِغدكْ ... وبَكَت بشجْو عين ذي حَسَدِكْ\rفلئن نكِبْتَ لطالما نكبَتْ ... بك هِمّةٌ لجأَتْ إلى سَنَدِك\rلو تسجد الأيام ما سجدتْ ... إلاّ لِيَوْم فَت في عَضُدك\rيا نِعْمَةً ولّتْ غَضَارَتُها ... ما كان أقْبَحَ حسنَهَا بِيَدك\rفلقد غَدَتْ بَرْداً على كَبدي ... لَمَا غَدَتْ حَراً على كَبِدك\rورأيْت نُعْمى اللهِ زائدةً ... لما اسْتبانَ النقص في عَددِك\rولقد تمنّتْ كلّ صاعقة ... لو أنها صُبتْ على كتَدك\rلَمْ يَبْقَ لي ممّا بَرَى جسدي ... إلا بقاء الرّوح في جَسَدِك\rوله فيه أَهَاجٍ كثيرة لما نكب، منها قوله: السريع:\rخَفّضْ أبا الصَّقر فكَمْ طائرٍ ... خَرَ صَرِيعاً بَعْدَ تحليقِ","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"رُوِّجْتَ نعمى لم تكن كُفْأها ... فَصَانها المحه بتطليق\rلا قُدِّسَتْ نُغمَى تَسَرْبَلْتَها ... كم حجَّةِ فيها لِزِنْديق\rوكان أبو الصقر لمَا ولي الوزارة مَدَحَه ابن الرومي بقصيدته النونية التي أولها: البسيط:\rأجْنَيْنَكَ الوردَ أغصانٌ وكُثْبانُ ... فيهنّ نوعان تُفَّاحٌ ورمانُ\rوفوق ذَيْنك أعناب مُهَدَلةٌ ... سود لهن من الظَلماء ألوانُ\rوتحت هاتيك عُنَّاب تَلُوح بهِ ... أطرافهنّ قلوب القوم قِنوانُ\rغصونُ بانِ عليها الزهر فاكِهة ... وما الفواكِهُ مما يَحْمِلُ البان\rونرجس بات سَارِي الطِّل يَضْرِبُه ... وأقحوان منير اللون رَيان\rألّفن من كل شيِء طيبٍ حسنٍ ... فهن فاكهة شتى ورَيْحان\rثمار صِدْقٍ إذا عاينْتَ ظاهرَها ... لكنها حين تبلُو الطعْمَ خُطبَان\rولا يَدُمْنَ على عَهْدٍ لمعتقدٍ ... والغانيات كما شُبهْنَ بستَان\rيَميلُ طوراً بحمل ثم يعدُمُه ... وَيَكتَسِي ثم يُلْفَى وهو عُريان\rوهي أكثر من مائتي بيت، مرَ له فيها إحسان كثير، فأنشدها أبا الصقر، فلما سمع قوله:\rقالوا أبو الصقر من شَيْبَان قلت لهم ... كلا لعمري ولكِن منه شَيْبانُ\rقال: هجاني، قيل له: إنٌ هذا من أحسن المدح؛ ألاَ تسمع ما بعده:\rوكم أبِ قد عَلاَ بابن ذُرًى شَرَفٍ ... كما عَلَتْ برسول اللَهِ عَدْنان\rقال: أنا بشيِبان لا شيبان بي. فقيل له فقد قال:\rولم أقَصر بشَيبَان التي بلغت ... بها المبالغ أعراقٌ وأغْصانُ\rللّه شيبان قوم لا يشوبُهُم ... رَوْع إذا الروع شابَتْ منه ولْدَانُ\rفقال: لا واللّه لا أثيبه على هذا الشعر، وقد هجاني.\rقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: كنت يوماً عند عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر، وقد ذكروا قصيدة ابن الرومي هذه النونية، فقال: هذه دارُ البطيخ، فاقرأوا تشبيهاتها تعلَموا ذلك! فضحك جميع من حضر.\rوفي هذه القصيدة يقول من المختار في النسيب:\rيا رُب حُسّانة منهّن قد فعلت ... سوءًا، وقد يفعل الأسْوَاءَ إحسانُ\rتُشْكي المُحِبَّ وتلفى الدهرَ شاكِيةً ... كالقَوْس تُصْمِي الرَّمايا وهي مِرْنان\rوهذا كقوله في قصيدة يَصِفُ فيها قوس البندق: الطويل:\rلها رَنّة أَوْلَى بها من تصيبهُ ... وأَجْدَر بالإعوال مَنْ كان مُوجَعَا\rيقول فيها:\rلا تَلْحَياني وإيّاها على ضَرَعي ... وزَهْوها، لجَّ مَفْتُونٌ وُفتان\rإني ملكت فبي للرِّقِّ مَسَكَنةٌ ... ومُلّكت فلها بالمُلْك طُغْيَانُ\rلي مُذْ نَأَتْ وَجْنَةٌ رَيّا بمشْرَبِها ... من عَبْرتي وفمٌ ما عِشتُ ظمآنُ\rوفيها في مدح بني شيبان:\rقوم سماحتهم غيثٌ، ونَجْدَتُهُمْ ... غَوْثٌ ، وآراؤُهم في الخَطْبِ شُهْبَانُ\rتَلْقَاهُمُ ورِماحُ الخَطِّ حَوْلَهُمُ ... كالأُسد ألبسها الآجامَ خَفّانُ\rصانوا النفوس عن الفَحْشاء وابتذلوا ... مِنهنَّ في سُبُل العلياء ما صَانوا\rالمنعمون وما منُّوا على أَحَدٍ ... يَوْماً بنُعْمى، ولو منُوا لما مَانَوا\rيقول فيها في أبي الصقر:\rيَفْدِيه مَنْ فيه عن مِقْدار فِدْيَتِه ... عن المفاداة تَقْصِيرٌ ونُقْصَانُ\rقوم كأنهُمُ مَوْتى إذا مُدِحُوا ... وما لهم من حَبِير الشعر أكْفان\rصاحي الطباع إذا سالت هَواجسُه ... وإن سألت يَدَيْهِ فهوَ نَشْوانُ\rيُصْحِيه ذِهن وَيَأْبَى صَحْوَهُ كرم ... مُسْتَحْكِم فَهْو صاحٍ وَهْو سكْرانُ\rفرد جميعٌ يَرَاه كلُ ذي بَصَرٍ ... كأنه الناس طُرًّا وهو إنسانُ\rوهذا كقول أبي الطيب: الكامل:\rولَقيتُ كلَّ الفاضلِينَ كأنَّما ... رَدّ الإلهُ نفوسَهُمْ والأعْصرَا","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"نُسِقوا لنا نَسَقَ الحِسابِ مُقدَما ... وأتى فَذَلِكَ إذْ أتيتَ مُؤخَّرَا\rوقد تقدّم.\rوقال: الطويل:\rفإنْ يكُ سَيَّارُ بْن مكْرم انْقَضَى ... فإنك ماءُ الوَردِ إنْ ذَهَبَ الوردُ\rمَضَى وبَنوه وانْفَرَدْتَ بفَضلهمْ ... وأَلْف إذا ما جُمِّعَتْ واحِدٌ فَردُ\rوقال البحتري: الطويل:\rولم أرَ أمْثَال الرجالِ تفاوتاً ... لدى المجد، حتى عُدَّ ألْفٌ بواحدِ\rومدحَه وعاتبه بقصائد كثيرة فما أنجحت، فمن ذلك قوله في قصيدة طويلة يمدحه: البسيط:\rمي وَجْهِه رَوْضَةٌ للحسن مونِقَة ... ما راد في مثلها طَرْف ولا سَرَحا\rطَلُّ الحياء عليها ساقط أبداً ... كاللؤلؤ الرَطْبِ لو رَقْرَقتَه سَفَحا\rأنا الزعيم لمكحولٍ بغُرَتهِ ... ألاَ يرى بعدها بُؤساً ولا تَرَحا\rمهما أتى الناس من طَوْلٍ ومن كَرَم ... فإنما دخلوا البابَ الَّذِي فَتحا\rيُعْطِي المزاحَ ويعطي الجدَّ حقَّهما ... فالموت إن جدَّ، والمعروف إن مَزَحا\rوافى عُطَاردَ والمرَيخ مَوْلده ... فأَعْطَياه من الحظَيْنِ ما اقْتَرَحا\rإن قال: لا، قالها للآمريه بها ... ولم يقُلْها لمن يستَمْنِحُ المِنَحَا\rفي كَفهِ قلم ناهيك من قلمٍ ... نُبلاً، وناهيك من كَفّ بما اتشَحا\rيَمْحُو ويُثْبتُ أرْزَاقَ العبادِ بهِ ... فما المقاديرُ إلاَ ما مَحا ووحَى\rكأنما القلمُ العُلْوي في يَدِهِ ... يُجْرِيه في أي أنحاءِ البلادِ نَحا\rلمَا تبَسمَ عنك المَجْدُ قلتَ لهُ ... قَهْقِه فلا نَغَلاً تُبْدِي ولا قَلَحا\rأُثني عليك بنعماك التي عًظُمَتْ ... وقد وجدت بها في القوْلِ مُنْفَسحا\rأمطرْ بِذَاك جَنَاني تَكْسُهُ زَهَراً ... أنْتَ المحيا برياه إذا نَفَحا\rأنشدتها على متوالي الاختيار، وكذلك أجري في كثير من الأشعار.\rوقال يعاتبه ويستبطئه: الطويل:\rعَقيدَ الندَى، أطلِق مَدائِحٍ جَمَّةً ... حَبائسَ حَسْرى قد أبت أن تَسَرَّحا\rوكُنت مَتى تنشد مديحاً ظلمته ... يُرى لكَ أهجَى ما يُرى لك أمدحا\rعَذَرْتُك لو كانت سماءٌ تَقَشَعَتْ ... سَحائبُها أو كان رَوْضٌ تَصَوَحا\rولكنها سُقيا حُرِمْت رَوِيها ... وعَارِضُهَا مُلْق كلاكِلَ جُنَحا\rوأكْلاَء مَعْروفٍ حَرَمْتَ مَريعَهَا ... وقد عاد منها السهْلُ والحَزْن مَسْرَحا\rعَرَضْتَ لأورادي وبَحْرُكَ زاخِرٌ ... فلمَا أردْنَ الوِرْدَ أَلْفَيْنَ ضَحْضَحَا\rفلو لم ترِدْ أذْواد غَيْرِي غِمَارَه ... لقُلتُ: سَرَابٌ بالمِتَانِ تَوَضحا\rفيا لك بحْراً لم أجدْ فيه مَشْرباً ... وإن كان غيري واجداً فيه مَسْبحا\rمديحي عصا مُوسى، وذلك أنني ... صَرَبْتُ به بَحْرَ الندَى فتَضَحْضَحا\rسأمْدح بعضَ الباخلين لعَلّه ... إذا اطّرَدَ المِقْيَاسُ أنْ يتسمَّحا\rفيا لَيْتَ شِعْرِي إن ضَرَبْتُ به الصفَا ... أيَبْعَثُ لي منه جداوِلَ سُيحا؟\rكتِلْكَ التي أبْدَتْ ثَرَى الأرض يابساً ... وشَقتْ عيوناً في الحجارة سُفَحا\rمَلكْتَ فأَسْجِحْ يا أبا الصقْرِ إنهُ ... إذا مَلَكَ الأحرارَ مِثْلُكَ أسْجَحا\rوما ضرع إلى أحد هذه الضرَاعة، ولا في طوْقه هذا الاحتمال؛ وهذه الأبيات الأخيرة إنما ولّد أكثرها من قول أبي تمام الطائي لمحمد بن عبد الملك الزيات: الطويل:\rفلو حارَدَتْ شَوْل عَذَرْتُ لقَاحَها ... ولكن حَرمْتُ الدَرَ والضّرْعُ حافلُ\rأكابَرنا عطفاً علينا؛ فإننا ... لنا ظَمأ بَرْحٌ وأنتمْ مناهلُ\rوفيه يقول: السريع:","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"هذا مقامي يا بَني وائل ... مات مستجير بكم عائِذِ\rأنْشَبَ فيه الدهر أظفارَه ... وعضه بالنابِ والناجِذِ\rفأنْصِفوا منه أخَا حُرْمَةٍ ... لاذَ بكُمْ منه مع اللائذِ\rفما أرى الدهر على جَوْرهِ ... يَخْرج مِنْ حكمكم النافذِ\rوقال أيضاً: المنسرح:\rيا أيُّها السيدُ الذي وَهَنَتْ ... أنصارُ أمواله ولَمْ يَهنِ\rفأصْبَحَت في يَدِ الضّعيف وذي ال ... قوَة والَبَاقِليَ واللسِنِ\rغيري على أنني مؤمِّلُك الْأقدم سائِلْ بذاك وامتحِنِ\rمادح عشرين حجة كَمَلاً ... محرومها عنك غَيْر مضطغنِ\rفضلك أو عدلك الذي ائتمن الل ... ه عليه أجَلّ مؤتَمن\rإن كُنت في الشعر ناقداً فطنا ... فلتعطني حقّ حصه الفطِنِ\rوإن أكُن فيه ساقطاً زمناً ... فلتعطني حق حصه الزَّمِنِ\rسم بِيَ ديوانك الذي عدلت ... جَدْوَاهُ بين الصحيح والضَّمِن\rكثر بشخصي مَنِ استطعت من الن ... اس فإن لم أزِنْكَ لم أشِنِ\rما حَق من لانَ صدره لَكَ بالْ ... ود لقاءٌ بجانبٍ خَشِنِ\rوقال أبو العباس الرومي لرجل مدحه في كلمة: الوافر:\rأبعْدَ لِقايَ دونك كل قَفرٍ ... يَدِق الشخصُ فيه أن يُلاقَى\rوإعمالي إليك به المطايا ... وقد ضَرَبَ الظلامُ له رِواقا\rورَفْضِي النومَ إلاّ أن تراني ... أعانق واسط الكُور اعتناقَا\rتسوق بنا الحُداةُ فليس تَدْرِي ... أشوقاً كان ذَلك أَمْ سياقا\rأصادف دِرَةَ المعروف شَكْرَى ... لَدَيك ولا أذوق لها ذواقا\rيقول فيها:\rغَدا يَعْلُو الجيادَ وكانَ يَعْلُو إذا ما استَفْرَهَ السبْتَ الرَقاقا\rأعِنتها الشُسُوعُ فإنْ عَراها ... حَفاءُ الكَدِّ أنْعَلَها طِراقا\rفزُوَج بَعْدَ قَفْرٍ منه نُعْمى ... أراني اللَهُ صُبْحَتَها الطَّلاقا\rأبو العيناء\rقال أبو القاسم عليّ بن حمزة بن شمردل: حدثني أبي قال: سأَلتُ أبا العَيْنَاء عن نسبه، فقال: أَنا محمدُ بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان، وأصْلُ قومي من بني حنيفة من أهْلِ اليمامة، ولَحِقهم سِباءٌ في أيام المنصور؛ فلمّا صار ياسر في قَيْدِهِ أعْتَقَه، فولاؤُنا لبني هَاشم؛ وكان أبو العيناء ضَريرَ البَصرَ؛ ويقال: إن جَدَه الأكبر لقيَ علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه! - فأَساءَ مُخاطَبَتَه؛ فدعا عليه وعلى ولده بالعَمَى، فكلّ من عمي منهم صحيحُ النسب! قال الصولي: حدّثني أبو العيناء، قال: لما أُدْخِلْتُ على المتوكلِ فدعوتُ له وكلّمتُه استحسنَ كلامي، وقال لي: بلغني أنَّ فيك شرًّا! فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، إن يكن الشرُ ذِكْرَ المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فقد زَكّى الله تعالى وذم، فقال في التزكية: \" نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَابٌ \" ، وقال في الذمّ: \" هَمَازٍ مَشَّاءً بنَميمٍ ، مَنّاعٍ للخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ \" . وقال الشاعر: الطويل:\rإذا أنا لم أمْدَحْ على الخير أهْلَهُ ... ولم أذُممِ الجِبْسَ اللئيمَ المذمّما\rففيمَ عَرَفْتُ الخيرَ والشرَ باسْمهِ ... وشقَّ ليَ اللَهُ المسامَع والفَما؟\rوإن كان الشرّ كفعل العَقْرَب التي تَلْسَعُ السَّنيَ والدنيَ بطَبْعٍ لا بتمييز، فقد صَانَ اللَّهُ عبدَك عن ذلك! فقال لي: بلغني أنك رَافِضيٌ ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، وكيف أكونُ رافضيًّا وبلدي البصْرَة ومَنْشَئي في مَسْجِد جامِعها، وأستاذِي الأَصْمَعي، وليس يَخْلو القومُ أن يكونوا أرادُوا الدين أو الدنْيا؛ فإن كانوا أرادوا الدَين فقد أجمع الناس على تقديم مَنْ أَخّروا، وتأخير من قدموا، وإن كانوا أرادوا الدنيا فأَنتَ وآباؤك أمراءُ المؤمنين، لا دِينَ إلاّ بك، ولا دنْيَا إلاّ معك.\rقال: كيف ترى دَارِي هذه؟ قال: قلت: رأيت الناس بَنَوْا دُورهم في الدنيا، وأنت بنيتَ الدنيا في دارك.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"فقال لي: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قلت: نِعْمَ العَبْد لله ولك، مقَسَم بين طاعته وخدمتك، يؤثِر رِضَاك على كل فائدةٍ، وما عاد بصلاحِ ملكك على كل لذّةٍ.\rقال: فما تَقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم؟ - وكان قد علم أني واجدٌ عليه بتقصير وقَعَ منه في أَمْرِي - فقلت: يا أميرَ المؤمنين، يدٌ تَسْرِق واستٌ تضرط؛ وهو مثل اليهوديّ سرق نصف جزْيتَه، فلَه، إقدامٌ بما أَدى، وإحجام بما أبْقَى، إساءتُه طبيعة، وإحسانه تكلّف! قال: قد أَرَدْتك لمجالستي، قلت: لا أطيق ذاك، وما أقول ذلك جهلاً بما لي في هذا المجلس من الشرَفِ، ولكني محجوب، والمحجوب تختلف عليه الإشارة، ويَخْفَى عليه الإيماء، ويجوز أن يتكلّم بكلام غَضْبان ووَجْهُك راضٍ أو بكلام راضٍ ووَجْهُك غضبان، ومتى لم أُميز بين هذين هلكت، قال: صدقت، ولكن تلزمنا، قلت: لزومَ الفَرْضِ الواجبِ اللازم، فوصَلنِي بعشرة آلاف درهم.\rولأبي العيناء مع المتوكل مجالس أدْخَلَ الروَاة بَعْضها في بَعْضِ، وسأُورد مستظرفها إن شاء اللّه: قال له المتوكل يوماً: يا أبا العَيناء، لا تُكثِر الوقيعةَ في الناس، قال: إن لي في بصَرِي لَشُغْلاً عن الوقيعة فيهم، قال: ذلك أشَد لحيفك في أهل العافية! وقال له يوماً: هل رأيتَ طالبياً حسنَ الوَجْهِ قطّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت أحداً قطّ سأَل ضريراً عن هذا؟ قال: لم تكن ضريراً فيما تقدّم، وإنما سألتُك عما سلف، قال: نعم، رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتًى ما رأيت أجمل منه، قال المتوكِّل: تَجِدُه كان مؤاجراً، وتَجِدُك كنت قوَاداً عليه! فقال أبو العيناء: وفرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أتراني أدَعُ مَوَاليَّ على كَثْرَتِهم، وأقُودُ على الغرَباء؟ قال: اسكتْ يا مَأْبون؟ قال: مَوْلَى قوم منهم! قال المتوكل: أردتُ أن أشتفي به منهم فاشْتَفى لهم مني.\rوكان أبو العيناء أحذ الناسِ خاطراً، وأحْضَرَهم نادرة، وأسْرَعهم جواباً، وأبلغهم خطاباً.\rوالمتوكلُ أوّلُ من أظهرَ من خلفاء بني العباس الانهماكَ على شَهْوَته، وكان أصحابه يتسخَّفون ويستخفّون بحضْرَته، وكان يُهاتِرُ الجلساء، ويفاخِر الرؤساء، وهو مع ذلك من قلوب الناس مُحبَّب، وإليهم مُقَرَب؛ إذْ أماتَ ما أحياهُ الواثق من إظهار الاعتزالِ، وإقامة سوق الجِدَال.\rقال محمد بن مكرم الكاتب: مَنْ زعم أن عبدَ الحميد أكتَبُ من أبي العيناء إذا أحسّ بكرم، أو شرع في طمع، فَقَد ظلم.\rكتب إلى أبي عبيد الله بن سليمان وقد نكبه وأباهُ المعتمدُ، وهما يُطالَبان بمال يبيعان له ما يَمْلكانِه من عَقَار وأثَاثٍ وعَبْدٍ وأمَةِ، وقد أعْطِي بخادم أَسْوَد لعبيد الله خمسون يناراً: قد علمت - أصْلَحك اللهُ! - أنّ الكريمَ المنكوب أجْرَأ على الأحرار من اللئيم الموفور؛ لأن اللئيم يزيدُ مع النّعْمَةِ لُؤْماً، والكريم لا يزيدُ مع المِحْنَةِ إلاَ كرماً، هذا متَّكِلٌ على رازقه، وهذا يُسيء الظنّ بخالقه، وعبدك إلى مِلك كافور فقيرٌ، وثمنه على ما اتَّصلَ بي يَسير؛ لأنه بخدمته السلطان يعرّفني الرؤساء والإخوان؛ ولست بواجدٍ ذلك في غيره من الغلمان؛ فإنْ سمحت به فتِلك عَادَتُك، وإن أمرت بأَخْذِ ثمنه فَمالُكَ مادَتي، أدام الله دَوْلَتَك، واستقبل بالنعمة نكْبَتَك. فأَمَر لَهُ به.\rوسمع ابن مكرم رجلاً يقول: من ذهب بَصَرُه قلَّت حيلته، قال: ما أَغْفَلك عن أبي العَيْناء! وكتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان: أنا - أعزك اللّه تعالى! - ووَلَدِي وعيالي زَرْع من زَرعك، إن سقيتَه راعَ وزَكا، وإن جفَوْتَه ذَبُل وَذوَى؛ وقد مسّني مِنْكَ جَفاءٌ بعد بر، وإغفالٌ بعد تعاهُد، حتى تكلم عدو، وشَمِت حاسِدّ، ولعبت بي ظنونُ رجالٍ كُنْتُ بهم لاعباً، ولهم مجرساً، وللَّهِ درُ أبي الأسود في قوله: الرمل:\rلا تُهِني بعد إذ كْرَمْتَني ... وشديد عادةٌ مُنتزَعًهْ","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"فوقع في رقعته: أنَا - أَسعدك الله! - على الحال التي عَهِدْتَ، ومَيْلي إليك كما علمت، وليس من أنْسَأنَاه أهْمًلْناه، ولا من أخرْنَاه تركْناه، مع اقتطاع الشغل لنا، واقتسام زماننا، وكان من حقَكَ علينا أن تذكرَنا بنفسك، وتعلمنا أمْرَك؛ وقد وقعت لك برزْقِ شَهْرَين؛ لتريح غلتك، وتعرفني مبلغَ استحقاقك، لأُطْلِقَ لك باقيَ أرزاقك، إنْ شاء الله، والسلام.\rوكان إذا خرج من داره يقول: اللهم إنّي أعوذُ بك من الركبِ والرُكُب، والآجر والخَشب، والزوَايا والقِرَب.\rقطعة من خطابه وجوابه: دخل على أبي الصقر بعدما تأخَّرَ عنه، فقال: ما أخرَكَ عنا؟ قال: سُرِق حماري، قال: وكيف شرِق؟ قال: لم أكُنْ مع اللصّ فأخبرك! قال: فلِمَ لم تأتِنا على غَيْرِهِ؟ قال: قَعَدَ بي عن الشراء قِلّةُ يساري، وكرهتُ ذِلَة المُكارِي، ومِنّة العَوَاري.\rوزحمه رجل بالجسر على حِمَاره، فضرب بيديه على أُذُنَي الحمار، وقال: يا فَتى، قُلْ للحمارِ الذي فَوْقَك يقول: الطَّريق! ودخل على إبراهيم بن المدبر، وعنده الفَضْل بن اليزيدي، وهو يُلقى على ابنه مسائل من النحو، فقال: في أي باب هذا؟ قال: في باب الفاعل والمفعول به، قال: هذا بابي وباب الوالدة حفظها اللّه! فغضب الفَضْل وانصرف؛ وكان البحتري حاضراً فكتب بعد ذلك بقصيدته إلى إبراهيم بن المدبر التي أولها: الخفيف:\rذَكَّرَتْنِيكَ رَوْحَة للشَمُولِ ... أَوْقَدَتْ لوْعتي وهَاجَت غَليلي\rأي شيءً أَلْهَاكَ عن سرّ من را ... ءَ وظل للعيش فيها ظَليلِ\rوفيها يقول:\rاقْتِصاراً على أحاديثِ فَضْل ... وهو مستكرَه كثير الفُضُولِ\rفعلامَ اصْطَفَيْتَ مُنكسف البا ... لِ مُعادَ المِخْراق نزر القَبولِ\rإن تَزُرْه تَجِدْه أَخْلَقَ من شَيْ ... بِ الغَوَاني ومنْ تَعَفِّي الطُلُولِ\rمُسْرِجاً ملجِماً وما مَتَعَ الصُبْ ... ح ادّلاجاً للشَحْذِ والتَّطْفيلِ\rغَيْرَ أن المعلمين على حَا ... لٍ قليلو التمييز ضَعْفَى العُقُولِ\rفإذا ما تَذاكرَه النَّاسُ معنى ... مِنْ متينِ الأشعار والمجهول\rقال: هذا لَنا ونحن كشفْنا ... غَيْبَه للسّؤال والمسؤول\rضرب الأصمعيُّ فيهم أم الأح ... مرُ أم ألقحوا بأير الخَلِيل\rجُلُّ ما عنده التردّد في الفا ... علِ مِنْ وَالِدَيْهِ والْمَفْعُولِ\rوعَزَّى بَعْضَ الأمراءِ، فقال: أيُّها الأمير، كان العزاءُ لك لا بِك، والفناءُ لنا لا لك، وإذا كنتَ البقيّة فالرزيَّةُ عطيّة، والتعزية تَهْنية.\rوسئل أبو العيناء عرْ مالك بن طَوْق، فقال: لو كان في زَمَنِ بني إسرائيل ونزل ذَبْحُ البقرة ما ذُبحَ غيره! قيل: فأَخوه عمر؟ قال: كسَرابٍ بِقيعَةٍ يَحْسَبُه الظَّمْآنُ ماءً حتى إذا جاءَه لم يَجدْه شيئاً.\rوكان موسى بن عبد الملك قد اغتال نجاح بن سلمة في شراب شَرِبه عنده، فقال المتوكّل بعد ذلك لأبي العيناء: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: ما قال اللّه تعالى: فوكَزَه موسَى فَقَضى عليه! فاتَّصَل ذلك بموسى، فلقي الوزير عُبيد اللّه بن يحيى ابن خاقان، فقال: أيّها الوزير، أرَدْتَ قتلي فلم تَجِدْ إلى ذلك سبيلاً إلاّ بإدخال أبي العيناء إلى أمير المؤمنين مع عَدَاوتِه لي؛ فعاتب عبيدُ اللّه أبا العيناء في ذلك، فقال: والله ما استَعْذَبتُ الوقيعةَ فيه حتى ذَمَمْتُ سريرته لك؛ فأَمْسَك عنه.\rثم دخل بَعْدَ ذلك أبو العَيْناء على المتوكل فقال: كيف كنتَ بعدُ؟ قال: في أحوالٍ مختلفة، خَيْرُها رُؤُيتك وشرُّها غَيْبَتُك، فقال: قد واللَّه اشتَقْتُكَ! قال: إنما يَشْتَاقُ العَبْد؛ لأنه يتعذّرُ عليه لقاءُ مولاه، وأما السيّدُ فمتى أراد عَبْدَه دعاه.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وقال له المتوكل: مَنْ أَسْخَى مَنْ رأيت؟ قال: ابنُ أبي دُوَاد، قال المتوكّل: تأتي إلى رجل رفضته فتنسبه إلى السخاء؟ قال: إنَّ الصدقَ يا أميرَ المؤمنين ليس في موضعٍ من المواضع أَنْفَق منه في مجلسك؛ وإنَّ الناس يغلطون فيمن يَنْسبونَه إلى الجود؛ لأنَّ سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد، وسخاءَ الفضل والحسن ابنْي سَهْل منسوب إلى المأمون، وجودُ ابن أبي دواد منسوبٌ إلى المعتصم؛ فإذا نَسَب الناسُ الفَتْحَ وعبيد الله ابني يحيى إلى السخاء فذلك سَخَاؤُك يا أَمير المؤمنين، قال: صدقت؛ فمن أبخلُ من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك، قال: وما رأيتَ من بُخْله؟ قال: رأيته يخدم القريب كما يخدم البعيد، ويَعْتَذِر من الإحسان كما يعتذِرُ من الإساءة، فقال له: قد وَقَعْتَ فيه عندي مرتين، وما أحبّ لك ذلك؛ فألْقَهُ واعتذر إليه، ولا يعلم أنّي وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين، من يستكتمني بحضرة ألف؟ قال: لن تخاف، قال: على الاحتراس من الخوف.\rفصار إلى موسى فاعتذَر كلُّ واحد منهما إلى صاحبه، وافترقا عن صلح؛ فلقيه بعد ذلك بالجعفري، فقال: يا أبا عبد اللّه، قد اصطلحنا، فما لك لا تَأْتينا؟ قال: أتريد أن تقتلَني كما قتلت نَفْساً بالأِمس؟ فقال موسى: ما أرانا إلاّ كما كُنّا.\rوقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصراني وَاجِدٌ عليك، قال: ولن تَرْضَى عنك اليهودُ ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم! قال: إن جماعة من الكتاب يلومونك! فقال: الطويل:\rإذا رضِيَتْ عَنّي كِرَامُ عشيرتي ... فلا زال غَضْباناً عليَّ لِئَامها\rقال المتوكل له: أكان أبوك في البلاغة مِثْلَكَ؟ قال: لو رأى أمير المؤمنين أني لرأى عَبْداً له لا يَرْضَاني عبداً له.\rوقيل لأبي العيناء: إن المتوكل قال: لولا أنه ضرير البصر لنَادَمْتُه، فقال: إن أعفاني من رُؤية الأهلّة، وقراءة نَقْشِ الفصوص، فأنا أصْلُح للمنادمة.\rولقيه رجل من إخوانه في السَّحَر، فجعل يُعْجَبُ من بُكُوره، فقال: أراك تشاركني في الفعل وتُفْرِدُني بالتعجب! ووقف به رجل من العامَّة فأحَسً به، فقال: مَنْ هذا؟ قال: رجل من بني آدم! قال: مرحباً بك، أطال اللّه بقاك! وبقيت في الدنيا، ما ظننتُ هذا النَسْل إلاَ قد انقطع! ودخل على عبيد الله بن سليمان فقال: اقْرُب منّي يا أبا عبد الله، فقال: أعزَّ الله الوزير، تقريبُ الأولياء، وحِرْمانُ الأعداء، قال: تقريبُك غُنْمٌ، وحِرْمانك ظُلْم؛ وأنا ناظرٌ في أمرك نظراً يُصْلِحُ مِنْ حالك إن شاء اللّه.\rوقال له يوماً: اعذرني فإنّي مشغول، فقال له: إذا فرغت من شغلك لم نَحْتَجْ إليك، وأنشده: الطويل:\rفلا تَعْتَذِرْ بالشُغْل عنَّا؛ فإنًما ... تُناطُ بك الآمالُ ما اتَّصَلَ الشُغْلُ\rثم قال: يا سيِّدي، قد عذرتك، فإنه لا يَصْلُحُ لشُكْرك مَنْ لا يَصْلُح لعُذْرِك.\rوأقبل إليه يوماً فقال: مِن أين يا أبا عبدِ الله؟ قال: من مَطَارح الجَفَاء! وقال له مرّة: نحن في العطلة مَرْحُومُون، وفي الوزارة محرومون، وفي القيامةِ كل نَفْسٍ بما كسبَتْ رهِينة.\rوسار يوماً إلى باب صاعد بن مخلد، فقيل: هو مشغولٌ يُصَلِّي، قال: لكل جديدٍ لذةٌ! وكان صاعدٌ نصرانياً قَبْلَ الوزارة.\rودخل إلى عميد اللّه بن سليمان، فشكا إليه حالَه، فقال: ألَيْسَ قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر؟ فقال: كتبتَ إلى رجل قد قصَرَ من همَته طولُ الفقْر، وذُل الأسْر، ومعاناةُ مِحَنِ الدَّهْرِ، فأخفقته في طَلِبَتي! قال: أنْتَ اخترته؟ قال: وما علي - أعزَّ الله الوزير! - في ذلك: قد اختار موسى قومه سَبعِينَ رجلاً، فما كان منهم رَشيد، واختار النبيّ، صلى الله عليه وسلم ابنَ أبي سَرحٍ كاتباً، فرجع إلى المشركين مرتداً، واختار علي بن أبي طالب أبا موسى حاكماً فحكَمَ عليه!\rهروب إبراهيم بن المدبر من السجن\rوكان إبراهيم بن المدبر أسَرَهُ صاحبُ الزّنج بالبصرَة وحبَسه؛ فاحتال حتى نقب السجن وهَرَب، فلذلك ذكر أبو العيناء ذُلَّ الأسْر، وكان قد ضُرِب في وجهه ضَرْبَةً بَقِي أثرها إلى أن مات؛ ولذلك قال البحتري: الكامل:\rومبِينَةٍ شَهَرَ المنازِل وَسْمَها ... والخيل تَكْبُو في العَجاجِ الكابي","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"كانت بوجهك دون عرضك إذ رأَوْا ... أنَّ الوُجوهَ تُصانُ بالأحْساب\rولئن أُسِرْتَ فما الإسارُ على امرئ ... نَصَرَ الإسارَ على الفرار بِعابِ\rنامَ المضلل عن سُراكَ ولم تَخَفْ ... عَيْنَ الرقيب وقَسْوَةَ البوَابِ\rفَرَكِبْتَها هَوْلاً مَتى تُخْبِرْ بها ... يَقلِ الجَبَانُ: أتيتَ غَيْر صَواب\rما راعَهُمْ إلاَّ استراقُكَ مُصْلَتاً ... في مِثْلِ بُرْدِ الأرْقَمِ المُنْساب\rتَحْمِي أُغَيلِمَةً وطائشةُ الخُطى ... تَصِلي التلَفُتَ خَشيَةَ الطُلاّب\rقد كان يوم ندى بِطَوْلكَ باهراً ... حتى أضفْتَ إليه يَوْمَ ضِراب\rذِكْرٌ من البأس استعذْتَ إلى الَذي ... أُعْطِيتَ في الأخْلاقِ والآدابِ\rووحيدة أنْتَ انْفَرَدْتَ بِفَضْلها ... لولاكَ ما كُتِبَتْ على الكُتَّابِ\rأخبار صاحب الزنج\rقال أبو بكر الصولي: حدثني محمد بن أبي الأزهر، وقد ذاكرْتُه خبرَ علي صاحب الزنج، قال: ادَّعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنهم، فنظرت مولده ومولد محمد ابن أحمد الذي ادعاه فكان بينهما ثلاث سنين؛ وكان لمحمد بن أحمد ولدٌ اسمه علي، مات بعد هذا المدعي اسمَه ونسبَه بزمَانٍ. ثم رجع عن هذا النسب فادَعى أنه علي بن محمد بن عبد الرحيم بن رحيب بن يحيى المقتول بخرَاسان ابن زيد بن علي.\rقال أبو عبيدة محمد بن علي بن حمزة: ولم يكن ليحيى وَلَد يقال له رحيب ولا غيره؛ لأنَّه قُتل ابنَ ثماني عشرة سنَةَ ولا وَلَدَ له.\rقال بشر بن محمد بن السَّرِيِّ بن عبد الرحمن بن رحيب: هو ابن عم أبي لحاً علي بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب، ورحيب رجل من العجم من أهل وَرتين من ضياع الريّ، وهو القائل لبني العباس: الطويل:\rبني عمِّنا إنّا وأنتم أناملٌ ... تضمنها من راحَتَيْها عُقُودها\rبني عمِّنا ولَيتُم الترك أمْرَنا ... ونحن قديماً أصلُها وعمودُها\rفما بالُ عُجْم التركِ تقسم فَيْئَنا ... ونحن لديها في البلادِ شُهُودُها\rفأُقسِم لا ذقْتُ القَراح وإن أذقْ ... فبُلْغَةُ عَيْشِ أو يُبَاد عميدُها\rوقال أيضاً: الخفيف:\rلَهْفَ نفسي على قصورٍ ببغدا ... دَ وما قد حَوَتْهُ مِنْ كلِّ عاصِ\rوخُمورٍ هُناك تُشْرَبُ جَهْراً ... ورجالٍ على المعاصي حِراصِ\rلستُ بابْنِ الفواطمِ الزُهْرِ إنْ لم ... أُقْحِم الْخَيْلَ بين تِلْكَ العراصِ\rوله في هذا المعنى شعرٌ كثير قد ناقضَه البغداديون، وكانت مدّتُه حين نَجَم إلى أن قتل أرْبع عشرةَ سنةً، وجملة مَن قتل ألفُ ألفٍ وخمسمائة ألف.\rرجع إلى أخبار أبي العيناء\rوذكر أبو العيناء رجلاً، فقال: ضَحِكٌ كالبكاء، وتودّد كالعزاء، ونوادر كنَدْب الموتى! وكان يُهاتر ابن مكرم كثيراً، وكتب إليه ابنُ مكرم يوماً: قد ابْتَعْتُ لك غلاماً من بني ناشر، ثم من بني نَاعِظ، ثم من بني نهد. فكتب إليه: فأتنا بما تَعِدُنَا إن كُنْتَ من الصادقين.\rووُلد لأبي العيناء ولد، فأتى ابنُ مكرم فسلمّ عليه، ووضع حجراً بين يديه وانصرف، فأحس به، فقال: مَن وضع هذا؟ فقيل: ابن مكرم؟ قال: لعنه الله! إنما عرَض بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الولَد للفراش وللعاهر الحجر.\rوقال لابن مكرم، وقد قدم من سفر: ما لك لم تُهدِ إلينا هديةً؟ قال: لم آتِ بشيء، وإنما قدمت في خُف. قال: لو قدمت في خفّ لخَلَّفتَ رُوحَكَ! وأتى إلى باب إبراهيم بن رياح، فحجب، فقال: إذا شغل بكأس يمناه وبحر يسراه، وانتسب إلى أبٍ لا يعرف أباه، ولا يَحْفِل بحِجاب مَنْ أتاه.\rوقدم إليه أبو عيسى بن المتوكل سِكباحةْ، فجعل لا تقعُ يده إلاَّ على عظم؛ فقال: جعلت فِدَاك! هذه قِدر أو قبر؟ ودعا ضريراً ليعشيه، فلما يَدَعْ شيئاً إلاَّ أكله، فقال: يا هذا، دعوتك رحمةً فتَرَكتني رحمة.\rألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام\rومقدّماته، وموائده، وآلاته","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"افرش طعامَك اسمَ اللّه، وألحُفهُ حَمْدَ الله. لا يَطِيبُ حضور الخِوان، إلاّ مع الإخوان. البخلُ بالطعام، من أخلاق الطَّغَام. الكريم لا يَحظُر، تقديمَ ما يَحضُر. قد قامت خطباءُ القدور. قدورٌ أبكار، بخواتِم النَّار. قِدْر طار عَرْفُها، وطاب غَرْفُها. دَهْمَاء تهدِر كالفَنِيق، وتَفُوح كالمِسكِ الفَتِيقِ. مائدة كدَارَة البَدر، تباعد بين أنفاس الجلاَّس. مائدة مثلُ عروس. مائدة لطيفة، محفوفةٌ بكل طَرِيفة. مائدة تشتمل على بدائع المأكولات، وغرائب الطيِّبات. مائدةٌ كأنما عملها صنَّاع صنعاءَ، تجمع بين أنوار الربيع، وثِمَارِ الخريف.\rوقال الجماز: جاءنا فلان بمائدةٍ كأنّها زَمَنُ البرامكة على العُفَاة! وذَمَّ آخر رجلاً فقال: لا يَحْضُرُ مائدتَه إلاَّ أكرمُ الخَلْق وألأَمهم - يريد الملائكَةَ والذُّبَاب.\rوقال ابن الحجاج لرجل دعاه وأخًر الطعام: السريع:\rقد جُنَ أصحابك من جُوعِهمْ ... فاقرَأ عليهمْ سورةَ المائِدَهْ\rولبعض أهل العصر يذم رجلاً: الوافر:\rخوَانٌ لا يِلِمُّ به ضيوفٌ ... وعِرضٌ مثل مِنْدِيل الخِوَان\rرغْفَانٌ كالبدور الممنطقة بالنّجوم. حَمَلٌ ذهبي الدَثار، فِضَيُ الشعار. أطْيَبُ ما يكون الْحَمَلُ، إذا حلًت الشمس الحَمَل. جَدْي كأنما نُدِف على جَبينه القَز. زِيْربَاجة، هي للمائدة دِيباجة، تَشفِي السَّقام، ولونها لونُ السقيم. سِكْبَاجة تفتقُ الشهوة، واسفيذباجة تُغَذي القَرِم، وطَباهِجَة يَتَفَكّه بها، وخَبيص يختم بخير. طَبَاهِجَة من شرط الملوك، كأَعْرَافِ الديوك، وقَلِيَّة كالعود المُطرَى. مغمومة تفرج غَمَّ الجائع. هريسةٌ نَفِيسة، كأنها خيوط قَزّ مشتبكة، كأَنَ المُرِّي عليها عُصَارَةُ المسك على سبيكة الفِضَة. أرزة مَلبونة، في السكر مدفونة. شِواء رشراش، وفالوذج رَجْرَاج. طَيَاهِجَة تغذى، وفالوذجة تعزى، واسفيذباجة تصفع قَفا الجوع. ولا فِراشَ للنبيذ، كالحمَل الحنِيذ. دجاجةٌ سميطة، لها من الفضة جسم، ومن الذهب قشرة. دجاجة دِينارية ثمناً ولوناً.\rوهذا محلول من قول علي بن العباس الرومي يصف طعاماً أكله عند أبي بكر الباقطاني: الكامل:\rوَسَمِيطةٍ صفراءَ دينارية ... ثمناً ولَوْناً زَفها لَك حَزْوَرُ\rعظمت فكادَتْ أن تكونَ إِوَزَّةً ... وغلت فكاد إهَابُها يتفطّرُ\rطفقت تجودُ بذَوْبها جَوْذَابَة ... فأتى لباب اللَوز فيها السكرُ\rظَلْنَا نقشِّر جِلْدَها عن لحمها ... فكأن تِبْراً عن لجَيْن يُقْشَرُ\rوتقَدَمَتْهَا قبل ذَاك ثَرَائِدٌ ... مثل الرِّياضِ بمثل ذاك تُصَدَّرُ\rومرقَّقات كلُهُنَّ مزخرفٌ ... بالبيض منها مُلْبَس ومُدَثَرُ\rوأتتْ قطائِفُ بَعْدَ ذاك لطائفٌ ... ترضَى اللهَاةُ بها ويَرْضَى الحنجَر\rضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيان مِنَ الدّهان يُعَصرُ","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"قال البديع: حدّثني عيسى بن هشام قال: اشْتَهَيْتُ الأَزَاذَ، وأنا ببَغْداذَ ، وليس مَعِي عَقْد، عَلَى نَقْد، فخرجتُ أَنتهِزُ محالة، حتى أحَلَني الكَرْخَ؛ فإذا أنا بسَوَادِيّ يَحْدُو بالْجَهْدِ حمارَه، ويُطَرَفُ بالْعَقْدِ إزارَه؛ فقلت: ظَفرْنا واللّه بصَيدٍ ، وحَياكَ اللَّهُ أبا زَيْد! مِنْ أيْنَ أقبلْتَ؟ وأينَ نَزلْتَ؟ ومتى وافَيْتْ، فهَلُمَ إلى البيتْ. فقال السوادي: لستُ بأبي زيد، وإنما أبو عُبَيْد! فقلتُ: نعم، لَعَنَ اللَّهُ الشيطانَ، وأبْعَدَ النسيانَ، أنْسَاني طول العَهْدِ بِكَ، كَيْفَ أبوك، أشَاب كَعَهْدِي ، أم شابَ بَعْدِي. قَالَ: قد نَبَتَ المَرْعى على دِمْنَتِه، وأرجو أن يُصَيِّرَه اللَهُ إلى جَنَّتِه، فقُلْتُ: إنّا للَهِ، ولا قوة إلاَ باللّه، ومددت يدَ البِدار، إلى الصِّدَار أريد تمزيقه، وأُحاول تخريقه، فقبض السواديّ على خَصرِي بجُمْعه. وقال: نَشَدتُكَ باللّه لا مزَّقْتَه، فقلت: فهلّم إلى البيت نُصِبْ غداء، أو إلى السوق نشتري شِوَاء؛ والسوقُ أقرب، وطعامه أطيب، فاستفزّتهُ حُمَةُ القَرَم، وعَطَفَته عطفة النَّهم، وطمِع، ولم يعلم أنه وقع، ثم أتيت شَوَّاءً يتقاطرُ شِوَاؤه عرقَاً، ويتسايل جُوذابه مرقَاً فقلت: أبرز لأبي زيد من هذا الشِّواء، ثم زِن له من تلك الحَلواء، واختر من تلك الأطباق ونضد علي أوراق الرقاق، وشيئَاً من ماء السمَّاق، ليأكلَه أبو زيد هنياً. فأنحى الشًوَّاء بساطُوره، على زُبدَة تنورِه، فجعلها كالكحل سَحقاً، وكالطين دَقاً، ثم جلس وجلست، ولا نبَس ولا نبست، حتى استوفيناه، وقلت لصاحب الحلواء: زِن لأبي زيد من اللوزِينَج رطلين، فإنه أجرى في الحلوق، وأسرَى في العروق، وليكن ليليَ العُمر، يوميَّ النشر، رقيق القشر، كثيف الحَشو، لؤلؤيّ الدهن كَوكبي اللون، يذوب كالصَّمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيّاً. فوزنه، ثم قعد وقعدت، وجردَ وجرَدت، واستوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد، ما أحوجنا إلى ماء يَشَعشَع بالثلج، ليقمَع هذه الصَّارة، ويَفثَأ هذه اللقم الحارة؛ أجلس أبا زيد حتى آتيك بسقاء، يحيِينا بشَربَة من ماء، ثم خرجت، وجلست بحيث أراه ولا يراني، أنظر ما يَصنع به. فلّما أبطأتُ عليه قام السَّوَادي إلى حماره، فاعتلق الشَوَاء بإزاره، وقال: أين ثمن ما أكلتَ؟ قال: ما أكلته إلاَ ضيفاً! قال الشواء: هاك وآك متى دعوناك؟ زِن يا أخا القحبة عشرين، وإلاَ أكلت ثلاثاً وتسعين! فجعل السواديِّ يبكي ويمسح دموعه بأردانه، ويحُلّ عقدَة بأَسنانه، ويقول: كم قلت لذلك القرَيد، أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد!؟ فأنشدت: مجزوء الكامل:\rاعمَل لرزقك كل آلَه ... لا تَقعدَنّ بذُلِّ حاله\rوانهض بكلِّ عزيمة ... فالمرء يَعجزُ لا المَحَاله\rومن مليح ما قيل في القطائف قول عليّ بن يحيى بن أبي منصور المنجم: الرجز:\rقطائِفٌ قَد حُشيَتْ باللَّوْزِ ... والسُكّر الماذِيِّ حَشوَ الموزِ\rيسبح في آذِيَ دهن الجَوز ... سرِرت لما وقَعَت في حَوزيَ\rسرور عَباس بقرب فَوزِ\rومن ألفاظ أهل العصر في الحلواء: فالوذج بلبَاب البُرّ، ولعَاب النَّخل، كأنَ اللوز فيه كواكب دُر، في سماء عَقيق.\rولم يقل أحد في صفة اللوزِينَج أَحسن من قول ابن الرومي: السريع:\rلا يُخطِئَنّي مِنك لوزِينج ... إذا بدا أعجَبَ أو عجًبا\rلو شاء أن يَذهَبَ في صَخرَة ... لسهَّل الطِّيبُ له مَذهَبا\rلم تَغلِق الشهوَةَ أبوابها ... إلاَّ أبَت زلفَاه أن يحجَبا\rيَدور بالنَّفحَة في جامِه ... دَوراً ترَى الذهنَ له لولبا\rعاوَن فيه مَنظَر مَخبَرَا ... مستَحسَن ساعَدَ مستعذَبا\rمَستكثف الحَشوِ ولكنه ... أرَقُ جِلداً عن نَسِيمِ الصبا\rكأنما قدّت جَلابيبه ... من نقطة القَطرِ إذا حَبَّبا\rيخالُ من رِقَّة خرشائِه ... شارَك في الأجنِحَة الجُندبا\rلو أنَّه صُوِّرَ من خَبزِهِ ... ثَغر لكان الواضحَ الأشنَبَا\rمن كلِّ بيضاء يَوَدُّ الفتَى ... أن يجعلَ الكفَ لها مَركَبا","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"مَدهونَة زَرقاءَ مَدقوقة ... صَهباء تحكي الأزرَق الأشهَبا\rقرّة عَينٍ وفَمٍ حُسِّنَت ... وطُيِّبَتْ حتى صَبا مَن صبا\rديفَ له اللوز؛ فما مرَّة ... مَرَّت على الذائق إلاَ أَبَى\rوانتقَدَ السُكَرَ نُقاده ... وشاوَرُوا في نَقْدِهِ المذهبا\rفلا إذا العَيْنُ رَأَته نَبَتْ ... ولا إذا الضرْسُ عَلاه نَبَا\rلا تُنكِروا الإدلالَ من وامِق ... وَجَه تلقاءَكُمُ المطْلَبا\rهذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح فيها أبا العباس أحمد بن محمد ابن عبد اللّه بن بشر المرثدي، ويهنيه بابن ولده، وأولها:\rشمسِّ وبدر وَلَدَا كَوْكَبا ... أَقْسمتُ باللَّهِ لَقَدْ أَنْجبا\rقال أبو عثمان سعيد بن محمد الناجم: دخلت على أبي الحسن وهو يعمل هذه القصيدة، فقّلت: لو تَفَاءَلْتَ فيها لأبي العباس بسبعة من الولد؛ لأن أبا العباس منكوساً سابعٌ، لجاء المعنى ظريفاً، فقال: السريع:\rوقد تفاءَلتُ له زاجِراً ... كنْيَته، لا زاجِراً ثَعْلَبا\rإنّي تأمّلْتُ له كُنْيَةً ... إذا بدا مَقْلوبُها أعْجَبا\rيَصُوغُها العكْسُ أبا سابع ... لا كَذَّب اللهُ ولا، خيبا\rبل ذاكَ فألٌ ضامِنٌ سَبْعَة ... مِثْلَ الصّقُور استْشرَفَتْ مَرْقَبا\rيأتون من صلْبِ فتًى مَاجِدٍ ... وذاك فأْلٌ لم يَعُدْ مَعْطَبا\rوقد أتانا منهمُ واحِد ... فلننتظرهُمْ سِتةً غُيبا\rفي مُدةٍ تَغْمُرها نِعْمةٌ ... يجعلها اللَهُ له تُرْتبا\rحتى نراهُ جالساً بينهُمْ ... أجَلَّ من رَضْوَى ومن كَبْكَبا\rكالبدر وَافَى الأرضَ من نُورهِ ... بين نجومٍ سبعَةٍ فاحْتَبى\rولْيُشْكَرِ النَّاجِمُ عن هذِهِ ... فإنها من بَعضِ ما بَوَّبَا\rسَدَى وألْحَمْتُ أخ لم أزَلْ ... أشْكُر ما أسْدَى وما سَببا\rوكان ابنُ الرومي منهوماً في المآَكل، وهي التي قتَلَتْهُ، وكان مُعْجَباً بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدي أن يبعثَ إليه كل يوم بوظيفة لا تَنْقَطِع، فبعث إليه يومَ سَبْتٍ، ثم قطعه، فقال: الخفيف:\rما لِحيتانِنَا جَفَتْنَا وأنَى ... أخلَفَ الزائرونَ منتظريهمْ\rجاء في السبت زَورُهُمْ فأتينا ... من حِفَاظِ عليه ما يَكفِيهِمْ\rوجعلناه يوم عيد عظيمٍ ... فكأَنَّا اليهودُ أو نَحْكِيهمْ\rوأراهُمْ مُصَمَمِينَ على الهَج ... رِ فَلِمْ يُسْخِطُون مَن يُرْضيهمْ\rقد سَبْتنا وما أتتْنا وكانُوا ... يوم لا يَسْبِتُون لا تأْتيهمْ\rفاتصل ذلك بالناجم، فكتب إلى الرومي: المتقارب:\rأبا حسنٍ، أنْتَ مَنْ لا تزا ... لُ نَحْمَدُ في الفَضْلِ رُجْحانَهُ\rفكم تُحْسِنُ الظن بالمرثدي ... وقد قلَلَ اللَهُ إحسانَهُ\rألم تَدْرِ أنَ الفتى كالسَرَاب ... إذا وَعَدَ الْوَعْدَ إخوانَهُ\rفبَحْرُ السرابِ يَفُوتُ الطلوبَ ... فَقُل في طِلابك حيتانَهُ\rوخرج ابنُ الرومي إلى بعض المتنزهات وقصدوا كَرْماً رازِقيًّا، فشربوا هناك عامَة يومهم، وكانوا يتهمونه في شِعْره، فقالوا: إن كان ما تُنْشِدنا لكَ فقُلْ في هذا شيئاً، فقال: لا تَرِيموا حتى أقول فيه، وأنشدهم لوقته: الرجز:\rورازقي مُخْطَفِ الخصُورِ ... كأنه مَخازِنُ البلُورٍ\rقد ضُمِّنت مِسْكاً إلى الشطور ... وفي الأعالي ماء وَرْد خوري\rبلا فَريد وبلا شُذُورِ ... له مَذاق العَسَل المَشُورِ\rوبَرْدُ مَمنَ الخَصِر المقْروِر ... ونكْهَة المِسْك مع الكافورِ\rورقة الماء على الصدورِ ... باكَرْتُه والطيْرُ في الوُكُورِ\rبِفتْيَةٍ من وَلَدِ المنصورِ ... أملأُ للعَيْنِ من البُدورِ","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"حتى أتَيْنا خَيْمَة الناطور ... قبل ارتفاع الشمس للذَّرورِ\rفانحَطّ كالطَّاوِي من الصقور ... بطاعةِ الرّاغِبِ لا المقهورِ\rوالحرُ عَبْد الحَلَبِ المشطورِ ... حتى أتانا بِضُروع حورِ\rمملوءةٍ من عَسَلِ محصورِ ... والطَلُّ مثل اللؤلؤ المنثورِ\rثمّ جلَسْنا جِلْسَة المحبورِ ... بين حِفافَي جَدوَل مَسجورِ\rأبيض مثل المُهرق المنشورِ ... أو مثل متن المُنصل المشهورِ\rيَنْسَابُ مثل الحيَّةِ المذعورِ ... بَين سِمَاطَي شَجرٍ مَسطورِ\rناهيك للعقود من ظُهورِ ... فنِيلَت الأوطار في سُرُورِ\rوكل ما يُقضَى مِنَ الأُمورِ ... تَعِلَة من يَومِنا المنظورِ\rومُتْعةٌ منَ مُتَعِ الغُرورِ\rألفاظ تناسب هذا النحو لأهل العصر\rفي صفات الفواكه والثمار\rكَرْم نُسْلِفه الماء القَرَاح، ويَقْضِينا أُمَهات الرّاح. عنقود كالثريَّا، وعِنَبٌ كمخازن البلّور، وضروبِ النُور، وأوعيةِ السرور. أمّهات الرحيق، في مخازن العَقِيق. نَخْل نُسْلِفه الماء، ويقضينا العسل. رُطَب كأنها شُهْدة بالعقيق مقَنَّعة، بالعِقْيان مُقَمَّعة. رُمَان كأنه صُرَر الياقوت الأحمر. سَفرجل يَجْمَع طيباً، ومنظراً حسناً عجيباً، كأنه زِئبر الخزّ الأغبر، على الديباج الأصفر. تفَّاحٌ نَفَّاحٌ ، يجمع وَصْفَ العاشق الوَجِل، والمعشوق الْخَجِل، له نسيمُ العبير، وطَعْمُ الكرّ، رسولُ المحب، وشبيه الحبيب. تِين كأنه سُفر مضمومة على عَسَل. مشمش كأنه الشَّهد في بَيَادِق الذهب.\rما قيل في وصف الليل والصيد واللهو\rقال بعضُ الرواة: أنشدت أعرابياً قولَ جرير بن عطية بن الْخَطَفي:\rأبدل الليلُ لا تَسْرِي كواكبُهُ ... أمْ طال حتى حسبت النجمَ حَيْرَانا؟\rفقال: هذا حسَنٌ في معناه، وأعوذ باللّه من مثله؛ ولكني أنشدك في ضدّه من قولي، وأنشدني: الوافر:\rوليل ثم يُقَصَرْهُ رُقادٌ ... وقصَّر طولَه وَصْلُ الحبيبِ\rنَعيمُ الحبّ أوْرق فيه حَتَّى ... تناوَلَنا جَناهُ من قريبِ\rبمجلس لذَّةٍ لم نَقْوَ فيه ... على شكْوَى ولا عَدِّ الذنوبِ\rبَخِلْنا أن نقطّعه بلَفْظٍ ... فتَرْجَمَتِ العيونُ عن القُلوبِ\rفقلت له: زدني فما رأيت أظرفَ منك شعراً؛ فقال: أمَّا هذا الباب فحسبك، ولكن أنشدك من غيره: الوافر:\rوكنت إذا عَلِقْت حبالَ قوم ... صَحِبْتُهُمُ وَشِيمَتيَ الوفاءُ\rفأحسِنُ حين يُحْسِنُ محسنوهُمْ ... وأجتنب الإساءَة إن أساءوا\rأشاء سوى مشيئتهمْ فآتي ... مشيئتهمْ وأتركُ ما أشاء\rقال الأصمعي: قرأت على أبي مُحْذر خلف بن حيّان الأحمر شعرَ جرير، فلمّا بلغت إلى قوله: الطويل:\rويوم كإبهامِ القَطاةِ محبّبٍ ... إليّ صباهُ غالبٌ ليَ باطِلُهْ\rرُزِقْنا به الصّيد العزيزَ ولم نكن ... كمن نَبْلُهُ مَحْرُومةٌ وحبَائِلُهْ\rفيا لك يومٌ خَيْرُه قبل شرِّهِ ... تغيّب واشيه وأقْصرَ عاذِلُهْ\rفقال خلف: وَيْحَه! فما ينفعه خيرٌ يؤول إلى شرّ؟ فقلت له: كذا قرأته على أبي عمرو بن العلاء، فقال لي: وكذا قال جَرير، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلاَّ ما سمعَ، قلت: فكيف كان يَجبُ أن يكونَ؟ قال: الأجْوَد أن يقولَ: خيرُهُ دون شرِّه، فارْوِه كذلك، فقد كانت الرواةُ قديماً تُصْلِحُ أشعارَ الأوائل، فقلت: واللّه لا أرويه بعدها إلاَ كذا.\rومن أجود ما قيل في قِصَر الليل قول إبراهيم بن العباس: الرجز:\rوليلةٍ من الليالي الغُرِّ ... قابلتُ فيها بَدْرَها ببَدْرِي\rلم تَكُ غير شفَق وفَجْرِ ... حتى تَقَضَّت وهي بِكْرُ الدَهْرِ\rوقال محمد بن أحمد الأصبهاني فيما يتعلّق بهذا المعنى وإن كان في ذكر النهار: الخفيف:\rكيف يُرْجَى لمقلتيَّ هُدُو ... ورُقادي لطَرْفِ عَيْني عَدُوّ؟","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"بأبي مَنْ نَعِمْتُ منه بِيَوْم ... لم يَزَلْ للسرورِ فيه نمُو\rيوم لهْوٍ قَدِ الْتَقَى طرفاهُ ... فكأنَ العَشِي فيه غُدُوُ\rإذ لشَخْصِ الرقيب فيه ثناءٌ ... ولبَدْرِ السَماء مني دُنُوُ\rوقال ابن المعتز: السريع:\rيا رب ليل سَحَر كلّهُ ... مفتضَح البدْرِ عليل النسيمْ\rتلتقطُ الأنفاسُ بَرد النَّدَى ... فيه فنهديه لِحَر الهُمومْ\rلا أعرفُ الإصباحَ لمَا بدا ... في ضوئه إلاَ بِسُكْر الندِيمْ\rلبستُ فيه بالتذاذ الهوى ... ولذّةِ الرَاح ثيابَ النعيمْ\rوصف منبج\rأخذ قوله: سَحَر كله من قول عبد الملك بن صالح بن علي، وقد قال له الرشيد لما دخل منبج: أهَذا منزلك؟ قال: هو لك، ولي بك يا أميْرَ المؤمنين، قال: كيف بناؤه؟ قال: دون منازل أهْلي، وفوق منازل الناس، قال: وكيف ذلك وقَدْرُك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خُلق أميرِ المؤمنين أتأسَى به، وأَقْفُو أَثره، وأخذوا حَذْوَهُ، قال: فكيف طِيبُ مَنْبج؟ قال: عَذْبَة الماء، قليلة الأدْوَاء، قال: فكيف لَيْلُها؟ قال: سحر كله؟ وأخذ هذا الطائي فقال: الكامل:\rأيامنا مصقولة أطرافها ... بك، والليالي كلُها أسحارُ\rولأهل العصر، قال أبو علي محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمي: البسيط:\rيا رب ليل سُرور خِلْته قِصَراً ... كعارضِ البَرْقِ في أُفْق الدُجَا بَرَقا\rقد كَادَ يعثر أولاَه بآخرهِ ... وكادَ يسبق منه فًجْرُه الشَفَقا\rكأنَما طرَفَاه طَرْفٌ اتفق الْ ... جَفْنَانِ مِنْهُ على الإطْبَاق وافْتَرَقا\rألفاظ في هذا المعنى لأهل العصر\rليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمُها عليل، ليلة كبُرْدِ الشباب، وبَرْدِ الشراب. ليلة من ليالي الشباب، فِضيَة الأديم، مِسكِيّة النسيم. ليلة هي لمْعَةُ العمر، وغُرةُ الدهر. ليلة مِسْكيّة الأديم، كافورية النجوم. ليلة رَقَد الدّهر عنها، وطلعت سعودُها، وغابت عُذالُها. ليلة كالمسك منظَرُها ومَخْبَرُها. ليلة هي باكورةُ العُمْر، وبِكْرُ الدهر: ليلة ظلماتها أنوار، وطِوال أوقاتها قِصَار.\rالفضل بن سهل\rكان سبب اتصال سعيد بن هُرَيْم بذي الرياستين الفَضلِ - وسمي ذا الرياستين؛ لأنه جمع بين رياسة القلم ورياسة التدبير للَمأمون - أنه دخل عليه يوماً، فقال: الأَجَل آفَةُ الأمل، والمعروف ذُخْرُ الأَبد، والبِرُ غنيمة الحازم، والتفريط مصيبةُ أخي القدرة، وإنا لم نَصُنْ وجوهَنا عن سؤالك، فصُنْ وجهك عن ردِّنا، وضَعْنا من إحسانك بحيث وضَعْنَا أنْفُسَنا من تأميلك.\rفأمر أن يُكْتَب كلامُه، وسماه سعيداً الناطق، ووصله المأمون فخص به.\rفلحقته في بعض الأوقات جَفْوَة من الفضل، فكتب إليه: يا حافظَ مَنْ يَضع نفسَه عنده، ويا ذَاكِرَ مَنْ نَسِيَ نصيبه منه، ليس كتابي إذا كتبتُ استبطاءً، وما إمساكي إذا أمسكتُ استغناء، فكتبت مذكِّراً لا مستقصراً فِعْلَك. فوصله وأَحْسَن إليه.\rوقد رُوِي بعضُ هذا الكلام المنسوب إلى سعيد بن هريم لأبي حفص الكرماني مع ذِي الرِّياستين.\rويقول أبو محمد عبد اللّه بن أيوب التميمي: الطويل:\rلعَمْرُكَ ما الأَشْرَافُ في كلِّ بَلْدة ... وإنْ عَظُمُوا لِلَفضْل إلاَ صَنَائِعُ\rتَرَى عُظَماءَ الناس لِلْفَضْل خُشَعاً ... إذا ما بَدَا، والفَضْلُ لِلَهٍ خاشعُ\rتَوَاضَعَ لمَّا زاده اللَهُ رِفعةً ... وكلّ جليل عنده مُتَواضِعُ\rوقال إبراهيم بن العباس: مجزوء المتقارب:\rلفضل بن سَهْل يد ... تقاصرَ عَنْهَا المَثَلْ\rفباطِنُها للندى ... وظاهِرُها للقُبَلْ\rوبَسْطَتُها لِلْغِنَى ... وسَطْوَتُها لِلأَجَلْ\rأخذه ابنُ الرومي فقال لإبراهيم بن المدبر: الكامل:\rأصْبَحْتُ بين ضَرَاعةٍ وتَجمل ... والمرءُ بينهما يموتُ هزيلا\rفامددْ إليَّ يداً تعوَّدَ بَطْنُها ... بَذْلَ النوالِ وظَهْرُها التقبيلا","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"وقال يمدح عبيد اللّه بن عبد الله بن طاهر، وزاد في هذا المعنى تشبيهاً ظريفاً: الطويل:\rمقبَّل ظَهْرِ الكفِّ وَهَّاب بَطْنها ... لها راحةٌ فيها الحطيمُ وزَمْزَمُ\rفظاهِرُها للناسِ رُكْنٌ مقَبَّلٌ ... وباطنها عَيْنٌ من العُرْف عَيلَمُ\rوكان ذو الرياستين يَقْبَلُ صوابَ القائلين بما في قوَته من صَفَاءَ الغريزة، وجَودَة النَّحيزة، فهو كما قال أبو الطيب: الخفيف:\rمَلك مُنْشِدُ القَرِيض لَدَيْهِ ... يضع الثوبَ في يَدَيْ بَزَّازِ\rوكانت مخايل فَضلِه، ودلائل عَقله، ظهرت ليحيى بن خالد وهو على دِين المجوسية، فقال له: أَسْلِم أجِد السبيلَ إلى اصْطِنَاعِك، قال: فأسلم على يَدِ المأمون، ولم يزل في جَنْبَته، إلى أنْ رُقِّي إلى رُتْبته.\rوذكره يحيى عند الرشيد فأجْمَل الثناء، فأمر بإحضاره، فلمّا رآه أُفْحِمَ؛ فنَظَرَ الرشيد إلى يحيى كالمستفهم؛ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّ من أدلّ دليل على فَرَاهَةِ المملوك أن تمْلك هيْبَةُ مولاه لسانَه وقلبَه، فقال الرشيد: لئن كنت سكتَّ لكي تقولَ هذا فقد أحْسَنْت، ولئن كان هذا شيئاً اعتراك عند الْحَصَر لقد أجدْتَ؛ وزاد في إكرامه وتقريبه، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شيء إلاّ أجابه بأفْصَحِ لسان، وأجود بَيانِ.\rقال سهل بنُ هارون: وممّا حُفظ من كلام ذي الرياستين ممّا رأينا تَخْلِيدَه في الكتب، ليُؤْتَمّ به، ويُنْتَفَعَ بمقْوَلِ حكمته، قولُه: مَن تركَ حقًّا فقد غبن حظًا، ومَن قْضَى حقًّا فقد أحْرَزَ غُنْماً، ومَن أتَى فَضلاً فقد أوْجَب شكراً، ومن أحْسَن توكّلاً لم يعدم مِنَ اللّه صنْعاً، ومَن ترك لله شيئاً لم يَجِدْ لِما تَركَ فَقْداً، ومَنِ التمسَ بمعصية اللَهِ حَمْداً عادَ ذلك على مُلْتَمِسِه ذمًّا، ومن طلب بخلاف الحقِّ له دَرَكاً عاد ما أدرك من ذلك له مُوبقاً؛ وذلك أَوْجَب الفَلاح للمحسنين، وجعل سوءَ العاقبة للمسيئين المقصَرينَ.\rووقَّع في رَقعَة ساعٍ: نحن نرى قبولَ السعاية شَرًّا منها، لأنَّ السِّعاية دلالةٌ، والقبول إجازة، وليس مَن دَل على شيءٍ وأخبر به كمن قبِلَه وأجازهُ؛ فاتَّقوا الساعِي، فإنهُ لو كان في سِعَايَتِه صَادِقاً لكان في صدقه آثماً؛ إذ لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورَة.\rوالشيءُ يُقرَنُ مع جِنسِه: كتب محمد بن علي إلى محمد بن يحيى بن خالد، وكان والياً على أرمينية للرشيد: إن قوماً صاروا إلى سبيل النّصح فذكروا ضِيَاعاً بأرمينية قْد عَفَت ودَرَسَت، يرجع منها إلى السلطان مَال عظيم، وإني وقفتُ عن المطالبةِ حتى أَعرِفَ رأيَك.\rفكتب إليه: قرأتُ هذه الرقعةَ المذمومة، وفَهِمْتُها، وشوقُ السعاية بحَمْد اللّه في أيامنا كاسِدَة، وألْسِنَة السُّعاةِ في أيامنا كَلِيلة خاسئة؛ فإذا قَرَأْتَ كتابي هذا فاحْمِل الناسَ على قانونك، وخُذْهم بما في ديوانِك؛ فإنا لم نولِّك الناحية، لِتتبعَ الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعْلام الداثرة، وجنّبني وتجنب بيتَ جريرٍ يخاطبُ الفرزدق: الوافر:\rوكنتَ إذا حَلَلْتَ بدارِ قوْم ... رَحَلْتَ بِخًزْيَةٍ وتَرَكْتَ عَارَا\rوأجْرِ أمورَك على ما يكسب الدُّعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنتهي، وأيامٌ تَنْقَضي، فإمَا ذِكْرٌ جميلٌ، وإما خِزْيٌ طَوِيل.\rوقال رجلٌ للمَهدي: عندي نصيحةٌ يا أمير المؤمنين، فقال: لِمَنْ نَصيحتك هذه؟ لنا، أمْ لِعامَةِ المسلمين، أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين، قال: ليس الساعي بأعظم عورةً ولا أقبَحَ حالاً ممّن قَبِل سِعَايته، ولا تخلو من أن تكونَ حاسِدَ نعمة، فلا نَشْفِي غَيْظك، أَوْ عَدُوًا فلا نعاقب لك عدوَك؛ ثم أقبل على الناس فقال: لا يَنْصَحْ لنا نَاصِح إلاَّ بما فيه لله رضاً، وللمسلمين صَلاَح، فإنما لنا الأبدانُ وليس لنا القلوبُ؛ ومن استَتَر عنَّا لم نكشفه، ومن بادَانا طلبْنا تَوْبته، ومن أخطأ أقَلْنَا عَثْرَته؛ فإني أرى التأديبَ بالصفْحِ أبْلغَ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكْثر منها مع المُعاجَلة، والقلوب لا تبقى لِوالٍ لا يَنْعَطِف إذا استُعْطِفَ، ولا يعفو إذا قَدَر، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يَرْحَمُ إذا استُرحم.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"ووقّع ذو الرياستين إلى تميم بن خزيمة: الأمور بتمامها، والأعمال بخَوَاتمها، والصنائعُ باستدامتها، وإلى الغاية يَجْرِي الجواد؛ فهناك كشفَتِ الْخِبْرَةُ قِناعَ الشَّكّ؛ فحمد السابق، وذم الساقط.\rوذو الرياستين هوِ القائل: البسيط:\rأنضيتِ أحرف لا ممَا لَفَظْتِ بها ... فحوّلي رَحْلَها عنَّا إلى نَعَم\rأو صَيِّريها إليها منك منعمةً ... إن كنتِ حاولت فيها خِفّة الْكَلِم\rقِسْتُم علينا فعارَضْنَا قياسَكُمُ ... يا أَحْسَن الناسِ من قَرْن إلى قَدَمِ\rولما قتل ذُو الرياستين دخَل المأمون على أمّه فقال: لا تَجْزَعِي فإني ابْنُك بعد ابنك. فقالت: أفلا أَبْكي على ابنٍ أَكسَبَنِي ابناً مِثْلَكَ؟\rفي وصف الخيل\rووصف ابن القِرّية فرساً أَهْدَاه الحجاجُ إلى عبد الملك بن مروان فقال: حَسَنُ القَدَ، أسِيلُ الخَد، يسبق الطَّرْفَ، ويستَغرِقُ الوَصْفَ.\rوأهدى عبد الله بن طاهر إلى المأمون فرساً وكتب إليه: قد بعثتُ إلى أمير المؤمنين بفرسٍ يلحق الأرانب في الصَّعْداء، ويجاوٍزُ الظِّباءَ في الاستواء، ويسبق في الْحَدور جَرْيَ الماء، فهو كما قال تأبّط شرّاً: الطويل:\rويَسْبِقُ وَفْدَ الرِّيح من حيث يَنتحِي ... بمُنْخَرِقٍ من شَدَهِ المُتَدارِكِ\rوقال رجل لبعض النخاسين: اشْتَرِ لي فرساً جَيدَ القَمِيص، حسَنَ الفُصوص، وثيق القَصَبِ، نقيَ العَصَبِ، يُشيرُ بأُذُنيه، ويَنْدِسُ برجْلِيه، كأنه موجٌ في لُجة، أو سَيْلٌ في حَدُور.\rجمع محمد بن الحسين، هَذَيْنِ الكلامين وزاد فقال يصف فرساً: هو حَسَنُ القميص، جَيد الفصوص، وثيق القَصَب، نقيُ العَصَب، يُبْصِرُ بأذنيه، وَيَتنوَّع بيديه؛ ويُدَاخِل برجْلَيه، كأنه موجٌ في لجة، أو سيلٌ في حَدُور، يناهبُ المشي قبل أن يُبْعث، ويلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوِزُ جواري الظباء في الاستواء، ويسبِق في الحَدُور جَرْيً الماء، إنْ عُطِف جَارَ، وإن أرسِل طار، وإنْ كلّف السير أَمْعَن وسار، وإن حُبس صَفَن، وإن استوقف فطن، وإنْ رعَى أبنَ، فهو كما قال تأبّط شرًّا، وذكر البيت.\rوأول هذه الأبيات: الطويل:\rوإني لَمُهْدٍ من ثَنائي فَقَاصِد ... به لابْنِ عمّ الصَدْقِ شَمس بن مالكِ\rأهزُ به في نَدْوَةِ الحيّ عِطْفَهُ ... كما هز عِطْفي بالهِجانِ الأوَارِكِ\rقليل التشَكَي لِلْمُلَم يُصيبُهُ ... كثيرُ الهوَى شَت النَوَى والمسَالِك\rيظَل بِمَوْماةٍ ويُمْسِي بِغَيرِها ... جَحِيشاً ويَعْرَوْرِي ظُهورَ المهالِك\rويَسْبِقُ وَفْدَ الرّيح من حيث ينتحي ... بمُنْخَرِقٍ مِنْ شَدّه المتدارك\rإذا خاط عينيه كرَى النوم لم يَزًل ... له كالئٌ من قلب شَيْحَانِ فاتِكِ\rإذا طَلَعَتْ أُولى العدوً فَنَفْرُهُ ... إلى سَلَّةٍ من صارم الغَرْب باتِك\rويجعل عينيه ربَيئة قلبه ... إلى ضربة من حَدَ أخلقَ صائِكِ\rإذا هَزَهُ في عظم قِرْنٍ تَهَلَلت ... نواجذُ أَفواهِ المنايا الضَّوَاحِكِ\rيرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهْتَدَتْ أمُ النجوم الشَوابِك\rوأهدى عمرو بن العاص إلى معاوية ثلاثين فرساً من سَوابِق خَيْل مِصْر، فعُرِضت عليه، وعنده عقبة بن سنان بن يزيد الحارثي، فقال له معاوية: كيف تَرَى هدايانا يا أَبا سعيد؟ فإن أخَاك عَمْراً قد أَطْنَبَ في وَصْفها، فقال: أراها يا أميرَ المؤمنين على ما وصف، وإنها لمُخَيِّلة بكل خير؛ إنها لسَامِيَةُ العُيون، لاحقة البطون، مصغية الآذان، قَبَّاء الأسنان، ضِخَام الرُّكبات، مشرفات الحجبات، رِحَاب المَناخِرِ، صِلاب الحوافر، وقعُها تحليل، ورفعها تعليل، فهذه إن طلِبت سبقت، وان طَلَبت لَحِقتَ. قال له معاوية: اصرفها إلى رَحْلك؛ فإنّ بِنَا عنها غِنًى، وبفتيانك إليها حاجة.\rوقال النابغة الجعديّ: الطويل:\rوإنا أنَاسٌ لا نُعَوِّدُ خَيْلَنَا ... إذا ما التقَينَا أن تَحِيدَ وتَنفرَا","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"ونُنكر يوم الرَوْعِ ألوانَ خَيْلِنا ... من الطعن حتى نحسب الجَونَ أَشْقَرا\rفليس بمعروفٍ لنَا أنْ نَرُدَّهَا ... صِحَاحاً، ولا مُسْتَنكَر أن تعَقرا\rوقال بعض العرب: الكامل:\rولقد شَهِدْتُ الخيلَ يوم طرادها ... بسليم أَوْظِفَهِ القَوَائِم هَيْكلِ\rفدعَوا: نزالِ! فكنت أوَّل نازلٍ ... وعَلاَمَ أركبه إذا لم أنزلِ؟\rووصف أعرابي فرساً فقال: لما أرسلت الخيل جَاءوا بشيطان في أَشْطَان، فأرسلوه، فلمع لَمْعَ البَرْقِ، واستهل استهلالَ الوَدْقِ، فكان أَقْرَبهم إليه الذي يقعُ عينه من بُعْدٍ عليه.\rوذكر أعرابي رجلاً فقال: عنده فرسٌ طويل العِذَار، أمِينُ العِثَار؛ فكنت إذا رأيته عليه ظننته بَازِياً على مَرْبأ، عليه رُمْحٌ طويل يقصرُ به الآجال.\rوقال بعض المحدثِينَ في هذا التطابق: الوافر:\rلَقيناهُمْ بأَرْماح طوالٍ ... تبُشرُهُمْ بأعمارٍ قِصَارِ\rووصف أعرابي خيلاً لبني يربوع فقال: خرجَتْ علينا خيل من مستطير نَقْعٍ، كأن هَوَادِيهَا أعْلام؟ وآذانَها أقلام، وفرسانها أُسود آجام.\rولما أنشد العمَّاني الرشيد يصف فرساً: الرجز:\rكأنً أذْنَيْهِ إذا تَشَوَّفَا ... قادِمَةً أو قَلَماً مُحَرفا\rولحن، ففهم ذَلك أكْثَرَ من حضر؛ فقال الرشيد: اجعل مكان كأَن يَخَال، فعِجبوا لسُرْعَة تَهَدَيه.\rوللطائيين في هذا النوع أشعار كثيرة منعني من اختبارها كثرةُ اشتهارها، وسأنشد بعض ذلك، قال أبو تمام: الكامل:\rما مُقْرَبٌ يَخْتَالُ في أَشْطَانِه ... ملآنُ مِنْ صَلَفٍ به وتَلَهْوُق\rبحَوافرِ حُفرٍ وصَلْتٍ أَصلتٍ ... وأَشَاعِرٍ شُعْرٍ وخلق أَخْلَقِ\rذو أولقٍ تحْتَ العجاج، وإنما ... من صحةٍ إفراطُ ذاك الأَوْلق\rصافي الأديم كأنما ألبستهُ ... من سنْدُس بُرْداً ومن إسْتَبْرَق\rإمْلِيسةٌ إمليدةٌ لو عُلِّقت ... في صَهْوتيهِ العينُ لم تتعلَّقِ\rمُسْوَدُ شَطْرٍ مثل ما اسْوَدَ الدجى ... مبيضُّ شَطْرٍ كابيضاض المُهْرَقِ\rوقال أبو عبادة: الكامل:\rوأغَرَّ في الزمَنِ البهيم مُحَجَّل ... قد رُحْتُ عنه على أغرَ مُحَجل\rوَافي الضْلوع يَشُد عَقْدَ حِزامه ... يوم اللقاء على مُعِمّ مُخْولِ\rيهوي كما هَوَتِ العُقابُ إذا رَأَتْ ... صيداً ويَنتصِبُ انتِصَابَ الأجدَلِ\rمتوحّشٌ بدقيقتين كأنما ... تُرَيَانِ من وَرقٍ عليه مُوَصَلِ\rكالرائح النَشْوان أكْثَرُ مَشيهِ ... عَرْض على السنَن البعيد الأطْوَل\rويظن رَيْعَان الشباب يَرُوعُه ... من نَشْوَةٍ أو جِنة أو أَفْكَل\rهَزج الصهيل كأنَّ في نَبَراتِهِ ... نغماتِ مَعْبَدَ في الثقيلِ الأوَل\rتتوَهمُ الْجَوْزاء في أرْسَاغِه ... والبَدْرُ غُرةُ وَجْهِهِ المتهللِ\rصافي الأديم كأنَما عُنِيَتْ له ... بصفاءَ نُقْبَته مَدَاوِكُ صَيْقَلِ\rوكأنما كُسِيَ الخدودَ نَوَاعِماً ... مهما تلاحِظْها بلَحْظٍ يخْجَل\rوكأنما نَفَضْتُ عليه صِبْغَها ... صَهْبَاءُ للبَرَدانِ أو قُطْرَبُّلِ\rمَلَكَ العيون؛ فإن بَدَا أعْطَينهُ ... نَظَرَ المُحب إلى الحبيبِ المُقْبلِ\rوقال إسحاق بنُ خلف النهرواني لأبي دُلَف، وكان له فرسٌ أدهم يسميه غراباً: الكامل:\rكم كم تجرَعه المنونُ ويسلمُ ... لو يستطيعُ شَكَا إليك لَهُ الفمُ\rمن كل منبت شعرة من جِلْدِهِ ... خَط ينمّقُه الْحُسامُ المِخْذَمُ\rما تُدْرِكُ الأرواح أدْنَى جَرْيهِ ... حتى يَفُوتَ الريحَ وهو مقدَمُ\rرَجَعَتْه أَطْرَافُ الأسِنة أشْقراً ... واللون أدْهَمُ حين ضَرَّجه الدَمُ\rوكأنما عقد النجُومَ بِطَرْفِهِ ... وكأنَه بِعُرَى المجرَة مُلْجَمُ","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"وقال أبو الطيب: الطويل:\rجَفَتْني كأني لَسْت أنْطَقَ قَوْمِها ... وأطْعَنَهمْ والشُهْبُ في صُوَر الدُهْمِ\rوقال أبو الفتح كشاجم: الرجز:\rقد راح تحت الصُّبْحِ ليْل مظلم ... إذ لاح في السَّرْج المحلَّى الأدْهَمُ\rديباجُ أَلْوانِ الجيادِ، ولم يكن ... ليُخَص بالديباج إلا الأكْرَمُ\rضَحِكَ اللجَيْنُ على سَوادِ أدِيمه ... وكذا الظلامُ تنِيرُ فيه الأنجمُ\rفكأنه ببنات نعْشٍ ملبب ... وكأنما هُوَ بالثريا مُلجَمُ\rقلت: هذا من قول ابن المعتز: الطويل:\rأَلاَ فاسقياني والظلامُ مُقَوّضٌ ... ونَجْم الدُجَى تحت المغارب يَرْكُض\rكأنَّ الثريا في أواخرِ لَيلِها ... تَفتّحُ نَوْرٍ أو لِجامٌ مفضض\rوقال أبو الفتح: الكامل:\rمَنْ شَك في فضلِ الكُمَيْت فبينه ... فيهُ وبين يقينهِ المِضْمارُ\rفي منظَرٍ مستحسَنٍ محمودة ... أخبَارُه إذ تُبْتَلى الأخبارُ\rماء تَدَفَّق طَاعَةً وسَلاَسَة ... فإذا أسْتُدرَ الْحُضْرُ فيه فنَار\rوإذا عَطَفْتَ به على نَاوَرْدِه ... لتُدِيرَه فكأنَّه بِركَارُ\rوصف الخَلوقَ أَديِمه فكَأنما ... أَهْدَى الْخَلوق لجلدِه عَطّارُ\rقصرَتْ قِلاَدَةُ نحْرِهِ وعِذَارِه ... والرُسْغ، وهيَ من العِتَاق قِصَارُ\rوكأنما هاديه جِذعٌ مُشْرِفٌ ... وكأنما للضبع فيه وِجارُ\rيَرِدُ الضحَاضِحَ غير ثاني سُنْبكٍ ... ويَرُودُ طَرْفك خَلْفَه فتحارُ\rلو لم تكن للخيل نسبة خَلْقهِ ... حَاكَتْه من أَشْكالِها الأطْيَارُ\rوقال ابن المعتز: الطويل:\rوخَيْل طَواها القَوْدُ حتى كأنّها ... أنابيبُ سُمرٌ من قَنَا الخَطِّ ذُبَّل\rصببْنا عليها ظالمين سِيَاطنافطارَتْ بها أيدٍ سِرَاعِّ وأرْجُلُ\rقولُهُ: ظالمين من أَبْدَع حَشْوٍ جرى في بيت، وكأنّ ابن المعتز أشار إلى قول أعرابي مولد: الطويل:\rوعَوْدٍ قليل الذنب عاوَدْتُ ضربَه ... إذا هاج شَوْقِي من معاهدها ذِكر\rفقلت له: ذَلفاءُ ويْحَك! سَبّبتْلك الضَّرْبَ، فاصبر إنَّ عادتَك الصّبرُ\rقال ابن المعتز: الوافر:\rأراجعتي فِدَاك بأعوَجِيّ ... كقدْح النّبعِ في الرّيشِ اللُؤامِ\rبأدهمَ كالظَّلاَمِ أغرَّ يَجْلُو ... بغُرَّتِهِ دَياجِيرَ الظّلامِ\rتَرَى أحْجَاله يَصْعَدْنَ فيه ... صُعودَ البَرْقِ في جَوِّ الغَمَام\rوقال أيضاً: الرجز:\rقد أَغْتَدي والصُّبْحُ كالمَشيبِ ... في أُفُقٍ مِثْلِ مَدَاكِ الطِّيبِ\rبقارح مسَوَّم يَعْبُوبِ ... ذي أُذن كخُوصَةِ العَسيبِ\rأو أسةٍ أوْفَتْ على قَضِيب ... يَسْبِقُ شأَوَ النظرِ الرّحيبِ\rأَسْرَع من ماءً إلى تَصْوِيب ... ومن رُجوع لحظة المُرِيبِ\rوقال: المديد:\rرُب رَكْب عرّسوا ثم هَبُّوا ... نحو إسْرَاجٍ وشَدَ رِحَالِ\rوعَدَوْنا بأعِنة خيل ... تَأْكُلُ الأرْضَ بأَيْدٍ عِجَالِ\rزينتها غررّ ضَاحِكاتّ ... كبدورٍ في وُجُوهٍ ليال\rوقال علي بن محمد الإياديَ: الكامل:\rمسحَ الظلام بعرفه يدَهُ ... ومَشَى فقبَّل وَجْهَهُ البَدْرُ\rوقال الناشئ أبو العباس عبد الله بن محمد: الكامل:\rأحْوَى عليه مَسائحٌ من لِيطَةٍ ... شهب تسيل على نَوَاشِرِ ساقه\rفكأَنه مُتَلفع قبطِية ... أَثنَاؤُها مشدودةٌ بِنطَاقهِ\rفَسَوادُه كاللَيْل في إظلاَمِهِ ... وبَيَاضه كالصُبْح في إشراقه\rصافي الأدِيم كريمةٌ أنسَابهُ ... أخْلاَقه عَيْنٌ على أعْرَاقِهِ\rكتب أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي إلى الأمير أبي الفضل عبد اللّه بن أحمد بن ميكال، وقد زاره الأميرُ في داره: الكامل:","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"لا زال مَجْدُك للسِّمَاك رَسِيلا ... وعلوُّ جَدِّكَ بالخلود كَفِيلا\rيا غُرَةَ الزمنِ البهيم إذا غَدَا ... أهلُ العُلاَ لزمانهم تَحْجِيلاَ\rيا زائراً مَدّت سَحَائبُ طَوْله ... ظِلاًّ عليَ مِنَ الجَمال ظليلا\rوأتت بصَوْبِ جواهرٍ من لَفْظِه ... حتى انتظَمْنَ لمفْرقي إكْلِيلاَ\rبأبي وغَيْر أبي هِلالٌ نُورُهُ ... يستَعْجِلُ التسبيحَ والتهليلا\rنقشت حوافِرُ طِرفِه في عَرصَتي ... نَقْشاً مَحَوْتُ رسومَه تَقْبِيلا\rولو استطعت فرَشتُ مَسقَطَ خَطوه ... بعيون عِينٍ لا تَرَى التكْحِيلاَ\rونثرتُ رُوحي بعدما مَلَكَت يَدِي ... وخَرَرْتُ بين يَدَيْ هَواهُ قَتيلا\rوقال أبو القاسم بن هانئ يصف خيل المعزّ: الطويل:\rله المُقْرَبات الْجُرْدُ يُنْعِلُها دماً ... إذا فَرَعَتْ هَامَ الكُماةِ السنَابِكُ\rيُرِيق عليها اللؤلؤُ الرَطْبُ مَاءه ... ويَسْبِكُ فيها ذائبَ التّبْرِ سابِكُ\rصقيلات أجْسامِ البرُوق كأنما ... أُمِّرَتْ عليها بالشموس المَدَاوِكُ\rوقال يصف فرساً لجعفر بن علي بن حمدون: الطويل:\rتهلَلَ مَصْقُولَ النواحي كأنه ... إذا جالَ ماءُ الْحُسن فيه غريقُ\rمِنَ البُهْم وَرْدُ اللون شِيبَ بِكُمْتَةٍ ... كما شِيبَ بالمسكِ الفتيق خَلوقُ\rفلو مِيزَ منه كبنُ لون بذاته ... جَرَى سَبَجٌ منه وذَابَ عَقِيق\rوقال في قصيدة يمدح بها أبا الفرج الشيباني: الكامل:\rفَتَقَتْ لكم رِيحُ الجِلاَدِ بعَنْبَرِ ... وأمدَكُمْ فَلَقُ الصَباح المسفِرِ\rوجنيتمُ ثمرَ الوقائع يانعاً ... بالنصرِ من وَرَق الحديد الأخْضَرِ\rأبني العوالي السَمْهَرِية والسيو ... ف المَشْرَفية والعديد الأكْثَرِ\rمَنْ منكم الملكُ المطاعُ كأنَهُ ... تحت السَوابغِ تبعٌ في حميَرِ\rالقائدَ الخيل العِتاق شوازباً ... خُزْراً إلى لحظ السنان الأخْزَر\rشُعْثَ النَوَاصِي حَسْرَةً آذانُها ... قُب الأياطل دامِيات الأنْسُرِ\rتنبَو سنابكُهُن عن عَفَرِ الثرى ... فيَطَأنَ في خد العزيز الأصْعَرِ\rفي فتية صدَأُ الحديدِ عَبِيرُهُمْ ... وخَلوقهم عَلَقُ النَجيع الأحمر\rلا يأكلُ السرحانُ شِلْوَ عقيرهم ... مما عليه من القَنا المتكَسر\rوقال في قصيدة يمدح بها إبراهيم بن جعفر بن علي: الكامل:\rفخرٌ لِطْرفٍ أعوجي أنْتَ في ... صهواته والحسن والتطهيمُ\rيُبْدِي لعزَك نَخْوَةً، فكأنَّهُ ... مَلك تَدينُ له الملوكُ عَظيمُ\rهادٍ على الخيلِ العِتاق، كأنَهُ ... بين الدُجُنَّة والصباحِ صَرِيمُ\rسامي القَذال بمِسْمَعَيْه عيافَةٌ ... تحت الدُجَى ولطَرْفه تَنْجِيمُ\rأذُن مُؤَللةٌ، وقلب أصْمَع ... وحَشاً أقب، وكَلْكَل ملمومُ\rفالطَّوْدُ من صَهَواته مُتَزَلْزِلٌ ... والجيشُ من أنْفَاسِه مَهْزُومُ\rخَرَقَ العيونَ فَضَل عنها لونُه ... وصفَا فقُلْنَا ما عليه أديمُ\rفكأنما جَمَدَتْ عليه مُزْنَة ... وانْجابَ عَنْه عارِضٌ مَرْكومُ\rوكأنما نُحِرَتْ عليه بَوارِقٌ ... وكأنما كُسِفَتْ عليه نُجومُ\rوكأنكَ ابنُ المنذِرِ النعمانُ فو ... ق سَراته، وكأنه اليَحْمُومُ\rوقال علي بن محمد الإيادي يصف فرس أبي عبد اللّه جعفر بن أبي القاسم القائم: الكامل:\rوأقب من لَحْق الجيادِ، كأنه ... قَصْرٌ تباعَدَ ركْنُه من ركْنِهِ\rلَبِسَتْ قوائمهُ عصائبَ فِضَّةٍ ... وغَدَتْ بسُمْرِ صفَا المسيل ودُكْنِهِ","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"وكأنما انفجرَ الصَباحُ بوجههِ ... حُسناً، أو احْتَبس الظلامُ بمتْنِهِ\rقَيْدُ العيون إذا بصرْنَ بشَخْصه ... ورضا القلوب إذا اصطليْنَ بضِغْنِه\rمُتَسَيْطِر بالراكبينَ، كأنَّهُ ... بَازٍ تروح به الْجَنوب لوَكْنِهِ\rيستوقف اللحَظَاتِ في خَطَراتِه ... بكمال خِلْقَتِه ودِقَّة حُسنِهِ\rحُلْوُ الصَهيل تخال في لَهَواتِه ... حادٍ يَصُوغُ بدائعاً من لحنِه\rمتجبِّر يُنْبِي بعِتْق نِجارهِ ... إشرافُ كاهِلِهِ ودِقَّةُ أذْنِه\rذو نَخْوَةٍ شمختْ به عن نِدهِ ... وشهامةٍ طمحت به عن قِرْنِه\rوكأنهُ فلكٌ إذا حركتَهُ ... جارٍ على سَهْل البلادِ وحَزْنه\rقد راح يحمِلُ جعفرَ بن محمدٍ ... حَمْلَ النسيم لوابل من مُزْنه\rوما أحسن ما قال أبو الطيب المتنبي: الطويل:\rويوم كَلَوْنِ العاشقينَ كَمَنته ... أُراقِبُ فيه الشَّمسَ أيانَ تَغْرُبُ\rوعَيْني إلى أُذْنَي أغرَ كأنهُ ... مِنَ الليلِ باقٍ بين عينيه كَوْكَب\rله فَضْلةٌ عن جسمِه في إهَابه ... تجيءُ على صدْرٍ رحيب وتذْهَبُ\rشقَقْتُ به الظلْمَاءَ، أُدْني عِنَانَهُ ... فيَطْغَى، وأرْخيه مِرارًاً فيلْعَبُ\rوأصْرَعُ أي الوَحْش قَفَّيْتُه بهِ ... وأنْزِلُ عنه مِثْلَه حينَ أرْكَبُ\rوما الخيلُ إلاَّ كالصَدَيقِ قليلة ... وإنْ كَثُرَتْ في عَيْنِ مَنْ لا يُجَرِّبُ\rإذا لم تُشَاهِدْ غيْرَ حُسْنِ شِياتِها ... وأعْضائها فالْحُسنُ عنك مُغيبُ\rوينخرط في سِلْك هذا المعنى مقامة من مقامات الإسكندري في الكُدْية، ممّا أنشأه بديعُ الزمان وأملاه في شهور سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. قال البديع: حدَّثنا عيسى بن هشام قال: حضرْنا مجلسَ سيف الدولة يوماً وقد عُرِضَ عليه فَرسٌ: الطويل:\rمتى ما تَرَق العين فيه تَسهَّل\rفلحَظَتْهُ الجماعة؛ فقال سيف الدولة: أيكم أحْسَنَ صفته، جعلته صِلَته؛ فكلٌّ جَهد جَهْدَه، وبذل ما عِنْدَه؛ فقال أحد خَدَمِه: أصْلَح اللّه الأمير! رأيْتُ بالأمْس رجلاً يَطأُ الفَصاحَة بنَعْلَيْه، وتَقفُ الأبصارُ عليه، يُسَلَي الناس، ويشفي الياس، ولو أمر الأميرُ بإحضاره، لفضَلَهم بحِضَاره.\rفقال سيفُ الدولة: علي به في هيئته، فصار الخدمُ في طلبه، فجاءوا للوقت به، ولم يُعْلِموه لأيّ حالٍ دُعِيَ به، ثمَّ قُرِّب واستُدْني، وهو في طِمْرَيْنِ قد أكل الدهرُ عليهما وشرب، وحين حضر السِّماط، لثمَ البساطَ، ووقف. فقال سيف الدولة: بلغَتْنا عنك عارِضة، فأعرِضْها في هذا الفرس وصِفْه. فقال: أصلح الله الأمير! كيف به قبْلَ ركوبه ووُثُوبه، وكَشْفِ عيوبه وغُيُوبهِ؟ فقال: اركَبْه، فركبه وأَجْراه، ثم قال: أصلح اللَّهُ الأميرَ! هو طويل الأُذنين، قليل الاثنين، واسع الْمَراثِ، لين الثلاث، غَليظَ الأكرُع، غامض الأربع، شَديد النَّفس، لطيف الْخَمْس، ضيق القَلْبِ، رقيق الست، حديد السَمْع، غليظ السَبع، رقيق اللسان، عريض الثمان، شديد الضِّلع، قصير التّسع، واسع السحْر، بعيد العَشْر، يأخذ بالسابح، ويُطلِقُ بالرَّامح، ويَطلُع بلائِح، ويَضْحَكُ عن قَارح، يحز وَجْهَ الكديد، بمداقّ الحديد، يُحْضِر كالبَحر إذا ماجَ، والسيل إذا هاج.\rفقال سيفُ الدولة: لك الفرس مُباركاً فيه. فقال: لا زِلت تأخذُ الأنفاس، وتَمْنَحُ الأفراس، ثم انصرف، وتبعتُه، وقلت: لك عليَ ما يليقُ بهذا الفرس من خِلعَة إن فسرْتَ ما وصفْتَ، فقال: سَلْ عما أحببت.\rفقلت: ما معنى قولك: بَعيدُ العَشْر؟ فقال: بَعيد النظر، والْخَطْو، وأعالي الْجَنبَيْن، وما بين الوَقْبَيْنِ والْجَاعِرتَين، وما بين الغُرَابَيْنِ، والمنخرين، وما بين الرُجلين، وما بين النقبة والصفاق، وبعيد القامة في السباق.","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"فقلت: لا فُضّ فُوك! فما معنى قولك: قصير التسْع؟ قال: هاك: قصير الشّعرة، قصير الأُطْرَة، قصير العَسيب، قَصِير القضيب، قصير العَضُدين، قصير الرُسْغَيْن، قصير النسَا، قصير الطهْر، قصير الوَظيفِ.\rفقلت: لله أنت! فما معنى قولك: عريض الثمان؟ قال: عريض الْجَبهة، عريض الصهْوَة، عريض الكتف، عريض الْجنْب، عريض الورك، عريض العَصَب، عريض البَلْدة، عريض صَفْحة العنق.\rفقلت: أحسنت، فما معنى قولك: غليظ السبع؟ قال: غليظ الذراع، غليظ المحْزِمِ، غليظ العُكْوَة، غليظ الشوَى، غليظ الرُسْغِ، غليظُ الفَخِذَيْنِ، غليظ الْحِبَالِ.\rفقلت: لله درك! فما معنى قولك: رقيق الست؟ فقال: رقيق الجَفْن، رقيق السَالِفة، رقيق الجَحْفَلة، رقيق الأديم، رقيق أَعْلَى الأُذنين، رقيق الغَرضَيْن.\rفقلت: أجَدْتَ، فما معنى قولك: لطيف الخمس؟ قال: لطيف الزور، لطيف النسْر، لطيف الجُبَّة، لطيف العُجَايَة، لطيف الركْبَة.\rفقلت: حياك الله! فما معنى قولك: غامِض الأربع؟ قال: غامض أعالي الكَتِفَيْن، غامض المَرْفِقَيْن، غامض الحِجَاجَيْن، غامض الشَّظَى.\rقلت: فما معنى قولك: لَين الثلاث؟ قال: لين المَرْدَغَتَيْنِ، لَين العُرْفِ، لين العِنان.\rقلت: فما معنى قولك: قليل الاثْنَين؟ قال: قيل لَحم الوجه، قليل لحم المَتْنَين.\rقلت: فمن أين نَبَاتُ هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية، وبلاد الإسكندرية.\rفقلت له: أنت مع هذا الفضل، تُعَرضُ وجهكَ لهذا البَذْلِ؟! فأنشأ يقول: المجتث:\rساخِفْ زمانك جِدَّا ... فالدهر جِد سَخيفِ\rدَعِ الحميةَ نِسْياً ... وعِشْ بخَيْرٍ ورِيفِ\rوقُلْ لعبدك هَذا ... يَجئ لنا بِرَغِيفِ\rسقط عنا تفسيره في لين الثلاث، وأكثرُ هذا التفسير يحتاجُ إلى تفسير، ولم يُرِدْ بما أورد إفْهام العَوامّ، والبلاغة لمحة دالة، وبلاغة النثر أخت بلاغة الشعر؛ وقد قال البحتري: المنسرح:\rوالشعْرُ لَمْح يخفي إشارتُهُ ... وليس بالهَذر طُولتْ خُطَبُهُ\rوسأقول في شرحه بكلام وجيز زيادة في الإفادة: الوَقْبان: نُقْرتان فوق العينين. والجاعِرتان من الفرس: موضع الرّقمتين من الحمار، وهما منتهى ضَرْبه بذَنَبه إذا حرَكه. والغرابان: الناتئان من أعلى الوركين، وفكر النقبة هنا، وهو الذي يُعْرف بالمنْقَبِ، وهو من السُرَّة حيث ينقب البيطار. والصَفاق: الخاصرة، وقد قيل: جلد البطن كفه صفاق، والذي أراده الخاصرة. وأراد بِبُعْد القامة في السباق امتدادَهُ إذا جَرَى مع الأرض. والأُطرَة هنا: طرف الأبْهر، وهي طِفطفة غلِيظة. والأبهر: عِرْق يستبطن الظّهر، فيتّصل بالقلب، وقيل: هو الأكحل. والعسيب: عظم الذنب. والرُّسْغ من الفرس: موضع القيد. والنَّسَا: عرق مستبطن الفخذين، وقصَره محمود في جرْي الفرس، ولكنه لا يسمح بالمشي. والوظيف لكل ذي أربع: ما فوق الرُسْغ إلى الساق. والصَهوة: الظهر. والبَلْدة: ما بين عينيه. والعُكْوَة: مغرز الذَّنب. والشّوى: الأطراف. والحبال: حبلا العاتق والظهْر. والجَحْفَلة من ذوات الحافر: كالشفة من الإنسان. والغُرْضَانْ من الفرس: ما انحدر من قَصَبة الأنف من جانبيها. والزور: الصدر. والنَّسْر في الحافر: لحمة يابسة أَسفَله يشبهها الشعراء بالنَّوى. والجبَّة: التي فيها الحوشب، والحَوْشب: حشو الحافر. والعُجَاية: عَصَب في قوائم الفرس والبعير مركب فيه فصوص من عظام كأمثال الكِعَاب تكون عند الرّسغ. والحِجَاجان: العظمان المُطِيفان بالعين. والشَّظَى: عظم لاصق بالذراع. والمتنان: جانبا الظهر؛ وسقط عنّا تفسير الثلاث من نفس المقامة.\rما قيل في المواعد\rقال الجاحظ: قال أبو القاسم بن معن المسعودي لعيسى بن موسى: أيها الأمير، ما انتفعتُ بك مُنْذُ عرفتُك، ولا إلى خيرٍ وصلتُ منك منذ صَحِبْتُك، فقال: ولم؟ ألم أُكلَمْ لك أميرَ المؤمنين في كذا وكذا؟ قال: بلى! فهل استنجزتَ ما وعِدْت، وعاودت ما ابتَدَأْت؟ فقال: حالَتْ دون ذلك أمورٌ قاطعة، وأحوال عاذرة. قال: أيها الأمير، فما زِدْتَني على أنْ نبهْتَ الهمَّ من رَقْدَتِه، وأثرْتَ الحُزْنَ من رَبْضتِه، إنَ الوعدَ إذا لم يصحَبْه إنجازٌ يحقِّقُه كان كلفظٍ لا مَعْنَى له، وجسمٍ لا روحَ فيه.","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"وكلَّم منصورُ بن زيادٍ يحيى بن خالدٍ في حاجةٍ لرجل، فقال: عِدْه قَضَاءَها. قال: فقلت: أصلحك اللّه! وما يَدْعُوك إلى العِدَة مع وجود القدرة؟ فقال: هذا قولُ من لا يعرفُ موضِعَ الصّنائع من القلوب، إنَّ الحاجةَ إذا لم يتقدمها مَوْعد يُنتظر به نُجْحُها لم تتجاذَب الأنفس سرورها؛ إن الوَعْدَ تطعُم والإنجاز طَعَام؛ وليس من فَاجأهُ طعامٌ كمن وَجَدَ رائِحته؛ وتمطَق به، وتطعَمه ثم طَعِمه؛ فدَعِ الحاجَة تُخْتَمْ بالوَعد؛ ليكونَ بها عند المصطنع حُسْنُ مَوْقع، ولُطْفُ مَحَلّ.\rووعد المهديُ عيسى بن دَأْب جَارِيةً، ثم وهبها له، فأنشده عبد اللّه بن مُصْعب الزبيري معرَضاً بقول مضرس الأسدي: الطويل:\rفلا تيأسَنْ مِنْ صالحٍ أَن تَنَالَهُ ... وإن كَانَ قِدماً بين أيدٍ تبادرُه\rفضَحك المهدي، وقال: ادفعوا إلى عبد اللّه فلانة، لجاريةٍ أخرى؛ فقال عبد الله بن مصعب: الرجز:\rأنجز خَيْرُ الناس قبل وَعدِهِ ... أراح من مَطْل وطُول كَدّهِ\rفقال ابن دأب: ما قلت شيئاً، هلا قلت: الرجز:\rحَلاَوَةُ الفضل بوعْدٍ يُنْجَزُ ... لا خَيْرَ في العُرْفِ كَنَهبٍ يُنْهَزُ\rفقال المهدي: مجزوء الكامل:\rالوَعْدُ أحْسنُ ما يكو ... نُ إذا تَقَدَّمه ضَمَانُ\rوقد قال أبو قابوس النصراني يمدح يحيى بن خالد: البسيط:\rرأيتُ يحْيَى، أتمَّ اللَّهُ نِعْمَتَه ... عليه، يَأتي الَذِي لم يَأته أحَدُ\rيَنْسَى الَّذي كان من معروفه أَبداً ... إلى الرَجال، ولا يَنْسَى الذي يعِدُ\rوقال أبي الطيب المتنبي: المنسرح:\rقَوْمٌ بُلوغُ الغُلامِ عندَهُمُ ... طَعْنُ نُحُورِ الكُماةِ لاَ الْحُلُمُ\rكَأَنما يُولَدُ النَّدى مَعَهُمْ ... لا صِغَرٌ عَاذرٌ ولا هَرَمُ\rإذا تَوَالَوا عداوَةً كَشَفوا ... وإنْ تَوَلَوْا صنيعَةً كَتَمُوا\rتظُنُّ من فَقْدِكَ اعْتِدادَهُمُ ... أنَهُمُ أنْعَموا وما عَلِموا\rودخل أبو عليّ البصير على الفضل بن يحيى، فأنشده: الرمل:\rوُصِفَ الصدُّ لمَنْ أَهَوَى فصدْ ... وبدا يَمْزَح بالهَجْرِ فجد\rما لَهُ يعدل عَنّي وَجْهَهُ ... وهو لا يعدِلُهُ عِندي أحَدْ؟\rلا تُريدوا غِرّة الفَضْل، ومنْ ... يطلب الغروّة في خِيسِ الأسَدْ\rملكٌ نَدْفَعُ ما نَخْشَى بِهِ ... وَبِهِ نُصْلِحُ منَا ما فَسَدْ\rيُنْجِزُ الناسُ إذا ما وَعدُوا ... وإذا ما أنْجَزَ الفضلُ وَعَدْ\rوقال ابن الرومي في هذا المعنى: البسيط:\rله مواعدُ بالخَيْرَاتِ بادِرَةٌ ... لكنها تَسْبِقُ الميعادَ بالصّفَدِ\rيُعْطِيكَ في اليوم حق اليوم مبتدئاً ... ولا يُضَيِّع بَعْدَ اليومِ حق غَدِ\rفي البرّ والإنعام\rخطب سليمانُ بن عبد الملك فقال: أيها الناسُ، مَنْ لم يعلم أبْوَابَ مَدْخَله في الكرامة، وجَهِل طريقته التي وقَعَتْ به على النَعمة كان بِعُرْضِ رُجوعٍ إلى دارِ هَوَان، وانقلابٍ بفادح خُسْران.\rفقام إليه أبو وائلة السدوسي، وهو حاجِبُه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، كنّا كما قال اللّه تعالى. \" هَلْ أتى عَلَى الإنْسَانِ حِين مِنَ الدَهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذكُوراً \" ، ثم صِرْنا كما قال زُهير: الوافر:\rيَدُ المَلِكِ الجليل تناولَتْهُمْ ... بإحسانٍ فليس لها مُزيلُ\rلأنَ الخيرَ أَجْمَعَ في يَدَيْه ... ورَبي بالجزاء له كَفِيلُ\rفقال سليمان: هذه والله المعرِفةُ بقَدْرِ النَعمة، والعلمُ بما يَجب للمنعم.\rورؤي يونس بن المختار في دار المأمون، ومرتبَتُه في أَعلَى مراتِبِ بني العباس، قاعداً على الأرض، فقال الحاجبُ: ارتفِعْ يا أَبا المعلّى إلى مَرتبَتِكَ، قال: قد رفعني اللّه إليها بأمير المؤمنين، وليس لي عملٌ يَفي بها، فلِم لا أكرِمها عن القعود عنها إلى أن يتهيأ لي الشكر عليها؟ فبلغ الكلامُ المأمونَ؛ فقال: هذا والله غايةُ الشكر، وبمثله تدر النَعَم.","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"وقال رجل للمعلى بن أيوب، وقد رَفَعه المعتصمُ إلى مرتبَة أَهْل بيته: ما يزيدُك التقريبُ إلاَّ تباعُداً. فقال: يا هذا، إني أَصُون تقريبَه إياي بتباعدي منه؛ لئلاَ تفسد حُرْمَتي عنده بقلَّةِ الشكرِ على نعمته.\rولما استعانَ المنصورُ بالحارث بن حسان قال له: يا حارث، إني قد مكنتك من حُسْنِ رَأيي فيك، فاحفَظْهُ بتركِ إغفال ما يجبُ عليك! قال: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ أَغْفَل سببَ حُلولِ النعمة، وَلَهَا عَن الحال التي أصارَتهُ إليها، استصحبَ اليأسَ من نَيْلِ مِثْلِها، وانقطع رجاؤُه من الزيادة فيها، فقال أبو جعفر: مَن كانت عنده هذه المعرفة دامَت النعمةُ له، وبقي الإحسانُ إليه.\rولما قال المأمونُ لعبد اللّه بن طاهر عند قدومه من مصر: ما سرَني اللَهُ منذ ولّيتُ الخلافةَ بشيءً عظُم موقُعه عندي، بعد جميل عافيةِ الله، هو أكثر من سروري بقدومك، فقال عبدُ اللّه: إيذَنْ لي يا أميرَ المؤمنين، في تفريق أَمْوالي من طَارِفٍ وتالد. قال: ولم؟ قال: شكراً على هذه الكلمة؛ وإلاَ قَصَّر بي الحياءُ عن النظرِ إلى أمير المؤمنين، فقال المأمون لمَنْ حضر من أهل بيته وقوَاده: ما شيءٌ من الخلافة يَفِي لعبد اللّه ببعض شكره.\rوقال أبو نواس: الكامل:\rقد قلتُ للعباس معتذراً ... عن ضعف شُكْرِيه ومُعْتَرفا\rأنتَ امرؤٌ جَلَلْتَنِي نِعَماً ... أَوْهَتْ قُوى شكري فقد ضَعُفَا\rفإلَيْكَ مني اليوم تَقْدِمةً ... تَلْقَاك بالتَّصريح منكشفا\rلا تُسْدِيَنَ إلي عارِفةً ... حتى أقومَ بشكر مَا سَلَفا\rعارضه الناشئ واعترض معناه، فقال: الكامل:\rإنْ أَنْتَ لم تُحْدِثْ إليَ يداً ... حتى أقومَ بشُكرِ ما سَلَفَا\rلم أَحْظَ مِنكَ بنائل أبداً ... ورجَعْتُ بالْحِرْمان مُنْصَرِفا\rوقال ابن الرومي: الخفيف:\rعاقَنا أنْ نعودَ أنَكَ أَوْلَي ... تَ أموراً يَضيقُ عَنْهَا الجزاءُ\rغَمَرتْنا مِنْكَ الأيادي اللّواتي ... ما لِمِعْشارِها لَدَيْنا كِفاءُ\rفَنَهانا عنك الحياءُ طَوِيلاً ... ثُمَ قد رَدَنا إلَيْك الحياءُ\rولَمَا حقَّ إنْ قَرُبْتَ التنائي ... ولَمَا حقَّ إنْ بَرَزْتَ الجفاءُ\rغَيْرَ أنا أنْضاءُ شُكْرٍ أُريحتْ ... وقَدِيماً أريحَتِ الأنضاءُ\rألفاظ لأهل العصر\rفي العجز عن الشكر لتكاثر الإنعام والبرّ\rعندي من بره ما ملك الاعتذار بأَزِمَتِه، وقبض أَلسِنةَ أمراء الكلام وأئمته. عندي له مبارّ أعجزني شكرها، كما أعوزني حَصْرها. شُكْرُه شَأْوٌ بعيدٌ لا تبلغه أشْوَاطي، ولا أتلاَفَى التفريطَ في حقَه بإفراطي. إحسانُه يُعيد العربَ عُجْماً، والفُصحاء بُكْماً. قد زحمني من مكارِمه ما يُحصَرُ عنه المبين، ويصحبه العي وبئس القَرين.\rوقال أعرابي: الطويل:\rرهنت يَدِي بالعَجْزِ عن شُكْرِ بِرِّهِ ... وما فَوْقَ شُكْرِي للشكورِ مَزِيد\rولو كان شيئاً يستطاعُ استطعْتُهُ ... ولكنً ما لا يُسَتطاعُ شَدِيدُ\rوقال يحيى بن أكثم: كنتُ عند المأمونِ، فأتى برجل تُرْعَدُ فرائِصُه؛ فلمّا مثل بين يديه قال المأمونُ: كَفَرْتَ نعمتي، ولم تشكر معروفي، فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقعُ شكري في جَنْبِ ما أنعم اللَّهُ بك عليّ، فنظر إليّ المأمون، وقال متمثلاً: الطويل:\rولو كان يَسْتغني عن الشكر مَاجِدٌ ... لرفعةِ قَدْر أو علوِّ مَكانِ\rلما أمر اللَهُ العبادَ بشكرهِ ... فقال: اشكروا لي أيّها الثقَلاَن\rثم التفت إلى الرجل فقال: هلاّ قلت كما قال أصرم بن حميد: البسيط:\rملكت حمدِي حتى إنَني رَجُلٌ ... كُلِّي بكلّ ثناءً فيك مشتَغِلُ\rخُوّلت شكري لما خَوّلت من نِعَمٍ ... فحُرّ ُشكري، لما خَولْتَني، خَوَل\rوقال أبو الفتح البستي: الطويل:\rلئن عَجَزَتْ عن شُكْرِ بِرَك قوّتي ... وأقوَى الوَرَى عن شكْرِ بِرِّك عاجِزُ\rفإنّ ثنائي واعتقادي وطاقتي ... لأفلاكِ ما أوليتِنيها مَراكِزُ","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"وقال أبو القاسم الزعفراني: الخفيف:\rلي لسانٌ كأنه لي مُعَادِي ... ليس يُنْبي عن كُنْهِ ما في فؤادي\rحكم اللَهُ لي عليه فلو أن ... صف قلبي عَرَفْتُ قَدْرَ ودادِي\rوقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية، يمدحُ عُمر بن العلاء: الكامل:\rإني أَمِنْتُ من الزمان ورَيْبهِ ... لمَّا عَلِقْتُ من الأمير حِبَالا\rلو يستطيعُ الناسُ من إجلالِه ... لحذَوْا له حُرَ الوجُوهِ نِعَالا\rما كان هذا الجودُ حتى كنت يا ... عمر، ولو يوماً تَزُولُ لزالا\rإنَ المطايا تشتكيكَ لأنَّهَا ... قطعَتْ إليك سَبَاسِباً ورِمالا\rفإذا ورَدْنَ بنا وَرَدْن مُخِفَةً ... وإذا صدرْنَ بنا صَدَرْنَ ثِقالا\rوهي قصيدة سهلةُ الطبع، سلسلة النظام، قريبة المتناول.\rوروي أنَّ عمر بن العلاء وصلَه عليها بسبعين ألف درهم، فحسدته الشعراء، وقالوا: لنا بباب الأمير أعَوامٌ نَخْدُم الآمالَ، ما وصلنا إلى بعض هذا ا فاتصل ذلك به، فأمر بإحضارهم، فقال: بلغني الذي قُلْتُم؛ وإنَّ أحدكم يأتي فيمدحني بالقصيدة يشبِّب فيها فلا يَصِلُ إلى المدح حتى تذهب لذّةُ حلاوته، ورائقُ طلاوته؛ وإنَّ أبا العتاهية أتى فشبَّب بأبياتٍ يسيرة، ثم قال: إنَّ المطايا تشتكيك؛ لأنَّها... وأنشد الأبيات. وكان أبو العتاهية لمّا مدحه بهذا الشعر تأَخر عنه برّه قليلاً، فكتب إليه يستبطِئه: الطويل:\rأصابت علينا جودَك العينُ يا عُمَرْ ... فنحن لها نَبْغِي التمائمَ والنُشَر\rأصابتك عَيْنٌ في سخائك صُلبةٌ ... ويا ربّ عين صُلْبَةٍ تَفْلِقُ الْحَجَرْ\rسَنَرْقيكَ بالأَشعارِ حتى تّملّها ... فإن لم تُفِقْ منها رقَيْنَاكَ بالسُوَرْ\rوقال: البسيط:\rيا ابنَ العَلاء ويا ابْنَ القَرْم مرداس ... إني مَدَحْتُكَ في صَحْبي وجُلاسي\rأُثني عليك ولي حالٌ تُكَذِّبني ... فيما أَقول فأَسْتَحْيي مِنَ الناسِ\rحتى إذا قيل: ما أوْلاكَ من صَفَدٍ ... طَأْطأْتُ من سُوء حالي عندها رَاسي\rفأمر حاجبه أن يدفع إليه المال، وقال: لا تُدْخِلْه عَلَيَ، فإني أَسْتَحْي منه.\rوذكر بعضُ الرواة أنَّ المهدي خرج متصيداً، فسمِعَ رجلاً يتغنَّى من القصيدة التي مرَت منها الأبيات في عمر بن العلاء آنفاً: الكامل:\rيا مَنْ تفرَدَ بالجمال فما تَرَى ... عيني على أحَدٍ سِوَاهُ جَمَالا\rأكثرتُ في قولي عليك من الرُقَى ... وضرَبْتُ في شِعرِي لك الأمثَالا\rفأبيتَ إلا جفوة وقَطِيعة ... وأبيت إلاَ نخوَةً ودَلالاَ\rباللَّهِ قولي إنْ سألتك واصْدُقي ... أوَجَدْتِ قَتلي في الكتاب حَلاَلاَ؟\rأمْ لاَ، ففِيمَ جَفَوتني وظلَمْتني ... وجعلتني للعالمين نكَالاَ؟\rكم لائم لو كنت أسْمَعُ قوله ... قد لامني ونَهَى وعَدَ وَقَالاَ\rفقال المهدي: عَلَيَ به، فجاءه، فقال: لِمَنْ هذا الشعر؟ قال: لإسماعيل ابن القاسم أبي العتاهية، قال: لمن يقوله؟ قال: لعُتْبة جارية المهدي، قال: كَذَبْتَ، لو كانَتْ جاريتي لوَهَبْتُها له، وكانت عُتبة لرَيطة بنت أبي العباس السفاح، وكان أبو العتاهية فد بلغ من أمرها كل مبلغ، وكل ذلك فيما زعم الرواةُ تصنع، وتخلق، ليُذكَر بذلك.\rأبو العتاهية\rقال يزيد بن حوراء المغني: كلمني أبو العتاهية أَن أكلمَ المهدي في عتبة؛ فقلت: إن الكلام لا يمكنني، ولكن قل شعراً أغنيه إياه، فقال: البسيط:\rنفسي بشيء من الدنيا مُعَلقَة ... اللهُ والقائمُ المهدِيُ يَكفِيها\rإني لأيأسُ منها ثم يطمِعُني ... فيها احتقارُك للدنيا وما فيها\rفعملت فيه لَحْناً وغنَيْتُه المهدي؛ فقال: لِمَنْ هذا؟ فأخبرته خَبَرَ أبي العتاهية، فقال: ننظرُ في أمره، فأخبرت بذلك أبا العتاهية؛ فمكث أشهراً، ثم أتاني فقال: هل حَدَثَ خبر؟ فقلت: لا، فقال: غَنه بهذا الشعر: الخفيف:","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"ليت شِعْري ما عندكم ليت شعري ... إنما أخرَ الجوابُ لأِمرِ\rما جواب أولى بكل جميل ... من جوابٍ يُرَدُ من بَعدِ شهرِ\rقال يزيد: فغنَيتُ به المهدي، فقال: علي بعُتبة، فأحضرت، فقال: إن أبا العتاهية كلمني فيك، وعندي لكِ وله ما تحبانِ؛ فقالت له: قد علم مولاي أمير المؤمنين ما أوجَبه من حق مولاتي، فأُريد أن أذكُرَ لها ذلك؛ قال: فافعلي؛ فأَعلَمتُ أبا العتاهية بما جرى، ومضت الأيام؛ فسألني معاودةَ المهدي، فقلتُ له: قد عرفت الطريقَ فقل ما شئت حتى أُغنيه، فقال: الكامل:\rأَشرَبتَ قَلْبي مِن رَجائك مالَهُ ... عَنَق إليكَ يَخبُ بي ورَسيمُ\rوأمَلْتُ نحو سماءً صوْبِكَ ناظِرِي ... أرْعَى مَخَايل بَرْقِها وأشيمُ\rولقد تنسَمْتُ الرياحَ لحاجتي ... وإذا لها من راحَتَيْك نسِيم\rولربما استيأستُ ثم أقولُ: لا ... إنَّ الذي ضَمِنَ النجاحَ كريم\rفغنيته بالشعر، فقال: عَلَيَ بعُتبة، فأَتت؛ فقال: ما صنعت؟ قالت: ذكرت ذلك لمولاتي فأبتْه وكرِهَتْه، فليفعَلْ أميرُ المؤمنين ما يريد، فقال: ما كنتُ لأفعل شيئاً تكرهه، فأعلمت أبا العتاهة بذلك، فقال: الكامل:\rقَطعْتُ منك حبائِلَ الآمالِ ... وأَرَحْتُ من حلّ ومن ترحال\rما كان أشأمَ إذْ رجاؤك قَادَني ... وبناتُ وعدك يَعْتَلِجْنَ بِبالي\rولئن طَمِعتُ لَرُب بَرْقٍ خُلَبِ ... مالَت بذِي طَمَعٍ ولُمْعَةِ آلِ\rوقد نُقِلت هذه الحكاية على غير هذا الوجه، والله أعلم بالحقّ في ذلك.\rوضرب المهدي أبا العتاهية مائة سوط لقوله: الطويل:\rألاَ إنَ ظَبْياً للخليفة صادَني ... ومالي على ظَبْي الخليفة مِنْ عَدْوَى\rوقال: أبي يتمرَسُ، ولحرمي يَتَعَرَضُ، وبِنِسَائي يَعْبث؟ ونَفَاهُ إلى الكوفة.\rوفي ضربه يقول أبو دهمان: المنسرح:\rلولا الَذِي أحدَث الخليفةُ لل ... عُشاق من ضَرْبهمْ إذا عشقوا\rلبُحْتُ باسمِ الذي أحِب ول ... كنيّ امرْؤٌ قد ثنانِيَ الفَرَقُ\rوكان أبو العتاهية بالكوفة، لمَا نفي، يَذْكُرُ عُتبة، ويكنّي باسمها، فمن ذلك قوله: مجزوء الرمل:\rقُلْ لمن لسْتُ أسمي ... بأَبي أنْت وأمِّي\rبأبي أنْت لقد أص ... بحْت من أكْبَرِ هَمِّي\rولقد قلت لأهْلي ... إذْ أذاب الحب لَحْمِي\rوأرَادُوا لي طبيباً ... فاكتَفُوا منّي بعلمي:\rمن يكن يَجْهَلُ ما ألْ ... قى فإنَ الحبَّ سُقْمِي\rإنَ رُوحِي لببغدا ... دَ، وفي الكوفةِ جِسْمِي\rوقوله: البسيط:\rأَمسى ببغدادَ ظَبْيٌ لَسْتُ أَذْكُرُهُ ... إلاَ بَكَيْتُ إذا ما ذِكْرُه خَطَرا\rإن المحب إذا شطَتْ منازِلُهُ ... عن الحبيب بكى أوْ حَنَ أو ذَكَرا\rيَا رب لَيْلى طويل بِتُّ أرْقُبهُ ... حتى أضاءَ عمودُ الصُبْح فانْفَجَرا\rما كنتُ أحسِب إلاَ مُذْ عرفتكُمْ ... أن المضَاجِعَ مِمَّا تُنْبِتُ الإبَرا\rوَاللَيْلُ أطْوَلُ مِنْ يَوْمِ الحِسَابِ عَلَىعَيْنِ الشَّجِيِّ إذا ما نَوْمُهُ نَفَرا\rولمَا قدمت عُتبة ببَغْداد قدِم معها أبو العتاهية، وتلطَف حتى اتَّصَل بالرشيد في خلافة أبيه المهدي؛ وتمكَّن منه، وبلغ المهديّ خبرُه، فأحضره؛ فقال: يا بائس، أنت مستقتل، وسأَله عن حاله؛ فأنشده قصيدته التي يقول فيها: مجزوء الكامل:\rأنْتَ المُقَابِلُ والمُدَا ... بِر في المناسبِ والعَديدِ\rبَيْنَ العُمُومَةِ والخُؤو ... لةِ والأُبُوّةِ والجُدُودِ\rفَإذَا انْتَمَيْتَ إلى أبِي ... كَ فأنْتَ في المَجْدِ المَشِيدِ\rوإذا انتمَى خَالٌ فَما ... خالٌ بِأَكْرَمَ مِنْ يَزِيدِ\rيريد يزيد بن منصورة وكانت أم المهديّ أم موسى بنت منصور الحميري، وأنشده: المديد:\rعَلِمَ العَالَم أنَّ المنَايا ... سامعاتٌ لَكَ فِيمَنْ عَصَاكا","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"فإذا وجَّهْتَها نحْوَ طَاغٍ ... رَجَعَتْ تَرْعُفُ منه قَنَاكا\rوَلَوَ أنَّ الريحَ بارَتْكَ يَوماً ... في سماحٍ قصرَتْ عن نَدَاكا\rوأنشده: المتقارب:\rأتتْهُ الخِلاَفَةُ مُنْقادَةً ... إلَيْهِ تُجَرِّرُ أذْيالَها\rفلم تَكُ تَصْلُحُ إلاّ لهُ ... ولم يَكُ يَصْلُحُ إلاَّ لَهَا\rولو رامَها أحدٌ غيرهُ ... لزُلزِلَت الأرضُ زِلْزالَها\rولو لم تُطِعْه بناتُ القلوبِ ... لَمَا قَبِل اللَهُ أعمالَها\rفقال له المهدي: إن شئت أدَبناك بضَرْبٍ وجيع؛ لإقدامك على ما نُهيت عنه، وأعطيناك ثلاثين ألف درهم جائزةً على مَدحِك لنا. وإن شئتَ عَفَونا عنك فقط.\rفقال: بل يضِيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميلَ معروفه؛ ومكرُمتان أكثرُ من واحدة، وأمير المؤمنين أولى من شَفع نعمَته وأتمّ كرمه. فأمر له بثلاثين ألف درهم وعَفا عنه.\rولمَا قدم الرشيد الرَقَّة أظهر أبو العتاهية الزهد والتصوَف وترك الغَزل، فأمره الرشيد أن يتغزّل، فأبى، فحبسه، فغنّى بقوله: الطويل:\rخَلِيليَ ما لي لا تزال مَضَرَتي ... تكونُ على الأقدار حَتْماً من الحَتْمِ\rكفاك بحقّ اللَه ما قد ظلمتَني ... فهذا مقام المستجير من الظلمِ\rأَلاَ في سبيل اللَّه جسمي وقُوتي ... أَلاَ مُسعِدٌ حتى أنوحَ على جِسْمِيَ\rفأمر بإحضاره وقال: بالأمس يَنْهاك أمير المؤمنين المهدي عن الغَزل فتأبى إلاّ لجاجاً ومَحْكا؛ واليوم آمرك بالقول فتأبَى جُرْأة عليّ وإقداماً، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الحسناتِ يُذْهبنَ السيئات، كنتُ أقول الغزلَ ولي شبابٌ وجِدَّة، وبي حَراك وقُوَة، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلي تَصابٍ؛ فردَه إلى حبسه؛ فكتب إليه: الطويل:\rأنا اليوم لي، والحمدُ للَّه، أشْهرٌ ... يَرُوح عليَ الغَمُّ منك ويَبْكُرُ\rتذكَّر، أمينَ اللَهِ، حَقّي وحُرْمَتي ... وما كنت تُوليني، لعلَك تَذْكُرُ\rلياليَ تُدني منك بالقُرب مجلسي ... ووجهُك من ماءِ البشاشة يقطُرُ\rفمَن لي بالعين التي كنتَ مرّةً ... إليَّ بها من سالِفِ الدَّهْرِ تَنْظُرُ؟\rفبعث إليه: لا بأس عليك: فقال: الوافر:\rكأنَّ الخلقَ رَكْبٌ فيه رُوح ... له جَسَدٌ وأنْت عليه راسُ\rأمين اللّهِ إنَّ الحَبْسَ بأسٌ ... وقد وقّعتَ: ليس عليك باسُ\rفأخرجه.\rأخذ البيتَ الأول من هذين علي بن جبلة وزاد فيه، فقال لأبي غانم الطوسي: السريع:\rدجلة تَسْقي وأبو غانمٍ ... يُطْعِمُ مَنْ تَسْقي من النَّاسِ\rوالخلْقُ جِسمٌ، وإمام الهدى ... رَأس، وأنتَ العينُ في الرَاس\rعمر بن العلاء\rوكان عمر بن العلاء ممدَّحاً، وفيه يقول بشار بن برد: المتقارب:\rإذا أيقظَتْكَ حُرُوبُ العِدَى ... فَنبِّه لها عُمَراً ثمَّ نَمْ\rدَعَاني إلى عُمرٍ جودُهُ ... وقولُ العشيرة بَحْرٌ خِضَم\rولولا الذي ذكروا لم أكُنْ ... لأمدَح ريحانةً قبل شَم\rفتًى لا يَبيتُ على دِمنَةٍ ... ولا يشرب الماءَ إلا بدَم\rأخذ هذا البيت أبو سعيد المخزومي، فقال: البسيط:\rوما يُرِيدون، لولا الجبن، من رَجُل ... بالليل مشتَمِل بالجَمْرِ مُكْتَحِلِ\rلا يضربُ الماء إلاَ من قلِيبِ دم ... ولا يبيتُ له جارٌ على وَجَلِ\rوقال أبو الطيب: الطويل:\rتعوَدَ ألاَ تَقضَمَ الحَب خيْلُهُ ... إذا الهامُ لم تَرْفَعْ جُنُوبَ العَلائِق\rولا تَرِد الغُدْران إلا ومَاؤُها ... مِنَ الدَمِ كالرَّيْحَانِ تحتَ الشَقائِقِ\rوقال أبو القاسم بن هانئ: الكامل:\rمَنْ لَمْ يَرَ المَيْدَان لَمْ يَرَ مَعْرَكاً ... أشِباً، ويَوْماً بالأَسنة أكْهَبا\rوكتائباً تُرْدِي غَوَارِبُها العِدَى ... وفَوَارساً تَعْدو صوالِجها الظبا","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"لا يورِدون الماء سُنْبُكَ سَابحٍ ... أو يكتسي بِدَمِ الفَوَارس طُحْلُبا\rقال: وبلغ عمرَ بن العلاء أن أبا العتاهية عاتبٌ عليه في هَنَاتٍ نالها منه في مجلس، وكان كثيرَ الانقطاع إليه، فتخلّف عنه، فساء ذلك عمر، فكتب إليه: قد بلغني الذي كان من تجنبك فيما استخفك به سوءُ الأدب عن عِلْمِ حقيقةٍ مني، فصرت مُتَردّداً. من العمى في يَلامِيع الشبهة؛ ولو كان معك من علمك داع إلى لقائي لكشفت لك مَوْرِدَ الأمر ومصدره، لترجع إلى الصلة، فتقال أو تأبى إلا الصَّريمة فتَصْرِم؛ وقد قال الأول: الطويل:\rومُستَعتب أَبْدَى على الظن عَتْبَهُ ... وأخرج منه المحفِظَاتِ غَليلُ\rكشفتُ له عُذراً فأَبْصَر وجهه ... فعاد إلى الإنصافِ وهو ذَليلُ\rفأجابه أبو العتاهية: لم أَجُزْ بعَتْبي الحقيقةَ إلى الشبهة، ولم أجد سعةً مع عظيم قدرتك إلى حمل اللائمة، فقصَر بي الخوفُ من سُخْطِك، على تَرْك معاتبتك، لأنَّ المعاتبة لا تجتني إلاَّ من المساوِي، ولو رغبت عن الصلة إلى القطيعة لتقاضيتك ذلك عن طول الصُحبة، وسالف المدَّة، وأنا أقول: الطويل:\rرضِيتُ ببعض الذلّ خَوْفَ جميعهِ ... وليسَ لمثلي بالملوكِ يَدَانِ\rوكنتُ امْرَأً أخْشَى العقابَ وأتقي ... مَغَبةَ ما تَجْني يَدِي ولسَاني\rفهل مِنْ شَفِيع منك يَضْمَن تَوْبَتي ... فإني امْرَؤٌ أوفي بكل ضمانِ؟\rفتراجعا إلى أحسن ما كانا عليه.\rوإنما ألّم أبو العتاهية في قوله: إن المطايا تشتكيك... وما يليه بقول أبي الْحَجناء نُصَيبٍ الأكبر: الطويل:\rفعاجوا فأَثْنَوا بالذي أَنْتَ أهْلُه ... ولو سَكَتُوا أَثْنَت عليك الْحَقائِبُ\rوقال أبو الطيب في أبي العشائر الحمداني: المنسرح:\rتُنْشِدُ أثْوَابُنَا مَدَائحَهُ ... بألْسُنٍ مَا لَهُنَ أفْوَاهُ\rإذَا مَرَرْنَا عَلَى الأصْمِّ بِهَا ... أَغْنتهُ عَن مِسْمَعَيْهِ عَيْنَاهُ\rوهذا المعنى من النصْبَةِ الدالة بذاتها التي ذكرتُها عن الجاحظ في أقسام البيان.\rسبحان الخالق الكريم\rوقال بعْضُ الخطباء: أشهد أنّ في السماوات والأرض آياتٍ ودَلالات، وشواهدَ قائماتٍ، كل يؤدي عنك الحجَّة، ويشهد لك بالربوبية.\rونظيرُ هذا قولُ أبي العتاهية، وروى أنه جلس في دكان ورَاق، وأخذ كتاباً فكتب على ظهره: المتقارب:\rفوا عجباً كيف يُعْصَى المَلِي ... كُ أمْ كيف يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ؟\rوللَّهِ في كل تحريكةٍ ... وتَسْكِينَةٍ في الوَرَى شاهِدُ\rوفي كلِّ شيءً له آيَة ... تَدُلُ على أنَه وَاحِدُ\rوانصرف، فاجتاز أبو نواس بالموضع فرأى الأبياتَ، فقال: لمِنْ هذا؟ فلودِدْتها لي بجميع شِعْرِي، فقيل: لإسماعيل بن القاسم، فوقع تحتها: المجتث:\rسبحانَ مَنْ خَلَقَ الْخَل ... قَ من ضعِيفٍ مَهِينِ\rفصَاغَهُ من قَرَارٍ ... إلى قَرَار مكينِ\rيَحُولُ شيئاً فشيئاً ... في الْحُجْبِ دونَ العيونِ\rحتى بَدَتْ حركات ... مخلوقةٌ مِنْ سُكُونِ\rوقال الفضل بن عيسى الرَقاشي: سَلِ الأرض مَنْ غَرس أشْجارَكِ، وشَق أنهارَكِ، وجَنَى ثمارَكِ، فإنْ لم تُجِبْكَ حِوَارا، أجابَتْك اعتباراً.\rوهذا شبيهٌ بقول عديّ بن زيد، وقد نزل النعمانُ بن المنذرِ تحت سَرْحَة، فقال: أتدرِي ما تقول هذه السَّرْحة أيها الملك؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول: الرمل:\rرُبً رَكْبٍ قد أنَاخُوا حَوْلَنا ... يشربون الْخَمْرَ بالماءِ الزُلالِ\rثم أضْحَوْا لَعِبَ الدّهرُ بهم ... وكذَاك الدَّهْرُ حالاً بَعْدَ حالِ\rويروى عَكَفَ الدَهْرُ بهم فثَوَوْا. فتكدَّرَ حالُ النُعمان وما كان فيه من لذةٍ.\rألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"لو سكت الشَّاكرُ لنَطَقَت المآثِرُ. لو صَمتَ المُخَاطِبُ لأثْنَت الحقائِبُ، ولَشَهِدَتْ شواهِدُ حاله، على صِدْقِ مَقَالِه. إن جَحَدْتُ ما أوْلاَنيه، كَفَرْتُ ما أعْطَانيه، نطقتْ آثارُ أياديه عليَّ، ولمعت أعلامُ عَوَارِفه لديَ.\rولأبي الفضل الميكالي من رسالة: وردَ فلانٌ فتعاطى من شُكْرِه على نعمِه التي ألبسه جمالَها، وأسحَبه أفْيالَها، ما لو لم يتحدّث به ناشراً ومُثنياً، ومعِيداً ومُبْدياً، لأَثنَت به حَالُه، وشهَدَتْ به رِحَاله، حتى لقد امتلأت بذكرِه المحافلُ، وسارت بحبره الركْبَان والقوافل، وصارت الألسِنةُ على الشكر والثناء لساناً، والجماعة على النَّشْرِ والدعاءَ أنصاراً وأعواناً، على أنه وإن بالغَ في هذا الباب، وجاوزَ حَدَ الإكثار والإسهاب، نهايتُه القصورُ دون واجبه، والسقوطُ عن أدنى درجاته ومَرَاتبه.\rومما يقترن لهم بهذا المعنى من ذِكْرِ الشكر: قال أبو الفتح البستي: الحرّ نَحْلُ الشكر، إن أجْنَاه المرءُ من خيره شكراً أجناه من بِرّه شَهْداً.\rغيره: الشكر ترجمانُ النيَّةِ، ولسانُ الطَوَية، وشاهدُ الإخلاصِ، وعنوان الاختصاص. الشكرُ نسيمُ النِّعَمِ، وهو السببُ إلى الزيادة، والطريقُ إلى السعادة. الشكرُ قيْدُ النَعْمَة، ومفتاح المزيد، وثَمنُ الجنةِ. مَنْ شكرَ قليلاً، استحقَّ جزيلاً. شكْرُ الموْلَى، هو الأوْلى. الشكر قَيْد النِّعم وشِكالها، وعِقالُها، وهو شبيه بالوَحْشِ التي لا تقيم مع الإيحاش، ولا تَريم مع الإيناس. مَوْقِعُ الشكرِ من النعمة مَوْقِعُ القِرَى من الضيفِ، إنْ وجده لم يَرِم، وإن فَقَدهُ لم يُقِم. الشكر غرسٌ إذا أُودِع سَمْع الكريم أثْمر الزيادةَ، وحفظَ العادة. الشكرُ تعرّض للمزيد السائغ، والنِّعم السَوابغ. شُكْرُهُ شكرُ الأسير لمن أطلْقَه، والمملوك لمن أعتْقَه. أثْنَى عليه ثناء الرَوْضِ المُمْحِل، على الغَيْثِ المُسْبِل. أثنى عليه ثناء لسان الزهَر، على راحة المطر. أْثنى عليه ثناء العطشان الوارد، على الزُلالِ الباردِ. شكْرُه شكر الأرض للدِّيم، وزُهَيْر لهَرِم. بَسَطَ لسانَ الثناء والدعاء، وبلغ عنان الشكْرِ عَنَان السماء. شَكَره شكراً ترتاحُ له المكارم، وتهتز له المواسم. لأشكُرَنه شُكْراً تَشِيع أنواعُه، وتَنَبسطُ أبْواعه، ويلذ ذكره وسماعُه. شُكر ملأَ القلبَ واللسانَ، كشكر حَسَان لآل غَسانَ. أَطال عِنان الشكْرِ، وفسح مجالَه، ورفع أعْمِدته، ومذَ أرْوِقته. شكْر كأنفاسِ الأحبابِ، أو أنفاس الأسحارِ، أو أنفاس الرّياض غِب القِطَار.\rمن أخبار نُصَيب وشعره\rرجع إلى ما انقطع: كان سببُ قولِ نصيب: الطويل:\rفَعَاجُوا فأَثْنَوا بالَذي أنْتَ أهْلُه\rأنه كان مع الفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال سليمان بن عبد الملك: يا فرزدق، مَنْ أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال: لماذا؟ قال: بقولي: الطويل:\rورَكْبٍ كأَنَ الريحَ تطلُبُ عندهُم ... لها تِرَةً من جَذْبها بالعصائبِ\rسرَوْا وسَرَتْ نكباءُ وَهْيَ تلفهمْ ... إلى شُعَب الأكْوارِ ذاتِ الحقائِبِ\rإذا آنسُوا ناراً يقولون: لَيتَها، ... وقد خَصِرَتْ أيديهُمُ نارُ غالبِ\rيريد أباه - وهو غالب بن صَعْصَعَةَ بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع - فأَعرض عنه سليمان كالمغضَب؛ لأنه إنما أراد أن يُنشِدَ مدحاً فيه؛ ففهم نُصَيب مراده، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قلتُ أبياتاً على هذا الروي ليست بدونها، فقال: هَاتِها؛ فأنشأ نُصَيْبٌ يقول: الطويل:\rأقولُ لركْبٍ قافلين لَقِيتهُمْ ... قَفَا ذاتِ أَوْشالٍ وموْلاَك قَارِبُ\rفقد أخبروني عن سليمان أنني ... لمعروفهِ من آل وَدَّانَ طالبُ\rفعاجوا فأَثْنوا بالَذي أنْتَ أهلُهُ ... ولو سكتوا أثنَتْ عليكَ الحقائِبُ\rفقالوا: تركْنَاهُ وفي كل لَيْلَةٍ ... يُطِيفُ به من طالبي العُرْف راكِبُ\rولو كان فَوْقَ الناس حي فِعاله ... كفعلِك أو للفعل منكَ يقارِبُ\rلقُلْنا: له شِبْهُ، ولكِنْ تعذَّرَتْ ... سِوَاك عن المستشفعين المطالِبُ","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"هو البدرُ والناسُ الكواكبُ حَوْلَه ... وهل تُشْبِه البدرَ المنيرَ الكواكبُ؟\rفقال سليمانُ: أحسنتَ، والتفتَ إلى الفرزدق فقال: كيف تسمعُ يا أبا فِراس؟ قال: هو أشعَرُ أهل جِلْدَته، قال: وأهل جِلْدَتك؛ فخرج الفرزدق وهو يقول: الوافر:\rوخَيْرُ الشعر أكْرَمُه رجالاً ... وشَرُ الشعرِ ما قَال العبيدُ\rفي باب المدائح\rقال أبو العباس محمد بن يزيد: وهذا بابٌ في المدح حسن متجاوز مُبْتدع لم يُسْبَق إليه.\rقول نصيب: من أهْل ودّان. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ذكر محمد ابن كناسة والزبيدي أن نصَيباً من أهل ودّان، وكان عبْداً لرجل من بني كنانة هو وأهل بيته، وزعم أبو هفان أنه عبد لعبد العزيز بن مروان، وكان نصيبٌ شديدَ السواد، وهو القائل: الطويل:\rكُسيتُ ولم أمْلِكْ سَواداً، وتحتَهُقميصٌ من القُوهيِّ بيضٌ بنَائقُهْ\rفما ضرَّ أثْوابي سَوادي، وإنَني ... لكالمِسْك لا يَسْلُو عن المسك ذائِقُهْ\rوقال سُحَيم عبد بني الحسحاس: البسيط:\rأشْعَارُ عبد بني الحسْحاس قُمْنَ لهُ ... عند الفَخار مَقَامَ الأصْل والوَرِقِ\rإن كنتُ عبْداً فنفسي حُرَّةٌ كَرَماً ... أو أسْوَدَ اللَّونِ إني أبْيَضُ الخُلُقِ\rوقال أبو الطيب المتنبي لكافور الإخشيدي: الخفيف:\rإنَما الجِلْدُ مَلْبَسٌ وابيِضاضُ ال ... خلق خَيْرٌ من ابْيضاضِ القَباءِ\rوقال نصيب لبعض ملوك بني أمية: إن لي بنات نفَضْت عليهنّ من سواديَ، فقال: ما أحسن ما تلطّفت لهنّ! وأمر له بصلة.\rوكان أبو تمام حبيبُ بن أوْسٍ، لمَّا مدح أبا جعفر محمد بن عبد الملك الزيات بقصيدته التي أولها: الطويل:\rلَهَان علينا أنْ نقولَ وتَفْعلا ... ونذكرَ بعضَ الفضل منك وتفضلا\rوهي من أحسن شعره، وفج له على ظهرها: الطويل:\rرأيتك سَمْحَ البيع سَهْلاً، وإنما ... يُغَالي إذا ما ضَنَّ بالشيءِ بائعُهْ\rفأما إذا هانتْ بضائعُ بَيْعهِ ... فيوشك أنْ تبقى عليه بَضَائعُهْ\rهو الماء إن أجْممتَهُ طابَ وِرْدُهُ ... ويفسد منه أَنْ تُباحَ مَشَارعه\rفأجابه بقصيدة طويلة، واحتجّ عليه واعتذرَ إليه في مدحه لغيره؛ فقال في بعض ذلك: البسيط:\rأمّا القوافي فقد حصَّنْتُ غُرَّتها ... فما يُصَاب دَمٌ منها ولا سَلَبُ\rمَنَعْت إلاَّ مِنَ الأكفاء أيِّمَها ... وكانَ منكَ عليها العَطْف والحدَبُ\rولو عَضَلْتَ عن الأكفاء أيمَها ... ولم يكن لكَ في إظهارها أرَبُ\rكانت بناتِ نصيبٍ حين ضَن بها ... على المَوالي ولم تحفل بها العَرَبُ\rوقد قيل إن أبا تمام أجابه بقوله: الطويل:\rأبا جعفر، إن كنتُ أصبحْتُ شاعراً ... أُسامح في بَيْعِي له من أبايعُهْ\rفقد كنتَ قبلي شاعراً تاجراً بهِ ... تسَاهلُ من عادَت عليك مَنافعُهْ\rفصِرْتَ وزيراً والوزارة مَكرع ... يَغَصُ به بعد اللَّذَاذة كَارِعُهْ\rوكم من وزير قد رأينا مسَلَّطاً ... فعادَ وقد سُدَّتْ عليه مَطَالِعُهْ\rوللَه قَوْسٌ لا تطيش سِهامُها ... وللَّهِ سيفٌ لا تقلُّ مَقَاطعُهْ\rقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: ويقال إن هذه الأبيات متحولة لحبيب. وليس مثل أبي جعفر في جلالةِ قَدْره واصطناعه لحبيب يُعَامَل بمثل هذا الجواب، ولا يَنْتَهي جَهْلُ حبيب أن يقابل مأموله ومن يَرْتَجي جليلَ الفائدة منه بهذه الأبيات.\rوقد قيل: بل قالها، ولم ينشدها أحداً؛ وإنما ظهرت بعد موته.\rوكان ابنُ الزيات كما قال شاعراً، ومدح الحسن بن سهل في وزارته للمأمون؛ وأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال: البسيط:\rلم أمْتَدِحكَ رجاءَ المالِ أطْلُبه ... لَكن لِتُلْبِسني التَّحْجِيلَ والغُرَرَا\rما كان ذلك إلاَّ أنّني رَجُلٌ ... لا أقربُ الوِردَ حتى أعْرِفَ الصَدَرا","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"قال الصولي: وكان السببُ الذي أوْجد أبا جعفر على أبي تمام حتى قال: لقد رأيتك سَهْلَ البيع - الأبيات قولَ أبي تمام قصيدته المشهورةَ في ابن أبي دوَاد التي أولها: الوافر:\rسَقَى عَهْدَ الحمى سَبَلُ العِهادِ ... ورُوِّيَ حاضر منه وبادِ\rنَزَحْتُ به رُكِيَّ الدمعِ لما ... رأيت الدمعَ عِنْ خَيْر العَتاد\rيقول فيها في مدحه:\rهُمُ عِظَمُ الأثافي من نَزَارٍ ... وأهلُ الهَضب منها والنَّجَادِ\rمُعَرَسُ كل معْضَلةٍ وخَطْبٍ ... ومَنْبِتُ كلًّ مكرمةٍ وآدِ\rإذا حدَثُ القبائلِ ساجَلُوهم ... فإنهم بَنُو المجد التَلادِ\rتُفرج عنهم الغمراتِ بيضٌ ... جِلاد تحت قَسْطَلةِ الجِلاد\rوحشو حوادِث الأيام منهم ... معاقل مِطْرَدٍ وبنو طِرادِ\rلهم جهلُ السباع إذا المنايا ... تمشَّتْ في الوغى وحُلُومُ عادِ\rلقد أنْسَتْ سُلوّي كل دهرٍ ... محاسنُ أحمدَ بن أبي دُوادِ\rمتى تحْلُلْ به تحلُلْ جَنابا ... رضيعاً للسواري والغَوادِي\rوما اشتبهت سبيلُ المَجدِ إلاَ ... هَداك لِقبْلَةِ المعروفِ هادِ\rوما سافرتُ في الآَفاق إلاّ ... ومِنْ جَدْواك راحِلَتي وزادي\rمقيمُ الظنِّ عندك والأماني ... وإن قَلِقَتْ ركابي في البلادِ\rوهذه النكَت التي أحْقَدت أبا جعفر، وأعتبته على أبي تمام، وفي هذه القصيدة يقول معتذراً إليه في الذي قُرِفَ به عنده من هجاء مضر:\rأتاني عائر الأنباء تَسْري ... عقاربُهُ بداهيةٍ نآد\rنَثَا خَبَرا كأنَ القلبَ منهُ ... يُجَرُ به على شَوْكِ القَتَادِ\rبأني نِلْتُ من مُضَرٍ وخَبتْ ... إليكَ شَكِيتي خَبَب الجوادِ\rوما رَبْع القطيعةِ لي برَبْعٍ ... ولا نَادى الأَذىَ مِني بِنَادِ\rوأين يجوز عن قَصْدٍ لساني ... وقَلْبي رائحٌ برِضاكَ غادِ؟\rومما كانتِ الحُكَماء قالَتْ: ... لِسَانُ المرء من خَدمِ الفُؤَادِ\rوقِدْما كنتُ معسولَ القوافي ... ومأدومَ المعاني بالسَّدادِ\rابن أبي دُوَاد\rوكان ابن أبي دُوَاد غالياً في التعصُب لإياد وإلحاقها بنزار، على مذهب نُسَاب العَدْنانيين. قال: وكل من بالعراق من إياد دخلوا في النَخَع، وإليهم يُنْسَبون؛ ومَنْ كان بالشام فهم على نسبهم في نزار، وابن أبي دُوَاد يرمى بالدعوة؛ والتكثيرُ من أخباره يُخْرِجُ إلى ما أخَافَهُ من تَطْويلِ التصرُف، في مملول التكلُفِ.\rوكان ابن أبي داود عالماً بضروبِ العِلم والأدب، متصرّفاً في صناعة الجِدال، على مذهبِ أهل الاعتزال، وكانت العداوة بينه وبين ابن الزيات بينة، والنفاسة في الرياسة بينهما متمكَنة، وقال له بعض الشعراء: الوافر:\rأكلّ أبي دُوادٍ من إيادِ ... فكل أبي ذؤيبٍ من هُذَيلِ\rقال مسلم: ما تاه إلاَ وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعصَب إلاَّ دَخِيل.\rوقال مدني لرجل: ممن أنت؟ فقال: من قريش، والحمد لله، قال: بأبي أنت! التحميد هاهنا ريبة! واسم أبي دُوَاد دُعْمِيّ، قال أبو اليقظان: وهم من قبيلة يقالُ لها بنو زهرة أخوة بني جدان، وقد ذكرهُ الطائي في قوله: الكامل:\rوالغيث من زهْرٍ سحابةُ رَأفةٍ ... والركنُ من شيبانَ طَوْدُ حديدِ\rذكر شيبان؛ لأن خالدَ بن يزيد الشيباني شَفَع له عند ابن أبي دُوَاد فيما ينساقُ الحديثُ إليه من مَوْجِدَتِه عليه.","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"قال محمود الوراق: كنتُ جالساً بطَرفِ الْجِسْر مع أصحاب لي، فمرَ بنا أبو تمام، فجلس إلينا، فقال له رجل منّا: يا أبا تمّام، أيّ رجل أنْتَ لو لم تكن من اليَمَن؟ قال: ما أحب أني بغير الموضع الذي اختاره اللَهُ لي، فَمِفَن تحِب أن أكونَ؟ قال: من مُضَر، قال: إنما شَرُفَتْ مُضَر بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك ما قيسوا بملوكنا وأذْوائنا، وفينا كَذَا، ومنا كذا - يَفْخَر؛ وذكر أشياءَ عاب بها مُضَر، ونُمِي الخبرُ إلى ابن أبي دُوَاد وزِيدَ فيه، فقال: ما أُحِب أنْ يَدْخُلَ علَيَّ، فقال يعتذر إليه بقصيدة أولها: الخفيف:\rسَعِدَتْ غُرْبةُ النوَى بسُعَادِ ... في طلوع الإتْهامِ والإنجادِ\rيقول فيها:\rبعد أن أصْلَت الوُشاةُ سُيُوفاً ... قَطَعَتْ فيَ وَهْيَ غيرُ حِدَادِ\rفَنَفى عنكَ زُخْرف القولِ سَمعٌ ... لم يكن فرضه لغيرِ السدادِ\rضربَ الحِلْمُ والوقارُ عليه ... دونَ عُورِ الكلامِ بالأسْدادِ\rملأتك الأحْسابُ أيّ حياةٍ ... وحيا أزْمَةٍ وحيَّة وَادِ\rعاتقٌ مُعْتَق من الرقّ إلاَ ... من مُقَاساةِ مَغْرَمٍ أوْ نِجَادِ\rللحَمالاتِ والحمائلِ فيهِ ... كلُحوب الموارِدِ الأعدادِ\rفما رَضِي عنه حتى تشفع إليه بخالد بن يزيد بن مزْيد الشيباني، فقال في قصيدة: الكامل:\rأسْرَى طريداً للحياء مِنَ التي ... زَعَمُوا، وليس لقوله بطَريدِ\rكنتَ الربيعَ، أمامَهَ ووراءَه ... قَمَرُ القبائل خالِدُ بن يزيدِ\rوغداً تَبيّنُ ما براءة ساحتي ... لو قدْ نفضت تَهائمي ونجودِي\rلله درُك أيُ بابِ مُلِمَةِ ... لم يُرْمَ فيه إليك بالإقليدِ\rلما أظلَتني غَمامُك أصبْحَتْ ... تلك الشهودُ علي وهْي شُهودي\rمن بعد ما ظنُوا بأنْ سيكونُ لي ... يومٌ بِزَعمهم كيوم عَبيدِ\rيريد عَبِيد بن الأبرص الأسدي، وكان النعمان بن المنذر لقيه يوم بُؤْسِه فقتله.\rوكان ابن أبي دُوَاد كريماً فصيحاً جَزْلاً. قال أبو العيناء: كنا عند ابن أبي دُواد ومعنا محمود الورّاق وجماعة من أهل الأدب والعلم؛ فجاءه رسول إيتاخ فقال: إن الحاجب أبا منصور يقرأُ على القاضي السلام، ويقول: القاضي يتَعنَى ويَجيء في الأوقات؛ وقد تفاقم الأمرُ بينه وبين كاتب أمير المؤمنين، يريد ابن الزيات، فصار يضرُنا عند قَصْدِه القاضي، وما أحِب أن يتعنى إلي لهذا السبب؛ إذ كنت لا أصِل إلى مكافأته. فقال: أجيبوه عن رسالته، فلم نَدْر ما نقول، ونظر بعضُنا إلى بعض فقال: أمَا عندكم جواب؟ قلنا: القاضي - أعزّه اللّه، أعلمُ بجوابه منّا، فقال للرسول: اقرَأْ عليه السلام، وقلْ له: ما أتيتك متكثراً بك من قلة، ولا متعززاً بك من ذِلَة، ولا طالباً منك رُتْبة، ولا شاكياً إليك كُرْبَة، ولكنّك رجلٌ ساعدَك زَمَان، وحرَكَك سلطان، ولا علم يُؤلف، ولا أصل يُعْرَف؛ فإن جِئتك فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك! فعَجبْنا من جَوَابِه.\rخالد بن عبد اللّه القسْري\rصعد خالدُ بن عبد اللّه القسري المنبر يومَ جمعة، فخطب وهو إذْ ذاك أميرٌ على مكة، فذكر الحجَّاج فأحْمَد طاعتَه، وأثْنى عليه خيراً، فلمّا كان في الجمعة الثانية وردَ عليه كتابُ سليمان بن عبد الملك يأمرُه فيه بِشَتْم الحجّاج وذِكْرِ عيوبهِ، وإظهار البراءة منه، وصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان مَلَكاً من الملائكة، وكان يُظْهِر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترَى له بذلك فضلاً، وكان الله تعالى قد علم من غِشّه ما خَفِيَ عن الملائكة، فلّما أراد الله فضيحتَه ابتلاه بالسجود لآدم، فظهر لهم ما كان يُخْفيه عنهم فلعنوه؛ وإن الحجاجَ كان يُظْهِر من طاعة أمير المؤمنين ما كنَّا نرى له بذلك فضلاً، وكان الله عزّ وجلّ، أطْلَعَ أميرَ المؤمنين من غِلَه وخُبْثه على ما خَفِيَ عنّا، فلما أراد الله فضيحتَه أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين، فالْعَنُوه، لعنهُ الله. ثم نزل.\rأبو تمام والأفشين","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"وكان أبو تمام قد مدح الأفشين التركي، واسمه خيذر بن كَاوُس، وكان من أجلّ قُوَاد المعتصم، وأبْلَى في أمر بابك الخُرّمِيَ بلاءً حمده له؛ فلما سَخِطَ المعتصمُ عليه لِمَا نُسِبَ إليه من سوء السيرة، وقُبْح السريرة، وأنه يخْطب درجة بابك، ويريد التحصن بموضع يَخْلَع فيه يدَه عن الطاعة، وأظْهر القاضي أحمد بن أبي دُواد عليه أنه على غير الإسلام، قال أبو تمام معتذراً للمعتصم من تقديمه واجتبائه، ولنفسه من مدحه وإطرائه: الكامل:\rما كان لولا فحشُ غدرة حيدرٍ ... ليكونَ في الإسلام عامُ فِجَارِ\rهذا الرسول وكان صفوةَ ربِّهِ ... من خَيْرِ بادٍ في الأنام وقارِ\rقد خصَ من أهل النفاق عصابةً ... وهم أشدُ أذًى من الكُفارِ\rواختار من سعدٍ لَعِينَ بني أبي ... سَرْح لعمر اللّه غيرَ خيار\rحتى استضاءَ بشعلةِ السُوَرِ التي ... رفَعت له ستراً من الأستار\rثم ذكر في هذه القصيدة أنّ قتل الأفشين لبابك لم يكن بصِدْق بصيرة، ولا لصحة سريرة، فقال:\rوالهاشمون المستقلة ظُعنهم ... عن كَربلاءَ بأَثْقَل الأوزار\rفشفاهم المختارُ منهُ ولم يكن ... في دينهِ المختارُ بالمختارِ\rأهل النفاق\rأما من ذُكِر من أهل النفاق، فقد كانوا يظهرون غَيْرَ ما يُسِرُّون، حتى أَطلع الله نبيَّه عليه السلام على أخبارهم، ونَشَرَ له مَطْوِفي أسرارهم.\rوأما ابنُ أبي سَرْح فهو عبدُ الله بن سعد بن أبي سَرْح بن الحسام بن الحارث بن حبيب بن خزيمة بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيٌ، أسلم قبل الفَتْح، واستكتبه النبيّ عليه السلام؛ فكان يكتبُ موضِعَ الغفورِ الرحيم العزيزِ الحكيم، وأشباه ذلك؛ فأطْلَع اللَهُ عليه النبيّ عليه السلام، فهرب إلى مكة مرتداً؛ وأُنزل فيه: \" ومَنْ قالَ سأنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَهُ \" . فأَهْدَر النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الفتح دَمَه، فهرب من مكة، فاستَأمن له عثمانُ رضي اللّه عنه؛ فأمَنه رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، وهو أخو عثمان من الرَضاعة، وأسلم فحسُنَ إسلامُه، وولّي مصر سنة أربع وعشرين، فأقام عليها إلى أنْ حُصِر عثمان، ومات بقيسارية الشام، ولم يدخل في شيء من الفتَن الحجازية في ذلك الوقت.\rوأما المختارُ الذي ذكره فهو المختار بن أبي عُبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير ابن عوف بن عَفدة بن عروة بن عَوف بن قَسي وهو ثقيف؛ وكانت لأبيه في الإسلام آَثارٌ جميلة، وأختُ المختار صفية بنت أبي عبيد زوجُ ابن عمر، والمختار هو كذاب ثقيف الذي جاء فيه الحديث، وكان يَزْعُم أنه يُوحَى إليه في قتَلَةِ الحسين؛ فقتلهم بكل موضع، وقتل عبيد الله بن زياد، وله أسْجاع يَصْنَعُها، وألفاظ يبتدعها، ويزعم أنها تنزل عليه، وتُوحَى إليه.\rوقيل للأحنف بن قيس: إنّ المختارَ يزعم أنه يُوحَى إليه! فقال: صدق، وتلا: \" وَإنَّ الشَيَاطِينَ لَيُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ \" . وأخبارُه كثيرة ليس هذا موضعها.\rلما هُزم أمية بن خالد بن أُسَيْدٍ لم يَدْرِ الناس كيف يقولون له، فدخل عبدُ الله بن الأهتم عليه، فقال: الحمد للّه الذي نظر لنا أيها الأمير عليك، ولم ينظرْ لك علينا، فقد تعرَضت للشهادة بجَهْدِك، إلاَ أن اللّه علم حاجةَ أهل الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان مَنْ معك. فصدر الناسُ عن كلامه.\rويتعلّق بهذه المقامة\rفصل في غرائب التكاتب\rكتب حمدون بن نَهْران إلى عامل عُزِل عن عَمَله: بلغني، أعزَّك الله، انْصِرافك عن عملك، ورجوعُكَ إلى منزلك؛ فسُرِرْت بذلك، ولم أسْتَفْظِعْهُ وأجْزَع له؛ لعلمي بأَنَّ قدرَك أجلُّ وأعْلى من أنْ يرفعَك عملٌ تتولاَه، أو يضعَك عَزْلٌ عنه؛ ووالله لو لم تختَر الانصرافَ وتُرِد الاعتزالَ لكان في لُطْفِ تدبيرك، وثُقوبِ رَوِيتك، وحُسْنِ تأتيك، ما تُزِيل به السببَ الداعي إلى عَزْلك، والباعثَ على صَرْفِك؛ ونحن إلى أن نهنئك بهذه الحال أوْلى بنا من أن نعزيك؛ إذ أردْتَ الانصرافَ فأوتيته، وأحبَبْتَ الاعتزالَ فأُعْطِيته، فبارك اللَهُ لك في مُنْقَلَبك، وهنَّاكَ النعمَ بدَوامها، ورزقك الشُكرَ الموجِب لها الزائدَ فيها.\rوكتب ابن مكرم إلى نصراني أسْلَم:","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"أمَا بعد، فالحمدُ لله الذي وفقك لشكره، وعرَّفك هدايتَه، وطهر من الارتياب قلبَك، وما زالت مَخَايِلُك ممثلةً لنا حقيقةَ ما وهب اللَهُ فيك، حتى كأنَّك لم تزل بالإسلام مَوْسُوماً، وإن كنت على غيره مُقيماً، وكنا مؤملين لما صِرْتً إليه، مُشْفِقين مما كنتَ عليه، حتى إذا كاد إشفاقُنا أن يَستَعْلي رجاءنا أتت السعادةُ بما لم تَزَل الأنفسُ تعدّ منْكَ؛ فأسأل اللهَ الذي أضاءَ لك سبيلَ رُشدِك أن يوفقَك لصالح العمل، وأنْ يؤتيك في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، ويَقِيَك عذابَ النار.\rقال بعضُ الكتاب: من الحقّ ما يُستْحَسن تَرْكُه، ويستهجَنُ عملُه، وقد يقع من ذلك فيما يحِلّه الشرع، ويكرهه الأدباء؛ وكثير ممن يغلبُ على طبعه هذا المعنى يراه سموَ نَفْس، وعلوَ همة، حتى رأينا من لا يحضر تزويج كريمتِهِ، ويولّي أمرَها غير نفسه، ورأينا من يُجَاوِزَ ذلك إلى ألا يُنكِحَ مستنكحاً، وزاد به العلوُ إلى تَرْكِ ما ذكره أوْلى، وكنّا عرفنَا حال إنسان تزوجَتْ أُمّه، فعظُمَ لذلك همُه، وانفرد عن أوِدَّائه، وتوارَى عن أصفيائه؛ حياءً من لقّائهم، وكُرْهاً لتهنئتهم له أو عَزائهم، واضطرته الوَحْشَة إلى قَصْدِ من ظنّ به منهم المسْكَة في تحامي خطابه فيما اجتنب لأجله خُلانَه، وفارق بسببه إخوانه، وتخَيّل ذلك المقصودُ أنه إنما لجأَ إليه ليسلّيه؛ فأَفاض معه فيما قدَر أنه قصد له من المعنى الذي جعله وحيداً خوف المفاوضة.\rثم مضت الأيامُ واختلف الحال، ورجع إلى العِشرَة وأبناء المودَة؛ فكان عنده من لم يخاطِبْه أحْظَى، وفي نفسه أوْفى، وعلى قلبه أخفّ، وفي نفسه أشفت، ونَقَم على ذلك الصديق وعَتب؛ إذْ لكل من الناس - إلاَّ من طاب مَحْتِدُه وطالَ سؤدده - حالٌ من الإلف والرغبة تحسن المساوي، ثم حال من المَلَلِ والزَهادة تقبحُ المحاسن؛ واعتذر المتكلَف من التسلية بما لم يلزمه، ولم يُرِدْه صفيه، فإنه فعل ما أوجبته الأخوَّة، وحقوق الخلطة، وأسبابُ العشرة، وانبساط المفاوَضة؛ ودبَت عقارب الظنون والوشاية، إلى أن خرجَا بالمُلاحاةِ إلى المُعَاداة؛ فلمّا وقع بعضُ الناس بينهما من معاوَدَة الحسنى، ومراجعة الأوْلى؛ جاهرَ هذا الماقِتُ بفَرْعِ سِنَ الأسَفِ على تخيل النهى والوقار من الممقوت، وظاهر الممقوت بتقريع الماقت، بتزويج أمِّه، الذي تجشّم من كلامِه فيه فضَلاً، وتكلّف من خطابه عليه ما من حَسْرة خَلاَ؛ فأفضى الأمرُ بينهما إلى الأوْتَار، وطلب الثأر.\rفإن اضطر إلى القول في هذا المعنى أحدٌ بأَمرٍ قاهر من السلطان، أو حوادثِ الأزمان، أو تطارُحِ الإخوان، فليقل وليكتُبْ ما مثّلنا إن لم يَجِدْ عنه بدّاً: أنت - بِفَضْلِ اللّه عليك وإحسانِ تبصيره إياك - حق أهْل الدّين، وخلوصِ اليقين، فكما لا تتبع الشهوة في محظوَر تُبيحه، فكذا لا تتبَعُ الأَنَفَة في مُباح تحظره؛ وقد اتّصَل بنا ما اختاره اللَّهُ والقّضاء لذات الحق عليك، المنسوبةِ - بعد نسبك إليها - إليك، ممّا كرهه إباؤك الدنيوي لك ولها، ورَضِيَه الحلالُ الديني له ولها، فنحن نعزيك عن فائت محبوبك، ونهنئك في الخيرة في اختيارِ القَدَر لك، ونسألُ الله أن يجعلها أبداً معك فيما رضيت وكَرِهْتَ، وأبيت وأتيْتَ.\rفهذا، ونحوه أصْوَبُ وأسلم، إن اضطررت إليه، وتركهُ أحْسن وأحزم، إن ملكت رأيك فيه؛ والتلطف للكتابة عمّا يُستهْجن ولا يستحسن التواجه به من أحْسنِ الأشياء وأَسدها.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"وكتب أبو الفضل بن العميد في بابه: الحمدُ للّه الذي كشف عنًا سِتْرَ الَحَيْرة، وهدانا لسَترِ العَورَة، وجَدَع بما شرع من الحلال أنْفَ الغَيْرَة، ومَنَع من عَضْلِ الأمهات، كما منع من وَأدِ البنات، استِنزالاً للنفوس الأبيَّة، عن حَمِيَّةِ الجاهلية. ثم عرّض للجزيل من الأحر من استسلم لمواقع قضائه؛ وعوض جزيلَ الثواب لمنْ صبر على نازلِ بلائِه؛ وهناك الله، الذي شرح للتقوى صَدرك، ووسع في البَلْوى صبرَك، ما ألهمك من التسليم بمشيئته، والرضا بقضيته، ووفّقك له من قضاء الواجب في أَحد أبويك، ومن عظم حقه عليك؛ وجعل اللِّه تعالى حَدَه ما تجرَّعتَه من أَنفٍ، وكظَمْتَه من أَسفٍ، معدوداً يعظم اللهُ عليه أجرك، ويجزل به ذُخرك؛ وقَرَن بالحاضر من امتِعَاضك لِفعْلها المنتظَرَ من ارتماضِك لدَفنِها، وعوّضك من أسِرَة فرشِها أعواد نَعْشِها؛ وجعل ما يُنْعِمُ به عليك من بعدها من نعمة مُعَرًّى من نِقمة، وما يوليك بعد قَبْضها من منحة مبرأً من مِحْنَةٍ.\rألفاظ لأهل العصر في التهاني بالبنات\rهنأ اللّه سيدي وِرْدَ الكريمة عليه، وثمّر بها أعداد النسل الطيِّب لديه؛ وجعَلَها مُؤْذِنةً بأخوة برَرَة، يَعْمُرون أنْدِية الفَضْل، ويَغْبُرون بقيّةَ الدَّهْرِ.\rاتصل بي خَبَر المولودة، كرّم الله غُرّتها وأنْبتها نباتاً حسناً، وما كان من تَغَيُّرِك بعد اتِّضَاحِ الخبَر، وإنكارك ما اختاره اللَّهُ لك في سابقِ القَدَر، وقد علمتَ أنهن أقربُ من القلوب، وأنَّ الله تعالى بدأ بهن في الترتيب، فقال جلى من قائل: \" يَهَبُ لِمَنْ يشاءُ إناثاً ويَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُكُورَ \" . وما سمّاه هبة فهو بالشكر أوْلَى، وبحُسْنِ التقبل أحرَى. أهلاً وسهلاً بعقيلة النساء، وأُمّ الأبناء، وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار، والمبشّرة بأخوة يتناسقون، ونُجَباء يتلاحقون: الوافر:\rفَلَوْ كانَ النِّسَاءُ كَمِثْلِ هذِي ... لَفُضِّلَتِ النَسَاءُ على الرِّجَالِ\rفما التأْنِيثُ لاسْمِ الشَّمْس عَيْبٌ ... ولاَ التذْكِيرُ فَخْرٌ لِلهلاَلِ\rوالله يعرفُكَ البركةَ في مَطْلعها، والسعادةَ في موقعها، فأدَرع اغتباطاً، واستأنِف نشاطاً. الدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها. والنارُ مؤنثة، والذكور يَعْبُدونها. والأرض مؤّنثة، ومنها خُلِقت البرية، وفيها كثرت الذريّة. والسماءُ مؤنثة، وقد حُلِّيت بالكواكب، وزينت بالنجوم الثواقب. والنفسُ مؤنثة، وهي قوام الأبدان، ومِلاَك الحيوان. والحياةُ مؤنثة، ولولاها لم تتصرَّف الأَجسامُ ولا عُرِفَ الأنام. والجنّة مؤنّثة، وبها وُعِدَ المتقون، وفيها يَنْعَم المرسلون؛ فهنأك اللّه ما أُوليت، وأوْزَعك شُكْرَ ما أُعطيت، وأطَالَ اللَّهُ بقاءك ما عُرِفَ النَسْل والوَلد، وما بقي العَصْرُ والأبد؛ إنه فعّالٌ لما يشاء.\rمديح النساء\rوالتصرّف في النساء ضيِّقُ النطاق، شديدُ الخِنَاق، وأكثرُ ما يُمْدح به الرجال ذمّ لهنّ، وَوَصْمٌ عليهنّ، قال ابن الرومي: البسيط:\rما للحِسان مسيئاتٍ بِنَا، ولنا ... إلى المسيئات طولَ الدَهْرِ تَحنْاَنُ\rفإن يَبُحْنَ بعَهدٍ قُلن: معذرةً ... إنا نسينا، وفي النسوان نَسيانُ\rلا نُلزَم الذكْرَ، إنا لَمْ نُسَمَ به ... ولا مُنِحْنَاه، بل للذكر ذُكْرَانُ\rفَضْلُ الرجالِ علينا أنّ شيمتهم ... جودٌ وبأس وأحلامٌ وأذْهان\rوأن منهم وفاءً لا نقوم له ... وهل يكون مع النقصان رُجحَانُ؟\rوقال أبو الطيب المتنبي: الطويلَ:\rبنَفْسي الخيالُ الزائِرِي بَعْدَ هَجعَةٍ ... وقَوْلته لي: بَعْدَنا الغُمْضَ تَطْعَمُ\rسَلام فلولا البخْلُ والخَوْف عِنْدَهُ ... لَقُلْنا أبو حَفْصٍ عَلَيْنا المسَلَمُ\rألا ترى أَن الجود، والوفاء بالعهود، والشجاعة والفطَن، وما جرى في هذا السنن، من فضائل الرجال، لو مُدِح النساءُ به لكان نَقْصاً عليهن، وذمَّاً لهنَ؟ ولمديح النساء أبواب تفرقت في الكتاب: أنشد رجل زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور: مجزوء الكامل:\rأزُبيدةُ ابنةُ جَعْفَرٍ ... طُوبَى لزائرك المثَابِ","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"تُعطِينَ من رِجْلَيك ما ... تُعْطِي الأكف من الرَغابِ\rفوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم من ذلك، وقالت: أراد خيراً وأخطأ، وهو أحب إلينا ممن أراد شراً فأصاب، سمم قولهم شِمالك أنْدَى من يمين غيرك ففته أنه إذا قال هكذا كان أبلغ، أعطوه ما أمّل، وعرَفوه ما جهل.\rوقال كثير: الطويل:\rولمّا قضَينا من منَى كل حاجة ... ومَسًحَ بالأركانِ مَن هو ماسِحُ\rوشُدت على حدبِ المَطَايا رحالنا ... ولا يعلم الغادي الذَي هو رَائِحُ\rأخَذْنَا بأطْرَافِ الأحاديثِ بيننا ... وسَالَتْ بأَعْنَاقِ المَطِيَ الأباطِحُ\rنَقَعْنا قلوباً بالأحاديثِ واشتَفَت ... بذاك صدُورِّ منضجاتٌ قَرَائِح\rولم نَخْشَ رَيْبَ الدهرِ في كلِّ حالة ... ولا رَاعَنا مِنه سَنِيح وبَارحُ\rوقال: الطويل:\rتفرّق أُلاَّفُ الحجيج على مِنَى ... وشتّتهم شَحْط النوى مَشْيَ أربعِ\rفريقان منهم سَالك بطن نَخلَةٍ ... وآخرُ منهم جازع ظَهر تَضرُع\rفلم أر داراً مثلها دَار غِبطة ... ولهْوٍ إذا التفَ الحجيج بمجمع\rأقلَّ مقيماً رَاضِياً بمكانِهِ ... وأكثرَ جَاراً ظاعناً لم يُوَدَع\rفأصبح لا تلقى خباءً عَهدْتهُ ... بمَضْربه أوْتادهُ لم تُنزع\rفشاقُوك لما وجّهوا كل وجهةٍ ... فبانُوا وخلّوا عن مَنازِل بَلقع\rودخل كثير على عزَّة يوماً، فقالت: ما ينبغي أن نَأذَن لك في الجلوس، فقال: ولم ذلك؟ قالت: لأني رأيت الأحوص أَلينَ جانباً عند الغواني منك في شعره، وأضرعَ خدًّا للنساء، وأنه الذي يقول: البسيط:\rيا أيها اللائمي فيها لأِصْرِمَها ... أكْثَرْتَ لو كان يُغْنِي عنك إكثارُ\rأكثِر فلسْتَ مُطاعاً إذ وَشَيْتَ بها ... لا القَلْبُ سَالٍ ولا في حبها عارُ\rويعجبني قولُه: الطويل:\rأدُورُ ولَوْلاَ أنْ أرَى أُمَّ جَعْفَرٍ ... بأَبياتِكُمْ ما دُرْتُ حَيْثُ أدُورُ\rوما كنتُ زوَّاراً، ولكنَّ ذا الهوى ... إذَا لم يُزرْ لا بدَّ أنْ سَيزُورُ\rلقد مَنَعَتْ معروفَها أمُ جَعفرٍ ... وإني إلى معروفِها لَفَقيرُ\rويعجبني قوله: البسيط:\rكم من دني لها قد كنتُ أتبَعُهُ ... ولو صحا القَلْبُ عنها كان لي تَبَعَا\rلا أستطيع نُزوعاً عن مَحبَّتِها ... أوْ يصنع الحبُّ بي فوق الذي صنَعا\rأدْعُو إلى هَجْرِها قلبي فَيْتبعني ... حتى إذا قلتُ هذا صادقٌ نَزَعَا\rوزادني رغبةً في الحبِّ أن منَعتْ، ... أشْهَى إلى المرء من دُنياه ما مُنعَا\rوقوله: الطويل:\rإذا أنت لم تَعْشَق ولم تَدْرِ ما الهوى ... فكُنْ حجَراً من يابس الصَّخْر جَلْمَدا\rوما العَيْش إلاَّ ما تلَدُّ وتَشْتَهِي ... وإن لام فيه ذو الشّنَانِ وفَنَدا\rوإني لأهْوَاها وأَهوى لقاءَها ... كما يشتهي الصَّادِي الشرابَ المبَرَّدَا\rعلاقة حبّ لجَّ في سنن الصِّبا ... فأَبْلَى، وما يزدادُ إلاّ تجدُدا\rهذان البيتان ألحقهما العُتبي وغيره بشعر الأحوص، وأنشدها أبو بكر بن دريد لأعرابي، فقال كثير: قد والله أجادَ فما استقبحت من قولي؟ قالت: قولك: الطويل:\rوكنت إذا ما جِئْت أجْلَلْنَ مَجْلسي ... وأظْهَرنَ مِني هيبة لا تجهُما\rيُحَاذِرْنَ منّي غيرةً قد عَرَفْنها ... قديماً، فلا يضحكْنَ إلاّ تبسُما\rتراهنّ إلاَّ أن يخالِسْنَ نظرةً ... بمؤْخِرِ عَيْنٍ أو يقلّبْنَ مِعْصَمَا\rكواظِمَ لا يَنْطِقن إلاَ مَحُوَرَة ... رَجيعَة قول بعد أن يتَفهّما\rوكن إذا ما قُلْنَ شيئاً يسرُّهُ ... أسر الرضَا في نَفْسِه وتَحرَّمَا\rوقولك: الطويل:\rوَدِدْتُ وَبَيْتِ اللَهِ أنك بَكْرَةٌ ... هِجانٌ، وأني مُصْعَبٌ ثم نَهْرُبُ","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"كِلاَنا به عُرّ فَمَنْ يَرَنا يَقُلْ ... على حُسْنها جَرْبَاءُ تُعْدِي وأجْرَبُ\rنكون لذِي مالٍ كثير مغَفَل ... فلا هو يَرْعَانا ولا نَحْنُ نُطْلَبُ\rإذا ما ورَدْنا منهلاً صاح أهْلُه ... علينا فما ننفك نُؤْذىَ ونُضْرَبُ\rوَيْحك! لقد أردتَ بي الشقاءَ، أفما وجدت أمنية أوْطأَ من هذه؟ فخرج خَجلاً.\rوقد تمنَّى بمثل هذه الأُمنية الفرزدق. وأغرب من هذا قول أبي صَخْر الهذلي: الطويل:\rتَمَنَيتُ من حُبي عُلَيةَ أنَّنا ... على رَمَثٍ في البحر ليس لنا وَفْرُ\rعلى دائمٍ لا يعبر الفلكُ مَوْجَهُ ... ومِنْ دوننا الأهوال واللُجَج الخُضْرُ\rفنقضيَ همَّ النفسِ في غير رِقْبةٍ ... ويُغْرِق مَنْ نَخْشَى نميمتَه البَحْرُ\rوقيل: الأمل رفيق مُؤْنِس؛ إن لم يُبلغك فقد ألهاكَ.\rوقال مسلم بن الوليد: الطويل:\rوأكثرُ أفعال الليالي إساءةٌ ... وأكثرُ ما تَلْقَى الأماني كَوَاذِبا\rوقال آخر: الطويل:\rمُنى إن تكُن حَقاً تكن أحْسنَ المُنَى ... وإلا فقد عِشْنا بها زمناً رَغْدَا\rأمانيّ من لَيْلَى حِسَانٌ كأنما ... سقتني بها لَيْلَى على ظَمَإ بَرْدا\rوقال آَخر: الطويل:\rرَفَعْتُ عن الدنيا المُنَى غير حبّها ... فلا أسأل الدنيا ولا أستزيدُها\rوقيل لأعرابي: ما أمتع لذَّات الدنيا؟ فقال: ممازحةُ المحبّ، ومحادثةُ الصديق، وأماني تقطَع بها أيامك، وأنشد: مجزوء الخفيف:\rعلَلِيني بمَوْعدٍ ... وامْطُلِي ما حَيِيتِ بِهْ\rودَعِيني أفوزُ من ... ك بنَجْوَى تطلبهْ\rفعسى يعثر الزَّمَا ... ن بخطَي فينتبِهْ\rكثير عزة\rوكان كثير بن عبد الرحمن بن أبي جُمْعة الخزاعي - ويعرف بعزّة، على حدَةِ خاطرِه، وجَوْدَةِ شعره - أحْمَقَ الناس.\rدخل عليه نفرٌ من قريش وهو عليل يهزأون به، قال بعضهم: فقلت له: كيف تجدُك؟ قال: بخير، هل سمعتُم الناسَ يقولون شيئاً. فقلت: نعم، سمعتُهم يقولون: إنك الدجّال. فقال: والله لئن قلتَ ذلك إني لأجِدُ في عيني اليمنى ضَعْفاً منذ أيام.\rوكان رافضياً يَدِين بالرَّجْعَة، ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، والروافض يزعمون أنه دخل في شِعْب باليمن في أربعين من أصحابه، ولا بدَ من ظهوره، وفي ذلك يقول: الوافر:\rألاَ إنَ الأئمة مِنْ قُرَيشٍ ... وُلاَةَ الْحَقِّ أرْبَعَةٌ سَوَاءُ\rعَليٌ والثلاثَةُ مِنْ بَنِيهِ ... هم الأسْبَاطُ لَيْسَ بهمْ خَفَاءُ\rفَسِبْط سِبطُ إيمَانٍ وبِر ... وَسِبْطٌ غَيبتْهُ كَربَلاءُ\rوَسِبطٌ لا يَذُوق الْمَوْتَ حتى ... يَقُودَ الْخَيْلَ يَقْدُمُها اللَواء\rتَغَيَّبَ لا يُرَى عنهم زَماناً ... برَضوَى عِنْدَهُ عَسَل ومَاء\rوكان خلفاءُ بني أمية يعلمون ذلك منه، ويَلْبَسُونه عليه.\rدخل يوماً على عبد الملك بن مروان فقال: نشدتك بحقِّ علي بن أبي طالب، هل رأيت أعْشَق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو سألتَني بحقّك لأخبرتُك، نعم، بينما أنا أسيرُ في بعض الفَلَوات إذا أنا برجل قد نَصَب حَبَائِلَه، فقلت له: ما أَجْلَسك هاهنا؟ قال: أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حَبَائلي لأُصِيبَ لهم ولنفسي ما يكفينا سحابة يَوْمنا، قلت: أرأيتَ إن أقمتُ معك فَأَصَبْنا صيدا، أتجْعَلُ لي منه جزءًا؟ قال: نعم، فبينما نحن كذلك إذْ وقَعَتْ ظبيةٌ، فخرجْنَا مُبْتدِرِين، فأسرع إليها فحلها وأطلقها؛ فقلت: ما حملك على هذا؟ قال: دخلتني لها رِقَةٌ لشبهها بلَيْلَى، وأنشأ يقول: الطويل:\rأيا شِبْهَ لَيْلَى لا تُرَاعِي فإنَني ... لك اليوم من وَحْشِيَّةٍ لَصَدِيقُ\rأقول وقد أطلقْتُها من وَثاقهالأنْتَ لليلى ما حَييت طليقُ\rوروى الكلبي وابن دَاب أنه لمّا حَلَها قال: الخفيف:\rاذهبي في كِلاءة الرَّحْمنِ ... أنْتِ مني في ذِمَة وأَمانِ\rلا تخافي بأن تُهاجي بسوءً ... ما تَغَنَّى الحَمَام في الأغصانِ","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"ترهبيني والجيدُ منك لِلَيْلَى ... والحَشَا والبُغَام والعينانِ؟\rوقال قيس بن الملوّح: الكامل:\rراحوا يَصِيدون الظباء وإنني ... لأرى تَصَيُّدها عليَّ حَرَاما\rأشْبَهْنَ مِنْكِ محاجراً وسوَالِفاً ... فأرى عليَ لها بذاك ذِمَاما\rأعْزِزْ عليَ بأنْ أرُوع شبيهها ... أو أنْ يَذُقْنَ على يَدَيَ حِمَاما\rومن جيد شعر كثير: الطويل:\rوكانت لِقطْعِ الْحَبْل بيني وبينها ... كنا ذرة نَذْراً فأوْفَتْ وحَلتِ\rفقلتُ لها: يا عزُ، كل مُصيبة ... إذا وُطنَتْ يَوْماً لها النَفْسُ ذَلَتِ\rولم يَلْقَ إنسان من الحبِّ مَيْعَةً ... تعم ولا غماء إلاَ تَجَلَت\rأباحَتْ حِمَى لم يَرْعَهُ الناسُ قبلها ... وحَلًت تِلاَعاً لم تكن قَبْلُ حُلَّتِ\rهنيئاً مريئاً غَيْرَ دَاءً مُخَامر ... لعزَةَ من أعْرَاضنا ما استحلَتِ\rأسِيئي بِنَا أوْ احْسِني لا مَلُومة ... لَدَيْنا ولا مَقْلية إنْ تَقَلَتِ\rوواللَّهِ ما قاربْتُ إلاّ تباعدتْ ... بهَجْر، ولا استكثرت إلاّ أقلّتِ\rوما مرَّ من يوم عليَّ كيومها ... وإن عَظُمَتْ أيام أخرى وجَلَتِ\rفيا عجباً للقَلْبِ كيف اعترافُه ... وللنفس لما وُطِّنت كيف ذَلَتِ\rوإنّي وتَهيامي بعزَّة بعدما ... تخلَّيْتُ ممّا بَيْنَنا وتَخَلَّتِ\rلكالمرتَجِي ظلَّ الغمامة، كلما ... تبوَّأ منها للمَقِيلِ اضْمَحلَّتِ\rوكان كثير قصيراً دميماً، ولذلك قال: الطويل:\rفإنْ أكُ معروقَ العِظام فإنني ... إذا ما وَزَنْتُ القومَ بالقومِ وَازِنُ\rودخل كثير على عبد الملك بن مروان في أول خلافته، فقال: أنت كثير؟ فقال: نعم، فاقتحمه، وقال: تَسْمَع بالمعَيْدي لا أنْ تَراه؛ فقال: يا أميرَ المؤمنين، كلّ إنسان عند محلّه رَحْبُ الفِناء، شامخُ البناء، عَالي السناء، وأنشد يقول: الوافر:\rترى الرجل النحيفَ فتَزْدَرِيه ... وفي أثوابه أسَد هَصُورُ\rوَيُعْجِبُك الطَّرِيرُ إذا تراهُ ... فيُخْلِفَ ظنك الرجلُ الطريرُ\rبُغَاثُ الطير أطولها رِقاباً ... ولم تَطُلِ البُزاة ولا القصور\rخَشاشُ الطيرِ أكثرُها فِراخاً ... وأم الباز مِقْلاَة نَزُورُ\rضِعافُ الأُسْدِ أكثرُها زئيراً ... وأصْرَمُها اللَواتي لا تَزيرُ\rوقد عَظُمَ البعيرُ بغير لُب ... فلم يستَغْنِ بالعِظَم البعيرُ\rيُنَوَّخُ ثم يُضْرَبُ بالهَراوَى ... فلا عُرْف لديه ولا نكيرُ\rيُقَوِّدُه الصبيُ بكلِّ أرْضٍ ... ويصْرَعُه على الْجَنْبِ الصغير\rفما عِظَمُ الرجال لهم بزَيْنٍ ... ولكنْ زَيْنهُمْ حَسَبٌ وخِيرُ\rفقال: قاتله اللّه! ما أطْوَلَ لسانَه، وأمدّ عِنَانه، وأَوْسع جَنانه؛ إني لأحسبه كما وصف نفسه.\rفي الطول والقصَر\rوأنشد أحمد بن عبيد اللّه الشاعر قديم: الطويل:\rوعاذلةٍ هبَّتْ بليل تَلُومُني ... ولم يغتمرني قَبْلَ ذاك عَذولُ\rتقول: اتئدْ لا يَدْعُك الناسُ مُمْلِقاً ... وتُزْرِي بمَنْ يا ابْنَ الكرام تَعولُ؟\rفقلتُ: أبَتْ نفس عليَّ كريمةٌ ... وطارقُ ليل عند ذاكَ يَقُولُ\rألم تعلمي يا عَمْرَكِ اللَّه أنني ... كريمٌ على حين الكرامُ قليلُ\rوأني لا أخْزَى إذا قيل مُمْلِق ... سَخِي، وأخْزَى أنْ يُقالَ بخيلُ\rفلا تَتْبَعي النفسَ الغويةَ وانظرِي ... إلى عُنْصُرِ الأحساب كيف يَؤُولُ\rولا تَذْهَبْن عيناكِ في كل شَرْمَحٍ ... له قَصَبٌ جُوفُ العِظام أسيلُ\rعسى أن تَمَنَى عرسُه أنني لها ... به، حين يشتدُّ الزمانُ، بَدِيلُ","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"إذا كنتُ في القوم الطوال فطُلْتُهُمْ ... بعارفةٍ حتى يقال طويلُ\rولا خيرَ في حُسْنِ الجسوم وطولها ... إذا لم تَزِنْ حُسْن الجُسوم عقولُ\rفكائنْ رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم تُحيِهِنَّ أصول\rفإلاّ يَكُنْ جسمي طويلاً فإنني ... له بالفِعَال الصالحاتِ وَصول\rولم أرَ كالمعروفِ: أمَّا مَذاقُه ... فحُلوٌ، وأماَّ وَجْهُهُ فجميلُ\rوقال ابن الرومي: الخفيف:\rونَصِيفٍ من الرجال نحيفٍ ... رَاجح الوَزِن عند وَزنِ الرجال\rفي أُناسٍ أوتوا حلومَ العَصافي ... ر فلم تُغنِهِم جسوم البِغَالِ\rأخذه من قول حسان بن ثابت؟ وقال له بنو الديان الحارثيون: قد كنَّا نحن نَطول بأجسامنا على العرب حتى قلت: البسيط:\rدَعوا التَّخاجؤَ وامشوا مشيَةً سجحاً ... إنَ الرجال ذوو قدَ وتَذْكير\rلا بأسَ بالقومِ من طولٍ ومن عِظمٍ ... جِسمُ البغالِ وأحْلاَمُ العَصافيرِ\rفتركتنا لا نرى أجسامَنا شيئاً.\rوالعربُ تمدح الطول، وتثني عليه، وقال عنترة بن شداد: الكامل:\rبَطَلٌ كأنَّ ثِيَابَه في سَرحَة ... يُحْذَى نِعَالَ السبْت لَيس بتَوْأمِ\rقوله: ليس بتوأم يريد ليس ممن زوحم في الرَّحم فضعف، كما قال الشعبي، وقد دخل على عبد الملك بن مروان، فجعل ينظُرُ إليه، وكان الشعبي قد وُلد توأماً مع أخيه، فكان نحيفاً، فقال: يا أمير المؤمنين، إني زُوحمت في الرحم، وقال: الطويل:\rولمّا التقى الصفَّانِ واختلف القَنَا ... نِهَالاً، وأسبابُ المنايا نِهالها\rتبين لي أنّ القماءةَ ذِلّةٌ ... وأنَّ أعزاء الرجال طِوالُها\rوقال أبو نواس: الطويل:\rوكنّا إذا ما الحائنُ الْجَدِّ غرَّهُ ... سَنَى بَرْقِ غادٍ أو ضجيجُ رِعَادِ\rترَدَّى له الفضلُ بن يحيى بن خالدٍ ... بماضي الظبَى يَزْهاه طولُ نجادِ\rأمام خميس أرجوانٍ كأنهُ ... قَميص مَحُوكٌ من قناً وجِيَادٍ\rومن هذا البيت أخذ أبو الطيب المتنبي قوله: المتقارب:\rومَلموَمة زرد ثَوبهَا ... ولَكِنهُ بالقَنا مخمَل\rرجع إلى كثير عزة\rودخل كثير على عبد العزيز بن مروان وهو عَليل، وأهلُه يتمنون أنْ يتبسًم، فقال: لولا أنّ سرورك لا يتمّ بأن تَسلَم وأسقم لدعوت اللهَ أن يصرف ما بك إلي، ولكني أسألُ الله أيها الأمير العافيةَ لك ولي في كنَفك؛ فضحك وأمر له بمال فخرج وهو يقول: الكامل:\rونعودُ سيدنا وسيِّدَ غيرنا ... ليت التشكّي كانَ بالعُوَادِ\rلو كان تُقْبَلُ فِدْيةٌ لفديتهُ ... بالمصطَفى من طارِفي وتِلاَدي\rقال محمد بن سلام الجمحي: قال أبي: ذاكرتُ مروان بن أبي حَفْصة شِعرَ جرير والفرزدق وكثير، فذهب إلى تقديم كثير، وجعل يُطْرِيه ويقول: هو أمدحهم للخلفاء، فقلت: أمِنْ جودة مدحه للخلفاء قوله لعبد الملك بن مروان: الطويلَ:\rترى ابنَ أبي العاصي وقد صُفّ دونهُ ... ثمانون ألفاً قد تَوافَتْ كمولها\rيقلِّب عينَي حية بمفَازَةٍ ... إذا أمكَنته شَدّةٌ لا يُقيلها؟\rفقال هذا للخليفة ودونه ثمانون ألفاً، وجعله يقلّب عيني حية.\rوقوله: الطويل:\rوإنَ أميرَ المؤمنين هو الذي ... غَزَا كامناتِ الودِّ مني فنالها\rزعم أن أمير المؤمنين استعطفَه حتى غَزَا كامناتِ صَدْره.\rوقوله لعبد العزيز بن مروان: الوافر:\rوما زالَتْ رُقاكَ تَسُل ضِغْني ... وتخُرِجُ من مَكَامنها ضِبَابي\rويَرْقيني لك الحاوون حتى ... أجابَك حَيّة تحت الحجابِ\rزعم أن عبد العزيز تَرَضَّاه، واحتال له ورقَاه، حتى أجابه؛ أكَذَا تُمدَح الملوك؟ فأسْكَته.\rفصول قصار","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"من كان له من نَفْسِه واعظ، كان من الله عليه حافظ. العبد حرٌ إذا قَنَع، والحُرُ عبدٌ إذا طمع. الأماني تَخْدَعك، وعند الحقائق تَدَعك. إذا كان الطمعُ هلاكاً، كان اليأسُ إدراكاً. ليس يُعَدٌ حكيماً، من لم يكن لنفسه خَصِيماً. تعزَ عن الشيء إذا مُنِعْتَه، بقلة ما يصحبك إذا مُنحْتَه. تجرَعْ مَضَض الصبر تطفئ نار الضر. الحكمة حفظُ ما كلفت، وتَرْكُ ما كفيت. الصَّبْرُ عن محارِم اللّه، أيْسر من الصبر على عذاب اللّه.\rشذور لأهل الصِّرّ في معانٍ شتَّى\rقطعة من كلام الأمير قابوس بن وَشْمَكير شمس المعالي في أثناء رَسائِله: بزَنْد الشفيع تُورِي نار النجاح، ومن كفّ المفيض يُنتظر فوز القِداح، الوسائل أقدام ذوي الحاجات، والشفاعات مفاتيحُ الطلِبَات. العفو عن المجرم من مُوجبات الكرم، وقَبُول المعذرة من محاسن الشَيَم. وبالقوادم والخوافي قُوَةُ النجاح، وبالأسنّة والعًوَالي عمل الرماح. الدنيا دار تغرير وخداع، وملتقى ساعة لوداع، والناس مُتَصرّفون بين كلّ وِرد وصدَر، وصائرون خبَراً بعد أثر. غايةُ كل متحرك إلى سكون، ونهاية كل متكون أَلاَ يكون، وآّخر الأحياء فناء والجزع على الأموات عَنَاء، وإذا كان ذلك كذلك، فلِمَ التهالك على الهالك؟ حشْوُ الدهر أحزان وهموم، وصَفْوُه من غير كدر معدوم. إذا سمح الدهر بالْحِبَاء، فأبْشر بوشْك الانقضاء، وإذا أعار، فاحسبه قد أغار. الدهر طعمان؛ حلو ومر، والأيام ضربان؛ عُسْر ويسر. لكل شيء غاية ومنتهى، وانقطاع وإن بلغ المدى. تَرْكُ الجواب، داعيةُ الارتياب، والحاجة إلى الاقتضاء، كسوف في وجه الرجاء. هم المنتظر للجواب ثقيل، والمدى فيه وَإن كان قصيراً طويل. النجيب إذا جرى لم يشق غباره، وإذا سرى لم تلحق آثاره. ومن أيْنَ للضباب صَوْب السحاب، وللغراب هُوِيّ العقاب، وهيهات أن يكتسب الأرض لطافة الهواء، ويصير البدر كالشمس في الضياء.\rشمس المعالي ابن وشمكير\rوقد ترجم عن شمس المعالي أبو منصور الثعالبي في كتاب ألفه له؛ قال في أوله: أما على أثر حَمدِ الله الذي هو أولُ كتابه، وآخرُ دعوى ساكني دَار ثَوابه، والصلاةِ على خيرته من بريتِه، وعلى الصَفْوةِ من ذريته، فإن خيرَ الكلام ما شغل بخِدمَة مَن جمع اللهُ له عِزَةَ المُلْكِ إلى بَسْطَةِ العلم، ونورَ الحكمة إلى نفوذِ الحكم، وجَعَلَه مميَّزاً على ملوكِ العصر، ومدبِّرِي الأرضِ ووُلاة الأمر، بخصائص من العَدْلِ، وجلائلَ من الفضل، ودقائقَ من الكرَمِ المَحْضِ، لا يدخلُ أيسرُها تحت العادات، ولا يُدْرَك أقلُها بالعبارات؛ ومحاسنُ سِيَرِ الأنام، تَحْرُسها أسِنّةُ الأقلام، وتدرسها ألسنةُ الليالي والأيام، وهذه صفة تُغني عن تشبيه الموصوف لاختصاصه بمعناها، واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع الملوك بها، ولعِلْم سامعها ببديهة السّماع أنها للأميرِ، شمسِ المعالي، خالصةً وعليه مقصورة، وبه لائقة، وعن غيره نَافِرة؛ إذ هو - بِمُعَاينة الآثار، وشهادة الأخيار، وإجماع الأولياء، واتفَاقِ الأعداء - كافلُ المجد، وكافي الخَلق، وواحدُ الدهر، وغُرَّة الدنيا، ومفزَع الوَرَى، وحسنَةُ العالم، ونكْتَةُ الفَلكِ الدائر؛ فبلّغه الله أقصى نهايةِ العمر، كما بلّغه أقصى غايةِ الفخر؛ وملكه أزِمَة الأمر، كلّما ملَّكه أعِنَة الفضل؛ وأدام حُسْنَ النظر للعباد والبلاد، بإدامة أيامه التي هي أعيادُ الدَّهْرِ، ومواسم اليُمن والأمْنِ، ومطالع الخير والسَّعْدِ، وزاد دولَتَهُ شباباً ونموًّا، كما زادهُ في الشرف عُلوًّا، حتى تكون السعاداتُ وَفْدَ بابه، والبشائر قِرَى سَمْعِهِ، والمسارّ غِذَاءَ نفسه، ويترامَى به الإقبالُ إلى حيث لا يبلُغه أمل، ولا يَقطَعَه أجل.\rنَحَا في قوله: وهذه صفة تُغني عن الموصوف إلى قول أبي الطيب يَرْثي أُختَ سيف الدولة: البسيط:\rيا أخْتَ خَيْرِ أخٍ يا بنْتَ خَيْرِ أبِ ... كنايةً بهمَا عن أشْرَفِ النَسَبِ\rأجلُ قَدْرَكِ أن تُسْمَيْ مُؤَثثةً ... ومَنْ دعَاكِ فَقَدْ سَمَاكِ لِلْعَرَبِ\rومن شمس المعالي يقول الأمير أبو الفضل الميكالي: الرجز:\rلا تَعْصِيَنْ شَمْسَ العُلاَ قابوساً ... فمن عَصَى قابوسَ لاقى بوسا","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"وله يقولُ بديعُ الزمان في قصيدة نظمها في تضاعيف رسالةٍ موشحة: الخفيف:\rإن مَنْ كنت من مُناه بمَرْأَى ... وتعدّاك سيّءُ الاقتراحِ\rبين بِشْرٍ يَرُدُّ غائِضَ جاهي ... وقَبُولٍ يُعيد رِيشَ جناحِي\rوبساطِ ورَدْتُ مَشْرَعة الأُن ... س به وادرَعتُ بُرْد النجاحِ\rفاقْض أوْطَاراً التَقتْ والمَعَالي ... في نظام من النُهَى وتَصاحِ\rملك دُونَه تقطَّعُ أبصا ... ر الليالي يَوْمَا نَدى وكِفَاحِ\rملك لو يشاءُ مَد على النَّج ... م رِوَاقاً ورَدَّ وفْدَ الريَاح\rتارةً في خُشونَةِ الدَّهْرِ تَلْقا ... ه وطوراً في حُسْنِ ذات الوِشَاحِ\rملك كلَّما بَدَا نقفُ الأف ... لاك عُجباً به وفَرْطَ ارْتِيَاحِ\rهكذا هكذا تكونُ المعالي ... طُرُقُ الجدِّ غَيْرُ طُرْقِ المزاحِ\rوهي طويلةٌ، كتبتها على طريق الاختيار.\rرقعة لبديع الزمان إلى شمس المعالي، وقد ورد حضرته: لم تَزَلِ الآمالُ - أطال اللَهُ بقاء الأمير السيد شمس المعالي، وأدام سلطانه - تَعِدُني هذا اليوم، والأيامُ تمطُلني بأَلسنةِ صروفِها، على اختلافِ صنوفها، بين حُلْوٍ استرقَني، ومرٍّ استخفني، وشرّ صار إليّ، وخيرٍ صِرْتُ إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أذْرَعُ الآفاقَ فأكون طوراً مَشْرِقاً للمشرق الأقصى، وطوراً مَغْرِباً للمغرب، ولا مطمح إلا حضرته الرفيعةْ، وسُدَتُه المريعة، ولا وسيلة إلاّ المنزع الشّاسع، والأمل الواسع؛ وقد صرت - أطال اللَّهُ بقاء الأمير مولانا - بين أنياب النوائب، وتجشَّمْت هَوْلَ الموارد، وركبت أكْتَافَ المكاره، ورضعْتُ أخْلاَفَ العوائق، ومسحت أطْراف المراحل، حتى حضرت الحَضْرَة البهيّة أو كِدتُ، وبلغت الأُمنية أو زِدْت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبَسْطِ من عنان الفَضل، بتمكين خادِمه من المجلس يَلْقَاه بقَدَمه، والبساط يلْثِمُه بفمه، تَفضُّله، فلهُ الرأي العالي إن شاء الله.\rوله إلى بعض الرؤساء وقد وعد بحضور مجلسه بالغداة وأمره أنْ يزف إليه ما أنشأه، فبعث به وكتب إليه: مَرْحَباً بسلامِ الشيخ سيّدي ومولاي أطال اللَهُ بقاه، ولا كالمَرْحَبِ بِطَلْعَتِه؛ وقد وصَلت تحيَّتُه فشكرتها، وعِدَتُه الجميلةُ بالحضورِ غدا فانتظرتها؛ ودعوتُ الله أن يَطْوي ساعاتِ النهار، ويزجّ الشمسَ في المَغَار، ويُقَرَب مسافَة الفَلكِ الدَّوَار، ويَرْفَع البركة من سيره، ويجهز الحركة إلى دوره؛ ويُسِرّني بوفْدِ الظلام وقد نزل، ثم لم يَلْبَثْ إلا ريثما رَحَل؛ وقد بعثتُ بما طلب سمعاً لأمره وطاعة، والنسخة أسقمُ من أجْفان الغَضْبان، والشيخ سيدي - أدام اللَّهُ عزه - يُرْكِضُ قلمه في إصلاحها، وحبَّذا هو في غدٍ، وقد طلع كالصبح إذا سطع، والبرق إذا لمع: الكامل:\rيا مرحباً بغَدٍ ويا أهلاً بهِ ... إن كان إلمامُ الأحبةِ في غدِ\rوله إلى أبي الطيب سهل بن محمد يسأله أن يصله بأبي إبراهيم إسماعيل بن أحمد:","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"لو كان للكرم عن جَنابِ الشيخ مُنْصَرَفٌ لانْصَرَفْت، أو للأمل مُنحَرَف إلى سواه نْحَرَفت، أو للنجح بابٌ سواه لَوَلجت، أو للفضل خاطبٌ غيره لزوجت، ولكِن أبى الله أنْ يعقدَ إلاّ عليه الخنصر، أو يتحلى إلا بفواضله الدهر، ولا يزال كذا يتسِم المجدُ بِسِمَته، ويجذب العلاءَ بهمته، ويُسعِدُ الدينَ بنظره، والدنيا بجماله، وغلامُه أنا لو استعار الدهر لسانا، واتّخذ الريح تَرجُمانا، ليُشِيع إنعامَه حقّ الإشاعة، لقَصُرَت به يَدُ الاستطاعة، فليس إلا أن يلبس مكارمه صافيةً سابغة، ويَرِدَ مشارِعَه صافيةً سائغة، ويحيل الجزاء على يد قصور، والشكر على لسان قَصِير؛ ثم إنَ حاجاتي، إذا لم يَعْرَ من قلائدِ المجدِ نحْرُها، ولم يَعْطَلْ من حَلْي المجدِ صَدرُها، كبر مَهْرُها، وَعَز كفؤها، ولم أجد لها إلا واحداً أخْضَر الجلدة في بيت العرب، أو ماجداً يملأُ الدَلْو إلى عقد الكَرَب. وهذه حاجة أنا أزفها إلى الشيخ الإمام حرَص اللَّهُ مُهجَته، وأَسوقها منظومة من الصدْرِ إلى العجزِ، كما يساقُ الماءُ إلى الأرض الجُرُز؛ وأنا من مفتًتح اليوم إلى مختَتِمه، ومن قَرْنِ النهار إلى قَدَمِهِ، قاعد كالكُرْكِي، أو الديك الهنْدِي، في هذا الأُدْحِي، يمرُّ بي أولو الحلى والحلل، ويجتاز ذوو الخَيل والخَول، ومَا أنا والنظر إلى ما لا يَليني، والسؤال عما لا يَعنِيني، واليوم، لما افتضضنا عُذرة الصباح، ملأتُ جفوني من مَنظَرٍ ما أحْوَجَه إلى عَيبٍ يَصْرِفُ عَيْنَ كمالِه، عن جماله، فقلت لمن حضر: مَنْ هذا؟ فأخذوا يحركون الرؤوسَ استظرافاً لحالي، ويتغامزون تعجباً من سؤالي، وقالوا: هذا الشيخُ الفاضلُ أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بن أحمد، فقلت: حَرَسَ اللهُ مُهجَته، وأدام غِبْطته؛ فكيف الوصولُ إلى خِدْمَته، وأنى مَأتى معرفته؟ قالوا: إن الشيخ الإمام - أدام الله تأييده - يضربُ في مَودته بالقِدْحِ المُعَلَى، ويَأخُذ في معرفته بالحظ الأعلى، فإن رأى الشيخ - أطال الله بقاه - أن تُجعَل عنايتُه حَرْفَ الصلة، وتفضّله لاَمَ المعرِفَة، فَعَلَ، إن شاء الله.\rالبرامكة\rقال الرشيد ليحيى بن خالد: يا أبتِ، إني أردتُ أن أجعل الخاتم الذي في يد الفَضل إلى جعفر، وقد احتشمت منه فاكفِنِيه.\rفكتب إليه يحيى: قد أمر أميرُ المؤمنين - أَعلَى الله أمره - أن يحول الخاتم من يمينك إلى شمالك.\rفأجاب الفضل: قد سَمعتُ ما قاله أمير المؤمنين في أخي، وقد اطلعت على أمره، وما انقلَبَتْ عني نعمةٌ صارت إليه، ولا غَرَبت عني رتبة طلعَتْ عليه.\rفقال جعفر: لله أخي! ما أَنْفَسَ نفسه، وأَبيَن دلائل الفضل عليه، وأقوى مُنَة العَقْل فيه، وأَوْسع في البلاغة ذَرْعَه، وأَرْحَبَ بها جنابه. يُوجب على نفسه ما يجب له، ويَحْمِلُ بكرمه فوق طاقته.\rوذُكِر جعفرُ بن يحيى في مجلس ثُمامَة بن أشرس فقال: ما رأيت أحداً من خَلْق الله كان أبْسَطَ لساناً، ولا أَلْحَن بحجّة، ولا أقدر على كلام، بنَظْمٍ حَسَنٍ، وألفاظٍ عذبة، ومَنْطق فصيح، من جعفر بن يحيى، كان لا يتوقف، ولا يتحبس، ولا يَصِلُ كلامه بِحَشْوِ من الكلام، ولا يُعِيدُ لفظاً ولا معنى، ولا يَخْرجُ من فنّ إلى غيره، حتى يبلغ آخِرَ ما فيه؛ وكان لا يرى شيئاً إلا حكاه، ولا يَحْكي شيئاً إلاّ كان أكثر منه، ولا يمُرُ بذهنه شيء إلاّ حفظه، وكان إذا شاء أضحك الثكْلَى، وأَذْهَل الزاهد، وخشَن قَلْبَ العابد.\rقلت: فكيف كانت معرفته؟ قال: كان من أعلم الناس بالخبر الباهر، والشعر النادر، والمثل السائر، والفصاحة التامة، واللسان البسيط.","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"قال سهل بن هارون، وذكر يحيى بن خالد وابنه جعفراً، فقال: لو كان الكلام مُتصوَراً دُرُّاً، ويُلْقيه المنطق جَوْهَراً، لكان كلامَهُمَا، والمنتقى من ألفاظهما. ولقد غَبَرت معهما، وأدرَكْتُ طبقة المتكلمين في أيامهما، وهم يَرَوْن البلاغة لم تُسْتَكْمَلْ إلاّ فيهما، ولم تكُنْ مقصورةً إلاّ عليهما، ولا انقادت إلاّ لهما. وإنهما للُبابُ الكرم، عِتْقَ منظرٍ، وجودةَ مَخْبرٍ، وسهولَةَ لفظِ، وجزالة منطق، ونزاهة نفس، وكمال خصال؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهما، والمأثورِ من خصائصها جميعَ أيامِ مَنْ سواهما من لدُنْ آدم إلى أن يُنْفَخَ في الصور، ويبْعث أهل القبور - حاشا أنبياء اللّه الكرام، وسَلَفِ عباده الصالحين - لما باهت إلاّ بهما، ولا عَوَلت في الفخر إلاّ عليهما، ولقد كنا - مع تهذيب أخلاقهما، ومَعْسُول مَذَاقهما، وسنا إشراقهما، وكمالِ الخيرِ فيهما - في محاسن المأمونِ كالنقْطَة في البحر، والخَردَلِ في القَفْرِ.\rووقع جعفرُ بن يحيى لرجو اعتذر عنده من ذنب: قد قدمَتْ طاعَتك، وظهرت نصيحتك، ولا تغلب سيئة حسنتين.\rووَقَع - وقد قرأ كتاباً فاستحسن خطّه - : الخطُ خَيْطُ الْحِكمة، يُنْظَمُ فيه منثورُها، ويفصل فيه شذُورُها.\rواختصم رجلان بحضرته، فقال لأحدهما: أنت خلِيّ، وهذا شَجِي؛ فكلامك يجْرِي على بَرْدِ العافية، وجوابُه يَجْرِي على حَرِّ المصيبة.\rودخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى فأنشده: الطويل:\rابرُ فما تَرْجُو الْجِيادُ لحَاقهُ ... أبو الفضل سَبَّاقُ الأضامِيم جَعْفَرُ\rوزيرٌ إذا ناب الخلافةَ حادِثٌ ... أشار بما عنه الخلافةُ تَصْدُرُ\rفقال جعفر: أنشدني مرثيتك في مَعْنِ بن زائدة، فأنْشَدَهُ: الوافر:\rأقَمْنَا باليمامة أو نَسينا ... مقاماً ما نُرِيدُ به زَوالا\rوقلنا: أينَ نذهبُ بعد مَعْنٍ ... وقد ذهب النَوَالُ فلا نَوَالا؟\rوكان الناسُ كلُهم لمَعْنٍإلى أن زار حُفْرَتَهُ عِيَالا\rحتى فرغ من القصيدة، وجعفر يُرْسِل دموعه على خدّيه، فقال: هل أثابك على هذه المرثية أحدٌ من أهْلِ بيته وولده؟ قال: لا، قال: فلو كان معن حيًّا، ثم سمعَها منك، كم كان يُثنيك عليها؟ قال: أربعمائة دينار، قال: فإنَما كنَّا نظنّ أنه لا يَرْضَى لك بذلك، وقد أمرنا لك عن مَعْن - رحمه الله - بالضّعف مما ظننته، وزِدْناك مثلَ ذلك؛ فاقْبِض من الخازن ألفاً وستمائة دينار قبل أن تخرج، فقال مروان - يذكر جعفراً وما سمح به عن معن - : الوافر:\rنَفَحْتَ مُكافِئاً عن جُودِ مَعْنٍ ... لنا فيما تَجُودُ به سِجَالا\rفعجلْتَ العطية يا ابْنَ يحيى ... لنادِبهِ ولم تُرِدِ المِطَالا\rفكافأ عن صَدَى معْنٍ جَوَادٌ ... بأَجْوَدِ راحةٍ بَذَلتْ نَوَالا\rبَنَى لك خالدٌ وأبوك يحيى ... بناءً في المكارمِ لَنْ يُنالا\rكأن البرمكيّ لكل مالٍ ... تجودُ به يداه يُفيد مَالا\rأخذ هذا من قول زهير: الطويل:\rتَرَاه إذَا ما جِئْتَه مُتَهَلَلاً ... كأنكَ تُعْطِيه الَذِي أنْتَ سائِلُهْ\rوهذا البيت لزهير من قصيدة يقول فيها:\rوَذِي نِعْمَةٍ تَمَّمْتها وشكرتها ... وخَصْمِ يكادُ يغِلبُ الحقَّ باطلُهْ\rدفعتُ بمعروفٍ من الحق صائبٍ ... إذا ما أضَلَّ القائلين مَفَاصِلُهُ\rوذي خطل في القول يَحْسَبُ أنه ... مُصيبٌ فما يُلْمِمْ به فهو قائِلُهْ\rعَبَأْتُ له حلماً، وأكرمت غيرهُ ... وأعرضتُ عنهُ وهو بادٍ مَقاتِلُهُ\rوأبيضَ فيّاضٍ يَدَاهُ غَمامَةٌ ... على مُعْتَفيهِ ما تُغِبُّ نَوافِلُهْ\rغَدَوْتُ عليه غَدْوَةً فرأيْتُهُ ... قُعُوداً لَدَيْهِ بالصَريمِ عَواذِلُه\rيُفَدِّينَهُ طَوْراً، وطَوْراً يَلُمْنَهُ ... وأعْيا فما يَدْرِينَ أينَ مَخاتلهْ\rفأعْرَضْنَ عنه عن كريم مُرَزَّإ ... جَمُوح على الأمرِ الذي هو فاعلُهْ","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"أخِي ثِقَةٍ لا يُذْهِبُ الخمرُ مَالَهُ ... ولكنّه قد يُذْهِبْ المالَ نائِلُهْ\rقال أبو الفرج قُدامةُ بن جعفر، في معنى أبيات زهير الأولى: لما كانت فضائلُ الناسِ من حيث هم ناس، لا من طريقِ ما هم مشترِكون فيه مع سائر الحيوان، على ما عليه أهلُ الألباب من الاتّفاق في ذلك، إنما هي العقلُ والعفةُ والعَدْلُ والشجاعة، كان القاصد للمَدْح بهذه الأربعة مُصِيباً، وبما سواها مخطئاً؛ وقد قال زهير:\rأخي ثقةٍ لا يُتْلِفُ الخمرُ مالَهُ ... ولكنه قد يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ\rفوصفه بالعفَة لقلّةِ إمعانه في اللذات، وأنه لا يُنْفد فيها ماله، وبالسخاء لإهلاك ماله في النوال، وانحرافه إلى ذلك عن اللذّات، وذلك هو العدل، ثم قال:\rتراه إذا ما جِئْتَه مُتَهَلِّلاً ... كأنّك تُعْطِيه الذي أنتَ سائِلُهْ\rفزاد في وَصْفِ السخاء بأنه يَهَش ولا يلحقه مضَض ولا تكَرُّهٌ لِفعْله ثم قال:\rفَمَنْ مثلُ حِصْنٍ في الحروب ومِثْلهُ ... لإنكار ضَيْم أو لأمْرٍ يُحاوِلُه\rفأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل؛ فاستوفى ضروبَ المدحِ الأربعة، التي هي فضائلُ الإنسان على الحقيقة، وزاد الوفاءَ، وإن كان داخلاً في الأربعة؛ فكثير من الناس لا يعلم وَجْهَ دخوله فيها حيث قال: أخي ثقة فوصفه بالوفاء؛ والوفاءُ داخل في هذه الفضائل التي قدّمناها.\rوقد يتفنن الشعراء فيعدّون أنواعَ الفضائل الأربع وأقسامها، وكلّ ذلك داخل في جملتها؛ مثل أن يذكروا ثقابَةَ المعرفة، والحياءَ، والبيانَ، والسياسة، والصدْعَ بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة الْجَهَلةِ؛ وغير ذلك ممّا يَجْرِي هذا المجرى، وهو من أقسام العقل. وكذكرهم القناعة، وقلّة الشَرهَ، وطهارة الإزار؛ وغير ذلك أيضاً من أقسام العِفة. وكذِكْرِهم الحماية، والأخْذَ بالثَّار، والدفاع، والنكايةَ، والمهابة، وقَتْلَ الأقران، والسير في المَهَامِه والقفار؛ وما يشاكلُ ذلك، وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذِكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرّع بالنائل، وإجابة السائل وقِرَى الأضياف؛ وما جانس هذه الأشياء، وهو من أقسام العدل.\rفأمّا تركيب بعضها على بعض فتحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة: الصبرُ على الملمات، ونوازِلِ الخطوب، والوفاءُ بالوعود. وعن تركيب العقل مع السخاء: إنجازُ الوعد، وما أشبه ذلك. وعن تركيب العقل مع العفة: التنزه والرغبةُ عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع السخاء: الإخلاف، والإتلاف، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع العفة: إنكارُ الفواحش، والغيرةُ على الحُرَم. ومن السخاء مع العفة: الإسعاف بالقوت، والإيثارُ على النفس، وما شاكَلَ ذلك. وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع وَسَط بين طرفين مذمومين.\rوقد قال أبو جعفر محمد بن مناذر لمّا حجَ الرشيد مع البرامكة: الطويل:\rأتانا بنو الأملاكِ مِنْ آلِ بَرْمَكٍ ... فيا طِيبَ أخْبَارٍ، ويا حُسنَ مَنظرِ\rلهم رِحْلة في كلّ عام إلى العِدا ... وأُخْرى إلى البيتِ العتيقِ المُشَهّرِ\rفتُظلِم بغداد، ويَجْلو لنا الدُّجَى ... بمكةَ ما حَجوا ثلاثةُ أقمُرِ\rإذا نزلوا بطحاءَ مكة أشرقَتْ ... بيَحْيَى وبالفضل بن يحيى وجعفرِ\rفما خُلِقَتْ إلا لجودٍ أكفُهم ... وأقدامُهم إلا لأغوَادِ مِنبَرِ\rإذا راضَ يحيى الأمرَ ذَلَتْ صِعَابهُ ... وحَسْبُك مِن راعِ له ومدبرِ\rترى الناسَ إجلالاً له وكأنهم ... غَرانِيقُ ماءً تحت بازٍ مُصَرصِرِ\rمذهب التجنيس في الغزل\rقطعة من شعر الأمير أبي الفضل الميكالي في طَرف أخذ بطرف من التجنيس مستطرف في ضروب من الغزل، قال: الطويل:\rلقد راعني بَحْرُ الدُّجَى بصُدُودهِ ... ووَكَّلَ أجفاني بِرَعي كواكِبِهْ\rفيا جَزَعي، مَهْلاً عَساهُ يَعودُ لي ... ويا كَبِدي، صَبْراً على ما كَواكَ بِهْ\rوقال: الطويل:\rمواعيده في الفَضْل أحلامُ نائم ... أشَبِّهُهَا بالقَفْرِ أو بِسَرَابِهِ","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"فمَنْ لي بوَجْهٍ لو تَحَيرَ في الدُجَى ... أخُو سَفَرٍ في ليل غَيْمٍ سَرَى بِهِ\rوقال: الخفيف:\rصِل محبًّا أعياه وَصْف هواهُ ... فضَناه يَنُوبُ عن ترُجمانِه\rكلّما راقهُ سِواكَ تَصَدَتْ ... مُقْلَتاهُ بدمعةِ تَرْجُمانِه\rوقال: السريع:\rيا ذا الذي أرسل من طَرْفِه ... عليّ سَيْفاً قْدني لو فَرَا\rشفاءُ نفسي منك تخميشةٌ ... تَغْرِسُ في خدّك نَيْلَوْفَرا\rوقال: الكامل:\rيا مُبْتَلًى بضناه يَرْجُو رحمةً ... من مالكٍ يشفيه من أوْصابهِ\rأوصاك سِحْرُ جفونه بتسهُد ... وتبلّد، فقبلت ما أوْصَى به\rاصْبِر على مَضَضِ الهوى فلرَبما ... تَحلُو مرارةُ صبرهِ أوصابه\rوقال: الوافر:\rكتبْتُ إليه أستهدي وِصالاً ... فعلَلني بوَعْدِ في الجوابِ\rألا ليت الجوابَ يكون خيراً ... فيطفئ ما أحاط من الجوَى بي\rوقال: الكامل:\rإنْ كنتَ تأنَسُ بالحبيبِ وقُربه ... فاصْبر على حُكمِ الرقيبِ ودارِهِ\rإن الرقيبَ إذا صبرت لحكمه ... بَواكَ في مَثْوَى الحبيبِ ودَارِهِ\rوقال: الطويل:\rشكوتُ إليه ما ألاقي فقال لي: ... رُوَيداً، ففي حُكم الهوَى أنْتَ مُؤتلي\rفلو كان حقاً ما ادَّعيت مِنَ الهوى ... لقل بما تلقَى إذاَ أن تموتَ لي\rوقال: الوافر:\rنَوى لي بعد إكثارِ السؤال ... حبيب أنْ يُسامحَ بالنوَالِ\rفلما رُمْتُ إنجازاً لوعدي ... عليه أبى الوفاءَ بما نَوَى لي\rوكان القربُ منه شفاءَ نفسي ... فقد قضتِ النوائبُ بالنَّوَى لي\rوقال: البسيط:\rسقياً لدهرٍ مضَى والوصلُ يجمَعُنَا ... ونحنُ نحكِي عِناقاً شكل تَنْوينِ\rفصرْتُ إذ عَلِقَتْ كفّي حَبَائِلكُم ... فسَهْمُ هجرك تَرْمِي ثم تَنْويني\rوقال: مجزوء الكامل:\rصَدَفَ الحبيبُ بوَصْلهِ ... فجفَا رُقَادِي إذْ صَدَفْ\rونثرت لؤلؤ أدمُع ... أضْحَى لها جَفْني صَدفْ\rوقال: الكامل:\rيا مَنْ يقولُ الشعرَ غَيْرَ مهذّبٍ ... ويَسُومُني التعذيبَ في تهذيبهِ\rلو أنّ كل النَّاس فيك مُسَاعِدِي ... لعجزت عن تهذيبِ ما تَهْذِي بهِ\rوقال: السريع:\rأراد أن يُخْفِي هَوَاهُ وقَدْ ... نمَ بما تُخْفي أسَاريرُهُ\rوكيفَ يُخْفي داءَه مُدْنَفٌ ... قد ذاب من فرْط الأسَى رِيرُهُ\rوقال: مجزوء الكامل:\rومهفهف تهفُو بِل ... ب المرء منْه شَمَائِلُ\rفالرّدْفُ دِعْصٌ هائلٌ ... والقَدُ غُصنٌ مائلُ\rوالخدّ نورُ شقائق ... تنشقُّ عنه خمائلُ\rوالعَرْفُ نَشْرُ حَدائق ... تمّت بهن شمائل\rوالطَّرْفُ سَيْف ما لهُ ... إلاّ العِذار حَمائِلُ\rولأبي الفتح البستي في هذا المذهب: الخفيف:\rإن لي في الهوى لِسَاناً كَتُوماً ... وجَناناً يخفي حَرِيقَ جَواهُ\rغير أني أخاف دَمْعِي عليهِ ... سَتَرَاهُ يُفْشِي الذي ستَرَاهُ\rولأبي الفتح البستي في مذهب هذا البيت الأخير: الخفيف:\rنَاظِرَاه فيما جَنَى نَاظِرَاهُ ... أوْدَعاني أَمُتْ بما أَوْدَعاني\rوله: المتقارب:\rخُذِ العفوَ وأمُرْ بعَرْفٍ كما ... أُمِرْتَ وأعْرِضْ عن الجاهلينْ\rولنْ في الكلام لكلِّ الأنام ... فمستَحْسَن من ذوي الجاه لِينْ\rوله: مجزوء الوافر:\rإلى حَتْفِي سَعَى قَدَمِي ... أَرَى قَدَمِي أراقَ دَمِي\rفَمَا أنفَكُّ من نَدَمِي ... وليس بنافعي نَدَمِي\rوله: البسيط:\rإنْ هز أقلامَه يوماً ليُعْمِلَها ... أنساك كلَّ كميٍّ هزَّ عامِلَهُ\rوإن أقرَّ على رَق أنامِلهُ ... أقرَّ بالرِّق كتَّابُ الأنامِ لهُ\rوقال لمن استدعاه إلى مودَّته: المتقارب:","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"فَدَيْتُكَ قلَّ الصديقُ الصدُوق ... وقلّ الْخَليلُ الْحَفيُّ الوفي\rولي راغب فيك إمَّا وفيت ... فهل راغبٌ أنت في أنْ تَفِي؟\rوللأمير أبي الفضل: مخلع البسيط:\rأهلاً بَظْبِي حواهُ قَصْر ... كجنَّةٍ قد حَوَتْ نَعِيما\rطَرَقْتُه لا أهاب سوءًا ... أبَاحَني حبّه الحريما\rفجاد مَنْ فيه لي برَاحٍ ... تَنْفي حريقاً به قديما\rأفْدِي حريقاً أباح رِيقا ... لا بَلْ حَرِيماً أباح رِيمَا\rوله: البسيط:\rمَنْ لي بشَمْل المُنَى والأُنْس أجْمًعهُ ... بشادنٍ حَل فيه الحسْنُ أجمعُهُ\rما زال يُعْرِضُ عن وَصْلي وأَخْدَعُهُ ... فالآن قد لاَنَ بعد الصدّ أخْدعُهُ\rوقال: الكامل:\rبأبي غَزال نام عَن وًصَبي به ... ومُراقِ دَمْعي للنَّوَى وصَبِيبِهِ\rيا لَيته يَرْثي على وَلَهي بهِ ... لغرامِ قَلْبي في الهَوَى ولَهيبه\rوله في هذا الباب من غير هذا النمط يصف غلاماً مخموراً خمش وجهه: الكامل:\rهَبْهُ تْغَيَّرَ حائلاً عن عَهْدِه ... ورَمى فُؤادي بالصدود فأَزْعَجَا\rما بالُ نَرْجِسهِ تحوَل وردةً ... والوردُ في خديه عاد بَنَفْسَجا\rوله في هذا المعنى: المتقارب:\rوريمٍ على السُكْرِ خمّشْتُهُ ... بقَرْص بعارضهِ أثرا\rفأصبح نرْجسُه وردةً ... ووردةُ خدَيْهِ نَيْلَوفَرا\rوقال في وصف العِذار: الكامل:\rظَبْيٌ كَسَا رَأسَ الشبابِ بعارضٍ ... نَمَ العِذارُ بحافَتيه فَلاَحا\rفكأنما أهْدَى لعارضِ خدِّهِ ... شعري ظَلاماً واستعاضَ صَبَاحا\rوقال في غلام افتصد: مجزوء الكامل:\rومُهفْهفِ غرس الجما ... لُ بخده رَوْضاً مَرِيعا\rفًصَدً الطبيبُ ذِراعَهُ ... فجرى له دَمعِي ذريعا\rوأمسني وقعُ الحدي ... د بعِرقِة ألماً وَجيعاً\rفأريته من عَبْرتي ... ما سال من دَمِهِ نجيعَا\rفِقرٌ في ذكر العلم والعلماء\rالعلماء ورثةُ الأنبياء. والعلماءُ أعلامُ الإسلام. العلماء في الأرض كالنجوم في السماء.\rابن المعتز - العلماءُ غرباء، لكَثْرَةِ الجهل. وله: العلمُ جمالٌ لا يخفى، ونَسَب لا يُجْفَى. وله: زَلَةُ العالم كانكِسَار سفينةٍ تَغْرق ويَغْرق معها خَلْقٌ كثير.\rغيره - إذا زلّ العالم، زَل بزلَتِه عالَم. غيره: الملوك حُكامٌ على الناس، والعلماء حكام على الملوك. من لم يحتمل ذلَّ التعلّم ساعة، بقي في ذلّ الجهل أبداً. مَا صِينَ العلم بمثل بَذْلِهِ لأهله. من كتم علماً فكأنه جاهلُه: مجزوء الكامل:\rالعلمُ يمنعَ أهله ... أن يمنعوه أهلُه\rأبو الفتح كشاجم: مجزوء الكامل:\rلا تمنع العلم أمرأً ... والعلمُ يمنعُ جانبَهْ\rأمّا الغبي فليس يف ... هم لطْفَهُ وغَرائبهْ\rوتكون حاضرةُ الفوا ... ئد عنده كالغائبهْ\rوأخو الحصافة مُسْتَحِق ... أَن ينالَ مَطَالبهْ\rفبحقَه أعطيتهُ ... مِنْ فَضْلِ علمك وَاجِبَهْ\rومن رق وجْهه عند السؤال، رقّ عِلمُه عند الرجال. عِلْم بلا عمل، كشجرة بلا ثمر. كما لا يُنْبِتُ المطرُ الكثيرُ الصَخْرَ، كذلك لا ينفعُ البليدَ كثرة التعلّم. من ترفَّع بعلمه وضَعه اللَهُ بعملِهِ. الجاهلُ صغيرٌ وإن كان كبيراً، والعالم كبيرٌ وإن كان صغيراً. من أكثر مذاكرةَ العلماء، لم ينس ما علم، واستفاد ما لم يعلم.\rابن المعتز: المتواضعُ في طلاب العلم أكثرهم عِلْماً، كما أن المكان المنخفضَ أكثر البقاع ماء. إذا علمت فلا تَذْكُرْ مَنْ دونك من الجهال، واذكُرْ مَنْ فوقَك من العلماء. النارُ لا يُنقِصُها ما أخذَ منها، ولكن يُنْقِصُها أَلاَّ تجد حطباً، كذلك العلمُ لا يُفْنِيه الاقتباس منه، وفَقْدُ الحاملين له سببُ عدمه. مات خَزَنة الأموال وهم أحياء، وعاش خُزانُ العلم وهم أموات. مثَلُ عِلم لا ينفع ككنز لا ينفَق منه. أزْهَدُ الناس في عالم جيرانُه.","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"وقيل للصلْتِ بن عطاء، وكان مقدماً عند البرامكة: كيف غَلَبت عليهم وعندهم مَنْ هو آدبُ منك؟ قال: ليس للقُرَباء طَرافة الغُرَباء، وكنت أمرأَ بعيدَ الدار، نائي المَزار، غريبَ الاسم، قليلَ الجرم، كثير الالْتِواء، شحيحاً بالإملاء؛ فرغَبهم فيَ رغبتي عنهم، وزهَدني فيهم رغبتُهم في.\rعلم لا يَعْبُر معك الوادي، لا يعمر بك النادي. لو سكت مَنْ لا يعلم لسقط الاختلاَف. إذا ازدحمَ الجوابُ خَفِي الصواب. الغلط تحت اللَغط. خَرقُ الإجماع خُرْق. المحجوج بكل شيء ينطق.\rاستعارات فقهية تليق بهذا المكان\rدخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي دُوَاد في مجلس حكمه، وأنشده أبياتاً يستَمْطِرُ نائِله، وينشر فضائله، فقال: سيأتيك ثوابُها يا أبا تمام، ثم اشتغل بتوقيعات في يده؛ فأحْفَظَ ذلك أبا تمام، فقال: احضرْ، أيّدك اللّه، فإنك غائب، واجْتَمِعْ فإنك مفترق، ثم أنشده: المنسرح:\rإنَّ حَرَاماً قبولُ مِدْحَتِنا ... وتَرْكُ ما نَرْتَجي من الصَّفَدِ\rكما الدنانير والدراهمُ في ال ... صَّرْف حرام إلاَ يَداً بيَدِ\rفأمر بتوفير حِبَائه، وتعجيلِ عطائه.\rولمّا ولي طاهر بن عبد اللّه بن طاهر خراسان دخل الشعراء يهنئونه، وفيهم تمام بن أبي تمام فأنشده: السريع:\rهَنَاك رَبُّ الناس هنَاكا ... ما من جزيل الملك أعطاكا\rقرَّت بما أعطِيت يا ذَا الحِجَى ... والبأسِ والإنعامِ عَيْناكا\rأشرقتِ الأرضُ بِمَا نِلْتَهُ ... وأوْرَقَ العودُ بجَدْوَاكا\rفاستضعف الجماعةُ شعره، وقالوا: يا بُعدَ ما بينه وبين أبيه! فقال طاهر لبعض الشعراء: أجبه، فقال:\rحياك ربُّ الناس حيَّاكا ... إنَّ الذي أمَّلْتَ أخطاكا\rفقلتَ قولاً فيه ما زانهُ ... ولو رأى مَدْحاً لآساكا\rفهاك إن شئتَ بها مدحةً ... مثل الذي أعطيتَ أعْطاكا\rفقال تمام: أعز اللّه الأمير، وإنَ الشّعْرَ بالشعر رِباً، فاجعلْ بينهما صنجاً من الدراهم، حتى يحلّ لي ولك! فضحك وقال: إلا يكن معه شعرُ أبيه، فمعه ظرف أبيه؛ أعطوه ثلاثة آلاف درهم! فقال عبد الله بن إسحاق: لو لم يعط إلاّ لقول أبيه في الأمير أبي العباس - رحمه اللّه - يريد عبد الله بن طاهر: البسيط:\rيقولُ في قَوْمَسٍ صَحْبي وقد أخذَتْ ... منا السُّرَى وخُطَا المَهْرِيةِ القُودِ\rأمطلع الشمس تبغي أن تَؤُمَّ بنا؟ ... فقلتُ: كلاّ، ولكن مطلعَ الجودِ\rفقال: ويعطى بهذا ثلاثة آلاف.\rولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان\rوكان سببُ ولاية طاهر خراسان بعد أبيه ما حدَّث به أبو العيناء قال: كنّا عند أحمد بن أبي دواد، فجاء الخبر أنّ الكتبَ وردت على الواثق من خراسان بوفاة عبد الله بن طاهر، وأن الواثق يُعَزَّى عنه، وأنه قد ولّي مكانه خراسان إسحاق ابن إبراهيم، وكان عدوًّا له لانخراطِه في سِلْكِ ابن الزيات؛ فلبس ثيابَه ومضى، وقال: لا تبرحوا حتى أعودَ إليكم، فلبث قليلاً، ثم عاد إلينا فحدّثنا أنه دخل على الواثق فعزّاه عن عبد اللّه وجلس، قال: فقال لي الواثق: قد وَلّينا إسحاق خراسان، فما عندك؟ قلت: وفق اللّه أمير المؤمنين ولا نذمّه. قال: قلْ ما عندك في هذا. قلت: أمر قد أُمضِي، فما عسيت أن أقولَ فيه. قال: لَتَفْعَلنّ. فقلت: يا أمير المؤمنين، خراسانُ منذ ثلاثين سنة في يد طاهر وابنه، وكلّ مَن بها صنائعهُم، وقد خَلَّفَ عبدُ الله عشرَ بنين أكثرهم رجال، وجميعُ جيش خراسان لهم عبيد أو مَوَالٍ أو صَنَائع، وسيقولون: أما كان فينا مُصْطَنع؟ وكان يجب أن يجرّبَنا أميرُ المؤمنين، فإن وَفَيْنا بما كان يَفي به أبونا وجدُّنَا، وإلاّ استبدل منّا بعد عُذْرٍ فينا؛ ويقدم خراسانَ إسحاقُ وهو رجل غريب فينافسه هؤلاء، ويتعصّب أهلُها لهم؛ فينتقض ما أُبْرِمَ، ويفسد ما أُصلح.\rقال: صدقت يا أبا عبد اللّه، والرأي ما قلت، اكتبوا بعهد طاهر بن عبد اللّه على خراسان. فكتبت كتبُ طاهر، وحُرِقت كتب إسحاق، فخرجت الزنج تطيرُ بها، ثم لقيني إسحاق داخلاً، فقلت: يا أبا الحسن، لا عدمت عداوة رجل أزال عنك ولاية خراسان بكلمة.","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"ومدح ابن الرومي أبا العباس بن ثوابة، فعارضه أخوه أبو الحسن بقصيدة يمدح أخاه بها، فقال ابن الرومي: المتقارب:\rألَيْسَ الْقَوافي بَنَاتِ الْفَتى ... إذا صورَةُ الحق لم تُمْسَخِ\rفلا تَقبَلَنَّ أَمادِيهُ ... حَرامٌ نِكاحُ بناتِ الأخِ\rولما أنشد أبو تمام قصيدته في المعتصم:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب\rقال له: لقد جَلَوْتَ عروسك يا أبا تمام فأحسنت جلاءَها. قال: يا أمير المؤمنين، والله لو كانت من الحورِ العين لكان حُسْنُ إصغائك إليها من أوْفَى مُهُورِها.\rوقال الأمير أبو الفضل الميكالي: الوافر:\rأقول لشَادِنَ في الحُسْنِ أضْحَى ... يَصِيدُ بلَحْظِهِ قَلبَ الكَمي\rملكت الحسنَ أجمعَ في قوام ... فأدّ زكاةَ منظرك البَهيّ\rوذلك أن تجودَ لمُسْتَهام ... بريق من مُقَبلِك الشَهِي\rفقال: أبو حنيفة لي إمامٌ ... فعندي لا زكاةَ على الصَبيِّ\rوربما أنشد هذه الأبيات على قافية أخرى فقال: الوافر:\rأقول لشَادنِ في الحسن فَرْدٍ ... يصيد بلحظِهِ قَلْبَ الجليدِ\rملكتَ الحسن أجمعَ في قوام ... فلا تَمْنَع وجوباً عن وجُودِ\rوذلك أنْ تجودَ لمستهام ... برَشْفِ رُضَابك العذْبِ البَرودِ\rفقال: أبو حنيفة لي إمام ... فعندي لا زَكاة على الوليدِ\rوقال: الطويل:\rبنَفْسِي غَزال صار للحُسْنِ قبلةً ... يُحَج من البيت العتيق ويُقصَدُ\rدعاني الهوى فيه فلبَّيتُ طائعاً ... وأحْرَمْتُ بالإخلاص والسَعْي يَشْهَدُ\rفطرفيَ بالتسهيد والدَمْعِ قارِنٌ ... وقلبي عليْه بالصبابة مُفرِدُ\rوقال أبو الفتح كشاجم: البسيط:\rفَدَيْتُ زائرةً في العيد واصِلةً ... والهَجْرُ في غفلة من ذلك الخبرِ\rفلم يزل خذُها رُكْناً أطوف بِه ... والخالُ في خدّها يُغْني عن الحجَرِ\rوينضاف إلى هذا النظم قطعة من رسالة طويلة كتبها بديع الزمان إلى أبي نصر بن المرزبان: كتابي، أطال الله بقاء الشيخ وأنا سالم، والحمد لله رب العالمين، كيف تقلبُ الشيخ في درع العافية، وأحوالُه بتلك الناحية؛ فإني ببعده مُنغصُ شِرْعة العيش، مقصوص أجنحة الأنس. ورد كتابه المشتملُ من خبر سلامته، على ما أرغب إلى الله في إدامَته، وسكنتُ إليه بعد انزعاجي لتأخُره؛ وقد كان رَسَمَ أن أعرفه سببَ خروجي من جرجان، ووُقوعي بخُراسان، وسببَ غضبِ السلطان؟ وقد كانت القصة أني لما وردتُ من ذلك السلطان حضرتَه، التي هي كَعْبَةُ المحتاج، لا كعبة الحجاج، ومستقرُ الكرم، لا مَشعَر الحرم، وقِبْلة الصلاَتِ، لا قبلة الصلاة، ومُنَى الضَّيف، لا مِنَى الخَيْفِ، وجدت بها نُدَماء من نَبَات العام، اجتمعوا قيضَةَ كلب على تلفيق خطب، أزعجني عن ذلك الفِنَاء، وأِشرف بي على الفَنَاء، لولا ما تدارك اللّه بجميل صُنْعه، وحسن دفعه؛ ولا أعلم كيف احتالوا، ولا ما الَذي قالوا؛ وبالجملة غَيَّروا رأيَ السلطان، وأشار علي إخواني، بمفارقةِ مكاني، وبقيت لا أعلم أيمنةً أضرِب أم شآمة، ونَجْدا أقصد أم تهامة: الطويل:\rولو كنت في سَلْمى أجد وشِعابِها ... لكان لِحَجاجٍ عليَ دليلُ","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"وقد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماءٌ إذا تغيم لم يُرْجع صَحْوُه، وماء إذا تغيَّر لم يُشرب صَفْوُه، وملك إذا سَخِط لم يُنتظر عفوه، وليس بين رضاه والسخط عَوْجَة، كما ليس بين غَضَبه والسيف فَرْجة، وليس من وراء سُخْطِهِ مجاز، كما ليس بين الحياة والموت معه حِجاز؛ فهو سيدٌ يُغْضبه الْجُرم الْخَفِيّ، ولا يُرْضِيه العذر الجلي؛ وتكفيه الجناية وهي إرجاف، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظلّ الرمح، ويَعْمَى عن العذر وهو أبين من عمود الصُبْح؛ وهو ذو أذنين يسمع بهذهِ القول وهو بهتان، ويحجب عن هذه العذر وله برهان؛ وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح؛ وذو عينين يفتح إحداهما إلى الجرم، ويغمض الأخرى عن الحلم، فمزحه بين القَدِّ والقَطْع، وجدّه بين السيف والنِّطْع، ومراده بين الظهور والكمون، وأمره بين الكاف والنون؛ ثم لا يعرف من العقاب، غير ضرب الرقاب، ولا يهتدي من التأنيب إلاَ لإزالة النعم، ولا يعلم من التأديب غير إراقة الدم، ولا يحتمل الهَنَة على حجم الذرة، ودقة الشعرة، ولا يحلم عن الهَفْوَة، كوزن الهَبْوَة، ولا يُغْضي عن السقطة، كجرم النقطة؛ ثم إن النقم بين لفظه وقلمه، والأرض تحت يده وقدمه، لا يلقاه الولي إلاَ بفمه، ولا العدو إلاَ بدمه؛ والأرواح بين حَبْسه وإطلاقه، كما أنَّ الأجسام بين حله ووَثاقِه؛ فنظرتُ فإذا أنا بين جُودَين؛ إما أن أجودَ ببأسي، وإمّا أن أجود برأسي، وبين رُكُوَبين؛ إما المفازة، وإمّا الجِنَازة، وبين طريقين؛ إما الغُرْبة، وإمَا التربة، وبين فِراقَيْنِ؛ إمّا أن أُفارق أَرْضي، أو أُفارق عرضي، وبين راحلتين؛ إمّا ظهور الجِمال، وإمَا أَعْنَاق الرجال، فاخترتُ السماح بالوَطَن، على السماح بالبَدَن؛ وأنشدت: الطويل:\rإذا لم يكُنْ إلا المنية مَرْكَبٌ ... فلا رَأيَ للمحمول إلا ركوبُها\rوَلَدَ ما ذكر من كعبة المحتاج، لا كعبة الْحُجّاج، من قول أبي تمام: الكامل:\rبيتان حجهُما الأنامُ؛ فهذه ... حجُ الغَنِيَ، وتِلكمُ لِلْمُعْدِم\rأبو عليّ البصير\rوشتم بعضُ الطالبيين أبا عليّ الفضلَ بن جعفر البصيرَ، فقال أبو عليّ: والله ما نَعْيَا عن جوابك، ولا نَعْجِزُ عن مَسَابِّك؛ ولكنَّا نكونُ خيراً لِنَسَبِك منك، ونحفظ منه ما أَضَعْتَ؛ فاشكُرْ توفيرَنا ما وفَّرْنا منك، ولا يَغُرَّنك بالجهل علينا حِلْمُنا عنك.\rوسأل أبو علي البصير بعض الرؤساء حاجةً ولقيه؛ فاعتذر إليه من تأخرها؛ فقال أبو عليّ: في شُكْرِ ما تقدّم من إحسانك شاغلٌ من استبطاء ما تأخر منه.\rوأبو عليً أحَدُ مَنْ جمع له حظُ البلاغة في الموزون والمنثور، وهو القائلُ: الطويل:\rألمَت بنا يَوْمَ الرحيل اختلاسَةً ... فأضرَمَ نيرانَ الهَوى النَّظَرُ الخَلْسُ\rتأبتْ قليلاً وهي تُرعَدُ خِيفةً ... كما تتأتَّى حين تَعْتَدِل الشمسُ\rفخاطبها صَمْتي بما أنا مُضْمِرٌ ... وأَنْبَسْتُ حتى ليس يُسْمَع لي حِسُ\rوولَت كما ولّى الشباب لِطِيّةٍ ... طوَتْ دونها كَشْحاً على يَأسها النفسُ\rوقال يصف بلاغةَ الفتح بن خاقان وشعره: الطويل:\rسَمِعنا بأشعار الملوكِ؛ فكلُها ... إذا عَضَ مَتْنَيْه الثقافُ تأوَدَا\rسوى ما رأينا لأمْرِئ القيس؛ إننانراه متى لم يَشْعُر الفَتْحُ أوْحَدا\rأقام زماناً يَسْمَعُ القولَ صامتاً ... ونحسبه إن رام أكْدَى وأصْلَدا\rفلما امتطاه راكباً ذل صعبُه ... وسار فأضحى قد أغار وأنجَدَا\rوالفتح بن خاقان يقول: الطويل:\rوإني وإياها لكالْخَمْرِ، والفتى ... متى يستَطِع منها الزيادةَ يَزْدَدِ\rإذا ازدَدْتُ منها زاد وَجْدِي بقُرْبها ... فكيف احتراسِي مِنْ هوًى متجددِ؟","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وكتب إلى أبي الحسن عبيد الله بن يحيى: وإن أميرَ المؤمنين لمَا استْخلَصك لنفسه، وائتمنك على رعيته؛ فنطق بلسانك، وأخذَ وأعطى بيدك، وأوْرَدَ وأصدْرَ عن رأيك، وكان تفويضُه إليك بعد امتحانه إياك، وتَسلِيطه الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن مثل بينك وبين الذين سمَوا لمرْتَبتك، وجرَوْا إلى غايتك، فأسقطهم مَضَاؤُك، وخَفُوا في ميزانك، ولم يزدك - أكرمك الله - رفعة وتشريفاً إلا ازددتَ له هيبةً وتعظيماً، ولا تسليطاً وتمكيناً، إلا زِدْتَ نفسك عن الدنيا عُزوفاً وتنزيهاً، ولا تقريباً واختصاصاً، إلا ازددتَ بالعامة رأفةً وعليها حدَبا، لا يخرجك فَرطُ النصح له عن النظر لرعيته، ولا إيثار حقه عن الأخذ بحقِّها عنده، ولا القيامُ بما هو له عن تضمين ما هو عليه، ولا يشغلك مُعَاناةُ كبار الأمور عن تفقُد صغارِها، ولا الْجِدُّ في صلاح ما يَصْلُحُ منها عن النظر في عواقبها، تمْضي ما كان الرَّشَدُ في إمضائه، وتُرْجِئُ ما كان الحَزْمُ في إرجائه، وتبذُلُ ما كان الفضلُ في بَذْله، وتمنعُ ما كانت المصلحةُ في مَنْعِه، وتَلِين في غير تكبر، وتَخُص في خير مَيل، وتعمُ في غير تصنّع، لا يَشْقَى بك المحق وإن كان عدواً، ولا يَسْعَدُ بك المبطلُ وإن كان وليّاً؛ فالسلطان يعتدّ لك من الغَناء والكِفاية، والذَّبِّ والحياطة، والنُصح والأمانة، والعِفة والنزاهة، والنصب فيما أدَى إلى الراحة، بما يراك معه - حيث انتهى إحسانُه إليك - مستوجباً للزيادة، وكافةُ الرعية - إلاَّ من غَمِطَ منهم النَعْمة - مُثْنُونَ عليك بحُسْنِ السيرة، ويُمْنِ النقيبة، ويَعُدُونَ من مآثرك أنك لم تُدْحِض لأحدٍ حُجة؛ ولم تدفع حقاً لشبْهَة؛ وهذا يسيرٌ من كثير، لو قصدنا لتفصيله، لأنْفَدْنا الزمان قبل تحصيله، ثم كان قَصْدُنا الوقوفَ دون الغاية منه.\rوله إلى عبيد الله بن يحيى: يقطعني عن الأخْذِ بحظِّي من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه عن شُكْرِ إنعامك، وإفرادي إياك بالتأميل دونَ غيرك، تخلفي عن منزلة الخاصة، ورغبتي عن الحلول محل العامة، وأني لسْتُ معتاداً للخِدْمَة ولا الملازمة، ولا قويًّا على المغَادَاةِ والمُرَاوَحة؛ فَلاَ يمنَعْك ارتفاعُ قَدْرك، وعلو أمرك، وما تعانيه من جلائل الأحوال الشاغلة، من أنْ تتطوَل بتجديد ذكري، والإصغاء إلى مَنْ يحضك على وَصْلي وبري، ويرغَبك في إسداء حُسْنِ الصنيعة عندي.\rوله إليه آخِرَ فصل من كتاب: وأنا أسألُ الله الذي رَحِم العبادَ بك، على حينِ افتقارٍ منهم إليك، أن يُعِيذهم من فَقْدِك، ولا يُعيدهم إلى المكاره التي استنقذتهم منها بيدك.\rالسفر\rولقي رجلٌ رجلاً خارجاً من مِصْر يريد المغْرِب، فقال: يا أخي، أتتَبعُ القَطْرَ، وتَدُع مَجْرى السيول؟ فقال: أخرجني من مصر حَق مُضَاع، وشُكى مُطَاع، وإقتار الكريم، وحركة اللئيم، وتغير الصديق، بين السعة والضيق، والهربُ إلى النزرِ بالعز، خير من طلب الوَفْرِ بذلُ العَجزِ.\rوأوصى بعضُ الحكماء صديقاً له، وقد أرادَ سفراً، فقال: إنك تدخُلُ بلداً لا يَعْرِفُك أهلُه، فتمسّك بوصيتيَ تنفق بها فيه؛ عليك بحُسن الشمائل فإنها تدكُ على الحرية، ونَقَاء - الأطراف فإنها تشهد بالمُلوكية؛ ونظافة البِزة فإنها تنبئ عن النَشء في النعمة؛ وطيب الرائحة فإنها تظهرُ المروءة، والأدب الجميل فإنه يكسب المحبة، وليَكُن عقلُك دون دينك، وقولُك دون فِعْلك، ولباسُك دونَ قَدْرِك، والزمِ الحياءَ والأنفَة؛ فإنك إن استحييت من الغضاضة اجتنبتْ الخساسة، وإن أنِفْتَ عن الغلبة، لم يتقدمْكَ نظيرٌ في مرتبة.\rقال الأصمعي: سمعتُ أعرابياً يُوصِي آخرَ أراد سفراً، فقال: آثر بعملك مَعَادَك، ولا تَدَع لِشَهْوَتِكَ رَشادَك، وليكُنْ عقلُك وزيرَك الذي يَدْعُوك إلى الهدى، ويجنِّبك من الرَدى، واحْبِس هواك عن الفواحش، وأطْلِقه في المكارم؛ فإنك تبرّ بذلك سلَفك، وتَشِيد به شرفَك.\rوأوصت أعرابية ابنَها في سفر، فقالت: يا بني، إنك تجاورُ الغرباء، وتَرْحَلُ عن الأصدقاء، ولعلك لا تَلْقَى غيرَ الأعداء؛ فخالِط الناسَ بجميل البِشْر، واتَّقِ اللَّهَ في العَلاَنية والسرّ.\rوقال بعضُ الملوك لحكيم وقد أراد سفراً: قِفْني على أشياء من حِكْمتك أعْمَلْ بها في سفري، فقال:","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"اجعلْ تأنيك أمام عَجَلَتِك، وحِلْمَك رسولَ شِدَّتك، وعفوَك مالِكَ قدرتك، وأنا ضامن لك قلوبَ رعيتك، ما لم تُحْرِجْهم بالشدّةِ عليهم، أو تُبْطِرْهم بالإحسان إليهم.\rوقال أبان بن تغلب: شهدت أعرابيةً لُوصِي ولداً لها أراد سفراً وهي تقول: أي بني، اجلسْ أمْنَحك وصيتي، وباللّه توفيقك، قال أبان: فوقفت مستمعاً لكلامها، مستحسناً لوصيتها، فإذا هي تقول: أي بني، إياك والنَّمِيمة، فإنها تَزْرَعُ الضغينة، وتفرَق بين المحبّين، وإياك والتعرض للعيوبِ فتُتخذ غَرَضاً، وخليقٌ ألاَ يَثْبُتَ الغَرضُ على كثرة السهام؛ وقلَما اعتَوَرَتِ السهامُ غَرَضاً إلاَ كَلَمَتْه، حتى يَهيَ ما اشتدَ من قُوَته؛ وإياك والجودَ بدينك، والبخلَ بمالك؛ وإذا هززت فاهزز كريماً يَلِنْ لِمَهَزتك؛ ولا تَهْزُز اللئيم فإنه صخرةٌ لا يتفجَّرُ ماؤها، ومثِّل بنفسك مثال ما استحسنتَ من غيرك فاعمل به، وما استقبحتَ من غيرك فاجتنبه؛ فإن المرءَ لا يرى عيْبَ نفسه؛ ومن كانت مودته بشره، وخَالَفَ منه ذلك فعلُهُ، كان صديقه منه على مِثْل الريح من تصرفها.\rثم أمسكت، فدنوتُ منها، فقلت لها: بالله يا أعرابية، إلا ما زِدْته في الوصية؛ قالت: أو قد أعْجَبَك كلامُ العرب يا حَضَري؟ قلت: نعم! قالت: الغَدرُ أقبح ما تعاملَ به الناسُ بينهم، ومَنْ جمع الْحِلْمَ والسخاءَ فقد أجادَ الحُلّة رَيْطَتها وسِرْبَالها.\rفقر في مدح السفر\rأبو القاسم بن عباد الصاحب: الخبر المنقول أنَ المقبوضَ غريباً شهيد. وفي الحديث: سافروا تَغْنَموا. السفرُ أحدُ أسباب العيش التي بها قِوامه، وعليها نِظَامه. إن الله لم يجمَعْ منافعَ الدنيا في الأرض؛ بل فرَّقها وأحوجَ بعضها إلى بعض. المسافرُ يسمع العجائب، ويَكْسبُ التجاربَ، ويَجْلِبُ المكاسب. الأسفارُ مما تَزِيدك علماً بقدرة اللّه وحِكْمته، وتدعوكُ إلى شكر نعمته. ليس بينك وبين بلدٍ نَسب؛ فخيرُ البلاد ما حملك. السفرُ يُسْفِر عن أخلاق الرجال. أوحِشْ أهلَك إذا كان في إيحاشهم أُنْسُك، واهْجُرْ وطنَك إذا نبَتْ عنه نفسك. ربما أسفر السفر عن الظفَر، وتعذر في الوطن قضاءُ الوطَر، وأنشد: البسيط\rليس ارتحالُكَ تَرْتَادُ الغِنَى سفراً ... بَلِ المُقَامُ على خَسْفٍ هو السفرُ\rوهذا كقول الطائي: الطويل\rوما القفْرُ بالبيدِ الفضاء، بَكِ الَتي ... نَبتْ بي وفيها ساكِنُوها هِي القَفْرُ\rأخذه المتنبي فقال: البسيط\rإذا تَرَحَلْتَ عن قوم وقد قَدرُوا ... ألاَ تُفارِقَهُمْ فالرَاحِلونَ هُمُ\rنقيض ذلك في ذمّ السفر والغربة\rفي الحديث إن المسافرَ وماله لعَلَى، قلت: إلاّ ما وَقى الله؛ أي على هلاك. شيئان لا يعرفهما إلا من ابْتُلِي بهما: السفرُ الشاسع، والبناءُ الواسع. السفرُ والسقَمُ والقتال ثلاث متقاربة؛ فالسفرُ سفينة الأذى، والسقَمُ حَريقُ الجسد، والقتالُ مَنبتُ المنايا. إذا كنتَ في غير بلدك فلا تَنسَ نصيبك من الذل. الغربةُ كرْبة. النّقلة مُثْلة. الغريب كالغرسِ الذي زايل أرْضَه، وفَقَد شِرْبَه؛ فهو ذَاوٍ لا يُثْمِر، وذابلٌ لا ينضر. الغريب كالوَحْشِ النائي عن وطنه؛ فهو لكل سَبُعٍ فَرِيسة، ولكل رام رَمية؛ وأنشد: الوافر\rلَقربُ الدار في الإقتار خَيْرٌ ... منْ العيش الموسع في اغترابِ\rوقال أبو الفتح البُسْتي: البسيط\rلا يعدم المرء شيئاً يستعينُ به ... ومنعه بين أهليه وأصحابه\rومن نأى عنهمُ قلَّتْ مهابتهُ ... كالليثِ يحقر ُلما غاب عن غابِهْ\rالعزل بعد المؤانسة\rكتب أبو عبيد الله إلى المهدي بعد عَزْلِه إيّاه عن الدواوين: لم يُنكِر أميرُ المؤمنين حالي في قُرْب المؤانسة وخصوص الخلطة، وحالي عنده قَبْلَ ذلك في قيامي بواجب خِدمَته، التي أدنتني من نعِمته، فلم أبدِّل - أعز اللّه أميرَ المؤمنين - حال التبعيد، ويقرّب في محل الإقصاء، وما يعلمُ اللّه مني فيما قلت إلاَّ ما علمه أميرُ المؤمنين، فإن رأى أكرمه اللّه أن يُعَارِض قولي بعلمه بدءًا وعاقبةً فعل إن شاء اللّه.\rفلمّا قرأ كتابه شهد بتصديقه قلبُه، فقال: ظلمنا أبا عبيد اللّه، فيردّ إلى حاله، ويُعْلَم ما تجدّد له من حُسْنِ رأيي فيه.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"ولما أمر المأمونُ أن يُحْجَب عنه الفضلُ بن الربيع لسبب تألَمَ قلبُه منه كتب إليه: يا أمير المؤمنين، لم يُنْسِني التقريبُ حالي أيامَ التبعيد، ولا أغفلتني المُؤانسة عن شكر الابتداء، فعلى أيِّ الحالين أبعد من أمير المؤمنين، ويَلْحَقُني ذمُ التقصيرِ في واجب خدمته؟ وأميرُ المؤمنين أعْدلُ شهودي على الصَدْق فيما وَصْفت؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين ألا يكتم شهادتي فَعل إن شاء اللّه.\rوقال أبو جعفر المنصور لأبي مسلم حين أزْمَع قَتْله: هل كنتَ قبل قيامك بدولتنا جائزَ الأمْرِ على عَبْدين؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: فلِمَ لَمْ تَعْرِض حالَيْ عُسرتك ومَهانتك على أيامنا، وتعرِف لنا ما يَعْرِفُ غيرُك من إجلالنا وإعظامنا، حتى لا ينازعك الحين عِنَان الطمأنينة؟ قال: قد كان ذلك يا أميرَ المؤمنين، ولكنَ الزمانَ وإساءتَه قَلَبَا ما كان من حُسْنِ صنيعتي، قال: فلا مرغوبَ فيك، ولا مأسوفَ عليك، وفي اللّه خَلَفٌ منك! وأَمر بقتله.\rجملة من شعر أبي الفتح\rكشاجم في الأوصاف\rقال يصف أجزاء من القرآن: الخفيف\rمَنْ يَتُبْ خشيةَ العقابِ فإني ... تُبْتُ أنْساً بهذهِ الأجزاء\rبَعَثَتني على القراءة والنُس ... ك وما خِلْتُني مِنَ القرَاء\rحين جاءت تَرُوقني باعتدال ... من قدود وصيغَةٍ واستواء\rسبعة أشْبَهَت ليَ السبعةَ الأن ... جم ذاتَ الأنوار والأضواء\rكُسيت من أديمِها الحالِك اللَو ... ن غِشاءً أحبب به من غِشَاء\rمُشْبِهاً صبغة الشَّبَابِ ولَمَا ... ت العَذارى ولبْسَةَ الخطباءِ\rورأت أنها تحسنُ بالضدِّ ... فَتَاهَتْ بحِلْية بيضاء\rفهي مسودّةُ الظهور، وفيها ... نورُ حق يَجْلُو دُجَى الظلماءَ\rمطبقات على صحائفَ كالرّي ... ط تخيرنّ من مُسُوك الظباء\rوكأنَّ الخطوط فيها رياض ... شَاكِرات صنيعةَ الأنْواء\rوكأنَّ البياض والنُّقَطَ السُّو ... دَ عَبِيرٌ رشَشْتهُ في مُلاء\rوكأن العشورَ والذَّهب السا ... طع فيها كواكب في سماءِ\rوهي مشكولةٌ بعدَّةِ أشكا ... لٍ ومقروءةٌ على أنحاءِ\rفإذا شئتَ كان حمزةُ فيها ... وإذا شئت كان فيها الكِسَائي\rخُضْرة في خلالِ حُمرٍ وصفْر ... بين تلك الأضْعَاف والأثناء\rمثل ما أثَر الدَّبيبُ من الذرّ ... على جلد ِبَضَةٍ عَذْراء\rضُمِّنت مُحكَم الكتابِ كتاب الل ... ه ذي المكرُمات والآلاء\rفحقيقٌ عليَّ أنْ أتلوَ القر ... آنَ فيهنَّ مُصْبَحِي ومَسائي\rوقال يصفُ التخت الذي يُضْرَب عليه حساب الهند: الرجز\rوقلمٍ مِدادُهُ ترَابُ ... في صُحُفٍ سُطُورها حِسابُ\rيَكْثُر فيها المَحْوُ والإضرابُ ... من غير أن يُسَوّد الكتابُ\rحتى يبينَ الحقُّ والصواب ... وليس إعجامٌ ولا إعرابُ\rفيه ولا شكَ ولا ارتيابُ\rوقال يصف برْكاراً استهداه: المنسرح:\rجُدْ لي ببركارك الذي صَنَعَتْ ... فيه يَدَاً قَيْنةِ الأعاجيبا\rملتئم الشُعبتَيْن معتدلٌ ... ماشِينَ من جانبٍ ولا عِيَبا\rشخصان في شكْل واحدٍ قُدَرا ... ورُكبا بالعقولِ تركيبا\rأشبه شيئين في اشتكالهما ... بصاحبٍ لا يزالُ مصحوبا\rأُوثِقَ مسمارُهُ وغُيِّب عن ... نواظر الناقدين تَغْييبا\rفعَيْنُ مَنْ يجتَلِيه يحسبُهُ ... في قالب الاعتدال مَصْبوبا\rقد ضَمَ قُطْرَيْه مُحْكِماً لهما ... ضَمَ مُحِب إليه محبوبا\rيزداد حِرْصاً عليه مُبصِره ... ما زَاده بالبَنانِ تَقْلِيبا\rذو مُقْلَة بصَرَتْهُ مَذهبه ... لم تَألُهُ رِقةً وتهذيبا\rينظرُ فيها إلى الصواب فما ... بها يزالُ الصوابُ مطلوبا","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"لولاه ما صحَّ خطُ دَائرة ... ولا وَجَدْنَا الحسابَ محسوبا\rالحقّ فيه فإن عَدَلت إلى ... سواه كان الحسابُ تقريبا\rلَوْ عَيْنُ إقليدسٍ به بَصُرَت ... خرَ لهُ بالسجودِ مكبوبا\rفابعَثْهُ واجْنبه لي بمسْطَرة ... تُلْفِ الهوَى بالثناء مَجْنُوبا\rوقال يصف بيكاتا: البسيط:\rروح من الماء في جِسْمٍ من الصُفْر ... مولد بلطيف الحِسَ والنظرِ\rمستعبر لم يَغِبْ عن طَرْفِهِ سكن ... ولم يَبِتْ من ذَوِي ضِغْن على حَذَرِ\rله على الظهر أجفان محجرةٌ ... ومُقْلة دمْعُها جَارٍ على قَدَرِ\rتنْشَا له حركاتٌ من أسافلِه ... كأنها حركاتُ الماء في الشجرِ\rوفي أعاليه حُسْبان يُفَصِّلُه ... للناظرين بلا ذهنٍ ولا فِكَرِ\rإذا بكى دارَ في أحشائه فلَك ... خافي المسير وإن لم يبكِ لم يدُرِ\rمُتْرجم عن مَواقيتٍ يخبرُنا ... بها فيوجَدُ فيها صادق الخبر\rتُقْضَى به الخمسُ في وَقْتِ الوجوب وإن ... غطى على الشمس سِتْرُ الغَيْم والمَطَرِ\rوإن سَهِرْتُ لأوقاتٍ تؤرقني ... عرفتُ مقدارَ ما ألقى من السَّهَرِ\rمُحَدد كل ميقاتٍ تخيرَه ... ذَوو التخَيرِ للأسفار والحَضَرِ\rومخرج لكَ بالأجزاء ألْطَفَها ... من النهار وقوسُ الليلِ والسحَرِ\rنتيجة العلمِ والتفكير صورَتُه ... يا حبذا أبدع الأفكار في الصور\rوقال يصفُ أسطَرلاباً: البسيط\rومستدير كجِرْم البدرِ مَسْطوح ... عن كلِّ رافعةِ الأشكال مَصْفُوح\rصُلْبٌ يُدَارُ على قُطْبٍ يثبته ... تمثالُ طرفٍ بشكر الحذقِ مَكبُوحِ\rملء البنَانِ وقد أوفَتْ صفائحُه ... على الأقاليم من أقطارهَا الفِيح\rتُلْفى به السبعةَ الأفلاكَ مُحْدِقةً ... بالماء والنارِ والأرْضِينَ والريحِ\rتُنْبيك عن طائح الأبرَاجِ هيئتُه ... بالشمس طَوراً، وطَوْراً بالمصابيح\rوإن مضَتْ ساعة أو بعض ثانية ... عرفْتَ ذاك بعلم فيه مَشرُوح\rوإنْ تعرَض في وقتٍ يُقَدره ... لك التشككُ جَلاَهُ بتصحيحِ\rمميز في قياساتِ الضلوع بهِ ... بين المشائم منها والمنَاجِيحِ\rله على الظهر عَيْنَا حِكمةٍ بهما ... يَحْوِي الضياء وتُنْجِيه من اللوح\rوفي الدواوين من أشكاله حِكم ... تنقح العقلُ فيها أيَ تَنْقيح\rلا يستقل لما فيه بمعرفةٍ ... إلاَ الخصيف اللطيفُ الْحِسّ والرُوحِ\rحتى ترى الغيب فيه وهو منغلق ال ... أبوَابِ عمن سواهُ جدّ مفتوح\rنتيجة الذهنِ والتفكير صَوره ... ذَوُو العقولِ الصحيحاتِ المَرَاجِيحِ\rوكان أبو شجاع فَنَاخَسْرو عَضُدُ الدولة قد نكب أبا إسحاق الصابي، على تقدمه في الكتابة، ومكانه في البلاغة، واستصفى أمواله من غير إيقاعِ به في نفسه، فأهدى إليه في يوم مهرجان أسطرلاباً في دَور الدرهم، وكتب إليه: البسيط\rأهدَى إليكَ بنو الحاجاتِ واحْتَشَدوا ... في مِهْرَجانٍ عظيمٍ أنْتَ تُعْلِيهِ\rلكنَ عبدَك إبراهيم حين رأى ... سُمُو َقَدْرِكَ عن شيءً يُسَامِيهِ\rلَمْ يرضَ بالأرض يُهْدِيها إليك، فقد ... أفدَى لك الفَلَكَ الأعْلَى بما فيه\rوصف المرأة\rوقولُ أبي الفتح: ملء البنان......البيت نظيرُ قولِ علي ابن العباس الرومي يصف هَنَ امرأة: الخفيف:\rيَسَعُ السبعة الأقاليم طُراً ... وهو في أصبعين من إقليم\rكضميرِ الفؤادِ يَلتَهمُ الدن ... يا وتحويهِ دَفتا حَيْزُومِ\rوإنما أخذه ابن الرومي من قول بعض الشعراء يذكر كاتباً: السريع","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"في كَفّهِ أخْرَس ذُو منطق ... بقافهِ واللام والميمِ\rشَبْر إذا قيسَ، ولكنه ... في فعلهِ مِثلُ الأقاليمِ\rمحذف الرَّأسِ ومُسْودُه ... كإبرةِ الرَوْقِ منَ الرَيمِ\rوهذا البيت الأخير مقلوب من قول عدي بن الرقاع العاملي، وقد وصف قًرْنَ ريم، وشبّهه بقلم عليه مداد، وذكر ظبية: الكامل\rتُزْجِي أغَنَ كأنَ إبرَةَ رَوْقِه ... قلمٌ أصابَ منَ الدَوَاةِ مِدَادَهَا\rوقلب المعنى إذا تمكن الشاعرُ من إخفائه لا يَجْرِي مَجْرَى السرقةِ.\rوقد ترى تكثيرَ الشعراء من تشبيه أوراك النسوان بالرَملِ والكُثبان، قال الشاعر: الطويل\rوبيض نضيرَاتِ الوجوه كأنما ... تأزَرْنَ دُون الأزْرِ رَمْلاَتِ عالجِ\rخِدالِ الشَوى لا تحتشي غير خَلقها ... إذا الرُسحُ لم يصبرنَ دون المَنَافِجِ\rيَذرْنَ مُرُوط الخزِّ مَلأى كأنها ... قِصَار وإنْ طالَتْ بِأيدِي النوَاسِجِ\rوهذا المعنى متداوَل متناقَل في الجاهلية والإسلام، فأغرب ذو الرمة في قلبه وأحسن، فقال يصف رملا: الطويل\rورمل كأوْرَاكِ العذارى قطعْتُه ... وقد جلَلَتهُ المظلماتُ الْخَنادِسُ\rوكذلك مدحهم ضُمُورَ الكَشْح، وجولان الوُشُح، وصمُوت القُلْب والخلخال، وامتناع الخِدَام من المَجَال؛ قال خالد بن يزيد بن معاوية، وذكر رملة بنت الزبير بن العوام: الطويل:\rتجولُ خلاخيلُ النساءَ، ولا أرَى ... لِرملَةَ خلخالاً يجولُ ولا قُلْبا\rأُحِب بني العوَّام طُرّاً لحبِّها ... ومن أجلها أحببتُ أخوالها كَلْبا\rوقال النابغة: الطويل:\rعلى أن حِجْلَيْهَا وإن قلتَ أوسعا ... صمُوتانِ من ملءً وقلّةِ منطقِ\rوقال الطائي: الطويل:\rمَهَا الوحشِ إلاَ أنَ هَاتَا أوانِسٌ ... قَنَا الخط إلاَ أنَ تلك ذَوَابِلُ\rمن الهِيف لو أن الخلاخيلَ صُيِّرَت ... لها وُشُحاً جالت عليها الخلاخِلُ\rوقال ابن أبي زرعة الدمشقي: الكامل:\rاِسْتَكْتَمَتْ خلخالها ومَشَتْ ... تحتَ الظلام به فما نطقا\rحتى إذا ريحُ الصَّبَا نَسَمت ... ملأ العبيرُ بسيرها الطُرُقَا\rوقال المتنبي: الوافر:\rوخَصْرٍ تثبُتُ الأبصارُ فيه ... كأنَ عليه من حَدقِ نِطَاقا\rقلَبَ هذا كلّه أبو عثمان الناجم، فقال يهجو قَيْنة، مخلع البسيط:\rمسلولة الكلِّ غيْر َبَطْن ... مثقل فهي عنكبوتُ\rحُجولها الدهْرَ في اصْطِخَابٍ ... ووُشْحُهَا كظم صُمُوتُ\rوقال أبو عثمان يمدح قَيْنة: السريع\rمحسنة في كل ألْحَانها ... لا كالتي تحسن في الندْرَة\rثم قلبه في هجاء، فقال: السريع:\rعجِبْتُ منها وَيْحَها كيف لا ... تُخْطِئ بالإحسان في الندرَهْ\rوهذا مأخوذ من قول محمد بن مناذر يهجو خالد بن طليق، وكان قد تقلد قضاء البصرة: السريع:\rيا عجباً من خالدِ كيف لا ... يخطئ فينا مرَةً بالصواب\rكان قضاةُ الناسِ فيما مضى ... مِنْ رحمَةِ اللّه، وهذا عَذابْ\rوهذا أيضاً من قلب الهجاء مديحاً، والمديح هجاء؛ كما قال مسلم بن الوليد يهجو قوماً: الكامل:\rقَبُحَت مَنَاظِرُهُمْ فحين خَبَرْتُهم ... حَسُنَتْ مناظرهُمْ بقبح المخبَرِ\rقلبه أبو الطيب المتنبي فقال: الطويل:\rوأَسْتَكْثِرُ الأخْبَارَ قَبْلَ لِقائه ... فَلما التَقَينا صَغر الخبَر الخبرُ\rوقال أبو تمام: الكامل:\rعبأ الْكَمِينَ له فَضَل لحينه ... وكمينُه المخفي عليه كمينُ\rقلبه البحتري فقال: المنسرح:\rلا ييأس المرءُ أن يُنجيَهُ ... ما يَحسِبُ الناسُ أنه عَطَبُهْ\rوقال أبو تمام: الكامل:\rوَحشية ترمِي القلوبَ إذا غَدَت ... وَسْنَى فما تَصْطَادُ غَيْرَ الصيدِ\rقلبه البحتري فقال: الطويل\rعلى أنني أخشَى على دارِ أمْنِها ... فوارس يصطاد الفوارسَ صِيدُها\rوقال أبو تمام: الخفيف:","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"يُشْنَأُ الغيثُ وهو جدُ حبيب ... رب حَزام بِغْضِةِ الموموقِ\rقلبه البحتري فقال: المنسرح:\rيَسرُني الشيء قد يسوءكُم ... نوَهَ يَوْماً بِخامِل لقبُه\rقال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر: المعنى في المصراع الأول أبْيَنُ منه في الثاني؛ ألا ترى أنه لو قال: إنه ليسوءك الشيء قد يسر، كان مثل ذلك المعنى مستوياً، إلاّ أنه قلبه لحاجته.\rقال ابن الرومي يهجو مغنية: الرمل:\rقينة ملعونة من أجلها ... رفَضَ اللهو َمعاً مَن رَفضَهْ\rفإذَا غَنت ترى في حَلقها ... كل عِرْقٍ مثل بَيتِ الأرَضَة\rفقلبَهُ ابن المعتز فقال يصف أرَضة أكلت له كتاباً: الرجز\rتَثْني أنابيبَ لها فيها سبل ... مثل العروق لا ترَى فيها خَلَلْ\rوهذا كثير يُكْتَفى منه باليسير.\rما لا ينقلب من المعاني\rومن المعاني ما لا ينقلب: ألا تَرَى أنك تقول: نام القوم حتى كأنهم موتى، ولا يحسن أن تقول: ماتوا حتى كأنهم نيام؛ وقد أخذ على أبي نواس قوله يصف داراً وقف بها: السريع:\rكأنها إذ خَرستْ جارم ... بين يَدَي تفنيده مُطرِقُ\rقالوا: إنما يجب أن يشبه الجارم إذا عذلوه فسكت وانقطعت حجتُه بالدار الخالية التي لا تُجِيب.\rوأخذوا عليه قوله: البسيط:\rكأن نيراننا في جنبِ حصنهمُ ... معصفرات على أرسَانِ قَصَارِ\rوقد تبعه أبو تمام الطائي فقال في الأفشين لما أحرق: الكامل:\rما زالَ سرُ الكُفْر بينَ ضُلُوعِه ... حتى اصْطَلى سرَ الزنادِ الوَارِي\rنارٌ يساورُ جسمَه من حرها ... لَهب كما عصفرتَ شِق إزارِ\rطارت له شُعَل يهدِّم لفحها ... أركانَهُ هَدْماً بغيرِ غبَارِ\rفصَّلْنَ منه كلَّ مجمَع مَفْصِل ... وفعَلْنَ فاقرة بكُلّ فَقَارِ\rصلّى لها حيًّاً، وكان وقُودها ... مَيتاً، ويدخُلها مع الكفارِ\rوكذاك أهلُ النارِ في الدنيا هم ... يومَ القيامة جلُ أهْلِ النَّارِ\rأردت البيت الثاني، قالوا: وإنما تشبه الثيابُ المعصفرة بالنار؛ فهذا وما أشبهه لا يتوازنُ انعكاسه، وتتضادّ قضاياه؛ وإنما يصح القلْب فيما يتحقّق تضادّه أو يتقارب.\rقطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم\rقال أبو الفتح البستي: البسيط:\rقد غضَّ مِن أملي أني أرى عملي ... أقْوَى من المشتري في أوَلِ الحَمَلِ\rوأنني راحِل عمّا أُحاوِله ... كأنني أسْتدرُّ الحظ من زُحَلِ\rوقال: البسيط\rإذا غدا ملكٌ باللَّهْوِ مشتغلاً ... فاحكم على مُلْكِه بالوَيْلِ والحَربِ\rألم تر الشمس في الميزان هابطةً ... لمّا غدا برج نجمِ اللَّهْو والطَّرَبِ؟\rوقال: الوافر\rوقد تُدْني الملوكُ لدى رِضَاها ... وتُبْعِدُ حين تحتقدُ احتقادا\rكما المرَيخ في التثليث يُعْطي ... وفي التربيع يَسْلُبُ ما أفَادا\rوقال: المتقارب\rألا فثقوا بي فإني كما ... تمدَحت فَلْيمتحن من يُحبْ\rفما كوكبي راجعاً في الوفاء ... ولا بُرْجُ قلبيَ بالمنقلبْ\rوقال: المتقارب\rلئن كسَفُونا بلا علّةٍ ... وفازت قِداحُهُمُ بالظفَرْ\rفقد يَكْسِفُ المرءَ مَنْ دونه ... كما يَكْسِفُ الشمسَ جِرمُ القَمَر\rوقال: الرمل:\rشَرَفُ الوَغْد بوغد مثلهِ ... ما فيهِ بزيغٍ وخَلَلْ\rودليل الصدقِ فيما قُلْتُه ... شرفُ المرّيخ في بيت زُحَلْ\rوقال: الكامل:\rقل للذي غَرَّتهُ عِزَّةُ مُلْكِه ... حتى أخَل بطاعةِ النصحاءِ\rشرفُ الملوكِ بعلمهم وبرأيهم ... وكذاك أوْجُ الشمسِ في الجوزاء\rوقال: المتقارب:\rوقد يفسدُ المرء بعد الصلاح ... فساد الأماكن، والشر يُعْدِي\rكما السّعد يَقبل طبع النحوس ... إذا كان في موضعٍ غَيْر سَعْدِ\rوقال: الرجز:","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"ما أنْسُ ظمآنٍ بماءً باردِ ... من بَعْدِ طولِ العهد بالمواردِ\rإلاّ كأُنْسِي بكتابٍ وارد ... من سيدٍ مَحْضِ النِّجار ماجِدِ\rكأنما استملاه من عُطارِد\rوقال: الكامل:\rيا معشرَ الكتاب لا تتعرضوا ... لرياسةٍ، وتصاغرُوَا وتخادَموا\rإن الكواكب كُن في أشرافها ... إلاّ عطارد حين صُوَر آدمُ\rوقال: المتقارب:\rدعاني إلى بيته سيّدٌ ... له الْخُلق الأشرفُ الأظرفُ\rفلازَمْتُ بيتي ولاطَفْتُهُ ... بعذر هو الأظرف الأطرفُ\rعُطَارِدُ نَجْمِي، ولا شكّ أن ... عطاردَ في بيته أشرفُ\rوقال: البسيط:\rلئن تنقلْتُ مِنْ دارٍ إلى دارِ ... وصِرْتُ بعد ثَوَاء رَهْنَ أسفارِ\rفالحر حرٌ عزيزُ النفس حيث ثَوَى ... والشَمْسُ في كل بُرْج ذاتُ أنوار\rوقال: الطويل:\rلئن صدع الدهرُ المشتتُ شملنا ... وللدهر حكم للجميع صَدُوعُ\rفللنَجْمِ من بعد الرجوع استقامةٌ ... وللشمس من بعد الغروب طلوع\rوقال لمحبوس: الطويل:\rحُبسْتَ ومن بعد الكسوف تبلّج ... تضيءُ به الآَفاقُ للبدر والشمسِ\rفلا تعتقدْ للحبس غماً ووَحْشَة ... فأول كون المرء في أضْيَق الحبْسِ\rوقال أيضاً: الكامل:\rيا من تولى المشتري تدبيرَهُ ... حاشاك أن تنقادَ للمريخِ\rوقال: الكامل:\rلا تفزعَنْ من كل شيء مُفْزعٍ ... ما كلُّ تدبير البروج بضائِرِ\rوقال يرثي أبا القاسم الصاحب: الطويل:\rفَقَدْناهُ لما تمَ واعتمَ بالعُلاَ ... كذاك كسوفُ البدر عند تمامِهِ\rوقال أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن درست لأبي الفضل الميكالي: الوافر:\rإذا ما غاب وَجْهُ البَدْرِ عنا ... فَوَجهُكَ عِندَنا البَدرُ المُقيمُ\rفإن رَجَعَت نُجومُ السعدِ يَوماً ... فوجهك نجمُ سعدٍ مستقيمُ\rوقال مسكويه الخالدي: البسيط:\rلا يعجبنكَ حسنُ القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست في منازلها\rلو زيدت الشمسُ في أبراجها مائةً ... ما زاد ذلك شيئاً في فضائلها\rوقال أبو بكر الخوارزمي: الطويل:\rرأيتك إن أيسرْتَ خيمتَ عندنا ... لزاماً، وإن أعسَرت زُرْتَ لماما\rفما أنت إلا البدر: إن قل ضوؤه ... أغَب، وإن زاد الضياء أقاما\rوهذا كقول إبراهيم بن العباس الصولي في محمد بن عبد الملك الزيات: الرمل:\rأسَدٌ ضَارٍ إذا مانَعْتَهُ ... وأبٌ برٌ إذا ما قدرا\rيعرف الأبعد إن أثرى، ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا\rوقال ابن المعتز: الطويل:\rإذا ما أراد الحاسدون انهدامَه ... بناهُ إلهٌ غالبُ العز قاهرُهْ\rوماذا يريد الحاسدون من امرئً ... تزينهمُ أخلاقُهُ ومآَثِرُه؟\rإذا ما هو استغنى اهتدى لافتقارهمْ ... ولا تهتدي يَوْماً إليهم مَفَاقِرُهْ\rوكانوا كَرَام كوكبا ببصاقِهِ ... فرُدَ عليهم وَبْله ومَوَاطِرُهْ\rوهذا البيت كما قال بعض العرب في إحدى الروايات: الطويل:\rرَماني بأمر كنتُ منه وَوَالدي ... برياً ومِنْ جالِ الطوِيَ رَمَاني\rالجُول والجَال: الناحية، والطوي: البئر؛ يريد رماني بما عاد عليه، والرواية المشهورة: من أجل الطَّوِي، فعلى هذا تسقط المناسبة بينه وبين قول ابن المعتز.\rمن أخبار الأصمعي\rقال بعضُ الرواة: كنّا مع أبي نصر رَاوية الأصمعي في رياضٍ من المذاكرة نَجْتَني ثمارَها، ونَجتَلي أنوارَها، إلى أن أفَضْنَا في ذكر أبي سعيد عبد الملك بن قرَيب الأصمعي؛ فقال: رحم اللَهُ الأصمعي! إنه لمَعدِنُ حِكم، وبَحرُ عِلْم، غيرَ أنه لم نر قط مثلَ أعرابي وقف بنا فسلم، فقال: أيكم الأصمعي؟ فقال: أنا ذاك، فقال: أتأذنون بالجلوس؟ فأذِنا له، وعجبنا من حُسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"قال: يا أصمعي، أنتَ الذي يزعمُ هؤلاء النَفر أنك أثقبهُم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟ قال الأصمعي: فيهم مَنْ هو أعلم مني، ومَنْ هُوَ دوني، قال: تنشدونني من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسَهُ على شعر أصحابنا؟ فأنشده شعراً لرجل امتدح به مسلمة بن عبدَ الملك: الطويل:\rأمَسلمَ، أنتَ البحرُ إن جاءَ واردٌ ... وليث إذا ما الحربُ طارَ عُقابُها\rوأنت كسيف الهنْدُوَانِيّ إن غدَت ... حوادثُ من حربٍ يعب عُبابها\rوما خُلِقت أُكْرومَةٌ في امرئٍ له ... ولا غاية إلاّ إليك مَآَبُها\rكأنك ديَّانٌ عليها مُوَكَّلٌ ... بها، وعلى كفيك يَجرِي حِسابُها\rإليك رحلْنَا العِيسَ إذ لم نجد لها ... أخا ثقة يرجَى لديه ثوابُهَا\rقال: فتبسَّم الأعرابي، وهزَّ رأسه، فظننا أن ذلك لاستحِسانه الشعر، ثم قال: يا أصمعيّ، هذا شعرٌ مهَلهل خَلَق النسج، خطْؤه أكثر من صوابه، يغطي عيوبَه حسن الرَوِيِّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتُدح بالأسد، والأسد أبْخَر شَتيم المَنظَر، وربما طرده شِرْذِمَة من إمائِنَا، وتلاعَب به صبياننا، ويشبّهونه بالبحر، والبحرُ صَعْبٌ على مَن رَكبه، مُرّ على من شربه، وبالسيف وربما خان في الحقيقة، ونَبَا عند الضِّريبة! ألا أنشدتني كما قال صبيّ من حيّنا! قال الأصمعي: وماذا قال صاحبكم؟ فأنشده: البسيط:\rإذا سألت الوَرَى عن كل مكرمة ... لم يُعْزَ إكرامها إلاّ إلى الهولِ\rفتًى جَوادٌ أذابَ المالَ نَائِلهُ ... فالنّيلُ يشكرُ منه كثْرَةَ النَّيْلِ\rالموتُ يكره أن يلقى مَنِيّتَهُ ... في كرِّهِ عند لفِّ الخيل بالخيلِ\rوزاحم الشمسَ أبقى الشمسَ كاسِفة ... أو زاحم الصُّمَّ ألْجَاها إلى الميْل\rأمضَى من النجم إن نابَتْه نائبةٌ ... وعند أعدائه أجْرَى من السَّيْلِ\rلا يستريح إلى الدنيا وزينتها ... ولا تراه إليها ساحبَ الذيْلِ\rيقصَرُ المجدُ عنه في مكارمِهِ ... كما يقصّر عن أفعاله قَوْلي!\rقال أبو نصر: فأَبْهَتَنا والله ما سمعنا من قوله، قال: فتأنّى الأعرابي، ثم قال للأصمعي: ألا تنشدني شعراً ترتاحُ إليه النفس، ويسكن إليه القلب؟ فأنشده لابن الرِّقاع العاملي: الطويل:\rوناعمة تجْلُو بعود أراكةٍ ... مؤشَّرَة يَسْبي المُعانِق طِيبُها\rكأنّ بها خمراً بماءِ غمامةٍ ... إذا ارتشِفَتْ بعد الرّقاد غُروبُها\rأراك إلى نَجْدٍ تَحِنُّ، وإنما ... مُنَى كلِّ نفس حيثُ كان حبيبُها\rفتبسَم الأعرابي وقال: يا أصمعي، ما هذا بدون الأول، ولا فوقه، ألا أنشدتني كما قلت؟ قال الأصمعي: وما قلت؟ جعلت فداك! فأنشده: الطويل:\rتَعلَّقْتُها بِكراً، وعُلِّقْت حبَّها ... فقلبيَ عن كلِّ الورَى فارغٌ بِكْرُ\rإذا احتجَبَتْ لم يكفكِ البدرُ ضوءَها ... وتكفيك ضوءَ البدر إن حُجِبَ البَدْرُ\rوما الصبرُ عنها، إن صبرتَ، وجدتُه ... جميلاً، وهل في مثلها يَحْسُن الصَّبْرُ؟\rوحسبُك من خمر يفوتُك ريقُها ... وواللّه ما من ريقها حَسْبُكَ الخمرُ\rولو أن جلد الذر لامَسَ جِلْدَها ... لكان لمسَ الذر في جِلْدِها أثْرُ\rولو لم يكُنْ للبَدْرِ ضِدًّا جمالُها ... وتفضله في حُسْنِها لصفا البَدْرُ\rقال أبو نصر: قال لنا الأصمعي: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطرافِ المُدَى في رِقاق الأكباد! قال: وأقامَ عندنا شهراً، فجمَع له الأصمعيُّ خمسمائة دينار، وكان يتعاهدنا في الْحِين بعد الْحِين، حتى مات الأصمعي وتفرّق أصحابنا!\rفِقَرٌ من كلام الأعراب\rفي ضروب مختلفة\rقال الجاحظ: ليس في الأرض كلامٌ هو أمْتَع، ولا أنْفَع، ولا آنقُ، ولا ألذّ في الأسماع، ولا أشد اتّصالاً بالعقول السليمة، ولا أفْتَق لِلسان، ولا أجود تقويماً للبيان، من طُولِ استماع حديث الأعراب العقلاءِ الفصحاءَ.","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"قال ابنُ المقفع، وقد جرى ذِكْرُ الشعرِ وفضيلته: أي حكمة تكون أبلغ، أو أحسن، أو أغرب، أو أعجب، من غلام بدوي لم ير رِيفاً، ولم يشبع من طعام؛ يستوحشُ من الكلام، ويَفْزَع من البشر، ويَأوِي إلى القَفْرِ واليرابيع والظَباء، وقد خالط الغِيلاَن، وأنسَ بالجانِ؛ فإذا قال الشعر وصف ما لم يَرَه، ولم يغذ به، ولم يعرفه، ثم يذكر محاسن الأخلاق ومساويها، ويمدح ويهجو، ويذمّ ويعاتب، ويشبب ويقول ما يُكتب عنه، ويروى له، ويبقى عليه.\rوقال بعض الأعراب: الطويل:\rوإني لأهدَى بالأوانس كالدُمى ... وإني بأطراف القَنَا للَعوبُ\rوإني على ما كان من عُنْجُهيتي ... ولُوثَة أعرابيتي لأدِيبُ\rكأن الأدب غريب من الأعراب، فافتخر بما عنده منه.\rوقال الطائي في فطنتهم، يستعطف مالك بن طَوْق على قومه بني تغلب: الكامل:\rلا رِقة الخَصْرِ اللطيف غَذَتْهُمُ ... وتباعدوا عن فطْنَةِ الأعرابِ\rفإذا كَشَفْتُهُمُ وجدْت لديهمُ ... كرَم النفوس وقلّةَ الآَدابِ\rووصف أعرابي رجلاً فقال: هو أطهرُ من الماء، وأرق طباعاً من الهواء، وأمضى من السيل، وأهدى من النجم.\rووصف أعرابيّ رجلاً فقال: ذاك والله من ينفع سِلمه، ويتَواصَفُ حِلمه، ولا يُسْتَمرَأ ظُلْمه.\rوقال أعرابي: جلستُ إلى قوم من أهل بغداد فما رأيتُ أرجَح من أحلامهم، ولا أطيًشَ من أقلامهم.\rوذكر أعرابي من بني كلاب رجلاً فقال: كان والله الفهمُ منه ذا أذنين، والجواب ذا لِسَانين، ولم أرَ أحداً أرتقَ لخلَلِ رَأي، ولا أبعد مسافة روية، ومَرادَ طَرْفٍ منه؛ إنما كان يرمي بهمّته حيث أشار إليه الكرم، وما زال يتحسى مرارة أخلاق الإخوان، ويسقيهم عذوبةَ أخلاقه.\rوذكر أعرابي رجلاً فقال: والله لكأن القلوب والألسُن ريِضتْ له، فما تُعْقَدُ إلا على وُده، ولا تنطق إلاَّ بحمده.\rوقال أعرابي: أقبحُ أعمال المقتدرين الانتقامُ، وما استنبط الصوابُ بمثل المشاوَرة، ولا اكتُسِبت البغضاءُ بمثل الكبر.\rقال الأصمعي: وخطَبنا أعرابي بالبادية، فقال: أيها الناس، إنّ الدنيا دارُ مفر، والآَخرة دار مقَر؛ فخذوا من مفركم لمقَركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسرارُكم.\rقال المعافر بن نعيم: وقفتُ أنا ومعبد بن طوق العنبري على مجلس لبني العنبري، وأنا على ناقة وهو على حمار، فقاموا فبدأوني فَسَلموا علي؛ ثم انكفَأوا على معبد، فقبض يده عنهم؛ وقال: لا، ولا كَرَامة! بدأتم بالصغير قبل الكبير، وبالمولَى قبل العربي، وبالمُفْحَم قبل الشاعر، فأسكت القومُ، فانبرى إليه غلام، فقال: بدَأنا بالكاتب قبل الأُمي، وبالمهاجر قبل الأعْرابي، وبراكب الراحلة قبل راكب الحمار.\rووصف أعرابي قومَه فقال: ليوثُ حَرْب، وغُيوث جَدْب، إنْ قاتلوا أبْلَوْا، وإنْ بذلوا أغْنَوْا.\rووصف أعرابي قوماً فقال: إذا اصطفُوا سَفَرَتْ بينهم السهام، وإذا تصافَحُوا بالسيوف فَغَر فَمَه الْحِمامُ.\rوُسئل أعرابي عن صديق له، فقال: صَفِرت عِيَابُ الود بيني وبينه بعد امتلائها، واكفهّرت وجوهٌ كانت بمائها.\rوقال الأصمعي: وسمعت أعرابياً يقول: إن الآمال قَطَعتْ أعناقَ الرجال، كالسراب غَرَ مَنْ رآه، وأخلف من رَجاه، ومَنْ كان الليلُ والنهار مَطِيته أسرعا السير والبلوغ به: البسيط:\rوالمرءُ يفرح بالأيام يقطَعُها ... وكلُّ يوم مضى يُدْني من الأجَل\rوذكر أعرابي مصيبة نالَتْه، فقال: إنها، والله، مصيبة جعلت سُودَ الرؤوس بيضاً، وبيضَ الوجوه سوداً، وهونت المصائب، وشَيبت الذوائب.\rوهذا كقول عبد الله بن الزَبير الأسدي: الوافر:\rرَمَى الحِدْثَانُ نِسْوَةَ آل حَرْبٍ ... بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمُودا\rفرد شعورهنَ السُود بيضاً ... ورد وجوهَهُن البيضَ سُودا\rوإنكُ لو رأيت بكاءَ هِنْدٍ ... ورَمْلَة إذ تَصُكَانِ الخدُودا\rبَكَيتَ بُكاءَ مُعْوِلةٍ حَزين ... أصابَ الدهرُ واحدَها الفقيدا\rونظيرُ هذا التطابق بين السواد والبياض، وإن لم يكن من هذا المعنى، قولُ ابن الرومي: الخفيف:\rيا بياضَ المَشِيبِ سَوَّدْتَ وَجْهي ... عند بيضِ الوجوه سُودِ القرونِ","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"فلعمري لأخفينَك جَهْدِي ... عن عِياني وعن عِيان العيونِ\rولعمري لأمنعنك أن تَض ... حك في رَأسِ آسفٍ محزون\rبسوادِ فيه ابيضَاضٌ لوجهي ... وسوادٌ لوَجْهِكَ المَلْعُونِ\rسأل أعرابيان رجلاً، فحرمهما، فقال أحدُهما لصاحبه: نزلتَ والله بوادٍ غير ممطور، وأتيتَ رجلاً بك غير مسرور، فلم تّدرك ما سألت، ولا نِلْتَ ما أمَّلْت؛ فارتحِل بندم، أو أَقمْ على عَدَم.\rقال الأصمعي: وسمعتُ أعرابياً يقول: غَفَلنا ولم يَغْفُلِ الدهرُ عنّا، فلم نتعظ بغيرنا حتى وُعِظ غيرُنا بنا، فقد أدركتِ السعادةُ من تَنبه، وأدركت الشقاوة من غفَل، وكَفى بالتجربة واعظاً.\rوقال أعرابي لرجل: أشكر للمنعم عليك، وأنْعم على الشاكر لك، تستَوْجب من ربك زيادته، ومن أخيك مُنَاصحته.\rومدح أعرابي رجلاً فقال: ذلك والله فَسيح الأدب، مُسْتَحْكِم السبب، من أيِّ أقطاره أتيته تُثْني عليه بكرم فعال، وحُسْن مقال.\rوذمّ أعرابي رجلاً فقال: أفسد آخِرتَه بصلاح دُنْياه، ففارقَ ما أصْلح غيرَ راجعِ إليه، وقدم على ما أفسد غَيْرَ منتقل عنه، ولو صدق رجلٌ نفسه ما كَذَبتهّ، ولو ألقى زمامه أوْطأه رَاحِلتَهُ.\rوقال أعرابي: خرجت حين انحدرَتْ أيدي النجوم، وشالَتْ أرجلها، فما زلّتُ أصدع الليلَ حتى انصدَع الفجر.\rوقال أعرابي: الرجز:\rوقد تَعَالَلْتُ ذَمِيلَ العَنْسِ ... بالسَّوْطِ في دَيْمُومة كالتّرسِ\rإذ عَرّج الليلُ بُرُوجَ الشَمْسِ\rومن مليح الاستعارة في نحو هذا قولُ الحسن بن وهب: شربت البارحة على وَجْهِ الجوزاء؛ فلما انتبه الفَجْرُ نِمْت، فما عقلت حتى لَحَفَني قَمِيصُ الشَمْسِ.\rوقال أعرابي لصاحبه في شيء ذكره: قل إن شاء الله، فإنها تُرْضِي الربَّ، وتُسْخِط الشيطان، وتُذْهِب الحِنْثَ، وتَقْضي الحاجة.\rوروى العتبيُ عن أبيه قال: سمعت أعرابيَاً يقول لأخيه في معاتبة جرَتْ بينهما: أما والله لرُبً يوم كتَنُّور الطاهي، رقّاص بالحمامة، قد رميتُ نَفْسي في أجِيج سَمُومِه، أحتَمِلُ منه ما أكره لما أحبّ.\rقال أبو العباس محمد بن يِزيد: وأحسب العتبي صنع هذا الكلام، وأخذه من قول بَشَار: الطويل:\rويوم كَتَنورِ الإماء سَجَرنَه ... وأوقَدنَ فيه الْجَزْل حتى تَضرَّما\rرميتُ بنفسي في أجيج سَمُومه ... وبالعيس حتى بَضّ مَنْخَرها دَمَا\rأخذ هذا المعنى بعضُ أصحاب أبي العباس ثعلب فقال يهجو المبرد: الطويل:\rويوم كتنُّور الطّهاة سَجَرْتُه ... على أنه منه أحَرّ وأوقدُ\rظللت به عند المبرّدِ جالِساً ... فما زلت في ألفاظِهِ أتبرَدُ\rقال الأصمعي: حجت أعرابيةٌ ومعها ابنٌ لها، فأصيبت به، فلمّا دُفِن قامت على قبره، وهي مُوجَعَة فقالت: واللّه يا بنيّ لقد غَذَوْتُك رضيعاً، وفقدتُك سريعاً، وكأنه لم يكن بين الحالين مدةٌ ألتذُ بعيشك فيها، فأصبحتَ بعد النَّضارة والغَضَارة ورونق الحياة والتنسّم في طِيب روائحها، تحت أطباق الثرَى جَسداً هامداً، ورُفَاتاً سحيقاً، وصعيداً جُرُزاً؛ أي بني! لقد سَحَبَتِ الدنيا عليك أذيال الفناء، وأسكنتك دارَ البِلَى، ورمتني بعدك نكْبَةُ الرَّدَى، أي بني، لقد أسفر لي وجهُ الدنيا عن صباح دَاجٍ ظلامُه.\rثم قالت: أي ربّ ومنك العدل، ومن خَلْقِك الجَوْر، وهَبْتَه لي قُرَةَ عين فلم تُمَتِّعني به كثيراً، بل سَلَبتنِيه وَشِيكاً؛ ثم أمرتني بالصبر، وَوَعَدْتني عليه الأجر، فصدقت وَعْدَك، ورضيت قضاءك، فرحم الله من ترحَّم على من استودَعْتُه الرَّدْم، ووسَدْتُه الثَّرَى؛ اللهم ارحم غربته، وآنِس وحشَته، وأسترْ عَوْرَته، يوم تُكْشَف الهَنَات والسوءات.\rفلما أرادت الرجوعَ إلى أهلها وقفت على قبره، فقالت! أي بني، إني قد تزوَّدْت لسفري، فليت شعري ما زادُك لبُعْدِ طريقك، ويوم مَعَادِك؟ اللهم إني أسألُك له الرضا برضائيِ عنه. ثم قالت: استودَعْتُك مَن استودَعَنِيك في أحْشَائي جنيناً؛ وأثكلَ الوالدات! ما أمض حرارةَ قلوبهنّ، وأَقْلَق مضْاجِعهن، وأطولَ ليلهن، وأقصرَ نهارهن، وأقلَّ أنسهنّ، وأشدّ وحشتهن، وأبعدهنّ من السرور، وأقربهنّ من الأحزان.","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"لم تزلْ تقولُ هذا ونحوه حتى أبكتْ كل مَنْ سمِعها. وحمدت الله عزَّ وجلَّ واسترجعَتْ وصلت ركعات عند قَبْره وانطلقت.\rوأنشد المُفضلُ الضبيُ لامرأةٍ من العرب ترثي ابناً لها: الكامل:\rيا عمرُو مالي عنك من صبرِ ... يا عَمْرو يا أسَفي على عَمْرِو\rلله يا عمرو، وأيَ فتىً ... كفّنْت يوم وُضِعْتَ في القبرِ؟\rأحْثوا الترابَ على مَفَارقهِ ... وعلى غَضَارة وجهه النضْرِ\rحين استوى وعَلا الشبابُ بهِ ... وبدا مُنِيرَ الوجه كالبدر\rورجا أقاربُه منافَعهُ ... ورأوا شمائل سَيّد غَمْرِ\rوأهمَه هَمَي فساوَرَهُ ... وغَدَا مع الغادِينَ في السفر\rتغدُو به شَقراء سامية ... مَرَطَى الْجِراء شَديدةُ الأسْر\rثبت الجَنَان به، ويقدمها ... فَلِجٌ يقلبُ مُقْلتي صَقْرِ\rربيتُه دَهْراً أفتَقُهُ ... في اليُسْر أغْذُوه وفي العُسْرِ\rحتى إذا التأميلُ أمكنني ... فيه قبَيْلَ تلاحُقِ الثغر\rوجعلتُ من شغفي أُنقلهُ ... في الأرض بين تَنَائِفٍ غُبْرِ\rأدَع المَزارعَ والحصونَ بهِ ... وأُحِلُه في المهْمَهِ القَفْرِ\rما زلْتُ أُصْعِده وأُحْدِرُهُ ... من قُتْر مَوْمَاةِ إلى قُتْرِ\rهرباً به والمَوْتُ يطلبُه ... حيث انتويْتُ به ولا أدْري\rحتى دفَعْتُ به لمَصْرَعِه ... سَوقَ المُعيز تُسَاق للعَتْرِ\rما كان إلاَ أن هَجَعْتُ له ... ورمى فأغْفَى مطلع الفجر\rورمى الكَرَى رَأسي ومال به ... رمسٌ يُسَاوِر منه كالسُكْرِ\rإذ راعني صوت هببت به ... وذُعِرْتُ منه أيّما ذُعْرِ\rوإذا منيتُه تساوِرُه ... قد كدَحت في الوَجْه والنَحْرِ\rوإذا له عَلَقٌ وحَشْرَجة ... مما يَجِيشُ به من الصَدْرِ\rوالموتُ يَقْبِضُه ويَبْسُطه ... كالثوبِ عند الطيِّ والنشْرِ\rفدَعَا لأنْصُرَه وكُنْتُ له ... من قبل ذلك حاضرَ النصْر\rفعجزتُ عنه وهي زَاهِقة ... بين الوريد ومَدْفَعِ السحْرِ\rفمَضى وأي فتى فُجعْتُ به ... جَلَت مصيبتُه عن القَدْرِ\rلو قيل تَفدِيه بذلتُ له ... مالي وما جمَّعتَ من وَفْرِ\rأو كنت مقتدراً على عُمُري ... آثرتُه بالشَّطْرِ من عُمْرِي\rقد كنتُ ذا فَقْرٍ له، فَعَدا ... ورَمَى عليَّ وقد رأى فَقْرِي\rلو شاء رَبِّي كان متعني ... بابْني وشد بأزْرِه أزْري\rبُنيَتْ عليك بُنَي، أحوج ما ... كنّا إليك، صفائحُ الصَخْر\rلا يبعدنكَ الله يا عمري ... إمَا مَضَيْتُ فنحنُ بالإثْر\rهذي سبيلُ الناس كلهم ... لا بد سالكها على سَفْرِ\rأوَ لا تراهم في ديارهم ... يتوقعون وهم على ذُعْرِ\rوالموتُ يُورِدهم مواردهم ... قَسراً؛ فقد ذَلُوا على القَسْرِ\rوقال أعرابي يمدح رجلاً: الطويل:\rيمُدُ نِجادَ السيف كأنه ... بأعلى سنامَيْ فالجٍ يَتَطَوَحُ\rويُدلجُ في حاجاتِ مَنْ هو نائم ... ويُوري كريماتِ الندى حين يقدحُ\rإذا اعتمّ بالبُرْدِ اليماني حسبته ... هلالاً بَدَا في جانب الأفْقِ يَلْمَحُ\rيزيدُ على فَضْل الرجال فضيلة ... وَيقصُر عنه مَدْحُ مَنْ يتمدَحُ\rوأنشد ابنُ أبي طاهر لأعرابي: الطويل:\rوقبليَ أبكىَ كل من كان ذا هوى ... هَتُوفُ البواكي والديارُ البَلاقِعُ\rوهن على الأطلال من كلّ جانبٍ ... نَوَائح ما تَخْضَلُّ منها المَدَامِعُ","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"مُزَبْرَجَةُ الأعناق نمْرٌ ظهورُها ... مخطّمة بالدُّرِّ خضر رَوَائع\rتَرَى طرُزاً بَيْنَ الخَوَافي كأنها ... حَوَاشِيّ بُرْدٍ زَيَّنتها الوَشائعُ\rومن قِطَع الياقوتِ صيغَتْ عُيُونُها ... خواضب بالحِنّاء منها الأصابع\rومن جيد ما قيل في الحمام قول ابن الرومي: الطويل:\rوقَفْتُ بمِطْرَاب العشياتِ والضُحَى ... فظَلْتُ أسُحُّ الدمع مني وأسْجُمُ\rحليفة شَجْوٍ هَاجَ ما بي وما بها ... تباريح شوق يشتكيها المتيّمُ\rفباحَ به فُوها وأخْفَتْه عينها ... وباحَتْ به عَيني وكتَّمه الفَم\rودخل أعرابي على الرشيد، فأنشده أرجوزةً مدحه بها، وإسماعيل بن صبيح يكتبُ كتاباً بين يديه - وكان من أحسن الناس خطّاً، وأسرعهم يدا - فقال الرشيد للأعرابي: صف الكاتب فقال: الطويل:\rرقيقُ حَواشي العلم حينَ تبورهُ ... يُرِيك الهُوينا والأُمورُ تَطِيرُ\rله قَلَمَا بؤسى ونُعْمى كلاهما ... سحابَتُه في الحالتَيْنِ ذَرُورُ\rيُنَاجِيك عمّا في ضميرك خَطّهُ ... ويَفْتَحُ باب النُّجْحِ وهو عسيرُ\rفقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابي عليه حقّ، كما وجب لك علينا يا غلام؛ ادفَعْ له دِية الْحُرّ، فقال إسماعيل: وعلى عبدِك دية العَبْد.\rوقال أعرابي من بني عقيل: الطويل:\rأَحِنُّ إلى أرضِ الحجاز، وحاجَتي ... خِيامٌ بنَجْدٍ دونها الطَّرْفُ يَقْصُرُ\rوما نَظَرِي نحو الحِجازِ بنافعي ... فتيلاً، ولكني على ذَاك أنْظُر\rأفي كلِّ يوم نَظْرَةٌ ثم عَبرةٌ ... لعيَنْيك يجرِي ماؤُها يتحَدَرُ\rمتى يستريح القلب إمَا مجاورٌ ... حزينٌ وإمَا نازح يتذَكَرُ\rوقال أعرابي: الطويل:\rوإني لأُغْضِي مقلتيَّ على القَذَى ... وألْبَسُ ثوبَ الصبْرِ أبْيَض أبْلَجا\rوإنّي لأدْعو اللَّهَ والأمرُ ضَيّقٌ ... عليَ، فما ينفك أنْ يتفرجا\rوكم من فتًى ضاقَتْ عليه وجوهُهُ ... أصاب لها من دَعْوَةِ اللَهِ مَخْرَجا\rوقال آخر: الطويل:\rذكرتُك ذِكْرى هائمٍ بك تَنتهِي ... إليك أمانيه وإن لم يكُنْ وَصْلُ\rوليسَتْ بِذِكرى ساعةٍ بعد ساعةٍ ... ولكنها موصولةٌ ما لَهَا فَصْلُ\rوقال آخر: الطويل:\rأريتُكِ إنْ شطتْ بك العامَ نِية ... وعَالَكَ مُصْطَافُ الحِمَى ومرابِعُهْ\rأترعَيْنَ ما استُودعت أم أنت كالذي ... إذا ما نَأى هَانَتْ عليك ودَائِعُهْ\rألا إنّ حَسْياً دونه قُلَةُ الحِمَى ... مُنَى النفسِ لو كانت تُنَالُ شَرَائِعُهْ\rأخذت أزْدُ العتيك شاعراً من قَيْس بن ثعلبة اسمه المعذل في دَم، فأتاه البَيْهَس بن ربيعة فحمله، وأمره أن يَنْجُوَ بنفسه، وأسلم نفسه مكانه، فقال له المعذل: أُخيرك بين أن أمْدَحَك أو أمدح قومَك؛ فاختار مدحَ قومه فقال: الطويل:\rجزى الله فتْيانَ العَتيك، وإن نَأَتْ ... بيَ الدَّارُ عنهم، خيرَ ما كان جازِيا\rهُمُ خَلَطُوني بالنفوس وأحسنوا الصّح ... ابة لما حُمَ ما كان آتيا\rمَتَاعُهُمُ فَوْضى فَضاً في رحالِهِمْ ... ولا يحسنُون الشَرَ إلا تبَادِيا\rكأنّ دنانيراً على قَسَمَاتِهِمْ ... إذا الموتُ في الأبطال كان تحاميا\rوذكرت الرواة أن المهلب بن أبي صُفْرَة عرض جُنَده بخراسان، فعرض جيش بكر بن وائل، فمرّ به المعذّل فقال: هذا المعذل القيسي الذي يقولُ، وأنشد الأبيات، فقالوا: أيها الأمير، أحسبه علينا، فانطلق مائة منهم، فجاءوا بمائة وصيف ووصيفة، فقالوا: أَعْطِه هذا وليعذرنا.\rقوله: كأن دنانيراً على قسماتهم نظيرُ قول أبي العباس الأعمى: الخفيف:\rليت شِعْرِي من أيْنَ رائحة الْمس ... ك وما إن إخال بالخَيْف إنسْي؟\rحين غابت بنو أمية عنهُ ... والبهاليلُ من بني عبد شمس\rخطباء على المنابر، فُرسَا ... نٌ عليها، وَقَالة غيرُ خُرسِ","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"في حلوم إذا الحلوم استُفزَتْ ... ووجوه مثل الدنانير مُلْسِ\rمن أخبار أبي نواس\rولما خلع المأمونُ أخاه محمد بن زُبيده ووجّه بطاهر بن الحسين لمحاربته، كان يعملُ كتباً بعيوبِ أخيه تُقْرأ على المنابر بخراسان؛ فكان مما عابه به أن قال: إنه استخلص رجلاً شاعراً ماجِناً كافراً، يقال له الحسن بن هانئ، واستخلصه ليَشرَبَ معه الخمر، ويرتكبَ المآثم، ويَهْتِكَ المحارم، وهو الذي يقول: الطويل:\rألا فاسقِني خَمْراً وقُل لي هي الخمرُ ... ولا تسقني سرَاً إذا أمْكَنَ الجَهرُ\rوُبحْ باسم مَنْ تهوى ودَعْني عن الكُنَى ... فلا خَيرَ في اللَذاتِ من دونها سِتْرُ\rويذكر أهلَ العراق فيقول: أهل فسوق وخمور، ومَاخُور وفجور؛ ويقوم رَجلٌ بين يديه فيُنْشِد أشعار أبي نواس في المجون؛ فاتصل ذلك بابن زبيدة؛ فنهى الحسنَ عن الخمر، وحبسه ابنُ أبي الفضل بن الربيع؛ ثم كلمه فيه الفضل، فأخرجه بعد أن أخذ عليه ألا يشربَ خمراً، ولا يقول فيها شعراً، فقال: الكامل:\rما مِنْ يدٍ في الناس واحدةٍ ... كَيَدٍ أبو العباسِ مَولاَها\rنامَ الثقاتُ على مضاجعهم ... وسَرَى إلى نفسي فأحياها\rقد كنتُ خِفْتُكَ، ثم آمنني ... من أن أخافك، خَوْفُكَ الله\rفَعفوتَ عني عَقوَ مُقتدرٍ ... وجَبَت لهُ نِقَم فألغاها\rومن قوله في ترْك الشراب: الخفيف:\rأيها الرائحان باللَّومِ، لُوما ... لا أذوقُ المُدَامَ إلا شَمِيما\rنَالَني بالمَلام فيها إمام ... لا أرى لي خلافَهُ مُستقيما\rفاصرِفاها إلى سِوَايَ؛ فإني ... لست إلا على الحديث نديما\rجُل حظي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما\rفكأني وما أزينُ منها ... قَعَدِي يُزَيًن التحكيما\rكَل عَنْ حَمْلِهِ السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المُطِيقَ ألاّ يُقيما\rالقَعَدِيّة: فرقة من الخوارج، يَأمرون بالخروج ولا يخرجون؛ وزعم المبرد أنه لم يُسْبَقْ إلى هذا المعنى.\rوقال: الكامل:\rعَيْن الخليفةِ بي مُوَكلة ... عَقَدَ الحِذارُ بطَرْفِها طَرْفي\rصَحَتْ عَلاَنيتي له، وأرى ... دِينَ الضمير له على حَرْفِ\rولئن وَعَدْتُكَ تَرْكَها عِدَةً ... إني عليك لخائف خُلْفي\rسلبوا قِناعَ الدن عن رَمق ... حي الحياةِ مُشَارِفِ الحَتْفِ\rفْتنفسَتْ في البيت إذ مُزِجَتْ ... كتنفُس الريْحانِ في الأنْفِ\rأخذْ قوله: ولئن وعدتك تركها عدة الحسنُ بن علي بن وكيع فقال: البسيط:\rمتى وَعَدْتُك في تركِ الصَبا عِدَةً ... فاشْهَدْ على عِدَتي بالزورِ والكَذِبِ\rأمَا تَرى الليل قد ولَت عَساكِرُهُ ... وأقبل الصبحُ في جيش له لَجِبِ\rوجدَ في أثر الجوزْاء يطلُبُها ... في الجو رَكْضاً هِلالٌ دائمُ الطلب\rكصولَجانِ لُجَين في يدَيْ ملك ... أدناه من كُرَةٍ صيغَتْ من الذهب\rفقُم بنا نَصْطَبِحْ صفراءَ صافيةً ... كالنار لكنها نَار بلا لَهَبِ\rعروسُ كَرْم تختالُ في حُلَل ... صُفْرٍ على رأسها تاجٌ من الحَبَبِ\rوقال أبو الفضل الميكالي في اقتران الهلال بالزهرة: الرجز:\rأما ترى الزُهرةَ قد لاحَتْ لنا ... تحت هلال لونُه يَحكِي اللَهَبْ\rككُرة من فِضةٍ مَجلوة ... وافَى عليها صَولَجانٌ من ذَهَبْ\rوعلى قول أبي نواس: الكامل:\rصَحت عَلانيتي له، وأرى ... دِينَ الضمير له على حَرْفِ\rكتب أبو العباس بن المعتز إلى أبي الطيب القاسم بن محمد النميري: السريع:\rيا أيها الجافي ويستجفي ... ليس تجنيك من الظرفِ\rإنَّك في الشوقِ إلينا كمَنْ ... يُؤْمِنُ باللّهِ على حَرْفِ\rمَحَوْتَ آثارَكَ من ودِّنا ... غير أساطيرك في الصُحْفِ","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"فإن تحامَلْتَ لنا زَوْرَةً ... يوماً تحاملت على ضَعْفِ\rوحدث أبو عمر الزاهد قال: دَلَك بعضُ الزهاد المرائين جَبْهَتَهُ بِتُوْمٍ وعصبها، ونام ليصْبح بها كأثر السجود، فانحرفت العِصابة إلى صُدْغه، فأخَذ الأثر هناك، فقال له ابنُه: ما هذا يا أبت؟ فقال: أصبح أبوك ممن يَعْبُدُ اللّه على حرف! وقال أبو نواس في الباب الأول: الخفيف:\rغَنَنا بالطلولِ كيف بَلِينا ... واسْقِنَا نُعْطِكَ الثناءَ الثمينا\rمن سُلاَفٍ كأنها كلُّ شيءً ... يتمنَّى مُخَيَّرٌ أنْ يَكونا\rأكَلَ الدهرُ ما تجسَم منها ... وتبقَّى لُبابها المكْنُونَا\rفإذا ما اجْتَلَيْتَها فَهَباء ... يمنع الكَفَّ ما يُبِيحُ العيونا\rثم شُجتْ فاستضحكتْ عن لآلٍ ... لو تَجَمَعْنَ في يدٍ لاقْتينا\rفي كؤوس كأنهن نجومٌ ... دائراتٌ بُرُوجُها أيْدِينا\rطالعات مع السُقَاةِ علينا ... فإذا ما غَرَبْنَ يَغْربْنَ فينا\rلو ترى الشربَ حولَها من بعيد ... قُلْتَ قوماً من قِرة يصَطلُونا\rوغزال يُدِيرُها ببَنَانِ ... ناعماتِ يَزِيدُها الغَمْز لِينَا\rكلما شِئْتُ عَلنِي بِرُضَاب ... يَتْرُك القلبَ للسرور قرينا\rذاك عيشٌ، لو دَامَ لي غيرَ أني ... عِفْتُه مُكْرهاً وخِفْتُ الأمِينا\rوقال: الطويل:\rأعاذلَ، أعتبْت الإمامَ، وأعْتبا ... وأعْرَبْتُ عمَا في الضمير وأعْرَبا\rوقلتُ لساقيها: أجزْها فلم أكن ... ليأبى أميرُ المؤمنين وأشْرَبا\rفجوَّزَها عنِّي سُلاَفاً تَرَى لها ... لدى الشَّرَفِ الأعلى شُعاعا مُطَنَبا\rإذا عَبَّ فيها شاربُ القوم خِلته ... يُقَبلَُ في داجٍ من الليل كوكبا\rترى حيثما كانَتْ من البيت مَشْرِقاً ... وما لم تكن فيه من البيت مَغْرِبا\rيَدُور بها رَطْبُ البنان ترى لهُ ... على مُسْتَدار الخدّ صُدْغاً مُعَقْرَبا\rسقاهُمْ ومَنانِي بعيْنَيْهِ مُنْيَةً ... فكانت إلى قلبي ألذ وأطَيبا\rقال الحسين بن الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولي: المنسرح:\rوشاطريَ اللسانِ مختلق التَّ ... كْرِيه شابَ المُجُونَ بالنُّسُكِ\rفلما بلغْتُ فيه:\rكأنما نُصْبَ كَأسِهِ قَمَر ... يَكْرَعُ في بعْضِ أنْجُم الفَلَكِ\rنَعرَ نَعْرَةً منكرةً، فقلت: ما لكَ، فقد رعتني؟ قال: هذا المعنى أنا أحقُّ به منك؛ ولكن سترى لمن يُرْوَى! ثم أنشد بعد أيام:\rإذا عبَّ فيها شاربُ القوم خِلْتَهُ ... يُقْبِّلُ في داجٍ من الليل كوكبا\rفقلت: هذه مطالبة يا أبا علي! فقال: أتظنّ أنه يُرْوى لك معنى مليح وأنا في الحياة؟ وقال ابن الرومي فكان أحسن منهما: الكامل:\rومهفهف كَمُلَتْ مَحَاسِنُهُ ... حتى تجاوزَ مُنْيَةَ النَّفْسِ\rتَصْبُو الكؤوس إلى مَرَاشِفِه ... وتَضِجّ في يده من الحَبْسِ\rأبصرْتُها والكأسُ بين فمٍ ... منه وبين أنامِل خَمْسِ\rفكأنهَّا وكأن شَارِبها ... قمرٌ يقتل عَارِضَ الشمسِ\rوقال أبو الفتح كشاجم: الخفيف:\rوسحاب يجرُ في الأرض ذَيْلَيْ ... مُطْرَفٍ زَرَهُ على الأرض زَرا\rبَرْقُه لَمْحةٌ، ولكن له رَع ... د بطيءٌ يكسو المسامِعَ وَقْرا\rكخَلِي منافق لِلَّذي يه ... واهُ يَبْكي جَهْراً ويَضْحَك سِرا\rقد سقتني المُدام فيها فتاةٌ ... سحَرَتْني وليس تُحْسِنُ سِحْرا\rفإذَا ما رأيتُها تشربُ الرا ... حَ أرَتني شَمْساً تُقبلُ بَدْرا\rبشار بن برد\rوإنما احتذَى أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها تَرْك الشراب وطاعته لأمْرِ الأمين مثالَ بشار بن بُرْد، وصبّ على قالبه؛ وذاك أن بشاراً لما قال: الكامل:","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"لا يُؤْيَسَنكَ من مخبأةِ ... قَول تُغَلظُهُ وإن جَرَحا\rعُسرُ النساء إلى مُياسرة ... والصعبُ يُمكِنُ بعدما جَمَحَا\rبلغ ذلك المهدي فغاظه؛ وقال: يحرض النساء على الفجور، ويسهل السبيل إليه! فقال له خالهُ يزيد بن منصور الحميري: يا أمير المؤمنين، قد فتن النساء بشعره، وأي امرأة لا تَصْبُو إلى مثل قوله: الرمل:\rعَجِبَتْ فَطْمَةُ من نَعْتِي لها ... هل يُجِيد النعتَ مكفوفُ النظَر؟\rبِنْتُ عَشرٍ وثلاث قسمَتْ ... بين غُصْنٍ وكثيبٍ وقَمَرْ\rدرّةٌ بَحْرِيةٌ مكنونة ... مازَها التاجر من بين الدُرَرْ\rأذْرَتِ الدمعَ وقالت: ويلَتي ... من وَلُوعِ الكف ركابِ الخَطَر\rأمَتي بددَ هذا لُعبَي ... ووِشاحِي حله حتى انتثَرْ\rفَدَعيني معه يا أمتي ... علنا في خَلْوةٍ نَقْضِي الوَطَرْ\rأقْبَلَتْ في خَلْوَة تضربها ... واعتراها كجنونٍ مُسْتَعِرْ\rبِأَبي واللهِ ما أحسنَه ... دَمْعُ عين غَسلَ الكُحْلَ قَطَرْ\rأيها النُّوَامُ هبوا وَيْحَكُم ... وسَلُوني اليومَ ما طَعْمُ السهَر\rفأمره المهدي ألا يتغزل، فقال أشعاراً في ذلك، منها: مجزوء الكامل:\rيا منظراً حسناً رأيْتُه ... من وجه جارية فدَيتُه\rلمعتْ إلي تَسُومني ... ثَوْبَ الشباب وقد طويْتُه\rواللهِ رب محمدٍ ... ما إن غَمَزتُ ولا نَوَيْتُه\rأمْسَكْتُ عنكِ، وربما ... عَرض البلاءُ وما ابتغيْتُهْ\rإن الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئاً أبيْتُه\rويَشُوقني بيتُ الحبي ... ب إذا غَدَوتُ، وأين بيتهْ\rقام الخليفةُ دونَهُ ... فصبَرت عنه وما قَلَيْتُهْ\rونهانيَ المَلِكُ الهُما ... مُ عن النساء فما عصيْتُه\rبل قد وفيتُ ولم أُضِع ... عَهْداً، ولا رأياً رأيْتُه\rوقال أيضاً: المنسرح:\rوالله لولا رِضَا الخليفةِ ما ... أعطيتُ ضَيماً عليَ في شجَن\rقد عِشْتُ بين النَدْمان والرَّاح وال ... مِزْهر في ظل مَجْلسٍ حَسَنِ\rثم نهاني المهديُ فانصرفَتْ ... نفسيَ، صُنْعَ الموفَق اللَقِن\rوقال: السريع:\rأفنيتُ عمري وتَقَضى الشبابْ ... بين الحمَيا والجَوَاري العِذَابْ\rفالآن شفعتُ إمام الهُدَى ... وربما طِبْتُ لحب وطَابْ\rلهوتُ حتى رَاعَني دَاعياً ... صوتُ أمير المؤمنين المُجَابْ\rلَبيكَ لبيك! هَجَرتُ الصّبا ... ونَام عُذالي وماتَ العِتَاب\rأبصرت رُشدِي وتركتُ المُنَى ... وربما ذلًتْ لهن الرَقَابْ\rفي كلمة طويلة يقول فيها:\rيا حامد القول، ولم يَبلُه ... سَبَقْتَ بالسَيْلِ مَسَاك السَحَابْ\rالفعلُ أَوْلَى بثناء الفتى ... ما جاءه من خطإ أوْ صَوَابْ\rدعْ قولَ وَاءً وانتظر فعله ... يثْني على اللقْحَةِ ما في الحِلاَبْ\rإذا غدا المهديُّ في جُنْدِهِ ... ورَاحَ في آلِ الرسول الغِضَابْ\rبدَا لك المعروف في وجهِه ... كالظَّلْم يَجْرِي في الثنايا العِذَابْ\rومن شعر بشار في الغزل: الخفيف:\rأيها الساقيان صُبَّا شَرَابي ... واسقياني من ريق بيضاءَ رُودِ\rإن دائي الصَّدى، وإنّ شفائي ... شَرْبَةٌ من رُضَابِ ثَغْرٍ بَرُودِ\rعندها الصبرُ عن لقائي، وعندي ... زَفَراتٌ يأكُلْنَ قَلْبَ الجَلِيدِ\rولها مَبْسِمٌ كغُرّ الأقاحي ... وحديثٌ كالوَشْي وَشْي البُرُودِ\rنزلَت في السواد من حبّة القل ... ب ونالت زيادةَ المستزيد","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"ثم قالت: نَلقَاك بعد لَيالٍ ... والليالي يُبْلِينَ كلَّ جديد\rلا أُبالي مَنْ ضَنَ عني بوَصْل ... إنْ قَضَى الله منك لي يَوْم جودِ\rوقال: البسيط:\rتُلْقَى بتسبيحةٍ من حسن ما خُلِقَتْ ... وتستفزّ حَشَا الرَائي بإرْعَادِ\rكأنما صُوَرَتْ من ماءِ لؤلؤةٍ ... فكلّ جارحةٍ وَجْهٌ بمِرْصَادِ\rوقال: الوافر:\rوهبْتِ له على المسواك رِيقاَّ ... فطابَ له بطيبِ ثَنِيتَيْكِ\rأقبله على الذكرى كأنّي ... أقبِّلُ فيه فاكِ ومُقْلَتَيْكِ\rوقال: المنسرح:\rلا أستطيعُ الهوى وهِجْرَتَها ... قلبي ضعيفٌ وقَلْبُها حَجَرُ\rكأنَّ وجْدِي بها وقد حجبت ... في الرأس والعين والْحَشَا سُكُرُ\rوأنشد له أبو تمام، وكان يقول: ما رأيتُ شعراً أغزل منه: الخفيف:\rزوَدينا يا عَبْدَ قبْلَ الفراق ... بتلاقِ، وكيف لي بالتَّلاَق؟\rأنا والله أشتهي سِحْرَ عيني ... ك وأخْشَى مصارعَ العشّاق\rأُمَّتي من بني عُقيل بن كَعْبٍ ... موضعَ السلْكِ في طُلاَ الأعناق\rوقال: الطويل:\rلقد عَشِقَتْ أذْني كلاماً سمعْتُه ... رَخيماً، وقَلْبي للمليحةِ أعْشَقُ\rولو عايَنُوها لم يَلومُوا على البُكا ... كريماً سقاهُ الخمرَ بَدْرٌ مُحَلّق\rوكيف تناسِي مَنْ كأنَّ حديثه ... بأذني وإن عنيت قُرْطٌ مُعَلَقٌ\rوقال: الطويل:\rوقد كنت في ذاك الشبابِ الذي مضى ... أزارُ ويَدْعُوني الهوَى فأَزُورُ\rفإن فاتني إلْفٌ ظَلِلْتُ كأنما ... يُديرُ حياتي في يديه مُدِيرُ\rومُرْتجةِ الأرْداف مهضومةِ الحشَا ... تَمُورُ بسِحْرٍ عَيْنُها وتَدُورُ\rإذا نظرتْ صبَّتْ عليك صَبابة ... وكادَتْ قلوبُ العالمين تَطِيرُ\rخَلَوْتُ بها لا يَخْلصُ الماءُ بيننا ... إلى الصُبْح دوني حَاجِبٌ وسُتُورُ\rومن هذا أخذ علي بن الجهم قوله: الطويل:\rصِليني وحَبْلُ الوصل لم يتشعَبِ ... ولا تهجري أفْدِيك بالأُم والأْبِ\rرَعَى اللَّهُ دهراً ضَمَنَا بعد فُرقَةٍ ... وأدْنَى فؤاداً من فؤادٍ مُعَذبِ\rعناقاً وضماً والتزاماً كأنما ... يرى جَسدَانَا جسم روح مركبِ\rفَبِتْنَا وإنا لو تُرَاق زجاجة ... من الْخَمْرِ فيما بيننا لم تَسَربِ\rوشعره في هذا المعنى كثير.\rوروى أنه قال: أنا أشْعَرُ الناسِ؛ لأن لي اثني عشر ألفَ قصيدة، فلو اختير من كل قصيدة بيت لاستندر، ومن ندرت له اثنا عشر ألف بيت فهو أشعرُ الناس؛ وقد نثرتُ نَظْمَه في أضعاف الكتاب استدعاءً لنشاط القارئ وكراهة في إملاله.\rوكان بشار أرقّ المحدَثين ديباجةَ كلام، وسُمي أبا المحدثين؛ لأنه فَتَقَ لهم أكمام المعاني، ونهَج لهم سبيل البديع، فاتَبعوه؛ وكان ابن الرومي يُقَدمه، ويزعمُ أنه أشعرُ من تقدَّم وتأخر.\rوهو يتعلّق في شعره بولاء عَقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويفتخرُ بالمضرية. قال له المهدي: فيمن تَعْتَزِي؟ قال: أمَا اللسان فعربيّ، أما الأصل فكما قلت في شعري! قال: وما قلت؟ فأنشده: المتقارب:\rونبئْتُ قوماً لهمْ إحنة ... يقولون مَنْ ذا وكَنْتُ العَلمْ\rألا أيها السائلي جَاهِلاً ... ليَعْرِفَني أنا إلْفُ الكَرَمْ\rنمَتْ في المكارمِ بي عامر ... فُرُوعي وأصلي قُريشُ العَجَمْ\rوإني لأُغني مَقامَ الفتى ... وأُصْبي الفتاة فلا تَعْتَصِمْ\rالبيت الأول من هذه الأبيات ينظرُ إلى قول جميل: الطويل:\rإذا ما رأوني طالعاً من ثنيّةٍ ... يقولون مَنْ هذا وقد عَرَفوني\rوفي هذه القصيدة يقول بشار: المتقارب:\rوبيضاءَ يضحكُ ماءُ الشبا ... ب في وجهها لك إذ تبتسم\rدُوارُ العذَارى إذا زُرْنَها ... أطَفْنَ بَحَوْراءَ مِثْلِ الصَنَمْ","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"يَرُحْنَ فَيَمْسَحْنَ أركانَها ... كما يَمْسَحُ الحجَرَ المستَلِم\rأصفراء ليس الفتى صَخْرَةً ... ولكنه نُصبُ هَمّ وغَمّ\rصَبَبْتِ هواكِ على قلبهِ ... فضاق وأعْلَنَ ما قد كَتَم\rويقال: إنه مولى لأم الظباء السَدُوسية، ولذلك قال أبو حُذَيفة واصِلُ بن عطاء الغزال رئيس المعتزلة لمّا هجاه بشار: أمَا لهذا الأعمى الملحِد المشَنَف المكتني بأبي معاذ مَنْ يَقْتُله؟ واللّه لولا أنَ الغِيلة من سجَايَا الغَالِية، لبعثتُ إليه من يَبْعَجُ بطنه في جوف منزله، ولا يكون إلاَ سَدُوسِيّاً، أو عُقَيْلِياً.\rوكان واصلُ بن عطاء أحَد أعاجيب الدنيا؛ لأنه كان ألثغ في الراء، فأسقطها من جميع كلامه وخطبه؛ إذ كان إمامَ مَذْهَب، وداعيَ نحِلْة، وكان محتاجاً إلى جَوْدَةِ البَيَانِ، وفصَاحَةِ اللَسَان. قال الجاحظ: فانظر كثرةَ ترداد الراء في هذا الكلام وكيف أسقطها؟ قال: الأعمى، ولم يقل الضرير، وقال: الملحد ولم يقل الكافر، وقال: المشنَف، ولم يقل المرعَث، وقال: المكتَني: بأبي معاذ، ولم يقل بشاراً ولا ابن برد، وقال: الغالية، ولم يقل المغيرية، ولا المنصورية، وهم الذين أراد، وقال: لبعثت، ولم يقل لأْرْسلت، وقال: يبعَج، ولم يقل يَبْقُر، وقال: في جوف منزله، ولم يقل في داره، وأراد بذكر عُقَيْل وسدُوس ما ذكر من اعتزائه إليهم.\rوزعم الجاحظ أن بشاراً كان يَدِين بالرَجعة، ويُكَفر جميعَ الأمة؛ وأنشد له أشعاراً صوب بها رَأيَ إبليس في تقديم النار على الطين، منها قولُه: البسيط\rالأرض مُظْلِمَةٌ ، والنارُ مُشْرِقةٌ ... والنارُ معبودةٌ مُذْ كانتِ النارُ\rوقال داود بن رَزِين: أتينا بشاراً، فأذِنَ لنا والمائدةُ بين يديه، فلم يَدْعُنَا إلى الطعام، ثم جلسنا فحضر الظهر والعصر والمغرب فلم يصل، ودعا بطسْت فَبالَ بحضرتنا، فقلنا له: أنت أستاذُنا، وقد رأينا منك أشياءَ أنكرناها، قال: ما هي؟ قلنا: دخلْنَا والطعامُ بين يديك فلم تَدْعُنَا، قال: إنما أذِنْتُ لتَأكلوا، ولو لم نُرِدْ ذلك لم نأذن لكم، قلنا له: ودعوت بالطست ونحن حضور، قال: أنا مكفوف، وأنتم مأمورون بغض الأبصار دوني، قلنا: وحضرت الصلاة فلم تصلّ! قال: الذي يقبلها تفارِيقَ يقبلها جملة! هذا وهو القائل: الخفيف:\rكيف يبكي لمَحْبَس في طُلُول ... من سَيُفْضِي لِحَبْسِ يَوم طويلِ\rإن في البعث والحساب لشغلاً ... عن وقوفٍ برَسْمِ دَار محيل\rوقال: الطويل:\rذكرتُ بها عيشاً فقلت لصاحبي: ... كأن لم يكُنْ ما كان حينَ يزولُ\rوما حاجتي لو ساعد الدهرُ بالْمُنى ... كِعَابٌ عليها لؤلؤٌ وشُكولُ\rبدا ليَ أن الدهرَ يَقْدَحُ في الصّفَا ... وأن بَقَائي إن حَيِيتُ قَلِيلُ\rفعِشْ خائفاً للموتِ أو غيرَ خَائِفٍ ... على كلِّ نفس للحمامِ دَلِيل\rخليلك ما قدَمْتَ من عمل الثُقَى ... وليس لأيام المَنُون خَليلُ\rوكان بشَارٌ حاضرَ الجواب، سجًّاعاً، خطيباً، صاحبَ منثور ومُزْدَوج ورَجز ورسائل مختارة على كثير من الكلام، ودخل على عُقْبة بن مسلم بن قتيبة، فأنشده مديحاً وعنده عقبة بن رُؤْبة، فأنشده أرجوزة، ثم أقبل على بشار فقال: هذا طِراز لا تحسنه يا أبا معاذ فقال: واللّه لأنا أرجز منك ومن أبيك؛ ثم غدا على عقبة من الغَد، فأنشده أرجوزته: رجز:\rيا طَلَل الحيّ بذات الصَّمْد ... باللّهِ خَبّر ْكيف كنتَ بعدي\rيقول فيها:\rصَدَّتْ بخدً وجلَتْ عن خَد ... ثم انثَنَتْ كالنَّفَس المُرْتَد\rوصاحبٍ كالدمل المُمِدّ ... حملْتُه في رُقْعَة من جِلدي\rحتى اغتدى غيرَ فقيد الفَقْد ... وما درى ما رَغْبَتي من زهدي\rوهذا كقول الآخر: الطويل\rيودون لو خَاطُوا عليك جلودَهم ... ولا يَدْفع الموتَ النفوسُ الشحائحُ\rوفيها يقول:\rالحرّ يُلْحَى والعصا لِلْعَبْد ... وليس لِلْمُلْحِفِ مِثْلُ الردَ\rاسْلَمْ وحُيِّيتَ أبا المِلَدّ ... مفتاحَ باب الْحَدَث المُنْسَدِّ","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"والبَسْ طِرَازي غيرَ مُسْتَرَد ... للَّهِ أيامُك في مَعَد\rهي طويلة، فأجزلَ صلته، فلمّا سمع ابن رُؤبة ما فيها من الغريب قال: أنا وأبي وجدي فتحْنَا الغريبَ للناس؛ وإني لخليق أن أسدّه عليهم، فقال بشار: ارحمهمْ، رحمك اللّه! قال: تستخفّ بي وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ قال: إذاً أنت من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرِّجْس وطهَّرهم تطهيراً! فضحك كلّ مَنْ حضر.\rودخل على المهدي وعنده خالُه يزيد بن منصور الحميري، فأنشده قصيدة، فلمّا أتمها قال له يزيد: ما صناعتك يا شيخ. قال: أثْقُبُ اللُؤلُؤَ، فقال له المهدي: أتهْزَأُ بخَالي؟. فقال: يا أميرَ المؤمنين، فما يكونُ جَوَابي لمن يَرَى شَيْخاً أعمى يُنْشِدُ شعراً فيسأله عن صِنَاعته؟ وقْال جَوَاري المهدي للمهدي: لو أذِنْتَ لبشَّار يدخل إلينا يؤانسنا ويُنُشِدنا فهو محجوب البَصَرِ، لا غيرة عليك منه، وأكمره فدخل إليهنّ واستظرفْنَه، وقلْن له: وددْنا واللَّهِ يا أبا معاذ أنك أبونا حتى لا نفارقِك، قال: ونحن على دينِ كسرى! فأمر المهدي ألاّ يدخل عليهن.\rوكأن المتنبي نظر إلى هذا فقال: الكامل:\rيا أخْتَ مُعْتَنِقِ الفوارسِ في الوَغَى ... لأخُوكِ ثَمَّ أرَق مِنْكِ وأرْحَمُ\rيَرْنُو إليك مع العَفافِ وعِنْدَه ... أنَ المجوسَ تصِيبُ فيما تَحْكُم\rفي المودة والعتاب والصدق والكذب\rقال علي بن عبيدة الريحاني: المودَةُ تَعَاطُفُ القلوب، وائتلافُ الأرواح، وحَنين النفوس إلى مَثَابة السرائر، والاسترواحُ بالمستكنات في الغرائز، ووحشة الأشخاص عند تَبَايُن اللقاء، وظاهر السرور بكثرة التزوار، وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون اتفَاقُ الخصَال.\rوقال: العِتابُ حدائقُ المتحابِّين، وثمارُ الأوداء ، ودليل الظنّ، وحركات الشَوق، وراحةُ الوَاجد، ولسان المُشْفق.\rقال بعض الكتاب: العِتاب عَلاَمةُ الوَفاء، وحاصَة الْجَفاء، وسلاحُ الأكفاء.\rوقال علي بن عبيدة: التجنّي رسولُ القطيعة، وداعي القلَى، وسبب السلو، وأولُ التجافي، ومنزل التهاجر.\rوقال: الصدقُ ربيعُ القلب، وزكاة الْخَلْقِ، وثمرة المروءة، وشُعاعُ الضمير، وعن جلالة القدر عبارته، وإلى اعتدالِ وزْن العقل يُنْسَب صاحبه، وشهادتُه قاطعةٌ في الاختلاف، وإليه ترجع الحكومات.\rوقال: الكذبُ شِعارُ الخيانة، وتحريفُ العلم، وخواطر الزور، وتسويلُ أضغاث النفس، واعوجاج التركيب، واختلافُ البنية، وعن خمول الذكر ما يكون صاحبه.\rوعلي بن عبيدة كثير الإغاْرة، عَلَى ما كان غَيْرُه قد استثَارَه.\rفقر في الكذب لغير واحد\rبعض الفلاسفة: الكذاب والميتُ سواء؛ لأن فضيلة الحي النُّطق، فإذا لم يُوثَق بكلامه فقد بطلت حياته.\rالحسن بن سهل: الكذاب لِصّ؛ لأن اللص يسرقُ مالك، والكذاب يسرقُ عقلك؛ ولا تأمن مَنْ كذب لك أنْ يَكذِب عليك، ومن اغتاب غيرَك عندك فلا تأمَنْ أن يغتابَك عند غيرك.\rقال إبراهيم بن العباس في هذا النحو: مجزوء الكامل:\rإني متى أحقِدُ بحق ... دك لا أضُر به سِوَاكا\rومتى أطعتُك في أخي ... ك أطعتُ فيك غداً أخاكا\rحتى أرى متقسماً ... يَوْمِي لذا، وغَداً لِذَاكا\rحَسبُ الكاذب بعقله سَقَماً وبقلبه خصماً.\rابن المعتز: علامةُ الكذاب جُوْده باليمين لغير مستحلف، وقال: البسيط\rوفي اليمين على ما أنت فاعلهُ ... ما دلّ أنك في الميعادِ مُتَّهَمُ\rوقال: اجتنِبْ مصاحبة الكذاب، فإن اضطررت إليه فلا تصدّقه، ولا تُعلِمه أنك تكذبه، فينتقل عن وده، ولا ينتقل عن طبعه. يعترِي حديثَ الكذّاب من الاختلاف ما لا يعتري الْجَبانَ من الارتعاد عند الحَرْب. لا تَصِحُ للكذاب رُؤْيا، لأنه يُخْبر عن نفسه في اليقظة بما لم يَرَ، فتريه في النوم ما لا يكون، وأنشد: البسيط:\rلا يكذب المرءُ إلاَّ مِنْ مَهَانَته ... أو عادة السوء، أو مِنْ قِلَةِ الأدَبِ\rولأهل العصر: فلان مُنْغَمِس في عيبه، يكذب لذيله على جَيْبِه، يقول بهْتاً، وزُوراً بَحْتاً، قد ملأ قلبه رَيْناً، وقوله مَيْناً؛ يدين بالكذب مَذْهباً، ويستثير الزور مركباً.","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"أقاويلُ يتمشى الزُورُ في مناكِبها، ويَبْرُزُ البهتانُ في مذاهبها.\rوقال أعرابي لابنه وسمعه يَكْذِب: يا بني، عجبتُ من الكذَّاب المُشِيد بكَذبه، وإنما يدكُ على عَيْبِه، ويتعرَّضُ للعقاب من رَبِّه؛ فالآثامُ له عادة، والأخبارُ عنه متضادة، إن قال حقاً لم يُصَدَق، وإن أراد خيراً لم يوفَّق، فهو الجاني على نفسه بفعاله، والدّالُ على فضيحته بمقَالِه. فما صحَّ من صدقه نُسِب إلى غيره، وما صحّ من كذب غَيْرِه نُسِب إليه، فهو كما قال الشاعر: مجزوء الكامل:\rحَسْب الكذوب من المَهَا ... نة بَعْضُ ما يحكى عليهِ\rما إن سمعت بكذبة ... من غَيْرِه نسبَتْ إليهِ\rما قيل في الزفاف\rكتب الحسن بن سهل إلى المأمون، بعد أن زُفَّت إليه بوران وتوهَّم القوادُ أن هذا التزويجَ قد أنْسَى الحسَن حالَه قبل ذلك؛ قد تولّى أميرُ المؤمنين من تَعْظِيم عبده في قبول أمَتِه شيئاً لا يتسعُ له الشكرُ عنه إلاَ بمعونة أميرِ المؤمنين، أدام الله عزَه، في إخراج توقيعه بتزيين حَالي في العامة والخاصة، بما يراه فيه صواباً إن شاء اللّه.\rفخرج التوقيع: الحسنُ بن سهل زمامٌ على ما جمع أُمور الخاصة، وكَنَف أسباب العامة، وأحاط بالنفقات، ونفذ بالولاة، وإليه الخراجُ والبريدُ واختيارُ القُضَاة، جزاءً بمعرفته بالحالِ التي قَربَتْهُ منا، وإثابةً لشكره إيانا على ما أولينا.\rقال يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوج ابنته من الرضا فقال: يا يحيى تكلّم، فأجللْتُه أن أقولَ: أنكحت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر، والإمام الأعظم، وأنْتَ أوْلى بالكلام، فقال: الحمدُ للّه الذي تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إلهَ إلا هو إقراراً بربوبيته، وصلّى الله على محمد عند ذكره.\rأمّا بعد، فإن الله قد جعل النكاح دِيناً، ورَضِيَه حُكْماً، وأنزله وحياً؛ ليكونَ سببَ المناسبة؛ ألاَ وإني قد زوجت ابنة المأمون من عليّ بن موسى، وأمهرتها أرْبَعَمِائَةِ درهمٍ، اقتداءً بسنةِ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وانتهاء إلى ما دَرَج إليه السلفُ، والحمدُ لله ربّ العالمين.\rقال الأصمعي: كانوا يستحبّون من الخاطب إلى الرجل حُرمته الإطالة، لتدل على الرغبة، ومن المخطوب إليه الإيجاز، ليدلّ على الإجابة.\rوخطب رجل من بني أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال؛ فقال عمر: الحمدُ لله في الكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء؛ أما بعد، فإن الرغبةَ منك دَعَتْك إلينا، والرغبة منّا فيك أجابَتْ، وقد زوّجناك على كتاب الله: إمساكٌ بمعروف، أو تسريحٌ بإحسان.\rوخطب رجل إلى قوم فأتى بمن تَخْطُب له، فاستفتح بحمد الله وأطال، وصلّى على النبي عليه السلام وأطال، ثم ذكر البَدء وخلْقَ السماوات والأرض، واقتص ذِكر القرون حتى ضَجِر مَنْ حضر، والتفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمُكَ أعزَّك الله؟ فقال: والله قد أنسيت اسمي من طول خطبتك، وهي طالقٌ إن لزوجتها بهذه الخطبة؛ فضحك القوم، وعَقَدُوا في مجلس آخر.\rفقر في الكتاب والقلم والسيف والخطّ\rوقال ابن المعتز: الكتاب وَالِجُ الأبواب، جريءٌ على الحجاب، مُفْهِم لا يَفْهَم، وناطقٌ لا يتكلم، به يشخص المشتاقُ، إذا أقعده الفراق، والقلم مجهزٌ لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، لا يمل الاستزادة، ويسكتُ واقفاً، ويَنْطِقُ سائراً، على أرض بياضُهَا مُظْلِم، وسوادها مُضِيء، وكأنه يقبل بِسَاط سلطان أو يفتح نُوَار بستان.\rوهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال الصولي: لما عُرض القاسم بن عبيد الله ليخلف أباه: قال ابن المعتز: الخفيف:\rقلم ما أراهُ أم فلك يَج ... ري بما شاء قاسم ويسيرُ\rخاشعٌ في يدَيْه يَلْثِمُ قِرْطا ... ساً كما قتل البساطَ شكورُ\rولَطِيفُ المعنى جَليلٌ نَحِيفٌ ... وكبير الأفعال وَهْوَ صغيرُ\rكم منايا وكم عطايا وكم حت ... فٍ وعيشٍ تَضُمُّ تلك السُطُورُ\rنقشت بالدُجا نهاراً فما أدْ ... ري أخطٌ فيهن أم تَصْويرُ\rهكذا مَنْ أبوه مِثْلُ عُبَيْدِ ال ... له ينمى إلى العُلاَ ويَصِير","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"عَظُمَتْ مِنّةُ الإله عليْهِ ... فهناك الوزيرُ وهْوَ الوَزِيرُ\rوقال بعض البلغاء: صورةُ الخطّ في الأبصار سواد، وفي البصائر بَيَاض.\rوقال أبو الطيب المتنبي: الطويل:\rدَعاني إليكَ العلمُ والحِلْمُ والحِجَى ... وهذا الكلامُ النَظْمُ والنّائِلُ النثْرُ\rوما قُلْتُ مِنْ شِعْرٍ تكَادُ بُيوتهُ ... إذا كُتِبَتْ يَبْيَضُ مِنْ نورِها الحِبْرُ\rوقال ابن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وهب: الطويل:\rعليمٌ بأعْقَاب الأمور، كأنه ... بمختلسات الظن يسمعُ أو يرى\rإذا أخذ القرطاس خِلْتَ يمينهُ ... يُفتَح نَوْراً أو يُنَظمُ جوهرا\rفاخرَ صاحبُ سيفٍ صاحبَ قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتلُ بلا غَرَر، وأنت تقتلُ على خَطَر. فقال صاحب السيف: القلمُ خادِمُ السيف، إن تَمَ مرادُه وإلاَ فإلى السيف مَعاده؛ أما سمعت قول أبي تمام: البسيط:\rالسيفُ أصدَقُ إنباءَ من الكتُبِ ... في حده الحدُ بَيْنَ الجِد واللَعبِ\rبِيضُ الصفائح لا سُودُ الصحائفِ في ... مُتُونِهنَ جَلاَءُ الشًكَّ والرَيَبِ\rوقال أبو الطيب: البسيط:\rما زِلْتُ أُضْحِكُ إبلي كُلما نظرَتْ ... إلى مَن احتَضَنَتْ أخْفافُها بدَمِ\rأسِيرُها بَيْنَ اصنام أشاهِدها ... ولا أشاهِدُ فيها عِفةَ الصَنَمِ\rحتى رَجَعْتُ وأقلامِي قوائِلُ لي ... المجد للسيف ليسَ المَجدُ لِلقَلِم\rأكتُب بنا أبداً بعدَ الكِتَابِ به ... فإنما نَحنُ للأسيافِ كالخَدم\rهذا مقلوبٌ من قول علي بن العباس النوبختي، وقد رواه أبو القاسم الزجاجي لابن الرومي، وإنما وهم لاتّفاق الاسمين: البسيط:\rإن يَخْدُمِ القلم السيف الذي خضعَتْ ... له الرقابُ ودانَتْ خوفه الأممُ\rفالموتُ والموت لا شيء يُغَالبه ما زال يَتْبَع ما يَجْرِي به القلم\rبذا قَضَى اللَه للأقلام مذْ بُرِيَتْأنّ السيوفَ لها مذْ أرهِفت خَدَم\rوقال ابن الرومي: المتقارب:\rلَعَمْرُكَ ما السيْفُ سَيْف الكَمِي ... بأخْوَفَ منْ قَلمِ الكاتِبِ\rلَهُ شاهد إنْ تأمَلْتَهُ ... ظَهَرْتَ على سِرِّهِ الْغَائِبِ\rأداةُ المنيَّةِ في جانبيه ... فمِنْ مِثْلِه رَهْبَةُ الرَّاهِبِ\rسِنَانُ المنية في جانِبِ ... وحَدُّ المنِيةِ في جَانِبِ\rألم تَرَ في صَدْرِهِ كالسنَانِ ... وفي الرِّدْفِ كالمُرْهَفِ الْقَاضِبِ؟\rوقال أبو الفتح البستي: الطويل:\rإذا أقسم الأبطالُ يوماً بسيفهم ... وعدّوه ممّا يُكْسِبُ المجدَ والكرمْ\rكفى قَلَمُ الكتاب مَجْداً ورفعةً ... مدَى الدَّهرِ أنّ اللَه أقْسَم بالقَلَمْ\rوقد قيل: صريرُ الأقلام، أشدّ من صليل الحُسام.\rقال الصولي: أنشدني طلحة بن عبيد: الكامل:\rوإذا أمرَ على المهارِقِ كَفَّهُ ... بأنامل يَحْمِلْنَ شَخْتا مُرْهَفا\rمتقاصراً مُتَطاوِلاً ومفصلاً ... وموصلاً ومشتتاً ومُؤلفا\rترك العُداة رَواجفاً أحشاؤُها ... وقِلاَعَها قِلَعاً هنالِكَ رُجَفا\rكالحيّة الرَّقْشَاء إلاَّ أنه ... يستنزل الأرْوَى إليه تلطفا\rيرمي به قلماً يمجُّ لُعابه ... فيعود سيفاً صارِماً ومثقَّفا\rوقال محمود بن أحمد الأصبهاني: السريع:\rأخرسُ يُنْبيك بإطْرَاقِهِ ... عن كل ما شئتَ منَ الأمرِ\rيُذْرِي على قِرْطاسهِ دَمْعَةً ... يُبْدِي بها السرَّ وما يَدْرِي\rكعاشق أخْفَى هواه وقد ... نفَت عليه عَبْرَة تجْرِي\rتُبْصِرُه في كلِّ أحوالهِ ... عُرْيانَ يكسُو الناس أو يُعْرِي\rيُرَى أسيراً في دوَاةٍ وقد ... أطلَق أقواماً من الأسْرِ\rأخرق لو لم تَبْرِه لم يَكُنْ ... يَرْشُقُ أقواماً وما يَبْرِي","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"كالبَحْر إذْ يجري، وكالليل إذْ ... يَغْشَى، وكالصارم إذْ يَفْرِي\rوقال أحمد بن جِرَار: السريع:\rأهيفُ ممشوقٌ بتحريكهِ ... يحل عقدَ السِّرَ إعلانُ\rله لسانٌ مُرْهَفٌ حدُهُ ... من رِيقَة الكُرْسُف رَيانُ\rتَرَى بسيطَ الفكر في نَظْمِهِ ... شخْصاً له حدٌ وجُثْمَانُ\rكأنما يَسْحَبُ في إثرهِ ... ذَيْلاً من الحِكمَة سَحْبَانُ\rلولاه ما قام مَنارُ الهدى ... لا سَمَا لِلْمُلْكِ ديوانُ\rومن أجود ما قيل في صفة القلم قول تمام لمحمد بن عبد الملك الزيات: الكامل:\rلَكَ القَلَمُ الأعْلَى الّذي بِشَباتهِ ... تُصابُ من الأمرِ الكُلى والمفاصِلُ\rله رِيقة طَلٌّ ولكِن وَقْعَها ... بآثارِه في الشَرْقِ والغَرْبِ وَابِلُ\rلُعابُ الأفاعِي القاتِلاَتِ لُعَابُهُ ... وَأرْيُ الْجَنَى اشْتَارَتْهُ أيْدٍ عَوَاسِلُ\rله الخلوات اللاء لولا نَجِيُّها ... لما اختلفتِ للمُلك تِلْكَ المَحَافل\rوقال الأمير تميم بن المعز: الطويل:\rوذي عَجَبٍ من طول صَبْرِي على الذي ... أُلاقي من الأرْزَاءِ وَهْوَ جليلُ\rيقولون: ما تَشْكو؟ فقلت: مَتَى شَكَا ... شَبَا السيفِ عَضبُ الشفرتَيْنِ صَقِيل؟\rوإن أمرأ يشكو إلى غير نافع ... ويَسْخو بما في نفسهِ لجَهول\rعذابيَ أنْ أشكو إلى الناس أنني ... عليلٌ ومَنْ أشكو إليه عليل\rويمنعني الشكوى إلى اللَّه عِلْمُهُ ... بجمْلَة ما ألْقاه قَبْلَ أقولُ\rسأسكتُ صَبْراً واحتساباً فإنني ... أرى الصبْرَ سيفاً ليس فيه فُلُولُ\rوقال: الكامل:\rيا دَهْرُ، ما أقساك مِنْ مُتَلون ... في حالَتَيك، وما أقلَّك مُنْصِفَا\rأتروح للنكْس الجهول ممهّداً ... وعلى اللبيب الحُرِّ سيفاً مُرْهَفا؟\rوإذا صَفَوْتَ كَدُرْتَ، شيمةَ باخل، ... وإذا وَفَيتَ نَقَضْتَ أسباب الوَفا\rلا أرتضيك، وإن كرمْتَ؛ لأنني ... أدري بأنك لا تدومُ على الصّفَا\rزمنٌ إذا أعطى استرد عَطاءَهُ ... وإذا استقام بَدَا له فتحرَّفا\rما قام خيرك يا زمانُ بشرّهِ ... أوْلَى بنا ما قل منك وما كَفَى\rمن أخبار الكاتب أحمد بن يوسف\rوكان أحمدُ بن يوسف منصرفاً عن غسَّان بن عباد، وجرَتْ بينهما هَنَات بحَضْرَةِ المأمون، فقال يوماً بحضرة خاصَّة أصحابه: أخبروني عن غسَان بن عباد؛ فإني أُريده لأمرٍ جسيم؛ وكان قد عَزم على تقليده السند مكانَ بِشْرِ بن داود؛ فتكلّمَ كلُّ فريق بما عنده في مَدْحِه؛ فقال أحمد بن يوسف: هو، يا أميرَ المؤمنين، رجلٌ محاسِنُه أكثرُ من مساويه، لا يتطرَّفُ به أمرٌ إلاّ تقدَم فيه، ومهما تخوف عليه فإنه لن يَأْتي أمراً يَعْتذر منه؛ لأنه قسم أيامه بين أفعال الفَضْل؛ فجعل لكلِّ خُلُق نَوبة، إذا نظرتَ في أمْرِه لم تَدْرِ أيّ حالاته أعجب؛ أمَا هَدَاهُ إليه عَقْلُه أمْ ما اكتسبه بأدبه؟ فقال له المأمون: لقد مدحته على سوء رَأيك فيه! قال: لأني في أمير المؤمنين كما قال الشاعر: الوافر:\rكفَى ثمنا لِمَا أسْدَيْت أني ... نصحتُك في الصديق وفي عِدَائي\rوأني حين تَنْدُبُني لأمرٍ ... يكون هَواكَ أغْلَبَ مِنْ هَوائي\rقال الصولي: وقد روي هذا لغير أحمد، ولعل أحمد استعاره؛ فأعجب المأمون ذلك منه، وشكره غسان بن عبّاد له، وتأكَّدت الحالُ بينهما.","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"وكان أحمدَ بن يوسف بن القاسم بن صبيح، مولى عِجْل بن لجيم، عَاليَ الطبقة في البلاغة، ولم يكن في زمانه أكْتب منه، وله شعرٌ جيد مرتفع عن أشعار الكتّاب، ووزر للمأمون بعد أحمد بن أبي خالد، وكان أول ما ارتفع به أحمد أن المخلوعَ محمد بن الرشيد لمّا قتِل أمر طاهر بن الحسين الكُتَّاب أن يكتبوا إلى المأمون؛ فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا، فوُصِفَ له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أمَا بعد، فإنْ كان المخلوع قَسيمَ أمير المؤمنين في النَّسَب واللّحْمَة، فقد فرَّق بينهما حكمُ الكتاب في الولاية والخدمة، بمفارقته عِصمة الدين، وخروجه عن الأمْرِ الجامع للمسلمين؛ لقول اللّه عزّ وجلّ فيما اقتص علينا من نبإ نوح وابنه: \" إنّه ليسَ مِنْ أهْلِك إنّه عَمَلٌ غَيْرُ صالحٍ \" ، ولا طاعة لأحدٍ في معصية الله، ولا قطيعةَ ما كانت القطيعةُ في ذاتِ اللّه؛ وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد أنجز اللَّهُ له ما كان ينتظرُ من سابقِ وَغدِه، والحمد للّه الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقّه، الكائد له فيمن خَتَر عَهْدَه، ونَقَضَ عَقدَه، حتى رَدّ به الأُلْفَةَ بعد فُرْقَتِها، وجَمع به الأمة بعد شَتَاتِها، وأضاء به أعْلام الدين بعد درُوسِها؛ وقد بعثتُ إليك بالدنيا وهي رَأسُ المخلوع، وبالآخرة وهي البُرْدَةُ والقَضيب؛ والحمدُ لله الآخذِ لأمير المؤمنين حقَه، الراجع إليه تُرَاثَ آبائه الراشدين.\rوكان أحمد بن أبي خالد كثيراً ما يَصِفُ أحمد للمأمون ويحثه عليه، فأمره المأمون بإحضاره، فلمّا وقف بين يديه قال: الحمدُ للّه يا أميرَ المؤمنين الذي استخصَّك فيما استحفظَك من دينه، وقلدَك من خلافته، بسوابغ نعَمه، وفضائل قِسَمِه، وعرَفَكَ من تيسير كلِّ عسيرٍ حاولك عليه متمرّد، حتى ذلَّ لك ما جعله تكملة لما حَبَاك به من مواردِ أمورِه بنُجْح مصادرها، حَمْداً نامياً زائداً لا يَنْقَطِعُ أُولاه، ولا يَنْقَضِي أُخْرَاه، وأنَا أسأَلُ الله يا أميرَ المؤمنين من إتمام بلائه لديك، ومِنَنِه عليك، وكفايَتِه ما ولاَّك واسترعاك، وتحصين ما حازَ لك، والتمكين من بلادِ عدوِّك، مما يمنعُ به بَيْضَةَ الإسلام، ويُعِز بك أهْلَه، ويُبِيحُ بك حِمَى الشِّرْكِ، ويجمع لك مُتَباين الأُلْفَة، ويُنْجِز بكَ في أهل العِنادِ والضلالة وَعْدَهُ؛ إنه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء.\rفقال المأمون: أحسنتَ، بُورك عليك ناطقاً وساكتاً! ثم قال بعد أن بَلاه واختبره: يا عجباً لأحمد بن يوسف! كيف استطاع أن يكْتُم نَفْسَه؟ وكتب إلى المأمون يستَجْدِي لزوار على بابه: إن داعِي نَدَاك، ومُنَادِي جَدْوَاك، جَمَعاً ببابك الوُفود، يرجون نائلَكَ العَتيد، فمنهم من يَمُتُ بحُرْمة، ومنهم من يُدْلي بسالفِ خِدْمَة، وقد أَجْحَفَ بهم المقام؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يَنْعَشهم بسِيبِه، ويحقق ظنَهُم بطَوْله، فَعَلَ.\rفوقعَ المأمون في عرض كتابه: الخيرُ متبع، وأموال الملوك مَظَان لطلاب الحاجات؛ فاكتُب أسماءَهم، وبيِّنْ مرتبةَ كل واحد منهم، ليصيرَ إليه على قَدرِ استحقاقه؛ ولا تكدرَن معروفنا بالمَطْلِ والحجاب؛ فقد قال الشاعر: الوافر:\rفإنك لَنْ تَرَى طَرْداً لحُرّ ... كإلصاق به طرف الهَوَانِ\rولم تُجْلَبْ مودَةُ ذِي وَفَاءً ... بمثل الوُدّ أو بَذلِ اللسَانِ\rقال أحمد بن يوسف: أمرني المأمون أن كتب في زيادة قناديل شهر رمضان؛ فأعْيا علي، ولم أجِدْ مثالاً أحْتَذِي عليه؛ فبت مغموماً، فأتاني آتٍ في النوم فقال: اكتب: فإنَ فيها إضاءة للمتهجدين، ونفياً لمكان الريب، وأنْسَا للسابِلة، وتنزيهاً لبيوت الله من وَحْشَةِ الظلم، فأخبرت بذلك المأمون، فاستظرفه، وأمر أن تمضي الكُتُب عليه.\rوأهدى إلى المأمون في يوم نوروز طبقَ جَزع عليه ميلِ من ذَهب، فيه اسمه منقوش، وكتب إليه: هذا يوم جَرَت فيه العادةُ، بإلطاف العبيد السادة، وقد بعثتُ إلى أمير المؤمنين طبق جزع فيه ميل.\rفلمّا قرأ المأمون الرقعة قال: أجاءت هديةُ أحمد بن يوسف؟ قالوا: نعم، قال: هي في داري أمً داري فيها؟ فلمّا رفع المنديل استظرف الهدية واسترجح مُهدِيها.","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"وأهدى إلى إبراهيم بن المهدي هدية وكتب إليه: الثقةُ بك قد سهلت السبيلَ إليك، فأهْدَيْتُ هديةَ من لا يَحتَشِم إلى من لا يَغْتَنِم.\rوكتب إلى بني سعيد بن سلم: لولا أن الله، عز وجلّ، ختم نبوته بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وكتبَه بالقرآن، لنزَل فيكم نبيَ نِقْمَة، وأنزل فيكم قرآن غَدْر؛ وما عَسيت أن أقولَ في قومٍ محاسنهم مساوي السُفْل، ومساويهم فَضَائحُ الأمم، وألسنتُهم معقولة بالعِيِّ، وأيديهم معقودة بالبخْل، وهم كما قال الشاعر: البسيط:\rلا يكبرون وإن طَالَتْ حياتهُمُ ... ولا تَبِيد مَخَازِيهم وإن بَادُوا\rوغنَّى مُغَن بحضرة أحمد بن يوسف ولم يكن مُحسناً، فلم يُنْصِتوا له، وتحدَثوا مع غِنائه، فغضب المغنّي، فقال أحمد بن يوسف: أنت، عافاك الله، تحمَل الأسماع ثقلاً، والقلوب مَلَلا، والأعْيُن قَبَاحة، والأنف نتَانة، ثم تقولُ: اسمعوا مني، وأنصِتوا إلي! هذا إذا كانت أفهامُنا مُقْفَلة، وآذاننا صَدِئِة، فإمّا رضيت بالعَفْو منا، وإلا قمت مذموماً عنّا.\rألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين\rيترنَم فيُتْعِبُ ولا يُطْرِب. إذا غنى عَنى، وإذا أدَى آذى. يميت الطَّرَب، ويحيي الكُرَب. ضرْبُه يُوجِب ضَرْبه. من عجائب غِنائه أنه يُورِد الشتاء في الصيف. ما رؤي قطّ في دارٍ مرتين، وحضر جحظة مجلساً فيه علي بن بسام، فتفرق القومُ المخادّ، فقال جحظة: فما لي لم تعطوني مخدَّة؟ فقال علي بن بسام: غنِّ فالمخاد كلّها إليك تصير! وفيه يقول ابن بسام: السريع:\rيا مَنْ هَجَوْناه فَغَنّانا ... أنت، وبيتِ اللَه، أهجانا\rسِيان إن غنّى لنا جحظةٌ ... أو مرَ مجنون فزنانا\rوكان خالد يُستَبرد، فبعث بعضُ الظرفاء غلامه يشتري له خمسة أرطال ثلج، فأتاه بخالدٍ وقال: يا مولاي، طلبت خمسة أرطال، وهذا حِمْل! وتغنى بحَضْرة محموم، فقال: ويحك! دَعْنا نعرق! وقال بعض المحدثين في قريس المغني: المتقارب:\rألاَ فاسقني قدحاً وافراً ... يُعِينُ على البَلْغَمِ الهائجِ\rأكلنا قَرِيساً وغَنى قريس ... فنحنُ على شرف الفالجِ\rولقي أبو العباس المبرد بردَ الخيار المغنّي في يوم ثَلْج بالجسر، فقال: أنت المبّرد وأنا برد الخيار، واليوم كما تَرى، اعبُر بنا لا يهلك الناس بالفالج بسببنا.\rوقال ابن عباد الصاحب في مغن يعرف بابن عذاب: مخلع البسيط:\rأقول قولاً بلا احتشام ... يعقله كلُّ مَن يَعيهِ\rابن عذابٍ إذا تغنّى ... فإنني منه في أبيه\rرجع إلى أحمد بن يوسف\rومن شعر أحمد بن يوسف: مخلع البسيط:\rضمِيرُ وَجدٍ بقَلبِ صَب ... تَرجَمَ دَمعِي بِهِ فَشَاَعا\rفصار دَمْعي لِسانَ وَخدِي ... ضيّع سِرَيً به فَذاعا\rلولا دموعي وفَرط حُبي ... ما كان سِرِّي كذا مضاعا\rوقال: المنسرح:\rوعامل بالفجورِ يَأمُر بال ... بِرِّ كهادٍ يخوضُ في الظلَمِ\rأو كطبيب قد شفَّه سَقَم ... وَهْو يُدَاوي من ذلك السَقَمِ\rيا واعظَ الناسِ غير متَّعظٍ ... ثَوْبَكَ طَهِّرْ أوْلا فلا تَلُمِ\rوقال: الطويل:\rإذا ما التقينا والعيون نواظرٌ ... فألْسُنُنا حَرْبٌ وأبصارنا سَلْمُ\rوقال في الحزن: الطويل:\rكثير همومِ القلبِ حتى كأنما ... عليه سرورُ العالَمين حَرَامُ\rإذا قيلَ ما أضْنَاك! أسْبَل دَمْعَهُ ... فأخبر ما يلقي وليس كلامُ\rوقال: الطويل:\rكريم له نفس يَلينُ بلِينها ... ليردَعَ عَنْ سلطانِهِ سُنَنَ الكِبْرِ\rإذا ذكَّرَتْه نفسه عَظْمَ قَدْرها ... دعاه إلى تسكينها عظم القَدْرِ\rووقَّع في كتاب رجل يحثه على استتمام صنائعه عنده: مستتمُّ الصنيعةِ من عَدَّل زَيْغها، وأقام أوَدها، صيانةً لمعروفِه، ونصرةً لرأيه؛ فإن أول المعروف مستخفّ، وآخره مستَثْقَل، يكاد أول الصنيعة يكون للهوى، وآخرها للرَّأي، ولذلك قيل: رَبُّ الصنيعة أشدّ من ابتدائها.\rوكان أبو العتاهية له صديقاً قبل ارتفاع حالِه، فأحس منه في حين وزارته تغيراً، فكتب إليه: الطويل:","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"أمنْتَ إذا استغنيْتَ من سورةِ الفَقْرِ ... فصرتَ تَرَى الإخوانَ بالنَّظَرِ الشزْرِ\rأبا جعفر إن الشريفَ يُهينهُ ... تتَايُهه دونَ الأخلاّء بالوَفْرِ\rفإنْ تِهْتَ يوماً بالذي نِلْتَ من غنى ... فإن عنائي بالتجمُّل والصَبْرِ\rألم تر أنّ الفقرَ يُرْجَى له الغِنَى ... وأن الغِنى يُخْشَى عليه من الفَقْرِ\rوروىَ أبو بكر يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: حجب أحمد بن يوسف أبا العتاهية، ثم عاد، فقيل: هو نائم، فكتب إليه: الطويل:\rلئن عدتُ بعد اليوم إني لظالمٌ ... سأصْرِف وجهي حيثُ تُبْغَى المكارِمُ\rمتى يظفر الغادي إليك بحاجةٍ ... ونِصْفُك محجوب ونِصْفُك نائمُ\rوقال: الخفيف:\rفي عداد الموتى وفي ساكني الدن ... يا أبو جعفر أخي وخَلِيلي\rميت مات وهو في ورق العَي ... شِ مقيماً في ظِل عَيْش ظليلِ\rلم يمت ميتةَ الوَفاةِ، ولَكِنْ ... مات عن كلِّ صالحٍ وجَمِيل\rوخاصم أحمدُ بن يوسف رجلاً بين يدي المأمون، وكان صَغَا المأمون إليه على أحمد، ففطن لذلك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنه يَسْتَمْلي من عينيك ما يَلْقَاني به، ويستَبِينُ بحركته ما تُجِنّه له، وبلوغُ إرادتك أحب إليّ من بلوغ أملي، ولذّةُ إجابتك أمتَعُ عندي من لذة ظفري؛ وقد تركتُ له ما نازعني فيه، وسلَمتُ له ما طالبني به، فاستحسن ذلك المأمون.\rومن كلام أحمد بن يوسف: مجالسةُ البُغَضَاء تُثِيرُ الهمومَ، وتَجْلِبُ الغموم، وتُؤْلم القَلْبَ، وتقدح في النّشاط، وتَطْوي الانبساط.\rألفاظ لأهل العصر في صفات الثقلاء\rفلان ثقيل الطَّلْعَة، بَغيضُ التفصيل والجُمْلة، باردُ السكونِ والحَرَكةِ؛ قد خرج عن حد الاعتدال، وذهب مِن ذاتِ اليمين إلى ذات الشمال. يحكي ثقل الحديث المعَاد، ويَمْشي في القلوب والأكباد، ولا أدْرِي كيف لم تحمل الأمانةَ أرضٌ حَمَلَتْهُ؟ وكيف احتاجت إلى الجبال بعد ما أقلّتْه؟ كأن وجهَه أيامُ المصائب، وليالي النوائب، وكأنما قُرَّ به فقْدُ الحبائب، وسوء العواقب. وكأنما وصلُه عدمُ الحياة، وموتُ الفجأة، وكأنما هَجره قوة المنّة، وريحُ الجنة. يا عجبي من جِسْمٍ كالخيال، وروحٍ كالجبال، كأنه ثقل الدينِ، على وَجعِ العين. هو ثقيلُ السكون، بغيضُ الحرَكَة، كثيرُ الشؤم، قليلُ البركة. هو بين الْجَفن والعين قَذَاة، وبين الأخمص والنَّعلِ حصاة. ما هو إلا غداةُ الفراق، وكتابُ الطلاق، وموتُ الحبيب، وطلوعُ الرقيب. ما هو إلا أربعاء لا تَدُور في صفَر، والكابوسُ في وَقْتِ السحَر، وأثْقَل من خَرَاجٍ بلا غلّة، ودَوَاءً بلا عِلَة، وأبْغَض من مثل غير سائر، وأجْمَع للعيوب من بغلة أبي دُلامة، وحمار طيّار، وطيلسان ابْن حَرْب، وأير أبي حكيمة، وأنشد: الطويل:\rمشى فدعا من ثقلِهِ الحوتُ ربَّهُ ... وقال: إلَهي زِيدَتِ الأرضُ ثانِيَهْ\rوأنشد: الخفيف:\rمشتَمِل بالبُغْض لا تَنْثَني ... إليه لَحْظاً مُقْلَة الرَامِقِ\rيظل في مجلسنا قاعداً ... أثْقَل من وَاشٍ على عاشِقِ\rوقال الحمدوني: المتقارب:\rسألتك باللَّهِ إلا صدقْتَ ... وعِلْمي بأنَك لا تصدقُ\rأتبغضُ نفسَك من ثقلها ... وإلا فأنت إذاً أحْمَقُ\rوكتب أبو عبد الرحمن العطوي إلى بعض إخوانه: الطويل:\rإذا أنت لم تُرْسِل وجئتَ فلم أصل ... مَلأت بعذْرٍ منك سَمْعَ لبيبِ\rأتيتك مشتاقاً فلم أرَ حاجباً ... ولا صاحباً إلا بوجهٍ قطوبِ\rكأني غريمٌ مُقْتَضٍ، أو كأنني ... طلوعُ رَقيبٍ أو نهوضُ حبيبِ\rوكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يستثقلُ جليساً اسمه زنباع، فقال له رجل يوماً: ما الزنبعة في كلام العرب؟ قال: التثاقلُ، ولذلك سُمَي جليسُنا زنباعاً.\rوقد كَثر الناس في الثقلاء، وأنا أستحسن قول جحظة، وإن كان غيره قد تقدمه في مثله: السريع:\rيا لفظةَ النَّعْي بمَوْتِ الخليلْ ... يا وقفة التَّوْديع بين الحُمُولْ","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"يا شربةَ اليارَجِ يا أُجرة ... المَنْزِل يا وَجْهَ العَذولِ الثقيل\rيا طلعة النعْش ويا منزلاً ... أقفَر منٍ بعد الأنيس الْحُلُولْ\rيا نهضة المحبوب عن غَضْبةِ ... يا نعمة قد آذَنَتْ بالرَحيلْ\rيا كتاباً جاء من مُخْلِفٍ ... للوعد مملوءا بعذرٍ طويلْ\rيا بُكرة الثكْلَى إلى حُفْرةٍ ... مستودعٍ فيها عزيزُ الثكُولْ\rيا وثبةَ الحافظِ مستَعْجِلاً ... بصَرْفِه القَيْناتِ عند الأصيلْ\rويا طبيباً قد أتى باكراً ... على أخي سُقْمٍ بماءِ البقول\rيا شوكةً في قدم رخْصَةٍ ... ليس إلى إخراجها من سبيل\rيا عِشْرَةَ المجذوم في رَحْله ... ويا صُعود السِّعْر عند المُعِيل\rيارَدَّة الحاجب عن قَسْوةٍ ... ونكسَةً من بعد بُرْءِ العليل\rوجَحْظَة هذا هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، وقال أبو الحسن علي بن محمد بن مُقْلة الوزيرُ: سألتُ جَحْظَة مَنْ لقبه بهذا اللقب؟ فقال: ابنُ المعتز، لقيني يوماً، فقال لي: ما حيوان إنْ نكَّسُوه أتانا آلة للمراكب البحرية، فقلت: عَلَقٌ، إذا نكَس صارَ قِلْعاً، قال: أحسنت يا جحظة؛ فلزمني هذا اللقب، وكان ناتئ العينين جدًّا، قبيحَ الوجه، ولذلك قال ابن الرومي: الكامل:\rنبئت جَحْظَة يستعيرُ جُحوظَهُ ... مِنْ فِيل شِطْرَنْجٍ ومن سرطان\rيا رحمتي لمُنادميهتحمَلواألمَ العيونِ للذَّةِ الآذان\rوكان طيبَ الغناء، ممتدَ النفَس، حسنَ المسموع؛ إلاّ أنه كان ثقيلَ اليد في الضرب؛ وكان حُلْوَ النادرة، كثير الحكاية، صالح الشعْرِ، ولا تزال تندر له الأبيات الجيدة، وهو القائل: الكامل:\rجانبت أطْيَب لذتي وشرابي ... وهجرت بعدك عامداً أصحابي\rفإذا كتبتُ لكي أنزِّه ناظري ... في حُسْنِ لفظك لم تَجُدْ بجوابِ\rإن كنت تنكر ذِلَتي وتذلّلي ... ونُحُولَ جسمي وامتدادَ عَذَابي\rفانظر إلى بَدَنيِ الذي موَّهتُه ... للناظرين بكَثْرة الأثوابِ\rوقال: مجزوء الكامل:\rوإذا جفاني صاحِبٌ ... لم أستَجِزْ ما عِشتُ قَطْعَهْ\rوتركتُه مِثْلَ القُبُو ... رِ أزورها في كُلّ جُمْعَه\rوقال: البسيط:\rضاقت عليَ وجوهُ الرأي في نَفَر ... يَلْقَوْن بالْجَحدِ والكُفْرَان إحساني\rأقلَب الطرْفَ تصعيداً ومنحدراً ... فما أُقابل إنساناً بإنساني\rوقال: المتقارب:\rلقد مات إخواني الصالحون ... فما لي صديقٌ وما لي عمادُ\rإذا أقبل الصبحُ وَلَى السرور ... وإن أقبل الليل ولى الرقاد\rوقال يهجو رجلاً: الكامل:\rلا تعذلوني إن هَجَرْتُ طعامه ... خوفاً على نفسي مِنَ المأكولِ\rفمتى أكَلْتُ قتلتُه من بُخْلِه ... ومتى قَتَلْتُ قُتِلت بالمقتولِ\rومن حكاياته ما حدّثني خالد الكاتبُ قال: جاءني يوماً رسولُ إبراهيم ابن المهدي، فصرت إليه، فرأيتُ رجلاً أسْودَ على فُرُش فد غاص فيها، فاستجلسني وقال: أنشدني من شعرك، فأنشدته: الطويل:\rرأتْ منه عيني منظَرَيْنِ كما رأتْ ... من الشمس والبدرِ المنير على الأرضِ\rعشيّة حيَّاني بوَرْد كأنهُ ... خدودٌ أضِيفَتْ بعضهُنً إلى بعضِ\rونازعني كأْساً كأنّ حبَابَها ... دموعيَ لما صَدّ عن مقلتي غمضي\rوراح وفِعْلُ الراحِ في حَرَكاتِهِ ... كفعْل نسيم الريح بالغُصُنِ الغضِّ\rفزحف حتى صار في ثلثي الفراش، وقال: يا فتى، شبهوا الخدودَ بالوَرْدِ، وأنت شبهْتَ الورد بالخدود، زِدْني فأنشدته: مجزوء الكامل:\rعاتبتُ نفسي في هوا ... ك فلم أجدْها تَقْبَلُ\rوأطعتُ داعيَها إلي ... ك فلم أطِعْ من يَعْذُلُ\rلا والذي جعل الوُجُو ... ه لحُسنِ وَجْهِك تَمْثُلُ\rلا قلتُ إنّ الصبرَ عن ... ك من التَّصَابي أجْمَلُ","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"فزحف حتى انحدر عن الفرش ثم قال لي: زدْني، فأنشدته: الرمل:\rعِش فحُبِّيك سَريعاً قاتلي ... والضَّنى إن لم تَصلني وَاصلي\rظَفرَ الحبّ بقَلَب دَنِفٍ ... فيك والسّقْمُ بجسمٍ ناحلِ\rفهما بين اكتئابٍ وضَنًى ... ترَكاني كالقضيب الذَّابل\rوبكى العاذِلُ لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذِل\rفنَعر طربَاً وقال: يَلبَق؛ كم معك لنفقتنا؟ قال. ثمانمائة وخمسون ديناراً. قال: أقسمها بيني وبين خالد، فدفع إليَ نصفها.\rوأنشد جحظة أو غيره ولم يسمِّ قائله: البسيط:\rلا يبعد اللّه إخواناً لنا سلفوا ... أفناهم حَدَثان الدهر والأبدُ\rنمِدّهُمْ كل يومٍ من بقيَّتنا ... ولا يَوؤوب إلينا مِنْهُمُ أحَدُ\rما قيل في السكّين\rوكان أحمد بن يوسف جالساً بين يدي المأمون، فسأل المأمون عن السكّين فناوله أحمد السكين، وقد أمسك بنِصَابها، وأشار إليه بالحدّ، فنظر إليه المأمون نظر مُنكِر؛ فقال: لعل أميرَ المؤمنين أنكر عليَّ أخْذِي النّصاب؛ وإشارتي إليه بالحدِّ؛ وإنما تفاءلت بذلك أن يكونَ له الحدَّ على أعدائه، فعجب المأمون من سرْعَةِ فطنته، ولطيف جوابه.\rوقال بعض الكتاب: السكين مسُّ الأقلام يشحذها إذا كلّت، ويَصْقُلُها إذا نَبَتْ، ويطْلِقُها إذا وقفت، ويلمّها إذا شَعِثت، وأحْسَنُها ما عَرُضَ صَدْرُه، وأُرْهِفَ حَدُّه، ولم يفصل على القبضة نِصَابُه.\rوقال أبو الفتح كشاجم يرثي سكيناً سرقت له: البسيط:\rيا قاتل اللّه كتابَ الدواوين ... ما يستحثُونَ من أخذِ السكاكينِ\rلقد دهاني لطيفٌ منهمُ خَتِلٌ ... في ذات حدٍّ كحدّ السيفِ مَسْنُونِ\rفأقَفْرَتْ بعد عُمْرانٍ بموقعها ... منها دواةُ فتًى بالكُتْبِ مَفْتُون\rتبكي على مُديَةٍ أودى الزمان بها ... كانت على جائرِ الأقلام تُعْدِيني\rكانت تقدِّمُ أقلامي وتَنْحَتُها ... نحتاً وتسْخِطها بَرْياً فتُرْضيني\rوأضحك الطرس والقرطاس عن حَلل ... ينوب للعين من نَوْرِ البساتين\rفإن قَشَرت بها سوداءَ من صُحفي ... عادت كبعض خدودِ الْخُرَّدِ العِين\rجزْعُ النصاب لطيفات شَعَائرُها ... محسَنات بأصناف التَّحاسين\rهيفاء مُرْهَفَةٌ بيضاء مُذْهَبة ... قال الإله لها سبحانه: كُوني\rلكن مقطيَ أمسى شامتاً جَذِلاً ... وكان في ذِلَةٍ منها وفي هُونِ\rفَصِين حتى يُضاهي في صيانته ... جَاهي لصَوْنِيهِ عَمَّنْ لا يُدَانيني\rولستُ عنها بسَالٍ ما حَيِيتُ، ولا ... بواجِدٍ عِوَضاً منها يُسليني\rولو يَردُ فِدَاء ما فَجِعتُ بِهِ ... منها فديناه بالدنيا وبالدين\rألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين\rسكّين كأنَّ القدرَ سائقُها، أو الأجَل سابقها، مُرْهَفَة الصَدْرِ، مُخْطَفة الخصْر، يجولُ عليها فِرند العِتْق، ويموج فيها ماء الْجَوهر؛ كأنّ المنية تبرق من حدها، والأجل يَلْمع من متنها، رَكبَتْ في نِصَاب آبنوس، كأنَ الحَدَق نفضَت عليه صِبْغَها، وحَبّ القلوب كستهْ لباسها. أخذ لها حديدها الناصح بخط من الروم، وضرب لها نصابها الحالِك بسهم من الزنج، فكأنها ليل من تحتِ نَهار، أو مجمر أبْدَى سَنَا نَار، ذات غِرار ماضٍ، وذبَاب قاض. سكيِن ذات مِنْسَر بازِيّ، وجَوْهر هوائي، ونِصَاب زنجي، إن أُرضِيت أولت مَتْناً كالدهان؛ وان أُسْخِطَتْ اتَقَتْ بنابِ الأُفعوان. سكين أحْسَنُ من التلاَقْ، وأقْطَع من الفراقْ، تفعل فِعْلَ الأعْدَاء، وتنفعُ نَفْعَ الأصدقاء. هي أمْضَى من القَضَاء، وأنْفَذُ من القَدَر المتَاح، وأقْطَعُ من ظُبَةِ السيف الحُسام، وألمع من البَرْقِ في الغَمام. جمعت حُسْن المنظر، وكَرَمَ المخْبَر، وتملَكتْ عِنان القلب والبصر، ولم يُحْوجهَا عتْقُ الْجَوهَر إلى إمهاء الحجر.\rالاستدعاء إلى المؤانسة والمنادمة","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح: ما زِلنا في سَمَرٍ نَصِلُ فصولَه بتشوقك، فيذهِب ذِكْرُك مَلَلَ السامر، ونَعْسَة الساهر. فقال القاسم: مثلك ذكر صديقه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو كنتم آذَنُتمُوني كنت أحدكم، مسروراً بما به سُررتم، مفيضاً فيما فيه أفَضْتُم.\rقال بعض الظرفاء: شَرْطُ المنادمة قِلّة الخلاف، والمعاملةُ بالإنصاف، والمسامحة في الشراب، والتغافل عن ردّ الجواب، وإدمان الرضا، واطِّرَاح ما مَضَى، وإسقاط التحيات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسر، وسَتْر العَيْبِ، وحفظ الغيب.\rوقد أحسن أبو عبد الرحمن العطوي في قوله: الوافر:\rحقوقُ الكأس والنَّدْمانِ خمس ... فأوّلُها التزين بالوَقَارِ\rوثانيها مسامَحَةُ النَدَامَى ... فكَمْ حَمَتِ السماحة مِنْ ذِمارِ\rوثالثها، وإن كنتَ ابنَ خَيْرِ الْ ... برية مَحتْدِاً، ترْكُ الفَخَارِ\rورابعها وللندْمان حق ... سوى حقّ القرابة والجوارِ\rإذا حدَثته فاكْسُ الحديث ال ... ذي حدّثته ثَوْبَ اختصارِ\rفما حُثَ النبيذُ بمثل حسن الأ ... غَاني والأحاديثِ القِصار\rوخامسةٌ يدكُ بها أخوها ... على كرم الطبيعةِ والنَجار\rحديث الأمس ننساه جميعاً ... فإنَّ الذنْب فيه لِلْعُقَارِ\rومن حكَمتَ كاسَك فيه فاحْكمْ ... له بإقالة عِنْدَ العِثار\rوقال حسان بن ثابت: الوافر:\rنُوَلَيْها الملامةَ إنْ ألَمْنَا ... إذا ما كان مَغْثٌ أو لِحَاء\rوشرب اليزيدي عند المأمون فلما أخذَتْ منه الكأس أقبل يعتز عليه بتعليمه إياه، وأساء مُخاطبته، فلما أفاق من سُكْرِه عُرَف ما جرى، فلبِس أكفانه، ووقف بين يديَ المأمون فأنشده: الطويل:\rأنا المذنبُ الخطَاءُ والعفوُ واسعٌ ... ولو لم يكن ذنبٌ لما عُرِف العفوُ\rثَمِلْتُ فأبْدَتْ منِّيَ الكاسُ بعضَ ما ... كَرِهْتَ وما إن يستوي السّكْرُ والصَّحو\rولا سيما إن كنتُ عند خليفةٍ ... وفي مجلسٍ ما إنْ يجوز به اللَغْوُ\rفإن تَعْفُ عني أُلْفِ خَطويَ واسعاً ... وإلا يكن عَفْوٌ فقد قَصُر الْخَطْوُ\rفقال المأمون: لا تثريبَ عليك، فالنبيذ بساط يُطوَى بما عليه.\rوشرب كورَان المغني عند الشريف الرضي، فافتقد رِداءَه، وزعم أنه سرق. فقال له الشريف: ويحك! مَنْ تتهم منا؟ أما علمتَ أن النبيذ بِساط يطوى بما عليه؟ قال: انشروا هذا البساط حتى أخذَ ردائي واطوَوه إلى يوم القيامة.\rوكان أبو جعفر أحمد بن جَدَار، كاتب العباس بن أحمد بن طولون، ينقل أخبارَ أبي حفص عمر بن أيوب، كاتب أحمد بن طولون، على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص فقال: يا أبا جعفر، إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس، ومسرح لبانة، ومَذَاد هَمّ، ومَرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتهم غَيبَه، ولا يخشى عتبه، وقد أتصل بي ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل أعز الله أمره، من أخبار مجالستي، فلا تفعَل، وأنشده: الخفيف:\rولقد قلت للأخلاّءِ يوماً ... قولَ ساعٍ بالنصحِ لو سمعوه\rإنما مَجلِسُ المدَام بِساطٌ ... للمودات بينهم وضَعُوهُ\rفإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيمٍ ولذّةٍ رفعوه\rوهمُ أحْرياء، إنْ كان منهم ... حافظٌ، ما أتوه أن يمنعوهُ\rفاعتذر ابن جدار وحلف ما فعل، وقام من مجلسه.\rوأنشد أبو حفص: الكامل:\rكم من أخٍ أوْجَستُ منه سجيّةً ... فأنْسِت بعدَ وِدَادِهِ بفراقِهِ\rلم أحمد الأيام منه خليقَةَ ... فتركتُه مستمتعاً بخلاَقهِ\rعوّل أبو حفص في أكثر كلامه على نَقْل كلام أبي العباس الناشئ في الشراب، والأبيات التي أنشد أولاً له.","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"أبو القاسم الصاحب: قدماً حُمِلَتْ أوْزَارُ السُكْرِ، على ظهور الخمر، وطوي بساطُ الشراب، على ما فيه من خطإ أو صواب. متابعة العُقار، تعذر في خَلْع العِذَار، وتُغْني عن الاعتذار. متابعة الأرطال، تبطل سورة الأبطال، وتَدَعُ الشيوخ كالأطفال.\rكتب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى بعض الجِلَّة يستدعيه: يوْمُنا يوم لَيِّنٌ الحواشي، وَطِيءُ النواحي؛ وسماؤنا قد أقبلت، ورعدت بالخير وبَرَقَتْ، وأنت قُطْب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تفرِدْنا فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ.\rوكتب بعض أهل العصر - وهو السَّرِي الموصلي - إلى أخ له يستدعيه إلى مؤانسته: الطويل:\rخِلاَلك، ما اختل الصديق، سحَائِبُ ... وبِشرك ما هبَّت رِياح، مَوَاهِب\rوأنت شقيق الرُوحِ تُؤثِر وَصلَها ... إذا رَاعَها بالهَجْرِ خِل وصاحِبُ\rونحن خلال القَصْفِ ولعَزْفِ نجتَني ... ثمارَ مَلاَهٍ كلهنَّ أطَايبُ\rوعندي لك الرّيحان زِين بِسَاطُهُ ... بزَهْرٍ كما زانَتْ سماءً كَوَاكِبُ\rوجَيْشٌ كما انجرَت ذيولُ غَلائِل ... مُصنْدَلةً تختالُ فيها الكَوَاعِب\rوقد أطلِقَت فيه الشمائِل، وانثنَتْ ... مُفَنّدةً عن جانبيها الْجَنائِب\rوحافظة ماءَ الحياةِ لفِتيَةٍ ... حياتهم أن تستلذ المشارِبُ\rنُسَرْبِلُها أخفَى اللباس، وإنما ... يلَفُ بها أفْوَاهُه والَسبائِبُ\rعلى جَسَدٍ مثل الزّبَرْجَدِ لم تزل ... تشاكله في لونه وتُناسِبُ\rإذا استودعت حُرّ اللُجَيْن سبائكاً ... تَصوَّبَه في أحشائها وَهْوَ ذَائِبُ\rوشوق رؤوس القوم غَيمٌ معلًق ... من النَّد لا يَجْرِي ولا هو ذاهِب\rبوارقُهُ خَمْرُ الكؤوس ورَعْدُهُ ... أناملُ بيضٌ للطبول تلاَعِب\rولا عائق يثْني عِنانَكَ عَنْ هوًى ... رَغَى جانب منه وأوْمَضَ جانبُ\rفبادِرْ؛ فإن اليوم صافٍ من القَذَى ... ويا رُبَّ يومٍ بادَرتْهُ النوَائب\rوقال ابن المعتز: المنسرح:\rلا شَيْء يسلي همَي سوَى قَدَحٍ ... تَدمَى عليه أوْدَاج إبرِيقِ\rفي غيْمِ نَدّ يُزجِي سَحائبَهُ ... بَرْقُ ابتسامٍ ورَعْدُ تصفيقِ\rوقال الحسن بن محمدٍ الكاتب يصف طبلاً: البسيط:\rيا حبَّذَا يومنا نَلْهُو بمُلْهِيَةٍ ... تُلْهى بشيءً له رَأْسان في جَسَدِ\rقد شَدَّ هذا إلى هذا كأنهما ... من شِدَّة الشدِّ مقرونَانِ في صَفَدِ\rنَظَل نلطم خَدَّيهِ إذا ضرَبَتْ ... بكل طاقتها لطماً بلا حَرَد\rفتسمعُ الصوتَ منه حين تَضْرِبُه ... كأنه خارجٌ من ماضِغَيْ أسَد\rومن ألفاظهم في الاستدعاء\rنحن في مجلِسٍ قد أبت رَاحه أن تصفوَ لنا أو تتناولَها يُمْناك، وأقسم غِنَاؤه لا طاب أو تَعِيَه أذنَاك، فأمَا خدودُ نارنجه فقد احمرَت خَجَلاً لإبطائك، وعيون نَرْجِسه قد حدقَت تَأْمِيلاً للقائك، فبحياتي عليك إلا تعجلت، وما تمهلت.\rنحن بغيبتك كعِقد تغيبَتْ وَاسِطتَه، وشبابٍ قد أخلَقَت جِدَتُه، وإذ قد غابت شمس السماء عنَّا، فلا بد أن تدنُوَ الأرض منّا. أنت من ينتظم به شمْل الطرَب، وبلقائه يبلغُ كل أرَب. طِر إلينا طَيَرانَ السَّهْمِ، واطلع علينا طلوعَ النجم. ثِبْ إلينا وثوبَ الغزال، واطلُعْ علينا طلوعَ الهِلال، في غرّة شوّال. كنْ إلينا أسرعَ من السهم إلى ممرّه، والماء إلى مقره. جشمْ إلينا قدمك، واخلَع علينا كَرمَك، وإن رأيتَ أن تحضرنا لتتصِل الواسِطة بالعِقد، ونَحْصل بقُرْبُك في جَنةِ الْخُلْدِ، وتُسْهم لنا في قربِك الذي هو قوت النفس، ومادةُ الأنْس.\rولهم في استدعاء الشراب","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"قد تألّف لي شَمل إخوانٍ كان يفترق لعَوَز المشروب، واعتدنا فضلَك المعهود، وورَدْنا بَحْرَك المورود، وأنا ومَن سامحني الدهرُ بزيارته من إخواني وأوليائك وقوفُ بحيث يقفُ بنا اختيارُك من النشاط والفتور، ويَرتَضِيه لنا إيثارك من الهم والسرور، والأمرُ في ذلك إليك، والاعتمادُ في جَمْعِ شمْلِ السمرَةِ عليك، فإن رأيتَ أن تكِلَني إلى أولى الظنيْن بك فعلت. ألطف المنَن مَوقعاً، وأجَلُها في النفوس موضعاً، ما عَمَرَ أوْطانَ المسرًةِ، وطرد عوارض الهمَ والفكرة، وجمع شَمْلَ المودةِ والأُلفة. قد انتظمتُ في رُفقَةٍ لي في سِمْط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام بإهداء المُدَام عُذنا كبنات نَعْش، والسلام. فرأيك في إرواء غلَّتنا بما ينقعها، والطَول على جماعتنا بما يجمعها.\rولهم في الكتابة عن الشراب\rقد نَشِطَ لتناول ما يستمد البِشر، ويشرح الَصدْر، قد استمطر سحابةَ الأنس، واستدرّ حلُوبة السرور، وقَدَح زَندَ اللهو، فهو يَمْرِي دِماءَ العناقيد، ويَفْصِد عروقَ الدَنان، ويَنْظم عقْدَ النَدْمَان.\rكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم دجْنٍ لم يمطر: أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليَأس في يومنا هذا بقرْب المطر وبعده، كأنه قول كثير: الطويل:\rوإني وَتَهْيامي بعزة بعدما ... تَخَليتُ مما بيننا وتَخَلّتِ\rلكالمرتَجِي ظل الغمامةِ، كلّما ... تَبَوَأ منها للمَقيل اضمحلتِ\rوما أصبحَتْ أمنيتي إلاَ في لقائك، فليت حِجاب النأي هتك بيني وبينك! رقعَتي هذه وقد دارت زجاجاتٌ أوقعَتْ بعقلي ولم تَتَحيّفه، وبعثَت نشاطاً حركني للكتاب؛ فرأيك في إمطاري سروراً بسار خَبرك؛ إذ حُرِمت السرور بمَطَر هذا اليوم، موفّقاً إن شاء الله.\rوكتب الحسنُ بن وهب: وصل كتاب الأمير أيَّده اللّه وفَمِي طاعِم ويدي عامِلة، ولذلك تأخرّ الجواب قليلاً، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استوجب ذنباً استحقّ به دماً؛ لأنه إذا أشمس حكى حُسنَكَ وضياءك، وإن أمطر حكى جودك وسخاءك، وإن غام أشبه ظِلَك وفِناءَك، وسؤالُ الأمير عني نعمة من نعم اللّه، عز وجل، أُعفَي بها آثارَ الزمان السيئ عندي! وأنا كما يحِب الأمير صرف اللهُ الحوادث عنه، وعَن حَظي منه.\rوذم رجل رجلاً فقال: دعواته ولائم، وأقْدَاحه مَحَاجم، وكؤوسُه محابر، ونوادره بوادر.\rوقال أبو الفتح كشاجم: كان عندي بعض المجَّانِ من النبيذيين، فسمعني وأنا أحمدُ الله جلَّ ذِكرُه في وسط الطعامِ لشيءٍ خطر ببالي من نِعَم الله التي لا تُحْصَى، فنهض وقال: أُعْطِي اللّه عهداً إن عاودْتُ! وما معنى التحميد هنا؟ كأنك تُعْلِمُنا أنا قد شبعنا. ثم مال إلى الدواة والقرطاس، وكتب ارتجالاً: الوافر:\rوحَمْدُ الله يَحْسُنُ كلَّ وقتٍ ... ولَكِنْ ليس في أولَى الطعام\rلأنك تُحْشِمُ الأضيافَ فيهِ ... وتأمرُهم بإسراع القِيَام\rوتؤذِنهم، وما شَبِعُوا بشَبْعٍ ... وذلك ليس من خُلُقِ الكِرَامِ\rوكتب المَرِيمي إلى بعض إخوانه وقد ترك النبيذ: البسيط:\rإنْ كُنتَ تُبْتَ عن الصهباءِ تَشْرَبُها ... نُسْكاً فما تُبْتَ عَنْ بِرٍّ وإحسانِ\rتُب راشداً، واسقِنا منها، وإن عَذَلوا ... فيما فعلت فقلْ ما تاب إخواني\rوقال بعض النبيذيين، وقد ترك الشرب: الوافر:\rتحامَوْني لتَرْكِي شُرْب راح ... أقَمْتُ مكانَها الماءَ القَرَاحا\rوما انفَرَدوا بها دُوني لِفَضلٍ ... إذَا ما كُنتُ أكثَرَهم مِرَاحَا\rوأرفعهم على وتر وصَنجٍ ... وأطرفهُم وأظرَفهم، مزاحا\rإذا شقُّوا الجيوبَ شَققت جَيبِي ... وإن صاحَوا عَلَوتهم صِيَاحا\rفِقر للنبيذيين","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"ما جمِشَت الدنيا بأَطرَفَ من النبيذ، ما للعقَارِ والوَقَارِ. إنما العيش في الطيش، الراح ترياق سمَ الهَمّ. النبيذ ستر فانظر مع مَن تهتكه. اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطَبتَه فدَعه. لولا أنَّ المخمور يعلم قصَته لقدم وصيته. الصاحِي بين السكارى كالحي بين الموتى؛ يضحك من عَقلِهم، ويَأكل من نَقلهم. أحمق ما يكون السكرَان إذا تعاقل. التبذل على النبيذ ظَرف، والوقار عليه سخف، حد السكران أن تَغرب الهموم، ويظهر السرَّ المكتوم.\rوقال الحسن بن وهب لرجل رآه يعبس عند الشراب: ما أنصَفتها، تَضحك في وجهك، وتَعبس في وَجهها.\rوقال الطائي: الطويل:\rإذا ذاقها، وَهيَ الحياة، رأيتَه ... يُعَبِّس تعبيسَ المقدَّمِ للِقَتل\rوقد أحسن الشيخ صدر الدين حيث قال: البسيط:\rوأن أُقَطَب وَجْهي حينَ تَبْسِمُ لي ... فعند بَسْطِ المَوالي يحفظ الأدب\rوترك رجلٌ النبيذَ، فقيل له: لم تركتَه، وهو رسولُ السرورِ إلى القلب؟ قال: ولكنه رسولُ بأسٍ يُبعَثُ إلى الْجَوفِ فيذهب إلى الرأس.\rوقيل لبعضهم: ما أصبّك بالخمر! فقال: إنها تُسْرج في يَدِي بنورها، وفي قلبي بسرورها، كأنَّ الناشئ نظر إلى هذا الكلام فقال: الكامل:\rراحٌ إذا عَلتِ الأكفَّ كؤُوسُها ... فكأنها من دونها في الرَّاحِ\rوكأنما الكَاسَاتُ ممّا حولها ... من نورِها يَسْبَحنَ في ضَحْضَاحِ\rلو بُثَّ في غَسَق الظلام ضِياؤُها ... طَلع المساءُ بغُرَّةِ الإصباحِ\rنفضَتْ على الأجسام ناصعَ لَوْنَها ... وسَرَتْ بلذتها إلى الأرواح\rالبيت الأول كقول البحتري: الكامل:\rيخفي الزجاجةَ ضوءَها، فكَأنها ... في الكفَ قائمةٌ بغيرِ إناء\rوللناشئ في هذا المعنى: الكامل:\rومُدامة يخفى النهار لنورها ... ونَذل أكنافَ الدجا لضيائها\rصبت فأحدق نورها بزجاجها ... فكأنها جعلت إناءَ إنائها\rوترىَ إذا صبت بَدَت في كأسها ... متقاصرَ الأرجَاء عن أرْجائها\rوتكادُ إنْ مُزِجَتْ لرقةِ لونِها ... تَمتَاز عند مِزاجِهَا من مَائها\rصفراء تُضْحِي الشمسُ، إن قِيسَتْ بها ... في ضوئها، كاللَيلِ، في أضْوائها\rوإذا تصفحْتَ الهواءَ رأيتهُ ... كَدِر الأدِيمة عند حُسْن صفائها\rتَزدَاد مِن كرمِ الطباعِ بقَدرِ ما ... تودِي به الأيام مِن أجْزَائها\rلا شيء أعجَب من تَوَلُدِ بُرئِها ... من سقمها، ودَوَائها مِنْ دَائها\rوقال: الكامل:\rإن رمتَ وصفَ الراجِ فأتِ بما ... فيها من الأوْصاف من قُرْبِ\rهي ماء ياقوتٍ، وإن مُزِجَتْ ... في كَأسِها بالباردِ العَذْبِ\rفكأنها وحبَابُها ذهَبٌ ... كللتَه باللؤلؤ الرَطْبِ\rولأهل العصر: الدنيا معشوقةٌ رِيقُها الراح. أخذ هذا المعنى من قول ابن الرومي في صاعد بن مخلد: الطويل:\rفتًى هاجرَ الدنيا وحرَم رِيقَها ... وهل رِيقُهَا إلاَ الرحيقُ الموَرَدُ؟\rولو طَمِعت في عَطْفِهِ ووصالِه ... أبَاحته منها مَرْشَفاً لا يُصَرَّد\rالخمرُ أشبهُ شيء بالدنيا؛ لاجتماع اللذات والمرارة فيها. الخمر مصباحُ السرور، ولكنها مفتاح الشرور. لكل شيء سر، وسرُ الراحِ السرور. لا يطيبُ المُدَام الصافي، إلاّ مع النديم الُصَافي.\rومن ألفاظهم في صفات\rمجالس الأنس وآلات اللهو وذكر الخمر","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"مَجْلِس رَاحُه ياقوت، ونَوْره ورد، ونَارنْجُه ذَهَبٌ، ونرجِسه دينار ودرهم، يحملهما زبرجَد. عندنا أُتْرُج كأنه من خَلْقِك خُلِق، ومن شَمَائِلك سُرِق، ونَارَنج ككُرَاتِ من سفَن ذهِّبت، أو ثدي أبكار خلِّقت. مجلس أَخَذَتْ فيه الأوتار تتجاوب، والأقداح تتناوب. أعلامُ الأُنْسِ خافقةٌ، وأَلْسُن الملاهي ناطقة. ونحن بين بدور، وكاساتٍ تَدور، وبروقِ رَاح، وشموس أقْدَاح. قد نشأت غَمامة الندِّ، على بساط الوَرْدِ. مجلس قد تفتحت فيه عيونُ النرْجِس، وفاحت مَجامِير الأُترُج، وفتقت فَارَات النَّارَنج، ونطقت ألسُنُ العيدان، وقامَت خطباءُ الأوتار، وهبت رياحُ الأقداح، وطلَعَتْ كواكبُ النًدْمان، وامتدَتْ سماء النَّدّ. مجلس مَنْ رآه حسب الجنَان قد اصْطَفَتْ عيونُهَا، فجعلت في قدر من الأرض، وتخيّرت فصوصها، فنُقِلَت إلى مجلس الأُنْس واللَهْوِ. قد فضّ اللَهْوُ ختامه، ونشر الأُنْس أعلامه. قد هَبَّت للأنْس ريح بَرْقها الراح، وسحابها الأقداح، ورعودها الأوتار، ورياضها الأقمار. قد فرغنا للهو والدهرُ عنّا في شغل.\rجُل هذا من قولِ بعض أهل العصر: الرمل:\rكم جوًى مثّله رَسْم مَثَل ... ودم قد طُل أثناء طَلَلْ\rولآلٍ كلل الخدّ بها ... لعب البين بربّاتِ الكِلَلْ\rحبذا عيشُ الليالي باللِّوى ... لو تجافَى الدّهْرُ عنا وغَفَلْ\rإذ فَرَغْنا فيه للَّهو وقد ... باتَتِ الأقْدَارُ عنَا في شُغُلْ\rوأدَرْنَا ذهباً في لَهبٍ ... كلِّما أُخْمِدَ بالماء اشتَعَلْ\rقد اقتَعدنا غاربَ الأُنْسِ، وجرينا في مَيْدَانِ اللهو. عمدنا إلى أقْدَاحِ اللهو فأجَلْنَاها، ولمراكبِ السرور فامتطَيْناها. قد امتطينا غوارِبَ السرور بالأقداح. مُدَامة تُورِد ريحَ الورْدِ، وتَحْكِي نارَ إبراهيم في اللَون والبَرْدِ، ولستُ أدري أشقيق أم عقيق، أم رحيق أم حريق. راحٌ كأن الدُيوكَ صبت أحداقَها فيها. راح كأنما اشتقت من الروح والراحة.\rقال ابن الرومي: الكامل:\rوالله ما نَدْرِي لأيةِ عِلَة ... يَدْعُونَهَا في الرَاحِ باسْمِ الراحِ\rألِرِيحهَا أمْ روحها تحْتً الحَشَى ... أمْ لارْتيَاحِ نَديمها المُرْتاحِ؟\rراحٌ كالنار والنُورِ والنوْرِ، أَصفَى من البَلور، ومن دَمْع المهجور. روح نور لها من الكَأْس جسم، كأنها شمس في غِلالة سَراب. شراب أكادُ أَقولُ: هو أَصْفَى من مودَتي لك، ومِنْ نعم اللَهِ عنديً فيك، وأَطْيَبُ من إسعافِ الزمان بلقائك. مُدَامة قد سبك الدهرُ تِبْرَها فصَفا. كأسٌ كأنها نورٌ ضميرهُ نَارٌ. راح كياقوتة في دُرة، أَصْفَى من ماء السماء، ودَمْعِ العاشقة المَرْهاء، أحسن من الدنيا المُقْبِلة، والنعم المكملة. أَحْسن من العافية في البَدَن، وأَطْيَب من الحياة في السرور. أرقّ من نسيمِ الصبا، وعَهْدِ الصَبا. أرق من دَفع محب، وشَكْوَى صَبّ. أرقّ من دموع العشاق، مَرَتها لَوْعَةُ الفراق. مُزِجَ نَارُ الرَاح بنُورِ الماء. راح كأنها معصورة من وَجْنَةِ الشمس، في كَأسٍ كأنها مخروطة من فِلْقَة البَدْرِ. كأسها مِلْء اليدِ، وريحها ملء البَلَد، تصب على الليل ثَوْبَ النهار، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذِهْنٍ لطيف. كأنَّ الراح من خَدِّه معصورة، وملاحَةُ الصورةِ عليها مقصورة. وهذا من قول الطائي كأنها من خَدِّهِ تُعْصَر وقال عبد السلام بن رَغْبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور: الطويل:\rمعتّقه مِنْ كَفَ ظَبْي كأنما ... تَناوَلها من خَدَه فأَدَارَها\rتمشَت الصهباءُ في عِظامهم، وتَرَقَت إلى هامِهِمْ، وماسَتْ في أعْطافِهم، ومالَتْ بأَطْرَافهم. سارَتْ فيهم الكُؤُوس، ونالَتْ عنهم سَوْرَةُ الخَندَريس. شربت عقولَهم، وملكت قلوبَهم.\rوقال أبو نُوَاس، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن: الكامل:\rصِفَةُ الطلولِ بَلاَغَةُ الفَدْمِ ... فاجعلْ صفاتك لابنَةِ الكَرْمِ\rتصفُ الطلولَ على السماع بها ... أَفَذُو العِيان كثابتِ العلْمِ؟\rوإذا وَصَفْتَ الشيءَ متّبعا ... لم تَخْلُ من غَلَطٍ ومن وَهْمِ\rوقال: الكامل:","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"الكأس أهواها وإن رَزَأت ... بُلَغَ المعاش وقلَّلَتْ فَضْلي\rصفراءُ مَجَّدَها مَرَازِبُها ... جَلَّتْ عن النظَراء والمِثْلِ\rذُخِرَتْ لآَدَم قبل خِلْقَتِهِ ... فَتَقَدَّمَتْهُ بخطوةِ القَبْلِ\rفاعذِرْ أخاك فإنه رجلٌ ... مَرنَتْ مَسامِعُه على العَذْلِ\rوقال: المديد:\rفتسلَيْتُ بشُرْب عُقَارٍ ... نشأتْ في حِجْرِ أُمّ الزمان\rفتناساها الجديدان حتى ... هي أنصافُ شطورِ الدَنَان\rوافترعْنَا مُرة الطعْم بها ... نزَقُ البِكْر ولينُ العَوَان\rواحتسينا من رحيق عتيق ... وشديد كامل في لِيان\rلم يُجفْهَا مِبْزَلُ القوم حتى ... نجمَتْ مثلَ نجومِ السّنان\rأو كعِرْقِ السام تنشقّ منه ... شُعَبٌ مثلَ انفراج البنان\rوقال: الكامل:\rوخَدِين لذَاتٍ مُعَلَلِ صاحبٍ ... يَقْتاتُ منه فكاهةً ومُزَاحا\rقال: ابغِني المصباح، قلتُ له: ائتدْ ... حَسْبي وحسبُك ضَوْءُها مصباحا\rفسكبْتُ منها في الزجاجة شَرْبَةً ... كانت له حتى الصباح صَبَاحَا\rوهذا كقوله: الوافر:\rوخَمَّارٍ أنَختُ عليه ليلاً ... قلائصَ قد تَعِبْن من السِّفار\rفترجم والكَرَى في مُقْلَتيهِ ... كمخمورٍ شكا ألم الخُمَارِ\rأبِنْ لي كيف صِرْتَ إلى حريمي ... وجَفْنُ الليلِ مكتحل بقَارِ\rفقلت له: تَرفّق بي، فإني ... رأيتُ الصبحَ من خَلَلِ الديارِ\rفكان جوابُه أنْ قال: كلاّ ... وما صبح سوى ضوء العُقَار\rوقام إلى الدِّنانِ فسدَ فَاها ... فعاد الليلُ مسدولَ الأزارِ\rوقال بعض المحدَثين: الكامل:\rما زال يَشْربُها وتُشْرِبُ عَقْلَهُ ... خبلا، وتُؤْذِنُ رُوحه بَرَوَاحِ\rحتى انثنَى متوسَداً بيمينهِ ... سَكَراً، وأَسْلَمَ رُوحَه للرَاحِ\rوقال الصنوبري وذكر شَرْباً: الكامل:\rنازعتهمْ كأسا تخالُ نَسِيمَها ... مِسْكاً تضوَعَ في الإناء عَتِيقَا\rشقتْ قِناعَ الفَجْرِ لما غادرَتْ ... كف النديم قناعَها مَشْقُوقا\rصبغت سوادَ دُجَاهُ حمرةُ لونها ... فكأنه سَبَجٌ أُعِيد عقيقا\rوقال أبو الشَيص: الطويل:\rوكأس كَسَا الساقي لنا بعد هَجْعةٍ ... حَواشِيها ما مجَ من ريقة العِنَبْ\rكأنَ اطرادَ الماءَ في جَنَباتها ... تربع ماء الدرّ في سُبُك الذهَبْ\rسقاني بها، واللَيْلُ قد شابَ رَأسُهُ ... غزالٌ بحنَاء الزجاجةِ مختَضِبْ\rوقال أبو عدي الكاتب: الطويل:\rوليس لها حدّ تُحِيطُ بوَصْفِهِ ... لغاتٌ، ولا جِسْم يباشره لَمْسُ\rولكنه كالبرقِ أَوْمَضَ ماضياً ... فلم يَبْقَ منه غيرُ ما تَذكُرُ النفْسُ\rوقال ابن المعتز: الطويل:\rألا فاسقِنِيهَا قد مشى الصبح في الدُجَى ... عُقَاراً كمثل النارِ حمراءَ قَرْقَفا\rفناولني كأساً أضاءت بَنَانهُ ... تَدَفقُ ياقوتاً ودُرًا مُجوَفا\rولمّا أريناها المزاج تسعَرت ... وخِلْت سَنَاهَا بارقا قد تكَشفا\rيطوف بها ظَبْيٌ من الإنس شادِنٌ ... يقلّب طَرْفاً فاسقَ اللَحْظِ مُدْنَفا\rعليم بأسرار المحبين حاذق ... بتسليم عينيهِ إذا ما تخوفا\rفظل يُنَاجيني يُقَلّب طَرْفَهُ ... بأطيَب من نَجْوَى الأماني وأَلطَفا\rوقال: الطويل:\rأَلا عُجْ على دار السرور فسلِّمِ ... وقل: أينَ لذَّاتي وأين تكلمي؟\rوقل: ما حَلَتْ بالعين بعدك لذة ... سواكِ، وإنْ لم تعلمي ذاك فاعلمي\rوصفراءَ من صبغ المِزَاج برأسها، ... إذا مُزِجت، إكليلُ دُرّ منظم","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"قطعتُ بها عُمْرَ الدُجى وشربْتُها ... ظلامية الأحشاء نوريّة الدَم\rمن إنشاء بديع الزمان الهمذاني\rكتب أبو الفضل بديع الزمان إلى أبي عدنان بن محمد الضبي يعزيه عن بعض أقاربه: الوافر:\rإذا ما الدهرُ جر على أُناسٍ ... حوادِثَه أناخَ بآخرينا\rفقلْ للشامتين بنا أفِيقوا ... سيَلْقَى الشامتون كما لقينا\rأحْسَنُ ما في الدهر عمومُه بالنوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يَدْعو الجَفَلى إذا ساء، ويخصُّ بالنعمة إذا شاء، فليفكر الشامت؛ فإن كان أفلت، فله أنْ يَشْمت، ولينظر الإنسانُ في الدهر وصُروفِه، والموتِ وصنوفِه، من فاتحةِ أمْرِه، إلى خاتمة عُمْرِه؛ هل يجدُ لنَفسه، أثراً في نَفسِه؟ أم لتدبيره، عَوْناً على تَصْويره، أم لعمله، تقديماً لأمله، أم لِحيله، تأخيراً لأجَلِه؟ كلا، بل هو العَبْدُ لم يكن شيئاً مذكوراً، خُلق مَقْهوراً، ورُزِق مقدوراً، فهو يَحْيَا جَبْراً، ويهلك صَبْراً، وليتأمَل المرءُ كيف كان قَبلاً، فإن كان العَدَمُ أصلاً، والوجودُ فضلاً، فليعلم الموت عَدْلاً؛ فالعاقل من رَقَع من جوانب الدهر ما ساءَ بما سترّ، ليذهب ما نَفَع بما ضر؛ فإن أحب ألاَّ يحزن فلينظر يَمنة، هَلْ يرى إلاّ مِحْنة، ثم ليعطف يَسْرَة، هل يرى إلاّ حَسْرَة؟ ومثلُ الشيخ الرئيس - أطال الله بقاءه! - من فَطن لهذه الأشرار، وعَرف هذه الديار، فأعدَّ لنعيمها صَدْراً لا يملؤه فرحاً، ولبؤسها قَلْباً لا يطيره تَرَحاً، وصحت البريَّة برأي من يعلم أنّ للمتعة حدَّا، وللعارِية رَدًّا، ولقد نُعِي إلي أبو قبيصة، قدّس الله رُوحه، وبرَّد ضريحه، فعُرِضت عليَّ آمالي قُعوداً، وأمانيَ سوداً، وبكيت، والسخيُ جودُه بما يملك؛ وضحكت، وشرُ الشدائد ما يُضْحِك، وعضضت الأصبع حتى أدْمَيْتُه، وذممت الموتَ حتى تمنيته؛ والموتُ أطال الله بقاء الشيخ الرئيس خَطْبٌ قد عظُم حتى هان، وأمر قد خشن حتى لاَنَ، ونكْرٌ قد عَمَ حتى عادَ عرْفا؛ والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخفَّ خطوبها، وقد خبثت حتى صار أقل عيوبِها، ولعلّ هذا السهم قد صاب آخر ما في كِنَانتها، وأنكأ ما في خزانتها، ونحنُ معاشِرَ التبَع نتعلمُ الأدبَ من أخلاقه، والجميلَ من أفعاله، فلا نحثّه على الجميل وهو الصبر، ولا نرغَبه في الجزيل وهو الأجر؛ فَليَرَ فيهما رأيه إن شاء الله.\rوله إلى بعض إخوانه جواباً عن كتاب كتبه يهنِّيه بمرض أبي بكر الخَوارزمي وكانت بينهما مُقارَعة، ومنازعة، ومنافَرة، ومهاتَرة؛ ولهما مجالس مستظرفة قهره البديعُ فيها وبَهَره، وبكته حتى أسْكَتَه، ليس هذا موضعها، لكني أذْكُر بعد هذه الرسالة بعضَ مكاتبات جرَتْ بينهما؛ إذ كان ما لهما من الابتداء، والجواب آخذاً بوَصلِ الحكمة وفَصْلِ الخطاب: الحر أطال الله بقاءك - لا سيما إذا عرف الدهرَ معرفتي، ووصف أحوالَه صفتي - إذا نظر علم أن نِعَمَ الدَهْرِ ما دامت معدومة فهي أماني، وإن وُجِدت فهي عَوَاري، وأن مِحَنَ الأيام وإن طالت فستنفد، وإن لم تُصب فكأن قَد، فكيف يشمت بالمِحْنَة مَن لا يأمنها في نَفْسِه، ولا يَعْدَمها في جنْسِه، والشامت إن أقلَتَ فليس يَفُوت، وإن لم يَمُتْ فسيموت؛ وما أقبَح الشماتة، بمن أمِن الإماتة، فكيف بمَنْ يتوقعها بعد كلّ لحظة، وعَقِبَ كل لفظة، والدَهرُ غًرثَان طُعمُه الخِيَار، وظمآن شِرْبُه الأحرار، فهل يشمت المرءُ بأنياب آكِلِه، أم يُسَرُ العاقل بسلاح قاتله؟ وهذا الفاضل شفاه اللّه وإن ظاهرْناه بالعداوة قليلاً، فقد باطَنَّاهُ وُداً جميلاً، والحرُّ عند الحميةِ لا يصطادُ، ولكنه عند الكرم يَنْفَادُ، وعند الشدائد تَذْهَبُ الأحقاد، فلا تتصور حالتي إلا بصورتها من التوجُّع لعلَته، والتحزُّن لمرضته، وقَاهُ واللَهُ المكروه، ووقاني سماعَ المحذور فيه، بمَنِّه وحَوْله، ولُطْفِه وطَوْله.\rقال البديع في سياقة أخباره مع أبي بكر الخوارزمي:","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"أولها أنّا وطئنا خُرَاسان، فما اختَرْنا إلاّ نيسابور داراً، وإلاّ جوار السادة جَوَارا، لا جرم أنا حَطَطْنا بها الرَّحْلَ؛ ومدَدْنا عليها الطُنُبَ، وقديماً كنّا نسْمَعُ بحديث هذا الفاضل فنتشوَقه، وبخبرِه على الغَيْبِ فنتعشّقه، ونقذّر أنا إذا وطئْنا أرْضَه، وورَدنا بلدَه، يخرج لنا في العِشرة عن القشْرَة، وفي المودَّةِ عن الجلدة، فقد كانت كلمةُ الغُرْبة جَمَعَتْنا، ولُحْمَةُ الأدب نَظَمتْنَا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع: الطويل:\rأجَارَتَنا إنّا غريبانِ ها هُنا ... وكلُّ غريبٍ للغريبِ نَسِيبُ\rفأخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وكان قد اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزّة بَزّوها، وفِضَّة فضّوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور برَاحَةٍ، أنْقَى من الراحة، وكيس أخْلى من جَوْفِ حمار، وزي أوْحَشَ من طلْعة المعلَم، بل اطلاعة الرقيب، فما حَلَلْنَا إلاّ قصبة جواره، ولا وَطِئْنا إلا عتَبة دَارِه؛ وهذا بعد رُقْعَةٍ قدَمْنَاها، وأحوالِ أُنْسٍ نظمناها.\rونسخة الرقعة: أنا بقُرْب الأستاذ أطال اللَّهُ بقاه كما طَرِب النّشْوَان مالَتْ به الخمرُ، ومن الارتياح للقائه كما انتفض العُصفور بلّله القَطْرُ، ومن الامتزاج بولائه كما التقَت الصَهباءُ والبارد العَذْبُ، ومن الإبتهاج لمَزَاره كما اهتزّ تحت البارح الغُصُنُ الرَطْبُ، فكيف نَشَاطُ الأستاذ سيدي لصديق طرأ إليه ممَا بين قَصبتي العراق وخُرَاسان، بل عتبتي نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف: الكامل:\rرثّ الشمائل مُخْلَق الأثْوَابِ ... بَكَرَتْ عليه مُغيرَةُ الأعْرَابِ\rوهو - أيّدَه الله! - وليُ إنعامه، بإنفاذ غُلاَمه، إلى مستقري، لأُفضي إليه بما عندي - إن شاء الله - .\rفلمّا أخذتنا عَيْنُه سقانا الدُّرْدِيّ من أوَلِ دَنّه، وأجْنَانا سوءَ العِشرة من باكورة فنّه، من طَرْفٍ نَظَر بشَطْرِه، وقيام دَفَع في صَدْرِه، وصديق استهان بقَدْرِه، وضيف استخفّ بأمره؛ لكنّا أقطعناه جانب أخلاقه، وولَيناه خُطَة نفاقه؛ فواصلناه إذ جَانَب، وقارَبْنَاه إذ جاذب، وشَرِبنَاه على كُدُورته، ولَبسْناه على خُشُونته، ورَدَدْنا الأمر في ذلك إلى زيّ استغثّه، ولباس استرثّه، وكاتبناه نستمدُّ وِداده، ونستلِينُ قيادَه، ونُقيمُ منْآدَه، بما هذه نسخته.\rالأستاذ أبو بكر، واللَّهُ يطيل بقاءه، أزْرَى بضيفه أن وجده يَضْرِب إليه آبَاط القلَّة، في أطمار الغُرْبة، فأعمل في رُتْبَتِه أعمالَ المصارفة، وفي الاهتزاز إليه أصناف المضايقة، من إيماء بنِصْفِ الطرْف، وإشارة بشَطْرِ الكفّ، ودَفْعٍ في صدر القيام عن التمام، ومَضْغٍ للكلام، وتكلُفٍ لردِّ السلام؛ وقد قبلت ترتيبه صَعَراً، واحتملته وزراً، واحتضَنْته نكراً، وتأبطته شرًّا، ولم آلهُ عُذْراً؛ فإن المرءَ بالمال وثياب الجمال، ولستُ مع هذه الحال وفي الأسمال، أتقزّز من صَفِّ النعال، فلو صدَقتُه العتَاب، وناقشته الحساب، لقلت: إنَّ بوادِينا ثاغية صباح، ورَاغية رَوَاح، وناساً يجرّون المَطارِف، ولا يمنعون المعارف: الطويل:\rوفيهمْ مقاماتٌ حِسَان وجوهُهمْ ... وأنْدِيَة يَنتابُها القَوْلُ والفِعْلُ\rفلو طوّحت بأبي بكر - أيدَه اللَّهُ - إليهم مطارحُ الغُرَبة، لوجد منزلَ البشْرِ رحيباً، ومحطّ الرَحْل قريباً، ووَجه المُضِيف خصيباً؛ فرأي الأُستاذ أبي بكر، أيّده اللّه، في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه وُد، والمرَ الذي يَتْلُوه شَهْد، موفقٌ إن شاء الله.","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"فأجاب بما نسخته: وصلتْ رُقْعَةُ سيدي ورئيسي أطال الله بقاه إلى آخر السكْبَاج، وعَرَفت ما تضمّنه من خَشِنِ خطابه، ومُؤْلم عِتَابه، وصرفت ذلك منه إلى الضجْرةِ التي لا يخلو منها مَنْ مسَّه عُسر أو نَبَا به دهر؛ والحمد لله الذي جعلني موضعَ أُنْسِه، ومظنَّةَ مشتكى ما في نفسه، أما ما شكاه سيدي ورئيسي مِنْ مضايقتي إياه في القيام، فقد وفيته حقّه - أيدَه اللَّهُ - سلاماً وقياماً، على قَدْرِ ما قدَرْت عليه، ووصلت إليه، ولم أرْفَعْ عليه إلاّ السيد أبا البركات العلوي أدام الله عزّه، وما كنتُ لأرفع أحداً على مَنْ أبوه الرسول، وأمهُ البَتُول، وشاهداه التوراة والإنجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبريل ميكائيل؛ فأما القوم الذين صدر عنهم سيدي فكما وصفَ: حسن عشرة، وسداد طريقة، جمال تفصيل وجملة، ولقد جاوَرْتُهم فأحمدت المَراد، ونلت المرَاد: الطويل:\rفإن كنت قد فارقت نجداً وأهلَه ... فما عهد نجدٍ عندنا بذميمِ\rواللّه يعلم نيّتي للأحرار كافة، ولسيدي من بينهم خاصة؛ فإن أعانني الدهرُ على ما في نفسي بلغتُ له ما في النية، وجاوزْتُ به مسافةَ القَدْر والأمنية، وإن قطع علي طريقَ عزْمي بالمعارضة، وسوء المناقضة، صرفتُ عِنَاني عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار: الطويل:\rفما النفسُ إلاّ نطفة بقَرارة ... إذا لم تكدر كان صفواً غَدِيرُها\rوبعد، فحبذا عتابُ سيدي إذا استوجَبْنَا عَتبا، واقْتَرفْنَا ذنْبا؛ فأما أن يسلفنا العَربَدة فنحن نَصُونُهُ عن ذلك، ونَصُونُ أنفسنا عن احتماله، ولست أسومه أن يقول: \" أسْتَغْفِرْ لنا ذنُوبَنَا إنا كُنا خاطِئينَ \" ، ولكن أسأله أن يقول: \" لا تَثْرِيبَ عَلَيْكمُ اليومَ يَغْفِرُ اللَهُ لَكُمْ وهُوَ أَرْحَمُ الراحِمِينَ \" .\rفحين وَرَدَ الجواب وعينُ العذْر رَمِدَة تركناه بِعُرَه، وطوَينَاهُ عَلَى غَره، وعمدنا إلى ذكره فسحَوْناه، ومن صحيفتنا مَحَوْناه، وصِرْنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكبْنَا خطته، وتجنبنا حِطّته، فلا طرنا إليه، ولا صِرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبَّت الأيام، ودرَجت الليالي، وتطاولَتِ المُدة، وتصرم الشهرُ، وصِرْنا لا نُعِيرُ الأسماعَ ذِكْرَهُ، ولا نودعُ الصدورَ حَديثَه؛ وجعل هذا الفاضل يستزيد، ويستعيد، بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه، وتؤديها إليٌ، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه، وتُعِيدها علي؛ فكاتبناه بما هذه نسخته: أنا أرِدُ من الأستاذ سيدي - أطال اللّه بقاه - شِرعَة وُده وإن لم تَصفُ، وألبَسُ خلعة بره وإن لم تَضْفُ، وقَصارَاي أن أكيله صاعاً عن مد؛ فإني وإنْ كنتُ في الأدب دَعِي النسب، ضيق المضْطَرب، سيئ المنقلَب، أمتُ إلى عشرة أهله بنيِقَة، وأنزع إلى خدمَة أصحابه بطريقة، ولكن بقي أن يكون الخليطُ مُنصِفاً في الوداد، إذا زرْت زَارَ، وإنْ عُدْت عاد، وسيدي - أبقاه الله - ناقشني في القبول أولاً، وصارَمَني في الإقبال آخراً؛ فأما حديثُ الاستقبال، وأمرُ الإنزال والأنزال، فنِطَاقُ الطمع ضيق عنه، غيرُ متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفَضلِ بينة، وفروض الودِّ متعيّنة، وأرْضُ العشرة ليِّنة، وطرقها هينة، فلمَ اختار قَعود التعالي مركباً، وصعودَ التغالي مَذْهَبا؛ وهلا ذاد الطير عن شجر العِشْرَة، وذاق الحُلْوَ من ثمرها؛ فقد علم اللّه أن شوقي إليه قد قدَّ الفؤادَ بَرْحاً إلى برح، ونكَأَه قَرْحاً إلى قرح، ولكنها مِرّة مُرة، ونَفْسٌ حرّه، لم تُقَد إلا بالإعظام، ولم تُلْقَ إلاّ بالإجْلاَلِ والإكرام، وإذا استعفاني من معاتبته، فأعْفَى نفسه من كُلَفِ الفَضْلِ يتجشَّمها، فليس إلاَ غصص الشوق أتجَرَعُها، وحُلل الصبْر أتدرَعها، ولم أعره من نفسي، وأنا لو أُعِرْتُ جناحَيْ طائر لما طِرْت إلا إليه، ولا وقعت إلاّ عليه: الطويل:\rأحبك يا شَمْسَ النهار وبَدْرَهُ ... وإنْ لامني فيك السها والفَرَاقِدُ\rوذاك لأنّ الفضلَ عندك باهر ... وليس لأنّ العيشَ عندك بارِدُ","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"فلمّا وردت عليه الرُّقعة حشَد تلاميذَه وخَدَمه، وجَشِم للإيجاب قدمه، وطَلَع علينا مع الفجر طلوعُه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير أبي الطيب؛ فقلْنا: الآن تُشْرِق الحشمةُ وتنور، وننجِدُ في العشرة ونُغَوَر، وقصدناه شاكرين لمّا أتاه، وانتظرْنا عادةَ بره، وتوقعْنا مادَةَ فضله؛ فكان خُلبا شمْنَاه، وآلا ورَدْنَاه، وصرفنا في تأخّره وتأخّرِنا عنه إلى ما قاله ابن المعتز: الرجز:\rإنا على البعاد والتفرُقِ ... لنلْتقِي بالذكْرِ إنْ لم نَلْتَقِ\rوأنشدنا قول ابن عصرنا: الوافر:\rأُحبك في البتول وفي أبيها ... ولكني أُحِبّك من بعيدِ\rوبقينا نَلْتَقي خيالاً، ونقنع بالذكر وصالاً، حتى جعلت عواصفه تهُب، وعقاربه تَدِب.\rوالمجلس طويل جداً.\rقلت: إن كنتُ خرجتُ لطولِ هذا الكلام عن ضبط الشرط، فلعلي أسامَح فيه لفضله، وعدم مثله، وهو وإن كان في باب الاتصال، فهو بتقدير الانفصال، لقيامِ كل رسالةِ بذاتها، وانفرادها بصفاتها.\rوكتب إلى رئيس هَرَاةَ عدنانَ بن محمد يصفُ ما جرى بينه وبين الخوارزمي: ما ألوم هذا الفاضل على بساط شَرٍّ طواه، وموقد حَرْبٍ اجتواه، ولكني ألُومُه على ما نواه؛ ثم لم يتبع هواه، ورامَه، ثم لم يبلغ آثَامه، وأقولُ: قد ضرب فأيْنَ الإيجَاع؟ وأنْذَر فأين الإيقاع؟ وهذه بَوارِقه، فأيْنَ صواعقه؟ وذلك وعيدُه، فأين عديده؟ وتلك بنودُه، فأين جنودُه؟ وأنشد: الكامل:\rهذي معاهده فأين عهودُهُ؟\rوما أهْول رَعْدَه، لو أمطر بعده! اللهمَ لا كُفْرانَ، ولعن اللَهُ الشيطان، فإنه أشفق لغريب أن يُظْهِرَ عَوارَه، وإن طارَ طَوارَه، وإنْ كان قصد هذا القَصْدَ فقد أساء إلى نفسه من حيث أحْسَنَ إليَّ، وأَجْحَفَ بفضله من حيث أبْقَى عليَ، وأَوْهم الناس أنه هاب البَحْر أن يخوضه، والأسَدَ أن يَرُوضَه، وشجّعني على لقائه، بعدما بَرَعني بإيمائه، فبينما كنت أُنشد: الخفيف:\rإنَ جنْبي على الفراش لناب\rإذ أنشدت: الخفيف:\rطاب لَيْلِي وطاب فيه شَرَابِي\rوبينما أنا أقول: الخفيف:\rما لقلبي كأنه ليس مني\rإذْ قلت: الخفيف:\rأين مَنْ كان موعِداً لي بأني\rفلو أن هذا الفاضلَ قضى حقنا بالزيارة عند قدومِنا أو الاستزارة، لكان في الضرب أحسن، وفي طريق المعاشرة أذهب، لا، ولكنه وعدَ بالمُباراة أولاً، وهددنا بالمسائل ثانياً، وأخلف بالتخلف ثالثاً؛ فأبْلِغْ وَجْدِي إليه، واعْرِض شوقي عليه، وقلْ له إن كنت ندمت على النضال، فلا تندَمْ على الإفضال، فإن طَوَيتنا حيث الجهاد، فانشُرْنا حيثُ الوداد، وإن لم تلْقَنا في باب المكاشرة، فأْتنا من بابِ المعاشرة.\rوله إلى الإمام أبي الطيب سهل بن محمد: قد كان الشيخُ يَعِدُني عن هذه الحضرة عِدَاتٍ أشمّ لها الأنف، لا ذهاباً بتلك الفواضل عنها، لكن استحالةً من هذا الزمان أن يجودَ بها؛ فحين أسرفْتُ على الْحَضْرَة ماجَتْ إليّ أمواجُ الشرف منها، وخلص إليّ نسيمُ الكَرَم عنها، وأتْحَفني على رسم الإجلال بمركوب شامخ، ومركب ذهبٍ سابغ، وجنيبِ شرف زائد؛ وسرتُ بحمد اللّه محفوفاً بأعيانِ الكتّاب، وعيونِ الرجال، حتى شافَهْتُ بِسَاطَ العز، مستقبَلاَ مَلِكَ الشرق أدام الله عُلُوَه، فجذب بضَبْعَيّ عن أرْضِ الخدمة، إلى جوارِ وليّ النعمة، حرس اللَّهُ مكانه، فاهتزَّ اهتزازاً فات سِمَة الإكرام، وتجاوز اسْمَ الإعظامِ إلى القيام، فقبلتُ من يُمْناه مِفْتَاح الأرزاق، وفتاح الآفاق، ولحقت منه بقاب العُقاب، وخاطبني بمخَاطبات نَشَدْتُ بها ضالَةَ الكِرام، وهلمّ جرّا إلى ما تبعها من جميل الإنزال، وسَنيّ الأجْزَال.\rوطرأت من الشيخ العميد على شَخْصِ يسَعُه الخاتم، ولا يَسعُه العالَم، ويهتز عند المكارم كالغُصن، ويثبت عند الشدائد كالرُكْن، وسلطانٍ يحلم حِلْمَ السيفِ مُغْمداً، ويغضب مجرداً، فهو عند الكرم لَيِّنٌ كصَفْحَتِه، وعند السياسةْ خشِنٌ كشَفْرته، وملك يَأْتي الكرمَ نيّة، والفضلَ سجيّة، ويفعل الشرّ كُلْفَة أو خطيَّة، فهو ضَرُور بآلاته، نَفُوع بذاته، عطارد قَلَمُه ودَوَاتُه، والمرّيخ سَيْفُه وقَنَاتُه، عيْبُه أنْ لا عَيْبَ فيه، فيصرف عَيْن الكمال عن معاليه.","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"وصادفت من الشيخ الموفق، أيده الله، مَلكاً يُشاهَدُ عِيَاناً، وجبلاً قد سُمِّي إنساناً، وحسناً قد مُلِئ إحساناً، وأسداً قد لقَبَ سلطاناً، وبَحْراً قد أمسكَ عِنانا، وحطَطْتُ رَحْلِي بفناء الأمير الفاضل أبي جعفر أدام الله عِزَّه، فوجدت حكمي في ماله أنْفَذَ من حكمه، وقَسْمِي من غِنَاه أوْفَر من قَسْمه، واسْمِي في ذات يده مقدَّماً على اسْمِه، ويَدِي إلى خزانته أسْرَعَ من يَده، وإن قصدت أنْ أُفْرِدَ لكل مدحاً، وأعبر الجملة شرحاً، أطَلْت، فهلم جرّا إلى ما افتتحت الكتاب لأجله.\rورد للخوارزمي كتاب يتقلّب فيه على جَنْبِ الحردِ، ويتقلّى على جَمْر الضجَر، ويتأوه من خُمار الخجل، ويتعثرُ في أَذْيالِ الكَلَل، ويذكر أنَّ الخاصة قد علمت لأينا كان الفَلْج، فقلت: است البائن أعلم، والخوارزمي أعْرَف، والأخبار المتظاهرة أعدل، والآَثار الظاهرة، أصْدَقُ، وحَلْبة السباق أحْكَم، وما مضى بيننا أشهد، والعَوْدُ إن نَشِط أحْمَد، ومتى استزاد زِدْنا، وإن عادت العقرب عُدْنا، وله عندي إذا ما شاءَ، كل مَا شَاء! وهي طويلة فيها هَنات صُنْتُ الكتابَ عنها، وقد أعادَ البديع معنى قوله في صدر حكايته مع الخوارزمي، فقال في رقعة كتبها إلى سعيد الإسماعيلي، وقد وقفت به الضرورةُ على تلك الصورة من سلب العرب ماله: كتابي، بل رُقْعتي، أطال الله بقاءَ الشيخ، وقد بكرت عليَ مُغِيرَةُ الأعراب، كمهلهل، وربيعة بن مُكدَم، وعتيبة بن الحارث بن هشام، وأنا أحمد الله، إلى الشيخ الفاضل، وأذمُ الدهر؛ فما ترك لي من فِضَةٍ إلاَ فضها، ولا ذهبِ إلا ذَهب به، ولا عِلْق إلا عَلَقه، ولا عَقَار إلاّ عَقَرَه، ولا ضَيْعَة إلاّ أضاعها، ولا مال إلاّ مال إليه، ولا سَبَدٍ إلا استبدَّ به، ولا لَبَد إلا لَبَد فيه، ولا بِزّة إلاَ بَزَّها، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وَدِيعة إلاّ انتزعها، ولا خِلْعة إلاّ خلعها، وأنا داخل نيسابور ولا حِلْية إلا الجلدة، ولا بُرْدَ إلا القشْرَة، واللّه وليُّ الخلف يعجِّله، والفرج يسهِّلة، وهو حَسْبي ونعمْ الوكيل.\rوليس البديع بأبي عذرة هذا الخطاب، وسترى نظير هذا المعنى في هذا الكتاب.\rومن إنشائه في مقامات أبي الفتح الإسكندري\rقال: حدَّثني عيسى بن هشام قال: كنتُ في بعض بلاد بني فَزارة مرتحلاً نَجيبة، وقائداً جَنِيبَة، يَسْبحانِ سَبْحا، وأنا أهيم بالوطن، فلا الليل يَثْنيني بوعيده، ولا البُعْد يُدْنيني بِبيدِه، وظَلِلْتُ أخْبِط ورقَ النَّهار، بعصا التسيار، وأخوضُ بَطْنَ الليل، بحوافر الخيلِ، فبينما أنا في ليلةٍ يضلُّ بها الغَطَاط، ولا يُبْصر بها الوَطْوَاط، أسْبَحُ ولا سانح إلاّ السبع، ولا بارح إلا الضَّبع، إذ عنّ لي راكب تامّ الآلات، يطوي منشور الفَلوات، فأخذني منه ما يأخذُ الأعْزَلَ من شاكي السلاح، لكني تجلَدت فقلت: أرضَكَ لا أُمّ لك! فدونك شَرْطُ الحِداد، وخَرْطُ القَتَاد، وخَصْم ضخم، وحمية أزْدِية، وأنا سِلْم إن شئت، وحَرْبٌ إن أردت، من أنت؟ قال: سلماً أصبت، قلت: خيراً أجبت، قلت: فمن أنت؟ قال: نصيح إن شاورت، فصيح إنْ حاوَرْت، ودون اسمي لِثام، لا تُمِيطه الأعلام. قلت: فما الطُعمة؟ قال: أجُوت جُيوبَ البلاد، حتى أقع على جَفْنَة جَوَاد، ولي فؤاد يَخْدُمه لسان، وبيان يَرْقمه بَنَان، وقصارَايَ كريمٌ ينفض إليّ حقيبته، ويخفف لي جَنِيبته، كابن حُرّة طلع إلي بالأمس، طُلوع الشمس، وغرب عني بغُروبها؛ لكنه غاب ولم يَغِبْ تذكارُه، وودَّع وشيّعَتْني آثارُه، ولا ينبئك عَنْها أقرَبُ منها، وأومأ إلى ما كان يَلْبسه، فقلت: شحاذ وربَ الكعبة أخاذ، له في الصَنْعة نَفَاذ، بل هو فيها أستاذ، ولا بدّ أن تَرْشَح له وتَسِخَ عليه، وقلت له: يا فتى، قد أجليت عبارتك، فأَين شعرُك من كلامك؟ فقال: وأين كلامي من شعري! ثم استمدّ غريزته، ورفع عقيرته، بصوت ملأ الوادي، وأنشأ يقول: الطويل:\rوأرَوَع أهداه ليَ الليلُ والفَلاَ ... وخَمْسٌ تمسُ الأرْض لكن كلا وَلاَ\rعَرَضْتُ على نارِ المكارمِ عُودَهُ ... فكانَ مُعمًّا في السوابق مُخْولا\rوخادَعْتُه عن ماله فخَدَعْتُه ... وسَاهَلْتُه في بِرّه فتسهَلا","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"ولما تجالينا وأحمدَ مَنْطِقي ... بَلاَني في نَظْمِ القريضِ بما بَلاَ\rفما هَزَ إلا صارماً حين هزَّني ... ولم يَلْقني إلا إلى السَبْقِ أَوَلا\rفلم أَرَه إلاّ أغَرَ محجّباً ... وما تحتَه إلا أغَرَ محجلاَ\rفقلت: على رِسْلك يا فتى، ولك مما يصحبني حكمك. فقال: الجنيبة، قلت: إن وما عليها. ثم قبضت بجُمعي عليه، وقلت: لا والله الذي ألهمها لَمسا، وشقّها من واحدة خَمْسا، لا تُزايلنا أو نَعْلَم عِلْمك، فحدَر لِثامه عن وَجهه، فإذا واللّه شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فما لبثت أن قلت: الهزج:\rتوشحتَ أبا الفتح ... بهذا السيفِ مُخْتالا\rوما تصنعُ بالسيف ... إذا لم تَكُ قتالا؟\rفصُغْ ما أنت حليت ... به سيفَك خلخَالا\rوعلى ذكر قوله: إنَّ وما عليها، قال أبو عبيدة: وَفَدَ عبدُ الله بن الزبير الأسدي على عبد الله بن الزُّبَيْرِ بن العوام فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَ بيني وبينك رَحِماً من قِبَل فلانة الكاهلية؛ هي أُختنا، وقد ولدتكم، وأن ابنُ فلان؛ فلانة عمّتي. فقال ابنُ الزبير: هذا كما ذكرت، وإن فكّرت في هذا أصبت، الناسُ كلّهم يرجعون إلى أبٍ واحدٍ، وأم واحدة.\rفقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ نَفَقتي قد ذَهَبَتْ. قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أنْ تَرْجِع إليهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن ناقتي قد نَقِبت ودَبَرتِ. فقال له: أنْجِدْ بها يَبْرُدْ خفّها، وارقَعْها بسِبْت، واخْصِفْها بهُلْب، وسِرْ عليها البريدين. قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستَحْمِلاً، ولم آتِك مستوصفاً، لعن اللَّهُ ناقةً حملتني إليك. قال ابنُ الزبير: إنَ وراكِبَها! فخرج وهو يقول: الوافر:\rأرَى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْب ... نكِدْنَ، ولا أُمَيةَ في البلادِ\rمن الأعياص أو مِنْ آل حَرْبٍ ... أغرّ كغُرَّةِ الفرس الجوادِ\rوما لي حين أقْطَع ذاتَ عِرْقٍ ... إلى ابنِ الكاهلية من مَعاد\rوقلت لصحبتي أدْنُوا ركابي ... أفارِقْ بَطْنَ مكَّةَ في سَوَادِ\rفبلغ شعره هذا عبد الله بن الزبير، فقال: لو علم أنّ لي أُمًّا أخَسَ من عمّته الكاهلية لنسبني إليها، وكان ابنُ الزبير يكنى أبا بكر وأبا خُبَيْب.\rقال الصولي: أخذ المعتصم من محمد بن عبد الملك الزيات فرساً أشهب أحم، كان عنده مَكِيناً، وكان به ضَنيناً، فقال يَرْثيه: الكامل:\rقالوا: جزعت، فقلتُ: إنّ مصيبةٌ ... جلّت رزيَّتُها، وضاق المذهبُ\rقال أبو بكر: هكذا أنشدنيه ابنُ المعتز على أن إن بمعنى نعم، وأنشد النحويون: الكامل:\rقالوا: كبرتَ، فقلتُ: إن، وربما ... ذَكَرَ الكبيرُ شبابَه فتَطرَّبا\rالكامل:\rكيف العَزاء وقد مضى لسبيله ... عنا فودّعنا الأحم الأشْهَبْ\rدب الوُشاة فباعدوه، وربما ... بَعُدَ الفتى وهو الحبيبُ الأقْرَبُ\rللّه يومَ غدوت فيه ظاعناً ... وسُلِبْتُ قرْبَك، أيَّ عِلْق أُسْلَب؟\rنفسي مقسّمة أقام فَرِيقُها ... ومضى لطيَّته فريق يُجْنَبُ\rالآن إذْ كَمُلَتْ أداتك كلّها ... ودعا العيونَ إليك حُسْن مُعْجِبُ\rوغدوت طَنان اللّجام كأنما ... في كل عُضْو منك صنْجٌ يُضْرَبُ\rوكأنّ سَرْجك، إذْ عَلاَك، غَمامةٌ ... وكأنما تحت الغمامة كَوْكَبُ\rأنْساك؟ لا زَالتْ إذاٌ منسيةً ... نفسي، ولا بَرِحَتْ بمثلك تنكب\rأضْمَرْتُ منك اليَأْس حين رأيتني ... وقُوَى حبالي مِنْ حِبَالك تُقْضَب\rيا صاحبيَ لمثل ذَا من أمرِه ... صَحبَ الفتى فْي دَهْرِه من يَصْحَبُ\rإنْ تُسْعِدا فصنيعةٌ مشكورةٌ ... أو تَخْذُلا فصنيعةٌ لا تَذهبُ\rعُوَجاَ فقولا: مرحبا، وتزوَّدا ... نظراً، وقلّ لمن تُحِب المرحَبُ\rمنعَ الرقادَ جَوًى تضمَّنَه الحَشَا ... ممّا أكابده وهَمٌ مُنْصِب\rما قيل في المزاح","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"قال الحجاج بن يوسف لابن القرِّية: ما زالت الحكماء تَكْرَه المُزَاح، وتَنْهى عنه، فقال: المُزاح من أدْنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب: المُزاح أوله فَرَح، وآَخره تَرَح. المزاح نقائض السفهاء، كالشعْرِ نقائض الشعراء. والمزاح يُوغِر صدْرَ الصديق، وينفَر الرفيق. والمزاح يُبْدي السرائر؛ لأنه يظهر المَعَاير. والمزاح يُسْقطُ المروءة، ويُبْدِي الخنى. لم يجُرَ المزح خيراً، وكثيراً ما جَرَ شرًا. الغالب بالمزاح وَاتِر، والمغلوب به ثائر. والمزاح يجلب الشتمَ صغيرُه والحربَ كبيرُه، وليس بعد الحرب إلاّ عفوٌ بعد قدرة.\rفقال الحجاج: حسبك، الموت خيرٌ من عَفْو معه قدرة.\rوذُكِر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال: يُنْشِق أحدُكم أخاه مثل الخرْدَل، ويُفْرغُ عليه مثل المِرْجل، ويَرْميه بمثل الْجَندل. ثم يقول: إنما كنت أمزح! أخذ هذا المعنى محمود بن الحسين الوراق فقال: الكامل:\rتَلْقَى الفتى يَلْقَى أخاهُ وخِدْنَهُ ... في لَحْن مَنْطِقه بما لا يُغْفَرُ\rويقول: كنت مِمازحاً ومُلاعباً ... هيهات نارُك في الحشا تَتسعَر!\rأو ما علمت وكان جهلك غالباً ... أنَّ المُزَاحَ هو السبابُ الأصْغَر؟\rفقر في هذا النحو لأهل العصر وغيرهم\rالمَزَاحة تَذْهَبُ بالمهابة، وتُورِثُ الضغينة. الإفراط في المُزاح مُجون، والاقتصاد فيه ظَرْف، والتقصير عنه نَدامة. أوكد أسباب القطيعة المِرَاء والمُزاح.\rابن المعتز - من كَثُر مُزاحُه لم يَخْلُ من استخفافٍ به أَو حِقْدٍ عليه.\rقال أيوب بن القِرِّية: الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر؛ فالعاقل الدَينُ شريعته، والحلم طبيعته، والرأيُ الحسنُ سجيته؛ إن سُئل أجاب، وإن نطق أصاب، وإن سَمِعَ العلم وَعَى، وإن حدّث روى. وأمّا الأحمق فإنْ تكلم عجِل، وإن حدّث وَهِل، وإن استُنْزِل عن رأيه نزل، فإن حُمِل على القبيح حَمل. وأمَا الفاجر فإن ائتمنته خانك، وإن حدثته شَانَك، وإن وثقتَ به لم يرعَك، وإن استُكتِم لم يكتُم، وإن عُلم لم يعلم، وإن حُدّث لم يفهم، وإن فقَه لم يَفْقَه.\rالطيرة والزّجْر\rقال أبو حية النميري: الطويل:\rجَرَى يَوْمَ رُحْنا عامدين لأرضنا ... سَنيح، فقال القومُ: مَرَّ سَنيحُ\rفهابَ رجال منهمُ فتغيفوا ... فقلت لهم: جاري إلي ربيحُ\rعُقَابٌ بأعقابٍ من الدار بعدما ... نَأت نَأْية بالظاعنين طَرِيحُ\rوقالوا: حمامات، فحُمَّ لِقَاؤها ... وطَلْح فنِيلَتْ والمطي طَلِيحُ\rوقال صحابي: هُدْهُد فوق بَانةٍ، ... هُدَى وبيانٌ بالنجاح يَلُوحُ\rوقالوا: دمٌ، دَامَتْ مواثيقُ بيننا ... ودام لنا حُلوُ الصفاء صَرِيحُ\rلَعَيْناك يومَ البين أسْرَعُ واكفاً ... من الفَنَنِ المَمطُور وهو مَرُوحُ\rونسوةِ شَحْشاح غَيُورٍ يَخَفْنَه ... أخي ثقة يَلهُونَ وهو مُشيحُ\rيقلْن، وما يَدْرِين أنِّي سمعتُهُ ... وهنَ بأبوابِ الخِيام جُنُوح:\rأهذا الذي غنَّى بسمراء مَوْهِناً ... أتاحَ له حُسْنَ الغِناء مُتِيحُ؟\rإذا ما تغنَى أنَ مِنْ بَعْد زَفْرَةٍ ... كما أن من حَر السلاح جَرِيحُ\rوقائلةٍ: يا دَهْمٌ وَيْحَكِ! إنهُ ... على ما به من عُنةٍ لمليحُ\rفلو أن قولاً يجرحُ الجلدَ قد بدا ... بجِلدِيَ من قول الوُشاة قروحُ\rوهذا من غريب الزَّجْرِ مليحُ التفاؤل.\rقال أبو العباس محمد بن يزيد: أنشدني أعرابيّ في قصيدة ذي الرمة التي أولها: الطويل:\rألا يا اسْلَمى يا دَارَميَّ عَلَى البِلَى ... ولا زَالَ مُنْهَلاًّ بجَزعائِكِ الْقَطْرُ\rبيتين لم يروهما الرواة في ديوانه، وهما:\rرأيتُ غراباً ساقطاً فوف قَضْبةٍ ... من القَضْبِ لم يَنْبُتْ لها وَرَقٌ خُضْرُ\rفقلت: غرابٌ لاغترابٍ، وقَضْبَةٌ ... لقضْبِ النوى هذي العيافةُ والزَّجْرُ\rوقال آخر: الطويل:","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"دعا صُرَدٌ يوماً على غُصْنِ بانةٍ ... وصاح بذات البين منها غُرَابُها\rفقلت: أتصْرِيدٌ وشَحْطٌ وغُرْبةٌ؟ ... فهذا لعمري نَأيُها واغْتِرابُها\rوقد أكثرت العرب من ذكر الطَيرَة، والزَّجْرِ، وكانت تقتدي بذلك وتجري على حكمه، حتى ورد النَّهْيُ في سنة رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا عَدْوَى ولا طِيرَة، وقد قال الأول: الطويل:\rلعمرك ما تَدْرِي الضوَارِبُ بالحصى ... ولا زَاجِراتُ الطيْرِ ما اللَهُ صانعُ\rوقال ضابئ بن الحارث البرجمي: الطويل:\rوما عاجلات الطير، تُدْني مِنَ الفتى ... نجاحاً ولا عن رَيْثهنَ يخيبُ\rولا خيرَ فيمن لا يوطَنُ نفسهُ ... على نائباتِ الدَهْرِ حين تنوبُ\rورب أمورِ لا تَضِيرك ضَيْرةً ... وللقلب من مَخْشاتِهنَ وَجِيبُ\rوقال الكميت بن زيد الأسدي: الطويل:\rولا أنا ممن يَزْجُرُ الطيرَ همُّه ... أصاح غرابٌ أم تَعَرَّضَ ثعلبُ\rولا السانحات البارحات عشية ... أمرَّ سَليم القَرْن أم مرَ أعْضَبُ\rوقال شاعر قديم: مجزوء الكامل:\rلا يمنعنَّك من بُغا ... ء الخير تَعْقادُ التَّمائمْ\rولا التشاؤم بالعُطَا ... س ولا التَّيامُنُ بالمقاسِمْ\rفلقد غَدَوت وكنت لا ... أغدو على واقٍ وحاتم\rفإذا الأشائمُ كالأيا ... من والأيامنُ كالأشائمْ\rوكذاك لا خيرٌ ولا ... شرّ على أحدٍ بدائمْ\rقد خطَّ ذلِكَ في الزَّبُو ... ر الأوّليات القدائمْ\rولقد أحسن ابن كناسة في رثاء ولده يحيى، أنشده أبو العباس ثعلب: الطويل:\rتيمّمت فيه الفأل حتى رُزِئتهُ ... ولم أدْرِ أنّ الفال فيه يَفِيلُ\rفسمَّيْته يَحيَى ليَحيَا؛ فلم يَكن ... إلى ردَ أمرِ اللَهِ فيه سبيلُ\rوروى المدائني قال: خرج كثير من الحجاز يريدُ مصر، فلما قَرُبَ منها نزل بمنزل، فإذا هو بغُرَاب على شجرة بَانٍ يَنْتِف ريشَه وَيَنْعَبُ؛ فأسرع الرحيل، ومضى لوجهه؛ فلقيه رجلٌ من بني نَهْد، فقال: يا أخا الحجاز، ما لي أراكَ كاسِفَ اللون؟ قال: ما علمت إلاّ خيراً، قال: فهل رأيت في طريقك شيئاً أنكَرْته؟ قال: لا والله إلا في منزلي هذا، فإني رأيتُ غراباً يَنْتِف رِيشَه على بانة وَينْعَبُ. قال: أما إنك تطلب حاجةً لا تدركها.\rفقدم مصر والناسُ منصرفون من جنازة عزة، فقال: الطويل:\rرأيتُ غراباً ساقطاً فَوْقَ بانةٍ ... يُنْتِّفُ أعْلى رِيشه ويطايرُهْ\rفقلت ولو أني أشاء زَجَرْتُهُبنفسيَ للنهديّ: هل أنت زاجره؟\rفقال: غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بَيْنٌ من حبيب تجاورهْ\rفما أعيفَ النهديَّ، لا دَرَّ دَرّهُ! ... وأزجرَه للطير، لا عَز ناصِرُه\rثم أتى قبر عزة فأناخ به ساعة ثم رحل، وهو يقول: الطويل:\rأقول ونِضْويَ واقف عند رأسها ... عَلَيْكِ سلامُ اللَّهِ والعَيْنُ تَسفَحُ\rفهذا فراق الحقّ لا أن تُزيرني ... بلادَك فَتلاءُ الذراعين صَيْدحُ\rوقد كنت أبكي من فراقِكِ حية ... وأنت لعمري اليومَ أَنأَى وأنْزَحُ\rوقال جرير: الكامل:\rبَانَ الخليطُ برامَتَيْن فوَدَّعُوا ... أوَ كُلَّما نعبوا لبَيْنٍ تَجْزَعُ\rإن السَّوانح بالضُّحَى هَيجْنَني ... في دارِ زَيْنَبَ والحمامُ الوُقّعُ\rوقال عوف الراهب خلاف هذا: الكامل:\rغلط الذين رأيتهمْ بجهالةٍ ... يَلْحَوْنَ كلُهُمُ غراباً يَنْعَقُ\rما الذنبُ إلاَّ للأَباعر؛ إنها ... ممّا يُشِتّ جميعَهمْ ويفرّقُ\rإنَّ الغرابَ بيُمْنهِ تَدْنُو النَوى ... وتُشَتَتُ الشملَ الجميعَ الأيْنُق\rوقد تبعه في هذا المذهب أبو الشيص فقال: مجزوء الرجز:\rما فرق الأحباب بَع ... د اللَّهِ إلاّ الإبلُ\rوالناس يَلْحَوْن غُرا ... بَ البينِ لَمَّا جهلوا","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"وما على ظَهْر غُرا ... ب البَيْن تُطوى الرُّحُلُ\rولا إذا صاح غُرا ... بٌ في الديار احتملوا\rوما غرابُ البين إلْ ... لاَ ناقةٌ أو جَمَلُ\rوما أملح ما قال القائل: الكامل:\rزعموا بأنَّ مَطيَّهُمْ عَوْنُ النوى ... والمؤْذِناتُ بفُرْقةِ الأحبابِ\rوَلَوَ أنها حَتْفي لما أبْغَضتُها ... ولها بهم سببٌ من الأسبابِ\rوكان علي بن العباس الرومي مُفْرِطَ الطِّيرَة، شديدَ الغلوّ فيها. قال علي بن عبد الله بن المسيب: وكان يحتجُ لها، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يُحِبُّ الفأل، ويَكْرهْ الطيرَة؛ أفتراه كان يتفاءلُ بالشيء، ولا يتطيَّر من ضدِّه؟ ويقول: إن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، مرّ برجل وهو يَرْحَل ناقةً ويقول: يا ملعونة، فقال: لا يَصْحَبُنا ملعون، وإن علياً، رضي اللّه عنه، كان لا يَغْزُو غَزاة والقمرُ في العقرب، ويزعم أن الطيرة موجودةٌ في الطباع قائمةٌ فيها، وأن بعضَ الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض، وأن الأكثرَ في الناس إذا لقي ما يكرهُه، قال: على وَجْهِ من أصبحت اليوم؟ فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين وقد أهدي إلي عدةٌ من جواري القيان، وكانت فيهنّ صبيةٌ حَوْلاَء، وعجوزٌ في إحدى عينيها نكتة، فتطير من ذلك، ولم يُظْهِرْ لي أمره، وأقام باقي يومه؛ فلمّا كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لي من بعض السطوح، وجفاه لقاسم بن عبيد اللّه، فجعل سَبب ذلك المعنيين المغنيتين، وكتب إليَّ: الخفيف:\rأيها الْمُتْحِفِي بحُولٍ وعُورٍ ... أين كانت عنك الوجوهُ الحسانُ؟\rقد لَعَمْري ركِبْتَ أمراً مهيناً ... ساءني فيك أيها الخُلْصَانُ\rفَتْحُكَ المهرجان بالحُول والعُو ... رِ أرانا ما أعْقَب المهرجانُ\rكان من ذاك فقدُك ابنتَك الْحُ ... رة مصبوغةً بها الأكْفانُ\rوتَجافي مؤمَّل لي جَليل ... لج فيه الجفاءُ والهِجْرانُ\rوعزيز عليَّ تقريع خل ... لا يُدانيه عنديَ الخُلاَنُ\rغير أني رأيت إذكارَهُ الحز ... مَ وإشعارهُ شِعاراً يُصَانُ\rلا تَهَاوَنْ بطيرة أيّها النظ ... ار واعْلَمْ بأنها عُنْوانُ\rقف إذا طيرة تلقّتك وانْظُرْ ... واستمع ثمَ ما يقول الزَمانُ\rقلما غاب من أمورك عنوا ... ن مبين وللزَمانِ لِسَانُ\rلا تكن بالهوى تكَذب بالأخ ... بارِ حتى تهين ما لا يُهان\rلا يَقُدْكَ الهوى إلى نصرة الأخ ... بارِ حتى يقدَّم البرهانُ\rإن عُقْبى الهوى هُوِيٌ، وُعقْبى ... طول تلك المهوَنات هَوان\rلا تصدق عن النبيين إلا ... بحديث يلوحُ فيه البيان\rخبَّر اللَه أنَّ مشأمَةً كا ... نت لقوم وخبَّر القرآن\rأفَزُورَ الحديثِ تقبل أم ما ... قاله ذُو الجلال والفُرْقانُ؟\rأترى من يرى البشيرُ بشيرا ... يَمْتَري في النذير يا وَسْنانُ\rفدع الهزل والتضاحك بالطي ... رة والنصح مُثمن مجانُ\rوقد فرَّق حُذاق أهل النظر في المقال، بين الطيرة والفال، فقالوا: الطيرة كانت العرب ترجعُ إلى ما تمضيها، وتجري على تقضيها، وكان الذي يهُمُ بهم إذا ما رأى ما يتطير منه رجع عنه؛ وفي ذلك ما يصرف عن الإحالة على المقادير الجارية بيد مُمْضيها، النازلة على حكم قاضيها، والفَأْل لا يردّ المريد عمّا يريد إنما يُقَوَي مُنته، ويَسُرُ مهجته؛ وليس هذا موضع تطويل، في إيراد الدليل.\rوفي جفاء القاسم بن عبيد الله إياه يقول معاتباً: الطويل:\rألم ترني أقرضْتُك الودَ طائعاً ... ولم تر قبلي مُعسِراً قط أقْرَضا\rلعمري لقد صوّرت أبيض مشرقاً ... فَلِمْ لا تُرِيني وَجْهَ نُعماك أبيضا؟\rفيا ويح مولاك استغاث بمشربٍ ... فأشرق فاستشفى شفاء فأفرضا","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"ولولا اعتقادي أنك الخيرُ كلهُ ... لأزْمَعْتُ توديعاً، قضى اللّه ما قَضَى\rوإني وإن دارَتْ علي دوائرٌ ... لأُعْرِض عمَّنْ صَدَ عني وأعْرَضا\rوما زلت عَرَافاً إذا الزاد رانَني ... بخبثٍ وعيّافاً إذا الماءُ عَرْمَضا\rوهذا البيت كقول الآخر: الطويل:\rوإنيَ للمَاء المخالط للقَذَى ... إذا كثرت وُرَادُهُ لَعُيُوفُ\rوفي ابنة المسيبي يقول ابن الرومي يعزّيه: الطويل:\rأخا ثقتي أعْزِزْ عليَ بنكبةٍ ... مَنَاك بها صَرْفُ القضاءِ المقدَرُ\rصِبْتَ، وما للمرء من حُكْمِ ربِّه ... محيدٌ، وأمرُ اللَهِ أعلى وأقهرُ\rوقد مات من لا يخلف الدهر مثلَهُ ... عليك من الأسلاف والحقُّ يَبْهَرُ\rتعزيت عمّن أثمرتك حياتهُ ... ووَشك التعزي عن ثمارك أجْدَرُ\rلأن اختيال الدهر في ابنٍ وفي ابنةٍ ... يسير وكرُ الدهر شيخيك أعسَرُ\rتعذر أن نعتاض من أمهاتنا ... وآبائنا، والنسلُ لا يتعذّر\rفلا تهلِكَنْ حُزْناً على ابنة جنةٍ ... مضت وهي عند اللَّهِ تحيا وتُحْبَرُ\rلعل الذي أعطاك ستر حياتها ... كساها من اللحْدِ الذي هو اسْتَرُ\rفكم من أخي حرية قد رأيتهُ ... بنارِ ذوي الأصهار يكوى ويُصْهَرُ\rفلا تتهم للَّه فيها ولايةً ... ولا نظراً فاللَّه للعبد أنظر\rوأنت وإن أبصرت رشدك مرةً ... فذو النظر الأعلى برشدك أبصَر\rومن مليح تعازيه عن ابنَةٍ قوله لعلي بن يحيى: الكامل:\rلا تبعدنَّ كريمة أودعتها ... صِفراً من الأصهار لا يخزيكا\rإني لأرجو أنْ يكونَ صَداقها ... من جنّة الفردوس ما يرضيكا\rلا تيأسنَّ لها فقد زوَّجتها ... كفؤا وضمَّنتَ الصَّداقَ مليكا\rفي موت البنت\rوقال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر: الطويل:\rلكل أبي بنت يرجّي بقاؤها ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصهر\rفبيتٌ يغطيها، وبَعْلٌ يَصونُها ... وقبر يُوَارِيها، وخيرهما القبرُ\rوقال عقيل بن علفَةَ وكان أغير الرب: الرجز:\rوإني وإن سِيق إليَّ المهرُ ... ألفٌ وعُبدانٌ وذَود عشرُ\rأحَبُ أصهاري إليَّ القبرُ\rومنه أخذ عبيد اللّه، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: دخل علينا ابن خلف البهراني فأنشدنا: البسيط:\rلولا أُمَيْمَةُ لم أجْزَعْ من العدمِ ... ولم أجُبْ في الليالي حِنْدِسَ الظلمِ\rوزادني رغبةً في العيش معرفتي ... أنَ اليتيمة يَحفُوها ذوو الرَّحمِ\rأُحاذِرُ الفقر يوماً أن يُلمَّ بها ... فيهتك الستر عن لَحْمٍ على وَضَمِ\rتهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموتُ أكرمُ نزَّال على الحُرَمِ\rوكانت أميمة بنت أخته، وكان قد تبنَّاها، ثم غابت غيبة، فسألناه عنها، فأنشد: البسيط:\rأمستْ أميمة مغموراً بها الرَّجَمُ ... لدى صعيدٍ عليه التُربُ مُرْتكمُ\rيا شِقّة النفس، إن النفسَ والهةٌ ... حرّى عليك، ودَمْع العين مُنْسَجم\rقد كنت أخشى عليها أن يؤخّرها ... عني الحِمام فيُبْدِي وجهَها العُدُم\rفالآن نمت فلا همّ يُؤَرِّقُني ... تَهْدَا العيونُ إذا ما أوْدَت الحُرَمُ\rفالآن نمت، فلا همٌ يُؤَرقُني ... بعد الهدوء، ولا وَجْد ولا حُلُم\rللموت عندي أيادٍ لست أنكرها ... أحيا سروراً وبي ممّا أتى ألم\rمن أخبار ابن الرومي\rعادَ ذكر ابن الرومي - وكانَ أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش غلام أبي العباس المبرد في عصر ابن الرومي شابّاً مترفاً، ومليحاً مستظرَفاً، وكان يعبث به، فيأتيه بسَحَر؛ فيقرع الباب، فيقال له: مَن؟ فيقول: قولوا لأبي الحسن مُرَّة بن حنظلة، فيتطيّر لقوله، ويقيم الأيام لا يخرجُ من داره، وذلك كان سبب هجائه إياه، فمن أول ما عاتبه به: المنسرح:","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"قولوا لِنَحْوِيِّنا أبي حسن ... إن حسامي متى ضَرَبْتُ مَضى\rوإنَّ نبلي إذا هممتُ بأنْ ... أرْمِيَ نَضَلْتُها بجَمْرِ غَضا\rلا تحسبنَّ الهجاء يحفل بال ... رفع ولا خَفْضَ خافضٍ خَفَضا\rولا تَخَل عودتي كباديتي ... سَأُسْعِطُ السمّ مَن أسبى الحُضَضا\rأعرف في الأشقياء بي رجلاً ... لا يَنتهي أو يصير لي غَرَضا\rيُليح لي صَفْحَةَ السلامة وال ... سلم ويخفي في قلبه مَرَضا\rأضحى مغيظاً عليّ أنْ غضب ال ... لَّه عليه، ونِلْتُ منه رضا\rوليس تجْدِي عليه موعظتي ... إن قدَّر اللَه حَيْنَهُ وقضى\rكأنني بالشقيِّ معتذرا ... إنّ القوافي أذَقْنَهُ المَضَضا\rينشدني العهد يوم ذلك والْ ... عهدُ خضاب إذا له قبضا\rلا يأمننَ السفيهُ بَادِرَتي ... فإنني عارِضٌ لِمَنْ عَرَضا\rعندي له السوط إن تلوّم في ال ... سير وعندي اللّجام إن رَكَضا\rأسمعتُ إنْبَاضتي أبا حسن ... والصفحُ لا شكّ نصحُ من محضَا\rوهو معافى من السهاد فلا ... يحمل فيمسي فراشه قَضَضَا\rأقسمت باللّه لا غفرت لهُ ... إنْ واحدٌ من عُروقِه نَبضَا\rفاعتذر إليه، وتشفّع عنده بجماعة من أهل بغداد - وكان الأخفش أكثر الناس إخواناً - فقبل عذره، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها: الخفيف:\rذُكِرَ الأخفش القديمُ فقلْنا: ... إن للأخفش الحديثِ لفَضْلاَ\rوإذا ما حكمت والرومُ قومي في كلام مُعرَّب كنتُ عَدْلا\rأنا بين الخصوم فيه غريبٌ ... لا أرى الزّور للمُحاباة أهْلا\rومتى قلت باطلاً لم ألقب ... فيلسوفاً ولم أسمَ هِرَقلا\rالأخفش القديم هو أبو الخطاب، وكان أستاذ سيبويه، وهو من المتقدمين في النحو، ويُعْرَف بالأخفش الكبير، وكان في عصر سيبويه أيضاً أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وهو الأخْفش الصغير، وهو الذي قال: كان سيبويه يَعْرِض ما وَضَع من النحو عليَ، ويَرى أني أعلَمُ منه، وكان في وقته ذلك أعلم مني.\rثم عاد علي بن سليمان إلى أذاه، واتصل به أنَّ رجلاً عرض عليه قصيدة من شعره فطعَن عليها، فقال قصيدته التي يقولُ فيها: المنسرح:\rأعتقتُ عبديَ في القريض معا ... عبدةَ والفَحْل من بني عَبَدهْ\rإن أنا لم أرم بالإساءة مَن ... زَاغَ عن القَصْد أو أبى سددَهْ\rقلت لمن قال لي عرضت على الْ ... أخفش ما قلته فما حَمِدَهْ\rقصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقدهْ\rأنشدته مَنْطِقي ليشهدَه ... فغاب عنه عمًى وما شَهِدَه\rما بلغتْ بي الخطوب رتبة منْ ... تَفهَمُ عنه الكلابُ والقِرَدَهْ\rولا أنَا المفهم البهائم وال ... طير سُليمانُ قاهرُ المَرَدهْ\rفإن يقل إنني حفظت فكالد ... فتر جَهْلاً بكلّ ما اعتْقَدَهْ\rسأُسمع الناسَ ذَمَّهُ أبداً ... ما سَمع اللَهُ حَمْدَ مَنْ حَمده\rعَبْدة بن الطيب، وعلقمة بن عبدة الفحل، وكانا شاعرين مجيدين، وقال علقمة ابنَ عبَدة لرجل ورأى آخر يعتذرُ إليه وهو معبس في وجهه: إذا اعتذر إليك المعتذر فتلقه بوجه مُشْرِق، وبِشْر مطلَق؛ لينبسط المتذلل، ويؤمّن المتنصّل.\rولابن الرومي في الأخفش إفحاش صُنْتُ الكتابَ عنه.\rقال علي بن إبراهيم كاتب مسروق البلخي: كنت بداري جالساً فإذا حجارة سقطَتْ بالقرب مني، فبادرتُ هارباً، وأمرتُ الغلام بالصعود إلى السطْح، والنظر إلى كل ناحية؛ من أين تأتينا الحجارة، فقال: امرأةٌ من دارِ ابن الرومي الشاعر! قد تشوّفَتْ وقالت: اتّقوا الله فينا، واسقونا جَرَة من ماء، وإلاّ هَلَكْنا، فقد مات مَنْ عندنا عطشاً.","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"فتقدمتُ إلى امرأة عندنا ذات عَقْل ومعرفة أنْ تصعدَ إليها وتخاطبها، ففعلَتْ وبادرتْ بالجرة، وأتْبَعَتْها شيئاً من المأكول؛ ثم عادت إليّ فقالت: ذكرت المرأةُ أنّ الباب عليها مُقْفَل من ثلاث بسببِ طِيَرة ابن الرومي، وذلك أنه يَلْبَس ثيابَه كلَّ يوم، ويتعوَّذُ ثم يصيرُ إلى الباب، والمِفْتَاحُ معه، فيضعُ عينَه على ثَقْبِ في خشب الباب، فتقعُ عينه على جارٍ له كان نازلاً بازائه، وكان أحْدَب يقُعد كل يوم على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه، وقال: لا يفتح أحدٌ البابَ.\rفعجبتُ لحديثها، وبعثتُ بخادم كان يعرفه، فأمرْتُه بأن يجلس بازائه - وكانت العينُ تَمِيلُ إليه - وتقدّمت إلى بعض أعواني أن يَدْعُوَ الجار الأحدب؛ فلّما حضر عندي أرسلتُ وراء غلامي؛ لينهض إلى ابن الرومي، ويستَدْعيه الحضور؛ فإني لجالس ومعي الأحدب إذْ وافى أبو حذيفة الطرَسوسي ومعه بِرْذَعة الموسوس صاحبُ المعتضد، ودخل ابن الرومي، فلما تخطى عتبة باب الصَحْن عَثَر فانقطع شِسعُ نَعْله، فدخل مذعوراً؛ وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظراً يدل على تغيرِ حالٍ؛ فدخل وهو لا يَرَى جارَه المتطير منه، فقلت له: يا أبا الحسن، أيكون شيءٌ في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم، ونظرك إلى وجهه الجميل؟ فقال: وقد لحقني ما رَأيت من العَثْرَة؛ لأني فكرت أنَّ به عاهة! وهي قطع انثيَيْه، قال بِرذَعَة: وشيخُنا يتطير؟ قلت: نعم وُيفْرط، قال: ومن هو؟ قلت: علي بن العباس، قال: الشاعر؟ قلت: نعم، فأقبل عليه وأنشده: الطويل:\rولما رأيت الدهرَ يُؤذنُ صَرفُه ... بتَفْرِيق ما بيني وبين الحبائب\rرجعتُ إلى نفسي فوطَّنتها على ... ركوبِ جميلِ الصبْرِ عند النوائبِ\rومَنْ صَحِب الدنيا على جَور حُكْمِها ... فأيامُه مَحفوفة بالمصائبِ\rفخُذْ خُلْسَةً من كل يوم تعيشُه ... وكُن حَذِراً من كامِنَاتِ العواقب\rودعْ عنك ذِكْرَ الفأل والزّجْرِ واطرح ... تطيُّرَ جار أو تَفَاؤُل صَاحِبِ\rفبقي ابن الرومي باهتاً ينظرُ إليه ولم أدْرِ أنه شَغَلَ قَلْبَه بحفظ ما أنشده، ثم قام أبو حذيفْة وبرذعة معه، فحلف ابنُ الرومي لا يتطير أبداً من هذا ولا مِنْ غيره، وأومأ إلى جاره، فقلت: وهذا الفكر أيضاً من التطيّر، فأمسك، وعجب من جودة الشعر ومعناه، وحُسن مَأتاهُ، فقلت له: ليتنا كتَبْنَاه؟ قال: اكتبه فقد حفظته، وأملاه علي.\rومن شدة حذره، وعظيم تطيّره، قوله لأبي العباس بن ثوابة، وقد نَدَبَه إلى الخروج إليه وركوب دجلة: الطويل:\rحضضْتَ على حَطْبي لِنَاري فَلاَ تَدَعْ ... لك الْخَيْرُ، تَحْذِيري شُرُورَ المَحاطِبِ\rومَنْ يَلْقَ ما لاقَيْتُ في كُلِّ مُجْتنى ... من الشَوْكِ يَزْهَدْ في الثمار الأطَايبِ\rأذاقَتْنِي الأسفَارُ مَا كَرَّهَ الغنَى ... إليَّ، وأغْرَاني بِرَفْضِ المَطَالِبِ\rوَمِنْ نكْبَةٍ لاَقيتها يعد نكْبَةٍ ... رَهِبْتُ اعتِسافَ الأرْضِ ذاتِ المناكِب\rفَصَبْرِي على الإقْتَار أيْسَرُ مَطْلَباً ... عليَّ من التّغْرِيرِ بعد التَّجَارِبِ\rلقِيتُ من البرّ التبَارِيحَ بعدما ... لَقيت منَ البَحْرِ ابْيضاضَ الذّوائِبِ\rسُقيتُ على ري به ألْفَ مطَرةٍ ... شُغِفْتُ لبغْضيها بحُبِّ المَجَادِبِ\rولم أبْغها، بل ساقَها لمكيدَتي ... تلاعُبُ دَهْرِ جَدَ بي كالمُلاعبِ\rأبى أنْ يُغيثَ الأرضَ حتى إذا رمَتَ ... برَحلْي أتاهَا بالغُيوثِ السواكبِ\rسَقى الأرضَ من أجْلي فأَضْحَتْ مَزلَة ... تمايَلَ صاحِيها تمايُلَ شارب\rفملتُ إلى خَان مُرِثٍّ بنِاؤُهُ ... مَمِيلَ غريقِ الثوبِ لَهْفَانَ لاغِبِ\rفما زِلْتُ في جوعٍ وخَوْفٍ وَوَحْشَةٍ ... وفي سهَرٍ يَسْتَغْرِقُ الليلَ وَاصِبِ\rيُؤْرِّقني سَقْف كأنيِّ تحته ... من الوَكْفِ تحْتَ المُدْجنَاتِ الهَوَاضِبِ","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"يظل إذا ما الطيّنُ أثْقَلَ متنَهُ ... تصرُّ نَواحيهِ صَرِيرَ الجنادِبِ\rوكم خَانِ سَفْرِ خَانَ فانْقضَ فوقهمْ ... كما انْقَضَّ صَقْرُ الدَّجْن فَوْقَ الأرانبِ\rوما زالَ ضاحِي الْبَرّ يَضْرِبُ أهْلَهُ ... بِسَوْطَيْ عذابِ جامِدٍ بعدُ ذائبٍ\rفإنْ فاتهُ قَطْر وثلجٌ فإنه ... رهِينٌ بسَافٍ تارةً وبحاصبِ\rفذاكَ بلاءُ البَر عِنديَ شاتياً ... وكم لِيَ من صَيْفٍ به ذي مَثَالِبِ\rألا ربّ نارٍ بالفَضاء اصْطَليْتُها ... من الضحَ يُودي لَفْحُها بالحواجِبِ\rفَدَعْ عنكَ ذِكْرَ البَرَ إني رأيْتُهُ ... لِمَنْ خاف هَوْلَ البحرِ شرَ المهارِب\rوما زالَ يَبْغِيني الْحُتُوفَ مُوَارِباً ... يَحُومُ على قَتْلِي وغيرَ مُوَارِبِ\rفطَوْراً يُغادِيني بِلص مُصلَّتٍ ... وطوراً يُمَسِّيني بِوِرْدِ الشَّوارِب\rوَأَمَّا بَلاءُ البحرِ عندي فإنهَ ... طَواني على رَوْعٍ مع الرّوحِ واقِبِ\rولو ثابَ عقلي لم أدَعْ ذِكْرَ بعضِهِ ... ولكنّه من هَوْله غيرُ ثائِبِ\rولمْ لا ولو أُلقيتُ فيه وصخْرَةً ... لَوَافَيْتُ منه القَعْرَ أوَلَ راسبِ\rولم أتعلّمْ قَطُ من ذي سِباحَةٍ ... سِوَى الغوصِ والمضعُوفُ غير مُغالِبِ\rوأيْسَرُ إشْفاقي من الماء أنني ... أمُرُّ به في الكوزِ مَرَ المُجانِبِ\rوأخْشَى الرّدَى منهُ على كل شارِبٍ ... فكيف بأمْنِيهِ على نَفْسِ راكب؟\rأخذه من قول أبي نُواس وقد رأى التمساح بمصرَ أخذَ رجلاً: البسيط:\rأضْمَرْتُ للنيل هِجراناً ومَقْلِيَةً ... مُذْ قيلَ لي إنما التمساحُ في النيلِ\rفمن رأى النيل رأي العينِ عن كَثَبٍ ... فما أرى النيل إلاَّ في البراقيل\rرجع\rالطويل:\rأظل إذا هَزَته ريحٌ وَلألأَتْ ... لهُ الشمسُ أمْواجاً طوالَ الغَوارِب\rكأني أرَى فيهنَّ فُرْسانَ بُهْمَةٍ ... يُلِيحُونَ نحوي بالسيوفِ القَواضِبِ\rفإنْ قلتَ لي قد يُرْكَبُ اليَمُ طامِياً ... ودِجْلَةُ عند اليَمِّ بعضُ المَذَانِبِ\rفلا عُذْرَ فيها لامْرِئً هَابَ مِثْلَها ... وفي اللجةِ الخضْرَاء عُذْرٌ لِهَائِبِ\rلدِجْلَةَ خِب لَيْسَ للَيمِّ؛ إنهَا ... تَرَاىء بِحلْيم تَحْتَهُ جَهْلُ وَاثِبِ\rتَطَامَنُ حَتّى تَطْمَئِن قلوبُنا ... وتَغضَبُ من مَزْحِ الرَياحِ اللَوَاعِبِ\rوللْيَمِّ إنْذَارٌ بغَوْصِ مُتُونِه ... وما فيه من آذيه المتراكِبِ\rوهي طويلة، وفيما مرّ كفاية تنبئ عنه وتدل عليه، ولو مددت أطناب الاختيار لتَتبع هذا النحو من شعره لخرجتُ عن غَرَضِ الكتاب.\rفي العيافة والزجر\rومن مليح العيافة والزجر ما رواه الصُولي، قال: كان لأبي نواس إخْوانٌ لا يفارِقُهم، فاجتمعوا يوماً في موضع أخْفَوْه عنه، ووجَّهوا إليه برسولٍ معه ظهرُ قرطاس أبيض، لم يكتبوا فيه شيئاً، فخزَمُوه بزير، وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم ليرميَ كتاب من وراء الباب؛ فلما رآه استعلم خبَرَهُم، وعلم أنه مِنْ فِعْلِهِم، فتعرَفَ موضِعَهم وآثَارَهم، فأتاهم فأنشدهم: الوافر:\rوجدتُ كتابَكمْ لمّا أتاني ... يمرُ بسانح الطيرِ الجوَارِي\rنظرتُ إليه مخزوماً بزيرٍ ... على ظَهْرٍ، ومختوماً بِقَارِ\rفقلت: الزير مُلْهية وَلَهْو ... وخِلْتُ القارَ من دَنَ العُقار\rوخِلْت الظهْرَ أهْيَفَ قُرْطَقيًّاً ... يحيل العقلَ منه باحْوِرَار\rفهمْتُ إليكم طَرَباً وشَوْقاً ... فما أخطأت دَارَكم بدار\rفكيف ترونني وترون وَجْدِي ... ألَسْتُ من الفلاسفة الكبَار؟\rوقال الطائي: الكامل:","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"أتضعضعتْ عبراتُ عَيْنك أنْ دَعَتْ ... ورْقَاءُ حين تضعضعَ الإظْلاَمُ؟\rلا تنشجنٌ لها؛ فإن بكاءها ... ضَحِك، وإن بكاءَك استغرام\rهنَ الْحَمامُ وإنْ كَسَرْتَ عِيَافةَ ... مِنْ حَائهنَ فإنهنَّ حِمَامُ\rوروى يموت ابن المزرع قال: كان أحمدُ بن المدبر إذا مدحه شاعرٌ فلم يَرْضَ شِعْرَه لغلامه: امْض به إلى المَسْجِد الجامع فلا تفارِقْه حتى يُصلي مائةَ ركعة، ثم خَلَهِ؛ فتحاماه الشعراءُ، إلاّ الأفرادَ المجيدين؛ فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: قد عرفت الشَرْط؟ قال: نعم، وأنشده: الوافر:\rأرَدْنا في أبي حسَن مديحاً ... كما بالمَدْحِ يُنتجَعُ الوُلاةُ\rفقلنا: أكَرمُ الثقَلَيْنِ طُرّاً ... ومَنْ كفاه دجلةُ والفراتُ\rفقالوا: يقبل المدحات لكِن ... جوائزهُ عليهن الصَّلاةُ\rفقلت لهم: وما تُغْني صَلاَتي ... عيالي! إنما الشأْنُ الزَكَاةُ\rفأما إذْ أبى إلاّ صَلاَتي ... وعاقتني الهموم الشاغلاتُ\rفيأمر لي بكَسْرِ الصادِ منها ... فتصبح لي الصَلاةُ هي الصلاتُ\rفضحك واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي: الكامل:\rهُنَ الحمامُ فإن كَسَرْتَ عِيَافةً ... مِنْ حَائِهِن فإنهنَّ حِمَامُ\rفأحسن صلته.\rوقال الأمير أبو الفضل الميكالي لقوم من أهل مَرو انخلعوا عن طاعته: الكامل:\rيا راكباً أضْحَى يَخُب بِعَنْسهِ ... ليؤم مَروَ على الطريق المَهيَع\rأبلِغْ بها قَوْماً أثارُوا فِتْنَةً ... ظلت لها الأكبَادُ رَهْنَ تَقطعِ\rإذ أقدموا ظُلْماً على سُلْطانهم ... بالغَدرِ والخَلعِ الذميم المفظِع\rوبحل عقْدِ لوائِهِ وإباحة ... لجنَابه وحَرِيمِه المتمنع\rأبلغهمُ أني اتخذت لفعلهم ... فَأْلاً، له في القوم أسوَأ مَوقِع\rأما اللّوَاءُ وحلّه فمخبر ... عن حَل عقدٍ بينهم مُستَجمِع\rوالخلعُ يخبر أن ستُخلَعُ عنهم ال ... أرواحُ بالقَتل الأشد الأشْنَعِ\rوالغدر يُنبئ أن تُغَادَرَ في الوَغى ... أشلاؤهم لنُسورِه والأضْبُع\rوالفرقتان فشاهدٌ معناهما ... بتفرُقٍ لجميعهم وتَصَدُّعِ\rفتسمَّعوا لمقالتي وتَأَهَبُوا ... بذميم بَغيكُم لشرِّ المَصْرَعِ\rفاللَهُ ليس بغافل عن أمرِكم ... حتى تحلَّ بكم عقوبةُ مُوجِع\rقال أبو عثمان الجاحظ: سمعت النظام، وذكر عبد الوهاب الثَّقفي، قال: هو أحْلى من أمْنٍ بعد خوف، وبُرءً بعد سَقَم، ومن خِصْب بعد جَدْب، وغنًى بعد فَقْر، ومن طاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصال الدائم، والشبابِ الناعِم.\rمن أخبار الجاحظ\rوكان الجاحظ مائلاً عن ابن أبي دُواد إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلّما نكِب محمد بن عبد الملك أُدْخِل الجاحظُ على ابنِ أبي دُواد مقيّداً، فقال له أحمد: واللّه ما عْلَمُك إلاّ مُتناسِياً للنعمة، كفوراً للصنَّيعة، معدداً للمساوي، وما فتني باسْتِصلاحي لك، ولكنّ الأيام لا تُصْلِحُ منك؛ لفسادِ طوّيتك، ورداءة دَخِيلتك، وسوء اختيارك، وتَغَالُب طباعك.\rفقال الجاحظ: خفّض عليك، أصلحك اللّه، فوالله لأنْ يكونَ لك الأمر عليّ خير من أن يكونَ لي عليك، ولأنْ أُسِيء وتحسن أحسنُ في الأحْدُوثة من أن أحسنَ فتسيء، ولأن تعفوَ عني على حالِ قدرتِك عليّ أجْمَلُ بك من الانتقام مني، فعفَا عنه.\rمن أخبار عتبة بن أْبي سفْيان","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"قال سعد مولى عُتْبة بن أبي سفيان: خطب عُتْبة الناسَ في الموسم سنة إحدى وأربعين، والناسُ إذ ذاك حديثو عَهْدٍ بالفتنة؛ فقال: قد وَلينا هذا المقام الذي يُضاعَفُ فيه للمحسن الأجْرُ، وللمُسِيء الوِزْر؛ ونحن على سبيل قَصْد، فلا تمدُّوا الأعناقَ إلى غيرنا؛ فإنها تُقْطَع دوننا؛ فربَّ مُتَمَن أمراً حَتْفُه في أمنيته؛ فاقبلوا منّا العافية ما قبلْنَاها منكم؛ وأنا أسأل الله أن يُعين كلا على كل.\rفناداه أعرابي من ناحية المسجد: أيها الخليفة، فقال: لسْتُ به ولم تُبْعِد، قال: يا أخاه، قال: سمعتُ فقلْ، فقال: والله لأنْ تحسنوا وقد أسأْنا خيرٌ من أن تسيئوا وقد أحسنّا، فإن كان الإحسان منكم فما أوْلاكم بإتمامه، وإن كان منا فما أوْلاكم بمكافأتنا عليه، وأنا رجلٌ من بني عامر بن صعصعة يمتُّ بالعمومة ويختصُ بالخؤولة، كَثُرَ عِيَاله، ووَطِئه زمانُه، وبه فقر وفيه أجر، وعنده شُكْر.\rفقال له عتبة: أستغفر اللّه منك، وأستعين به عليك، وقد أمَرْتُ لك بغناك، فليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك!\rعود إلى الجاحظ\rقال الجاحظ: تشاغلت مع الحسن بن وَهْب أخي سليمان بن وهب بشُرْبِ النبيذ أياماً، فطلبني محمدُ بن عبد الملك لمؤانسته، فأُخْبِر باتصالِ شغْلي مع الحسن ابن وهب، فتنكَر لي، وتلوَّن عليّ؛ فكتبتُ إليه رقعة نسختها: أعاذك اللهّ من سُوء الغَضَب، وعَصَمَك مِن سَرَفِ الهوى، وصَرَف ما أعارَك من القوة إلى حث الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة، فقد خِفْتُ - أيَّدك اللّه! - أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزقِ السفهاء، ومُجانبة سُبُلِ الحكماء، وبعدُ، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: الطويل:\rوإن أمرأً أمسى وأصبح سالماً ... من الناس إلاَ ما جَنَى لَسَعيدُ\rوقال الآخر: السريع:\rومن دعا الناس إلى ذَمَهِ ... ذموهُ بالحقِّ وبالْباطِل\rفإن كنتُ اجترأتُ عليك - أصلحك الله - فلم أجترئْ إلاّ لأنّ دوامَ تغافلك عني شبيه بالإهمال، الذي يُورِثُ الإغفال، والعفو المتتابع يؤمنُ مِنَ المكافأة، ولذلك قال عُيَيْنة بن حِصْن بن حذيفة لعثمان رحمه الله: عمر كان خيراً لي منك، أرْهَبني فأتْقاني، وأعطاني فأغناني، فإن كنت لا تَهَبُ عقابي - أيدّك الله! - لخدْمَة فهبْه لأياديك عندي؛ فإن النعمةَ تشفع في النقمة، وإلاَّ تفعلْ ذلك لذلك فعُدْ إلى حُسْن العادة، وإلاّ فافْعَلْ ذلك لحُسْن الأحدوثة؛ وإلاّ فأتِ ما أنْتَ أهلُه من العفو دون ما أنا أهلُه من استحقاق العقوبة، فسبحانَ مَن جعلك تَعْفُو عن المتعمِّد، وتتجافى عن عقاب المُصر، حتى إذا صرت إلى مَنْ هَفْوَته ذِكْر، وذَنْبه نسيان، ومن لا يعرف الشكرَ إلاِّ لك، والإنعامَ إلاّ منك هجمتَ عليه بالعقوبة. وأعلمْ - أيدك الله! - أنَّ شَيْنَ غَضبك علي كَزَيْنِ صَفْحِك عني، وأنٌ موت ذِكْري مع انقطاع سببي منك كحياةِ ذكرك مع اتصال سببي بك، واعلمْ أنّ لكَ فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام.\rمن حكم علي بن أبي طالب\rعليه الصلاة والسلام\rقال عليّ بن أبي طالب، رضي اللّه عنه: أعْجَبُ ما في الإنسان قَلْبُه، وله مواد من الحكمة، وأضْدَاد من خِلاَفها؛ فإنْ سَنَح له الرجاءُ أذَلَه الطمع، وإن هاجه الطمَعُ أهلكه الحِرص، وإنْ مَلَكه اليَأْسُ قتَله الأسَف، وإن عرض له الغضب اشتدَ به الغَيْظ، وإنْ أُسعد بالرضا نِسِي التحفظ، وإن أتاه الخوفُ شغلَه الحذَر، وإن اتسَع له الأمن استلبته العِزة، وإن أصابته مصيبة فَضَحه الجَزَع، وإن استفاد مالاً أطْغاه الغِنَى، وإن عضتْه فاقة بلغ به البلاء، وإن جَهد به الجوعُ قعد به الضعْف، وإن أفرط في الشبع كَظته البِطْنَة، فكل تقصيرٍ مضِرّ، وكلّ إفراطٍ له قَاتِل.\rالبيت الذي أنشده الجاحظ لعبد الرحمن بن حسان في أبيات يقول فيها: الطويل:\rمتى ما يَرَى الناس الغني وجاره ... فقيرٌ يقولوا: عاجز وجَلِيدُ\rوليس الغِنَى والفَقرُ من حيلة الفتى ... ولكِن أحاظ قسمَتْ وجُدُودُ\rوإن امرأ يمسي ويُصبحُ سالماً ... من الناسِ إلا ما جَنَى لَسَعيدُ\rوالبيت الذي أنشده بعده لمحمد بن حازم الباهلي في أبياتٍ يقول فيها: السريع:","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"إنْ كنتَ لا تَرْهَبُ ذَمَي لما ... تعلم مِنْ صَفْحِي عن الجاهل\rفاخْشَ سكوتي آذِناً مُنْصِتا ... فيك لمسموع خَنَى الْقَائل\rفسامعُ الشر شَرِيك له ... وَمُطْعِم المأكُول كالآكل\rمقالة السوء إلى أهلها ... أسْرَعُ مِن مُنْحَدَرٍ سائل\rومَنْ دعا الناسَ إلى ذَمه ... ذَمُوه بالحق وبالباطلِ\rفلا تهِجْ، إن كُنْتَ ذا إرْبَةٍ ... حَربَ أخِي التجربةِ الغَافِل\rفإن ذا العقل إذا هِجتَهُ ... هِجتَ به ذا خبَل خابِل\rتُبْصِرُ في عاجلِ شًدَّاتِه ... عليك غِب الضَرَرِ الآجل\rوفي ابن الزيات يقول الجاحظ: المتقارب:\rبَدَا حين أثْرى لإخوانه ... ففللَ منهم شَباةَ العَدَمْ\rوأبصر كيف انتقالُ الزمانِ ... فبادرَ بالعرفِ قبل الندَمْ\rالجاحظ ورجل من البرامكة في مرضه\rقال بعضُ البرامكة: كنتُ أتقلّد السندَ، فاتصل بي أني صُرِفْتُ عنها، وكنت كسبتُ ثلاثين ألف دينار، فَخُفْت أن يَفْجأَني الصارف، ويُسْعَى إليه بالمال، فصُغْتُه عشرة آلاف إهْليلَجَة في كل إهليلَجَة ثلاثةُ مثاقيل، وجعلتها في رَحْلي، ولم أبعد أن جاء الصارف؛ فركبْتُ البحرَ، وانْحَدَرْتُ إلى البصرةِ؛ فخبِّرْتُ أنّ بها الجاحظ، وأنه عليل؛ فأحببت أن أراه قبل وفاته، فصِرْتُ إليه، فأفضيتُ إلى بابِ دار لطيف، فَقَرَعْتُه، فخرجَتْ إليَ خادمٌ صفراء، فقالت: مَنْ أنت؟ فقلت: رجل غريب أحَب أن يدخل إلى الشيخ فيُسَرّ بالنظر إليه، فأَدت ما قلت، وكانت المسافة قريبة لصغر الدهليز والحجرة، فسمعته يقول: قولي له: وما تصنع بشق مائل، ولعاب سائل، ولون حائل؟ فأخيرتني، فقلت: لا بدَّ من الوصال إليه، فقال: هذا رجل قد اجتاز بالبَصْرَة، فسمع بي وبعِلّتي، فقال: أراه قبل موته؛ لأقول: قد رأيت الجاحظ.\rفدخلت فسلمت فردَ ردًّا جميلاً واستَدْناني، وقال: مَنْ تكون؟ أعزك اللّه! فانتَسَبتُ له، فقال: رحم اللّه أباك وقومك الأسخياء الأجواد، الكرام الأمجاد، لقد كانت أيامُهم رَوْضَ الأزمنة، ولقد انجبر بهم خلق، فسقياً لهم ورعياً؛ فدعوت له، وقلت: أنا أسألُ الشيخ أن يُنْشِدَني شيئاً من الشعر أذكره به، فأنشدني: الطويل:\rلئن قُدّمَتْ قبلي رِجال فطالما ... مَشَيْتُ على رِسْلي فكنت المقدَما\rولكنَ هذا الدهرَ تأتي صروفُه ... فتُبْرِمُ منقوضاً، وتنقضُ مُبْرما\rثم نهضتُ، فلمّا قاربتُ الدهليز صاحَ بي فقال: يا فتى، أرأيتَ مفلوجاً ينَفْعَه الإهليلج؟ فقلت: لا، قال: فأنا ينفعني الإهليلج الذي معك، فأنْفذْ إليَّ منه، فقلت: السمع والطاعة، وخرجت مُفْرط التعجب من وقوعه على خَبَري، حتى كأن بعضَ أحبابي كاتبَه بخبَرِي حين صُغْتُه، فأنْفَذْتُ إليه مائة إهليلجة.\rالمقامة الجاحظية\rمقامة من إنشاء البديع تتعلق بذكر الجاحظ","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: جمعتني مع رِفْقَة وَليمةٌ، وأجبْتُ إليها للحديث المأثور فيها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: \" لو دُعيت إلى كُرَاع لأجبْتُ، ولو أُهْدِيَ إليَّ ذراع لقبلت \" ، فأفْضَى بنا المسيرُ إلى دار قد فُرش بساطُها، وبُسِطت أنماطها، ومُدَ سِماطُها، وقوم قد أخذوا الوقت بين آسٍ مخضود، ووَرْدٍ منضود، ودَن مَفْصود، ونَايَ وعود؛ محصِرْنا إليهم وصاروا إلينا، ثم عكفنا على خِوَان قد مُلِئَتْ حياضُه، ونوَّرَت رِياضُه، واصطفّت جِفَانُه، واختلفت ألوانُه؛ فمن حالِك بازائه نَاصع، ومن قانٍ في تلقائه فاقعٌ، معنا على الطعام رَجلٌ تُسَافرُ يَدُه على الخِوَان، وتَسْفرُ بين الألوان، وتأخذُ وجوهَ الرُغفان، وتَفْقَأ عيونَ الجِفَان، وتَرْعَى أَرْضَ الجيران؛ يَزْحَم اللقْمَة باللقمة، ويهزِمُ المَضْغَة بالمضغة، وهو مع ذلك ساكتٌ لا يَنْبِس، ونحن في الحديث نجري معه حتى وقف بنا على ذِكْرِ الجاحظ وخَطَابته، ووَصف ابن المقفَّع وذَرابته، ووافق أول الحديث آخِرَ الخِوَان، وزُلنا عن ذَلِك المكان، فقال الرجلُ: أين أنتم من الحديثِ الذي فيه كنتم، فأخذنا في وصف الجاحظ ولَسَنِه، وحُسْنِ سَنَنه في الفصاحة وسُنَنه فيما عرفناه؛ فقال: يا قومُ، لكلِّ عمل رجال، ولكل مقام مَقالٌ، ولكل دارٍ سُكَّان، ولكل زمان جاحظ، ولو انتقدتم، لبطَلَ ما اعتقدتُمْ، فكل كشرَ له عن ناب الإنكار، وشمَ بأنْفِ الإكبار، وضَحِكْتُ إليه، لأجلبَ ما لدَيْه، وقلت: أفِدْنا وزِدْنا، فقال: إنَّ الجاحظَ في أحدِ شقي البلاغة يقطِف، وفي الآخر يَقِف، والبليغُ من لم يُقَصِّر نظمُه عن نثره، ولم يُزْرِ كلامُه بشعرِه، فهل تروُونَ للجاحظ شعراً رائعاً؟ قلنا: لا، قال: فهلمّوا إلى كلامه؛ فهو بعيدُ الإشارات، قريبُ العبارات، قليل الاستعارات، منقادٌ لعريان الكلام يستَعْمله، نَفورٌ من مُعْتاصِهِ يهمله، فهل سمعتم له بكلمةٍ غير مسموعة، أو لفظة غير مصنوعة؟ فقلت: لا، فقال: هل تحبّ أن تَسْمَع من الكلام ما يخفِّف عن مَنْكَبَيْك، وَينمُّ على ما في يَدَيك؟ فقلت: إي والله، قال: فأطلق لي عن خِنْصَرِك ما يعين على شكرك، فأنلته ردائي، فقال: الطويل:\rلعَمْر الذي ألْقَى إليَ ثيابهُ ... لقد كسبتْ تلك الثيابُ به مَجدا\rوقد قَمَرَتهُ راحة الجود بِزّةً ... فما ضربَتْ قِدْحاً ولا نصبتْ نَرْدَا\rأعِدْ نظراً يا مَنْ كَسَاني ثِيابَهُ ... ولا تَدَعِ الأيامَ تَهْدِمُني هَداً\rوقل للأُلى إنْ أسْفَرُوا أَسْفَرُوا ضُحًى ... وإن طلعوا في غُمة طلعوا ورْدَا\rصِلُوا رَحِمَ العَلْيَا وبُلوا لهَاتَها ... فَخَيْرُ الندَى ما سَحَ وابلُه نَقْدَا\rقال عيسى بن هشام: فارتاحت الجماعة إليه، وانثالت الصِّلاتُ عليه، وقلت لما تآنسنا: من أين مطلع هذا البدر؟ فقال: المجتث:\rإسكندريةُ دَارِي ... لو قرَّ فيها قَرارِي\rلَكِن ليلي بنَجْدٍ ... وبالحجازِ نَهَارِي\rما قالته الملوك\rتظلمت رعية أردشير بن بابك إليه في سنة مُجْدبة لعَجْزهم عن الخراجِ، وسألته أن يخففه عنهم؛ فكتب لهم ما نسخته: من أردشير المزيد بالبهاء، ابن الملوك العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حَفَظةُ البيضة، والكُتاب الذين هم سَاسة المملكة، وذوي الحرث الذين هم عمرَة البلاد، أما بَعْدُ، فإنا نحمدُ الله تعالى حَمْدَ الصالحين، وقد وضعنا عن رعيّتنا بفَضْل رأفتنا إتاوَتنا الموظَّفة عليهم سنتنا هذه، ونحن كاتبون مع ذلك نُمليهم بوصية تنفعُ الكل: لا تستشعروا الحِقْدَ لئلاَ يَغْلِبَ عليكم العدوّ، ولا تحتوا الاحتكار لئلاّ يشملكم القَحْط، وكونوا للغرباء مُؤْوِين، لتؤووا غداً في المعاد، وتزوَجُوا في القرابة فإنه أحْسَنُ للرحم، وأثبتُ للنَسَبِ، ولا تعدُوا هذه الدنيا شيئاً فإنها لا تُبْقي على أحد، ولا تَرْفُضُوها مع ذلك؛ فإن الآخرة لا تُنَالُ إلاَ بها.\rوقيل لبزر جمهر: أيُّ الاكتساب أفضل؟ قال: العلمُ والأدب كنْزَانِ لا يَنْفَدان، وسِرَاجان لا يُطْفآن، وحُفَتان لا تَبْلَيان؛ مَنْ نالهما نَالَ أسبَاب الرشاد وعَرَفَ طريق المَعَاد، وعاش رفيعاً بين العِبَاد.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"وقال أنوشروان لبزر جمهر لمّا ظفر به: الحمد لله الذي أظْفَرني بك، قال له: فكافِئْه بما يحبُّ كما أعطاك ما تحب. قال: وبم أُكافِئه يا فاسق؟ قال: بالعفو عمَنْ أظفرك به اليوم كما تحبّ أَنْ يعفوَ عنك غداً.\rونظيرُ هذا الكلام قد تقدم لعلي، رضي الله عنه.\rوقيل لكسرى؛ أيُ الملوك أفضل؟ قال: الذي إذا جاوَرْته وجَدْتَه عليماً، وإذا خبرته وجدتَه حكيماً، وإذا أغضب كان حليماً، وإذا ظفر كان كريماً، وإذا استمنح منح جسيماً، وإذا وعدَ وفى، وإن كان الوعد عظيماً، وإذا شُكِي إليه وُجد رحيماً.\rمن إنشاء الميكالي\rكتب الأمير أبو الفضل الميكالي إلى أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي؛ كتابي وأنا أشكو إليك شَوْقاً لو عالجه الأعرابي لما صَبَا إلى رَمْل عالج، أو كابَده الخَليُ لانثنَى على كَبِدٍ ذاتِ حُرَقِ ولَوَاعِج؛ وأذمُ زماناً يفرَقُ فلا يحسن جمعاً، ويخْرق فلا ينوي رَقْعاً، ويُوجِعُ القلب بتفريق شَمْلِ ذوي الْوِداد، ثم يبخلُ عليهم بما يَشْفِي الصدور والأكْبَاد؛ قاسِي القلبِ فلا يلينُ لاستعطاف، جائر الحُكْمِ فلا يميلُ إلى إنصاف، وكم أسْتَعْدِي على صَرْفِه وأستَنْجِد، وأتلَظَّى غيظاً عليه وأُنشد: الطويل:\rمتى وعسى يَثْني الزمانُ عِنَانَه ... بعَثْرَة حالٍ والزَمانُ عثُورُ\rفتُدْرَك آمال وتُقْضَى مآرِبٌ ... وتحدُث من بعد الأُمور أُمور\rوكَلاً، فما على الدهر عَتْب، ولا له على أهْلِه ذَنْب؛ وإنما هي أقدار تَجْري كما شاء مُجْرِيها، وتَنْفُذ كالسهام إلى مَرَاميها؛ فهي تدورُ بالمكروه والمحبوب، على الحُكم المقدور والمكتوب، لا على شهوات النفوس وإرادات القلوب؛ وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب البعيد النازح، وتسهيل الصَّعب الجامح، فيعود الأُنسُ بلقائِك الإخوان كأتمّ ما لم يزل معهوداً، ويجدّد للمذاكرة والمؤانسة رسوماً وعهوداً، إنه الملبي به، والقادِرُ عليه.\rوله إلى أبيه: ولو مَلَكْتُ عِنان اختياري، وأسعفني ببعض ما أقترحه القَدَرُ الجاري، لما غِبْتُ عن حضرته - انسها الله! - ساعةً من دهري، كما لا أعد ساعاتِ بُعْدِي عنها وإخلائي لبابها من أيام عمري؛ ولقنت أبداً ماثِلاً بها في زمرة الخدم والعبيد، جامعاً بها بين حاشيتي العزّ المديد، والشرف العتيد؛ لا سيما في هذا الوقت وقد أشرقت البلاد بنور طلعته التي هي في ظلمة الدَهر صباح، وعزّ مطالعته التي فيها لصدور ذوي الشَّنإ شجاً ولزَنْدِ الآمال اقتداح، ومعاودة ظلَهِ التي أضْحَتِ الشمسُ من حساده، والزمان من عدد ساكنيه وعتاده، إلاَ أن الحريص - كما علمه مولانا - مُخلى عن أعذب موارده، وممنوع بالعوائق عن أكرم مطالعه ومقاصده.\rوله يستفتح مكاتبة بعض إخوانه: أنا وإن لم تتقدّم بيني وبينه المكاتبة، وعادة المساجلة والمفاوضة، من فرط حِرْصي على افتتاحها وتعاطيها، واعتراض العوائق دون المرادِ والغرض فيها، فإن قلبي بودِّه مَغْمُور، وضميري على مُصَافاته مقصور، فاعتداده لفضائله التي أصبح فيها أوْحَدِي العِنَان، وزاحم فيها مَنكِب العَنَان، واستأثر فيها بالغُرَر والأوضاح، ما أوْفى بها على غُرَةَ الصباح، حتى تشاهدَتْ بها ضمائرُ القلوب، وتهادَتْ أنباءَها ألسِنَة البعيد والقريب، اعتدادَ من يَجْمَعُ بالاعتداد لها بين شهادةِ قلبه ولسانه، ومَنْ ينظم في إجلالِ قَدْرِها صفقة إسرارِه وإعلانه، فهو يتنسمُ الريح إذا هبَّتْ من ناحيته شوقاً ونزاعاً، ويَسْتَمْلي الوارد والصادِرَ خبرَ سلامته انصياعاً بالود إليه وانقطاعاً.","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"شذور من كلامه في أثناء رسائل شتى: أياديه التي غمرتني سِجَالُها، واتسَع عندي مَجالها، وأعيَا شكري عَفْوها وانثِيالها، تناولت فيها المُنَى دانيةَ القطوف، واجتليت أنوار العيش مأمونة الكسوف، ليس يكادُ يبرد غليلُ شوقي وحنيني، أو ترجع نافرة أنسي وسكوني، أو تَخْلو من الاهتمام والفكرة فيه خواطري وظنوني، إلاّ بالتقاءً يدنو أمدُه، ويَقْرُب مَوْعِدُه، وتعلو على الفراق يَدُه، فنعاوِد العيشَ طَلْقاً غزيراً، ونجتني ثمرَ المُنَى غَضًّاً نضيراً، ونَجْتَلي وجهَ الزمان مُشْرِقاً منيراً. فوائده لها عندي أثرُ الغَمام أو أنفع، ومحلُّ السِّمَاكِ أو أرفع. حالي في مفارقة حَضْرَته حالُ بنات الماء قد نَضَب عنها الغَدير، ونبات الأرض أخطأها النَوْءُ المِطيرُ. لهفي على دهر الحداثة إذ غُصْنُ شبابي غض وَرِيق، ونَقْلُ شرابي عضٌ ورِيق. كلامٌ أحلى من ريق النّحل، وأصْفى من رَيق الوبل. من تسود قبل وقته وآلته، فقد تعرَّض لِمَقْتِه وإذالته. نظمُه له: مجزوء الرمل:\rإن مَنْ يلتمس الصد ... رَ بلا وَقْتِ وآلَهْ\rلحقيق أنْ يُلَقى ... كل مَقْتٍ وإذَالهْ\rالشكلُ للكِتاب، كالحلي للكِعاب. لو كان الشبابُ فِضة لكان الشيبُ له خبثاً. النعمة عروسٌ مهرُها الشكر، وثوبٌ صَوْنُه النشر. الخضاب تذكرة الشباب. لا تقاسُ المَهاوي بالمَرَاقي، ولا الأقدام بالتَراقي، ولا البحورُ بالسواقي. كم أبلاني من عُرْفٍ جزيل لا يُبلِي الدهرُ جدةَ رِدائه، وقضاني من دَيْن تأميل لا يَقْضي الشكرُ حقَ نعمائه. الشكر للنعمة نتاج، والكُفْران لها رِتاج، وكلما زدت النعمة شكراً، زادت طيباً ونَشْراً.\rقطعة من شعره في تجنيس القوافي\rقال في أبيه: الخفيف:\rمبدعاً في شمائل المجدِ خِيماً ... ما اهتدَيْنَا لأخْذِهِ واقتباسِهْ\rفهو فظ بالمال وقت نداه ... وجواد بالعفو في وقت باسه\rوقال فيه: الوافر:\rإذا ما جادَ بالأموال ثنى ... ولم تدركه في الجود الندامه\rوإن هَجَست خواطِرُه بجمع ... لريب حوادث قال الندى مه\rوقال فيه: المتقارب:\rولما تنازع صَرْفُ الزمان ... فزِعْنا إلى سيدٍ نابِه\rإذا كشَّرَ الدهرُ عنْ نابِهِ ... كشفْنَا الحوادثَ عَنَّابِه\rوقيل فيه: السريع:\rإنْ نابنا خَطْبٌ فآراؤه ... تغني عن الجيش وتَسريبه\rوإن دَجَا ليلٌ بَدَا نورهُ ... للرَّكْبِ نَجْماً فهو يسري بهِ\rوقال يفتخر: المتقارب:\rوكم حاسد لي انْبَرى فانْثَنَى ... لِعَضَّة نَفْس شجاها شَجَاها\rومن أينَ يَسْمُو لنَيْلِ العُلاَ ... وما بَثَّ مالاً ولا رَاشَ جَاها\rومنها قوله: الوافر:\rوسائلةٍ تُسَائِلُ عن فعالي ... وعمّا حازَ في الدنيا جَمَالي\rفقلت: إلى المعالي حَن قلبي ... وفي سُبُل المكارم لجَّ مَالي\rوللعلياء نَهْجٌ مستقيمٌ ... فما لي تاركاً ذَا النَّهْجَ مَا لي\rإذا أسرجْتُ في فخرٍ سَما بي ... فَعالي والنِّجَارُ فألْجَما لي\rوقال في نوع من هذا الجنس: الطويل:\rومَنْ يَسْرِ فوقَ الأرض يطلبُ غايةً ... من المجد يسري فوق جُمْجُمَةِ النَسْرِ\rومن يختلفْ في العالمين نِجارهُ ... فإنّا من العلياء نَجْرِي على نَجْرِ\rومن يتجِرْ في المال يَكْسِب رُبْحَهُ ... فبالمال نَشْري رابحَ الحمْدِ والنَّشْر\rوعلى نحو هذا الحذو يقول أبو الفتح البستي: الوافر:\rأبا العباس، لا تحسب بأني ... لشيء من حُلَى الأشْعَار عار\rولي طَبْع كسَلْسَالِ المجاري ... زُلاَلٌ من ذُرَا الأحجارِ جَاري\rإذا ما أكْبَتِ الأدوار زَنْداً ... فلي زَنْدٌ على الأدْوَارِ وَارِي\rوقال أبو الفتح البستي أيضاً: الوافر:\rبسَيْفِ الدولة اتَّسَقَتْ أُمُورٌ ... رأيناها مُبَدَدةَ النِّظَامِ\rسَمَا وحمى بني سامٍ وحام ... فليس كمثلِه سام وحامِ\r؟ما قيل في الحاجب","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"قال بعضُ الملوكِ لحاجبه: إنك عيني التي أنْظُرُ بها، وجُنتي التي أستنيم إليها؛ وقد وليَّتك بأبي، فما تراكَ صانعاً برعيَّتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قَدْرِ منازلهم عندك، وأضَعهم لك في إبطائهم عن بابك ولزومهم خِدْمتك مواضع استحقاقهم، وأُرَتبهم حيث جعلهم ترتيبك، وأُحْسِنُ إبلاغَكَ عنهم، وإبلاغَهما عنك.\rقال: قَد وَفَيْتَ بما عليك قولاً، إن وَفَيْتَ به فعلاً؛ واللّه وليّ كفايتك ومعونتك.\rقال المهدي للفضل بن الربيع: إني قد وَلَيتُك سَتْرَ وجهي وكَشْفَه، فلا تجعل الستر بيني وبين خواصّي سبباً لضغنهم بِقُبْح ردِّكَ، وعُبُوسِ وَجْهك، وقدم أبناء الدعوة، فإنهم أوْلَى بالتقديم، وثَن بالأولياء، واجعل للعامة وَقْتاً إذا دَخلوا أعجلَهُم ضِيقُه عن التلبّث، وصرَفَهم عنِ التمكُّث.\rوقال الحسنُ بن سهل: إذا كان الملك محتجِباً عن الرعيّة، ولم ينزل الوزير نفسه منزلةً تكون وسائلُ الناس إليه أنفسَهم واستحقاقَهم دون الشفاعات والحرمات، حتى يختصَّ الفاضلَ دون المفضول، ويرتّب الناسَ على أقدارهم وأوزانهم ومعرفتهم، امتزج التدبير، واختلَت الأمور، ولم يميّز بين الصدور والأعْجَاز، والنواصي والأذناب، وكان الناسُ فَوْضَى، ووَهَتْ أسبابُ المُلْك، وانتقَضَتْ مَرَائِرُهُ، وشاعت سرائره، وإنّ أَقْرَبَ ما أرجو به صلاحَ ما أتولاه استماعي من المتنسِّمين بأنفسهم، المتوسّلين بأفهامهم، المتوصّلين بكفايتهم، وابتذالُ نفسي لهم، وصبري عليهم، وتصفحي ما توسلوا به وانتحَلوه من العقول والآَداب، والحِماية والكفاية. فمَنْ ثبتت له دَعْواه أنزلْتُه تلك المَنْزِلة، ولم أتَحيَّفْه حقه، ولا نَقصْتُه حظه، ومن قصَر عما ادَعى كانت منزلتُه منزلَة المقصّرين، ولم أخيبِ أمَلَه من مقدار ما يستحِقّه.\rوقاد بعضُ البلغاءِ: إذا أَسدَل الوالي على نفسه ستْر الحِجَاب، وَهي عَمُودُ تدبيره؛ واسترخَت عليه حمائِلُ الْحَزم، وازدلَفَتْ إليه وفودُ الذمّ، وتولى عنه رشد الرَّاجِي، ونال أمورَه خَلَلُ الانتشار، وآفةُ الإهمال، وتَسَرَّعَ إليه العائبون بلواذع ألسنتهم ودَبِيب قوارضهم.\rوحُجب سعيد بن عبد الملك عن عبيد اللّه بن سليمان فكتب إليه: سِرْتُ إلى بابك - أعزك الله - عندما حدث من أمرك، فلم يُقْضَ لقاؤك، وعلمت أن ثِقَتك بما عندي، قد مَثَّلَثْ لك حالي من السرور بنعمَةِ اللَهِ عندك، وأرَتْكَ موضعي من الاعتداد بكل ما خَصَك ووصَل إليك، فوكلت العُذْر إلى ذلك. ثم إنا نأتيك متيمَنين بطَلْعَتك، مشتاقين إلى رؤيتك، فيحجبنا عنك مُلاحظ. وهو كما علمت زَنيم الصنيعة، لَئيم الطبيعة، يحْجُبُ عنك الكِرام، ويَأْذَنُ عليك لِلئام، كلما نجَمتْ له يدٌ بيضاء، أتْبَعها يداً سوداء؛ فإن رأيت - أعزك الله - أن تصرِفَه عن باب مكارمك فعلت، إن شاء الله.\rوقال أبو السمط بن أبي حفصة: الطويل:\rفتًى لا يُبَالي المدْلِجُونَ بنُورِه ... إلى بابه أَلا تُضِيءَ الكواكبُ\rله حاجب في كل خَيْرٍ يُعِينه ... وليس له عن طالب العُرفِ حَاجِبُ\rأخذْ البيت الأول من قول جده مَرْوان بن أبي حفصة الأكبر: الطويل:\rإلى المصطفى المهديَّ خاضت ركابنا ... دُجَى الليل يخبِطْنَ السَريح المُخدَمَا\rيكون لها نور الإمامِ محمد ... دليلاً به تَسْرِي إذا الليل أظلَما\rوقال إدريس بن أبي حفصة، وذكر إبلاً: البسيط:\rلها أمامك نور تَسْتضِيء ُبه ... ومِنَ رجَائك في أعْنَاقِها حَادي\rلها أحاديث من ذِكْراك تَشغَلُها ... عن الرُتوعِ وتلهيها عن الزَّادِ\rوأصله قول عمرو بن شأس الأسدي: الطويل:\rإذا نحنُ أدلَجْنا وأَنتَ أمَامنا ... كفى لمطايَانا بوجهِكَ هَادِيا\rأليس يَزيد العِيسَ خِفةَ أَذْرع ... وإنْ كُن حَسْرَى، أَن تكُونَ أماميا\rوقال بعض أهل العصر: الطويل:\rوليل وَصَلْنَا بين قُطْرَيه بالسُرى ... وقد جَدَّ شوق مُطمْعٌ في وصالِكِ\rأَرَبَّتْ علينا من دُجَاهُ حَنَادِس ... أَعَدْن الطريقَ النهْج وَعْرَ المَسالِكِ","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"فناديتُ يا أسماء، باسمك، فانْجَلت ... وأَسْفَر منها كل أسودَ حَالِكِ\rبنا أنت من هادِ نَجَوْنا بذكره ... وقد نَشِبَتْ فينا أكُف المهالكِ\rمنحتك إخلاصي وأَصْفَيْتك الهوى ... وإن كنت لمّا تُخْطِريني بِبالِكِ\rوقال القطامي: الطويل:\rذكرتُكُمُ لَيْلاً فنوَر ذِكْرُكُم ... دُجَى الليل حتى انجابَ عَنْه دَياجِرُهْ\rفو الله ما أدْرِي أَضَوْءٌ مُسَجَّر ... لذِكْرَاكم أم يسْجُر الليلَ سَاجِره؟\rوقال القيني: الطويل:\rوإني من القومِ الذين هُمُ هُم ... إذا مات منهم سيدٌ قام صَاحِبُهْ\rنجومُ سماءً كلّما انقضَّ كوكب ... بَدا كَوْكَبٌ تأوي إليه كواكبُهْ\rأضَاءَتْ لهمْ أحسابُهمْ ووجوهُهم ... دُجَى الليل حتى نَظم الجَزْعَ ثَاقِبُهْ\rوقال الحطيئة: البسيط:\rنمشي على ضَوْءِ أحْسَابٍ أَضَأْنَ لنا ... كما أَضاءت نجومُ اللَيْلِ للسارِي\rوقد ردَده في موضع آخر فقال: الوافر:\rهُمُ القومُ الذين إذا ألَمتْ ... مِنَ الأيامِ مُظْلِمةٌ أضاءُوا\rوكلام القاسم بن حنبل المَدَني من هذا، حيث يقول: الوافر:\rمن البيض الوجوه بَنِي سِنان ... لَو أنك تستضيءُ بهمْ أَضَاءُوا\rفَلَو أنَّ السماءَ دَنَتْ لمَجْد ... ومَكْرُمَةٍ دنَتْ لهمُ السماءُ\rهمُ حازُوا من الشَّرَفِ المعلى ... ومن كَرَم العشيرة حَيْثُ شاءُوا\rوقال بعض المتقدمين: الطويل:\rإذا أشرقَتْ في جُنْحِ ليل وجوهُهُم ... كَفَوْا خَابِطَ الظلماءِ فَقْدَ المَصَابحِ\rوإنْ نابَ خَطْب أو ألمَتْ مُلمَة ... فكم ثمَ مِنْ آسِي جِراح وجَارح\rوقال أبو بديل الوضاح بن محمد التيمي في المستعين: الطويل:\rوقائلة والليلُ قد نَشَر الدُّجَى ... فغطى بها ما بين سهلِ وقردَد\rأرى بارقاً يَبْدُو من الجوْسَقِ الذي ... بهِ حلّ مِيْرَاثُ النبيِّ محمدِ\rأضاءت لهُ الآفاقُ حتى كأنما ... رأَيْنَا بنصفِ الليلِ نُورَ ضحَى غدِ\rفظلَّ عَذَارَى الحيِّ ينظمْنَ تَحته ... سُلوكاً من الجَزع الذي لم يسَرَد\rفقلت: هو البَدْرُ الذي تعرفونه ... وإلاّ يَكُنْ فالنور من وجهِ أحمدِ\r؟؟ما قيل في الاشتياق\rوقال عُمَر بن عبد الله بن أبي ربيعة في معنى قول عمرو بن شأس في حثً الاشتياق: الطويل:\rخليليَّ، ما بالُ المطايا كأنما ... تَراها على الأعْقَابِ بالْقَومِ تَنْكُصُ\rفقد أتْعَب الحادي سُراهُنَّ، وانحنىبهنَ فما بَالَوْا عجول مقلّصُ\rوقد قُطِّعَت أعناقُهن صَبَابَةَ ... فأعْيُنُهَا ممّا تكَلَّفُ تَشْخَصُ\rيَزِدْنَ بنا قُرباً فيزدادُ شَوْقُنَا ... إذا ازدادَ قُرْبُ الدارِ والبُعد يَنْقُصُ\rوقال بعض الرجاز، وذكر إبلاً: الرجز:\rإن لها لسائقاً خَدَلجا ... لم يُدْلج الليلةَ فيمَنْ أَدْلَجا\rيريد امرأة يحبّها فيحثه ما يجدُه من الشوق على إجهاد مطاياه بالسوق. كما أنشد إسحاق الموصلي: البسيط:\rصبّ يحث مطاياهُ بذكْرِكُم ... وليس يَنْسَاكُمُ إنْ حَل أو سَارَا\rلو يستطيعَ طوَىَ الأيام نحوكُمُ ... حتى يبيعَ بعُمْرِ القُرْبِ أعمارا\rيرجو النجاةَ من البلوىَ بقربكُم ... والقربُ يُلْهِبُ في أحشائِه نَارَا\rهذا البيت يناسب أبيات أبن أبي ربيعة. يقول: كلما دنا ازدادَ حِرْصاً على اللقاء.\rوشخَصَ إسحاق الموصلي إلى الواثق بسُرَّ من رأى، وأهُلُهُ ببغداد، فتصيد الواثق وهو معه إلى نواحي عُكْبَراء، فلما قرب من بغداد قال: الوافر:\rطربتَ إلى الأصَيْبِيَة الصّغار ... وهاجَكَ منهم قُرْبُ المَزَارِ\rوكلّ مسافر يَزْداد شوقاً ... إذَا دَنَتِ الديارُ من الدَيارِ","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"ولحَّنه وغناه الواثق، فاستحسنه وأطربه، فصرفه إلى بغداد على ما أحَبّ وكان إسحاقُ قال أولاً: الوافر:\rوكل مسافر يَشْتاقُ يوماً ... إذا دَنتِ الديارُ من الديارِ\rفعابوا قوله يوماً، وقالوا: هي لفظة قَلِقة في هذا الموضع، لم تحلّ بمركزها، ولا لها هنا موقع. قال: فضَعُوا مكانها مِثْلَها لا خيراً منها. فما استطاعوا ذلك، فغيّرها إلى ما أنشدت أولاً.\rوقال أبو نواس: الكامل:\rأما الدِّيار فقلما لَبِثُوا بها ... بين اشتياق العِيسِ والرّكبان\rوضعوا سِياطَ الشَوْقِ فوق رِقابها ... حتى طلَعْنَ بها على الأوْطانِ\rوقال مَخْلَد بن بكار الموصلي: الطويل:\rأقُولُ لِنِضْوٍ أنْفَدَ السَير نيهَاً ... ولم يبقِ منها غَيرَ عَظْمٍ مجلّدٍ\rخدِي بي ابتلاك الله بالشَوْقِ والهوَى ... وشَاقَك تَحْنَانُ الحَمامِ المغَردِ\rفمرَت سريعاً خَوْفَ دَعْوَةِ عاشق ... تَشُقّ بِيَ المَوْماةَ في كلِّ فَدْفَدِ\rفلما وَنَتْ في السير ثنَيْتُ دَعْوَتي ... فكانت لها سَوْطاً إلى ضحْوَةِ الْغَدِ\rوكان مخلد حلو الطبع، وهو القائل يمدحُ رجلاً: الرمل:\rيَطْلُعُ النَجْمُ على صعْدَته ... فإذا واجَه نحراً أفلا\rمَعْشرٌ إن ظَمِئَتْ أرماحهُمْ ... أَوْرَدُهنَّ مُجَاجَاتِ الطلى\rتَحْسُنُ الألوانُ منهم في الوَغَى ... حين تَسْتَنكر للرُّعْبِ الحُلَى\rسُخط عبد اللّه يُدْني الأَجلا ... ورِضَاهُ يَتَعَدى الأَملاَ\rيُعشب الصَّلْدَ إذا سالمهُ ... وإذا حارَب رَوْضاً أَمْحَلاَ\rمَلِكٌ لو نُشّرت آلاؤه ... وأياديه على الليل انجلى\rحَل بالبَأْس ابنُ عَمرو منزلاً ... طال حتى قَصُرَتْ فيه العُلاَ\rحطَّ رَحْلي في ذَرَاه جُوده ... وتَمشَى في ندَاهُ الْخَيْزلَى\rفي الخط\rسئِل بعضُ الكتاب عن الخط: متى يستحق أن يوصفَ بالجودة؟ فقال: إذا اعتدلَت أقسامُه، وطالت ألِفُه ولاَمُه، واستقامت سطورُه، وضَاهَى صعودَه حُدُورُه، وتفتَّحَتْ عيونُه، ولم تشتبه رَاؤه ونونُه، وأشْرَقَ قِرْطاسه، وأظلمت أنْفاسه، ولم تختلف أجْناسه، وأسرع إلى العيون تصوُرُه، وإلى العقول تَثَمُرُه، وقُدِّرت فصوله، وانْدَمَجَتْ وُصُوله، وتناسب دقيقُه وجَلِيله، وخرج من نَمَطِ الورّاقين، وبَعُدَ عن تصنعِ المحررين، وقام لصاحبه مقام النسبة والحليَة، كان حينئذ كما قال صاحب هذا الوصف في صفة خط: المتقارب:\rإذا ما تجلّل قِرْطَاسه ... وساوَرَه القلمُ الأرْقَشُ\rتَضمَّنَ منْ خَطِّهِ حُلّةً ... كنَقْشِ الدنانير، بَلْ أنْقَشُ\rحروف تُعِيدُ لعين الكَليل ... نشاطاً ويقرؤها الأخْفَش\rقال أبو هفان: سألت ورَاقاً عن حاله فقال: عيشي أضيق من مِحْبَرة، وجسمي أدقّ من مِسْطرة، وجَاهي أرقُّ من الزجاج، ووَجْهي عند الناس أشدِّ سواداً من الحبر بالزَّاج، وحظي أخْفَى من شقّ القلم، ويَدَاي أضْعَف من قَصَبَة، وطعامي أمرّ من العَفْص؛ وشَرَابي أحرّ من الحبر، وسوءُ الحال ألزمُ لي من الصَمْغ؛ فقلت له: عبرتَ عن بلاء ببلاء!.\rوقال الحمدوني: البسيط:\rثِنتانِ من أدَوَاتِ العِلْمِ قد ثنتا ... عِنَانَ شَأْوِي عما رمتُ مِنْ هِمَمي\rأما الدَواةُ فأَدْمَى جرْمُها جَسَدي ... وقلّم الحظّ تحريفٌ مِنَ القَلمِ\rوحَبرَتْ لي صحْف الحرف مِحْبَرة ... تَذودُ عَنِّي سَوَامَ المالِ والنعمِ\rوالعِلْمُ يَعْلَمُ أني حِينَ آخذُهُ ... لعصمتي نَافِرٌ خِلْوّ من العِصَمِ\rوللحمدوني في الحرفة أشعار مستظرفة؛ وكان مليح الافتنان، حلو التصرف؛ وهو إسماعيل بن إبراهيم بن حَمْدَويه، وحمدويه جدّه، وهو صاحب الزنادقة في أيام الرشيد، والحمدوني القائل: السريع:\rمَنْ كان في الدنيا له شَارةٌ ... فنَحْنُ من نَظّارةِ الدنيا","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"نَرْمُقها مِن كَثَبٍ حسْرَة ... كأننا لَفْظٌ بلا مَعْنَى\rوقال: الكامل:\rقد قُلْتُ إذْ خرجوا لكي يستَمْطِروا: ... لا تَقْنَطوا واستمطِرُوا بثيابي\rلو في حَزيرانٍ همَمْتُ بغَسْلِها ... غَطّى ضياءَ الشمس جو سَحاب\rفكأنها العباسُ يَسْتَسْقي به ... عُمَرٌ فيرويهمْ دُعاءُ مُجَابِ\rصنعة الأدب\rوقال آخر في المعنى الأول: البسيط:\rلما أجدْتُ حروفَ الخط حَرَّفَنِي ... عن كل حظ وجاءت حِرْفَةُ الأدبِ\rأقْوَت منازلُ مالي حين وطّنَها ... مخيماً سَفَطُ الأقلامِ والكُتُبِ\rوقال يعقوب الخريمي: البسيط:\rما ازْدَدْتُ في أدَبي حَرْفاً أُسَرُّ به ... إلا تزيدْت حَرْفاً تحته شُومُ\rكذاك من يَدَّعي حُذقاً بصنعَته ... أنَّى توجهَ فيها فَهْوَ مَحْرُومُ\rولما قتل المقتدر أبا العباس بن المعتز، وزعم أنه مات حَتْفَ أنفه، قال عليّ بن محمد بن بسام: البسيط:\rلله دركَ مِنْ مَيْتٍ بمَضْيَعَة ... ناهيكَ في العلم والآَداب والحسَبِ\rما فيه لَوّ ولا لَيْتٌ فينقصهُ ... وإنما أدركَته حرفة الأدب\rقال ابن الرومي: الكامل:\rيا ليت أهل البيتِ إذْ حُرِموا ... عُصِمُوا من الشهوات والفتن\rلكنهم حُرِموا وما عُصِموا ... فقلوبهم مَرضَى الحزنِ\rوهُمُ أطَبُّ على بَلِيّتهمْ ... من غيرهم بمَضَاضَة الشجَن\rوقال جعفر بن محمد: إن الله وسَع أرزاقَ الحَمقَى ليعتبرَ العقلاء، ويعلموا أن الدنيا لا يُنَالُ ما فيها بعَقْل ولا حيلة، ألاَ إنَّ كسب المال بالحظّ، وحِفظَه بالعقل.\rقال إبراهيم بن سيّار النظام: الذهبُ لئيم؛ لأنَ الشكلَ يصير إلى شَكلِه، وهو عند اللئام أكْثَرُ منه عند الكرام. قال المتنبي - وأخذ هذا المعنى: الوافر:\rوشِبْهُ الشيءِ مُنْجَذِب إليهِ ... وأشبَهنَا بِدنيَانَا الطغَام\rوكان النظام له نظر بوجوهِ التصرّف، وكان السلطان يَصِفه بالكثير، وكان محظوظاً؛ فإذا اجتمع له مال حَبَسَ لنفسه بُلْغة، وفرَّق الباقيَ في أبواب المعروف؛ فقيل له في ذلك، فقال: مِنْ حقِّ المالِ عليَ أن أطلُبَه من مَعْدنه، وأصيب به للفُرْصَةَ عند أهله؛ ومن حقِّي عليه أنْ يَقِيني السوء بنفسه، ويصونَ عِرْضي بابتذاله، ولا يفعل ذلك إلاَ بأن أسمح به؛ ألا ترى ذا الغنى؛ ما أدْوَم نَصبه، وأقلَّ راحته، وأخرَّ من ماله حَظّه، وأشد من الأيام حذَره، وأغْرى الدهر بثَلْبِه ونَقْصِه، ثم هو بين سلطان يَرْعاه، وذوي حقوق يسبُّونه وأكفاء ينافسونه، وولد يريدون فِرَاقَه، قد بعث عليه الغِنَى من سلطانه العَناء، ومن أكفائه الحَسَد، ومن أعدائهِ البَغْي، ومن ذوي الحقوقِ الذمّ، ومن الولدِ المَلاَلَ، وذو البلغة قِنعَ فدام له السرور، ورفض الدنيا فسَلِمَ من المحذور، ورَضِي بالكفاف فتنكّبَته الحقوق.\rأدوات الورّاق\rقال الصولي: أنشدني محمد بن أحمد بن إسحاق: السريع:\rأدْمى البُكا جَفْنَيَّ والمآقي ... فظَلْتُ ذَا هَمٍّ وذا اختِرَاقِ\rما إن أرى في الأرض والآفاقِ ... أدْنَى ولا أشقَى من الورَّاقِ\rإذا أتى في القُمُصِ الأخْلاقِ ... رأيته مطيرة العُشَّاقِ\rيفرح بالأقلام والأوراق ... كفرْحَةِ الجندي بالأرزاق\rوقال بعض الوراقين: المتقارب:\rإذا كنتَ بالليلِ لا أكْتُبُ ... وطول النهار أنَا ألعبُ\rفطوراً يبطّلني مَأكَلٌ ... وطوراً يبطّلني مَشْرَبُ\rفإنْ دامَ هذا على ما أرى ... فبيتيَ أوَّل ما يَخْرب\rوقيل لورّاق: ما تَشتَهي؟ فقال: قلماً مَشَاقاً، وحِبْراً بَرَاقاً، وجلوداً رِقَاقاً. وكل امرئ فأمنيته على ما يطابِقُ غريزته، ويوافِقُ نَحِيزته.\rاللذات\rقال عليّ بن جبلة العكوك: قال الأصمعي: سُئِل امرؤ القيس: ما أطيب لذّات الدنيا؟ قال: بيضاء رغبوبة، بالحسن مكبوبة، وبالشَحْم مكروبة، بالمِسْكِ مَشْبُوبة.","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"وسئل الأعشى عن ذلك، فقال: صَهْبَاء صافية، تمزُجُها سَاقية، من صَوْبِ غادية.\rوسئل طرفة عن ذلك، فقال: مركب وَطيّ، وثَوْبٌ بَهِي، ومطعم شهي.\rقال العكوك: فحدَثت بهذا أبا دُلَف، فقال: الخفيف:\rأطيبُ الطيّبات قَتْلُ الأعادِي ... واختيال على مُتُونِ الجِيَادِ\rورَسول يَأْبَى بوَعْد حبيبٍ ... وحبيبٌ يَأْتي بلا ميعادِ\rوحدَثت بذلك حُميداً الطوسي، فقال: الطويل:\rفلولا ثلاثٌ هنَّ مِنْ لَذَّةِ الفَتَى ... وجدِّك، لم أحْفلْ متى قام عُوَدِي\rفمنهن سَبْقُ العَاذلاتِ بِشَرْبةٍ ... كُميْت، متى ما تُعْل بالماء تزْبِدِ\rوكَرَي إذا نادى المُضَافُ مُحنَباً ... كَسِيد الغَضا ذي السَوْرة المتوَرَدِ\rوتقصيرُ يَوْمِ الدَجْنُ مُعْجِبٌ ... ببَهْكَنَةٍ تحت الخِبَاء المعَمَّدِ\rالشعر لطرفة بن العبد.\rوحدثت بذلك يزيد بن عبد الله، فقال: ما أدري ما قالوا، ولكني أقول: المنسرح:\rفَاقْبَلْ من الدَّهْرِ ما أتاكَ بِهِ ... مَنْ قَرَ عينا بِعَيْشِه نَفَعَهْ\rفكان أسدَهم.\rوالبيت للأضبط بن قُرَيع، أنشده أبو العباس ثعلب، قال: وبلغني أن هذه الأبيات قيلت قبل الإسلام بدَهْرٍ طويل: المنسرح:\rلكل ضيق من الأُمور سَعَهْ ... والصبحُ والمُسْيُ لا فلاحَ مَعهْ\rما بالُ مَنْ سره مصابُك لا ... يَمْلِك شيئاً من أمْرِهِ وَزَعَهْ\rأذُود عن حَوْضِه ويَدْفعُني ... يا قوم، مَن عاذِري من الخَدَعَهْ؟\rحتى إذا ما انجلتْ عَمايَتهُ ... أقْبَل يَلْحَى وغَيه فَجَعه\rقد يجمعُ المالَ غيرُ آكلهِ ... ويأكلُ المالَ غيرُ من جَمَعهْ\rويقطعُ الثوبَ غيرُ لابسهِ ... ويلبسُ الثوبَ غيرُ مَن قَطَعه\rفاقْبَلْ من الدَّهْرِ ما أتَاك بهِ ... مَنْ قر عيناً بعيشه نَفَعَهْ\rوصِلْ حبالَ البعيد إنْ وَصَلَ الْ ... حَبْلَ، وأقْصِ القريبَ إنْ قَطَعَهْ\rولا تُعَادِ الفقيرَ عَلكَ أنْ ... تَرْكَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعهْ\rهذا البيت شبيه بما روي عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثيراً ما يستنشدني قول اليهودي: الكامل:\rارفعْ ضعيفك لا يَحُرْ بكَ ضعفهُ ... يوماً فتُدْرِكَه العواقب قد نما\rيجْزِيك، أو يُثْنى عليك، وإن مَن ... أثْنَى عليك بما فَعَلْتَ كمَنْ جَزَى\rفأنشده، فيقول: إني فطِن لها.\rوكان الأضبط سيد بني سعد، وكانوا يشتمونه ويؤذونه، فانتقل إلى حي من العرب فوجدهم يؤذون سادتهم، فقال: حيثما أوجّه ألق سعداً! فذهبت مثلاً. قال الطائي: الطويل:\rفلا تَحْسِبَنْ هنداً لها الغَدْرُ وحدها ... سجيةُ نَفْسٍ، كل غانِيةٍ هِندُ\rوصف المحبرة والقلم\rقال بعضُ الكتاب يصف محبرة: الكامل:\rولقد مضَيْتُ إلى المحدِّث آنفاً ... وإذا بحضْرَته ظِباءٌ رُتَّعُ\rوإذا ظِبَاءُ الإنْسِ تكتُبُ كل ما ... يُمْلَى، وتحفظ ما يقول وتَسْمَعُ\rيتجاذبون الحِبْرَ من ملمومةٍ ... بيضاءَ تحمِلُها عَلائِقُ أربعُ\rمن خالص البَلّورِ غُيِّر لَوْنها ... فكأنها سبَجٌ يَلوحُ ويَلْمَعُ\rإنْ نكَّسوها لم تَسِلْ، ومليكها ... فيما حوَتْهُ عاجلاً، لا يَطْمَعُ\rومتى أمالوها لِرَشْفِ رُضابها ... أداه فُوهَا وهي لا تتمنَعُ\rوكأنها قَلْبي يَضِن بسِرَه ... أبداً، ويكَتمُ كل ما يُسْتودَعُ\rيَمْتَاحُها ماضِي الشبَاة مُذَلق ... يجري بميْدَانِ الطّرُوس فيُسْرعُ\rرِجْلاَهُ رأسٌ عنده لكِنَّه ... يلقاه برد حَفَاهُ ساعةَ يقطَعُ\rوكأنَّه والحِبْرُ يَخْضِبُ رأسهُ ... شيخٌ توَصْلِ خريدةٍ يتَصَنَّع\rلِمَ لا أُلاحظه بعَيْنِ جلالةٍ ... وبه إلى اللهِ الصحائفَ ترفع؟","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"وقال أبو الفتح كشاجم: المنسرح:\rمِحْبَرة جَادَ لي بها قَمَرٌ ... مستَحسَنُ الخَلْقِ مرتضى الخلقِ\rجوهرة خَصني بجوهرةٍ ... ناطَتْ له المكرمات في عنقي\rبيضاء والحِبرُ في قَرَارَاتِها ... أسْوَدُ كالمِسْك جِد منفَتِقِ\rمثل بياضِ العيون زَيّنَهُ ... مُسْوَدُ ما شَابَه مِنَ الحَدَقِ\rكأنما حِبرُهَا إذا نَثَرَتْ ... أقلامُنَا ظِلَّه على الوَرَقِ\rكحْلٌ مَرَته العُيُونُ مِنْ مُقَل ... نُجْل فأَوْفَت بِهِ على يَقَقِ\rخَرْسَاء لكنَّها تكون لنَا ... عَونَاً على عِلم أفصح النُّطُقِ\rوقال عبد الله بن أحمد: القلم أمْرَهُ، ما لم يَكتَحِل بإثمِد الدَّوَاة.\rوكتب إبراهيم بن العباس كتاباً فأراد مَحو حرف فلم يجد منديلاً، فمحاه بكُمِّه فقيل له في ذلك، فقال: المالُ فَرْعٌ ، والعلمُ أصل، وإنما بلَغنَا هذه الحال، واعتقدنا هذه الأموال بهذا القلم والمداد، ثم قال: الوافر:\rإذا ما الفكرُ أضْمَرَ حُسْنَ لَفظٍ ... وأدَّاه الضميرُ إلى العِيانِ\rووَشّاهُ ونَمْنَمَه مسَدٍّ ... فصيحٌ بالمَقَالِ وباللَسان\rرأيت حُلَى البيانِ منوّراتٍ ... تَضَاحَكُ بينها صوَر المعاني\rألفاظ لأهل العصر في أوصاف آلات الكتابة والدويِّ والأقلام.\rالدواة من أنفع الأدوات، وهي للكتابة عتَاد، وللخاطر زنَاد، غدير لا يرِدُه غَيْرُ الأفهام، ولا يمتح بغير أَرشية الأقلام، دواة أنيقة الصَّنْعَة، رَشيقة الصبغة، مسكيّة الجلد، كافُورِية الحِلْية. غدير تفيض ينابيعُ الحِكْمَة من أقْطَاره، وتنشأ سُحُبُ البلاغة مِنْ قراره. دواة تداوي مرض عفاتك، وتدوي قلوب عداتك، على مرفع يؤذن بدوام رفعتك، وارتفاع النوائب عن ساحتك، ومداد كسواد العَيْنِ، وسُوَيْداءِ القلب، وجناح الغُرَاب، ولعابِ الليل، وألوانِ دهمِ الخيل. وهذا من قول ابن الرومي: الرجز:\rحبر أبي حَفصٍ لعَاب الليلِ ... كأنه ألوانُ دُهْمِ الخيلِ\rقال العاصر: مِدادٌ ناسب خافِية الغُرَاب، واستعار لونَه من شَرْخِ الشباب، وأقلام جَمَة المحاسن، بعيدة من المَطَاعِن، تعاصي الكاسي، وتمانِع الغامِزَ الْقَاسِي. أنابيب ناسبت رِماح الخطِّ في أجْناسها، وشاكلت الذهبَ في ألوانها، وضاهَت الحديدَ في لمعانها؛ كأنها الأميالُ استواءً، والآجالُ مَضاءً، بطيئة الحَفى، قوية القُوَى، لا يُشظيها القَطُ، ولا يتشعَّبُ بها الخطُ. أقلام بحرية مَوْشِيَّةُ اللِّيط، رائقة التخطيط. قلمٌ معتدل الكُعُوب، طويل الأنبوب، باسِقُ الفروع، رَوِيً اليَنْبُوع، هو أَوْلَى باليد من البَنَانِ، وأَخْفَى للسرّ من اللِّسان. هو للأنامل مطيّة، وعلى الكتابة معونة مَرْضِيّة. نعم العُدَة القلم: يقلم أظافِرَ الدَّهر، ويملك الأقاليم بالنَّهْي والأمر، إن أرَدْتَ كان مسجوناً لا يملّ الإسار، وإن شئتَ كان جواداً جارياً لا يعرفُ العِثار، لا ينْبُو إذا نَبَتِ الصِّفَاح، ولا يُحْجِمُ إذا أحجمت الرِّمَاح.\rقال أبو الفتح كشاجم، يصف محبرة ومقلمة وأقلاماً وسكيناً: الرجز:\rجسمي من اللَّهْو وآلاتِ الطرَبْ ... ومن عَتَادٍ وثَرَاءً ونَشَبْ\rومن مُدَام ومَثَانٍ تَصْطَحِبْ ... وهمّةٍ طمّاحةٍ إلى الرُتَبْ\rمَجَالسٌ مَصُونَة مِنَ الرِّيَبْ ... معمورةٌ من كلِّ عِلْمِ وأدَبْ\rتكَادُ مِنْ حَرِّ الحديثِ تَلْتَهِبْ ... شِعْراً وأخباراً ونحواً يقتضبْ\rولغةً تجمعُ ألْفَاظَ العربْ ... وفقَراً كالوَعْدِ في قَلْبِ المُحِبْ\rأو كتأتِّي الرزق مِنْ غيرِ طلبْ ... أجَلْ، وحَسْبِي من دُوِيٍّ تُنتخَبْ\rمحلَّيات بلُجَيْنٍ وذهَبْ ... محْبَرَة يُزْهَى بِهَا الحِبْرُ الألَبّ\rمثقوبة آذَانُها، وفي الثقُب ... مثل شُنُوفِ الخُرَدِ البيض العُرُب\rتضمن قطراً للكَتْب عشُبْ ... أَسْوَد يَجْري بمعانٍ كالشُهُبْ","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"لا تَنْضُب الحكمةُ إلاَ إنْ نَضَبْ ... نِيطَتْ إلى يُسْرَى يَدَيَّ بِسَبَبْ\rكالقُرْطِ في الجيدِ تَدَلّى فاضْطَرَبْ ... تصحبها، والأخَواتُ تُصْطَحَبْ\rكأنه يودع نَبْلاً من قَصَبْ ... لم يَعْلُها رِيشٌ ولم تَحْمِلْ عَقَبْ\rلا تَضْحَكُ الأوْرَاقُ حتى يَنتحِبْ ... تَرْمي بها يمنايَ أعْراضَ الكُتُبْ\rرمياً متى أقْصِدْ به السمْتَ أُصِب ... ومُدْية كالعَضْبِ ما مَسَ القَصَبْ\rغَضْبَى على الأقْلاَم من غير سبَبْ ... تَسْطُو بها في كل حينٍ وتَثِبْ\rوإنما ترْضيكَ في ذاك الغَضبْ ... فتلك آلاتي، وآلاتي تُحَبّ\rوالظّرْفُ في الآلاتِ ممّا يُسْتَحَبّ ... لا سيما ما كان مِنْها للأدَبْ\rمن أخبار الخليفة المأمون\rتظلم رجلٌ إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترك لي فِضة إلاَ فضَها، ولا ذهباً إلاّ ذهب به، ولا غلَّة إلا غَلّها، ولا ضَيعَةً إلا أضاعها، ولا عِلْقاً إلا عَلِقًه، ولا عَرَضاً إلا عَرض له، ولا ماشية إلا امْتشَّها، ولا جليلاً إلاَ أجْلاَه، ولا دقيقاً إلا أدَقَّه، فعجب من فصاحته وقضى حاجَتَه.\rقال عمرو بن سعد بن سلم: كانت علي نوبة أنوبها في حرس المأمون، فكنتُ في نوبتي ليلةً فخرج متفقّداً مَنْ حَضَر، فعرفته ولم يعرفني، فقال: من أنت؟ قلت: عَمْرو، عمرك الله، ابن سعيد، أسْعَدك الله، ابن سلم، سلمك الله. فقال: تكلَؤُنا منذ الليلة. قلت: الله يَكْلَؤُك قَبْلي، وهو خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.\rفقال المأمون: الرجز:\rإن أخاك الحقّ من يَسْعَى مَعَكْ ... ومَن يَضُرُ نَفسَه لينْفَعًك\rومَنْ إذا صَرفُ زمان صَدَعَك ... بَدد شَملَ نَفْسِهِ ليجمَعَكْ\rوصف الروض والزهور\rوقال علي بن العباس الرومي: الكامل:\rخَجِلتْ خُدودُ الوَرْدِ من تَفْضِيله ... خجلاً تَوَرُدها عليه شَاهِدُ\rلم يخجل الوردُ المورَدُ لونه ... إلا وناحِلُه الفضيلةَ عَانِدُ\rللنرجس الفَضْلُ المبين إذا بَدَا ... بين الرياض طريفه والتَّالدُ\rوكان ابنُ الرومي متعصباً للنرجس، كثير الذمِّ للورد، وكتب إلى أبي الحسن ابن المسيب: الكامل:\rأدْرِك ثِقَاتكَ إنهم وَقعوا ... في نَرْجِسِ معه ابْنَةُ العِنَبِ\rفهُمُ بحالٍ لو بَصُرْتَ بها ... سبحْتَ من عُجْبٍ ومن عَجَبِ\rرَيْحَانُهُمْ ذَهبٌ على دُرَرٍ ... وشرابُهُمْ دُرٌ على ذهَبِ\rفي رَوْضَةٍ شَتْوِية رَضعَتْ ... دَرَ الحيا حَلَباً على حَلَب\rواليومُ مَدْجُونٌ فَحُرَتُهُ ... فيهِ بمُطَّلَعٍ ومُحْتَجب\rظلت تسامرنا وقد بَعَثَت ... ضوءاً يلاحِظنا بلا لَهَبِ\rوكان كِسْرى أنو شروان مُسْتَهْتراً بالنرجس، وكان يقول: هو ياقوت أصفر، بين در أبيض، على زمرد أخضر، نقله بعض المحدثين فقال: الطويل:\rوياقوتة صفراء في رأسِ دُرَة ... مركَبة في قائمٍ مِن زَبَرْجَدِ\rكمثل بهي الدر عقد نظامها ... نَثيرُ فِرندٍ قد أطاف بِعَسْجدِ\rكأن بقايا الطلِّ في جَنَباتِها ... بقيةُ دَمع فوق خَدً مورَدِ\rرجع إلى ابن الرومي: الكامل:\rفَضلُ القضيةِ أن هذا قائد ... زَهَر الربيع وأنَ هذا طاردُ\rشتانَ بين اثنين: هذا مُوعدٌ ... بتَصرُمِ الدنيا، وهذا وَاعدُ\rفإذا احتفظتَ به فأمتَعُ صاحبٍ ... بحياته، لو أن حيا خالِدُ\rينهى النديمَ عن القبيح بلَحظِهِ ... وعلى المُدَامَةِ والسَماعِ يُسَاعِدُ\rاطلب بعَقْلك في الملاح سَميه ... أبداً؛ فإنك لا محالة واجِد\rوالوردُ إن فتَّشت فردٌ في اسمه ... ما في الملاَح له سمي واحد\rهذي النجوم هي التي ربَّينها ... بحَيَا السحابِ كما يربي الوالد","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"فانْظُرْ إلى الولدين، مَنْ أدناهما ... شبَهاً بوالده فذاك الماجد\rأين الخدود من العيون نفاسةً ... ورياسةً، لولا القياس الفاسد؟\rوقد ناقضه جماعةَ من البغداديين وغيرهم في هذا المذهب، وذهبوا إلى تفضيل الوردِ؛ فما دانَوه وما استطاعوه.\rقال أحمد بن يونس الكاتب راداً عليه: الكامل:\rيا مَنْ يُشَبِّه نَرْجِساً بنواظرٍ ... دُعِجِ، تنبه إنَّ فهمَك راقد\rإنّ القياسَ لمن يصحُّ قياسهُ، ... بين العيون وبينه متَباعد\rوالوردُ أصدقُ للخدودِ حكايةً ... فعلامَ تَجحَد فَضلَه يا جاحد؟\rمَلك قصير عُمْرُه مُسْتَأهِل ... تخليده، لو أنّ حياً خالد\rإنْ قلت إنَّ الوردَ فَرد في اسمه ... ما في المِلاح له سميَّّ واحِد\rفالشمسُ تُفْرَدُ باسمها والمشترَي ... والبدر يُشرَك في اسمه وعطَارِد\rأو قلت إنّ كواكبا ربينها ... بحَيَا السَحَابِ كما يُربِّي الوالد\rقلنا أحقّهما بِطَبْع أبيه في ال ... جَدْوَى هو الزَّاكِي النجيبُ الرَّاشد\rزُهْرُ النجومِ تَرُوقُنا بضِيائها ... ولها منافعُ جمة وعَوَائِدُ\rوكذلك الوَرْدُ الأنِيقُ يَرُوقُنَا ... وله فضائلُ جَمَّةٌ وفَوَائِدُ\rوخليفه إن غاب ناب بنَفْعِه ... وبنفحه أبداً مقيم راكِدُ\rإنْ كنْتَ تُنكِرُ ما ذَكَرْنا بعدما ... وضَحَت عليه دلائل وشَواهِدُ\rانْظُرْ إلى المصْفَرِّ لوناً منهما ... وافطنْ فما يَصْفَرُ إلاّ الحاسِدَ\rنبذ من النظم والنثر\rفي صفات النَّور والزهر\rقال عليّ بن الجهم: البسيط:\rلم يضحَك الوردُ إلا حين أعْجَبَه ... حُسنُ الرِّياضِ وصوت الطائرِ الغَرِدِ\rبدا فأَبْدَتْ لنا الدنيا محاسِنَها ... وراحَتِ الرَّاحُ في أثوابها الجُدُدِ\rوقابلَته يد المُشتَاقِ تسْنِدهُ ... إلى الترائب والأحشاءِ والْكَبدِ\rكأن فيه شفاءً من صَبَابتِه ... أو مانِعاً جَفْنَ عينيه مِنَ السُهُدِ\rبين الندِيمين والخلَين مَصْرَعُه ... وسَيرُه مِن يَدٍ موصولةٍ بِيَدِ\rما قابلت طَلعَة الرَّيحانِ طَلعته ... إلا تبينتَ فيه ذِلَّة الحسدِ\rقامَت بحجته ريح معَطَرَة ... تَشفي القلوبَ من الأوْصابِ والكَمَدِ\rلا عذبَ اللَه إلاّ من يعَذِّبه ... بمسِمع باردٍ أو صَاحبَ نكِدِّ\rوكان أردشير بن بابك يصف الورد ويقول: هو درّ أبيض، وياقوتٌ أحمر، على كراسي زَبرجَد أخضر، توسطه شذورٌ من ذَهبٍ أصفر، له رِقة الخمر، ونفحات العِطر، أخذه محمد بن عبد اللّه بن طاهر فقال: البسيط:\rكأنهن يواقيتٌ يُطِيفُ بها ... زُمُرُّد وسْطَه شَذرٌ مِنَ الذَّهَبِ\rفَاشْرَبْ على مَنْظَرٍ مستظْرَفٍ حَسَن ... من خَمْرَةٍ مَزة كالجَمْرِ في اللَّهَبِ\rوقال يزيد المهلبي: أحَب المتوكل أن ينادمَه الحسين بن الضحاك، الخليع البصري، وأن يَرَى ما بَقيّ من ظَرْفِه وشهوته لما كان عليه، فأحضره وقد كبر وضعُفَ، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسْقِه؛ فسقاه وحيّاه بوَردَة، وكانت على شفيع أثوابٌ، فمدّ الحسين يده إلى دِرْع شفيع، فقال المتوكل: أتخمش غُلاَمي بحضرتي؟ كيف لو خَلَوْتَ به! ما أحوجَكَ يا حسينُ إلى أدب! وكان المتوكل غمز شفيعاً على العبث به، فقال حسين: سيدي، أريد دواة وقرطاساً؛ فأمر له بهما، فكتب: الطويل:\rوكالوردة البيضاء حَيا بأَحْمَرٍ ... من الوَرْد يسعى قي قَرَاطِقَ كالوَرْدِ\rله عَبَثَات عند كلِّ تحيةٍ ... بِكفّيْهِ يستَدعي الخلِيَّ إلى الوَجْدِ\rتمنّيت أنْ أُسْقى بكفّيه شَربةً ... تذكرني ما قد نسيتُ من العَهدِ","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"سَقَى اللَّه عيشاً لم أنَمْ فيه ليلةً ... من الدهر إلاَّ من حبيب على وَعْدِ\rثم دفع الرقعةَ إلى شفيع، وقال: ادْفَعْها إلى مولاك؛ فلمّا قرأها استملحها، وقال: لو كان شفيع ممن تَجُوز هِبَتُه لوهَبْتُه لك، ولكن بحياتي يا شفيع إلاّ كنت ساقيهُ بقيَّة يومه! وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف.\rقال يزيد المهلبي: فصرتُ إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، فقلت: ويحك! أتدري ما صنعت؟ قال: لا أدَعُ عادتي بشيء، وقد قلت بعدك: مجزوء الخفيف:\rلا رَأى عطفة الأحِبْ ... بَةِ مَنْ لا يصرحُ\rأصْغَرُ الساقيَيْن أَش ... كَلُ عِنْدي وأمْلَحُ\rلو تراه كالظبي يَسْ ... نح طَوْراً ويَبْرَح\rخِلْتَ غُصْناً على كثب ... بٍ بنَوْرٍ يُوَشحُ\rقال الصولي: وكأن الأول من أبيات الحسن من قول العباس بن الأحنف: الكامل:\rبيضاء في حُمْرِ الثيابِ كوَرْدَةٍ ... بيضاء بين شقائقِ النعمانِ\rتهتزُّ في غَيَدِ الشباب إذا مَشَتْ ... مثل اهتزازِ نَوَاعِمِ الأغْصَانِ\rقال أبو بكر الصولي: كان عند الخصي الوزير ظبي داجن ربيب في داره، فعمد إلى نيلوفر فأكله، فاستملح الغزال وأنسه، وقال: لو عمل في أُنْس هذا الغزال وفعله بالنيلوفر لاشتمل العمل على معنًى مليح! فبلغ الخبر أبا عبد الله إبراهيم ابن محمد بن عرفة نفطويه، فبادر لئلاّ يُسبق، وعمل أبياتاً أولها: الطويل:\rجرَتْ ظَبْيَة غنَّاء تَرْعَى برَوْضَةٍ ... تَنُوشُ لدَى أفْنَانِها ورَقاً خُضْرا\rفي أبيات غير طائلة، فاستبرد ما أتى، قال الصولي: فقلت: الطويل:\rونَيلُوفرٍ يحكي لنا المِسْكَ طيبُهُ ... تراه على اللذّاتِ أفْضَلَ مُسْعِدِ\rقد اجتَنَ خوفَ الحادثات بجُنَةٍ ... تروقُ كثوبِ الراهب المتعبِّدِ\rتُرَكَب كالكاسَاتِ في ذَهبيَّةٍ ... على قُضُبٍ مخضرَّةِ كالزَّبَرْجَدِ\rوأُلْبس ثوباً يفضُلُ اللَحْظَ حُسْنُه ... كما عبِثَتْ عينٌ بِخَد موَرَدِ\rغَذتْهُ أهاضيبُ السماء بدَرِّها ... تروحُ عليه كلَّ يوم وتَغْتَدي\rتلبِّس للأنْوارِ ثوْب سمائه ... ففضَلَ عنه الحسن في كل مَشهَدِ\rوفي وسطه منه اصفرارٌ يَزينُه ... كياقوتةٍ زرقاءَ في رَأسِ عَسْجَدِ\rأطاف به أحْوَى المدامع شَادِنٌ ... حَكى طَرْف من أهْوى وحُسن المُقَلَّدِ\rكما أخذ الظمآنُ بالفم كاسه ... ولم يستَعِنْ في أخذه الكاسَ باليَدِ\rوقال أبو محمد الحسن بن علي بن وكيع: الكامل:\rيومٌ أتاك بوَجْهِه المتهلل ... ناهيك من يومٍ أغرَ مُحجلِ\rخلع الغمامُ على اخْضِرارِ سمائهِ ... خِلَعاً فَبَيْنَ مُمَسك ومُصَنْدَلِ\rوكسا الرُبى حُلَلا تخالَفَ شكلها ... بموردٍ ومُعَصْفر ومُكَحل\rوتمايلَتْ فيه قدودُ غصُونِهِ ... من شُرْبِ كاساتِ العيونِ الهطلِ\rوعَلا على الأشجار قَطْرُ سمائها ... فهدَتْ لعينِ الناظر المتأملِ\rيَحْكي قِبَاب زُمُردٍ قد كُللَتْ ... بمنظمٍ من لؤلؤ ومُفَصَّلِ\rوأتاك نَوْرُ البَاقِلاءِ كأنما ... يَرْنو إليكَ بعين أكْحَل أقْبَلِ\rالوَرْدُ يُخجلُ كل نورٍ طالع ... وتراه مُنتقِباً بحُمْرَةِ مُخجلِ\rوحكى بياضُ الطَّلْع في كافورهِ ... وجْهَ الخريدة في الخمارِ الصَّنْدَلي\rفكأنما الدنيا عَرُوسٌ أقْبلَتْ ... في كل أنواع الملابس تجْتَلي\rفاشرب مُعَصْفَرَة القميص سُلافةً ... من صنعة البَردَان أو قُطْرَبلِ\rوقال أبو الفتح البستي: الكامل:\rيومٌ له فَضْلٌ على الأيام ... مزَجَ السَحابُ ضياءَهُ بظلامِ\rفالْبَرقُ يخفق مِثْلَ قَلْبٍ هائمٍ ... والْغَيمُ يَبْكي مثل طَرْفٍ هَامِ","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"وكأنَّ وَجْهَ الأرض خَدُ متيمٍ ... وُصِلت سِجَامُ دموعِه بسِجَامِ\rفاطلبْ ليومك أربعاً: هن المُنَى ... وبهنَ تصفُو لذَّةُ الأيام\rوَجْهَ الحبيب، ومنظراً مستشرقا، ... ومغنيا غَرداً، وكأسَ مُدامِ\rوقال الأمير أبو الفضل الميكالي: الكامل:\rسَلَّ الربيعُ على الشَتاء صوارماً ... تَرَكَتْه مجروحاً بلا إغْمَادِ\rوبكَتْ له عَيْنُ السماء بأدمُع ... ضَحِكَتْ لسَاجمها رُبَى الأنجاد\rوَبَدَتْ شقائِقُها خِلال رياضها ... تُزْهى بثوبَيْ حُمْرَةٍ وسَوادِ\rفكأنها بِنْتُ الشتاء توجَعَتْ ... لمُصَابه كشقيقة الأولادِ\rفقَنُوءُ حُفرَتها خِضَابُ نجيعه ... وسوادُ كُسْوَتِها لِبَاسُ حِدادِ\rوقال: الطويل:\rتصوغُ لنا كفُّ الربيعِ حدائقا ... كعقد عَتِيقٍ بين سِمْطِ لآلي\rوفيهن أنْوَار الشقائقِ قد حَكَت ... خُدودَ عذارَى نقَطت بِغَوَالي\rوقال: المتقارب\rكأنَّ الشقائقَ إذ أبرَزَت ... غِلاَلة دادٍ وثَوباً أحَمّ\rقطاعٌ من الجَمرِ مشبوبة ... فأطرافُها لُمَع مِن حَمَم\rوقال في حديقة ريحان: الكامل:\rأعدَدْت مُحتَفلاً ليوم فَرَاغي ... روضاً غَدا إنسانَ عَيْنِ الباغي\rروض يَرُوضُ هموم قلبي حُسنُهُ ... فيه لكأس الأنسِ أيّ مَسَاغِ\rفإذ بدَتْ قضْبانُ ريحانٍ به ... حيت بمثلِ سلاسلِ الأصْداغِ\rوقال في النرجس: المجتث:\rأهْلاً بنرجس رَوْضٍ ... يُزْهَى بحسْنٍ وطِيبِ\rيَرْنُو بعَينَيْ غزال ... على قَضِيبٍ رَطيبِ\rوفيه مَغنًى خفيّ ... يرِينُه للقلوبِ\rتَصحِيفُه إنْ نَسَقْتَ ال ... حُرُوفَ بِرُّ حَبِيبِ\rوقال: الطويل:\rوما ضمَ شملَ الأُنس يوماً كنرْجِسٍ ... يقومُ بعُذْرِ اللَهْوِ عن خالِع العُذْرِ\rفأحداقه أحداق تِبْرٍ، وساقهُ ... كقامة ساقٍ في غَلاَئلهِ الخُضْرِ\rوقال البحتري: الطويل:\rسَقَى الغيثُ أكنافَ اللِّوى من محلّةٍ ... إلى الحِقْف من رَمْل اللوى المتقاودِ\rولا زال مخضر من الروض يانع ... عليه بِمْحْمَرٍّ من النوْرِ جاسِد\rشقائق يَحمِلن الندَى فكأنه ... دموع التصابي في خدودِ الخرائد\rومن لؤلؤ في الأقحوان منَظمٍ ... ومن نكَتٍ مُصْفَرَة كالفَرَائِدِ\rكأن جَنَى الحوذان في رَونَق الضحى ... دنانيرُ تِبْرٍ من تُؤام وفارِدِ\rإذا راوحتها مُزنَةّ بَكَرَت لها ... شآبيبُ مجتاز عليها وقاصدِ\rرِباع تردَّت بالرياض مَجُوْدَةً ... بكل جديد الماء عَذْبِ الموارد\rكأن يد الفتح بن خاقانَ أقبلتْ ... تَليها بتلك البارقات الرَّواعِد\rقال أبو محمد عبد اللّه بن جعفر بن دَرَسْتَويه: قال لي البحتري وقد اجتمعنا على حلوة عند المبرد وسَلَكْنَا مسلكاً من المذاكرة: أشعرت أني سبقت الناسَ كلّهم إلى قولي: الطويل:\rشقائقُ يحمِلْنَ النَّدَى فكأنَّهُ ... دموعُ التصابي في خُدودِ الخرائدِ\rكأن يدَ الفَتْحِ بن خاقان أقبلَتْ ... تليها بتلك البارقات الرَّواعِدِ\rهكذا أنشد، فاستحسن ذلك المبرد استحساناً أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرّطبة، والعبارة العَذْبة، لأحدٍ تقدَّمك ولا تأخَّر عنك. فاعتَرَتْهُ أَرْيَحِيةٌ جربها رِداء العُجب؛ فكأنه أعجبني ما يُعْجب الناس من مراجعة القول؛ فقلت: يا أبا عُبَادة، لم تَسْبِق إلى هذا، بل سبقك سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول بقوله: الكامل:\rعَذُبَ الفراقُ لنا قُبَيل وَداعِنا ... ثم اجترعناهُ كسمٍّ ناقعِ\rوكأنما أثرُ الدموع بخدِّها ... طَلّ تساقطَ فوق وَرْدٍ يانعِ","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"وشركك فيه صديقُنا أبو العباس الناشئ بما أنشدنيه آنفاً: المتقارب:\rبكَت للفراق وقد راعَني ... بكاءُ الحبيب لبُعْدِ الديارْ\rكأنَّ الدموعَ على خدِّها ... بقية طَلً على جُلَنار\rوما أساء علي بن جريج، بل أحسن في زيادته عليك بقوله: المنسرح:\rلو كنتً يوم الوداع شاهِدَنا ... وهنَ يُطْفينَ غُلّةَ الوَجْدِ\rلم تَرَ إلاّ دموعَ باكيةٍ ... تَسْفَح من مُقْلةٍ على خدِّ\rكأن تلك الدموع قَطْرُ نَدًى ... يقطُر من نَرْجِس على وَردِ\rوسبقك أبو تمام إلى معنى البيتين معاً بقوله: الكامل:\rمن كل زاهرةٍ ترقرَق بالنَدَى ... فكأنها عينٌ إليه تَحَدرُ\rتبدو ويَحجبَها الجميمُ كأنها ... عَذراء تبدو تارة وتخفرُ\rخَلقٌ أطل من الربيع كأنهُ ... خُلُقُ الإمامِ وهَدْيُهُ المتنشّرُ\rفي الأرض من عَدْلِ الإمام وجُودِهِ ... ومن الربيع الغَض سَرح في يزهر\rيُنسي الربيع وما يروض جودة ... أبداً على مَرَ الليالي يُذكَر\rقال: فشقَّ ذلك عليه، وحلِّ حَبْوَتَه ونهض، فكان آخر عهدي بمؤانسته وغَلُظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح ذلك في حالي عنده.\rوقال البحتري يمدح الهيثم بن عثمان الغنوي: الطويل:\rألست ترى مَدَّ الفُراتِ كأنهُ ... جبال شَرَوْرَىَ جِئن في البحر عُوَما\rوما ذاك من عاداته غير أنهُ ... رَأَى شِيمَةً من جارِه فتعلمَا\rوقد نبه النَوْرُوزُ في غَبَش الدُّجى ... أوائلَ وَرْد كُنَ بالأمس نُوَمَا\rيُفَتحها بَرْدُ الندى فكأنهُ ... يبث حديثاً بينهنَ مُكَتَّمَا\rومن شجرٍ رَدَّ الربيع لِبَاسهُ ... عليه كما نَشَرْتَ بُرْداً مُنَمْنَمَا\rأحَلَّ فأَبدى للعيونِ بَشَاشَةً ... وكان قذًى للعين مذ كان محْرمَا\rفما يمنع الراح التي أنت خِلُّها ... وما يَمْنَعُ الأوتار أن تترنَّماَ\rوما زلت خِلاً للندَامى إذا اغْتَدَوا ... وراحُوا بُدوراً يستحِثّون أنْجُمَا\rتكرّمْتَ مِنْ قَبْلِ الكؤوس عليهِمُ ... فما اسْطَعْنَ أن يُحْدِثْنَ فيك تكرما\rوقال آخر: البسيط:\rحيَّتْك عنا شمال طافَ طائِفُهَا ... بجنَّةٍ فجرتْ راحاً ورَيْحَانَا\rهبتْ سُحَيراً فناجَى الغُصْنُ صاحبَه ... سِرًّا بها وتداعَى الطيرُ إعلانا\rوُرْقٌ تَغنّى على خُضرٍ مُهَدَّلةٍ ... تَسْمُو بها وتَمسُ الأرضَ أحيانا\rتخالُ طائرَها نَشوانَ من طَرَبٍ ... والغُصْنَ من هزِّةِ عِطْفَيْهِ نَشْوانَا\rولابن المعتز في أرجوزته البستانية التي ذم فيها الصبّوح صفة جامعة، إذا قال رجز:\rأمَا ترى البُسْتان كيف نَوَّرا ... ونَشَّر المنثور بُرْداً أصْفَرا\rوضحَكَ الوردَ إلى الشقائق ... واعتنَقَ الورد اعتناق الوامقِ\rفي رَوْضَةٍ كحلية العروسِ ... وخُدَم كهامةِ الطاووسِ\rوياسمين في ذُرَى الأغصان ... منظم كقِطَع العِقْيَانِ\rوالسرْو مثل قَصبِ الزَّبَرْجد ... قد استمد الماءَ من تُربٍ نَدِ\rعلى رياضٍ وثرًى نَدِيَ ... وجَدْوَلٍ كالبَرَد الحليَ\rوفَرَّج الخشْخَاش جَيْبْاً وفَتَقْ ... كأنَه مصاحِفٌ بيضُ الوَرَقْ\rأو مثل أقداح مِن البلّورِ ... تخَالها تجسمت مِن نورِ\rوبَعْضه عُريانُ من أثوابه ... قد خَجل اليابس من أصحابِه\rتُبْصِره عند انتشار الوردِ ... مثل الدبابيس بأيدي الجند\rوالسَّوْسَن الآزار مَنشور الحُلَل ... كقطنٍ قد مسه بعض بَلل\rنوَرَ في حاشيتي بُسَتانه ... ودَخل الميدان في ضَمانه","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"وقد بدت فيه ثمار الكنكرِ ... كأنها جَماجِم من عنَبر\rوحلَّق البهارُ بيْنَ الآسِ ... جمجمَة كهامَةِ الشّمَّاسِ\rخلال شيح مثل شيب النَّصفِ ... وجوهرٍ مِن زهَرٍ مختَلفِ\rوجُلَنار كاحْمِرارِ الوردِ ... أو مثل أعراف ديوك الهند\rوالأقحوان كالثنايا الغُرِّ ... قد صُقَلَت أنواره بالقطر\rوقال أبو الفتح كشاجم: الوافر:\rورَوْضٍ عن صَنِيع الغيثِ رَاضٍ ... كما رَضِيَ الصَّدِيقُ عن الصديقِ\rإذا ما القَطْرُ أسْعَدَه صبُوحاً ... أتمّ نه الصنيعةَ في الغَبوق\rيُعِير الرِّيحَ بالنَفَحاتِ رِيحاً ... كأنَّ ثَرَاه مِن مِسك فتِيقِ\rكأنَّ الطَّلَّ مُنتشِراً عليه ... بقايا الدَمع في خدّ مَشوق\rكأنَّ غصونَه سُقيتْ رَحِيقا ... فمالَت مِثْلً شُرَّاب الرَّحِيق\rكأنَّ شقائقَ النعمانِ فيه ... مُحَضَرة شقَائقُ مِن عَقِيق\rيُذَكّرُني بَنَفْسَجُه بَقَايا ... صنيعِ اللَّطمِ في الخدَ الرَقيقِ\rوقال: الرجز:\rغَيْثٌ أتَانا مُؤْذِناً بالْخَفْضِ ... متصِل الوَبلِ سَرِيعَ الرَكضِ\rدَنا فخِلْنَاه دُوَين الأرضِ ... مُتَصِلاً بطوله والعَرْض\rإلفاً إلى إلْف بِسِرٍّ يُفْضِي ... ثم سَما كاللؤلؤ المرْفَضِ\rفالأرضُ تُجْلَى بالنباتِ الغَضِّ ... في حَلْيِهَا المُحْمَرِّ والمبيَضَ\rمِنْ سَوْسَنٍ أحوَى وورَد غَض ... مِثْلَ الخدودِ نُقِّشَت بالعَضِّ\rوأقْحوانٍ كاللّجَيْنِ الْمَحْضِ ... ونرَجِس ذاكي النسيمِ بض\rمثل العيون رَنَّقَتْ للغَمْضِ ... ترنُو فَيَغْشَاها الكَرَى فتُغضي\rجملة من هذا النوع لأهل العصر\rقال أبو فراس الحمداني: مجزوء الرجز أو مجزوء السريع:\rوجُلَّنارٍ مُشْرق ... عَلَى أعالي شَجرهْ\rكأنّ في رؤُوسِه ... أحمَرَهُ وأصفَرهْ\rقُرَاضة من ذَهب ... في خرْقَةٍ مُعَصْفَرهْ\rوقال: الطويل:\rويوم جلاَ فيه الربيعُ رياضَهُ ... بأَنْواع حَلي فوق أثْوَابِه الْخُضْرِ\rكأن ذُيولَ الجُلّنار مُطِلَةً ... فضول ذيولِ الغانياتِ من الأُزْرِ\rوقال أبو القاسم بن هانئ، يصف زهرة رمان قطفت قبل عَقْدِها: الرجز:\rوبنت أيْكٍ كالشباب النَّضْرِ ... كأنها بين الغصُونِ الخُضْرِ\rجَنانُ بازٍ أو جَنَان صَقْرِ ... قد خفَّفَتْه لقْوة بوَكْر\rكأنما سحَّت دَماً منْ نَحْرِ ... أو نَبَتَتْ في ترْبةٍ من جمرِ\rأو سُقيَتْ بجَذوَلٍ من خَمْر ... لو كف عنها الدهرُ صرْفَ الدَّهْرِ\rجاءت كمثل النَهد فوق الصدْرِ ... تَفْتَرُّ عن مِثْلِ اللثاث الْحُمْرِ\rفي مثل طعْمِ الوصْلِ بعد الهَجْرِ\rولهم في هذا المعنى","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"روضة رفَتْ حَوَاشيها، وتأنق واشيها. روضة كالعقود المنظّمة، على البرود المنَمنَمَة. روضة قد رَاضتها كف المطر، ودبجَتْهَا أيدي الندى. أخرجتِ الأرضُ أسرارَها، وأظهرَتْ يدُ الغيثِ آثارها، وأبدت الرياضُ أزهارها. الرياض كالعرائس في حَليها وزَخَارِفها، والقيان في وَشْيهِا ومَطَارِفها، باسطة زَرابتها وأنماطها، ناشرة حِبَراتها ورِيَاطَها، زَاهية بحَمْرَائها وصفرائها، تائهة بعيدانها وغُدْرانها، كأنما احتفلت لوَفْد، أو هي من حبيب على وَعْد. روضة قد تَضوَعَت بالأَرَج الطيبِ أرجاؤها، وتبًرجَت في ظلَلِ الغمام صحراؤها، وتنافَجَتْ بنوافَجِ المِسكِ أنوارُها، وتعارضت بغرائب النطْقِ أطيارُها. بستان رقَّ نورُه النضيد، وراق عودُه النضير. بستان عودُه خضر، ونوره نَضِر، ويُنْعه خَضِك، وماؤه خَصِر. بستْانٌ أرْضُه للبقل والريحان، وسماؤه للنخل والرمان. بستان أنهارُه مفروزة بالأزهار، وأشجارُه مُوقَرَةٌ بالثمار. أشجارٌ كأن الحورَ أعارَتْها قُدُودَها، وكسَتْها بُرودَها، وحلّتها عقودها. الربيعُ شبابُ الزمانِ، ومقدمة الورد والريحان. زمَنُ الوردِ مَرْموق، كأنه من الجنَةِ مسروق. قد ورد كتاب الورد، بإقباله إلى أهل الوُدّ، إذا وَرَدَ الوَرْد، صدَرَ البرد. مرحباً بإشراف الزهر، في أطراف الدهر، وأنشد: الطويل:\rسقى اللَهُ وَرْداً صَار خَدَّ رَبِيعنا ... فقد كان قبل اليوم ليس له خَدُ\rكأن عَيْنَ النرجس عيْن، ووَرَقه وَرِق، النرجس نزهَة الطَرْف، وظَرْفُ الظَّرف، وغذاء الروح، شقائقُ كتيجان العقيق على رؤوسِ الزنوج، كأنها أصْداغُ المسك على الوجَنَاتِ المورّدة. شقائق كالزنوج تجارحت وسالت دِماؤُهَا، وضَعُفَت فسال دَماؤُها. كأن الشقيقَ جامٌ من عقيق أحمر، مُلِئَتْ قرارَتُه بمسك أذْفَر. الأرض زمردة، والأشجار وشْي، والماء سيوف، والطيور قيَمانٌ. قد غردت خطباءُ الأطيار، على منابر الأنوار والأزهار. إذا صدح الْحَمامُ، صدع الحِمام قَلْبَ المسْتَهام. انظر إلى طَرَبِ الأشجارِ لغِنَاءِ الأطيار. ليس للبلابِل كغناء البلابل، وَخَمْر بابل.\rولهم فيما يتعلّق بهذا النحو\rفي وصف أيام الربيع\rيوم سماؤُه فَاختيّة، وأرضه طاوُسيّة. يومٌ جَلاَبِيبُ غيومِه رواق، وأردِيَة نسيمه رِقَاق. يوم مُمَسكُ السماء، مُعَصفَرُ الهواء، مُعَنْبَر الرَّوْضِ، مُصَنْدَل الماء. يوم زرَّ عليه جَيب الضَبَاب، وانسحب فيه ذَيلُ السحاب. يوم سماؤه كالخز الأَدْكَن، وأَرْضُه كالديباج الأَخْضَرِ: الخفيف:\rشادنٌ يَرْتَعي القلوب ببغدا ... دَ ولا يرْتَعي الكلا بالنباجِ\rأقبَلت والربيعُ يختالُ في الرَّوْ ... ض وفي المزن ذِي الحيَا الثًجَّاجِ\rذو سماءً كأدْكَنِ الخزِّ قد غي ... مَتْ وأرضٍ كأخْضَرِ الديباجِ\rفتجلَّى عن كلّ ما يتمنّى ... موعد الكَدخداةِ والهيلاجِ\rفظللنا في نُزهَتين وفي حُسْ ... نين بين الأرْمَالِ والأهْزاج\rبفَتَاةٍ تسرُّنا في المَثَاني ... وعَجُوزٍ تَسُرُّنا في الزُجاج\rأخذَت من رؤوسِ قومٍ كرامٍ ... ثارَها عند أَرْجُل الأعلاج\rيوم حَسَن الشمائل، مُمتِع المخايل، سَجسَجُ الهواء، مونق الأرجاءِ. يوم تَبَسم عنه الربيعُ، وتبرَّجَ عنه الروض المريع. يوم كأنَّ سماءَه مأتم تتباكى، وأَرضه عَرُوس تتجلَّى. يوم مشهّر الأوْصاف، أغرّ الأطراف. يوم يُغْفِي فيه النَّوْر ويَنتبِه، وتُسفِر فيه الشمس وتَنْتَقِب، وتَعْتَنِقُ الغصون وتَفْترق، ويوشي الغيم وينسكب. يوم غاب نَحسُه وهَوَى، وطلع سَعدُه واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مُفْعَمَةٌ أنهاره، مُونِقَة أشجارُه، مغرّدة أطيارُه. نحن في غبِّ سماءً، قد أقلعت بعد الارتِوَاء، وأقشعت عند الاستغناء، فالنبتُ خَضِلٌ ممطور، والنَّقعُ ساكن محصور. يوم جوُه طَاروِنيّ، وأَرْضه طاوسِيَ. يوم دَجْنُه عاكف، وقَطْرُهُ وَاكِف. يومٌ من أعياد العُمر، وأَعْيانِ الدَهْرِ.\rولهم في تشبيه محاسن الربيع بمحاسن الإخوان والسادة:","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"غَيْث مشبِّه بكَفِّك، واعتدالُه مُضَاهٍ لخُلقك، وزَهْرُه مُوازٍ لنَشرِك، كأنما استعار حلَله من شيمتك، وحَلْيَه من سجيَّتِك، واقتبس أنوارَه من محاسن أيامك، وأمطارَه من جُودك وإنعامِك. قدم الربيع مُنتسِباً إلى خلقك، مُكْتَسِياً محاسِنَه من طَبْعك، متوشّحاً بأنوار لَفْظِك، متوضَحاً بآثار لسانِك ويَدِك. أنا في بُستان أذْكَرَني وَرْدُه المفتح بخلقك، وجَذوَله السابح بطَبعك، وزَهرُه الجَنِيُ بقربك. أنا في بستان كأنَّه من شمائلك سرق، ومن خُلُقك خلِق، وقد قابلتني أشجارّ تَتَمايل فتذكرني تَبريح الأحباب، إذا تداولتهم أيدِيَ الشراب، وأنهار كأنَّها من يدك تَسيل، ومن راحتيك تَفِيض. أنا على حافةِ حَوض أزرق كصفاء مودَتي لك، ورِقَّة قولي في عَتَبِك.\rوقال ابن عون الكاتب: الخفيف:\rجاءنا الصومُ في الربيع فهَلا اخ ... تار ربعا من سائر الأرباعِ\rوكأن الربيعَ في الصوم عِقد ... فوق نخر غطاه فَضل قناَع\rوكتب أبو الفتح كشاجم إلى بعض إخوانه يستدعيه إلى زيارته في يوم شك: مجزوء الكامل:\rهو يوم شَك يا عل ... ي وبِشرة مذ كان يحذَر\rوالجوُّ خَلّته ممس ... كة ومطرَفه معنبر\rوالماء فضَيّ القَمِي ... يص وطَيلَسانُ الأرضِ أخضر\rنَبتٌ يصَعد زَهرُة ... في الروضِ قَطرَ ندى تَحَدَّر\rولنا فضَيلات تكو ... ن ليومنا قوتاً مُقَدّر\rومدامةٌ صفراء أَد ... ركَ عُمرَها كِسْرَى وقيصر\rفانشَط لنا لِنَحث مِن ... كاسَاتِنا ما كان أكبَرْ\rأو لاَ فإنكَ جاهلٌ ... إن قلت إنّك سوف تعْذَر\rوكتب بديع الزمان إلى بعض أهل هَمَذان: كتابي - أطال اللّه بقاك - عن شهر رمضان، عرَفنا اللَهُ بركةَ مَقْدَمِه، ويمْنَ مُختَتَمِه، وخصك بتقصير أيامِه، وإتمامِ صيامِه وقيامِه؛ فهو - وإن عَظمَتْ بركَتُه - ثقيلٌ حركته، وإن جل قَدْرُه بعيد قَعره، وإن عمت رأفته، طويل مسافته، وإن حسنت قّربته، شديد صحبتُه، وإن كبرت حرمته كثير حشمته. وإن سرّنا مُبْتداه فلن يسوءنا منتهاه فإن حَسن وجْهُه فليس يَقبَح قَفَاه، وما أحْسَنَه في القَذَال، وأشبَه إدبَارَه بالإقبال، جعل اللَهُ قدومَه سببَ ترْحاله، وبَدْرَه فِداءَ هلاله، وأمدَّ فَلكه تحريكاً، بتقضي مُدَّتِه وَشِيكاً، وأظْهَر هلالَه نحيفاً، ليزِفَ إلى اللذاتِ زفيفاً، وعفا اللَهُ عن مَزح يكرهه، ومُجونٍ يُسْخِطُه.\rعوّل البديع في هذا الكلام على قول أبي الفضل بن العميد في رسالة له في مثل ذلك: أسأَل الله أن يعَرِّفَني بركته، ويلقيني الخيرَ في باقي أيامه وخاتمته؛ وأًرغب إليه في أن يقربَ على الفَلَكِ دوره، ويقصَره سَيرَه، ويخَفَف حَرَكته، ويعجل نَهضَته، ويَنقص مسافةَ فلكَه ودَائِرتِه، ويزيل بركةَ الطولِ عن ساعاته، ويردً عليّ غُرًةَ شوال، فهي أسنَى الغرَرِ عندي، وأقرُها لعَيني؛ ويطلِعَ بَدرَه، ويريني الأيدِي متطلبة هِلاله ببشر، ويسمعني النعيَ لشهر رمضان، ويعرض عليّ هلاله أَخفَى من السحرِ، وأَظلَم من الكُفر، وأَنحَف من مجنونِ بني عامر، وأَبلَى من أسير الهَجرِ، وأستغفر الله جل وجهه مما قلت إن كَرِهه، وأستَعفيه من توفيقي لما يذمُه، وأسأله صفحاً يُفِيضه، وعَفواً يوسِعه، إنه يعلم خَائِنَةَ الأعين وما تخفِي الصدور.\rمن أخبار المأمون والأمين\rقال المأمون لطاهر بن الحسين: صِف لي أخلاقَ المخلوع. قال: كان واسَع الصدرِ، ضَيق الأدَب، يبيح من نفسه ما تَأنَفه هِمم الأحرار، ولا يُصْغِي إلى نصيحة، ولا يقبل مَشورة، يستبدُ برأيه، ويبَصَر سوءَ عاقبتِه، فلا يَردَعُه ذلك عما يَهمُ به. قال: فكيف كانت حروبُه؟ قال: كان يجمعُ الكتائب بالتبذير، ويفرَقُها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك حلّ ما حل به؛ أمَا والله لو ذاق لذاتِ النصائح، واختار مَشُوراتِ الرجال، وملَك نَفسَه عن شهواتها، لما ظفرَ به.\rولما عقد الرشيدُ البيعةَ للأمين وهو أصغرُ من المأمون لأجل أمَه زُبَيْدة، وكلامِ أخيها عيسى بن جعفر، وقدمه على المأمون، جعل يرى فَضلَ عقله فيندَم على ذلك، فقال: الطويل:","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"لقد بان وجهُ الرَّأي لي غَيْرَ أنَّني ... غُلِبْتُ على الأَمْرِ الذي كان أحزَما\rفكيف يُرَدّ الدرَ في الضَرعِ بعدما ... تَوزَع حتى صار نَهْباً مقَسما\rأخافُ الْتِوَاءَ الأمرِ بعد استوائهِ ... وأنْ يُنْقَضَ الحبْلُ الذي كان أُبرِما\rقال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إليَّ الفضلُ بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن الأنباري، قال: فأتيتُه وهو في صَحْن داره، وفي يده رُقْعة قد غضِب لما نظر فيها، وهو يقول: ينامُ نَوْمَ الظَّرِبَان، وينتبه انتباهَ الذئب، هِمَتُه بَطنُه، ولذته فَرْجُه، لا يفكر في زوال نعمة، ولا يتروى في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد شمر له عبدُ اللَه عن ساقِه، وفوَّق له أسد سهامِه، يرميه على بعدِ الدار بالحَتفِ النافذ والموت القاصد، قد عبى له المنايا على متونِ الخيل، وناطَ له البَلاَءَ في أسِنة الرماح وشِفار السيوف، ثم تمثّل بشعر البَعيث: الطويل:\rيقَارع أتراك ابن خاقانَ ليله ... إلى أن يرى الإصبَاح لا يتلعثمَ\rفيصبح في طول الطراد وجِسمه ... نحيل، وأضحِي في النعيم أصمم\rفشتان ما بيني وبين ابن خالد ... أمية في الرزق الذي الله يقسم\rثم قال: يا أبا الحارث، أنا وأنت نجري إلى غاية إن قصرنا عنها ذمِمنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعبة من أصلِ، إن قَوِي قوينا، وإن ضَعُفَ ضعفنا؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاءَ الأمة الوَكفَاء: يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا، وقد أمكَن أهل اللهو والخسَارة مِن سَمعِه؛ فهم يُمَنُّونه الظَّفَر، ويَعِدُونَه عواقب الأيام؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قِيعانِ الرملِ؛ وقد خشِيتُ أن نَهْلِكَ بهلاكه، ونعطَب بعَطَبِه، وأنت فارس العرب وابنَ فارسها، وقد فزع إليك في لقاءِ طاهر لأمرين؛ أحددهما صِدْقُ طاعتك، وفَضل نصيحتك؛ والثاني يُمْن نَقِيبتك، وشِدَة بأسك؛ وقد أمرني أن أبسطَ يدك، غير أن الاقتصاد رأس النصيحة، ومفتاح البركة؛ فبادِر ما تريد، وعَجل النهضة، فإني أرجو أن يولّيك اللَه شَرف هذا الفَتح، ويلم بك شَعثَ الخلافة.\rفقلت له: أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدِم، ولما وَهَن عدو كما مُؤثر؛ غير أن المحارِب لا يفتَتِح أمره بتقصير، وإنما مِلاَكُ أمرِه الجنود، والجنود لا تكون بلا مال، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائبَ إلى قوم لم يجْدُوا عليه، ومتى سمت مَن أقدر به الانتفاع له بالرضا بدون ما أخذ غيرُه ممن لم يكن عنده غناء ولا مَعونة، لم ينتظم بذلك التدبير، وأحتاج لأصحابي رِزق سنة قَبضاً، وحملا إلى ألفِ فرس لحمل من لا أرتَضِي فرسه، وإلى مال أستظهر به، لا أُلاَم على وَضعِه حيث رَأَيت. فقال: شاوِر أمير المؤمنين؛ فأدخلني عليه، فلم تَدرْ بيني وبينه كلمتان حتى أمر بحبسِي.\rويروى أن الأمين لما أَعيَتْه مكايدُ طاهر قال: الوافر:\rبُليت بأَشْجَعِ الثقلين نَفْساً ... تَزُول الراسياتُ وما يزولُ\rله مع كل ذي بدن رقيبٌ ... يشاهده ويَعْلَمُ ما يقول\rفليس بمغفِل أمراً عَنَاهُ ... إذا ما الأمْرُ ضيًعَه الجهولُ\rوفي الفضل بن الربيع يقول بعض الشعراء: البسيط:\rكم مِن مقيمٍ ببغداد على طَمَعٍ ... لولا رجاءَ أبي العباس لم يقم\rالبدر إن نفروا، والبحر إن رَغِبوا ... والحِصن إن رهبوا، والسيف ذو النقم\rوقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا شاعر بشعر أحب إلينا من قول أبي نواس: الكامل:\rساد الملوكَ ثلاثة ما منهمُ ... إن حصَلوا إلا أعز قرِيع\rساد الربيع وسادَ فَضل بعده ... وعلت بعبّاس الكريم فروع\rعباس عباسٌ إذا احتدم الوَغَى ... والفَضْل فضلٌ والربيع ربيع\rوقيل للعتابي: أمدحت أحداً؟ قال: لا، وليس لي على ذلك قدرة، فقيل له: فقد مدحتَ الربيع، فقال: ذلك ليوم يستحقّ فيه المدح، فقلت: الطويل:\rومعضلةٍ قام الربيع إزاءَها ... ليَعْمِد ركن الدين لما تَهدَّما\rبمكَة والمنصور رهن كما أتى ... أخا الوحي داعي رَبّه فتقدَمَا","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"غداةَ عداةُ الدين شاحذةُ المدى ... إليه وغُولُ الحربِ فاغرةٌ فَمَا\rمبايعة المهدي\rوكان المنصور قد توفَي بمكة وهو حاجٌ في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، فأخذ الربيع للمهدي البيعة على الناس، وأخذ بتجديدها عن المنصور على أنه حي، وأدخل إليه قوماً فرأوْه من بعيد وقد جلّله بثوب، وأقعد إلى جنبه من يحرك يده وكأنه يومئ بها إليهم، فلم يشكوا في حياته؛ فما خالف أحد؛ فشكره المهدي لذلك، وفي ذلك يقول أبو نواس في مدحه الفضل بن الربيع: مجزوء الرجز:\rأبوك جلى عَن مضَر ... يوم الرواقِ المحتضرْ\rوالحرب تَفرِي وتَذَر ... لمّا رأى الأمر اقمَطَر\rقامَ كريما فانتَصرْ ... كَهِزةِ العَضْب الذكَرْ\rما مس من شيء هَبَر ... وأنت تَقتاف الأثر\rمن ذي خجولٍ وغرر\rوقال أيضاً: مجزوء الكامل:\rآلَ الربيع فَضلتم ... فضل الخميس على العشرِ\rمن قاس غيركم بكمْ ... قاس الثًماد إلى البحور\rأين القليل بنو القلي ... ل من الكثير بني الكَثير\rأين النجوم التاليا ... ت من الأهلَةِ والبدورِ\rقوم كَفَوا أيام مك ... ة نازلَ الخَطبِ الكبير\rوتدارَكُوا نَصر الخلاَ ... فة وهيَ شاسعه النّصير\rلولا مقامهم بها ... هوَتِ الرواسي من ثبِيرِ\rومن قول أبي نواس: من قاصر غيركم بكم... البيت، أخذ أبو الطيب المتنبي: الطويل:\rقواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غيرهِ ... ومَن قَصَدَ البحرَ استقل السواقِيَا\rفتَى ما سَرَينَا في ظهورِ خدودِنَا ... إلى عَصْرِه إلا نُرَجِّي التَّلاقيَا\rأفضل الأوقات لمخاطبة الملوك\rوقال الفضل بن الربيع: من كلَمَ الملوكَ في الحاجاتَ فيِ غير وَقتِ الكلام لم يَظفر بحاجته، وضاع كلامُه، وما أشبههم في ذلك إلا بأوقات الصلوات لا تُقبَل الصلاة إلاّ فيها، ومن أراد خطابَ الملوك في شيء فلْيَرْصد الوقت الذي يصلح في مثله ذِكرُ ما أراد، ويسبّب له شيئاً من الأحاديث يحسن ذِكْرُه بعَقِبه.\rوقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظَفِر به: يا فضل، أكان في حقي عليك، وحق آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك، أن تَثلِبَني وتسبني، وتحَرَضَ على دمي؟ أتحب أن أفعل بك ما فعلتَه بي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن عذرِي يحقِدك إذا كان واضحاً جميلاً، فكيف إذا حفَته العيوب، وقبَّحَته الذنوب؛ فلا يَضِيق عني من عَفوِك ما وسع غيري منك، فأنت كما قال الشاعر فيك: الطويل:\rصفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العافر لم يعرِف من الناس مجرِما\rوليس يَبالي أن يكَون به الأذَى ... إذا ما الأذى لم يَغْش بالكُرهِ مُسلِمَا\rوالشعر للحسن بن رجاء بن أبي الضحاك.\rمن أخبار المنصور\rقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع، فقال: سلني ما ترِيد، فقد سكَتَ حتى نطقت، وخفّفت حتى ثقلت، وأقلَلتَ حتى أكْثَرْت.\rفقال: والله - أمير المؤمنين ما أرهب بخلَكَ؛ ولا أَسْتَقصِر عُمرك، ولا أستصغر فضلك، ولا أَغتَنِم مالك؛ وإن يومي بفضلك عَلَيَ أحْسن من أمسي، وغَدك في تأميلي أحسن من يومي؛ ولو جاز أن يَشْكرَك مثلي بغير الخِدْمَةِ والمُنَاصَحَة لما سَبَقَني لذلك أحَد.\rقال: صدقت، عِلمي بهذا منك أحَلَّكَ هذا المحلّ؛ فَسْلني ما شِئت، قال: أسألُك أن تقرِّب عبدك الفَضل، وتُؤثره وتحبّه.\rقال: يا ربيع، إنَّ الحب ليس بمال يُوهَب، ولا رُتْبَة تُبْذَل، وإنما تؤكّدُه الأسباب.\rفال: فاجعل لي طريقاً إليه، بالتفضل عليه.\rقال: صدقت، وقد وصَلْتُه بألف ألف درهم، ولم أصل بها أحَداً غير عمومتي، لتعلم مَالَه عنديَ، فيكون منه ما يَسْتَدْعِي به محبتي، ثم قال: فبكيف سألت له المحبة يا ربيع؟ قال: لأنها مفتاحُ كل خير، ومِغْلاَق كلّ شرّ، تُسْتَر بها عندك عيوبُهُ، وتَصِير حَسناتٍ ذنوبه.\rقال: صدقت وأتيت بما أردت في بابه.\rأخذ قوله: خففت حتى ثقلت أبو تمام فقال لمحمد بن عبد الملك الزيات: الطويل:","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"على أن إفراطَ الحياء استمالني ... إليكَ، ولم أعْدِل بعرضيَ مَعْدِلا\rفثقّلت بالتخفيف عنك، وبعضهم ... يخففُ في الحاجات حتى يُثَقِّلاَ\rمن أخبار الرشيد\rودخل سهل بن هارون على الرشيد، وهو يُضَاحِكُ المأمون، فقال: اللهمّ زِدْهُ من الخيرات، وابسُط له من البركاتِ، حتى يكونَ في كل يوم من أيامه مُرْبِيا على أمْسِه، مقَصَراً عن غده.\rفقال له الرشيد: يا سَهْلُ، من رَوَى من الشعر أحسَنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحَه وأوضَحه، إذا رام آن يقولَ لم يُعْجزه القول.\rفقال سهل بن هارون: يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن أحداً تقدّمني إلى هذا المعنى.\rقال: بل أعْشى هَمْدَانَ حيث يقول: الوافر:\rرأيتك أمْسِ خَيْرَ بني لؤيّ ... وأنْتَ اليوم خيرٌ منك أمسِ\rوأنْتَ غداً تزيد الخَيْرَ ضعْفاً ... كذاك تزيد سادة عَبْدِ شمسِ\rمن نظم الفضل بن الربيع\rومن شعر الفضل بن الربيع ما أنشده الصولي: مجزوء الكامل:\rإنّي امرؤٌ من هاشمٍ ... بفنَاءً معْمُور النَوَاحِي\rأهل الهدى وذَوِي التقَى ... وأولي البَسَالة والسَّماحِ\rأهل المعالم والمكا ... رِم في المَسَاء وفي الصَّبَاحِ\rأهل النبوةِ والخِلاَ ... فَة والكمالِ برَغْم لاحِي\rيتألّمُون من الصدُو ... دِ ويَصْبِرُون على الجِرَاح\rمن أخبار أبي العيناء\rحَمَلَ محمد بن عبيد الله بن خاقان أبا العيناء على دَابة زَعم أنها غَيْرُ فَارِه، فكتب إليه: أعلم الوزير، أعزه اللّه، أن أبا علي محمداً أراد أن يَبَرَنِي فعقني، وأن يُرْكِبني فأَرْجَلَني، أمر لي بدابَّة تَقِفُ للنَّبْرَة ، وتَعْثُر بالبَعْرَة، كالقضيب اليابس عَجَفاً؛ وكالعاشق المهجور دَنَفاً، قد أَذْكَرَتِ الرواة عذرة العذريِّ، والمجنون العامري، مساعد أعلاه لأسفله، حُباقه مقرون بسُعَاله، فلو أَمسَك لترجيت، ولو أَفْرد لتعزَّيْت، ولكنه يَجْمَعُهما في الطريق المعمور، والمَجْلِس المشهور، كأنه خطيبٌ مُرْشِد، أو شاعر مُنشِد، تَضْحَكُ من فِعْلِه النسوَان، وتتناغى من أجله الصِّبيان؛ فمن صائح يَصيحُ: دَاوِه بالطباشير، ومن قائل يقول: نوّلْه الشعير، قد حفِظَ الأشعار، ورَوَى الأخبار، ولحق العلماءَ في الأمْصار، فلو أعِينَ بنطق؛ لروى بحقّ وصدق، عن جابر الجُعْفيّ، وعامر الشّعبي؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخْبَث وأنزر؛ فإن رأى الوزير أن يُبدلَني به، ويُرِيحني منه بمركوب يُضْحِكني كما ضحَّك مني، يَمْحُو بحُسْنه وفَرَاهته، ما سطَرَه العَيْبُ بقُبحه ودمامته؛ ولست أذكرُ أمْرَ سَرْجِهِ ولجامه؛ فإن الوزير أكرمُ من أن يَسْلب ما يهديه، أو يَنْقُضَ ما يُمْضِيه.\rفوجّه عبيد اللّه إليه برذونا من براذينه بِسَرْجه ولجامه، ثم اجتمع مع محمد ابن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد، وقد أخبرني الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما هذا ثمنه لا يُشتكى.\rفقال: أعز الله الوزير، لو لم كذب مستزيداً، لم انصرف مستفيداً، وإني وإيّاه لكما قالت امرأة العزيز. \" الآن حَصحَصَ الحق، أنَا رَاوَدْتُه عن نَفْسِهِ وإنه لَمِنَ الصادقين \" . فضحك عبيدُ الله، وقال: حجتك الداحضة بمَلاَحتك وظَرفك أبلغُ من حجة غيرك البالغة.\rقطعة من رسالة أجاب بها أبو الخطاب الصابي عن أبي العباس بن سابور إلى الحسين بن صَبرة عن رقعة وردت منه في صفة حًمَل أهْدَاه","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"وصلت رُقْعَتك، فَفَضَضْتها عن خَط مُشْرق، ولفظ مُونق، وعبارةٍ مُصيبة، ومعاني غريبة، واتساع في البلاغة يَعْجِزُ عنه عبدُ الحميد في كتابته، وقُس وسَحْبَان في خطابته؛ وتصرف بين جد أمْضى من القَدر، وهَزْلٍ أرق من نسيم السحَر، وتقلب في وجوه الخِطاب، الجامع للصَّواب؛ إلاَ أن الفعل قَصًرَ عن القول، لأنك ذكرت حَملاً، جعلته بصفتك جَمَلاً، فكانَ المُعَيدِيَّ الذي تسمعُ به ولا أنْ تراه. وحضر فرأيت كَبْشاً مُتَقَادِمَ الميلاد، من نِتَاج قَوْمِ عاد، قد أَفْنتهُ الدهور، وتَعاقَبَتْ عليه العصور، فظننته أحَد الزَّوْجين اللذين جعلهما نوع في سفينته، وحفظَ بهما جِنْسَ الغنم لذرِّيته؛ صَغر عن الكبر، ولَطُف عن القدم، فبانَتْ دَمامتُه، وتقاصرت قَامَتُه، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، باديَ السقام، عاري العِظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثَالِب، يَعْجَبُ العاقلُ من حلول الحياةِ به، وتأتي الحركةِ فيه؛ لأنه عَظْم مجلد، وصوف مُلبد، لا تجد فوق عظامه سلَبا، ولا تَلْقَى يدك منه إلا خَشَبا، لو ألقِيَ إلى السَّبع لأَباه، ولو طرح للذئب لعافَه وقَلاه، قد طال للكلإ فَقْدُه، وبَعُدَ بالمَرعَى عَهْدُه، لم ير الْقَت إلاَ نائماً، ولا عرف الشعيرَ إلا حالماً، وقد خيّرتني بين أن أَقْتَنيه فيكون فيه غِنَى الدهر، أو أَذبحه فيكون فيه خصْب الرَحل؛ فمِلتُ إلى استبقائه لما تعرف من محبتي من التوفير، ورغبتي للتَّثْمير، وجَمْعي للولد، وادٌخاري لغًد، فلم أجِد فيه مستمتعاً للبقاء، ولا مَدْفعاً للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فتًحْمِل، ولا بفتى فَينْسُل، ولا بصحيح فَيرَعى، ولا بسليم فيَبْقَى؛ فملتُ إلى الثاني من رأييك، وعولت على الآخر من قَوْلَيك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قَديدِ الغَزال، فأنشدني وقد أضرِمت النار، وحُدت الشفار، وشمَّر الجزّار: البسيط:\rأعيذهَا نظراتِ مِنك صادِقَةً ... أنْ تحْسِب الشحم فيمَن شَحمُه وَرَمُ\rوقال: ما الفائدة لك في ذبحي؟ وأنا لم يَبْقَ مني إلا نَفَس خافِتٌ، ومُقْلةِّ إنسانها باهت: لستُ بذي لَحْم، فأَصلح للأكل؛ لأن الدهرَ قد أكل لحمي، ولا جِلدي يصلح للدّباغ، لأن الأيام قد مزقَتْ أديمي، ولا لي صوف يصلُح للغزل؛ لأن الحوادث قد حَصَّت وبَرِي، فإن أردتني للوَقُود فكفُّ بعْرٍ أبقى من ناري، ولن تَفي حرارةُ جمري بريح قتاري، فلم يبق إلا أن تطلبني بذَحْل أو بيني وبينك دَم، فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مَشُورته، ولم أعلم من أي أمْرَيه أعجب؛ أمِن مماطَلَته للدهر بالبقاء، أم من صبره على الضّرِّ واللأواء، أم من قدرتك عليه جمع إعواز مثله، أم من تأهيلك الصديق به مع خَسَاسة قَدْره؟ ويا ليت شعري إذ كنت - وإليك سوق الغنم، وأمْرك يَنْفُذ في الضأن والمَعز، وكلُّ كبش سمين وحَمل بطين مجلوب إليك، مقصورٌ عليك - تقول فيه قولاً فله تُرَدّ، وتريده فلا تُصد، وكانت هديتك هذا الذي كأنه نَاشر من القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنتً مُهْدِياً لو أنك رجل من عُرْض الكُتَّاب، كأبي وأبي الخطّاب، ما كنت تهدي إلاَّ كلْباً أجرب، أو قرداً أحدَب.\rمن نظم الحمدوني\rوقال الحمدوني في شاة سعيد بن أحمد بن خوسنداذ: الكامل:\rأسعيدُ، قد أعطيتني أُضحيةً ... مكثَتْ زماناً عندكمْ ما تطعَم\rنِضْواً تعاقرت الكِلابُ بها وقد ... شدوا عليها كي تموت فيؤلمُوا\rفإذا الملا ضَحِكوا بها قالت لهم: ... لا تهزؤوا بي وارحموني ترْحَموا\rمرت على عَلَف فقامت لم تَرِمْ ... عنه، وغنت والمدامعُ تسجم\rوقف الهوى بي حيث أنْتِ فليس لي ... متأخَّر عنه ولا مُتقَدم\rوقال أيضاً: البسيط:\rأبا سعيدٍ، لنا في شاتِكَ العِبَرُ ... جاءت وما إن لها بَوْل ولا بَعَرُ\rوكيف تَبْعَرُ شاة عندكم مكَثَتْ ... طَعامُها الأبيضانِ الشمسُ والقَمَر\rلو أنها أبْصَرَتْ في نومها عَلَفاً ... غَنَت له ودموعُ العين تَنْحَدرُ:\rيا مَانعي لذةَ الدنيا بأجمعها ... إني ليفتنني من وَجْهِك النظرُ\rوقال أيضاً: المنسرح:","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"شاةُ سعيدٍ في أمْرِها عِبَرُ ... لمّا أتتنا قد مسًها الضررُ\rوَهْيَ تغني من سوء حالتها ... حَسْبي بما قد لقيت يا عمَرُ\rمرت بقطف خضر ينشرها ... قومٌ فظنَّتْ بأنها خُضُر\rفأقبلَتْ نحوها لتأكْلها ... حتى إذا ما تبينَ الخَبَرُ\rوأبدلتها الظنونُ من طَمَعِ ... يَأْسا تغنَّت والدَمْعُ مُنْحَدِرُ\rكانوا بعيداً وكنت آمُلُهم ... حتى إذا ما تقربوا هجروا\rوقال: مجزوء الخفيف:\rلسعيدٍ شُوَيْهَةٌ ... سَلها الضُّر والعَجَفْ\rقد تغنَتْ وأبصرتْ ... رجلاً حاملاً عَلَفْ:\rبأبي مَنْ بكَفِّه ... بُرْءُ ما بي من الدَنَفْ\rفأَتاها مطمِّعاً ... وأتتْه لتَعْتَلِفْ\rفتولَى فأقبلتْ ... تتغنى من الأسَفْ:\rليتَه لم يكن وَقَفْ ... عذب القلب وانْصَرفْ\rقال: وإذ قد جَرَتْ بعضُ تضمينات الحمدوني في هذا الموضع فأَنا أَذكر هنا قطعةً من شعره في الطيلسان، وأَنْعطف في غير هذا المرضع إليها وأكرٌ عليها؛ وكان أحمد بن حَرْب المهلّبي من المُنْعِمين عليه، والمحسنين إليه، وله فيه مدائح كثيرة، فوهب له طيلساناً أخْضَر لم يَرْضَه، قال أبو العباس المبرد: فأنشدنا فيه عشر مقطعات، فاستَحْلَينا مَذْهَبه فيها، فجعلها فوق الخمسين؛ فطارت كل مَطَار، وسارت كل مَسَار، فمنها: الخفيف:\rيا ابْنَ حرب كَسَوْتَني طَيْلَساناً ... مَلَّ من صُحبَة الزمان وصَدَا\rفحسْبنا نَسْج العناكب قد حَا ... لَ إلى ضعف طَيْلَسانِك سدَا\rطال تَرْدادُه إلى الرَفْوِ حتى ... لو بَعَثْنَاه وَحْدَه لَتَهَدَّى\rوقال فيه أيضاً: البسيط:\rيا طيلسانَ ابن حربٍ قد هَمَمْتَ بأنْ ... تُودي بجسمي كما أَوْلَى بِكَ الزَّمَنُ\rما فيك مِنْ ملبس يغني ولا ثمن ... قد أوْهَنَت حيلتي أركانُكَ الوُهنُ\rفلو تَرَاني لَدَى الرَفَّاء مُرْتَبِطاً ... كأنني في يَدَيْهِ الدهرَ مُرْتَهنُ\rأقولُ حين رآني الناسُ أَلْزَمُهُ ... كأنما ليَ في حانوته وَطَنُ\rمَنْ كان يسأل عنّا أيْنَ منزلُنا ... فالأقحوانة مِنَا منْزِلٌ قَمِنُ\rوقال: مجزوء الكامل:\rقل لابْنِ حَرْبٍ طيلسا ... نُكَ قومُ نوع منه أحْدَثْ\rأفْنَى القرونَ ولم يَزَلْ ... عمَنْ مضى من قبلُ يُورَثْ\rوإذا العيونُ لَحَظْنَهَ ... فكأنه باللحْظِ يُحرَثْ\rيُودِي إذا لم أرْفُهُ ... فإذا رَفَوْتُ فليس يَلبَثْ\rكالكلبِ إن تَحْمِل علي ... ه الدَهْرَ أو تترُكْه يَلْهَثْ\rوقال: الكامل:\rقل لابن حرب طيلسانُكَ قد ... أرْهَى قِوَايَ بكثرةِ الغُرمِ\rمُتبين فيه لمُبصِرِه ... آثارُ رَفْوِ أوائل الأُمم\rوكأنه الخمرُ التي وصفَتْ ... في يا شقيق الروح مِن حَكَمِ\rفإذا رَمَمْناه فقيل لنا: ... قد صَح، قال له البلى: انْهَدِم\rمثل السّقيم بَرَا فراجَعهُ ... نكس فأسلَمه إلى سَقَم\rأنشدت حين طَغى فأَعْجَزني ... ومن العناء رِياضةُ الهرم\rالخمر التي وُصفت من قول أبي نواس: المديد:\rيا شقيقَ النفسِ من حَكَمِ ... نِمْتَ عن لَيْلى ولم أَنم\rفاسْقني البِحرَ التي اعْتَجَرت ... بِخِمار الشيْبِ فيْ الرَّحمِ\rثُمَّتَ انْصَاتَ الشباب لها ... بعد أن جازتْ مدى الهَرَمِ\rفَهْي لليوم الذي بُزِلَتْ ... وهي تِلْو الدَّهْر في القِدَم\rعُتِّقَتْ حتى لو اتّصلتْ ... بسلانٍ ناطق وفَم\rلاحْتبتْ في القوم مًاثلةَ ... ثم قصتْ قِصَةَ الأمَمِ","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"فَرَعَتْها بالمزاج يَد ... خُلِقت للكاس والقَلَمِ\rوقال الحمدوني: الرمل:\rطيلْسان لابن حرب جاءني ... خلْعَةً في يوم نَحس مستمر\rفإذا ما صِحْتُ فيه صَيْحَةً ... تركته كهشيم المحتظر\rوإذا ما الريح هبتْ نحوهُ ... طيَرَتْه كالجرادِ المنتشِرْ\rمُهْطِعُ الدَاعي إلى الرّافي إذا ... ما رآه قال: ذا شيء نكرْ\rوإذا رفَاؤه حاوَلَ أن ... يتلافاه تَعَاطى فعَقَرْ\rوقال: المتقارب:\rأيا طيلسانيَ أعْيَيْتَ طبّي ... أسُل بجسْمِكَ أم داءُ حبِّ؟\rويا ريحُ صَيرْتني أتقيكِ ... وقد كنتُ لا أتقي أن تَهبّي\rومستخبرٍ خَبَر الطيلسان ... فقلت له الروح من أمْرِ ربي\rوقال فيه: الرمل:\rطَيْلَسانٌ لابن حربٍ جاءني ... قد قَضَى التمزيقُ منه وَطَرَهْ\rأنا من خوفٍ عليه أبداً ... سامِري ليس يَأْلُوه حَذَرَهْ\rيا ابنَ حرب خذه أو فابعَث بما ... نشتري عِجْلاً بصفرٍ عشرَهْ\rفلعل اللهَ يُحْييه لنا ... إن ضربناه ببعض البَقَرَهْ\rفهو قد أدرك نوحاً، فعسى ... عنده من عِلم نوح خَبَرَهْ\rأبداً يَقْرَأ من أَبصَرَهُ ... أإذا كنا عِظاماً نَخِرَه\rوقال فيه: الخفيف:\rيا ابنَ حرب أطَلتَ فَقرِي برَفوي ... طيلساناً قد كنتُ عنه غَنِيّا\rفَهوَ في الرفو آل فرْعَوْنَ في العَر ... ضِ على النار غُدْرةً وعَشِيا\rزُرْت فيه معاشراً فازدَرَوني ... فتغنيتُ إذا رأوني زَرِيا:\rجِئتُ في زِي سائل كي أراكم ... وعلى الباب قد وَقَفْتُ مَلِيِّا\rوقال فيه: الوافر:\rوهبتَ لنا ابنَ حربِ طَيْلساناً ... يَزيدُ المرءَ ذا الضعَةِ اتِّضَاعَا\rيُسَلمُ صاحبي فيعيد شَتْمِي ... لأن الروحَ يَكْسِبُه انصداعا\rأُجِيل الطَرْفَ في طَرَفَيْهِ طُولاً ... وعَرضاً ما أَرى إلا رِقَاعا\rفلستُ أشكّ أَنْ قد كان قِدْماً ... لنُوح في سفينته شِرَاعا\rفقد غنَيتُ إذ أبصرْتُ منهُ ... جوانبه على بَدني تَدَاعَى:\rقِفي قَبلَ التفَرُّقِ يا ضُبَاعَا ... ولا يَكُ مَوقِف مِنكِ الوَداعَا\rمن أخبار المأمون\rدخل المأمون بعضَ الدواوين، فرأى غلاماً جميلاً على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشئُ في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل لخدمتك، خادِمكَ وابنُ خادمِك الحسنُ بن رجاء. فقال: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تَفَاضَلت العقُول. فأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان.\rقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج: قال لي أبو العباس المبرد: ما رأيتُ في أصحاب السلطان مثل إسماعيل والحسن؛ كنت إذا رأيته رأيت رجلاً كأنما خُلق لذروَة مِنُبر، أو صَدرٍ مجلس، يتكلم وكأنه يتنفس، يُسهِبُ ويُطْنِب، ويعرِبُ ويغرِب، ولا يعجب ويعجِب.\rأراد القاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، والحسن ابن رجاء بن أبي الضحاك.\rمن أخبار المبرد\rوكان أبو العباس يُعَد في البلغاء، وقال: لما دخلت على المتوكل اختار لي الفَتحُ بن خاقان وقْتَ شربه، وكافي الشراب قد أخذ منه، فسألني وقال: يا بصري، أرأيت أحسنَ وجهاً مني؟ فقلت: لا والله ولا أسْمَح راحةَ، ثم تجاسرت فقلت: الوافر:\rجَهَرْتُ بحَلْفَة لا أتَّقيها ... بشكٍ في اليمين ولا ارتياب\rبأنك أحسنُ الخلفاء وَجْهاً ... وأَسْمَحُ راحتين، ولا أحابي\rوأنَ مُطِيعك الأعلى مَحَلاَ ... ومَنْ عاصاك يهوى في تبَابِ\rفقال: أحسنت وأجملت في حُسن طبعك وبديهتك، فقلت: ما ظننتُني أبلغُ هذا الشرف، ولا أنال هذه الرتبة؛ فلا زال أميرُ المؤمنين يسمو بخَدمه إلى أعْلى المراتب، ويُصَرفهم في المذاهب.","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"وكان ابنُ المعتز قد غضبَ على بعض وكلائه، فصار إلى أبي العباس المبرد يسأله أن يكلمه له؛ فكتب إليه المبرد: أَنْتَ والله كما قال مسلم بن الوليد في جدك الرشيد: الكامل:\rبأبي وأُمي أنْتَ ما أنْدَى يَداً ... وأبر ميثاقاً، وما أَزْكاكا\rيَغْدُو عدوُك خائفاً، فإذا رأى ... أن قد قدرت على العِقَاب رَجَاكا\rوهذا معنًى كثير.\rفي المدح\rأنشد أحمد بن يحيى ثعلب الأعرابي: الطويل:\rكريم يغض الطرْفَ فَضلَ حَيائه ... ويدْنُو وأطرافُ الرماحِ دَوَاني\rوكالسيفِ إن لم يَنْته لاَنَ متْنه ... وحَدَّاه إنْ خاشَنتهُ خَشِنَان\rوهذا يناسب قول ابن المعتز في بعض جهاته:\rوَيجْرَحُ أحشائي بعَيْنٍ مريضة ... كما لان مَتن السيفِ والحدُّ قاطِعُ\rوقال الأخطل في بني مروان: البسيط:\rصُمٌ عن الجَهل، عن قيل الخنا أنف ... إذا ألمَّتْ بهم مكروهة صَبَرُوا\rشُمْسُ العداوةِ حتى يُسْتَقَادَ لهمْ ... وأعْظَمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَرُوا\rوفال إبراهيم بن عليّ بن هَرْمَة يمدح أبا جعفر المنصور: الطويل:\rكريم له وَجْهَان، وَجْهٌ لدى الرضا ... طليقٌ، وَوَجْهٌ في الكريهة باسِل\rوليس بمُعْطي الحقّ من غَيْرِ قدرَةٍ ... ويَعْفو إذا ما أمْكَنتهُ المَقَاتِلُ\rله لحظات من حِفافي سريره ... إذا كرَها فيها عِقَاب ونَائِلُ\rفأمّ الذي أمنْتَ آمِنَةُ الرَدى ... وأم الذي حاولت بالثكْل ثَاكِلُ\rوقال الطائي في أبي سعيد محمد بن يوسف: الطويل:\rهو السيلُ إن واجَهْتَه انْقَدْتَ طَوْعَهُ ... وتقتادُهُ من جَانِبَيْهِ فيتبعُ\rوكان عصابة الجرجاني، واسمه إسماعيل بن محمد، منقطعاً إلى الحسن بن رجاء متصلاً به، وهو القائل فيه: الكامل:\rومحجَّبٍ بالنور ليس بمدرَكٍ ... إلا بما تَأتِي به الأنْبَاءُ\rملك يُحِب الله فهو يحِبُّهُ ... ويُطيعُه فتطيعُه الأشْيَاءُ\rيمشي الهُوَيْنَا للصلاةِ يُقِيمُها ... وإذا مشى للحَرْب فالُخَيلاءُ\rلله درك أيما ابنِ عزيمةٍ ... يشوي الزمان وما لَهُ إشْوَاءُ\rثم عتب عليه في بَغضِ الأمر، فهجاه هجاءً قبيحاً؛ فهرب إلى عمان، ثم اعتذر إليه بقصيدته التي أولها: الكامل:\rلا تخضبَن عَوَالي المُرانِ ... إلا من العَلَق النجِيع الآنِ\rوهي أجود شعر قيل في معناه، وهي التي يقول فيها:\rاِقْرِ السلام على الأمير، وقل له: ... إنّ المنادمةَ الرضاعُ الثَّاني\rما إنْ أتى حَشَمِي بأنك سَاخط ... حتى استخف بمَوضِعي غِلمَاني\rوغَدت علي مطاعمي ومَشَاربي ... وملابسي من أعوَنِ الأعْوَانِ\rفكتب إليه الحسن: الكامل:\rأبْلغْ أبا إسحاقَ أنّ محلّه ... مني بحيث الرأسُ والعينانِ\rلا تبعدن بك الديارُ لِنَزْغةٍ ... ولتبْعِدَنَ نَوازغَ الشيطانِ\rفَلْيَفرخ الرَّوْع الذي رُوِّعْتَه ... إن المحل محلُّ كلِّ أمانِ\rبين جميل وعمر بن أبي ربيعة\rاجتمع جميل بن معمر العذري بعُمَر بن أبي ربيعة المخزومي، فأنشده جميل قصيدته التي أولها: الطويل:\rلَقَدْ فَرِحَ الوَاشُونَ أنْ صَرَمَتْ حَبْلي ... بُثَيْنَةُ أو أبْدَتْ لنا جانِبَ البُخْل\rيَقُولونَ: مَهْلاً يا جميلُ، وإنَّني ... لأُقْسِم ما لي عن بُثَيْنَة مِنْ مَهْلِ\rخَلِيليَّ فيما عِشْتُما هَلْ رأيتُما ... قَتيلاً بَكَى مِنْ حُب قَاتِلِهِ قَبْلي؟\rنقله أبو العتاهية، فقال: السريع:\rيا مَنْ رأى قبلي قتيلاً ... بكى من شِدَة الوَجْدِ على القاتلِ\rفلمّا أتمها قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الرويّ شيئاً؟ قال: نعم، ثم أنشده: الطويل:\rجرى ناصح بالودَ بيني وبينها ... فعرضني يومَ الحِصَابِ إلى قتلي","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"فما أنْسَ م الأْشياء لا أنْسَ قولَها ... ومَوْقِفها يوماً بقارِعة النخل\rفلمّا تواقَفْنَا عَرَفْتُ الذي بها ... كمثل الذي بي حَذوَك النَّعْلَ بالنعلِ\rفسلَمْتُ واستأنستُ خِيفَة أنْ يَرَى ... عدو مكاني أو يرى حاسد فِعلي\rوأقبلَ أمثالُ الدُمى يكتنِفْنَها ... وكل يُفدي بالمودَةِ والأهل\rفقالت وأرْخَتْ جانب الستْرِ: إنما ... معي فتكلم غَيْرَ ذِي رِقْبَة أهلي\rفقلتُ لها: ما بي لهم من ترقُبٍ ... ولكنّ سرِّي ليس يحمِلُه مِثْلي\rفاستخذى، جميل وصاح: هذا والله الذي طلبَت الشعراء فأخطأته، فتعلَلُوا بوصف الديار، ونعت الأطلال.\rولما مات عمر بن أبي ربيعة نُعي لامرأة من مولدات مكة، وكانت بالشام، فبكت وقالت: مَنْ لأباطح مكة؟ ومن يَمْدحُ نساءَها، ويصفُ محاسنهن، ويبكي طاعتهن؟! فقيل لها: قد نشأ فتًى من ولد عثمان بن عفان على طريقته، فقالت: أنشدوني له، فأنشدوها: الطويل:\rوقد أرسلَت في السر لَيْلَى بأَنْ أقِم ... ولا تَقْرَبَنَا فالتجنُّبُ أجْمَلُ\rلعلّ العيون الرامقات لوَصْلِنا ... تكذب عَنَّا أو تَنَامُ فتغفلُ\rأُناس أمنّاهمْ فبثّوا حَديثنا ... فلما كتَمنَا السرَّ عنهمْ تقوَلُوا\rفما حفظوا العَهْدَ الذي كان بيننا ... ولا حين هَمُوا بالقطيعة أَجْمَلُوا\rفتسلَّت وقالت: هذا أجل عِوَضٍ، وأفضل خَلَف، فالحمدُ لله الذي خلف على حرمه وأمته مثل هذا.\rوقال عروة بن أذينة: أنشدت ابن أبي عتيق للعَرْجي: الطويل:\rفما ليلةٌ عندي وإنْ قيلَ لَيلةٌ ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفِطر\rبعادلةِ الاثنين، عندي وبالحَرَا ... يكونُ سواء مثلها ليلة القَدر\rوما أَنْسَ م الأَشياء لا أنس قولَها ... لجارتها: قُومِي سَلِي لي عن الوِتْرِ\rفجاءت تقول الناس في ست عشرة ... ولا تَعْجَلي عنه فإنك في أجْرِ\rفقال ابن أبي عتيق: هذه أفْقَه من ابنِ أبي شهاب؛ أشهدكم أنها حرَة من مالي إن أجاز أهلها ذلك.\rوالعَرْجِيُ هو عبد الله بن عمرَ بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بعَرْج الطائف فنسِب إليه، وهو القائل: المنسرح:\rهل في ادكاري الحبيبَ مِنْ حَرَجِ ... أمْ هل لِهَم الفؤادِ من فَرجٍ\rأمْ كيف أنْسَى مسيرنا حرما ... يوْم حَلَلْنا بالنَّخْل مِنْ أمَج\rيوم يقولُ الرسولُ قد أذنت ... فأْتِ على غير رِقْبةٍ فَلِج\rأقْبَلْتُ أهْوي إلى رِحالِهمُ ... أُهْدَى إليها بريحها الأَرجِ\rوكان محمد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم والياً على مكة - وهو خال هشام بن عبد الملك - بلغه أن العرجيِّ هجاه، فضربه ضرباً مبرحاً، وأقامه على أعين الناس، فجعل يقول: الوافر:\rسيغضب لي الخليفة بعد رقّي ... ويَسْأل أهل مكةَ عن مَساقي\rعلي عباءَةٌ بَرْقاء ليست ... من البَلْوى تُجَاوزُ نِصْفَ ساقي\rوتَغْضَب لي بأُسْرَتِها قُصَيٌ ... ولاةُ الشعبِ والطُرُقِ العماقِ\rفحلف محمد بن هشام ألا يخرجه ما دامت له ولاية؛ فأقام في السجن سبع سنين حتى مات، وهو القائل في سجنه: الوافر:\rأضاعوني وأي فتًى أضاعوا ... ليوم كريهة وسِدَادِ ثَغْرِ\rوخَلَوني ومعترك المنايا ... وقد شُرِعتْ أسنَتهم لنَحْرِي\rكأني لم أكن فيهم وَسِيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عَمْرو\rأُجَرَرُ في الْجَوامِع كل يوم ... ألاَ لله مَظْلِمَتي وهَصْرِي\rعسى المِلكُ المجيبُ لمن دعاهُ ... سيُنْجِيني فيعلم كَيْف شُكْرِي\rفَأَنجزِي بالكرامة أهْلَ وُدي ... وأنجزِي بالضغائن أفلَ ضُرَي\rجملة من الفصول القصار لابن المعتز","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"البشر دال على السخاء كما يدلُ النَور على الثمر. إذا اضطررت إلى الكذاب فلا تصدقه، ولا تُعلِمْه أنك تكذبُه، فينتقل عن وُدهِ، ولا ينتقل عن طَبْعِه. كما أن الشمس لا يَخْفَى ضوءُها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبيُ لا تخفى غريزة عَقْلِه وإن كان مغموراً بأَخْلاَقِ الحداثة. كَرَمُ الله، عزّ وجل، لا يَنْقُضُ حِكمته، ولذلك لا يجعل الإجابة في كل دعوة. كما أن جلاءَ السيف أهوَنُ من صُنْعه، كذلك استصلاح الصديق أهونُ من اكتساب غَيْرِه. إذا استرجع الله مواهبَ الدنيا كانت مواهب الآَخرة. لولا ظلمةُ الخطا ما أشرق نورُ الصواب. الحوادث المُمِضة مُكْسِبةٌ لحظوظ جزيلة؛ من صوابٍ مدَّخر، وتطهيرٍ من ذَنْبٍ، وتَنبيه من غَفْلة، وتعريفٍ بقَدْرِ النعمة، ومُرُوان على مُقَارَعَةِ الدهر. ومثل هذا الفصل محفوظ عن ذي الرياستين، قاله بعقب عِلَّةٍ فأغار عليه ابن المعتز.\rوكتب إلى أحمد بن محمد جواباً عن كتاب استزاده فيه،: قَيِّدْ نِعْمَتي عندك بما كنت استَدْعيتها به، وذُلت عنها أسْبَاب سوءَ الظن، واسْتَدِمْ ما تُحبُ مني بما أُحِب منك.\rوكتب إليه: واللَّهِ لا قَابَلَ إحسانَكَ مني كفرٌ، ولا تَبعَ إحساني إليك مَنّ، ولك عندي يدٌ لا أَقْبِضُها عن نفعك، وأُخْرَى لا أَبْسطُها إلى ظُلْمِكَ، فتجنبْ ما يُسْخِطني، فإني أصون وجهك عن ذُلّ الاعَتذر.\rوكان أحمد بن سعيد يؤدبه فتحمل البلاذري على قبيحَةَ أم ابن المعتز بقوم سألوا أن تأذن له أن يدخلَ إلى ابن المعتز وقتاً من النهار، فأجابت أو كادَتْ تجيب، قال ابنُ سعيد: فلما اتصل الخبرُ بي جلستُ في منزلي غَضْبَانَ لما بلغني عنها، فكتب إليَ ابن المعتز وله ثَلاثَ عشرة سنة: البسيط:\rأَصبحتَ يا ابن سعيد خِدْنَ مَكْرُمَة ... عنها يقصّر مَنْ يَخْفَى ويَنتعِلُ\rسَرْبَلْتني حِكْمةً قد هدِّبَتْ شِيَمي ... وأَججَتْ نارَ ذِهْنِي فهي تَشْتَعِلُ\rأكونُ إنْ شِئْتَ قُسًّا في خَطَابته ... أو حارثاً وهو يوم الْحَفْلِ مُرْتجلُ\rوإنْ أشَأْ فِكْرَ زَيْدٍ في فرائِضِهِ ... أو مِثْلَ نعمانَ لما ضاقَتِ الحِيَلُ\rأو الخليل عَرُوضيّاً أخَا فِطَن ... أو الكِسائي نَحْويًّا لَه عِلَلُ\rتَعْلُو بَدَاهةُ ذِهْنِي في مراكبها ... كمِثْلِ ما عَرَفَتْ آبائيَ الأوَلُ\rوفي فمي صارم ما سلَّهُ أحد ... من غِمْدِه فدرى ما العيشُ والْجَذَلُ\rعُقباكَ شُكْر طويل لا نفادَ له ... يَبْقَى بجِدّتِهِ ما أَطتِ الإبِلُ\rوقس الذي ذكر: هو قس بن ساعدة الإيادي، وقد سَمع النبيُ، صلى الله عليه وسلم، شِعْرَه، وعجب منه.\rوحارث: هو الحارث بن حِلزة اليشكري، وصف ارتجاله يوم فَخْرِه بقصيدته التي أنشدها بحضرة عمرو بن هند التي أولها: الخفيف:\rآذَنتنَا ببينها أسْماءُ ... رُب ثاوِ يمَل منه الثَّوَاءُ\rوزيد: هو زيد بن ثابت الأنصاري، وإليه انتهى علم الفرائض. ونعمان: هو أبو حنيفة النعمان - رضي الله عنه - بن ثابت، سبق أهْلَ العراق في الفقْه. والخليل بن أحمد الفُرْهُودي، ويقال: الفَرَاهِيدي، منسوب إلى حيّ في الأزد، اليحمري. والكسائي: علي بن حمزة الكوفي.\rمن إنشاء ابن العميد\rوكتب أبو الفضل محمد بن العميد إلى بعض إخوانِه:","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"أنا أشكُو إليك - جعلني اللَّهُ فِداك - دهراً خؤوناً غَدُوراً، وزماناً خَدُوعاً غَرُوراً، لا يمنحُ ما يمنح إلاّ رَيْثَ ما ينتزع، ولا يبقى فيما يهب إلاَّ رَيْث ما يَرْتَجع، يبدو خَيْرُه لُمَعاً ثم ينقطع، ويحلُو ماؤه جُرعاً ثم يَمتَنِعُ. وكانت منه شيمَةٌ مألوفة، وسجيَّةٌ معروفة، أن يشفع ما يُبْرِمُه بقُرْبِ انتقاض، ويهْدي لما يبسطه وَشْكَ انقباض، وكنّا نَلْبَسُه على ما شرط، وإن خان وقَسَط؛ ونَرْضى على الرغم بحكمه، ونَسْتَئِمّ بقَصْدِه وظلمه، ونعتدّ من أسباب المسرّة ألاَّ يجيء محذورُه مصمتاً بلا انفِراج، ولا يَأْتي مكروهُه صِرْفاً بلا مِزَاجٍ، ونتعلّل بما نختلِسه من غَفَلاته، ونستَرِقُه من ساعاته. وقد استحدث غيرَ ما عرفناه سُنِّة مبتدعة، وشريعةً متَّبعة، وأعدَّ لكل صالحةٍ من الفساد حالاً، وقَرَن بكلّ خَلَّة من المكروه خِلاَلا. وبيان ذلك - جعلني اللّه فِدَاكَ - أنه كان يَقْنَعُ من معارضته الإلفين، بتفريق ذاتِ البَيْن، فقد أثني مَمْنُوًّا فيك بجميع ما أوغَرَه، وما أطْويه من البَلْوَى منك أكَثْرُ مما أنشُرُه، وأحسبني قد ظَلَمْتُ الدهرَ بسوء الثناء عليه، وألزمته جُرماً لم يكن قدره بما يحيط به، وقدرته تَرْتَقِي إليه، ولو أنك أعَنته وظاهَرْتَه، وقصدت صرفه وآَزَرْتَه، وبِعْتَني بيع الخَلقِ وليس فيمن زَادَ ولكن فيمن نقص، ثم أعرضت عني إعراضَ غير مراجع، واطَّرحتني اطّراح غير مُجامل؛ فهلاَّ وجدت نفسك أهلاً للجميل حين لم تجِدْني هناك، وأنْفَذْتَ من جلّ ما عقدت من غير جريمة، ونكثت ما عهدت من غير جريرة، فأجِبْني عن واحدة منهما؛ ما هذا التغَالي بنفسك، والتّعالي على صديقك؟ ولمَ نَبَذْتَني نَبْذَ النواة، وطرَحْتَني طَرْحَ القَذَاة؟ ولم تَلْفظني من فِيك، وتمجُّني من حلقكِ؟ وأنا الحلال الحُلْو، والبارد العذب، كيف لا تُخْطرني ببالك خَطْرة، وتُصيرني من أشغالك مرة؛ فترسل سلاماً إن لم تتجشّم مكَاتبة، وتذكرني فيمَنْ تَذْكُر إن لم تكن مخاطبة؟ وأحسب كتابي سيَرِدُ عليك فتنكره حتى تتثبّت، ولا تجمع بين اسم كاتبه وتَصَوّر شخصه حتى تتذكّر؛ فقد صرت عندك ممن مَحَا النسيانُ صورتَه من صدرك، واسمَه من صحيفةِ حِفْظك، ولعلّك أيضاً تتعجب من طمعي فيك وقد توليت، واستمالتي لك وقد أبيت، ولا عجب فقد يتفجر الصَخْرُ بالماء الزلال، ويَلين مَنْ هو أقسى منك قلباً فيعود إلى الوصال، وآخر ما أقوله أن ودي وقْف عليك، وحَبْسٌ في سبيلك، ومتى عدت إليه وجدته غضاً طرياً، فجرِّبه في المعاودة فإنه في العود أَحْمَدُ.\rاجتليت هذا الكلام على اختيار الاختصار.\rحلّ قوله فقد يتفجر الصخْرُ بالماء الزلال من قول ابن الرومي: مجزوء الرمل:\rيا شبيه البدر في الحس ... ن وفي بُعْدِ المَنَالِ\rجُدْ فقد تتفجر الصَّخ ... رة بالماء الزُلالِ\rوفي هذه الرسالة في ذكر فَتْح وإن لم يستبق منه المعنى: وقد خصّنا اللَهُ تعالى معاشرَ عُبُدِ الأمير عضد الدولة بنعمة يَعْلُو مراتبَ النعم مَوْقعُها، ويفوتُ مقدار المواهب موضعها، فباسْمِه - أبقاه اللّه - فُتح الفَتْح، وبشعاره استُنزل النجْع، وبيُمْن نقيبته فُرج الكَرْب، وبسعادة جدّه كُشِف الخَطْب، وباهتزازه للدولة وحمايته عاد إليها ماؤها، وراجعها بهاؤُها، فعز الملك ونُصِر، وذلّ العدو وقُهر، وحُمِيت أطرافُ الدولة، وحُفِظت أكنافُ الملةِ، واستجد نظام النعمة، وسُدِلَتْ ستورُ الصيانة دون الحرمة؛ ولو جعل المولى - تقدس اسمه - لنعمته إذا تناهت على عبيده جزاءً غَيْرَ الإخلاص في شكره، وقَبل ما في مقابلة المَوْهبة التي يستجدها عند خَلقه غيرَ الإغراق في حَمْده، لرأيت ألا أقتصر في قضاء حقّه على بعض الملك دون بعض، ولجعلت في صَدْرِ ما أبذل عن هذه النعمة الأعزيْن؛ الأهل والولد، والأنصَرين؛ الساعد والعَضُد، بل العميدين؛ القلب والكبد؛ بل النفس كلها، والمُهجَة بأسرها.\rما قيل في العتاب\rوقال سعيد بن حميد يعاتِبُ بعض إخوانه: الكامل:\rأقللْ عتابك فالبقاءُ قليل ... والدهر يَعدِلُ تارةً ويميلُ\rلم أبْكِ من زمن ذَمَمتُ صُروفه ... إلا بكَيتُ عليه حين يَزُولُ","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"ولكُلّ نائبةٍ ألمت مُدة ... ولكل حالٍ أقبَلت تَخويلُ\rوالمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إنْ حُصلوا أفناهم التحصيل\rولعل أحدَاثَ المنيةِ والردى ... يوماً ستَصدعُ بيننا وتَحول\rفلئن سبَقتُ لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عَوِيل\rولتفجَعَنَّ بمُخْلِصٍ لك وامق ... حَبْلُ الوفاء بحَبْلِه موصول\rولئن سَبَقْتَ ولا سبقت ليمضيَنْمَنْ لا يُشَكاِلُه لديَ خليل\rوليذهبنَّ بهاءُ كل مروءةٍ ... وليُفْقَدنَّ جمالُها المَأْهول\rوأراك تكْلَفُ بالعتاب ووُدُنا ... ضافٍ عليه من الوفاء دليل\rودّ بدا لذَوِي الإخاء جمالُه ... وبَدَتْ عليه بَهْجَة وقَبول\rولعلّ أيامَ الحياة قليلةٌ ... فعَلامَ يكثر عَتْبُنَا ويَطُولُ؟\rوقال أيضاً: الطويل:\rلقد ساءني أنْ ليس لي عنك مَذْهَبُ ... ولا لك عن سوء الخليقة مَرْغَبُ\rأفكر في ود تقادم بيننا ... وفي دونه قُرْبَى لمن يتقرَبُ\rوأنت سقيمُ الودَ رَثّ حِبالُه ... وخيرٌ من الودَ السقيمِ التجنبُ\rتُسِيءُ وتَأبَى أنْ تعقَب بَعْدَهُ ... بحسُنْي، وتَلقاني كأني مُذْنِبُ\rوأَحْذَرُ إن جازيت بالسوء والقِلَى ... مقالةَ أقوام هُمُ منك أنْجَبُ\rأساء اختياراً أو عَرَتْه مَلاَلةٌ ... فعاد يُسيء الظنَ أو يتعتَبُ\rفخِبْتُ من الود الذي كان بيننا ... كما خاب رَاجي البرق والبَرْقُ خُلَبُ\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: الطويل:\rإلى كم يكونُ الصدُ في كلّ ساعةٍ ... وَلمْ لا تملَنَ القطيعةَ والهجْرَا؟\rرويدك! إنَ الدهرَ فيه بقيَّةٌ ... لتفريقِ ذاتِ البين فانتظر الدَهْرَا\rآخر: الكامل:\rولقد علمْت فلا تكن متجنباً ... أن الصدُودَ هو الفِرَاقُ الأوَلُ\rحَسْب الأحِبَّة أن يفرَقَ بينهم ... صَرْف الزمان، فما لنا نَسْتَعْجِلُ؟\rآخر: الطويل:\rذَرِ النفسَ تأخذ وُسْعَها قبل بينها ... فمفترق جَاران دارهما العمرُ\rويقرب من المعنى قول المتنبي أيضاً: الخفيف:\rزَوَدِينا من حُسْن وجهِك ما دَا ... مَ فحسْنُ الوجوه حالٌ يَحُولُ\rوَصِلِينَا نَصِلْكِ في هذه الدّن ... يا فإنَّ المُقَامَ فيها قَلِيلُ\rما يتعلق بالأعراب\rوقف أعرابي يسألُ، فعَبِث به فتى، فقال: ممن أنت؟ فقال: من بني عامر ابن صعصعة، فقال: من أيّهم؟ فقال: إن كنت أردت عاطفة القرابة فليكفك هذا المقدار من المعرفة، فليس مقامي بمقام مُجادَلة ولا مفاخرة، وأنا أقولُ: فإن لم أكن من هاماتهم فلستُ من أعجازهم. فقال الفتى: ما رويتَ عن فضيلتك إلاّ النقص في حسبك، فامتعض الأعرابي لذلك؛ فجعل الفتى يَعْتَذِر، ويخلط الهَزْل والدعابة باعتذاره، وأطَال الكلام، فقال له الأعرابي: يا هذا، إنك منذ اليوم آذيتني بمَزْحِك، وقطعتني عن مسألتي بكلامك واعتذارك، وإنك لتكشف عن جَهلِك بكلامك ما كان السكوت يَسْتُره من أمرك، وَيْحك! إنَّ الجاهل إن مَزَح أسْخَط، وإن اعتذر أفرط، وإن حدث أسقط، وإن قدَر تسلّط، وإن عزم على أمرٍ تورَّط، وإن جلس مجلس الوقار تبسط، أعوذُ منك ومن حالٍ اضطرتنيِ إلى احتمال مثلك! وقال إسحاق الموصلي: قال أعرابي لرجل كان يعتمده بالعطية: اسأل الذي رحمني بك أن يرحمَك بي.\rوسأل أعرابي رجلاً، فأعطاه، فقال: الحمد للّه الذي ساقني إلى الرزق وساقَك إلى الأجر.\rمن إنشاء بديع الزمان الهمذاني\rومن إنشاء البديع من مقامات الإسكندري:","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: أفْضَتْ بي إلى بَلْخ تجارة البَزّ، فوردتها وأنا بِفَرْوَةِ الشباب وبَالِ الفراغ، وحِلْية الثروة، لا يهمني إلاّ نزهة فكر أستفيدها، وشَريدة من الكلام أصيدها، فما استأذن على سَمْعِي مسافةَ مُقامي، أفصحُ من كلامي. ولمَا حنى التفرقُ بنا قوْسَه أو كاد، دخل إليً شابّ في زي مِلْء العَيْن، ولحية تَشُوكُ الأخْدَعَيْنِ، وطَرْف قد شرب بماء الرَّافدين، ولَقِيَني من البرِّ في السناء، بما زِدْتُه من الشكر والثناء؛ ثم قال: أظَعْنا تُرِيد؟ قلت: إي واللّه، فقال: أخصَبَ الله رَائِدَك، ولا أضلّ قائِدَك، فمتى عزَمْتَ؟ فقلت: غداةَ غد، فقال: الوافر:\rصباح الله لا صبْحُ انطلاقِ ... وطَيْر الوَصْلِ لا طَيْرُ الفِراقِ\rقال: أين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بُلِّغْتَ الوَطن، وقضَيْتَ الوَطَر، فمتى العَود؟ قلت: القابل؟ قال: طَوَيْتَ الرَّيط، وثنَيْتَ الخيط، فأين أنت من الكرم؟ قلت: بحيث أردت؟ قال: إذا رجعك الله من هذه الطريق، فاستَصحِب لي عدُواً في بُردَةِ صديق، من نِجَار الصُّفر، يدعو إلى الكفر، ويرقُص على الظفْر، كدَارة العين، يحطُ ثِقَلَ الذين، وينافِقُ بوَجهين! فعلمت أنه يلتمس ديناراً، قلت: لك ذلك نقداً، ومثله وَغداً، فأنشأ يقول: مخلع البسيط:\rرَأْيُك مِمَّا خَطَبتُ أعلى ... لا زلت للمَكرُمات أهْلا\rصَلُبْتَ عُوداً وفُقْتَ جُوداً ... وطِئتَ فرعاً وطِبْتَ أصلا\rلا أستطيع العَطاء حَمْلا ... ولا أطيق السؤال ثِقْلاَ\rقصُرْتُ عَنْ مُنتهاك ظَنّا ... وطُلْتُ عما ظَنَنْتَ فِعلاً\rيا رحمة اللَّه والمعالي ... لا لَقَيَ الدَّهْرُ مِنْكَ ثُكْلاَ\rقال عيسى بن هشام: فُنُلتُه الدينار، وقلت: من أين نبتَ هذا الفَضل؟ قال: نَمَتني قريش، ومُهِّد لي الشرفُ في بَطْحائها. فقال بعض من حضر: ألَسْت أبا الفتح السكندري؟ ألم أرك بالعِراق، تطوف بالأسواق، مُكَدِّياً بالأوراق؟ فأنشأ يقول: مجزوء الرمل:\rإنَّ للَهِ عبيداً ... أخذوا العُمْرَ خَلِيطا\rفهمُ يُمْسُون أعرا ... با ويُضْحُون نَبيطا\rوله إلى أبي نصر الميكالي يشكو إليه خليفته بهَرَاة: كتابي، أطال اللَهُ بقاءَ الشيخ الجليل، والماءُ إذا طال مُكْثُه، ظَهَرَ خُبْثه، وإذا سكن مَتْنُه، تحرَك نتنُه، كذلك الضيفُ يَسْمُج لقاؤه، إذا طال ثَوَاؤه، ويثقل ظِلّه، إذا انتهى مَحَلّه، وقد حلَبْت أشطر خمسة أشهر بهَرَاة وإن لم تكن دار مثلي لولا مُقامهُ، وما كانت تسعني لولا ذِمَامُه، ولي في بَيْتيْ قيسٍ مَثَلُ صدق، وإن صَدَرَا مَصْدَر عِشْق: الطويل:\rوأَدْنَيْتني حتى إذا ما سبَيْتني ... بقول يُحِل العُصمَ سَهلَ الأباطحِ\rتجافَيْتِ عني حيث لا ليَ حيلةّ ... وخلَفْتِ ما خلًفْتِ بين الجوانِحِ\rنعم. قنصتني نِعَمُ الشيخ الجليل، فلما عَلِقَ الجناح، وقَلِقَ البَرَاح، طرت مطارَ الريح، بل مطارَ الرّوح، وتركتني بين قوم ينقض مَسُّهم الطهارَة، وتُوهِن أكفّهم الحجارة، وحدثت عن هذا الخليفة، بل الجِيفة، أنه قال: قضيت لفلان خمسين حاجةَ منذ ورد هذا البلد، وليس يَقْنع، فما أصنع؟ فقلت: يا أحمق، إن استطعت أن تراني محتاجاً، فاستطع أن أراك محتاجاً إليك. أفً لقولك ولفعلك، ولدهر أحْوَج إلى مثلك! وأنا أسأل الشيخ الجليل أن يبيضَ وجهي بكتاب يُسَوِّد وجهه، ويعرّفه قَدْره، ويملأ رعباً صدره، إلى أن تَبِين على صفحات جَنْبِه، آثارُ ذنبه.\rوله إليه يعاتبه:","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"قد عرف الشيخ الجليل اتّسامي بعبوديته، ولو عرفْتُ وراءَ العبودية مكاناً لبلغته معه، وأراني كلما قدمت صُحْبة، رجعت رُتْبة، وكلّما طالت خِدْمة، قصُرت حِشمة، ولست ممن يذهب عليه أن للسلطان أنْ يرفع عَبْداً حبشياً، ويَضَع قُرَشِياً، ولكن أحب أن أقف من مكاني على رُتْبةِ كوكبها لا يغور، ومنزلةٍ لَوْلَبُها لا يَدُور، فإذا عرفت قَدْري وخطه، لم أتخطَه، ثم إن رأيت محلي وحده، لم أتعدَه، إن قدَّمني يوماً عليها علمت أن عنايةً قدمتني، وإن أخرني عنها علمت أن جناية أخرتني. رُفع عليّ اليوم فلانٌ ولستُ أنكِر سِنه وفَضْلَه، ولا أجحد بيته وأصله، ولكن لم تجْرِ العادة بتقدّمه، لا في الأيام الخالية، ولا في هذه الأيام العالية؛ وشديدٌ على الإنسان ما لم يُعود؛ فإن كان حاسدٌ قد هم، أو كاشح قد نمَ، أو خَطْبٌ قد ألمّ، أو أمرٌ قد رقع وتم، فالشيخُ الجليلُ أولى من يعرفه ويعرّفنيه، وإلا فما الرأي الذي أوْجَب اصطناعي، ثم ضياعي، والسبب الذي اقتضى بَيْعِي بعد ابتياعي؟\rعود إلى المأمون\rولما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدي أمر به فأدْخِل عليه، فلما وقف بين يديه قال: وَليُ الثأر محكّم في القصاص، ومَنْ تَناوَله الاغترار بما مُدَ له من أسباب الرجاء أمِن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك اللَّهُ تعالى فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذَنْب دونك، فإن أخذتَ فبحقَك، وإن عفوت فبفضلك. ثم قال: المجتث:\rذَنْبي إليك عظيم ... وأنت أغم منهُ\rفخُذْ بحقِّك، أوْ لا ... فاصفحْ بفَضلِك عنه\rإن لم أكن في فعالي ... مِنَ الكرام فكنْهُ\rفقال لي: إني شاورت أبا إسحاقَ والعباس في قَتْلك، فأشارا به، قال: فما قلتَ لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأناه بإحسان، ونحن نستَأمِره فيه، فإن غير فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم ما جَرَت عليه السياسة فقد فعلا وبلغا ما يبلغك، وهو الرأيُ السديد، ولكنك أبيت ألا تستجلب النصر إلاَ من حيث عوَّدك الله. ثم استَعْبَر باكياً، فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جَذَلا! إذ كان ذَنْبي إلى مَن هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن كان قد بلغ جُرْميَ استحلال دمي، فعِلْمُ أمير المؤمنين وفَضلُه بلغاني عفوه، ولي بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحق الأبوّة بعد الأب. فقال: يا إبراهيم، لقد حُبِّب إليّ العفو حتى خِفْتُ ألاَ أُوجَر عليه، أما لو علم الناسُ ما لنا في العفو من اللذّة لتقرّبوا إلينا بالجنايات، لا تَثْرِيب عليك يغفر الله لك، ولو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلَغك ما أملت حسنُ تنصّلك ولطف توصلك، ثم أمر برد ضياعه وأمواله، فقال: البسيط:\rرددت مالي ولم تَبْخَل عليّ به ... وقبل رَدِّك مالي قد حَقَنْتَ دمي\rوقام علمُك بي فاحتجّ عندك لي ... مقام شاهدِ عدل غَيْرِ متهَمِ\rفلو بذلتُ دمي أبغي رضاكَ به ... والمال حتى أسلّ النَّعْلَ من قَدَمي\rما كان ذاك سِوَى عاريّة سَلَفَتْ ... لو لم تهبْها لكنت اليوم لم تُلَم\rأخذ معنى قول المأمون: لقد حُبّب إليّ العفو حتى خفت ألاّ أوجَرَ عليه أبو تمام الطائي فقال: الكامل:\rلو يعلمُ العافون كم لكَ في الندى ... من لذة وقريحةٍ لم تَخْمُدِ\rفكان أبو تمام في هذا كما قال أبو العباس المعتز في القاسم بن عبيد اللّه:\rإذا ما مدحناه استعنَا بفِعْله ... فنأخذ معنى قَوْلنا مِنْ فعالِه\rوكان تصويبُ إبراهيم لرأي أبي إسحاق المعتصم والعباس بن المأمون ألطفَ في طلب الرضا ودَفْع المكروه واستمالتهما إلى العاطفة عليه من الإزراء عليهما في رأيهما، وكان إبراهيم يقول: والله ما عفا عني لرَحمٍ ولا لمحبةٍ؛ ولكن قامت له سوقٌ في العفو كَرِه أن يفسدها بي.\rوكان المأمون شاور في قتل إبراهيم أحمدَ بن أبي خالد الأحول، فقال: إن قتلتَه فلك نظير؛ وإن عفوتَ عنه فلا نَظير لك؛َ فأختار لك العفو.\rبين المأمون وإسحاق بن العباس\rوقال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبني أغفلت أمر ابن المهدي وتأييدك له، وإيقادَك لِناره.","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"قال: واللّه يا أمير المؤمنين لأَجرام قريش إلى رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، أعظمُ من جُرْمي إليك؛ ولرَحمي أمسّ بك من أرحامهم؛ وقد قال لهم كما قال يوسف؛ على نبّينا وعليه الصلاة والسلام لأخْوته: \" لا تَثرِيبَ عليكم اليومَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُم وَهُوَ أرْحَمُ الراحِمِينَ \" . وأنت يا أمير المؤمنين، أحَقُّ وارثٍ لهذه الأمة في الطَّوْل، وممتثل لخلال العَفْو والفَضل.\rقال: هيهات! تلك أجرامَّ جاهلية عَفَا عنها الإسلام، وجُرْمُك جُرمٌ في إسلامك، وفي دار خلافتك.\rقال: يا أمير المؤمنين، فواللّه للمسلم أحق بإقالة العَثْرَة وغُفْرَان الذنب من الكافر. وهذا كتاب الله بيني وبينك إذ يقول: \" وسارِعُوا إلى مَغْفرةِ من ربِّكُمْ وجَنةٍ عَرْضُها السماواتُ والأرضُ أُعِدَّتْ للُمتَّقِين، الذين يُنْفقُونَ في السَرّاء والضرَّاء والكاظِمينَ الغَيْظَ والعافِينَ عن الناسِ واللَّهُ يُحِب المُحْسِنينَ \" . والناسُ يا أميرَ المؤمنين، نسبةٌ دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف.\rقال: صدقت، وَرِيَتْ بك زنادي، ولا بَرِحْتُ أرى من أهلك أمثالك.\rفي الاستعطاف\rوقال رجل لبعض الملوك وقد وقف بين يديه: أسألك بالذي أنت بين يديه غداً أذَل مني بين يديك اليوم، وهو على عقابك أقْدَرُ منك على عقابي، إلاَ ما نظرتَ في أمري نَظَرَ من بُرْئي أحبُّ إليه من سُقْمِي، وبراءتي أحبُّ إليه من بليّتي.\rوأراد معاوية عقوبة روح بن زنباع فقال: يا أمير المؤمنين، أنشدك اللّه تعالى ألاَ تضع مني خَسيسة أنتَ رفعتها، أو تنقض مني مَرِيرة أنتَ أبرمتها، أو تشمت بي عدوًّاً أنت كبته، وحاسداً بك وقَمْتُه؛ وأَسألك باللّه إلاَّ أرْبى حِلْمُك على خطئي وصفحك على جهلي.\rفقال معاوية رضي اللّه عنه: إذا اللّه ثنى عقد شيء تيسرا.\rأشار إلى هذا أبو الطيب المتنبي إذ قال: الطويل:\rأزِلْ حَسَدَ الحُسَّادِ عني بكَبْتِهِمْ ... فأنتَ الذي صَيرْتَهُمْ لي حُسدا\rإذا شَدَّ زَندي حُسْنُ رَأيِك في يَدي ... ضَرَبْتُ بسَيْفٍ يَقْطَعُ الْهَامَ مُغْمَدَا\rعفو الملوك\rوعَتَب المأمون على بعض خاصّته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة وحديث التوبة يَمْحُوَان ما بينهما من الإساءة. قال: صدقت، وعفا عنه.\rوكان في ملوك فارس ملك عظيم المملكة، شديدُ النقمة، فقرب له صاحب المطبخ طعامه، فنقطت نُقْطةٌ من الطعام على المائدة، فَزَوى له الملك وَجْهَه، وعلم صاحبُ المطبخ أنّه قاتله، فعمد إلى الصَّحْفَة فكفأَها على المائدة ثم ولّى، فقال له الملك: ما حَملك على ما فعلت، وقد علمتُ أن سقوطَ النقطة أخطأَتْ بها يدك ولم يَجْرِ بها تعمُّدك، فما عندك في الثانية؟ قال: استحيتُ للملك أنْ يُوجب قتلي، ويُبيح دَمَ مثلي، في سنَي وحُرْمتي، وقديم اختصاصي وخِدْمتي، في نُقْطة أَخْطأَتْ بها يَدي، فأَرَدْتُ أن يَعْظُم ذَنبي ليَحسُنَ بالملك قَتْلي.\rقال: لئن كان اعتذارك يُنجِيك من القتل، فليس يُنْجِيك من التأديب، اجِلدوه مائةَ جَلدة، واخلعوا عليه خلع الرضَا.\rوخرج بهرام جور متصيّداً فعنّ له حمار وَحْشٍ ، فأتبعه حتى صَرعه، وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فَرسه يريدُ ذَبْحه، وبَصُرَ براعٍ فقال: أمْسك عليّ فَرسي، وتشاغل بذبح الحمار، وحانَتْ منه التفاتة، فنظر إلى الراعي يقطع جَوْهَر عِذار فرسه، فحوَل بهرام جور وَجْهَهُ وقال: تأمُلُ العيبِ عَيْب، وعقوبةُ من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سَفَه، والعفوُ من أفعال الملوك، وسُرْعَة العقوبة من أفعال العامة.\rثم قال: يا غلام، ما بال شِرْيَانِك يضطربُ لعقك آذاك تكسيرُنا أرْضك بحوافر خَيْلنا، فقال: نعم، وقد عزمتُ على أن أنقلع مائةَ فرسخ، فقال بهرام: لا تُرَع؛ فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعي خبيثاً، فقال: إن الملوك إذا قالت قولاً تَمَتْ على قولها، فرجع بهرام إلى عسكره وقال: اتبعني لأُوثَقَ لك من هذه الأرض، فاتَّبعه، فلما بَصُر به الوزير قال: أيها الملك السعيد، إني لأرى جَوْهَر عِذار فرسك مُقَلّعاً، فتبسّم وقال: أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ به، فمَنْ أخذه صاحبُنا ولا نُطالبه به.\rنقل ابن الرومي قول بهرام: تأمل العيب عَيْبٌ كما اتّفق موزوناً فقال: المجتث:","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"تأمُلُ الْعَيْبِ عَيْبُ ... مَا في الذي قُلتُ رَيْبُ\rوكلُّ خَيْرٍ وشَر ... دُونَ العَوَاقِبِ غَيْبُ\rوربّ جلْبَابِ هَم ... فيه مِنَ الصنْعِ جَيْبُ\rلا تحْقِرنَّ سُيَيْباً ... كم قاد خيراً سيَيبُ\rأخذ البيت الأخير من قول الطائي: مخلع البسيط:\rرب قَليل غدا كثيراً ... كَمْ مَطَرٍ بَدْؤُهُ مُطَيْرُ\rوقوله: الخفيف:\rلا تَزِيلَنْ صَغِيرَ هَمّكَ وانْظُر ... كم بذي الأثْلِ دوحةً مِنْ قضيبِ\rوقد أعاد ابن الرومي قوله: المجتث:\rوكلُّ خَيْرٍ وَشَر ... دُون الْعَواقِبِ غَيْبُ\rفي قصيدته التي مدح بها أحمد بن محمد بن ثوابة حين ساوره، وقال: لو أتى لبيد لتعجب منه، فاستجزله وقال: الطويل:\rولما دَعَاني للَمُثوبَةِ سَيد ... يَرَى الْمَدْحَ عَاراً قَبْلَ بَذْلِ المَثَاوِبِ\rتَنَازَعني رَغْبٌ ورَهبٌ كِلاهُما ... قَوِي، وَأعْياني طُلُوع الْمَعايِبِ\rفقدَمتُ رِجْلاً رَغْبَةً في رَغِيبَة ... وأخرتُ رِجْلاً رَهْبَةً لِلْمَعاطِبِ\rأخاف عَلَى نَفْسِي وأَرْجُو مفازَهَا ... وأَسْتَارُ غَيْبِ اللَّهِ دُونَ الْعَواقِبِ\rألاَ مَنْ يُريني غَايَتي قبل مَذهبي ... وَمِنْ أَيْنَ وَالغايَاتُ بَعْدَ المَذَاهِبِ\r؟؟؟رجع إلى إنشاء بديع الزمان\rنسخْة رقعة كتبها بديع الزمان إلى أبي علي إسماعيل يعتذرُ إليه: سوءُ الأدب من سكر النَّدْب، وسكر الغضب من الكبائر التي تنالُها المَغْفِرة، وتَسَعُها المَعْذِرة، وقد جرى بحَضْرةِ الشيخ ما جَرَى، وقد أفْنَيْت يدي عضًّاً، وأسناني رَضاً، وإن لم أوف ما جَرَى فالعُذْرَ أمُدّ خطاً، فإنْ كان بِساطاً يطوى، وحديثاً لا يُرْوَى، فأوْلى مَن عذَرَ اللاعب، وأحْرَى من غَفَر الصاحب؛ وإن كان ميتاً يُنْشَر، وسبباً يُذْكَر، فلْيَكن العقابُ ما كان، إن لم يكن الهجران، على أني قد أخذت قِسْطِي من العقاب، واستَفَدْت من ردَ الجواب، ما كفى وأَوْجَعَ القَفَا؛ فكان من مُوجب أدب الخِدْمَة، إبقاءُ الحِشمة لولي النعمة، باحتمال الشَتْم، والإغضاء عن الخصْم، لكني أحْدَقَتْ بي ثلاثة أحوال لا يَسْلَمُ صاحبها؛ اللعب وسكره، والخصم وهُجره، والإدلال والثقة، وهُنَ اللواتي حملنني على ماء الوَجْهِ فهَرَقْتُه، وحجابِ الحشمة فخَرَقتُه، وقد منعني الآَن فَرْطُ الحياء من وَشْكِ اللقاء، وعَهْدِي بوجهي وهو أصْفَقُ من العُدم الذي حملني على جَهْلِه، وأَوْقَحُ من الدهر الذي أحوجني إلى أهله؛ لكن النعم إذا توالَتْ على وَجْهٍ رفَقت قِشْرَته، وألاَنت بَشَرته؛ وأنا منتظر من الجواب ما يريش جَنَاحي إلى خِدْمَته، فإنْ رأى أن يكتب فَعل، إن شاء الله.\rوله رقعة إلى أبي علي بن مشكويه أولها: الطويل:\rويا عزّ إن وَاشٍ وَشى بي عندكم ... فلا تُمْهِليهِ أن تَقُولي له: مَهْلا\rكما لو وَشَى واشٍ بعزةَ عندنا ... لقلنا: تَزَحْزَح لا قريباً ولا أهلا","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"بلغني، أطال اللهُ بقاءَ الشيخ أن قيضة كلب وافَتْه بأحاديث لم يُعِرْها الحقُّ نورَه، ولا الصدقُ ظهورَه، وأنه - أدام الله عزه - أذن لها على مَجال أذنه، وفسح لها فِناء ظنه، ومعاذ الله أن أقولها، وأستجيز معقولها؛ بل قد كان بيني وبين الشيخ عِتَابٌ لا ينزل كنَفه ولا يجدف، وحديث لا يتعدَى النفسَ وضميرها، ولا يعرف الشفة وسَميرها، وعَرْبَدة كَعَربدَة أهل الفضل، لا تتجاوزُ الذلال والإدلال، ووحشة لا يكشفها عتابُ لحظة، كعتاب جَحْظة، فسبحان مَنْ ربّي هذا الأمرَ حتى صار أمراً، وتأبط شراً، وأوْجَب عُذْراً، وأوحش حُراً. وسبحان مَنْ جعلني في حَيّزِ العدو أشِيم بَارِقَته، وأتخوّف صَاعِقَته، وأنَا المسَاء إليه، والمجنيُّ عليه، ولكن من بُلي من الأعداء بمثل ما بُليت، ورُمي من الحسد بما رُمِيت، ووقف من التوحّد والوحدة حيث وقَفْت، واجتمع عليه من المكارِهِ ما وصَفْت، اعتذر مظلوماً، وضَحك مشتوماً، ولو علم الشيخُ عددَ أولاد الجدد، وأبناء العدد، بهذا البلد، ممن ليس له همّ إلاَّ في سعاية أو شكاية أو حكاية أو نكاية، لضنَّ، بعِشْرَة غريب إذا بدر، وبعيد إذا حضر، ولصانَ مجلسه عمن لا يَصُونُه عما رقى إليه، وهَبْني قد قلت ما حكى، أليس الشَّاتِمُ مَنْ أسْمع، والجاني منْ أبلغ؟ فقد بلغ مِنْ كيد هؤلاء القوم أنهم حين صادفوا من الأستاذ نفساً لا تُستفز، وجبلاً لا يهزّ، وشَوْا إلى خدمه بما أرّثوا نارهم ، وورد عليّ ما قالوه فما لبثت أن قلت: الطويل:\rفإن تَكُ حرب بين قومي وقومها ... فإني لها في كلِّ نائبة سلمُ\rوليعلم الأستاذ أنَ في كبد الأعْداء مني جَمْرة، وأنَّ في أولاد الزنا عندنا كَثْرة، وقُصاراه نارٌ يَشُبونها، وعقرب يُدَبِّبُونها، ومَكِيدة يَطْلُبونها، ولولا أن العذْرَ إقرار بما قيل، وأكره أن أستقيل، لبسطتُ في الاعتذار شَاذَرْواناً، ودخلت في الاستقالة مَيْداناً، لكنه أمرٌ لم أضعْ أوله، فلم أتَدارَكْ آَخره.\rوقد أبى الشيخ أبو محمد - أيّده اللّه - إلاّ أن يوصَلَ هذا النثر الفاتر بنظم مثله فهاكه يَلْعَنُ بعضه بعضاً: السريع:\rمولاي إن عدتُ ولم ترضَ لي ... أنْ أشرب البارد لم أشْرَبِ\rاِمْتَطِ خدي وانتعِل ناظري ... وصِدْ بكفِّي حُمةَ العَقْربِ\rتاللّه ما أنْطِقُ عن كاذبٍ ... فيك، ولا أُبْرِقُ عن خُلَبِ\rفالصفوُ بعد الكذب المفترَى ... كالصّحو عقْب المَطَرِ الصَّيَبِ\rإن أجْتَنِ الغلظة من سيدي ... فالشوكُ عِند الثمر الطيب\rأو يفسد الزورُ على نَاقد ... فالخمر قد يعصب بالثيّب\rولعلّ الشيخ أبا محمد - أيده الله - يقوم من الاعتذار بما قعد عنه القلمُ واللسان؛ فنعم رائد الفضل هو، والسلام.\rفِقَرٌ من كلام سهل بن هرون للمأمون\rكان المأمون استَثقل سَهْل بن هرون، فدخل عليه يوماً، والناسُ على مَراتبهم، فتكلّم المأمون بكلام ذَهَب فيه كل مذهب؛ فلما فرغ من كلامه أقبل سهلُ بن هرون على الجَمع فقال: ما لكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تَفْقَهُون، وتفهمون ولا تتعجَّبون، وتتعجّبون ولا تُنصفون؟ واللّه إنه ليقول ويفعلُ في اليوم القصير ما فعل بنو مروان في الدهر الطويل، عَرَبُكم كعجمكم، وعَجَمُكم كعبيدكم، ولكن كيف يَعْرِف الدواء من لا يشعر بالداء؟ فرجع المأمونُ فيه إلى الرأي الأول.\rمن ترجمة سهل بن هرون، وأخباره\rوكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل مَيسان، نزل البصرة فنُسِب إليها، وهو القائل: الكامل:\rيا أهل مَيْسان السلام عليكم ... الطيبون الفرعُ والْجِذْمُ\rأمّا الوجوهُ ففِضَّة مُزِجت ... ذهباً وأيدٍ سَحَةٌ هُضْمُ\rأتُريدُ كلْب أن أُناسبها ... قد قلّ من كلْب بيَ العِلْمُ\rأجعلت بيتاً فوق رابية ... فرعُ النجوم كأنه نَجْمُ\rكَبَيَتِ شَعير وسط مجهلة ... بفنائه الْجِعْلاَنُ والبهْمُ\rوكان سهل شعوبياً، والشعوبية فِرْقَةٌ تتعصّب على العرب وتنتقصُها، وكان أبو عبيدة يُرمى بذلك.","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"وسهل ظريفٌ عالم حسَنُ البيان، وله كتب ظريفة صنَفها معارضاً للأوائل في كتبهم بما لا يستَصْوبه منهم، حتى قيل له: بزر جمهر الإسلام وقال يمدح رجلاً: الطويل:\rعدوُّ تِلادِ المال فيما يَنُوبُهُ ... مَنُوعٌ إذا ما مَنْعُه كان أحْزَما\rمذلّل نفس قد أبتْ غير أنْ تَرَى ... مكارِهَ ما تأْتي من العيش مَغْنَما\rوهذا نظير قوله في كتاب ثَعْلَة وعُفرة الذي عارض به كليلة ودمنة: اجعلوا أداءَ ما يَجِبُ عليكم من الحقوق مقدماً قبل الذي تجودون به من تفضلكم؛ فإن تَقْديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مُظاهر على وَهَنِ العقيدة، وتقصير الروية، ومُضِرٌ بالتدبير، مخل بالاختيار، وليس في نفع محمدتِه عِوَض من فساد المروءة ولروم النقيصة. وكتابه هذا مملوء حكماً وعلماً. وسهل القائلُ: الطويل:\rتقسمني هَمَانِ قد كَسَفا بالي ... وقد تركا قَلْبي محلَةَ بَلْبَالِ\rهما أذرَيا دَمْعي، ولم تذر عَبْرتي ... رهينةُ خِدْر ذات سِمْطٍ وخلخَالِ\rولا قهوة لم يَبْقَ منها على المدى ... سوى أن تحاكي النور في رَأس ذيال\rتحللَ منها جِرمها وتماسكت ... لها نَفْسُ معدوم على الزمن الخالي\rولكما أبكي بعَيْنِ سخينة ... على حَدَث تبكي له عَينُ أمثالي\rفراق خليل لا يقوم به الأسى ... وخَفَة حُرً لا يَقُوم لها مالي\rفواحسرتي حَتّى متى القلب مُوجَع ... لفَقْد خليل أو تَعَذرِ إفضال؟\rوما الفَضْلُ إلاّ أنْ تجودَ بنائل ... وإلاّ لقاء الخل ذي الخُلُقِ العالي\rوهو القائل: البسيط:\rإذا امرؤ ضاق عني لم يَضِق خُلُقي ... من أنْ يراني غنيًّا عنه بالْيَاس\rلا أطلبُ المال كي أغْنَى بفضلته ... ما كان مَطْلَبُه فَقْراً إلى الناس\rوأنشد له الجاحظُ يهجو رجلاً: البسيط:\rمن كان يَعْمُرُ ما شادَتْ أوائلهُ ... فأنتَ تَعْمُرُ ما شادُوا وما سَمَكُوا\rما كان في الحق أن تحوي فعالهمُ ... وأنت تَحْوي من الميراث ما تركوا\rوقال محمد بن زياد الزيادي: وجَدْتُ على سهل بن هرون في بعض الأمر، فهجوته، فكتب إلي؛ أما بعد، فالسلامُ على عهدك وداعَ ذي ضَنّ بك، في غير مَقْلِيَة لك، ولا سَلْوَة عنك، بل استسلام للبَلْوى في أمرك، وإقْرَار بالمعجزة في استعطافك، إلى أوان فيئك، أو يجعل اللّه لنا دَولة من رجعتك، والسلام.\rوكتب في أسفل الكتاب: المنسرح:\rإن تَعْفُ عن عبدك المسيء ففي ... عفوك مَأْوًى للفضل والمِنَنِ\rأتيتُ ما استحقّ من خَطإ ... فجُد بما تستحق من حسنِ\rمن عِظات الحسن البصري\rوقال الحسن البصري، رحمه اللّه في يوم فطر وقد رأى الناسَ وهيآتِهم: إن الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضماراً لخلْقِه، يستَبِقُون فيه بطاعته إلى مَرْضاته، فسبَقَ قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابُوا، فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخَسْرَ فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومُسِيء بإساءته.\rونظر إلى قوم منصرفين من صلاة الفِطْر يتدافعون ويتضاحكون، فقال: الله المستعان! إن كان هؤلاء قد تقرر عندهم أنّ صومهم قد تُقُبل فما هذا محل الشاكرين، وإن علموا أنه لم يتقبّل فما هذا محل الخائبين.\rوكان الحسن من الخطباء النّساك الفقهاء الأجواد، ويقال: إنه لم يكن تابعيّ أفضل منه.\rهذا قول أهل العراق جميعاً، وأهل الحجاز يقدمون سعيد بن المسيب عليه، وكان سعيدٌ أحْسَنَ من الحسن وَرَعاً، وأشدّ الناس حَذَراً، وأقلّهم كلاماً. وكان الحسن لا يدع أن يتكلّم بما هَجَس في نفسه، وجَاش في صدره.\rوعلى ذكر الحسن شهرَ رمضان نقول:\rألفاظ لأهل العصر\rفي التهنئة بإقبال شهر رمضان\rمع ما يتّصل بها من الأدعية","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"ساق اللَّهُ تعالى إليكَ سعادةَ إهلاله، وعَرَّفك بركة كماله. قسم اللَّهُ لك من فَضْلِه، ووفَّقك لفَرْضِه وَنَقلِه. لقّاك اللّه ما ترجو، ورقاك إلى ما تحته فيما تَتْلوه. جعل اللَهُ ما أظَلك من هذا الصوم مقروناً بأفضَلِ القبول، مُؤْذِناً بدَرْكِ البُغْيَة ونُجْحِ المأمول، ولا أخْلاَك من برِّ مرفوع، ودعاءً مسموع. قابَلَ اللّه تعالى بالقبول صيامَك، وبعظيم المَثُوبة تهجدك وقيامك. عرَفك الله من بركاته ما يُرْبي على عدد الصائمين والقائمين، ووفقك اللَهُ لتحصيل أجْرِ المتهجدين. أَسأل الْلّه تعالى أن يضاعِفَه بمنه لك، ويجعله وسيلة بقبوله إلى مَرضاته عنك. أعاد اللَهُ إلى مولاي أمثاله، وتقبل فيه أعماله، وأصلح في الدين والدنيا أحواله، وبلّغه منها آماله. أسعده اللّه بهذا الشهر، ووفاه فيه أجزل المَثُوبة والأجر، ووفر حظه من كل ما يرتفع من دُعاء الدَاعِين، وينزل من ثواب العاملين، وقبل مساعيه وزَكاها، ورفع درجاته وأعلاها، وبلَغَه من الآمال مُنْتهاها، وظَفِر بأبعدها وأقصاها.\rوقال الحسن: من أخلاق المؤمن قوةٌ في دين، وحَزمٌ في لين، وحِرص على العلم، وقناعة في فَقْر، ورحمة للمَجهود، وإعطاء في حق، وبرٌ في استقامة، وفقه في يقين، وكسب في حلال.\rوقال محمد بن سليمان لأبي السماك: بلغني عنك شيء، قال: لا أُباليه، قال: ولمَ؟ قال: لأنه إن كان حقًّاً غفرته، وإن كان باطلاً كذبته.\rوقال محمد بن صُبَيْح المعروف بابن السماك، خيْرُ الإخوان أقلّهم مصانعة في النصيحة، وخيرُ الأعمال أحلاها عاقبة، وخيرُ الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف السلطان ما لم يخالطه البَطَر، وأَغْنى الأغنياء من لم يكن للحِرْص أسيراً، وخير الإخوان من لم يخاصم، وخيرُ الأخلاق أعونها على الورع، وإنما يختبر وُدُّ الرجال عند الفاقة والحاجة.\rووصف بعضُ البلغاء رجلاً فقال: إنه بسيط الكف، رَحْب الصدْرِ، موطَّأ الأكناف، سَهْل الخلق، كريم الطِباع، غَيْثٌ مُغِيثٌ، وبَحْرٌ زَخُور، ضَحُوك السنّ، بشير الوَجْهِ، بادي القبول، غير عَبُوس، يستقبلك بطَلاَقةٍ، ويحييِّك ببشْر، ويَسْتَدْبِرُكَ بكرمِ غَيْب، وجميل سر، تبهجك طَلاَقتهُ، ويرضيك بِشْرُه، ضَحَّاكٌ على مائدته، عَبْدٌ لضِيفانه، غير ملاحظ لأكِيله، بَطِينٌ من العقل، خَميص من الجهل، راجح الْحِلْم، ثاقب الرَّأي، طيِّب الخلق، محصّن الضريبة، مِعْطاء غير سائل، كاسٍ من كل مَكْرُمة، عارٍ من كلِّ ملامة، إن سُئِلَ بَذَل، وإن قال فَعلَ.\rقال أبو الفتح كشاجم: الطويل:\rمزاجك لِلْمَثْنى من العودِ والصَّبا ... من الرِّيح والصافي الرقيق من الخَمْرِ\rفلو كنت وَرْداً كنت وَرْداً مُضاعَفا ... ولو كنت طِيباً كنت من عَنْبَر الشَحْر\rولو كنت لَحْناً كنت تأْليف مَعْبَدٍ ... ولو كنت عوداً ما افتقَرتَ إلى زَمْرٍ\rوقال أعرابي: الطويل:\rألا حَبذا البُرْدُ الذي تَلْبَسِينهُ ... ويا حَبّذا مَنْ باعكِ البُرْدَ من تَجْرِ\rفلو كنت ماءً كنت ماءَ غمامةٍ ... ولو كنت درًّا كنت من دُرَّةٍ بِكْرِ\rولو كنت لَهْواً كنت تَعْلِيلَ ساعةٍ ... ولو كنت نَوْماً كنت إغفاءةَ الفَجْرِ\rولو كنت لَيْلاً كنت قَمْرَاء جُنبت ... نُحُوس لَيَالي الشَهْرِ أو ليلةَ القَدْرِ\r/بِسم اللهِ الرحَمّنِ لرَّحيم\rنبذ من ألفاظ بلغاء أهل العصر\rتجري في المدح مجرى الأمثال، لحسن استعارتها، وبراعة تشبيهاتها:","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"فلان مسترضَعٌ ثَدْيَ المجد، مُفْتَرِشٌ حِجْرَ الفضل، له صَدْر تَضِيق به الدَهْنَاء، وتَفْزَع إليه الدَهْمَاء، له في كل مكرمة غُزَه الإصباح، وفي كل فضيلة قادِمَةُ الْجَنَاح، له صورة تستنطق الأَفْوَاهَ بالتسبيح، ويتَرقْرَقُ فيها ماءُ الكرم، وتقرأُ فيها صحيفةَ حُسْن البشر، تحيا القلوب بلقائه، قبل أن يُمِيتَ الفَقْرَ بعطائه، له خُلقٌ لو مُزِج به البحرُ لنفى مُلُوحَتَه، وكفى كدورته. هو غذاءُ الحياة، ونسيم العشق، ومادَّة الفَضْل، آراؤُه سكاكين في مفاصل الْخُطوب، له هِمَةٌ تعزل السماكَ الأعْزَل، وتجرّ ذَيْلها على المجرَّةِ، هو راجحٌ في موازين العَقْل، سابقٌ في ميادين الفَضْلِ، يَفْتَرع أبكارَ المكارم، ويَرْفَع مَنَارَ المحاسن، ينابيع الجود تتفجر من أنامله، وربيعُ السماء يَضْحَك من فَوَاضلِه. هو بيتُ القصيدة، وأول الْجَرِيدة، وعَيْن الكتيبة، وواسطة القِلاَدة، وإنسانُ الحدَقة، ودُرَّة التاج، ونقش الفصّ! وهو مِلح الأرض، ودِرْع المِلّة، ولسان الشريعة، وحِصْنُ الأمة. هو غُرّة الدّهر والزمان، وناظر الإيمان. له أخلاقٌ خُلِقْنَ من الفَضْلِ، وشِيَمٌ تُشَام منها بَوَارِقُ المَجْد، أرج الزمانُ بفَضْلِه، وعَقمَ النساءُ عن الإتيان بمثلِه. الجميلُ لديه مُعْتَاد، والفضْلُ منه مبدوءٌ ومُعَاد، مَالُهُ للعُفَاة، مُبَاح، وفعالُه في ظلمة الدهر مِصْبَاح، كأنَ قلبَه عَيْن، وكأنَ جسمه سَمْع، يرى بأول رَأْيه آخر الأمر، جوهر من جواهر الشرف لا من جواهر الصَّدَف، وياقوتة من يواقيت الأحرار، لا يواقيت الأحجار، طلعتُه للبشاشة عليها ديباجة خُسْرَوَانيّة، وفيها للطلاقة روضة رَبيعية. وَجْهٌ كأنَّ بَشَرته نشر البِشْر، ومواجهته أمانٌ من الدَّهر. يصل ببشره، قبل أنْ يَصِل ببرّه، قد لحظت من وجهه الأنوار، ومن بَنَانِه النوّار. أنا من كرم عشرته، وطلاقَة أسِرَّته، في روضة وغدير، وجنةٍ وحرير، وهو بَحْرٌ من العلم ممدود بسبعة أبحر، ويومُه من يوم الأدب كعمر سبعة أنْسُر. العلم حَشْوُ ثيابه، والأدب مِلْء إهَابه. هو شَخْصُ الأدب مائلاً، ولسانُ العلم قائلاً. شَجَرة فَضل عودها أدب، وأغصانها عِلْم، وثمرتها عَقْل، وعروقها سَرْوٌ، تسقيها سماءُ الحريَّةِ، وتغذِّيها أرضُ المروءة. هم ملح الأرض إذا فسدت، وعمارةُ الأرض إذا خَرِبت، ومعرض الأيام إذا احتشدَتْ؛ وهم جمالُ الأيام، وخواصُّ الأنام، وفرسان الكلام، وفلاسفة الإسلام. فلان غُصْنُ طَبْعِهِ نَضير، ليس له في مَجْدِه نظير، قد جمع الْحِفظَ الغزير، والفَهْمَ الصحيح، والأدب القويّ القويم، وما يُؤْنِسُه من الوَحْشَةِ إلا الدفاتر، ولا يَصْحَبه في الوَحْدَةِ إلا المحابر. فلان يحل دقائقَ الأشكال، ويُزِيل معترض الإشكال. له خلْق كنسيم الأسْحَار، على صفحات الأنوار. كالماء صَفَاءً، والمسك ذكاءً. أخلاق قد جمعت المروءةُ أطرافَهَا، وحرست الحرية أكْنافَها. أخلاق تجمع الأهواءَ المتفرقة على محبته، وتؤلّف الآراء المتشتّتة على مودتِه. أخلاق أعذبُ من ماء الغَمام، وأحلى من رِيق النّحل، وأطيب من زمان الوَرْد. أخلاق أحسن من الدرّ والعِقْيَان، في نحور الْحِسَان، وأَذْكى من حركات الروحِ والرَيحان. فلانٌ يستحطّ القمر بطَرْفِه، ويستنزل النّجم بلُطْفه. هو حُلْوُ المَذَاق، سهل المَسَاغ. أجمل الناس في جدّ، وأَحلاهم في هَزْل. يتصرَفُ مع القلوب، كتصرُفِ السحاب مع الجَنُوب. ذو جِذ كعُلوّ الجَدّ، وهَزْل كحديقة الوَرْدِ. له عِشْرَة ماؤها يقطر، وصَحْوُها من الغَضَارة يمطر. هو رَيْحَانة على القَدَح، وذريعة إلى الفَرَح. عشرته ألطَفُ من نسيم الشمال، على أديم الزلال، وألصقُ بالقلب، من علائق الحب. إذا أردت فهو سُبْحَة ناسك، أو أحببت فهو تُفَاحة فاتك، أو اقترحتَ فهو مدرعة راهب، أو آثرت فهو نخبة شارب. أخباره زكية، وآثاره ذَكية. أخباره تأتينا كما وَشَى بالمسك رَيَّاه، ونَمَّ على الصباح مُحَيَّاه. قد انتشر من طيب أخباره ما زاد على المسك الفَتِيق، وأَوْفَى على الزَّهْر الأنِيق. مناقب تَشْدَخ في جبينها غُزَة الصباح، وتتهادى أنباءها وُفُودُ الرياح. فلان أخبارُه آثاره، وعينه فراره، قد حصل له من حَميد الذكر، وجميل النَّشْرِ، ما لا تزال الرواةُ تدرسه، والتواريخ تحرسه. سألت عن أخباره فكأني حرّكت","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"المسك فتيقاً، أو صبّحت الروض أنيقاً. أخباره متضوعة كتضوّع المسك الأذقر، ومُشرقة إشراقَ الفجر الأنور. أحبَبْتُه بالخَبَر، قبل الأثر، وبالوصف قبل الكَشْف. هو ممن يثقل ميزانُ ودّه، ويُحْصف ميثاق عَهْدِه. هو كريم العهد، صحيح العَقْد، سليم الصَّدر في الود، حميد الورد فيه والصَدَر. هو لإخوانه عُدَّة تشدّهم وتقويهم، ونورٌ يسعى بين أيديهم. هو ركن الإخاء، صَافي شِرْب الوَفاء، حافظٌ على الغيب ما يحفظه على اللقاء. هو ممن لا تدومُ المُدَاهنة في عَرَصاتِ قَلْبه، ولا تحوم المُوَاربة على جنبات صدره. هو يَسْري إلى كرم العهد، في ضياء من الرّشد. عهده نَقْش في صخْر، وودّه نَسَب ملآن من فخر. يقبلُ من إخوانه العَفْوَ، كما يوليهم من إحسانه الصَّفْو. في وُدِّه غِنى للطالب، وكفاية للراغب، ومَرَادٌ للصَحْب، وَزَادٌ للركب. هو في حَيلِ الوفاء حَاطِب، وعلى فرض الإخاء مواظب. النجْحُ معقودٌ في نواصي آرائه، واليُمْنُ معتاد في مذاهب أنحائه. له الرَّأْيُ الثاقب الذي تَخْفَى مَكايده، وتَظْهَر عوائده، والتدبيرُ النافذ الذي تَنْجَعُ مَبَاديه، وتبهج تَوَاليه. رَأْيٌ كالسَّهْم أصاب غِرَّة الهَدَفِ، ودهاء كالبحر في بُعْد الغَوْر وقرْب المغترف، لا يضعُ رَأيه إلا مواضع الأصالة، ولا يصرف تدبيره إلا على مواقع السداد والإصابة. يعرفُ من مبادئ الأقوالِ خواتِمَ الأفعال، ومن صدور الأمور أعجاز ما في الصدور. رُؤْيته رَأْي صَلِيت، وبديهته قدرٌ مصيب. يسافرُ رَأْيه وهو دَانٍ لم يبرح، ويسير تدبيره وهو ثَاوٍ لم ينزح. له رأيٌ لا يخطئ شاكِلَةَ الصوابِ، ولا يخشى بادرة العِثَار. فلان يخمّر الرأْيَ ويُحيله، ويجيد الفكر ويجيله، حتى يحصل على لب الصواب، ومحض الرأي. إذا أذكى سراج الفكر، أضاء ظلامَ الأمر، هو قطب صَواب تَدورُ به الأمور، ومستنبط صلاح يردُ إليه التدبير. يرى العواقبَ في مِرْآة عقله، وبصيرةِ ذكائه وفَضْله. وله رَأْيٌ يردُ الْخَطْبَ مُصَلّماً، والرمح مُقَلَّماً. آراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب، كأنه ينظرُ إلى الغيب من وراء سِتْرٍ رقيق، ويطالعه بعَيْن السَّداد والتوفيق. يستنبطُ حقائقَ القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. قد سَرَيْنَا من مشورته في ضياءٍ ساطع، ومن رأيه الصائب في حُكم قاطع.مسك فتيقاً، أو صبّحت الروض أنيقاً. أخباره متضوعة كتضوّع المسك الأذقر، ومُشرقة إشراقَ الفجر الأنور. أحبَبْتُه بالخَبَر، قبل الأثر، وبالوصف قبل الكَشْف. هو ممن يثقل ميزانُ ودّه، ويُحْصف ميثاق عَهْدِه. هو كريم العهد، صحيح العَقْد، سليم الصَّدر في الود، حميد الورد فيه والصَدَر. هو لإخوانه عُدَّة تشدّهم وتقويهم، ونورٌ يسعى بين أيديهم. هو ركن الإخاء، صَافي شِرْب الوَفاء، حافظٌ على الغيب ما يحفظه على اللقاء. هو ممن لا تدومُ المُدَاهنة في عَرَصاتِ قَلْبه، ولا تحوم المُوَاربة على جنبات صدره. هو يَسْري إلى كرم العهد، في ضياء من الرّشد. عهده نَقْش في صخْر، وودّه نَسَب ملآن من فخر. يقبلُ من إخوانه العَفْوَ، كما يوليهم من إحسانه الصَّفْو. في وُدِّه غِنى للطالب، وكفاية للراغب، ومَرَادٌ للصَحْب، وَزَادٌ للركب. هو في حَيلِ الوفاء حَاطِب، وعلى فرض الإخاء مواظب. النجْحُ معقودٌ في نواصي آرائه، واليُمْنُ معتاد في مذاهب أنحائه. له الرَّأْيُ الثاقب الذي تَخْفَى مَكايده، وتَظْهَر عوائده، والتدبيرُ النافذ الذي تَنْجَعُ مَبَاديه، وتبهج تَوَاليه. رَأْيٌ كالسَّهْم أصاب غِرَّة الهَدَفِ، ودهاء كالبحر في بُعْد الغَوْر وقرْب المغترف، لا يضعُ رَأيه إلا مواضع الأصالة، ولا يصرف تدبيره إلا على مواقع السداد والإصابة. يعرفُ من مبادئ الأقوالِ خواتِمَ الأفعال، ومن صدور الأمور أعجاز ما في الصدور. رُؤْيته رَأْي صَلِيت، وبديهته قدرٌ مصيب. يسافرُ رَأْيه وهو دَانٍ لم يبرح، ويسير تدبيره وهو ثَاوٍ لم ينزح. له رأيٌ لا يخطئ شاكِلَةَ الصوابِ، ولا يخشى بادرة العِثَار. فلان يخمّر الرأْيَ ويُحيله، ويجيد الفكر ويجيله، حتى يحصل على لب الصواب، ومحض الرأي. إذا أذكى سراج الفكر، أضاء ظلامَ الأمر، هو قطب صَواب تَدورُ به الأمور، ومستنبط صلاح يردُ إليه التدبير. يرى العواقبَ في مِرْآة عقله، وبصيرةِ ذكائه وفَضْله. وله رَأْيٌ يردُ الْخَطْبَ مُصَلّماً، والرمح مُقَلَّماً. آراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب، كأنه ينظرُ إلى الغيب من وراء سِتْرٍ رقيق، ويطالعه بعَيْن السَّداد والتوفيق. يستنبطُ حقائقَ القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. قد سَرَيْنَا من مشورته في ضياءٍ ساطع، ومن رأيه الصائب في حُكم قاطع.","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"نبذ من مفردات الأبيات\rفي فرائد المدح\rأبو نواس: البسيط:\rوكَلْتَ بالدهر عيناً غَيْرَ نائمةِ ... من جُودِ كفيك تَأْسُو كلَّما جَرَحَا\rالطائي: الوافر:\rفلو صوَّرتَ نَفْسَكَ لم تَزِدْها ... على ما فيك من كَرَمِ الطباعِ\rالبحتري: الطويل:\rولو لم يكن في كفِّه غيرُ نفسهِ ... لَجادَ بها فَلْيَتقِ اللهَ سائلُهْ\rوله: الطويل:\rولم أَرَ أمثالَ الرجالِ تفاوتوا ... لدى المجد حتى عُدَ أَلْفٌ بواحدِ\rكشاجم: الخفيف:\rعرف الفاضلون فضلك بالعل ... م وقال الجُهَّال بالتقليدِ\rالمتنبي: الكامل:\rشَخَصَ الأنامُ إلى كمالك فاستَعِذ ... من شرِّ أعينهمْ بعَيْبٍ واحدِ\rوله: الطويل:\rولمَّا رأيتُ الناسَ دون مَحَلَّهِ ... تَيَقنْتُ أَنّ الدهرَ للناسِ ناقِدُ\rوله أيضاً: البسيط:\rإن خوطبوا أَو لُقُوا أو كوتبوا وُجِدُوا ... في اللفظ والخط والهيجاءِ فُرْسانا\rوله أيضاً: الكامل:\rذُكِرَ الأنامُ لنا فكان قصيدةً ... كنتَ البديعَ الفَرْدَ في أبياتِها\rأبو العباس الناشئ: الوافر:\rخلِقْت كما أرادَتْك المعالي ... فأنتَ لِمَنْ رجاك كما يُريدُ\rالمأموني: الكامل:\rوخلائقٌ كالخمر دُونَ فعالِه ... حَبَبٌ لهنَّ وما لهنّ خُمارُ\r؟مجالس أهل الحكم\rوقال إبراهيم الموصلي لموسَى الهادي، وهو نديمُه، وقد غنَّاه صوتاً فأعجبه: إنَّ مَنْ كان محلّه من أمير المؤمنين مَحَلّي في الانبساط وتَقَدُم النِّدَام جرأه البسطُ على الطلب، وبعثَتْه المنادمةُ على الرجاء، وقد نصَب لي أميرُ المؤمنين بقُرْبي منه مَشَارعَ الرغبة إليه، وحثني محلّي عنده على الكُرُوع في المَنْهَلِ بين يديه. فقال: سَلْ شِفَاها، فإني جاعِل فِعْلي عن إجابتك إليه حاضراً؛ فسأله ما قيمته خمسون ألف درهم؛ فأمر له بمائة ألف درهم.\rولما ظَفِر الإسكندرُ بدارا بن دارا قال له: بمَ اجترأ عليك صاحبُ شُرطتك؟ قال: بتَرْكِي ترهيبَهُ وَقْتَ إساءتِه وتفريطِه، وإعطائه وَقْتَ الإحسانِ اليسيرِ من فعله نهايةَ رغبته. فقال الإسكندر: نِعْمَ العون على استصلاح القلوب الموغَرَةِ الترغيبُ بالأموال، وأصلح منه عاجلاً الترهيبُ وقت الحاجة إليه.\rوقال الحسنُ بن سهل: خرج بعضُ ملوكِ الفرس متنزهاً، فلقي بعضَ الحكماء، فسأله عن أَحزم الملوك، فقال: من ملك جدُّه هَزْله، وقهر لبه هَوَاه، وأَعرب لسانُه عن ضميره، ولم يَخْدَعْه رِضاه عن سخطه، ولا غضبُه عن صدقه. فقال الملك: لا، بل أَحزمُ الملوكِ من إذا جاع أكل، وإذا عطش شرِب، وإذا تعب استراح. فقال الحكيم: أَيها الملك، قد أَجَدْتَ الفطْنَة. هذا العلم مستفاد أَم غريزي؟ قال: كان عندنا معلِّم من حكماء الهند، وكان هذا نقشَ خاتمه. قال: فهل علَمك غير هذا؟ قال: ومِنْ أين يؤخَذُ مثل هذا عند رجل واحدٍ؟ ثم قال له الملكُ: علّمني من حكمتك أيها الحكيم. قال: نعم، اِحفَظْ عني ثلاثَ كلمات. قال: ما هن؟ قال: صَقلُك السيفَ ليس له جوهرٌ من سِنْخِه خَطأ، وصبّك الحَبَّ في الأرضِ السَبِخَة ترخو نباته جَهْلٌ، وحَمْلك المسِن على الرياضة عناء.\rقال أبو تمّام الطائي: الكامل:\rوالسيفَ ما لم يلفَ فيهِ صَيْقل ... مِنْ سِنْخه لم ينتفعْ بصِقالِ\rوقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة الطبع. قيل: ما القائدُ المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العناء المُعَنِّى؟ قال: تطبيعك ما لا طبعَ له.\rوكان أنوشروان يقول: الناس ثلاث طبقات تسوسهم ثلاث سياسات: طبقة من خاصة الأحرارِ تسوسهم بالعَطفِ واللّين والإحسان، وطبقة من خاصة الأشرار تسوسُهم بالغِلظَة والعُنْف والشدة، وطبقة من العامة تسوسهم باللين والشّدة، لئلاّ تُحْرِجهم الشدّة، ولا يبطِرَهم اللّين.\rوقال واصل بن عَطاء: ألا قاتلَ الله هذه السفلة! تُوَادُّ مَنْ حَادَّ الله ونبيَّه، وتحاذُّ من وَادَّ الله ونبيه؟ وتذمّ من مدحه الله، وتمدح من ذمّه الله؛ على أنه بهم عُلم الفضلُ لأهل الطبقة العالية، وبهم أعطِيت الأوساط حظَّاً من النّبل.","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"وقيل لبعض الملوك، وقد بلغ في القدر ما لم يبلغه أحد من ملوكِ زمانه: ما الذي بلغ بكَ هذه المنزلة؟ قال: عَفْوي عند قدرتي، وليني عند شِدَتي، وبَذْلي الإنصاف ولو من نفسي، وإبقائي في الحب والبغض مكاناً لموضع الاستبدال.\rوقال الإسكندر لأحد الحكماء، وأراد سفراً: أَرشِدْنِي لأَحزم أَمري. قال: لا تملأنَّ قلبك من محبَّةِ الشيء، ولا يَسْتَوْلينَ عليك بغضه، واجعلهما قَصْداً؛ فإن القلبَ كاسْمِه ينزع ويرجع، واجعل وزِيرَك التثبت، وسَمِيرَك التيقّظ، ولا تُقْدِم إلا بعد المشورة؛ فإنها نِعْمَ الدليل، فإذا فعلتَ ذلك ملكت قلوب رعيتِك.\rوقيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: سوء الظن. قيل: فما الصواب؟ قال: المشورة. قيل: فما الرأْيُ الذي يجمعُ القلوبَ على المودّة؟ قال: كفٌ بَذُول، وبشر جميل. قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد في الحبّ والبغض.\rوسُئل بزرجمهر: ما المروءةُ؟ قال: تَرْكُ ما لا يعني. قيل: فما الحَزْم؟ قال: انتهازُ الفُرْصَة. قيل: فما الحلمُ؟ قال: العفوُ عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ قال: ملك الغضب. قيل: فما الخُرْق؟ قال: حب مُغْرِق؛ وبغض مُفْرِط.\rقال معاوية، رضي الله عنه، لزياد حين ولاّه العراق: يا زياد، ليكن حبُّك وبغضك قَصْداً؛ فإن العَثْرة فيهما كامنة، واجعل للنزوع والرجوع بقيّة من قلبك، واحذَرْ صَوْلَة الانهماك، فإنها تؤدي إلى الهلاك.\rومن كلام بلغاء أهل العصر\rفي ذكر السلطان\rأبو القاسم الصاحب: مَرْضاة السلطان، لا تغلو بشيء من الأثمان، ولا بِبَذْلِ الروح والجَنَان. تهب السلطانِ فَرضٌ وَكِيد، وحَتْمٌ على منْ ألقَى السمعَ وهو شهيد.\rأبو إسحاق الصابِي: المَلِك أحقّ باصطفاءِ رجاله منه باصطفاء أمواله؛ لأنه مع اتساع الأمر وجَلالة القَدر لا يكتَفِي بالوَحْدَة، ولا يستغني عن الكَثْرَة؛ ومثله في ذلك مثل المسافرِ في الطريق البعيد الذي يجب أن تكونَ عنايته بفرسه المَجْنُوبِ، كعنايته بفرسِه المركوب.\rفصل للصابي: الملك بمن غلط من أتْبَاعِه فاتَّعظ أشدّ انتفاعاً منه بمن لم يغلط ولم يتّعظ؛ فالأول كالقارح الذي أدَّبَتْه الغُرَّة، وأصلحَتْه الفَدَامَة، والثاني كالجَذَع المُتَهَوّكِ الذي هو راكب للغِرَّة وراكن إلى السلامة.\rوقيل: إن العظم إذا جبر من كَسره عاد صاحبُه أشدّ بطشاً وأقوى أيداً.\rأبو بكر الخوارزمي: لا صغيرَ مع الولاية والعِمالة، كما لا كبيرَ مع العُطلة والبَطَالة؛ وإنما الولايةُ أنثى تصغر وتكبر بواليها، ومطيَّة تحسن وتقبح بمُمْتَطيها، والصَّدْر لمن يليه، والدَّست لمن جلس فيه، والأعمال بالعمّال، كما أنّ النساء بالرجال.\rفصل له: إنّ ولايةَ المرء ثوبُه؛ فإن قصُر عَرِي منه، وإنْ طَالَ عثَرَ فيه. قليلُ السلطان كثير، ومُدَارَاتُه حَزْمٌ وتدبير، ومكاشفته غُرور وتَغْرير.\rأبو الفتح البستي: أجهلُ الناس مَنْ كان على السلطان مُدِلاًّ، وللأخوان مُذِلاًّ.\rأبو الفضل ابن العميد: الإبقاءُ على حَشَم السلطان وعُمّاله عَدْلُ الإبقاء على ماله، والإشفاقُ على حاشيته وحشمه مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه.\rوله من رسالة طويلة، جواب لأبي شجاع عضد الدولة عن كتاب اقتضاه فيه صدْرَ كتاب الله أبو الحسن الصوفي في نوع من علوم الهيئة:","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"أنا أقدم الإجابة بحمد الله تعالى جَدُّه، على ما وهب لنا معاشرَ عبيدِه وخدمه خاصة، بل لرعاياه عامّة، بل لأهل الأرض كافة، من عظيم النعمة بمكانِه، وجسيم الموهبة بإنفاق أعمارِنا في زمانه، حتى شاركْنَاهُ في أَسباب السعادة التي لم تَزلْ مَذْخُورة عليه، حتى صارت إليه، وساهمناه في مواد الفضيلةِ التي لم تَزَلْ محفوظةً له حتى اتَصَلَت به؛ فإنّ المرءَ أَشْبَه شيءٍ بزمانه، وصفات كل زمانٍ منتَسخة من سجايا سُلْطَانه؛ فإن فَضَلَ شاعَ الفضلُ في الزمان وأهله، وتحلَى الدَهرُ بأفضلِ حِلْيته، وتجلى للعيونِ والقلوبِ بأحسن زينته، وكسا بَنِيه والناشئين فيه بشرفِ جَوْهرَهِ، وأَورثهم نَيْلَ فضله، وعزَ العِلم وأهله، وعرف لمقتبسه قَدْرَه، وتوجَّهت الأذهانُ نحوه، وتعلَقت الخواطرُ به، وصرفت الفكر فيه، ونشدت ضَوَالّه، ونظم أَشْتَاته، وجمعت أَفْرَادهُ، ووثِقَتْ نفوسُ الساعين في استفادته بحُسْنِ عائدته، فحرصت عليه، وصرفَتْ نظرَها إليه، وأيقنت في بضاعتها بالنَفاق، وفي تجارتها بالإِرْفَاق، فصار ذلك إلى نَمَاء العلوم وزيادتها داعية، ولتكثير قليلها وإيضاح مجهولها سبباً وعلَّةً، وإلى انخراط جواهرها المتفرقة في سلوك التصنيف سبيلاً، وإلى تقييد شواردِها بعُقُل التأليف طريقاً. وإن رَذل السلطان اتُّبِعَت الرذيلةُ اتباعاً، وذَهبتِ الفضائلُ ضَيَاعاً، وبطلت الأقدارُ والقيم، وسلِبَت الأخطار والهِمم، وزال العلم والتعلم، ودَرَس الفهْمُ والتفهم، وضرَبَ الجهلُ بِجِرَانِه، ووطئ بمنسمه، واستَعْلَى الخمولُ على النباهة، واستولى الباطلُ على الحقّ، وصارَ الأدبُ وبالاً على صاحبه، والعلمُ نكَالاً على حامله. وبحسب عظيم المحنة بمن هذه صِفَتُه، والبلوى معَ مَنْ هذه صورتُه، تَعْظُمُ النعمة بمُلْكِ سلطانٍ عالمٍ، كالأمير الجليل عضد الدولة، أَطال اللهُ تعالى بقاءه، وأدام قُدْرَته، الذي أَحله الله عزَ وجل من الفضائل بملتقى طُرُقها ومجتَمَع فرقها، فهي نَوَادُ ممن لاقت حتى تَصيرَ إليه، وشوارِدُ نوازعُ حيث حلَت حتى تقعَ عليه، تتلفت تلفتَ الرامِقِ، وتتشوَّفُ إليه تشوفَ الصب العاشقِ، قد ملكها أنَّى توجهت وحشة المضاع وحَيرة المرتاع: الطويل:\rفإن تَغشَ قوماً غيره أَوْ تَزُرْهُمُ ... فكالوحش يُدْنِيها من الأَنَسِ المَحلُ\rحتى إذا قابلته أسرعت إليه إسراعَ السيل ينصَب في الحدور، والطير يَنْقَضُ إلى الوكور.\rوقال أبو الطيب المتنبي: المنسرح:\rأَحَقُّ عافٍ بدَمْعكَ الهِمَمُ ... أَحْدَثُ شيءٍ عَهْداً بها القدَمُ\rوإنما الناسُ بالملوكِ، وَما ... تُفْلِحُ عُرْبٌ مُلُوكُهَا عَجَمُ\rلا أدبٌ عندهُمْ ولا حَسَبٌ ... ولا عُهُودٌ لَهُم ولا ذِمَم\rبكل أرضٍ وطِئْتُها أُمَمٌ ... تُرْعَى بعَبْدٍ كأنها غَنَمُ\rيستَخْشِنُ الخَزَ حين يَلْمُسُهُ ... وكان يُبْرَى بظُفْرِه القَلَمُ\rوقال الزبير بن بكار: قَدِم ابنُ ميادة، واسمه الرََّمَّاحُ بن أبرد، زائراً لعبد الواحد بن سليمان، وهو أميرُ المدينة، فكان عنده ليلةً في سُماره؛ فقال عبدُ الواحد لأصحابه: إني لأهم أن أتزوج فابْغُوني أيماً، قال ابن ميادة: أنا - أصلحك الله - أدلُك، قال: على مَن، يا أبا بشر، نَميل؟ قال: قدمت عليك أيها الأمير، فلما قدمت ألفيتُ المسجد وإذا أشبه شيءٍ به وبمن فيه الجنة ومَنْ فيها، فبينا أنا أمشي إذ قادتني رائحةُ رجلٍ عطِرٍ حتى وقفت عليه، فلما وقع بصري عليه استَلهَى حُسْنه ناظري، فما أقلعت ناظري حتى تكلَم فما زال يتكلَم كأنما يَنثر دُرًا، ويتلو زَبوراً، ويدرس إنجيلاً، ويقرأ فُرْقاناً، حتى سكت، فلولا معرفتي بالأمير ما شككت أنه هو، ثم خرج من مُصَلاَّه إلى داره، فسألت عنه، فأُخْبِرْتُ أنه من الحسن بمكانةٍ، وأنه للخليفتين، وأنه قد نالَتْه ولادَةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لها ساطع من غُرَّتِه؛ فإن اجتمعتَ أنْتَ وهو على ولدٍ ساد العبادَ، وجابَ ذِكْرُه البلاد.\rفلما قضى ابنُ ميادة كلامه قال عبد الواحد ومَن حضر: ذلك محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، رضي الله تعالى عنه، لفاطمة بنت الحسين بن علي، رضي الله عنهم.\rوقال ابن ميادة: الطويل:","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"لهم سيرة لم يُعْطِها اللهُ غيرَهم ... وكل قضاء اللهِ فهو مُقَسَمُ\rهذا في تقابل نسبه، وكمال منصبه، كقول عُوَيْفِ القوافي في طلحة بن عبد الله الزهري: الطويل:\rيُصَمُ رِجالٌ حين يُدعَون للندى ... ويُدعى ابن عوفٍ للندى فيجيبُ\rوذاك امرؤ من أي عِطفَيه يَلتفِتْ ... إلى المجد يحْوي المجدَ وَهوَ قَرِيبُ\rوعبد الواحد بن سليمان هذا هو الذي يقول فيه القطامي: البسيط:\rأقولَ للحَرْفِ لَمَّا أنْ شكَتْ أصلاً ... طولَ السِّفار وأفْنَى نِيَّها الرّحلُ\rإن ترجعي من أبي عثمان منجِحَةً ... فقد يَهُونُ على المستنجح العملُ\rأهل المدينة لا يحزنك شأنهمُ ... إذا تخطأ عَبْدَ الواحد الأجَل\rومن قول القطامي: إن ترجعي من أبي عثمان منجحة أخذ الآخر قوله: الطويل:\rإذا ما تَعَنَّى المرءُ في إثر حاجةٍ ... فأنجح لم يثقلْ عليه عناؤهُ\rوهو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان،قال الكلبي: هو عبد الواحد ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، والأول قول ابن السكيت.\rوالقصيدة التي منها هذه الأبيات من أجْوَدِ قوله، وفيها يقول ممّا يتمثّل به: البسيط:\rوالعيشُ لا عَيْشَ إلا ما تَقَرُّ به ... عَيْنٌ ولا حال إلا سوف يَنتقلُ\rوالناسُ مَنْ يَلْقَ خيراً قائلون لهُ ... ما يَشْتَهِي ولأُمِّ المخطئ الهَبَلُ\rقد يُدْرِكُ المتأني بعضَ حاجتِه ... وقد يكونُ مع المستعجل الزَّلَلُ\rقوله: والناس مَنْ يَلْقَ خيراً قائلون له مأخوذٌ من قول المرقش: الطويل:\rومَنْ يَلْقَ خيراً يحمدُ الناسُ أمْرَهُ ... ومَنْ يَغْوَ لا يعدَمْ على الغيِّ لائما\rوقال عمرو بن سعيد للأخطل: أيسرُكَ أن لك بشعرك شعراً؟ قال: لا، ما يسرُني أن لي بقولي مقوَلاً من مَقَاوِيل العرب، غير أنّ رجلاً من قومي قال أبياتاً حسَدْتُه عليها، وايم الله، إنه لمُغْدِف القناع، ضيِّق الذراع، قليل السماع، قال: ومَنْ هُو؟ قال: القُطامي، قال: وما هذه الأبيات؟ فأنشد له يَصِفُ إبلاً من هذه القصيدة: البسيط:\rيمشين رَهْواً فلا الأعْجَازُ خاذِلة ... ولا الصدورُ عَلَى الأَعْجَازِ تثكِلُ\rفهن معترِضات وَالْحَصا رَمِضٌ ... وَالرّيحُ سَاكِنَة والظلُّ معتدلُ\rيتبعن سَاميةَ العَيْنَيْنِ تحسبها ... مجنُونة أو تَرَى ما لا تَرَى الإبلُ\rبين اللفظ واللحن\rقال أبو العتاهية لمخارق: أنت بنغمِ ألفاظك دون نَغَمِ ألحانك، تُطْرِبُ إذا تكلمت، فكيف إذا ترنّمت!.\rوقال له يوماً: يا حكيم هذه الأقاليم، اصبُبْ في هذه الآذان من جيدِ تلك الألحان، فأُقْسِمُ لو كانَ الكلامُ طعاماً، لكان غناؤك له إداما.\rقال إسحاقُ بن إبراهيم الموصلي: دخلتُ على المعتصم يوماً وقد خلاَ، وعنده جاريةٌ تُغَنِّيه، وكان معجَباً بها، فلما جلست قال لي: يا أبا إسحاق، كيف تَراها؟ فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أراها تقهره بحِذْق، وتختله برِفق، ولا تخرج من حَسَن إلا إلى أحسن منه، وفي حلقها شذورُ نَغَم أحسنُ من دوام النعم، قال: يا إسحاق، هي غاياتُ الأمل، ومُنْسِيات الأجل، والسقم الداخل، والشغْل الشاغل، وإن صِفَتَك هذه لو سمعها مَنْ لم يَرَها لفقد لُبَّه، وقَضَى نَحْبَه.\rوسُئِل إسحاق عن المُجِيد من المغنين، فقال: مَنْ لَطُفَ في اختلاسه، وتمكَّن من أنفاسه، وتفرَّع في أجناسه، يكادُ يَعْرِفُ ضمائرَ مُجَالِسِيه، وشهواتِ مُعَاشِرِيه، يَقْرَعُ مسمع كلِّ واحد منهم بالنحو الذي يُوافِقُ هواه، ويُطَابِقُ معناه.\rوكان إسحاقُ بن إبراهيم قد جمع إلى حِذْقِه بصناعَتِه حُسْنَ التصرف في العلوم، وجَوْدَةَ الصنعة للشعر، وحَدَّث عن نفسه فقال: كنت أيام الرشيد أُبكِّر إلى هُشَيم ووكيع فأسمعُ منهما، ثم أنصرف إلى عاتكة بنت شُهَيد؛ فتُطَارِحُني صوتين، ثم أَصِير إلى زلزل الضارب فآخذُ منه طريقين، ثم أسير إلى منزلي فأبعث إلى أبي عبيدة والأصمعي، فلا يَزَالانِ عندي إلى الظهر، ثم أذهبُ إلى الخليفة.","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"ونزل أبوه بالموصل وليس من أهلها فنُسِب إليها، وهو مولى خزيمة بن خازم التميمي، وفي ذلك يقول إسحاق: الطويل:\rإذا مضرُ الحمراء كانت أَرُومَتِي ... وقام بِنَصْرِي خَازِمٌ وابنُ خَازِمِ\rعَطَسْتُ بأَنْفِي شامخاً وتَنَاوَلَتْ ... بَنَانِي الثريّا قاعداً غَيْرَ قَائِمِ\rوفيه يقول محمد بن عامر الجرجاني يرثيه: الطويل:\rعلى الجدَثِ الشرقيَّ عُوجَا فسلما ... ببغدادَ لما صدّ عَنْه عوائدُهْ\rأإسحاق، لا تبعد، وإن كان قَدْ رَمَى ... بكَ الموتُ مرمًى ليس يصدر وارِدُهْ\rمتى تأتِهِ يوماً تحاولُ مُنْفساً ... مِن الدين والدنيا فإنك وَاجِدُهْ\rإذا هزل اخضرَّتْ فروعُ حَدِيثه ... ورفَّتْ حَوَاشِيه وطابَتْ مشاهِدُه\rوإنْ جَدَّ كان القولُ جِداً وأقسمت ... مخارجه ألاَّ تلينَ شَدائِدُه\rومن جيد شعر إسحاق قصيدته في إسحاق بن إبراهيم المصعَبيّ بعد إيقاعه بالخرميّة: الطويل:\rتَقَضَّتْ لباناتٌ وَجَدَّ رَحِيل ... ولم يُشْفَ مِنْ أَهْلٍ الصفاء غليلَ\rومُدَّت أكفٌّ للوداع فصافَحَتْ ... وفاضت عيونٌ للفراقِ تَسِيلُ\rولا بدّ للأُلاَّف مِن فَيْضِ عَبْرَةٍ ... إذا ما خَلِيلٌ بَانَ عنه خَلِيلُ\rفكم مِن دمٍ طُل يوم تحمّلَت ... أوَانِسُ لا يُودَى لهن قَتيلُ\rغداة جَعَلْتُ الصبرَ شيئاً نسيْتُهُ ... وأعولْتُ لو أَجْدَى عَلَي عَوِيلُ\rولم أنسَ مِنْهَا نظرةً هَاجَ لي بها ... هَوًى مِنْهُ بادٍ ظاهرٌ ودَخِيل\rكما نظَرَتْ حَوْرَاءُ في ظلِّ سِدرةٍ ... دَعَاهَا إلى ظلِّ الكِنَاس مَقِيلُ\rفلا وَصْلَ إلا أن تلافاه أَينُقٌ ... عِتَاق نَمَاهَا شدقَمٌ وجَدِيلُ\rإذا قلبت أجفانها بتَنُوفةٍ ... طوى البعدَ منها هزةٌ وذَمِيلُ\rتفرَد إسحاقٌ بنُصْح أميرِه ... فليس له عند الإمام عَدِيلُ\rيفرج عنه الشك صدْقُ عَزِيمةٍ ... وَلُبٌ به يَعْلُو الرجالَ أَصِيلُ\rأغرّ نجيبُ الوالدين كأنهُ ... حسامٌ جَلَتْ عنه العيون صقيلُ\rبني مُصْعَبٍ، للمَجْدِ فيكم إذا بدتْ ... وجوهكُم للناظرين دَلِيلُ\rكرُمتم فما فيكم جَبَانٌ لَدى الوغى ... ولا منكُم عند العطاءِ بَخيلُ\rغَلبتم على حُسْنِ الثناء فَرَاقكم ... ثناءٌ بأَفواهِ الرجالِ جَمِيلُ\rإذا استكثر الأعداء ما قلتُ فيكُم ... فإن الذي يستكثرون قَلِيلُ\rوهذا نمط الحذاق الفحول، وقال: الطويل:\rومَدرَجةٍ للريح غَبْرَاء لم يكن ... لِيَجْشَمها زمَّيْلةٌ غَير صَارِمِ\rيَضِلُّ بها الساري وإنْ كان هادياً ... وتقطَعُ أنفاسَ الرياحِ النَّواسِم\rتعسَفْتُ أبْرِي جَوْزَها بشَمِلّةٍ ... بعيدةِ ما بين العرى والمَحازِم\rكأن شَرَار المَرْوِ من نَبْذِها بِهِ ... نجومٌ هوَتْ إحدى الليالي العواتِم\rإذا ضَمّها والسفْرَ ليلٌ فغيبتْ ... دياجِيره عنهم رؤوس المعالمِ\rتنادَوْا فصاروا تحت أكنافِ رَحْلِها ... ليهديَهم قَدْحُ الحَصَى بالمَناسِمِ\rوقال: الطويل:\rولما رأَيْنَ البَيْنَ قد جدّ جِدّهُ ... ولم يبقَ إلا أنْ تَبِين الركائبُ\rدنَوْنَا فسلمنا سلاماً مُخالساً ... فردَّتْ علينا أعينٌ وحواجبُ\rتصدُّ بلا بُغْضٍ ونخلس لمحةً ... إذا غفلت عنا العيونُ الرواقبُ\rنذَاد إذا حُمنا لنشفيَ غلةً ... كما ذِيدَ عن وِردِ الحِياض الغَرَائبُ\rوما أحسن ما قال أبو العباس الناشئ في هذا المعنى: الطويل:","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"ولما رأين البين زُمَّت رِكابهُ ... وأيقَنَّ منّا بانقطاع المطالبِ\rطلبن على الرَّكبِ المجدين عِلَةَ ... فعُجْنَ علينا من صدور الركائبٍ\rفلما تلاقَيْنا كتبْنَ بأَعْيُنٍ ... لنا كتُباٌ أعْجَمْنَها بالحواجبِ\rفلمّا قرأناهُنَّ سِرًّا طويْنَها ... حِذار الأعادي بازْوِرَارِ المناكبِ\rوقال إسحاق: الطويل:\rألا مَنْ لقلبٍ لا يزالُ رَمِيّةً ... لِلَمْحَةِ طَرْفٍ أو لِكسرَةِ حَاجِب\rوللخُمُر اللاتي تساقط لوثها ... فتُور الخطا عن وَارِدَات الذوَائبِ\rوصف الذوائب\rوعلى ذكر الذوائب قال ابن المعتز: الطويل:\rسقَتْنِيَ في ليل شبيه بشعرها ... شَبيهَةَ خدَّيْهَا بغيرِ رقيبِ\rفأمسيت في ليلين بالشَعْرِ والدّجَى ... وَخَمْرَيْنِ من راحٍ وخَدّ ِحبيبِ\rوقال بكر بن النطاح: الكامل:\rبيضاءُ تسحب من قيام شعرَها ... وتغيبُ فيه وَهْوَ جَثْلٌ أَسْحَمُ\rفكأنها فيه نهارٌ مبصرٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلِمُ\rوقال المتنبي: الكامل:\rنَشَرَتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعْرِها ... في ليلةً فَأَرَتْ لياليَ أَرْبَعا\rواستقبلَتْ قَمَرَ السماءِ بوجهها ... فأَرَتْنِيَ القَمَرَيْنِ في وقتٍ مَعَا\rوقال ابن الرومي: المنسرح:\rوفاحمٍ واردٍ يُقَبّل مَمْ ... شاه إذا اختال مُسْبلاً غُدُرَهْ\rأقْبَلَ كالليلِ في مفارقهِ ... منحَدِراً لا يُرَام مُنْحَدَرَهْ\rحتى تناهَى إلى مواطئِه ... يَلْثَم من كلِّ مَوْطئ عَفَرَهْ\rكأنهُ عاشِقٌ دَنَا شغفاً ... حتى قضى مِنْ حبيبه وَطَرَهْ\rيُغْشي غَوَاشِي قرونهِ قَدَماً ... بيضاءَ للناظرين مُقْتَدِرَهْ\rمثل الثريّا إذا بَدَتْ سحَراً ... بعد غَمَام وحاسرٍ حَسَرَهْ\rأخذه بعض أهل العصر - وهو محمد بن مطران - فقال: الطويل:\rظِبَاءٌ أَعارتها الظّبَا حُسنَ مَشيها ... كما قد أعارَتهَا العيونَ الجآذِرُ\rفمِنْ حُسْنِ ذاك المشي قامت فقبَّلت ... مواطئ من أقدامهن الغدائرُ\rوقال مسلم بن الوليد: الطويل:\rأجدّكِ هل تدرينَ أنْ رُبَّ ليلةٍ ... كأنَّ دُجَاهَا من قرونك يُنْشَرُ\rنَصَبْت لها حتى تجلَتْ بِغُرَّةٍ ... كغُرَّةِ يَحيى حين يُذْكر جَعْفَر\rالقصيدة والإنسان\rقال الحاتمي: مثلُ القصيدةِ مثلُ الإنسان في اتِّصَالِ بعضِ أعضائه ببعض؛ فمتى أنفصلَ واحدٌ عن الآخر وبَايَنَهُ في صحَّة التركيب، غادر الجسمَ ذا عاهَةٍ تتخوَّنُ محاسنَه، وتُعَفي معالِمَه؟ وقد وجدت حُذَّاقَ المتقدّمين وأربابَ الصناعةِ من المحدَثين يحترسون في مثل هذا الحال احتراساً يجنّبهم شوائبَ النقصان، ويقفُ بهم على محَجَّةِ الإحسان، حتى يقعَ الاتّصَالُ، ويُؤْمَن الانفصال، وتأْتِي القصيدةُ في تَنَاسُب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة، والخُطْبَة الموجَزَة، لا ينفصلُ جزءٌ منها عن جزء، وهذا مذهبٌ اختصَّ به المحدَثون؛ لتوقّدِ خواطرهم، ولُطْفِ أفكارِهم، واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم، وكأنه مذهبٌ سهّلَوا حَزْنَهُ، ونهجوا رَسْمَهُ؛ فأمَّا الفحول الأوائل، ومَنْ تَلاَهُمْ منَ المخضرمين والإسلاميين فمذهبُهم المتَعالم عدذ عن كذا إلى كذا وقُصَارَه كلِّ واحدٍ منهم وَصْفُ ناقتِه بالعِتق، والنَّجَابة والنجاء، وأنه امتَطاها؛ فادّرع عليها جِلْبَابَ اللّيل؛ وربما اتَّفق لأحدِهم معنى لطيف يتخلّص به إلى غرضٍ لم يتعمّده إلا أن طبعه السليم، وصِراطه في الشعر المستقيم، نصبا مَنَارَه وأوقدا باليفاع نارَه؛ فمن أحسن تخلّص شاعر إلى معتمده قولُ النابغة الذبياني: الطويل:\rفكَفْكَفْتُ منّي عَبرَةً فَرَدَدْتُها ... على النَّحْرِ، منها مستهلّ ودامعُ\rعلى حينَ عاتبْتُ المشيبَ على الصِّبَا ... وقلتُ: أَلمَّا أَصْحُ والشيبُ وَازعُ","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"وقد حالَ هَم، دونَ ذلِكَ، شاغِلٌ ... مكان الشِّغافِ، تَبْتَغِيه الأَصابعُ\rوعيدُ أبي قابوسَ في غير كُنْهِه ... أتاني ودوني راكِسٌ فالضَّواجعُ\rوهذا كلام متناسخ، تقضي أوائلُه أَواخره، ولا يتميّز منه شيء عن شيء: الطويل:\rأتاني، أبيتَ اللعن، أنك لُمْتَني ... وتِلك التي تَسْتَكُّ منها المسامِع\rمقالة أن قد قلتَ سوف أناله ... وذلك من تِلْقَاءِ مثلك رائعُ\rولو توصَل إلى ذلك بعضُ الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعاني، وفتحوا أبواب البديع، واجتنوْا ثمرَ الآداب، وفتَحُوا زَهْرَ الكلام لكان معجزاً عجباً، فكيف بجاهلٍ بَدَوِي إنما يغترفُ من قليب قَلْبِه، ويستمدُّ عفوَ هاجسه.\rوقال عليّ بن هارون المنجم عن أبيه: لم يتوصل أحدٌ إلى مدح بمثل قول ابن وهيب: الكامل:\rما زال يُلْثِمُنِي مراشفهُ ... ويُعِلُني الإبريقُ والقَدَحُ\rحتى استرد الليل خلعَتَهُ ... وبَدَا خِلاَلَ سوادِهِ وَضَحُ\rوبَدا الصباحُ كأن غُرَّتهُ ... وَجهُ الخليفة حينَ يُمْتَدحُ\rوقال علي بن الجهم: البسيط:\rوليلةٍ كحّلتْ بالنِّقْس مُقلتَها ... ألقَتْ قِنَاعَ الدُجى في كلّ أُخدودِ\rقد كاد يُغْرِقُني أمواجُ ظُلْمَتها ... لولا اقتباس سَنَا وَجْهِ ابنِ دَاوُد\rقوله: كحلَتْ بالنفْس مقلتها مأخوذ من قول أعرابي: والليل. قد صَبَغ الحصَى بمِدَادِ.\rوقد أخذ هذا أبو نواس فقال: الوافر:\rأَبِنْ لي كيف صِرْتَ إلى حَرِيمي ... وجَفْنُ الليلِ مُكْتَحِلٌ بقَارِ\rوقد أخذ هذا أبو تمام فقال: الطويل:\rإليك هَتَكنَا جُنْحَ ليل كأنهُ ... قد اكتحلَتْ منهُ البلادُ بإثِمِدِِ\rوقد أَخذ لفظَ الأَعرابي المتقدم أبو نواس فقال: الرجز:\rوقد أَغتدي والليلُ كالمِدَادِ ... والصُبْحُ ينفيه عن البلادِ\rطرد المشيبِ حالِكَ السَّوادِ\rوإنما نظرَ في هذا إلى قول الأعرابي: البسيط:\rأقول والليلُ قد مالَتْ أواخِرُه ... إلى الغروب: تأمَل نظرةً حارِ\rألمحه من سنَا بَرْقٍ رأَى بصري ... أم وجْه نُعْمِ بَدا لي أم سَنا نَارِ؟\rبل وجْهُ نُعْمٍ بَدا والليلُ مُعْتَكِر ... فلاحَ ما بين حُجَّابٍ وأَسْتَارِ\rومن بديع الخروج قول علي بن الجهم وذكر سحابةَ: الطويل:\rوساريةٍ تَزْدَارُ أرضاً بِجَوْدِها ... شغَلْت بها عيناً طويلاً هجوهُا\rأتتْنا بها ريحُ الصَّبَا فكأنها ... فتاةٌ تُرجِّيها عجوزٌ تقودها\rفما بَرِحَتْ بغدادَ حتى تفجرتْ ... بأودية ما تستفيق مُدُودُها\rولما قضَتْ حق العراق وأهله ... أتاها من الريح الشمال بَرِيدها\rفَمرَّتْ تفوتُ الطيرَ سَبْقاً ... كأنها جنودُ عبيد الله وَلَتْ بُنُودها\rيريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفري إلى سُرّ من رأى عند قتل المتوكل. وقد أخذ هذا التشبيه معكوساً من قول أبي العتاهية: الوافر:\rورايات يَحُل النصرُ فيها ... تَمُرُّ كأنها قِطَعُ السحابِ\rوقال ديك الجنّ: الخفيف:\rوغريرٍ يقضي بحكمين: في الرا ... ح بجور، وفي الهوى بمحالِ\rللنَّقا رِدْفُه، وللخُوط ما ... حُمِّل ليناً، وجِيدُه للغزالِ\rفَعَلَتْ مُقْلَتاه بالصّبِّ ما تَفْ ... عَلُ جَدْوَى يَدَيْك بالأموالِ\rومن بارع الخروج قول المتنبي: البسيط:\rمرّتْ بِنَا بَيْن تِرْبَيْهَا فقلت لها ... من أين جانَسَ هذا الشادِنُ العَرَبَا\rفاستضحكتْ ثم قالت كالمغيث يُرَى ... لَيْثَ الشَرَى وهو من عِجْلٍ إذا انتسبا\rواشتهار شعره، يمنعني من ذكره.\rافتتاح القصائد بالغزل","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"قال ابن قتيبة: سمعت بعضَ أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيدة إنما ابتدأ بوصف الديار والدِّمَنِ والآثار؛ فبكى وشكا، وخاطَبَ الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعلَ ذلك سبباً لذكْر أهله الظاعنين، إذ كانت نازلةُ العمد في الحلول والطعن على خلاف ما عليه نازلة، المَدَرِ؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكَلأ، وتتبُّعهم مساقِطَ الغيث حيثُ كان؛ ثم وصل ذلك بالنسيب، فبكى شدَة الوجد، وألم الصبابة والشوق؛ ليُمِيلَ نحوه القلوب، ويَصْرِف إليه الوجوه، ويستدعي إصغاءَ الأسماع، لأن النسيب قريبٌ من النفوس، لائط بالقلوب، لما جعل الله تعالى في تركيب العباد من محبَّةِ الغزل، وإلف النساء، فليس أحدٌ يخلو من أن يكونَ متعلّقاً منه بسبب، وضارباً فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عَقَّب بإيجاب الحقوق؛ فرحل في شعره، وشكا النَصَبَ والسهر، وسُرَى الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حقّ الرجاء وذِمام التأميل، وقرّر عنده ما ناله من المكارِه في المسير، بدأ في المديح فبعثه على المكافأة، وفَضَّله على الأشباه، وصغّر في قدره الجزيلَ، وهزّه لفعل الجميل؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحداً أغلب على الشعر، ولم يطل فيُمِلّ السامعين، ولم يقطع وفي النفوس ظمأ إلى المزيد.\rبين أبي تمام والبحتري\rويتعلّق بهذه القطعة ما حدَّث به الحاتمي عن نفسه، وإن كانت الحكاية طويلة فهي غيرُ مملولة؛ لما لبسَتْه من حُلَل الآداب، وتزيّنتْ به من حُلى الألباب، قال: جمعني ورجلاً من مشايخ البصرة ممن يُومَأ إليه في علم الشعر مجلسُ بعضِ الرؤساء، وكان خبره قد سبق إليّ في عصبيّته للبحتري، وتفضيله إياه على أبي تمام، ووجدت صاحبَ المجلس مؤثراً لاستماع كلامِنا في هذا المعنى، فأنشأتُ قولاً أنحيْتُ فيه على البحتري إنحاءً أسرفْتُ فيه، واقتدحْتُ زِنادَ الرجل، فتكلّم وتكلّمْتُ، وخُضْنَا في أفانين من التفضل والمماثلة، غلوتُ في جميعها غلواً شهده جميع من حضر المجلس، وكانوا جُمّة الوقت، وأعيان الفضل، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو تمام يبتدئ، ولا يخرج، ولا يختم، ولو لم يكن للبحتري عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته، ولطفُ خروجه، وسرعة انتهائه، لوجب أن يقَع التسليم له، فكيف بأوَابده التي تزدادُ على التكرار غَضَارة وجدة، ثم أقبل عليّ، فقال: أين يُذهب بك عن ابتدائه: الكامل:\rعارضنا أُصُلاً فقلْنا الرَّبربُ ... حتى أضاء الأقحوان الأشنبُ\rواخضرَّ مَوْشيُّ البرودِ وقد بَدَا ... منهنّ ديباجُ الخدودِ المُذهَبُ\rوأنىّ لأبي تمام مثل خروجه حيث يقول: الطويل:\rأدارَهُمُ الأولى بدارة جُلجل ... سقاكِ الحيَا رَوْحاته وبواكرُهْ\rوجاءك يحكي يوسف بن محمد ... فروّتْك رَيّاهُ وجَادَك ماطِرُهْ\rوقد كرر هذا وزاد فيه فقال: البسيط:\rتنصّب البرقُ مختالاً فقلت له ... لو جُدْتَ جودَ بني يَزْدان لم تَزِد\rومن ذا الذي لَطُف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح، فقال أحسن من أقوله: الطويل:\rكأنَّ سناها بالعشيِّ لصَحْبها ... تبلُج عيسى حين يَلْفظُ بالوَعْدِ\rوأنَّى لأبي تمام مثلُ حسن انتهائه حيث يقول: الطويل:\rإليك القوافي نازعاتٍ شوارداً ... يُسيَّر ضَاحِي وَشْيها ويُنَممُ\rومشرقةً في النظم غُرًّا يزيدُها ... بهاءً وحسناً أنها لك تُنظمُ\rوقوله في هذا المعنى: الطويل:\rألست المُوالِي فيك نَظْمَ قصَائدٍ ... هي الأنجم اقتادتْ مع الليل أنجُمَا\rثناء تَخَالُ الروضَ فيه منوّراً ... ضحًى، وتخالُ الوَشْي فيه مُنَمْنَما\rولقد تقدم البحتري الناسَ كلهم في قوله: الكامل:\rلو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وُسْعِهِ لسعى إليك المنبرُ","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"قال أبو علي: وكنت ساكناً إلى أن استتمّ كلامه، فكأن الجماعة أعجبهم ذلك، عصبيةً عليّ لا عَلَى أبي تمام؛ لأني كنت كالشَجَى معترضاً في لهوَاتهم، وأَسرَّ كلَّ واحد منهم إلى صاحبه سرّاً يومئ به إلى استيلاء الرجل عليّ؛ فلمّا استتمّ كلامه وبرقت له بارقةُ طمع في تسليمي له ابتدأت فقلت: لست ممن يُقَعْقَعُ له بالشَنَان، ولا يُقْرَع له بالعصا، لا إلهَ إلا الله! استنَّت الفصالُ حتى القَرْعَى! هل هذه المعاني إلا عُون مُفْتَرعة، قد تقدم أبو تمام إلى سبْك نُضَارها، وافتضاض أبكارها، وجرى البحتري على وتيرته في انتزاع أمثالها وأتباعها، فأمّا قوله: عارضْنَنَا أصلاً فقلنا الربوب، فمن قول أبي جُوَيْرَية العبدي: الكامل:\rسلّمن نحوي للوداع بمقلة ... فكأنما نظرت إلينا الربرب\rوقرأن بالحدَقِ المِرَاض تحية ... كادت تكلمنا وإن لم تُعرِب\rوأما قوله في صفة الغيث مخاطباً للدار: وجاءك يحكي يوسف بن محمد، وقوله في هذا المَعْنَى: لوجدت جود بني يزدان لم تزد فمن قول أبي تمام: الكامل:\rولنُؤْيها في القلب نُؤيٌ شفهُ ... وَلَهٌ بظَاعِنها وبالمتخلّفِ\rوكأنما استسقى لهن محمد ... من سومهنّ من الحَيا في زُخْرفِ\rومن قوله الذي تقدم فيه كلّ أحد لفظاً رشيقاً ومعنى رقيقاً: الوافر:\rديمة سَمْحةُ القياد سَكُوبُ ... مستغيثٌ لها الثرَى المكروبُ\rلو سعَتْ بقعة لإعْظَامِ نُعمى ... لسعَى نحوها المكانُ الجديبُ\rومن هنا أخذ البحتري: لسعى إليك المنبر: الوافر:\rأيها الغيثُ، حَيِّ أهلاً بمغْدا ... ك وعند السرى وحين تؤوبُ\rلأبي جعفرٍ خلائقُ تَحْكي ... هن قد يشبه النجيبَ النجيبُ\rأنت فينا في ذا الأوان غريبٌ ... وَهْوَ فينا في كلِّ وقتٍ غريبُ\rوأما قوله: الطويل:\rكأنَ سناها بالعشي لصحبها ... تبَلُّجُ عيسى حين يلفظ بالوَعدِ\rفإنما نظر فيه إلى قول دِعْبِل بن علي: المتقارب:\rومَيْثَاءَ خضراءَ زُربِيَّة ... بها النَّوْر يلمَع في كل فن\rضحوكاً إذا لاعبَتْه الرياح ... تأَوَّد كالشاربِ المرجَحِنْ\rفشبّه صحبي سنا نَوْرِها ... بديباج كسرى وعَصْبِ اليمنْ\rفقلت: بَعُدتم، ولكنني ... أشبهه بجناب الحَسَن\rفتى لا يرى المال إلا العطاءَ ... ولا الكنز إلا اعتقادَ المِنَنْ\rوأما قوله في صفة الغواني: يسَير ضاحي وَشْيها وينمنم وقوله في وصفها: وتخال الوشي فيه منمنماً فمن قول أبي تمام: الكامل:\rحلوا بها عُقَدَ النسيب، ونَمْنَمُوا ... من وَشْيها نشْراً لها وقَصِيدا\rومن قوله الذي أبدع فيه: الطويل:\rوواللهِ لا أَنفكّ أُهدِي شوارداً ... إليكَ تحملنَ الثناءَ المنخَّلاَ\rتخالُ به بُرْداً عليك محبَّراً ... وتحسبه عقداً عليك مفصَّلا\rألذَّ من السَلْوَى وأَطيبَ نفحةً ... من المسك مفتوقاً وَأَيسرَ مَحْملا\rأخف على قلبي وأثقلَ قيْمةً ... وأقصرَ في قلبِ الجليس وأطْولاَ\rوقول البحتري: هي الأنجم اقتادَتْ مع الليل أنجماً مأخوذ من قول أبي تمام مقصراً عنه كل تقصير عن استيفاء إحسانه حيث يقول: الطويل:\rأصِخْ تستَمعْ حُرَّ القوافِي؛ فإنها ... كواكبُ إلا أنهنّ سُعُودُ\rولا تمكن الإخلاقَ منها فإنما ... يلدُ لباسُ البُرْدِ وهْو جديدُ\rفهذه خصال صاحبك فيما عددتَه من محاسنه التي هتكت بها ستور عَوَاره، ونَشَرْت مطوي أسرارِه، حتى استوضحت الجماعة أنَّ إحسانَه فيها عارية مرتجعة، ووديعة منتزَعة، فاسمع ما قال أبو تمام في نحو أبياتِك التي أوجبتِ الفضلَ لصاحبك حين قال مبتدئاً: الكامل:\rلا أنتَ أنتَ، ولا الديارُ ديارُ ... خف الهوَى، وتفضَّت الأوطارُ\rكانت مجاورةُ الطلولِ وأهلها ... زمناً عِذَابَ الوِرْدِ فهي بحارُ\rوقوله: الكامل:\rرفَّت حَوَاشِي الدهر فهي تمرمَرُ ... وغدا الثرَى في حَلْيِه يتكسرُ\rوقوله: الكامل:","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"أرأَيت أَي سوالفٍ وخُدودِ ... عَنَّتْ لنا بين اللوى وزَرودِ\rوهل يستطيعُ أحدٌ أن يبتدئ بمثل ابتدائه: الكامل:\rطللَ الجميع لقد عَفَوْتَ حميداً ... وكفى على رُزْئي بذاك شهيدَا\rدِمَنٌ كأنَّ البينَ أصبحَ طالباً ... دمناً لدى آرامِها وحقودا\rأو مثل قوله مبتدئاً: الكامل:\rيا دارُ، درَّ عليك إرهامُ الندى ... واهتزَّ روضُك للثرى فترءَّدَا\rوكسيتِ من خِلع الحيا مستَأسداً ... أنفاً يغادرُ وحْشَهُ مستأسدَا\rأو مثل قوله مبتدئاً: الطويل:\rغدَتْ تستجيرُ الدمعَ خوف نَوَى غَد ... وعاد قَتاداً عندها كلُّ مَرْقَدِ\rفأذْرَى لها الإشفاقُ دمعاً مورّداً ... من الدم يجري فوق خدِّ مورَدِ\rولقد أحسن حين ابتدأ فقال: الوافر:\rنَوارٌ في صواحبها نَوارُ ... كما فاجاك سِرْبٌ أو صُوارُ\rتكذَّبَ حاسدٌ فنأَتْ قلوبٌ ... أطاعَتْ واشياً ونأَتْ دِيارُ\rوحيث يقول: الكامل:\rما في وقوفك ساعةً مِنْ بَاسِ ... تَقْضِي ذِمامَ الأَربُعِ الأَدْرَاسِ\rفلعلَّ عينَكَ أَنْ تجودَ بدَمْعِها ... والدمعُ منه خاذِلٌ ومُواسِي\rوحيث يقول: الخفيف:\rما عَهِدْنا كذا نَحِيبَ المشُوقِ ... كيف والدمعُ آيةُ المعشوقِ\rوحيث يقول: الكامل:\rدِمَنٌ ألمَّ بها فقال: سلامُ، ... كم حلَّ عقدةَ صَبْرِه الإلمامُ؟\rنحرت ركابُ الركب حتى يعبُرُوا ... رجلاً، وقد عنفوا عليَّ ولامُوا\rوحيث يقول: البسيط:\rأمَّا الرسوم فقد أَذْكَرْن ما سلفا ... فلا تكفّنَّ عن شانيك أَوْ يَكِفَا\rلا عذرَ للصبِّ أن يَقْنَى السّلوَ ولا ... للدمع بعد مضيّ الحيّ أنْ يَقِفا\rومن اقتضاباته البعيدة قوله: الطويل:\rلهانَ علينا أن نَقُولَ وتَفْعَلا ... ونذكرَ بعضَ الفضلِ منكَ فتُفضلا\rوقوله أيضاً مقتضباً الكامل:\rالحقُّ أَبْلجُ والسيوفُ عَوارِي ... فحذارِ من أَسد العَرِين حَذَارِ\rومما تقدّم فيه كلَّ واحدةٍ في حسنِ التخلص إلى المدح قوله: البسيط:\rإساءةَ الحادثاتِ استنبطي نفقاً ... فقد أظلك إحسانُ ابنِ حَسّانِ\rوقوله: الطويل:\rإذا العيسُ لاقَتْ بي أبا دُلَفٍ فقد ... تَقَطّعَ ما بيني وبين النوائبِ\rوقوله: البسيط:\rلم يجتمعْ قطُ في مصرٍ ولا طرفٍ ... محمدُ بنُ أبي مروانَ والنُوبُ\rوقوله المنقطع دونه كل قول في هذا المعنى: الكامل:\rإنّ الذي خلق الخلائق قاتَها ... أقواتَها لتصرُّفِ الأَحْرَاس\rفالأرضُ معروفُ السماء قرًى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباسِ\rالقوم ظل الله أسكن دينَهُ ... فيهم، وهم جَبَلُ الملوكِ الراسي\rوقوله: الكامل:\rعَامِي وعامُ العِيس بين وَدِيقَةٍ ... مَسْحورةٍ وتنوفةٍ صيهودِ\rحتى أغادِرَ كلَّ يوم بالفلا ... للطير عيداً من بناتِ العيد\rهيهات منها روضةٌ محمودةٌ ... حتى تناخَ بأحمدَ المحمود\rبمعرَّس العرب الذي وَجَدَتْ بهِ ... أَمْنَ المرُوع ونجدةَ المنْجُودِ\rومن أبدع ابتدائه قوله: الكامل:\rسَقى ديارَهمُ أَجشُّ هزيمُ ... وغدَتْ عليهم نَضرَةٌ ونعيم\rجادَتْ معاهدَهم عِهَادُ سحابةٍ ... ما عهْدُها عند الديارِ ذَميمُ\rثم تخلص إلى المدح فقال وأحسن كل الإحسان:\rلا والذي هو عالمٌ أنَّ النَّوَى ... مُرّ وأن أبا الحسين كريم\rما زلتُ عن سَنَنِ الوداد ولا غَدَتْ ... نفسي على إلفٍ سِوَاك تحومُ\rثم عاد إلى المدح، فقال:\rلمحمدِ بن الهيثمِ بن شبابةٍ ... مجدٌ إلى حيثُ السماك مقيم\rملكٌ إذا نُسِبَ النَدَى من ملتقى ... طَرَفَيْه فهو أخ له وحَميم\rوأبو تمام الذي وصف القوافي بما لم يستطع وصفَها به أحد فقال: الطويل:","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"فإنْ أنا لم يحمدكَ عنيَ صاغراً ... عدوُك فاعلمْ أنني غيرُ حَامِدِ\rبسياحَةٍ تنساقُ من غير سائقٍ ... وتنقادُ في الآفاق من غير قائدِ\rمحبّبة ما إنْ تزالُ تَرَى لها ... إلى كل أفق واحداً غَيرَ وافدِ\rمخلقة لمَّا تردْ أذنَ سَامعٍ ... فتصدرُ إلا عن يمينٍ وشاهدِ\rوالذي قال أيضاً في صفتها: الكامل:\rجاءتْكَ من نَظْمِ اللسان قِلاَدةٌ ... سِمْطَانِ فيها اللؤلؤُ المكنونُ\rإنسيةٌ وحشيةٌ كثرَتْ بها ... حركاتُ أهل الأرض وَهْيَ سكُونُ\rحَذِيَتْ حذَاءَ الحَضْرَميّهِ أرهفت ... وأجادَها التَخْصِير والتلْسِين\rينبوعُها خَضِلٌ، وحَلْيُ قريضها ... حَلْيُ الهُدى، ونسيجُها مَوْضُون\rأَحْذَاكها صَنَعُ الضمير يمدُهُ ... حَسَبٌ إذا نضَب الكلامُ مَعِينُ\rأما المعاني فهي أبكارٌ إذا ... نُصَّتْ، ولكن القوافيَ عُونُ\rوقد أبدع في وصفها فقال: الكامل:\rلم أُبْقِ حلية منطق إلا وقدْ ... سبقتْ سوابقها إليكَ جِيَادي\rأبقينَ في أعناقِ جُودِك جَوْهَراً ... أبْقى من الأطواق في الأجيادِ\rهل يستطيع أحدٌ أن ينسب هذا أو شيئاً منه إلى السَّرَق والاحتذاء؟ وهل يستطيع مماثلته بشيء من شعر البحتري، أو أشعار المحدثين في عصره ومن قبله؟ فعَيَّ عن الجواب قصوراً، وأحجم عن المساجلة تقصيراً، وحكمت الجماعة لي بالقَهْر، وعليه بالنصر، ولم ينصرف عن المجلس حتى اعترف بتقديم أبي تمام في صنعة البديع واختراع المعاني على جميع المحدَثين. وكان يوماً مشهوداً.\r؟حول الغناء\rوقال ثُمَامة بن أشرس: كنتُ عند المأمون يوماً، فاستأذن الغلام لعُمَيْر المأموني فكرهت ذلك، ورأى المأمون الكراهية في وجهي، فقال: يا ثمامة، ما بك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إذا غنَانا عمير ذكرت مواطن الإبل، وكُثْبَان الرمل، وإذا غنتْنا فلانة انبسط أَملي، وقوي جَذلي، وانشرح صَدْري، وذكرت الجِنان والولدان، كم بين أن تغنيك جارية غادة كأنها غصن بَان، ترنو بمقلة وَسْنَان، كأنما خلقتْ من ياقوتة، أو خرطت من فضة، بشعر عكاشة العميّ حيث يقول: الكامل:\rمن كفَ جارية كأن بَنَانَهَا ... من فضة قد طُرفَتْ عُنابا\rوكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تُلْقى على الكف الشمال حسابا\rوبين أن يغنيك رجل كَث اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن زهير حيث يقول: الطويل:\rرأيت زهيراً تحت كَلْكَلٍ خالد ... فأقبلْتُ أسعى كالْعَجُول أبادرُهْ\rوكم بين أنْ يحضرك مَنْ تشتهي النظَر إليه، وبين من لا يقفُ طَرفك عليه؟ فتبسّم المأمون، وقال: الفرق بينهما واضح، والمنهج فسيح؛ يا غلام، لا تأذنْ له، وأحْضَر طيبَ قَيْنَاته، فظَلِلْنا في أمْتَعِ يوم.\rوعكاشة هذا هو عكاشة بن عبد الصمد البصري، نقيُ الديباجة، ظريف الشعر، كان شاعراً مجيداً. وقد أخذ معنى قوله أبو العباس الناشئ، وزادَ فيه، فقال: الكامل:\rوإذا بصُرْتَ بكفها اليُسرَى حكتْ ... يدَ حاسبٍ تُلْقي عليك صنوفا\rفكأنما المضرَابُ في أوتارِهِ ... قَلَمٌ يُمَجْمِجُ في الكتاب حروفا\rويجسُه إبهامُها فكأنما ... في النقْر تنفي بهْرَجاً وزُيُوفَا\rأخذ هذا البيت من قول أبي شجرة السلمي وذكر ناقته: البسيط:\rتَطيرُ عنها حَصى الظُّرّانِ من بَلَدٍ ... كما تُنُوقِد عند الْجِهْبِذِ الوَرِق\rوأصله قول امرئ القيس: الطويل:\rكأن صليلَ المَرْوِ حين تُشِدُّه ... صليلُ زُيُوفٍ يُنتقَدْنَ بعَبْقَرا\rوقال أبو الفتح كشاجم: الكامل:\rلو لم تحرِّكْه أنامِلُها ... كان الهواءُ يُعِيدُه نطقا\rجَسَّتْهُ عالمةً بحالته ... جَسّ الطبيب لمدنف عِرْقَا\rغنّت فخِلْتُ أظنُّني طرباً ... أَسْمُو إلى الأفلاك أو أرْقى\rوحسبت يُمْناها تحركه ... رعداً وخِلْتُ يسارَها بَرْقا\rوأنشد الحاتمي لأبي بكر الصولي: الخفيف:","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"وغناءً أرق من دَمْعة الصب وشكوى المتيَم المهجور\rيَشْغَلُ المرءَ منظرٌ ثم نطقٌ ... فهوَ يُصْغِي بظاهر وضميرِ\rصافحَ السمعَ بالذي يشتهيه ... وأذاقَ النفوسَ طعمَ السرورِ\rليس بالقائل الضعيف إذا ما ... راض نغماً ولا الشنيع الجهيرِ\rوقال أبو نُوَاس: الوافر:\rوأَهْيَفَ مثل طاقةِ ياسمِينٍ ... له حَظَّان من دُنْيَا ودِينِ\rيحرَكُ حين يشدُو ساكناتٍ ... فتنبعث الطبائع للسكونِ\rوهذا مليح، يريد حركة الجوانح للغناء، وسكون الجوارح للاستماع. وقال الحمدوني يصف عوداً: البسيط:\rوناطقٍ بلسانٍ لا ضميرَ له ... كأنه فخذٌ نِيطتْ إلى قَدَمِ\rيُبْدِي ضميرَ سِوَاهُ للقلوب كما ... يبدي ضمير سواه منطق القلمِ\rفي صفة القيان\rومن أَحسنِ ما قيل في صفة القيان قولُ ابن الرومي: الخفيف:\rوقيانٍ كأنها أمهاتٌ ... عاطفات على بَنِيهَا حَوَاني\rمُطْفِلات وما حملْنَ جنيناً ... مرضعات ولَسْنَ ذاتَ لَبَانِ\rملْقِمَات أطفالَهُن ثُدِيَّاً ... ناهداتٍ كأحسنِ الرُّمانِ\rمفعمات كأنها حافِلاتٌ ... وَهْيَ صِفْرٌ من دِرة الألبانِ\rكل طفل يُدعى بأَسماء شَتى ... بين عُودٍ ومزهرٍ وكِرَانِ\rأمه دَهْرَها تترجِمُ عنهُ ... وهو بادي الغِنَى عن الترجمَانِ\rوقال أبو الفتح كشاجم: المنسرح:\rجاءَت بعُود كأن نَغْمَتَهُ ... صوتُ فتاةٍ تشكو فِراقَ فتى\rمحفّف حفت العيونُ بهِ ... كأنما الزهرُ حولَهُ نبتا\rدارتْ ملاوِيه فيه فاختلفتْ ... مثل اختلافِ العيونِ مذ ثبتا\rلو حركتْه وراء منهزم ... على بريدٍ لعاجَ والتفتا\rوقال: الطويل:\rيقولون تُبْ والكأس في كف أغيد ... وصوت المثاني والمثالث عَالي\rفقلت لهم لو كنت أزمعت توبةً ... وشاهدت هذا في المنام بَدَالِي\rوقال: الكامل:\rأفدي التي كَلِفَ الفؤادُ مِنَ أجْلها ... بالعُودِ حتى شفني إطرابا\rتاهَتْ بجمع صناعتين، وأظهرتْ ... كبراً بذاك، وأُعْجِبت إعجابا\rقالت: فضلتك بالغناء وأنت لا ... تشدو، وكنا مثلَكم كتابا\rفعُنِيت بالأوتار حتى لم أدع ... نغماً ولم أغْفِل لهنَّ حسابا\rوألفتها فأغار ذاك على يدي ... قلمي وعاتبها عليه عتابا\rفجعلت للقرطاس جانِبَ صدرِه ... وجعلتُ جانب عَجزه مِضرابا\rوقال: البسيط:\rجاءتْ بعُودٍ كأن الحبَّ أَنحَلَهُ ... فما يُرَى فيه إلا الوهمُ والشبَحُ\rفحرّكَتْه وغنتْ بالثقيل لنا ... صوتاً به الشوقُ في الأحشاء يَنْقَدحُ\rبيضاء يحضرُ طيبُ اللهوِ ما حضرَتْ ... فان نأت عنك غاب اللهو والفرَحُ\rكل اللباس عليها مَعْرضٌ حَسَنٌ ... وكلُّ ما تتغنّى فهو مقترَح\rهذا من قول ابن المعتز: المتقارب:\rوغنت فأَغنتْ عن المسمِعي ... ن وارتجَّ بالطرب المجلسُ\rمحاسِنها نُزْهَة للعيون ... ومَعرِضها كل ما تَلْبَسُ\rوقال أيضا: الخفيف:\rأشتَهي في الغناء بُحَّةَ حَلْقٍ ... ناغِم الصوت مُتْعَبٍ مكدُودِ\rكأنين المحبِّ أضعفه الشَوْ ... قُ فضاهَى به أَنينَ العُودِ\rلا أحِبُّ الأوتار تعلو كما لا ... أَشتهي الضربَ لازِماً للعَمُود\rوأحب المجنبَات كحبي ... للمبادي موصولةً بالنَّشيدِ\rكهبوب الصبا توسط حالاً ... بين حالين شدَّة وركودِ\rوقال: الخفيف:\rآه من بُحَّةِ بغير انقطاع ... لفتاةٍ موصولة الإيقاعِ\rأتعبت صوتها وقد يُجْتَنى من ... نعبِ الصوت راحةُ الأسماعِ\r؟فَغَدَت تكثر الشّجَاجَ وحطّت طبقاتِ الأوتار بعد ارتفاعِ","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"كأنين المحبِّ خفض منهُ ... صوتَ شكواه شدَّةُ الأوجاع\rوقال بعض أَهل العصر، وهو أبو الحسن بن يونس: الكامل:\rغنَّت فأَخفت صوتها في عُودِها ... فكأنما الصوتانِ صوتُ العودِ\rغَيدَاء تأمرُ عودَها فيطِيعها ... أبداً، ويتبعُها اتباع وَدود\rأنْدَى من النُّوَار صُبحاً صَوتُهَا ... وأرق من نَشْر الثنا المعهودِ\rفكأنما الصوتان حين تمازَجَا ... ماءُ الغمامةِ وابنة العُنقود\rوأبو الحسن هذا هو: علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، صاحب عبد الله بن وهب الفقيه، وكان لأبي الحسن في الشعر مذهب حسن، وطبع صحيح، وحَوك مليح، وكان عالماً بالنجوم وما يتعلق بها من علوم الأوائل، وهو القائل: الطويل:\rسقَى الله أكنافَ اللِّوى كلما سقى ... بضرْبٍ من المُزنِ الكَنَهْوَرِ هَاملِ\rإذا نشرت ريح جُمانَ سحابةٍ ... غَدَا وَهْوَ حَلْيٌ للرياضِ العَواطِلِ\rبه وَجْدُ رَعْد ليس بين جوانح ... ووسواسُ وَدْقٍ ليس بين مفاصل\rإذا كان خدّ البرق يلمس نبتهُ ... تلقَّاه دُرُّ النَّور فوقَ الخمائل\rوقال، وذكر غلاماً: الكامل:\rيجري النسيمُ على غلائل خَدّهِ ... وأَرقّ منه ما يَمُزُ عليه\rناولتُه المرأة ينظرُ وَجْهَهُ ... فكسَتْه فتنة ناظريْه إلَيْهِ\rوقال ابن المعتز - وذكر المرآة: الطويل:\rتبيّنني لي كلّما رُمْت نظرةً ... وناصَحتِي من دون كل صَديقِ\rيقابلني منك الذي لا عدمْتُهُ ... بلُجّهِ ماء وهو غير غَرِيقِ\rوقال أبو الفتح كشاجم يصفُ مرآة أهداها: الخفيف:\rأخت شمس الصفاء في الحسن والإش ... راق غير الإعشاء للأجفانِ\rذات طَوْق مشرف من لُجين ... أُجريت فيه صُفْرَةُ العِقْيَانِ\rفهو كالهالة المحيطة بالبد ... ر لستّ مضن بعد ثَمانِ\rوعلى ظهرها فوارسُ تلهو ... ببُزَاةٍ تَعْدُو على غِزْلاَنِ\rلك فيها إذا تأملت فأل ... حَسَنٌ مُخْبر بنبيل الأماني\rلم يكن قبلها من الماء جرم ... حاصِرٌ نفسَه بغير ِأَوَان\rعدّلت عكسها الشعاع فمبدا ... ه إليها ورَجعه سِيانِ\rوهي شمسٌ وإنْ مِثَالك يوماً ... لاح فيها فإنها شَمْسَانِ\rأينما قابلتْ مثالَكُ من أر ... ضٍ ففيها تقابل النيران\rفالقها منك بالذي ما رآه ... خائف فانثنى بغير أَمَان\rومن ألفاظ أهل العصر\rفي مدح الغناء\rغِناؤُه كالغِنَى بعد الفقر، وهو جَبر للكسر. غِناؤُه يبسط أَسِرَةَ الوَجهِ، ويرفعُ حجابَ الإِذْن، ويأخذُ بمجامِع القَلْب، ويحرك النفوس، ويرقص الرؤوس. فلان طبيب القلوب والأسماع، ومحيي مَوات الخواطِرِ والطباع، يُطْعِمُ الآذانَ سروراً، ويقدح في القلوب نوراً القلوبُ من غنائه على خَطر؛ فكيف الجيوب؟! السكر على صوبِه شهادة.\rكل ما يغنّيه مقتَرح. لغنائه في القَلْبِ، موقع القَطْر في الجَدْب. نغمة نغمته تطرب، وضروب ضَرْبه لا تضطرب. وقيل: السماع مُتْعَة الأسماع، وإدامُ المدام.\rفي وصف القلم\rأهدى بعضُ الكتّاب إلى أخٍ له أقلاماً وكتب إليه: إنه - أطال اللهُ بقَاءك! - لما كانت الكتابةُ قِوَامَ الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمودَ الممْلَكة، وأعظم الأمور الجليلة قدْراً، وأعلاها خَطَراً، أحببتُ أن أتحِفك من آلاتّها بما يَخِفُ عليك مَحْمله، وتثقل قيمتُه، ويكثر نَفْعُه؛ فبعثتُ إليك أقلاماً من القصب النابت في الأعْذَاء، المغذوّ بماء السماء، كاللآلي المكنونة في الصَّدَف، والأنوار المحجوبة بالسّدف، تَنْبُو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غَمْزُ البَنان، قد كسَتْها طباعها جوهراً كالوَشْي المحبر، وفرند الديباج المنيّر، فهيِ كما قال الكميت: المتقارب:\rوبيضٍ رقاقٍ صِحاح المتو ... نِ تَسْمَع للبيض فيها صَرِيرا\rمُهَنَّدة من عَتَادِ الملوك ... يكاد سَنَاهُنّ يُعشِي البصيرا","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"وكقدح النبل في ثقل أَوزانها، وقُضُب الخيزُرَان في اعتدالها، ووشيجِ الخطّ في اطّرادها، تَمرُ في القراطيس كالبَرْقِ اللائح، وتجرِي في الصحف كالماء السائح، أَحسن من العِقْيان، في نحورِ القيَان.\rوكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله أن يوجهَ إليه بأقلام قصبيّة: أما بعد، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة التي غلبَتْ على الاسم، ولزمت لزوم الوَسْم، فحلَت محل الأنساب، وجرت مَجْرَى الألْقاب - وجدنا الأقلام القصبية أسرعَ في الكَوَاغِدِ، وأمرَّ في الجلود، كما أن البَحْرية منها أسلسُ في القَراطيس، والين في المعاطف، وأكلّ عن تمزيقها، والتعلق بما ينبو من شظاياها. ونحن في بلادِ قليلة القَصب، رديء ما يوجد بها منه؛ فأحببت أن تتقدَم في اختيار أقلام قصبيِة، وتتأنّق في انتقائها قِبَلك، وطلبها في منابتها، من شُطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيَّم باختيارك منها الشديدة المجسّ، الصّلبة المعض، الغليظة الشحوم، المكتنزة الجوانب، الضيّقة الأجواف، الرزينة الوَزْن، فإنها أبقى على الكتاب، وأبعد من الحَفَاء، وأن تقصدَ بانتقائك منها للرقاق القضبان، اللطاف المنظر، المقوَّمات الأوَد، المُلْس العُقد، ولا يكون فيها التواء عوج ولا أَمْت؛ وضُمَ الصافيةَ القشور، الخفية الإُبن، الحسنة الاستدارة، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، تكادُ أسافلها تهتزُّ من أعلاها، لاستواء أصولها برؤوسها، المستكملة يبساً، القائمة على سوقها، قد تشرّبت الماءَ في لِحائها، وانتهت في النُّضْجِ منتهاها، لم تعجل عن تمام مصلحتها، وإبَّانِ يُنْعِها، ولم تؤخّر في الأيام المخوفة عاهاتها؛ من خَصَر الشتاء، وعَفَنِ الأنداء، فإذا استجمعتْ عندك أمرْتَ بقطعها ذِراعاً ذراعاً، قَطْعاً رفيقاً تتحرّز معه أن تتشعبَ رؤوسها، أو تنشق أطرافها، ثم عبأت منها حزماً فيما يصونها من الأوعية، وعليها الخيوط الوثيقة، ووجَّهْتَها مع من يحتاط في حراستها وحفظِها وإيصالها؛ إذ كان مثلها يُتَوانى فيه، لقلة خطرِها عند من لا يعرفُ فَضْلَ جوهرها؛ واكتب معه بعدَّتِها وأصنافها وأجناسها وصفاتِها، على الاستقصاء، من غير تأخير ولا إبطاء.\rفأجابه ووجه إليه مع الأنابيب: أتاني كتاب الأمير - أعزه الله! - بما أمر به ولخصه، من البعث بما شاكل نَعْتَه، وضاهى صِفَته، من أجتاس الأقلام، فتيممت بِغيته قاصداً لها، وانتهجتُ معالمَ سُبُلِه آخذاً بها، فأنْفَذْتُ إليه حزماً أنشئت بلطيف السّقيا، وحُسْن العهد والبُقْيا، لم تعجل بإخراجها، ولا بُودِرتْ قبل إدراكها؛ فهي مستويةُ الأنابيب معتدلتها، مثقفة الكعوب مقوّمتها؛ لا يُرَى فيها أمْتُ زَوَر، ولا وصم صغر ولا عِوَج، وقد رجوت أن يجدَها الأمير عند إرادته وحسَبَ بِغُيْتَهِ.\rومن كلام منصور بن عمَار في صفة القلم، ويقال إنه لسليمان بن الوليد الكاتب: أو ليس من عجائب اللهِ في خَلقِه، وإنعامِه على عباده، تعليمُه إياهم الكتابَ المفيد للباقين حكم الماضين، والمخاطِبَ للعيون بسرائر القلوب، على لغات مختلفة، بمعان مفترقة معقودة، وأحرفٍ مقلوبة، من ألفِ وتاء، وجيم وباء، متباينات الصور، مختلفات الجهات، لِقَاحها التفكير، ونتاجها التأليف، تخرس مفردة، وتنطِقُ مزدرجة، بلا أصواتٍ مسموعهّ، ولا ألْسُنٍ محدودة، ولا حركات ظاهرة، بل قلم حَرَّفَ بارِيه قطَّته، ليعلقَ المدادُ به، وأرْهَف جانبيه ليرد ما انتَشر عنه إليه، وشق في رأسه ليحتبس الاستعداد عليه، ورفع من شعبيته لتجتمع حواشي تصويره؛ فهنالك روى القلم في شِقه، وقفف المادة إلى صدره، فإذا علقتها العيون حكَتْها الألسن، فالقلوب حينئذ رَاعِية، والآذان واعِية، لكلام سَداه العَقْل، وألحمه اللسان، وأدّته اللَهَوَات، ولفظته الشفَاه، ووعته الأسماع، على اختلاف أنحاء، من صفاتٍ وأسماء؛ فتبارك الله أحْسَنُ الخالقين.\rحمل من رسالة كتبها بعض أهل العصر، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي، في القلم إلى أبي عمران بن رياح:","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"إنه لما كان القلمُ مطيةَ الفكْر والبيان، ومُخْرِجَ الضمير إلى العِيان، ومستنبطاً ما تُوارِيه ظلَمُ الجَنانِ إلى نُور البيان، ومُريحَ الفطًنِ العوازب، وجالبَ الفِكَرِ الغرائب ولسان الغائب، وبز الكاتب.، مكتّب الكتائب، ومفرق الجلائب، وعماد السّلْم، وزناد الحرب، ويدَ الحدثَان، وخليفة اللسان، ورأس الأدوات التي خصَّ الله بها الإنسان، وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان، ومركباً لآلة قد تقدَّمَتْ كلَّ آلة، وحِكْمة سبقَتْ في الإنسان كلّ حكمة، وقَواماً لهندسة عقلية، ومصدراً لعَقْلِ العاقل، وجهل الجاهل. الناقل إلينا حِكَمَ الأولين، وحاملها عنا إلى الآخرين، الحافظ علينا أَمْرَ الدنيا والدين، أول شيء خلقه الله بأمره وسَبحَه، ومَجَّده وحَمِدَه وسجدَ له، فكان له فرسانٌ خُلِقَ لهم، وكُنْتَ عميدَهم، وأقرَانٌ قُصِر عليهم، وأنت صنديدهم، وميدان كنت زَيْنه، ومضمار كنت عَيْنَه، وحِلْيَة كنت سابقها ومعجزها، وغاية كنت مَالِكها ومُحْرِزَها، ورمت بي الأيام إلى معدنه الذي كلفت به وعنيت بطلبه، فانفردت منه بقدح فَذّ أَوْحد، فَرْد في منْبته، قد ساعدت عليه السعود في فلك البروج حولاً كاملاً، مُخْتلف يُؤلّفه أركانها وطباعها، ومتباين أنوائها وأنحائها، وتؤيده بقواها وجواهرها، حتى غذَتْه عِرْقاً في الثرى معرقاً، وأرضعته ناجماً، وسقته مكعباً، وأروته مقصباً، وأظمأته مكتهلاً، ولوحته مستحصداً، وجللته بهاءها، وألقت عليه عنوانها، وأودعته أعراقها، وَأَوراقَها وأخْلاَقها، حتى إذا شقّ بازله، ورقّت شمائله، وابتسم من غشائه، ونادى من لِحَائه، وتعرى عن خز المصيف، بانقضاء الخريف، وانكشف عن لون البيض المكنون، والصدف المخزون، ودر البحار، وفتات الجمار، دعا منه نَفَق العَاج بنقبة الديباج، وقميص الدرر بطراز النساج، فاجتمعت له زينة الأيدي البشرية، إلى الأيدي العلوية، والأنسابِ الأرضية، إلى الأنساب السماوية، فلما قادته السعادة إليَ، ورأيته نسيجَ وَحْدِه في الأقلام، رأيت أولى الناس به نسيجَ وَحْدِه في الأنام، فآثرتُك به مُؤْثِراً للصنيعة؛ عالماً أن زين الجيادِ فرسانها، وزين السيوف أَقرانها، وزين بزة لابِسُهَا، وزين أَداةٍ ممارسُهَا، فالآن أعطيت القوس باريها، وزناد المكارِم مُوريها، والصمصَامة مُصلِتها، والقناة مُعلمها، وحلَة المَجْدِ لابِسها.\rوكان النجيرمي جَيدَ الروية والبديهة في نظمه ونثره، حلو التصريف، مليح التأليف، وكان يوماً عند أبي المسك كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أَدام اللَه أَيام سيدنا الأستاذ - بالخَفْض - فتبسَّم كافور إلى أبي إسحاق، فقال ارتجالاً: البسيط:\rلا غَرْوَ إن لَحَنَ الدَاعِي لسيِّدنا ... وغُصَّ من هَيْبَةٍ بالريقِ والبَهَرِ\rفمثل سيدنا حالت مهَابَتُهُ ... بين البليغ وبين القول بالحصَرِ\rفإذ يكن خفَضَ الأيام من دَهشٍ ... من شدّةِ الخوف لا مِنْ قِلَّة البَصَرِ\rفقد تفاءَلت في هذا لسيدنا ... والفأل مأثرة عن سيّد البشَرِ\rبأن أيامه خَفْضٌ بلا نَصَب ... وأن دولته صفوٌ. بلا كدَرِ\rفأمر له بثلثمائة دينار، ولابن عياش بمائتين.\rوقال حمدان الدمشقي يصف قلماً: الكامل:\rللأيْم بعثته وشَقّ لِسَانِهِ ... وله إذا لم تجْرِه إطراقُهُ\rكالحيةِ النَّضْنَاضِ إلا أَنهُ ... من حيث يَجْرِي سمّه تِرْيَاقُهُ\rقال العتابي: سألني الأصمعي فقال لي: أي الأنابيب أَصْلَحُ للكتابة وعليها أَصبر؟ فقلت: ما نشِفَ بالهجير ماؤُه، وستره عن تلويحِه غشاؤه، من التِّبرية القشور الدرّية الظهور، الفضيّة الكسور، قال: فأي نوع من البَرْي أكتب وأصْوب؟ قلت: البرية المستوية القطّ، عن يمين سنّها، بَرية تأمن معها المجّة عند المطّ، الهواء في مَشَقها فتيق، والريح في جوفها خريق، والمِدَاد في خرطومها رقيق، قال: فبقي الأصمعي شاخصاً إليَ ضاحكاً لا يُحِيرُ مسألة ولا جواباً.\rالعتابي","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"والعتابي: هو كلثوم بن عمرو بن الحارث التغلبي، يُكْنَى أبا عمرو، قال أبو عثمان الجاحظ: كان العتابيّ ممن اجتمع له الخطابة، والبيان، والشعر الجيد، والرسائل الفاخرة، وعلى ألفاظه وحَذْوِه يقول في البديع جميعُ من يتكلف ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النَمري، ومسلم بن الوليد الأنصاري، وأشباههما، وكان العتابي يَحْتذي حَذْو بشَار في البديع، ولم يكن في المولدين أجودُ بديعاً من بشار وابن هَرْمَةَ.\rوالعتابي من ولد عَمْرو بن كلثوم ابن مالك بن عَتّاب بن سعد، ولذلك قال: البسيط:\rإني امرُؤٌ هدم الإقتار مأثرتي ... واجتاح ما أبدَتِ الأيامُ من خطري\rأَنا ابنُ عمرو بن كلثوم يسوّدهُ ... حيّا ربيعةَ والأحياءُ من مضرِ\rأرومَةٌ عطَّلَتني من مكارمها ... كالقوسِ عطَّلها الرامي من الوترِ\rوكان صاحبَ بديهة في المنظوم والمنثور، حسن العقل وَالتمييز، وَالعربُ تقول: من تمنّى رجلاً حسنَ العَقل، حسنَ البيانِ، حسنَ العِلْم، تمنَّى شيئاً عسيراً. وَقد اجتمع ذلك كله للعتابي.\rوَعاتبه يحيى بن خالد على لباسه، وَكان لا يُبَالي أي ثوبيه ابتذلَ! فقال: أَبْعَدَ اللَهُ رجلاً مهمُه أن يكون جمالُه في لباسه وَعطره. إنما ذلك حظُ النساء، وأَهل الأهواء، حتى يرفعه أكبرَاه: هِمّته، وَلبّه، وَيعلو به معظماه: لسانُهُ، وَقَلبه.\rودخل على الرشيد فقال: تكلَم يا عتابيّ! فقال: الإيناس قبل الإبسَاس، لا يُمْدَحُ المرء بأول صَوابه، ولا يُذَمّ بأول خَطئه؛ لأنه بين كلا زَوَّرَه، أو عيّ حَصَرَه.\rوذكر أبو هفّان أنَّ الرشيد لقيَه بعد قَتْل جعفر بن يحيى وزوال نِعمته، فقال:\rما أَحْدَثت بَعْدُ يا عتابي؟ فأنشده ارتجالاً: الطويل:\rتلوم عنى تَرْكِ الغِنَى باهليّةٌ ... طَوَى الدهرُ عنها كلّ طِرْف وتَالِدِ\rرأتْ حولها النسوان يرفلن في الكُسا ... منظمةً أَجيادُها بالقلائِدِ\rأَسَرَّك أني نِلْتُ ما نال جعفرٌ ... من الملك أو مَا نَالَ يحيى بن خالدِ\rوأنَّ أمير المؤمنين أَغَصَّنِي ... مغصَّهُما بالمُرْهَفَاتِ البوارِدِ\rفإنَّ رفيعاتِ المعالِي مَشُوبة ... بمستودعاتٍ في بطونِ الأساوِدِ\rوكان متحرفاً عن البرامكة، وفيهم يقول: البسيط:\rإنَ البَرَامِكَ لا تنفك أَنْجِيَةً ... بصفحة الدين من نجواهُمُ نَدَبُ\rتجرّمَتْ حججٌ منهم ومُنْصلُهم ... مضرَّج بدم الإسلام مختَضِبُ\rواجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتَّابي، فقال: أليس هذا منزلَ كلثوم بن عَمْرو؟ قيل: نعم، فثَنَى رجله، ودخل إليه، فأَلْفَاه جالساً في بَيْتِ كتبه، فحادَثه وذاكَرَه، ثم انصرف، فتحدّث الناسُ في ذلك، وقالوا: إن الأمير لم يَقْصِدهُ، وإنما اجتاز به فأَخْطر ذلك الزيارةَ، فكتب إليه: الكامل:\rيا مَنْ أَفادَتْنِي زِيارَتُهُ ... بَعْدَ الخمولِ نباهةَ الذكْرِ\rقالوا الزيارةُ خَطْرَة خَطَرتْ ... ومجاز خَطْرك ليس بالخطر\rفادْفَعْ مقالتهم بثالثة ... تستَنْفد المجهودَ مِنْ شكري\rلا تجعلَنَّ الوِتْرَ واحدةً ... إن الثلاث تتمةُ الوتر\rفبعثته الأبياتُ إلى أَنْ زَارَه ثلاثاً.","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"وكان يميل إلى المأمون، فلمّا خرج ا!أمون إلى خُراسان شيعه حتى وصل معه إلى سَنْدان كِسرى، فقال له المأمون: سألتك بالله يا عتّابي إلا عملتَ على زيارتنا إنْ صار لنا من هذا الأَمر شيء، فلما ولي المأمون الخلافةَ، ودخل بغداد سنة أربع ومائتين توصَّل إليه العتّابي، فلم يمكنه الوصول، فقال للقاضي يحيى بن اكثم: إن رأيتَ أن تُعلِم أميرَ المؤمنين بمكاني! فقال: لَسْتُ بحاجب! قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل مِعْوان! فقال: سلكتَ بي غير طريقي! قال: إن الله تعالى ألحقك بجاهٍ ونعمة، وهما يقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، والتغيير إن كفرت، وأنا اليوم لك خيرٌ منك لنفسك؛ أدعوك لما فيه زيادة نعمتك، وأنت تأْبى ذلك؛ ولكلِّ شيء زكاة، وزَكاةُ الجاهِ بَذْلهُ للمستعين، فدخل يحيى على المأمون فقال: أجِرْني من لسان العتابي، فلَهَا عنه، ولم يأذن له، فلما طال عليه كتب إليه: الخفيف:\rما على ذلك افترقْنا بِسَنْدا ... ن ولا هكذا عَهدْنا الإخَاءْ\rلم أكن أحسب الخلافة يزدا ... د بها ذو الصفاء إلا صفاءْ\rتضرب الناس بالمثّقفة السُّم ... ر على غًدْرِهمْ وتنسى الوفاءْ\rيعرِّض بقتْله لأخيه على غَدره، ونكثه لِمَا عقد الرشيد؛ فلما قرأ المأمون الأبيات أمر أن يُدْخَل عليه. فلمّا سلّم قال: يا عتابي، بلغتني وفادتُكَ فسرَّتْني، وقد كَانتْ بلَغَتْني وفاتُكَ فساءتني، وإني لحريّ بالغمّ لبُعدِك، والسرور بقربك! فقال: يا أمير المؤمنين، لو قسم هذا الكلام على أهلِ الأرض لوسعهم عَدْلاً وأَعجزهم شكراً، وإن رضاك لغاية المُنَى، لأنه لا دينَ إلا بك، إلا معك، قال: سَلْني، قال: يَدُك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة، بخمسين ألفاً.\rوقال العتابي وودَع جاريةً له: الخفيف:\rما غَناءُ الحِذَارِ والإِشفاقِ ... وشآبيب دَمْعِك المُهْرَاقِ\rليس يَقْوَى الفؤادُ منك على الضَ ... دِّ ولا مُقْلَتَا طَلِيحِ المآقي\rغدرات الأيامِ منتزِعَاتٌ ... ما غَنِمْنَا من طول هذا العناق\rإنْ قضَى اللهُ أن يكون تَلاَقٍ ... بعد ما قد ترين كان تَلاقِ\rهَوِّني ما عليك واقْنَيْ حَيَاءً ... لستِ تبقين لي ولستُ بِبَاقِ\rأيّنا قدَمَتْ صروفُ المنايا ... فالذي أخرتْ سريعُ اللحاق\rويدُ الحادثات رَهْنٌ بمُرِّا ... تٍ من العيشِ مُصْبِرَاتِ المذاق\rغُرّ مَنْ ظن أن يفوت المنايا ... وعُراها قلائدُ الأعناق\rكم صَفييْنِ مُتِّعَا باتفاقٍ ... ثم صارا لغُرْبَةٍ وافتراقِ\rقلت للفرقدين والليل مُلْقٍ ... سُودَ أكنافِه على الآفاقِ\rاِبْقَيَا مَا بقيتما سوف يُرمى ... بين شخصيكما بسَهْمِ الفِرَاقِ\rبينما المرءُ في غَضَارةِ عَيْش ... وصلاحٍ من أمرِه واتّفَاق\rعطفتْ شِدّةُ الزمان فأدّت ... ه إلى فاقةٍ وضيقِ خِنَاقِ\rلا يدومُ البقاءُ للخَلْق لَكِ ... ن دوامَ البقاء للخَلاَّق\rوقال في الرشيد: الطويل:\rإمامٌ له كفّ تضُمُ بَنَانُها ... عصا الدين ممنوعاً من البَرْي عودُها\rوعينٌ محيطٌ بالبريَّة طَرْفُها ... سواءٌ عليها قُرْبُها وبَعِيدُها\rوقال فيه: الطويل:\rرعى أمة الإسلام فهو إمامُها ... وأَدَى إليها الحقّ فهو أمِينُها\rمقيمٌ بمستنّ الفَلاَ حَيْثُ تَلْتَقي ... طَوَارِقُ أبكارِ الخُطوبِ وعُونُها\rوكان منصور النمري سَعَى به إلى الرشيد فخافه، فهرب إلى بلد الروم، وله قصائد، يعتذِرُ فيها، جيدة مختارةٌ، وهو مشبّهٌ في حسن الاعتذار بالنابغة الذبياني، ومن جيّد اعتذاره قوله للرشيد، ويقال: بل قالها على لسان عيسى بن موسى الهاشمي يخاطب الرشيد: الطويل:\rجعلْتُ رجَاء العفوِ عذراً وشُبْتُهُ ... بهيبةِ إمَا غافِرٍ أو مُعَاتبِ","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"وَكنتُ إذا ما خفْتُ حادث نَبْوة ... جعلتك حِصْناً من حِذَارِ النوائبِ\rفأَنزلَ بي هجرانُك اليأس بعدما حللتُ بوادٍ منك رَحبَ المشاربِ\rأظل ومَرعَايَ الجديبُ مكانَه ... وآوِي إلى حافات أكدرَ نَاضِب\rولم يثن عن نفسي الردى غير أنها ... تنوءُ بباق من رجائك ثائب\rهي النفسُ محبوسٌ عليك رجاؤها ... مقيّدة الآمالِ دون المطالبِ\rوتحت ثياب الصبر مني ابن لَوْعةٍ ... يظل ويُمْسِي مستلين الجوانب\rفتى ظفرتْ منه الليالي بزَلةٍ ... فأقْلَعْنَ عنه دامياتِ المخالب\rحَنَانَيْك إني لم أكُنْ بعتُ عِزَّة ... بذلٍّ، وأحرزتُ المنى بالمواهبِ\rفقد سُمْتَنِي الهجرانَ حتى أذَقْتَني ... عقوبة زلاّتي وسوء مَناقِب\rفها أنا مُقْصًى في رِضَاك، وقابضٌ ... على حَدِّ مصقولِ الذِّنابينِ قاضِبِ\rومنتزعٌ عما كرِهْتَ وجاعلٌ ... هواك مثالاً بين عيني وحاجبي\rوفي هذه القصيدة مما يختار أهل الصناعة: الطويل:\rوأَشْعَثَ مشتاق رمَى في جفونِه ... غريب الكَرى بين الفجَاج السباسِبِ\rسَحَبْتُ له ذَيْلَ السُرَى وَهْوَ لابِسٌ ... دُجَى الليل حتى مجّ ضوءَ الكوكب\rومن فوقِ أكوار المهَارِي لبانة ... أُحِلّ لها أكَلُ الذّرَى والغَوَارب\rوكلُّ فتى عاداتُه قَصْر شَوْقِه ... وطيُّ الحشى دونَ الهموم العوازِب\rيُسِرّ الهَوَى لم يُبْدِه نعت فرقةٍ ... صُراخاً، ولم تَسْمَعْ به أُذْنُ صاحبِ\rإذا ادَّرع الليل انْجَلى وكأنه ... بقيةُ هندي الحسام المضاربِ\rبرَكبٍ ترى كَسْر الكرى في جفونهم ... وعَهدَ الليالي في وجوهٍ مَشَاحبِ\rوقال أيضاً: الخفيف:\rلو رأتني بذي المَحَارَةِ فَرْداً ... وذِراعُ ابنة الفَلاةِ وسادِي\rأُطفئ الحزنَ بالدموع إذا ما ... حُمّةُ الشوقِ أثَّرتْ في فُؤَادي\rخاشع الطرف قد توشّحَنى الضز فلانَتْ له قنَاةُ قيَادي\rتِرْبَ بُؤْسٍ أخا هموم كأنّ ال ... حُزنَ والبؤسَ وَافَيَا مِيلادِي\rوكأني استشعرت ما لفظ النا ... س من النائِرَاتِ والأحقادِ\rأتصدَّى الرَّدَى وادَّرعُ اللي ... ل بهَوْجاءَ فوقها أقْتَادِي\rحَظّ عيني من الكرى خفقاتٌ ... بين سَرْحِي ومُنْحَنَى أَعْوَادِي\rأوْحَشَ الناسُ جانبيَّ فما آ ... نَسُ إلا بوحدتي وانفرادي\rقد رددت الذي به أتقي النا ... س وأبرزتُ للزمان سَوَادي\rفاستهلَت عليّ تمطرني الشو ... ق شآبيب مُزْنةٍ مِرْعَادِ\rوقال: الطويل:\rأمَا راع قَلْبَ العامريةِ أنني ... غدوت ومرجوعُ السقامِ قريني؟\rوقال: الطويل:\rأكاتِمُ لَوعاتِ الهَوَى ويُبِينُهَا ... تخلّل مَاءِ الشوق بين جُفُوني\rومطووفة الإنسان في كلِّ لوعة ... لها نظْرة موصولة بحَنينِ\rبنو وهب: وقال الحسن بن وهب بن سعيد: السريع:\rاِبْكِ فمِنْ أحسن ما في البكَا ... أنّ البكَا للوَجْد تحليلُ\rوهْو إذا أنت تأمّلتهُ ... حزن على الخدين محلول\rوقد أعرق بنو وَهْب في الكتابة وأنجبوا، ولهم في هذا الكتاب ما يشهد لهم بما نُسب إليهم، وفيهم يقول الطائي: الخفيف:\rكلُّ شِعْبٍ كنتمْ به آلَ وَهْبٍ ... فهو شِعْبي وشِعبُ كلِّ أَديبِ\rإن قلبي لكم لكالكبد الحَرىَّ وقَلْبي لغيركم كالقُلُوبِ\rوفي هذه القصيدة يقول في مدح سليمان بن وهب:\rما عَلى الوُسَّج الرَّوَاتِك من عَبْ ... بٍ إذا ما أتتْ أَبا أيوبِ\rحُوَّلٌ لا فِعالُه مَرْتَعُ الذم ... م ولا عِرْضُه مناخ العُيُوبِ\rواجد بالصديق منْ بُرَحَاء الشوقِ وجدانَ غَيْرِه بالحبيب","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"أخَذَ سليمانُ منه معنى هذا البيت الأخير، فقال في رسالة لبعض إخوانه: ظَرْفُ الصداقة، أرق من ظرف العلاقة، والنفس بالصديق، آنس منها بالعشيق.\rفقال له أبو تمام: كلامك هذا أرقّ من شعْري.\rوالحسن بن وهب حَسَنُ الشعر والبلاغة، جيّد اللسان، حلو البيان، وكان يحب بنان جارية محمد بن حمّاد، وله فيها شعر جيد، ولها يقول: الطويل:\rأقول وقد حاولتُ تقبيلَ كفّها ... وبي رِعدةٌ أهتزُّ منها وأسكنُ\rليهنئك أنّي أَشْجَعُ الناسِ كلّهم ... لدَى الجربِ إلا أنني عنك أَجْبُنُ\rوحضرَتْ مجلسه وبين يديه نار فأمرَتْ بإزالتها، فقال: الكامل:\rبأبي كرِهْتِ النارَ حتى أُبعِدتْ ... فعلمْتُ ما معناكِ في إبعادها\rهي ضَرَّة لكِ في الْتِمَاع ضِيائها ... وهبوبِ نَفْحَتِها لدى إيقادها\rوأَرَى صنيعك في القلوب صنيعَها ... بسَيَالها وأَراكِها وعَرَادِها\rشَركَتْكِ في كل الأمور بفِعْلها ... وضِيائها وصَلاحِها وفسادِها\rوإلى هذا ينظر قول الأمير تميم بن المعزّ: الخفيف:\rما هجرتُ المُدامَ والوردَ والبد ... رَ بطَوْع، لَكن برَغْم وكُرْهِ\rمنعتني من الثلاثة مَنْ لَوْ ... قتلتني لم أَحكِ واللَّهِ مَنْ هِي\rفالت الوردُ والمدامةُ والبد ... رُضيائي ولونُ خدّي ووَجْهِي\rقلت بخلاً بكلّ شيء فقالت ... لا ولكن بخلت بي وبِشِبْهِي\rقلت يا ليتني شبيهُكِ قالت ... إنما يقتل المحبَّ التشَهِّي\rولمَّا مات الحسن بن وهب - وكان موته بالشام - عُزّي عنه أخوه سليمان، فجاءَ أبو العيناء، فقال: أنشدني أبو سعيد الأصمعي: الطويل:\rلعمري لنِعْمَ المرءُ من آل جعفر ... بحورانَ أَمْسَى أعلقَتْه الحبائلُ\rلقد فقدوا عَزْماً وحزْماً وسؤدداً ... وعِلماً أصيلاً خالفتْه المجَاهِل\rفإن عِشْتَ لم أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياتي بعد مَوْتِك طائلُ\rفقال سليمان: أحسن الله جزاءك، ووصل إخاءَك، إن هذا لمن أحسن الشعر، وقد تمثّل به قتيبة حين بلغه موتُ الحجاج، ولكني أقول كما قال كعب بن سعد الغنَوِي يرثي أخاه أبا المغوار: الطويل:\rأخِي ما أخي لا فاحِشٌ عند بَيْتِه ... ولا وَرَعُ عند اللقاء هَيُوبُ\rحليم إذا ما سَوْرة الجهل أطلقَتْ ... حُبَى الشيب، للنفس اللَّجُوج غَلُوبُ\rحبيب إلى الزوار غِشْيَانُ بيتِه ... جميل المحيّا شب وهْو أرِيبُ\rإذا ما تراه الرجالُ تحفظُوا ... فلم تُنطَق العَوْرَاءُ وهْوَ قريبُ\rفانصرف الناس يعجبون من علم سليمان، وحسن جوابه، وصحّة تمثله.\rوالأبيات التي أنشدها الأصمعي للحطيئة، واسمه جَرْوَل بن أَوْس بن جُؤَيَّة بن مخزوم بن مالك بن غالب. بن قطيفة بن عَبْس بن بَغيض، يقولها في علقمة بن عُلاَثة وفيها يقول: الطويل:\rفما كان بيني لو لَقِيتُكَ سالماً ... وبين الغِنَى إلاَّ ليالِ قلائلُ\rقال سليمان بن وهب: لما جار علينا بالنكبة السلطان، وجَفَانَا من أجلها الإخوان، أنصفنا ابن أبي دُوَاد بتطوُّله، وكفانا الحاجةَ إليهم بتفضله، فكنّا وإياه كما قال الحطيئة: الكامل:\rجاورتُ آل مقَلَدٍ فحَمِدتُهم ... إذ لا يكادُ أخو جوار يُحْمَدُ\rأيام مَن يُرِدِ الصنيعَة يَصْطَنِعْ ... فينا، ومَنْ يُرِدِ الزهادةَ يَزْهَدُ\rوله فصل إلى بعض إخوانه: لك أن تعتب، وشبيهك أن يعذر، فهَبْ أقل الأمرين لأكثرهما، وقدم فضلك على حقّك، ويقينك على شكّك.\rووصف رجلاً بليغاً فقال: كان والقَهِ واسعَ المنطق، جَزْلَ الألفاظ، ليس بالهذرِ في لفظه، ولا المظلم في مقصده؛ معناه إلى القلم أسْرَع من لَفْظِه إلى السَّمْع.\rوهذا ضد قول محمد بن عبد الملك الزيات في عبيد الله بن يحيى بن خاقان: هو مهزول الألفاظ، غليظ المعاني، سخيفُ العقل، ضعيف العقدة، واهِي العَزْم، مأفونُ الرأي.\rألفاظ لأهل العصر\rفي ذمّ الكِتَابِ والكُتَّابِ والنثر والشعر","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"الخَرَسُ أحسنُ من كلامه، والعِي أبلغُ من بيانه، خاطره يَنْبُو، وقلمه يَكْبُو، ويسهو ويغلط، ويخطئ ويُسِقط. هو قصير باعِ الكتابة، قاصِر سَعْي الخطابة، وكُتبه مضطربة الألفاظ، متفاوتة الأبعاضِ، منتشرة الأوضاع، متباينة الأغراض. الجلمُ أولى بكفه من القَلم، والطَاس أليقُ بها من القرطاس. كلامٌ تنبو عن قبوله الطباع، وتتجافَى عن استماعه الأسماع. ألفاظٌ تَنْبُو عنها الآذان فتمجّها، وتنكرها الطباع فتزُجّها. كلام لا يَرْفَعُ الطبعُ له حِجاباً، ولا يفتحُ السمعُ له باباً. كلام يُصْدِي الرّيان، ويصدئ الأفهام والأذهان. كلام قد تعمّل فيه حتى تبذل، وتكلّف حتى تعسَّف. طبع جاسٍ، ولفظ قاسٍ، لا مساغَ له في سَمْع، ولا وصول له مع خلو ذَرْع. كلام لا الرويّة ضربَتْ فيه بسَهْم، ولا الفكرة جالت فيه بقِدْح. كلام تتعثَّرُ في حزونته، وتتحيَّر الأفهامُ من وعُورته. كلمات ضعيفةُ الإتقان، قليلة الأعيان، مضمحلّة على الامتحان. ألفاظ تُسْتَعَارُ من الدياجي، ومعانٍ تقدر من الأثافي. كلام بمثْلِه يتسلّى الأخرس عن كلمه، ويفرح الأصم بصممه، أثقل من الجندل، وأمرّ من الحنظل، هو هذيان المحموم، وسوداء الهموم. كلام رثّ، ومعنًى غَثّ، لا طائل فيهما، ولا طلاوة عليهما. أبيات ليست من محكم الشعر وحكمه، ولا من أحجال الكلام وغُرَره. شعر ضعيف الصنعة رديء الصَّبْغة بغيض الصفة وقد جمع بين إقواء وإيطاء، وإبطاء وإخطاء. ما قطع في شعره شَعْرة ولا سقى قطرة. لو شعر بالنقص ما شَعر. لا يميز بين خبيثِ القول وطيّبه، ولا يَفْرِق بين بِكْرِه وثَيِّبه. هو باردُ العبارة، ثقيل الاستعارة. هو من بين الشعراء منبوذ بالعَرَاء. لم يلبَسْ شعرُه حلَّة الطلاوة. له شعر لا يطيب دَرْسه، ولا يخفُّ سَرْده، وخطٌ مضطرب الحروف، متضاعف التضعيف والتحريف. خطّ يُقْذِي العين ويُشْحِي الصَّدْر. خطّ منحطّ، كأنه أرجل البطّ، وأنامل السرطان، على الحِيطان. قلمه لا يستجيب بَرْيه، ومداده لا يساعد جَرْيه. قلمه كالولد العاقّ، والأخ المشاق، إذا أدَرْتَه استطال، وإذا قوَّمته مال، وإذا بعثْتَه وقف، وإذا وقفته انحرف. قلم مائل الشق، مضطرب المشق، متفاوت البَرْي، معدوم الْجَرْي، محرّف القطّ. قلم لم يُقَلَّم ظفره فهو، يخدش القِرطاس، وينقش الأنقاس، ويأخذ بالأنفاس. قلم لا يُبْعث إذا بعثته، ولا يقف إذا وقفته. قد وقف اضطرابُ بَرْيِه، دون استمرار، جَرْيه، واقتطعَ تفاوت قَطّه، عن تجويد خطه.\rخير الكلام\rذكر عُتبة بن أبي سفيان كلامَ العرب فقال: إن للعرب كلاماً هو أرقّ من الهواء، وأعذب من الماءِ، مرق من أفواههم مُروقَ السهام من قِسيها، بكلمات مؤتلفات، إنْ فُسِّرت بغيرها عطِلتْ، وإن بدلت بسوَاها من الكلام استصعبَتْ؛ فسهولةُ ألفاظِهم توهِمُك أنها ممكنة إذا سمعت، وصعوبتها تعلمك أنها مفقودة إذا طُلِبتْ. هم اللطيف فهمهم، النافعُ علمهم، بلغتهم نزلِ القرآن، وبها يدرَكُ البيان، وكلُّ نوع من معناه مُبَاينٌ لما سواه، والناسُ إلى قولهم يصيرون، وبهداهم يأتمّون، أكثر الناسِ أحلاماً، وأكرمهُم أخلاقاً.\rوكان يقال: خير الكلام المُطْمِع الممتنع.\rوأنشد إبراهيمُ بنُ العباس الصُّولي لخاله العباس بن الأحنف: السريع:\rإليك أشكو ربّ ما حَلّ بي ... مِنْ صدِّ هذا العاتِب المُذْنِبِ\rإنْ قال لَمْ يفعل، وإنْ سِيلَ لم ... يبذلْ، وإن عُوتب لم يُعْتِبِ\rصبّ بعصياني، ولو قال لي ... لا تشربِ الباردَ لم أشربِ\rثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العَذْب المستمع، الصعب الممتنع، العزيز النظير، القليل الشبيه، البعيد مع قُرْبه، الحَزْن مع سهولته، فجعل الناس يقولون: هذا الكلام أحسن من الشعر.\rوقال أبو العباس الناشئ يصف شعرهُ: الكامل:\rيتحيّر الشعراء إن سمعوا به ... في حُسْن صنعته وفي تأليفهِ\rفكأنه في قُرْبه من فَهْمِهم ... ونكولهم في العَجْزِ عن ترصيفه\rشجرٌ بَدَا للعَيْنِ حسْنُ نباتِه ... ؤنَأَى عن الأيدي جَنَى مقطوفِه\rفإذا قرنت أبيّه بمُطِيعِهِ ... وقرنتهُ بغَرِيبه وطريفه","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"ألفيت معناه يطابق لَفْظَه ... والنظم منه جليّهُ بلطِيفهِ\rفأتاه متّسِقاً على إحسانه ... قد نِيط منه رَزينه بخفيفه\rهذبتُه فجعلتُه لك باقياً ... ومنعت صرفَ الدهر عن تَصْرِيفه\rوقال الناشئ في فَصْل من كتابه في الشعر: الشعرُ قَيْد الكلام، وعقل الآداب، وسُورُ البلاغة، ومعدن البَراعة، ومجال الجنان، ومسرحُ البيانِ، وذريعة المتوسّل، ووسيلةُ المتوصل، وذِمام الغريب، وحُرْمَة الأديب، وعِصْمة الهارب، وعَدَّة الراهب، ورحلة الدَاني، ودَوْحَة المتمثل، وروحة المتحمل، وحاكم الإعراب، وشاهِدُ الصواب.\rوقال في هذا الكتاب: الشعرُ ما كان سَهلَ المطالع، فصل المقاطع، فَحْل المديح، جَزْل الافتخار، شجِيَ النسيب، فكِه الغزل، سائر المَثَل، سليم الزلل، عديم الخلل، رائع الهجاء، موجب المعذرة، مُحَب المعتبة، مُطْمِع المسالك، فائت المدارك، قريب البيان، بعيدَ المعاني، نَائي الأغوار، ضاحي القرار، نقي المستشف، قد هُرِيقَ فيه ماءُ الفصاحة، وأَضاء له نورَ الزجاجة، فانهل في صادي الفهم، وأضاء في بهيمِ الرأي. لمتأمله ترقرق، ولمستشفّه تألّق، يروق المتوسم، ويسر المترسم؛ قد أبدت صدوره مُتُونه، وزَهَتْ في وجوهه عيونه، وانقادت كواهله لهواديه، وطابقت ألفاظه معانيه، وخالفت أجناسه مبانيه، فاطّرد لمتصفحه، وأنار، لمستوضحه، واشْبَه الروضَ في وَشْي ألوانِه، وتعقم أفنانه، وإشراق نوَاره، وابتهاج أنجاده بأغواره؛ وأشبه الوشي في اتفاق رُقومِه، واتساقِ رُسومه، وتسطير كفوفه، وتحبير كفُوفه؛ وحكى العِقْد في التئام فُصوله، وانتظام وُصوله، وازديَان ياقوته بدُره، وفريده بشَذْرِه، فلو اكتنف الإيجاز موارده، وصقَلَت مَدَاوِس الدربة مَناصله، وشحذت مدارس الأدب فَيَاصِله، جاء سليماً من المعايب، مهذباً من الأَدناس، تتحاشاه الأُبن، وتتحَامَاه الهُجَن، مُهدِياً إلى الأسماع بَهْجَته، وإلى العقول حِكْمته.\rوقد قلت في الشعر قولاً جعلته مثلاً لقائليه، وأسلوباً لسالكيه، وهو: الكامل:\rالشعرُ ما قوّمتَ زَيْغ صدُورِه ... وشددْتَ بالتهذيب أَسْرَ مُتُونِه\rورَأبتَ بالإِطناب شَعْبَ صدُوعِه ... وفتحْتَ بالإيجاز غور عُيُونه\rوجمَعْتَ بين قريبه وبعيدِهِ ... ووصَلْتَ بين مجمّه ومَعِينه\rوعقدت منه لكلّ أمر يقتضي ... شبهاً به فقرَنْتَه بقرِينهِ\rفإذا بكيت به الديارَ وأهلَها ... أَجْرَيتَ للمحزون ماءَ شؤُونه\rووكلته بهمومه وغمومه ... دهراً فلم يَسْر الكَرَى بجفونِه\rوإذا مدَحْتَ به جواداً ماجداً ... وقَضَيتَه بالشُكر حق دُيونه\rأصفيته بنفيسِه ورَصينه ... ومنحتَه بخطيره وثمينه\rفيكون جَزْلاً في اتّفاقِ صنُوفِهِ ... ويكون سَهلاً في اتِّسَاق فُنونِه\rوإذا أردتَ كنايةً عبئ رِيبةٍ ... باينْتَ بين ظهورِه وبُطونِه\rفجعلت سامعَه يشوب شكوكهُ ... ببيانِه وظنونه بيقينه\rوإذا عتبتَ على أخ في زَلَةٍ ... أدمَجْتَ شدّته له في لِينه\rفتركته مستأنِساً لدماثةٍ ... مستيئساً لوُعُوثِهِ وحُزُونِهِ\rوإذا نبذت إلى التي عُلّقتها ... إن صارَمَتك بفاتنات شئونه\rتيّمتَها بلطيفه ورقيقه ... وشغفْتَهما بخفِّيهِ وكمينه\rوإذا اعتذرتَ إلى أخ في زلَّةٍ ... وَاشَكْتَ بين مُحِيله ومُبينه\rفَيَحُورُ ذَنْبُك عند من يعتدّه ... عَتْباً عليك مُطَالباً بيمينه\rوالقولُ يَحْسُنُ منه في مَنثوره ... ما ليس يحسن منه في مَوْزُونِه\rوقال الخليل بن أحمد: الشعراءُ أمراءُ الكلام، يصرفونه أنّى شاءوا؛ وجائز لهم ما لا يجوزُ لغيرهم، من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللَفظ وتعقيده، ومد مقصوره، وقَصْرِ ممدوده، والجمع بين لغاتِه، والتفريق بين صفاته.","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"وقال: الشعرُ حِلْية اللسان، ومَدْرَجَة البيان، ونظامُ الكلام، مقسوم غَيْرُ محظور، ومشترك غير محصور، إلا أنه في العرب جَوْهري، وفي العجم صناعي.\rقال أعرابي لشاعر من أبناء فارس: الشعرُ للعرب، فكل مَنْ يقول الشعر منكم فإنما نزا على أُمّه رجل منا! فقال الفارسي: وكذلك من لا يقولُ الشعرَ منكم، فإنما نزا على أمه رجل منا!.\rوقال عمارة بن عقيل: أجود الشعر ما كان أَمْلَس المتون، كثيرَ العيون، لا يمجُّه السمع، ولا يستأذِنُ على القلب وأُنشد الجاحظ شعرَ أَبي العتاهية فلم يَرْضَه، وقال: هو أملَسُ المتون، ليس له عيونٌ، كأنه وعُمارة تجاذبا كلاماً واحداً.\rوقال ابن عقيل: الشعرُ بضاعة من بضائِع العرب، ودليل مِنْ أدلَة الأدب، وأثارة من أثارات الحسب. ولن يهزّ الشعرُ إلا الكريمَ المَحْتِد، الكثير السؤدد، الكلِف بذِكْرِ اليومِ والْغَد.\rومدح بشار المهدي فلم يُعطِه شيئاً، فقيل له: لم تُجِدْ في مَدْحه. فقال: لا والله، لقد مدَحْته بشعرٍ لو قلت مثلَه في الدهر لما خيف صَرْفُه على حُرّ، ولكني أُكْذِبُ في العمل، فأُكْذِبُ في الأمل.\rنظمه الناجم فقال: الوافر:\rولي في أحمدٍ أَملٌ بَعِيد ... ومَدْح حين أنشده طريفُ\rمدائح لو مدَحْت بها الليالي ... لما دارت عليَّ لها صروفُ\rقال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صفْ لي جريراً والفرزدق والأخطل، فقال: يا أمير المؤمنين، أَما أعظمهم فَخْراً، وأبعدُهم ذكراً، وأحسنهم عذراً، وأسيَرُهم مَثَلاً، وأقلّهم غزلاً، وأحلاهم عِللاً، البحر الطامي إذا زَخَر، والحامي إذا ذعر، والسامي إذا خطر، الذي إذا هدر جال، وإذا خطر صال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفردزق. وأما أحسنهم نَعْتاً، وأمدَحُهُمْ بيتاً، وأقلّهم فَوْتاً، الذي إن هجا وضع، وإن مدح رَفَع، فالأخطل. وأما أَغْزَرُهم بحراً، وأَرقُهم شعراً، وأكثرهم ذِكراً، الأغر الأبلق، الذي إن طَلب لم يُسْبق، وإن طُلب لم يُلْحَق، فجرير. وكلُهم ذكيُ الفؤادِ، رفيع العماد، وَارِي الزناد.\rقال مسلمة بن عبد الملك، وكان حاضراً: ما سمعنا يا ابن صفوان في الأولين ولا في الآخرين، أَشهدُ أنك أحسنهُم وصفاً، وأَلْينُهُم عِطفاً، وأخفُهم مقالاً، وأكرمهم فعالاً. فقال خالد: أتمَّ الله عليك نِعَمه، وأجزل لك قِسَمه. أنتَ واللّه أيها الأمير - ما علمت - كريمُ الغِراس، عالمٌ بالناس، جوادٌ في المَحْلِ، بسّام عند البَذْلِ، حليم عند الطيْشِ، في الذِّرْوَة من قريش، من أشراف عبد شمس، ويومك خيرٌ من الأمس.\rفضحِك هشام وقال: ما رأيت مثلك يا ابن صفوان لتخلّصك في مَدْح هؤلاء، ووصفهم، حتى أرضيتهم جميعاً وسَلِمْتَ منهم.\rودخل العجّاجُ على عبدِ الملك بن مروان فقال له: بلغني أنك لا تُحْسِن الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، مَنْ قَدر على تشييد الأبنية، أمكنه خَرابُ الأخبية، قال: ما يمنعُك من ذلك؟ قال: إنّ لنا عِزّاً يمنعُنَا من أن نُظْلَم، وحِلْماً يمنعنا من أنْ نَظلم، قال: لَكَلِماتُك أحسنُ من شعرك! فما العزُ الذي يمنعك أن تظلم. قال: الأدب البارع، والفهْم الناصع. قال: فما الحِلمُ الذي يمنعُك من أن تظلم؟ قال: الأدب المستطرف، والطبع التالد، قال: لقد أصبحت حكيماً. قال: وما يمنعني من ذلك وأنا نَجِيّ أميرِ المؤمنين؟.\rقال أبو إسحاق: وليس كما قال العجاج، بل لكثير من الشعراء طباع تَنْبُو عن الهجاء كالطائي وأضْرابه، وأصحابُ المطبوع أقدرُ عليه من أهل المصنوع، إذ كان الهجو كالنادرة التي إذا جَرَتْ على سجيَّةِ قائلها، وقربتْ من يَدِ متناولها، وكانَ واسِع العطن، كثير الفطن، قريب القلب من اللسان، التهبت بنارِ الإحسان.","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"ومما يَنْحُو هذا النحو من مقامات أبي الفتح الإسكندري إنشاء بديع الزمان قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: طرحتْنِي النوَى مطارِحَها، حتى إذا وطِئْتُ جُرْجان الأَقْصَى، فاستظهرْتُ على الأيام بضِياعٍ أَجَلتُ فيها يَدَ العِمَارة، وأموالٍ وقفتها على التجارة، وحانوتٍ جعلته مَثابةُ، ورُفقة اتخذتهم صَحَابة، وجعلتُ للدار حاشِيَتي النهار، والحانوتِ ما بينهما، فجلسنا يوماً نتذاكرُ الشعر والشعراء، وتلقانَا شاب قد جلس غير بعيد، يُنْصِت وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم، حتى إذا مال الكلامُ بنا مَيْله، وجَرً الجَدَل فينا ذَيله، قال: أصبتم عُذَيقهُ ووافيتم جُذَيله، ولو شئْتُ للفظت فأفَضت، ولو أردت لسردت، ولجلوت الحقَّ في معرض بيانٍ يُسْمِعُ الصم، ويُنْزِل العُصم. فقلت: يا فاضل، اُدْنُ فقد منَّيْتَ، وهات فقد أثنيت، فدنا وقال: سَلُوني أُجِبْكم، واستمعوا أُعْجِبكم.\rقلنا: فما تقول في امرئ القيس؟ قال: هو أول مَن وَقَفَ بالديار وعَرصاتِها، واغْتَدى والطيرُ في وُكُنَاتها، ووصف الخيلَ بصفاتها، ولم يقل الشعرَ كاسِباً، ولم يُجِدِ القول راغباً، ففَضل من تفتًقَ لِلْحِيلة لسانُه، وانتجَعَ للرغبة بنانُه.\rقلنا: وما تقول في النابغة؟ قال: ينسب إذا عَشِق، ويَثْلُبُ إذا حَنِق، ويمدح إذا رَغِب، ويعتذر إذا رَهِب، فلا يرمي إلا صائباً.\rقلنا: فما تقول في طَرَفة؟ قال: هو ماءُ الأشعار وطينتها، وكَنز القوافي ومدينتها، مات ولم تظهر أَسرارُ دفائنه، ولم تطلق عِتَاق خزائنه.\rقلنا: فما تقول في زهير؟ قال: يُذيب الشعرَ والشعرُ يذيبه، ويدعو القَوْل والسِّحْرُ يُجِيبه.\rقلنا: فما تقول، في جرير والفرزدق. وأيهما أسْبَق؟ قال: جرير أرقّ شعراً، وأَغْزَر غزراً، والفرزدق أمتَنُ صخراً، وأكثر فخراً، وجرير أَوجَع هَجْواً، وأشرف يوماً، والفرزدق أكثر رَوْماً، وأكثر قوماً، وجرير إذا نَسب أَشْجَى، وإذا ثَلَب أَرْدى، وإذا مدح أسنى، والفرزدق إذا افتخر أَجْزى، وإذا وصف أوفى، وإذا احتقر أزْرى.\rقلنا: فما تقول في المحدَثين من الشعراء والمتقدّمينَ منهم؟ قال: المتقدمون أشرفُ لفظاً، وأكثرُ في المعاني حظاً، والمتأخرون ألطفُ صُنْعاً، وأرق نَسْجاً.\rقلنا: فلو أريتَ من أشعاركِ، وروَيْتَ من أخبارك، قال: خُذْهما في معرض واحد، أنشد: الرجز:\rأمَا تَرَوْنِي أَتغشى طِمْرا ... مُلْتَحِفاً في الضُرِّ أمْراً إمْرَا\rمُنْطَوياً عَلَى الليالي غِمْرا ... ملاقياً منها صروفاً حُمْرا\rأقصى أمانِيَ طُلُوعُ الشَعْرَى ... فقد عُنِينَا بالأماني دَهْرَا\rوكان هذا الحرُ أعلى قَدْرا ... وماءُ هذا الوجهِ أغْلَى سِعرَا\rضربت للسرْو قِبَاباً خُضْرَاً ... في دَارِ دَارَا وإوانِ كِسْرَى\rفانقلبَ الدهرُ لبَطْنِ ظَهْرا ... وعاد عُرْفُ العَيْشِ عندي نُكْرَا\rلم يُبْقٍِ مِنْ وَفْرِيَ إلاَّ ذِكْرَا ... ثمَّ إلى اليوم هلمَّ جَرَّا\rلولا عجُوزٌ لي بُسرَّ مَنْ را ... وأفْرخٌ دُونَ جبالِ بُصْرَى\rقد جَلَبَ الدَّهرُ إليهم شرّا ... قتَلْتُ، يا سادةُ، نَفْسِي صَبْرَا\rقال عيسى بن هشام: فنُلْتُه ما تَاحَ، وأعرض عنّا فَراحَ، وجعلتُ أنفيه وأثبته، وأُنكِره وكأني أعرفهُ، ثم دلَّتني عليه ثناياه، فقلت: الإسكندري واللهٍ؛ فلقد كان فارقَنا خِشفاً، ووافانا جِلْفاً، ونهضتُ على إثْرِه، ثم قبضتُ عَلَى خَصْرِه، وقلت: اْلستَ أبا الفتح. ألم تكُنْ فينا وَليداً، ولبثْتَ فينا من عُمْرك سنين؟ فأَيُ عجوز لكَ بسرّ مَنْ رأى؟ فضحك وقال: مخلع البسيط:\rويحك هذا الزمان زُورُ ... فلا يغرَّنَّك الغُرورُ\rغرٍّق وبَرِّق وكلْ وطرِّقْ ... واسرقْ وطَلْبِقْ لمن تَزُورُ\rلا تلتزم حالة ولكن ... دُرْ لليالي كما تَدُورُ","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عِصْمة وذي الرمة قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: بينا نحن في مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجلُ العرب حِفْظاً ورِوَاية عصْمَة بن بَدْر الفَزَارِي، فأَفْضى الكلامُ إلى ذِكرِ مَنْ أعرضَ عن خَصْمِه حِلْماً، أو أعرض عنه خَصْمُه احتقاراً، حتى ذكر الصَّلَتَان العَبْدِي واللعِين المنقري، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما. فقال عصمة: سأحدِّثكم بما شاهدته عيني، ولا أحدّثكم عن غيري: بينا أنا أسيرُ في بلاد تميم مرتحلاً نجيبة، وقائداً جَنيبة، عنَّ لي راكب على أوْرَقَ جَعْد اللُّغَام، فاجتاز بي رافعاً صَوْتَه بالسلام. فقلت: مَنِ الراكبُ الجهيرُ الكلامِ، المحيي بتحيَّةٍ الإسلام؟ فقال: أنا غَيْلان بن عُقْبَة. فقلت: مرحباً بالكريم حَسَبُه، الشهير نسبه، السائر منطقه. فقال: رَحُبَ وَادِيك، وعز وادِيك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزاري. فقال: حيّاك الله، نعم الصديقُ، والصاحبُ والرفيقُ. وسِرْنا فلما هَجَّرنا قال: ألا نُغَوِّرُ يا عصمة، فقد صهرتنا الشمسُ؟ فقلت: أنْتَ وذاكَ، فملْنا إلى شجرات ألاء كأنهن عذارَى متبرّجات، قد نَشَرْنَ الغدائر، وسرّحْن الضفائر؛ لأَثلاثٍ متناوحات؛ فحطَطْنا رِحَالنا، ونِلْنَا من الطعام، وكان ذو الرمة زهيدَ الأكل. وزال كل منا إلى ظل أثلة يريد القَائِلَة، واضطجع ذو الرُّمة، وأردتُ أن أصنَعَ صنيعَه، فوليْتُ ظَهْري الأرض، وعيناي لا يملكهما غُمض، فنظرتُ غير بعيدٍ إلى ناقةٍ كَوْمَاء، ضَحِيَتْ وغَبِيطُها مُلْقًى، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنه عَسِيفٌ أو أسيف، فلَهِيت عنهما، وما أنا والسؤال عما لا يَعْنِيني! ونام ذو الرُّمة غِرَاراً، ثم انتبهَ، وكان ذلك في أيام مُهَاجاته لذلك المرّي. فرفع عقرته ينشد فيه: المتقارب:\rأمنْ ميَّةَ الطلَلُ الدارِسُ ... ألظّ به العاصِفَ الرَامِسُ\rفلم يَبْقَ إلا شَجيج القَذَال ... ومُسْتَوْقَدٌ ما لَه قَابِسُ\rوجَوْضٌ تَلَّثَمَ من جانبَيْهِ ... ومحتَفَل دَائِرٌ طامِسُ\rوعَهدِي بهِ وبهِ سَكْنُهُ ... ومَيَّةُ والإِنْسُ والآنس\rستأتي امرأَ القيس مأثورةٌ ... يغنِّي بها العابِرَ الْجَالِسُ\rألم تر أنًّ امرأ القيْس قد ... ألظّ به داؤه الناجس\rهمُ القومُ لا يَألَمُون الهِجَاءَ ... وهل يَأْلَمُ الحَجَرُ اليابِسُ؟\rفما لهُمُ في الفَلاَ رَاكِبٌ ... ولا لهمُ في الوَغى فَارِسُ\rإذا طَمحَ الناسُ للمكرمات ... فَطَرفُهمُ المطرِقُ الناعِسُ\rتعَافُ الأكارِمُ إصهارَهم ... فكل نسائهمُ عَانِسُ\rفلمّا بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح.عينيه ويقول: أذو الرُّمَيْمَة يمنعني النوم بشعرٍ غيرِ مثقف ولا سائر؟ فقلت: يا غيلان، منْ هذا؟ فقال: الفريزد، يعني الفرزدق، وحَمي ذو الرمة: المتقارب:\rوأمَا مُجَاشعٌ الأَرْذَلُون ... فلم يَسْقِ ميّتَهُمْ رَاجِسُ\rسَيَعْقلُهم عن مَساعِي الكِرَام ... عِقَالٌ، ويَحْبِسُهم حَابِسُ\rفقلت: الآن يَشْرق فيثُور، ويعمُّ الفرزدقُ هذا وقبيله بالهجاء. فوالله ما زاد على أن قال: قبحاً لك يا ذا الرُّمَيْمَة! أتعرِضُ لمثلي بمَقَال مُنتحل. ثم عاد في نَوْمِه كأن لم يسمَعْ شيئاً، وسار ذو الرّمة وسِرْت، وإني لأرى فيه انكساراً حتى افترقْنا.\rقوله فيما ولد على الفرزدق بمقال مُنتحل، يريد أن البيتَ الأخير منقول من قول جرير: الطويل:\rألم تر أن الله أَخْزَى مجاشِعاً ... إذا ما أفاضَتْ في الحديث المجالسُ\rوما زال معقولاً عِقالٌ عن الندى ... وما زال محبوساً عن المجد حَابِسُ\rعقال: ابن محمد بن سعيد بن، مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهو جَذ الفرزدق. وحابس: ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أبو الأقرع بن حابس أحدُ المؤلّفة قلوبهم.\rفِقر في الشعر\rقيل لابن الزّبَعْرى: لم تقصّر أشعارك؟ فقال: لأنها أعْلَق بالمسامع، وأجْوَل في حافِلِ.","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"وقيل ذلك لعقيل بن عُلَّفة في أهاجيه، فقال: يكفيك من القلاَدَة ما أحاط بالعُنُقِ.\rغيره: لسانُ الشاعر أرض لا تُخْرِج الزهر حتى تستسلف المطر، وما ظنّك بقوم الاقتصارُ محمود إلا فيهم، والكذب مذموم إلا منهم. إياكم والشاعر فإنه يطلب على الكذب مَثُوبة، ويقرع جليسه بأدنى زَلّة.\rأبو القاسم الصاحب بن عباد: النثر يتطايرُ كتَطايُر الشّرر، والنظم يبقى بقاء النَّقْش الحَجَر.\rأبو عبيدة: الزّحَاف في الشعر كالرُخْصَة في الدين، لا يُقدِم عليها إلا فقيه.\rوقال أبو فراس الحمداني: مخلع البسيط:\rتَناهَضَ الناسُ للمعاني ... لَمَّا رَأَوْا نحوَها نُهوضي\rتكلّفوا المكرمات كَذّا ... تَكلُفَ الشعرِ بالعَرُوضِ\rوقد مدح الجاحظ العروض وذمّها، فقال في مدحها: العروض ميزان، ومعراض بها يعرَفُ الصحيح من السقيم، والعليل من السليم، وعليها مَدَار الشعر، وبها يسلم من الأَوَدِ والكَسْر. وقال في ذمّه: هو علم مُوَلّد، وأدب مستَبْرد، ومذهب مرفوض، وكلام مجهول، يستنكر العقل بمستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول.\rومن مفردات الأبيات في هذا المعنى قول دعبل: الطويل:\rيموتُ ردِيءُ الشعرِ من قبل أهْلِه ... وجَيّدُه يَبْقَى وإن مات قَائِلهْ\rالبحتري: البسيط:\rأعْيَا عليَّ؛ فلا هَيَّابةٌ فَرِقٌ ... يَخْشَى الهِجاءَ، ولا هَشّ فَيُمتدَحُ\rآخر: الوافر:\rومِمّا يَقْتُل الشعراء غَمّاً ... عداوة من يُغَلّ عن الهجاء\rأحمد بن أبي فَنن: الطويل:\rوإن أحقّ الناس باللؤم شاعرٌ ... يَلوم على البخلِ اللئامَ، ويَبْخلُ\rوهذا كقول علي بن العباس الرومي في أبي الفياض سَوّار بن أبي شراعة، وكان سوّار شاعراً مجيداً: الكامل:\rيا مَنْ صناعته الدعاءُ إلى العُلاَ ... ناقَضْتَ في فِعليك أيّ نِقَاضِ\rعجباً لحَضَّاضِ الكِرَام على الذي ... هو فيه محتاجٌ إلى حَضَاضِ\rوَصَفَ المكارِم وهْوَ فيها زاهِدٌ ... ورَأى الجميلٍ وفيه عنه تَغَاضِ\rلم ألْقَ كالشعراء أكثر حارضاً ... وأشدَّ معتِبَة على الحَرّاضِ\rكم فيهمُ من آمرٍ برشيدةٍ ... لم يأتِها، ومرغبٍ رفَّاضِ\rيا حسرتي لمودَّةٍ أدبيةٍ ... لم نفترق عنها افتراقَ تَرَاضِ\rليس العتابُ بنافعٍ في قاطع ... أعْيَا المشيبُ تتابعَ المِقْرَاضِ\rثم قال بعد هذا التبكيت والعِتَاب ما منعه أن يَتَوَهَم أنه هجاه: الكامل:\rوَلَمَا هجوتُكَ، بل وعظتُك إنَني ... لا أجعلُ الأعراض كالأغراضِ\rفاكفُفْ سِهامَك عَن أخيك فإنما ... آسفْته، فَرَمَاك بالمعرَاضِ\rفمتى حلمتُ وجدتَ أحْنفَ دَهْرِهِ ... ومتى جهلتُ مُنيتَ بالبرّاضِ\rفاعذِر أخاك على الوعيد؛ فإنما ... أنذرت قبل الرَّمْي بالإنباضِ\rواعلم وقيت الجهلَ أن خساسةً ... بطرُ الغنى ومذلّةُ الإبعاضِ\rثم هجاه بقوله: البسيط:\rوما تكلمتَ إلا قلت فاحشةً ... كأن فكّيْك للأغراض مِقْراضُ\rمهما تقل فسِهَامٌ منكَ مُرْسَلةٌ ... وَفُوَك قوْسُك والأعراض أغْرَاض\rوابن الرومي هذا كما قال مسلم بنُ الوليد الأنصاري في الحكم بن قنبر المازني: الخفيف:\rعَابني من معايبٍ هُنَّ فيهِ ... حكم فاشتفى بها من هَجَائي\rوكما قال الآخر:الطويل:\rويأخذ عيبَ الناسِ مِن عَيْبِ نفسه ... مُرادٌ لعمري ما أرادَ قريبُ\rترجمة الأحنف بن قيس وأخباره","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"وروى عيسى بن دَأب قال: أول ما عرف الأحنف بن قيس وقُدَّم أنه وفد على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وكان أحْدَثَ القوم سناً، وأقبحهم منظراً، فتكلم كل رجل من الوَفْدِ بحاجته في خاصته، والأحنف ساكِتٌ، فقال له عمر: قل يا فتى! فقام فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن العرب نزلتْ بمساكن طيبة ذات ثمار وأنهار عذَاب، وأكنَّة ظليلة، ومواضع فسيحة، وإنا نزلنا بسَبِخةٍ نَشَّاشة، ماؤُها مِلْح، وأفنيتها ضيقة، وإنما يأتينا الماء في مثل حلق النعامة فإلا تدركنا يا أمير المؤمنين بحَفْر نهر يَغْزر ماؤه، حتى تأتيَ الأمَة فتغرف بجرّتها وإنائها أوشك أن نهلك، قال: ثم ماذا؟ قال: تزيد في صَاعِنا ومُدنا، وتثبت من تلاَحق في العطاء من ذُرّيّتنا. قال: ثم ماذا؟ قال: تخفّف عن ضعيفنا، وتنصف قوينا، وتتعاهد ثغورنا، وتجهّز بعثَنا، قال: ثم ماذا؟ قال: إلى ها هنا انتهت المطالب، ووقف الكلام. قال: أنت رئيس وَفْدِك، وخطيب مِصرك، قم عَنْ موضعك الذي أنت فيه. فأدناه حتى أقعده إلى جانبه، ثم سأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: أنت سيدُ تميم، فبقيت له السيادة إلى أن مات.\rوهو الأحنف، واسمُه الضحّاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن بن عبادة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.\rوقال بعض بني تميم: حضرتُ مجلس الأحنف وعنده قومٌ مجتمعون له في أمرٍ لهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الكرمَ مَنْعُ الحرمِ، ما أَقربَ النقمةَ من أهل البَغْي، لا خيرَ في لذَّةٍ تُعقِب ندماً، لم يهلك من اقتصد، ولم يفتقر من زهد، رب هزْل قد عاد جِداً، من أَمِن الزمان خانه، ومن تَعَظّم عليه أهانه، دَعُوا المِزَاحَ فإنه يُوَرِّثُ الضغائن، وخَيرُ القول ما صَدَّقه الفِعْل، احتملوا لِمَنْ أَدلَّ عليكم، واقبلوا عُذْرَ من اعتذر إليكم، أطِعْ أخاك وإن عَصَاك، وصِلْهُ وإن جَفَاك، أنصفْ مِنْ نفسك قبل أن يُنتصفَ منك، إياكم ومشاوَرَة النساء، واعلم أنّ كُفْرا النِّعَمِ لؤم، وصُحْبَة الجاهل شُؤم، ومن الكرم الوفاء بالذّمم، ما أَقْبَح القطيعةَ بعد الصلةِ، والجفاءَ بعد اللَّطَف، والعداوة بعد الوُدّ، لا تكونَنَّ على الإساءةِ أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البُخْل أسرعَ منك إلى البَذْل، واعلَمْ أن لك من دُنياك ما أصلحت به مَثْوَاك، فأنفق في حَقّ، ولا تكن خازِناً لغيرك، وإذا كان الغَدْرُ موجوداً في الناس فالثِّقَةُ بكل أحدٍ عَجْز؛ اعْرِف الحقّ لمن عَرفَه لك، واعلم أنَّ قطيعةَ الجاهلِ تَعْدِل صلةَ العاقل. قال: فما سمعتُ كلاماً أبلغَ منه. فقمت وقد حفظته.\rودخل الأحنف على معاوية، ويزيدُ بين يديه، وهو ينظرُ إليه إعجاباً، فقال: يا أبا بَحْر، ما تقولُ في الولَدِ؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أميرَ المؤمنين، هم عمادُ ظهورنا، وثمرُ قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نَصولُ على أعدائنا، وهم الخلف مِنَّا بَعْدَنا، فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فأَعْطِهم، وإن استعتبوك فأَعْتِبْهُم، ولا تمنَعْهم رِفْدِك فيملِّوا قُرْبَك، ويستثقلوا حياتَك، ويتمنّوا وَفاتك. فقال: للَّه درُّك يا أَبا بَحْر، هُمْ كما قلت!.\rوزعمت الرواة أنها لم تسمع للأَحنف إلا هذين البيتين: المتقارب:\rفلو مدّ سَرْوي بمالٍ كثير ... لَجُدتُ وكنتُ له بَاذلا\rفإنّ المروءةَ لا تستطاع ... إذا لم يَكُنْ مالُها فاضِلا\rوكان يُبَخَّل. وقال لبني تميم: أتزعمون أني بخيل! واللّه إني لأُشير بالرَّأْي قيمتُه عشرةُ آلاف درهم! فقالوا: تقويمك لرَأْيك بُخْل. وكان الأَحْنفُ من الفضلاء الخطباء النّسّاك، وبه يُضْرَب المثل في الحِلْم.\rوقد ذُكر للنبي، صلى الله عليه وسلم، فاستغفَر له، فقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، رجلاً إلى قومه بني سَعْد يَعْرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف: إنه يدعوكم إلى خَيْر، ولا أسمعُ إلا حسناً. فذُكِر للنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: \" اللهم اغْفر للأحنف \" . وكان الأحنفُ يقول: ما شيء أَرْجَى عندي مِنْ ذلك.","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"قال عبدُ الملك بن عُمَير: قدم إلينا الأحنفُ، فما رأينا خصلةً تُذَمّ في رجل إلا رأيناها فيه، كان أصلع الرَّأْسِ، متراكب الأسنان، أشْدَق، مائل الذَّقَنِ، ناتئ الوجنتين، باخق العينين، خفيفَ العارضين، أحْنف الرّجلين، وكانت العينُ تقتحمُه دَمَامَةً وقلّة رُواء، ولكنه إذا تكلَّم جَلَّى عن نفسِه. وهو الذي خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياءُ، وتنازعت القبائل؛ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشرَ الأزد وربيعة، أنتم إخوانُنا في الدين، وشركاؤنا في الصَهْرِ، وأكفاؤُنا في النسب، وجيرانُنا في الدار، ويَدُنا على العَدُوّ، واللّه لأَزْدُ البَصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام، وفي أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم.\rوقد قام خطباءُ البصرة في هذا اليوم وتكلّموا وأَسهبوا، فلمّا قام الأحنف أَصْغَت القبائلُ إليه، وانثالتْ عليه، وقال الناس: هذا أَبو بَحْرٍ، هذا خطيب بني تميم، وحضر ذلك الجمعَ جاريةٌ لآلِ المهلب، فذهبتْ ترومُ النظر إليه، فاعتاص ذلك عليها، فأشرفَتْ عليه من دارِها، فلمّا رأته والأبصارُ خاشعةٌ لكلامه، ورأت دمامةَ خَلْقه، وكثرة آفاتِ جوارِحه، قالت: فُقدَتْ هذه الخِلْقة ولو افترَّتْ عن فَصلِ الخطاب.\rوذكر المدائني أنَّ الأحنفَ بن قيس وَفَدَ على معاوية، رضي الله عنه، مع أهل العراق، فخرج الآذِنُ، فقال: إنّ أميرَ المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلمَ أحدٌ إلا لنفسه. فلمّا وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عَزْمَة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافَّة دَفَّتْ، ونازلةً نزلَتْ، ونابتة نبتَتْ، كلّهم بهم حاجة إلى معروفِ أمير المؤمنين وبرّه، قال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهِدَ والغائب.\rولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجِّه إليه بوَفْد أهلِ العراق، فبعث إليه بوَفْدِ البصرة والكوفة، فتكلَّمت الخطباءُ في يزيد، والأحنف ساكِتٌ، فلما فرغوا قال: قل يا أَبا بَحْر، فإنَّ العيونَ إليك أَشْرَع منها إلى غيرها، فقام الأحنف فحمد الله وأَثنى عليه، وصلّى على نبيِّه، صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، إنك أعلَمُنا بيزيدَ في ليله ونهاره، وِإعلانه وإسراره، فإنْ كنتَ تَعْلَمُه لله رضاً فلا تشاوِرْ فيه أحداً، ولا تُقِمْ له الخطباءَ والشعراء، وإن كنتَ تعلم بُعْدَه من الله فلا تزوّده من الدنيا وتَرْحَل أنْتَ إلى الآخرة، فإنك تَصير إلى يومٍ يفرُّ فيه المرءُ من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه. قال: فكأنه أفْرغ على معاوية ذنوب ماء بارد. فقال له: اقعُدْ يا أبا بَحْرة فإن خِيرَة الله تَجْرِي، وقضاءَ الله يمضِي، وأحكام الله تنفذ، لا مُعَقِّب لحكمه، ولا رَادَّ لقضائه؛ وإن يَزيدَ فتًى قد بلَوْنَاه، ولم نجِدْ في قريش فتى هو. أَجْدَر بأن يُجتمَع عليه منه. فقال: يا أمير المؤمنين، أنت تَحْكِي عن شاهد، ونحن نتكلَمُ على غائب، وإذا أراد الله شيئاً كان.\rقال ابن الرومي: الكامل:\rإن امرأً رَفَض المكاسب واغْتَدَى ... يتعلَّمُ الآدَابَ حتى أحكما\rفكسَا وحَلَّى كلَّ أرْوَع مَاجد ... من حُرِّ ما حاكَ القرِيضَ ونَظما\rثِقةً برعْي الأكْرمين حقوقَه ... لأحقّ ملتمسٍ بألاّ يُحْرَما\rقال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمَار: ومن نادرِ شعر أبي الحسن في هذا المعنى - قوله، ووصف إتعاب الشعراء أنْفُسَهم بدُؤوبهم في صناعتِهم، وما يتصرّم من أعمارهم، وأن إلحاحَهم في طلَبِ ما في أيدي من أسلفُوه مديحَهم لو كان رغبة منهم إلى ربهم كان أجْدَى عليهم، وأقرب من درك بُغْيتهم، ونُجْح طَلِبتهم، ثم انحرف إلى توبيخ من مَدَحه فحرمه بأحسن عبارة، وأرضى استعارة، فقال: الكامل:\rللناس فيما يكلفون مَغَارِم ... عند الكِرَام لها قَضَاءُ ذمَامِ\rومغارم الشعراء في أشعارهم ... إنفاقُ أعماَرٍ وهَجرُ مَنَامِ\rوجفاء لذاتٍ ورفضُ مكاسب ... لو حُولفت حرست من الإعدام\rوتَشَاغُل عن ذكر رب لم يَزَلْ ... حَسَنَ الصنائعِ سابغَ الإنعام\rمن لو بخدمته تشاغل معشرٌ ... خدموكم أجْدَى على الخدام","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"أفَما لذلك حُرْمة مرعيّةٌ ... إنّ الكرامَ إذاً لغَيْرُ كِرامِ\rلم أحتَسِبْ فيك الثوابَ بمِدْحتي ... إياك يا ابن أكارِم الأقوامِ\rلو كان شعرِي حِسْبَةً لم أكْسُهُ ... أحداً أحق به من الأيتام\rلا تقبلنّ المدْحَ ثم تعافهُ ... فتنام والشعراءُ غيرُ نيامِ\rواحذَرْ معرَّتهم إذا دنَّستهم ... فلهم أشدُّ معَرّة العُرَّام\rواعلَمْ بأَنهمُ إذا لم يُنصَفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكّام\rوجناية العادِي عليهم تنقَضِي ... وعقابهُم يَبْقَى مع الأيامِ\rأبو الطيب المتنبي: الكامل:\rومكايِدُ السفهاء واقعةٌ بِهِمْ ... وعَداوةُ الشعراء بِئْسَ المُقْتَنَى\rمات الأحنف بن قيس بالكوفة، فمشى مصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سرُ العرب؛ فلما دُفن قامت امرأةٌ على قبره فقالت: لله دَرُّك من مُجَنٍّ في جَننٍ، ومُدْرَج في كَفَن، نسألُ الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفَقْدِك، أن يجعلَ سبيلَ الخيرِ سبيلَك، ودليلَ الرّشد دَليلك، وأن يوسّع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حَشْرِك؛ فواللّه لقد كنت في المحافل شريفاً، وعلى الأرامل عَطُوفاً، ولقد كنت في الحي مُسَوَّداً، وإلى الخليفة مُوفَداً، ولقد كانوا لقولك مستَمِعين، ولرأيك متّبِعين؛ ثم أقبلت على الناس فقالت: ألا إن أولياء الله في بلادِه، شهود على عباده، وإني لقائلةٌ حقّاً، ومثنيةٌ صِدْقاً، وهو أهلٌ لحُسْنِ الثناء، وطيب النّثَا، أما والذي كنتَ من أجله في عدَّة، ومن الحياةِ إلى مدَّة، ومن المقدار إلى غاية، ومن الإياب إلى نهاية، الذي رفع عملك، لما قَضَى أجَلَكَ، لقد عِشت حميداً مودوداً، ومُتَّ سعيداً مفقوداً، ثم انصرفت وهي تقول: الكامل:\rللهِ دَرُك يا أبا بَحْرِ ... ماذا تغيبَ منكَ في القَبْر؟\rلله دَرُّك أيّ حَشْوِ ثرًى ... أصبحتَ من عُرْف ومِن نُكْرِ\rإنْ كان دهرٌ فيك جرَّ لنا ... حدَثاً به وهَنَتْ قُوَى الصَّبْرِ\rفلكم يَدٍ أسديتها ويدٍ ... كانَتْ تَرُدُّ جرائرَ الدهرِ\rثم انصرَفت فسُئِل عنها، فإذا هي امرأتُه وابنةُ عقَه. فقال الناس: ما سمعْنا كلامَ امرأة قطّ أبلغ ولا أصدق منه.\rقال: وكان الأحنفُ قدم الكوفة في أيام مصعب بن الزبير، فرآه رجلٌ أعورَ دميماً قصيراً أحْنَفَ الرجلين، فقال له: يا أبا بحر، بأي شيء بلغتَ في الناس ما أرى؛ فوالله ما أنتَ بأشرف قومِك، ولا أجودِهم؟! فقال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه! قال: وما هو؟ قال: تَرْكِي من أمرك ما لا يعنيني، كما عَنَاك من أمري ما لا تتركه.\rترجمة منصور النمري وأخباره\rاجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: مَنْ كان منكم يحْسِنُ أن يقول مثل قول منصور النَّمري في أمير المؤمنين الرشيد: البسيط:\rإنِّ المكارمَ والمعروفَ أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمعُ\rإذا رفَعْتَ امرأً فاللَهُ رافِعُه ... ومن وضعْتَ من الأقوام متضعُ\rمن لم يكن بأمين اللهِ معتضماً ... فليس بالصلواتِ الخمس ينتفعُ\rإنْ أخلف الغيثُ لم تُخْلِف أناملُه ... أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتسع\rفليدخل، فقال محمد بن وهيب: فينا من يقولُ خيراً منه، وأنشد: البسيط:\rثلاثةٌ تشرِقُ الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاقَ، والقمر\rيحكي أفاعيلَه في كل نائبةٍ ... الغيثُ والليثُ والصمصَامة الذكَرُ\rفأَمر بإدخاله وأحسن صلَته.\rأخذ معنى البيت الأول من بيتي محمد بن وهيب أبو القاسم محمدُ بن هانئ الأندلسي: الكامل:\rالمُدْنَفانِ من البَرِيةِ كلِّها ... قَلْبي وطَرْفٌ بابليّ أَحْوَرُ\rوالمُشْرِقاتُ النَّيراتُ ثلاثةٌ؛ ... الشمسُ والقمرُ المنيرُ وجَعْفَرُ\rوبيت أبي القاسم الأول مأخوذ من قول ابن الرومي: مجزوء الرمل:\rيا عليلاً جعل العِلة مِفْتاحاً لسقمي\rليس في الأرض عليلٌ ... غير جَفْنَيك وجِسْمِي","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"ومَرَّ النمري بالعتابي مغموماً فقال: ما لك، أعزَّك اللّه؟ فقال: امرأتي تطلقُ منذ ثلاث ونحنُ على يَأْسٍ منها. فقال له العتابي: وإنَّ دواءها منك أقربُ من وجهها، قل: هارون الرشيد، فإن الولدَ يخرج! فقال: شكوت إليكَ ما بي، فأجبتني بهذا؟ فقال: ما أخذت هذا إلا من قولك: البسيط:\rإن أخلف الغيث لم تخلف أنامِله ... أو ضاق أمرٌ ذكرناه فيتسعُ\rوأبيات منصور بن سَلمة بن الزبرقان النمري التي ذكرها المعتصم من قصيدة له وهي أحسنُ ما قيل في الشيب أَولها: البسيط:\rما تنقضي حَسْرَةٌ ولا جَزَع ... إذا ذكرتُ شباباً ليس يُرْتَجَعُ\rبانَ الشباب وفاتَتْني بغرَّتِه ... خطوبُ دَهْرٍ وأَيامٌ لها خُدَعُ\rما كنتُ أوفي شبابي كُنْه غِرَّتِه ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تَبعُ\rتعجَّبَتْ أن رأتْ أسرابَ دمعتِه ... في حلبة الخدِّ أجْرَاها حشًى وَجِعُ\rأصبحت لم تطعمي ثُكْلَ الشباب ولم ... تَشْجَي بغُصَتِه فالعُذْر لا يَقعُ\rلا ألحين فتاتي غير كاذبةٍ ... عين الكذوب فما في ودِّكم طمَع\rما واجه الشيبَ من عَيْبٍ وإن وَمِقَتْ ... إلا لها نَبْوَة عنهُ ومُرْتَدَعُ\rإني لمعترف ما فيَّ من أرَبٍ ... عند الحسان فما للنَّفْسِ تَنْخَدِع\rقد كدت تقضي على فَوْت الشباب أسًى ... لولا تعزيك أنّ الأمرَ منقطِعُ\rوذُكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى، وقال: ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب! وأنشد متمثّلاً: الوافر:\rأَتأمُل رَجعَة الدنيا سَفَاهاً ... وقد صار الشبابُ إلى ذهَابِ\rفليت الباكياتِ بكلّ أرض ... جُمِعْنَ لنا فنُحْنَ على الشبابِ\rوكان الرشيد يقدم منصوراً النمري بجَوْدَة شعره، ولمَا يَمُتُّ إليه من النسب من العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن قاسط؛ ولمَا كان يُظْهِر من الميل إلى إمَامَة العباس وأهله، والمنافرة لآل علي، رضي الله عنه، ويقول: الوافر:\rبني حسن وقل لبني حُسَين ... عليكمْ بالسَّدَادِ من الأمورِ\rأميطوا عنكُم كذِب الأماني ... وأحلاماً يَعِدْن عِداة زُورِ\rتسَمون النبي أباً ويَأْبى ... من الأحزاب سَطرٌ في سطورِ\rيريدُ قولَ الله تعالى: \" ما كانَ محمدٌ أبا أحَدٍ من رِجالِكُمْ \" . وهذا إنما نزل في شأن زيد بن حارثة، وكان رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، تبنّاه، فقال له الرشيد: ما عدوتَ ما في نفسي، وأمره أن يدخلَ بيتَ المال فيأخذ ما أحب.\rوكان يضمر غير ما يظهر، ويعتقد الرّفض، وله في ذلك شعر كثير لم يَظْهَرْ إلا بعد موته، وبلغ الرشيد قوله: الكامل:\rآلُ النبيِّ ومَنْ يُحِبُّهمُ ... يتطامَنون مَخافَةَ القَتْلِ\rأمِنَ النصارى واليهودُ ومَن ... من أُمَةِ التوحيد في أزْلِ\rإلاَّ مَصَالت ينصرُونَهُمُ ... بظُبَا الصَّوارم والقَنا الذُبْلِ\rفأمر الرشيد بقتله وكان حينئذ برأس العين، فمضى الرسولُ فوجده قد مات فقال الرشيد: لقد هممت أن أنبش عظامَه فأحرقها. وكان يُلْغِز في مدحه لهارون، وإنما يريد قول النبي، صلى الله عليه وسلم، لعليّ، رضوان الله عليه: \" أنت مني بمنزلة هارون من موسى \" . وقال الجاحظ: وكان يذهب أولاً مذهب الشُّراة، فدخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم الرافضي وسمع كلامَه، فانتقل إلى الرفض، وأخبرني مَنْ رآه على قبر الحسين بن علي، رضي الله عنهما، ينشد قصيدتَه التي يقول فيها: الوافر:\rفما وُجدت على الأكتاف منهم ... ولا الأقفاء آثارُ النُّصولِ\rولكنّ الوجوهَ بها كُلومٌ ... وفوق حجُورهم مَجْرَى السيولِ\rأرِيق دمُ الحسين ولم يراعوا ... وفي الأحياء أمواتُ العُقولِ\rفدتْ نفسي جبينَكَ مِنْ جَبِينٍ ... جرَى دمُه عل خدٍّ أسيل\rأيخلو قلبُ ذي وَرَع ودِينٍ ... مِنَ الأحزانِ والألمِ الطويل","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"وقد شَرِقَتْ رِماحُ بني زيادِ ... بِرِيًّ من دماء بني الرسول\rبتربة كَرْبلاءَ لهم دِيارٌ ... نيامُ الأهل دارِسَةُ الطُّلُولِ\rفأوصال الحسين ببَطْنِ قاع ... ملاعبُ للدَّبور وللْقَبول\rتحياتٌ ومغفرة وروحٌ ... على تلك المحلّة والحُلولِ\rبرئنا يا رسولَ الله ممن ... أصابك بالأذيِّةِ والذُّحولِ\rأخبار ابني المعذل\rوقال أحمد بن المعذل: الوافر:\rأخو دَنَفٍ رَمتْه فأقصدَتْهُ ... سِهَامٌ من جفونِكِ لا تَطِيشُ\rكئيب إن ترحّل عنه جيشٌ ... من البَلْوى ألم به جُيُوشُ\rوكان أحمد بن المعذَّل بن غَيْلان العبدي في اللغة والبيان والأدب والحلاوة غايةً.\rقال: دخلتُ المدينة فتحملت على عبد الملك بن الماجشون برجل ليخصّني ويُعنَى بي، فلما فاتحني قال: ما تحتاجُ أنت إلى شفيع، معك من الحذاء والسقاء ما تأكلُ به لبّ الشجر، وتشرب صَفْوَ الماء.\rوكان أخوهُ عبد الصمد يؤذيه ويهجُوه، فكتب إليه أحمد: أما بعدُ، فإنَّ أعظم المكروه ما جاء من حيث يُرْجَى المحبوب، وقد كنتَ مؤَملاً مَرْجواً، حتى شمل شرّك، وعمّ أذاك، فصرت فيك كأبي العاقّ: إن عاش نغَّصه، وإن مات نَقَصَه، واعلمْ لقد خشَنت صَدْرَ أخٍ جَيْبُه لك ناصحٌ، والسلام.\rوكان يقول له: أنت كالأصبع الزائدة: إن تُرِكَتْ شانَتْ، وإن قطعت آلمت!.\rومثلُ هذا قولُ النعمان بن شمر الغساني: الطويل:\rوصَالُ أبي برْدٍ عَنَاءٌ، وتركه ... بلاء، فما أدْرِي به كيف أصنعُ\rإذا زُرْته يومين ملَّ زِيارتي ... وإن غبت عنه ظلّتِ العين تَدْمَعُ\rوقول الضحاك بن همام الرقاشي: الطويل:\rوأنتَ امرؤٌ منّا خلقت لغيرنا ... حياتُك لا تُرْجَى وموتك فاجِعُ\rوأنت على ما كان منك ابنُ حرّةٍوإني لما يرضى به الخصم مانِعُ\rوفيك خصالٌ صالحات يَشِينُهَا ... لديك جفاءٌ عندهُ الودُّ ضائعُ\rوقال بعضُ المحدثين: الطويل:\rإذا ساءني في القولِ والفعل جاهِداً ... وفي كل حال مَنْ أحب وأَمحَضُ\rفيا ليتَ شِعْرِي ما يعاملني به ... على كلّ ذنبِ مَن أُعادِي وأبغِضُ\rوقال أبو العباس المبرد: وكان أحمد بن المعذّل من الأُبّهة، والتمسك بالمنهاج، والتجنُّب للعَبث، والتعرّض للإشفاق لِما في أيدي الناس، وإظهار الزُهْدِ فيه، والتباعد عنه، على غاية، حتى حُمِل في فقهاء وأدباء من أهل البصرة، فأَخذَ الصلة غيرَ مُمْتَنع ولا مُنكر. ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل، واستدعى اجتباءه إيّاه، وتحلى له جهده، فقال عبد الصمد: الوافر:\rعذيري من أخٍ قد كان يُبْدِي ... عَلَى مَنْ لاَبسر السلطانَ عَتْبَهْ\rوكان يذمّهم في كلّ يوم ... له بالجهل والهذيان خُطْبَهْ\rفلما أن أتته دُرَيهماتٌ ... من السلطان باعَ بهنَّ رَبَّهْ\rوقال فيه: مجزوء الخفيف:\rلِي أخ لا تَرَى لهُ ... سائلاً غيرَ عاتِبِ\rأجْمَعُ الناسِ كلّهمْ ... للئيمِ المَذَاهِب\rدون معروفِ كفّهِ ... لَمْسُ بعضِ الكواكبِ\rليت لي منك يا أخي ... جارةً مِنْ مُحارب\rنارها كلّ شَتوَةٍ ... مِثْل نارِ الحُبَاحِبِ\rذهب إلى قول القُطَامي، وقولُ القطامي من خبيث الهجاء، وكان نَزل بامرأةٍ من محارب بن خَصَفَةَ بن قيس بن عَيْلان بن مضر فذمّ مَثْوَاه عندها، فقال. الطويل:\rوإني وإنْ كان المسافرُ نازلاً ... وإن كان ذا حقّ على الناسِ واجبِ\rفلا بدّ أن الضيفَ يُخبِرُ ما رَأى ... مُخَبِّرُ أهلٍ أو مُخَبّرُ صاحب\rلَمخبرك الأنباءَ عن أُمِّ منزل ... تضيّفتُها بين العُذيب فراسِبِ\rتلفّعت في طَلّ وريح تَلُفُّني ... إلى طرمِسَاء غَيْرِ ذات كواكبِ\rإلى حَيْزَبُون تُوقِد النارَ بعدما ... تَلَفًّعَتِ الظلماءُ من كل جانب","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"تصَلّى بها بَرْد العِشاء ولم تكن ... تَخَالُ وميض النار يَبْدُو لراكب\rفما راعها إلا بُغامُ مطيّتي ... تريح بمحسود من الصوت لاغب\rفجُنَّتْ فنوناً من دِلاَث مُنَاخةٍ ... ومن رَجُل عارِي الأشاجع شاحبِ\rسَرَى في حَلِيكِ الليل حتى كأنما ... تخزّم بالأطراف شوكُ العقَارِب\rتقول وقد قرّبتُ كُورِي وناقتي ... إليك، فلا تذعَرْ عليَّ ركائبي\rفسلَّمت والتسليمُ ليسَ يسرُّها ... ولكنه حَقٌّ على كل جانب\rفردّت سلاماً كارهاً ثم أعرضتْ ... كما انحاشَت الأفعى مخافةَ ضارِب\rفلمَّا تنازعنَا الحديثَ سألتُها ... مَنِ الحيُّ؟ قالت: معشرٌ من محَارب\rمن المشتَوين القدّ مما تَرَاهم ... جِيَاعاً ورِيفُ الناس ليس بنَاضِبِ\rفلمّا بَدا حرمانُها الضيفَ لم يكن ... عليّ مبيتُ السوء ضَرْبةَ لاَزب\rوقُمْت إلى مَهْريَّة قد تعوَّدَتْ ... يَداها ورِجْلاَها حثيثَ المراكِبِ\rألاَ إنّما نيرانُ قيسٍ إذا شَتَوْا ... لطارقِ ليل مِثْلُ نارِ الحُبَاحبِ\rومحارب: قبيلة منسوبة إلى الضعف، وقد ضربت العربُ بها المثل. قال الفرزدق لجرير: الطويل:\rوما استعهدَ الأقوامُ مِنْ زوج حُرةٍ ... من الناس إلا منك أو من مُحَاربِ\rأي يأخذون العَهْدَ عليه أنه ليس من كليبٍ ولا من محارب.\rوقال أبو نواس في قصيدته التي فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معد: المنسرح:\rوقيسُ عَيْلانَ لا أريدُ لها ... من المخازي سِوَى مَحاربِها\rوكانت أم عبد الصمد بن المعذل طباخةً، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه: ما عَسِيتُ أن أقول فيمن أُلْفِحَ بين قدر وتَنُّور، ونشأ بين زُق وطُنبورا؟ وعبد الصمد شاعر أهل البصرة في وقته، وهو القائل: الطويل:\rتكلفُني إذلالَ نفسي لعِزِّها ... وهان عليها أن أُهان لتكرما\rتقول: سَلِ المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت: سَلِيه رَبَّ يحيى بن أكثما\rقال أبو شُراعة القَيسي: كنتُ في مجلس، العُتْبي مع عبد الصمد بن المعذل، فتذاكرنا أشعارَ المولدين في الرقيق، فقال عبد الصمد: أنا أشعر الناس فيه وفي غيره، فقلت: أحذق منك والله بالرقيق الذي يقول، وهو راشد بن إسحاق أبو حُكيمة الكوفي: الطويل:\rومستوحشٍ لم يمْس في دارِ غُرْبَةٍ ... ولكنَّهُ ممن يحبّ غَرِيبُ\rطَوَاه الهوى واستشعر الوَصل غيرهُ ... فشطَتْ نَواهُ والمَزارُ قَريب\rسلامٌ على الدارِ التي لا أزورُها ... وإن حَلها شخصٌ إليَّ حبيبُ\rوإن حَجبتْ عن ناظريَّ ستُورُها ... هوًى تَحْسُن الدُّنيا به وتَطِيبُ\rهوى تَضْحَكُ اللّذاتُ عند حضوره ... ويَسخَنُ طَرْف اللهو حين يَغِيب\rتثنَّى به الأعطافُ حتى كأنهُ ... إذا اهتزَ من تحتِ الثيابِ قَضِيبُ\rألم تر صَمْتي حين يَجْري حديثهُ ... وقد كنت أُدعَى باسْمِه فأجيبُ\rرضيت بسَعْي الدهر بيني وبينه ... وإن لم يَكن للعين فيه نصيبُ\rأحاذِر إنْ واصلته أن ينالني ... وإياه سَهْمٌ لِلْفراقِ مُصِيبُ\rأرى دون مَنْ أهوى عيوناً تريبني ... ولا شك أني عندهنّ مُرِيبُ\rأُدارِي جليسي بالتجلّد في الهوى ... ولي حين أخلو زَفْرَة ونَحِيبُ\rوأُخْبَرُ عنه بالذي لا أحبّهُ ... فيضحك سِنِّي والفؤادُ كَئيب\rمخافةَ أن تَغْرَى بنا ألسنُ العِدَا ... فيطمع فينا كاشحٌ فيعيب\rكأن مجالَ الطّرَف في كل ناظر ... على حَرَكات العاشقين رقيبُ\rأرَى خطرات الشوق يبكين ذَا الهوى ... ويصِبين عقلَ المرءَ وهْو لبيبُ\rوكم قد أذل الحب من متمنعٍ ... فأضحى وثَوْبُ العز منه سَلِيبُ","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"وإن خُضُوعَ النفس في طلب الهوى ... لأمرٌ، إذا فكرتُ فيه، عَجيب\rفلم ينطق بحرف.\rولأبي شُراعة يمدح بني رياح: البسيط:\rبني رياح، أعاد اللَهُ نعمَتكم ... خير المَعاد وأسقى رَبْعَكم دِيمَا\rفكم بِهِ من فَتى حُلْو شمائلهُ ... يكادُ ينهلُّ من أعطافِه كَرَما\rلم يلبسوا نعمةً لِلَه مُذْ خلقوا ... إلاَّ تلبسها إخوانهم نِعما\rوفي إبراهيم بن رياح يقول عبد الصمد بن المعذل: الخفيف:\rقد تركت الرياح يا ابنَ رياح ... وهي حَسرَى إنْ هبَّ منها نسيم\rنهكتْ مالَكَ الحقوقُ فأَضْحَى ... لكَ مَال نِضوٌ وفعلٌ جَسيم\rوكان عبد الصمد بن المُعَذل متصلاً بإبراهيم ونبيه، وأفاد منهم أموالاً جليلة، واعتقد عقداً نفيسة، فما شكر ذلك ولا أصحبه بما يجب عليه من الثناء عند بكْبَته، وكان الواثق عزَلَه عن ديوان الضياع، ودفعه إلى عمر بن فرج الرخجي، فحبسه فهجاه عبد الصمد.\rقال أبو العباس محمد بن يزيد: وكان عبد الصمد شديدَ الإقدام على رديء السريرة فيما بينه وبين الناس، خبيث النية، يرصُد صديقَه بالمكروه، تقديراً أن يعادِيه فيسوءه بأمْرٍ يعرفه؛ ولا يكاد يَسْلَم لأحد، وكان مشهوراً في ذلك الأمر، يُلْبَسُ عليه، ويحمل على معرفةٍ، عجباً بِظَرْف لِسانِه، وطيبِ مجلسه، وأيضاً لقُبْح مسَبته، وشائن معرّته.\rقال أبو العيناء: ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح، وكان لي صديقاً، صنعتُ له هذا الخبر رجاءَ أن ينتهي إلى أمير المؤمنين فينتفع به، فأخبرني زيدُ بن علي بن الحسين أنه كان عند الواثق حين قرِئ عليه فضَحِك واستظرفه. وقال: ما صنع هذا كُفَه أبو العيناء إلا في سبب إبراهيم بن رياح، وأمر بتخليته، والخبر قال: لقيتُ أعرابياً من بني كلاب فقلت له: ما عندك من خَبر هذا العسكر؟ فقال: قتل أرضاً عالِمُهَا، قال: فقلت: فما عندك من خبر الخليفة؟ قال: بَخْبخ بعزه، وضرب بِجِرانه، وأخذ الدرهم من مصره، وأرهف قَلَم كلّ كاتبٍ بجبايته. قلت: فما عندك في أحمد بن أبي دُواد؟ قال: عُضْلة لا تُطاقُ، وجَنْدَلة لا تُرَام، ينتحي بالمدَى لتحزه فيجور، وتنصب لهُ الحبائل حتى تقول: الآن، ثم يضبر ضَبْرَة الذئب، ويخرج خروج الضب، والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت: فما عندك في عمر بن فرج؟ قال: ضَخْم حِضجْر، غضوب هِزَبْر، قد أهدفه القومُ لبَغْيهم، وانتضلوا له عن قِسِيِّهم، وأحْرِ له بمثل مصرع من يصرع. قلت: فما عندك في خبر ابن الزيَّات؟ قال: ذلك رجُلٌ وسع الوَرى شره، وبطن بالأمور خيره. فله في كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثرُ ناب ولا مِخلب، إلا بتسديد الرأي. قلت: فما عندك في خبر إبراهيم بن رياح! قال: ذاك رجل أوْبقَه كَرمُه، وإن يَفُزْ للكرام قدح، فأحْرِ بمَنْجَاته، ومعه دعاء لا يخذله، ورَب لا يسلمه، وَفوقه خليفة لا يظلمه. قلت: فما عندك في خبر نجاح بن سلمة؟ قال: للَّه درُّه من ناقض أوتار، يتوقّد كأنه شعلةُ نار، له في الفَيْنَة بعد الفينة، عند الخليفة خلسة كخلسة السارق، أوْ كحسوة الطائِر، يقومُ عنها وَقد أفاد نعماً، وَأوْقع نقماً. قلت: فما عندك في خبر ابن الوزير؟ قال: إخاله كَبْش الزنادِقة، ألا ترى أنّ الخليفة إذا أهمله خضِمَ ورَتع، وإذا أمر بتقصيه أمطر فأمْرَع. قلت: فما عندك من خبر الخصيب أحمد؟ قال: ذاك أحمق، أكل أكْلَة نَهِم، فاختلف اختلاف بشم. قلت: فما عندك في خبر المعلى بن أيوب. قال: ذاك رجل قُدّ من صخرة، فصَبْره صبرُها، ومسُّه مسُّها، وكل ما فيه بعد فمنها ولها. قلت: فما عندك من خبر أحمد بن إسرائيل؟ قال: كتوم غرور، وجَلْد صبور، رجل جِلْدُه جلد نمر، كلما خرقوا له إهاباً، أنشأ الله له إهاباً. قلت: فما عندك من خبر الحسن بن وهب؟ قال: ذاك رجل اتّخذ السلطانَ أخاً، فاتّخذه السلطانُ عبداً، قال: قلت: فما عندك من خبر أخيه سليمان بن وهب؟ قال: شَدّ ما استوفيتَ مسألتك أيها الرجل! ذاك حرمة حبست مع صواحباتها في جريرة محرمة، ليس من القوم في وِرْدٍ ولا صَدَر، هيهات: الخفيف:\rكُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانيات جرُّ الذيول","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"قال: قلت: فما عندك من خبر عبد الله بن يعقوب؟ قال: أمواتٌ غير أحياء، وما يشعرون أيَّانَ يبعثون.\rقلت: فأين نزلت فأؤمَّك. قال: ما لي منزل تأمُّه. أنا أستتِر في الليل إذا عَسْعَس، وَأنتشِرُ في الصبح إذا تنفَّس.\r؟ابن راشد\rومن مليح شعر راشد بن إسحاق بن راشد، وهو أبو حُكيمة، وكان قَوِيِّ أسْرِ الشعر: الطويل:\rتحيرْتُ في أمري وإني لواقف ... أُجيلُ وجوه الرأي فيك وما أدري\rأأعْزِمُ عَزْمَ اليأْس فالموتُ راحةٌ ... أمَ اقنَعُ بالإِعْراض والنظَرِ الشَّزْرِ\rوإني وإن أعرضت عنك لمُنْطَوٍ ... على حُرَقٍ بين الجوانح والصدرِ\rإذا هاج شوقي مثّلتكَ ليَ المنى ... فألقاك ما بيني وبينك في سِتْرِ\rفديتك لم أصبر ولي فيك حيلةٌ ... ولكِنْ دعاني اليأسُ فيك إلى الصبر\rتصبَّرت مغلوباً وإني لموجَعٌ ... كما صبَر الظمآنُ في البلد القفْر\rوقال: الوافر:\rعتبت عليك في قطع العتاب ... فما عَطَفَتْك ألسنة العتابِ\rوفيما صرت تظهر لي دليل ... على عَتْب الضميرِ المستَرابِ\rوما خطرتْ دواعي الشوقِ إلاَّ ... هززْتُ إليك أجنِحَةَ التصابي\rوقال أيضاً: الطويل:\rضحِكْت ولو تَدْرِين ما بِي من الهوى ... بَكَيْتِ لمحزونِ الفؤادِ كئيبِ\rلمن لم تُرَحْ عيناه من فَيْضِ عَبْرَةٍ ... ولا قَلْبُهُ مِنْ زَفْرَةٍ ونحيب\rلمستأنس بالهمِّ في دارِ وَحْشَةٍ ... غريب الهَوى باكٍ لكل غريبِ\rألا بأبي العيشُ الذي بانَ فانقضى ... وما كان من حُسْنٍ هناك وطِيبِ\rلياليَ يدعونا الصّبا فنجيبهُ ... ونأخذُ مِنْ لذاتِه بنصيبِ\rنردِّدُ مستور الأحاديث بيننا ... على غَفْلَةٍ من كاشح ورقيب\rإلى أن جرى صَرْفُ الحوادث في الهوى ... فبُدِّلَ منها مَشْهَدٌ بمَغِيب\rوله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، صُنتُ الكتاب عن ذكره.\rأخبار عبد الملك بن صالح\rدعا الرشيد بعبد الملك بن صالح - وكان معتقلاً في حَبْسه - فلما مَثَل بين يديه التفت إليه، وكان يُحدث يحيى بن خالد بن بَرْمك وزيرَه، فقال متمثّلاً: الوافر:\rأريد حياتَه ويريدُ قَتْلي ... عذيرَكَ من خليلِكَ من مُرادِ\rثم قال: يا عبدَ الملك، كأني أنظر إلى شُؤْبُوبها قد هَمَع، وإلى عارِضِها قد لَمَع، وكأني بالوعيد قد أوْرَى، بل أدْمى، فأبرز عن بَراجمَ بلا مَعَاصِم، ورؤوس بلا غَلاَصم، فمهلاً بني هاشم، فبي والله سَهُلَ لكم الوَعْر، وصفا لكم الكَدِر، وألقَتْ لكم الأمور أثناءَ أزِمتها، فنذار لكم نذراً قبل حلول داهية خبوط باليد والرجْل، فقال عبد الملك: أفذّاً أتكلم أم تَوْأماً؟ قال: بل فَذّاً، قال: اِتّقِ الله يا أمير المؤمنين فيما ولآك، وأحفظْه في رعاياك الذي استرعاك، ولا تجعل الكفر بموضع الشكر، والعقاب بمَوْضِع الثواب، فقد، واللّه، سَهُلَت لك الوعور، وجمعت على خوفك ورجائكِ الصدور، وشددْتُ أوَاخِي ملكك بأوثَقَ من رُكْنَيْ يَلَمْلَمَ، وكنتُ لك كما قال أخو بني جعفر بن كلاب - يعني لبيداً - : الرمل:\rومقام ضَيّقٍ فرّجتهُ ... بلسانٍ وبَيَانٍ وجَدَلْ\rلو يقومُ الفيلُ أو فيالُهُ ... زَلَّ عن مثل مقامي وزَحَل\rفأعاده إلى محبسه، وقال: لقد نظرتُ إلى موضع السيف من عاتقه مراراً، فيمنعني عن قتله إبقائي على مثله.\rوأراد يحيى بن خالد أن يضَعَ من عبد الملك ليُرْضِيَ الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغني أنك حَقُود! فقال عبد الملك: أيها الوزير، إنْ كان الحقد هو بقاء الشّرّ والخير، إنهما لباقيان في قلبي! فقال الرشيد: تاللّه ما رأيتُ أحداً احتجَّ للحقد بأحْسَنَ مِمّا احتجَّ به عبد الملك.\rوقد مدح ابن الرومي الحقد، وأخذ هذا المعنى من قول عبد الملك، وزاد فيه، فقال لعاتب عابه بذلك: الطويل:\rلئن كُنْتَ في حفظي لما أنا مُودَعٌ ... من الخير والشّرِّ انتحيْتَ على عرضِي","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"لَمَا عِبْتَني إلاَّ بفضل إبانة ... وربَّ امرئ يُزْرِي على خُلُق مَحْض\rولا عيبَ أنْ تُجْزَى القروضُ بمثلها ... بل العيبُ أن تَدان دَيناً ولا تقضي\rوخيرُ سحيَّاتِ الرجال سجيةٌ ... توفيك ما تسدي من القَرْض بالقرض\rإذا الأرض أدَّتْ رَيْع ما أنت زارعٌ ... من البَذْر فيها فهي ناهيك من أرضِ\rولولا الحقُودُ المستكنات لم يكنْ ... لينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض\rوما الْحِقْدُ إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتمين إلى بعض\rفحيث ترى حِقداً على ذي إساءة ... فثَمَّ ترى شكراً على حَسَن القَرْض\rوقال يرد على نفسه، ويذمُّ ما مدح، توسعاً واقتداراً: البسيط:\rيا مادحَ الحقدِ محتالاً له شبهاً ... لقد سَلَكْتَ إليه مسلكاً وَعِثا\rإن القبيح وإنْ صنّعت ظاهِرَهُ ... يعودُ ما لمَ منه مرةً شَعِثَا\rكم زَخْرَف القول ذو زُور ولبَّسهُ ... على القلوب ولكن قل ما لبثَا\rقد أبرم الله أسباب الأمور معاً ... فلن ترى سبباً منهن منتكِثا\rيا دافنَ الحِقْدِ في ضعفي جوانبهِ ... ساء الدفينُ الذي أضحت له جَدثا\rالحقدُ داءٌ دَوِيٌّ لا دواءَ لهُ ... يَرِي الصدورَ إذا ما جمْرُهُ حُرثا\rفاستشْفِ منه بصَفْحٍ أو معاتبةٍ ... فإنما يبرئ المصدورَ ما نَفَثَا\rواجعل طلابك بالأوتار ما عظمتْ ... ولا تكن بصغير القول مُكْترِثا\rفالعفوُ أقربُ للتقوى وإن جُرمٌ ... من مجرم جَرَحَ الأكبادَ أو فرثا\rيكفيك في العفو أن الله قرّظهُ ... وحَيْاً إلى خير من صلى ومن بُعِثا\rشهدت أنك لو أذنبت ساءك أن ... تلقى أخاك حَقُوداً صَدْره شرثا\rإذا وسَرَّك أن تلقى الذنوب معاً ... وأن تصادف منه جانباً دَمِثَا\rإني إذا خلط الأقوام صالحُهمْ ... بسيئ الفعل جداً كان أو عَبثَا\rجعلت قلبي كظرف السبك حينئذ ... يستخلص الفِضَّة البيضاء لا الخَبَثا\rولستُ أجعله كالحوض أمدحُه ... بحِفْظِ ما طاب من ماءً وما خَبُثا\rوالبيتُ الذي تمثل به الرشيد هو لعمرو بن معد يكرب يقوله لقَيس بن المكشوح المرادي، وقد تمثّل به علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، لَمَّا رأى عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادي فقال له: أنت تخضب هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ونُقْرَته. فقيل له: يا أميرَ المؤمنين، ألا تقتله؟ فقال: كيف يقتلُ المرءُ قاتلَه؟.\rوكان بين مَسْلَمة بن عبد الملك وبين العباس بن الوليد تباعُد، فبلغ العباس أن مسلمة ينتقصه، فكتب إليه يقول: الوافر:\rألا تَقْنَى الحياءَ أبا سعيدٍ ... وتُقْصِر عن مُلاحَاتي وعَذْلِي؟\rفلولا أنّ فَرْعَك حين تُنْمَى ... وأصلك منتهى فرعي وأصلي\rوإني إن رَمَيْتُك هِضْتُ عَظمي ... ونالتني إذا نَالتْك نَبْلي\rلقد أنكرتَني إنكارَ خوفٍ ... يَضُمُ حشَاك عن شَتْمي وأكْلِي\rفكم من سَوْرةٍ أبطأتَ عنها ... بنى لك مجدَهَا طلبي وحَفْلِي\rومُبْهمة عييتَ بها فأبدى ... عَويلي عن مخارجها وفَضْلي\rكقول المرء عَمْرٍو في القوافي ... لِقَيسٍ حين خالف كلَّ عَدْل\rعذيري من خليلي من مرادٍ ... أُريدُ حياته ويريدُ قَتْلي\rلم يتفق له في القافية كما قال عمرو، فغيّره.\rوعبد الملك هذا هو ابن صالح بن علي، وكان بليغاً جَهيراً فاضلاً عاقلاً.","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"وقال الجاحظ: قال لي عبد الرحمن مؤدب عبد الملك بن صالح: قال لي عبد الملك، بعد أن خصّني وصيرنِي وزيراً بدلاً من قُمامة: يا عبدَ الرحمن، انظر في وجهي؛ فأنا أعْرَفُ منك بنفسك ولا تُسْعِدني على ما يقبح؛ دع عنك كيف الأمير، وكيف أصبح الأمير؟ وكيف أمْسَى؟ واجعل مكانَ التقريظ حُسْنَ الاستماع مني، واعلم أن صوابَ الاستماع أحسنُ من صواب القول، وإذا - حدّثتك حديثاً فلا يفوتنك شيء منه؛ وأرِنِي فهمَك في طرفك؛ إني اتخذتك وزيراً بعد أن كنت مُعَلِّماً، وجعلتُك جليساً مقرّباً بعد أن كنت مع الصبيان مُبْعَداً، ومتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رُجْحَان ما صرتَ إليه.\rوساير الرشيدُ عبدَ الملك، فقال له قائل: طأطئ من إشرافه، واشْدُدْ من شكائمه، وإلاّ فسدَ عليك، فقال له الرشيد: ما يقولُ هذا؟ قال: حاسدُ نِعْمة، ونافس رُتبة، أغضبه رِضَاكَ عني، وباعدَه قُرْبُك مني، وأساءه إحسانُك إلي. فقال له الرشيد: انخفض القومُ وعلوتَهم؛ فتوقَدَتْ في قلوبهم جَمْرةُ التأسف. فقال عبد الملك: أضْرَمَها الله بالتزيد عندك فقال الرشيدُ: هذا لك وذاك لهم.\rوصعد المنبر، فأُرتج عليه فقال: أيّها الناس، إن اللسان بضْعَة من الإنسان تكل بكَلاله إذا كل، وتنفسح بانفساحه إذا ارتجل، إن الكلامَ بعد الإفحام كالإشراقِ بعد الإظلام، وإنا لا نسكتُ حَصَراً، ولا ننطقُ هَذَراً؛ بل نسكتُ مفيدين، وننطق مُرْشِدين، وبعد مقامنا مقام، ووراء أيامِنا أيَّام، بها فَصْل الخِطاب، ومواقع الصواب، وسأعودُ فأقول، إن شاء الله تعالى.\rوقال الأصمعي: كنتُ عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حَبْسِه، فقال: يا عبد الملك، أكُفراً بالنِّعمةِ، وغَدْراً بالسلطان، ووثوباً على الإمام؟ فقال: يا أمير المؤمنين، بُؤْتُ بأعباءِ الندم، واستحلال النّدم واستحلال النقم، وما ذاك إلا من قولِ حاسدٍ، ناشدتك الله والولاية، ومودَّة القرابة. فقال الرشيد:، يا عبد الملك، تَضعُ لي لسانك، وترفعُ لي جَنَانك، بحيث يحفظُ الله لي عليك، ويأخذ لي منك، هذا كاتُبك قمامة ينبئ عن غِلِّكَ، فالتفت عبدُ الملك إلى قُمامة وكان قائماً، فقال: أحقّاً يا قمامة؟ قال: حقّاً، لقد رُمْتَ خَتْر أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: وكيف لا يكذِب علي يا أمير المؤمنين في غَيبتي من يَبْهَتني في حضرتي. فقال الرشيد: دَعْ قمامة، هذا ابنُك عبد الرحمن ينبئ عنك بمثل خبر قمامة، فقال عبد الملك: إنّ عبد الرحمن مأمور أو عَاقّ؛ فإن كان مأموراً فهو معذور، وإن كان عاقاً فما أتوقّع من عقوقِه أكثر.\rبين الرشيد والخارجين من السجن\rوقال الرشيد للحسن بن عمران وقد أُدْخِل عليه يَوْسُفُ في قُيُودِه: ولّيتك دمشق وهي جنّة موثِقة، تحيط بها غُدُر كاللّجين، فتكِف على رياضٍ كالزّرَابي، وكانتْ بيوتَ أموال فما برح بها التعدّي، حتى تركتَها أجرَدَ من الصَّخْرِ، وأوحش من القَفْر! فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما قصدت لغير التوفيق من جهتِه، ولكني ولّيت أقواماً ثَقُلَ على أعناقهم الحق، فتفرَّغوا في ميدان التعدّي، ورأوْا أنْ المراغمة بتَرْك العِمارة أوقَعُ بإضرار السلطانِ، وأنوَه بالشنعة؛ فلا جَرَم أنَّ مَوْجِدَة أمير المؤمنين قد أخذتْ لهم بالحظّ الأوفر من مساءتي! فقال عبد الله بن مالك: هذا أجزلُ كلام سُمع لخائف، وهذا ما كنّا نسمعه عن الحكماء: \" أفضل الأشياء بديهةُ أمْنٍ وردَتْ في مقامِ خَوْف \" .\rولما رَضِيَ الرشيدُ عن يزيد بن مَزْيد دَخل عليه فقال: الحمد للّه الذي سَهّلَ لي سُبُلَ الكرامةِ بلقائك، وردَّ عليَّ النعمةَ بوَجْهِ الرضا منك، وجزاكَ الله في حال سُخْطِك حقّ المتثبتين المراقبين، وفي حَال رضاكَ حقّ المنعمين المتَطَولين؛ فقد جعلك اللّه - وله الحمد - تتثبت تحرّجاً عند الغضب، وتتطول ممتنَّاً بالنعم، وتستَبْقي المعروفَ عند الصنائع تفضُّلاً بالعَفْو.\rفي باب الرثاء\rوفي يزيد بن مزيد يقول مسلم بن الوليد مرثيته، وقد رُويت له في يزيد بن أحمد السلمي: الكامل:\rقَبْرٌ ببَرْذَعَةَ أسْتَسَرَّ ضريحُه ... خَطَراً تقَاصَرُ دونهُ الأخْطَارُ\rنَفَضَتْ بك الأحلاسُ نَفْضَ إقامةٍ ... واستَرْجَعَتْ نُزَّاعَها الأمصارُ","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"فاذْهَبْ كما ذهبتْ غَوَادي مُزْنَةٍ ... أثنى عليها السهلُ والأوْعَارُ\rسلكَتْ بكَ العَرَبُ السبيلَ إلى العُلاَ ... حتى إذا سبق الرَّدَى بك حارُوا\rوقال أبو عبد الرحمن محمد بن أبي عطية يرثي أخاه: الكامل:\rحَنَّطْتَه يا نصرُ بالكافور ... وزَفَفْتَه للمنزل المهجورِ\rهلاّ ببعض خِصَالِه حَنَّطْتَهُ ... فيصوغَ أفق منازلٍ وقُبورِ\rوالله لو بنسيم أخلاق لهُ ... تُعْزَى إلى التقديسِ والتطهير\rحنطت من وطئ الحصى وعَلاَ الربى ... لتزوّد بل عُدَّةً لنشور\rفاذهب كما ذهب الشبابُ فإنهُ ... قد كان خير مُجَاوِر ومُجير\rواذهب كما ذهب الوفاء فإنه ... عصفت به رِيحاَ صباً ودَبُور\rوالله ما أبّنْتُه لأزيدهُ ... شرَفاً ولكن نَفْثَة المصدُورِ\rومات رجلٌ من العرب كان يعولُ اثني عشر ألفاً، فلما حُمل على سريره صرّ، فقال بعضُ من حضر: الطويل:\rوليس صَرِيرُ النعشِ ما تسمعونهُ ... ولكنه أصلابُ قومٍ تَقَصّفُ\rوليس فتيق المسك ما تجدونهُ ... ولكنه ذاك الثناءُ المخلَّفُ\rوقال عبد الله بن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وَهْب يرثيه: الخفيف:\rيا ابنَ وَهْبٍ بالكُرْه منِّي بقيتُ ... عجبي يوم متَّ كيف حَيِيتُ\rإنما طيّب الثناء الذي خلفت ... لا مِسْك نَعْتِك المفتوتُ\rواختصرت الطريق بعدك للمو ... ت فلاقيتُه ولستُ أفوتُ\rكيف يَبْقَى على الحوادث حَيٌّ ... بيدِ الدَّهْرِ عُودُه منحوت\rوقال أيضاً: المتقارب:\rذكرت ابنَ وَهْبٍ فللّه ما ... ذكرتُ وما غيّبوا في الكَفَنْ\rتقطر أقلامه من دم ... ويعلمُ بالظن ما لم يَكُنْ\rوظاهر أطرافه سَاكنٌ ... وما تحته حَرَكاتُ الفَطِنْ\rوقال: الطويل:\rذكرت عبيد الله والتربُ دُونَه ... فلم تحبس العينانِ منّي بكاهُما\rوحَاشاه من قولٍ سَقَى الغيثُ قبرَهُ ... يدَاهُ تروّي قبرَه مِنْ نَدَاهُما\rوهذا مأخوذ من قول الطائي: الطويل:\rسقى الغيثُ غيثاً وارَتِ الأرضُ شَخْصَه ... وإن لم يكُنْ فيه سحابٌ ولا قَطْرُ\rوكيف احْتِمالي للسحابِ صنيعةً ... بإسقائها قَبْراً وفي لَحْدِه البَحْرُ\rوقال ابن المعتز: الخفيف:\rلم تَمُتْ أنتَ، إنما مات مَنْ لم ... يُبْقِ في المجدِ والمكارم ذِكْرا\rلستُ مستسقياً لقبرك غيثاً ... كيف يَظْمَأ وقد تضمَّن بَحْرا؟\rوالبيت الثاني من هذين من بيت الطائي: وقال: البسيط:\rمحمدُ بنُ حُمَيْدٍ أُخلِقت رِمَمُهْ ... أُرِيق ماءُ المعالي إذْ أرِيقَ دَمُهْ\rرأيته بنِجادِ السيفِ مُحْتَبياً ... كالبدر حين انْجَلتْ عن وجهه ظُلمُهْ\rفي روضةٍ حفها من حولها زَهَرٌ ... أيقنت عند انتباهي أنها نِعَمُهْ\rفقلتُ والدمعُ من وَجْدٍ ومن حُرَق ... يَجْرِي وقد خدَّدَ الخدَين منسَجمُهْ:\rألم تمت يا سليلَ المجد من زمنٍ؟ ... فقال لي: لم يَمُتْ من لم يمت كَرَمُهْ\rوقال بعض أهل العصر: البسيط:\rعُمْرُ الفتىَ ذِكرُه، لا طولُ مدَّتِه ... وموتُه موتُه لا موته الدَّاني\rفأَحي ذكرَك بالإحسان تزرعهُ ... تُجْمَعْ به لك في الدنيا حَياتانِ\rوقال عبد السلام بن رَغبان الحِمْصي: الطويل:\rسَقَى الغَيْثُ أَرضاً ضمِّنتكَ وسَاحَةً ... لَقَبْرُكَ فعه الغَيْثُ واللَّيْثُ والبَدْرُ\rوما هي أَهْلٌ إذْ أصابتك بالبِلَى ... لسُقيا، ولكنْ مَنْ حَوَى ذلك القَبْرُ\rأخذ هذا البيت الأول، الراضي فقال يرثي أباهُ المقتدر: الطويل:\rبنفسي ثرًى ضُمِّنْت في سَاحة البِلَى ... لقد ضَمَّ منك الغيثَ والليثَ والبَدْرا","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"فلو أنّ عمري كان طوعَ مشيئتي ... وأسعدني المقدورُ قاسمْتُكَ العمرا\rولو أنَ حيّاً كان قَبْراً لميِّتٍ ... لصيَّرْتُ أحشائي لأَعْظُمه قَبْرا\rهذا البيت ينظر إلى قول المتنبي: الكامل:\rحتى أتَوْا جَدَثاً كأن ضريحهُ ... في قَلْبِ كل موحِّدٍ محفورُ\rأخبار قطر الندى\rلما حُملت قَطْرُ الندى بنت خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد كتب معها أبوها إليه يذكر بحُرْمَة سلفها بسلفه، ويذكرُ ما ترِدُ عليه من أبّهة الخلافة، وجلالة الخليفة، ويسأل إيناسها وبَسْطَها، فبلغَتْ من قَلْبِ المعتضد لما زُفَت إليه. مبلغاً عظيماً، وسُرَّ بها غاية السرور، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب، فأراد أن يكتبَه بخطّه، فسأله أبو الحسين بن ثَوَابَة أن يُؤْثره بذلك ففعل، وغاب أياماً وَأتى بنسخة يقول في فصل منها: وأمّا الوَدِيعةُ فهي بمنزلَةِ شيءٍ انتقل من يمينك إلى شمالك، عنايةً بها، وحِيَاطة عليها، ورعايةً لمودتك فيها. ثم أقبل عبيد الله يُعجب من حُسْنِ ما وقع له من هذا، وقال: تسميتي لها بالوديعة نصفُ البلاغة، فقال عبيد اللّه: ما أقبحَ هذا تفاءلْتَ لامرأةٍ زُفَّت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعةُ مستردة. وقولك: لا من يمينك إلى شمالك أقبح؛ لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمالَ، ولو قلت: وأما الهديةُ فقد حسن موقعها منّا، وجلّ خطرُها عندنا! وهي وإنْ بعدَتْ عنك، بمنزلة من قربَتْ منك؛ لتفقُّدِنا لها، وأنسِنا بها، ولسرورها بما وردَتْ عليه، واغتباطها بما صارت إليه لكان أحسن. فنفذ الكتاب.\rوكانَتْ قَطْرُ الندى مع جمالها موصوفةً بفضل العقل، خلا بها المعتضد يوماً للأُنس بها في مجلسٍ أفرده لم يحضرْه غيرها، فأخذَتْ منه الكأس، فنام على فخذها، فلمّا استثقلَ وضعَتْ رأسَه على وسادة، وخرجت فجلست في ساحة القصر على باب المجلس، فاستيقظ فلم يَجِدْها، فاستشاط غضباً، ونادى بها فأجابته على قرب، فقال: ما هذا؟ أَخليتك إكراماً لكِ، ودفعتُ إليك مهجتي دون سائر حظاياي، فتضَعِين رأسي على وسادة! فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلتُ قدرَ ما أنعمتَ به عليّ، وأحسنتَ فيه إليّ، ولكن فيما أدَّبني به أبي أن قال لي: لا تنامي مع الجلوس، ولا تجلسي بين النيام.\rرجع إلى الرثاء\rوفي أبي الحسين بن ثوابة يقول ابن المعتز يَرْثيه: الخفيف:\rليس شيءٌ لصحّةٍ ودَوام ... علبَ الدهرُ حِيلة الآقَوامِ\rوتولّى أبو الحُسين حميداً ... فعلى رُوحه سَلام السلامِ\rحين عاقدْته على الحِفْظ للعَه ... د وصافحْتُه بكفِّ الذِّمام\rواصطفتْه على الأخلاَّءِ نَفْسي ... كاصطفاءِ الأرواح للأجسامِ\rكَانَ رَيْحانة النّدامى وميزا ... ن القَوافِي شعراً وبَحْر كَلاَمِ\rومكان السهم الذي لا يَرَى الشكَّ ولا يستغِيث بالأوهام\rساحر الوحي في القراطيس لا تحبس عنه أعنّة الأقلام\rفإذا ما رأيته خِلْت في خدَّيْه صُبْحاً منقّباً بظلام\rنفسُ، صَبْراً لا تجزَعِي إن هذا ... خُلق من خلائق الأيام\rما قالته الشعراء في ريعان الشباب\rوأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب لرجل من بني كلاب: الطويل:\rسقَى الله دهراً قد توالَتْ غَيَاطِلُهْ ... وفارقَنا إلا الحُشَاشة باطِلهْ\rلياليَ خِدْني كلُّ أبيضَ ماجدٍ ... يُطيع هَوى الصابي وتُعْصَى عواذِلهْ\rوفي دَهْرِنا والعيشُ في ذاك غِرّة ... ألا ليتَ ذاك الدهر تُثْني أوإئِلُهْ\rبما قد غنينا والصِّبا جُلُّ همِّنا ... يمايلنا رَيْعَانُه ونُمَايُلهْ\rوجَرَّ لنا أذيالَه الدهرُ حِقْبَةً ... يطاوِلنا في غَيِّهِ ونُطَاولُهْ\rفَسَقْياً له من صاحبٍ خذلَتْ بنا ... مطيّتُنا فيه ووَلَت رَواحلُه\rأَصُدُّ عن البيتِ الذي فيه قاتلي ... وأهجرُه حتى كأنيَ قاتلُهْ","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"هذا البيت يناسب قول ذي الرمة، إن لم يَكُن في هذا المعنى، يصِفُ ظبية وولَدَها: الطويل:\rإذا استودَعتْه صفصفاً أو صَرِيمَةً ... تنخت ونصّتْ جِيدَها بالمناظِر\rحِذَاراً على وَسْنانَ يَصْرعُه الكَرى ... بكل مَقِيل عن ضِعافٍ فواتِرِ\rوتهجرُه إلا اختلاساً نَهَارَهَا ... وكم من مُحِب رَهْبَة العَيْنِ هاجِرِ\rوقال أبو حية النميري: الوافر:\rأما وأبي الشباب لقد أراهُ ... جميلاً ما يرادُ به بَدِيلُ\rإذِ الأيامُ مقبلةٌ علينا ... وظِلُّ أرَاكَةِ الدنيا ظليلُ\rوقال علي بن بسام: الوافر:\rبشاطئ نهر قبرك فالمصلَّى ... فما والاَهُما فالقرْيتَينِ\rمعاهِدُ لَهْوِنا والعيشُ غَضٌّ ... وصرف الدهر مقبوضُ اليدينِ\rوكان ابن بسام هذا - وهو علي بن محمد بن، منصور بن بسام، مليح المقطعات، كثير الهجاء خبيثهُ، وليس له حظ التطويل، وهو القائل: الكامل:\rكم قد قطَعْت إليك من دَيْمُومَةٍ ... نُطَفُ المياهِ بها سَوادُ الناظِرِ\rفي ليلةٍ فيها السماءُ مُرِذّةٌ ... سوداءُ مظلمة كقَلْبِ الكافرِ\rوالبرقُ يخفِقُ من خلال سحابهِ ... خَفْقَ الفؤاد لموعدٍ من زائرِ\rوالقَطْرُ منهمِلٌ يسُحّ كأنهُ ... دمع المودّع إثْر إلْفٍ سائرِ\rوقال في العباس بن الحسين لما وَزَرَ مكتفي: السريع:\rوزارة العباسِ من نَحْسِها ... ستقلع الدولةَ من أُسِّها\rشَبهْته لما بَدَا مُقْبِلاً ... في خِلع يخجل من لبْسِها\rجاريةً رَعنَاء قد قدرَتْ ... ثياب مولاها على نفسِها\rوقال في علي بن يحيى المنجم يَرْثيه: الكامل:\rقد زرتُ قبرك يا علي مسلِّماً ... ولكَ الزيارة من أقلّ الواجبِ\rولو استطعت حملتُ عنك تُرَابهُ ... فلطالما عني حملتَ نوائبي\rوكان مولعاً بهجاء أبيه، وفيه يقول وقد ابتنى داراً: الرملي:\rشِدْتَ داراً خِلْتها مَكْرُمةً ... سلَّط الله عليها الغَرَقا\rوأرانيك صريعاً وسطها ... وأرانيها صعيداً زَلَقَا\rوقال أبو العباس بن المعتز يهجوه: المجتث:\rمن شاء يَهْجُو علياً ... فشعرُه قد كفَاهُ\rلو أنه لأبيهِ ... ما كان يَهْجُو أباهُ\rمن أخبار المأمون ويزيد بن معاوية\rوقال المأمون لأحمد بن أبي خالد، وهو يخلف الحسنَ بن سَهل، وقد أشار إليه برأي استرجَحه: قد اعتل الحسنُ ولزم بيته، ووكَلَ الأمرَ إليك، فأنا إلى راحته وبقائه، أحوجُ مني إلى إتعابه وفنائه، وقد رأيتُ أن أستوزرك، فإن الأمر له ما دُمْتَ أنت تقوم به، وقد طالعتُ رأيه في هذا الأمر، فما عَدَاك. فقال: يا أمير المؤمنين، أَعفِني من التسمي بالوزارة، وطالبني بالواجب فيها، واجعلْ بيني وبين الغاية ما يرجوني له وَليِّي، ويخافني له عدُوَّي، فما بعد الغايات إلا الآفات. فاستحسن كلامه، وقال: لا بُدَّ من ذلك، واستوزره.\rورأى المأمونُ خط محمد بن دَاود فقال: يا محمد! إن شاركْتَنَا في اللفظ، فقد فارقناك في الخط، فقال: يا أمير المؤمنين، إن من أعظم آياتِ النبي،صلى اله عليه وسلم، أنه أدّى عَنِ الله سبحانه وتعالى رسالاته، وحفظ عنه وَحْيَه، وهو أمي لا يعرف من فنون الخط فَنّاً، ولا يقرأ من سائره حَرفاً، فبقي عمود ذلك في أهله، فهم يَشْرُفون بالشَبَه الكريم في نَقْص الخط، كما يشرفُ غيرُهم بزيادته؛ وإن أمير المؤمنين أخصُّ الناس برسول الله، صلى اله عليه وسلم، والوارثُ لموضعه، والمتقلِّد لأمره ونهيه؛ فعلقت به المشابهة الجليلة، وتناهَتْ إليه الفضيلة، فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتني لا آسَى على. الكتابة، ولو كنتُ أمياً.\rوهذا شبيهٌ بقول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: ما بال قريش أضعفُ العرب شعراً، وهي أشرفُ العرب بيتاً؟ قال: لأنَّ كَوْن رسول الله صلى اله عليه وسلم، منها قطع مَتن الشعر عنها.","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"وقال إبراهيم بن الحسن بن سَهل: كنّا في مجلس المأمون وعَمْرو بن مَسْعدَةَ يقرأ عليه الرقَاع، فجاءته عَطْسَةٌ، فلوَى عنقه فردّها، فرآه المأمون فقال: يا عمرو، لا تفعَل فإن ردّ العَطسة وتحويل الوجه بها يُورثان انقطاعاً في العنق. فقال بعض ولد المهدي: ما أحسنها من مولَى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما في ذلك؟ هذا هشامٌ اضطربت عِمامته فأَهوى الأبرش الكلبي إلى إصلاحها، فقال هشام: إنّا نتَّخِذُ الإخوان خَوَلاً! فالذي قال هشام أحسنُ مما قلته. فتمال عمرو: يا أمير المومنين، إنَّ هشاماً يتكلّفُ ما طُبِعْتَ عليه، ويظلم، فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله، صلى اله عليه وسلم، ولا قيامك بحقّ الله، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبياني: الطويل:\rألم تَرَ أنّ الله أعطاك سَوْرَةً ... ترى كل مَلْكٍ دونها يتذبذبُ\rلأنك شمسٌ والملوك كواكبٌ ... إذا طلعَتْ لما يَبدُ منهنَّ كوكبُ\rأخذ النابغة هذا من قول شاعرٍ قديم من كندة: الطويل:\rتكادُ تَمِيد الأرض بالناس إنْ رَأوا ... لعمرو بن هند غَضبَة وهو عاتِبَ\rهو الشمس وافَتْ يوم دَجْنٍ فأفضلَتْ ... على كل ضوءٍ والملوكُ كواكبُ\rقار يزيد بن معاوية لجميل بن أوس، وكان أكرمه واجتباه: لم كرِهْت الإفراط في تقديمي، وتطامَنْتَ عن الدرجة التي سما بك إليها مكانك مني؟ فقال: أيّدَ الله سلطانك، وأعلى مكانك، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب، والعقول والألباب، كانوا أطول أعماراً منّا، وأكثر للزمان صُحْبة، وأكثر للأيام تجربة، وقد قال الحكيم: بقدر الثواب عند الرّضا يكون العقاب عند السخط، وبقَدْر السموّ في الرفعة تكون وَجْبة الرفعة، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة، ولا يقبل النصيحة، وأنا يا أمير المؤمنين، وإن كنت آمناً من التعرض لسُخْطِك والدنوِّ ممّا يقرب منه، فلستُ بآمِنٍ من طَعْنِ المُساوِي في الدرجة عندك، وحقر المشارك لي في المنزلة منك، وليس من تقديمك قليل، ولا من تَعْظِيمك يسير، فإن أقل ذلك فيه النباهة، والفخر، والثناء، والذكر، وحسبي مما بذلته من أموالك استحقاقي عندك لإكرامك، وحسبي من تقديمك خالص رضاك، وصفاء ضميرك.\rمختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر\rلما جُعِل الإسكندر في تابوت من ذهبٍ تقدّم إليه أحدُهم فقال: كان الملك يخبأُ الذهب، وقد صار الآن الذهبُ يخبؤه، وتقدم إليه آخر، والناسُ يبكون ويجزعون، فقال: حرَّكنا بسكونه، أخذه أبو العتاهية فقال: الخفيف:\rيا عليّ بْنَ ثابت بانَ منّي ... صاحبٌ جَلَّ فَقْدُه يوم بنتا\rقد لَعَمْرِي حكيتَ لي غُصَص المو ... تِ وحرَّكْتَني لها وسَكَنْتَا\rوتقدّم إليه آخر فقال: كان الملِكُ يعِظُنا في حياته، وهو اليومَ أوعظُ منه أمسِ. أخذه أبو العتاهية فقال: الوافر:\rوكانت في حياتك لي عِظَاتٌ ... وأنتَ اليومَ أوْعَظُ منك حيّا\rوتقدّم إليه آخر فقال: قد طاف الأرَضينَ وتملّكها، ثم جُعل منها في أربعة أذرع. ووقف عليه آخر فقال: ما لك لا تُقلّ عضواً من أعضائك، وقد كنت تستقلّ ملكَ العباد؟ ووقف عليه آخر فقال: انظرْ إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجَلَى. وقال آخر: ما لك لا ترغَبُ بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ترغبُ بها عن رحب البلاد! وقال آخر: كان الملك غالباً فصار مغلوباً، وآكلاً فصار مأكولاً. وقال آخر: أمَاتَ هذا الميتُ كثيراً من الناس لئلاّ يموت، وقد ماتَ الآن. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك في التجبّر أمس، مع شدّةِ خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أنَّ غالب أبي يُغلَب. وقال رئيس الطباخين: قد نضدت النضائِدُ، وأُلقيت الوسائد، ونُصِبت الموائد، ولستُ أرى عميدَ المجلس!.\rجملة من كلام ابن المعتز\rفي الفصول القصار في ذكر السلطان","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"أشْقَى الناس بالسلطان صاحبه، كما أنّ أقربَ الأشياء إلى النارِ أسرعُها احتراقاً. لا يُدْرِكُ الغني بالسلطان إلا نفس خائفة، وجِسْمٌ تعِب، ودينٌ متثلم. إن كان البحرُ كثير الماء فإنه بعيدُ المَهْوى، ومَنْ شارك السلطانَ في عزّ الدنيا شاركه في ذُلّ الآخرة. فسادُ الرعية بلا ملك كفسادِ الجسم بلا رُوح، إذا زادك السلطان تأنيساً فزِدْهُ إجلالاً. مَنْ صحب السلطانَ صبر على قسْوته كصَبْرِ الغوَّاص على ملوحة بَحْرِه. الملك بالدين يبقى، والدينُ بالمُلكِ يَقْوى. من نصح لخدمة نصحَتْه المجازاة. لا تلتِبس بالسلطان في وقت اضطرابِ الأمور عليه؛ فإن البحر لا يكادُ يسلم صاحبه في حالِ سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه، واضطراب أمواجِه؟.\rومن كلام أهل العصر\rوغيرهم في هذا النحو\rالأوطانُ حيث يعدل السلطان. إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة، فلها البُشرى بالعز والإمارة. آخر بالملك العادل أن يستقل سريرَه في سُرّة الأرض، ريحُ السلطان على قوم سَمُوم، وعلى قوم نَسيم. أخْلِقْ بدم المستخفّ بالجبابرة أن يكون جُبَاراً. من غمس يده في مال السلطان فقد مشى بقدمه على دَمه. الملك خليفةُ الله في عبادِه وبلادِه، ولن يستقيم أمرُ خلافته مع مخالفته. الملك مَنْ ينشرُ أثواب الفضل، ويبسطُ أنواعَ العدل. السلطانُ كالنارِ: إنْ باعدتها بطل نَفْعُها، وإن قاربتها عَظُم ضررها. إقبالُ السلطان تَعَب وفِتْنَةٌ، وإعراضُه حسرة ومذلّة. صاحبُ السلطان كراكب الأسد يهابُه الناسُ وهو لمركبه أهيبُ. السلطانُ إذا قال لعمّاله: هاتوا، فقد قال لهم: خذوا ثلاثة لا أمان لهم: السلطان، والبحر، والزمان. ليكن السلطان عندك كالنار: لا تدنُو منها إلا عند الحاجة إليها، وإن اقتبست منها فعلى حذر. مثل أصحاب السلطان كقوم رَقُوا جبلاً ثم وقعوا منه، فكان أقربُهم إلى التلف أبعدَهم في المرقى. مثل السلطان كالجبل الصَعْب الذي فيه كلُّ ثمرة طيبة، وكل سَبْع حَطوم، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشدّ. لئن عزَّ الملوك في الدنيا بالجور ليذلُن في الآخرة بالعدل.\rلابن عَبَّاد الصاحِبِ: الوافر:\rإذا ولاّك سلطانٌ فزده ... من التعظيمِ واحْذَرْهُ ورَاقِبْ\rفما السلطانُ إلا البحرُ عظماً ... وتربُ البحر مَحْذُورُ العَواقِبْ\rووصف أحمد بن صالح بن شيران جاريةً كاتبة فقال: كأَنَّ خطها أشكال صورتها، وكأن مِدَادَها سوادُ شعرها، وكأن قرطاسها أًدِيمُ وَجْهِها، وكأنَّ قلمَها بعضُ أناملها، وكأن بنانَها سِحْرُ مقلتها، وكأن سِكّينها غُنج لحظها وكأن مِقطَعها قلبُ عاشقها.\rوقال بعضُ الكتّاب يصف غلاماً كاتباً: الكامل:\rانظرْ إلى أثرِ المداد بخدهِ ... كبنفسج الروْضِ المَشُوبِ بِوَرْدِهِ\rما أخطأتْ نُونَاتُهُ من صُدْغِه ... شيئاً، ولا أَلفِاتُه مِنْ قدِّهِ\rألقَتْ أناملُه على أقلامهِ ... شَبهاً أراك فِرْندَها كفِرندِه\rوكأنما أنقاسُه من شَعره ... وكأنما قِرْطَاسه من خدِّهِ\rوقال أحمد بن أبي سمرة الدارمي فيما ينظر إلى هذا من طَرْف خَفي: الطويل:\rسَرَابُ الفيافي صادقٌ عند وعدها ... وسمُّ الأفاعي مُبْرِئ عند صدّها\rرمتني ولم أَسْعَدْ بأيام وَصْلها ... بعينيْ مَهَاةٍ أَنْحَستْنِي ببُعْدِها\rفَعُلقها قلبي كما تعلّقت ... صوالج صدغيها بتفَّاح خَدِّها\rفقلبيَ لَمَّا أضعفته كخصرها ... ودمعيَ لَمَّا نَظمته كعقدها\rونيل الثُّريَّا ممكنٌ عند وصْلها ... وأسرعْ من برق تناقضُ وعدها\r؟من إنشاء بديع الزمان","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"رقعة كَتبها بديع الزمان إلى ابن العميد يستنجزه: أين تكرّم الشيخ العميد أيَّده اللَّهُ على مولاه؟ وكيف معدله إلى سِوَاه؟ أيقصر في النعمة، لأني قصّرت في الخدمة؟ إذَنْ فقد أساء المعاملةَ، ولم يحسن المقابلة، وعثر في أذيال السهْوِ، ولم ينعش بيدِ العفو، أم يقول: إن الدهر بيننا خُدَع، وفيما بعد مُتّسع، فقد أزف رَحِيلي، ولا ماء بعد الشط، ولا سطح وراء الخط؛ أم ينتظر سؤالي؟ وإنما سألته، يوم أمّلته، واستمنَحتُه، يوم مدحته، واقتضيته، يوم أتيته، وانتجعت سحابه، بما قرعت بابَه، وليس كل السؤال أعْطِني، ولا كل الردّ أعْفِني؛ أم يظن - أيّده الله تعالى - أني أرد صِلَته، ولا ألبَس خلعته؟ وهذه فراسة المؤمن إلا أنها باطلة، ومَخِيلة العارف إلا أنها فاسدة؛ أم ليس يجد فيَّ مكاناً للنعمة يضعُها، وأرضاً للمنة يزرعها؟ فلا أقلّ من تجربة دفعة، والمخاطرة بإنفاذ خلعة، ليخرج من ظلمة التخمين، إلى نور اليقين، وينظر أأشكر أم أكفر؛ أم يتوقع - أيّده اللِّه - صاعقة تملكني، أو بائقة تهلكني، فلهذا أمَلٌ موفر؛ لأن شيخ السوء باق مُعَمَّر؛ أم يقدر - أيّده الله - أني أشكره إذا اصطنع، وأعذره إذا منع، وتاللهِ لو كنت ينبوع المعاذِير ما حظي منها بجرعة، فليُرحني بسُرعة.\rوكتب أبو القاسم الهمذاني إلى البديع: قد كتبت لسيدي حاجة إن قضاها وأمضاها، ذاق حلاوة العطاء، وإن أباها وفَل شَباها لَقِي مرارةَ الاستبصاء، فأي الجودين أخفّ عليه. أجُودٌ بالعِلْق، أم جودٌ بالعرض؟ ونزول عن الطريف، أم عن الخلق الشريف؟.\rفأجابه: جعلت فداك هذا طبيخ، كله توبيخ، وثريد، كله وَعيد، ولُقم، إلا أنها نِقَم، ولم أر قِدراً أكثرَ منها عظماً، ولا آكلاً أكثر مني كَظْماً، ولم أرَ شَرْبة أمرّ منها طعماً، ولا شارباً أتمَّ مني حلماً، ما هذه الحاجة؟ ولتكن حاجتك من بعدُ ألينَ جوانب، وألطفَ مطالب، توافق قضاءَها وترافق ارتضاءَها، إن شاء الله تعالى.\rوفي مقامات أبي الفتح الإسكندري من إنشائه، قال: حدّثنا عيسى بن هشام قال: أحلّني جامعَ بخارى يوم، وقد انتظمت مع رُفْقةٍ في سِمْط الثريّا، وحين احتفل الجامعُ بأهله طلع علينا ذو طِمْرَين، قد أرسل صُوانا، واستتلى طِفْلاً، عُرْياناً، يضيق بالضرّ وُسْعه، ويأخذهُ القُرُّ ويَدَعُه، لا يملك غَيْرَ القِشرة بُرْدَة، ولا يلتقي لَحْياه رِعْدَة، ووقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلا مَنْ رحم طفله، ولا يرقُّ لهذا الضرّ إلا مَنْ لا يأمنُ مثله، يا أصحاب الجُدُود المفروزة، والأرْدِية المطروزة، والدور المنجَّدة، والقصور المشيِّدة، إنكم لن تأمنوا حادثاً، ولن تعدموا وارثاً، فبادِرُوا الخيرَ ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما أحسنَ، فقد واللَّه طعِمْناَ السِّكْبَاج، وركبنا الهِملاج، ولبسْنا الديباج، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلا هبوبُ الدهر بغَدْرِه، وانقلاب المجنّ لظهره، فعاد الهِمْلاج قَطوفاً، وانقلب الديباج صُوفاً، وهلمّ جرّاً، إلى ما تشاهدون من حَالي وزيّي؛ فها نحن نرضع من الدهر ثَدْيَ عقيم، ونركَب من الفقر ظهر بَهيم، ولا نَرْنُو إلا بعين اليتيمِ، ولا نمدّ إلا يد العديم، فهل من كريم يجلو عنّا غياهب هذه البؤوس، ويفلُّ شَبا هذه النحُوس؟. ثم قعد مرتفقاً، وقال للطفل: أنت وشأنك. فقال: وما عسى أن أقول، وهذا الكلامُ لو لقي الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقَه، وإنّ قلباً لم يُنْضِجْه ما قلت لَنيءٌ! قد سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كلّ منكم بالجود يده، وليذكر غَدَه، وَاقياً بي ولدَه، واذكروني أذكركم، وأعطوني أشكركم!.\rقال عيسى بن هشام: فما آنَسني في وَحْدتي إلا خاتم ختّمت به خنصره، فلمّا تناوله أنشأ يقول: مجزوء الكامل:\rوممنْطَقٍ من نفسهِ ... بقلادَةِ الجوزاءِ حُسْنا\rكمتيم لَقِي الحبي ... ب فضمَّه شغفاً وحزنا\rمتألفٍ من غير أُس ... رتِه على الأيام خِدْنَا\rعِلْق سَنيّ قَدْرُهُ ... لكنَّ مَنْ أهداهُ أسْنَى\rأقسمت لو كان الوَرَى ... في المَجْدِ لفظاً كنتَ مَعْنَى","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"قال عيسى بن هشام: فتبعته حتى سَفَرَت الخَلوَة عن وجههِ، فإذا والله شيخنا الإسكندري، وإذا الصبيّ غلام له، فقلت: المتقارب:\rأبا الفتح شِبْتَ وشب الغلام ... فأَين الكلامُ، وأين السلام.\rفقال:\rغريباً إذا جمعتنا الطريق ... أليفاً إذا نظمتنا الخيام\rفعلمت أنه كره لقائي، فتركته وانصرفْتُ.\r؟شعر في وصف فص وخاتم\rوقال أبو الفتح كشاجم يصف فصاً: الكامل:\rسَاجِلْ بفصّك مَنْ أرَدْت وباهِهِ ... فكفى به كمداً لقلبِ الحاسِدِ\rمتألّق فيه الفِرِنْد كأنهُ ... وجهي غداة ندًى وضَيْفٍ قاصدِ\rلو أَنَّ ظَمْأَى منه عُلّت لارْتَوَتْ ... من ماء جوهرِهِ المَعينِ الباردِ\rبَهَر العيونَ إضاءةً في رِقّةٍ ... فكأنني مختّم بعُطاردِ\rوقال بعضُ المحدَثين يصف خاتماً: الخفيف:\rووحِيدُ الكِيان صِيغَ بديعاً ... فإذا تمَّ صِيغَ من جوهَريْنِ\rخَلَعَتْ خَجْلة الخدودِ عليهِ ... خِلَعاً قد لبسْن فوق اللّجينِ\rفإذا ما رأيتَه في بنانٍ ... قد كساها من حُسْنِه حُلّتين\rقلت نجْمٌ هَوَى من الجوِّ ... حتى صار مَجرى بُروجه في اليَدَيْنِ\rوقال البحتري يستَهْدي المعتزَّ فصّاً: الطويل:\rفهل أَنتَ يا ابنَ الراشِدِين مُخَتِّمي ... بياقوتةٍ تَبْهَى عليًّ وتُشْرِقُ\rيغارُ احمرار الوَرْدِ مِنْ حُسْنِ صِبْغِها ... وَيحْكيه جادِيُّ الرحيقِ المُعَتق\rإذا برزَتْ والشمسُ قلتُ تَجَارَتا ... إلى أَمَدٍ أو كادتِ الشمسُ تَسْبُقُ\rإذا التهبت في اللَّحْظِ ضاهَى ضياؤها ... جبينَكَ عند الجُودِ إذْ يتألَقُ\rأُسَرْبَلُ منها ثوبَ فَخْرٍ مُعَجَّلٍ ... فيبقى بها ذِكرٌ على الدهر مُخْلِقُ\rوعلى ذكر الخاتم قال أبو الفتح كشاجم: الطويل:\rعرَضْنَ فعرَّضْنَ القلوبَ مِنَ الهوى ... لأسْرَعَ من كَيّ القلوب على الجَمْرِ\rكأن الشفاه اللُّعْسَ منها خواتِمٌ ... من التِّبْر مختومُ بهن على الدُّر\rوقال الناظم:\rيَروعُ مُنَاجِيه بهارُوتِ لحظِهِ ... ويُؤْنِسُه منه بصُورةِ آدمِ\rترى فيه لاماً فردةً فوق وَرْدَةٍ ... وفضَّاً من الياقوت من فوق خَاتمِ\rبين الكلام والصمت\rوقال أبو تمام الطائي: تذاكرْنَا في مجلس سعيد بن عبد العزيز الكلامَ وفضله، والصمتَ ونُبْله، فقال: ليس النَّجْمُ كالقمر؛ إنك إنما تمدحُ السكوتَ بالكلام، ولا تمدحُ الكلامَ بالسكوت، وما أنبأ عن شيء فهو أكبرُ منه.\rقال الجاحظ: كيف يكونُ الصمتُ أنْفَعَ من الكلام، ونفعُه لا يكادُ يجاوزُ صاحبَه، ونَفْعُ الكلام يعتم ويخصّ، والرواةُ لم تَرْوِ سكوتَ الصامتين، كما روت كلام الناطقين؛ فبالكلام أرسل الله تعالى أنبياءَه لا بالصَّمْتِ، ومواضعُ الصَّمْتِ المحمودةُ قليلة، ومواطنُ الكلام المحمودةُ كثيرةٌ، وبِطول الصَّمْت يَفْسُد البيان. وكان يقال: محادثةُ الرجال تلقيحٌ لألبابها.\rوذُكِر الصمتُ في مجلس سليمان بن عبد الملك فقال: إن مَنْ تكلم فأَحسن قَدَر أنْ يسكتَ فيُحْسِن، وليس مَنْ سكت فأَحسن يتكلمُ فيُحْسِن.\rقال بعضُ النسّاك: أسكتتني كلمةُ ابن مسعود عشرين سنة؛ وهي: من كان كلامُه لا يوافِق فعله فإنما يوبّخ نَفْسَه.\rالحنين إلى الوطن\rقال أبو عَمْرو بن العلاء: مما يدلُ على حرية الرجل وكرم غريزته حنينُه إلى أوطانه، وتشوّقه إلى متقدم إخوانِه، وبكاؤه على ما مضى من زَمَانِه.\rوقالوا: الكريم يحنُّ إلى جنابه، كما يحنّ الأسدُ إلى غابِهِ.\rوقالوا: يشتاق اللبيبُ إلى وطنه، كما يشتاق النجيب إلى عَطَنه.\rألفاظ لأهل العصر في ذكر الوطن\rبلد لا تُؤْثِر عليه بلداً، ولا تَصْبِر عنه أبداً. هو عشُّه الذي فيه دَرجَ، ومنه خرجَ. مجمع أُسرته، ومقطع سُرَّتِه. بلد أنشأته تربتُه، وغذاه هواؤه، وربّاه نسِيمُه، وحُلَّت عنه التمائِمُ فيه.","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"قالوا: وكان الناسُ يتشوّقون إلى أوطانِهم، ولا يفهمون العلِّةَ في ذلك، حتى أوضحها علي بن العباس الرّومي في قصيدةٍ لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستَعدِيه على رجل من التجَار، يعرف بابن أبي كامل، أجبَره على بَيْع داره واغتصبه بعض جُدرها، بقوله: الطويل:\rولي وطنٌ آليتُ إلا أَبيعهُ ... وألاّ أرى غيري لهُ الدهر مالِكا\rعهِدتُ به شَرْخَ الشبابِ ونعمةً ... كنِعْمَةِ قوم أصبحُوا في ظِلالكا\rوحبّب أوطانَ الرجال إليهمُ ... مآرِبُ قضَّاها الشبابُ هُنالكا\rإذا ذَكَروا أوطانَهم ذكَّرْتُهُم ... عهودَ الصبَا فيها فحنُّوا لذلكا\rقد ألِفَته النفسُ حتى كأنهُ ... لها جَسَدٌ إن بانَ غُودِرَ هالكا\rيقول له فيها:\rوقد عزّني فيها لئيمٌ وسامَني ... فقال ليَ أجْهَدْ فيَّ جَهْدَ احْتِيالِكا\rوما هُو إلا نسجُك الشَعر ضلّة ... وما الشعرُ إلا ضلّة من ضلالِكا\rبصيرٌ بِتَسْآل الملوك، ولم يكن ... بعار على الأحرار مِثل سُؤَالِكا\rوإني وإن أضْحَى مُدِلاًّ بمالِه ... لآملُ أن أضْحى مُدِلاًّ بمالِكا\rفإن لم تُصِبْني من يمينك نِعْمَةٌ ... فلا تُخْطِئَنْهُ نقمةٌ من شِمالكا\rفكم لقي العافون بَدْءاً وعودَةً ... نوالَكَ والعَادون مُرَّ نكالِكا\rوقال علي بن عبد الكريم النصيبي: أتاني أبو الحسن بن الرومي بقصيدته هذه، وقال: أَنصفني، وقل الحقّ: أيهما أحسن قولي في الوطن أو قول الأعرابي: الطويل:\rأحَبُّ بلادِ الله ما بين مَنْعِجٍ ... إليّ وسلمى أن يَصُوبَ سحابُها\rبلادٌ بها نيطَتْ عَلَيَّ تمائمي ... وأوَّل أرضٍ مَسَّ جِلْدِيً ترَابُها\rفقلت: بل قولك، لأنه ذكر الوطنَ ومحبّته، وأنت ذكرتَ العلّة التي أوجبتْ ذلك.\rوقال ابنُ الرومي أيضاً يتشوّق إلى بغداد، وقد طال مقامه بسُرّ من رأى: الكامل:\rبلدٌ صحِبْتُ به الشبيبة والصبا ... ولَبِسْتُ ثوبَ العيشِ وهو جديدُ\rفإذا تمثَّلَ في الضمير رَأيتُهُ ... وعليه أغصانُ الشبابِ تَميدُ\rوقال أبو العباس: ولما احتفل القائل في هذا المعنى السابق إليه قال:\rبلادٌ بها حَلَّ الشبابُ تمائمي\rوقد تقدّم. وإذا كانت تمائمه قطعت بأبرق العَزّاف، وكان الترابُ الذي مَسَّ جلدَه ترابَ جزيرة سيراف، وجب أَن يحنّ إليه حنينَ المتأسفين على غُوطَةِ دمشق، وقصور مدينة السلام، ونجف الجزيرة، ومستشرفِ الخورْنَق، وجَوْسق سرّ مَن رأى، لَمَّا بعد عنها، وطال مقامه بغيرها، كلاّ، ولكن هذا الرجل علم أن الحنينَ إلى الأوطانِ لما تُذَكِّر من معاهد اللّهو فيها، بحدّة الشباب الذي ذكر أنَّ غول سَكْرَته، يغطي على مقدار فضيلته، في قوله: الكامل:\rلا تلْحَ مَنْ يَبْكي شبيبتَه ... إلاَّ إذا لم يَبْكِها بدَمِ\rعَيْبُ الشبيبة غولُ سَكْرَتها ... ومِقْدَار ما فيها من النِّعَم\rلَسْنَا نراها حقَّ رُؤيتها ... إلاَّ أوان الشيبِ والهَرَمِ\rكالشمس لا تبدو فضيلتُها ... حتى تُغَشَّى الأرضُ بالظُّلَمِ\rولَرُبَّ شيءٍ لا يبَيّنه ... وجدانه إلاَّ مع العَدَمِ\rأخذها هذا من قول الطائي: السريع:\rراحَتْ وفودُ الأرضِ عن قبره ... فارِغَةَ الأيدي مِلاءَ القلوبْ\rقد علمت ما رُزئت، إنما ... يُعْرَفُ فَقْدُ الشمس بعد الغروبْ\rوأخذ ابنُ الرومي قولَه في صفة الوطن قول بشَار: الطويل:\rمتى تعرفِ الدارَ التي بَانَ أهلها ... بِسُعْدَى فإن العهدَ منك قريبُ\rتذكّرُك الأهواء إذا أنعتَ يافعٌ ... لديها فمغْنَاهَا لديك حَبيبُ\rأو من قول بعض الأعراب: الطويل:\rذكرتُ بلادي فاستهلَّت مَدَامِعي ... بشوقي إلى عَهْدِ الصبا المتقادِمِ\rحَنَنْتُ إلى أرضٍ بها اخضرّ شاربي ... وقُطِّع عني قَبل عقد التمائم\rوأنشد ثعلب من لرجاء بن هارون العكيٍ: الطويل:","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"أَحِنُّ إلى وادِي الأراكِ صبابةً ... لعَهْدِ الصِّبا فيه وتذكارِ أولِ\rكأنَّ نسيمَ الريحِ في جَنَباتِه ... نسيمُ حبيب أو لقاءُ مؤمّلِ\rقال أبو بكر الصولي: ولست أشكُّ أنه من قول رجاء أخذ، وبه ألمّ، وعليه عَوَّل؛ لأنه في تناولهِ المعنى غريبُ الأخذ، عائِر السَّهْم، لا يعارض معنى معروفاً إذا أنشد علم الناسُ أنه مَعْدِنه الذي انتحته منه.\rوقد اختُلِس معنى قول ابن الرومي: الطويل:\rفقد أَلِفَتْهُ النفْسُ حتى كأنه ... لها جسدٌ إن بانَ غُودِرَ هَالِكا\rأخذه علي بن ححمد الإيادي وقال فأَحسن الأخْذَ ولطف في السرقة: السريع:\rبالجزْع فالخَبْتَينِ أَشْلاء دارْ ... ذات ليال قد تَوَلَّت قِصارْ\rبانوا فمَاتت أسفاً بعدهم ... وإنما الناسُ نفوسُ الديارْ\rوقال أعرابي: الطويل:\rأيا حبّذا نجدٌ وطِيبُ ترَابِهِ ... تصافِحُه أَيدِي الرياحِ الغرائبِ\rوعهدُ صباً فيهِ ينازعُكَ الهوى ... كذلك أترابٌ عِذَابُ المشاربِ\rتنالُ المنَى منهنّ في كل مطلب ... عِذَابُ الثنايا وارداتُ الذوائبِ\rوقال ابن ميّادة يخاطبُ الوليدَ بن يزيد: الطويل:\rألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً ... بحرَّة ليلى حيث ربَّتني أهْلي\rبلادٌ بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي ... وقُطِّعنَ عني حين أدْرَكَني عقْلي\rفإن كنتَ عن تلك المواطن مانعي ... فأَفْشِ عليَّ الرزقَ واجْمَعْ إذاً شملي\rوقال سوار بن الصرير، ورويت لمالك بن الريب: الوافر:\rسقى الله اليمامة من بلادٍ ... نوائحُها كأَرْوَاحِ الغواني\rوجوّاً زاهِراً للريح فيهِ ... نَسِيمٌ لا يَرُوعُ الترْب وَاني\rبه سُقْتُ الشباب إلى زمانٍ ... بقبّح عندنا حسنَ الزمانِ\rوقال: أعرابي: الوافر:\rأقول لصاحبي والعيسُ تَخْدِي ... بنا بَيْن المُنِيفة فالضِّمارِ\rتَمتَّعْ مِن شَمِيم عَرار نَجْدٍ ... فما بَعْدَ العشِّيةِ مِنْ عرارِ\rألا يا حبَّذا نفحات نَجد ... وريَّا رَوْضِه غبَّ القِطار\rوأهلك إذ يحلّ القوم نجدا ... وأنت على زمانِك غيرُ زَارِ\rشهور يَنْقَضِينَ وما شعرْنا ... بأنصافٍ لهن ولا سِرَارِ\rوهذا البيت كقول الآخر:الطويل:\rسقَى اللهُ أياماً لنا قد تتابعت ... وسَقْياً لعَصْرِ العامرية من عَصْرِ\rلياليَ أُعطَيتُ البَطالَة مِقْوَدِي ... تمرُّ الليالي والشهورُ ولا أَدْرِي\rوتخلَّفَ سليمان عن نصرة ابن الرومي، فذاك الذي هاجه على هجائه، فمن ذلك قوله، وقد خرج في بعضِ الوجوه فرجع مهزوماً: السريع:\rجاء سليمانُ بني طاهرٍ ... فاجتاح معتز بني المعتَصِمْ\rكأن بغدادَ وقد أبصرتْ ... طلعته نائحةٌ تلتَدِمْ\rمستقبل. منه وَمستَدبر ... وجه بخيلٌ وقفاً منهزِمْ\rوقال: المنسرح:\rقِرْن سليمانَ قد أضرَّ بِه ... شوقٌ إلى وجْهِه سيتلفهُ\rكم يَعِدُ القِرْنَ باللقاءِ وكَمْ ... يكذبُ في وَعْدِه ويخلفهُ\rلا يعرف القرْنُ وجْهَه ويرى ... قَفَاه من فَرْسَخِ، فيعرِفهُ\rوقد أخذ هذا المعنى من قول بعض الخوارج، وقد قال له أبو جعفر المنصور: أَخْبِرْني أي أصحابي كان أشدّ إقداماً في مُبارزتك، فقال: ما أعرفُ وجوههم، ولكنني أعرفُ أقفاءهم، فقل لهم يدبروا أعرِّفك.\rوفي هذه المنازعة يقول ابن الرومي لمواليه بني هاشم وكان ولاؤه لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور: الطويل:\rتَخِذْتُكُمُ دِرْعاً عليَّ لتَدْفَعُوا ... نِبَال العِدى عنِّي فكنتمْ نِصَالَها\rوقد كنتُ أرجو منكم خَيْر ناصِر ... على حين خِذْلاَن اليمين شِمالها\rفإن أنتمُ لم تحفظوا لمودَّتي ... ذِماماً فكونوا لا عليها ولا لَهَا\rقِفُوا موقفَ المعذور عني بمعزل ... وخَلُّوا نِبَالي والعِدَا ونبالها","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"ألفاظ لأهل العصر\rفي وصف الأمكنة والأزمنة\rبلدة كأنها صورةُ جنَة الخلد، منقوشة في عَرْضِ الأرض. بلدةٌ كأن محاسنَ الدنيا مجموعةٌ فيها، ومحصورة في نواحيها. بلدة كأن ترابَها عنبر، وحَصباءها عقيق، وهواءها نسيم، وماءها رَحِيق. بلدةٌ معشوقة السُّكْنَى، رَحْبَةُ المَثْوى، كوكبُها يقظان، وجَوّها عُريان، وحَصَاها جَوْهر، ونسيمُها مُعَطّر، وترابها مِسْك أذفر، ويومها غداةٌ، وليلها سَحر، وطعامها هنيّ، وشرابها مَرِيّ. بلدة واسعةُ الرقعة، طيبة البقعة، كأنّ محاسن الدنيا عليها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، واسطة البلاد وسرّتها، ووجهها وغرّتها.\rولهم في ضد ذلك: بلد مُتَضايِقُ الحدود والأفنية، متراكب المنازلِ والأبنية. بلد حرُّها مؤذٍ، وماؤها غير مغذ. بلدة وَسخة السماء، رَمِدة الهواء، جوها غبار، وأرضها خَبَارٌ، وماؤُها طين، وترابُها سِرْجِين، وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز، فكم في شمسها من محترق، وفي ظلها من غَرق. بلدة ضيقة الديار، سيئة الجوار، حيطانها أخْصَاص، وبيوتها أقفاص، وحُشُوشها مسايل، وطرقها مَزَابل.\rولهم في صفات الحصون والقلاع: حصن كأنه على مَرْقَب النجم، يحسر دونه الناظر، ويقصر عنه العُقابُ الكاسِرُ يكادُ مَنْ علاَه يغرق في حوض الغمام. حصن انتطق بالجوزاء، وناجَتْ أبراجُه بُرُوجَ السماء. قلعة حلَّقت بالجو تُناجِي السماء بأسرارها. قلعة بَعُدَ في السماء مُرْتَقاها، حتى تساوى ثَرَاها مع ثريّاها. قلعة تتوشح بالغيوم، وتتَحلَّى بالنجوم. قلعة عالية على المرتقى، صمَّاء عن الرقى، قد جاوزت الجوزاء سَمْناً، وعزلتِ السماك الأعْزل سَمْكاً، هي متناهية في الحصانة، موثوقة بالوثاقةِ، ممتنعة على الطلب والطالب، منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدْها الأيامُ إلا نبوّ أعطاف، واستصعاب جوانب وأطراف، قد ملّ الوُلاةُ حِصَارها، ففارقوها عن طموح منها وشِمَاسٍ، وسئمت الجيوشُ ظلَّها، فغادَرَتْها بعد قنوطٍ ويأسٍ، فهي حِمًى لا يُرَاغ، ومَعْقِل لا يُستطاع، كأَنَّ الأيام صالحَتها على الإعفاء من الحوادث والليالي عاهَدتها على التسليم من القوارع. قلعة تَحْوي من الرَِّفْعَةِ قَدراً لا تستهان مواقعه، وتلوي في المنعة جيداً لا تستلان أخادِعه، ليس للوَهم قبل القدوم إليها مَسْرَى، ولا للفكْرِ قبل الخَطْو نحوها مَجْرى.\rولهم في صفات القصور والدور: قصر كأن شُرُفَاته بين النَّسْر والعَيُّوق، كأنه يُسَامِي الفَرْقَد، وقد اكتسَتْ له الشِّعرى العَبور ثوبَ الغيور. قصر طال مَبْنَاه، وطاب مَغناه؟ كأنه في الحَصَانة جبلٌ مَنيع، وفي الحسن رَبيع مَرِيع. شُرُفَات كالعذارى شَدَدْن مناطقها، وتوجّن بالأكاليل مفَارِقَها. قَصْرٌ أقرّت له القصورُ بالقُصور، كأنه سَحَاب في بحو السماء. دار قَوْرَاء تُوسِع العينَ قُرة، والنفس مسرّة. كأنَّ بانيها استسلف الجنّة فعُجِّلت له. دار تخجل منها الدور، وتتقاصَرُ عنها القصور، إن مات صاحبُها مغفوراً له فقد انتقل مِن جنة إلى جنة. دار قد اقترن اليُمْن بيمناها، واليُسْر بيُسْراها، الجسومُ منها في حَضَر، والعيون على سَفَر. دار هي دائرة الميامن، ودَارَة المحاسن. دارٌ دارَ بالسعد نجمُها، وفاز بالحسن سَهْمها، دار يخدمها الدهر، ويأويها البَدْرُ، ويكنفها النَّصر، هي مَرْتَع النواظر، ومتنفَّس الخواطر. دارٌ قد أخذت أدواتِ الجِنَان، وضحكت عن العَبْقَريّ الحِسان.\rمن أدب الميكالي نثراً وشعراً\rفصل لأبي الفضل الميكالي إلى بعض إخوانه\rما ابتدأتُ بمخاطبة سيدي حتى سرَتِ المسرّةُ في نفسي، وقوِيَتْ أركانُ بَهْجَتي وأُنسِي، وحتى أقبَلَتْ وجوهُ الميامن تتهلَّل إلي، وبدَرُ المساعِد تنثالُ عليّ، وكيف لا يملكني الجذَل والفرح، وكيف لا يهزُني النشاطُ والمَرَح، وقد زففْتُ وُدِّي إلى كُفْء كريم، وعرضته لحظٍّ من الجمال جسيم، وأَرجو أَن يرِدَ منه على حُسْنِ قبولٍ وإقبال، ويَحْظَى من ارتياحه له ببُرْدِ اشْتِمَال، ويُصادف من اهتزازِهِ وإنشائه، وعمارته وإنمائه، وتحصين أطرافه من شوائب الخلل، وشوائن الوَهن والميل، وما تستحكم به مَرَائر الوِصَال، وتؤمن على قُوَاها عَوَادِي الانتقاض والانحلال.","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"وله: إذا لم يُؤْتَ المرءُ في شكر المنعم إلاَّ من عِظَمِ قَدْرِ الإنعام والاصطناع، واستغراقه منه قُوَى الاستقلال والاضطلاع، فليس عليه في القصور عن كُنْهِ واجبه عَتْب، ولا يلحقه فيه نقيصةٌ ولا عَيْبٌ. ولئن ظهر عَجْزِي عن حق هذه النعمة فإني أحِيل بحسن الثناء على من لا يُعْجِزه حمله، ولا يؤُوده ثقله، ولا يزكو الشكرُ إلا لدَيْه، ولا تُصْرَفُ الرغبَةُ إلا إليه، والله يُبقِيه لمجدٍ يقيم أعلامَه، وفَضْل يَقْضِي ذِمَامَه، وعُرْفٍ يَبثّ أقسامه، ووليّ يوالي إكرامه، وعدوٍّ يُديمُ قمعَه وإرْغَامَه.\rوله: ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقَّها لمشيت إلى حضرته - آنسها الله تعالى - حَبْواً لا على القَدم، ولآثرْت فيه خدمة اللسان على خِدْمة القلم، ولما رضيت له بباعي القصير، وعبارتي الموسومة بالعجز والقصور، حتى أَستعير فيه ألسِنةً تحملُ شكراً وثناءً، وتوسِعَ نَشْراً ودعاء، ثم لا أكَونُ بلغتُ مبلغاً كافياً، ولا أبليت عُذْراً شافياً؛ إلا أنّ عدم الإذن ثَبطني عن مقصودِ الغرض، وعاقَني عن الواجب المفترض؛ فأقمتُ عاكفاً على دعاءٍ أرفَعُهُ إلى الله عزَ وجل مبتَهلاً، وأواصله مجتهداً في ليلي ونهاري محتفلاً.\rوله: أحقّ النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة، والقلوب إليها متشوّفة، والأيام بها وَاعِدة، والأقدار فيها مساعدة، حتى استقرّت في نِصَابها، وألقتْ عِصيَّ اغترابها، فهي للنماء والزيادة مترشحة، وبالعز والسعادة متوشحة، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتَهنَة، وباتفاق الكلمةِ والأهواء عليها مرتبطة محصنة.\rوله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين: أقدارُ الله تعالى في خلقِه لم تَزَلْ تختلفُ بين مكروه ومحبوب، وتتصرَّفُ بين مَوْهوب ومسلوب، غاديَةً أحكامُها مَرَّةً بالمصائب والنوائب، رائحة أقسامها تارةً بالعطايا والرغائب، ولكنْ أحسنُها في العيونِ أثراً، وأطيبَها في الأسماع خبَراً، وأَحْرَاها بأن تَكْسِبَ القلوبَ عزاءً وتصبُّراً، ما إذا انْطَوَى نُشِر، وإذا انكسر جُبِر، وإذا أخذ بيد رد بأخرى، وإذا وهب بيمنى سلبَ بيسرى، كالمصيبة بفلان التي قرَّحَتِ الاكباد، وأوهنتِ الأعضاد، وسودت وجوهَ المكارم والمعالي، وصورت الأيامَ في صُور الليالي، وغادرت المجدَ وهو يلبَس حِدَادَه، والعَدْلَ وهو يبكي عِمَادَه، والدين وهو يندب جهاده، حتى إذا كاد اليأسُ يغلبُ الرّجَاءَ، ويردُّ الظنونَ مُظْلِمةَ النواحي والأرجاء، قيَّض الله تعالى من الأمير الجليل مَنِ اجتمعتْ عليه الأهواءُ، ورضِيَتْ به الدهماء، فأسَى به حادِثَ الكَلْم، وسد بمكانِهِ عظيمَ الثلْم، وردَّ الآمال والنفوسَ قد استبدلتْ بالحيرة قوة وانتصاراً، وصارتْ للدولة المباركة أعواناً وأنصاراً.\rومن شعره في تجنيس القوافي، في معان مختلفة: المتقارب:\rإذا لم تكُنْ لمقالِ النصيح ... سميعاً ولا عامِلاً أَنت بهْ\rيُنبًهُكَ الدهرُ من رَقْدَة إل ... مَلاهي وإن قُلْت لا أنتَبِهْ\rوقال: البسيط:\rتفرَّق الناسُ في أرزاقهم فِرَقاً ... فَلآبِس من ثراء المالِ أَوْ عَارِي\rكذا المعايش في الدنيا وساكنها ... مَقْسُومة بين أوعاث وأَوْعَارِ\rوقال: المتقارب:\rحَوَى القِدّ عمْراً فقلت اعتقدْ ... رضاً بالقضاء ولا تحتفدْ\rفإمَّا احتقدت فضاءَ الإلهُ ... فأقبحْ بمحتقد تحت قد\rوقال: الكامل:\rتمت محاسنه فما يُزْرِي بها ... مع فضله ونمائه وكمالِهِ\rإلا قصورُ وجودِه عن جُودِه ... لا عَوْنَ للرجل الكريم كَمَالِهِ\rانصُرْ أخاك إذا اجْتَدَاكَ فَوَاسِهِ ... وإن استغاثك واثقاً بك مَالِهِ\rوقال أيضاً: مخلع البسيط:\rإذا تغديْتُ صَدْرَ يومي ... ثم تأذّيتُ بالغداء\rفقلت إذْ مسَّني أذاهُ ... أرى غدائي أراغ دائي\rوله في هذا الصوغ: مخلع البسيط:\rلنا صديقٌ يُجِيدُ لَقْماً ... راحتُنا في أَذَى قَفاهُ\rما ذاق من كسبه، وَلكنْ ... أذى قَفَاه أذاقَ فَاه\rوقال يهجو رجلاً: المتقارب:","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"يريد يوسِّع في بَيْتِهِ ... ويَأبى له الضيقُ في صَدْرِهِ\rفتَى سَخِطَ النَصْبَ في قِدْرِهِ ... كما رَضِيَ الْخَفْضَ في قَدرِهِ\rيخدّر أوصالً أضيافِهِ ... ولا يُبْرزُ الخُبْزَ من خِدْرِه\rوقال في غير هذا المذهب يصفُ كتاباً ورد عليه: المديد:\rقد أتانا من صديقٍ كلامٌ ... كلآلٍ زانهنَّ نِظامُ\rفسرى في القلب مني سرورٌ ... مطربٌ يعجز عنه المُدام\rمثل ما يرتاح ربُّ بنات ... حوله من جمعهنّ زِحَام\rفرعى الله طويلاً يُرجَى ... خلفاً من نَسْلِه لا يُذامُ\rوأتاه بعد يأسٍ بشير ... قال يا بشراي هذا غلامُ\rوقال يصف الشمع: الطويل:\rوليلٍ كلَوْنِ الهَجْر أو ظُلمةِ الْحِبْرِ ... نصَبْنَا لراجيهِ عموداً من التّبْرِ\rيشقّ جلابيبَ الدُّجى فكأنما ... ترى بين أيدينا عموداً من الفَجر\rيُحاكِي رُواءَ العاشِقينَ بلَوْنِه ... وذوب حشَاه والدّموع التي تجري\rخَلاَ أَنَّ جارِي الدمع ينحله قوي ... وعَهْدي بدَمْعِ العين ينحلّ إذ يجري\rتبدِّى لنا كالغصن قدّاً وفوقهُ ... شعاع كأنَّا منه في ليلة البَدْرِ\rتحمّل نوراً حَتفُه فيه كامِنٌ ... وفيه حياةُ الأنسِ واللّهْوِ لو يَدري\rإذا ما عَلَتْهُ عِلّةٌ جُرَّ رأسه ... فيختالُ في ثوبٍ جديدٍ من العمر\rوقال: مجزوء الرجز أو مجزوء السريع:\rيا ربّ غُصنٍ نورهُ ... يزرِي بنور الشفق\rيظلُّ طولَ عمرهِ ... يبكِي بجفْنٍ أَرِقِ\rنارُ المحبّ في الحشا ... ونارُه في المفرقِ\rلاح لنا في مغربٍ ... فردَّنا في مَشْرِق\rوقال: مجزوء الرمل:\rوقضيبٍ من بنات النح ... ل في قَدِّ الكعابِ\rيُشْبه العاشِقَ في لو ... نٍ ودمعٍ ذي انسكابِ\rكسى الباطن منه ... وهو عريانُ الإهابِ\rفَإذا ما أنعم الأب ... دان ملبوس الثيابِ\rفهو للشقوة منها ... في بلاء وعذابِ\rوقال كشاجم يصف شمعاً أهداها إلى بعض الملوك: الوافر:\rوصُفْرٍ من بناتِ النحْل تُكْسَى ... بواطِنُها وأَظْهُرُها عَواري\rعذارى يُفتضَضْن مِنَ الأعالي ... إذا افتضت من السُّفل العَذارِي\rوأمست تنتج الأضواء حتى ... تلقح في ذوائبها بِنارِ\rكواكب لَسْنَ عنك بآفِلاتٍ ... إذا ما أشرقتْ شمسُ العُقارِ\rبعثْتُ بها إلى مَلِكٍ كريم ... شريف الأصل محمود النِّجار\rفأهديت الضياء بها إلى مَنْ ... محاسنهُ تُضيءُ لكل سَارِي\rوقال: الكامل:\rيَشْقَى الفتى بخلافِ كلّ معاندٍ ... يُؤْذِيه حتّى بالقَذَى في مائِه\rيقذى إذا أصغى الإناء لشُرْبهِ ... ويروغ عنه عِنْدَ سَكْبِ إنائهِ\rوقال: الطويل:\rأُطالِبُ أيامي بإنجازِ مَوْعِدي ... وهَا هِيَ تلوي بالوفَاء وَتجمحُ\rأقولُ عساها أن تلِينَ لمطلبي ... قليلاً فبعضُ الشوك بالمنّ يَسمحُ\rوقال: البسيط:\rأرى وصَالَك لا يَصْفُو لآمِلهِ ... والهجرُ يتبعُه رَكْضاً على الأثرِ\rكالقوس أقربُ سهميها إذا عطفت ... عليه أبعدُها من منزع الوترِ\rأخذ هذا من قول ابن الرومي وذكر رجلاً متلوناً: الطويل:\rرأيتك بينا أنتَ خِلٌّ وصَاحِبٌ ... إذا بك قد ولَيتنا ثانياً عِطْفَا\rوأنك إذْ أحْنى حنوك مُوجِبٌ ... بعاداً لمن بادلْتة الودَّ واللطفَا\rلكالقوس أحنى ما تكونُ إذا انحنَتْ ... على السهم أَنْأَى ما تكونُ له قَذْفا\rوله في نحو ذلك: الطويل:\rتودَّدْت حتى لم أجِدْ متودَّداً ... وأتعبْتُ أقلامي عتاباً مُرَدّدا","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"كأنيَ أستدعي لك ابن حَنِيَّةٍ ... إذا النزع أدْناه من الصدر أبْعَدَا\rوذكر عمر بن علي بن محمد المطوعي أبا الفضل الميكالي في كتاب الله في منظومه ومنثوره فقال: قد أصبحتْ حضرتهُ - لا زالتْ أرِجَةَ الأرجَاءِ بطيبِ شمائِله، راضية الرضا عن صَوْب أنامله - مَوْسِمَ الآمالِ، ومحط الرحال؛ وعَبَدَة أحرار الكلام، كما خدمَتْه أحرارُ الأيام، وَأطاعته المعاني والمعالي، كما أطاعه صَرفُ الأيام والليالي، فهو - أدامَ الله تمكينَه - شهابُ المجدِ الذي لا يخبُو واقده، ورَوْض الكرم الذي لا يجدب رائِدُه؛ إن أردْتَ البلاغةَ فهو مَالكُ عنانها، وفارسُ ميدانها، وناظم دُرَّها ومرجانها، وصائغ لُجَيْنها وعِقْيَانِها؛ وإن أردت السماحةَ فهو محلُّها ومكانُها، وتاريخُها وعنوانُها، ويدُها ولسانُها، وحَدَقتُها وإنسانها، وحديقتها وبُستانُها؛ وإن أردت شرف الأصل والنسب، والجمعَ بين الموروث من المجد والمكتَسب، فناهِيك بأوائله شرفاً سابقاً، وفضلاً باسقاً، ومجداً في فلك الفجر سامقاً، فهم الْجَحاجِحَةُ الغُر، والكواكب الزُهر، ومن بهم يفتخِرُ الفخر، ويتشرف الدهر، زحموا مناكبَ الكواكب من بُعْد أقدارهم، وصكوا فَرْقَ الفرقد وصَدْرَ البَدْرِ بشرف أخطارهم، فما فيهم إلا قمر فَضْلٍ دارَ في فلك علم، وهلال مجدٍ لاح في سماء فَهْم، توارثُوا المجد كابراً عن كابر، وباقياً عن غابر، وسافرت أخبارهم في البُعْد والقُرب. وطارت في أقاصي الشرق والغَرْبِ، وسارَتْ مَسِيرَ الشمس في كل بلد، وهبت هبوبَ الريح في البر والبحر، فهم كما قال أبو عبادة البحتري في الشاه بن ميكال وأهله فأحسن وأجاد وبلغ ما أراد: الطويل:\rبني أحْوَذِي، يغمر الطرف مُوفِياً ... ببَسْطَتِه والسيفُ وَافي الحَمائل\rتضيقُ الدروعُ الثُبَّعِيّاتُ منهمُ ... على كل رَحْبِ الباع سَبْطِ الأنامِ\rعُراعر قوم يسكنُ الثغرَ إن مَشَوْا ... على أَرضِهِ والثغرُ جَمُّ الزلازل\rفكم فيهمُ من مُنْعِمٍ متطوِّلٍ ... بآلاَئه أو مُشْرِفٍ مُتَطاوِلِ\rإذا سُئلوا جادَتْ سيوفُ أكفهم ... نظائر جُمّاتِ التلاع السوائل\rخَلِيقونَ سَرْواً أن تُلِينَ أكفهم ... عرائكَ أحداثِ الزمان الجلائل\rوما زال لحظُ الراغبين مُعَلَقاً ... إلى قَمَرٍ فيهمْ رفيع المَنازِلِ\rوفيه، أو في أبيه، يقولُ أبو سعيد أحمد بن شبيب: الكامل:\rوإلى الأمير ابن الأمير تواهَقَتْ ... رَزْحى الركاب برَازِحِي الركابِ\rشِيَمٌ أرَقُّ من الهواءِ بل الهوَى ... وألذُّ من ظَفَرٍ بعُقْبِ ضِرَابِ\rوعزائمٌ لو كنَّ يوماً أَسْهُماً ... لنَفذْنَ في الأيام غَيْرَ نَوَابِ\rمائيةُ الجريَان إلا أنها ... نارِيَّةُ الإقْدَامِ والإلهابِ\rيخطرن بين سيَاسةٍ ورِيَاسَةٍ ... ويَتِهْنَ بين مَثُوبةٍ وعقَابِ\rترجمة ابن أبي دواد وأخباره\rقال أبو عبد الله بن حمدون النديم: لقد رأيت الملوك في مقاصيرها، ومجامع حفلها، فما رأيت أغزر أدباً من الواثق؛ خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لقد عرض عرضة من عرضه لقول الخزاعي، يريد دِعبِلاً: الطويل:\rخليليَّ ماذا أرتجي من غد امرئ ... طَوَى الكَشْحَ عني اليومَ وهو مَكينُ\rوإنَ امرأً قد ضَنّ عني بمنطقٍ ... يَسُدُّ به مِن خَلتي لَضنِينُ\rفانبرى أحمد بن أبي دُوَاد يسأله كأنما نَشِطَ من عِقَال في رجل من أهل اليمامة فأَطْنب وأسهب، وذهب في القول كل مَذْهَب؛ فقال الواثق: يا أبا عبد الله، لقد أكثرتَ في غير كبير، ولا طَيب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه صديقي: الطويل:\rوأَهونُ ما يُعْطي الصديقُ صديقَهُ ... من الهيِّن الموجودِ أن يتكلَّما\rفقال: وما قَدر اليمامي أن يكون صديقك، وإنما أحسبه أن يكون من عرض معارفك؟. قال: يا أمير المؤمنين، إنه شهرني بالاستشفاع إليك، وجعلني بمرأى ومسمعٍ من الردّ والإسعاف، فإذا لم أَقم له هذا المقام أكون كما قال أميرُ المؤمنين آنفاً:","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"خليليَّ ماذا أرتجي من غِنَى امرِئ ... طوى الكَشْحَ عني اليوم وَهْوَ مَكِينُ\rفقال الواثق: بالله يا محمدُ بنَ عبد الملك إلا عجَّلْتَ لأبي عبد الله حاجتَهُ، ليسلم من هُجْنَة المَطْل، كما سلم من هجنَة الردّ.\rوكان ابن أبي دُواد من أحسن الناس تأتّياً، وكان يقول: ربما أردت أن أسألَ أميرَ المؤمنين الحاجةَ بحَضْرَة ابن الزيات فأؤخّر ذلك إلى وقت مغِيبه؛ لئلاً يتعلَّم حُسنَ التلطُف مني! وكان بينه وبين محمد بن عبد الملك عداوة عظيمة، وأمر الواثقُ أصحابَه أن ينهضُوا قياماً لأبي جعفر إذا دَخل، ولم يرخِّص في ذلك لأحد، فاشتدَّ الأمرُ على ابن أبي دُواد، ولم يَجد لخلاف الواثق سبيلاً. فوكَّلَ بعض غلمانه بمراقبة موافاته، فإذا أقبل أخبره فنهض يركع، فقال ابن الزيات: الكامل:\rصلَّى الضُّحَى لمّا استفادَ عَداوَتِي ... وأَراه يَنْسُكُ بعدَها ويَصومُ\rلا تعدمنّ عداوةً موسومةَ ... تركتْك تَقْعُدُ بعدها وتقُومُ\rوقال الواثق يوماً لابن أبي دُواد تضجُّراً بكثرة حوائجه: قد أخلَيْتَ بيوتَ الأموال بطلباتك لِلاّئذين بك، والمتوسّلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متَّصلة بك، وذخائرُها موصولة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلودِ المدح، فقال: واللّه لا مَنَعْنَاك ما يزيدُ في عشقك، ويقوِّي في همّتك فينا ولنا؛ وأمر فأُخرج له خمسة وثلاثون ألف درهم.\rقال أبو العيناء: قلت لابن أبي دواد: إنَّ قوماً من أهل البصرة قدموا إلى سُرَّ من رأى يداً عليَّ، فقال: يَدُ الله فوقَ أيديهم. فقلت: إن لهم مَكْراً، فقال: \" ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيءُ إلا بأهْلِهِ \" فقلت: إنَّهم كثير. قال: \" كم من فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذنِ الله واللّه مع الصابرين \" ، فقلت: لله درُّ القاضي فهو كما قالت الصّمُوتُ الكلابية: الكامل:\rللهِ دَرُّك أي جُنَّةِ خَائفٍ ... ومتاعِ دُنْيَا أنت للحدْثانِ\rمتخمِّط يَطَأُ الرجالَ شهامةً ... وَطْءَ الفنيق مدارجَ القرْدَانِ\rويكبّهم حتى تظل رؤُوسُهم ... مأمومةً تنحطُ للغربانِ\rويفرجُ البابَ الشديدَ رِتاجُه ... حتى يصِيرَ كأنه بَابَانِ\rوكانت هذه المجاوبة بين أبي العيناء وبين أبي العلاء المنقري، وكان قد استجاش عليه قوماً من أَهل البصرة.\rقطعة من شعر الأعراب في الغزل\rابن ميادة: الطويل:\rألا ليت شِعْري هل يَحُلَّنَّ أهلُنا ... وأهلُك روضاتٍ ببطنِ اللوَى خُضْرا\rوهل تأتينَّ الريحُ تَدْرُجُ مَوْهناً ... بريَّاكِ تَعْرَوْري بنا بلداً قَفْرا\rبريح خُزامى الرمل بات مُعَانقاً ... فروع الأقاحي تنضب الطلّ والقَطْرا\rألا لَيْتَني ألقاكِ يا أمّ جَحْدَر ... قريباً، فأمَّا الصبرُ عنك فلا صَبْرا\rوقال: الطويل:\rوما رَوْضَةٌ باتَ الربيعُ يَجودُها ... على منابها من حَنْوةٍ وعَرارِ\rبأطيبَ من ريح القرنفل مَوهناً ... بما الْتفَّ من دِرْعٍ لها وخِمارِ\rوقال آخر: الطويل:\rتجالِسُنَا بنتُ الدّلالِ تعلّقتْ ... عراهُ بحبَّاتِ القلوبِ الهوائمِ\rوبين ما تخفى من الوَجْد ردّها ... غريق الأناسي في الدّموع السَّواجمِ\rجرَى الدمعُ مَجْرَى مائِه فكَفَفْنَه ... بعُنَّابِ أطرافِ الأكفّ النواعم\rوردّ التحيات الهوَى من عيونها ... بيَقْظَانِ طَرْفٍ في مَخِيلة نائمِ\rوقال العلاء بن موسى الجهني: الطويل:\rولمّا رأتني مخطراً شَوْكةَ العِدَى ... رَدى النفْسِ مُجْتَاباً إلى غير مَوْعدِ\rجلَتْ داجِيَ الظلماء منها بسُنَةٍ ... ونحرٍ مَشُوبٍ لونُهُ بالزبرجدِ\rوبالشَّذْر مسْبُوكاً كأن التهابَه ... تلهَّبُ جَمْرِ الفرقد المتوقّدِ\rوجاءت كسَل السيفِ لو مرّ مشيُها ... على البيض أمسَى سَالماً لم يُخَضَّد","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"فبتْنَا ولم نكذبْك لو أنَّ ليلنا ... إلى الحَوْلِ لم نملل وقلْنا له ازدَدِ\rنَذُودُ النفوسَ الصادياتِ عن الهوى ... ذِيَاداً ونسقيهنّ سقي المصَرَّدِ\rفلمّا بدا ضوءُ الصباحِ وراعَنا ... مع الصبح صَوت الهاتفِ المتشهَدِ\rنهضْنا بشَخْصٍ واحدٍ في عيونهم ... نَطَافي حواشِي الأتحميّ المعضَّد\rإلى جنَةٍ منهم وسلّمت غادياً ... عليها سلامَ الباكِر المتزوّد\rوولت وأَغباش الدُّجى مرجَحِنّةٌ ... تأطرغُصْن البانةِ المتأوّدِ\rوقال أعرابي من طيئ: الطويل:\rوأحورُ يصطادُ القلوبَ وما لهُ ... من الريش إلا زَعْفَرانٌ وإثمِدُ\rوما كنتُ أخشى الفَتْكَ ممَّن سِلاَحُهُ ... سِوارٌ وخَلخَالٌ وطَوْق منضدُ\rوأشنبُ برَّاق الثنايا غُروبُهُ ... من البَرد الوَسْمِي أصْفَى وأبْرَدُ\rخليليّ بالله أقعدا فتبيَّنا ... وميضاً نرى الظلماءَ منه تقدّدُ\rيكشف أعراضَ السحابِ كأنهُ ... صفيحةُ هِنْدِيٍّ تُسَلّ وتُغْمَدُ\rفبتّ على الأجيال ليلاً أشيمُهُ ... أقومُ له حتى الصباحِ وأقعدُ\rهذا في البرق كقول الطرماح في النور:الكامل:\rيَبْدُو وتضمره البلادُ كأنهُ ... سَيْفٌ على شَرَفٍ يُسل ويُغْمَد\rوقال بشار: الكامل:\rأعددْتَ لي عَتْباً بحبكمُ ... يا عَبْد طالَ بحبّكمْ عَتْبي\rولقد تعرّض لي خيالُكُمُ ... في القُرْطِ والخلخال والقُلْبِ\rفشربت غيرَ مباشرٍ حَرجاً ... برضاب أشنبَ باردٍ عَذبِ\rوقال المتنبي: الكامل:\rبِتْنَا يُنَاوِلنا المُدَامَ بكَفِّهِ ... مَنْ ليس يَخْطُرُ أَن نراه ببَالِهِ\rنَجْني الكواكبَ من قلائد جِيدِه ... وننالُ عَيْنَ الشمسِ من خَلْخالِهِ\rوأول شعر أبي الطيب:\rلا الحُلمُ جادَ به ولا بمثالِه ... لولا ادَّكارُ وَدَاعِه وزيالِهِ\rإن المُعِيدَ لنا المنامُ خَيَالَهُ ... كانت إعادَتُهُ خيالَ خيالِهِ\rإني لأُبغِضُ طَيفَ من أَحْبَبْتُهُ ... إذ كان يَهْجُرُنا زمانَ وصالِهِ\rيقول: التمثيل والتخيل له في اليقظة أعاد خياله في المنام، فكأنّ الخيالَ الذي في النوم تصور في اليقظة. وأظْهَرُ من هذا قول الطائي: البسيط:\rزار الخيالُ لها لا بل أزَارَكَهُ ... فِكْرٌ إذا نام فِكْرُ الخلق لم يَنَمِ\rظبي تقنَّصْتَهُ لمَا نَصَبْتَ لهُ ... في آخر الليل أشراكاً من الحلمِ\rأما بيته الأول فمن قول جميل: البسيط:\rحييتُ طيفك من طَيْفِ ألم به ... حدثت نفسك عنه وهوَ مشغولُ\rوقال ذو إلى الرمة: الطويل:\rنأت دارَ ميِّ أن تُزَار، وزَورُها ... إذا ما دجا الإظلامُ منا وساوسُ\rإذا نحن عَرَّسنا بأرضٍ سَرَى لنا ... هوًى لبَّسَتهُ بالقلوب اللوابسُ\rوبيته الثاني ألمَّ فيه بقول قيس بن الملوَّح: الطويل:\rوإني لأسْتَغْشِي وما بيَ نَعسة ... لعل خيالاً منكِ يَلْقَى خياليَا\rوأخرج من بين الجلوس لعلَّني ... أُحدِّثُ عنك النفسَ في السرِّ خاليا\rتَقَطَعُ أنفاسي لذكرك أَنفساً ... يَرِدْنَ فما يَرْجِعْنَ إلا صوادِيا\rوقد قال فيه قيس بن ذريح: الطويل:\rوإني لأهْوَى النومَ في غير نَعْسَةٍ ... لعل لقاءً في المنام يكونُ\rتخبرني الأحلامُ أني أراكُم ... فيا ليتَ أحلامَ المنامِ يقينُ\rوكان البحتري أكثرَ الناس إبداعاً في الخيال، حتى صار لاشتهارِه مثلاً يقال له خيال البحتري وفي بعض ذلك يقول: الطويل:\rأَلمَّتْ بنا بعد الهدوّ، فسحامَحَتْ ... بوَصْلٍ متى تَطْلُبْه في الجدّ تُمْنَعِ\rفما بَرِحَتْ حتى مضى الليلُ وانقضَى ... وأَعْجَلها دَاعِي الصباحِ المُلَمَّع","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"فولّتْ كأنَّ البينَ يَخْلِجُ شَخْصَها ... أوانَ تَولّتْ من حَشايَ وأَضْلُعِي\rوقال: الطويل:\rسقى الغيثُ أجزاعاً عَهِدْتُ بجوِّها ... غَزالاً تُراعيه الجآذِرُ أغْيَدا\rإذا ما الكرى أهدى إليَّ خيالَهُ ... شَفَى قُرْبُهُ التبريحَ أو نَقَعَ الصدى\rفلم نر مِثْلَيْنا ولا مِثْلَ شأننا ... نُعَذَّبُ أيْقاظاً وتَنْعَمُ هُجَّدا\rوقال: الطويل:\rبَلَى وخيال من أُثَيْلَة كلما ... تأَوَّهْتُ من وَجْدي تَعَرَّضَ يُطْمعُ\rيُرِي مقلتي ما لا ترى من لقائه ... وتَسْمَعُ أُذُني رَجْعَ ما ليس تَسْمَعُ\rويكفيك من حق تَخَيُّلُ باطلٍ ... تُرَدُّ به نَفْسُ اللهيفِ فَتَرْجِعُ\rقوله في البيت الأخير من قول الحسين بن الضحاك: المتقارب:\rوماذا يفيدك طيفُ الخيا ... ل والهجرُ حظّك ممن تُحِب\rغَناءٌ قليل، ولكنني ... تملّيتهُ بقنوع المحِبّ\rوللحسين في هذا المعنى وإن لم يكن في ذِكْرِ الخيال: الخفيف:\rوصفَ البَدْرُ حُسْنَ وجهِك حتّى ... خِلتُ أني، وما أراكَ، أراكَا\rوإذا ما تنفس النرجسُ الغضُّ توهّمْته نسِيمَ جناكا\rخُدَعٌ للمُنَى تُعَلّلْني في ... ك بإشراقِ ذَا ونكهة ذاكا\rوأول من طرد الخيالَ طَرفة بن العبد، فقال: الطويل:\rفقل لخيال الحنظليَّةِ ينقَلبْ ... إليها فإني واصلٌ حَبْلَ مَنْ وَصَلْ\rفتبعه جرير في قوله فقال: الكامل:\rطرقَتْك صائدةُ القلوبِ وليس ذا ... حِينُ الزيارةِ فارْجِعي بسَلامِ\rقال البحتري، ونفى هذا المعنى بقوله: الكامل:\rقد كان مني الوَجْدُ غِبَّ تَذَكّرٍ ... إذا كان منك الصَّدُّ غِبَّ تَنَاسي\rتجري دموعي حين دَمْعُكِ جامدٌ ... ويَلينُ قلبي حين قَلْبُك قاسي\rما قلتُ للطيف المُسَلِّم لا تَعُدْ ... تَغْشَى، ولا نَهْنَهْتُ حَامِلَ كاسي\rوقال ابن هاني الأندلسي: الطويل:\rألا طَرَقَتْنا والنجومُ رُكُودُ ... وفي الحيِّ أيقاظٌ ونحن هُجُودُ\rوقد أَعْجَلَ الفجرُ المُلَمَعُ خَطْوَها ... وفي أُخْرَيات الليل منه عَمُودُ\rسَرَتْ عاطِلاً غَضْبَى على الذُرِّ وحدهُ ... فلم يَدْرِ نَحْرٌ ما دَهاهُ وجِيدُ\rفما بَرِحَتْ إلاَّ ومن سِلْكِ أَدْمُعِي ... قلائدُ في لَبّاتِها وعُقودُ\rألم يأتها أنّا كَبُرْنا عن الصِّبا ... وأنّا بَليْنا والزمانُ جَديدُ؟\rوقال عليّ بن محمد الإيادي: الطويل:\rأما إنه لولا الخيالُ المراجعُ ... وعاصٍ يُرَى في النوم وهْو مطاوعُ\rلأَشْفق وَاسْتَحْيَا من النوم وَالِهٌ ... يُرى بعد رَوْعاتِ الهوى وهو هاجِع\rوقال أيضاً: الكامل:\rطيفٌ يزورُك من حبيبٍ هاجرِ ... أهْلاً به وبطيفِه مِنْ زَائرِ\rشقَّ الدجى وسَرَى فأمْعَن في السّرى ... حتى ألمَّ فبات بين محاجري\rيحدُو به هَيف القوام المنثني ... نَحْوِي وسالفةُ الغزال النافر\rللَّه درُّك من خيالٍ واصل ... أسرى فأنصف من حبيب هاجرِ\rعَلَّلت علّة قلب صَبّ هائم ... وقضيت ذِمَةَ فيض دَمْعٍ قاطرِ\rوقال عبد الكريم بن إبراهيم: البسيط:\rلم أدْرِ مَغْنَاك لولا المسكُ والقُطُرُ ... وزَوْرَةٌ لِمُلمٍّ عهدُه عفرُ\rسرى يعارضُ أنفاسَ الرياح بما ... تحمَّر الورد مِنْه وانتشى الزَهَرُ\rيخفي بثوب الدُجَى مَسْرَاهُ مستَتِراً ... ومن تَقَنَّع صُبْحاً كيف يَسْتَتِر؟\rكأَنَّ أعينَ واشِيه تُرَاقِبهُ ... فيه فيدمج أخبارِي فيَختَصر\rقال: الكامل:\rأهلاَ به من زائرٍ معتادِ ... والليلُ يرفلُ في ثيَاب حِدادِ\rيتجاوزُ الراياتِ يخفقُ ظلّها ... ويشقُّ ملتفّ القَنَا المنآدِ","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"أنَّىَ اهتدَى في ظلّ أخضر مغْدِف ... حتى تَيمَّمَ بالعَرَاء وسادي\rبأرقَّ من كبد المتيّم مقدماً ... في حيث ينبو الحارث بن عُبَادِ\rمعتادة أَمِنَتْ نمائم حليها ... والحليُ نمَامٌ على العُوَّادِ\rوكأنما ياقُوتُها في نَحرِها ... متوقّدٌ مما يُجِنّ فُؤَاي\r؟في مجالس المنصور\rخطب صالح بن أبي جعفر المنصور في بعض الأمر فأحسن، فأراد المنصورُ أن يقرظه ويثني عليه، فلم يجسر أحد على ذلك لمكان المهدي، وكان مرشحاً للخلافة، وخافوا ألا يقع الثناء على أخيه بموافقته، فقام عقال بن شبَّة، فقال: ما رأيت أبين بياناً، ولا أفصح لساناً، ولا أحسن طريقاً، ولا أغمض عروقاً، من خطيب قام بحضرتك يا أمير المؤمنين، وحُقَّ لمن كان أميرُ المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير: البسيط:\rيَطْلُبُ شأْوَ امْرَأَيْنِ قَدَّما حَسَناً ... بزّا الملوكَ وبزّا هذه السُّوَقَا\rهو الجَوادُ فإنْ يَلْحَقْ بشَأْوِهِمَا ... على تكاليفِه فمِثْلُهُ لَحِقَا\rأو يَسْبقاهُ على ما كان من مَهَلٍ ... فبالذي قَدَّمَا من صالحٍ سَبَقا\rفعجب الناسُ من حُسن تخلصه، فقال أبو جعفر: لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألفاً.\rقال أبو عبد الله كاتبُ المهدي: ما رأيت مثل عقال قطّ في بلاغته؛ مدح الغلام وأرْضَى المنصور، وسلِم من المهدي: وفي قصيدة زهير هذه يمدح هرم بن سنان بن أبي حارثة المري: البسيط:\rقد جعلَ المُبْتَغُونَ الخَيْرَ في هَرمٍ ... والسائلونَ إلى أبوابه طُرُقا\rمن يًلْقَ يوماً على عِلاَّتِه هَرِماً ... يَلْقَ السماحةَ منه والندَى خُلُقَا\rوليس مانعَ ذي قُرْبَى وذي رَحِمٍ ... يوماً ولا مُعْدِماً من خَابطٍ وَرَقا\rليثٌ بِعَثر يصطادُ الرجالَ، إذا ... ما الليثُ كذبَ عن أقرانِه صَدَقا\rيَطْعَنهُمُ ما أرْتَمَوْا حتى إذا اطَّعَنُوا ... ضاربَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعتنقا\rفَضْلُ الجوادِ على الخيل البِطَاءِ فلا ... يُعْطِي بذلك ممنوناً ولا نَزَقَا\rهذا وليس كمن يعيا بحُجَّتهِ ... وَسْطَ النديّ إذا ما ناطقٌ نَطَقا\rلو نالَ حيٌ من الدنيا بمكرمةٍ ... أفقَ السماءِ لنالَتْ كفُّه الأُفُقا\rوكان زهيرٌ كثيرَ المدح لهرم، ويروى أن بنتاً لسنان بن أبي حارثة رأت بنتاً لزهير بن أبي سلمى في بَعض المحافل، وإذا لها شارةٌ وحالٌ حسنة، فقالت: قد سرّني ما أرى من هذه الشارة والنعمة عليك فقالت: إنها منكم. فقالت: بلى والله لك الفضل، أعطيناكم ما يَفْنَى، وأعطيتمونا ما يبقى!.\rوقد قيل: إن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لابنة هرم بن سنان: ما وهَب أبوك لزهير؟ قالت: أعطيناه مالاً وأثاثاً أفْناه الدهر. قال: لكن ما أعطاكموه لا تفْنِيه الدهور. وقد صدق عمر، رضي الله عنه، لقد أبقى زهير لهم ما لا تفنيه الدهور، ولا تُخْلِقه العصور، ولا يزال به ذكر الممدوح سامياً، وشرفه باقياً، فقد صار ذكرهم عَلَماً منصوبَاَ، ومثلاً مضروباً، قال الطائي، وذكرهم في شعره: البسيط:\rمالي ومالك شِبْةٌ حين أذكرهُ ... إلاّ زهير وقد أصْغَى له هرم\rوقال يوسف الجوهري يمدح الحسن بن سَهْل: البسيط:\rلو أن عَيْنَي زهيرٍ أبصرت حَسَناً ... وكيف يصنعُ في أموالِه الكرمُ\rإذن لقال زهيرٌ حين يبصِرهُ ... هذا الجوادُ على العلاتِ لا هَرِمُ\rوقال آخر، ويدخل في باب تفضيل الشعر: البسيط:\rالشعرُ يَحفَظُ ما أَودَى الزمان به ... والشعرُ أفضل ما يجنى من الكرَمِ\rلولا مقالُ زهير في قصائدهِ ... ما كان يعرف جُودٌ كان من هَرِم\rوقيل: أعطى هرم العطاء الجزيل قول زهير فيه: الكامل:\rتاللَّه قد عَلِمَتْ سَرَاةُ بني ... ذُبْيَانَ عَامَ الْحَبْسِ والأصْرِ\rأنْ نِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنت إذا ... دُعِيَتْ نَزَالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"حامي الذِّمارِ على مُحَافظة ال ... جُلَى أمينُ مُغَيَّبِ الصَّدْرِ\rحَدِبٌ على المَوْلَى الضَّرِيكِ إذا ... ضاقت عليه نوائبُ الدَهْرِ\rومُرَهَقُ النيران يُحْمَدُ في ال ... لأْواء غيرُ مُلَعَّنِ القِدْرِ\rوالسِّتْر دونَ الفاحشاتِ، وما ... يلقاكَ دونَ الخيرِ من سِتْرِ\rوقال: البسيط:\rإن البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ولَ ... كنّ الجوادَ على عِلاَّتِه هَرمُ\rهو الكريمُ الذي يُعطِيك نَائِلَهُ ... عَفْواً، ويُظْلَمُ أحياناً فيظَّلِمُ\rوإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ: لا غائبٌ مَالي ولا حَرِمُ\rالخليل: الذي أخلّ به الفقر؛ إلى غير ذلك من مُختار مدحه فيه.\rمن فضائل الشعر\rولما امتدح نُصَيْبٌ عبدَ الله بن جعفر، رضي الله عنه، أمر له بإبل وخيل، وثياب ودنانير ودراهم، قال له رجل: أتُعْطي لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء؟ فقال: إن كان أسود فإن شِعْرَه أبيض، وإن كان عبداً فإن ثناءه لَحُرٌّ، ولقد استحقّ بما قال أكثرَ ممّا أعطى وهل أعطيناه إلا ثياباً تبلى، ومالاً يَفْنَى، ومطايا تَنْضَى، وأعطانا مديحاً يروَى، وثناء يَبْقَى؟.\rوقال الأخطل يعتدُّ على بني أمية بِمَدْحِهِ لهم: الكامل:\rأبني أمية، إن أخذتُ نوالكمْ ... فلقد أخذتُمْ من مديحيَ أكثَرُ\rأبني أمية، لي مدائحُ فيكُم ... تُنْسَوْن إنْ طَال الزمانُ وتُذْكَرُ\rولما مدح أبو تمام الطائي محمد بن حسان الضبي بقصيدته التي أولها: الكامل:\rأسقى طلولَهُمُ أَجَشُّ هَزِيمُ ... وغدَتْ عليهمْ نَضْرَةٌ ونَعِيمُ\rوصَلَه بماد كثير، وخلع عليه خلعة نفيسة، فقال يصفها: الخفيف:\rقد كسانا من كُسْوَةِ الصيف خِرْقٌ ... مُكْتَسٍ من مكارمٍ ومَسَاعِ\rحُلَّةً سابِريَّةً وكِسَاء ... كَسَحَا القيْضِ أو رداء الشجاع\rكالسراب الرقراقِ في الحُسْنِ، إلا ... أنه ليس مثله في الخِدَاعِ\rقصبيّاً تسترجفُ الريحُ مَتْنَي ... ه بأمرٍ من الهبوب مطاعِ\rرجَفاناً كأنه الدهرَ منهُ ... كَبِدُ الصب أو حَشَا المُرْتَاع\rلازماً ما يليه تحسبُه جز ... ءاً من المتنين والأضلاعِ\rكسوة مِنْ أغَزَّ أروعَ رَحْب ال ... صَّدرِ رَحْبِ الفؤادِ رَحْبِ الذراعِ\rسوف أكسوكَ ما يعفَّي عليها ... من ثناءٍ كالبرد بردِ الصّنَاعِ\rحُسْنُ هاتيك في العيون، وهذا ... حُسْنُهُ في القلوب والأسماعِ\rفقال: لعنةُ الله عليِّ إن بقي عندي ثوب أو يَصِل إلى أبي تمام؛ وأمَر بحمْلِ ما في خزائنه إليه.\rقال إبراهيم بن العبّاس الصولي لأبي تمام: أمراءُ الكلام، يا أبا تمام، رعيةٌ لإحسانك، قال: ذاك لأني أستضيءُ بنورك، وأرِدُ شريعتك.\rوكان الطائي مع جَوْدَة شعره بليغَ الخطاب، حاضرَ الجواب، وكان يقال: ثنتان قَلّما يجتمعان: اللسانُ البليغ، والشعر الجيد.\rوقال الحسن بن جُنَادة الوشَاء: انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان، فوقف علي، فقلت: من أين؟ فقال: كنت عند بعض الملوك فأكلْنا طعاماً طيّباً، وفاكهة فاضلة، وبُخَرنا وغُلفْنا؛ فخرجْتُ هارباً من المجلس، نافراً إلى التسلّي، وما في منزلي نبيذ فإن كان عندك منه شيء فامنحني، فقلت: ما عندي نبيذ ولكن عندي خَمْرٌ أريده لبعض الأدوية، فقال: دع اسمه، وأعْطِنا جِسْمَه، فليس يثنينا عن المدام، ما هَجَّنْته به من اسم الحرام.\rفي المواعيد","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"قال عبيد الله بن محمد بن صدقة: كنَا عند أبي عبيد الله، فدخل عليه أعرابي قد كان له عليه وَعْد، فقال له: أيها الشيخ السيد، إني والله أتَسَحًبُ على كرمك، وأستوطِئ فراشَ مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك؛ وقد مضى لي موعدان، فاجعل النُجحَ ثالثاً، أقُدْ لك الشُكْر في العرب شادخَ الغُزَة، باديَ الأوضاح. فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريراً، ولا أخرتُك تقصيراً، ولكن الأشغال تقطعني، وتأخد بأوْفَر الحظّ مني، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية، ومنتهى الوُسْع بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب أمَدٍ، إن شاء الله تعالى.\rفقال الأعرابي: يا جلساءَ الصِّدْق، قد أحصرني التطول، فهل من معين مُنْجد ومساعدٍ منشد؟ فقال بعضُ أحداث الكتاب لأبي عبيد الله: والله - أصلحك اللّه - لقد قصدك، وما قصدك حتى أمَّلَك، وما أمَّلك إلا بعد أن أجال النظر، فأمن الخطر، وأيقن بالظفَر، فحقق له أمله بتهيئة القليل، وتهنئة التعجيل. قال الشاعر: الطويل:\rإذا ما اجتلاه المجد عن وَعْدِ آمل ... تبلّج عن بشر ليستكمل البشْرا\rولم يَثْنِه مطل العداة عنِ التي ... تصون له الحمدَ الموفّر والأجْرا\rفأحضر أبو عبيد الله للأعرابي عشرةَ آلاف درهم، وقال الأعرابي للفتى: خُذْها فأنت سببها. فقال: شكرُك أحبُّ إليَّ منها؟ فقال له أبو عبيد الله: خُذْها، فقد أمَرْنَا له بمثلها. فقال الأعرابي: الآن كمُلَت النعمة، وتمّت المنّة.\rأخبار معاوية بن يسار\rوكان أبو عبيد الله واسعَ الذرع، سابغَ الدرع في الكرم والبلاغة، واسمهُ معاوية بن يَسَار.\rوكان يقول: إن نخوةَ الشرف تُنَاسِبُ بَطَر الغِنَى، والصبرُ على حقوق الثَّرْوَةِ أشدُّ من الصَّبْر على ألَمِ الحاجة، وذلُّ الفقر يسعى على عزِّ الصبر، وجور الولاية مانع من عَدْل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطان عزمه قوة على شهوته.\rوكان يقول: لا يكسر رأسُ صناعة إلا في أخسِّ رتَّان، وأرذلِ سلطان، ولا يعيبُ العلمَ إلا من انسلخ عنه، وخرج منه.\rوكان يقول: حُسْنُ البِشْر عَلم من أعلام النجاج ورائد من روّاد الفلاح، وما أحسن ما قال زهير: الطويل:\rتراه إذا ماجِئْتَهُ مُتَهَلِّلاً ... كأنك تُعْطِيه الذي أنتَ سائِلُهْ\rوقال له المهديُ بعد أن قتل ابنَه على الزندقة:، لا يمعنك ما سبق به القضاءُ في ولدك، من ثلج صَدْرِكَ وتقديم نُصْحِك؛ فإني لا أعرض لك رأياً على تُهمة، ولا أؤخر لك قدماً على رتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان ولدي حسنة من نبْت إحسانك أرضُهُ، ومن تفقُّدِك سماؤه، وأنا طاعة أمرك، وعَبد نهيك، وبقية رأيك لي أحسن الخلفَ عندي.\rوكان يقول: العالم يمشي الْبَرَازَ آمناً، والجاهل يهبط الغيطان كامناً، وللَه درّ زهير حيث يقول: الكامل:\rالستر دون الفاحشات وما ... يَلْقاك دونَ الخيرِ من سِتْرِ\rوقال أبو عبيد اللّه: ذاكرني المنصورُ في أمرِ الحسَين بن قَحْطَة، فقال: كان أوثق الناس عندي، وأقربهم من قلبي، فلمّا لقي أبا حنيفة انتكث، فقلت: إن فسدت نيته فسيضَعُه الباطلُ كما رفعه الحقُّ، وتشهد مخايِلُه عليه كما شَهِدَتْ له، فتعدل في أمره من شَكّ إلى يقين. ثم قال لي: اكتُم عليَّ ما أَلقَيْتُ عليك.","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"قال عمران بن شهاب: استعنت على أبي عبيد الله في أمرٍ ببعضِ إخوانه وكان قد تقدَم سؤالي إيَّاه فيه. فقال لي: لولا أت حقّك لا يُجحد ولا يضاع، لحجبت عنك حُسْنَ نظري؛ أظننتني أُجهل الإحسانَ حتى أعلَّمه، ولا أعرف موضعَ المعروف حتى أعرَّفه؟ لو كان يُنَالُ ما عندي إلا بغيري لكنت مثل البعير الذّلول، يحمل عليه الحمل الثقيل، إن قِيدَ انقاد، وإن أنيخ بَرَك، ما يملك من نفسه شيئاً، فقلت: معرِفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة، ولم أَجعل فلاناً شفيعاً إنما جعلته مذكّراً. قال: وأي إذكار أَبلغ عندي في رَعي حقّك من مسيرك إليه وتسليمك عليه؟ إنه متى لم يتصفّح المأمول أسماءَ مؤمّليه غدوةً وروإحاً لم يكن للأمل محلاً، وجرى عليه المقدارُ لمؤمّلِيه على يديه بما قدر، وهو غيْرُ محمود على ذلك ولا مشكور، وما لي إمامٌ بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال أَهْل التأميل، حتى أعرضهم على قلبي، فلا تستَعن على شريفٍ إلا بشَرَفِه؛ فإنّه يرى ذلك عيباً لعُرفه؛ وأنشد: الطويل:\rوذاك امرؤ إن تأْتِه في عظيمة ... إلى بابه لا تَأْتِه بشفيعِ\rومن توقيعاته: الحقّ يُعْقِب فَلْجاً أو ظفراً، والباطل يُورث كذباً ونَدَماً.\rوكتب إليه رجل: والنفس مولعة بحبِّ العاجل. فكتب إليه: لكن العقل الذي جعله اللّه للشهوة زِمَاماً وللهوى رِباطأ موكّل بحبِّ الآجل، ومستصغِرٌ لكل كثير زائل.\rقال مصعب بن عبد الله الزبيري: وَفَد زياد الحارثي على المهدي وهو بالرّي وليّ عهْد، فأقام سنتين لا يَصلُ إليه شيء من برّه، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد الله، فلمَّا طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده: البسيط:\rما بعد حولين مرّا من مطالبةٍ ... ولا مُقَامَ لذي دين وذِي حَسب\rلئن رحلتُ ولم أظفر بفائدةٍ ... من الأمير لقد أَعذرت في الطَّلَبِ\rفوقع أبو عبيد اللّه: يصنعُ الله لك فكتب إليه: الخفيف:\rما أردت الدعاء منك لأني ... قد تيقّنت أنه لا يُجابُ\rأيجاب الدعاءُ من مستطيل ... جُلُّ تسبيجه الخنا والسِّباب؟\rألفاظ لأهل العصر\rفي ذكر الاستطالة والكبر\rمع ما يشاكلُ ذلك من معانيها، ويطرق نواحيها من المساوي والمقابح.\rفلان لسانُه مِقْرَاضٌ للأعراض، لا يأكل خبْزَه إلا بلحوم الناس، هو غرضٌ يرشَق بسهام الغيبة، وعلم يقصد بالوقيعة، قد تناولته الألسن العاذلةُ، وتناقلت حديثَهُ الأنديةُ الحافلة. قد لزمه عار لا يُمْحَى رَسْمُه، ولزمه شنار لا يزولُ وَسْمُه، فأصبح نَقْلَ كلّ لسان، وضُحْكَة كل إنسان، وصار دولة الألسن، ومُثْلَة الأعين. وقد عرّض عرضه غرضاً لسهام الغائبين، وألسنة القاذفين، وقلّد نفسه عظيم العار والشّنار، والسّبِّة الخالدة على الليل والنهار. قد أسكرته خَمرَة الكبر، واستغرقتْه عُرَّة التَيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبَلْقِيس إحْدَى داياته، وكأنَّ يوسف لم ينظرْ إلا بطلعته، وداود لم ينطق إلا بنغمته، ولقمان لم يتكلّم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا من جبينه، والغمام لم يَنْدَ إلا من يمينه، وكأنه امتطى السِّماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النَيِّرَين بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين وكأن الخضراء له عرشت، والغبراء باسمه فرشت.","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"فلان له من الطاووس رِجْلُه، ومن الوَرْدِ شَوْكه، ومن الماء زَبَدُه، ومن النار دخانها، ومن الخمر خُمارها، قد هبّت سمائمُ نمائمه، ودبّت مكايد عقارِبه، والنمام يضرب بسَيْفٍ كلِيل إلا أنه يقطع، ويضرب بعضد واهِن إلا أنه يوجع. هو تمثالُ الجبن، وصورة الخوف، ومقرّ الرعب؛ فلو سمّيت له الشجاعة لخافَ لَفْظَها قبل معناها، وذِكْرَها قبل فحواها، وفزع من اسمها دون مسماها، فهو يهلك من تخوفه أضغاثَ أحلام، فكيف بمسموع الكلام؟ إذا ذكرت السيوف لمس رأسَه هل ذهبَ، ومس جبينَه هل ثُقب؟ كأنه أسلِم في كتّاب الجُبْنِ صبيّاً، ولُقِّنَ كتاب الفشل أعجمياً. وَعْدُه بَرْقٌ خلب، وروغان ثعلب. غَيمُ وعده جَهام، وحَدُّ سَيفه كَهام. حصلتُ منه على مواعيد عرقوبية، وأحزان يعقوبية، قد حرمني ثمرَ الوعد، وجرَّني على شَوْك المطْلِ. فتى له وعدٌ أَخَذَ من البَرْقِ الخلَّبِ خلقاً، وقد تناول من العارض الجهام طبعاً، وتركني أَرْعَى رِياضَ رجاء لا يُنبت، وأَجْنِي ثمارَ أمل لا يُورِق؛ فأَنا في ضمان الانتظار، وإسار عِدَةٍ ضِمار. هو يرسل بَرْقَه، ولا يسيل وَدْقه، ويقدم رَعْده، فلا يمطر بعدهُ. وعْدُه الرقْم على بساط الهواء، والخط في بسيط الماء.\rحلَّ هذا من قول أبي الفضل بن العميد: الكامل:\rلا أستفيقُ من الغرام، ولا أُرى ... خِلْواً من الأشجان والْبُرحَاء\rوصروفُ أيام أَقمْنَ قيامتي ... بِنَوى الخليطِ وفُرْقَةِ القُرَنَاء\rوجَفاء خِلّ كنتُ أحسبُ أنّهُ ... عَوْني على السراء والضرّاء\rثَبْت العزيمة في العقوق، وودُّهُ ... متنقلٌ كتنقّل الأحياء\rذي خلة يأتيك أَثبتُ عهدهِ ... كالخطّ يُرْسَم في بسيطِ الماء\rأردت هذا البيت.\rهو صخرة خَلْقَاء، لا يستجيبُ للمرتَقَى، وحيّة صماء لا تسمع للرُّقَى، كأني أستنفر بالجوّ رعْداً، وأهز منه بالدعاء طوداً، هو ثابت العِطف نابي العطف، عاجز القوة، قاصر المُنّة، يتعلّق بأذناب المعاذير، ويحيل على ذنوبِ المقادير. هو كالنعامة تكونُ جملاً إذا قيلَ لها طِيري، وطائراً إذا قيل لها سِيري. يفاض له بذل، ولا يفوّض إليه شغل، ويملأ له وَطْب، ولا يُدْفَع به خَطْب، قد وفّر همَّه على مطعم يجوّدُه، ومَلْبَس يجوَّده، ومَرْقَد يمهده، وبنيان يشيده.\rهذا كقول الحطيئة: البسيط:\rدَع المكارِمَ لا ترحَلْ لبُغْيَتِها ... واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعِمُ الكَاسِي\rقَلْب نَغِل، وصَدْرٌ دغِل، وطولةٌ معلولة، وعقيدة مَدْخُولَة، صَفْوُه رنق، وبره مَلَق، قد مُلئ قلبُه رَيناً، وشُحِنَ صدرُه مَيْناً يدَّعِي الفضلَ وهو فيه دَعِيّ، دَأْبه بث الخدائع، والنفْثُ في عُقد المكايد، ضميرُه خُبث، ويمينُه حِنْث، وعهده نكْث. هو سحابة صَيْف، وطارِقُ ضيْفٍ، قوته غنيمة، والظفر به هزيمة. هو العَوْد المركوب، والوَتَرُ المضروب، يطؤُه الخفُّ والحافِرُ، ويستضِيمُه الواردُ والصادر. يغمض عن الذكر ويصْغُر عن الفكر. ذاتُه لا يوسَم أغفالها، وصفتُه لا تنفرج أقفالها. هو أقل من تبنة في لَبِنة، ومن قلاَمة في قُمَامة. وهو بيذق الشطْرَنْج في القيمة والقامَة، جَهْلُه كثيف، وعَقله سخيف، لا يستترُ من العقل بسِجفٍ، ولا يشتمل إلا على سخف. يمدُّ يدَ الجنون فيعرُك بها أذُنَ الحزْم، ويفتح جِرَاب السخف فيصفَع به قَفَا العقل. لا تزالُ الأخبارُ تورد سفائح جَهلِه وخُرْقه، والأنباءُ تنقلُ نتائجَ سُخْفِه وحُمقِه، قد ظل يتعثرُ في فضولِ جَهْلِه، ويتساقطُ في ذيولِ عقله. هو سمينُ المالِ مهزول النوال. ثَرْوَة في الثريا وهمَّةٌ في الثرَى.","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"وجهُه كَهَولِ المطلع، وزوال النّعمة، وقضاء السوءِ وموتِ الفُجَاءة. هو قذَى العَين، وشَجَى الصدْرِ، وأذىَ القلب، وحُمَّى الروح، وَجْهُه كآخر الصك، وظلم الشك، كأنَّ النحسَ يطلع من جَبينه، والخل يقطر من وجنته. وجهُه طَلْعَة الهَجْر، ولفظُه قِطَع الصخر. وجههُ كحضور الغَرِيم، ووصول الرقيب، وكتاب العَزل، وفِرَاق الحبيبِ. له من الدينار نَضْرَته، ومن الوَزدِ صُفْرَتُه، ومن السحاب ظُلْمَتُه، ومن الأسد نكهته. وهو عصارةُ لؤم في قرارة خبث. ألأم مهجة في أسقط جثة. حديث النعمة، خبيث الطعمة، خبيث المركب، لئيم المنتسب، يكاد من لؤمه يعدي من جلس إلى جنبه، أو تسمَّى باسمه. قد أرضع بلبان اللؤم، ورُبِّي في حجر الشؤم، وطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث، وطلق الكرم ثلاثاً لم ينطق فيه استثناءً، وأعتق المجد بتاتاً لم يستوجب عليه ولاء. هو حمارٌ مبطن بثور مفروز بتيس، مطرز بطرر، أتى من اللءم بنادر، لم تهتد له قصة مادر. هو قصير الشبر، صغير القدر، ضيق الصدر، رد إلى قيمة مثله في خبث أصله، وفرط جهله، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه، سائله محروم، وماله مكتوم، لا يحين إنفاقه، ولا يحل خناقه، خيره كالعنقاء تسمع بها ولا ترى. خبزه في حالق، وإدامه في شاهق، غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضائع، قد أطاع سلطان البخل،وانخرط كيف شاء في سلكه. هو ممن لا يبضُّ حجره، ولا يثمر شجره، سكيت الحلبة، وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة. لعنة العائب، وعرضة الشاهد والغائب. هو عيبة العيوب، وذنوب الذنوب. وقال أبو الفضل الميكالي: الرجز:\rوطلعةٍ بقبحها قد شُهِرَتْ ... تحكي زوالَ نعمةٍ ما شكرتْ\rكأنها عن لحمها قد قشرت ... أِقبِحْ بها صحيفةً قد نشرتْ\rعنوانها إذا الوحوش حُشِرَتْ ... يلعنها ما قد قدَّمتْ وأخّرتْ\rصاحِبُهَا ذو عورة لو سترتْ ... إن سار يوماً فالجبال سُيِّرتْ\rأو رَامَ أَكلاً فالجحيم سُعّرَتْ\rويختص بهذه الأنواع رسالة بديع الزمان إلى القاضي علي بن أحمد يشكو أبا بكر الحيري القاضي ويذمه - وقد أطلت عنان الاختيار فيها لصَّحة مبانيها، وارتباط ألفاظها بمعانيها:","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"الظُّلامة - أطال الله بقاء القاضي - إذا أتت من مجلس القضاء، لم ترق إلا إلى سيد القضاة. وما كنت لأقصر سيادته على الحكام، دون سائر الأنام، لولا اتصالهم بسببه، واتسامهم بلقبه، وهبهم مطفلين على قسمه، مغيرين على اسمه، ألهم في الصحة أديم كأديمه، أو قديم في الشرف كقديمه، أو حديث في الكرم كطريفه؟ فهنيئاً لهم الأسماء، وله المعاني، ولا زالت لهم الظواهر، وله الجواهر. ولا غزو أن يسموا قضاة، فما كل مائع ماء، ولا كل سقف سماء، ولا كل سيرة عدل العمرين، ولا كل قاض قاضي الحرمين، ويا لثارات القضاء! ما أرخص ما بيع، وأسرع ما أضيع! والسنة الإنذار، قيل خلو الديار، وموت الخيار، ألا يغار لحلى الحسناء، على السواد، ومركب أولي السياسة، تحت الساسة، ومجلس الأنبياء، من تصدر الأغبياء، وحمى البزاة من صيد البغاث، ومرتع الذكور من تسلط الإناث؟ ويا للرجال، وأين الرجال! ولي القضاء من لا يملك من آلاته غير السِّبال، ولا يعرف من أدواته غير الاعتزال، ولا يتوجه في أحكامه إلا إلى الاستحلال، ولا يرى التفرقة إلا في العيال ولا يحسن من الفقه غير جمع المال، ولا يتقن من الفرائض إلا قاة الاحتفال، وكثرة الافتعال، ولا يدرس من أبواب الجدال إلا قبيح الفعال، وزور المقال، ذاك أبو بكر القاضي، أضاعه الله كما أضاع أمانته، وخان خزانته، ولا حاطه من قاض في صولة جندي، وسبلة كردي... إلى أن قال: أيكفي أن يصبح المرء بين الزق والعود، ويمسي بين موجبات الحدود، حتى يكمل شبابه، وتشيب أترابه. ثم يلبس دنِّته، ليخلع دينته، ويسوي طيلسانه، ليحرف يده ولسانه، ويقصر سباله، ليطيل حباله، ويظهر شقاشقه، ليستر مخارقه، ويبيض لحيته، ليسود صحيفته، ويبدي رعه، ليخفي طمعه، ويغشى محرابه، ليملأ جرابه، ويكثر دعاؤه، ليحشو وعاءه، ثم يخدم بالنهار أمعاؤه، ويعالج بالليل وجعاءه، ويرجو أن يخرج من بين هذه الأحوال عالماً، ويقعد حاكماً؟ هذا إذا المجد كالوه بقفزان وباعوه في سوق الخسران! هيهات حتى ينْسَى الشهوات، ويَجُوب الفلوَات، ويعتضد المحابرَ، ويحتَضِن الدفاتر، وينتج الخواطر، ويُحالف الأسفار، ويعتاد القِفَار، ويصل الليلةَ باليوم، ويعتاض السهرَ من النوم، ويحمل على الروح، ويجني على العين، وينفق من العيش، ويخزن في القلب، ولا يستريح من النظر إلا إلى التحديق، ولا من التحقيق إلا إلى التعليق، وحاملُ هذه الكلف إن أخطأه رائدُ التوفيق، فقد ضلّ سواء الطريق، وهذا الحِيرِيُّ رجل قد شغله طلبُ الرياسة عن تحصيل آلاتها، وأعجله حصولُ الأمنية عن تمحل أدواتها: مجزوء كامل:\rوالكلبُ أحسن حالةً ... وَهْوَ النهاية في الخَسَاسهْ\rممن تَصَدَّى للريا ... سة قبل إبّانِ الرياسهْ","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"فولي المظالم وهو لا يَعرفُ أسرارَها، وحَمَل الأمانةَ وهو لا يَدْري مقدارَها؛ والأمانةُ عند الفاسق خفيفةُ المحمل على العاتِق، تُشْفقِ منها الجبال، ويحملها الجهال، وقعد مَقْعَد رسولِ اللّه، صلى الله عليه وسلم، بين حديثه يُرْوَى، وكتاب الله يُتْلَى، وبين البينة والدعْوَى، فقبّحه الله تعالى من حاكم لا شاهِد عنده أعدل من السَّلة والجام، يُدْلى بهما إلى حكَام، ولا مزكى أصدق لديه من الصُّفر، ترقص على الظفر، ولا وثيقة أحبُّ إليه من غمزات الخصوم، على الكيس المختوم، ولا كفيل أوقع بوفَاقِه من خبيئة الذيل، وحمال الليل، ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق، في وقت الغَسَق والفَلَق، ولا حكومة أبغض إليه من حكومة المجلس، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المُفْلِس، ثم الويل للفقير إذا ظُلِم، فيما يغنيه موقف الحكم إلا بالقَتْل من الظلم، ولا يجيره مجلس القضاء بالنار من الرمْضَاء. وأقسم لو أن اليتيم وقف بين أنياب الأسود، بل الحيّات السُّود، لكانت سلامته منهما أرجى من سلامته إذا وقع من هذا القاضي بين عَقاربه وأقَاربه؛ وما ظنُّ القاضي بقوم يحمِلونَ الأمانةَ على مُتُونهم، ويكألون النارَ في بطونهم، حتى تغلظ قصراتهم من مالِ اليتامى، وتسمن أكفالهم من مال الأيامى، وما رأيه في دار، عمارتها خرابُ الدور، وعُطلة القدور، وخَلاَء البيوت، من الكسوة والقوت، وما قوله في رجل يُعَادِي الله في الفَلْس، ويبيعُ الدِّينَ بالثمن البخس، وفي حاكم يبرُز في ظاهر أهل السمتِ، وباطن أصحاب السبتِ، فِعْله الظلمُ البَحْت، وأكله الحرام السُّحْت. ومَا قوله في سوس لا يقع إلا على صوف الأيتام؛ وجرادٍ لا يقع إلا على الزرع الحرام، ولصّ لا ينقب إلا خزانة الأوقاف، وكردي لا يُغِيرُ إلا على الضعاف، وليث لا يفتَرِسُ عباد الله إلا بين الركوع والسجود، وخارب لا ينهب مالَ الله إلا بين العهود والشهود.\rوذكر في هذه الرسالة فصلاً في ذِكْر العلم - وهو مستطرف البلاغة، مستعذب البراعة - قال: والعلم - أطال الله بقاءَ القاضي - شيء كما تعرفُه، بعيد المرام، لا يُصَادُ بالسهام، ولا يُقْسَمُ بالأزلام؛ ولا يُرَى في المنام ولا يُضْبَطُ باللجام، ولا يُورَث عن الأعمام ولا يكتب لِلئام، وزَرْع لا يَزْكُو حتى يصادِفَ من الحَزْمِ ثَرًى طيباً، ومن التوفيق مطراً صَيِّباً؛ ومن الطبْعِ جوّاً صافياً، ومن الجهد روحاً دائماً، ومن الصبر سقياً نافعاً، والعلم عِلْقٌ لا يباع ممن زاد، وصَيْدٌ لا يألف الأوغاد، وشيءٌ لا يُدْرك إلا بنزع الروح، وعَوْن الملائكةِ والروح، وغَرضٌ لا يصابُ إلا بافتراش المدَر، واتّساد الحجَر، وردّ الضجَر، وركوب الخَطر، وإدْمَان السهر، واصطحاب السفر، وكَثْرة النظَرِ، وإعمال الفكر، ثم هو معتاص إلا على من زكا زَرْعه، وخلا ذرعه، وكرم أَصله وفَرعه، ووَعى بصره وسمعه، وصفا ذهنه وطبعهُ، فكيف يناله من أنفق صِبَاه على الفَحْشاء؛ وشبابَه على الأحشاء، وشغل نهاره بالجمع، وليلَه بالجماعِ، وقطع. سَلْوته بالغنى، وخَلوَته بالغناء، وأفرغ جِدّه على الكيس، وهزله في الكأس؛ والعلم ثمر لا يصلح إلا للغَرْس، ولا يغرس إلا في النفس، وصيد لا يقع إلا في الندر، ولا ينشب إلا في الصدر، وطائر لا يخدعه إلا قَنَص اللفظ، ولا يعلقه إلا شَرَكُ الحفظ ولا ينشب إلا في الصدر، وبَحْر لا يخوضُه الملاح، ولا تطيقه الألواح، ولا تهيجه الرياح، وجبَلٌ لا يتسَم إلا بخُطا الفِكْر، وسماء لا يصعد إلا بمِعْرَاج الفهم، ونَخمٌ لا يلمس إلا بيَدِ المجد.\rومن مفردات الأبيات\rفي المعايب والمقابح\rقول أبي تمام: الوافر:\rمَسَاوٍ لو قُسِمْنَ على الغَوانِي ... لما أُمْهِرْن إلاَّ بالطلاقِ\rآخر: البسيط:\rقومٌ إذا جَرَّجَانٍ منهمُ أمِنُوا ... من لُؤْمِ أحْسابِهم أن يقتلوا قَوَدا\rالبحتري: الطويل:\rنَبَا في يدِي، وابنُ اللئيمةِ وَاجِدٌ ... ويَنْبُو الخبيثُ الطَّبْحِ وَهْوَ صَقيلُ\rابن الرومي في رجل يعرف بابن رمضان: الوافر:\rرأيتك تدّعِي رمضانَ دعوى ... وأنتَ نظيرُ يومِ الشّكَ فيهِ\rوله في أعمى: الخفيف:\rكيف يَرْجُو الحياء منه صديقٌ ... ومكانُ الحياء منه خَرابُ؟\rغيره: الطويل:","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"هو الكَلْب، إلا أن فيه ملالةً ... وسُوءَ مُرَاعاةٍ وما ذَاكَ في الكَلْب\rآخر: الطويل:\rأبا دُلفٍ يا أَكْذَب الناسِ كلّهم ... سِوَايَ فإني في مديحك أكذبُ\rأبو الفضل الميكالي: الطويل:\rهو الشَّوْك لا يُعْطِيك وافِرَ منّة ... يدَ الدَّهْرِ إلاّ حين تَضْرِبه جلْدا\rاللحن في الكلام\rقال المأمون لبعض وَلده وسمع منه لحْناً: ما على أحدِكم أن يتعلَّم العربية، فيقيم بها أوَدَه، ويزيّنُ بها مَشْهده، ويفلُّ حُجَجَ خَصْمه، بمسِّ كتاب حكمه، ويملك مَجْلس سُلْطانه، بظاهرِ بيانه؛ ليس لأحدكم أن يكونَ لسانُه كلسان عبدِه أَو أَمته، فلا يزالُ الدهر أَسِيرَ كلمته.\rوقال رجلٌ للحسن البصري: يا أبو سعيد، قال: كَسْبُ الدراهم شغَلك أن تقولَ يا أبا سعيد، ثم قال: تعلَموا العلم للأديان، والنحوَ للسان، والطمث للأبدان.\rوكان الحسن كما قال الأعرابي وسمع كلامه: والله إنه لفصيح إذا لفظ، نصيحٌ إذا وَعظ. وقيل له: يا أبا سعيد، ما نراكَ تلحن، قال: سَبَقْتُ اللحن. أخذه أبو العتاهية، وقيل له: إنك تخرج في شعرك عن العَرُوض، فقال: سبقت العروض.\rوقال إسحاق بن خلف البهراني: الكامل:\rالنحو يصلَح من لسانِ الأَلْكَنِ ... والمرءُ تَعْظِمُه إذا لم يلحنِ\rفإذا طلبت من العلوم أجلَّها ... فأجلُّها منها مقيمُ الألْسُنِ\rوقال علي بن بسام: الطويل:\rرأيتُ لسانَ المَرْء رائدَ عِلْمِهِ ... وعنوانه فانظُرْ بماذا تُعَنْوَنُ\rولا تَعدُ إصلاحَ اللسانِ فإنهُ ... يُخَبِّرُ عما عنده ويبين\rعلى أن للإعراب حَدّاً، وربما ... سمعت من الأعراب. ما ليس يحسُنُ\rولا خيرَ في اللفْظ الكريهِ استماعُهُ ... ولا في قبيح اللَحْنِ والقصْد أزْيَنُ\rوقال بعضُ أهل العصر، وهو أبو سعيد الرستمي: الطويل:\rأفي الحقِّ أن يُعْطى ثلاثون شاعراً ... ويحرَم ما دونَ الرضا شَاعِرٌ مثلي؟\rكما سامحوا عمْراً بواوِ زيادةٍ ... وضُويِقَ بسم الله في أَلِف الوَصْل\rأبو الفتح البستي: الطويل:\rحُذِفْتُ وغيري مثبَت في مكانهِ ... كأنيَ نون الجمعِ حين يُضَافُ\rوقال: البسيط:\rافْدِي الغزالَ الذي في النِّحْوِ كلَّمني ... مُنَاظِراً فاجتبيتُ الشّهدَ من شفَتِهْ\rفأوْرَدَ الحججَ المقبولَ شاهِدُها ... محققاً ليريني فَضْلَ معرفَتِهْ\rثم اتفقْتُ على رَأْيٍ رضيتُ بهِ ... والرفع من صِفتي والنصبُ من صفتِهْ\rالحسن اللحام: الكامل:\rأنا من وجوه النحوِ فيكم أفْعَلُ ... ومن اللغاتِ إذا تُعَدُّ المهمَلُ\rالتعلّق بالغلام\rوقال أحمد بن يوسف:","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"كتب غلامٌ من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان، إلى آخر منهم وكان قد علق به، وكان شديدَ الْكَلَف به والمحبَّة له: ليس من قَدرِي - أدام الله سعادَتك - أن أقولَ مثلك جُعِلْتُ فِدَاك؛ لأني أراك فوقَ كلِّ قيمة خطيرة وثمن مُعْجِز، ولأنَّ نفسي لا تُسَاوِي نفسك، فتُقْبَل في فِدْيتك، وعلى كل حال؛ فجعلني اللًهُ فِدَاءَ ساعة من أيامك، اِعْلَمْ أيها السيد العليُّ المنزلة، أنه لو كان لعَبْدِك من شدّة الخطب أمرٌ يقفُ على حدّه النعت، لاجتهدنا أن يُضْعِفَ من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قَلْبِك، وتحنو له على الرقة به والتحفي أثناء جوانحك، ولكن الذي أمسيت وأصبحت ممتحَناَ به فيه شَسَعَ على كل بيان، ونزح عَنْ كل لسان؛ والحب أيها المالك لم يَشُبْهُ قَذَى ريبة، ولم يختلط به قلب مَعَاب، فلا ينبغي لمن كرمت أخلاقُه أن يعاف مقارَبة صاحبه المدل بحرمة نيته، والذي أتمناه، أيها المولى اللطيف، مجلس أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى جسدي، وفتّ كبدي، فإن خفّ ذلك عليك ورأيت نشاطاً من نفسك إليه كنتَ كمن فك أسيراً وأبرَأَ عليلاً، ومن الخير سلك سبيلاً، يتوعَّرُ سلوكُها على منْ كان قبله، ومَنْ يكون بعده؛ ثم أضاف إلى ذلك منَّةً لا يُطيقها جَبَلٌّ رَاس، ولا فلك دائر، فرأيك أيها السيد المعتمد في الإسعاف، قبل أن يَبْدرَني الموتُ؛ فيحول بيني وبين ما نزعت إليه النفس مواصلاً براً إن، شاء الله تعالى.\rفأجابه: تولى الله تعالى ما جرئ به لسانك بالمزيد، ولا أَوحش ما بيننا بِطائر فُرْقَة، لا صافر تشتّت، وضمَّنَا وإياك في أوثَق حبال الأنس، وأوكد أَسبابِ الألفَةِ؛ وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامرَ قلبك، وانطوى في ضميرك، من الشغَف المقلق، والهوى المضرع، ولعمري لو كشَفْت لك عن مِعْشَار ما اشْتُمل عليه مضمر صدري لأيقنت أن الذي عندك إذا قسْتَه إلى ما عندي كالمتلاشي البائد، ولكنك بفَضل الإنعام سَبَقْتَنا إلى كَشْف ما في الضمير. وأما طاعتي لك، وذمامي إليك؟ فطَاعةُ العبد المقْتَنَى، الطائع لما يَحكُم له وعليه مولاه ومالِكُه، وأنا صائر إليك وَقتَ كذا؛ فتأهب. لذلك بأحمد عافية، وأتم عُقْدَة، وأَسْعَد نجم جرى بالألفة، إن شاء الله تعالى.\rوكتب بعض الكتاب: إني لأكرَهُ أنْ أفديك بنفسي استحياءً من التقصير في المعاوضة، ومن التخلف في الموازنة، وعلى الأحوال كلِّها، فقدَّم الله رُوحِي عنك، وصانني عن رُؤْية المكروه فيك.\rوقال المتنبي:\rفِدًى لكَ من يُقَصر عن مَدَاكا ... فلا مَلِكٌ إذَنْ إلاَّ فِدَاكا\rولو قُلنا فِدًى لك مَنْ يُسَاوِي ... دَعَوْنَا بالبقاء لمَنْ قَلاَكا\rوآمَنَّا فِداءَكَ كل نَفْسٍ ... وإن كانت لمملكةٍ مِلاَكا\rوقال عبيد الله بن شبيب: كتب إليَّ بعض إخواني من أهل البصرة كتاباً ملح فيه وأوجز، وهو: أطال الله بقاءك، كما أطال حباءك، وجعلني فداك إن كان في فداؤك: الوافر:\rكتبتُ ولو قدرتُ هوًى وشوقاً ... إليك لكنت سطراً في كتابي\rوكتب آخر إلى إبراهيم وأحمد ابني المدبّر، وقد أصابتهما مِحْنَة ثم أردفتها نعمة: لو قُبلت فيكما، ودانيتُ قدريكما، لقلت: جعلني الله فداكما، ولكني لا أجزي عنكما، فلا أُقبل بكما، وقد بلغتني المحنة التي لو مات إنسان غَمّاً بها لكنته ثم اتصلت النعمة التي لو طار امرؤ برحابها لكنته وكتب تحته: الطويل:\rوليس بتزويقِ اللسانِ وصَوْغهِ ... ولكنَهُ قد خالط اللَحْمَ والدَّمَا\rوكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذِرُ في تَرْك مكاتبته بالتفدية: الله يعلم، وكفى به عليماً، لقد وددت مكاتبتك بالتفدية فرأيت عيباً أن أفديك بنفسٍ لا بدَّ لها من فَنَاء، ولا سبيلَ لها إلى بَقَاء، ومَنْ أظهر لك شيئاً وأضمر لك خِلاَفه فقد غشَّ؛ والأمر إذا كانت الضرورَةُ تُوجبُ أنه مَلَقٌ لا يحقق، وإعطاء لا يتحصّل، لم يجب أن يخاطبَ به مِثْلُك، وإن كان عند قوم نهايةَ من نهايات التعظيم، ودليلاً من دلالات الاجتهاد، وطريقاً من طرق التقرّب.","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"قال الزبير بن أبي بكر: قال لي مسلمة بن عبد الله بن جندب الهذلي: خرجت أرِيدُ العقيق ومعي زَيَّان السوّاق؛ فلقيْنا نسوة فيهن امرأة لم أرَ أجملَ منها فأنشدت بيتين لزَيَّان: الطويل:\rألاَ يا عبادَ الله هذا أخوكُمُ ... قتيلٌ، فهلْ فيكم له اليوم ثائرُ؟\rخذوا بدمي، إن متُّ، كلَّ خريدةٍ ... مريضةِ جَفْنِ العين والطَّرْفُ ساحِرُ\rثم قال: شأنك بها يا ابن الكرام فالطلاق له لازم إن لم يكن دم أبيك في نقابها.\rفأقبلت عليَّ وقالت: أنت ابن جندب؟ فقلت: نعم. قالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم لنفسك، واحتسب أباك.\rقال أبو عبيدة: قال رجل من فزارة لرجل من بني عذرة: تعدون موتكم من الحب مزية، وإنما ذاك من ضعف المنة، وعجز الروية. فقال العذري: أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالأعين الدعج، فوقها الحواجب الزج، وتحتها المباسم الفلج، والشفاه السمر، تفتر عن الثنايا الغر، كأنها برد الدُّر، لجعلتموها اللات والعزى، ورفضتم الإسلام وراء ظهروكم.\rوقال أعرابي: دخلت بغداد فرأيت فيها عيوناً دعجاً، وحواجب زجاً، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب.\rوذكر أعرابي نساءً فقال: ظعائن في سوالفهن طول، غير قبيحات العطول، إذا مشين أسبلن الذيول، وإن ركبن أثقلن الحمول.\rووصف آخر نساء فقال: يتلثمن على السبائك، ويتشحن على النيازك، ويتزرن على العواتك، ويرتفقن على الأرائك، ويتهادين على الدرانك، ابتسامهن وميض، عن ثغر كالإغريض، وهن إلى الصبا صور، وعن الخنا خور.\rالهوى\rسئل بعض الحكماء عن الهوى، فقال: هو جليس ممتع، وأليف مؤنس، أحكامه جائزة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه.\rوسئلت أعرابيةٌ عن الهوى فقالت: لا متع الهوى بملكه، ولا ملِّي بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضده؛ فإنه جائر لا ينصف في حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا يقصر في ظلم، ولا يرعوي للوم، ولا ينقاد لحق، ولا يبقى على عقل ولا فهم، لو ملك الهوى وأطيع لرد الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها.\rووصف أعرابي الهوى فقال: هو داءٌ تدوى به النفوس الصحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سقم مكتتم، وجمر مضطرم؛ فالقلوب له منضجة، والعيون ساكنة.\rقال أبو عبيد الله بن محمد بن عمران المرزباني: أخبرني المظفر بن يحيى، قال: أحبَّ رجلٌ امرأةً دونه في القددر، فعذله عمه، فقال: يا عمّ، لا تلم مجبراً على سقمه؛ فإن المقر على نفسه مستغنٍ عن منازعة خصمه، وإنما يلام من اقتراف ما يقدر على تركه، وليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره؛ بل قدرته أغلب، وجانبه أعز من أن تنفذ فيه حيلة حازم، أو لطف محتال.\rوقال بعضهم: رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحدهما الأخرى على هوىً لها، فقالت: إنه يقال في الحكمة الغابرة، والأمثال السائرة: لا تلومنَّ من أساء بك الظن إذا جعلت نفسك هدفاً للتهمة، ومن لم يكن عوناً على نفسه مع خصمه لم يكن معه شيء من عقدة الرأي، ومن أقدم على هوىً وهو يعلم ما فيه من سوء المغبة سلط على نفسه لسان العذل، وضيع الحزم. فقالت المعذولة: ليس أمر الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره، وهو أغلب قدرةً، وأمنع جانباً من أن تنفذ فيه حيلة الحازم، أو ما سمعت قول الشاعر: الخفيف:\rليس خَطبُ الهوَى بخطْبٍ يسيرِ ... لا ينّبيك عنه مِثلُ خَبيرِ\rليس أمرُ الهَوى يُدَبَّرُ بالرَّأْ ... ي ولا بالقياس والتفكيرِ\rإنما الأمرُ في الهوى خَطَراتٌ ... محدَثاتُ الأمورِ بَعْدَ الأمورِ؟","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"قال المرزباني: أخبرني الصولي أنّ هذه الأبيات لعُلية بنت المهدي، ولها فيها وقيل لعبد الله بن المقفع: ما بالُ العاقل المميز الذهن، واللبيب الفطِن، يتعرض للحب وقد رأى منه مواضعَ الهلكة، ومصارعَ التّلَف، وعلم ما يؤول إليه عُقْبَاه، وترجع به أُخْراه على أولاه؟ فقال: زُخْرِفَ ظاهرُ العشق بجمال زينة يستدعي القلوب إلى ملامَسَتِهِ، ومُلّي بعاجل حلاوة يَطْبي النفوسَ إلى ملابَسَته، كظاهر زخرف الدنيا، وبهاء رونقها، ولذيذ جَنَى ثمرها، وقد سكرت أبصارُ قلوب أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها، فهم في بلائها منغمسون، وفي هلكة فتنتها متورّطون، مع علمهم بسوء عواقب خَطْبها، وتجرع مرارةِ شربها، وسرعة استرجاعها ما وهبت، وإخراجها مِمَا ملكت، فليس يَنجُو منها إلا مَنْ حَذِرَها، ولا يهلك فيها إلا من أَمِنَها، وكذلك صُورةُ الهوى؛ هما في الفتنة سواء.\rالعفة\rوقال ابن دُرَيد: قال بعضُ الحكماء: أَغْلِق أبواب الشبهات بأفعال الزهادة، وافتح أبوابَ البر بمفاتيح العبادة فإنَّ ذلك يُدْنِيك من السعادة، وتستوجب من الله الزيادة.\rوقال غيرُه: إنَّ اللذةَ مشوبةٌ بالقُبح؛ ففكِّروا في انقطاع اللذَةِ وبقاء ذِكْرِ القُبحِ.\rقال أبو عبد الله بن إبراهيم بن عرفة نِفْطَوَيْه: الكامل:\rليس الظرِيفُ بكامل في ظَرفِه ... حتى يكونَ عن الحرامِ عفيفا\rفإذا تعفَّفَ عن محارم رَبّهِ ... فهناك يُدْعَى في الأنامِ ظَرِيفا\rوقال: البسيط:\rكم قد ظفرتُ بمن أَهوَى فيمنَعُني ... منه الحياءُ وخَوْفُ الله والْحَذَرُ\rوكم خَلَوْتُ بمن أَهْوَى فيُقْنِعُني ... منه الفكَاهةُ والتقبيلُ والنَّظَرُ\rأهْوَى الملاحَ وأَهْوَى أنْ أُجالِسهم ... وليس لي في حَرَام منهمُ وَطَرُ\rكذلك الحبُّ لا إتيانُ معصِيَةٍ ... لا خيرَ في لذّةٍ من بعدها سَقَر\rوقال العباس بن الأحنف: البسيط:\rأتأذنون لِصَبٍّ في زيارتكمْ ... فعندكُمْ شهواتُ السَّمْعِ والبَصَرِ\rلا يبصر السوءَ إن طالَتْ إقامتُه ... عفّ الضمير ولكن فاسق النظر\rوقال بعضُ الطالبين: الطويل:\rرمَوْني وإياهمْ بشَنْعَاءَهُمْ بها ... أَحَقُّ، أدَالَ الله منهمْ وعجَّلاَ\rبأمرٍ تركناه ورَبِّ محمدٍ ... جميعاً فإما عفَّةً أو تجمّلا\rوقال سعيد بن حميد: الخفيف:\rزائر زارَنا على غَيْرِ وعد ... مُخْطَف الكَشْح مُثْقَلُ الأردَافِ\rغالبَ الخوفَ حين غالبه الشو ... قُ وأخفَى الهوى وليس بخافِي\rغضَّ طرفِي عنه تُقى الله فاختر ... تُ على بَذلِه بقاءَ التصافي\rثم ولى والخوفُ قد هَزَّ عِطْفي ... ه ولم يخلُ من لِباس العَفَافِ\rوفي الحديث الشريف: \" مَنْ أحب فعفَّ فمات فهو شهيدٌ \" .\rوالعغافُ مع البَذْل، كالاستطاعة مع الفعل، كما قال صريع الغواني: الطويل:\rوما ذميَ الأيام أنْ لَسْتُ مادحاً ... لعَهْدِ لياليها التي سلَفَتْ قبلُ\rألاَ رُب يوم صادقِ العَيْشِ نِلْتهُ ... بها ونَدامَاي العفافةُ والبَذْلُ\rوأنشد الصولي لأبي حاتم السجستاني في المبرد، وكان يلزم حَلْقَته، وكان من المِلاَح وهو غلام: مجزوء الكامل:\rماذا لقيتُ اليومَ من ... مُتَمجِّنٍ خَنِثِ الكلامْ\rوقفَ الجمالُ بوَجْهِه ... فسمَتْ له حدَقُ الأنَامْ\rحَركَاتهُ وسُكُونهُ ... يُجْنَى بها ثَمرُ الأثامْ\rفإذا خَلَوْتُ بمثلهِ ... وعَزَمْتُ فيه على اعترامْ\rلم أَغدُ أخلاقَ العَفَا ... فِ وذاك أَوْكدُ للغَرَامْ\rنَفْسِي فِدَاؤكَ يا أبا ال ... عباس جَلَّ بك اعتصامْ\rفارْحَمْ أخاكَ فإنهُ ... نَزْرُ الكَرَى بادِي السقام\rوأنِلْهُ ما دُونَ الحرا ... مِ فليس يَرْغَبُ في الحرام\rوكان أبو حاتم يتصدق كلَّ يوم بدرهم، ويختم القرآن في كل أسبوع.","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"وذكر أنه اجتمع أبو العباس بن سُرَيج الشافعي، وأبو بكر بن داود العباسي، في مجلس علي بن عيسى بن الجراح الوزير، فتناظَرَا في الإيلاءِ، فقال ابن سريج: أنت بقولك: من كثرت لَحَظاته دامَتْ حَسَراته أبْصَرُ منك بالكلام في الإيلاء، فقال أبو بكر: لئن قلت ذلك فإني أقول: الطويل:\rأُنزِّه في رَوْضِ المحاسن مُقْلَتي ... وأَمْنَعُ نفسي أن تنالَ مُحَرَّمَا\rوأحمِلُ من ثِقل الهوَى ما لَوَ أنه ... يُصَبُّ على الصَّخْر الأصمِّ تهدَّمَا\rوينطق طَرْفِي عن مترجم خَاطِري ... فلولا اختلاسِي رَدَّهُ لتكلَّما\rرأيتُ الهوَى دَعْوَى من الناسِ كلِّهم ... فلستُ أرى حبّاً صحيحاً مسلّما\rفقال أبو العباس: بم تفتخرُ عليّ. وأنا لو شئت لقلت: الكامل:\rومُطَاعِم للشّهْدِ مِنْ نَغَماتِه ... قد بِثُ أَمْنعهُ لذيذَ سِنَاتِه\rصبَّاً بحُسْنِ حديثه وكلامِه ... وأكُرّر اللحظاتِ في وجناتِه\rحتى إذا ما الصبحُ لاح عمودُهُ ... ولَّى بخاتم رَبّه وبَرَاتِه\rفقال أبو بكر: أصلح الله الوزير، تحفظ عليه ما قال حتى يقيمَ شاهدَين عَدْلين أنه ولي بخاتم ربه فقال أبو العباس: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك: أنزه في رَوْض المحاسن مُقْلَتي... البيت. فضحك الوزيرُ، وقال: لقد جَمَعْتما ظرفاً ولُطفاً وفَهْماً وعلماً.\rألفاظ لأهل العصر\rفي محاسن النساء\rهي روضةُ الحسْنِ، وضرَّةُ الشمْسِ، وبَدْرُ الأرض. هي من وجهها في صباحٍ شَامِس، ومن شَعْرِها في ليل دَامس، كأنها فلقة قَمَر على بُرْج فضة. بَدْر التم يضي تحت نِقابها، وغُصْن البانِ يهتزّ تحت ثيابها، ثَغْرُها يجمعُ الضريب والضَّرَب، كأنهُ نثر الدرّ، كَما قال البحتري: البسيط:\rإذا نَضَوْنَ شُفُسوفَ الرَّيْطِ آوِنةً ... قَشَرْنَ عَن لؤلؤِ البَحْرَين أصْدَافا\rقد أنْبَتَ صدرُها ثمرَ الشباب، خرطَتْ لها يدُ الشبابِ حُقّيْنِ من عاج، كأنها البدرُ قُرِّط بالثريَّا، ونِيطَ بها عِقْدٌ من الجوزاء، أعلاها كالغُصْن ميّال، وأسفلها كالدِّعص مِنْهال، لها عنُق كإبريق اللُجَيْنِ، وسُرَّة كمدْهُن العاج، نِطَاقُها مُجْدِب، وإزَارُها مُخْصِب، مَطلَع الشمس من وَجْهِها، ونَبْت الدُّرِّ من فيها، وملقط الوَرْد من خدّها، ومنبع السِّحْرِ من طَرْفِها، ومبادئ الليل من شَعْرِها، ومغرس الغصن من قدِّهَا، ومهيل الرَّمْلِ من رِدْفِها.\rولهم في محاسن الغلمان والمعذرين: زاد جمالُه، وأقمر هِلاله. ترقرقَ في وجهِه ماءُ الحسْنِ، شادِنٌ فاتِرٌ طَرْفه، ساحر لَفْظه. غلامٌ تأخذُه العَيْن، ويَقْبَله القَلْبُ، ويأخذه الطَرْفُ، وترتاح إليه الرّوح. تكادُ القلوبُ تأكله، والعيون تَشْرَبُه، جرى ماءُ الشباب في عُوده فتمايلَ كالغُصْنِ، واستوفى أقسامَ الحُسْنِ، ولبس ديباجةَ المَلاَحة، كأنَّ البدْر قد ركب أزراره، لا يشبَع منه الناظرُ، ولا يروَى منه الخاطِر، كاد البدرُ يَحكِيه، والشمسُ تشبِهه وتُضَاهِيه، صورة تَجْلو الأبصار، وتُخْجِل الأقمار، شادن مُنتقبٌ بالبدْر، ومكتَحِلٌ بالسحر. ما هو إلا نُزْهة الأبصار، ومخْجل الأقمار، وبِدْعة الأمصار، غمزات طَرْفه تُخْبِر عن ظَرْفه، ومنطِقُه ينطقُ عن وَصفه. تخالُ الشمسَ تبرقعَتْ غرَّتَه، والليل ناسب أصداغَه وطُرَّتَه. الحُسنُ ما فوق أزراره، والطِّيب ما تحت إزاره، شادن يَضْحَكُ عن الأقحوان، ويتنفَّسُ عن الريحان، كأنَّ خدَّه سكران من خَمْر طرفه، وبغداد مسروقةٌ من حُسْنِه وظَرْفه، أعجمت يد الجمالِ نونَ صُدْغِه بخَال، هذا محلول من قول ابن المعتز: الوافر:\rغِلالة خَدّهِ صبغت بوَرْدٍ ... ونونُ الصُّدْغ مُعْجَمَة بخَالِ","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"له عينان حَشْوُ أجفانهما السِّحْرُ، كأنه قد أعار الظَّبْيَ جِيدَه، والغصْنَ قدَّه، والراح رِيحَه، والوَرْدَ خدَّه، الشِّكل من حَرَكاته، وجميعُ الحسْنِ بعض صفاته. قد ملكَ أزِمَّةَ القلوب، وأظهر حجَّةَ الذنوب، كأنما وَسَمَه الجمالُ بنهايته، ولحظَه الفلكُ بعنايته، فصاغَه من لَيْلِه ونهاره، وحَلاه بنجومة وأقماره، ونَقَّبه ببدائع آثاره، ورَمَقَه بنواظر سُعودِه، وجعله بالجمال أحدَ حدوده. وقد صَبَغ الحياءُ غِلاَلَة وَجْهِه، ونُشِر لؤلؤُ العرق عن وَرْدِ خدّه. تكاد الألحاظُ تسفك من خَدِّه دمَ الخجَلِ. له طرّة كالغَسَقِ، على غُرَّةِ كالفَلَق. جاءنا في غِلالة تنمُّ على ما يستره، وتجفو مع رِقّتها عما يظهره. وجهٌ بماءِ الحُسْنِ مغسول، وطَرْف بِمرْود السّحْرِ مكحول. ثغر حُمِيَ حمايةَ الثغور، وجُعِل ضرة لقلائد النحور. السحْرُ في ألحاظه، والشهدُ في ألفاظه. اختلس قامةَ الغُصْنِ، وتوشّح بمطارف الحسن، وحكى الروض غبَّ المُزْن. الأرضُ مشرقة بنورِ وجهِه، وليل السرَارِ في مثل شَعْره. الجنةُ مجتناةٌ من قُرْبِه، وماءُ الجمالِ يترقرقُ في خدِّه، ومحاسنُ الربيع بين سَحْرِه ونَحْرِه، والقمرُ فَضْلَةٌ من حُسْنِه. ما هو إلا خال في خدِّ الظّرف، وطِرَازٌ على علم الحُسْنِ، ووَرْدَةٌ في غُصْنِ الدهر، ونَقْشٌ على خاتم الملك، وشمسٌ في فَلَك اللطف. هو قَمَرٌ في التصوير، شمسٌ في التأثير. منظر يملأ العيونَ، ويملكُ النفوس، زَرافينُ أصداغه معاليق القلوب، كأنَّ صُدْغه قرط من المسك على عارِض البَدْر. وجهُه عرس، وصدغه مَأْتم، ووصله جنة، وهجره جهنم. أصداغُه قد اتخذت شَكْلَ العقاربِ، وظلمت ظُلْمَ الأقارب. إن كان عقرب صُدْغه تلسع، فترياق رِيقه يَنْفَع. كأن شاربَه زِئْبَرُ الخزّ الأخضرِ، وعِذَارُه طراز المِسْك والعَنبر الإذفر، على الوَرْدِ الأحمر. إذا تكلم تكشَّفَ حِجَابُ الزمزد والعقيق، عن سِمْط الدرِّ الأنيق. قد همَّ أرقمُ الشعْر على شاربِه، وكاد فم الحُسْن يقبّله. كأنَّ العِذَار ينقش فمنَ وَجْهِه، ويحرق فِضة خدّه. طرَّزَ الجمالُ ديباج وجْهِه، وأبانَ عِذَارُه العذرَ في حُبّه. لعب الربيعُ بخده، فأنبت البنفسجَ في وَرْده. لما احترقتْ فضةُ خده، احترق سواد القلب من حبِّه: المديد:\rكيف لا يخضرّ ُشاربهُ ... ومياهُ الحسْنِ تسقيهِ؟\rولهم في نقيض ذلك، في ذم خروج اللحية: قد انتقب بالدَّيجُورِ، بعد النور؛ فدَوْلةُ حُسْنِه قد أَعرضَتْ أيامه، وانقرضَتْ دَوْلته وأحكامُه. استحال خَدُّه دُجا، وزمرد خَدِّهِ سُبَجا؛ وأخمدت نارُ حُسْنِه بعد الإيقاد، ولَبس عارضُه ثوبَ الحِدَاد. ذَبُل وَردُ خدِّه، وتشوَّك زعْفرانُ خطه. فارقنا خَشْفاً، ووافانا جِلْفاً، وفارَقنا هلالاً وغَزَالاً، وعاد وبالاً ونكالاً. ما لي أرى الآباط جائِشة؛ والآنافَ مُعْشِبة، والعيون منورة، والأزرار مرعى، والأظفارَ حمَى، واللحى لبودا، والأسنان خُضْراً وَسُوداً؟.\rمن إنشاء بديع الزمان\rوكتب إلى بديع الزمان بعضُ من عُزل عن ولاية حسنة يستمدُّ وداده ويستميل فؤاده؛ فأجابه بما نسخته: وردَتْ رقعَتُك أطالَ الله بقاءَك فأَعَرْتُهَا طرف التعزز ومددت إليها يدَ التقزّز، وجمعت عليها ذريلَ التحرُّز، فلم تَنْدَ على كَبدي، ولم تَحْظَ بناظرِي ويَدِي، ولقد خطبت من مَودّتي ما لم أجِدْك لها كَفِيّاً، وطلبت من عِشرتي ما لم أرَك لها رضياً؛ وقلت: هذا الذي رفع عنَّا أجفان طَرْفه، وشال بشعرات أنفه، وتَاه بحُسْنِ قَدِّه، وزهَا بوَرْد خَدِّه، ولم يَسْقِنا من نَوْئِه، ولم نَسِرْ بضوئه، فالآنَ إذْ نسخ الدهرُ آيةَ حُسْنِه، وأقام مائل غُصْنِه، وفَلَلَ غَرْب عُجبِه، وكفَّ شأْو زهْوه وانتصر لنا منه بشعرات قد كسفت هِلاله، وأكسفَتْ بالَه، ومسخَتْ جمالَه، وغيّرتْ حاله، وكدّرَتْ شِرْعتَه، ونكّرت طَلْعته، جاء يستقي من جرفنا جَرفاً، ويغرف من طينتنا غَرْفاً، فمهلاً يا أبا الفضل مهلاً: مجزوء الكامل:\rأَرِغبْتَ فينا إذْ عَلاَ ... ك الشَعْرُ في خَدّ قَحِلْ؟\rوخرجْتَ من حدِّ الظبا ... ءِ وصِرْتَ في حدّ الإِبِلْ؟\rأنشأت تطلبُ عِشْرَتي ... عُدْ للعداوةِ يا خجلْ","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"أنسيت أيامك؛ إذ تكلِّمنا نَزْراً، وتنظرنا شَزْراً، وتجالسُ مَنْ حضر، ونسرق إليك النظر، ونهتز لكلامك، ونهش لسلامك: الطويل:\rفمَن لكَ بالعينِ التي كنتُ مرة ... إليك بها في سالفِ الدَّهْرِ أَنْظُرُ؟\rأيام كنت تتمايل، والأعضاء تتزايَل، وتتغانج، والأجساثُ تتفَالج، وتتفلّت، والأكبادُ تتفتت، وتخطر وترفل، والوَجْدُ بنا يَعْلو ويسفل، وتُدْبر وتُقبل، فتمنّى وتخيل، وتصدّ، وتُعْرِض، فتضني وتمرض: الطويل:\rوتبسم عن ألمي كأنَ منوراً ... تخلّل حرّ الرمل دعصٌ له ندُّ\rفأَقْصِر الآنَ فإنه سوقٌ كَسَد، ومتاعٌ فَسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت: مجزوء المتقارب:\rوعهد نِفَاق مَضَى ... وسوق كسادٍ نَزلْ\rوخدّ كأَنْ لم يكُنْ ... وخَطّ كأن لم يَزَلْ\rويوم صار أمس، وحسرة بقيتْ في النفس، وثغر غاضَ ماؤُه فلا يرشف، وريق خدع فلا ينشف، وتمَايل لا يعجب، وتئنّ لا يطرب، ووجه زال بهاؤه، ومُقْلة لا تجرح ألحاظها، وشفَة لا تفتن ألفاظها، فحتّام تُدِلّ، وإلاَمَ نحتملُ وعَلاَم. وآن أن تذْعِن الآن، وقد بلغني ما أنت مُتَعَاطيه من تمويه يجوز بعد العِشاء في الغَسَق، وتشبيه يفتضحُ عند ذوي البصر والصدق؛ من إفنائك لتلك الشعرات جفّاً وحَصّاً، وإنْحَائك عليه نقصاً وقصّاً. وسيكفينا الدهرُ مؤونة الإنكار عليك، بما يزفّ من بنات الشعر وأمهاته إليك؛ فأمأ ما استأذنت فيه رَأيي من الاختلاف إلى مجلسي فما أقلَّ إليك نشاطي؛ وأضيق عنك بساطي، وأشنع قلقي منك، وأشدّ استغنائي عن حضورك، فإن حضرت فأنت داءٌ نَرُوضُ عليه الحلم، ونتعلّم به الصبر، ونتكلّف فيه الاحتمال، ونُغْضِي منه الجَفْنَ على قَذى، ونَطوِي منه الصدر على أذى، ونجعله للقلوب تأنيباً، وللعيون تاْديباً. وما لك إلا أن تعتاض من الرغبة عنّا رغبةً فينا. ومن ذلك التدلل علينا تذللاً لنا، ومن ذلك التعالي تَبَصبصا، ومن ذلك التغالي ترخُصَاً، وما بال الدهر أعقبك من التزايد تنقصاً، ومن التسحُّب على الإخوان تقمُّصاً، ولئن اعتَضْتَ من الذهاب رُجوعاً، لقد اعتضنا من النزاعُ نُزوعاً، فانْأَ برَحْلكِ وجانبك، ملقًى حَبْلك على غارِبك، لا أُوثِر قُرْبك، ولا أَنْدَهُ سِرْبك، والسلام.\rومن إنشاء بديع الزمان في مقامات الإسكندري، ولعلّ ما فيها من الطول غير مملول. قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: كان يبلغُني من مقامات الإسكندري ما يُصغِي له النَفُور، ويَنتفضُ له العصفور، ويُرْوَى لي من شِعْرِه ما يَمْتزج بِأَجْزاء الهواء رِقَّة، ويَغْمُضُ عن أوهام الكَهَنَةِ دِقة، وأنا أسألُ الله بقاءه، حتى أرْزَق لقاءَه، وأتعجب من قعودِ هِمَّته بحالتهِ، مع حُسْنِ آلتهِ، وقد ضربَ الدهر شؤونه أسداداً وهلم جراً. إلى أنِ اتفقَتْ لي حاجةٌ بحِمْصَ، فشحَذتُ إليها الحِرْصَ، في صُحْبَة أفرادٍ كنجوم اللَيل، أَحْلاَس لظهورِ الخيلِ، فأخذنا الطريق نَنْتهبُ مسافتَه، ونستأصِلُ شَأْفَته، ولم نزلْ نَفْرِي أسْنِمَةَ النِّجَادِ بتلك الجِيَادِ، حتَّى صِرْن كالعِصِيِّ، ورَجَعْن كالقسِي، وتَاحَ لنا وادٍ في سفْح جبل، ذي ألاَءٍ وآثلٍ، كالعذَارى يُسَرِّحْن الضفائرَ، وينْشُرْن الغدائر، فقالتِ الهاجرةُ بنا إليها، فنزلنا نُغوِّر ونَغُور، ورَبطْنا الأفراسَ بالأَمْراس، ومِلْنا مع النُّعاس، فما راعَنا إلا صهيلُ الخيول، ونظرت إلى فَرَسي وقد أرْهَفَ أُذنيه، وطمَحَ بعينيه، يجُذُّ قُوَى الْحَبل بمشافره، ويخُدُّ خَدَّ الأرض بحوافره، ثم اضطربت الخيلُ، فأرسلت الأَبوال، وقطَّعَتِ الحبال، وصار كل منا إلى سلاحه، فإذا الأسد في فَرْوة الموت، قد طلع من غابه، منتفخاً في إهابه، كاشراً عن أنيابه، بطَرْف قد ملئ صَلَفاً، وأنف قد حشي أنفاً، وصدر لا يبرحه القلب، ولا يسكنه الرُعب، فقلنا: خطْبٌ واللّه ملم، وحادِث مهمٌ، وتبادَرَنا إليه من سَرْعان الرُفقة فتى: الرمل:\rأخضر الجِلْدة من بيْت العَرَب ... يملأُ الدَلْوَ إلى عقد الكَرَبْ","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"بقلبٍ ساقه قدر، وسيفٍ كله أثرٌ، فملكتْهُ سورة الأسد، فخانته أرضُ قدمه، حتى سقط ليده وفمه، وتجاوز الأسد مَصْرَعه، إلى مَن كان معه، ودَعا الحينُ أخاه، إلى مثل. ما دعاه، فسار إليه، وعقل الرُّعب يديه، فأخذ أرضه وافترس الليثُ صدره، ولكن شغلتُ بعمامتي فمه، حتى حقنتُ دمه، وقام الفتى فوَجأَ بطنه حتى هلك من خوفه، والأسد بالوجأة في جوفه، ونهضنا على أثر الخيل، فتألفنا منها ما ثبت، وتركنا ما أَفلتَ، وعدنا إلى الرفيق لنجهزَه: الطويل:\rفلما حَثَوْنَا التربَ فوقَ رفيقنا ... جَزعنا ولكن أيُّ ساعة مَجزع\rوعدنا إلى الفلاة، فهبطْنا أرضها، وسرْنا حتى إذا ضمرت المزاد، ونفدَ الزادُ، أو كاد يدركه النفاد، ولم نملك الذهاب ولا الرجوع، وخفنا القاتلين الظمأ والجوعَ، عنَّ لنا فارسٌ فصَمَدْنا صَمْده، وقصدنا قصده، ولما بلغنا نزلَ عن حاذ فرسه ينقُشُ الأرضَ بشفتيه، ويلقي الترابَ بيديه، وعمدني من بين الجماعة، فقبل ركابي، وتحزَم بثيابي، ونظرتُ فإذا وَجه يبرق برق العارض المتهلّل، وفرس متى ما ترقُّ العينُ فيه تسهل، وعارضٌ قد اخضرَ، وشاربٌ قد طرّا، وساعدٌ ملآن، وقضيب رَيان، ونجار تركيّ، وزي ملكي، فقلت: ما جاء بك؟ لا أبالك! فقال: أنا عبد بعض الملوك، همَّ من قتلي بهم، فهمت على وجهي إلى حيث تراني، وشهدت شواهدُ حاله، على صدق مقاله، ثم قال: أنا اليوم عبدُك، ومالي مالك، فقلت: بشرى لك وبك، أدَّاك سيرُك إلى فناءٍ رَحْب، وعيش رَطْب، وهنأتني الجماعة، بحسب الاستطاعة، وجعل ينظرُ فتقتلنا ألحاظه، وينطقُ فتفتننا ألفاظه، والنفس تناجيني فيه بالمحظور، والشيطان من وراء الغرور، فقال: يا سادة، إنَّ في سفح هذا الْجبل عيناً، وقد ركبتم فلاة عَوْراء، فخذوا من هنالك الماء، فلوينا الأعنة، إلى حيث أشار، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادبُ العيدان، فقال: ألا تقيلون في هذا الظل الرَحب، على هذا الماء العذب؟ فقلنا: أنت وذاك، فنزل عن فَرَسه، ونحى منطقته، وحلَّ قُرْطَقَته، فما استتر عنّا إلا بغلالةٍ تنمُ، على بدنِهِ، فما شكَكْنا أنّه خاصم الوِلدَان، ففارقَ الجنَان، وهرَب من رضْوَان، وعمد إلى السروج فحطَّها، وإلى الأفراسِ فحشَّهَا، وإلى الأمكنة ففرشها، وقد حارتِ البصائر فيه، ووقعت الأبصارُ عليه، ووَتد كلّ منا شبقاً، وخنث اللفظ ملَقاً. وقلت: يا فتى، ما أَلطفَك في الخِدْمَة! وأحسنَك في الجملة! فالويلُ لمن فارَقْتَه، وطُوبى لمن رافَقْتَه، فكيفَ نشْكُر الله على النعمةِ بك؟! فقال: ما ستَرَوْنه أكْثر، أتُعْجِبكم خِفِّتي في الخِدْمة، فكيف لو رأيتمُوني في الرُّفْقة؟ أُرِيكم من حِذْقي طُرَفاً، لئزدادُوا بي شَغَفاً؟ فقلنا: هاتِ، فعمد إلى قَوْس أحدِنا فأَوْتَرَه؛ وفوَّق سَهْماً فرماه في السماء، وأتْبَعه بآخر فشقه في الهواء، وقال: سأريكم نوعاً آخر، ثم عمد إلى كنانتي فأخذها، وإلى فرسي فعلاه، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدرِه، وآخر طيّره من ظهره، فقلت: ويحك! ما تصنعُ؟ قال: اسكت يا لُكَع، واللّه ليشدنَّ كل منكم يَدَ رفيقه، أو لأغصَّنّه بريقهِ، فلم نَدْر ما نصنعُ، وأفراسنا مربوطة، وسرُوجنا محطوطة، وأسلِحَتُنا بعيدة، وهو راكبٌ ونحن رَجَّالة، والقوسُ في يده يرشقُ بها الظهورَ، ويمشُق بها البطونَ والصدورَ، وحين رأينا منه الجِدَّ، أخَذْنا القدَّ، فشدَّ بعضنا بعضاً، وبقيت وَحْدي لا أجِدُ من يشدُّني، فقال: اخرُجْ بإهابك، عن ثيابك، ثم نزل عن فرسه، وجعل يصفعُ الواحِدَ منّا بعد الآخر، ويقول: أقمت قضيبك، فخذ نصيبك، ونزع ثيابه، وصار إليَّ وعليّ خُفّانِ جديدان فقال: اخلعهما لا أُمَّ لك، فقلت: هذا خفٌّ لبسْتُه رَطباً، فليس يمكنني خلعه فقال: عليّ نزعه، ثم دنا لينزعَ الخُفّ، ومدَدْتُ يَدِي إلى سكّين فيه وهو مشغول، فأثْبَتُّه في بطنه، وأبَنْتُه من مَتْنِه. فما زاد على فَم فَغَرَه، وأَلْقَمَه حجَره، وقُمْتُ إلى أصحابي فحَللْتُ أيدِيَهم، وتوَزَّعْنا سلَب المقتوليْن، وأدَرَكْنَا الرفيق، وقد جاد بنفسه، وصار إلى رَمْسِه، وصِرْنَا إلى الطريق فوردْنا حِمْص بعد ليال، فلما انتهينا إلى فُرْضَةٍ من سُوقِها رأينا رجلاً قد قام على رأس ابن وبُنَيّة، بِجِراب وعُصَيَّة، وهو يقول: مجزوء الخفيف:","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"رَحِمَ الله مَنْ حَشَا ... في جِرَابِي مَكارِمَهْ\rرَحِمَ الله من رَثَى ... لسعيد وفَاطِمَهْ\rإنّهُ خادِمٌ لَكُمْ ... وهْيَ لا شكَّ خَادِمَهْ\rقال عيسَى بن هشام: فقلت: إنَ هذا الرجل هو الإسكَندري الذي سَمِعْتُ به وسأَلْتُ عنه فإذا هو هو، فدَلًفْتُ إليه، فقلت له: أحكمك حكمك، فقال: درهم، فقلت:مجزوء الكامل:\rلَكَ دِرهمٌ في مِثْلِه ... مَادامَ يُسْعِدُني النفَسْ\rفاحْسِبْ حِسابكَ والتمسْ ... كيما تنالَ الملتمَسْ\rلك دِرهم في اثنين، وفي ثلاثة، وفي أَربعة، في خَمْسة حتى بلغث العشرين، ثم قلت: كم معك؟ قال: عشرون رغيفاً، فأمرْتُ له بها، وقلت: لا نصرة مع الخِذْلان، ولا حِيلَة مع الحِرْمَانِ.\rوقال أبو فراس الحمداني: البسيط:\rسكرتُ منْ لَحْظِه لا مِنْ مُدَامتِه ... ومالَ بالنوم عن عيني تَمَايُلُهُ\rوما السُّلافُ دَهَتْني بل سَوالِفهُ ... ولا الشَّمولُ دَهَتْنِي بل شَمائِلُهُ\rألوَى بصبْرِيَ أَصْدَاغٌ لُوِينَ لهُ ... وغَالَ عَقْلِي بما تَحْوِي غَلاَئِلُه\rوقال ابنُ المعتزّ، وقد تقدَم عنه في هذه الألفاظ: الوافر:\rويوم فاخِتيّ الدَّجنِ مُرْخٍ ... عَزَالِيَهُ بهَطْل وانهمال\rأبحْتُ سرورَه وظللت فيهِ ... برَغْمِ العاذلات رَخِيَّ بَالِ\rوساقِ يجعلُ المنديل منهُ ... مكان حمائلِ السيفِ الطوالِ\rغلالة خَدّه صبغَتْ بوَرْدٍ ... ونون الصُّدْغ مُعْجَمة بخَالِ\rبَدَا والصبحُ تحت الليل بادٍ ... كطِرْفٍ أبلقٍ مرخي الجِلال\rبكأس من زجاج فيه أسْدٌ ... فرائسهنّ ألبابُ الرجالِ\rأقولُ وقد أخذت الكاس منهُ ... وَقَتْكَ السوءَ ربَّاتُ الحجالِ\rوقد أَحسنَ ما شاء في قوله:\rفرائسهن ألْبابُ الرجالِ\rوإن كان أصل المعنى لأبي نواس في ذكر تصاوير الكاس.\rقال الصولي: مَرَّ أبو نواس بالمدائن فعدل إلى سَاباط، فقال بعضُ أصحابه: ندخل إيوان كسرى، فرأينا آثاراً في مكانٍ حَسَنٍ تدلُّ على اجتماع كان لقومٍ قبلنا، فأقمنا خمسةَ أيام نشربُ هناك، وسألنا أبا نواس صِفَةَ الحالِ، فقال: الطويل:\rودارِ نَدامَى عَطَّلُوها وأَدْلجُوا ... بها أثرٌ منهمْ جَدِيدٌ ودارِسُ\rمَساحِبُ من جَرِّ الرقاق على الثرَى ... وأَضْغاثُ رَيْحانٍ جَنِيٌّ ويَابِسُ\rولم أرَ منهم غيرَ ما شهِدَتْ بهِ ... بشرقيَّ سَابَاطَ الديارُ البَسَابس\rحبَسْتُ بها صَحْبي فجمَّعْتُ شَمْلَهم ... وإني على، أمثال تلك لحابسُ\rأقَمْنَا بها يوماً ويوماً ثالثاً ... ويومٌ له يوم الترحُّل خَامِسُ\rتُدَارُ علينا الراحُ في عَسجديّةٍ ... حَبَتْها بأنواع التصاويرِ فارسُ\rقرارَتُها كِسْرَى وفي جَنَباتها ... مَهًى تدَّريها بالقِسِيِّ الفوارسُ\rفللرَّاحِ ما زُرَّتْ عليه جيوبُها ... وللماءِ ما دارت عليه القَلانِسُ\rوقال علي بن العباس النوبختي: قال لي البحتري: أتدري من أين أخذ الحسن قوله:\rولم أرَ منهم غير ما شَهِدَتْ به؟\r... البيتَ. فقلت: لا، قال: من قول أبي خراش: الطويل:\rولم أَدْرِ مَنْ ألقَى عليه رِداءهُ ... سوى أنه قد سُلَّ عن مَاجِدٍ مَحْضِ\rفقلت: المعنى مختلف، فقال: أما ترى حَذْوَ الكلامِ واحداً، وإن اختلف المعنى؟! قال الجاحظ: نظَرْنَا في الشعر القديم والمحْدَث فوجَدْنَا المعاني تُقْلَب ويؤخذ بعضُها من بعض، غير قول عَنترة في الأوائل: الكامل:\rوخلا الذبابُ بها يُغَنّي وحْدَه ... غَرداً كفعْلِ الشارب المترنِّمِ\rهَزِجاً يحُكُّ ذرَاعَه بذراعهِ ... قَدْحَ المُكِبِّ على الزنادِ الأَجْذَمِ\rوقول أبي نواس في المحدثين: الطويل:\rقرارتُها كِسرى وفي جنَباتها ... مَهًى تَدَّريها بالقِسيّ الفوارسُ","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"فللِزَاح ما زُرَّتْ عليه جيوبُها ... وللماء ما دارَتْ عليه القلانسُ\rأخذه أبو العباس الناشئ فقال وولَد معنًى زائداً: الكامل:\rومُدَامَةٍ لا يبتغي مِنْ رَبِّهِ ... أَحدٌ حَباه بها لَدَيهِ مزِيدا\rفي كأسها صوَر تُظنّ لحُسْنها ... عُرُباً بَرَزنَ من الخيام وغِيدَا\rوإذا المزاج أَثارها فتقسَّمت ... ذهباً ودُرّاً تَوْأَماً وفريدا\rفكأنهن لبسْنَ ذاك مَجَاسِدا ... وجَعَلْنَ ذا لِنُحُورِهنّ عقُودا\rوأبياتُ أبي خراش، وكان خراش وعروة غَزَوا ثمالة فأسَروهُمَا، وأخذوهما وهمّوا بقتلهما، فنهاهم بنو رزام، وأَبى بنو هلال إلا قَتْلَهما، وأقبل رجل من بني رزام فألْقَى على حراش رداءَه، وشُغِل القومُ بقَتْل عُرْوة، وقال الرجل لخراش: انْجُهْ، فنجا إلى أبيه، فأَخبره الخبر، ولا تعرفُ العرب رجلاً مدح مَنْ لا يعرفه غيرُهُ: الطويل:\rحَمِدْتُ إلهي بعد عُرْوةَ إذ نَجا ... خِرَاشٌ وبعض الشَرِّ أهونُ من بعضِ\rفواللهِ لا أَنْسَى قتيلاً رُزِئْتُهُ ... بجانب قَوْسَى ما مشيتُ على الأرض\rبلى إنها تَعْفُو الكُلومُ، وإنما ... نُوكَّلُ بالأدنى وإنْ جَلَّ ما يَمضِي\rولم أَدْرِ مَنْ ألْقَى عليه رِدَاءهُ ... سوى أنَّه قد سُلَّ عن ماجِدٍ مَحْضِ\rولم يك مثلوجَ الفؤاد مهبّجاً ... أضاع الشبابَ في الرَّبيلةِ والخَفْضِ\rولكنه قد لوَّحَتْه مَخَامِص ... على أنه ذو مِرّة صادِقُ النهضِ\rكأنهمُ يشَّبّثون بطائر ... خفيفِ المُشَاسِ عَظْمُهُ غيرُ ذي نَحْضِ\rيُبادِر فَوْتَ الليلِ فهو مُهَابدٌ ... يَحُث الجناحَ بالتبسّطِ والقَبْضِ\rالربيلة: الخَفض والدعة، والمعابد: المجتهد في العَدْو والطيران.\rوقال أبو خراش يرثي أخاه عروة: الطويل:\rتقولُ أراه بعد غزوَةَ لاهياً ... وذلك رُزءٌ لو علمْتِ جليلُ\rفلا تحسَبي أني تناسيت عَهْدَهُ ... ولكنَ صَبْرِي يا أميمَ جَمِيلُ\rألم تَعْلمي أنْ قد تَفَرَّقَ قبْلَنا ... خليلاَ صفاءٍ مالكٌ وعَقِيلُ\rوأنِّي إذا ما الصبحُ أنسِيتُ ضوءَه ... يعاوِدُني قِطْعٌ عليَّ ثقيلُ\rأبى الصبرَ أني لا أزالُ يهيجني ... مبيتٌ لنا فيما مَضَى ومَقِيلُ\rمالك وعقيل اللذان ذكرهما، نَدِيما جذيمة الأبرش، وكانا أتياه بابنِ أخته عمرو، وكان قد استهوَتْه الجِنّ، فمنّاهما فتمنّيا مُنادمتَه، وهما اللذان عني متمِّم ابن نُوَيْرَةَ في مرثية أخيه مالك: الطويل:\rوكنا كنَدْمَانَيْ جَذِيمةَ حِقْبَةً ... من الدهرِ حتى قيل لن يَتَصَدَّعا\rفلمّا تفرّقْنا كأني ومالكاً ... لطولِ اجتماع لم نَبِتْ ليلَةً معا\rوقول عنترة في وَصْفِ الذباب أَوْحَد فرد، ويتيم فَذّ، وقد تعلق ابن الرومي بذيله وزاد معنًى آخر في قوله: الطويل:\rإذا رنقتْ شمسُ الأصيلِ ونفَضَتْ ... على الأفق الغربيّ وَرْساً مُزعْزَعا\rولاحظتِ النُوارَ وهي مريضةٌ ... قد وضعَتْ خَدّاً على الأرض أضرَعا\rكما لاحظت عُوَّادَها عَيْنُ مُدْنَفٍ ... توجَّع من أوصابِه ما توجعَا\rوبين إغضاء الفِرَاق عليهما ... كأنهما خِلاَّ صَفاء تودّعا\rوقد ضربَتْ في خُضْرَةِ الرَّوضِ صُفْرةٌ ... من الشمس فاخضرّ اخضِرَاراً مشَعشعا\rوظلَّت عيونُ النورِ تخضَلُّ بالندى ... كما اغرورقَتْ عَيْنُ الشَجِيِّ لتَدْمَعَا\rوأذْكى نسيم الرّوْضِ ريعانُ ظلِّه ... وغَنّى مُغَنَي الطيرِ فيه مُرَجِّعَا\rوغَرَّد ربعي الذبابِ خلالَهُ ... كما حَثْحَتَ النشْوَان صَنْجاً مشرَّعا\rفكانت أرانين الذباب هناكمُ ... على شدَواتِ الطيرِ ضَرْباً موقعا","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"وذكر أبو نواس معنَى قوله في تصاوير الكؤوس في مواضع من شعره فمن ذلك: الطويل:\rبَنَيْنَا على كِسْرَى سماءَ مُدَامَةٍ ... مكلّلةً حافاتُها بنجُومِ\rفَلَوْ رُدَّ في كِسْرَى بن ساسانَ رُوحُهُ ... إذاً لاصطَفاني دونَ كلِّ نَدِيم\rوأول هذا الشعر: الطويل:\rلِمَنْ دِمَنٌ تَزْدادُ طِيبَ نسيمِ ... على طولِ ما أقْوَت وحُسن رسُومِ\rتجافَى البِلَى عنهنَّ حتى كأنما ... لبِسْنَ على الإقْوَاءِ ثوبَ نَعيمِ\rوهذا معنًى مليح وإن أخذه من قول أعرابي: المنسرح:\rشطّتْ بهمْ عنك نيَّةٌ قُذُفٌ ... غادرت الشعْبَ غيرَ مُلْتَئِمِ\rواستودَعَت سِرَّهَا الديارَ فما ... تزدادُ طِيباً إلا على القِدَمِ\rوهذا ضدّ قول محمد بن وهيب: الكامل:\rطَلَلاَنِ طالَ عليهما الأمدُ ... دَرَسَا فلا عَلَمٌ ولا قَصَدُ\rلَبِسَا البِلَى فكأنما وَجَدَا ... بعد الأحِبَّة مثلَ ما وَجَدُوا\rوقال الأخطل: الطويل:\rلأسماءَ مُحتَلّ بناظرةِ البِشْرِ ... قَدِيمٌ ولمَّا يَعْفُهُ سالفُ الدَّهْرِ\rيكادُ من العِرْفَان يَضْحك رَسْمُهُ ... وكم من ليالٍ للديار ومن شَهْرِ\rهذا أيضاً كقول أبي صخر الهذلي: الطويل:\rللَيْلَى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرَفتُها ... وأخرى بذاتِ البَيْنِ آياتُها سَطْرُ\rكأنهما مِ الآنَ لم يتغَيّرا ... وقد مرَّ للدارينِ من بَعْدِنا عَصْرُ\rوقد قال مُزَاحم القيلي: الطويل:\rتراها على طولِ الْقَوَاء جَدِيدةً ... وعَهْدُ المغانِي بالحلولِ قدِيمُ\rوقرأ الزبير بن بكار أخبار أبي السائب!المخزومي، فلما بلغ إلى قول مالك بن أسماء الفزاري: الكامل:\rبَكَتِ الديارُ لفَقْدِ ساكنها ... أفعِند قلبِي أَبْتَغِي الضَبْرَا؟\rهذا البيت نظير قول ابن وهيب: الكامل:\rبينا هُمُ سكن بحيرَتِهِمْ ... ذكروا الفراقَ فأصبحوا سَفْرا\rفظللت ذا ولَه يعاتِبُني ... مَنْ لا يرَى أَمْرِي له أَمْرَا\rوإن أبا السائب قال عند سماع البيت الأوسط: ما أسرع هذا! أما اقدّمَوْا ركاباً؟ أما ودَّعُوا صديقَاَ؟ فقال الزبير: رحم الله أبا السائب فكيف لو سمع قولَ العباس بن الأحنف: الخفيف:\rسأَلونا عن حالِنا كيف أَنتُمْ ... فَقَرنَّا ودَاعَنا بالسؤَالِ\rما أَنخْنا حتى ارتحلنَا فما فرّقْنَ بين النزول والإِرتجال؟\rهكذا رواه الزبير بن بكار لمالك بن أسماء، ورواها غيره لأيوب بن شبيب الباهلي.\rومن ألفاظ أهل العصر\rفي صفة الديار الخالية\rدارٌ لبِسَت البِلى، وتعطلت من الحُلى. دار قد صارت من أهلها خالية، بعد ما كانَتْ بهم حَالية. دار قد أنفَد البين سكانَها، وأقعد حيطانها، شاهد اليأس منها ينطِقُ، وحَبْلُ الرجاءِ فيها يقصر كأنّ غفرانها يُطوئ وخرابَها يُنْشر، أركانُها قيام وقعود، وحيطانها ركَّعٌ وهُجود.\rيشبه الأول من قول مالك بن أسماء قول مزاحم العقيلي: الطويل:\rبكَتْ دارُهُمْ مِن فَقْدِهم فتهلَلَتْ ... دموعي، فأَيَّ الجازِعَيْنِ ألومُ؟\rأَمستعبر يَبْكي على الهون والبِلَى ... أمَ آخرُ يَبْكي شَجْوَه فيَهِيمُ\rأبو الطيب المتنبي: الكامل:\rلَكِ يا منازِلُ في القلوبِ منازِلُ ... أَقْفَرْتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أَوَاهِلُ\rيَعْلَمْنَ ذاك، وما علمْتِ، وإنما ... أَولاَ كُما يبكي عليه العاقِلُ\rوقال علي بن جَبَلة، في معنى قول العباس بن الأحنف: الرمل:\rزائرٌ نَمَّ عليه حسنُهُ ... كيف يُخْفِي الليلُ بَدْراً طلَعا\rبأبي مَنْ زَارَني مكتتماً ... خائفاً مِنْ كل أَمرٍ جَزِعا\rرَصَد الغَفْلَة حتى أَمْكنَتْ ... ورَعى الحارِسَ حتى هَجَعا\rرَكِبَ الأهوال في زَوْرَته ... ثمّ ما سلم حتى ودَّعَا\rوقال الحسين بن الضحاك: الرمل:","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"بأَبي زَورٌ تَلَفَّتُّ له ... فتنفّستُ عليه الصُّعَدا\rبينما أضحكُ مسروراً به ... إذا تقطعتُ عليه كمدَا\rأبو الطيب المتنبي: الخفيف:\rبأبي مَنْ وَدِدْتُه فافترَقْنا ... وقضَى الله بعد ذاك اجتماعا\rفافترَقْنَا حَوْلاً، فلما اجتمَعْنا ... كان تسليمُه عليَّ الوداعا\rوقال أبو الحسن جحظة: قال لي خالد الكاتب: دخلتُ يوماً بعض الدِّيارات فإذا أنا بشابٍّ موثَق في صِفَاد حسن الوجه؛ فسلمتُ عليه، فردّ عليَّ، وقال: مَنْ أنت؟ قلت: خالد بن يزيد، فقال: صاحب المقطعات الرقيقة. قلت: نعم! فقال: إن رأيت أن تفرِّجَ عني ببعض ما تنشدني من شعرك فافْعَل، فأنشدته: المتقارب:\rترشَفْت من شَفَتَيْها عقاراً ... وقبَّلتُ من خَدِّها جُلنارا\rوعانَقْتُ منها كثيباً مَهِيلاً ... وغُصْناً رَطِيباً وبَدْراً أَنارا\rوأَبصرْت من نُورها في الظلام ... لكل مكانٍ بليلٍ نهارا\rفقال: أحسنت لا يفضُضِ الله فاك، ثم قال: أجِزْ لي هذين البيتين: الخفيف:\rرُبَّ ليلٍ أمدَّ من نَفَسِ الْعَا ... شِق طُولاً قطَعْتُه بانتحابِ\rوحديثٍ ألذّ من نَظَرِ الوا ... مق بدَّلْتُه بسُوءِ العتابِ\rفوالله لقد أَعملت فكري فما قدرت أن أجيزهما. ويمكن أن يجازا بهذا البيت: الخفيف:\rووصال أقل مِنْ لَمْحة الْبَا ... رِق عُوضْتُ عنهُ طولَ اجتنابِ\rأوصاف في طول الليل والسهر\rوقال ابنُ الرومي في طول الليل: الخفيف:\rرُبَّ ليل كأنه الدهرُ طولاً ... قد تناهَى فليسر فيه مَزِيدُ\rفي نجومٍ كأنهنّ نجوم الشَّيْبِ ليستْ تغيبُ لكن تَزِيدُ\rوهذا من أجود ما جاء في هذا المعنى، وقد قال بشار: الطويل:\rلخدَّيْكَ مِن كفَيْك في كلّ ليلةٍ ... إلى أن ترى وَجْهَ الصباح وِسادُ\rتبيتُ تُراعِي الليلَ ترجو نَفادهُ ... وليس لليل العاشقين نَفادُ\rوقال: الطويل:\rخليليّ ما بالُ الدُّجَى لا تَزَحْزَحُ ... وما بالُ ضوءِ الصبح لا يتوضَّحُ؟\rأضلَّ النهارُ المستنيرُ سبيلهُ ... أم الدهرُ ليل كلّه ليس يَبرَح؟\rكأن الدجَى زادَتْ وما زادت الدجَى ... ولكِنْ أطالَ الليلَ همٌ مُبَرِّحُ\rوقال أيضاً: الرمل:\rطال هذا الليلُ، بل طال السهَرْ ... ولقد أعرفُ لَيْلِي بالقِصَرْ\rلم يطُلْ حتى جَفاني شَادِنٌ ... نَاعِمُ الأطراف فتانُ النظَرْ\rليَ في ليليَ منه لوعةٌ ... مَلَكَتْ قلبي وسَمْعِي والبصَرْ\rفكأن الهمّ شَخصٌ ماثلٌ ... كلما أبصره النّومُ نَفَرْ\rوقال أيضاً: الوافر:\rكأنَّ فؤادَه كُرَةٌ تَنَزَّى ... حِذارَ البَيْن إن نفع الحِذارُ\rيُرَوِّعُه السِّرارُ بكل شيءٍ ... مخافةَ أن يكونَ به السِّرارُ\rكأن جفونه سُمِلَتْ بشوكٍ ... فليس لنومه فيها قَرارُ\rأقول وليلتي تزدادُ طُولاً: ... أما لِلّيل بَعْدَهُمُ نهارُ\rجَفَتْ عيني عن التغميض حتى ... كأنَّ جفونَها فيها قِصارُ\rقيل لبشار: من أين سرقت قولك:\rيروِّعُه السرارُ بكلِّ شيء؟\rفقال: من قول أشعب الطمع، وقد قيل له: ما بلغ من طَمَعِك؟ قال: ما رأيتُ اثنين يتسَارّان إلا ظننتهما يُرِيدان أن يأمرا لي بشيء. وأخذه أبو نواس فقال: الخفيف:\rلا تبيحنّ حُرمه الكتمانِ ... رَاحةُ المستهامِ في الإعلانِ\rقد تستَّرْتُ بالسكوتِ وبالإط ... راق جَهْدي فنمَّتِ العينانِ\rتركَتْني الوُشَاة نُصْبَ المشيري ... ن وأُحدوثةً بكلِّ مكانِ\rما نرى خاليَيْنِ في الناسِ إلا ... قُلتُ ما يَخْلِوانِ إلاَّ لِشَاني\rومثل قول بشار:\rجفَتْ عَيْني عن التغميض.\r... البيتَ، وقول الآخر: المتقارب:\rكأنَّ المحبَّ بطول السُّهادِ ... قصيرُ الجفونِ ولم تَقْصُرِ","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"وقد تناول هذا المعنى العتابي فأفسده وقال: البسيط:\rوَفِي المآقِي انقباضٌ عن جفونهما ... وفي الجفونِ عن الآماقِ تَقْصِيرُ\rوقال المتنبي: الطويل:\rأعِيدوا صَباحي فَهْوَ عند الكواكبِ ... ورُدُّوا رُقادي فَهْوَ لَحْظُ الحبائب\rكأنَّ نهارِي ليلةٌ مُدْلَهِمَّةٌ ... على مُقْلةٍ من فَقْدِكم في غَياهبِ\rبعيدةُ ما بَيْنَ الجفونِ كأنما ... عَقَدْتُمْ أعالي كل هُدْبٍ بحاجب\rوقال الشعبي: تشاجر الوليدُ بن عبد الملك ومسلمة أخوه في شعر امرئ القيس والنابغة في طول الليل، أيهما أشعر. فقال الوليد: النابغة أشعر، وقال مسلمة: بل امرؤ القيس، فرضيا بالشعبي، فأحضراه، فأنشده الوليد: الطويل:\rكِليني لهمٍّ يا أُميمةُ ناصِبِ ... وليل أُقاسيه بطيء الكواكبِ\rتطاول حتى قلتُ ليس بمنْقَضٍ ... وليس الذي يَرْعَى النجومَ بآيبِ\rوصَدْرٍ أراحَ الليلُ عازبَ هَمّهِ ... تضاعفَ فيه الحزنُ من كل جانبِ\rوأنشده مسلمة قول امرئ القيس: الطويل:\rوليلٍ كموج البَحْرِ أرْخَى سُدُولَهُ ... عليّ بأنواع الهموم ليَبتَلي\rفقلتُ له لمَّا تمطَّى بجَوْزه ... وأردفَ أعْجازاً وناءَ بكَلكَلِ\rألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي ... بصُبح، وما الإصباحُ منك بأمْثَلِ\rفيا لك من ليلٍ كأنّ نجومَهُ ... بكل مُغار الفتْل شُدّت بيَذْبُلِ\rفطرب الوليد طرباً، فقال الشعبي: بانت القضية.\rمعنى قول النابغة:\rوصدر أراح الليل عازب همّه\rأنه جعل صَدْرَه مأوى للهموم، وجعل الهموم كالنَّعَم السارحة الغادية، تسرحُ نهاراً ثم تَأْتي إلى مكانها ليلاً. وهو أول من استثار هذا المعنى، ووصف أن الهمومَ مترادفةٌ بالليل لتقييد الألحاظ عمّا هي مطلقة فيه بالنهار، واشتغالها بتصرُّف اللحظ عن استعمال الفكر، وامرؤ القيس كره أن يقول: إن الهمَّ يخفُّ عليه في وقت من الأوقات فقال: وما الإصباح منك بأمثل.\rوقال الطرماح بن حكيم الطائي: الطويل:\rألا أيها الليل الذي طال أصْبِحِ ... بيوم، وما الإصباح فيك بأرْوَحِ\rعلى أن للعينين في الصُّبْح رَاحةً ... لطرحهما طَرْفَيْهما كلّ مَطرَحِ\rفنقل لفظ امرئ القيس ومعناه، وزاد فيه زيادةً اغتفر له معها فحْش السرقَةِ وإنما تنبّه عليه من قول النابغة، إلا أنّ النابغة لوّح، وهذا صرّح.\rوقال ابن بَسَّام: السريع:\rلا أظلمُ الليلَ ولا أدّعِي ... أنَ نجومَ الليلِ ليسَتْ تَغُورْ\rليْلِي كما شاءَتْ، فإنْ لم تَزُرْ ... طالَ، وإن زارتْ فلَيْلي قصيرْ\rوإنما أغار ابنُ بسام على قولِ علي بن الخليل فلم يغير إلا القافية: السريع:\rلا أظلمُ الليلَ ولا أَدعي ... أنَ نجومَ الليل ليست تَزولْ\rليلي كما شاءت، قصيرٌ إذا ... جادَتْ، وإن ضنّت فلَيْلي طَوِيلْ\rوهذه السرقةُ كما قال البديعُ في التنبيه على أبي بكر الخوارزمي في بيت أخذ روته وبعض لفظه: وإن كانت قضية القَطْعِ تجب في الربع، فما أشدّ شفقتي على جوارِحه أجمع ولعمري إن هذه ليستْ سرقة، وإنما هي مكابرة محضة، وأحسب أن قائله لو سمع هذا لقال: هذه بضاعَتُنا رُدَّت إلينا، فحسبت أن ربيعة بن مكدم وعُتيبة بن الحارث بن شهاب كانا لا يستحلاَّن من البيت ما استحلّه، فإنهما كانا يأخذان جُلَّهُ، وهذا الفاضل قد أخذ كلّه، وقد أخذ علي بن الخليل من قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان: البسيط:\rلا أَسألُ الله تغييراً لما صنَعتْ ... نامَتْ وإن أسهرَتْ عينيَّ عيناها\rفالليلُ أطول شيء حين أفقدُها ... والليلُ أقصرُ شيءٍ حين ألقاها\rوابن بسام في هذا الشعر كما قال الشاعر: الكامل:\rوفتى يقول الشعر إلا أنهُ ... في كل حالٍ يَسْرِقُ المسروقا\rألفاظ لأهل العصر\rفي طول الليل والسهر\rوما يعرض فيه من الهموم والفكر","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"ليلة من غُصَص الصَّدْرِ، ونِقَم الدهْرِ. ليلةُ همومٍ وغموم، كما شاء الحسود، وساءَ الوَدود. ليلة قصّ جناحُها، وضَلَّ صباحُها. ليل ثابتُ الأطناب، طامي الغوارب، طَامح الأمواج، وافي الذّوائب. ليال ليست لها أسْحَار، وظلمات لا تتخلّلها أنوار. بات بليلة نابغية، يُراد قوله: الطويل:\rفبت كأني ساوَرتْنِي ضئيلة ... من الرُّقْش في أَنيابها السُّمُّ نَاقِعُ\rيُسَهَدُ من ليلِ التمامِ سليمُها ... لِحَلْيِ النساءِ في يديه قعاقعُ\rبات في الصيف بليلة شتوية. سامَرَتْه الهموم، وعانَقَتْه الغموم، واكتحَلَ السهاد، وافترش القَتَاد، فاكتحل بمُلْمُول السهر، وتململ على فراش الفكر. قد أقِضَ مِهاده، وقَلِقَ وسادُه. هموم تفرِّقُ بين الجَنْبِ والمهاد، وتجْمَعُ بين العين والسُّهاد. طَرْف برَعْيِ النجوم مطروف، وفراش بشعار الهمَ محفوت. كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نَقِيب.\rولهم فيما يتصل بضدّ ذلك من ذكر إقبال الليل وانتشار الظلمة، وطلوع الكواكب: أقبَلتْ عساكِرُ الليل، وخفقَتْ راياتُ الظلام. وقد أرخى الليلُ علينا سُدولَه، وسحب الظلام فينا ذيوله. توقَّد الشفقُ في ثوب الغَسَقِ. أقبلت وفودُ النجوم وجاءت مواكب الكواكب. تفتّحت أزاهير النجوم، وتورّدت حدائقُ الجوّ، وأذْكَى الفلَك مصابيحه. قد طفت النجومُ في بَحْرِ الدُّجَى، ولبس الظلامُ جلباباً من القار. ليلة كغراب الشباب. وحَدَقِ الحِسَان، وذوائب العذَارى. ليلة كأنها في لباسِ بني العباس، ليلة كأنها في لباس الثكالى، وكأنها من الغَبَش في مواكب الْحَبَش. ليلة قد حلك إهابها، فكأن البحر يهابُها.\rولهم في ذكر النوم والنعاس: شرِبَ كأسَ النعاس، وانتشى من خَمر الكَرى، قد عَسْكر النُعَاسُ بطَرْفه، وخيّم بين عينيه. غرق في لُجةِ الكَرى، وتمايل في سَكْرَة النوم. قد كحل الليلُ الورَى بالرقاد، وشامت الأعين أجفانها في الأغماد.\rوفي انتصاف الليل وتناهيه، وانتشار النور، وأُفول النجوم: قد اكْتمَل الظلامُ. قد انتصفنا عمْرَ الليلِ، واستغرقْنَا شبابَه. قد شاب رأسُ الليل، كاد ينمُّ النسيمُ بالسَّحَر. قد انكشف غطاءُ الليلِ. انْهَتَك ستْرُ الدّجى، وشَمِطَتْ ذَوَائِبُه، وتقوَّسَ ظهرُه، وتهدَّم عُمْره. قُوِّضت خيامُ الليل، وخلع الأُفُق ثوبَ الدُّجى. أَعرض الظلامُ وتولى، وتَدَلّى عنقود الثريّا. طرز قميصُ الليل بغرَّة الصبح، وباح الصبح بسِرِّهِ. خلع الليلُ ثيابَه، وحَدَر الصبحُ نِقَابَه. لاحت تباشيرُ الصبحِ، وافترَّ الفَجْرُ عن نواجذه، وضرب النورُ في الدُّجى بعموده. بَثَّ الصبح طَلائِعه. تبرقَعَ الليلُ بغُرَّةِ الصبح. أطار بَازِي الصبح غرابَ الليلِ، وعزلت نوافج الليل بجاماتِ الكافور، وانهزم جُنْدُ الظلام عن عَسْكَر النور. خلعْنَا خلعة الظّلامِ، ولبسنا رداء الصباح، وملأ الآذان بَرْقُ الصباح، وسطع الضوءُ، وطلع النور، وأشرقت الدنيا، وأضاءت الآفاق. مالت الجَوْزاءُ للغروب، وولّت مواكبُ الكواكب، وتناثرت عقودُ النجوم، وفَرّت أَسرابُ النجوم من حدَقِ الأنام، وَوَهى نِطاقُ الجوزاء، وانطفأ قنديلُ الثريّا. قال بعضُ الأعراب: خرجنا في ليلة حِنْدِس قد ألقَتْ على الأرض اكارِعَها، فمحَتْ صورة الأبدان، فما كنّا نتعارف إلا بالآذان.\rقال ابن محكان السعدي: الطويل:\rوليل يقول الناسُ في ظلماتِه ... سواءٌ صحِيحات العيون وعُورُها\rكأنّ لنا منه بيوتا ًحصينةً ... مُسوحاً أعاليها وساجاً ستورها\rوهذا بارع جدّاً، أراد أَنَ أعلاه أشدُّ ظلاماً من جوانبه.\rوقال أعرابي في صفته: خرجتُ حين انحدرَت النجومُ، وشالَتْ أرْجُلُها، فما زِلْتُ أصْدَع الليلَ حتى انصدعَ الفجر.\rومن بديع الشعر في صفةِ الليل قول الأعرابي: الكامل:\rوالليلُ يَطْردُه النهارُ ولا ترى ... كالليلِ يطردُهُ النهارُ طَريدا\rفتراه مثلَ البيتِ مَالَ رِوَاقُهُ ... هتك المقوّضُ سِتْرَهُ الممدودَا\rومن البديع: الطويل:\rعلى حينَ أثنى القومُ خيراً عَلَى السُّرَى ... وطارَتْ بأُخرى الليلِ أَجنِحَةُ الفَجْرِ\rآخر: الوافر:\rوليل ذي غَيَاطِلَ مُدْلَهِمٍّ ... رميتُ بنَجْمِه عرضَ الأُفولِ","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"يردُّ الطرف منقبضاً كَلِيلاً ... ويملأُ هَوْلُه صَدْرَ الدَّلِيلِ\rابن المعتز: الكامل:\rهامَت ركائِبنا إليك بنا ... بظليل أهْلِ النارِ والمنحِ\rفكأنّ أيديهنّ دائبةً ... يفحَصْنَ ليلتهنَّ عن صُبْحِ\rوقاد كشاجم: المنسرح:\rسَقْياً لليلٍ قصرْتُ مُدَّتهُ ... بِدير مُرَّانَ مَرّ مشكورا\rوبات بَدر الدجى يشعشعها ... نُوريّةَ تملأ الدُّجَى نُورَا\rغارَت على نفسها وقد سَفرت ... فعاد جيبُ الحباب مزرُورَا\rحتى رأيت الظلامَ يدرجُه ال ... غرب ودَرجَ الصباحِ منشُورا\rفاختلط الليل والنهارُ كما ... تخلط كفٌّ مسكاً وكافورا\rوقال علي بن محمد الكوفي: الطويل:\rمَتَى أَرتَجي يوماً شِفَاءً من الضَّنا ... إذا كان جَانِيهِ عليَ طبيبي\rولي عائِداتٌ ضِفتهُنّ فجِئْنَ في ... لباسٍ سوادٍ في الظلام قَشِيبِ\rنجومٌ أراعِي طولَ ليلي برُوجَها ... وهنَّ لبُعْدِ السير ذاتُ لغُوب\rخوافقُ في جُنحِ الظلام كأنها ... قلوبٌ معنَّاةٌ بطولِ وَجِيبِ\rتَرَى حُوتَها في الشرقِ ذاتَ سِباحةٍ ... وعَقْرَبها في الغربِ ذاتَ دَبيبِ\rإذا ما هوَى الإكْليلُ منها حسِبْتَه ... تهدُّلَ غُصْنٍ في الرياضِ رطيبِ\rكأَنَّ التي حولَ المجرَّةِ أوردَتْ ... لتَكرع في ماء هناك صَبيبِ\rكأنّ رسولَ الصُّبحِ يخلطُ في الدُّجى ... شجاعةَ مِقْدامٍ ِبجُبْنِ هَيُوبِ\rكأنّ اخضِرَار البَحرِ صَرْحٌ ممرَّدٌ ... وَفيه لآلٍ لم تُشنْ بثقُوبِ\rكأنّ سوادَ الليلِ في ضوءِ صُبْحِه ... سوادُ شبابٍ في بياض مَشِيبِ\rكأنَّ نذيرَ الشمسِ يحكي ببشْرِه ... عليّ بن دَاود أَخِي ونسيبي\rولولا اتِّقائي عَتْبَه قلت سيدي ... ولكن يَرَاها من أَجل ذنوبي\rجوادٌ بما تَحْوِي يَدَاهُ مهذّب ... أَدِيبٌ غَدا خِلاًّ لكل أَدِيبِ\rنسيب إخاءً وهو غيرُ مناسبٍ ... قريبُ صفاءً وهو غيرُ قريبِ\rونِسبةُ ما بينَ الأقارِب وحشةٌ ... إذا لم يؤنسها انتسابُ قلوبِ\rوهذا البيت كقول الطائي: الطويل:\rوقلتُ أخي قالوا أَخٌ من فرابةٍ ... فقلت لهمْ إنّ الشكولَ أَقارِبُ\rنسيبيَ في رأيي وعزمي ومذهبي ... وإنْ باعَدَتْنَا في الأصول المناسبُ\rوقال عبد السلام بن رغبان، وسلك طريق الطائي فما ضلَّ عنها: الطويل:\rأخ كنتُ أَبكِيه دماً وَهْوَ حاضرٌ ... حِذاراً، وتَعْمى مُقْلتِي وَهْوَ غائِبُ\rبكاءَ أخ لم تَحْوِه بقرابة ... بَلَى إن إخوانَ الصفاء أقاربُ\rفمات فما شَوْقي إلى الأجْرِ واقف ... ولا أَنا ني عُمْري إلى الله راغِبُ\rوأَظلمتِ الدنيا التي أنتَ نورُها ... كأنك للدنيا أَخ ومُناسِب\rيُبرِّدُ نيرانَ المصائبِ أَنني ... أرى زمناً لم تبق فيه مصائِبُ\rوفي هذه القصيدة:\rترشَفْتُ أيامي وهُنَ كوالحٌ ... إليك، وغالَبْتُ الرَّدَى وهْو غالِبُ\rودافعتُ في كَيد الزمان ونَحْرِهِ ... وأيُّ يدٍ لي والزمان المُحَاربُ؟\rوقلتُ له: خَلِّ ابنَ أُمِّي لعُصْبَةٍ ... وها أنا أو فازْدَدْ فإنّا عَصَائِبُ\rفواللهِ إخلاصاً من القولِ صادقاً ... وإلاَّ فحُبِّي آلَ أحمدَ كاذِبُ\rلَوَ أنَّ يَدِي كانَتْ شِفَاءك أو دَمِي ... دَمَ القلبِ حتى يَقضِبَ الحبْلَ قاضِبُ\rلسلّمتُ تَسْلِيمَ الرِّضَا واتخذتها ... يداً للرَّدَى ما حَجَّ للَّهِ راكِبُ\rفتًى كان مثلَ السيف من حيث جِئْتَهُ ... لنائبةٍ نابَتْكَ فهو مُضَارِبُ","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"فتى هَمُّه حَمْدٌ على الدهر رائح ... وإن ناب عنه مَالُهُ وهْو عَازِبُ\rشمائلُ إن تَشْهَدْ فهنَّ مَشاهدٌ ... عِظامٌ، وإن ترحل فهنَ رَكائِبُ\rوقال الطائي لعليّ بن الجهم: الكامل:\rإن يُكْدِ مُطَّرَفُ الإخاء فإنَّنا ... نَغْدُو ونَسْرِي في إخاءٍ تالدِ\rأو يفترق نَسَبٌ يؤلِّفْ بيننا ... أَدَبٌ أقمناهُ مُقامَ الوالدِ\rأو يختلف ماءُ الوصال فماؤُنا ... عَذْبٌ تحدَّرَ من غمامٍ وَاحِدِ\rوقال محمدُ بن موسى بن حماد: سمعتُ عليّ بن الجهم، وذكر دِعبلاً فلعنه، وكفره، وقال: وكان يطعَنُ على أبي تمام، وهو خيرٌ منه ديناً وشعراً، فقال رجلٌ: لو كان أبو تمام أخاك ما زدت على مَدْحِك له. فقال: إلاَّ يكن أخا نَسَب فهو أخو أدَب، أما سمعتَ ما خاطبني به. وأنشد الأبيات.\rوقال رجل لابن المقفع: إذا لم يكن أخي صديقي لم أحببه، قال: نعم صدقت، الأخ نسيبُ الجسم، والصديق نسيب الروح.\rوقال أبو تمام يخاطب محمد بن عبد الملك الزيات: الطويل:\rأبا جعفَر، إنَّ الجهالةَ أُمُّها ... ولودٌ، وأمُّ العلم جدّاءُ حَائِلُ\rأرى الحشوَ والدهماءَ أضحوا كأنهم ... شعوبٌ تلاقَتْ دوننا وقبائل\rغدَوْا وكأنَّ الجهل يجمعهم أباً ... وحظُ ذوي الآداب فيهم نَوَافِل\rفكن هضبةً تأوِي إليها وحَرَّةً ... يُعَرِّدُ عنها الأعوجيُّ المناقل\rفإن الفتى في كلّ حال مناسبٌ ... مُنَاسبَ روحانيةَ مَنْ يشاكلُ\rوقال البحتري لأبي القاسم بن خرداذبه: البسيط:\rإن كنتَ من فارسٍ في بيتِ سُؤْدَدها ... وكنتَ من بحتري البيت والنسبِ\rفلم يَضِرْنَا تَنَائي المَنْصِبَين وقَدْ ... رُحنا نَسِيبين في علْمٍ وفي أدبِ\rإذا تقاربت الآدابُ والتأمَتْ ... دَنَتْ مسافة بين العُجْمِ والعَرَبِ\rوقد احتَذى طريقَه أبو القاسم محمد بن هانئ، فقال يمدحُ جعفر بن علي، وذكر النجوم، فقال الطويل:\rجعَلْنَا حشايانا ثِيابَ مُدامِنا ... وقدَّتْ لنا الظلماءُ من جِلْدِها لُحْفا\rفمن كبدٍ تُدْني إلى كَبِدٍ هَوىً ... ومن شفَةٍ تُوحي إلى شَفَةٍ رَشْفا\rبعيشك نَبِّهْ كأسَه وجُفُونَهُ ... فقد نُبِّهَ الإبريقُ من بَعْدِ ما أغفَى\rوقد فكّت الظلماءُ بعضَ قيودِها ... وقد قام جيشُ الليل للفجْرِ فاصطفّا\rوولّتْ نجومٌ للثُّريَّا كأنّها ... خواتم تَبْدو في بَنَانِ يدٍ تَخْفَى\rومَرَّ على آثارِها دَبَرانُها ... كصاحبِ رِدْءٍ أكمنتْ خيلُهُ خَلْفا\rوأقبلتِ الشِّعرى العَبُورُ ملبّة ... بِمِرْزَمِها اليَعْبوبِ تَجْنُبُهُ طِرْفا\rوقد بادَرَتها أخْتُها من وَرائها ... لِتَخرُقَ من ثِنْيَيْ مَجرَّتها سِجْفا\rتخافُ زَئيرَ الليث يَقدُم نثرَةً ... وبَرْبَرَ في الظلماءِ يَنسِفُها نَسْفَا\rكأنَّ السماكَيْن اللَّذين تظاهَرا ... على لِبْدَتَيْهِ ضامِنانِ له الْحَتْفَا\rفذا رامحٌ يَهْوي إليه سِنَانُه ... وذا أعزل قد عَضَّ أَنْمُلَهُ لَهْفا\rكأنّ رقيبَ النجمِ أَجْدَلُ مَرْقَبٍ ... يُقَلِّبُ تحتَ الليلِ في رِيشِه طَرْفا\rكأنّ سُهيلاً في مَطالِع أفقهِ ... مُفَارِقُ إلْف لم يَجِدْ بعده إلْفا\rكأنَّ بني نَعْشٍ ونَعْشاً مَطَافِلٌ ... بوَجْرَةَ قد أَضْلَلْنَ في مَهْمَهٍ خِشْفَا\rكأنّ سُهاها عاشِقٌ بين عُوَّدٍ ... فآوِتَةً يَبْدُو وآونةً يَخْفَى\rكأنّ مُعَلَّى قُطْبها فارسٌ لهُ ... لواءان مَرْكُوزانِ قد كَرِهَ الزَّحْفَا\rكأنّ قدامى النَّسْر والنّسْرُ واقعٌ ... قُصِصْنَ فلم تَسْمُ الخوافِي به ضَعْفَا","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"كأن أَخاهُ حين دَوَّمَ طائراً ... أتى دون نصف البَدْر فاختطف النّصْفَا\rكأنَّ الهزيعَ الآبنُوسِيَّ مَوْهِناً ... سَرَى بالنسيج الخُسْرُوانيّ مُلْتَفّا\rكأنَ ظلامَ الليلِ إذْ مال مَيْلةً ... صريعُ مُدامٍ باتَ يشرَبُها صِرْفا\rكأنَّ عمودَ الفجر خاقانُ عَسكَرٍ ... من الترك نادَى بالنجاشيِّ فاسْتَخْفَى\rكأن لِواءَ الشمسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍ ... رأى القِرْنَ فازدادَتْ طلاقته ضعْفَا\rوقال ابن طباطبا العلوي: الطويل:\rكأنّ اكتتامَ المشتري في سَحَابهِ ... وديعةُ سرٍّ في ضَميرِ مُدِيعِ\rكأنّ سُهَيْلاً والنجوم أمامَهُ ... يعارِضُها راعٍ وراءَ قَطِيع\rوقد لاحَتِ الشِّعرى العَبُور كأنها ... تَقَلُّب طَرْفٍ بالدموعِ هموعِ\rوأضجعت الجوزاء في أفْق غَرْبها ... فباتَتْ كنَشْوانٍ هناك صَرِيعِ\rإلى أن أجاب الليلُ دَاعِيَ صُبْحِه ... وكان يُنَادي منه غيرَ سميعِ\rوقال: الخفيف:\rوكأنَ الهلالَ لمَّا تَبَدّى ... شطر طوقِ المرآةِ ذي التذهيب\rأو كقَوْسٍ قد انحنَتْ طَرَفَاه ... أو كَنُونٍ في مُهْرَقٍ مكتوب\rوقال علي بن محمد العلوي يصف القمرَ، وقد طرح جرمه على دِجلة: الكامل:\rلم أَنْسىَ دِجْلَةَ والدُّجَى مُتَصَرِّمٌ ... والبَدْرُ في أفق السماءِ مغرّبُ\rفكأنها فيه رداءٌ أزرقٌ ... وكأنه فيها طرازٌ مُذْهَبُ\rوقال الأمير تميم بن المعز، وكان يحتذِي مثل ابن المعتز، ويقف في التشبيهات بجانبه، ويفرغ فيها على قالبه، ويتبعه في سلوك ألفاظ الملوك: الخفيف:\rاِسقِيانِي فلست أُصْغِي لعَذلٍ ... ليس إلاَّ تَعِلَّةَ النفس شُغْلِي\rأأطِيعُ العذولَ في تركِ ما أه ... وى كأني اتَّهَمْتُ رَأْيِ وعَقلِي؟\rعَلِّلاني بها فقد أقبل اللي ... لُ كَلَوْنِ الصدود من بعد وَصْلِ\rوانْجَلَى الغَيْمُ بعد ما أضحكَ الرَّوْ ... ضَ بكاءُ السَّحابِ جادَ بوَبْلِ\rعن هلالٍ كصَوْلجانِ نُضَارٍ ... في سماءٍ كأنّها جَامُ ذَبْل\rوقال: الخفيف:\rرُبَّ صفراءَ عَلَّلَتْنِي بصفرا ... ءَ وجُنْحُ الظَّلاَم مُرْخَى الإزَارِ\rبين ماءٍ وروضةٍ وكُروم ... ورَوَابٍ منيفةٍ وصحَارِي\rتتثنّى به الغصونُ علينا ... وتجيب القِيانُ فيها القَماري\rوكأن الدُّجَى غَدَائرُ شَعْرٍ ... وكأن النجومَ فيها مَدَارِي\rوانْجَلَى الغيمُ عن هِلالٍ تبَدَّى ... في يَدِ الأُفْقِ مثلَ نِصْفِ سِوَارِ\rوقال: الخفيف:\rعَتَبتْ فانثنى عليها العِتَابُ ... ودَعا دَمْعَ مُقْلَتَيْها انسكَابُ\rوضعت نحو خَدِّها بيديها ... فالْتَقَى الياسمينُ والعُنّابُ\rرُبَّ مُبْدِي تَعَتُّبٍ جعل العَتْ ... بَ رِياءً وهَمُّه الإعْتَابُ\rفاسْقِنيها مُدَامةً تَصْبُغ الْكأ ... سَ كما يصبُغ الخدودَ الشبابُ\rما ترى الليلَ كيف رَق دُجَاهُ ... وبَدَا طَيْلَسانُه يَنْجَابُ؟\rوكأن الصباحَ في الأُفْق بازٍ ... والدُّجَى بين مِخْلَبيْهِ غُرابُ\rوكأنَ السماءَ لُجَّةُ بَحْرٍ ... وكأنَّ النجومَ فيها حَبَابُ\rوكأن الجوزاءَ سَيْفٌ صَقيل ... وكأن الدُّجَى عليها قِرَابُ\rمن وصف الشراب والكؤوس وَالسُّقاة في الليل\rوقال: الطويل:\rوزنْجِيَّة الآباءِ كَرْخِيَّة الْجَلْب ... عَبِيْرِيَّةِ الأَنْفاسِ كَرْمِيَّة النَّسَبْ\rكمَيْت بزَلْنَا دَنَّها فتفجَّرَتْ ... بأَحْمَرَ قَانٍ مثلَ ما قَطَرَ الذَّهَبْ","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"فلمّا شرِبْنَاها صَبَوْنَا كأنَّنا ... شرِبنَا السرورَ المَخْضَ واللهوَ والطَّرَبْ\rولم نأتِ شيئاً يُسْخِطُ المجدَ فِعْلُه ... سوى أننا بِعْنَا الوقارَ من اللَّعِبْ\rكَأن كؤوس الشَّرْبِ وهي دوائر ... قطائعُ ماءٍ جامدٍ تَحْمِلُ اللَّهَبْ\rيَمُدُّ بها كفاً خضيباً مُدِيرُهَا ... وليس بشيء غيرها هو مختضِبْ\rفبتْنَا نُسَقَّى الشمسَ والليلُ راكدٌ ... ونَقْرُبُ من بَدْر السماء وما قربْ\rوقد حجبَ الغيمُ الهلالَ كأنهُ ... ستارة شَرْبٍ خَلْفها وَجْهُ من أُحِبّ\rكأنِّ الثريَّا تحت حُلكة لوْنها ... مداهنُ بِلَّوْرٍ على الأرض تَضْطَرِبْ\rوقال: الطويل:\rكأنَ السحابَ الغُرَّ أصْبحن أَكْؤساً ... لنا، وكأنَ الراحَ فيها سَنَا البَرْقِ\rإلى أَنْ رأيتُ النجمَ وهْو مغرِّب ... وأَقبل راياتُ الصباحِ من الشرق\rكأن سوادَ الليلِ والصبحُ طالعٌ ... بقايا مجال الكُحْلِ في الأعْيُنِ الزرْقِ\rوقال: الطويل:\rوكَأسٍ يُعِيدُ العُسْر يُسراً، ويجتني ... ثمارَ الغِنى للشَّرْبِ من شجر الفَقْرِ\rيُوَلِّدُ فيها المزْجُ دُرّاً منضَّداً ... كما فتتَتْ فوق الثرى نُقَطُ القَطْرِ\rصغار وكبرى في الكؤوس كأنها ... على الرّاح واواتٌ تجمّعن في سَطرِ\rإذا حثَّهَا الساقِي الأغرّ حسبْتَها ... نجومَ الثريا لُحْنَ في راحَةِ البَدْرِ\rصبحتُ بها صَحْبي وقد رنْدَجَ الدُّجَى ... بفضّة لألاء الصباحِ سَنَا الفَجْرِ\rوقد أَزْهَرَت بِيضُ النجومِ كَأنّها ... على الأُفُقِ الأعْلى قلائدُ من دُرِّ\rوقال: الطويل:\rألاَ فاسقياني قَهوَةً ذهبيةً ... فقد ألبسَ الآفاقَ جُنْحُ الدجى دَعَجْ\rكأنَّ الثريّا والظلامُ يَحُفُها ... فصوصُ لجَيْنٍ قد أحاط بِهَا سَبَجْ\rكأنَّ نجومَ الليلِ تحتَ سوادِهِ ... إذا جَن، زنجيٌّ تَبَسَّمَ عن فلج\rوقال: الطويل:\rأيا دَيْر مَرْحَنّا، سقَتْك رعودُ ... من الغَيْمِ يهمي مُزْنها ويجودُ\rفكم واصلتْنا في رُبَاك أَوَانِسُ ... يَطُفْنَ علينا بالمُدَامَةِ غِيدُ\rوكم ناب عن نُورِ الضحى فيك مَبْسِمٌ ... ونابَتْ عن الوردِ الجنيِّ خُدُودُ\rوماسَتْ على الكُثبانِ قضبانُ فِضَّة ... فأَثْقَلها من حَمْلِهِنّ نُهودُ\rوإذْ لِمَّتِي لم يوقِظِ الشيبُ ليلَها ... وإذْ أَثَرِيَ في الغانياتِ حَمِيدُ\rلياليَ أغدُو بين ثوبَيْ صبابةٍ ... ولَهْوٍ، وأيامُ الزمانِ هُجُودُ\rوقال: البسيط:\rسأَلْته قُبْلَةً منه على عَجَل ... فاحمرَّ من خَجَل واصفَرَّ من وَجَلِ\rوَاعْتَلَّ ما بينَ إسعافٍ يرقِّقُه ... وبين مَنْعٍ تمادَى فيه بالعِلَل\rوقال: وَجْهيَ بَدْرٌ لا خفاءَ بهِ ... ومبْصِرُ البَدْرِ لا يَدْعُوهُ للقُبَلِ\rوهذا ينظرُ إلى قوله: مجزوء الوافر:\rأباحَ لمُقلتي السهرَا ... وجار عليّ واقْتَدَرَا\rغزالٌ لو جَرَى نَفَسي ... عليه لذَابَ وانْفَطَرَا\rولَكِنْ عينُه حشَدَتْ ... عَليَّ الغنْجَ والحوَرا\rومَنْ أَوْدَى به قمرٌ ... فكيفَ يعاتبُ القمرَا؟\rكأنه ذهب إلى قول أبي نُوَاس: مجزوء الوافر:\rكأنَ ثيابه أَطْلَع ... نْ أزراره قَمَرَا\rيزيدك وَجْهُه حُسْناً ... إذا ما زِدْتَه نظَرا\rبعيْني خَالَطَ التفْتي ... رُ مِنْ أجفانها الْحَوَرَا\rووَجْهٍ سابِريّ لو ... تَصوَّب ماؤه قطَرا\rقيل للجاحظ: مَنْ أنْشَدُ الناس وأشعرهم؟ قال: الذي يقول، وأنشد هذه الأبيات. ونظيرُ قولهِ: مجزوء الوافر:","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"كأنَّ ثيابَه أطلعْ ... نَ من أزراره قمرا\rقول الحكم بن قَنْبَر المازني: البسيط:\rويْلِي على مَنْ أطارَ النومَ فامتنعا ... وزاد قلبي إلى أوجاعِه وَجَعا\rوقال تميم: الخفيف:\rنَقبَتْ وَجْهَها بخَزٍّ وجَاءتْ ... بمُدَامٍ مُنَقَّبٍ بزُجَاج\rفتأمَّلْتُ في النقابَيْنِ منها ... قمراً طالعاً وضوءَ سرَاجِ\rفاسقيَاني بلا مِزَاجٍ فإني ... في المعالي صِرْفٌ بغير مِزَاجِ\rوانظرا الأفْقَ كيف بدّله الإص ... باحُ من بَعْدِ آبنُوسٍ بعَاجِ\rوقال: البسيط:\rإذا حَذِرْتَ زَماناً لا تُسَرُّ بهِ ... كم قد أتى سَهْلُ دهرٍ بعد أَصْعَبِهِ\rفاقبَلْ من الدهرِ ما أعْطَاكَ مختلطاً ... لعل مُرَّك يَحْلُو في تقلّبِهِ\rخُذْها إليك، ودَعْ لَوْمي، مشَعْشَعَةً ... من كفِّ أقنى أسيل الخدِّ مُذْهَبِهِ\rفي كل مَعْقِد حسن فيه مُعْتَرِضٌ ... عليه يَحْميه من أن تَستبدَّ به\rفكُحْلُ عينيه ممنوعٌ بخَنْجَرهٍ ... ووَرْدُ خدَّيْهِ مَحْمِيٌّ بِعَقْرَبه\rلا تترك القَدَحَ الملآن في يدهِ ... إني أخافُ عليه من تلهُّبِه\rفصُنْه عن سَقينا؛ إني أَغَارُ بِهِ ... وسَقِّه واسْقني من فَضْل مَشْرَبه\rوانظُر إلى الليلِ كالزنْجِيِّ منهزِماً ... والصبحُ في إثره يَعدُو بأَشْهَبِه\rوالبدرُ مُنتصِبٌ ما بين أنْجُمه ... كأنه مَلِكٌ ما بَينَ مَوْكِبه\rمن المختار من شعر تميم بن المعز\rوإذا أفضيت إلى ذكره، فهاك من مختار شعره، قال: البسيط:\rمُسْتَقْبَلٌ بالذي يَهْوَى وإن كَثُرَتْ ... منه الذنوبُ ومَقْبُولٌ بما صَنَعا\rفي وَجْهِهِ شافعٌ يَمْحُو إساءتَهُ ... من القلوب وَجِيهٌ حيثما شفعَا\rكأنما الشمسُ مِنْ أثوابه برزَت ... حُسْناً، أو البدرُ من أزرارِه طَلَعا\rاستعارة مأخوذة من قول الآخر، وهو ابن زُريق: البسيط:\rأستودعُ الله في بغدادَ لِي قمراً ... بالكَرْخ من فَلَكِ الأزرار مطلَعهُ\rومن قول أحمد بن يحيى الفران: مجزوء الوافر:\rبَدَا فكانّما قمرٌ ... على أزراره طلَعَا\rيحث المسكَ من عَرقِ ال ... جبين بنانُه وَلَعا\rوقال أبو ذرّ أستاذ سيف الدولةِ: الكامل:\rنفسي الفِدَاء لمن عصيت عَواذِلي ... في حُبِّهِ لم أَخْشَ مِنْ رُقَبَائِهِ\rالشمس تظهرُ في أَسِرَّة وجْهِهِ ... والبدرُ يَطْلُعُ من خِلاَل قَبَائِهِ\rوقال تميم: الطويل:\rأأعذل قَلبِي وَهْوَ لِي غيرُ عاذِل ... وأَعْصي غرامي وهو ما بين أَضلعي؟\rومَنْ لي بِصَبْرٍ أَستزيلُ به الجَوى ... ولا جلدي طوعي ولا كبدي معِي\rفأَوَّلُ شوقِي كانَ آخر سَلْوَتي ... وآخرُ صبْرِي كان أوَّلَ أَدْمُعِي\rوقال: مجزوء الكامل:\rوَرْدُ الخدودِ أَرَقُ من ... وَرْدِ الرياضِ وَأَنْعَمُ\rهذا تَنَشَقُهُ الأُنو ... فُ وذا يُقَبِّلُهُ الفَمُ\rوإذا عَدَلْتُ فأفضَلُ ال ... وردين وردٌ يُلثَم\rلا وَرْدَ إلا ما توَلَّى صَبْغَ حُمْرَتهِ الدَّمُ\rهذا يُشَمُّ ولا يُضَمُّ وذَا يُضمُّ ويُشْمَمُ\rسُبْحان من خلق الخدو ... دَ شقائقاً تُتَنَسَّمُ\rوأَعارَها الأصداغَ فه ... ي بها شقيق يُعْلَمُ\rواستنطَقَ الأجفانَ فَه ... ي بلَحْظِها تتكلَّم\rوتُبِينُ للمحبوبِ عَنْ ... سِرِّ الحبيبِ فيفهَمُ\rوتشير إن رأتِ الرقي ... بَ بلَحْظِها فتُسلِّم\rوأَعارَها مَرضاً تصِحُّ بهِ القلوبُ وتَسْقَمُ\rفِتَنُ العيون أَجَل من ... فِتَن الخدودِ وأَعظمُ\rوقال: السريع:","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"إنْ كانتِ الألحاظُ رُسْلَ القلوب ... فينا فما أَهْوَنَ كَيْدَ الرقيب\rقبَّلْتُ مَنْ أَهوى بعيني ولم ... يعلَمْ بتقبيليَ خَدُّ الحبيبْ\rلكِنَّه قد فَطِنَتْ عَيْنُهُ ... بلَحْظِ عيني فِطْنَةَ المسترِيب\rإن كان علمُ الغيبِ مُسْتَخْفِياً ... عَنّا فعِند اللّحْظِ عِلْمُ الغيوب\rوقال: مجزوء الكامل:\rقالوا الرحيل لخمسةٍ ... تَأْتي سَرِيعاً من جُمادَى\rفأجَبْتهمْ إني اتَّخَذْ ... تُ له الأَسَى والحُزْنَ زادا\rسبحانَ مَنْ قَسم الأسى ... بين الأحِبّة والبِعَادا\rوأَعارَ للأَجفانِ حُسْ ... ناً تستَرِقُّ به العبَادا\rوقال: الخفيف:\rعَقْرَب الصُّدْغِ فوق تفّاحة الخدّ ... نعيمٌ مُطَرَّزٌ بعذَابِ\rوسيوفُ اللحاظ في كلّ حِينٍ ... مانِعاتٌ جَنى الثنايا العِذَابِ\rوعيونُ الوشاةِ يُفْسِدْن بالرِّقْ ... بَةِ والمَنْعِ رؤيةَ الأحبابِ\rفمتى يَشْتَفي المحِبُّ وتُطْفَى ... بالتدانِي حرَارةُ الاكتئابِ؟\rوقال: البسيط:\rترى عِذَارَيْه قد قاما بِمَعْذرتي ... عند العَذُول فيَغْدو وهو يَعْذِرُني\rرِيمٌ كأنَّ له في كل جارِحةٍ ... عِقْداً من الحُسْنِ أَوْ نَوْعاً من الفتَنِ\rكأنَ جوهرَهُ من لُطْفه عَرَضٌ ... فليس تَحْوِيهِ إلا أَعْينُ الفطَن\rواللَّه ما فتَنَتْ عيني محاسنُهُ ... إلا وقد سَحَرَتْ ألفاظُهُ أذُني\rما تُصدرُ العينُ عنه لحظَها مَلَلاً ... لأنه كل شَخْصٍ مرتضىً حَسَنِ\rيا منتَهى أمَلِي لا تُدْنِ لي أجَلي ... ولا تُعَذبْ ظُنوني فيك بالظِّنن\rإنْ كان وجهُك وجهاً صِيغَ من قمرٍ ... فإنَ قدَّكَ قَدٌّ قُدَّ مِن غُصُنِ\rوقال: الطويل:\rألا يا نسيمَ الريح عرَّجْ مسلِّماً ... على ذلك الشخص البعيدِ المُوَدّع\rوهُبَّ على مَنْ شَفَّ جِسْمِي بعَادُهُ ... سَمُوماً بما استملَيْتَ من نار أَضْلُعي\rفإنْ قال: ما هذا الحَرورُ؟ فقل له: ... تَنَفسُ مُشْتَاقٍ بحبّك مُوجَعِ\rومختارُ شعره كثير، وقد تفرَّق منه قطعة كافية في أعراض الكتاب.\rقال الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد: الطويل:\rلقد رحلَتْ سُعْدَى فهل لك مُسْعِد؟ ... وقد أنجدَتْ داراً فهل أنت مُنْجِدُ؟\rرعيتُ بطرفي النجْمَ لمَّا رأيتها ... تَبَاعَدُ بُعْدَ النَجْمِ بل هي أبْعَدُ\rتُنيرُ الثريّا وهي قرص مسلسل ... ويشغل منها الطرف دُرٌ مبَدَّد\rوتعترِضُ الجوزاءَ وهي ككاعب ... تَميلُ من سكرٍ بها وتَميَّدُ\rوتحسبها طَوْراً أسِيرَ جِنَايةٍ ... ترشَّحَ بعدَ المشْيِ وهو مُقَيَّدُ\rولاحَ سُهيلٌ وهو للصُبح رَاقِبٌ ... كما سُلَّ مِنْ غمدٍ جُرَازٌ مهنَّدُ\rأرَدِّدُ طَرْفِي في النجوم كأنها ... دنانيرُ لكن السماءَ زَبَرْجَدُ\rرأيتُ بها، والصبح ما حانَ ورْدُهُ، ... قناديلَ والخضراءُ صَرْحٌ ممرَّدُ\rوفيه لنا من مربط الشمسِ أشقرٌ ... إذا ما جرى فالريحُ تكْبُو وتركدُ\rوقال أبو علي الحاتمي: الطويل:\rوليل أقمنا فيه نُعْمِل كأْسنا ... إلى أن بَدَا للصُبح في الليل عَسْكَرُ\rونَجْمُ الثريا في السماء كأنه ... على حُلَّةٍ زَرْقَاءَ جَيْبٌ مُدَنَّرُ\rالبحتري: الكامل:\rولقد سَرَيْتُ مع الكواكب راكباً ... أعجازَها بعزيمةٍ كالكوكَبِ\rوالليلُ في لونِ الغُرَابِ كأنه ... هو في حُلُوكَتِه وإن لم يَنْعَبِ\rوالعِيسُ تَنْصُلُ من دُجَاه كما انجلَى ... صِبّغُ الخِضَابِ عن القَذَالِ الأشْيَبِ","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"حتى تبدَّى الفَجْرُ من جَنبَاتِه ... كالماءِ يَلْمَعُ من خِلاَلِ الطُحْلُبِ\rوقال الأمير أبو الفضل الميكالي: الكامل:\rأهلاً بفَجْرٍ قد نَضى ثوبَ الدُّجى ... كالسيف جُرِّد من سَوَادِ قِرَابِ\rأو غادةٍ شقَّتْ صِداراً أزرقاً ... ما بين ثُغْرَتِها إلى الأتراب\rوقال رجلٌ من بني الحارث بن كعب يصف الشمس: الطويل:\rمخبأَة أمَّا إذا الليلُ جَنَّها ... فتَخْفَى وأمَّا بالنهار فتظهرُ\rإذا انشقَّ عنها ساطِعُ الفَجْرِ وانْجَلَى ... دُجَى الليلِ وانجابَ الحِجَابُ المستر\rوألبس عرض الأرضِ لوناً كأنهُ ... على الأفق الشرْقِي ثوبٌ مُعَصْفَرُ\rتجلّتْ وفيها حين يَبْدُو شعاعُها ... ولم يعلُ للعينِ القصيرةِ مَنظَرُ\rعليها كَرَدْع الزعفرانِ يشبّهُ ... شعَاعٌ تَلاَلا فهو أبيضُ أَصفرُ\rفلما علَتْ وابيضَّ منها اصفرارُها ... وجالَتْ كما جَالَ المَنيحُ المشهَرُ\rوجلَلتِ الآفاقَ ضوءاً ينيرها ... بحرّ لها وَجْهَ الضُّحَى تتسعر\rترى الظل يُطْوَى حين تَبْدُو وتارةً ... تَراه إذا زالتْ عن الأرض يُنْشَر\rكما بدأَتْ إذْ أشرقَت في مَغِيبها ... تعود كما عادَ الكبيرُ المعمر\rوتَدْنَفُ حتى ما يكادُ شعاعُها ... يَبِين إذا ولَت لمن يتبصَرُ\rفأَفْنَت قروناً وهْيَ في ذاك لم تزَلْ ... تموتُ وتحْيَا كل يومٍ وتنشرُ\rأحسن ما قالته العرب في الجاهلية\rوقال عبد الملك بن مروان لبعض جلسائه يوماً: ما أَحكم أربعة أبياتٍ قالتها العرب في الجاهلية؟ فأنشده: الكامل:\rمنع البقاءَ تقلُّب الشمسِ ... وطلوعُها من حيث لا تمسي\rوطلوعُها بيضاءَ صافيةً ... وغروبُها صفراءَ كالوَرْسِ\rتجرىِ على كَبِدِ السماء كما ... يَجْرِي حِمامُ الموتِ في النفْسِ\rاليوم تَعْلَم ما يجيءُ بِه ... ومضَى بفَصْل قضائِه أَمْسِ\rقال: أحسنت، فأخبرني بأَمْدح بيتٍ قالَتْه العرب في الشجاعة، قال: قول كعب بن مالك الأنصاري: الكامل:\rنَصِلُ السيوفَ إذا قصُرْنَ بخَطْوِنا ... قُدُماً، ونلحقها إذا لم تلحقِ\rقال: فأخبرني بأفضل بيتٍ قيل في الجود، فأنشده لحاتم طيئ: الكامل:\rأماويُّ، ما يُغْني الثراءُ عن الفَتَى ... إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَدْرُ\rتَرَيْ أنَّ ما أبقيْتُ لم أكُ رَبَّهُ ... وأنَّ يدِي مِمَّا بَخِلْتُ به صِفْرُ\rألم ترَ أنَ المالَ غادٍ ورائحٌ ... ويبقَى من المالِ الأحاديثُ والذكْرُ\rغَنِيْنا زماناً بالتصَعْلك والغِنى ... فكلاًّ سَقانَاهُ بكأسيهما الدَهرُ\rفما زادَنا بَغْياً على فذي قرابةٍ ... غِنَاناً، ولا أَزرى بأحسابِنا الفَقْرُ\rقال: فأخبرني عن أحسَن الناس وصفاً، قال: الذي يقول: الطويل:\rكأن قلوب الطيرِ رَطْباً ويابساً ... لدَى وَكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البَالي\rوالذي يقول: الطويِل:\rكأنَ عيونَ الوَحْشِ حول خِبَائِنا ... وأرحُلِنا الجَزْعُ الذِي لم يُثَقبِ\rوالذي يقوله: الطويل:\rوتعرِفُ فيه من أبيه شَمائلاً ... ومن خَالِه ومن يزيدَ ومِنْ حُجُرْ\rسماحةَ ذَا، مع بِرِّ ذَا، ووفاءَ ذَا ... ونائلَ ذَا، إذا صَحَا وإذا سَكِرْ\rيريد امرأ القيس.\rومن ألفاظ أهل العصر\rفي طلوع الشمس وغروبها\rومتوع النهار وانتصافه، وابتدائه، وانتهائه","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"بدا حاجِبُ الشمس، ولمعَتْ في أجنحَة الطيرِ، وكشفَتْ قِناعَها، ونثرتْ شُعاعَها، وارتفع سُرادِقُها، وأضاءتْ مشارِقُها، وانتشر جناحُ الضوء في أفق الجو. طَنّبَ شعاعُ الشمس في الآفاق، وذهبَتْ أطراف الجدران. أينع النهار وارتفع. استوى شَبَابُ النهار، وعلا رونق الضحى، وبلغت الشمسُ كبد السماء. انتعل كل شيء ظله، وقام قائمُ الهاجِرَة، ورمَت الشمس بجَمَراتِ الظهر. اصفرَتْ غِلاَلَةُ الشمسِ، وصارت كأنها الدينارُ يلمعُ في قرارِ الماء، ونفضَتْ تِبراً على الأصيل، وشَدَّتْ رَحْلَها للرحيل، وتصوّبَتْ الشمسُ للمغيب، وتضيّفَتْ للغروب فأَذِن جَنْبُها للوُجوب. شاب النهارُ، وأقبل شبابُ الليلِ، ووقفت الشمسُ للعيان، وشافَهَ الليلُ لسان النهارِ. الشمسُ قد أشرقَتْ بروجُها، وجنحت للغروب، وشافَهتْ دَرج الوجوبِ. الجوُ في أطمارٍ مُنْهَجَةٍ من أَصائله، وشفوت مورَّسَة من غَلاَئله. استتر وَجْهُ الشمسِ بالنِّقَاب، وتوارَتْ بالحجابِ. كان هذا الأمرُ من مطلع الفلق، إلى مجتمع الغَسَق. فلانٌ يركبُ في مقدمة الصُبح، ويرجع في ساقة الشفق، ومن حين تفتحُ الشمس جَفْنَها، إلى أن تغمض طَرْفها، ومن حين تسكنُ الطيرُ أوكارَها، إلى حينِ ينزلُ السَّرَاةُ مِنْ أكوارِها.\rمقامة لأبي الفتح الإسكندري من إنشاء البديع، اتصَلَتْ بذكرِ الليلِ والنهار.\rقال عيسى بن هشَام: كنت وَأنا فَتِيُّ السنِّ أشدُّ رَحْلي لكلّ عَمَاية، وأركضُ طِرْفِي لكل غَوَاية، حتى شرِبْتُ من العُمْرِ سائغه، ولبسْتُ من الدهر سابغَه، فلما صاح النهارُ بجانب ليلي، وجمعتُ للمعادِ ذَيْلِي، وطِئْتُ ظهْرَ المَرُوضةِ، لأداء المفروضة، وصَحِبَنِي في الطريق رَجُل لم أنكره من سوء، فلمّا تخالينا، وحين تجالينا، سفَرَتِ القصَّةُ عن أصل كوفيٍّ ومَذْهَب صوفِيٍّ، وسِرْنا فلمّا حللْنا الكوفةَ مِلْنَا إلى داره ودخلناها وقد بَقَل وجهُ النهار، واخضرَّ جانبُهُ، ولما اغتمض جَفْنُ الليل وطَرَّ شارِبُه قُرعَ علينَا البابُ، فقلْنا: من القارعُ المُنتابُ؟ فقال: وَفْدُ الليل وبريده، وفَل الجوع وطريده، وأسير الضرّ، والزمن المرّ، وضيفٌ وطْؤُه خفيف، وضالته رَغِيف، وجارٌ يَستَعْدِي على الجوع، والجَيْبِ المَرقوع، وغريب أُوقِدت النارُ على سفره، ونبحَ العَوَّاء في أثره، ونُبِذت خَلْفه الحُصياتُ، وكُنِسَتْ بعده العَرَصَات، فنِضْوُه طَليح، وعَيْشُه تبريح، ومن دون أفراخه مَهَامِهُ فيح.\rقال عيسى بن هشام: فقبَضْتُ من كيسي قَبْضَةَ الليثِ وبعثْتُهَا إليه، وقلتُ زِدْنَا سؤالاً نزِدْكَ نَوَالاً، فقال: ما عُرِض عَرْفُ العودِ، على أحرَ من نار الجُودِ، ولا لُقيَ وَفْد البِرِّ، بأَحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفَضْل فَلْيواس، فلا يَذْهبُ العُرْفُ بين الله والناس، وأما أَنتَ فحقَّق الله أملَك، وجعَل اليدَ العُلْيَا لك.\rقال عيسى بن هشام: ففتحْنا البابَ، فإذا شيخُنا أبو الفتح الإسكندري، فقلْنا: يا أبا الفتح، شدَّ ما بلَغتْ بك الخَصَاصَةُ، وهذا الزيُ خاصة! فتبسَّم وأنشأ يقول: مجزوء الخفيف:\rلا يَغزَنَكَ الذي ... أنا فيه من الطَلبْ\rأنا في بُرْدَة تُشَقُّ لها بُرْدَةُ الطَرَبْ\rأنا لو شِئتُ لاتخَذْ ... تُ شِقَاقاً من الذهَبْ\rوكتب البديعُ إلى بعض إخوانه: غضبُ العاشقِ أقصرُ عمراً من أن ينتظِرَ عُذْراً، وإن كان في الظاهر مَهَابة سيْف، إنه في الباطن سحابةُ صَيْف، وقد رَابَني إعراضه صَفْحاً؛ أفجدَاً قصدَ أمْ مَزْحاً، ولو التبس القَلْبَان حق التباسهما ما وجد الشيطانُ بينهما مساغاً، ولا والله لا أرِيكَ رَدّاً، أجِدُ منهُ بدّاً، وإن محبة تحتمل شَكّاً لأجْدَرُ محبة، ألا تُشْتَرى بحبَّةٍ، وإنْ كان قصَدَ مَزحاً فما أغناها عن مَزْح يحل عُقَد الفؤاد حتى نقف على المراد، ولا تسعنا إلا العافية والسلام.","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"وله إليه: المودة - أعزَك الله - غَيْب، وهو في مكان من الصَّدْر، لا ينفذه بصر، ولا يُدرِكُه نَظَر، ولكنها تُعْرَف ضرورة، وإن لم تظهر صُورَة، ويدرِكها الناس، وإن لم تدركها الحوَاس، ويستَمْلي المرءُ صحيفَتَها من صدره، ويعلم حالَ غيرِه من نفسه، ويعلم أنها حبٌّ وراء القلب، وقلب وراء الخِلب، وخِلْب وراءَ العَظم، وعَظمٌ وراء اللحم، ولحم ورَاءَ الجلد، وجلد وراء البُرْد، وبُرد وراء البعد. ولو كانت هذه الحجُبُ قوارير لم ينفذها نظر، فيستَدِلّ عليها بغيرِ هذه الحاسة بدليل إلا أن أزوره، والله لو التبست به التباساً، يجعل رأسينا رأساً، ما زدته وداً، ولو حال بيني وبينه سُورُ الأعرافِ، ورمْلُ الأحقافِ، ما نقصته حقاً.\rوقال الأمير أبو الفضل الميكالي: الخفيف:\rوغَزَالِ مَنَحتُه ظهرَ الودِّ ... فجازَى بالصدِّ والانتحاب\rلم ألمهُ إن ردني لحجابٍ ... ردني والِهَ الفؤاد لِمَا بي\rهو روح وليس يُنْكَر للرُّو ... حِ تَوَارٍ عن الوَرَى بحِجَابِ\rوللبديع إلى أخيه: كتابي أطال الله بقاءَك، ونحن وإن بَعُدَتِ الدارُ فَرعاَ نَبْعَة، فلا يَجْنِينَّ بُعْدِي على قُرْبك، ولا تمحوَنّ ذِكْرِي من قلبك، فالأَخَوَان، وإن كان أحدُهما بخراسان والآخر بالحجاز، مجتمعان على الحقيقةِ مفترقان على المجاز، والاثنان، في المعنى واحد وفي اللفظ اثنَانِ، وما بيني وبينك إلا ستر، طولُهُ فِترُ، وإن صاحبني رَفيق، اسمه توفيق، لنلتقينَّ سريعاً ولنسعدَنّ جميعاً، واللَّهُ وليُ المأمول.\rوكتب أبو الفضل بن العميد إلى بعض إخوانه: قد قرُبَ - أيَّدك اللّه - محلّك على تراخِيه، وتَصاقَب مستقرُّك على تَنَائيه، لأنّ الشوقَ يمثّلُك، والذكر يخيّلك؛ فنحنُ في الظاهر على افتراق، وفي الباطن على تلاق، وفي التسميةِ مُتَباينون، وفي المعنى متواصلُون، وإن تفارقت الأشباحُ، لقد تعانقت الأرواح.\rجملة من كلام ابن المعتز\rفي الفصول القصار\rالدهرُ سريعُ الوثبة، شنيع العَثْرَة. أهلُ الدنيا كرَكْبٍ يُسَارُ بهم وهم نِيام. والناسُ وَفْدُ البِلَى، وسكّان الثَّرَى، وأَقْران الرَّدىَ. المرءُ نُصْبُ الحوادثِ وأسيرُ الاغترار. الآمالُ حَصَائِدُ الرجالِ. الْحِرْصُ يَنْقُصُ المرءَ من قَدْرِه، ولا يزيدُ في رِزْقه. الكذب والحسدُ والنفاق أَثافِيّ الذل. النّمامُ جسْرُ الشرّ. الحاسدُ اسمُه صديق ومعناه عدو. الحاسدُ ساخِطٌ على القدَر، مغتاظٌ على من لا ذنْبَ له، بخيل بما لا يملِكُه، يشفيك منه أنه يغتمُّ في وقت سرورِك. الفُرْصَة سريعةُ الفَوْتِ بَطيئةُ العَوْد. الصبرُ من ذي المصيبة مصيبةٌ على ذوِي الشَّمات. التواضعُ سُلَّم الشرف، والجُودُ صِوَانُ العرْضِ من الذمّ. الغَدر قاطع الأسرار إذا كثر خُزانها ازدادت ضياعاً. السوءُ كشجرة النار يَحْرِق بعضُها بعضاً. عَبْدُ الشهوة أَذلّ من عبد الرقّ. وعاء الخطأ بالصَّمْت يختم، والخرق بالرفْقِ يلحم. الوَعْدُ مرضُ المعروف، والإنجازُ برؤه، والمَطْل تلفه. إذا حَضرَ الأجل، افتضح الأمل. لا تشَنْ وَجْهَ العفوِ بالتقريع. لا تنكحْ خاطبَ سِرك. ومن زَاد أَدَبُه على عقله كان كالراعي الضعيف مع شاءٍ كثيرة.\rقال أبو العباس الناشئ لأبي سهل بن نوبخت: الطويل:\rزعمت أبا سهل بأنك جامعٌ ... ضُروباً من الآداب يجمعُها الكَهْلُ\rوهبكَ تقولُ الحقّ أي فضيلةً ... تكونُ لذي عِلْمٍ وليس له عَقْلُ\rوالهمّ حبس الروح. قلوب العقلاءِ حصونُ الأسرار. مَن كرُمَت عليه نفسه هان عليه ماله. من جرى في عنان أمله؛ عثر بأجَلِه. ما كل من يُحْسِنُ وعدَه يحسنُ إنجازه. ربما أوردَ الطمع ولم يصدِر، وضمن ولم يوفِ. وربما شرق شارب الماءِ قبل ريّه. من تجاوزَ الكفافَ لم يقنِعه إكثار. كلّما عظُم قَدرُ المُنَافَسِ فيه عظمت الفجيعةُ بفَقْدِه، ومن أَرْحَلَهُ الْحِرْص أنضَاه الطلب. الأماني تعمي أعيُنَ البصائر، والحظ يأتي من لم يؤمه. وربما كان الطمع وعَاءً حَشوه المتالف، وسائقاً يَدعُو إلى الندامة. ما أحْلَى تلقّي البغية، وأمرَّ عاقبة الفراق. من لم يتأمل الأمرَ بعَينِ عقله، لم تَقَعْ حيلتُه إلا على مَقَاتِلِه.\rمن شعر أبي العباس الناشئ في التعزية","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"وقال أبو العباس يَرثي المعتضد: الطويل:\rقضَوا ما قضَوا من أَمرهم ثم قدَّموا ... إماماً إمام الْخَلق بين يَدَيْه\rوصلّوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوفٌ قيام للسلامِ عليه\rوقال يَرثيه الكامل:\rقالت شريرة ما لجَفنِك ساهراً ... قَلِقاً، وقد هدأَتْ عيونُ النُّومِ\rما قد رأيت من الزمانِ أحل بي ... هذا، وتحت الصَدْرِ ما لم تَعْلَمِي\rيا نفس، صبراً للزمانِ ورَيبِه ... فهو المليء بما كرهْتِ فسلِّمي\rإن الذي حاز الفضائلَ كلَّها ... هو ذاك في قَعْرِ الضريحِ المُظْلمِ\rأما السيوفُ فمن صنائع بَأْسهِ ... لولاه لم يَرْوَيْن من سَفْكِ الدَّم\rوكأنَّ أَحْدَاثَ الزمانِ عبيدهُ ... فمتى يؤخِّرهن لا تستقدم\rيَقْظَان من سِنَة المضيِّع قَلْبَهُ ... ومعوّل للمُعْوِلٍ المتظلِّم\rيَرْعَى الضغائن قبل ساعةِ فرصةٍ ... فإذا رآها أمكَنَتْ لم يُحْجمِ\rكم فرصة تُرِكَتْ فصارَتْ غصَّةً ... تَشْجَى بطولِ تلهّفٍ وتَنَدُّمِ\rولربَّ كَيْدٍ ظلَّ يَسْجُد بعدها ... في بشْرِ وَجْهٍ مطلَقٍ متجهِّمِ\rوهي المنايا إن رمين بنَبْلِها ... يرمين في نَفْس الأجلّ الأعْظم\rللَّهِ دَرُّك أي ليث كتيبةٍ ... والخيلُ تعثر بالقَنَا المتحطّم\rولقد عمرت ولا حريم معاند ... حرمٌ ولا الإسلام بالمستسلم\rوقال للمعتضد يعزّيه بابنهِ هارون: البسيط:\rيا ناصرَ الدينِ إذ هُدَّتْ قواعِدُهُ ... وأَصْدَقَ الناسِ في بُؤْسى وإنعام\rوقائدَ الخيلِ مذ شُدَّتْ مآزرُهُ ... مذلَّلاَتٍ بإسْرَاجٍ وإلجامِ\rكأنهن قناً ليسَتْ لها عُقَدٌ ... يهزُّهَا الزَّخرُ في كرٍّ وإقدامِ\rقُبّ كطيِّ ثيابِ العَصْب مضمرة ... تقرِّبُ النارَ بين البيض والهامِ\rوسائسَ الملك يَرْعاه ويكلؤُهُ ... إذا حَلاَ الغَمْضُ في أجفانِ نُوَّامِ\rتَمْرِي أنَامِلُه الدنيا لصاحبها ... ونَصلُه مِنْ عِدَاهُ قاطرٌ دامِي\rكالسَّهْمِ يبعثهُ الرَّامِي فصفحتهُ ... تَلْقى الرََّدَى دونَه، والفُوقُ للرامِي\rلا يَشْتَكي الدَّهرَ إنْ خَطْبٌ ألمَّ بهِ ... إلا إلى صَعْدَةٍ أو حَدِّ صمصامِ\rصبراً فدَيْنَاك إنّ الصبرَ عادَتُنَا ... وإن طُوِينَا على حُزْنٍ وتهيام\rفبادِر الأجْرَ نحو الصَّبْر محتَسِباً ... إنَ الجزوعَ صبُورٌ بعد أيامِ\rولما ماتت دُريدة، وهي جارِيةٌ المعتضد، وكانت مَكِينة عنده، جزع عليها جزعاً شديداً، فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلُك يا أميرَ المؤمنين تَهُون عليه المصائبُ؛ لأنّك تجدُ من كل فقيدٍ خَلَفاً، وتنالُ جميعَ ما تريد من العِوَض، والعِوَض لا يوجَد منك، فلا ابْتَلى الله الإسلام بفقْدِك، وعمره بطولِ بقاء عُمْرك، وكأنَّ الشاعر عَنَى أمير المؤمنين بقوله: البسيط:\rيُبْكَى علينا ولا نَبْكِي على أَحَدٍ ... لنَحْنُ أغْلَظُ أكباداً من الإبلِ\rفضحك المعتضد وتسلّى وعاد إلى عادته.\rقال محمد بن داود الجراح: فلقيني عبيدُ الله فأخبرني بذلك، وقال: أردت شعراً في معنى البيت الذي أنشدته فما وجدته؛ فقلت له: قد قال البطين البجلي: الطويل:\rطوى الموتُ ما بيني وبين أَحبَّةٍ ... بهم كُنت أعْطِي مَنْ أشاء وأمنعُ\rفلا يحسب الوَاشُون أن قَناتَنا ... تَلِينُ، ولا أنا من الموتِ نَجْزَعُ\rولكنَّ للأُلاّفِ لا بدَّ لَوْعَةًإذا جعلت أقرانها تتطلَعُ\rفكتبه، وقال: لو حفظته لما عدلتُ عنه.\rرجع إلى ابن المعتز\rوقال ابن المعتز، وذكر الموتى: الطويل:\rوسُكَّانِ دارٍ لا تَزَاوُرَ بينهم ... على قُرْبِ بعضٍ في المحلة من بَعْضِ","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"كأن خواتيما من الطينِ فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فَضّ\rوقال يمدح عبيد الله بن سليمان: الطويل:\rأيا مُوصِلَ النُعْمَى على كلّ حالةٍ ... إليَّ قريباً كنتُ أو نازحَ الدارِ\rكما يلحق الغيثُ البلادَ بسَيْلِه ... وإن جادَ في أَرضٍ سِواها بإمطار\rويا مقبلاً والدَّهْرُ عنيَ مُعْرضٌ ... يقسّمُ لَحْمِي بين ناب وأظفارِ\rويا مَنْ يَرَانِي حيث كنتُ بِقلبهِ ... وكم من أناسٍ لا يَرَوْنً بأَبْصَارِ\rلقد رُمْتَ بي آمالَ نفسيَ كلّها ... فيا لَهْفَ نفسِي لو أُعِنْتَ بمقدار\rذكرتَ مُنى سَمْع الإمام وعينه ... ورفعت ناري كي يرى ضوءها الساري\rوكم نعمةٍ للَّهِ في صرْفِ نِقْمَةٍ ... ترجى ومكروهٍ حَلاَ بعد إمرار\rوما كل ما تَهْوَى النفوس بنافعٍ ... ولا كلّ ما تخشى النفوسُ بضَرّار\rقوله:\rكما يلحق الغيثُ البلادَ بسَيْله\rمأخوذ من قول نهشل بن حري وقد بعث إليه كثير بن الصَّلْتِ كسوةً ومالاً من المدينة: الطويل:\rجزَى الله خيراً والجزاءُ بكفّهِ ... بني الصَّلْتِ إخوانَ السماحةِ والمجدِ\rأتاني وأَهْلِي بالعراق نداهُمُ ... كما انقضَّ سيل من تهامة أو نجدِ\rوقال ابن المَوْلى: الوافر:\rسُرِرْتُ بجعفرٍ إذْ حَل أَرْضِي ... كما سُرّ المسافِرُ بالإيَابِ\rكممطورٍ ببلدتهِ فأَضْحَى ... غَنِيّاً عن مطالَعة السَّحابِ\rوبعث عبدُ الله بنُ طاهر إلى أبي الجنوب بن أبي حفصة وهو ببغداد عشرين ألفَ دِرْهم فقال: الطويل:\rلعمري لنعم الغَيْثُ غيثٌ أصابنا ... ببغدادَ من أَرْض الجزيرةِ وَابِلُهْ\rونِعْمَ الفتى والبِيدُ بيني وبينهُ ... بعشرين ألفاً صبحَتْنِي رسائِلُهْ\rفكنَّا كحيٍّ صبَّحَ الغَيْثُ أهلهُ ... ولم تنتجَع أظعانُه وحَمَائلُهْ\rأتى جودُ عبدِ الله حتى كفت بهِ ... رواحلَنا سيرَ الفَلاَةِ رَوَاحِلُهْ\rمن أخبار عضد الدولة في شجاع\rوكانت بنو كلاب ومن والاَها من العرب بنواحي الكوفة تجمَّعوا وعزَمُوا على أَخْذِ الكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، فبعث أبو شجاع عضد الدولة دِنير بن لشكروز فأصلحهما، وكان أبو الطيب المتنبي بها فوصله وبعث إليه خلعاً وقاد إليه فرساً بسَرْجٍ ثقيل، فقال في قصيدة: الطويل:\rفلو لم يَسِرْ سِرْنَا إلْيه بأنفُسٍ ... غرائِبَ يُؤْثِرْنَ الجِيادَ على الأهْلِ\rوما أنا ممن يَدَّعِي الشَوق قلبُه ... ويعتَلّ في تَرْكِ الزيارةِ بالشُّغْل\rولكن رأَيت الفَضْلَ في القَصْد شِرْكَة ... فكان لكَ الفَضلانِ في القَصْدِ والفَضْل\rوليسَ الذي يتَّبَّع الوَبْلَ رائداً ... كمَنْ جاءه في دَارِه رائِدُ الوَبْل\rعود إلى ابن المعتز\rوكان ابنُ المعتز يمدحُ أبا أحمد بن المتوكل، ويلقّب بالناصر والموفّق، وكانت حالُه ترامَت في أيام المعتضد إلى غاية لم يبلغها الخليفة، وقد ذكرها الصولي في قصيدة لصاحب المغرب، فقال وقد اقتصَّ خلفاء بني العباس من أوّلهم: الطويل:\rومعتضد مِنْ بعده وموفق ... يُرَدِّدُ من إرث الخلافةِ ما ذَهبْ\rمُوَازٍ لهم في كل فَضْل وسؤدد ... وإنْ لم يكن في العدّ منهم لِمَن حَسَبْ\rوقال المعتضد، أو قِيلَ على لسانه، لما غلب الموفَّق على أمره: الوافر:\rأليس من العجائبِ أنّ مثلي ... يرى ما هَانَ ممتنعاً عليهِ\rوتؤخذ باسْمِه الدنيا جميعاً ... وما مِنْ ذاك شيء في يديهِ\rوشعر ابن المعتز فيه: الطويل:\rإليك امتطينا العِيسَ تنفخ في البُرى ... وللصُبْحِ طَرْفٌ بالظلامِ كَحيلُ\rصَدِينَ من التَّهْجِير حتى كأنها ... سيوفٌ جَلاها الصَّقْل فهي تحُولُ","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"فبتْنَا ضيوفاً للفَلاَةِ قِرَاهُمُ ... عَنِيقٌ ونَصٌّ دائمٌ وذَمِيلُ\rيهرُّ بُرُودَ العَصْبِ فَوْقَ متونِها ... نسيمٌ كنَفْثِ الراقياتِ عَلِيلُ\rولمّا طغى أَمْرُ الدَّعيّ رميتَهُ ... بعَزْمٍ يردُّ العَضْبَ وهو فَلِيلُ\rوجرّد من أغماده كل مُرْهَف ... إذا ما انتضَتْه الكفُّ كاد يَسيلُ\rجرَى فوق مَتْنَيه الفرنْدُ كأنما ... تنفس فيه القَيْنُ وهو صقيلُ\rوأعلمته كيف التصافُح بالقَنَا ... وكيف تُروَّى البيضُ وَهْيَ مُحُولُ\rسريعٌ إلى الأعداء، أَما جنابُه ... فماضٍ، وأمّا وَجْهُه فجميل\rويقْري السؤال العُذْر من بَعد ماله ... ويستصغرُ المعروفَ حين يَنيلُ\rأخذ معنى قوله: نسيم كنفث الراقيات عليل عبدُ الكريم بنُ إبراهيم، فقال: المتقارب:\rسلامّ على طِيب رَوْحاتنا ... إلى القَصرِ والنَّهَرِ الخِضرِمِ\rإلى مُزبِدِ المَوْج طامِي العبَا ... ب يقذِفُ بالْبَانِ والساسَم\rتخالُ به قَطَماً مُقرَماً ... يكرّ على قَطَمٍ مُقْرمِ\rويَسجو فيسحب في ذائل ... يَمَانٍ تَسهَّم بالأنجُم\rكأنّ الشمال على وَجهِه ... بها سَقَم وهي لَمْ تَسْقَمِ\rضعيفة رَشّ كنَفْثِ الرّقى ... على كبد المُدْنف المُغْرَمِ\rإذا دَرجَتْ فوقه دَرَجَت ... ه في حَبَك الزَّرَدِ المحْكمِ\rوقد جللتهُ بأَوراقِها ... فروعٌ غَذتْها نِطَافُ السَّمِ\rعلَتها الحمامُ بتغريدها ... كما سجَعَ النوْحُ في مَأتمِ\rكأن شعاعَ الضحَى بينها ... على السوسن الغضّ والخُرَّمِ\rوشائع من ذَهَب سائل ... على خسروَانيَّة نُعَّم\rرُباً تتفقأ من فوقها ... عَزَالي الربيع لهَا المرْهِمِ\rعلى كل محبية خلة ... تسَدَّى على جَدوَلٍ مفعَم\rكما فتل الوَقْفَ صَوَّاغُه ... وكالأرقم انْسَابَ للأَرقم\rوقول ابن المعتز: ولما طغا أمرُ الدعيّ يريد صاحب الزنج بالبصرة، وكانت شوكته قد اشتدت وظُفر به بعد مواقعة كثيرة، وفي ذلك يقول ابنُ الرومي في قصيدة طويلة جداً يمدح فيها أبا أحمد الموفق بن المتوكل، وصاعد بن خالد، والعلاء بن صاعد ابنه، وهي من أجود شعره، فقال: الطويل:\rأبا أَحمدٍ، أَبْلَيْتَ أمّةَ أحمدٍ ... بلاءً سيرضاهُ ابنُ عمك أحمَدُ\rحصرت عميدَ الزنج حتى تخاذلَتْ ... قُواه، وأَودى زادُه المتزوَدُ\rفظلَّ، ولم تقتلْه، بلفظ نفسهُ ... وظلَّ، ولم تأسِرْه، وهوَ مقَيدُ\rوكانَتْ نواحِيه كثَافاً فلم تَزَلْ ... تحيّفُهَا شَحْذاً كأنكَ مِبرَدُ\rتفرّق عنه بالمكايد جُنْدُهُ ... ويزدادهم جنداً وجندك محصَدُ\rولابِسُ سَيْفِ القرْنِ بعد استلابِه ... أَضرُّ له من كاسديه وأكْيَدُ\rفما رُمْته حتى استقلَّ برَأْسِه ... مكان قناةِ الظهر أسمرُ أَجرَدُ\rهذا مأخوذ من قول مسلم بن الوليد البسيط:\rورأس مهْراقَ قد ركبْتُ قُلَّتَهُ ... لدْنا يقوم مقامَ اللَّيتِ والجيدِ\rالطويل:\rولم تأل إنذاراً له غيرَ أنهُ ... رأى أن مَتنَ البحرِ صَرْحٌ ممرَّدُ\rسكَنْتَ سكوناً كان رَهْناً بوَثْبةٍ ... عَماسٍ، كذاك الليث للوَثْبِ يلبدُ\rهذا مأخوذ من قول النابغة: البسيط:\rوقلت يا قومُ إنَّ اللَّيثَ مُنقبضٌ ... على براثنِهِ، لِوَثْبَةِ الضارِي\rويقول في مدح صاعد: الطويل:\rيقرَّظُ إلا أنّ ما قيلَ دونهُ ... ويوصَفُ إلا أنه لا يحدَّدُ\rأرق من الماء الذي في حُسَامِه ... طِباعاً، وأَمْضَى من شَبَاهُ وأَنْجَدُ","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"له سَوْرَة مُكْتَنةٌ في سَكينةٍ ... كما اكتنَّ في الغِمْدِ الجُرَازُ المهنّدُ\rكأن أباه حين سمَاه صاعداً ... رأى كيف يَرْقَى في المعالي ويَصْعَدُ\rلما سمع البحتري هذا البيت قال: مني أخذه، في قوله في العلاء بن صاعد: الكامل:\rسماه أسرته العَلاَء وإنما ... قصدوا بذلك أنْ يتمَّ عُلاَهُ\rوهذا في قوله، كما قال ابن المرزبان وقد أنشد لابن المعتز في مناقضة الطالبيين: المتقارب:\rدَعُوا الأسْدَ تسكنُ في غابهَا ... ولا تدخلوا بين أَنْيَابها\rفنحن ورثْنَا ثيابَ النبي ... فَلِمْ تجذِبُونَ بهدَّابها\rقال: قد أخذه من أقول، بعض العباسيين: المتقارب:\rدَعُوا الأسْدَ تسكن أَغيالها ... ولا تقربوها وأَشْبَالَها\rولكنه سرق سَاجاً، وردَّ عاجاً، وغلَّ قطيفة، وردّ دِيباجاً.\rومن قصيدة ابن الرومي: الطويل:\rتراه على الحَرْبِ العَوَانِ بمنزل ... وآثارُه فيها، وإنْ غابَ، شُهَّدُ\rكما احتجب المقدارُ والحكم حكمهُ ... على الخلق طُرَّاً ليس عنه مُعَرَّدُ\rالبحتري: الكامل: ؟وَليَ الأمورَ بنفسه، ومَحَلُّها مُتَقارِبٌ، ومرامها مُتَباعِدُ\rيَتَكَفَلُ الأدنَى، ويدْرِكُ رأيَهُ ال ... أَقصى، ويَتبَعهُ الأَبيُّ العانِدُ\rإنْ غارَ فَهوَ مِنَ النباهة منجِدٌ ... أوْ غابَ فَهوَ مِنَ المهابة شاهدُ\rوقال أعرابي يصف رجلاً: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه؟ ويرسل العيونَ على عيوق؛ فهوغائبٌ عنهم، شاهد معهم، والمحسِنُ آمن، والمسيء خائف: الطويل:\rفتى رُوحه روحٌ بسيطٌ كيانه ... ومسكن ذاك الرُّوحِ نورٌ مُجَسَّدُ\rصَفَا ونَفَى عنه القذىَ فكأنهُ ... إذا ما استشفّتْه العقولُ مصعّد\rكرمتمْ فجاش المفحمون بمدحِكمْ ... إذا رَجَزُوا فيكمْ أَثبتُم فقصدوا\rأَرى مَنْ تعاطى ما بلغتم كرائمٍ ... مَنالَ الثريَّا وهو أكمَهُ مُقْعَد\rكما أزهرتْ جناتُ عَدْنٍ وأَثمرَتْ ... فأضْحَتْ وعُجْمُ الطيرِ فيها يغرِّدُ\rوفي هذه القصيدة يقول:\rلِمَا تُؤْذِنُ الدنيا به من صروفها ... يكون بكاءُ الطفلِ ساعةَ يُولدُ\rوإلاَّ فما يُبكِيه منها وإنها ... لأفسَحُ ممّا كان فيه وأَرْغَدُ\rإذا أبصر الدنيا استهل كأنهُ ... بما سوفَ يَلْقَى من رداها يُهَدَّدُ\rقال الصولي: افتتح ابنُ الرومي هذه القصيدة على ما لا يلزمه من فتح ما قبل حَرْفِ الروي اقتداراً، فحمله ذلك على أن قال: الطويل:\rمتاحٌ له مقداره فكأنما ... تقوّض ثَهْلانٌ عليه وصِنْدِدُ\rثهلان: اسم جبل، وهذا لا يصحّ، إنما هو صندِد بكسر الدال؛ لأن فعلَلا لم يجئ إلاَّ في أربعة أحرف: درهم، وهِجْرَع للأحمق، وهِبْلَع للذي يبلعُ كثيراً، وقلعم للذي يقلع الأشياء.\rوقول ابن المعتز في وصف السيف: كأنما تنفّس فيه القيْنُ وهو صَقيل) معنى بديع في وصف الفرند، وقد قال: الطويل:\rولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ ... فما يُنتضَى إلاَّ لسَفْكِ دماءِ\rترى فوق مَتْنَيْهِ الفِرِنْدَ كأنهُ ... بقيَّه غَيْمٍ رقَّ دون سماءِ\rوقال أيضاً إسحاق بن خلف: مجزوء الكامل:\rألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاحْ\rوكأنما ذَرَّ الهبا ... ء عليه أَنفاسُ الرياحْ\rولما صار سيفُ عمرو بن معد يكرب الذي يسمَّى الصمصامة إلى الهادي، - وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص، فتوارثَه ولدُه إلى أن مات المهدي، فاشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل، وكان أوسعَ بني العباس كفّاً، وأكثرهم عطاء - ودعا بالشعراء، وبين يديه مِكْتَل فيه بدْرَة، فقال: قولوا في هذا السيف، فبدر ابن يامين البصري فقال: الخفيف:\rحاز صمصامةَ الزبَيْدِيِّ من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمينُ\rسيف عَمْرو وكان فيما سمِعْنا ... خيرَ ما أغْمِدَتْ عليه الجفونُ\rأخضر اللون بين خديه بردٌ ... من ذُعَافٍ يَميسُ فيه المنون","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"أوقدت فوقَه الصواعِقُ ناراً ... ثم شابَتْ فيه الذعافَ القيونُ\rفإذا ما سللتهُ بهر الشم ... س ضياءً فلم تكد تستبِينُ\rما يُبَالي مَنِ انْتَضَاهُ لحرب ... أشِمالٌ سَطَتْ بهِ أو يَمينُ؟\rيستطِيرُ الأبصارَ كالقَبسِ المش ... عَل ما تستقرُّ فيه العيونُ\rوكأن الفرِنْد والجوهر والجا ... ري على صفحتيْه ماءٌ معِين\rنِعْمَ مخراق ذي الحفيظة في الهب ... جاء يَعْصَى به ونِعْمَ القرينُ\rقال موسى: أصبت ما في نفسي، واستخفَّه الفرح، فأمر له بالمِكْتَل والسيف؛ فلمّا خرج قال للشعراء: إنما حُرمتم من أجلي، فشأنكم المكتل، وفي السيف غناي فقام موسى فاشترى منه السيف بمالٍ جليل.\rالبحتري: الكامل:\rقد جُدْتَ بالطِّرْفِ الجوادِ فَثَنَّهِ ... لأخِيك من جَدْوَى يديك بمُنْصُل\rيتناولُ الرُّوحَ البعيدَ منالُهُ ... عَفْواً، ويَفْتَحُ في الفضاء المُقفَل\rبإنارة في كلّ حَتْفٍ مُظْلِمٍ ... وهدايةٍ في كل نفسٍ مَجْهَلِ\rيَغْشَى الوغى فالتُّرسُ ليس بجُنَّةٍ ... مِنْ حَدِّه، والدَّرْعُ ليس بمَعْقِلِ\rماضٍ وإن لم تُمْضِهِ يَدُ فارسٍ ... بَطَلٍ، ومَصْقُولٌ وإن لم يُصْقَلِ\rمُصْغٍ إلى حُكْم الرَّدى فإذا مَضَى ... لم يلتفِتْ، وإذا قضَى لم يَعْدِل\rمتوقّدٌ يَفْرِي بأوَّل ضَرْبَةٍ ... ما أدركَتْ ولو أنّهَا في يَذْبُل\rفكأنّ فارسه إذا استعصى به الزّ ... حفان يَعْصي بالسمَاكِ الأعْزلِ\rفإذا أصابَ فكلُّ شيء مَقْتَلٌ ... وإذا أُصيبَ فما له من مَقْتَلٍ\rحَمَلَتْ حمائِلُهُ القديمةُ بَقْلَةً ... من عَهْدِ عادٍ غَضَّةً لم تَذْبُلِ\rوقال أبو القاسم بن هاني للمعز: الكامل:\rعَجَباً لمُنْصُلِكَ المُقَلَّدِ كيفَ لم ... تَسِلِ النفوسُ عليك مِنْهُ مَسيلا\rلم يَخْلُ جبّارُ الملوكِ بذكرِهِ ... إلا تَشحَّطَ في الدماءَ قتيلا\rفإذا رأيناهُ رأينا عِلةً ... للنَّيِّراتِ وَنيِّراً مَعْلولا\rبك حُسْنُهُ مُتَقَلَّداً وبَهاؤهُ ... مُتَنكَّباً ومَضاؤُه مَسْلُولا\rفإذا غَضِبْتَ عَلَتْهُ دونك رُبْدةٌ ... يَغْدُو بها طَرْفُ الزمان كحيلا\rوإذا طربت إلى الرِّضا أهدَى إلى ... شمس الظهيرة عَارِضاً مصقولا\rكَتَبَ الفرِنْدُ عليه بعضَ صفاتِكُمْ ... فَعَرَفْتُ فيه التاجَ والإكلِيلا\rوقال: الكامل:\rهل يُدْنِينِّي من فنائِك سَابحٌ ... مَرحٌ وجائلةُ النُّسوعِ أمُونُ؟\rومُهَنَدٍ فيه الفرِنْدُ كأنهُ ... درّ له خَلْفَ الفراتِ كمينُ\rعَضْب المضاربِ مُقْفِراً من أعين ... لكنه من أَنْفُسٍ مَسكون\rوأهدَى الكندي إلى بعض إخوانِه سيفاً، فكتب إليه: الحمدُ للّه الذي خصَّكَ بمنافع كمنافع ما أهديتَ، وجعلكَ تهتز للمكارم اهتزاز الصارم، وتمضِي في الأمورِ مضاء حَدِّه المأثور، وتصونُ عرضك بالإرفاد، كما تُصَانُ السيوفُ بالأغماد، ويطْرد ماء الحياء في صفحات خدك المشوف، كما يشفّ الرونقُ في صفائح السيوف، وتصقلُ شرَفك بالعطياتِ، كما تصقلُ مُتونُ المشرفيِّات.\rمن أخبار أبي جعفر المنصور\rقدم على أبي جعفر المنصور وَفْدٌ من الشام بعد انهزام عبد الله بن علي، وفيهم الحارثُ بن عبد الرحمن الغفاري، فتكلم جماعةٌ منهم، ثم قام الحارث فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنا لَسْنَا وفْدَ مباهاة، ولكنا وفدُ توبة استخفًت حليمَنا؛ فنحن بما قدمنا معترِفون، وبما سلَف منا مُعتذِرون، فإنْ تعاقبنا فبِمَا أجرَمْنا، وإن تَعْفُ عنا فطالما أحسنْتَ إلى من أساء، فقال المنصور: أنتَ خطيب القوم، وردَّ عليه ضياعه بالغُوطة.","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"وقاد رجلٌ من أهل الشام للمنصور: يا أمير المؤمنين، من انتقم فقد شَفَى غيظَه وانتصف، ومن عفا تفضل، ومن أخذ حقّه لم يَجِبْ شكره ولم يذكر فَضْله، وكَظْمُ الغيظِ حلم، والتشفي طَرَفٌ من الجَزَع، ولم يمدح أهلَ التقى والنهى من كان حليماً بشدَّة العقاب، ولكن بحُسْنِ الصفْحِ والاغتفارِ وشدةِ التغافل، وبعدُ، فالمعاقِب مستدعٍ لعداوةِ أولياءِ المذْنِب، والعافي مسترعٍ لشكرهم آمِنٌ من مكافأتهم، ولأن يُثْنَى عليك باتِّسَاع الصدْرِ خيرٌ من أن توصَف بضِيقِه، على أنَّ إقالتك عثراتِ عبادِ الله موجبٌ لإقالةِ عَثْرَتك من ربِّهِمْ، وموصول بعفوه، وعقابُك إياهم موصولٌ بعقابه، قال الله عزَّ وجلَّ: \" خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْف وأَعْرِضْ عن الجاهِلِينَ \" .\rالعفو عند المقدرة\rوقال بعض الكتاب لرئيسهِ وقد عتب عليه: \" إذا كنتَ لم تَرْضَ مني بالإساءةِ فلم رضيت من نفسك بالمكافأة \" ؟.\rوأذنب رجل من بني هاشم فقبضه المأمون، فقال: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ حمل مثلَ دالّتي، ولَبسَ ثَوْبَ حرمتي، غُفِرَ له مثلُ زَلَّتي، قال: صدَقْتَ وعفا عنه.\rولمّا دخل بعضُ الكتّاب على أميرٍ بعد نكبة نالَتْه فرأى من الأمير بعضَ الازْدِرَاء، فقال له: لا يَضَعُني عندك خمولُ النَّبْوة، وزوال الثروة؛ فإنّ السيفَ العتيق إذا مسَّهُ كثيرُ الصدَإ أستغنى بقليل الجلاءِ حتى يعودَ حدُّه، ويظهر فِرِنْدُهُ؛ ولم أَصِفْ نفسي عجباً، لكن شُكراً. وقال،صلى الله عليه وسلم: \" أنا أشرفُ وَلد اَدم ولا فخر \" ، فجهر بالشكر، وترك الاستِطَالة بالكبْرِ.\rمن أخبار المعتصم\rوكان تميم بن جميل السدوسي قد أقام، بشاطئ الفرات، واجتمع إليه كثيرٌ من الأعراب، فعظُم أمرُه، وبَعُد ذكره؛ فكتب المعتصمُ إلى مالك بن طَوْق في النهوض إليه، فتبدَّد جمعُه، وظفر به فحمَلهُ مُوثَقاً إلى باب المعتصم، فقال أحمد بن أبي داود: ما رأيتُ رجلاً عاين الموت، فما هالَه ولا شغله عما كان يجِبُ عليه أن يفعلَه إلا تميم بن جميل؛ فإنه لمّا مَثلَ بين يدي المعتصم وأحضر السيفَ والنطَعَ، ووقف بينهما، تأمِّله المعتصم - وكان جميلاً وَسيماً - فأَحبّ أن يعلمَ أين لسانُه من منظره، فقال: تكلّم يا تميم، فقال: إذا إذ أذِنتَ يا أمير المؤمنين، فأنا أقولُ: الحمدُ للَّهِ \" الذي أَحْسَنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَهُ وَبَدأَ خَلْقَ الإنسانِ من طينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالةٍ من ماء مَهِينٍ \" أيا أمير المؤمنين: جبر الله، بك صَدْعَ الدَّين، ولمَّ بك شَعَثَ المسلمين، وأوضحَ بك سُبُل الحقّ، وأخمدَ بِك شِهَابَ الباطل؛ إن الذنوبَ تخرس الألسُن الفصيحة، وتُعْيِي الأفئدَة الصحيحة، ولقد عظُمَتِ الجريرة، وانقطعَت الحجّة وساءَ الظنّ، فلم يبق إلا عفوُك وانتقامُك، وأَرجو أَن يكونَ أقربهما مني وأسرعهما إليَّ أشبههما بك، وأولاهما بكرمك، ثم قال: الطويل:\rأرى الموتَ بين السيفِ وَالنطْع كامناً ... يُلاحظني من حيثما أتلفَّتُ\rوأكبَرُ ظني أنكَ اليومَ قاتِلي ... وأَيُّ امرئ ممّا قضَى الله يفلت\rوأي امرئ يأتي بعُذْرٍ وحُجّةٍ ... وسيفُ المنايا بين عينيه مُصْلَتُ\rوما جزَعِي مِنْ أن أموتَ وإنني ... لأعلمُ أنَّ الموتَ شيءٌ موقَّتُ\rولكنّ خَلْفي صبْيةً قد تركتهم ... وأكبادُهم من حَسْرةٍ تتفتَّتُ\rفإنْ عشتُ عاشوا سالمين بغِبطةٍ ... أذُودُ الرَّدَى عنهم وإن متُّ مَوَّتُوا\rوكم قائلِ لا يبعد الله دارَهُ ... وآخر جَذْلانٌ يسرُّ ويشمتُ\rفتبسَّم المعتصم وقال: يا جميل، قد وهبتُك للصَّبية، وغفرت لك الصّبْوَة، ثم أمر بفكّ قيودِه، وخلع عليه، وعقد له على شاطئ الفُرات.\rوكتب المعتصمُ - حين صارت إليه الخلافةُ - إلى عبد الله بن طاهر: عافانا الله وإياك، قد كانت في قلبي منك هَنَاتٌ غفرها الاقتِدار، وبقيَتْ حزازات أَخافُ منها عليك عند نظري إليك؛ فإن أتاك ألْفُ كتابٍ أستقدمك فيهِ فلا تقْدم، وحَسْبُك معرفةً بما أنا مُنْطَوٍ لكَ عليه إطْلاَعِي إياك على ما في ضميري منك، والسلام.","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"قال العباس بن المأمون: ولما أَفضَتِ الخلافةُ إلى المعتصم دخلتُ، فقال: هذا مجلسٌ كنتَ أكْرَهَ الناسِ لجلوسي فيه، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، أنتَ تعفُو عما تيقنته، فكيف تعاقب على ما توهّمته؟ فقال: لو أردت عقابَك لتركت عتابك.\rوكان المعتصم شَهْماً، شجاعاً، عاقلاً، مفوَّهاً، ولم يكن في خلفاء، بني العباس أميّ غيره، وقيل: بل كان يكتبُ خطّاً ضعيفاً، وكان سبب ذلك أنه رأى جنازة لبعضِ الخدَم، فقال: ليتني مثله لأتخلّص من الكُتّاب فقال الرشيد: والله لا عذبتك بشيء تختارُ عليه الموتَ.\rقال أبو القاسم الزجاجي: وهذا شيء يُحْكَى من غير رِواية صحيحة، إلا أن جملته أنه كان ضعيفَ البَصر بالعربية.\rوقرأ أحمد بن عمار المذري - وكان يتقلد العَرْضَ عليه في الحضرة - كتاباً فيه: ومطرنا مطراً كثُر عنه الكَلأ \" فقال له المعتصم: ما الكَلأ؟ فقال: لا أدري. فقال: إنا لله وإنّا إليه راجعون! خليفة أمي وكاتبٌ أُمي! ثم قال: مَن يقرب منا من كتاب الدار؟ فعرف مكان محمد بن عبد الملك الزيات، وكان يتوَلَى قَهْرَمَةَ الدار، ويُشْرِفُ على المطبخ، فأحضره، فقال: ما الكَلأ؟ فقال: النبات كله رطبُه ويابسه؛ فالرطب منه خاصة يقال له خلاً، ومنه سمّيت المخلاَة، واليابس يقال له حشيش؛ ثم اندفع في صفاتِ النباتِ من لى ابتدائه إلى اكتماله إلى هَيْجِه، فاستحسنَ ذلك المعتصم، وولاّهُ العَرْض من ذلك اليوم، فلم يزَلْ وزيراً مدة خلافتهِ وخلافةِ الواثق، حتى نكبه المتوكل بحقودٍ حَقَدَها عليه أيام أخيه الواثق؟.\rوقال الرياشي: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتاباً يتهدَّده فيه، فأمر بجوابه، فلما قُرئ عليه لم يَرْضَ ما فيه، وقال لبعض الكتاب: اكْتب: أمّا بعدُ، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابَك، والجوابُ ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلمُ الكافرُ لمن عُقْبَى الدار.\rوهذا نظيرُ قول قَطَري للحجاج، وقد كتب إليه كتاباً يتهدَّده، فأجابه قطري: أما بعد، فالحمدُ للهِ الذي لو شاء لجمع شخصَينَا؛ فعلمت أن مُثاقَفة الرجال أَقوم من تَسْطير المقَال، والسلام.\rبين المهلب والحجاج\rولما افتتح المهلبُ خراسان، ونَفَى الخوارج عنها، وتفرّقت الأزارقة، كتب الحجاجُ إليه أن اكتب لي بخبر الوقيعة، واشرح لي القصةَ حتى كأني شاهِدُها، فبعث إليه المهلبُ كعب بن معدان الأشعريَّ، فأنشده قصيدة فيها ستون بيتاً تقتصُّ خبرهم لا يخرم منه شيئاً؛ فقال له الحجاج: أخطِيب أم شاعر؟ قال له: كلاهما، أَعزّ الله الأمير! قال: أخبرني عن بني المهلب، فقال له: المغيرةُ سيدهم، وكفاك بيزيد فارساً، وما لقي الأبطال مثل حبيب، وما يستحي شجاع أن يفرّ من مُدْرِك، وعبد الملك موتٌ ذُعَاف وسم ناقع، وحسبك بالمفضّل في النّجْدَةِ، واسْتَجْهِزْ قبيصة، ومحمد ليث غاب، فقال الحجاج: ما أراك فضلت عليهم واحداً منهم؛ فأخبِرْني عن جملتهم ومن أفضلهم؟ فقال: هم - أَعزَّ الله الأميرَ! - كالحَلْقة المفرَغَة لا يُدْرَى أين طرفها، قال: إنّ خبرَ حَرْبِكم كان يبلغني عظيماً، أفكذلك كان؟ قال: نعم أيها الأمير، والسماع دون العِيان. قال: أخبرني كيف رِضَا المهلَّبِ عن جنده ورِضَا جنده عنه؟ قال: أعزَ الله الأمير، له عليهم شفقة الوالد، ولهم به برّ الولد. قال: أخبرني كيف فاتكم قَطَري؟ قال: كِدْنَاه في منزله فتحوّل عنه، وتوهّم أنه كادنا بذلك، قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: الكلب إذا أُجحر عَقَرَ، قال: المهلبُ كان أَعلمَ بك حيث أَرسلك.","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"وقد رُوِي أنَّ المهلبَ لمَا فرغ من قَتْل عبد ربه الْحَروري دعا بشرَ بن مالك فأنْفذه بالبشارة إلى الحجاج، فلمّا دخل إلى الحجاج قال: ما اسْمُك. قال: بِشر بن مالك، فقال الحجّاج: بشارة وملك! وكيف خلفتَ المهلب؟ قال: خلفته وقد أَمن ما خاف، وأَدرك ما طَلبَ؛ قال: كيف كانت حالُكم مع عدوكم؟ قال: كانت البداءة لهم، والعاقِبَةُ لنا، قال الحجاج: العاقبة للمتقين، ثم قال: فما حالُ الجند؟ قال: وسعَهم الحق، وأغناهم النَفَل، وإنهم لمع رجل يسوسهم سياسة الملوك، ويقاتِلُ بهم قتالَ الصعلوك، فلهم منْه برُّ الوالد، وله منهم طاعة الولد، قال: فما حال ولد المهلب؟ قال: رعاةُ البَيَاتِ حتى يؤمنوه، وحُماةُ السرْحِ حتى يردوه، قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم، قال: وأَنت أيضاً، فإني أرى لك لساناً وعبارة، قال: هم كالحلْقة المفرغة لا يُدْرى أين طرفها، قال: ويحك أكنت أعددت لهذا المقامِ هذا المقال؟ قال: لا يعلم الغيبَ إلا اللهُ.\rبين أبي الصقر وصاعد بن مخلد\rودخل أبو الصقر قَبْلَ وزارته على صاعِد بن مخلد، وهم الوَزير حينئذ، وفي المجلس أبو العباس بن ثَوَابةَ، فسأل الوزيرُ عن رجل، فقال: أنفي؟ يريد نفي؟ فقال ابن ثوابة: في الخَرْءِ، فتضاحك به أهل المجلس، فقام أبو الصقر مُغضَباً.\rبين أبي العيناء وابن ثوابة\rوكان أبو العيناء يُعَادِي ابنَ ثوابة لمُعَاداتِه لأبي صقر؛ فاجتمعا في مجلس صاعد في غدِ ذلك اليوم، فتلاحَيَا، فقال ابنُ ثوابة: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك ضيق الطعن، كثيرَ الوَسَن، خارّاً على الذقَن، وقد بلغني تعدّيك على أبي الصقر، وإنما حَلم عنك؛ لأنه لم يَجِدْ لك عزّاً فبذلّه، ولا عُلوّاً فيضَعه، ولا مَجْداً فيهدمه؛ فعافَ لحمَك أن يأكلَه، ودمَك أن يسفكَه، فقال ابنُ ثوابة: ما تسابّ إنسانانِ إلا غلب أَلأَمهما، فقال أبو العيناءِ: فلهذا غلبتَ بالأمس أبا الصقر!.\rمكارم أبي الصقر\rومما يُعَدُّ من مكارم أبي الصقر أن ابنَ ثَوابة دخل عليه في وزارتِه، فقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنَّا لخاطئين، فقال أبو الصقر: لا تَثريبَ عليك، يغفر الله لك وهو أرحم الراحمين، فما قَصَّرَ في الإحسانِ إليه، والإنعام عليه، مدة وزارته.\rبين أبي الصقر وأبي العيناء\rولمّا ولي أبو الصقر الوِزارة خيّر أبا العيناء فيما يحبّه حتى يفعلَه به، فقال: أُريد أن يكتبَ لي الوزير إلى أحمد بن محمد الطائي يعرِّفُه مكاني، ويلزمُه قضاءَ حق مثلي.\rفكتب إليه كتاباً بخطّه، فوصَّله إلى الطائي، فسبب له في مدة شهر مقدار ألف دينار، وعاشره أجمل عشرة، فانصرف بجميع ما يحبّه.\rوكتب إلى أبي الصقر كتاباً مضمنه: أنا - أعزَّك الله - طليقُك من الفقر، ونقيذك من البؤس، أخذْتَ بيدي عند عَثْرةِ الدهر، وكَبْوَةِ الكِبَرِ وعلى أية حالٍ حين فقدت الأولياءَ والأشكال والإخوان والأمثال، الذين يفهمون في غيرِ تَعب، وهم الناسُ الذين كانوا غياثاً للناس، فحللت عقدة الخَلّة، ورَدَدْتَ إليّ بعد النفور النعمة، وكتبت لي كتاباً إلى الطائي، فكأنما كان منه إليك، أتيتهُ وقد استصعبَتْ عليَّ الأمور، وأَحاطَتْ بي النوائب؛ فكَثر من بِشْرِه؟ وبذَل من يُسرِه، وأعطى من ماله أكرمَه، ومن برّه أحكَمه، مُكْرِماً لي مدةَ ما أقمت، ومثْقِلاً لي من فوائده لما ودَّعت، حكمني في ماله فتحكّمتُ، وأنتَ تعرفُ جَوريِ إذا تمكّنتُ، وزادني من طَوْله فشكَرْتُ؛ فأحسن الله جزاءك، وأَعظم حباءك، وقدّمني أمامك، وأعاذني من فَقْدِك وحمامِك؛ فقد أنفقتَ عليّ مما مملكك الله، وأنفقتُ من الشكر ما يسَّره الله لي، واللَّهُ عزَ وجلَّ يقول: \" ليُنْفِقْ ذو سَعَةٍ من سَعَتِهِ \" فالحمدُ للَّه الذي جعل لكَ اليدَ الغالبة، والرتبة الشريفة، لا أَزال الله عن هذه الأمة ما بَسَطَ فيها من عَدْلِك، وبثَّ فيها من رِفْدِكَ.\rبين أبي العيناء وأحمد بن الخصيب","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"قطعة مختارة من نسخة الكتاب الذي عمله أبو العيناء في ذمّ أحمد بن الخصيب لَمَّا نكِب على ألسنةِ الكتّاب والقوّاد وأَرباب الدولة في ذلك الوقت. قال: ذكره محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: ما زال يَخرق ولا يرقَع، وما زِلْتُ أتوقع له الذي وَقع فيه. وذكره أتامش، فقال: غدر بمن آثره، وتخطّى إلى ما لا يقدرهُ، فحل به ما يحذره. وذكره بُغَاءُ فقال: أبطَرَتْه النعمة، ففجأته النقمة،. وذكره وصيف فقال: تَرك العقلاء على يَأْسِ مرتبته، والحمْقَى على رجاء درجته! وذكره موسى بنُ بغاء فقال: لولا أن القَدَر يعشي البَصَر، لما نَهَى فينا ولا أَمر. وذكره فارسُ بن بغاء فقال: لم تممّ له نِعْمَة؛ لأنه لم تكُنْ له في الخير همَّة. وذكره الفضل بن العباس فقال: إن لم يكنْ تاريخ البلاء فما أعظم البلوى. وذكره هارون بن عيسى فقال: كانت دولة من دُوَلِ المجانين، خرجَتْ من الدنيا والدّين. وذكره المعَلَّى بن أيوب، فقيل له: ما أعجَب ما نكبَ، فقال: نعمتهُ أَعجبُ من نكْبته! وذكره ميمون بن إبراهيم، فقال: لو تأمَّل فعاله فاجتنَبها، لاستغنى عن الآداب أن يطلبها! وذكره محمد بن نجاح فقال: لئن كانت النعمةُ عظمَتْ على قوم خرجَ عنهم لقد عَظُمَت المصيبة على قومٍ نزل فيهم! وذكره علي بن يحيى بن المنجم، فقال: لم يكن له أوَّل يَرْجِعُ إليه، ولا آخر يعود عليه، ولا عقل فيزكو لديه! وذكره محمد بن موسى بن شاكر المنجم فقال: قبّحه الله إن ذكرتَ ذَا فَضْل تنقّصه لما فيه من ضِدّه، أو ذكرت ذَا نَقْص تولآه لما فيه من شكله. وذكره ابنُ ثَوَابة فقال: امرؤ أساءَ عِشْرَة الأحرار، فأصبح مَقفِر الديار. وذكره حجاج بن هارُون فقال: ما كان له في الشرف أسبابٌ مِتَان، ولا في الخير عادات حِسان. وذكره أحمد بن حمدون فقال: إن منحته القدرة لقد حملته النكبة. وذكره محمد بن الفضل فقال: ما زال يستوحِشُ بالنعمة حتى أَنس بالنقمة وذكره عبد الله بن فراس فقال: كنت إذا نصحتهُ زنّاني، وإذا غششته منّاني. وذكره أبو صالح بن عمار فقال: لئن علا بحظ لقد انحطّ بحق. وذكره سعيد بن حميد فقال: إذا أصاب أحجم، وإذا أخطأ صمم.\rأخبار أبي بكر المعروف بسيبويه\rوكان في هذا العصر بمصر أبو بكر المعروف بسيبويه ناقلة البصرة يُشْبِهه في حضورِ جوابِه وخطابِه، وحُسْن عبارته، وكَثْرَة رِوَايته، وكان قد تناول البلاذُر؛ فعرضت له منه لوثة، وكان أكثرُ الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول.\rقال يوماً للمصريين: يا أهل مصر، أصحابنا البغدادِيون أحزَمُ منكم، لا يقولون بالولد، حتى يتَّخِذوا له العُقَد والعُدَد؛ فهم أبداً يعتزلون. ولا يقولون باتخاذ العَقَار خوفاً أن يملِكَهم سوءُ الجوار؛ فهم أبداً يكنزون. ولا يقولون باتخاذ الحرائر خوفاً أن تتوقَ نفسُهم إلى السَّرَارِي؛ فهم أبداً يتسرَّرُون. ولا يقولون أبداً بإظهار الغنى في مكان عُرفوا بالفقر؛ فهم أبداً يسافرون.\rووقف يوماً بالجامع وقد أخذت الخلق مأخَذَها، فقال: يا أهل مصر، حيطانُ مقابر أنفعُ منكم، يُستَنْزَهُ بها من التعب، ويُسْتَدْفَأُ بها من الريح، ويُسْتَظَلُّ بها من الشمس. والبهائم خيرٌ منكم تُمْتَطى ظهورُها، وتُحْتذى جلودها، وتؤكل لحومُها.\rوكان أبو الفضل بن خنزابَه الوزير، ربّما رفع أنفَه ييهاً، فقال له سيبويه، وقد رآه فعل ذلك: أشمَّ مني الوزيرُ رائحةً كريهة فشمر أنفَه، فأطرق وإستعمل النهوض، فخرج سيبويه، فقال له الرجل: من أينَ أقبلت؟ فقال: من عند الزَاهِي بنفسه، المدلّ بفرسه، المستطيل على أبناء جِنْسه.\rواستأذن على مسلم بن عبيد الله العلوي، ومسلم من أهل الحجاز نزل مصر، فحجب عنه، فقال: قولوا له: يرجع إلى لبس العباء، ومَصِّ النوى، وسُكْنى الفَلا، فهو أشبَهُ به من نعيم الدنيا.\rوكان على شرطِ كافور الإخشيدي أحدُ الخاصَّةِ؛ فوجد عليه سيبويه في بعض الأمرِ، فعزل عن الشرطة، فوليها رَكى صاحب الراضي، فلم يحمده أيضاً، فوقف لكافور وهو مارّ إلى الصلاة يوم الجمعة، فقال: أيها الأستاذ، ولَيت ظالماً، وعزلْتَ ظالماً، قليل الوفاء، كثير الجفاء، غليظ القَفا. فتبسّم ابن بُرك البغدادي، وكان يسايرُ كافوراً، فقال: وهذا ابن برك ممن يغرّك، لن ينفعك ولن يضرَّك.","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"وأخلئ الحمام لمفلح الحسيني، فأتى سيبويه ليدخلَ، فمُنِع، وقيل: الأمير مفلحٌ به، فقال: لا أنقى الله مغسولَه، ولا بلّغه سُولَه، ولا وقّاه من العذاب مَهُولُه، وجلس حتى خرج، فقال: إن الحمام لا يُخلى إلاَّ لأحدِ ثلاثة: مبتلًى في قُبله، أو مبتلًى في دُبره، أو سلطان يخافُ من شرِّه، فأي الثلاثة أنت. قال: أنا المقدَّم.\rوأحضره أبو بكر بن عبد اللّه الخازن فقال: قد بلغني بَذَاءُ لسانِك، وقبيحُ معامَلتك للأشراف، فاحذَرْ أن تعودَ فينالَكَ مني أشدُّ العقوبة؛ فخرج متحزناً، فكان الولدان يتولّعون به ويذكرون له الخازِنَ، فيشتدّ عليه ذلك، فينصرف ولا يكلّمهم؛ فمرّ به رجل يكنى أبا بكر من ولد عقبة بن أبي مُعَيْطٍ، وغلامٌ قد ألحَّ عليه بذلك، فضحك المعيطي، فقال للغلام: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب النبي، صلى الله عليه وسلم، عنق عقبة بن أبي معيط على الكُفْر، وضرب ظَهْرَ أبيك بالسوط كما ضرب عليّ بن أبي طالب بأمر عثمان، رضي الله عنهما، ظهر الوَليد بن عقبة على شُرْب الخمر، وألحقك يا صبيّ بالصِّبْيَة، يريد قولَ النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد قال له عقبة لمَا أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، علياً، رضي الله عنه، بقَتْلِه: \" فمَنْ للصِّبية يا رسول الله؟ \" قال: \" النارُ لك ولهم \" ، فانصرف المعيطي وبَطْنُ الأرضِ أحبُّ إليه من ظَهْرِها.\rرَجْع إلى أبي العيناء\rوقال أبو العيناء: أنا أولُ من أظهر العقوقَ لوالديه بالبَصرة، قال لي أبي: إنَ اللَّهَ قد قَرَن طاعتَه بطاعتي، فقال تعالى: \" أَنِ اشْكُرْ لي ولوالديك \" فقلتُ: يا أبت، إن الله تعالى قد أمِنني عليك ولم يأمنك عليّ، فقال تعالى: \" ولا تَقْتُلُوا أَولادَكُمْ خَشْيَةَ إِملاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُم \" .\rوقال أعرابي لأبيه: يا أبت، إن كبيرَ حقّك لا يبطل صغير حفِّي عليك، والذي تَمُتّ به إليّ أمتّ بمثله إليك، ولست أزعُمُ أنا سواء، ولكن لا يحلّ لك الاعتداءُ.\rودخل على عبيد الله بن سليمان فضمّه إليه، فقال: أنا إلى ضمّ الكفاية أحوجُ مني إلى ضَمّ اليدَيْن.\rوقال له مرة: أنا معك مقبوض الظاهر، مرحوم الباطنِ.\rقال أبو الطيب المتنبي: البسيط:\rماذا لَقيتُ من الدنيا وأَعْجَبها ... أني بما أَنا باكٍ منه محسودُ\rوقال له رجل: يا مخنَّثُ، فقال: \" وضَرَبَ لنا مَثَلاً ونَسِيَ خَلْقَهُ \" .\rوذكر أبو العيناء محمد بن يحيى بن خالد بن برمك، فقال: بأبي وأمي دَامَ الوَجْهُ الطلْقَ، والقول الحقّ، والوعد الصّدق، نيّته أفضلُ من علانيته، وفعلُه أفضل من قوله. وقال له المتوكل: ما أشدّ ما مرّ عليك من فَقْدِ بصرك؟ فقال: ما حُرِمْتُ منه من النظر إليك أيها الأمير! وقال لعبيد الله بن يحيى: مسَّنا وأهلنا الضرّ، وبضاعتُنا الحمدُ والشكر، وأنت الذي لا يخيب عنده حرّ. وقال له يوماً: قد اشتدَّ الحجاب، وفحش الحرمان، فقال: ارفق يا أبا عبد الله، فقال: لو رفق بي فعلُك لرفق بك قولي! وقال له: أيها الوزير، إذا تغافل اهلُ التفضّل هلك أهل التجمّل. وذم رجلاً فقال: لا يعرفُ الحقَّ فينصره، ولا الباطلَ فيُنكِره. وقيل له: ما أَبلغ الكلام؟ فقال: ما أسكَت المُبْطِل، وحَيّر المحق. وقيل له: مات الحسن بن سهل، فقال: واللّه لئن أتعب المادِحينَ، لقد أطال بكاء الباكين، واللّه لقد أصِيب بموتِه الأنام، وخرست بفقده الأقلام.\rباب الرثاء\rقال أشجع بن عمرو السُّلمي: الطويل:\rمضى ابنُ سعيدٍ حين لم يَبْقَ مَشْرِق ... ولا مغربٌ إلاَّ له فيه مادِحُ\rوما كنتُ أَدْرِي ما فواضل كفّه ... على الناس حتى غيّبَتْه الصفائحُ\rفأصبح في لَحدٍ من الأرض ميّتاً ... وكانت بِه حياً تضيق الصحاصِحُ\rكأن لم يمت ميتٌ سواك ولم تَقمْ ... على أحدٍ إلا عليك النوائحُ\rفما أنا من رُزءٍ وإن جَلَّ جازع ... ولا بسرورٍ بعدَ موتِكَ فَارحُ\rلئن حَسُنَتْ فيك المراثي وذكرُها ... لقد حسُنَتْ من قَبْلُ فيك المدائحُ\rسأَبكيك ما فاضَت دموعي، فإن تَغِض ... فحسبُك مني ما تُكِنُّ الجوانِحُ","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"قوله: وكانت به حيّاً تَضيقُ الصحاصِحُ يتعلق بقول الحسين بن مطير في مَعْن بن زائدة: الطويل:\rأَلِمَّا على مَعْنٍ وقُولا لقبرِهِ: ... سقَتْكَ الغوادِي مَرْبعاً ثم مَرْبعَا\rفيا قبرَ معنٍ أنت أولُ حُفْرَةٍ ... من الأرض خُطَّتْ للسماحة مَضْجَعا\rويا قبرَ مَعْنٍ كيف واريتَ جودَهُ ... وقد كان منه البَرُّ والبحرُ مُتْرَعَا؟\rبلَى قد وَسِعْتَ الجودَ والجُودُ مَيتٌ ... ولو كان حيّاً ضِقْتَ حتى تَصَدَّعا\rفتى عِيشَ في مَعْرُوفه بعد موتِه ... كما كان بعد السيل مَجْرَاه مَرْتَعَا\rولمّا مضَى مَعْنٌ مضى الجودُ وانقضى ... وأصبح عِرنِينُ المكارم أجْدَعا\rوهذا كقول عبد الصَّمد بن المعذل عمرو بن سعيد بن سَلم الباهلي: الوافر:\rأقبرُ أبي أميةَ لو عُلاهُ ... حملْتَ إذاً لضقْتَ به ذراعا\rحويتَ الجودَ والتقوى وعمراً ... فكيف أطَقْت يا قبرُ اضطلاعا؟\rلموتهمُ أطَقْت لهم ضماناً ... ولولا ذَاك لم تُطِقِ اتّساعا\rوقول أشجع: لئن حسنت فيك المراثي وذكْرها من قول الخنساء: الكامل:\rيا صَخرُ، بعدَك هاجَني استعباري ... شانِيكَ باتَ بذلتي وصَغاري\rكنّا نعد لك المدائحَ مدّةً ... فاليوم صرتَ تنَاحُ بالأشعارِ\rوقالت جَنُوبُ أخت عمرو ذي الكلب: المتقارب:\rسألتُ بعمرٍو أخي صَحْبَهُ ... فأفْظَعَنِي حين ردُّوا السؤَالا\rفقالوا: أُتيحَ له نائماً ... أغرُّ السلاح عليه أجَالا\rأُتيحَ له نَمِرَا أجْبُلٍ ... فنالا لعمرك عنه ونَالا\rفأقسمُ يا عمرُو لو نبَّهَاكَ ... إذاً نبَّهَا منك داءً عُضَالا\rإذاً نبَّها لَيْثَ عِرِّيسةٍ ... مُبيداً مُفتياً نُفُوساً ومالا\rإذاً نبَّها غيرَ رِعيدةٍ ... ولا طائشاً دهشاً حين صَالا\rهما معْ تصرف ريْبِ المنون ... من الدهر ركناً شديداً أَمالا\rوقالوا: قتلْناهُ في غارةٍ ... بآية أنْ قد ورثنا النَّبالا\rفهلاّ إذاً قبلَ ريب المنون ... فقد كان فذّاً وكنتم رجَالا\rوقد علمَتْ فَهْم عند اللقاء ... بأنهمُ لك كانوا نِفالا\rكأنهمُ لم يحسّوا بهِ ... فيخلوا نساءهمْ والحِجَالا\rولم ينزلوا بمحولِ السنين ... به فيكونوا عليه عِيالا\rوقد علم الضيفُ والمُرْملونَ ... إذا اغبَرَّ أُفقٌ وهبَّت شمالا\rوخلَّتْ عَنَ أولادِها المرضعاتُ ... ولم تَرَ عينٌ لمزنٍ بلالا\rبأنَّكَ كنتَ الربيع المغيثَ ... لمن يَعْتَفيك وكنت الثّمَالا\rوخَرْقٍ تجاوزتَ مجهولَهُ ... بوَجْنَاء حَرْفٍ تشكي الكَلاَلا\rفكنت النهارَ به شمسَه ... وكنتَ دجَى الليل فيه هلالا\rوحيّ صبحت وحيّ أبحْتَ ... غداة اللقاء منايا عِجالا\rوكم من قبيل وإن لم تكن ... أرَدْتَهُمُ منك باتوا وجالا\rقال عمرو بن شبة: وكان عمرو بن عاصم هذا يَغْزُو فَهْماً فيصيب منهم، فوضعوا له رصَداً على الماء، فأخذوه فقتلوه، ثم مرُّوا بأخته جَنُوبَ، فقالوا: أخاكِ؛ فقالت: لئن طلبتموه لتجدُنّه منيعاً، ولئن ضفتموه لتجدُنَّه مريعاً، ولئن وعدتموه لتجدنه سريعاً! فقالوا: قد أخذناه فقتلْناه، وهذا نبله. فقالت: والله لئن سلبتموه لا تجدون ثَلَّتَه وافية، ولا حجرته جافية، ولربّ ثدي منكم قد افترشه، ونهب قد احتوَشَه؛ ثم قالت الأبياتَ المتقدمة الذكر.\rوأنشد أبو حاتم ولم يقل قائله: الطويل:\rألا في سبيل الله ماذا تضمَّنت ... بطونُ الثرى واستُودعَ البلَدُ القَفْرُ\rبدورٌ إذا الدنيا دَجَتْ أشرقَتْ بهم ... وإن أجدبَتْ يوماً فأيديهمُ القَطْرُ","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"فيا شامتاً بالموت لا تشمتنْ بهم ... حياتُهُمُ فخرٌ وموتهُمُ ذكْرُ\rأقاموا بظَهْرِ الأرض فاخضرَّ عودُها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظَّهْرُ\rوقال أبو عبد الله العتبي، وتوفي له بنون فُجِع بهم ومات في آخرهم ابنٌ له يكنى أبا عَمْرو كان يقول الشعر؛ فقال يرثيه: الطويل:\rلقد شمت الواشون بي وتغيرتْ ... وجومٌ أراها بعد موت أبي عَمْرو\rتجرّى عَلَيَّ الدهرُ لما فقدته ... ولو كَان حيَّاً لاجترأتُ على الدهرِ\rأسكان بطن الأرض لو يُقبَلُ الفِدَى ... فدينا، وأَعطينا بكم ساكني الظهْر\rفيا ليت مَنْ فيها عليها، وليتَ من ... عليها ثَوَى فيها مُقِيماً إلى الحَشْرِ\rوقاسمني دَهري بنيّ مُشَاطراً ... فلما توفَّى شطره مال في شَطْرِي\rفصاروا كأن لم يعرفِ الموت غيرهم ... فثكلٌ على ثكل وقبرٌ على قَبْرِ\rوقاد في ابن توفي صغيراً: مجزوء الرمل:\rإنْ يكُنْ ماتَ صغيراً ... فالأَسَى غَيْرُ صغيرِ\rكانَ رَيْحَانِي فأَمسى ... وهو رَيحَانُ القبُورِ\rغَرَسَته فِي بساتي ... ن البلى أَيْدِي الدهورِ\rومن هنا أخذ أبو الطيب المتنبي قوله: الطويل:\rفإن تَكُ في قبر فإنك في الحشا ... وإن تَكُ طِفَلاً فالأسَى ليس بالطفْلِ\rوقال خلف بن خليفة الأقطع: الطويل:\rأعَاتِبُ نفسي إن تبسَّمْتُ خَالِياً ... وقد يَضحَكُ الموتورُ وَهْوَ حَزِينُ\rوبالبذِّ أشجاني وكم من شَجٍ لهُ ... دُوَين المصلّى والبقيعِ، شجُونُ\rرُبًى حولها أمثالُها إن أتيتها ... قَريْنَك أشجاناً وهنّ سُكونُ\rكَفى الهجر أنّا لم يَضِح لكَ أمرُنا ... ولم يأتنا عمَّا لديك يَقين\rوقال أبو عطاء السِّندي في ابن هبيرة: الطويل:\rألاَ إنَّ عيناً لم تجُدْ يوم واسطٍ ... عليك بباقي دَمْعها لجَمُودُ\rعشيةَ قام النائحاتُ وشُقَّقت ... جيوبٌ بأبدىَ مأتَمٍ وخدودُ\rفإن تُمْسِ مهجُورَ الفِنَا فربما ... أقام به بعد الوفُودِ وفُودُ\rفإنك لم تَبْعَدْ عَلى متعهِّدٍ ... بلى كلُّ ما تحت الترابِ بعيدُ\rأعرابي: الطويل:\rومن عجب أن بتَّ مستودع الثَّرَى ... وبثُّ بما زوّدْتني متمتّعا\rفلو أنني أنصفْتُك الودَّ لم أبِتْ ... خلافك حتى نَنْطَوي في الثرى معا\rسأحمي الكرى عيني وأفترش الثرى ... يميني إذا صار الثرى لك مضجعا\rوبعدك لا آسَى لعظم رزيَّةٍ ... قَضَيْتَ فهوّنْت المصائب أجمعا\rومعنى هذا البيت الأخير تداوله الناس نظماً ونثراً.\rقال أبو نواس في الأمين: الطويل:\rطوَى الموتُ ما بيني وبين محمدٍ ... وليسَ لما تَطْوِي المنيّةُ ناشِرُ\rلئن عَمِرَتْ دُورٌ بمن لا أحبهُ ... لقد عمرتْ ممن أُحِبُّ المقابِرُ\rوكنتُ عليه أحْذَرُ الموتَ وحدَه ... فلم يَبْقَ لي شيء عليه أُحاذِر\rوقيل لأمّ الهيثم السدوسية: ما أسرع ما سلوت عن ابنك الهيثم! قالت: أما والله لقد رُزِئته كالبدرِ في بهائه، والرمْحِ في استوائه، والسيفِ في مَضَائه؛ ولقد فتّتَتْ مصيبتهُ كبدي، وأفنى فَقْدُه جلدي، وما اعتَضْتُ من بعده إلا أَمْنَ المصائب لفقدِه.\rوعزَّى أبو العيناء أحمد بن أبي دُواد عن ولدٍ له، فقال: ما أصيب من أثيب، والله لقد هان لفقده، جليل المصائب من بعدِه.\rودخل أعرابي من بادية البصرة إلى الشام ومعه بنون، فلمّا كان بقنَّسْرِينَ مات بنوه بالطاعون فقال: الطويل:\rأبعْدَ، بَنيَّ، الدهرَ أرجُو غَضارَةً ... من العيش أو آسى لما فات من عُمْري؟\rغطارِفَةٌ زُهرٌ مضَوْا لسبيلهم ... فلهفي على تلك الغَطَارِفة الزُّهْر\rسقى الله أجساداً ورائي تركْتُها ... بحاضر قنّسرين من صيِّب القَطْر","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"يُذكّرنيهم كل خير رأيتُهُ ... وشرٍّ، فما أَنفكُّ منهم على ذكْرِ\rهذا البيت كقول الآخر:الطويل:\rرعاكِ ضمانُ الله يا أُمَّ مالك ... ولله أن يرعاك أولَى وأَوسَعُ\rيذكّرنيك الخير والشرُّ والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقّعُ\rوقال مسلم بن الوليد: الطويل:\rوإني وإسماعيل يوم ودَاعِه ... لكالغِمْدِ يوم الرَّوع فارقَه النَصلُ\rأما والحبالات الممرَّات بيننا ... رسائل أدَّتها المودّةُ والوصلُ\rلما خنتُ عهداً من إخاءٍ ولا نأى ... بذكراك نأيٌ عن ضميري ولا شغلُ\rوإنيَ في مالي وأهلي كأنني ... لفقدك لا مالٌ لديّ ولا أهلُ\rيذكّرنيك الخيرُ والشرُّ والحِجَا ... وقيلُ الخنى والحِلْمُ والعِلْمُ والجهلُ\rفألقاك عن مذمومها متنزهاً ... وألقاك في محمودها ولك الفضل\rوأحمَدُ من إخلافِك البخلَ إنهُ ... بعِرْضك لا بالمال حاشَا لك البخْلُ\rأمنتجعاً مَرْواً بأثقال همّةٍ ... دع الثِّقلَ واحْمِلْ حاجةً ما لها ثِقْلُ\rثناءً كَعُرْف الطيب يهدي لأهله ... وليس له إلاَّ بني برمك أهلُ\rفإن أغْشَ قوماً بعدهم أو أزورهم ... فكالوحش يُدْنِيها مِنَ القَنص المحْل\rومن ألفاظ أهل العصر\rفي التعازي وما يتعلّق بمعانيها","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"من ذكر البكاء والجزع وعظم المصائب: خَبرٌ عزَّ على النفوسِ مَسْمَعه، وأثّر في القلوب مَوْقِعُه. خَبَر تصطكُّ له المسامعُ، وترتجُّ به الأضالع، وتسقط له الحبالى، وتَصْحو منه السكارى. خبرٌ كادت له القلوبُ تطيرُ، والعقول تَطيشُ، والنفوس تَطيح. خبر يخفض البصر ويقذيه، ويَقْبِض الأملَ ويقدح فيه. الخبر في اثناءِ الرجاءَ قد انقطع؛ وأصمَّ به الناعي وقد أَسمع. ناعي الفضائل قائم، وأنفُ المحاسنِ رَاغم. خبرٌ أحْرج الصَدْرَ، وأحل البكاء، وحَرَّم الصبر، وأَطار واقع السكون، وأثار كامِنَ الوجوم، وثقلت وَطْأَته على أجزاء النفس، وتأدت معرته إلى سرِّ القلب. كتبتُ والأرضُ واجِفةٌ، والشمسُ كاسفةٌ، للرزء العظيم، والمُصَاب الجسيم، في فلك الملك، ورُكْنِ المجد، وقريع الشَرق والغرب، وما عسى أن يُقَال في الفلك الأعلى إذا انْهَار من جوانبه، وتهافَتَ على مناكِبه. أتى الناعي، فندب المساعي، وقامت بواكي المجد، وكسفت شمسُ الفَضْل، وعاد النهارُ أسودَ، والعيش أَنكَد. غربَ لموته نجمُ الفَضْل، وكسدت سوقُ الأدَب، وقامت نوادب السماحة، ووقف فلكُ الكَرَم، ولطمت عليه المحاسن خدودَها، وشقّت له المناقب جيوبَها وبُرودها، وقد كانت الرزيَّةُ بحيث مارت السماءُ مَوْراً، وسارت الجبالُ سيراً، حتى شوهدت الكواكبُ ظهراً، ثم تهافتتْ شفعاً ووتراً، فارتاعت الأُمّة، وانبسطت الظلمة؟ وارتفعت الرَّحْمَةُ، واضطربت المِلّة، وقامت نوادبُ المجد، وأصبح الناسُ من القيامةِ على وَعد. إنَّ المجدَ بعده لجاري الدمع، وإنَّ الفضل لمنزعج النفس، وإن الكرمَ لَحرِجُ الصدر، وإن المُلْكَ لواهِنُ الظَّهْر. كتابي وأنا من الحياة متذمم، وبالعيش مُتبرِّم، بعدما ماد الطَوْد الشامخ، وزال الجبل الباذخ، ونطقت نوادِب المجد، وأقيمت مآتم الفضل. نُعِيَ فلان فتنكر وَجْهُ الدهر، وقبضت مُهْجَةُ الفَخْرِ، فلا قَلْبَ إلا قد تباين صَدْعه، ولا عين إلا وهي ترشحُ بالدَّم بعده. كتبتُ والأحشاءُ محترقة، والأجفانُ بمائها غَرِقة، والدمعُ وَاكِفٌ، والحزن عاكف. مصالب أطلق أسْرابَ الدموع وفرََّقها، وأقلق أعشارَ القلوب وأحرقها، مصابٌ فضّ عقودَ الدموع، وشب النارَ بين الضلوع. مصاب أذاب دموعَ الأحرار، فتحلبت سحائب الدموعِ الغِزار، وانسدَّتْ مسالك السكون والاستقرار. كتبتُ عن عين تَدْمَع، وقلْبِ يجزع، ونفس تَهْلَع، وقد أَذْلَلْتُ مَصُون العَبرة، وحجبتُ وافِدَ الحيرة، ومدّ الهمُّ إلى جسمي يَدَ السقم، وجرَّ الدمعُ على خذي ذيولَ الدم. لولا أن العينَ بالدمع أنطقُ من كلّ لسان وقلم، لأخبرتُ عن بعض ما أَوْهَنَ ظَهْري، وأَوْهى أَزْرِي. إنَّ الفجيعة إذا لم تحاربْ بجيشٍ من البكاء، ولم يخفَّفْ من أثقالِها بالاشتكاء، تضاعفَ دَاؤها، وازدادَتْ أعباؤها، وعز دَواؤها. قد شفيتُ غليلي بما اسْتَذْريْتُه من أسراب الدموع المتحيرة، وخففْتُ عني بعض البُرَحَاء بما امترَيْتُه من أخلافها المتحدّرة. إن في إسبَال العَبرة، وإطلاق الزَّفْرَة، والإجهاش بالبكاء والنشيج، وإعلانِ الصياح والضجيج، تَنْفِيساً عن بُرَحَاءِ القلوب، وتخفيفاً من أثقالِ الكُروبِ. قد أتى الدهرُ بما هدَّ الأصلاب، وأطارَ الألبابَ، من النازلة الهائلة؛ والفجيعة الفظيعة. رُزءٌ أضعفَ العزائم القويةَ، وأبكى العيونَ البكيَّة. مصيبة زَلْزَلتِ الأرض، وهدَّمَت الكرم المَحْض، وسلبت الأجفان كَرَاها، والأبدانَ قُوَاها. فجيعةٌ لا يُدَاوِي كَلْمَها آسٍ، ولا يسدّ ثَلْمَها تَنَاسٍ. مصيبة تركتِ العقولَ مُدَلَّهَة، والنفوس مُولَهة. رُزءٌ هضَّ وهاضَ، وأَطال الانخزال والانخفاض، ولم يَرْضَ بأن فضَّ الأعضاء، حتى أفاض الدماءَ. رزءٌ ملأَ الصدورَ ارتياعاً، وقسم الألبابَ شَعاعاً، وترك الجفونَ مَقروحة، والدموع مسفوحة، والقُوى مهدودة، وطرق العزاءِ مسدودة. رزءٌ نكأَ القلوبَ وجرحَها، وأَحرَّ الأكْبادَ وقرّحها، ما لي يدٌ تخطّ إلا بكلفة، ولا نفس تردد إلا في غصَّة، ولا عين تنظر إلا من وراء قذَى، ولا صدر ينطوي إلا على أذى، فالدموعُ واكفة، والقلوب وَاجِفة، والهمّ وارِد، والأنسُ شارد: الكا مل:\rوالناسُ مَأتمُهم عليه واحدٌ ... في كل دارٍ رَنَّةٌ وزفيرُ","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"كَأني كِنْدَة وهي تَلَهَّفُ على حُجْر، والخنساء تَبْكي على صخر، أنا بين عَبْرَةٍ وزَفْرَة، وأَنّةٍ وحسرة، وتملمُل واضطراب، واشتعال والتهاب. مصيبة أصبحتُ لِغُمَّتها وقيذاً، ولكُرْبَتها أخيذاً. كَتبتَ وقد ملك الجزَعُ عَزَائي، وحصل ناظري في إسار بكائي، فالقلْبُ دهش، والبنَان يرتعِش، وأنا من البقاء متوحّش: قد انتهى بي الهلَع إلى حيث لا التأَسِّي مُصحِب، ولا التناسي مصاحِب، بي انزعاج يحلّ عُقَدَ الْحَزْمِ، واكتئابٌ ينقضُ شروط العَزْم. قد بلغ الحزنُ مبلغاً لم أبتذِلْه للنوائب، وإن جلت وَقْعاً، ونالَت مني مَنالاً لم يعتد طرق المصائب، وإن عظُمت فجعاً. كتبتُ عن اضطرابِ نفسٍ، واضطرامِ صدر، والتهاب قلب، وانتهابِ صَبر، فما أعظمه مفقوداً! وما أكْرمه ملحوداً! إني لأنوح عليه نَوْحَ المناقب، وأَرْثِيه مع النجوم الثواقب، وأَبْكِيه مع المعالي والمحاسن، وأثني عليه، بثناء المساعِي والمآثر. ليت يمينَ الزمانِ شَلَّتْ قبل أن فتكَتْ بمُهْجَة الفضل، وعَيْنَ الزمانِ كُفَّت قبل أن رأت مَصْرَع الفخر. لقد رُزِئنا من فلان عالماً في شخص، وأمّةً في نفس. مضى والمحاسنُ تَبْكِيه، والمناقبُ تعزّى فيه. العيونُ لما قرّت به أسخنها فيه رَيْبُ المنون، ولما شُرِحَتْ به الصدور قبضها بفقْده المقدور. قد ركبَ على الأعناق، بعد العِتَاق، وعلى الأجياد بعد الجِيادِ، وفاح فتيتُ المسكِ من مآثره، كما يَفُوحُ العنبرُ من مجامره. كان منزلُه مَأْلفَ الأضيافِ، ومَأنس الأشراف، ومُنتجَع الرَّكْب، ومَقْصد الوَفْد، فاستبدل بالأُنْس وَحْشة، وبالغضارة غُبْرة، وبالبياض ظُلْمَة، واعتاض من تَزَاحُمِ المراكب تلاَدُمَ المآتم، ومن ضَجِيج النداء والصهيلِ، عجيجَ البكاء والعويل. هذي المكارمُ تبْدي شجْوَها لِفَقْدِهِ، وتَلْبَس حِدَادَها من بَعْده، وهني المحاسنُ قد قامَتْ نوادبُهَا مع نوادبه، واقترنَتْ مصائبُها بمصائبه. لو قَبِلَت الفدْيَة لوقيْتُه بنفسي وأيامِ عمري، عِلماً بأن العيشَ بمثله من إخوانِ الصفا يَصْفُو، وبظَعْنِه عن الدنيا يكدرُ ويَعْفو. لو وُقي من الموت عزيزُ قوم لِعِزَّتِه، أو كَبيرٌ بأولاده وأُسرته، أو ذو سُلطان باستطالته وقُدرته، أو زعيم دولةٍ بحَشْدِهِ وعُدَّتِه، لكان الماضي أَحق من وُقي وأولى من فُدِيَ، وكُنّا أقدر على دفع ما حدث، وذَبِّ ما كَرَثَ وأَرْهَق؛ لكنه الأمرُ المسوي فيه بين مَنْ عزَّ جانبُه وذَلَّ، وكَثُر مالُه وقَلَّ، حتى لحق المفضولُ بالفاضل، والناقصُ بالكامل.\rولهم فيما يطابق هذا النحو من وصف الدهر وذم الدنيا: هو الدهرُ لا يُعْجَب من طوارقِه، ولا ينكر هجوم بوائِقه. عطاؤه في ضمانِ الارتجاع، وحِبَاؤه في قِرَان الانتزاع. من عرفَ الزمان لم يستشعِر منه الأمان، وتصرف الحوادثِ، بين الموروث والوارث. الدهرُ مشحون بطوارقِ الغِيَر، مَشُوبٌ صَفْوُ أيامِه بالكَدَر، ممزوج صَابُه بالعسل، موصولَةٌ حبال الأمنِ فيه بأسباب الأجل. قد جعل الله الدنيا دارَ قُلْعة، ومحلَّ نُقْلَة، فمن راحلِ ليومه، ومن مؤخَّر لغده، وكلّ متشوّفٌ لأجله، وجارِ لأمَدِهِ. ما الدنيا إلا دار النقْلة، ولا المقام فيها إلاَّ للزحلة، إنّ المرءَ حقيق إذا طرقه ما يتحيَّف صَبْرَه ويتطرّق صدره، أن يعودَ إلى عِلمِه بالدنيا كيف نُصِبت على النقْلة، وجنبَتْ طويل المهلة، وابتدئت بالنقاد، وشُفع كونُها بالفساد، وأنّ الثاوِي فيها رَاحِل، والأيام فيها مَراحل. موهوب الدنيا مسلوب وإن أرْجِئ إلى مَهَل، وممنوحها مجذوب وإن آخر إلى أَجل. لو خلد من سَبقَ، لما وسِعَت الأرضُ مَنْ لحق؛ ولذلك جعلتِ الدنيا دار قُلعة، ومحلّ نجعة: الطويل:\rسُبِقْنا إلى الدنيا فلو عاش أهلُها ... مُنِعْنا بها من جَيْئَةٍ وذُهوبِ\rتملَّكها الآتي تملُكَ سالبِ ... وفارقها الماضِي فراقَ سليبِ\rوقال عتبة بن هارون: كنتُ مع فضل الرقاشي، فمرّ بمقبرة، فقال: يا أهلَ الديار الموحِشة، والمحال المقْفِرة، التي نطق بالخرابِ فِناؤها، وشُيد بالتراب بناؤها، ساكِنُها مُغْترِب، ومحلّها مُقْتَرِب، أهلُ هذِه المنازلِ متشاغلون، لا يتواصلون تواصُلَ الإخوان، ولا يتزاوَرُون تزاورَ الجيران، قد طحنهم بكَلْكَلِه البِلَى، وأكلَهم الجَنْدَل والثرَى.","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"وقال خاقان بن صُبَيْح: لِوَحشَة الشكّ التمسنا أنْسَ اليقين، ومن ذلّ الجهل هربنا إلى عزّ المعرفة، ولخَوْفِ الضلالةِ لزمنا الجادَّة.\rوقال بعض الحكماء: كمونُ المصائب وسكونُ النوائب وبَغتات المنايا مطويَّات في الساعات، متحركات في الأوقات، ورب مغتَبطٍ بساعةٍ فيها انقضاءُ أجلِه، ومتمتع بوقت صار فيه إلى قَبْرِه، ومنتظر ورودَ يوم فيه منيَّتهُ.\rووعظ أعرابيٌ ابناً له أفسدَ مالَه في الشراب، فقال: لا الدهر يَعِظك، ولا الأيام تنذرك، والساعات تُعَدُّ عليك، والأنفاسُ تعذ منك، وأَحَبُّ أَمْرَيْك إليك، أردُّهما للمضرّة لديك.\rمن إنشاء بديع الزمان\rومن إنشاء بديع الزمان في المقامات: حدَّثنا عيسى بن هشام قال: كنتُ في الأهواز في رُفْقة متى ما ترقَّ العينُ فيهم تسهل، ليس منَا إلا أمرد بكْر الآمال، بضّ الجمال، أو مختطٌّ حَسن الإقبال، مرجو الأيام والليال؛ فأفضنا في العِشْرَة كيف نضعُ قواعدَها، والأخُوّة كيف نحكم مَعاقدها، والسرور في أي وقت نتعاطاه، والأُنْس كيف نتَهاداهُ، وفائت الحظ كيف نتلافاه، والشراب من أين نخلصه، والمجلس كيف نرتبه؟ فقال أحدنا: على البيت والمنزل، وقال آخر: على الشراب والنقل، وقال بعضُنا: إلى السماع والجماع، وقمْنا نجرُّ أذيال الفسوق، حتى انسلخْنا من السوق، واستقبلنا رجلٌ في طِمْرين، في يُمْنَاه عُكَازَة، وعلى كتفه جِنَازَةٌ؛ فتطيَّرْنا لما رأينا الْجِنازة، وأعرضْنَا عنها صَفْحاً، وطوينا دونها كَشْحاً، فصاح بنا صيحةً كادت الأرضُ لها تنفَطِر، والنجومُ تَنكَدِر، وقال: لتروَنَّها صُغْراً، ولتركبُنَّها قَسراً. ما لكم تكرهون مطِيةً ركبها أسلافكم، وسيركبها أخلافكم، وتتقذّرون سريراً وطِئه آباؤُكم، وسيطؤُه أبناؤُكم. أما والله لتُحْملُنَّ على هذه العِيدان، إلى تلكم الديدان، ولتنْقَلُنَ بهذه الجياد، إلى تلكم الوهاد. وَيْحَكم تطَيَّرون، كأنكم مخيرُونَ، وتتكرهون، كأنكم منزَّهون، هل تنفع هذهِ الطيَرة، يا فجرة؟.\rقال عيسى بن هشام: فقد نقضَ علينا ما كنَّا عَقَدْناه، وأبطلنا ما كنَّا أَردْنَاه؛ فَملْنا إليه، وقلنا: ما أحوجَنا إلى وعْظِك، وأَعْشَقَنَا للفظك! ولو شئتَ لزِدْتَ، قال: إنّ وراءكم موارِدَ أنتم وارِدُوها، وقد سرْتُم إليها عشرين حَجّة: الطويل:\rوإنّ امرأً قد سار عشرينَ حَجَّةً ... إلى منهل من وِرْدِه لَقَرِيبُ\rوفوقكم مَنْ يعلم أسراكم، ولو شاء لهتك أستارَكم، يعامِلكم في الدنيا بحِلْم، ويَقْضي عليكم في الآخرة بعِلم، فليكن الموتُ منكم على ذكر، لئلاّ تَأتوا بنكْر؛ فإنكم متى استشعرتموه لم تجْمَحُوا، ومتى ذكرتموه لم تمزحوا، وإن نسيتموه فهو ذاكِرُكم، وإن نمتُم عنه فهو ثائركم، وإن كرهتُموه فهو زائركم قلنا: فما حاجتُك؟ قال: هي أطولُ من أن تُحَدّ، وأكثر من أن تُعَدّ، قلنا: فسانحُ الوقت؟ قال: ردُّ فائِت العُمْرِ، ودَفْعُ نازِل الأمرِ، قلنا: ما إلى ذلكَ سبيل، ولكن لكَ ما شئت من متاعِ الدنيا وزخرفها، قال: لا حاجةَ لي فيها.\rقوله: وإن امرأً سار عشرين حجة محرف عن قول قائِله: وإن امرأ قد سار خمسين حجة والبيت لأبي محمد التيمي، أنشده دِعبل: الطويل:\rإذا ما مضى القَرْنُ الذي أنتَ فيهمُ ... وخُلِّفْتَ في قَرْنِ فأَنت غَرِيب\rوالبيت بعده. قال دعبل: وتزعم الرواة أنه لأعرابي من بني أسد. وقال خلاد الأرقط: كنا على باب أبي عمرو بن العلاء ومعنا التيمي، فذكرنا كتابَ الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم: إني وإياك لِدَتَان، وإن امرأ قد سار خمسين حجة لَقمن أن يَرده. فأصلحناهُ بيتاً، فاجتَلَبه التيمي في شعره.","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"وكتب البديع إلى أبي القاسم الكرخي: أنا وإن لم ألقَ تطاوُلَ الإخوان إلا بالتطوّل، وتجمل الأحرار إلا بالتجمّل، أحاسب الشيخَ على أخلاقه ضناً بما عقدت يدي عليه من الظن به، والتقدير في مَذْهَبه، ولولا ذاك لقُلْتُ: في الأرضِ مجالٌ إن ضاقَتْ ظلالُه، وفي الناس واصلٌ إن رَثَتْ حبالُه، وأؤاخِذُه بأفعاله؛ فإن أَعارني أذُناً واعيةً، ونَفْساً مُرَاعية، وقلْباً متّعظاً، ورجوعاً عن الذهاب، ونزوعاً عمّا يقرعُه من هذا الباب، فرشت لمودَّته صدْرِي، وعقدت عليه جوامع حَصْري، ومجامع عُمْرِي؛ وإنْ ركب من التعالي غَيْر مركب، وذهب من التغالي في غيرِ مذهب، أقطعتهُ خطة أَخلاقه، وولّيته جانبَ إعراضه، فكنت امرأ: المديد:\rلا أذودُ الطيرَ عن شَجَرٍ ... قد بلوتُ المرّ من ثَمرِهْ\rفإني - أطال الله بقاء الشيخ مولاي - وإن كنت في مقتبل السن والعمر، فقد حلبتُ شطْرَي الدهر، وركِبْتُ ظهري البرَ والبَحْرِ، ولقيتُ وَفْدَي الخيرِ والشرّ، وصافحتُ يدي النَفْع والضر، وضربتُ إبطي العُسْر واليُسْر، وبلوتُ طعمي الحُلْو والمُرّ، ورضعْتُ ثديي العُرْف والنُّكْر؛ فما تكادُ الأيامُ تريني من أفعالها غريباً، وتُسْمِعُني من أقوالِها عجيباً، ولقِيت الأفراد، وطارَحْتُ الآحادة فما رأيتُ أحداً إلا ملأت حافتيْ سمعِه وبصره، وشغلت حيزَيْ فكره ونَظَره، وأَثقلت كَفّه في الْحُزن، وكفَتَه في الوَزْن؛ وودَّ لو بارَزَ القِرنَ بصفحتي، أو لَقي الفَضْل بصحيفتي، فما لي صَغُرتُ في عينه؟ وما الذي أزْرَى بي عنده؟ حتى احتجبَ وقد قَصَدْتُه، ولزِم أرضَه وقد حضرته، وأنا أحاشيه أن يجهلَ قَدْرَ الفضل، أو يَجْحَد فضلَ العلم، أو يمتطي ظَهْرَ التّيه، على أهليه، وأسأله أن يختصَّني من بينهم بفضل إنعام إن زلت بي مرةً قَدَم رأي في قَصْده، وكأني به وقد غضب لهذه المخاطبة المجحِفة، والرتبة المتحيّفة، وهو في جنب جفائه يسير، وإن أقلع عن عادته إلى الوفاء، ونزع عن شيمته في الجفاء؛ فأطال الله بقاءَ الأستاذ وأدام عزه وتأييده.\rوله إليه رقعة: يعزُّ عليَ - أطال الله بقاء الشيخ الرئيس - أن ينوبَ في خِدمته قلمي، عن قَدَمِي، ويسعد برؤيته رسولي، دون وُصولي، ويَرِدَ شِرعَة الأنس به كتابي، قبل ركابي، ولكن ما الحيلةُ والعوائق جمّة: مجزوء الكامل:\rوعليّ أن أسعى ولي ... س عليَ إدراك النجاحِ\rوقد حضرتُ دارَه، وقبَّلتُ جدارهُ، وما بي حبّ الجدرَان، ولكن شغفاً بالقطّانِ، ولا عِشْق الحيطان، ولكن شوقاً إلى السكان، وحين عَدَتِ العَوادِي عنه، أمليتُ ضميرَ الشوقِ على لسان القلم، معتذِراً إلى الشيخ على الحقيقة، عن تقصيرٍ وقع، وفُتور في الخِدْمةِ عَرَض، ولكني أقول: المديد:\rإنْ يَكُنْ تَرْكِي لقَصْدِكَ ذنباً ... فكفى ألا أرَاكَ عِقَابا","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"وله جواب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد: ورد كتاب الشيخ الرئيس سيدي، فظلت وفودُ النعم تَتْرَى عليّ، ومثلت لدي وبين يدي، وقد أخَذَ مكارمَ نفسِه، فجعلها قِلاَدة غرْسه، وتتبّع المحاسنَ من عِنده، فحلَّى بها نَحر عَبْده وما أُشبِّه رائع حُليِه، في نحر وَليّه، إلا بالغُرَّةِ اللائحةِ، على الدَّهْمَة الكالحة لا آخذَ الله الشيخ بوصفٍ نزعَه عن عرضه، وزَرَعه في غير أرضه، ونعتٍ سلَخه من خَلْقه وخُلُقه، وأهداه إلى غير مستحقِّه، وفَضْل استفاده من فَرْعِه وأصله، وأوصله إلى مخير أهله. ذكر حديث الشوقِ ولو كان الأمرُ بالزيارة حتماً، أو الإذن جَزْماً أطلق عزماً، لكان آخر نظري في الكتاب، أول نظري إلى الركاب، ولاستعنْتُ على كُلَف السير، بأجنحة الطير، لكنه - أدام الله عزّه - صرعني بين يدٍ سريعة النبْذ، ورِجْل وشيكة الأخذِ، وأراني زهداً في ابتغاء، كحسوٍ في ارتغاء، ونزاعاً في نزوع، كذهاب في رُجوع، ورغبة فيَّ كرغبة عني، وكلاماً في الغِلاف، كالضرب تحت اللحاف، فلم أصرِّحْ بالإجابة وقد عرَّض بالدعاء، ولم أعْلِن بالزيارة وقد أسرَّ بالنداء، ولو لم يَدْعني بلسان المُحاجَاة، ولم يجاهِرْني بفمِ المناجاة، لكنتُ أسرعَ إليه، من الكرم إلى عطفيه، وفكرتُ في مُرَادِ الشيخ، فوجدْتُه لا يتعدّى الكرم يشبّ ناره، والفضل يُدرك ثاره، وإذا كان الأمرُ كذلك فما أولاه بترفيهِ مولاه، عن زَفرَةٍ صاعدة، بسفرة باعدة، ونكباء جاهدة... وقد زاد سيدي في أمْرِ المخاطبة، وما أحسن الاعتدال، وقد كفانا منه الأستاذ، وأسأله ألا يزيد، وقد بدأ ويجب ألا يعيد، فلا تنفع كثرة العدّ مع قلّة المعدود، والزيادة في الحدّ مع نقصان المحدود نقص من الحدود، وربّ ربح أدّى إلى خُسْرَان، وزيادة أفْضَتْ إلى نُقْصَان، ورأي الشيخ في تشريفه بجوابه موفّق إن شاء الله تعالى.\rاجتلَب قولَه في أول هذه الرسالة من قول أبي إسحاق الصابي في جواب كتاب لبعض إخوانه: وصل كتابك مشحوناً بلطيف بِرِّك، موشَّحاً بغامِر فَضْلِك، ناطقاً بصحَّةِ عهدك، صادقاً عن خلوص ودِّك، وفهمتُه وشكرتُ الله تعالى على سلامتك شُكرَ المخصوص بها، ووقَفتُ على ما وصفته من الاعتدادِ بي، وتناهَيْتَ إليه من التقريظ لي، فما زدتَ على أن أعزتَني خِلالَك، ونحلْتَني خِصالَك، لأنَّكَ بالفضائل أوْلَى، وهي بكَ أحْرَى، ولو كنت في نفسي ممن يشتملُ على وصفه حَدِّي إذا حددت، أو يحيط بكماله وَصْفي إذا وصَفْت، لَشَرَعْت في بلوغها والقرب منها، لكن المادحَ لك مستنْفِد لك وُسْعه وقد بخَسك، ومستغرق طَوْقَه وقد نَقَصَك، فأبلغُ ما يأتي به المُثْني عليك، ويتوصّل إليه المُطْرِي لك، الوقوف في ذلك دون منتهاه، والإقرار بالعجز دون غايته ومَدَاه.\rونقل البديعُ ما ذكره من تَرْك السفر والبغية بما حضر من قولِ ابن الرومي: الطويل:\rأما حق حامِي عرضِ مثلِك أن تَرى ... له الرِّفْدَ والتّرفِيه أوجبَ وَاجبِ\rأقمت لكي تزدادَ نُعْمَاكَ نعمةً ... وتغني بوجهٍ ناضرٍ غير شاحِبِ\rوكي لا يقولَ القائلون أثابهُ ... وعاقبه والقول جَمُّ المساغب\rوليس عجيباً أن ينوبَ تكرّمٌ ... عُدِيت به من آمل لك عائب\rذِمَامِيَ تَرْعى لا ذِمام سفينةٍ ... وحقّيَ لا حقَّ القلاص النجائب\rودخل على أبي العتاهية ابنُهُ، وقد تصوَّف، فقال: ألم أكُنْ قد نهيتُك عن هذا؟ فقال: وما عليك أن أتعوّد الخيرَ، وأنشأ عليه فقال: يا بني، يحتاجُ المتصوف إلى رقّة حال، وحلاوة شمائل، ولطافة معنى، وأنت ثقيلُ الظلّ، مظلم الهواء، راكِد النسيم، جامدُ العينين، فأقبل على سوقك؛ فإنها أعْوَدُ عليك، وكان بزّازاً.\rفقر من كلام المتصوّفة والزهّاد والقصاص\rنورُ الحقيقةِ، أحسن من نور الحديقة. الزهد قَطْع العلائق، وهَجْر الخلائق. الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة. التصوّف تَرْكُ التكلّف. قيل لمتصوّف: أتبغ مُرَقَّعتك؟ قال: أرأيتم صياداً يبيع شبكَته! وقيل لبعضهم: لو تزوَّجْتَ! قال: لو قدرت أن أطلق نفسي لطلقتها، وأنشد: الطويل:\rتجرَّدْ من الدنيا فإنك إنما ... سقطت إلى الدنيا وأنتَ مجرّدُ","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"الدنيا نَوْم والآخرة يقظة، والمتوسّط بينهما الموت، ونحن في أضغاث أحلام.\rذو النون: العبد بين نعمة وذنبٍ، لا يصلحهما إلا الشكر والاستغفار.\rغيره: ينبغي للعبد أنْ يكون في الدنيا كالمريض لا بدّ له من قوت، ولا يوافقه كل طعام. ليس في الجنة نعيمٌ أعظم من علم أهلها أنها لا تزول.\rابن المبارك: الزهد إخفاء الزهد. إذا هرب الزاهدُ من الناس فاطلبه، وإذا طلبهم فاهربْ عنه. من أطلق طرْفه كثر أسفُه. من سُوءِ القدر فَضْل النظر. من طاوعَ طَرْفه، تابع حَتْفَه، ومن نظر بعين الهوى حار، ومن حَكم على الهوى جار، ومن أطال النظر لم يدرِك الغاية، وليس لناظر نهاية. ربما أبصر الأعمى رُشْدَه، وأضلّ البصير قَصْدَه. وقيل: ربَّ حربٍ جُنِيت من لفظة، وربّ حبٍّ غُرِسَ من لحظة، وأنشد: الطويل:\rنظرت إليها نظرةً لو كسوتها ... سرابيلَ أبدانِ الحديدِ المسَرَّدِ\rلرقّت حواشيها وفُضَّ حديدُها ... ولاَنتْ كما لاَنتْ لداودَ في اليَدِ\rوقال سعيد بن حميد: الطويل:\rنظرتُ فقادَتْني إلى الحَتْف نظرة ... إليَّ بمضمون الضميرِ تشيرُ\rفلا تصرفنَّ الطَّرْفَ في كل مَنْظَرٍ ... فإنَّ مَعَارِيضَ البلاء كثيرُ\rولم أَر مِثْلَ الحبِّ أسقم ذا هوىً ... ولا مثل حُكْم الحبِّ كَيف يجُورُ\rلقد صُنْتُ ما بي في الضمير لَوَ أنه ... يُصان لدى الطَّرْف النموم ضمِيرُ\rغيره: البسيط:\rاليومَ أيقنْتُ أنَّ الحبَّ مَتْلَفَةٌ ... وأن صاحبَه منه على خَطَرِ\rكيف الحياةُ لمن أمْسَى على شَرَفٍ ... من المنيِّةِ بين الخوفِ والحذَر\rيلومُ عينيه أحياناً بذنبهما ... ويحملُ الذنبَ أحياناً على القدر\rإذا نأى أو دَنَا فالقلبُ عندكُم ... وقلبُه أبداً منه على سَفَرِ\rونظر محمد بن أسباط الصوفي إلى أبي المثنى الشيباني وقد نظر في وجه غلام مليح، فقال: إياك وإدْمانَ النظر فإنه، يكشف الخبر، ويفضَحُ البشَر، ويطول به المكثُ في سقَر.\rوقال المعَلى الصوفيّ: شكوتُ إلى بعض الزهاد فسَاداً أجدُه في قلبي، فقال: هل نظرتَ إلى شيء فتاقَتْ إليه نفسُك؟ قلت: نعم، قال: احفَظْ عينيك؛ فإنك إن أطلقتهما أوقعتَاك في مكروه، وإن ملكْتَهُمَا ملكْتَ سائرَ جوارِحِك.\rوقال مسلم الخوّاص لمحمد بن علي الصوفي: أوْصِني، فقال: أوصيك بتقوى الله في أمرِك كله، وإيثار ما يحبّ على محبتك، وإياك والنظر إلى كل ما دعاك إليه طَرْفك، وشوّقك إليه قلبك، فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئاً من جوارحك، حتى تبلغ لهما ما يطالعانك به، وإن ملكتهما كنت الداعي إلى ما أردت، فلم يعصيا لك أمراً ولم يردّا لك قولاً.\rقال بعض الحكماء: إن الله عز وجل جعل القلبَ أميرَ الجسدِ، ومَلِكَ الأعضاءِ؛ فجميعُ الجوارح تَنْقادُ له، وكُل الحواسن تُطِيعُه، وهو مديرُها ومصرفها، وقائدها وسائقها، وبإرادته تنبعثُ، وفي طاعته تتقلب؛ ووزيره العقل، وعاضِدُه الفهمُ، ورائده العينان، وطليعته الأذنان. وهما في النقل سواء، لا يكتمانه أمراً، ولا يطوِيانِ دونه سرّاً، يريد العين والأذن.\rوقيل لأفلاطون: أيهما أشذ ضرراً بالقلب السمع أم البصر؟ فقال: هما للقلب كالجناحين للطائر، لا يستقل إلا بهما، ولا ينهض إلا بقوتهما، وربما قص أحدُهما فنهض بالآخر على تعب ومشقة. قيل: فما بالُ الأعمى يعشق ولا يرى، والأصمّ يعشقُ ولا يسمع؟ قال: لذلك قلت: إن الطائر قد ينهضُ بأحد جناحيه ولا يستقل بهما طيراناً، فإذا اجتمعا كان ذهابه أمضى، وطيرانه أَوْحَى.\rوقال الأسود بن طالوت الجارودي: نظر إليّ أبو الغمر الصوفي وقد أطلتُ النظرَ إلى غلام جميل، فقال: ويحك! إنّ طرْفك لعظيم ما اجتنى من البلاءِ قد عرَّضَك للمكروه وطول العناءِ، لقد نظرت إلى حَتْف قاتل للقلوب، وبلاءٍ مُظْهر للعيوب، وعارٍ فاضح للنفوس، ومكروه مُذهِل للعقول، أكلُّ هذا الاغترار بالله جرّأك عليه حتى أمنت مَكْرَه، ولم تخَفْ كيدَه؟ اِعلمْ أنك لم تكن في وقت من أوقاتك، ولا حالةٍ من حالاتك، أقرب إلى عقوبة الله منك في حالتك هذه، ولو أخذك لم يتخلّصْك الثقلان، ولم يَقْبَلْ فيك شفاعةَ إنس ولا جان.","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"ونظر محمد بن ضوء الصوفي إلى رجل ينظرُ إلى غلام مليح، فقال: كفى بالعبد نقصاً عند الله، وضعة عند ذوي العقول، أن ينظُرَ إلى كل ما سَنحَ له من البلاء.\rونظر بو مسلم الخشوعي فأطال النظر، فقال: إنَّ في خَلْقِ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. ثم قال: سبحان الله! ما أهجمَ طَرفي على مكروه نفسه، وأدمَنه على تسخّط سيده، وأغراه بما نهى عنه، وألْهَجه بما حذّر منه! لقد نظرت إلى هذا نظراً شديداً خشيتُ أنه سيفضحني عند جميع مَنْ يعرفني في عَرصَة القيامة؛ ولقد تركني نظرِي هذا وأنا أَسْتَحِي من الله تعالى إن غفر لي! ثم صعق.\rونظر غالبٌ المضرور إلى غلام جميل على فرس رائع، فقال: لا أدري بم أداوي طَرْفي، ولا بم أُعالج قلبي؟ ما أتوبُ إلى الله من ذنب إلا رجعت فيه، ولا أستغفِرُه من أمر إلا أتيت أعظم منه، حتى لقد استحييتُ أن أسأله المغفرة لما يلحق قلبي من القنوط من عفوه، لعظيم حالي بالمنكر الذي أصنعهُ. فقال له قائل: وأيّ منكر أتيت؟ فقال: أتريدُ مني أكثرَ من نظري هذا؟ والله لقد خشيت أن يبطل كل عمل قدمته، وخير أسلفته، ثم بكى حتى ألصق خدَّه بالأرض.\rورأى بعضُ الزهّاد صوفيّاً يضحَكُ إلى غلام جَميل، فقال له: يا خارب القلب، ويا مفتضح الطرْف؛ أما تستحي من كِرَام كاتبين، وملائكة حافظين، يحفظون الأفعال، ويكتبون الأعمال، وينظرون إليك، ويشهدون عليك، بالبلاء الظاهر، والغِلّ الدخيل المخامر، الذي أقمت نفسَك فيه مقام مَنْ لا يُبَالي من وقف عليه، ونظر من الخلق إليه.\rوقال أبو حمزة بن إبراهيم: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقي - وكان سيدَ المتصوفة، وقد رأيتهُ يماشِي غلاماً وضيئاً مدة ثم فارقه - : لِمَ هجرتَ ذلك الفتى بعد أنْ كنتَ له مواصلاً، وإليه مائلاً؟ فقال: والله، لقد فارقته من غير قِلًى ولا مَلَل؛ ولقد رأيتُ قلبي يدعوني إذا خلوت به، وقربت منه، إلى أمر لو أتيته لسقطت من عيْن الله عزّ وجلّ؛ فهجرتُه تنزيهاً للهِ ولنفسي عن مصارع الفتن، وإني لأرجو أن يعقبني سيدي من مفارقته ما أعقب الصابرين عن مَحارِمه عند صدق الوفاءِ بأحسنِ الجزاء؛ ثم بكى حتى رحمتهُ.\rقال أبو حمزة: ورأيتُ مع أحمد بن علي الصّوفي ببيت المقدس غلاماً جميلاً، فقلت: منذ كم صحبك هذا الغلام؟ فقال: منذ سنين، فقلت: لو سرتما إلى بعضِ المنازهِ فكنتما فيه كان أحمد لكما من الجلوس في المسجد بحيثُ يراكما الناس؟ فقال: أخافُ احتيالَ الشيطان عليّ به وقت خَلوتي، وإني لأكره أن يراني الله فيه على معصية فيفرق بيني وبينه يوم يظفر المحبّون بأحبابهم.\rقال أبو الفتح البستي: البسيط:\rتنازع الناسُ في الصوفيّ، واختلفوا ... فيه وظنّوه مشتقّاً من الصوفِ\rولست أنحل هذا الاسمَ غيرَ فتًى ... صافَى فصُوفِيَ حتى لقّب الصوفي\rورأى بقراط رجلاً من تلامذته يتفرَّس في وَجْه أوحَيَا، وكانت فائقة الجمال، فقال: ما هذا الشغل الذي منعك الرويّة والفكرة؟ فقال: التعجبُ من آثار حكمة الطبيعة في صورة أوحَيا، فقال: لا تجعلنَّ نظرك لشهوتك مركباً، فيجمع لك في الوحول الأذية؛ ولتَكُنْ نفسُك منه على بال، إنَّ آثار الطبيعة في وَجْه أوحَيا الظاهرة تمحق بصرك، وإن فكرت في صورتها الباطنة تحدّ نظرَك.\rوقال بعضُهم: رأيت جارية حسناء الساعدِ، فقلت: يا جارية، ما أحسنَ ساعدَك! فقالت: أجل، لكنه لم تختصّ به، فغضَّ بصَرَ جسمك عمّا ليس لك؛ لينفتح بصرُ عقلك فتَرَى ما لك.\rالرأي والهوى\rوقال بعضُ الفلاسفة اليونانيين: فضلُ ما بين الرأْي والهوى أنَّ الهوَى يخُصُّ والرأي يعمّ، وأن الهوى في حيز العاجل، والرأي في حيز الآجل، والرأي يبقى على طول الزمانِ، والهوى سريع الدثور والاضمحلال، والهوى في حيز الْحِسّ، والرأي في حيّز العقل.\rوقال بعضُ الحكماء: من انقاد لِهَوَاه عرضته الشهوات.\rوقال آخر: من جَرَى مع هواه طَلْقا، جعل عليه للذلّ طرقا.","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"وقال ابن دُريد: أَوصى بعضُ الحكماء رجلاً فقال: آمرك بمجاهدة هواك؛ فإنه يقال: إن الهوى مفتاحُ السيئات، وخصيم الحسنات، وكل أهوائك لك عدو، وأعداهما هوًى يكتُمك نفسَه، وأعدى منه هوى يمثّل لك الإثم في صورةِ التقوى، ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك إلا بحَزْمٍ لا يشوبه وهَن، وصِدْقٍ لا يطمع فيه تكذيبٌ، ومَضَاءٍ لا يقاربُه التثبيط، وصبر لا يغتاله الجزع، وهمّة لا يتقسمها التضييع.\rوقاد أبو العتاهية: البسيط:\rلا تَأْمَنِ الموتَ في طَرْف وفي نَفَس ... ولو تَمَنَعْتَ بالحُجَّابِ والحَرَسِ\rفما تزالُ سِهَامُ الموتِ نافذةً ... في جَنبِ مُدَّرعٍ منّا ومُتَّرسِ\rما بالُ دينكَ تَرْضَى أن تُدَنِّسَهُ ... وثوبُك الدهر مَغسولٌ من الدَّنَسِ\rترجو النَجاةَ ولم تَسْلُكْ مسَالِكَها ... إن السفينةَ لا تجرِي على يَبَس\rمن البد بدائه في مجالس الخلفاء\rخرج شبيب بن شيبة من دارِ المهدي، فقيل له: كيف رأيتَ الناس؟ قال: رأيتُ الداخل راجياً والخارجَ راضياً، نحا إلى هذا المعنى ربيعةُ الرَّقِّيُّ فقال: السريع:\rقد بسطَ المهدي كفَّ الندى ... للناس والعفو عن الظالمِ\rفالراحلُ الصادر عن بابه ... مبشرٌ للواردِ القادمِ\rوقال مسلم بن الوليد في نحو هذا المعنى: الطويل:\rجزيت ابنَ منصورٍ على نَأْي دارهِ ... جزاءَ مقرٍّ بالصنيعة شاكِرِ\rفَتى راغمَ الأموالَ واصطنع العُلاَ ... وأرَّثَ نيرانَ الندى للعشائر\rترى الناسَ أَرسالاً على باب داره ... عَلَى آمِنٍ يَحْدُو بِهِ حملُ صادِرِ\rوقال المتنبي: الطويل:\rوألقَى الفَمَ الضَحَّاكَ أَعْلَمُ أنهُ ... قَرِيبٌ بذِي الكَفِّ المُفَدَّاةِ عَهْدُهُ\rدخل خالد بن صفوان على أبي العباس السفاح، وعنده أخواله من بني الحارث بن كَعْب، فقال: ما تقولُ في أخوالي؟ فقال: هم هامة الشرف، وعِرْنِينُ الكَرم، وغَرسُ الجود، إنّ فيهم لخصالاً ما اجتمعَتْ في غيرهم من قومهم؛ إنهم لأطولهم أمماً، وأكرمهم شِيَماً، وأطيبهم طعماً، وأوفاهم ذمماً، وأبعدهم همماً، الجمرة في الحرب، والرِّفْد في الجَدْبِ، والرأس في كل خَطْب، وغيرهم بمنزلة العَجْب. فقال: وصفت أبا صفوان فأحسنْتَ، فزادَ أخوالُه في الفخر فغضب أبو العباس لأعمامه، فقال: أَفخرٌ يا خالدُ؟ قال: أعلى أخوال المؤمنين! قال: وأنتَ من أعمامه؟ قال: كيف أفاخر قوماً بين ناسج برد، وَسَائس قِرْد، ودابغ جِلْد، دلَّ عليهم هدهُد، وغرّقهم جُرَذ، وملكتهم أمّ ولد! فأشرق وَجْهُ أبي العباس.\rقال يموت ابن المزرّع: سمعتُ خالي الجاحظ، وذكر كلام خالد هذا، فقال: والله لو فكر في جَمْعِ معايبهم، واختصار اللفظ في مَثَالبهم، بعد ذلك المدحِ المهذب سَنَةً لكان قليلاً، فكيف على بديهته لم يَرُض له فكراً.\rهكذا أورد هذه الحكاية الصولي، وقد جاءت بأطولَ من هذا، وليس من شَرْطِنا.\rقال معن بن أَوس الهذلي: الطويل:\rلعمرك ما أَدْرِي وإنِّي لأَوْجَلُ ... على أيِّنا تَأْتي المنيّة أولُ\rوإني أخوك الدائمُ الودِّ لم أحُلْ ... إذا ناب خطبٌ أو نَبَا بك منزِل\rكأنك تشفِي منك داءَ مساءتي ... وسُخْطِي، وما في رِيبتي ما تَعَجَّلُ\rوإن سُؤْتَني يوماً صبرتُ إلى غدٍ ... ليعقبَ يوماً آخر منك مُقْبلُ\rستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينَك فانْظُرْ أيّ كفّ تَبدَّلُ\rوفي الناس إن رثَّت حبالُك واصلٌ ... وفي الأرض عن دارِ القلى مُتَحَوَّل\rإذا أنت لم تنصفْ أخاك وجدْتَهُ ... على طرف الهجران إنْ كان يعقلُ\rويركب حدّ السيف من أن تَضِيمَهُ ... إذا لم يكن عن شَفْرةِ السيفِ مَزْحَلُ\rوكنت إذا ما صاحبٌ رامَ ظنتي ... وبَدَّل سوءاً بالذي كان يفعل\rقلبتُ له ظَهْرَ المِجَنّ ولم أدُمْ ... عليه العهد إلاَّ ريثما أَتحوَّلُ","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... عليّ بوجهٍ آخر الدهر تُقبل\rودخل عبد الله بن الزبير على معاوية بن أبي سفيان وأنشد شعر مَعْن، فقال: لمن هذا؟ فقال: لي يا أمير المؤمنين، قال: لقد شَعُرْتَ بعدي يا أبا بكر! ثم دخل عليه مَعْن فأنشد الشعر بعينه، فقال: يا أبا بكر، ألم تقل إنه شعرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ظِئْري فما كان له فهو لي. أراد معاتبة معاوية فعاتبه بشعر مَعْنٍ؛ ليبلغ ما في نفسه، وليس ادِّعاؤه له على حقيقة منه.\rوقال خالد بن صفوان: دخلتُ على هشام بن عبد الملك، فاستَدْنَاني حتى كنت أقربَ الناسِ إليه، ثم تنفّس الصعداء، وقال: يا خالد، ربَّ خالدٍ جلس مجلسك هو أشهى إليّ حديثاً منك! فعلمت أنه أراد خالداً القَسرِي، فقلت: أفلا تعيده يا أمير المؤمنين؟ فقال: هيهات؟ إن خالداً أدلّ فأملَّ، وأوجف فأعجف، ولم يَدَعْ لراجع مرجعاً. وتمثلّ بهذا البيت: الطويل:\rإذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تَكَد ... عليه بوجهٍ آخرَ الدهر تُقْبِلُ\rوروى أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان عبد الملك بن مروان في سَمَرِه مع أهل بيتِه وولده وخاصّته، فقال لهم: لِيَقُلْ كلُّ واحدٍ منكم أحسن ما قيل من الشعر، وليفضّل مَنْ رأى تفضيله، فأنشدوا وفضّلوا. فقال بعضهم: امرؤ القيس، وقال بعضهم: النابغة، وقال بعضهم: الأعشى، فلمّا فرغوا قال: أشعرُ الناس والله من هؤلاء الذي يقول، وأنشد بعض هذه الأبيات التي أنشد، وهي لمعن بن أوس: الطويل:\rوذي رَحِمٍ قَلَّمتُ أظفارَ ضِغْنِهِ ... بحلميَ عنه وهو ليس له حِلْمُ\rيحاول رَغْمي لا يحاولُ غيرهُ ... وكالموتِ عندي أن يَحُلّ به الرَّغْمُ\rفإن أعفُ عنه أغْض عيناً على قَذىً ... وليس له بالصَّفْح عن ذنبه عِلْمُ\rوإن أنتصر منه أكُنْ مثل رائشٍ ... سهامَ عدوّ يُستهاض بها العظمُ\rصبَرْتُ على ما كان بيني وبينهُ ... وما يستوِيَ حَرْبُ الأقارب والسّلمُ\rوبادرتُ منه النأيَ والمرءُ قادرٌ ... على سهمه ما كان في كفَه السهم\rويشتم عرضي في المغيَّب جاهداً ... وليس لَهُ عندي هَوَانٌ ولا شتم\rإذا سُمْتُه وَصْلَ القرابةِ سامني ... قطيعتَها، تلك السفاهةُ والإثمُ\rفإن أدْعُه للنَّصْف يَأْبَ إجابتي ... ويَدْعُو لحكم جائرٍ غيرُهُ الْحُكمُ\rفلولا اتقاءُ الله والرَّحِمِ التي ... رِعايتها حقٌّ وتعطيلها ظُلم\rإذا لعَلاَه بارقٌ وخَطَمْتُهُ ... بوسْمِ شَنَارٍ لا يشابههُ وَسْمُ\rويسعى إذا أبني ليهدِمَ صالحِي ... وليس الذي يبني كمن شَانُه الهَدْمُ\rيودُّ لَوَ أنّي معدِم ذو خَصاصة ... وأكرهُ جهدي أن يخالِطَه العُدْم\rويعتدُّ غُنْماً في الحوادث نكبتِي ... وما إنْ له فيها سَنَاءٌ ولا غُنْم\rفما زِلتُ في لِيني له وتعطُفي ... عليه كما تحنو على الولَدِ الأمُّ\rوخَفْضي له مني الجناحَ تألّفاً ... لتُدْنيَهُ مني القرابةُ والرِّحْمُ\rوصَبْرِي على أشياءَ منه تَريبني ... وكَظْمي عن غيظي وقد ينفع الكَظْمُ\rلاسْتَلّ منه الضِّغْن حتى استللْتُه ... وقد كان ذا ضِغنٍ يصوبه الحزم\rرأيتُ انثلاماً بيننا فرقَعْتُه ... برفقيَ أحياناً وقد يرْقَع الثّلْمُ\rوأبرأتُ غِلَّ الصدرِ منه توسُّعاً ... بحلمي كما يُشْفَى بِالأَدْوِيَةِ الكَلْمُ\rفأطفأت نار الحرب بيني وبينهُ ... فأصبحَ بعد الحرب وهو لنا سَلْم\rوكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري:","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"وصل كتابُك فصادفني قريبَ عهد بانطلاق، من عنَتِ الفراق، وأوقفني مستريحَ الأعضاء والجوانح من حرّ الاشتياق، فإنّ الدهرَ جرى على حكمِه المألوف في تحويل الأحوال، ومضى على رَسْمه المعروف في تبديل الأبدال، وأعتقني من مخالَّتك عِتقاً لا تستحق به ولاء، وأبرأني من عهدتك براءة لا تستوجِبُ معها دَرَكاً ولا استثناء، ونزع من عُنقي رِبْقَة الذلّ في إخائك بِيَدَيْ جفائك، ورش على ما كان يحتدم في ضميري من نيرانِ الشوق ماء السلوّ، وشن على ما كان يلتهبُ في صَدْري من الوَجْد ماءَ اليأس، ومسح أعشار قلبي فلأَمَ فُطُورَها بجميل الصبر، وشعبَ أفلاذَ كبدي فلاحم صدوعَها بحُسْن العزاءِ، وتغلْغَل في مسالِك أنفاسي فعوض نفسي من النزاع إليك نزوعاً عنك، ومن الذهاب فيك رجوعاً دونك، وكشفَ عن عيني ضَبَابات ما ألقاهُ الهوَى على بصري، ورفِع عنها غيابات ما سَدَلَه الشكّ دُون نظري، حتى حدَر النقاب عن صفحاتِ شِيَمك، وسفر عن وجوه خليقتِك؛ فلم أَجدْ إلا منكراً، ولم ألق إلا مستكبراً، فوليتُ منها فِراراً، ومُلِئتُ رُعْباً، فاذهب فقد ألقيت حَبْلَكَ على غاربك، ورددتُ إليك ذميماً عهدك.\rوفي فصل من هذه الرسالة: وأمّا عذرُك الذي رُمْت بَسْطَه فانقبض، وحاولْتَ تمهيدَه وتقريرَه فاستَوْفَزَ وأعرض، ورفعتَ بضَبْعِه فانخفض، فقد ورد ولقيته بوجهٍ يؤثر قبولُه على رَدِّه، وتزكيته على جرحه، فلم يفِ بما بذلته لك من نفسِه، ولم يقم عند ظنك به، أنَّى وقد غطى التذمُّمُ وجْهَه، ولفَّ الحياء رَأْسَهُ، وغضَ الخجلُ طَرفَه؛ فلم تتمكن من استكشافه، وولَّى فلم تقدر على إيقافه، ومضى يعثرُ في فضولِ ما يغشاه من كرب حتى سَقَطَ، فقلْنا: لليدِ والفم. ثم أمر بمطالعة ما صحبه فلم أجده إلا تأبط شرّاً، أو تَحَمَّلَ وِزْراً.\rوقوله هذا محلول من عقد نظمه إذ يقول: الكامل:\rاِقْرَ السلامَ على الأمير وقلْ لهُ ... قَدْكَ اتَّئِبْ أَرْبَيْتَ في الغُلَوَاء\rأنتَ الذي شتَّتَّ شَمْلَ مسرَّتي ... وقَدَحْتَ نارَ الشوق في أحشائي\rورضيت بالثمن اليسير معوضةً ... مني، فهلا بِعْتَني بغلاء\rوسألتك العُتْبَى فلم تَرَنِي لها ... أهلاً، فجُدْتُ بعِذْرَةٍ شَوْهاء\rورَدَتْ مموّهةً فلم يرفَعْ لها ... طرْف، ولم ترزق من الإصغاء\rوأعار منطقها التذمّم سكتة ... فتراجعَتْ تمشِي على استِحْيَاء\rلم تشف من كمدٍ، ولم تَبردْ على ... كبدٍ، ولم تَمْسَحْ جوانبَ داء\rدَاوتْ جوًى بجوىً وليس بحازم ... من يستكفّ النارَ بالحَلْفَاء\rمن يشف مِنْ كمد بآخر مِثلهِ ... أثرت جوارحُهُ على الأدواء","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"وله إليه رسالة: أخاطب الشيخ سيدي - أطال الله بقاءه - مخاطبةَ مُحرَجٍ يَرُوم الترويحَ عن قَلْبِه، ويُريغ التفريجَ من كَرْبِهِ؛ فأكاتبهُ مكاتبةَ مصدور، يريدُ أن ينفثَ بعضَ ما به، ويخفّف الشكوى من أوصابه، ولو بقيَتْ في التصبّر بقيةٌ لسكتّ، ولو وجدت في أثناء وجدي مَخرجة يتحللها تجلُّد لأمسكت؛ فقديماً لبسْتُ الصديقَ على علاَّته، وصفَحْتُ له عن هَناته، ولكني مغلوب على العزاء، مأخوذٌ من عادتي في الإغضاء، فقد سل من جفائك ما ترك احتمالي جفاءً، وذهب في نفسي من ظلمك ما أنزف حلمي فجعله هباء، وتوالى عليّ من قُبْحِ فعلِك في هجر يستمر على نسَق، وصدّ مطَرِدٍ متَّسِق، ما لو فُضَّ على الوَرى، وأُفيض على البشَر لأمتلاتْ منه صدورُهم، فهل أقدرُ على ألا أقول، وهل نكِلُك إلى مراعاتك، وهل نشكوك إلى الدهرِ حليفك على الإضرار، وعَقِيدك على الإفساد، وأشكوه إليك؟ فإنكما وإن كنتما في قطيعة الصديق رضِيعَيْ لِبَان، وفي استيطاء مركب العقوق شريكي عنان، فإنه قاصرٌ عنك في دقائقَ مخترعةٍ، أنتَ فيها نسيجُ وَحْدِك، وقاعد عما تقوم به من لطائف مبتدعة، أنْتَ فيها وحيدُ عصرك، أنتما متفقان في ظاهرٍ يَسُرُّ الناظرَ، وباطن يسوءُ الخابر، وفي تبديل الأبدال، والتحوّل من حالٍ إلى حال، وفي بث حبائل الزورِ، ونَصْب أشراك الغرور، وفي خلف الموعود، والرجوع في الموهوب، وفي فظاعة اهتضام ما يعير، وشناعة ارتجاع ما يمنح، وقَصْدِ مُشَارَّة الأحرار، والتحامل عند ذوي الأخطار، وفي تكذيب الظنون، والميلِ عن النباهة للخمول، إلى كثير من شِيَمكما التي أسندتما إليه، وسنتكما التي تعاقدتُما عليها، فأين هو ممن لا يجارى فيه نقض عُرى العهود، ونكْث قُوَى العقود؟ وأنَّى هو عن النميمة والغيبة، ومشي الضَّراء في الغِيلة، والتنفق بالنفاق في الحيلة؟ وأين هُو ممن ادَّعى ضروبَ الباطل، والتحلّي بما هو منه عاطل، وتنقّص العلماء والأفاضل؟ هذا إلى كثير من مَسَاوٍ منثورة أنت ناظِمُها، ومَخَازٍ متفرقة أنت جامِعُها. أنت أيّدك الله إنْ سوّيتَه بنفسك، ووزنته بوزنِك، أظلَمُ منه لذويه، وأعق منه لبنيه، وهَبْك على الجملة قد زعمت - مفترياً عليه - أنه أشدُّ منك قدرة، وأعظمُ بَسْطَة، وأتمّ نصرة، وأطلق يداً في الإساءة، وأمضى في كل نكاية شباة، وأحد في كل عاملة شَدَاة، وأعظم في كل مكروه مُتَغلغلأ، وآلف إلى كل محذور متوصلاً، إن الدهر الذي ليس بمعْتِب من يجزعُ، وإن العُتْبَى منك مأمولة، ومن جهتك مرقوبة، وهيهات! فهل توهَّم أنه لو كان ذا روح وجثمان، مصوراً في صورةِ إنسان، ثم كاتبتهُ أستعطفه على الصلة، وأستعفيه من الهجْرِ، وأذكِّره من المودّة، وأستميل به إلى رعايةِ المِقَة، وأستعدّ على ما أشاعه الفراقُ في نفسي من اللوْعة، وأَضْرَمه بالبعادِ في صدري من الحرقة، وكان يستَحْسِنُ ما اسْتَحْسَنته من الاضطراب عند جوابي، ويستجيز ما اسْتَجَزْته من الاستخفافِ بكتابي.\rوله فصل في هذه الرسالة، وقد ذكر دعواه في العلم: وهبْك أفلاطون نفسه، فأينَ ما سنَنته من السياسةِ، فقد قرأناه، أتجدُ فيه إرشاداً إلى قطيعة صديق، وأحسبك أرسطاطاليس بعَيْنِه، أين ما رَسَمْته من الأخلاق؟ فقد رأيناه فلم نر فيه هدايةً إلى شيء من العُقُوق، وأما الهندسة فإنها باحثةٌ عن المقادير، ولن يعرفها إلا مَنْ جهل مقدارَ نفسه، وقَدرَ الحقّ عليه وله؛ بل لك في رؤساء الآداب العربية مِنَّا ريحٌ ومضطرب، ولسنا نُشَاحّك. لكن أتحب أن تتحقّق بالغريب من القول، دون الغريب من الفعل؟ وقد أغربت في الذهاب بنفسك إلى حيث لا تهتدي للرجوع عنه. وأما النحوُ فلن تُدْفع عن حذق فيه، وبصَرٍ به، وقد اختصرتُه أوْجزَ اختصار، وسهلت سبيلَ تعليمه على من يجعلك قُدْوة، ويرضى بك أسوةً، فقلت: الغدرُ والباطلُ وما جرى مجراهما مرفوع، والصدق والحقّ وما صَاحَبَهما مخفوض، وقد نصب الصديقُ عندك، ولكن غرضاً يرْشَق بسهام الغيْبة، وعَلَماً يقصد بالوقيعة، ولست بالعروضي ذي اللّهجةِ فأعرف قَدْرَ حذقك فيه، إلا أني لا أراك تتعرّضُ لكاملٍ فيه، ولا وافرٍ، وليتك سبحتَ في بحر المجتث حتى تخرج منه إلى شَطّ المتقارب.\rوفي فصل منها أيضاً:","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"وهبْني سكتُّ لدعواك سُكوتَ متعجّب، ورضيتُ رِضا متسخّط، أيرضى الفضل اجتذابَك بأَهدابه، من يدي أهليه وأَصحابه، وأحسبك لم تزاحِمْ خطابه، حتى عرفت ذلّة نَفَره وقلّة بصره، فاصدقني هل أنشدك: المنسرح:\rلو بأَبانَيْنِ جاء يَخْطبُها ... ضُرِّجَ ما أَنْفُ خَاطبٍ بدَمِ\rوليت شعري بأي حلي تصدّيت لَهُ؛ وأنت لو تتوّجت بالثريّا، وقلّدت قِلادة الفلك، وتمنْطَقْتَ بمنطقة الجوزاء، وتوشَّحْتَ بالمجرّة لم تكن إلا عُطُلاً، ولو توشَّحْتَ بأنوارِ الربيع الزاهر وسرّجت جبينك غرَّةَ البدرِ الباهرِ، ما كنتَ إلا عُطُلاً، سيما مع قلّة وفائك، وضَعْفِ إخائك، وظلمة ما تتصرّف فيه من خِصالك، وتراكم الدُّجَى على ضلالِك، وقد ندِمْتُ على ما أعرتك من ودِّي، ولكن أي ساعةِ مَنْدَم، بعد إفناء الزمان في ابتلائك، وتصفُّحي حالاتِ الدهر في اختيارك، وبعد تضييع ما غرسْته، ونقض ما أسسْتُه، فإن الودادَ غرسٌ إذا لم يوافق ثرى ثريا، وجوَّاً عَذِيّاً، وماء رَوِيّاً، لم يُرْجَ زكاؤُه، ولم يجر نماؤُه، ولم تفتَّح أزهارُه، ولم تجن ثمارُه، وليت شعري، كيف ملك الضلالُ قيادي حتى أشكل عليَّ ما يحتاجُ إليه الممزوجان، ولا يستغني عنه المتآلفان، وهما ممازجة طَبْع، وموافقة شَكْلٍ وخَلْق، ومطابقة خِيم وخلُق، وما وصلتنا حال تجمعنا عنى ائتلاف، وحمَتْنَا من اختلاف، ونحن في طرفي ضدَّين، وبين أمرين متباعدين؛ وإذأ حصَّلت الأمر وجدت أقلّ ما بيننا من البعاد، أكثر ممّا بين الوِهاد والنجَادِ، وأبعد ممّا بين البياض والسوادِ، وأيسر ما بيننا من النفار أقلّ ما بيننا من النضار، وأكثر ما بين الليل والنهار، والإعلان والإسرار.\rقضاء الحَاجة\rقال أسد بن عبد الله لأبي جعفر المنصور: يا أميرَ المؤمنين، فَرْطُ الخُيَلاَء، وهيبةُ العزّة، وظل الخلافة، يكفُ عن الطلب من أمير المؤمنين إلاّ عن إذْنِه، فقال له: قلْ: فقد والله أصبتَ مَسْلَك الطلب؛ فسأل حوائجَ كثيرةً قُضِيَتْ له.\rوقال عمرو بن نهيك لأبي جعفر المنصور: يا أميرَ المؤمنين، قد حضر خَدَمك الإعظام والهيبة عن ابتدائك بطلباتهم، وما عاقبةُ هذين لهم عندك؟ قال: عطاء يزيدهم حياءً، وإكرامٌ يكسوهم هيبةَ الأَبد.\rقال عيسى بن علي: ما زال المنصور يشاورُنا في أمره حتى قال إبراهيمُ بن هرمَة فيه: الطويل:\rإذا ما أراد الأمر ناجى ضميرهُ ... فناجَى ضميراً غير مختلف العَقْلِ\rولم يُشْرِكِ الأدنين في جُل أمرِه ... إذا اختلفت بالأضعفين قُوَىَ الحَبْلِ\rفِقَر في ذكر المًشُورة\rالمشورةُ لِقاحُ العقل، ورائدُ الصواب، وحَزْمُ التدبير. المشاورة قبل المساوَرة. والمشورةُ عينُ الهداية.\rابن المعتز: من رضي بحالهِ استراح، والمستشِيرُ على طرف النجاح.\rوله: مَن أكثرَ المشورة لم يعدم في الصواب مادحاً، وفي الخطإ عاذراً.\rبشار بن برد: المشاور بين إحْدى الحسنيين: صواب يفوزُ بثمرته أو خطأ يُشارك في مكروهه، وقال: الطويل:\rإذا بلغ الرأيُ المَشُورَةَ فاستَعِنْ ... بعَزْم نصيحٍ أو مشورةِ حازمِ\rولا تحسَبِ الشُّورى عليك غَضاضةً ... فإنّ الخوَافِي قوة للقوادمِ\rوما خيرُ كَفٍّ أمسكَ الغُل أُخْتَها ... وما خيرُ سيفٍ لم يُؤَيَّدْ بقائمِ\rوخَلِّ الهوَيْنَى للضعيف ولا تكنْ ... نؤوماً فإن الحرَّ ليس بنائم\rوأَذنِ إلى القرب المُقَرِّبَ نفسهُ ... ولا تُشْهِدٍ النجوى أمرأً غير كاتم\rفإنك لا تَسْتَطْرِدُ الغَمَّ بالمنى ... ولا تَبْلُغُ العُلْيا بغيرِ المكارم\rدخل الهذيل بن زفر على يزيد بن المهلب في حمالات لزِمَتْه فقال: أيها الأمير، قد عظُم شأنك أن يُستعانَ بك أو يستعانَ عليك، ولستَ تفعل شيئاً من المعروف إلا وأنتَ أكبرُ منه، وليس العجبُ من أن تفعل، بلَ العجب من ألا تفعل، فقضاها.\rفي التاريخ والنسب\rاستخلص القاضي أبو خليفة الفضلُ بن حباب الجمحيُ رجلاً للأُنْس به، فقال:","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"أغَيَّر ثيابي وأعود، قال: ما أفعل، إيناسك وَعد، وإيحاشك نقد، وكان أبو خليفة من جلَّةِ المحدثين، وله حَلاوةُ معنى، وحسن عبارة، وبلاغةُ لفظ. قال الصولي: كاتبتُ أبا خليفة في أمور أرادها فأغفلتُ التاريخَ منها في كتابين، فكتب إليّ بعد نفوذِ الثاني: وصل كتابك - أعزك اللّه - مبْهَم الأوان، مُظْلم المكان، فأدَّى خيراً ما القرب فيه بأولى من البُعْد؛ فإذا كتبت - أكرمك الله تعالى! - فلتكن كتبُك مرسومةً بتاريخ؛ لأعرِف أدنى آثارك، وأقرب أخبارك، إن شاء الله تعالى.\rوقال بعض الكتاب: التاريخ عمودُ اليقين، ونَافي الشكّ، به تُعْرَف الحقوق، وتُحفَظُ العهود.\rوقال رجل لأبي خليفة سَلّم عليه: ما أحسبك تعرف نسبي، فقال: وجهك يدلّ على نسبك، والإكرامُ يمنع من مسألتك، فأَوْجِدْ لي السبيل إلى معرفتك.\rوسأل أبو جعفر المنصور قبل أن تُفْضِيَ إليه الخلافةُ شبيبَ بن شيبة، فانتسب له، فعرفه أبو جعفر، فأَثنى عليه وعلى قومه، فقال له شبيب: بأبي أنت وأمي! أنا أحبّ المعرفة وأجِلّك عن المسألة، فتبسَّم أبو جعفر وقال: لطف أهل العراق! أنا عبد الله بن محمد بن علي، بن عبد الله بن العباس، فقال: بأبي أنت وأمي! ما أشبهك بنسبك، وأدلَّك على منصبك.\rفِقر وأمثال يتداولها العمال\rالولاية حلة الرضاع مرَّة الفطام. غُبارُ العمل خيرُ من زعفران العطلة.\rابن الزيات: الإرجاف مقدمة السكون.\rعبد اللّه بن يحيى: الإرجاف رائد الفتنة.\rحامد بن العباس: غرس البلوى، يثمر الشكوى.\rأبو محمد المهلبي: التصرّف أعلى وأَثنى، والتعطّل أَصْفَى وأعفى.\rإبو القاسم الصاحب: وَعدُ الكريم، أَلْزَمُ من دَين الغريم.\rأبو المعتز: ذلُّ العَزلِ يضحك من تِيه الولاية. وقال: مجزوء الكامل:\rكم تائهٍ بولايةٍ ... وبعَزْلِه رَكضَ البَريدُ\rسُكْرُ الوِلاية طيبٌ ... وخُمارها صَعْبٌ شديدُ\rوقال: من ولي ولايَةَ فتاه فيها فأَخبره أَن قدره دونها. العزل طلاق الرجال وحيض العمال. وأنشدوا: الوافر:\rوقالوا العَزْل للعمال حَيْضٌ ... لحاهُ الله من حَيْضٍ بَغيضِ\rفإنْ يكُ هكذا فأَبُو عَليٍّ ... من اللائي يَئِسْنَ من المحيضِ\rمنصور الفقيه: المجتث:\rيا مَن تولَّى فأَبدى ... لنا الجفا وتَبدَّلْ\rأليس منك سمِعنَا ... من لم يمتْ فسيُعْزَلْ\rوقال أيضاً: المتقارب:\rإذا عُزِل المرءُ واصلتُه ... وعند الولايةِ أستكبرُ\rلأن المولَّى له نخوة ... ونفسي على الذلِّ لا تَصْبِرُ\rأخبار منصور الفقيه\rومنصور هذا هو منصور بن إسماعيل بن عيسى بن عمر التيمي، وكان يتفقّه على مذهب الإمام الشافعي، رضي الله عنه، وهو حلو المقطعات، لا تزالُ تندر له الأبيات مما يستظرَف معناه، ويُستحلى مغزاه، ويبقى ثتاه، وهو القائل لما كفَّ بصره: البسيط:\rمَنْ قال ماتَ ولم يستَوْفِ مُدّتهُ ... لعظم نازلةٍ نالَتْهُ معذورُ\rوليس في الحكم أن يحيا فتىً بلغَتْ ... به نِهايةَ ما يخشى المقاديرُ\rفقلْ له غيرَ مرتَابٍ بغفلتِه ... أو سوءِ مذهبه: قد عاش منصورُ\rوعَتَبَ على بعض الأشراف، وكانت أمُّه أمةً قيمتها ثمانية عشر ديناراً، فقال: المجتث:\rمن فاتني بأبيه ... لم يَفتْني بأمّه\rورام شتميَ ظلماً ... سكتُّ عن نصفِ شَتْمِه\rوقال: المجتث:\rلو قيل لي خذْ أماناً ... ممن حادث الأزمانِ\rلما أخَذْتُ أماناً ... إلا من الإخْوَانِ\rوقال: المتقارب:\rرضيت بما قسمَ الله لي ... وفوّضتُ أمري إلى خالقي\rكما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يُحسن فيما بَقِي\rوقال: مجزوء الكامل:\rلو كنت منتفعاً بعلْ ... مك مَع مواصلة الكبائر\rما ضرَّ شُرب السمّ واع ... لَمْ أنّ شرب السمّ ضائرْ\rوقال: الهزج:\rإذا القوتُ تأتّى ل ... ك والصِّحّةُ والأمن\rوأصبحتَ أخا حُزْن ... فلا فارقك الحُزْنُ","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"ورأيت له في أكثر النسخ - على أن أكثر الناسِ يرويه لإبراهيم بن المهدي، وهو الصحيح - : الكامل:\rلولا الحياءُ وأنني مشهورُ ... والعيبُ يَعْلَقُ بالكبيرِ كبيرُ\rلحَللْت منزلنا الذي نحتلّهُ ... ولكان منزلنا هو المهجورُ\rوهذا كقول الصاحب أبي القاسم: المتقارب:\rدعَتْنيَ عيناك نحو الصبا ... دعاء يكرر في كلّ ساعَهْ\rفلولا وحقك عذرُ المشيبِ ... لقلتُ لعينيك سمعاً وطاعَهْ\rوقال ابن دريد في معنى البيت الأول فأحسن: البسيط:\rإذا رأيت امرأً في حال عُسْرَته ... مُصَافِياً لك ما في وُدِّه خَلَلُ\rفلا تمن له أن يستفيدَ غِنىً ... فإنه بانتقال الحالِ ينتقلُ\rتغيّر بعد عسرة\rوكان لمحمد بن الحسن بن سَهْل صديقٌ قد نالته عُسرةٌ، ثم ولّي عملاً؟،فأتاه محمد قاضياً حقّاً ومسلماً عليه، فرأى منه نبوةً وتغيّراً، فكتب إليه: الطويل:\rلَئن كانتِ الدنيا أَنالتْكَ ثروةً ... وأصبحت ذا يُسْرٍ، وقد كُنْتَ ذا عُسْرِ\rلقد كشف الإثراءُ منك خلائقاً ... من اللؤم كانت تحتَ ثوْبٍ من الفقر\rوقال أبو العتاهية في عمرو بن مَسعَدة، وكان له خِلاًّ قبل ارتفاعِ حاله، فلما علَتْ رتبته معِ المأمون تغيّر عليه: الطويل:\rغنِيتَ عن العهد القديم غنيتا ... وضيّعت عهداً كان لي ونسيتَا\rوقد كنت لي أيام ضَعْفٍ من القوى ... أَبرّ وأَوْفَى منك حين قَوِيتا\rتجاهلت عما كنت تُحسِن وَصفَهُ ... ومُت عن الإحسان حين حَيِيتا\rوكتب بديعُ الزمانِ إلى أبي نصر بن المرزبان فيما ينخرطُ في هذا السلك:","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"كنتُ - أطال الله بقاءَ الشيخ سيدي وأَدام عزَّه - في قديم الزمان أتمنَّى الخيرَ للإخوان، وأسألُ الله تعالى أن يُدِرّ عليهم أخْلاَفَ الرزقِ، ويمدّ لهم أكناف العيش، ويؤتيهم أصنافَ الفَضْلِ، ويوطئهم أكنافَ العزّ، وينيلهم أعرافَ المجدِ، وقُصارايَ الآن أن أرغبَ إلى الله تعالى ألا يُنيلَهم فوق الكفاية، فشد ما يَطْغَونَ عند النعمة ينالونها، والدرجةِ يعلونها، وسَرُعَ ما ينظرون من عال، ويجمعون من مال، وينسون في ساعة اللدونة أوقاتَ الخشونة، وفي أزمان العذوبة أيام الصعوبة، وللكتَّاب مَزيّة في هذا الباب؛ فبينا هم في الغربة أَعوان كما انفرج المشط، وفي العُطْلَة إخوان كما انتظم السِّمْطُ، حتى إذا لحظهم الجدُّ لحظةً حَمْقَاء بمنشور عمالة، أَوْ صَك جعالةٍ ؛ عادَ عامر مودّتِهم خراباً، وانقلب شرابُ عهدهم سَرَاباً، فما اتسعت دورُهم وإلا ضاقت صدورُهم، ولا عَلت قدورُهم إلا خبَتْ بدورهم، ولا عَلت أمورُهم إلا أسْبِلَت ستورُهم، ولا أوقِدَتْ نارُهم إلا انطفأ نورهم. ولا هَمْلَجتْ عِتَاقهم إلا فظعت أخلاقهم، ولا صلحت أحوالهم، إلا فسدت أفعالهم، ولا كثُرَ مالهم، إلا قل جمالهم، وعزَ معروفهم، وورمَتْ أنوفهم، حتى إنهم ليصيرون على الإخوان مع الخطوب خَطْباً، وعلى الأحرار مع الزمان ألباً. قُصَارى أَحدهم من المجد أن ينصبَ تحته تَخْتَه، وأن يوطئ استه دستَه، وحَسْبُه من الشرف دارٌ يصهرجُ أرضَها، ويزخرف بعضَها، ويزوِّق سقوفها، ويعلق شُفُوفها، وناهيه من الشرف أَنْ تغدو الحاشيةُ أمامَه، وتحمل الغاشية قدَّامه، وكفاه من الكرم ألفاظ فقاعية، وثيابٌ قداعية، يلبسها ملوماً، ويحشوها لُوماً، وهذه صفة أفاضلهم. ومنهم من يمنَحُكَ الودَّ أيام خُشكاره حتى إذا أخصب جعل ميزانَه وكِيَله، وأسنانه أكَيله، وأنيسه كِيسه، وأَليفه رغيفَه، وأمينَه يمينه، ودنانيره سَمِيره، وصندوقه صديقَه، ومفتاحه ضجيعَه، وخاتمه خادِمَه، وجمع الدرَّة إلى الدرَّة، ووضع البَدْرَة على البدرة، فلم تقع القَطْرَة من طَرْفه، ولا الدرّة من كفِّه؛ ولا يخرج ماله عن عهدة خاتمه، إلى يوم مَأتمه، وهو يجمعُ لحادثِ حياتِه، أو وارثِ وفاتِه، يسلُكُ في الغَدْرِ كلَّ طريق، ويبيعُ بالدرهم ألْف صديق؛ وقد كان الظنُّ بصديقنا أَبي سعيد - أيّده الله تعالى - أنه إذا أخصب آواناً كنفاً من ظلّه، وحبَانَا من فضله، فمَنْ لنا الآن بعدله؟ إنه - أطال الله بقاءَه - حين طارت إلى أُذنه عُقاب المخاطبة بالوزير، وجلس من الديوان في صَدْر الإيوان افتضَّ عُذْره السياسة لديّ، بتعرض بعض المختلفة إليّ، وجعل يعرضه للهلاك، ويتسبب إليه بمال الأتراك، وجعلت أكاتِبه مرة وأقصِدُه أخرى، وأذكّره أنّ الراكب ربما استنزل، والوالي ربما عُزِل، ثم يجفّ ريق الخجل على لسان العذر، فتبقى الحزازة في الصدْرِ، وما يجمعني والشيخ إن كان زَادَهُ قولي إلا علوّاً في تحكمه وغلوّاً في تهكمه وجعل يمشي الجَمَزَى في ظلمه؛ ويبرَأ إليَّ من علمه، فأقولُ - إذا رأيت ذِلّةَ السؤال مني وعزَّةَ الردّ منه لي - : مجزوء الكامل:\rقلْ لي متى فَرْزَنتَ سُرْ ... عة ما أرى يا بَيْذَقُ\rوما أضيع وقتاً فيه أضَعْتُه، وزماناً بذكره قطَعْته، هلمَّ إلى الشيخ وشرعته، فقد نكأ القلب بقَرْحه، وكيف أصِفُ حالاً لا يقرع الدهرُ مَروَةَ حالِه، ولا ينتقض عروة إجلالِه؛ فما أولاني بأَن أذكره مجْملاً، وأتركه مفصَّلاً، والسلام.\rوكتب إلى بعض إخوانه في أمر رجل ولي الأشراف:","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"فهمت ما ذكرت - أطال الله بقاءك - من أمر فلان أنه ولي الأشراف، فإن يصدق الطير يكن إشرافاً على الهلاك، بأيدي الأتراك، فلا تحزُنْكَ ولايتُه فالحبل لا يبرم إلا للفتل، ولا تعجبك خلعته فالثور لا يزينُ إلا للقتل، ولا يرعك نِفاقُه فأرخص ما يكون النفط إذا غلا وأَسفل ما يكون الأرنب إذا علا، وكأنِّي به وقد شنَّ عليه جران العَوْدِ، شنَّ المطر الجَوْد، وقيّد له مركبُ الفجار، من مربط النجار، وإنما جر له الحبل، ليُصفَع كما صُفِع من قبل، وستعودُ تلك الحالة إحالة، وينقلبُ ذلك الحبلُ حِبَالة، فلا يحسد الذئب على الإلية يُعْطَاها طعمة، ولا يحسب الحبَّ يُنثر للعصفور نعمة، وهبه وُلي إمارة البحرين أليس مرجعه ذلك العقل، ومصيره ذلك الفضل، ومنصبه ذلك الأصل، وعصارته ذلك النسل، وقعيدته تلك الأهل، وقوله ذلك القول، وفعله ذلك الفعل، فكان ماذا؟ أليس ما قد سلب أكثر مما أُوتي، وما عدم أوفر ممّا غنم؟ ما لك تنظرُ إلى ظاهره، وتعمي عن باطنه؟ أكان يعجبك أن تكونَ قعيدتُه في بيتك، وبغلتُه من تحتك، أم كان يسرُّك أن تكون أَخْلاقُه في إهابك، وبوّابُه على بابك؟ أم كنت تودّ أن تكونَ وَجْعَاؤه في إزارك، وغِلْمانه في دارك؟ أم كنتَ تَرْضَى أن تكون في مربطك أفراسُه، وعليك لباسُه، ورأسك راسُه؟ جعلت فداك! ما عندك خير ممّا عنده، فاشكر اللهَ وحدَه على ما آتاك، واحمَدْه على ما أعطاك، ثم أنشد: البسيط:\rإن الغنيَّ هو الراضي بعيشته ... لا مَنْ يظلُّ على الأقدارِ مكتئبا\rبين البخل والجود\rألَف سهل بن هارون كتاباً يمدح فيه البخلَ ويذمُّ الجودَ؛ ليظهر قدرته على البلاغة، وأهداه للحسن بن سهل في وزارته للمأمون، فوقع عليه: لقد مدحتَ ما ذمَّه الله، وحسنت ما قبّح الله، وما يقوم صلاحُ لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا نوالك عليه قبولَ قولِكَ فيه.\rوكان الحسنُ من كرماء الناسِ وعقلائهم. سُئل أبو العيناء عنه، فقال: كأنما خَلف آدمَ في ولده، فهو ينفع عَيْلَتهم، ويسدُّ خَلَّتَهم، ولقد رفع الله للدنيا من شأنها، إذ جعله من سكَانِها.\rأخذ هذا المعنى أبو العيناء من قول الشاعر: الكامل:\rوكأن آدمَ كان قبل وفاتِه ... أَوصاك وَهْوَ يجودُ بالْحَوْباء\rبِبَنيه أن ترعاهُمُ فَرَعَيْتَهُمْ ... وكَفَيْتَ آدمَ عَيْلةَ الأبْنَاء\rوأخذ أبو الطيب المتنبي آخر كلام أبي العيناء فقال: البسيط:\rقد شرف الله دُنيا أنْتَ سَاكِنُها ... وشرَّفَ الناسَ إذ سوّاكَ إنسانا\rوقيل للحسن بن سهل: لم قيل: قال الأول، وقال الحكيم؟ قال: لأنه كلام قد مزّ على الأسماع قَبْلَنا، فلو كان زللاً لما نُقِل إلينا مستحسَناً.\rومن أمثال البخلاء\rواحتجاجهم، وحِكمهم:\rأبو الأسود الدؤلي: لا تُجاوِد الله، فإنه أجودُ وأمجد، ولو شاء أن يوسِّع على خَلْقه حتى لا يكون فيهم محتاج فعل. وقال: لو أطَعْنا المساكين في إعطائنا إياهم كنا أسوأ حالاً منهم.\rوقال الكندي: قولُ \" لا \" يدفع البلاء، وقول \" نعم \" يزيل النعم. وقال: سماع الغناء بِرْسام حَادٌ؛ لأن المرءَ يسمع فيطرب، فيسمح فيفتقر، فيغتمّ فيمرض فيموت. وقال لابنه: يا بني، كُنْ مع الناس كاللاعب بالقمار، إنما غَرَضُه أَخذ متاعهم، وحِفْظُ متاعه.\rوقال غيره: مَنْعُ الجميع أَرْضى للجميع. إذا قبح السؤال حسن المنع.\rوقال عليُّ بن الجهم: من وَهَب في عمله فهو مخدوع، ومن وَهَب بعد العَزْلِ فهو أحمق، ومن وَهب من جوائز سلطانه أو ميراث لم يتْعَب فيه فهو مخذول، ومن وهب مِنْ كِيسه وما استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المختوم على سمْعه وبصره.\rومن إنشاداتهم: الخفيف:\rلا تجُدْ بالعطاءِ في غير حق ... ليس في مَنْعِ غير ذي الحقّ بُخْلُ\rوقال كثيّر: الطويل:\rإذا المال لم يوجِبْ عليك عطاءَهُ ... حقيقةُ تقوى أو صديقٌ تُرَافِقُهْ\rمَنَعْتَ، وبعضُ المَنْعِ حَزْمٌ وقوّة ... ولم يفتلتك المالَ إلاّ حَقائِقُهْ\rابن المعتز: السريع:\rيا ربَّ جُودٍ جرَّ فَقْرَ امرئ ... فقام للناس مقامَ الذليلْ\rفاشدُد عُرا مَالِكَ واستَبْقِهِ ... فالبُخْلُ خيرٌ من سؤال البخيلْ","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"وكتب بعضُ البخلاء يصفُ بخيلاً: حضرت - أعزَّك الله - مائدةَ فلانٍ للقَدَر المجلوب، والحَيْنِ المُتَاح، والشقاء الغالب، فرأيت أواني تروق العيون محاسنُهَا، ويُونِقُ النفوسَ ظاهرها وباطنها، وتزهى اللحظات ببدائع غرائبها، وتستوفي الشهوات بلطائف عجائبها، مُكَللَة بأَحسن من حلي الحسان ووجوهِها وزَهْر الرياض ونَورها، كأنَّ الشمسَ حلّت بساحتها، والبدر يغرف من جوانبها، فمددت يداً عَنتهَا الشراهة، وغلبها القدر الغالب، وجرّها الطمع الكاذب، وإذا له مع كَسْر كل رغيف لحظة نكْر، ومع كل لُقْمَةٍ نَظْرة شَزْر، وفيما بين ذلك حُرَق قائمة، يَصْلَى بها مَنْ حضره من الغلمان والحشم، وقام بين يديه من الولدان، والخدم، ومع ذلك فترة المغشيّ عليه من الموت؛ فلمّا وضعت الحربُ أوزارها برفع الخِوَان، وتخلّت عنه سمادير الغَشيان، بسط لسانَ جهْلِه، ونصر ما كان من بخله، ونظر إلى مؤاكِلِهِ، نظر المسترقِّ له بأكَلته، المالك لخَيْطِ رقبته! يظنُّ أنه أولى من وَالديه بنسبته، وأحقّ بماله، من وَلده وعياله، يرى ذلك فضلاً، وحقّاً لازماً، وأمراً واجباً، نزل به الكتابُ والسنة، واتفقَ عليه قُضاةُ الأمة، فإنْ دفعه ردّ حكم القضاة عليه، وإن سَمَح به فغيرُ محمود عليه.\rفقر لابن المعتز وغيره\rفي الصديق والصدق\rإنما سُمِّي الصديقُ صديقاً لصدقه فيما يدَّعيه لك، وسُمِّي العدوّ عدواً لِعَدْوِهِ عليك إذا ظفر بك. علامةُ الصديق إذا أراد القطيعةَ أن يؤخّر الجواب، ولا يبتدئ بالكتاب، لا يفسدنك الظنُّ على صديق قد أصلحك اليقين له. إذا كثرت ذنوبُ الصديقِ أنْمَحَقَ السرورُ به، وتسلّطت التهم عليه. من لم يقدم الامتحانَ قبل الثقة والثقة قبل الأُنس أثمرت مودّتُه ندماٌ. نُصْح الصديق تأديبٌ، ونصحُ العدو تأنيب. ظاهرُ العتاب خيرٌ من باطن الحقد، وما جُمش الود بمثل العتاب: الكامل:\rتَرْكُ العتاب إذا استحق أخٌمنك العتابَ ذريعةُ الهَجْرِ\rوكتب أبو إسحاق الصابي إلى صديق له من الحَبْسِ: نحن في الصحبة كالنَسْرَيْنِ، لكني واقع، وعلى الطائر أن يغْشَى أخاه ويراجع. من قل صدقه قل صديقه. من صدقت لهجته ظهرتْ حُجته. الصادق بين المهابة والمحبة. من عرِف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يَجُزْ صِدْقه، ومن تمام الصدق الإخبار بما تحتمل العقول.\rمن إنشاء الحسن بن وهب\rوكتب الحسن بن وهب إنى أبي تمام أطائي: أنت، حفظك الله، تَحْتَذي من البيان في النظام، مثل ما نقصد نحن في النثر من الإفهام، والفضلُ لك - أعزّك الله - إذ كنت تأتي به في غاية الاقتدار، على غاية الاقتصار، في منظوم الأشعار، فَتحلّ متعقده، وتربط متشرّده، وتضم أقطاره، وتجلو أنواره، وتفصله في حدوده، وتخرجه في قيوده، ثم لا تأتي به مهملاً فيستبهم، ولا مشتركاً فيلتبس، ولا متعقداً فيطول، ولا متكلفاً فيحول؛ فهو منك كالمعجزةِ تضرب فيه الأمثال، وتشرح فيه المقال؛ فلا أعدمنا الله هَداياك واردة، وفوائدك وافدة، وهي طويلة.\rوفي هذه الرسالة يقول أبو تمام، وقد أَرى أنه قال ذلك في غيرها: الوافر:\rلقد جَلَّى كتابُك كلَّ بَثٍّ ... جَوٍ، وأصاب شاكلةَ الرَّمِيِّ\rفَضَضْتُ خُتامَهُ فتبلَجَتْ لي ... غرائبُه عن الخبرِ الجلِيِّ\rوكان أغَضَّ في عَيْني وأَنْدَى ... على كبدي من الزهر الْجَنِيِّ\rوأَحْسَنَ موقعاً منِّي وعندي ... من البُشْرى أتت بَعد النُّعِيِّ\rكتبتَ به بلا لفظٍ كريهٍ ... على أذن، ولا لفظٍ قمِيّ\rوضُمِّنَ صَدره ما لم تُضمَّنْ ... صدورُ الغانياتِ من الحلِيّ\rفإن تَكُ من هداياك الصفايا ... فربَّ هديّةٍ لك كالهَديّ\rلئن غرَّبْتَها في الأرض بكرا ... لقد زُفّتْ إلى سمعٍ كَفِيِّ\rوقال البحتري في الحسن بن وهب: الكامل:\rوإذا تألَّقَ في النَّدِيِّ كلامُهُ ال ... مصقولُ خِلتَ لسانَهُ مِنْ عَضْبِه\rوإذا دَجَتْ أقلامُه ثمَّ انتحَتْ ... بَرَقَتْ مصابيحُ الدُجا في كُتْبِهِ\rباللفظ يَقْرُبُ فَهْمُهُ في بُعْدِهِ ... مِنّا، ويَبْعُدُ نَيْلُهُ في قُرْبِهِ","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"حِكَمٌ فَسائِحُها خِلالَ بَنانِهِ ... مُتَدَفِّقٌ وقَلِيبُهَا من قَلْبِه\rكالروض مؤتلق بحمرة ورده ... وأنيق زهرته وخُضْرة عُشْبِهِ\rأو كالبُرُودِ تُخُيِّرَتْ لِمُتَوَّجٍ ... مِنْ خاله أو وشْيِهِ أو عَصْبِهِ\rوكأنها والسَّمْعُ مَعْقُودٌ بها ... وجهُ المحبّ بدا لِعَينِ مُحِبِّهِ\rأنشد بعض الكتاب هذه الأبيات أبا العباس ثعلباً، فاستعادها حتى فهمها، ثم قال: لو سمع الأوائل هذا ما فَضَّلُوا عليه شعراً.\rوقال بعض الكتّاب: مجزوء الكامل:\rورسالة ألفاظها ... في النظم كالدّر النَّثِيرْ\rجاءتْ إليك كأنها ال ... توفيقُ في كل الأمورْ\rبأرقّ من شكوى وأح ... سن من حياة في سُرُورْ\rلو واجهتْ أعمى لأصْ ... بَح وهو ذو طَرْفٍ بَصِيرْ\rفكأنها أمل سَرَى ... من بعد يأسٍ في السرُورْ\rأو كالفقيد إذا أتَتْ ... لقدومهِ بشرى البشيرْ\rأو كالمنام لساهرٍ ... أو كالأمان لمستجيرْ\rكتبت بحبر كالنَّوَى ... أو كُفْر نعمى من كَفُور\rفكأنما هو باطل ... ما بين حقٍّ مُسْتَنيرْ\rوقال أحمد بن أبي العباس بن ثوابة البسيط:\rفي كل يوم صدورُ الكتْب صادِرةً ... من رأيه وندى كفّيه عن مثلِ\rعن خَطّ أقلامِه يجري القضاءُ على ... كلّ الخلائق بين البيض والأسَل\rكأن أسطره في بطن مُهْرَقِه ... نَوْرٌ يُضاحِكُ دَمعَ الواكف الخَضلِ\rلعابه علل والصدر ينفثها ... وربما كان فيه النفع للعلل\rكالنار تعطيك من نُور ومن حُرَقٍ ... والدهر يعطيك من غَمّ ومن جَذَلِ\rوقال آخر: الوافر:\rمدادٌ مثل خافية الغرابِ ... ورَقّ مثل رَقْرَاقِ السرابِ\rوأقلام كأرواح الجواري ... وألفاظ كأيام الشبابِ\rبلاغة عمرو بن مسعدة\rقال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون، وفي يده كتابٌ، وهو يعاود قراءَته مرة بعد مرة، ويصعّد فيه بصرَه ويصوَّبه؛ فالتفت إليّ وقد لحظني في أثناء قراءته الكتاب، فقال: أراك مُفَكَراً فيما تراه مني! فقلت: نعم، وَقى الله أميرَ المؤمنين المخاوفَ! قال: لا مكروه إن شاء الله، ولكني قرأتُ كتاباً وجدْتُه نظيرَ ما سمعت الرشيد يقوله عن البلاغة، فإني سمعتُه يقول: البلاغةُ التباعد من الإطالة، والتقرب من البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى، وما كنتُ أتوهّمُ أن أحداً يقدر على هذه البلاغة حتى قرأت هذا الكتاب من عمرو بن مسعدة إلينا فإذا فيه: كتابي إلى أمير المؤمنين ومَنْ قِبَلي من الأجناد والقوَّاد في الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعةُ جُنْدٍ تأخَّرَتْ أعطياتهم، واختلّت أحوالهم! ألا ترى يا أحمد إلى إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفائه سلطانَه من الإكثار؟ ثم أمرَ لهم برزق ثمانية أشهر.\rوفي عمرو بن مسعدة يقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التيمي: المتقارب:\rأعِنِّي على بارقٍ ناصب ... خفيٍّ كوحْيك بالحاجبِ\rكأن تألقه في السماء ... يَدَا كاتبٍ أو يَدَا حاسِب\rفروّى منازلَ تذكارُهَا ... يهيج من شوقك الغالب\rغريب يحنّ لأوطانِه ... ويَبْكي على عصره الذاهب\rكفاك أبو الفضل عمرو الندى ... مطالعة الأمَلِ الكاذبِ\rوصِدْق الرجاء وحُسْن الوفاءِ ... لعمرو بن مسعدة الكاتب\rعريض الفِناء طويل البنا ... ء في العزِّ والشرف الثاقب\rبنى الملك طَوْد له بيتهُ ... وأهل الخلافة من غَالب\rهو المرتجى لصروف الزمان ... ومعتصَم الراغبِ الراهب\rجوادٌ بما ملكتْ كفُّهُ ... على الضيف والجار والصاحب\rبأُدْمِ الركاب ووَشْي الثيا ... ب والطِّرف والطِّفْلَة الكاعِبِ","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"نؤملهُ لجسام الأمَورِ ... وندعوه للجَلَلِ الكاربِ\rخصيب الجناب مَطِير السحاب ... بشيمته ليّن الجانِبِ\rيروّي القنا من نحور العدا ... ويُغْرِق في الجودِ كاللاّعب\rإليك تبدَّتْ بأكوارها ... حراجيج في مَهْمَهٍ لاحبِ\rكأن نَعَاماً تمادى بنا ... تزايل من بَرَدٍ حاصب\rيردْن نَدَى كفَك المرتَجى ... ويقضين من حقّك الواجبِ\rوللّه ما أنت من جابر ... بِسَجْلٍ لقومٍ ومن خارب\rيُساقي العدا بكؤوس الردى ... ويسبق مسألة الطالبِ\rوكم راغب نلْته بالعطا ... وكم نلت بالحَتْفِ من هارب\rوتلك الخلائق أعطيتها ... وفَضْلٌ من المانع الواهب\rكسبت الثناء، وكَسْبُ الثنا ... ءِ أفضلُ مكسبة الكاسب\rيقينك يجلو ستور الدجى ... وظنُّك يُخْبِر بالغائب\rوهذا الشعر يتدفّق طبعاً وسلاسة.\rبين الطبع والتكلّف\rقلت: والكلامُ الجيد الطبع مقبول في السمع، قريبُ المِثَال، بعيد المَنَال، أنيق الديباجة، رقيق الزجاجة، يدنو من فَهْم سامعِه، كدنوّه من وهم صانعه، والمصنوع مثقف الكعوب، معتدلُ الأنبوب، يطرد ماءُ البديع على جَنَبَاته، ويجول رَوْنَق الحسن في صفحاته، كما يجول السِّحْر في الطَّرْف الكحيل، والأثرُ في السيف الصقيل، وحمل الصانِع شعره على الإكراه في التعمل وتنقيح المباني دون إصلاح المعاني يُعْفي آثار صنعته، ويطفئ أنوار صيغته، ويخرجه إلى فسادِ التعسّف، وقَبْح التكلّف؛ وإلقاءُ المطبوع بيده إلى قبول ما يبعثه هاجسُه، وتنفثه وساوسه، من غير إعمال النظر، وتدقيق الفكر، يخرجه إلى حَدّ المشتهر الرثّ، وحيّز الغثّ؛ وأحْسَنُ ما أجري إليه، وأعول عليه، التوسّط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين، من الطبع والصنعة.\rوقد قال أعرابي للحسن البصري: علمني ديناً وسيطاً، لا ساقطاً سقوطاً، ولا ذاهباً فروطاً، قال الحسن: أحسنت، خيرُ الأمور أوساطها. والبحتري عن هذا القوس ينزع، وإلى هذا النحو يرجع.\rمُلح في باب الشعر\rومن الشعر الذي يجري مع النفس قول ابن المعتز يمدح المكتفي؛ إذ قدم من الرقة بعد القبض على القرمطي فقال: مجزوء الكامل:\rلا ورمّانِ النهودِ ... فوق أغصانِ القدودِ\rوعناقيدَ مِنَ أصدا ... غٍ ووَرْد من خُدودِ\rوبدور من وُجوهٍ ... طالعات بالسعودِ\rورسول جاء بالمي ... عاد من بَعْدِ الوعِيد\rونعيم من وِصَال ... في قَفَا طولِ الصدود\rما رأت عيني كظبْي ... زارني في يوم عيد\rفي قَبَاء فاختيِّ اللون من لبس الجديد\rكلما قاتل جند ... يٌ بسيف وعَمُودِ\rقاتل الناسَ بعي ... نِ وخَدَّينِ وجِيدِ\rقد سقاني الخمر من في ... ه على رغم الحَسُودِ\rوتعانقنا كأنا ... وهْوَ في عَقْدٍ شديدِ\rنقرع الثغر بثغر ... طيب عند الورودِ\rمثل ما عاجل بردٌ ... قطْر مُزن بجمود\rسحراً من قبل أن تر ... جع أرواح الوفود\rومضى يخطر في المش ... ي كجبار عنيد\rمرحباً بالملك القا ... دم بالجدِّ السعيد\rيا مذلَّ لبَغْي يا قا ... تل حيَّات الحقُودِ\rعش ودُمْ في ظِلِّ عَيش ... خالدٍ باقٍ جديدِ\rفلقد أصبح أعدا ... ؤك كالزرْعِ الحصِيدِ\rثم قد صاروا حديثاً ... مثل عادٍ وثمود\rجاءهم بحرُ حديد ... تحت أجيالِ بُنُودِ\rفيه عقبان خيولٍ ... فوقها أسدُ جُنودِ\rوَرَدُوا الحرب فمدُوا ... كل خَطيٍّ مديدِ\rوحسام شَرِهِ الح ... دّ إلى قَطْعِ الوَرِيد","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"ما لهذا الفتح يا خي ... رِ إمام من نديد\rفاحمد اللَّهَ فإن ال ... حَمْدَ مفتاحُ المزيدِ\rوقول علي بن الخليل، مولى يزيد بن مؤيد الشيباني، وكان يُرمى بالزندقة، قال الفضل بن الربيع: جلس الرشيد يوماً للمظالم، فجعلت أتصفّحُ الناسَ، وأسمعُ كلامهم، فرميت بطَرْفي، فرأيت في آخرهم شيخاً حسَنَ الهيئةِ والوجْه ما رأيتُ أحسنَ منه؛ فوقف حتى تَقَوَّضَ المجلسُ، ثم قال: يا أمير المؤمنين، رقعتي؛ فأمر بأخذها، فقال: إنْ رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي بقراءتها؛ فأنا أحسنُ تعبيراً لخطّي من غيري - فقال له: اقرأْ، فقال: شيخ ضعيف، ومقامٌ صَعب، ولا آمَنُ الاضطراب؛ فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يصلَ عنايَته بأمري في الإذن بالجلوس فعل، فقال: اجلسْ، فجلس وأنشأ يقول: الكامل:\rيا خيرَ من وخدتْ بأرحُلِهِ ... نُجُبُ الركاب بمَهْمَهٍ جَلْسِ\rطوي السباسبَ في أزمتها ... طيَ التِّجَارِ عمائمَ البِرْسِ\rلما رأتك الشمسُ طالعة ... سجدتْ لوجهك طلعة الشمْسِ\rخيرُ البَرِيَّةِ أنت كلّهم ... في يومك الغادي وفي الأمْسِ\rوكذاك لن تنفكَّ خيرَهُم ... تمسِي وتصبح فوق ما تُمسِي\rللّه ما هارون من ملك ... عفِّ السريرة طاهر النفْسِ\rتمّت عليه لربِّه نِعَمٌ ... تزداد جدّتها مع اللّبْسِ\rمن عترة طابَتْ أرومتها ... أهل العفاف ومنتهى القُدْسِ\rمتهلّلين على أسِرَّتهم ... ولدى الهياج مَصاعبُ شُمْسِ\rإني لجأتُ إليك من فَزَع ... قد كان شرَّدَني ومن لَبْسِ\rلما استخَرْتُ الله مجتهداً ... يمَّمتُ نحوك رِحْلَة العَنْس\rواخترت حِلْمك لا أجاوزهُ ... حتى أغيَّبَ في ثَرَى رَمْسِي\rكم قد سريت إليك مُدَّرعاً ... ليلاً يموجُ كحالِك النقْسِ\rإن راعني من هاجسٍ فزَعٌ ... كان التوكّلِ عنده تُرْسِي\rما ذاك إلا أنني رجلٌ ... أصبو إلى نَفرٍ من الإنْسِ\rبيض أوانس لا قرون لها ... يقتلن بالتطويل والحَبْس\rوأجاذب الفتيان بينهمُ ... صفراءَ مثل مُجَاجةِ الوَرْسِ\rللماء في حافاتها حبَبٌ ... نظم كرقم صحائف الفُرسِ\rوالله يعلمُ في بنيته ... ما إن أضعت إقامَة الْخَمسِ\rقال: ومن تكون؟ قال: علي بن الخليل، الذي يقال إنه زنديق، فقال له: أنت آمن، وأمر له بخمسة آلاف درهم.\rوأنشد أبو العباس المبرّد لرجل يصف دعوة دعَا بها الله عزّ وجلّ، وقد رأيتها في شعر محمد بن حازم الباهلي: الطويل:\rوساريةٍ لم تَسْرِ في الأرض تَبْتغي ... محلاًّ، ولم يقطع بها البِيدَ قاطعُ\rسَرَتْ حيث لم تُحْدَ الرِّكَاب ولم تُنَخْ ... لوردٍ، ولم يقصر لها القيد مانعُ\rتمرُّ وراء الليل والليل ضاربٌ ... بجثمانه فيه سَمِيرٌ وهاجعُ\rإذا وردَتْ لم يَرْدُدِ الله وفدها ... على أهلها، واللَّهُ رَاءٍ وسامعُ\rتفتَّحُ أبوابُ السمواتِ دونها ... إذا قرع الأبوابَ منهنّ قارعُ\rوإني لأرجو اللَّهَ حتى كأنني ... أرى بجميلِ الظنّ ما الله صانع\rأخبار معن بن زائدة\rودخل رجل من شيبان، على معن بن زائدة، فقال: ما هذه الغيبة. فقال: أيها الأميرُ، ما غاب عن العَين مَنْ يذكرهُ القَلْب، وما زال شوقي إلى الأمير شديداً، وهو دون ما يَجِب له، وذِكري له كثيراً، وهو دُون قَدْرِه، ولكن جفوة الحجّاب، وقِلَّةَ بشر الغلمان، منعاني من الإتيان! فأمر بتسهيل إذنه، وأجزل صلته.\rوقال أبو جعفر المنصور لمعن بن زائدة: كبرت يا مَعْن! قال: في طاعتك يا أّمير المؤمنين، قال: إنك لجَلد، قال: على اِّعدائك، قال: وإنّ فيك لبقيَّة، قال: هي لك يا أَميرَ المؤمنين، قال: فأي الدولتين أحبُّ إليك؛ هذه أم دولة بني أمية. قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برُّك على برِّهم كانت دولتُك أحبَّ إليَّ.","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"ومعن هذا هو: معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو أخي الحوفزان بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل بن منبه بن مرة بن ذُهْل بن شيبان، وبنو مطر بيت شيبان، وشيبان بيت ربيعة.\rوكان معن أَجود الناسِ، وفيه يقول مَرْوان بن أبي حفصة ويعم بني مطر: الطويل:\rبنو مطرٍ يومَ اللقاءِ كأنهم ... أسود لها في غِيل خَفّان أشبُلَ\rهمُ يمنعون الجارَ حتى كأنما ... لجارهمُ بين السِّماكَيْنِ منزلُ\rولا يستطيعُ الفاعلون فعَالهمْ ... وإن أَحسنوا في النائبات وأَجملُوا\rبهَاليلُ في الإسلام سادُوا ولم يكُنْ ... كأوَّلهم في الجاهلية أولُ\rهم القومُ إن قالوا أصابوا وإن دُعُوا ... جابوا وإن أعْطَوْا أطابوا وأجْزَلوا\rأخذ البيتَ الأولَ ابن الرومي، وزاد فقال: البسيط:\rتلقاهمُ ورِماح الخطّ بينهُمُ ... كالأسْدِ ألبسها الآجامَ خَفَّانُ\rبين الجبن والحزم\rأتى قوم من العرب شيخاً لهم قد أَرْبى على الثمانين، وأَهدف على التسعين، فقالوا: إنَّ عدوَّنا استاق سَرْحَنا، فأَشِرْ علينا بما نُدْرِك به الثّأر، وننفي به العارَ، فقال: الضعف فسخ هِمّتي، ونكث إبرام عزيمتي، ولكن شاوروا الشجعان من ذوي العَزْم، والجبناء من ذوي الحزم؛ فإنَّ الجبان لا يَألو برأيه ما بَقِي مهجكم، والشجاع لا يألو برأيه ما يشيد ذكركم، ثم أخلصوا من الرأي بنتيجة تبعد عنكم معرَّة نقصِ الجبان، وتَهَوّر الشجعان، فإذا نجمَ الرأيُ على هذا كان أنفذ عَلَى عدوكم من السَهْم الصائب، والحُسَام القاضب.\rبين الجهل والعقل\rقال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول لرجل تخاصِمُه: واللّه لو صُوّر الجهل لأَظلم معه النهار، ولو صُوّر العَقْلُ لأضاء معه الليل، وإنك من أفضلهما لمعدم، فخَفِ الله، واعلم أنَّ من ورائك حَكَماً لا يحتاجُ المدَّعي عنده إلى إحضار البيّنة.\rهجاء بني كليب\rقال الفرزدق يهجو كليباً: الوافر:\rولو يُرْمى بلؤمِ بني كُليبٍ ... نجومُ الليل ما وضَحَتْ لِساري\rولو لبس النهارَ بنو كليب ... لدَنَّسَ لؤمُهمْ وَضَحَ النهارِ\rأقوال الأعراب في النثر والشعر\rوقاد سفيان بن عيينة: سمعت أعرابياً يقول عشية عَرَفة: اللهمّ، لا تحرِمْنِي خيرَ ما عندك لِشرِّ ما عندي، وإن لم تتقبَّلْ تَعبِي ونَصَبي فلا تَحْرِمني أَجْرَ المصاب على مصيبته.\rوقال آخر منهم لصديق استبطأه فلامه: كانت لي إليك زَلة يمنعني من ذِكرها ما أَمَّلتُ من تجاوُزك عنها، ولست أعتَذِرُ إليك منها إلا بالإقلاع عنها.\rوقال آخر لابن عم له: والله ما أَعْرف تقصيراً فأقلع، ولا ذنباً فأعتب، ولست أَقولُ: إنك كذبت، ولا إنني أذنبت.\rوقال آخر لابن عمّ له: سأتخطّى ذنبك إلى عُذْرِك، وإن كنت من أحدهما على يقين، ومن الآخر على شك، لتتمَّ النعمة مني إليك، وتقومَ الحجةُ لي عليك.\rوأصيب أعرابيٌّ بابن له فقال - وقد قيل له: اصبر - أَعَلَى الله أتجلَّد، أم في مصيبتي أتبلّد؟ والله للْجَزَع من أمره أحبُّ إليّ الآن من الصبر؛ لأن الجزع استكانة، والصبر قَساوة، ولئن لم أجزع من النقص لا أفرح بالمزيد.\rودعا أعرابي فقال: اللهمَّ إني أعوذ بك أن أفتقرَ في غِنَاكَ، أو أضلّ في هدَاك، أو أذِلّ في عزّك أو أضام في سُلطَانك، أو أضْطَهد والأمر إليك.\rقال الأصمعي: سمعتُ أعرابياً يَعِظُ رجلاً وهو يقول: وَيحَك! إنّ فلاناً وإن ضحك إليك، فإنه يضحكُ منك، ولئن أظهر الشفقةَ عليك؟ إنِّ عقاربه لتسري إليك؛ فإن لم تتّخِذه عدوّاً في علانيتك، فلا تجعله صديقاً في سرِيرتك.\rسمع أعرابيّ رجلاً يقعُ في السلطان، فقال: إنك غُفْل لم تَسِمك التجارب، وفي النصح لَسْعُ العقارب، كأني بالضاحك إليك، وهو باكٍ عليك.","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"وحذَّر بعضُ الحكماء صديقاً له صحبه رجل، فقال: احْذَر فلاناً فإنه كثيرُ المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظُ أول كلامك على آخره، ويعتبرُ ما أخَّرت بما قدَّمت، فلا تظهرنَّ له المخافة فيرى أنْ قد تحرَّزْت؛ وأعلمْ أَنَّ من يقظة الفطْنة إظهارَ الغفلة مع شدة الحذر، فباثِثْهُ مباثَّةَ الآمن، وتحفَّظ منه تحفّظَ الخائف؛ فإنَّ البحث يظهر. الخفيّ الباطن، ويُبْدي المستكنَّ الكامن.\rأتى أَعرابيّ رجلا لم يكن بينه وبينه حرمة في حاجةٍ له، فقال: إني امتطيتُ إليك الرجاءَ، وسَرَيْتُ على الأمل، ورافقت الشكر، وتوسَّلت بحُسْنِ الظنّ، فحقق الأمل، وأَحْسِن المثوبة، وأكرم الصفَد، وأَقِم الأَوَد، وعجِّل السّراح.\rقال الأصمعي: وسمعتُ أعرابياً يقول: إذا ثبتت الأصول في القلوب، نطقت الألسنةُ الفروع! واللّه يعلم أَنَّ قلبي لك شاكر، ولساني ذاكِر، ومحال أن يظهرَ الودّ المستقيم، من الفؤاد السقيم.\rومدح أعرابي رجلاً، فقال: إنه ليغسل من العار وجوهاً مسودّة، ويفتح من الرأي أبواباً منسدَّة.\rوقال أعرابي: الكامل:\rكم قد ولدتُمْ من رئيسٍ قَسْوَرِ ... دامي الأظافرِ في الخميس المُمْطِرِ\rسَدِكَت أنامله بقائم مرهف ... وبنشر فائدة وجذوةِ مِنْبَرِ\rما إن يريد إذا الرماحُ تشاجرَتْ ... درعاً سوى سربال طِيبِ العنصرِ\rيلقي السيوفَ بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المِغْفَر\rويقول للطِّرْفِ اصطبر لِشَبَا القَنَا ... فعقرتُ ركن المجد إن لم تُعْقَرِ\rوإذا تأمّل شخصَ ضَيفٍ مقبلٍ ... متَسَرْبل سربال مَحْلٍ أغبرِ\rأَوْمى إلى الكَوْمَاء هذا طارق ... نَحَرَتنيَ الأعداء إن لم تنحرِي\rوقال: البسيط:\rقامت تَصدَّى له عَمْداً لغفلته ... فلم يرَ الناسُ وَجْداً كالذي وجَدَا\rجيداء رَبْدَاء لم تعقد قلائدَها ... وناهدٌ مثل قلب الظَّبْي ما خَضَدا\rفراح كالحائم الصدْيَان ليس له ... صَبْرٌ ولا يأمن الأعداء إن وردَا\rوقال آخر: الطويل:\rومكتتماتٍ بعد وَهْن طرقْنني ... بأَرديةِ الظلماء ملتحفاتِ\rدَسْسنَ رسولاً ناصحاً وتلونهُ ... على رقبةٍ منهنَّ مستَتراتٍ\rفبتُّ أعاطيهنّ صرفَ صبابةِ ... وبتْنَ على اللذّات معتكفات\rفيا وَجْدَ قلبي يوم أتبعتُ ناظري ... سليمى وجادَتْ بعدها عَبراتِي\rوقال الأحنف بن قيس: من لم يستوحش من ذلِّ المسألة لم يأنفْ من الردّ.\rوقال سفيان الثوري لأخ له: هل بلغك شيءٌ مما تكرهُه عمن لا تعرف. قال: لا، قال: فأقلل ممن تعرف.\rأخذه ابن الرومي، فقال: الوافر:\rعدوُّك من صديقك مُستَفاد ... فأَقلِلْ ما استطعتَ من الصحابِ\rفإنَّ الداءَ أكثر ما تراهُ ... يكونُ من الطعام أو الشراب\rفدَعْ عنك الكثيرَ فكم كثير ... يُعاف، وكم قليل مستطابِ؟\rوما اللُجَجُ المِلاح مُرَوِّياتٍ ... ويُلْفى الرّيُّ في النُّطَفِ العِذابِ\rباب المديح\rوقال رجل لخالدِ القسري: واللِّه إنك لتَبْذُل ما جل، وتجبر ما انفلّ، وتكثر ما قلِّ؛ ففضلك بديع، ورأيك جميع، تحفظ ما شَدَّ، وتؤلف ما نَدَّ.\rوسئِل أعرابي عن قومه، فقال: يقتلون الفَقْر، عند شدّة القرِّ، وأَرواح الشتاء، وهبوب الجِرْبِيَاء، بأسنمة الجَزور، ومُتْرَعَات القدور، تَهَشّ وجوهُهُم عند طلب المعروف، وتعبس عند لمعانِ السيوف.\rووصف أعرابي قوماً فقال: لهم جودُ كرام اتسعت أحوالها، وبَأْسُ ليوث تتبعُها أشبالُها، وهِممُ ملوكٍ انفسحت آمالُهَا، وفَخرُ آباء شَرُفَتْ أخوالها.\rوقال خالد بن صفوان، وقد دخل على بعض الوُلاَة: قدمت فأَعطيت كلاًّ بقِسْطِه من نظرك ومجلسك، وصوتك، وعَدْلِك، حتى كأنك من كلّ أحد، وحتى كأنك لست من أحد.","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"وذكر خالد رجلاً فقال: كان والله بديعَ المنطِق، ذَلِق الجرأة، جَزْل الألفاظ، عربيَّ اللسان، ثابت العقدة، رقيقَ الحواشي، خفيفَ الشفتين، بَلِيلَ الريق، رَحْبَ الشرف، قليل الحركات، خفيّ الإشارات، حُلْو الشمائل، حسن الطلاوة، حييَّا جريّاً؛ قؤولاً صموتاً، يفل الحز، ويصيب المفاصل، لم يكن بالهذر في مَنْطِقه، ولا بالزمر في مروءته، ولا بالخرق في خليقته، متبوعاً غير تابع، كأنه علمٌ في رأسه نار.\rوقال بعض البلغاء لرئيسه: إنَّ من النعمة على المُثْني عليك أنه لا يَأْمَنُ التقصير، ولا يخاف الإفراط، ولا يحذر أن تَلْحقه نقيصةُ الكذب، ولا ينتهي به المَدْحُ إلى غاية إلا وَجَد في فضلك عَوْناً على تجاوزها. ومن سعادةِ جَدِّك أن الداعي لا يعدم كثرةَ المشايعين، ومساعدةَ النيَّة على ظاهر القول.\rألفاظ لأهل العصر\rفي ضروب المَمَادح","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"قد وضعت كثرةُ التجارب، في يدهِ مرآةَ العواقب. قد نَجدَته صروفُ الدهور، وحنكَتْه مصايرُ الأمور. قد أرضعَتْه الحُنكَة بلبانها، وأذَبَثْه الدُّرْبَة في إبانها. فلان نوازلُ التجارب حنكته، وفوادِحُ الأيام عَرَكَتْه. هو عارف بتصاريف الأيام، آخذٌ برهان التجارب، نافذ في مجال التحصيل والتمييز. قد صحب الأيام، وتولّى، النقض والإبرام. هو ابنُ الدهر حُنْكةً وتجريباً، وعُوداً على الدهر صليباً، قد أَدّبه الليلُ والنهار، ودَارت على رأسه الأدوار، واختلفت به الأطوار. له همّة علا جناحُها إلى عنان النجم. وامتدَّ صباحها من شرق إلى غرب، لا يتعاظمه إشراف الأمر إذا أخطره بفكره، وانتساف الصّخْر إذا ألقاه في وَهْمه، هِمَّته أبعَدُ من مَناطِ الفرقد، وأعلى من منكب الجوزاء. أوسعُ من الأرض ذات العرض. هو حيّ القلب، منشرحُ الصّدْر، ذكيُّ الذهن، شجاعُ الطبع، ليس بالنؤوم، ولا السؤوم، فذّ فَرْد، وأَسد وَرْد، وكأنَّ له في كل جارحة قلباً. كأنّ قلبه عين، وكأن جِسْمَه سمع. شهابٌ مقدّم، وقِدْحٌ مقوّم. وهو شهمٌ مشدود النطاق، قائم على سَاق، قد جدّ واجتهد، وحشر وحَشَد، شمَّر عن ساق الجِدّ ما أَطاق، قد ركب الصعب والذلول، وتجشَم الحَزْنَ والسُّهُول، وقطع البر والبحر، وأعمل السيفَ والرمْحَ، وأسرجَ الدّهم والشهب. هو مولود في طالع الكمال، وهو جملة الجمال. قد أصبح عينَ المكارم، وزَيْن المحافل. هو فَرْدُ دهره، وشمسُ عَصْره، وزبْنُ مِصْره، وهو عَلَم الفضل، وواسطة عِقْدِ الدهر، ونادِرَة الفلك، ونكْتة الدنيا، وغُرَّة العصر. قد بايعته يَدُ المَجْد، ومالت به الشورى إلى النصر. فلان يزيدُ عليهم زيادةَ الشمس على البدر، والبحر على القَطْرِ. هو رائشُ نَبلهم، ونَبعَة فضلهم، وجُمَة وِرْدِهم، وواسطة عِقْدهم. هو صَدرُهم وبَدْرُهم، ومن عليه يدورُ أَمرُهم، ينيف عليهم إنافة صفحة الشمسِ على كُرةِ الأرض، كأنهم فلك هو قُطْبُه، وجَسَدٌ هو قَلبه، ومملوك هو ربُّهُ. هو مشهور بسيادتهم، وواسطة قِلادتهم. موضعه من أهل الفضل موضِع الواسطة من العِقد، وليلة التَمِّ من الشهر، بل ليلة القَدْر إلى مطلع الفجر. أَفضَل وأَنْعَم، وأَسدى في الإحسان وأَلحم، وأَسرَج في الإكرام وأَلجم، قسم من إنعامه ما يسَعُ أمماً، وتلقى السعادة أمَماً، أعطاه عنانَ الاهتمام، حتى استولَى على قَصَبِ المرام. رُدّ عنه الدهرُ أَحَصَّ الجناح، وملّكه مَقَادة النجاح. أولاه من معهود البرِّ ومألوفه، وقَصَّرت الأعداء عن مِئاتِه وأُلوفه. أولاه إسعافاً سمْحاً، وعطاء سحاً، ومنناً صفواً وعفواً. أفاض عليه شِعابَ البِرِّ ومَسَايِله، وجمع له شعوبَ الجميل وقبائله، وهطَلتْ عليه سحائبُ عنايته، ورفرفت حوله أجنحة رعايته. قد فكّه بكرمه من قَيْد السؤال، ومعرَّة الاختلال. رَاشه بعدما حضَه الفقر، وأَرضاه وقد أسخطه الدهر. ملأ العيونَ، وسهر دوننا لتحقيق الظنون. قد شِمتُ من كرمِه أكرم سحاب، وحصلت من إنعامه في أخصبِ جَناب. قد سدّ ثُلْمَة حالي، وأَدرَّ حَلُوبة آمالي. ما أخلو من طَل إحسانه ووابله، وغابر إنعامه وقابله. قد استمطرتُ منه بنَوْءٍ غزير، وسريتُ في ضوء قمر منير. قد كرعتُ من برِّهِ في مَشَارع تغزر ولا تنزُر، ورفَلْتُ من طَوْله في ملابس تطول ولا تقصُر. إقامته في ظلٍّ ظليل، وفَضْل جزيل، وريحٍ بليل، ونسيم عليل، وماء رَوِيّ، ومعاد وطيٍّ، وكنٍّ كنين، ومكان مكين. أنا آوي إلى ظلِّه كما يأوي الطير المذعور إلى الحرم، وأوَاجهُ منه وَجْهَ المجد وصورة الكرم. أنا من إنعامه بين خير مستفيض، وجاهٍ عريض، ونعم بيض. قد استظهرت على جَوْرِ الأيام بعَدْلِ، واستَترتُ من دهري بظلِّه. ما أرددُ فيه طَرْفِي وأعدّه من خالص ملكي مكتسب إلى عطائه، أو مكتَسَبٌ بجميل آرائه. مسافة بصري تبعد إن سافَرْتُ في مواهبه، وركائب فكري تَطْلَحُ إن أنضيتُها في استقراء صنائعه. نعمته نعمة عمَّت الأمم، وسبقت النعم، وكشفت الهموم ورفعت الهمم، نعمه قد سطع صباحُها مستنيراً، وطَنِبَ شعاعُها مستطيراً، قد عرفتني نِعَمُه حتى استنفدت شُكْرَ لساني ويدي وأتعبت ظهري، وملأت صَدْري. نِعَمُه عندي مشرفةُ الجوّ، مغرقة النوء، مونقة الضوء. تتابَعتْ نِعمُه تتابعَ القَطْر على القفر، وترادفت مِنَنُه ترادفَ الغني إلى ذوي الفقر. نِعمُه","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"أشرقَتْ بها أرضِي، ومُطِرَ بها رَوْضي، ووَرى لها زَنْدي، وعلا معها جَدِّي، وأتاني الزمانُ يعتذرُ من إساءته، وجاءني الدهرُ ينتظرُ أمري. نِعمَهُ أنعمت البالَ، وسرّت النفس والحال. نعم تعمُّ عمومَ المطر، وتزيدُ عليه بإفراد النفع عن الضرر. نعمٌ تَضْعف الخواطر عن التماسها، وتَصْغُر القرائح عن اقتراحها. له أيادٍ قد عمَّت الآفاق، ووسمت الأعناق، وأيادٍ قد حبست عليك الشكر، واستعبدت لك الحر. مِنَنٌ توالَتْ تَوَالي القَطْر، واتسعت سَعَةَ البرَّ والبَحْر، وأثقلت كاهل الحرِّ. عندي قلادة منتظمة من مِنَنه قد جعلتها وَقْفاً على نحور الأيام، وجلوتها على أبصار الأنام. أيادٍ يقصر عن حقوقها جهدُ القولِ، وتزهر فيها سواطع الإنعام والطَّوْل. أياديه أَطواق في أَجياد الأحرار، وأفلاك تدورُ على ذوي الأخطار. له مِنَن تضعف عن تحملها عواتق الأطواد، ويتضاعفُ حملها على السَّبْع الشداد، لو تحمل الثقَلان ثقلَ هذا الامتنان لأثقل كواهلَهم وأضعف عواتقَهم. أياد يفرض لها الشكر ويحتم، ومنن يبتَدأ بها الذكر ويُخْتَم. أياد تثقل الكاهلَ، ومِنَنٌ تُتْعِبُ الأنامل. مِنن تضعف مُنَنَ الشكر، وينشر معها قوى النشر، منن هي أحسن أثراً من الغيث في أزاهير الربيع، وأَحْلى موقعاً من الأمن عند الخائف المروع. إن أَتعبت نفسي في تعداد مننه وحَصْرِها فسأطمع في إحصاء السحاب وقَطْرِها. أياد لا تحصى أو تحصى محَاسِنُ النجوم، ومِنَن لا تحصر أو تحصر أَقطارُ الغيوم. أيادٍ كعدد الرمل والنمل، أعيت على العدّ، ولم تقف عند حد. زادَتْ أياديه حتى كادت تجهد الأعداد، وتسبق الإعداد. أَياديه عندي أغزر من قَطْرِ المطر، وعوارفه لديَّ أسرعُ من رَجْع البصر. رفعتني من قَعْر التراب، إلى سَمْك السحاب. استنبطه من الحضيض الأوْهَد، إلى السناء الأمجد، وقد نبهَهُ عن خمول، وأجرى الماءَ في عوده بعد ذبول، ورقاه إلى ذروَة من المجد بعد نزول. فضائل تزل أقدام النجوم لو وطِئَتْها، وتقصر هِمَمُ الأفلاكِ لو طلبتها، ثبتَ قدَمُه في المحلّ المنيف، ومكنَه من جوامع التشريف. جذب بِضَبْعِه منأشرقَتْ بها أرضِي، ومُطِرَ بها رَوْضي، ووَرى لها زَنْدي، وعلا معها جَدِّي، وأتاني الزمانُ يعتذرُ من إساءته، وجاءني الدهرُ ينتظرُ أمري. نِعمَهُ أنعمت البالَ، وسرّت النفس والحال. نعم تعمُّ عمومَ المطر، وتزيدُ عليه بإفراد النفع عن الضرر. نعمٌ تَضْعف الخواطر عن التماسها، وتَصْغُر القرائح عن اقتراحها. له أيادٍ قد عمَّت الآفاق، ووسمت الأعناق، وأيادٍ قد حبست عليك الشكر، واستعبدت لك الحر. مِنَنٌ توالَتْ تَوَالي القَطْر، واتسعت سَعَةَ البرَّ والبَحْر، وأثقلت كاهل الحرِّ. عندي قلادة منتظمة من مِنَنه قد جعلتها وَقْفاً على نحور الأيام، وجلوتها على أبصار الأنام. أيادٍ يقصر عن حقوقها جهدُ القولِ، وتزهر فيها سواطع الإنعام والطَّوْل. أياديه أَطواق في أَجياد الأحرار، وأفلاك تدورُ على ذوي الأخطار. له مِنَن تضعف عن تحملها عواتق الأطواد، ويتضاعفُ حملها على السَّبْع الشداد، لو تحمل الثقَلان ثقلَ هذا الامتنان لأثقل كواهلَهم وأضعف عواتقَهم. أياد يفرض لها الشكر ويحتم، ومنن يبتَدأ بها الذكر ويُخْتَم. أياد تثقل الكاهلَ، ومِنَنٌ تُتْعِبُ الأنامل. مِنن تضعف مُنَنَ الشكر، وينشر معها قوى النشر، منن هي أحسن أثراً من الغيث في أزاهير الربيع، وأَحْلى موقعاً من الأمن عند الخائف المروع. إن أَتعبت نفسي في تعداد مننه وحَصْرِها فسأطمع في إحصاء السحاب وقَطْرِها. أياد لا تحصى أو تحصى محَاسِنُ النجوم، ومِنَن لا تحصر أو تحصر أَقطارُ الغيوم. أيادٍ كعدد الرمل والنمل، أعيت على العدّ، ولم تقف عند حد. زادَتْ أياديه حتى كادت تجهد الأعداد، وتسبق الإعداد. أَياديه عندي أغزر من قَطْرِ المطر، وعوارفه لديَّ أسرعُ من رَجْع البصر. رفعتني من قَعْر التراب، إلى سَمْك السحاب. استنبطه من الحضيض الأوْهَد، إلى السناء الأمجد، وقد نبهَهُ عن خمول، وأجرى الماءَ في عوده بعد ذبول، ورقاه إلى ذروَة من المجد بعد نزول. فضائل تزل أقدام النجوم لو وطِئَتْها، وتقصر هِمَمُ الأفلاكِ لو طلبتها، ثبتَ قدَمُه في المحلّ المنيف، ومكنَه من جوامع التشريف. جذب بِضَبْعِه من المسقط المنحطّ، إلى المرفع المشتطّ.\rولهم في أدعية","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"من صدور الكتب تليق بهذه الأثنية والممادح\rأطال الله له البقاءَ، كطُول يدهِ بالعطاء، ومدَّ له في العمر، كامتداد ظلّه على الحُرّ، وأدام له المواهب، كما أفاض به الرغائب، وحرس لديه الفضائل؛ كما عوّذ به الشمائل. تولّى الله عني مكافأَته، وأَعان على الخير نيّته وفِعْله، وأصحب بقاءه عزّاً يبسطُ يديه لأوليائه على أعدائه، وكلاءةً تذبِّ عن ودائع منَنه عِنده، وزاد في نعمه وإن عظمتْ، وبلغه آمالَه وإن انفسحَتْ، ولا زال الفضلُ يأوي منه إلى رُكْنٍ منيع، وجنابٍ مريع. لا زالت الألسنُ عليه بالثناء ناطقة، والقلوبُ على مودّته متطابقة، والشهاداتُ له بالفضل متناسقة. لا زال يعطِف على الصادر والوارد، عَطْفَ الأم والوالد. أبقاه الله للجميل يُعْلِي معالَمه، ويَحْمي مكارِمَه، ويعمر مدَارِجَه، ويثمِّر نتائجه. أدام الله أيامَه التي هي أيام الفضائل ومواقيتها، وأزمان المآثر وتواريخها. أدامه الله للمواهب، ساميةَ الذوائب، موفِية على مُنْيَة الراجي وبغية الطالب. أبقاه الله للعطاء يفضه بين خدمه، والجمال يُفيضه على إنشاء نعمه، واللّه يتابعُ له أيامَ العلاء والغبطة، والنماء والبسطة، ليرتَع أنواع الخدم في رياض فواضلِه، ويَكْرَع أصنافُ الحشم في حياضِ مواهبه، واللَّهُ يبقيه طويلَ الذراع، مديد الباعِ، مليّاً بالاتصال والاصطناع. جزاهُ الله عن نعمةٍ هيّأها بعد أن أَسبغها، وعارفة مَلاها بعد أن سوّغها، أفضلَ ما جازى به مبتدئ إحسان، ومُجير إنسان، لا زال مكانُه مَصاناً للكرم، مَعاناً للنعم، لا تريمه المواهب، ولا ترومُه النوائب، بُسِطَت بالعلا يَدُه، وقُرِن بالسعادة جَده، وجُعل خيرُ يومَيْهِ غَدُه، ولا زالت الأيام والليالي مطاياه؛ في أمانيه وآماله وأيامه، وصَرَفَ صروف الغِيَرِ عن إصابة إقباله وكماله.\rوقال ابن المعتز في القاسم بن عُبيد الله: الطويل:\rأيا حاسداً يكوي التلهفُ قلبَهُ ... إذا ما رآه غازياً وَسْطَ عَسْكَرِ\rتصفَّحْ بني الدنيا فهل فيهمُ لهُ ... نظيرٌ ترى ثم اجتهدْ وتفكرِ\rفإن حدَّثَتْكَ النفسُ أنك مثلُه ... بنَجْوى ضلالٍ بين جنبيك مُضْمَر\rفَجُدْ، وأجد رأياً، وأقدم على العِدا ... وشُدَّ عن الإثمِ المآزِرَ واصبِر\rوعاصِ شياطين الشباب وقارع الن ... وائب وارْفَعْ صرعَةَ الضرّ واجبرِ\rفإن لم تطق ذا فاعذر الدهر واعْتَرِفْ ... لأحكامه واستغفرِ الله يغفرِ\rصناعة الكلام\rقال الجاحظ: صِناعةُ الكلام عِلْق نفيس، وجَوهرٌ ثمين، هو الكنز الذي لا يَفْنَى ولا يَبْلَى، والصاحبُ الذي لا يُمَلُّ ولا يُقْلَى، وهو العيارُ على كلّ صناعة، والزمامُ لكل عبارة، والقِسْطاسُ الذي به يَسْتبينُ نَقْصُ كلِّ شيء ورُجْحانه، والراوُوق الذي يُعْرفُ به صَفاءُ كلّ شيء وكَدَره، والذي كل عِلم عليه عِيَال، وهو لكلِّ تحصيل آلةٌ ومثال.\rوقال ابن الرومي: البسيط:\rما عُذْرُ معتزليّ مُوسرٍ منعَتْ ... كَفّاه مُعْتَزليّاً مِثْلَه صفَدا\rأيَزْعم القَدَر المحتوم ثبَّطَه ... إن قالَ ذاك فَقَدْ حل الَّذِي عَقَدا\rوقال ابن الرومي: الكامل:\rلذوي الجدال إذا غَدَوا لجدالهم ... حُجَجٌ تضلُّ عن الهدى وتَجُورُ\rوُهُنٌ كآنيةِ الزُّجاج تَصَادمتْ ... فهوَت، وكلٌّ كاسرٌ مَكْسورُ\rفالقاتِلُ المقتولُ ثَمَّ لِضَعْفه ... ولوهيِه، والآسرُ المَأْسُورُ\rوقال أبو العباس الناشئ يفتخر بالكلام الطويل:\rونحن أناس يَعْرفُ الناسُ فَضْلَنا ... بألسُنِنا زينتْ صدورُ المحافلِ\rتُنير وُجُوهُ الحقِّ عند جَوابِنا ... إذا أظلمتْ يوماً وُجُوهُ المسائلِ\rصمَتْنَا فلم نترُكْ مقالاً لصامتٍ ... وقُلْنَا فلم نتركْ مَقالاً لِقائل\rوقال يصفُ أصحابه: البسيط:\rفلو شَهِدْتُ مقاماتي وأنْدِيَتي ... يوْمَ الخصام وماءُ الموت يَطَّردُ\rفي فتيةٍ لم يلاق الناسُ مذْ وُجِدوا ... لهم شبيهاً ولا يُلْفَوْن إنْ فقدوا","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"مجاورو الفضل أَفْلاكُ العُلا سبل الت ... قوى محلّ الهدى عُمْدُ النّهى الوُطُدُ\rكأنهم في صدورِ الناسِ أفئِدَةٌ ... تحسنُ ما أخطئوا فيها وما عَمَدُوا\rيُبْدون للناس ما تخْفِي ضمائرهم ... كأنهم وَجَدُوا منها الذي وَجَدوا\rدلوا على باطنِ الدنيا بظاهرها ... وعِلْم ما غابَ عنهمْ بالذِي شَهدوا\rمطالع الحق ما مِن شبهَةٍ غَسِقتْ ... إلا وَمِنْهُمْ لدينا كوكبٌ يَقِدُ\rوقال سعيد بن حميد: الخفيف:\rقالت: اكتمْ هوايَ واكنِ عن اسمي ... بالعزيز المُهَيْمِنِ الجَبَّارِ\rقلت: لا أسْتَطِيع ذلك، قالت: ... صرْتَ بعدي تَقولُ بالإجْبَارِ\rوتخليْتَ عن مقالة بشرب ... ن غياث لمَذْهب النجَّارِ\rوقال أبو القاسم بن عباد الصاحب: الخفيف:\rكنتَ دهراً أقولُ بالاستطاعهْ ... وأَرى الجَبْرَ ضلَّةً وشَنَاعَهْ\rففقدت استطاعتي في هوى ظَب ... ي؛ فسمعاً للمُخبِرين وطَاعَه\rوقال أيضاً: الطويل:\rولما تناءَتْ بالحبيبِ دِيَارُهُ ... وصرْنا جميعاً من عِيَانٍ إلى وَهْمِ\rتمكَّن منِّي الشوقُ غير مُخالِسٍ ... كمعتزليّ قد تَمكَّنَ من خَصْمِ\rباب النسيب\rوأنشد محمد بن سلام بعضَ هذه الأبيات التي أنشدها، وزعم أنها لأبي كبير الهذلي، ورُويت ليزيد بن الطَّثرِيّة وغيره، والرواة يُدْخلون بعض الشعر في بعض، وهي: الطويل:\rعُقَيْلِيةٌ، أمَّا مَلاَثُ إزارِها ... فَوَعثٌ، وأمَّا خَصرها فبَتِيلُ\rتقَيَّظُ أكنَاف الحِمَى، ويُظِلّها ... بنَعْمان من وَادِي الأراك مَقِيلُ\rفيا خُلَّةَ النفس التي ليس دُونَها ... لنا من أَخلاّءِ الصفاءِ خَليلُ\rويا من كَتَمْنَا حُبَّه، لم يُطَعْ لَه ... عدوٌّ، ولم يُؤْمَنْ عليه دَخِيلُ\rأمَا مِن مقام أشْتَكي غُرْبةَ النوى ... وخَوْفَ العِدا فيه إليكِ سَبِيلُ؟\rأليس قليلاً نظرةٌ إنْ نظرتُها ... إليكِ؟ وكلا ليس مِنك قليلُ\rوإن عناءَ النفسِ ما دمت هكذاعَنُودَ النوى محجوبةً لطويلُ\rأراجعة قلبي عليّ فَرائح ... مع الرَّكبِ لم يكتب عليك قتيل\rفلا تحمِلي وِزْرِي وأنْت ضعيفةٌ ... فَحَمْلُ دمي يوم الحساب ثَقيلُ\rفيا جنَّةَ الدنيا، ويا مُنتهَى المنى ... ويا نُور عيني، هل إليك سبيلُ؟\rفديتكِ، أعدائي كثير، وشُقَّتي ... بعيدٌ، وأشياعي لديكِ قَلِيلُ\rوكنتُ إذا ما جئتُ جئتُ بعلَّةٍ ... فأفنيت عِلاّتي، فكيف أقول؟\rفما كل يوم لي بأرْضكِ حاجةٌ ... ولا كل يوم لي إليك رسولُ\rوأنشد ابنُ سلاّم لأبي كبير الهذلي: الطويل:\rوإني لمستَسْقٍ لها الله كُلّما ... لوى الدَّينَ مُعْتَل وشَحَّ غَريمُ\rسحائبَ لا من صَيِّبٍ ذي صَوَاعِق ... ولا مُحرقَاتٍ ماؤهنَّ حَمِيمُ\rولا مخلفات حين هِجْنَ بنَسْمَةٍ ... إليهنّ هوجاءُ المَهَبِّ عَقيمُ\rإذا ما هَبَطْنَ القاعَ قد ماتَ نَبْتُهُ ... بَكَيْنَ بهِ حتى يَعيش هَشِيمُ\rعمران بن حطان\rولمّا ظفر الحجَّاج بعمران بن حطان الشاري قال: اضربوا عُنُقَ ابن الفاجرة، فقال عمران: لبئسما أدّبكَ أهلُك يا حجّاج! كَيف أمنت أن أُجيبك بمثْلِ ما لقيتني به؟ أبعدَ الموت منزلةٌ أصانِعك عليها؟ فأطْرَق الحجاج استحياءً، وقال: خَلّوا عنه؛ فخرج إلى أصحابه، فتقالوا: والله ما أطْلَقك إلا الله، فارْجِعْ إلى حَرْبه معنا، فقال: هيهات! غلَّ يداً مطلقها واسترقَّ قبةً مُعْتِقُها! وأنشد: الكامل:\rأأقاتل الحجاجَ عن سُلْطَانِه ... بيدٍ تُقرّ بأنها مَوْلاتُهُ؟\rإني إذاً لأخُو الدناءة، والذي ... عَفَّتْ عَلَى عرفانِهِ جَهلاتُهُ","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"ماذا أقول إذا وقفت مُوَازِياً ... في الصفِّ واحتجَّتْ له فَعَلاتُهُ؟\rوتحدَّثَ الأكْفَاء أنَّ صنَائعاً ... غُرِسَتْ لدَيّ فحَنْظَلَتْ نخَلاتُه\rأأَقول جار علي؟ إني فيكُم ... لأحقّ مَنْ جارَتْ عليه وُلاَته\rتالله ما كدت الأمير بآلةٍ ... وجوارحي وسِلاَحها آلاَتُه\rأخذ أبو تمام هذا فقال معتذراً إلى أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي: الطويل:\rأألبِسُ هُجْرَ الْقولِ مَن لو هَجَوْتهُ ... إذاً لهجَاني عنه معروفُه عِنْدِي\rكريم متى أمْدَحْه أمدحه والورَى ... مَعِي، وإذا ما لمْتُه لُمْتُه وَحْلِمي\rوعمران بن حطان هو القائل: البسيط:\rلم يعجز الموتَ شيءٌ دون خالقهِ ... والموتُ فَانٍ إذا ما غَاله الأَجَلُ\rوكلّ كرب أمامَ الموتِ مُنْقَطِعٌ ... بالموت، والموتُ فيما بعدُه جَلَل\rوكان الفرزدَقُ عمل بيتاً، وحلف بالطلاق أنَّ جَريراً لا ينقضه، وهو: الطويل:\rفإنّي أنا الموتُ الذي هو نازلٌ ... بنفسك فانظُرْ كيف أنْتَ مُحَاولُهْ\rفاتصل ذلك بجرير، فقال: أنا أبو حَزْرَة، طلقت امرأةَ الخبيث، وقال: الطويل:\rأنا الدَهْرُ يُفْنِي الموتَ والدهرُ خالِدٌ ... فجئْنِي بمثلِ الدهرِ شيئاً يُطاوِلُهْ\rوإنما أشار جرير إلى قول عمران.\rوهو عِمْران بن حِطَان بن ظبيان بن سهل بن معاوية بن الحارث بن سدوس بن سنان بن ذهل بن ثعلبة، ويكنى أبا شهاب، وكان من الشُراة، وكان من أَخطب الناس وأَفْصَحهم، وكان إذا خطب ثارت الخوارُج إلى سلاحها، وكان من أقبح الناسِ وَجْهاً، قالت له امرأته وكانت في الجمال مثله في القبح: إني لأرجو أن أكون وإياك في الجنة؛ لأن الله رزقك مِثْلي فشكرت، وابتلاني بمثلك فصبرت!.\rبين أعرابي وبعض الولاة\rودخل أعرابي على بعض الوُلاة فقال: أصْلَحَ الله الأمير، اجعلني زِماماً من أزمَّتك، فإني مِسْعَر حَرْبٍ، ورَكَّاب نُجُب، شديدٌ على الأعداء، ليِّنٌ على الأصدقاءِ، منطوي الحصيلة، قليلُ الثَّمِيلة، قليل غرار النوم، قد غذَتْني الحروبُ أفَاوِيقها، وحَلَبْتُ الدهرَ أشْطُره، فلا يَمْنَعْكَ مني الدَّمَامة، فإنّ تحتَها لشَهَامة.\rالدنيا وأهلها\rقال المسيح عليه السلام: الدُّنْيَا لإبليس مزرعة، وأهلها له حُرَّاث. وقال إبليس لعنَه اللّه: العجَب لبني آدم يحبُّونَ الله ويَعْصونَه، ويُبغضونني ويطيعونني.\rأربع كلمات فيهن صلاح الملك\rخرج الزهري يوماً من عند هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيتُ كاليومِ، ولا سمعت كأربع كلمات تكلَّم بهنّ رجلٌ عند هشام؛ دخل عليه فقال: يا أميرَ المؤمنين، اِحفظْ عني أرْبَع كلمات، فيهنّ صلاحُ مُلْكك، واستقامةُ رعيّتِك. قال: هاتهنَّ؟ قال: لا تَعِدن عِدةً لا تَثِقُ من نفسك بإنجازها، ولا يغرَّنك المرْتَقَى وإن كان سَهْلاً إذا كان المُنحَدرُ وَعْرأ، واعلمْ أن للأعمال جزاءً فاتّقِ العواقبَ، وأنَّ للأمورِ بَغَتَاتٍ فكُنْ على حذَر.\rقال عيس بن دَأْب: فحدَّثت بهذا الحديث الهادي وفي يده لُقْمة قد رفعها إلى فِيهِ فأمسكها، وقال: ويحك أعِدْ عليّ! فقلت: يا أمير المؤمنين، أَسِغْ لقْمتك، فقال: حديثك أحب إليّ.\rبيعة يزيد\rولمّا عقد معاويةُ البيْعَةَ ليزيدَ قام الناسُ يخطبون؛ فقال لعمرو بن سعيد: قمْ يا أبا أمية، فقام فحمد الله وأثنى عليهِ ثم قال: أمّا بعد، فإنّ يزيد بن معاوية أجلٌ تؤمونه، أملٌ تؤملونه، إن استضفتم إلى حِلْمه وَسِعَكم، وإن احتجْتُم إلى رَأْيه أَرشدكم، وإن افتقرْتم إلى ذاتِ يده أعناكم، جَذَع قَارح، سُوبِق فسَبَقَ، ومُوجِدَ فمَجَدَ، وقُورع فقَرَعَ، وهو خَلف أمير المؤمنين، ولملا خلف عنه، فقال له معاوية: اجلس، فقد أَبْلَغْتَ.\rوعَمرو بن سعيد هذا هو الأَشْدَق، وإنما سُمي الأشدق لتشادقه في الكلام، وقيل: بل كان أَفْقم مَائل الشدق، وهذا قول عوانة بن الحكم الكلبي، وهو خَلافُ قول الشاعر: الطويل:\rتشادق حتى مال في القول شدقةُ ... وكل خَصيبٍ لا أباً لكَ أشْدَقُ\rوكان أبوهُ سعيد بن العاصِ أَحدَ خطباء بني أمية وبلغائهم.","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"ولما ماتَ سعيد دخل عمرو على معاوية فاستَنطَقه فقال: إن أوَّل كل مركب صَعب، وإن مع اليوم غداً، فقالَ معاوية: وفي هذه العلّة إلى من أَوصى بك أبوك. قال: أوصى إليّ ولم يُوصِ بي، فقال معاوية: إن ابن سعيد هذا لأشدق!.\rتواضع الرشيد\rقال ابن السماك للرشيد: يا أميرَ المؤمنين، تواضُعُك في شرفك أفضَلُ من شرفك؛ إنَّ رجلاً آتاه الله مالاً وجَمَالاً وحَسَباً، فواسَى في مَالِه، وعفَّ في جماله، وتَواضعَ في شربِه، كُتب في ديوان الله عزّ وجلّ.\rالمتنبي يصف علِّة أصابته بمصر\rنالت أبا الطيب المتنبي علَّة بمصر، فكان بعض إخوانه من المصريين يُكثر الإلمامَ به؛ فلمَّا أبلَّ قطعه، فكتب إليه: وصلْتَني، أعزك الله، مُعتلاً، وقطعتني مُبِلاًّ، فإن رأيت ألا تَكْدُر الصحةُ عليّ، وتحبّب العلّة إليّ، فَعَلْتَ.\rوفي هذه العلّة يقول: الوافر:\rأقمتُ بأرضِ مِصْرَ؛ فلا ورائي ... تَخُبّ بيَ الرِّكابُ، ولا أمامي\rعَليلُ الجِسْمِ مُمْتَنِعُ القيامِ ... شديدُ السُّكْرِ من غيرِ المُدَامِ\rوزائِرَتِي كَأنّ بها حَياءً ... فلَيْسَ تَزُورُ إلا في الظَّلامِ\rبَذَلْتُ لها المَطارِفَ والحَشايَا ... فعافَتهَا، وباتَتْ في عِظامِي\rيضيق الجِلْدُ عن نَفَسِي وعنها ... فتُوسِعُهُ بأنواعِ السقَامِ\rإذا ما فارقَتني غسّلَتْني ... كأنا عاكِفانِ على حَرَامِ\rكأنَّ الصبح يَطْرُدها فَتَجْرِي ... مَدامِعُها بأربعةٍ سِجَام\rأُراقِبُ وَقْتَها مِنْ غيرِ شَوقٍ ... مُراقَبةَ المَشُوقِ المُسْتَهامِ\rويَصْدُقُ وَعْدُها والصِّدْقُ شَرٌّ ... إذا ألقاكَ في الكُرَبِ العِظامِ\rألفاظ لأهل العصر في العيادة وما جانسها\rمن ذكر التَّشَكّي والمرض وتلوّنه، وسوء أثره، والانزعاج لِعوارضه:\rعرض لي مرضٌ أساء بالنجاة ظنّي، وكاد يصرف وجه الإفاقة عني، هو شُورى بين أمراض أربعة: صُدَاع لا يخفّ، وحُمّى لا تُغِبُّ، وزُكَام لا يجفّ، وسُعال لا يَكُفّ. علّة هو في أسْرِها مُعتَقل، وبقَيْدِها مُكبل. أمراض تلوَنت عليَّ، وأساءت بي وإليّ، فأنا أشكرُ اللّه تعالى إذ جعلها عِظة وتذكيراً، ولم يُبْقِ منها الآن إلا يسيراً، أحسب أن الأمراض قد أقسمت على أن تجعل أعضائي مَرَاتعها، واَلت على أن تُصيّر جوارحي مرابِعَها. عِلَل لا يصدر منها آتٍ إلا لتكدير وِرْد ولا يعزل منها والٍ إلا بولي عهد. قد كرَّت تلك العلة فعادت عِللاً، وسقتني بعد نَهَل عَلَلاً. علل بَرَتْه بَرْي الأخلّة، ونقصته نَقْصَ الأهلّة، وتركته حَرَضا، وأوسَعَتْهُ مَرَضاً، وغادرته والخيالُ أَكثَفُ من جُثّة، والطيفُ أَوفر منه قُوّة. عرض له من المرض ما صار معه القنوطُ يُغَاديه ويُراوِحه، واليأس يُخاطبه ويُصَافحه. قد ورَدَ من سوء الظنّ أَوْخمَ المناهل، وبات من حسن الرجاء على مرَاحل. طالعتُ الكرم يترجَّح نجمه بين الإضاءة والأفول، وتمثلُ شمسه بين الإشراق والغروب. أصبح فلانٌ لا يُقل رأسَه، ولا يحور ظلّه، ويدُ المنية تَقْرَع بابه. ما هو للعلّة إلا عَرض، ولسهام المنيّة إلا غَرَض. شاهدتُ نفسي وهي تَخرج، ولقيت رُوحي وهي تَعْرُج، وعَرفت كيف تكون السكْرة، وكيف تقع الغَمْرة، وكيف طَعْمُ البعد والفراق، وكيف تلتفُّ الساق بالساق. مرض لحقتني رَوْعته، وملكتني لَوْعته. وجدت في نفسي ألماً أوْحَشُهُ آنَسُه، وَآنَسُه أوحشُه. بلغني من شكايته ما أَوحش جناب الأُنس، وأَرَاني الظلمة في مَطْلع الشمس. قد بلغني ما عَرَضَ لك من المرض، وألمّ بك من الألم، فتحاملَ على سوداء صدري، وأقْذَى سوادَ طَرْفي، وقد استنفد القَلَق لعلَّتك ما أَعدّه الصبرُ من ذخيرة، وأضعف ما قواه العزم من بصيرة. قَلْبي يتقلّب على حدِّ السيف إلى أن أعْرف انكشافَ العارض وزِيَاله، وأتحقّق انحساره وانتقاله. أنهى إليّ من الخبر العارض، حسمَ الله مادَّته، وقصَّر مدَّته، ما أراني الأفق مُظْلماً، والعيش مُبْهَماً.\rفقر في تهوين العلّة بحسن الرجاء\rوذكر المشاركة والاهتمام بحُلُولها والاستبشار بزوالها:","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"إنّ الذي بلغني من ضَعْفِه قد أضعف المنَّة، وإنْ لم يُضعف الظنَّ باللّه والثِّقة. قد استشفَّ العافية من ثوب رقيق. ما أكثر ما رأينا هذه العلل حَلَّتْ ثم تَجلّتْ وتوالت ثم تولّت. خبَّرني فلان بعلّتك فأشركني فيها ألماً وقلَقاً، فلا أَعَل الله لك جسماً ولا حالاً، فليست نِكَاية الشغل في قلبي بأقلّ من نِكَايةِ الشكايةِ في جسمك، ولا استيلاء القَلَقِ على نفسي بأيسر من اعتراضِ السّقم لبدنك، ومَنْ ذَا الذي يصحُّ جسمه إذا تألّمت إحدى يديه، ومن يحل محلّها في القرب إليه؟ أنا منزعج لشَكَاتك، مبتهج بمُعَافاتك، إن كانت علَتك قد قَرَحَت وجرَحتْ، فإنّ صحتك قد آسَت وآنست. بلغتني شَكَاتك فارْتَعْت، ثم عرفت خِفّتها فارْتَحْت. الحمد للّه على قُرْبِ المدة بين المِحْنَة والمِنْحة، والنقمة والنعمة، وعلى أنّا لم نتهالك بأيدي المخافة حتى تدارك بحُسْنِ الرأفة، ولم نستسلم لخطّة الحذر حتى سَلمَ من وَرْطَة القدر.\rولهم في شكاة أهل الفضل والسؤود\rشكاتُه التي تتألَم منها المروءةُ والفضل. ويسقم منها الكرم المحْضُ. شكاته التي غَضَت بها حلوقُ المَجْدِ، وحَرِجَت لها صدورُ أهل الأدب والعلم، وبدا الشحوبُ معها على وَجْه الحرية، وحرم معها البِشْرُ على غُزَة المروءة. قد اعتل بعلَّته الكَرَم، وشكا بشكايته السيفُ والقلم. شكاة عرضت منه لشَخص الكرم الغضَّ، والشرف المَحْض. لو قبلت مهجتي فديةً، دون وَعكَة تجدها، لَجُدتُ بها، وساعة أنس تفقدها لبذلتها، عالماً بأني أفْدِي الكرم لا غير، والفضل ولا ضَير.\rولهم في تنسُّمِ الإقبال وذكر الإبلال\rقد شمْت بارِقَة العافية، وشَمِمْت رائحةَ الصحة. أقبل صنع الله من حيث لم أَحتسب، وجاءني لطْفه من حيث لا أرْتقب؟ وتدرّجْت إلى الإبلال وقد حسبته حلْماً، ورضيت به دون الاستقلال غُنماً وقد تخلَصت إلى شَطِّ العافية لما تداركني الله تعالى بلطيفة من لطائفه وجعل هبة الروح عارِفة من عَوَارفه، وتنسمت روح الحياة؟ بعد أن أَشْفَيث على الوفاة، وثنيْت وجهي إلى الدنيا بعد مواجهتي للدار الأخرى. قد صافَحَ الإقبال والإبلال، وقارب النهوض والاستقلال. سيُرِيك الله من العافية التي أذاقك ويُسْبغ. ثوبها، ولا يعيد عنيد مكَروهَها. قد استقلَّ استقلالَ السيف حودثَ عهدُه وأعِيد فِرنْدُه، والقمر انكشف سِرَارُه، وذاعت أَسراره. حين استقلّت يدي بالقلم، بشَرتك بانحسار الألم. قد أتاك الله بالسلامة الفائضة، وعافاك من الشكاة العارضة. أبلَّ فانشَرَحَت الصدور، وشمل السرور. الحمد للّه الذي حرس جِسْمَك وعافاه، ومحا عنه أثرَ السقم وعَفّاه. الحمد للّه الذي جعل العافيةَ عقْبى ما تشكيت، والسلامة عِوَضاً عمّا عايَنت. الحمد لله الذي أعفاك من مُعَاناة الألم. وعافاك للفَضْلِ والكرم، ونظمني معك في سِلكِ النعمة، وضمَني إليك في مُنْبلج الصحَّة. الحمد للّه الذي جعل السلامةَ ثوبك الذي لا تنضوه، وسيفك فيما تأمله وتَرْجُوه. الله يَجْعَل السلامةَ أطول برْدَيك، وأشدّهما سُبوغاً عليك، ويدفع في صدوره المكارِم دون ربعك، وفي نحور المحاذير قبل الانتهاء إلى ظلّك. لا زالت العافية شِعَارَك، ما واصل ليلُكَ نهارَكَ.\rفقر في أدْعية العيادة والاستشفاء بكتبها\rأَغناك الله عن الطبِّ والأطباء، بالسلامة والشفاء، وجعله عليك تَمْحيصاً لا تنغيصاً، وتذكيراً لا نكيراً، وأدباً لا غضباً. الله يدرُّ لك صَوْبَ العافية، ويُضفي عليك ثوبَ الكفاية الوافية. أوْصَل الله تعالى إليك من بَردِ الشفاء ما يكفيك حَرَّ الأدواء. كتابك قد أَدَّى رَوْحَ السلاِمة في أعضائي، وأَوصَل بَردَ العافية إلى أحشائي. تركني كتابك والنعم تَثِب إلى صحتي، والخطوب تتجافى عن مُهجتي، بعد أمراضٍ اكتنفت، وأسقام اختلفت. قد استبق كتابك والعافية إلى جسمي كأنهما فرَسَا رِهَان تباريا، ورَسيلا مِضْمَار تجاريا. أبدلني كتابُك من حزون الشكايه شهُولَ المعافاة، ومن شدَّة التألّم، رخاءَ التنعم.\rقطعة من كلام الأطباء والفلاسفة\rالعاقل يترك ما يحبُّ ليستغنيَ عن العلاج بما يكره.\rجالينوس: المرض هَرَم عارِض، والهَرَم مرضٌ طبيعي.\rوله: مجالسة الثقيلِ حُمَّى الروح.\rبختيشوع: أكلُ القليل ممّا يَضرُّ أصلح من أكل الكثير مما ينفع.","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"يحوحنا بن ماسويه: عليك من الطعام بما حَدُث، ومن الشراب بما قَدُم.\rوقال له المأمون: ما أَحْسَنُ ما يُتنقّل به على النبيذ؟ قال: قول أبي نواس، يريد قوله: المنسرح:\rالحمد للّه ليس لي مَثَلُ ... خمري شرابي وَنَقْليَ القُبلُ\rثابت بن قُرة: ليس شيء أضرّ بالشيخ من أن تكونَ له جارية حسناء، وطبّاخ حاذق؛ لأنه يُكثر من الطعام فيَسقَم، ومن الجماع فيَهْرَم.\rغيره: ليس لثلاث حيلة: فقرٌ يخالِطُه كسل، وخصومة يخامرها حَسَد، ومرضٌ يمازِجه هرم.\rثلاثة يجب مداراتهم: السلطان، والمريض، والمرأة.\rثلاثة يُعْذَرون على سوء الخلق: المريض، والمسافر، والصائم.\rفقر في ذكر المرض والصحة والموت\rوالحياة لغير واحد:\rشيئان لا يُعرفان إلا بعد ذهابهما: الصحة والشباب. بمرارة السقم توجد حلاوةُ الصحة. هذا كقول أبي تمام: الطويل:\rإساءة دَهْرٍ أذْكَرَت حسْنَ فِعلِهِ ... إليَّ، ولولا الشَرْيُ لم يُعْرَفِ الشَّهْدُ\rوقوله أيضا: الكامل:\rوالحادثاتُ وإنْ أصابك بُؤْسها ... فهو الذي أدْراك كيفَ نعيمُها\rما سلامةُ بدن معرّض للآفات، وبقاء عمر معرض للساعات؟ قال أبو النجم: الرجز:\rإنَّ الفتى يصبح للسقام ... كالغَرض المنصوب للسّهام\rأخطأ رامٍ وأصابَ رَام\rوقيل لبعض الأطباء وقد نهكته العلّة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان الداء من، السماء بطل الدواء، وإذا قدّر الرب بطل حَذَرُ المربوب، ونِعْمَ الدواء الأمل، وبئس الداء الأجل.\rبزرجمهر: إنْ كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثل الحياة فالغِنَى، وإن كان شيء مثل الموت فالفقر.\rغيره: خير من الحياة ما لا تطِيبُ الحياةُ إلا به، وشرٌّ من الموت ما يُتمنَّى الموت له.\rقال المتنبي في مرثية سيف الدولة: الوافر:\rأطَابَ النفْسُ أنكِ مُتِّ مَوْتاً ... تَمَنَّتْهُ البَواقِي والْخَوَالِي\rوزُلْتِ ولم تَرَيْ يوماً كريهاً ... تُسَرُّ النَفْسُ فِيهِ بالزوالِ\rرِوَاقُ العِزِّ فَوْقَكِ مُسْبَطِرّ ... ومُلْكُ عليٍّ ابنِكِ في كمَالِ\rالموت باب الآخرة.\rالحسن: ما رأيتُ يقيناً لا شكّ فيه أشبه بشكٍّ لا يقين فيه من الموت.\rابن المعتز: الموت سَهْمٌ مُرْسَل إليك، وعمرك بقدر سفره نحوك. أخذه بعض أهل العصر فقال: مجزوء الكامل:\rلا تَأْمَن الدهرَ الخؤو ... ن وخَفْ بوادرَ آفَتِهْ\rفالموت سَهْمٌ مُرْسَلٌ ... والعمرُ قَدْر مسافَتِهْ\rالبستي: الخفيف:\rلا يغرنْكَ أنني ليّنُ المسّ فعزمي إذا انتضيتُ حُسام\rأنا كالورد فيه راحةُ قَوْمٍ ... ثم فيه لآخرين زُكَام\rوقال آخر: الكامل:\rإن الجهولَ تضرُّني أخلاقهُ ... ضرر السُّعال لمن به استسقاءُ\rولآخر، وهو البستي: البسيط:\rفلا تكن عَجِلاً في الأمر تطلبهُ ... فليس يحمد قبل النّضج بُحرَانُ\rوقال آخر: الكامل:\rلا تعتمِدْ إلاَّ رئيساً فاضلاً ... إنّ الكبار أطبُّ للأَوجاع\rوقال آخر: المتقارب:\rوإني لأخْتَصُّ بعض الرجال ... وإن كان فَدْماً ثقيلاً عَبَاما\rفإن الجُبُنَّ على أنهُ ... ثقيل وخيمٌ يُشَهّي الطعاما\rوقال المتنبي: البسيط:\rلعلَّ عَتْبَكَ محمودٌ عواقبُهُ ... وربّما صحَّتِ الأجسامُ بالْعِلَلِ\rوقال أيضاً: البسيط:\rأُعِيذُها نَظَرات مِنْكَ صادِقةً ... أنْ تحْسِبَ الشَحْمَ فيمَنْ شَحمُهُ وَرَمُ\rالجواب المفحم","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"قال أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي: كان بلالُ بن أبي بردة جَلْداً حين ابْتُلي، أحضره يوسف بن عمر في قيودِه لبعض الأمر، وهُم بالحِيرة؛ فقام خالدُ بن صفوان فقال ليوسفَ: أيها الأميرُ، إنّ عدو الله بلالاً ضربني وحَبَسني ولم أفارِق جماعة؛ ولا خلعْتُ يداً من طاعة، ثم التَفت إلى بلالٍ فقال: الحمدُ للّه الذي أَزال سلطانَك، وهدَّ أركانك، وأَزال جَمالك، وغيَّر حالك، فوالله لقد كنتَ شديدَ الحجاب، مستخفاً بالشريف، مظهراً للعصبية! فقال بلال: يا خالد، إنما استطلت علي بثلاث معك هن عليَّ: الأمير مُقْبِل عليك، وهو عني مُعْرِض. وأنت مُطلَق، وأنا مأسور. وأنت في طينتك، وأنا غريب! فأفحمه، ويقال: إن آل الأهتم زعنفة دخنت في بني منقر فانتسبت إليهم.\rوكان سبب ضرب بلال خالداً في ولايته أنّ بلالاً مَرَّ بخالد في موكب عظيم، فقال خالد: الطويل:\rسحابة صيفٍ عن قليل تَقشَّعُ.\rفسمعه بلال، فقال: والله لا تقشع أو يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر بِضَربه وحَبْسِه.\rما قيل في القداح\rوقال أبو الفتح كشاجم يرثي قَدَحاً له انكسر: المتقارب:\rعَرَاني الزمانُ بأحْدَاثه ... فبعضاً أطَقْتُ، وبعضٌ فَدَح\rوعندي فَجائع للحادثات ... وليس كفجعَتِنا بالقَدَحْ\rوِعاءُ المُدَام، وتاجُ البنان ... ومُدْنِي السرور، ومُقْصِي التَّرَحْ\rومعرض رَاحٍ متى تكسه ... ويُستودع السرَّ منها يبحْ\rوجسم هواءً وإن لم يكن ... يُرَى للهواء بكفّ شَبحْ\rيردُّ على الشخْصِ تمثالهُ ... وإن تتخِذْه مِرَاةً صَلح\rويَعْبَقُ من نكهاتِ المُدَام ... فتحسب منه عَبِيراً نَفَحْ\rورَقَّ. فلو حلَّ في كِفّةٍ ... ولا شيء في أخْتِها ما رَجَحْ\rيكادُ مع الماء إن مسّه ... لما فيه ممن شكله ينفسح\rهوَى من أَنامل مجدولةٍ ... فيا عجباً مِنْ لطيفٍ رَزَح\rفأَفْقَدَنِيه على ضِنّةٍ ... به للزمان غَرِيم مَلحْ\rكأنّ له ناظراً ينتقي ... فمتى يَتعَمَّدُ غَيْرَ المُلحْ\rأقلَبُ ما أبقتِ الحادثا ... ت منه وفي العين دَمْعٌ يسُح\rوقد قدح الوجد مني بهِ ... على القَلْبِ من ناره ما قدح\rوأعجب من زمن مانح ... وآخرَ يسلب تلك المِنَحْ\rفلا تبعدنّ فكم من حَشاً ... عليك كَلِيمٍ وقَلْب قَرِحْ\rسيُقفرُ بعدك رَسم الغبُوق ... وتُوحِش منك مغَاني الصّبحْ\rومن أحسن ما قيل في وصف قدح، ابن الرومي يصف قدحاً أهداه إلى علي بن يحيى المنجم: الخفيف:\rوبديعٍ من البدائع يَسْبِي ... كلَّ عقل، ويَطَّبي كلَّ طَرْفِ\rرَقّ في الحسنِ والملاحةِ حتى ... ما يوفّيه واصفٌ حق وَصْفِ\rكفم الْحِبّ في الملاحة بل أَش ... هى وإن كان لا يناجي بحرْفِ\rتنفذ العينُ فيه حتى تراها ... أخطأَتْه من رِقَّةِ المستشَفِّ\rكهواء بلا هباء مشُوب ... بضياءٍ، أًرْقِقْ بذاك وأصْفِ\rصِيغ من جوهر مصفًّى طباعاً ... لا علاجاً بكِيمِيَاء مُصَفّ\rوسط القَدْرِ، لم يكبَّر لِجَرْع ... مُتوالٍ، ولم يصغَّر لرَشْفِ\rلا عجول على العقول جَهولٌ ... بل حليم عنهنَّ في غير ضعفِ\rفيه نون معقرب عطَّفَتْه ... حكَمَاءُ القيون أحكم عَطْفِ\rمثل عطف الأصداغ في وجَنَاتٍ ... من حبيب يُزْهى بحُسْنٍ وظرْفِ\rما رأى الناظرون قدّاً وشكلاً ... مثله فارِساً على بطن كَفِّ\rوقال أبو القاسم التنوخي: المتقارب:\rوراحٍ من الشمس مخلوقةٍ ... بَدَتْ لك في قَدَح من نهارْ\rهواءٌ ولكنه جامدٌ ... وماءٌ ولكنه غير جَارْ","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"إذا ما تأمّلتها وهي فيه ... تأمَّلت نوراً محيطاً بِنَارْ\rفهذا النهاية في الابيضاضِ ... وهذا النهاية في الاحمرارْ\rوما كان في الحقّ أن يُقرَنا ... لفَرْطِ التَّنافِي وبعد النِّفَارْ\rولكن تجاور شكلاهما ال ... بسيطَانِ فاتَّفقا في الْجِوارْ\rكأَنَّ المديرَ لها باليمين ... إذا قام للسَّقْي أو باليَسار\rتدرّعَ ثوباً من الياسمِين ... له فَرْدُ كُمٍّ مِنَ الجلّنار\rنماذج شعرية في وصف منديل وثلج\rوقال أبو الفتح كشاجم يرثي منديل كُمّ: السريع:\rمن يَبْكِ من وَجْدٍ على هالكٍ ... فإنما أَبْكِي عَلى دَسْتَجَهْ\rجاذَبَنِيْها رَشأٌ أَغْيَدٌ ... فجادتِ النفسُ بها محرَجَهْ\rبديعةٌ في نَسْجِها، مثلها ... يفقد من يحسِن أَنْ يَنْسُجَهْ\rكأنما رِفَةُ أشكالِها ... من رقةِ العشاق مُستَخْرَجهْ\rكأنما مفتولُ أهدابِها ... أيدي دَبَى في نَسَقٍ مُزْوجَه\rكأنما تفريقُ أعلامها ... طَاوُوسة تخْتَال أو دُرّجهْ\rلَبيسَةٌ جَدَّدَها حُسْنُها ... لا رَثه السِّلْكِ ولا مُنْهَجه\rكم رقعةٍ من عند مَعْشُوقةٍ ... تُرْسَلُ في أثنائها مُدْرَجَه\rأو مسحة من شَفَةٍ عَذْبَة ... تُبْردُ حرّ الكَبِدِ المُنضَجَه\rإلى تحياتٍ لِطافٍ بها ... تُسْكِنُ مني مُهْجَةً مُزْعَجه\rكانت لمَسحِ الكأس حتى ترى ... منها لآثارِ القذَى مخرجه\rوخاتمي يُعْقَدُ فيها إذا ... آثرتُ مِنْ كفيَ أن أخْرِجَه\rوأتَّقي الجامَ بها كلّما ... كلّله المازجُ أو تَوَّجَه\rفاستأْثَرَ الدَّهْر بها؛ إنهُ ... ذو همَّة مُجْلِية مُرْهجَه\rفأَصْبَحَتْ في كَمّ مُخْتَالَةٍ ... مُلجمَة في هَجْرِنا مُسْرجَه\rوقال أيضاً يصف سقوط الثلج: الكامل:\rالثلج يَسْقُط أم لُجَيْنٌ يُسْبَك ... أمّ ذا حَصَا الكافورِ ظَلَّ يفرَّكُ؟\rراحت به الأرضُ الفضاء كأنها ... في كل ناحية بثغرِ تضحَكُ\rشابت مَفارقُهَا فبيّن ضِحْكها ... طوراً، وعهدي بالمَشيب يُنَسكُ\rأرْبى على خُضر الغصون فأصبحَتْ ... كالدرِّ في قُضُب الزبرجدِ يُسلك\rوتردَّتِ الأشجارُ منه مُلاءةً ... عمَّا قليل بالرياح تَهَتَّكَ\rكانت كعودِ الهند طُرِّيَ فانكفى ... في لَونِ أبيضَ وهو أسود أحلكُ\rوالجوُّ من أَرَجِ الهواء كأنهُ ... خِلَعٌ تُعَنبَرُ تَارةً وتُمَسِّكُ\rفخذِي من الأوتار حظَّك إنما ... يتحرَّك الإطرابُ حين تحرَّكُ\rفاليوم يوزَنُ بالملاحة، إنهُ ... سيُطَلُّ فيه دَمُ الدَنان ويُسْفَكُ\rوقال أيضاً: المنسرح:\rباكر فهذي صَبِيحةٌ قَرَّهْ ... واليوم يومٌ سماؤه ثَرَّهْ\rثَلْج وشمس وصَوْبُ غَادِيَة ... والأرضُ من كل جانب غُرَّهْ\rباتَتْ وقيعانها زَبَرْجَدَةٌ ... فأصبحَت قد تحوّلت دُرَّه\rكأنها والثلوجُ تضحكها ... تُعَارُ ممن أحِبِّه ثَغْره\rكأنَّ في الجو أيدياً نَثَرَتْ ... دُرَّاً علينا فأسرعت نثره\rشابَتْ فسُرَّتْ بذاك وابتهجَتْ ... وكان عهدي بالشيب يُسْتَكْرَه\rقد جلّيت بالبياض بلدتنا ... فاجْل علينا الكؤوسَ بالحُمْرَه\rوقال الصنوبري: مجزوء الكامل:\rذَهِّب كؤوسك يا غلا ... م فإنَّ ذَا يومٌ مفَضَّضْ\rالجوُّ يُجلى في البيا ... ض وفي حُلَى الكافور يُعرضْ\rأزعمت ذا ثَلْجٌ وذا ... وَرْدٌ على الأغصان يُنْفَضْ؟\rوردُ الربيع مورَّدٌ ... والوَرْد في تشرين أَبْيَضْ\rوقال البستي: الخفيف:","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"كم نَظَمْنَا عقود لهوٍ وأُنْسٍ ... وجعَلْنَا الزمانَ لِلَّهْوِ سِلْكَا\rوفتقْنا الدنان في يوم ثلجٍ ... عُزل الكأسُ فيه رُشْداً ونُسْكَا\rفكأن السماءَ تنحلّ كافو ... راً علينا، ونحنُ نَفْتِقُ مِسْكَا\rوقال الأمير أبو الفضل الميكالي يصف الْجَمد: الرجز:\rربَّ جَنِين من حَيَا النمير ... مهتك الأستارِ والضميرِ\rسللته من رحم الغدير ... كأنها صحائف الْبَلُورِ\rأو أكُرٌ تجسمتْ من نُور ... أو قِطَعٌ من خَالِصِ الكافور\rلو بقيت سِلكاً على الدهور ... لعطّلتْ قلائد النحُور\rوأخجلت جواهرَ البحور ... وسميت ضرائر الثغور\rيا حُسْنهُ َفي زَمنِ الحرور ... إذا قَيْظُه مثل حَشَا المَهجُور\rيُهْدِي إلى الأكبادِ والصدُورِ ... رَوحاً يُجلّي نَفْثَةَ المصدور\rويَخلِبُ السرورَ للمَقْرورِ\rألفاظ لأهل العصر\rفي وصف الثلج والبرد والأيام الشتوية\rألقى الشتاءُ كَلْكَله، وأحلّ بنا أثقاله. مدّ الشتاء أرِواقه، وألقى أوراقه، وحلّ نِطَاقه. ضرب الشتاء بجِرَانه، واستقلّ بأركانه، وأناخ بنوازله، وأَرْسَى بكلاكله، وكلح بوجهه، وكشّر عن أنيابه. قد عادت هامات، الجبال شِيبَاً، ولبست من الثلج بُرداً قَشِيباً. شابت مفارق البروج لتراكم الثلوج، ألمّ الشيب بها وابيضَّت لِمَمُها. قد صار البردُ حجاباً، والثلج حجازاً. بَرْد يغير الألوان، وينشف الأبدان. بردُ يُقَضْقِض الأعضاء، وينفض الأحشاء. برد يُجْمد إلريقَ في الأشداق، والدمعَ في الآماق. بَرْد حال بين الكلب وهَرِيره، والأسَد وزئيره، والطير وصَفِيره، والماء وخرِيره. نحن بين لثق، ورثق، وزلق، يوم كأنَّ الأرضَ شابَتْ لهَوْلِه. يوم فضّي الْجِلْبَاب، مِسْكِيّ النقاب، عبوس قَمْطَرير، كشّر عن ناب الزمهرير، وفرش الأرض بالقوارير. يوم أخذت الشَّمال زِمامه، وكسا الصِّرُ ثيابه. يوم كأنّ الدنيا فيه كافُورة، والسماء بلّورة. يوم أرضه كالقوارير اللامعة، وهواؤه كالزنانير اللاسعة. يوم أَرضه كالزجاج، وسماؤه كأطراف الزِّجَاج. يوم يثقل فيه الخفيف إذا هجم، ويخفّ الثقيل إذا هجَر، نحن فيه بين أطباق البَرْد فما نستغيث إلا بحرِّ الراح، وسَوْرَة الأقداح. ليس للبرد كالبُرْد، والخَمْرِ، والجَمْرِ. إذا كَلِبَ الشتاء، فترياق سمومه الصَلاء، ودَرَقُ سيوفِه الطِّلاء.\rنقيض ذلك من كلامهم\rفي وصف القيظ وشدة الحرّ\rقوِي سلطان الحَرّ، وبُسِطَ بساط الجَمر. حَر الصيف، كحدِّ السيف. أوقدت الشمس نارَها، وأذكت أُوارها. حرّ يلفح حرّ الوجه. حَرٌ يشبه قَلْبَ الصَّبِّ، ويُذيب دماغ الضّبِّ. هاجرة كأنها من قلوب العشّاق، إذا اشتعلت فيها نارُ الفراق. هاجرة تحكي نارَ الهَجْر، وتذيب قَلبَ الصخر. كأن البسيطة من وَقدة الحرّ، بساط من الجمر. حَرٌ تهرب له الحِرْباء من الشمس، قد صهَرَت الهاجرةُ الأبدان، وركبت الجنادبُ العيدان. حرّ يُنْضِج الجلود، ويُذيب الجلمود. أيام كأيام الفُرْقة امتداداً، وحرّ كحرّ الوَجد اشتداداً. حرٌّ لا يطيبُ معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش. حمارة القيظِ، تغلي كدم ذي الغيظ. آبَ آبٌ يَجِيش مِرْجَلُه، ويَثُور قَسطَلُه. هاجرة كقلب المهجور، أو التنور المَسْجور. هاجرة كالجحيم الجاحم، تجرّ أذيالَ السمائم.\rالعجلة أُم الندامة\rقال بعض الحكماء: إياك والعجَلة فإنَّ العرب كانت تكْنِيها أمَّ الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أَنْ يفكّر، ويقطع قبل أن يُقَدّر، ويَحمَدُ قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يَخْبُر، ولن يصحب هذه الصفَةَ أحدٌ إلا صحب الندامة، واعتزل السلامة.\rقضاء الحاجة\rولما وَلّى المهتدي سليمانَ بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوي حُرْمَته، فقال: أعزَّ الله الوزيرَ، أنا خادمك المؤمِّل لدولتك، السعيدُ بأيامك. المنطوي القلب على وُدّك، المنشورُ اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك، وقد قال الشاعر: البسيط:\rوفيتُ كل صديق ودَّني ثمناً ... إلا المؤمل دولاتي وأيّامِي","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"فإنني ضامنٌ أَلاَّ أكُافِئَهُ ... إلاَّ بتسويغه فَضْلِي وإنعامي\rوإني لكما قال القيسي: ما زلت أَمْتَطِي النهارَ إليك، وأستدلُّ بفضلك عليك، حق إذا جنَّني الليلُ فغضَّ البصرَ، ومحا الأثر، أقام بدني، وسافر أملي، والاجتهاد عُذْر، فإذا بلغتك فَقَدِ. قال سليمان: لا عليك، فإني عارفٌ بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك واصطناعك، ولست أؤخر عن يومي هذا توليتك ما يَحْسُنُ عليك أثره، ويطيب لك خَبَرهُ، إن شاء الله.\rوكتب محمد بن عباد إلى أبي الفضل جعفر بن محمود الإسكافي وزير المعتز بالله، وكان المعتز يخْتصّ به؛ ويتقرب إليه قبل الوزارة: ما زلت - أيدك الله تعالى - أذمّ الدهر بذمّك إياه؛ وأنتظر لنفسي ولك عُقْباه، وأتمنى زوال حال من لا ذَنْبَ له إلا عاقبة محمودة تكون لك بزوال حاله، وأترك الإعذار في الطلب على الاختلال الشديد؛ ضناً بالمعروف عندي إلاَّ عن أهله، وحَبْساً لشِعْري إلا عن مستحقّه.\rفوقّع في كتابه: لم أُؤَخر ذكرك ناسياً لحقَكَ، ولا مهْمِلاً لواجبك، ولا مرجياً لمُهِمِّ أمْرِك، ولكني ترقبت اتساع الحال، وانفساحَ الآمال، لأخصَّك بأسْناها خطَراً، وبأجلِّها قَدْراً، وأَعْوَدها بنَفْعٍ عليك، وأوفرها رِزْقاً لك، وأقربها مسافةً منك؛ فإذا كنتَ ممن يَحْفِزه الإعجال، ولا يتَّسِع له الإمهال، فسأختار لك خيرَ ما يشير إليه الوقت، وأنعم النظر فيه، وأجعله أول ما أمضيه، إن شاء الله.\rولما ولي سليمان بن وهب الوزارة كتب إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: الطويل:\rأبى دهرُنا إسعافَنا في نفوسنا ... وأَسْعَفَنَا فيمن نحبُّ ونكرمُ\rفقلت له: نُعْماك فيهم أَتمَّها ... ودَعْ أمرَنا؛ إن المهمَّ المقدَّمُ\rفعجب من لطيف شكواه في تهنئته، وقَضى حَوائِجَه.\rووقّع عبيد الله في كتاب رجل اعتدَّ عنده بأثرٍ جميل: وقفت على ما ذكرته من شكايتك، فوقع ذلك عندنا الموقع الذي أرَدْته، وصدَر جوابنا إليك بما شكرته، ولم تَعْدُ ظننا، وما قدرنا فيك، ثم اعتدت الاعتداد حتى كأنك لم تكاتبنا؛ فلا تفسدنَ تالد إحسانك بطارف امتنانك، واقتصر من وصف سالفك على ذكر مستأنفك.\rالتقسيم\rووقّع عبيد الله في أَمر رجل خرج عن الطاعة: أنا قادرٌ على إخراج هذه النُّعَرَة من رَأسه، والوَحَرة من نفسه.\rونحو هذا التقسيم قولُ قتيبة بن مسلم بخراسان: من كان في يده شيء من مال عبد الله فلينبذه؛ أو في فمه فَلْيَلْفِظْه، أو في صدره فلينفثه.\rوقال عبد الله بن علي، بعد قتْله مَنْ قتل من بني أمية، لإسماعيل بن عمرو: أساءك ما فعلت بأصحابك؟ قال: كانوا يداً فقطعْتَها، وعضداً ففَتتَها، وعقدةً فنقضتَها، وركْناً فهَدَمْتَه، وجبلاً فَهِضْتَهُ، وجناحاً فقَصَصْتَه، قال: إني لخليقٌ بأَن أُلحقك بهم، قال: إني إذاً لسعيد.\rوقال المنصورُ لجرير بن عبد الله: إني لأُعِدُّك لأمر كبير! قال: يا أمير المؤمنين، قد أعدَّ الله لك مني قلباً معقوداً بنصيحتك، ويداً مبسوطةً بطاعتك، وسيفاً مسلولاً على أعدائك.\rوكتب الحسن بن وهب إلى القاسم بن الحسن بن سهل يعزّيه: مَدَّ الله في عمرك موفوراً غير منتقَص، وممنوحاً غير ممتحَن، ومُعْطًى غير مُسْتَلب.\rومن جيد التقسيم مع المطابقة قولُ بعض الكتاب: إنَّ أهل النصح والرَّأْي لا يساويهم أَهْلُ الأَفَنِ والغِشّ، وليس مَنْ جمع إلى الكفاية الأمانَةَ كمن أَضافَ إلى العَجْزِ الخيانة.\rوقالت هند بنت النعمان بن المنذر لرجل دَعَتْ له وقد أَولاها يداً: شكَرتْكَ يدٌ نالتها خَصَاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالتها ثروة بعد فاقة.\rومن بديع التقسيم في هذا النوع قولُ البحتري: البسيط:\rكأنك السيفُ حَدّاهُ ورَوْنَقُهُ ... والغَيْث وَابِلُهُ الدَّانِي وَرَيِّقُهُ\rهل المكارم إلا ما تُجمّعه ... أو المواهب إلا ما تفرِّقُهُ؟","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"وقال الحسنُ بن سهل يوماً للمأمون: الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك؛ وسَنِيِّ ما أَعطاك؛ إذ قَسم لك الخلافة، ووهب لك معها الحجة، ومكَّنك بالسلطان، وحلاَّه لك بالعَدل، وأَيّدك بالظفَر، وشفَعَه لك بالعفو، وأَوجب لك السعادة، وقرَنَها بالسياسة، فمن فُسِحَ له في مثل عطيّةِ الله لك؟ أم مَنْ ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما أَلبسك؟ أم من ترادفَتْ نِعَمُ الله تعالى عليه ترادفَها عليك؟ أم من حاولها وارتبطها بمثل محاولتك؟ أم أي حاجة بقيَتْ لرعيّتك لم يجدوها عندك؟ أم أي قيِّم للإسلام انتهى إلى غايتك ودَرَجتك؟ تعالى الله! ما أعظم ما خَصّ القرنَ الذي أنت ناصره! وسبحان الله! أية نعمة طبقت الأرض بك إن أُدِّيَ شكرها إلى بارئها، والمنعم على العباد بها؟ إن الله تعالى خلق الشمس في فَلكها ضياءً يستنيرُ بها جميعُ الخلائق؛ فكلُّ جوهر زَها حسنهُ ونوره فهي ألبسته زينتَهُ لما اتصل به من نورِها. وكذلك كل وَلي من أوليائك سَعِد بأفعاله في دولتك، وحَسُنَتْ صنائعه عند رعيتك، فإنما نالها بما أيّدتَه من رأيك وتدبيرك، وأَسْعَدتَه من حسنك وتقويمك.\rقينة تعشق أربعة رجال\rقال بعضُ الظرفاء: اجتمع لقَيْنَةٍ أربعةٌ من عشَاقها، وكلهم يُوَرِّي عن صاحبه أمرَه، ويُخْفِي عنه خبرَه، ويُومئ إليها بحاجبه، ويناجيها بلَحْظِه، وكان أحدُهم غائباً فقدمِ، والآخر مقيماً قد عَزَم على الشخوص، والثالث قد سلَفَتْ أيامُه، والرابع مستأنفةٌ مودَّته، فضحكَتْ إلى واحد، وبَكَتْ إلى آخر، وأقصت آخر، وأطمعَتْ آخر؛ واقترح كل واحد منهم ما يشاكِلُ بثه وشأنه؛ فأجابته، فقال القادم: جُعِلت فِدَاكِ، أتحسنين: الطويل:\rومن يَنْأَ عن دار الهوى يُكْثِر البُكَا ... وقَوْلَ لَعلِّي أو عَسى سَيكون\rوما اخترت نَأْيَ الدار عنك لِسَلْوةٍ ... ولكنْ مَقاديرٌ لهنَّ شؤونُ\rفقالت: أحْسِنه، ولا أقيمُ لَحْنه، ولكن مُطَارحه لتستغني به عنه، لقُرْبه منه، وأنا به أحْذَقُ، ثم غنّت: الطويل:\rوما زلت مُذ شَطَتْ بك الدارُ باكياً ... أؤَمِّلُ منك العَطْفَ حين تؤُوبُ\rفأضعفْتَ ما بي حين أبتَ وزِدْتَنِي ... عذاباً وإعراضاً وأنتَ قَرِيبُ\rوقال الظاعن: جْعلت فِدَاك، أتحسنين: الكامل:\rأزفَ الفِراق فأعني جَزَعَاً ... ودَعِي العتابَ فإننا سَفْرُ\rإنّ المحبّ يصد مقترباً ... فإذا تباعد شَفّه الذِّكْر\rقالت: نعم، وأحسن منه ومن إيقاعه، ثم غنت: الخفيف:\rلأقيمنَّ مأتماً عن قريب ... ليس بعد الفراق غَيْرُ النَّحيبِ\rربما أَوْجَع النّوى للقلوب ... ثم لا سيما فراقُ الحبيبِ\rثم قال السالف: جعلت فداك، أتحسنين: الكامل:\rكنّا نُعاتبكُمْ لياليَ، عُودُكمْ ... حُلْوُ المَذَاقِ وفيكُمُ مستَعْتَبُ\rفالآن حين بَدَا التنكُّر منكم ... ذهب العِتَابُ فليس عنكم مَذْهَبُ\rقالت: لا، ولكن أحسن منه في معناه، ثم غنّت: الطويل:\rوصلْتُكَ لمّا كان ودُّك خالصاً ... وأَعرضتُ لما صار نَهْباً مقَسّما\rولن يلبث الحوض الجديدُ بناؤه ... إذا كثر الورَّادُ أن يتهدما\rفقال المستأنف: أتحسنين، جعلت فداك: الكامل:\rإني لأعْظِمُ أن أبوح بحاجتي ... وإذا قرَأْت صحيفتي فتفهَّمي\rوعليك عَهْدُ الله إن أبثثتِه ... أحداً ولا آذنته بتكلم\rفقالت: نعم، ومن غناء صاحبه؛ ثم غنّت: الطويل:\rلعمرك ما استودَعْتُ سِرِّي وسرَّهَا ... سوانا، حِذاراً أن تَذِيعَ السرائرُ\rولا خالَطَتْها مُقْلَتايَ بنَظْرَةٍ ... فتعلم نَجْوَانا العيونُ النواظرُ\rولكن جعلت الوَهْمَ بيني وبينها ... رسولاً فأَدَّى ما تُجِنُ الضمائرُ\rأكُاتم ما في النفس خوفاً من الهوى ... مخافةَ أن يُغرى بذِكرك ذَاكِرُ\rفتفرّقوا وكلهم قد أومأ بحاجته، وأَجابته بجوابه.\rمن أخبار ابن المعتز وشعره","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"قال أبو العباس بن المعتز: كان لنا مجلس حظ أرسلت بسببه خادمة إلى قينة فأجابت، فلمّا مرَت في الطريق وجدَت فيه حارساً فرجعت، فأرسلتُ أُعاتبها فكتبت إلي: لم أتخلف عن المسير إلى سيدي في عشيتي أَمس لأرى وَجْهَهُ المبارك وأُجيب دعاءه، إلا لعلة قد عرَفَتْها فلانة، ثم خِفْتُ أن يسبقَ إلى قلبه الطاهر أني قد تخلّفْتُ بغير عذر؛ فأحبَبْتُ أن تقرأَ عذري بخطي، ووالله ما أقدر على الحركة، ولا شيء أسر إليّ من رؤيتك، والجلوس بين يَدَيْك، وأنت، يا مولاي، جاهي وسَنَدي، لا فَقَدْت قربك، ولك رأيك في بسط العُذر موفقاً.\rوكتبت في أسفل الكتاب: الطويل:\rأليس من الحرمان حظٌ سُلبتهُ ... وأحْوَجَني فيه البلاءُ إلى العُذْرِ؟\rفصبراً فما هذا بأؤَّل حادثٍ ... رَمَتْني به الأقدار مِنْ حيثُ لا أَدْرِي\rفأجبتها: كيف أَردّ عُذر من لا تتسلط التهمة عليه، ولا تهتدي المَوْجِدة إليه! وكيف أعلمه قبولَ المعاذير، ولستُ آمَنُ بعضَ خواطره أن تشير إلى انتهاز فرصة فيما دعا إلى الفرقة، وإن سَلِمتُ من ذلك فمن يُجيرني من توكله على تقديم العُذْر، ووقوعه مواقع التصديق في كل وقت، فتتّصل أيامُ الشغل والعِلة، وتنقضي أيامُ الفراغ والصحة، فتطولُ مدةُ الغيبة، وتَدْرُس آثار المودّة، وكتبْتُ في آخر الرقعة: الطويل:\rإذا غِبْت لم تعرف مكانيَ لذةٌ ... ولم يلق نفسي لَهْوها وسُرُورها\rوحدثتُ سمعاً واهناً غير مُمْسِك ... لقولي، وعيناً لا يراني ضَمِيرُها\rوكتب إلى بعض الوزراء: ما زال الحاسدُ لنا عليك أيها الوزير يَنْصِبُ الحبائلَ، ويطلب الغوائل، حتى انتهز فرصته، وأَبلغك تشنيعاً زَخْرَفه، وكذباً زَوَّره، وكيف الاحتراس ممن يحضر وأغِيبُ، ويقول وأمْسِكُ؟ مرتصداً لا يَغْفل ومَاكِراً لا يَفتر، وربما استنصح الغاش، وصدق الكاذب؛ والحظوة لا تُدْرَكُ بالحيلة، ولا يجري أكثرها على حسب السَّبَب والوسيلة.\rفأجابه: حصول الثقة بك - أعزك الله! - تُغْني عن حضورك، وصدق حالتك يحتجُ عنك، وما تقرَّر عندنا من نيّتك وطوّيتك يُغْنِي عن اعتذارِك.\rوقد قال ابن المعتز: الكامل:\rأَخْنَى عليك الدهر مقتدراً ... والدهرُ ألأم غالب ظَفرا\rما زلت تَلْقَى كلَّ حادثةٍ ... حتى حَنَاك وبيَّض الشَّعَرَا\rفالآن هل لك في مُقَاربةٍ؟ ... فلقد بلغت الشَيْب والكِبَرا\rلله إخوان فقدتهمُ ... سكنوا بطونَ الأرض والحُفَرا\rأين السبيلُ إلى لقائهمُ؟ ... أم من يحدِّث عنهمُ خَبرا؟\rكم مورِق بالبِشْر مُبتسم ... لا أَجتني من غُصْنِه ثَمرَا\rما زال يوليني خلائقهُ ... وصبرت أَرقُبه وما صَبرا\rوعدو غيْبٍ طَالب لدمي ... لو يستطيعُ لجاوز القَدَرا\rيُورِي زنادي كي يُخادِعني ... ويُطير في أثوابيَ الشَّرَرا\rوقال أيضاً: الطويل:\rوإني على إشفاق عيني من القذى ... لتجمح مني نَظْرَةٌ ثم أطرِقُ\rكما حُلِّئتْ من بَرْدِ ماءٍ طَرِيدةٌ ... تمدّ إليه جِيدها وَهْيَ تَفرَقُ\rوقال: الطويل:\rوما زلتُ مذ شدَت يدي عقد مِئْزَري ... غنايَ لغيري وافتقاري على نفسي\rودلَّ عليّ الحمدَ مَجْدي وعِفّتي ... كما دلّ إشراقُ الصَّباح على الشمسِ\rوقال: البسيط:\rسَعَى إلى الدَّنَ بالمِبْزَالِ يَنْقُرهُ ... ساقٍ توشَحَ بالمنديل حين وَثَبْ\rلمَّا وَجاها بَدَتْ صفراءَ صافيةً ... كأنما قَدَّ سَيْراً من أديمِ ذَهَبْ\rوقال: الخفيف:\rلبسَتْ صفرةً فكم فتَنتْ من ... أعْيُنٍ قد رأيتها وعُقُولِ\rمثل شَمْس الغروب تَسْحَبُ ذيلاً ... صَبَغَتْهُ بزَعْفَرَانِ الأصيلِ\rوالشمس عند طلوعها، وعند غروبها، تمكّنُ الناظر إليها فيمكن التشبيه بها؛ قال قيس بن الخطيم: الكامل:\rفرأيت مثل الشمس عند طلوعها ... في الحسن أو كدنوِّها لغروبِ\rجرير وأهل المدينة","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"ولما قدم جرير بن الخَطَفَي المدينَةَ اجتمع إليه أهلُها، وقالوا: يا أبا حَزْرَة، أنشدنا من شعرِك، قال: ما تصنعون به؟ وفيكم من يقول: الكامل:\rأنى سَرَبْتِ وكنتِ غيرَ سرُوبِ ... وتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريبِ\rما تُمْنَعي يَقْظَى فقد نولتهِ ... في النوم غيرَ مصردٍ محسوب\rكان المُنَى يُلقي بها فلقيْتُها ... فلَهَوتُ عن لهوِ امرئ مكذوب\rفرأيتُ مثل الشمسِ عند طلوعها ... في الحسنِ أو كدُنوِّها لغروب\rتخطو على بردِيَّتَيْنِ غَذَاهُما ... غَدِقٌ بِسَاحَةِ حائر يَعبُوب\rيزيد بن خالد الكوفي\rوقَّع يزيد بن خالد الكوفي رقعة إلى يعقوب بن داود ضمّنها: البسيط:\rقل لابن داودَ والأنباءُ سائرةٌ: ... لا يحرِزُ الأجْرَ إلا مَن له عَمَل\rيا ذا الذي لَمْ تزل يُمْنَاه مُذْ خُلِقَتْ ... فيها لباغي نَدَاه العَلُّ والنَّهَلُ\rإن كنت مسديَ معروفٍ إلى رجلٍ ... فضل شكرٍ فإني ذلك الرجلُ\rفامْنُنْ عليّ ببرٍّ منك يَنْعَشُني ... فإنني شاكرُ المعروف محتملُ\rقال يعقوب: قد جرَبنا شكرك فوجدناه قد سبق برَّنا، وقد أمرتُ لك بعشرة آلاف درهم تصلح حالك، وليست آخر ما عندنا لك، فاستوفاها حتى مات.\rولما سخط المهديّ على يعقوب أحضره، فقال: يا يعقوب، قال: لبَّيْك يا أمير المؤمنين تلبية مكروبٍ لِمَوْجِدَتك، شَرِقَ بغُصَّتك، قال: ألم أرفع قَدْرَك وأنتَ خامل، وأسيّر ذكرك وأنت هامل، وألبِسكَ من نِعَمِ الله تعالى ونِعَمي ما لم أجدْ عندك طاقةً لحمله، ولا قياماً بشكْرِه؟ فكيف رأيت الله تعالى أظهر عليك، وردَّ كَيْدَك إليك؟.\rقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت قلت هذا بتيقن وعلم فإني معترف، وإن كان بسعاية الباغين، ونمائم المعاندين، فأنت أعلم بأكثرها؛ وأنا عائذ بكرمك، وعميم شرفك.\rفقال: لولا الحِنْثُ في دَمك لألبستك قميصاً لا تشدّ عليه زرّاً؛ ثم أمر به إلى الحبس، فتولّى وهو يقول: الوفاءُ يا أمير المؤمنين كَرَم، والمودة رَحِم، وما على العفو نَدَم. وأنت بالعفو جَدير، وبالمحاسن خَليق. فأقام في السجن إلى أن أخرجه الرشيد.\rأخذ معنى قول المهدي: \" لألبسنّك قميصاً لا تشدّ عليه زرّاً \" أبو تمام فقال: المنسرح:\rطوّقته بالحسام طَوْق ردًى ... أغناه عن مَسّ طَوْقِه بيدِه\rوقال ابن عمر في معنى قول الطائي: البسيط:\rطوّقته بحسام طَوْقَ داهيةٍ ... لا يستطيعُ عليه شَدَّ أزرارِ\rولما قبض المهدي على يعقوب ورأى أبو الحسن النميري مَيْلَ الناس عليه، وكان مختلطاً به قال: الكامل:\rيعقوبُ لا تَبعَد وجُنبتَ الردى ... فلأبكينَّ كما بكى الغُصْن النَّدَى\rلو أنَّ خيرك كان شرّاً كلّهُ ... عند الذين عدَوْا عليك لما عَدَا\rأخذ هذا المعنى بعض المحدثين في الغزل فقال: الكامل:\rلو أن هجرك كان وَصْلاً كلّهُ ... ممّا أقاسي منك كان قليلا\rبين أحمد بن أبي دواد والواثق\rقال أبو العيناء: قال لي أحمد بن أبي دُوَاد: دخلت على الواثق فقال لي: ما زال اليوم قوم في ثَلْبك ونَقْصك! فقال: يا أمير المؤمنين، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولَى كِبْرَه منهم له عذاب عظيم، واللَّهُ وليُّ جزائه، وعقابُ أَمير المؤمنين من ورائه، وما ذَلَّ - يا أمير المؤمنين - منْ كنت نَاصِره، وما ضاق مَنْ كنتَ جاراً له، فما قلت لهم يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت: يا أبا عبد الله: الكامل:\rوسعى إليّ بصرمِ عَزَّةَ مَعْشَرٌ ... جعل الإلهُ خُدودَهنَّ نِعَالَها\rقال الفتح بن خاقان: ما رأيت أظرف من ابن أبي دواد؛ كنت يوماً أُلاعب المتوكل بالنرْد، فاستُؤْذن له عليه، فلمّا قَرُب منا هممت برفعها، فمنعني المتوكل وقال: أجاهرُ الله وأَسْتُره من عباده؟ فقال له المتوكل: لما دخَلْتَ أراد الفتح أن يرفع النَّرْد! قال: خاف يا أمير المؤمنين أن أعلم عليه! فاستحليناه، وقد كنا تجهَّمناه.\rشبيب بن شيبة وخالد بن صفوان","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"قيل لبعض الأمراء: إن شبيب بن شيبة يتعمَّل الكلام ويستدعيه، فلو أمرته أن يصعدَ المنبر فجأة لافتضح؛ فأمر رسولاً فأخذ بيده فصعد به المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن لأمير المؤمنين أشباهاً أربعة: الأسد الخَادِر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر؛ فأما الأسد الخادر فأشبه صولته ومَضَاءَه، وأما البحر الزاخر فأشبه جودَه وعطاءه، وأما القمرُ الباهر فأشبه نورَه وضياءه، وأما الربيعُ الناضرُ فأشبه حُسْنَه وبهاءه، ثم نزل.\rوهذا الكلام ينْسَبُ إلى ابن عباس يقوله في علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما.\rوكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وأخطبهم، ويشبَّه بخالد بن صفوان؛ غير أن خالداً كان أعلى منه قدراً في الخاصة والعامة. وذكر خالد شبيباً فقال: ليس له صديقُ في السر ولا عدوّ في العلانية. وكانت بينهما معارضة للنسب والجوار والصناعة، ولما قال الشاعر: الطويل:\rفنَحِّ شبيباً عن قراع كتيبةٍ ... وأدْنِ شبيباً من كلامٍ مُلَفّقِ\rوكأن لا ينظر إليه أحد وهو يخطب إلا تبين فيه الخجل.\rوقال أبو تمام لعلي بن الجهم: الكامل:\rلو كنت يوماً بالنجوم مُصَدِّقاً ... لزعمت أنَّك نِلْتَ شكلَ عُطَارِدِ\rأو قدمَتك السنُّ خِلتُ بأنّه ... من لَفْظِك اشتقتْ بلاغَةُ خَالِد\rوقالت له امرأة: إنكَ الَجميل يا أبا صفوان. قال: كيف تقولين هذا وما فيَّ عمودُ الجمال ولا رِدَاؤه، ولا بُرْنُسه؟ عمودُه الطول، ولست بطويل، ورِدَاؤه البياض، ولست بأبيض، وبُرْنسه سواد الشَّعَرِ، وأنا أشمط! ولكن قولي: إنك لمليح.\rوكان خالد حافظاً لأخبار الإسلام، وأيام الفتن، وأحاديث الخلفاء، ونوادر الرواة، وكل ما تصرّف فيه أهل الأدب، وله يقول مكي بن سوادة: الطويل:\rعليم بتنزيل الكتاب ملقَّنٌ ... ذَكُورٌ لما سدَّاهُ أولَ أولا\rيَبُذّ قَرِيعَ القوم في كل مَحْفل ... ولو كان سحبانَ الخطيبُ ودَغفلا\rترى خُطَبَاءَ الناس يومَ ارتجاله ... كأنهمُ الكروانُ صَادف أَجْدَلاَ\rأما سَحْبَان الذي ذكره فهو خطيبُ العربِ بأسْرِها غير منازع ولا مدافع، وكان إذا خطب لم يُعِدْ حرفاً، ولم يتوقّف، ولم يتحبَّسْ، ولم يفكر في استنباط، وكان يسيل غَزباً، كأنه آذيُّ بَحْرٍ.\rويقال: إنّ معاوية قدم عليه وفد من خراسان وجَّههم سعيد بن عثمان، وطلب سَحْبان فلم يوجد عامّة النهار، ثم اقْتُضِبَ من ناحية كان فيها اقتضاباً، فدخل عليه فقال: تكلَّم، فقال: انظروا لي عصاً تُقيم من أودي، فقال له معاوية: ما تصنعُ بها؟ فقال: ما كان يَصْنَع موسى عليه الصلاة والسلام وهو يخاطبُ ربَّه وعصاه بيده، فجاءوه بعصا فلم يَرْضَها. فقال: جيئوني بعصاي، فأخذها، ثم قام فتكلّم منذ صلاة الظهر إلى أن فاتت، صلاةُ العصر، ما تَنَحْنَحَ، ولا سَعَلَ، ولا توقف، ولا تحبّس، ولا ابتدأ في معنى فخرج منه إلى غيرِه حتى أتمّه ولم يبق منه شيء، ولا سأل عن أي جنس من الكلام يخطب فيه، فما زالت تلك حالَه وكلّ عين في السماطين شاخصةٌ إلى أن أشار له معاويةُ بيده أن اسكُت، فأشار سحبان بيده أن دَعْني لا تَقْطَعْ عليّ كلامي، فقال له معاوية: الصلاة، فقال: هي أمامك ونحن في صلاة يتبعها تحميد وتمجيد، وعظة وتنبيه وتذكير ووعد ووعيد، فقال معاوية: إنك أخطبُ العرب، فقال سحبان: والعجم، والجن، والإنس.\rبعض ما قيل في عجلان بن سحبان\rوكان ابنه عجلان حُلْوَ اللسان، جيَّدَ الكلام، مليح الإشارة، يجمعُ مع خطابته شعراً جيداً، ويضرب الأمثال إذا خطب، وينزع النادرَ من الشعر، والسائرَ من المثل، فتَحْلُو خُطبته، وكان يَزنُ كلامَه وَزْناً.\rدغفل بن حنظلة النسابة\rوأما دغفَل الذي ذكره مكي بن سَوادة فهو دَغْفَل بن حَنْظلة بن يزيد أحد بني ذهل بن ثعلبة النسّابة، وكان أعلمَ الناس بأنساب العرب، والآباء والأمهات، وأحفظهم لمَثَالبها، وأشدّهم تنقيراً وبحثاً عن معايب العرب، ومثالب النسب.","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"قال له معاوية يوماً: والله لئن قلت في هذا البيت من قريش ما تجد في آل حَرْبٍ مقالاً، فتبسم دَغفل؛ فقال له معاوية: والله لتخبرنّي بتبسمك، وما انضمَّتْ عليه جوانحُك، أو لأضربنَّ عنقك، وما آمَنُ أن تكْذب أو تزيد.\rفقال: يا أمير المؤمنين، أنتم من بني عبد مناف كسَنَام كَوْماء فتيّة، ذاتِ مرعًى خصيب، وماءٍ عَذْب، وأكَمةٍ بارزة، فهل يوجد في سَنام هذه مَدَبّ قُرَاد من عاهة؟ فقال له معاوية: أَوْلى لك! لو قلمتَ غير هذا؛ أما على ذلك لو رأيت هنداً وأباها، وزوجها، وأخاها، وعمّها، وخالها، لرأيت رجالاً تَحَارُ أبصارُ مَن رآهم فيهم، فلا تجاوزهم إلى غيرهم، جلالةً وبهاءً.\rفيٍ ذكر العصا\rوعلى ذكر العصا لقي الحجَّاج أعرابياً فقال: من أين أقبلت؟ قال: من البادية، قال: ما بيدك؟ قال: عصا أركِزُها لصَلاَتِي، وأُعِدُّها لِعُدَاتي، وأسوقُ بها دابَّتي، وأقْوَى بها على سَفري، وأَعْتَمدُ بها في مشيتي، لِيَتّسِعَ بها خَطْوِي، وأعْبُرُ بها النهر فتؤمنني، وأُلقي عليها كسائي فتسترُني من الحرّ، وتقيني من القُرِّ، وتُدْني ما بعد مني، وهي مِحْمَل سُفْرتي، وعَلاقة إدَاوَتي، ومِشجَب ثيابي، أعتمدُ بها عند الضَراب، وأَقْرَع بها الأبواب، وأتقِي بها عَقُور الكِلاَب، تنوبُ عن الرُّمح في الطّعان، وعن الْحِرْز عند منازلة الأقْرَان، ورِثْتُها عن أبي، وأورثُهَا بعدي ابني، وأَهُشُّ بها على غَنَمِي، ولي فيها مآرِب أخرى، كثيرة لا تُحْصَى.\rالخليل بن أحمد\rقال النضر بن شميل: كتب سليمان بن علي إلى الخليل بن أحمد يستدعيه الخروج إليه، وبعث إليه بمال كثير، فردّه وكتب إليه: البسيط:\rأبلغْ سليمانَ أني عنه في سَعَةٍ ... وفي غنًى غيرَ أني لَسْتُ ذا مَالِ\rيسخُو بنفسيَ أني لا أرى أحداً ... يموت هُزْلاً ولا يَبْقَى على حَال\rوالفَقْرُ في النفس لا في المال نَعْرِفهُ ... ومِثْلُ ذاك الغنى في النفس لا المالِ\rوالمالُ يَغْشَى أناساً لا خَلاقَ لهم ... كالسَّيْلِ يَغْشَى أُصول الدِّنْدِنِ البالي\rكلُّ امرئ بسبيل الموت مرتَهَنٌ ... فاعمَلْ لنفسك؛ إني شاغلٌ بالي\rأخذ هذا الطائي فقال: الكامل:\rلا تُنكِري عطلَ الكريم من الغِنَى ... فالسيلُ حربٌ للمكانِ العالي\rوقال أيضاً يصف قوماً خصّوا بابن أبي دوادٍ الخفيف:\rنَزَلُوا مركز النّدَى وذَرَاهُ ... وَعَدَتْنَا من دون ذاك العَوَادِي\rغير أن الرُّبا إلى سُبُل الأَن ... واء أَدْنَى، والحظُ حظّ الوِهَادِ\rوهذا الشعر من أصلح شعر الخليل، وكان شعره قليلاً ضعيفاً، بالإضافة إليه وهو أستاذ النحو والغريب، وقد اخترع علم العروض من غير مثال تقدمه، وعنه أخذ سيبويه، وسعيد بن مسعدة، وأئمة البصريين، وكان أوسع الناس فِطنَةً، وألطفهم ذهناً. قال الطائي: الوافر:\rفلو نُشر الخليل إذاً لعفَّت ... رَزاياه على فِطَنِ الخليلِ\rفي التعزية\rوكتب أبو إسحاق الصابي إلى محمد بن عباس يعزيه عن طفل: الدنيا، أطال الله بقاء الرئيس، أقدارٌ تَرِدُ في أوقاتها، وقضايا تَجْرِي إلى غاياتها، ولا يُرَدُ منها شيءٌ عن مَدَاه، ولا يصدُ عن مطلبه ومَنْحَاه؛ فهي كالسهام التي تثبت في الأغراض؛ ولا ترجعُ بالاعتراض، ومن عرف ذلك معرفَة الرئيس لم يغض من الزيادة، ولم يَقْنَط من النقيصة، وأَمِنَ أن يستخفّ أحدُ الطرفين حلمه، ويستنزل أحدُ الأمرين حَزْمَه، ولم يدَعْ أن يوطِّن نفسه على النازلة قبلَ نزولها، ويأخذ الأُهْبَة للحادثة قبل حلولها، وأن يجاور الخيرَ بالشكر، ويساورَ المِحْنَة بالصبر، فيتخيّر فائدةَ الأولى عاجلاً، ويستمرئ عائدةَ الأخرى آجلاً.","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"وقد نفَذَ من قضاء الله تعالى في المولى الجليل قَدْراً، الحديث سناً، مَا أَرْمَض، وأَومَض، وأَقْلَق وأقضَّ؛ ومسني من التألم له ما يحق على مثلي ممن توافَتْ أيادي الرئيس إليه، ووجبت مشاركتُه في الملمّ عليه، ف \" إنّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ \" وعند الله نحتسبه غُصْناً ذَوي، وشهاباً خَبَا، وفرعاً دَلّ على أَصله، وخَطِّياً أنبته وَشِيجُه، وإياه أسألُ أن يجعلَه للرئيس فَرَطاً صالحاً، وذُخْراً عتيداً، وأَن ينفَعه يوم الدين، حيث لا ينفعُ إلا مثلُه بين البنين، بجوده ومَجْدِه.\rولئن كان المصابُ عظيماً، والحادثُ فيه جسيماً، لقد أحسن الله إليه، وإلى الرئيس فيه؛ أما إليه فإن الله نزّهه بالاخترام، عن اقترافِ الآثام، وصانه بالاحتضار، عن ملابسة الأوزار، فورد دنْياه رشيداً، وصدَر عنها سعيداً، نقي الصحيفة من سوادِ الذنوب، بري الساحة من دَرَن العيوب، لم تدنِّسه الجرائرُ، ولم تعلَقْ به الصغائر والكبائر، قد رفع الله عنه دقيقَ الحساب، وأَسْهَم له الثواب مع أهل الصواب، وأَلحقه بالصدّيقين الفاضلين في المَعَاد، وبَوَّأه حيث أفضلهم من غير سَعْي ولا اجتهاد.\rوأما الرئيس، فإن الله، عزَ وجل، لما اختار ذلك له قبضَه قبل رؤيته إياه على الحالة التي تكون معها الرقة، ومعاينته التي تتضاعفُ معها الحُرْقة، وحَمَاه من فِتْنَة المرافقة، ليرفعَه عن جزع المفارقة، وكان هو المبقي في دنياه، وهو الواحدُ الماضي الذخيرة لأخراه، وقد قيل: إن تسلم الجِلَّةُ فالسَّخْل هدر؛ وعزيز عليّ أن أقول قولَ المهون للأمر من بعده، وألا أوفي التوجع عليه واجبَ فَقْدِه، فهو له سُلاَلة، ومنه بَضعة، ولكن ذلك طريقُ التسلية، وسبيل التعزية، والمنهَجُ المسلوك في مخاطبة مثله، ممن يقبل منفعة الذكرى وإن أغناه الاستبصار، ولا يأبى ورودَ الموعظة، وإن كَفَاه الاعتبار، والله تعالى يقي الرئيسَ المصاب، ويعيذُه من النوائب، ويرعاه بعينه التي لا تنامُ، ويجعله في حِمَاهُ الذي لا يُرام، ويُبْقيه موفوراً غير منتقَص، ويقدِّمنا إلى السوء أمامه، وإلى المحذور قدّامه، ويبدأ بي من بينهم في هذه الدعوة، إذْ كنت أراها من أَسعد أحوالي، وأَعُدُها من أبلغ أمانيّ وآمالي.\rوكتب إلى بعض الرؤساء: قد جَرَتِ العادةُ - أطال الله بقاءَ الأمير! - بالتمهيد للحاجة قبل موردها، وإسلاف الظنون الداعية إلى نجاحها، وسالكُ هذه السبيل يسيء الظن بالمسؤول؛ فهو لا يلتمسُ فضلَه إلا جزاء، ولا يستدعي طَوْله إلا قضاء؛ والأميرُ بكرمه الغريب، ومذهبه البديع، يؤثر أن يكون السلفُ له، والابتداءُ منه، ويوجب للمهاجم برغبته عليه حقَّ الثقة به منه، والحمدُ لله الذي أَفرده بالطرائق الشريفة، وتوحّده بالخلائق المنِيفة، وجعله عين زمانه البصيرة، ولمْعته الثاقبة المنيرة.\rوكتب البديع في بابه إلى بعض أصحابه: لك، أعزَك الله، عادةُ فضل، في كل فصل، ولنا شِبْهُ مَقْت، في كل وقت؛ ولعمري إن ذا الحاجة مَقِيتُ الطَّلْعَة، ثقيل الوطأة، ولكن ليسوا سواء؛ أولو حاجة تحتاج إليهم الأموال، وأولو حاجة تحوجهم الآمال.\rوالأمير أبو تمام عبدُ السلام بن الفضل المطيعُ لله أمير المؤمنين - أيده الله - إن أحوجه الزمانُ فطالما خَدَمه، وإن أهانه فكثيراً ما أكرمه ونعّمه. وقديماً أقلّه السرير، وعرَفه الخَوَرْنَقُ والسدير. وإن نقصه المال فالعِرْضُ وافر، وإن جفاه الملك فالفَضْلُ ظاهر، وإن ابتلاه الله فلِيَبْتَليكم به فينظر كيف تفعلون. وأنت تقابلُ مورده عليك من الإعظام، بما يستحقّ من الإكرام، فلا تنظرن إلى ثوبٍ بال، فتَحْتَهُ شرفٌ عال، ولا تقس على البُرْدِ، ما وراءه من المجد، ولكن إن نظرت ففي شامخ أصلِه، وراسخ عقله، وشهادة الفراسة له. ثم ليأت بعد هذه الآيات ما هو قضية المروءة معه، والأخوة معي، بَالِغاً في ذلك غاية جهده، والسّيْفُ لا يرى في غِمْده، والحمد لله حق حَمْده.\rوله إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن حمزة:","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"لو كانت الدنيا، أطال الله بقاءَ الشيخ! - على مراديَ تجري، لاخترت أن أضرب بهذه الحضرة أطناب عمري، وأنفق على هذه الخدمة أيام دهري، ولكن في أولاد الزنا كثرة، ولعين الزمان نظرة، وقد كنت حَظِيتَ من خدمة الشيخ المحسن بشرعة أنس نغصها بعض الوشاة عليّ، وذكر أني اقمت بطوس بعد استئذْاني إلى مَرْوَ وفي هذا ما يعلمه الشيخ، فإن رأى أن يحسن جَبرِي بكتاب يطرز به مقدمي فعل إن شاء الله تعالى.\rوله في هذا الباب إلى أبي نصر الميكالي: الشيخ - أعزه الله - مَلَكَ من قلبي مكاناً فارغاً، فنزله غير منزل قلعَة، ومن مودتي ثوبَاً سابغاً، فلبسه غير لبْسَةِ خلعة، ومن نصب تلك الشمائل شبكاً، وأرسل تلك الأخلاق شركاً، قَنَصَ الأحرار فاستحثّهم، وصاد الإخوان واسترقهم.\rوتاللّه ما يُغبَنُ إلا من اشترى عبداً وهو يجدُ حرّاً بأرخص من العبد ثمناً، وأقلّ في البيع غبناً، ثم لا يهتبل غرّةَ وجوده، وينتهز فرصة امتلاكه بجوده، وأنا أنم للشيخ على مكرمة يتيمة، ونعمة وسيمة، فليعتزل من الرأي ما كان بهيماً، وليطلق من النشاط ما كان عقيماً وليحلل حَبوة التقصير، وليتجنبْ جانب التأخير، وليفتضَّ عُذْرَتها، وينقض حجّتها وعُمْرتها، برأي يجذبُ المجد باعه، ويعمر النشاط رِباعَه؛ وتلك حاجة سيدي أبي فلان وقد ورد من الشيخ بحراً، وعقد به جسراً، وما عَسُر وَعْدٌ هو مستنجزُه، ولا بَعُدَ أمرٌ هو منتهزه، ولا ضاعت نعمة أنا بَرِيدُ شكرها، وعزيم نشرها، ووليّ أمرها؛ وهذا الفاضل قرارة مائها، وعماد بنائها؛ وقد شاهدت من ظَرْفه، ما أعجز عن وصفه، وعرفت من باطنه ما لم يُدرَ بظاهره، ورأيتُ من أوله ما نَمَّ على آخر،ه ثم له البيت المرموق، والنسب الموموق، والأولية القديمة، والشيمة الكريمة؛ وقد جَمَعَتْنا في الودّ حلْقة، ونظمَتْنا في السفر رفقة، وعرفني بما أنهض له وفيه، فضمنت له عن الشيخ كَرَماً لا يغلَق بابه، وغَدَقاً لا يُخْلف سحابه؛ فليخرجني الشيخ من عهدة هذه الثقة، زادها إليه تأكدأً، وإن رأى أن أسأل الشيخ في معناه عرفني كيف المأتى له، وإنما أطَلْتُ ليعلم صِدْقَ اهتمامي، وفَرْطَ تقليدي للمنّة والتزامي.\rوله جواب عن صنيعة بصاحب هذه العناية: ورد فلان، سيدي، وهو عينُ بلدتنا وإنسانُها، ومُقْلتها ولسانها؛ فأظهر آيات فضله لا جرم أنه وصلَ إلى الصميم، من الإيجاب الكريم، وهو الآن مقيمٌ بين رَوْح ورَيحان وجنّة نعيم، تحيته فيها سلام، وآخر دعواه ذكرك وحسن الثناء عليك بما أنت أهله، وأنا أصدق دعواه؛ وأفتخر به افتخار الخصيّ بمتاع مولاه؟ وقد عرفته ولسَنه، وكَيف يَجرُّ في البلاغة رَسَنَه، فما ظنّك به، وقد ملكتها المجالس ولحظتها العيون، وسلّ صارماً من فيه، يعِيدُ شكرك ويبدِيه، وينشر ذكرك ويطويه؛ والجماعة تمدحُ لمدحه، وتجرح بجرحه، فرأيك في تحفظ أخلاقك التي أثمرت هذا الشكر، وأنتجت هذه المآثر الغرّ، موفقاً إن شاء الله تعالى.\rومن إنشائه في مقامات الإسكندري، قال: حدّثنا عيسى بن هشام، قال: لما نَطّقَني الغِنى بفاضل ذَيلِه، اتُّهمت بمال سلَبتُه، أو كنز أصبتُه، فخَفَرَني الليلُ، وسرَت بي الخيلُ. وسلكْتُ في هربي مسالِكَ لم يَرُضها السيرُ، ولا اهتدَتْ إليها الطيرُ، حتى طويت أرضَ الرُّعْبِ وتجاوزتُ حدّه، وصِرت إلى حِمَى الأمنِ ووجدتُ بَردَه، وبلغتُ أذربيجان وقد حَفِيَت الرواحلُ، وأكلتها المراحل، ولما بلغتها: الطويل:\rنزلنا على أن المقام ثلاثةٌ ... فطابَتْ لنا حتى أقمنا شهْرا","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"فبينا أنا يوماً في بعض أسواقِها إذ طلع رجل برَكْوَةٍ قد اعتضدها، وعصا قد اعتمدها، ودنيّة قد تَقَلَّسَها، وفوطةٍ قد تطَيْلَسَها؛ فرفع عقيرته وقال: اللهمّ يا مبدئ الأشياء ومعيدَها، ومحيي العظام ومبيدَها، وخالق المصباح ومديره، وفالقَ الإصباح ومنيره، وموصِلَ الآلاءِ سابغة إلينا، ومُمْسِك السماءِ أن تقعَ علينا، وبارئ النَّسَم أزواجاً، وجاعل الشمس سراجاً؟ والسماءِ سَقْفاً، والأرض فراشاً، وجاعلَ الليل سكَناً والنهار معاشاً، ومنشئ السحاب ثِقالاً، ومرسل الصواعق نكالاً، وعالِمَ ما فوق النجوم، وما تحت التخوم. أسألُك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآلِه الطاهرين، وأن تعينني على الغربة أثني حَبْلَها، وعلى العُسْرَةِ أعدو ظلَّها، وأن تُسهِّل لي على يدَيْ مَنْ فَطَرَتْهُ الفِطْرة، وأطلعَتْه الطُهْرَة، وسعِد بالدِّين المتين، ولم يَعْمَ عن الحق المُبين، راحلةُ تطْوي هذا الطريق، وزاداً يسعني والرفيق.\rقال عيسى بن هشام: فناجيتُ نفسي بأنَّ هذا الرجلَ أفصحُ من إسكندريّنَا أبي الفتح، والتفتُّ لفتةً، فإذا هو أبو الفتح، فقلتَ: يا أبا الفتح، بَلَغ هذه الأرضَ كيدُك، وانتهى إلى هذا الشِّعْبِ صيدك؟! فأنشأ يقول: مجزوء الخفيف:\rأنا جَوَّالةُ البلا ... دِ وجَوَّابةُ الأُفُق\rأنا خُذْرُوفَةُ الزما ... نِ وعَمَّارة الطُرُقْ\rلا تَلُمْنِي لك الرش ... دُ على كُدْيَتي وذُقْ\rوقال الطرماح بن حكيم: الطويل:\rوما أنس م الأشياء لا أنس بيعةً ... من الدهر إذ أهل الصفاء جميعُ\rوإذ دهرُنا فيه اعتزاز، وطَيْرُنا ... سَواكِنُ في أوكَارهنّ وقوعُ\rفهل لليالينا بنعف مليحة ... وأيامهنَّ الصالحات رُجوعُ؟\rكأن لم يَرُعكَ الظاعنون إلى بلًى ... ومثل فراق الظاعنين يَرُوعُ\rشعر في وصف الشباب والمشيب\rوقال علي بن محمد بن الحسن العلوي: مجزوء الكامل:\rواهاً لأيام الشبا ... ب وما لَبِسْنَ من الزخارفْ\rوذهابهنَّ بما عرفْ ... نَ من المناكر والمَعَارِفْ\rأيام ذكْرك في دوا ... وين الصِّبا صدْزَ الصحائفْ\rواهاً لأيَّامي وأَيام الشهياتِ المَرَاشفْ\rالغارسات البَان قُضْ ... باناً على كُثُبِ الرَوَادِفْ\rوالجاعلاتِ البَدْرَ ما ... بين الحواجبِ والسوالِفْ\rأيام يُظْهِرْنَ الخلا ... فَ بغير نِيَّاتِ المخالفْ\rوقف النعيم على الصِّبَا ... وزللت من تِلْكَ المواقِفْ\rوقال ابن المعتز: الطويل:\rدَعَتْنِي إلى عهد الصِّبا رَبَّةُ الخدْرِ ... وأَلقت قناعَ الخزِّ عن وَاضح الثغْر\rوقالت وماءُ العينِ يخلطُ كُحْلَها ... بصُفْرَةِ ماء الزعفران على النَّحرِ\rلمن تطلبُ الدنيا إذا كنت قابضاً ... عنانك عن ذات الوِشاحين والشذْرِ؟\rأراك جعلتَ الشيب للهَجْرِعِلةً ... كأن هلالَ الشهرِ ليس من الشهر\rوقال أحمد بن أبي طاهر: مجزوء الكامل:\rيا من كَلِفتُ بحبِّهِ ... كلَفي بكاساتِ العقارْ\rوحياة ما في وجنتي ... ك من الشقائق والبَهار\rوولوع رِدْفِكَ بالترَجْ ... رج تَحْتَ خَصْرك في الإزار\rما إن رأيت لحسن وج ... هك في البريَّة من نِجار\rلما رأيت الشَيب من ... وجهي بما يحكي الخمار\rقالت غبار قد علا ... ك فقلت ذا غير الغبار\rهذا الذي نقل الملو ... ك إلى القبور من الديار\rقالت ذهبت بحجَّتي ... عني بحسن الاعتذار\rيا هذه أرأيت لي ... لاً مذ خلقتِ بلا نَهَار؟\rوقال خالد الكاتب: الكامل:\rنظرتْ إليَ بعينِ مَنْ لم يَعْدلِ ... لمّا تمكَنَ طَرْفُهَا مِنْ مَقْتَلي\rلما رأتْ شيباً ألمَّ بمفرَقي ... صَدَّتْ صدودَ مُفَارقٍ متحمِّلِ","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"وظللْتُ أطلُب وَصْلَها بتملُّقٍ ... والشيبُ يغمزها بألا تَفْعَلي\rوقال ابن الرومي: الطويل:\rكفى حَزَناً أن الشباب معجلٌ ... قَصيرُ الليالي والمشيبُ مخلّدُ\rوعَزَّاك عن ليل الشباب مَعاشرٌ ... فقالوا: نَهار الشيب أهْدَى وأرْشَدُ\rفقلت: نهارُ المرء أهْدَى لسعيِه ... ولكنّ ظِل الليلِ أنْدى وأبْرَدُ\rمَحَارُ الفتى شيخوخة أو منية ... ومرجوعُ وهَّاج المصابيح رِمْدِدُ\rوقال: البسيط:\rكان الشبابُ وقلبي فيه منغمسٌ ... في لذةٍ لستُ أدرِي ما دواعيها\rرَوْح على النفس منه كادَ يُبْرِدُها ... بَرْدَ النسيم ولا ينفكُّ يحييها\rكأنَّ نفسيَ كانت منهُ سارحةً ... في جنَّةٍ بات ساقي المُزْن يسقيها\rيمضي الشباب ويبقى من لبَانته ... شَجْوٌ على النفس لا ينفكّ يُشْجيها\rما كان أعظم عندي قَدْرَ نعمته ... لنفسه لا لحلم كان يُصبيها\rما كان يُوزَن إعجاب النساء بهِ ... والنفسُ أوجب إعجاباً بما فيها\rوقال: الطويل:\rإذا ما رأتك البِيضُ صَدَّت، ورُبّما ... غدوتَ وطَرْفُ البيض نحوك أَصْوَرُ\rوما ظلَمتك الغانياتُ بصدِّها ... وإن كان في أحكامها ما يُجَوَّرُ\rأعِرْ طَرْفَكَ المرآةَ وانظرْ؛ فإنْ نبا ... بعينيك عنك الشيبُ فالبِيضُ أعذرُ\rإذا شَنِئت عين الفتى شَيْب نفسه ... فعيْنُ سِوَاء بالشناءة أجْدَر\rوقال كشاجم: الخفيف:\rوَقَفَتْنِي ما بين حُزْنٍ وبُوس ... وثنَتْ بَعْدَ ضحْكَةٍ بعُبوسِ\rإذْ رأتني مشَطْتُ عاجاً بعاج ... وَهِيَ الآبنوس بالآبنوسِ\rوقال أبو نواس: الكامل:\rبكرت تبصَّرني الرَّشاد كأنني ... لا أهتدي لمذاهب الأبرارِ\rوتقول: وَيْحَكَ قد كبرت عن الصِّبا ... ورَمَى الزمانُ إليك بالأَعْذَارِ\rفإلى متى تصبُو وأنت متيَّمٌ ... متقلّبٌ في راحةِ الإقتارِ\rفأَجَبْتُها إني عَرَفْتُ مذاهبي ... فصَرَفْتُ معرفتي إلى الإِنكارِ\rوقال أحمد بن زياد الكاتب: الطويل:\rولمّا رأيتٌ الشيبَ حلَّ بياضه ... بمَفْرَق رأسي قلت: أهلاً ومرحبا\rولو خِلْتُ أني إن تركت تحيتي ... تنكَّبَ عني رُمْتُ أنْ يتنكّبا\rولكن إذا ما حلَّ كرهٌ فسامحت ... به النفسُ يوماً كان للكُرْه أَذْهَبَا\rكأنّ هذا البيت ينظر إلى قول الأول: الطويل:\rوجاشت إليَّ النفس أولَ مرةٍ ... فَرُدَّت إلى معروفها فاستقرَّتْ\rأبو الطيب: الكامل:\rأنكَرْت طارقةَ الحوادثِ مرّةَ ... ثم اعترفتُ بها فصارت دَيْدنَا\rابن الرومي: الخفيف:\rلاح شَيْبي فصرتُ أمْرَحُ فيه ... مَرَحَ الطِّرْف في العِذَارالمُحَلى\rوتولى الشبابُ فازددْتُ غَيّاً ... في ميادين بَاطِلِي إذ تولّى\rإنَ من ساءه الزمانُ بشيء ... لأحقُّ الورى بأن يتسلّى\rالمتنبي: الخفيف:\rأتراني أسوء نفسيَ لمّا ... ساءني الدهر؟ لا، لعمريَ، كلاّ\rالمتنبي: الكامل:\rتَصْفُو الحياةُ لجاهِلٍ أوغافلٍ ... عَمّا مَضَى فيهما وما يُتَوَقَّعُ\rولمنْ يُغالِطُ في الحقائق نَفْسَه ... ويَسُومُها طَلَبَ المُحالِ فَيَطْمَعُ\rالبحتري: الكامل:\rيكفيك من حَقَّ تَخَيُّلُ باطلٍ ... تردى به نَفْسُ اللَّهيف فترجعُ\rوقلّما تصحّ مغالطات أهل العقول، عند أهل التحصيل، وما أحسن ما قال الطائي: الخفيف:\rلعِبَ الشيبُ بالمَفَارِقِ، بل جَدَّ فَأَبْكَى تُمَاضراً ولعوبا\rيا نسيبَ الثَّغام ذنبُك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذُنُوبا\rلو رأى الله أنً في الشيب فَضْلاً ... جاوَرَتْهُ الأبرار في الخُلْدِ شِيبا","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"وقد جاء في التشاغل عن الدهر وأحداثه، ونكباته، ومصائبه، وفجعاته، والتسلي عن الهموم، بماء الكروم، شعرٌ كثير؛ فممّا يتعلّق منه بذكر الشيب قول ابن الرومي: الطويل:\rسأعْرِض عَمّنْ أَغرَضَ الدهرُ دونهُ ... وأشربها صِرْفاً وإن لامَ لُوَّمُ\rفإني رأيت الكأس أكرَمَ خُلَّةً ... وَفَتْ لي ورأسي بالمشيب مُعَمَّمُ\rوصَلْتُ فلم تَبْخَلْ عليَّ بوصْلِها ... وقد بخِلَتْ بالوصلِ عنّيَ تكْتُم\rومَنْ صارمَ اللذات إنْ خان بعضها ... لِيُرْغِمَ دهراً ساءهُ فهو أرغم\rأمِنْ بعد مَثْوَى المرءِ في بَطْن أُمِّهِ ... إلى ضيق مَثْوَاه من القبر يَسْلَم\rولم يَبْقَ بين الضيق والضيق فرجة ... أبى الله! إن الله بالعبد أرحم!\rوقال العَطوي: الخفيف:\rأعَجِبْتُنَّ إنْ أناخَ بيَ الده ... ر فَحاكَمْتُهُ إلى الأقداحِ؟\rلا ترَدّ الهمُوم يُنْشِبْنَ أظفا ... راً حِدَاداً بِشُرْبِ ماءِ قراحِ\rأحمد الله، صارت الكأس تَأْسُو ... دون إخوانيَ الثقاتِ جراحي\rوقال ابن الرومي ونحله بشاراً: الطويل:\rوقد كنت ذا حال أُطِيلُ ادِّكارها ... وإرعاءها قلبي لأهتز معجبا\rفبُذِّلْت حالاً غير هاتيك، غايتي ... تناسيَّ ذِكراها لِتَغْرُبَ مَغْرِبا\rوكُنْتُ أُدير الكأس مَلأى رَوِيَّةً ... لأجْذَلَ مسروراً بها ولأطْرَبَا\rوكانت مزيداً في سروري ومُتْعَتِي ... فَأَضْحَتْ مَفَرّاً من همومي ومَهْربَا\rوهذا كما قال في قَيْنَة وإن لم يكن من هذا الباب: البسيط:\rشاهدت في بعض ما شاهدتُ مُسْمِعَةً ... كأنّما يَوْمُها يومان في يومِ\rظللْتُ أشربُ بالأرطال، لا طَرَباً ... بذاك، بل طلباً للسُّكْرِ والنومِ\rومن مليح شعره في الشيب: الطويل:\rومِنْ نكد الدنيا إذا ما تنكَّرتْأمورٌ وإن عدّت صِغَاراً عظائمُ\rإذا رُمْتُ بالمنقاش نتفَ أَشَاهبي ... أُتِيح له من بينهنّ الأداهِمُ\rيرَوِّعُ منقاشي نجوم مسائحي ... وهُنَ لعَيْني طالعاتٌ نَوَاجِمُ\rوقال أبو الفتح كشاجم: الطويل:\rأخي، قُمْ فعاوِنّي على نَتْفِ شَيْبَةٍ ... فإنيَ منها في عذاب وفي حَرْبِ\rإذا ما مضى المنقلاش يأتِي بها أَتَتْ ... وقد أخذت من دونها جارة الجَنْبِ\rكجانٍ على السلطان يُجْزَى بذَنْبِهِ ... تَعَلَّقَ بالجيرانِ من شِدَّةِ الرُّعْبِ\rوقد وشَّحت هذا الكتاب بقطع مختارة في الشيب والشباب، وجئت ههنا بجملة، وهذا النوغ أعظم من أن نحيط به اختياراً، أو نبلغه اختباراً.\rشذور لأهل العصر\rفي وصف الشيب ومدحه وذمّه\rذَوَى غُصْنُ شبابه. بَدَت في رأسه طلائع المشيب، أخذ الشيب بعِنَان شبابه، غزاه الشَّيْب بجيوشه، طَرَّز الشيبُ شبابَهُ، أَقْمَرَ ليلُ شبابه، أَلجمه بلجامه، وقاده بزِمامه، علاه غبارُ وقائع الدهرِ. وزن هذا لابن المعتز: الكامل:\rهذا غبارُ وقائعِ الدهرِ","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"بينا هو راقد في ليل الشباب، أيقظه صبحُ المشيب. طوى مراحلَ الشباب، وأنفق عمره بغير حساب. جاوز من الشباب مَرَاحل، ووردَ من الشَّيبِ مَنَاهل. فَلَّ الدهرُ شبَا شبابه، ومَحا محاسنَ رُوَائه. قضى باكورة الشباب، وأنْفَقَ نَضَارَةَ الزمان. أَخْلَق بُرْدَة الصِّبا، ونهاه النهي عن الهوى. طار غرابُ شبابه. انتهى شبابه، وشاب أترابه. استبدل بالأدهم الأبْلَقَ، وبالغراب العَقْعق 0 انتهى إلى أَشُدِّ الكهل، واستعاض من حَلَك الغراب بقادمةِ النَّسر. افترّ عن نَابِ القارح، وقرع نَاجِذَ الحلم، وارتاضَ بلِجام الدَّهرِ، وأدرك عصر الْحُنكة وأوان المسكة. جمع قوَّة الشباب إلى وَقَار المشيب. أسفر صبح المشيب، وعَلَتْه أبهة الكِبَر. خرج عن حد الحداثة؛ وارتفع عن غِرَّةِ الغَرَارة. نَفَض حِبَرَةَ الصبا، ووَلى داعية الحجا. لما قام له الشيب مقام النصيح، عدل عن علائق الحداثة بتَوْبة نَصُوح. الشيب حِلية العقل وشِيمة الوقار. الشيب زبدةٌ مخَضَتها الأيام، وفِضّة سبكتها التجارب. سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب. عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة الشَّيْب. الشيخ يقول عن عيِان، والشاب عن سَماع. في الشيب استحكام الوَقَار وتناهي الجلال، ومِيسَم التجرِبة، وشاهد الحنكة. في الشيب مقدَّمَة الموت والهَرَم، والمؤْذِن بالخَرَف، والقائد للموت. الشيبُ رسول المنية. الشيب عنوَان الفساد. والموتُ ساحل، والشيبُ سفينة تقرب من الساحل. صفا فلان على طول العمر، صفاء التِّبْر على شغب الجمر. لقد تناهت به الأيامُ تهذيباً وتحليماً، وتناهت به السّن تجريبَاً وتحنيكاً. قد وعظه الشَّيْبُ بوَخْطِه، وخَبطه السنُّ بابنه وسِبطه، قد تضاعفت عقودُ عمره، وأخذت الأيام من جسمه. وجَد مَسّ الكبر، ولحقه ضَعْفُ الشيخوخة، وأساء إليه أثر السنّ، واعتراض الوهن. هو من ذوي الأسنان العالية، والصحبَة للأيام الخالية. هو هِمُّ هَرِم، قد أخذ الزمانُ من عَقْله، كما أخذ من عمره. ثَلَمَه الدهر ثَلْمَ الإناء، وتركه كذِي الغارب المنكوب، والسَّنام المجبوب. رماه من قوسه الكِبَر. أُريق ماءُ شبابه، واستشنَّ أديمه. كسر الزمانُ جناحَه، ونقض مِرَّته. طوى الدهر منه ما نشر، وقيّده الكبر، يرسف رسَفَان المقيّد، هو شيخ مجتثّ الجثّة، واهِي المُنَّة، مغلول القوة ومفلول الفتوة، ثقُلَت عليه الحركة؟ واختلفت إليه رسل المنية. ما هو إلا شمسُ العصر، على القصر. أركانه قد وهَتْ، ومدَّتُه قد تناهَتْ. هل بعد الغاية منزلة، أو بَعْدَ الشيب سوى الموت مرحلة؟ ما الذي يُرْجَى ممن كان مثله في تعاجز الْخُطا، وتخاذُل، القُوَى، وتَدَاني المدى، والتوجّه إلى الدار الأُخرى، أبعد دِقَّة العظم، ورقَّة الجلد، وضَعْف الحسّ، وتخاذل الأعضاء، وتفاوت الاعتدال، والقُرْب من الزوال. والذي بقي منه ذَماء يَرقُبه المنُون بمَرْصد، وحُشاشة هي هَامَة اليوم أو غد. قد خَلق عمره، وانطوى عيشُه، وبلغ ساحلَ الحياة، ووقف على ثَنِيَّةِ الوداع، وأشرف على دار المقام، فلم يبق إلا أنفاسٌ معدودة، وحركات محصورة. نَضب غديرُ شَبابه.\rفقر لغير واحد في المشيب\rقيس بن عاصم: الشيبُ خطام المنية. أكثم بن صيفي: المَشِيب عنوان الموت. الحجاج بن يوسف: الشيب نذير الآخرة. غيره: الشيبُ نومُ الموت. العتبي: الشيبُ مجمع الأمراض. العتابي: الشيبُ نذير المنيّة. محمود الوراق: الشيبُ أحد الميتتين. ابن المعتز: الشيبُ أولَ مَواعد الفَناء. وقال: عظِّم الكبير فإنه عَرف الله قَبلك، وارحَم الصغير فإنه أغرُّ بالدنيا منك. غيره: الشيب قِنَاعُ الموتِ. الشيب غَمامٌ قَطْرُه الغموم. الشيبُ قَذَى عين الشباب.\rنظر سليمان بن وهب في المرآة فرأى الشيب، فقال: عَيْبٌ لا عدمناه!.\rوقيل لأبي العيناء: كيف أصبحت. فقال: في داء يتمنّاه الناس!.\rابن المعتز: المديد:\rأنكَرَتْ شرّ مشيبي ووَلَّتْ ... بدموع في الرداءِ سُجُومِ\rاعذري يا شرّ شيبتي بهمّ ... إنَّ شيبَ الرأسِ نَوْرُ الهمومِ\rمسلم بن الوليد: البسيط:\rالشَيْبُ كرهٌ، وكُرهٌ أن أفارقُه ... أعْجِبْ لشيء على البغضاء مَوْدُودِ\rيَمْضِي الشبابُ فيأتي بعده بدلٌ ... والشيبُ يذهبُ مفقوداً بمفقودِ\rوقال آخر: مخلع البسيط:","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"لو أنَ عُمْرَ الفتى حِسَابٌ ... كان له شَيْبُه فَذَالِكْ\rوقال بعضهم: الطويل:\rولي صاحب ما كنتُ أَهوى اقترابَهُ ... فلمَّا التقيْنا كان أكْرَمَ صَاحبِ\rعزيزٌ علينا أنْ يفارقَ بعدما ... تمنَيتُ دهراً أن يبهونَ مُجَانبي\rيعني الشيب، يقول: لم أكن أشتهي اقترابه، فلما حلّ كان أكرم صاحب، عزيز عليَّ مجانبته، لأنه لا يجانَبُ إلا بالموت.\rأبو إسحاق الصابي: مجزوء الكامل:\rوالعمرُ مثلُ الكاس ير ... سب في أواخرها القَذَى\rأبو الفضل الميكالي: البسيط:\rأمْتِعْ شبابك من لَهْوٍ ومن طرَب ... ولا تُصِخْ لملامٍ سَمْعَ مُكتَرِثِ\rفخير عُمْرِ الفتى رَيْعَانُ جدَّتهِ ... والعمرُ من فضة والشيبُ من خبَثِ\rفي ذكر الخضاب: الخضاب أحدُ الشبابين.\rعبدان الأصبهاني: الخفيف:\rفي مشيبي شمَاتةٌ لعدَاتي ... وهو ناعٍ منغِّصٌ لي حياتي\rويعيب الخِضابَ قَوْمٌ، وفيهِ ... ليَ أنسٌ إلى حضور وَفاتي\rلا ومَنْ يعلم السرائرَ إني ... ما تطلّبت خَلّة الغانيات\rإنما رُمْتُ أنْ يُغَيَّبَ عنِّي ... ما تُرِينيه كلَّ يومٍ مِرَاتي\rوهو ناعٍ إليَ نفسي، ومَن ذا ... سرّهُ أن يرى وجوهَ النعَاة؟\rابن المعتز: الطويل:\rرأت شيبةً قد كُنتُ أغفلْتُ قصَّها ... ولم تتعهَّدها أكُفّ الْخَواضبِ\rفقالت: أَشْيَبٌ ما أرى؟ قلت: شامةٌ ... فقالت: لقد شانتكَ عند الحبائب\rالأمير أبو الفضل الميكالي: الخفيف:\rقد.أبى لي خِضَابَ شَيبي فؤاد ... فيه وَجدٌ بكتم ِسِرِّي وَلوعُ\rخافَ أن يحدث الخضابُ نُصُولاً ... ونصولُ الخِضاب شيءٌ بَدِيعُ\rوقالوا: الخضاب من شهود الزور، والخضاب حدادُ المشيب، إن خضب الشعر، فكيف يخضب الكِبَر. الخضاب كفن الشيب.\rابن الرومي: الخفيف:\rليس تُغْنِي شهادةُ الشَّعَر الأس ... ود شيئاً إذا استشنَّ الأديمُ\rأفيرجو مُسَوّدٌ أن يُزَكَّى ... شاهد الخضب؟ أين ضلَّ الحليمُ؟!\rلا لعمري ما لِلخِضاب لدَى الأبْ ... صار إلا التكذيبُ والتأثيمُ\rيدَّعي للكبير شَرْخَ شبابٍ ... قد تولّى به الشبابُ القديمُ\rوالسوادُ الدَّعِيُّ أوْجَب تكذي ... باً إذا كذّب السوادُ الصميمُ\rوله أيضاً في هذا المعنى: الطويل:\rكما لو أردْنا أنْ نُحِيلَ شبابنا ... مَشيباً ولم يَأْتِ المشيبُ تعذَّرا\rكذلك يُعْنينا إحالةُ شيبنا ... شباباً إذا ثوبُ الشباب تحسَّرا\rأَبى الله تدبير ابن آدم نفسه ... وأنى يكون العبد إلا مُدَبَّرا؟\rوقال: الكامل:\rقل للمسوَّد حين شيب: هكذا ... غِشُّ الغَوَانِي في الهوَى إيّاكا\rكَذَبَ الغوانِيَ في سوادِ عذارِهِ ... فكذبنه في ودهنّ كَذَاكا\rهيهات غَرّك أن يُقَال غرائرٌ ... أيّ الدواهي غيرهنّ دَهَاكا؟\rلا تحسبن خَدَعْتَهُنّ بحيلةٍ ... بل أَنْتَ ويحك خادَعَتْكَ مُنَاكا\rوقال أبو الطيب المتنبي: البسيط:\rومِنْ هَوَى كلِّ منْ ليستْ مُموّهة ... تركْتُ لونَ مَشِيبي غيرَ مخضوب\rومِنْ هوى الصِّدْقِ في قولي وعادتهِ ... رغِبتُ عن شَعَرٍ في الوجهِ مكذوب\rليتَ الحوادثَ باعَتْنِي الذي أخذَتْ ... مِنِي بحِلْمِي الذي أعطتْ وتجريبي\rفما الحداثَةُ مِنْ حِلْمٍ بمانعةٍ ... قد يوجد الحلْم في الشبَّانِ والشيبِ\rغيره: البسيط:\rيا خاضبَ الشيب بالحنَّاء يَسْتُرهُ ... سَلِ الإلهَ له سِتْراً من النارِ\rوقد سلك أبو القاسم مسلكاً طريفاً قوله: الكامل:\rأَفْدِي المغاضبة التي أتْبَعْتُهَا ... نَفَساً يشيع عِيسَها إذْ آبا\rوالله لولا إنْ يُسَفِّهني الصبا ... ويقولَ بعضُ القائلين تَصَابَى","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"لكسرت دُملُجَها لضِيق عِنَاقهِ ... ولثَمْتُ من فِيهَا البرودَ رُضَابا\rبِنتُم فلولا أن أغير لمّتي ... عتباً وألقاكم عليَّ غضابا\rلخضبت شَيْباً في عِذَاري كامناً ... ومحوتُ مَحْوَ النّقْس منه شَبابا\rوخلعته خَلْعَ النجاد مذمماً ... واعتضت من جِلبابه جِلبَابا\rولبست مبْيَضَّ الحِدَاد عليكم ... لو أَنني أَجِدُ البياض خِضَابا\rوإذا أردتَ إلى المشيب وفادةً ... فاجْعل إليه مطيّك الأَحْقَابَا\rفلتأخذنَّ من الزمان حمامة ... ولتدفعنَّ إلى الزمانِ غُرَابا\rماذا أَقول لِرَيب دَهْرٍ خائن ... جَمَع العِدَاةَ وفرَّقَ الأحْبَابا\rمن أخبار الوليد بن يزيد\rوقيل للوليد بن يزيد بن عبد الملك لَمَّا غلبت عليه لذَّاته، وملكته شهواته: يا أميرَ المؤمنين، إن الرعيّة ضاعت بتضييعك أَمْرَها، وتركك ما يجب عليك من مصْلحتها. فقال: ما الذي أَغفلْناه من واجب حقّها، وأسقطناه من مفروض ذمامها؟ أَمَا كَرمُنا دائم، ومعروفُنا شامل، وسلطانُنا قائم؟ وإنما لنا ما نحن فيه، بُسِط لنا في النعمة، ومُكَن لَنا في المكرمة، وأذلّت لنا الأمة، ومُذَ لنا في الحُرمة، فإن تركتُ ما به وسع، وامتنعت عمّا به أنعم، كنت أنا المزيل لنعمتي بما لا ينال الرعيّةَ ضرّه، ولا يؤُودُهم ثِقْلُه. يا حاجب، لا تَأْذَنْ لأحد في الكلام.\rوقال عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد، وكان خاصّاً به: يا أمير المؤمنين، أنطقتني بالأُنْس، وأنا أَسكت بالهَيْبَة، وأَراك تأمرنا بأَشياء أنا أخافُها عليك، أفأَسكت مطيعاً أم أقول مشفقاً؟ قال: كل مقبولٌ منك، معلوم فيه ثقتك، ولله فينا عِلْمُ غيب نحن صائرون إليه! وتعود فتقول: فقتل الوليد بعد ذلك بشهر.\rالحجاج وأهل العراق\rوقال عبد الملك بن مَرْوان للحجاج: إني استعملتك على العراق، فاخْرُج إليها كَمِيشَ الإزار، شديد الغِرَار، قَليل العثار، مُنْطَوِي الخصيلة، قَلِيل الثميلة، غرار النوم، طويل اليوم، واضغط الكوفة ضَغْطة تَحْبِق منها البصرة.\rوشكا الحجاجُ يوماً سوءَ طاعةِ أهل العراق، وسقم مذهبهم، وسخط طريقتهم، فقال له جامع المحاربي؛ أَما إنهم لْو أَحبّوك لأطاعوك، على أنهم ما شنِئُوك لبلدك، ولا لذاتِ يَدِك، إلا لِمَا نَقَمُوه من أفعالك؛ فدَع ما يُبعِدهم عنك إلى ما يدنيهم منك، والتمس العافية ممن دونك تُعْطَها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدُك بعد وَعْدك ثلاثاً.\rفقال له الحجاجُ: واللّه ما أَرى أن أردّ بني اللَخناء إلى طاعتي إلا بالسيف. فقال جامع: أيها الأمير، إنّ السيف إذا لاقى السيفَ ذهب الخيارُ. قال الحجاج: الخيارُ يومئذ لله. قال جامع: أجل، ولكن لا ندري لمن يجعله اللّه. فغضب الحجاج وقال: يا هَنَاه، إنك من محارب، فقال جامع: الطويل:\rوللحرب سُمِّينا وكئا محارباً ... إذا ما القنَا أَمْسَى من الطعن أحمرا\rفقال له الحجاج: والله لقد هممتُ أن أَخْلع لسانك، فأَضربَ به وجهك. فقال جامع: إن صَدَقْناك أغضبْناك، وإن كذَبْناك أغْضبَنَا اللّه. فقال الحجاج: أجل، وسكن سلطانه، وشغل ببعض الأمر، وخرج جامع وانسلَّ من صفوف الناس، وانحاز إلى جبل العراق.\rوكان جامعِ لَسِناً مُفَوَّهاً، وهو الذي يقولُ للحجاج حين بنى واسطاً: بَنَيْتَها في غير بَلدك، وأَورثْتَها غيْرَ ولدك.\rوكان الحجاجُ من الفصحاء البلغاء، ويقال: ما رُئي حضَرِيّ أَفْصح من الحجاج ومن الحسن البصري. وكان يحبُّ أهل الجهارَة والبلاغة، ويؤثرهم ويقربهم.\rولما دخل أيوب بن القرَّية على الحجاج - وكان فيمن أُسر من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي - قال له: ما أعددتَ لهذا الموقف؟ قال: ثلاثة حروف، كأنها ركب وُقوف: دُنْيا، وآخرة، ومعروف.\rفقال له الحجاج: بئسما مَنَيْتَ به نفسك يا ابْنَ القرّية، أتراني ممن تخدعُه بكلامك وخُطبك؟ والله لأنت أقربُ إلى الآخرة من موضع نَعْلي هذه.\rقال: أقِلْني عَثْرتي، وأَسِغْني رِيقي، فإنه لا بد للجواد من كَبْوة، والسيف من نَبْوة، والحليم من صَبْوَة.","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"قال: أنت إلى القبر أقربُ منك إلى العفو، ألستَ القائل وأنت تحرض حِزْبَ الشيطان، وعدو الرحمن: تغدُّوا بالحجاج قبل أن يتعشى بكم؟ وقد رُويت هذه اللفظة للغضبان بن القبعثرى. ثم قدمه فضرب عنقه.\rقال الخُرَيْمي لأبي دلف وأخذه من قول ابن القّرية: المتقارب:\rله كَلِمٌ فيك معقولةٌ ... إزاءَ القلوب كرَكْب وقوفْ\rوبعث الحجاجُ إلى عامله بالبصرة: اخْتَرْ لِي عشَرة من عندك، فاختار رجالاً فيهم كثير بن أَبي كثير، وكان عربيّاً فصيحاً، فقال كثير: ما أراني أفْلِتُ من يد الحجاج إلا باللَّحْن، فلمّا دخلْنا عليه دعاني فقال: ما اسمُك؛ فقلت: كثير، قال: ابن مَنْ؟ فقلت في نفسي: إن قلت ابن أبي كثير لم آمن أن يتجاوَزَها، قلت: ابن أبا كثير، فقال: أَعْزِبْ، لعنك الله ولعن مَنْ بعث معك!!.\rفقر في المديح\rوقال النابغة الذبياني يمدحُ آل جَفْنَة: الطويل:\rولله عيناَ من رأى أَهْلَ قُبةٍ ... أَضرَّ بمن عادى وأكثر نافعا\rوأَعْظَم أحلاماً وأكثر سيّداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشَافِعا\rمتى تَلْقَهُم لا تَلْقَ للبيت عورة ... فلا الضيف ممنوعاً ولا الجارُ ضَائِعا\rوأنشد محمد بن سلام الجمحيّ للنابغة الجعدي: الطويل:\rفتى كَمُلَتْ أخلاقُه غيرَ أنهُ ... جوادّ فما يُبْقي من المال باقيا\rفتى تمّ فيه ما يَسُرُّ صديقَهُ ... على أنَ فيه ما يسوءُ الأعاديا\rأشمّ طويل الساعدين شَمَرْدل ... إذا لم يَرُحْ للمجد أصبح غاديا\rومن حُرِّ المدح وجيّد الشعر قول الحطيئة: الطويل:\rتزور امْرَأً يُعْطِي على الحمدِ ماله ... ومَن يُعْطِ أثمانَ المحامدِ يُحْمَدِ\rيَرى البخلَ لا يُبْقِي على المرء ماله ... ويعلم أنّ المرءَ غيرُ مخلَدِ\rكَسُوبٌ ومِتلافٌ إذا ما سألتهُ ... تهلَلَ واهتزَّ اهتزازَ المهنَّدِ\rمتى تأتِه تَعْشُو إلى ضوء ناره ... تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقدِ\rوسمع عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، هذا البيت فقال: ذاك رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، وقوله: الطويل:\rيسوسون أحلاماً بعيداً أناتُها ... وإن غضبوا جاء الحفيظةُ والجِدُّ\rأقِلُّوا عليهم لا أَباً لأبيكُم ... من اللومِ أوسُدّوا المكانَ الذي سَدُّوا\rأولئك قومٌ إن بَنَوْا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شَدُّوا\rوإن كانت النعماءُ فيهم جَزَوْا بها ... وإن أنعموا لا كدَّرُوها ولا كَدُّوا\rمَطَاعِين في الهيجا مَكَاشِيفُ للدجَى ... بَنَى لهمُ آباؤهم وبَنَى الجَدُّ\rوتعذلني أبناءُ سَعْدٍ عليهمُ ... وما قلت إلاَّ بالذي عَلِمَتْ سَعْدُ\rوقال منصور النمري: الطويل:\rترى الخيل يوم الحرب يَظْمَأن تحتهُ ... وَيرْوَى القَنَا في كَفِّهِ والمَنَاصِلُ\rحلالٌ لأطْرَاف الأسِنّة نَحْرُهُ ... حرامٌ عليها منه مَتْنٌ وكاهِلُ\rوقال آخر: الطويل:\rفتًى دهره شَطْرَانِ فيما يَنُوبهُ ... قفي بَأْسِه شطرٌ وفي جودِه شَطْرُ\rفلا مِنْ بُغَاة الخير في عينه قذى ... ولا مِنْ زئير الحرب في أُذْنِه وَقْرُ\r؟الشارب\rوقال بعضُ الظرفاء: الشرابُ أولُ الخراب، ومِفْتَاح كل باب، يَمْحَق الأموال، ويُذهِبُ الجمال، ويَهْدِم المروءة، ويُوهِنُ القوة، ويَضع الشريف، ويُهِين الظريف، ويُذِلُ العزيز، ويفلس التجار، ويَهْتِك الأستار، ويورث الشَّنَار.\rوقال يزْيد بن محمد المهلبي: الطويل:\rلعمرُك ما يُحْصَى على الكأس شَرُّها ... وإن كان فيها لَذَةٌ ورَخاءُ\rمراراً تُريك الغَيَّ رشداً، وتارةً ... تخيّل أن المحسنين أساءوا\rوأن الصديق الماحض الودّ مبغِضٌ ... وأنّ مديحَ المادحين هِجَاء","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"وجرَّبت إخوان النبيذ فقلما ... يدومُ لإخوان النبيذ إخاء\rالتطفيل\rعوتِب طفيلي على التطفيل فقال: ولله ما بُنِيت المنازلُ إلا لِتُدْخَل، ولا نصبت الموائد إلا لتُؤكل، وإني لأجمع فيها خلالاً؛ أدخل مُجالِساً، وأَقعد مؤانساً، وأنبسط وإن كان ربُّ الدار عابساً؛ ولا أتكلّف مَغْرَماً، ولا أنفِق درهماً، ولا أتعب خادماً.\rوقال ابن الدراج الطفيلي لأصحابه: لا يهولنَّكم إغلاقُ الباب، ولا شدّة الحِجاب، وسوء الجواب، وعبوس البواب، ولا تحذير الغراب، ولا منابذة الألقاب؛ فإنَّ ذلك صائر بكم إلى محمول النوال، ومُغِنٍ لكم عن ذُلِّ السؤال، واحتملوا اللَّكْزَة المُوهِنة، واللَّطْمَة المزمنة، في جنب الظفر بالبُغْيَة؟ والدرَك للأُمنية، والزَموا الطَوْزَجَة للمعاشرين، والخِفّة للواردين والصادرين، والتملّق للمُلْهين والمطربين، والبشاشة للخادمين والموكلين؛ فإذا وصلتم إلى مُرَادكم فكلُوا محتكرين، وادِّخروا لغؤكم مجتهدين؛ فإنكم أحقّ بالطعام ممن دعِي إليه، وأولَى به ممن وُضع له، فكونوا لوقته حافظين، وفي طَلبه مُشَمّرين، واذكروا قول أبي نواس: الطويل:\rلِنَخمس مالَ الله من كلِّ فاجر ... وفِي بِطْنَةٍ للطيِّبَاتِ أَكُولِ\rهذا يقوله أبو بواس في أبيات تُسْتَنْدَر كلُّها، ويستظرف جلُّهَا، وهي\rوخَيْمةِ نَاطورٍ برَأسِ مُنِيفةٍ ... تَهُمُّ يدَا مَنْ رامَها بِزَليل\rإذا عارضتها الشمسُ فاءت ظلالُها ... وإن وَاجهَتْها آذنَتْ بدُخولِ\rحطَطْناَ بها الأثْقالَ فَلَّ هجيرةٍ ... عَبُورِيَّةٍ تُذْكى بغَيْرِ فَتِيل\rتأنَّت قليلا ًثم فاءَتْ بمَذْقَةٍ ... من الظلِّ في رثِّ الإناء ضَئيلِ\rكأنَّا لدَيْها بين عِطفَيْ نَعَامةٍ ... جَفَا زَوْرُها عن مَبْرَكٍ ومَقِيل\rحَلَبت لأصحابي بها دِرَّةَ الصِّبا ... بصفراءَ من ماءِ الكروم شَمُولِ\rإذا ما أتت دون اللّهَاةِ من الفتى ... دعا همُّهُ من صدْرِه برَحِيلِ\rفلمّا توافَى الليل جنْحاً من الدُّجى ... تصابَيْت واستجملتُ غيرَ جميلِ\rوأعطيت مَن أهوى الحديثَ كما بَدَا ... وذلَّلْتُ صَعْباً كان غير ذلول\rفغنَّى وقد وَسَّدت يُسرايَ خَدَّه ... إلا ربما طالبتُ غَيْرَ مُنيلِ\rفأنزلْتُ حاجاتي بحِقْوَي مُساعدي ... وإن كان أدنى صاحبٍ، وخليل\rفأصبحت أَلحَى السُكْرَ والسكرُ محسنٌ ... إلا ربَّ إحسان عليكَ ثقيل\rكفى حَزَناً أنّ الجواد مقتَّرٌ ... عليه، ولا معروفَ عند بخيل\rسأبغي الغِنى إما وزيرَ خليفة ... يقومُ سواءً أو مخيفَ سبيلِ\rبكل فتًى لا يُسْتَطارُ فؤادهُ ... إذا نوَّه الزحْفَانِ باسم قتيل\rلنَخْمُس مالَ الله من كل فاجرٍ ... وذي بِطْنَةٍ للطيبات أكُول\rألم تر أنَّ المال عَوْنٌ على الثُقى ... ولَيْسَ جَوَادٌ مُعْدِمٌ كبَخِيلِ\rألفاظ لأهل العصر\rفي صفة الطفيليين والأكلة وغيرهم\rشيطان مَعدته رَجِيم، وسلطانها ظلوم. هو آكَلُ من النار، وأشرَبُ من الرمل. لو أكل الفيلَ ما كفَاه، ولو شرب النيلَ ما أَرْوَاه، يجوبُ البلاد، حتى يقع على جَفْنَة جَوَاد. يرى ركوبَ البريد، في حضور الثّريد أصابعه ألزم للشَواء، من سَفُّود الشَّوّاء وأنامله كالشبكة، فى صيد السمكة. هو أجْوَعُ من ذئب مُعْتَس بين أعاريب. العيون قد تقلّبت، والأكباد قد تلهبت، والأفواه قد تحلبت. امتدت إلى الخوان الأعناق، واحتدت نحوه الأحداق، وتحلّبت له الأشداق.\r؟وصف طائر","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"سأل المهدي صباح بن خاقان عن طائر له جاء من آفاق الغابة فقال: يا أمير المؤمنين، لو لم يَبنْ بحسن الصفة لَبَانَ بحسن الصورة. قال: صِفْه لي. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قُدَّ قَدَّ الْجَلَم، وقوِّم تقويم القلَم، ينظر من جَمْرَتين، ويلفظ بدرَّتين، ويمشي على عقيقتين، تكفيه الحبَّة، وتُرويه الغُبَّة، إن كان في قفص فَلَقه، أو تحت ثوب خرقه، إذا أقبل فَدَيْنَاه، وإذا أدبر حميناه.\r؟من أخبار المهدي: ودخل عبد الله بن مصعب الزبيري على المهدي، فقال: ويحك ب زبيري؛ دخَلتُ على الخيزران، فلمّا قامت ِلتُصلِح من شأنها نظرت إلى حُسنة! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أدركك في ذلك ما أدرك المخزومي حيث قال: الخفيف: ؟بينما نحنُ بالبَلاَكِثِ بالْقا - عِ سِرَاعاً والعِيسُ تَهْوي هُوِيّا\rخَطَرتْ خَطْرَةٌ على القلب من ذك ... راكِ وَهْناً فما استطَعْتُ مُضِيا\rقلتُ: لبَّيكِ إذ دعاني لكِ الشَوْ ... قُ وللحادِيَيْنِ: كُرَّا المُطِيَّا\rفأمر فرفعت الستور عن حُسْنة.\rثم قال لي: يا زبيري، واسوأتاه من الخيزران! ثم انثنى راجعاً إليها فقلت: يا أمير المؤمنين، أدركك في هذا ما أدرك جميلاً حيث يقول: الطويل:\rوأنْتِ التى حَبّبْتِ شَغْباً إلى بَداً ... إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما\rحَلَلْتِ بهذاحَلَّةً ثم حَلَّةً ... بهذا فطاب الوادِيَانِ كِلاهُمَا\rفدخل على الخيزران، فما لبث أَنْ خرج، قال الزبيري: فدخلت، فقال: أنشدني فأنشدته لصخر بن الجعد: الطويل:\rهنيئاً لكأس جَذّها الحيلَ بعدما ... عقدنا لكأس موثِقاً لا نخونها\rوإشماتُهَا الأعداء لما تألَّبوا ... حواليَّ واشْتَدَّتْ عَلَيَّ ضغونها\rفإن تصبحي وكَّلْتِ عينيّ بالبكا ... وأشمتّ أعدائي فقرَّت عيونها\rفإن حراماً أن أخونك ما دعا ... بيَلْيَل قُمريُّ الحمامِ وجُونُها\rوما طرد الليلُ النهار، وما دَعَتْ ... على فَنَنٍ وَرْقَاء شاكٍ رَنينها\rفأمر لي على كل بيت بألف دينار، وكانت الخيزران وحسنة أحظى النساء عند المهدي.\r؟وصف الغلام\rووصف اليوسفي غلاماً فقال: كان يعرفُ المراد باللَحْظ، كما يعرفه باللَفْظ، ويُعايِنُ في الناظر، ما يجري في الخاطر، أقرب إلى داعيه، من يد مُعَاطِيهِ؛ حديدُ الذهن، ثاقبُ الفهم، خفيفُ الجسم، يُغنيك عن الملامة، ولا يحوجك إلى الاستزادة.\rوقال أبو نواس: الطويل:\rومنتظرٍ رَجْعَ الحديث بِطَرْفِهِ ... إذا ما انثنى من لينه فَضَح الغُصْنَا\rإذا جعل اللحْظَ الخفيّ كلامَهُ ... جعلت له عيني لتفهمه أُذْنَا\rوقال: الطويل:\rوإني لطَرْفِ العَيْن بالعَيْنِ زَاجِر ... فقد كدْتُ لا يَخفَى عليَّ ضميرُ\rوقد طرق هذا المعنى وإن لم يكن منه من قال: المتقارب:\rبَلَوتُ أخِلَّاءَ هذا الزمان ... فأَقْلَلْتُ بالهَجر منهم نَصِيبي\rوكلُّهُمُ إن تَصفَحْته ... صديقُ العِيَان عدوُّ المغيبِ\rتفقّدْ مساقِطَ لَحْظِ المريب ... فإنّ العُيونَ وجوهُ القلوبِ\rوهو كقول المهدي: الطويل:\rومطّلع من نفسه ما يَسُرُهُ ... عليه من اللحظ الخفيّ دليلُ\rإذا القلبُ لم يُبْدِ الذي في ضميرِه ... ففي اللَّحْظ والألفاظ منه رَسُولُ\r؟بين خالد بن صفوان وعلي بن الجهم\rودخل خالد بن صَفْوان عَلى عليّ بن الجهم بن أبي حذيفة، فألفاه يريد الركوب، فقُرِّب إليه حمار ليركبه، فقال خالد: أما علمت أن العيْر عار، والحِمَار شَنار، مُنكَر الصوت، قبيح الفَوْت، مُتَزلِّج في الضَّحْل، مرتطم في الوحل، ليس بركوبه فحل، ولا بمطيّة رَحْل، راكبهُ مقرف، ومسايره مُشرف.","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"فاستوحش أبن أبي حذيفة من ركوب الحمار ونزل عنه، وركب فرساً ودُفع الحمار إلى خالد فركبه، فقال له: ويحك يا خالد! أتَنْهي عن شيء وتأتي مثله؟ فقال: أصلحك اللّه! عَيْر من بنات الكُرْبال، واضح السربال، مختلج القوائم، يحمل الرَّجْلَة، ويبلغ العقبة، ويمنعني أن أكونَ جَباراً عنيداً، إن لم أعترف بمكاني فقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين.\r؟تنقل الزمان\rقال ابن دأب: خرجت مع بعض الأمراء في سفر إلى الشام، فمرَّ بي رجل كنت أعرفه حَسَنَ الحالِ من أصحاب الأموال الظاهرة في حال رثّة، فسلّم عليّ فقلت: ما الذي غيَّر حالك. فقال: تنقلُ الزمان، وكَرُّ الحِدْثان؛ فآثرت الضرْب في البُلْدَان، والبُعْدَ عن المعارف والخُلاّنِ، وقد كان الأمير الذي أنت معه صديقاً لي فاخترت البُعْدَ من الأشكال، حين حَصَّني الإقلال، واستعملت قول الشاعر: الطويل:\rسَأُعْمِل نَصَّ العِيسِ حتى يكفّنِي ... غنى المال يوماً أو غِنَى الحَدَثَانِ\rفَللمَوتُ خيرٌ من حياة يُرى لهَا ... على المرءِ في العلياء مَسُّ هَوَانِ\rمتى يتكلّم يلغَ خكْمُ كلاَمِهِ ... وإنْ لم يَقُلْ قالوا عَدِيمُ بَيَانِ\rكأن الفتى في أهله بورك الفتى ... بغير لسانٍ ناطق بلسانِ\rقال ابن دَأْب: فلمّا اجتمعتَ مع الأمير في المنزل وصفت له الرجل، فقال لي: ويحك! اطلبه حتى أُصلح من حاله، فطلبته فأَعْوَزَني.\r؟باب الرثاء\rوقال أبو الشيص يرثي قتيلاً: الخفيف:\rخَتَلَتْهُ المنونُ بَعْدَ اختيالٍ ... بَيْنَ صَفَّيْنِ مِنْ قنَاَ ونِصَالِ\rفي رداءٍ من الصَّفيحِ صقيلِ ... وقميصٍ من الحديد مُذَالِ\rوقال حارثة بن بدر الغُداني يرثي زياداً: البسيط:\rصَلَّى الإِلهُ على قَبْرٍ وطهَّرَهُ ... عند الثوبَّة يُسْفَى فَوْقَهُ المُورُ\rتهدي إليه قريشٌ نَعْشَ سَيِّدها ... فثمَ حَلَّ الندى والعزُّ والخِيرُ\rأبا المغيرة، والدنيا مفجّعة ... وإنَّ مَنْ غَرَّت الدنيا لمَغْرُور\rقد كان عندك للمعروف عَارِفَةٌ ... وكان عندك لِلنكْرَاء تَنكِيرُ\rوكنت تُغْشَى فتُعْطِي المالَ من سَعَةٍ ... فالآنَ بابُك أمسى وهو مهجور\rولا تلين إذا عوشِرت معتسراً ... وكان أَمْرَك ما يُوسِرْتَ مَيْسُورُ\rلم يَعْرِف الناسُ مذ غيّبْتَ فتْيَتَهُمْ ... ولم يُجَلِّ ظلاماً عَنْهُمُ نور\rفالناس بعدك قد خفّت حلومهمُ ... كأنما نفَّخَتْ فيها الأعَاصِيرُ\rأخذ هذا البيت من قول مهلهل بن ربيعة في أخيه كليب، وكان إذا انتدى لم تحلّ حَبْوَته، ولم ينطق أحد إلا مجيباً له، إجلالاً ومهابة: الكامل:\rأنبئت أنَّ النار بعدك أوقدت ... واستبَّ بعدك ياكليبُ المجلسُ\rوتحدّثوا في أمرِ كل عظيمة ... لو كنت حاضر أَمْرِهم لم يَنْبِسوا\rوكان حارثة ذَا بيان وجَهارة وأدب، وكان شاعراً عالماً بالأخبار والأنساب، وكان قد غلب على زياد، وكان حارثة منهوماً في الشراب، فعُوتب زيادٌ في الاستئثار به، فقال: كيف أطَّرِح رجلاً يُسايرني مذ دخلت العراق، ولم يصكُكْ ركابُه ركابي، ولا تقدَّمني فنظرت إلى قَفَاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ عليّ الشمس في شتاء قطّ، ولا الرَّوْح في صيف، ولا سألته عن باب في العلم إلا قدّرت أنه لا يحسن غيره.\rوقال له زياد: من أخطب؟ أنا أم أنت؟ فقال: الأمير أخطب إذا تَوَعّد أو وعد، وبرَق ورَعد، وأنا أخطبُ في الوفادة، والثناء، والتحبير، وأنا أكْذب إذا خطبت، وأحشو كلامي بزيادات مليحة، شهيّة، والأمير يَقْصد إلى الحقّ، وميزانِ العدل، ولا يزيدُ في كلامه، ولا ينقص منه.\rفقال له زياد: قاتلك اللّه، لقد أجدتَ تخليص صفتي وصفتك.","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"ولمّا مات زياد جفاه عبيدُ الله ابنهُ، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة؟ فقال له عبيد اللّه: إن أبا المغيرة بلغ مبلغاً لا يلحقه فيه عيب، وأنا أنسَب إلى من يغلبُ عليّ، وأنت تُدِيمُ الشرابَ، وأنا حديثُ السنّ؛ فمتى قرَّبتك فظهرت منك رائحة الشراب لم آمَنْ أن يُظَنّ بي ذلك، فدَع الشراب وكُنْ أول داخل وآخر خارج.\rفقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرّي ونَفْعي، أَأَدَعهُ للحال عندك؟ ولكن صَرّفني في بعض أعمالك. فولاّه سُرَّق من بلاد الأهواز.\rوقال أبو الأسود الدؤلي، وكان صديقاً لحارثة: الطويل:\rأحارِ بنَ بَدْرٍ، قد وَليتَ ولايةً ... فكنْ جُرَذاً فيها تَخُونُ وتَسْرقُ\rولا تَدَعَنْ للناس شيئاً تصيبه ... فحظُك مِنْ مُلْكِ العِراقين سُرَّقُ\rفما الناسُ إلا قائل فمكذِّبٌ ... يقول بما يَهْوَى وإمَّا مُصَدِّقُ\rيقولون أقوالاً بظنٍّ وتهمة ... فإن قيل هاتوا حقِّقوا لم يحقَقوا\rفقال له حارثة: الطويل:\rجزاك إلهُ العرش خَيْرَ جزائهِ ... فقد قلت معروفاً وأوْصيت كافيا\rأمرتَ بشيء لو أمَرْتَ بغيرهِ ... لألفيتني فيهِ لأَمرك عَاصِيا\r؟وصف امرأة\rقال الأصمعي: سمعت امرأة من العرب تصفُ امرأةً وهي تقول: سَطعاء بَضَّةٌ، بيضاء غضَّة، عَرْماء رَخْصَة، قَبَّاء طَفْلة، تنظر بعينَيْ شادنٍ ظَمآن، وتبسم عن مُنَوِّر الأقحوان، في غبّ التّهتَان، وتشير بأساريع الكُثبَان، خلقها عميم، وكَلاَمُها رخيم، فهي كما قال الشاعر: الرجز:\rكأنها في القُمُصِ الرقاق ... مُخَّة ساق بين كَفَّيْ ساقِ\rأعْجَلَها الشاوي عن الإِحراقِ\rووصف أعرابي امرأة يحبّها فقال: هي زينة في الحضور، وباب من أبواب السُّرور، ولَذكرها في المغيب، والبعد من الرقيب، أشهى إلينا من كل ولد ونسيب، وبها عرفت فضل الحور العين، واشتقت بها إليهن يوم الدين.\rعود إلى كلام الأعراب\rوسئل أعرابي عن سفر أكْدى فيه، فقال: ما غنمنا إلا ما قَصَرنَا من صلاتنا، فأمَّا ما أكلته منّا الهواجر، ولقيَتْه منا الأباعر، فأمر استخففناه، لما أمّلناه.\rوقال عبد قيس بن خُفَاف البرْجمي لحاتم الطائي، وقد وَفد عليه في دماء حملها، قام ببعضها وعجز عن بعض: إني حملت دماء عَوَّلتُ فيها على مالي وآمالي، فأمَّا مالي فقدَّمته، وكنتَ أكبرَ آمالي، فإن تحْمِلْها فكم من حقٍّ قضيت، وهمّ كفيت، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم آيس من غَدِك.\rوقيل لأعرابي: لم لا تَضْرِبُ في البلاد؟ فقال: يمنعني من ذلك طفل بارك، ولِصّ سافك، ثم إني لستُ مع ذلك واثقاً بِنُجْحٍ طَلِبتي، ولا معتقداً بقضاء حاجتي، ولا راجياً عطف قرابتيَ؛ لأني أقْدم على قوم أَطغَاهم الشيطان، واستمالَهم السلطان، وساعدهم الزّمان، وأسكرتْهُم حداثة الأسنان.\rوخرج المهدي بعد هَدْأَة من الليل يطوفُ بالبيت، فسمع أعرابية من جانب المسجد تقول: قوم متظلّمون، نَبَتْ عنهم العيون، وفدَحَتهم الدُّيون؛ وعضَّتْهم السنون، بَادَ رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عِيَالهم، أبناءُ سبيل، وأَنْضَاء طريق، وصية الله، ووصية رسول الله، فهل آمِرٌ بخير، كلأَه الله في سَفَره، وخلفه في أهله. فأمر نصراً الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم.\rمن إنشاء بديع الزمان\rومن إنشاء البديع في مقامات أبي الفتح الإسكندري: حدثني عيسى بن هشام قال: كنت ببغداد، في وقت الأزاذ؛ فخرجتُ إلى السوق أَعتامُ من أنواعه، لابتياعه، فسرتُ غير بعيد إلى رجل قد أخذ أنواعَ الفواكه وصفّفها، وجمع أنواع الرُّطَب وصنّفها؛ فقبضتُ من كل شيء أحسنه، وقرضتُ من كل نوع أجوده؛ وحين جمعت حواشيَ الإزار على تلك الأوزار، أخذَتْ عينايَ رجلاً قد لفَّ رأسه ببرقع، حياء، ونصب جسده، وبسط يدَه؛ واحتضَنَ عِيالَه، وتأبَّط أطفالْه، وهو يقول بصوت يَدفَع الضعف في صدره والحَرضَ في ظهره: لرجز:\rويلي على كَفّين من سَويقِِ ... أو شَحْمَة تُضْرَبُ بالدقيقِِ\rأو قصعة تُملأ من خِرْدِيق ... تَفْثَأ عنَّا سَطَوَاتِ الرِّيقِِ","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"تُقيمنا عَنْ مَنْهَج الطريق ... يا رازِقَ الثروةِ بعد الضيقِِ\rسَهِّلْ على كفّ فتًى لبيق ... ذي حسَبٍ في مَجدِه عريقِِ\rيُهدي إلينا قدم التوفيق ... يُنْقذ عَيْشي من يد الترنيقِِ\rقال عيسى بن هشام: فأخذت من فاضل الكيس أخذةً وأنَلْته إياها، فقال: الرجز:\rيا من حَباني بجميل برّه ... أَفْضَى إلى الله بِحُسن سرّه\rوأستحفظ الله جميل ستره ... إن كان لا طاقةَ لي بشكْرِه\rفاللهُ ربِّي من وراءَ أمره\rقال عيسى بن هشام: فقلت: إنّ في الكيس فَضْلاً، فابْرُزْ لي عن باطنك أخرج لك عن آخره، فأماط لِثامه، فإذا شيخنا أبو الفتح السكندري، فقلت: ويحك! أي داهية أنت. فقال: مجزوء الوافر:\rنُقضّي العمر تشبيهاً ... على الناس وتَمْويهَا\rأرى الأيامَ لا تَبْقى ... عنى حال فأحكيها\rفيوماً شرُّها فيّ ... ويوماً شِرَّتِي فِيها\rمن رسائل بديع الزمان\rوسأل البديع أبا نصر بن المرزبان - عاريَةً - بعضَ ما يتجمَّل به، فأمسك عن إجابته؛ فأعاد الكتاب إليه بما نسخته: لا أزالُ - أَطال الله تعالى بقاء مولانا الشيخ! - لسوء الانتقّاد، وحسن الاعتقاد، أمْسَحُ جبينَ الخجل، وأمدُّ يمين العَجَل، ولضعف الحاسّة، في الفِراسة، أحسب الوَرَمَ شحماً، والسرابَ شراباً، حتى إذا تجشمت موارده، لأَشرب بَارِده، لم أَجِدْ شيئاً.\rوما حسبت الشيخَ سيدي ممن لعنيه هذه الجملة حتى عرضت على النار عودَه، ونشرت بالسؤال جُودَه، وكاتَبْتُه أستعيره حلية جمال، سحابةَ يوم أو شَطْرَه، بل مسافةَ ميل أو قَدْرَه، فغَاص في الفِطْنَة غوصاً عميقاً، ونظَر في الكَيْسِ نَظراً دقيقاً، وقال: هذا رجل مشحوذ المُدْية، في أبواب الكُدْية، قد جعل استعارة الأعلاق طريقَ افتراسها، وسبب احتباسها، وقد منَّى ضِرسه، وحدَّثَ بالمحال نفسه، ولا لطيفة في هذا الباب، أحسن من التغافل عن الجواب، فَضْلاً عن الإيجاب، وكلا فما في أبواب الردِّ أقبح مما قرع، ولا في شرائع البخل أوحش ممّا شَرع؛ ثم العُذر له من جهتي مبسوط إن بسطه الفَضْل، ومقبوك إن قَبِله المجد، وإنما كاتبتهُ لأعيد الحال القديمة، وأشرط له على نفسي أن أُريحه من سَوْم الحاجات من بعد، فمن لم يَسْتَحْي من أعْطِنِي، لم يستحْي له من أعفني؛ وعلى حسب جوابه أجري المودّة فيما بعد، فإن رأى أن يجِيبَ فعل إن شاء اللّه.\rوله إلى سهل بن محمد بن سليمان: أنا إذا طويت عن خِدْمَة مولاي - أطال الله بقاءه - يوماً لم أرفع له بصَري، ولم أعدّه من عمري، وكأني بالشيخ - أعزّه اللّه - إذا أغفلت مفروض خِدْمته، من قَصْدِ حضرته، والمثولِ في حاشيته، وجملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لَمّا شَبع تضلّع، واكتسى وتلفَّع، وتجلّل وتَبَرْقَع، تربَّع وترفَّع، فما يطوفُ بهذا الْجَناب، ولا يَظْهَرُ بهذا الباب؛ وأنا الرجل الذي آواه من قَفْرِ، وأغناه من فَقْرِ، وآمنه من خَوْف، إذ لا حَرَّ بوالِي عَوف؛ حتى إذا وردت عليه رقعتي هذه، وأعارها طَرْف كرمه، وظَرْف شِيَمِه، ونَظَر في عنوانها اسْمِي قال: بُعداً وسحقاً، وسبّاً وتبّاً وحتّا ونحتاً، وطَعْناً ولَعْناً، فما أكذبَ سَرَابَ أخلاقه، وأكثر أسْراب نفاقه، فالآن انحلَّ من عقدته، وانتبه من رَقْدَته. وكاتبني يستعيدني، كلاَّ لا أزَوِّجُهُ الرّضَا ولا قلاَمة، ولا أمنحه المُنَى ولا كرامة، بل أدعهُ يركب رَأسه، ويُقاسي أنفاسَه، فستأتيني به الليالي، والكيس الخالي، ثم أُرِيه ميزانَ قَدْره، وأُذِيقُه وبالَ أمره، خى إذا بلغ موضع الحاجة من الرقعة قال: مَأرُبةٌ لا حَفَاوة، ووَطر سَاقَهُ، لا نِزَاعٌ شَاقَه، فهذا بِذَا، ولا أبعد من تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية أن يقول: مرحباً بالرّقعة وكاتبها، وأهلاً بالمخاطبة وصاحبها وقضاء الحاجة بإنْحَائها، وإبرازها، وهي الرقعة التي سالت إلى من التمسته، كما اقترحته بما طالبته، فرأيهُ فيه موفق إن شاء الله تعالى.\rوله أيضاً إلى بعض الرؤساء يسأله إطلاق محبوس بسببه.","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"الشيخ - أطال الله بقاءه - إذا وصل يدي بيده لم ألمس الجوْزَاء، إلا قاعداً، وقد نَاطَها مِنّةً في عُنُق الدهر، وصاغها إكليلاً لجبين الشكر. وما أقْصَر يَدِي عن الجزاء، ولساني عن الثناء. وهذا الجاهل قد عرف نفسَه، وقلع ضرسه، ورأى ميزان قدْرِه، وذاق وبال أمره، وجهز إليّ كتيبة عجائز عاجزات؛ فأَطْلَقْن العويل والأليل، وبعثنني شفيعاً إليّ، واستعنَّ بي علي، وتوسَّلْن بكلمة الاستسلام، ولحمة الإسلام، في فَكِّ هذا الغلام؛ فإن أَحبَّ الشيخُ أن يجمعَ في الطَّوْلِ بين الحوض والكوثر، وينظم في الفَضْل ما بين الروض والمطر، شفع في إطلاقه مَكَارِمَه، وشرَّف بذلك خادمه، وأنجزنا بالإفراج عنه، مُوَفَّقاً إن شاء الله تعالى.\rتسامح المأمون\rوقال رجل لإبراهيم بن المهدي: اشفعْ لي إلى أمير المؤمنين في فَكّ أخي من حَبْسه، وكان محبوساً في عِدَاد العُصاة، فقال للمأمون: ليس للعاصي بعد القُدْرة عليه ذَنب، وليس للمصاب بعد الملك عذر. فقال: صدقت، فما طَلِبَتك؟ قال: فلان هَبْه لي. قال: هولك.\rوسأل أبو عبادة أحمد بن أبي خالد أن يطلق له أسارى، ففعل، فقال له: قد فككْنا أسْرَاكَ. فقال: لا فَك الله رِقَابَ الأحرار من أياديك!.\rألفاظ لأهل العصر\rفي التهنة بالإطلاق من الأسر\rالحمدُ لله حَمْدَ الإخلاص، على حسن الخَلاَصِ، الذي أفْضى بك من ذِلَةِ رِق، إلى عزَة عِتْق، ومن تَصلِيَةِ جحيم، إلى جنَةِ نعيم. خَرج من العِقَال، خروج السيفِ من الصِّقال. خرج من إساره، خروج البَدرِ من سِرارِه. الحمدُ لله الذي فكَّ أسراً، وجعل من بعد العُسرِ يُسْراً. خرج من البلاء، خروج السيف من الجلاء. قد جعل الله لك من مَضَايق الأمور مخرجاً نَجِيحاً، ومن مغالق الأهوال مسْرحاً فسيحاً.\rباب المديح\rمدح أبو نواس الأمين محمداً في أول خلافته بقصيدته التي يقول فيها: البسيط:\rأقول والعِيسُ تَعْرَوْرى الفَلاةَ بنا ... صُعْرَ الأزِمّة من مَثْنى ووُحْدانِ\rيا ناقُ، لا تسأمي أو تَبْلُغي مَلِكاً ... تقبيلُ راحته والرُّكْن سِيّانِ\rمقابلاً بين أَمْلاكٍ تفضّله ... ولا دتان من المنصور ثِنْتانِ\rمتى تُحِطِّي إليه الرَّحْلَ سالمةً ... تَسْتَجْمِعِي الْخلقَ في تمثال إنسانِ\rقال الحسن: هذا لأنَّ محمداً ولدهُ المنصور مرتين من قِبَل أن أباه هارون الرشيد بن المهدي بن أبي جعفر المنصور، ومن قِبل أنّ أمه أمة العزيز بنت جعفر بن أبي جعفر، المنصور، وكان المنصور دخل عليها وهي طفلة تلعب، فقال: ما أنت إلا زُبَيْدة، فغلب عليها هذا اللقب، ولم يَلِ الخلافة مَنْ أبواه هاشميان غير علي بن أبي طالب وأَمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وابنه الحسن، وأمّه فاطمة بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، والأمين محمد بن الرشيد.\rرجع القول - فلمَّا أنشده القصيدة قال: ما ينبغي أن يُسْمَع مدحُك بعد قولك في الخصيب بن عبد الحميد: الطويل:\rإذا لم تَزُز أرضَ الخصيب ركابُنا ... فأيُّ فتًى بَعْدَ الخصيبِ تزورُ؟\rفتًى يَشْتري حُسنَ الثناء بمالهِ ... ويَعْلَمُ أنّ الدائراتِ تدورُ\rفما فاته جودٌ، ولا حَلَّ دونه ... ولكنْ يسيرُ الجود حيث يسيرُ\rفقال: يا أمير المؤمنين، كلُّ مدح في الخصيب وغيره فمَدْح فيك؛ لأني أقول، ثم أرتجل: الطويل:\rملكْتَ على طير السعادة واليُمنِ ... وجاءت لك العلياءُ مُقْتَبِلَ السِّنِّ\rبمحيا وجود الدّين تحيا مهنأ ... بحسن وإحسان مع اليُمْن والأمْن\rلقد طابتِ الدنيا بطيبِ ثنائِه ... وزادت به الأيامُ حُسْناً إلى حُسْن\rلقد فكَّ أرقاب العُفاة محمدٌ ... وأسكن أهل الخوف في كَنَفِ الأمْنِ\rإذا نحْنُ أثْنَينا عليكَ بصالحٍ ... فأَنتَ كما نُثني وفوق الذي نثْني\rوإن جَرَت الألفاظُ يوماً بِمِدْحَةٍ ... لغيركَ إنساناً فأنْتَ الذي نَعْني\rقال: صدقت، مَدْحُ عبدي مدحٌ لي؛ ووَصَلَهُ وقرَّبه.\rوأما قول أبي نواس:\rإذا نحنُ أثنينا عليك بصالح\rفمن قول الخنساء: الطويل:","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"فما بلغ المُهْدُونَ للناسِ مِدْحَةً ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفْضَلُ\rوما بلغتْ كفُّ امرئ متناوَلاَ ... من المجد إلا والذي نِلْتَ أطْوَلُ\rوفد الأخطل على معاوية، فقال: إني قد امتدحْتُك بأبيات فاسمعْها، فقال: إن كنت شَبّهْتَني بالحيّة، أو الأسد، أو الصقر، فلا حاجةَ لي بها، وإن كنت قلت كما قالت الخنساء، وأنشد البيتين، فقلْ. فقال الأخطل: والله لقد أحسَنَتْ، وقد قلت فيك بيتين ما هما بدونهما، ثم أنشد: الطويل:\rإذا مُتّ ماتَ العُرْفُ وانقطع النَدَى ... فلم يبق إلاّ من قليل مُصَرَّدِ\rورُدَّت أكفُّ السائلين وأمسكوا ... عن الدين والدنيا بحزن مجدَّدِ\rوقول أبي نواس:\rوإن جَرَت الألفاظ يوماً بمِدْحَةٍ\rمن قول كثير في عبد العزيز بن مروان: الطويل:\rمَتى ما أقلْ في سالف الدهْر مِدْحَةً ... فما هي إلا لابن ليلى المعَظّمِ\rوقال الفرزدق: الطويل:\rوما أمرتني النفس في رِحْلَةٍ لها ... إلى أَحَدٍ إلا إليك ضَمِيرُهَا\rولما أنشد أبو تمام أحمد بن أبي دُوَاد قصيدته: الوافر:\rسقى عَهْدَ الحمى صوبُ العِهاد\rوانتهى إلى قوله:\rوما سافرْتُ في الآفاق إلا ... ومِنْ جَدْوَاك راحِلَتي وزادي\rمُقيمُ الظنَ عندكَ والأماني ... وإنْ قَلِقَتْ رِكابي في البلادِ\rقال له ابن أبي دُوَاد: هذا المعنى لك أو أخذته؟ قال: هُو لي، وقد ألممت فيه بقول أبي نواس:\rوإنْ جَرَت الألفاظ يوماً بمِدْحَةٍ ... لغيرك إنساناً فأنتَ الذي نَعْني\rوأخذه المتنبي فقال: الوافر:\rأَشَرْتَ أبا الْحُسَيْن بمدحِ قَوْمٍ ... نزلْتُ بهمْ فرحت بغير زَادِ\rوظَنُّوني مَدَحْتُهُمُ قَدِيماً ... وأنتَ بما مَدَحْتُهُمُ مُرَادِي\rوأما قول أبي تمام: وما سافرتُ في الآفاق - البيت فمن قول المثقب العبدي، وذكر ناقَته: الوافر:\rإلى عَمْرِو بن حمدَانٍ أبيني ... أخي النَّجْدَات والمجد الرصين\rوأما قولُ أبي نواس:\rفما فاته جود ولا حَلَّ دونه\rالبيت، فمن قول الشمردل بن شريك اليربوعي: البسيط:\rما قَصّرَ المجدُ عنكُمْ يا بني حكم ... ولاتجاوزكُمْ يا آلَ مسعودِ\rيحل حيث حللْتم لا يَرِيمكُمُ ... ما عاقبَ الدَّهْر بين البيض والسُّودِ\rإن يشهدوا يوجد المعروف عندهم ... خِدْناً وليس إذا غابوا بمَوْجُودِ\rوقد قال الكميت الأسلمي: المتقارب:\rيسير أبان قريع السما ... ح والمكرمَات مَعاً حيث سَارَا\rوقول أبي نواس أيضاً:\rفتًى يَشْتَرِي حُسْنَ الثناء بماله\rمأخوذ من قول الراعي: الطويل:\rفتى يشتري حُسْنَ الثناء بمالِه ... إذا ما اشترى المَخْزَاةَ بالمَجْدِ بَيْهَسُ\rبين السفاح وأبي نخيلة\rدخل أبو نُخَيْلة على أبي العباس السفاح، فاستأذنه في الإنشاد، فقال: لعنك الله! ألستَ القائل لمسلمة بن عبد الملك: الطويل:\rأمسلمةٌ يا نَجْلَ خير خليفةٍ ... ويا فارس الهَيْجَا ويا جبلَ الأرضِ\rشكرتك إن الشكر حَبْلٌ من التقى ... وما كلُّ من أَوليته نعمةً يقضِي\rوألقيتَ لما أن أتيتك زائراً ... عليَّ لحافاً سابغَ الطولِ والعرضِ\rونبهْتَ من ذكرى وما كان خاملاً ... ولكن بعض، الذكر أنبَهُ من بعض\rثم أمره بأن ينشد، فأنشده أرجوزة يقول فيها: الرجز:\rكنا أناساً نرهَبُ الهُلاَّكا ... ونركب الأعْجَاز والأوراكا\rوكلّ ما قد مَرّ في سواكا ... زُورٌ، وقد كفّرَ هذا ذاكا\rواسم أبي نخيلة الجنيد بن الجون، وهو مولى لبني حماد، كان مقصّداً راجزاً.\rقيل للخنساء: لئن مدحْت أخاك لقد هجوت أباك! فقالت: الكامل:\rجارَى أباهُ فأقبلا وهُما ... يتعاوَرَانِ مُلاءةَ الحُضْر\rحتى إذا جَدَّ الجراء وقَدْ ... ساوَى هناك القدر بالقدر\rوعَلاَ صياح الناسِ: أيهما؟ ... قال المجيب هناك: لا أدْرِي","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"برقتْ صحيفَةُ وَجْهِ والدهِ ... ومضى على غُلَوائه يَجري\rأولى فأولى أن يُسَاوِيَهُ ... لولا جَلالُ السِّنِّ والكِبْرِ\rوهما كأنهما وقد بَرَزا ... صَقْرَانِ قد حَلطَّا على وَكْر\rوقيل لأبي عبيدة: ليس هذا في شعر الخنساء. فقال: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل هذا.\rوقد أحسن البحتري في نحو هذا؛ إذ يقول في يوسف بن أبي سعيد، ومحمد بن يوسف الطائي: الكامل:\rجِدٌّ كجِدِّ أبي سعيدٍ إنهُ ... تَرَكَ السِّماكَ كأنه لم يَشرُفِ\rقاسَمْتَهُ أخلاقَهُ وَهْيَ الرَّدَى ... لِلمُعْتدي وهي النَّدى للمُعْتَفِي\rوإذا جرى في غايةٍ وَجَرَيْتَ في ... أخرى التقى شَأواكما في المَنْصَف\rقول الخنساء:\rيتعاوَرَان ملاءة الحُضْر\rأبرع استعارة، وأنصع عبارة؛ وقد قال عدي بن الرقاع: الكامل:\rيتعاوران من الغُبَار مُلاءَةً ... غبْرَاء محكمة هما نَسَجَاها\rتطوَى إذَا وردا مكاناً جاسياً ... فإذا السنابكُ أِسهلتْ نَشَرَاها\rوإلى هذا أشار الطائي في قوله: الوافر:\rتُثِيرُ عَجَاجةٌ في كل ثَغرٍ ... يهيمُ بها عديُّ بنُ الرِّقاعِ\rوأول من نظر إلى هذا المعنى شاعر جاهلي من بني عقيل فقال: الطويل:\rألاَ يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعَانِ ... عَفَت حِججاً بعدي وهُنَّ ثمان\rفلم يبق منها غيرُ نُؤيٍ مُهَدّمٍ ... وغيرُ أثَافٍ كالرُّكِيِّ رِعَانِ\rوآياتُ هابٍ أورقِ اللونِ سافَرَتْ ... به الريحُ والأمطارُ كلَّ مكان\rقِفَارٌ مَرَوْرَاةٌ تحارُ بها القطا ... وتمسي بها الجابان تقتربان\rيثيرانِ مِنْ نَسْجِ الغُبار عليهما ... قميصين أسمالاً ويَرْتديانِ\rومن مستحسن رثاء الخنساء وليلى\rوغيرهما من النساء:\rقال أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي: أنشد أبو السائب المخزومي قول الخنساء: البسيط:\rوإنَّ صخراً لمَوْلاَنا وسيِّدُنا ... وإنّ صَخْراً إذا نَشْتُو لنحّارُ\rوإن صخراً لَتَأْتمُّ الهداةُ بهِ ... كأنه عَلَمٌ في رأسه نَارُ\rفقال: الطلاق لي لازم إن لم تكن قالت هذا وهي تتبختر في مشيها، وتنظر في عطفها.\rومن مستحسن رثاء الخنساء قولُها ترثي أخاها صخراً: البسيط:\rاذهبْ فلا يبعدَنْكَ الله من رجل ... منّاعِ ضيمٍ وطَلاَّبٍ لأوتارِ\rقد كنتَ فينا صريحاً غير مؤتشب ... مركَّباً في نصابٍ غير خَوّار\rفسوف أبكيك ما نَاحَتْ مُطوَّقةٌ ... وما أضاءت نجومُ الليلِ للسارِي\rأبكي فتى الحيّ نالتْه منيّته ... وكلُّ نفسٍ إلى وقتٍ بمقدار\rوقولها تعنيه: البسيط:\rشهّاد أنجيةٍ شدَّاد أوهية ... قطّاع أودية للوِتْرِ طلابا\rسُم العُداة وفكاك العُناة إذا ... لاقَى الوغَى لم يكن للموت هيّابا\rيهدي الرَّعيلَ إذا جار السبيلُ بهم ... نَهْدَ التليل لزُرْق الشُمْرِ رَكابا\rوالخنساء اسمها تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عُصَيّة بن خُفاف بن امرئ القيس، وتكنى أم عمرو، ومِصْدَاقُ ذلك قول أخيها صخر: الطويل:\rأرى أم عمرو لا تملُّ عيادتي ... وملَّتْ سليمى مَضْجَعِي ومكاني\rسليمى: امرأته، وإنما لقبت الخنساء كناية عن الظبية، وكذلك تسميتهم الذلفاء.\rوالذلف: قصر في الأنف؛ وإنما يريدون به أيضاً أن ذلك من صفات الظباء، وهي أشعر نساء العرب عند كثير من الرُّواة؛ وكان الأصمعي يقدم ليلى الأخيلية، وهي ليلى بنت عبد الله بن كعب بن ذي الرحَالة بن معاوية بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقيل لها الأخيلية لقول جدِّها كعب: الكامل:\rنحن الأخايل ما يَزَالُ غلامُنا ... حتى يَدِبّ على العصا مذكورا\rقال أبو زيد: هذا البيت لها فسُمّيت به، وليلى أغزر بحراً، وأكثر تصرّفاً، وأقوى لفظاً؛ والخنساء أذهب في عمود الرثاء.","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"قال المبرد: كانت الخنساءُ وليلى الأخيلية في أشعارهما متقدمتين لأكثر الفحول، وقلّما رأيت امرأةً تتقدّم في صناعة، وإن قلّ ذلك، فالجملة ما قال الله تعالى: \" أَوَ مَنْ يُنَشَأُ في الْحِلْيَةِ وَهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ \" .\rومن أحسن المراثي ما خلط فيه مدحٌ بتفجّعٍ على المرثي، فإذا وقع ذلك بكلام صحيح، ولَهْجَة معربة، ونظام غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين.\rواعلمْ أنّ من أجَلّ الكلام قولُ الخنساء: البسيط:\rيا صَخْرُ ورّاد ماءٍ قد تناذَرَه ... أهْلُ المياهِ فما في ورْدِه عَارُ\rمَشْيَ السَّبَنْتَى إلى هَيْجَاء مُعْضلةٍ ... لها سِلاَحَان: أنيابٌ وأظفارُ\rوما عجولٌ على بَوٍّ تُطِيفُ بهِ ... لها حنينان: إعلانٌ وإسرارُ\rترتع في غفلة حتى إذا ادَّكرَتْ ... فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ\rيوماً بأَوْجَع مني حين فارقني ... صَخْرٌ، وللعيش إحْلاءٌ، وإمْرَارُ\rلم تَرَهُ جارةٌ يمْشِي بساحتها ... لريبةٍ حين يُخْلِي بيتَه الجارُ\rقال: ومن كامل قولها: الوافر:\rفلولا كثرةُ الباكِين حولي ... على إخوانهم لقتَلْتُ نَفْسِي\rوما يبكون مثلَ أَخي، ولَكِنْ ... أُسَلِّي النفسَ عنه بالتأَسِّي\rيذكّرُنىِ طلوعُ الشمسِ صَخْراً ... وأَذْكُره لكلِّ غروبِ شمس\rيعني أنَّها تذكره أول النهار للغارة، ووقت المغيب للأضياف.\rوقد قال ابن الرومي فيما يتعلّق بطَرف من هذا المعنى: الوافر:\rرأَيتُ الدهرَ يَجْرَحُ ثم يَأْسو ... ويُوسِي أو يعوّض أو يُنَسِّي\rأبتْ نفسي الهُلاَع لرُزْءِ شيء ... كفى شجواً لنفي رُزء نفسي\rأتجزعُ وحشة لفراق إلْف ... وقد وطنتُها لحلو رَمْسِ\rوقد أنكر على من تعلَّل بالتأسي بما قال غيرُه، فقال في ذلك: الطويل:\rخليليّ قد علّلتمانيَ بالأسى ... فأنعمتما لو أنني أتَعَلّلُ\rأللناس آثارِي، وإلاَّ فما الأسى ... وعيشكما إلا ضلالٌ مضَلّلُ\rوما راحةُ المرزوء في رُزْء غيره ... أيَحْمِلُ عنه بعضَ ما يتحمَّلُ\rكِلا حامِلَيْ عِبْء الرزيّة مُثْقَلٌ ... وليس معيناً مُثْقَل الظهرِ مُثْقَلُ\rوضربٌ من الظلم الخفيِّ مكانه ... تعزيكَ بّالمرزوء حين تأملَ\rلأنك يأسوك الذي هو كلمهُ ... بلا بَصَر لو أن جورَك يَعْدِل\rوقالت الخنساء: الطويل:\rوقائلةٍ والنعش قد فات خطوها ... لتدركه: يا لَهفَ نفسي على صَخْرِ\rألا ثكلتْ أُمُّ الذين غَدَوْا بهِ ... إلى القبر! ماذا يَحْمِلُونَ إلى القبر؟!\rوماذا يُوَارِي القبرُ تحت ترابهِ ... من الجود يا بُؤْسَ الحوادثِ والدهر\rفشأْنُ المنايا إذا أصابكَ رَيْبُها ... لتغدو على الفِتْيَانِ بعدك أو تَسْرِي\rوهذا المعنى كثير قد مرّت منه قطعة جيدة، ولم تزل الخنساء تبكي على أخويها صخرٍ ومعاوية، حتى أدركت الإسلام؛ فأقبل بها بنو عمّها وهي عجوز كبيرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذه الخنساء، وقد قرّحت آماقَها من البكاء في الجاهلية والإِسلام، فلو نَهَيْتَهَا لرجونا أن تنتهي، فقال لها عمر رضي الله عنه: اتّقي الله وأيقني بالموت، قالت: أبكي أبي وخَيْرَ بني مضر صخراً ومعاوية، وإنّي لموقِنَة بالموت، قال: أتبكِين عليهم وقد صاروا جَمْرَة فىِ النار؟ قالت: ذلك أشدّ لبكائي عليهم! فرقَّ لها عمر وقال: خلّوا عن عجوزكم لا أبا لكم! فكل امرئ يبكي شَجْوَهُ، ونام الْخَليُّ عن بكاء الشجي.\rوكان عمرو بن الشريد يَأخُذُ بيد ابنيه معاوية وصخر في الموسم، ويقول: أنا أبو خَيْرَى مضر، فمن أنكر فليغيّر، فلا يغير ذلك عليه أحد، وكان يقول: من أتى بمثلهما أخوين من قبل فله حكمه، فتُقرّ له العرب بذلك.\rوكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: \" أنا ابن الفواطم من قريش، والعواتك من سُليم، وفي سُليم شرف كثير \" .","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"وكان يقال لمعاوية: فارس الجَوْن، والجَوْن من الأضداد، يقال للأسود والأبيض، وقتلته بنو مرّة، قتله هاشم بن حَرْمَلة، فطلبه دُرَيد بن الصِّمَّة حتى قتله، وأما صخر فغزا أسد بن خزيمة فأصاب فيهم، وطعنه ثوْر بن ربيعة الأسدي، فأدخل في جوفه حلقاً من الدرع فانْدَمَل عليه، فنتأت قطعة من جنبه مثل اليد، فمرض لها حولاً، ثم أشير عليه بقطعها، فأحموا له شفرة ثم قطعوها، فما عاش إلا قليلاً.\rومن جيد شعر ليلى الأخيلية ترثي تَوْبَةَ بن الحُمَيِّر الخفاجي، وكان لها محبّاً، وله فيها شعرٌ كثير، وقتله بنو عوف بن عُقيل، قتله عبد الله بن سالم: الطويل:\rنظرتُ ورُكْنٌ من عَمَايَة دوننا ... وأركان جسمي أيّ نظرة ناظرِ\rفآنست خيلاً بالرُّقَيِّ مُغيرةً ... سَوابقُها مثل القَطَا المتواترِ\rفإنْ تَكُنِ القَتْلَى بَوَاءً فإنكم ... فتى ما قتلتمْ آل عَوْفِ بن عامرِ\rفلا يُبْعِدَنْك الله يا تَوْبَ إنما ... لقاءُ المنايا دَارِعاً مثل حاسِرِ\rأتتْهُ المنايا بين دِرْعِ حصينةٍ ... وأسمرَ خَطيٍّ وجرداء ضَامِرِ\rكأنَّ فتَى الفتيان تَوْبَة لم يُنخْ ... قلائص يَفْحَصْنَ الحصَى بالكَراكِرِ\rولم يُدْعَ يوماً لِلْحِفَاظِ وللنُهى ... وللحرب تَرْمِي نَارُها بالشَرَائرِ\rوللبازل الكَوْمَاء يَرْغُو حُوَارُها ... وللخيل تَعْدُو بالكُمَاةِ المَسَاعِرِ\rفتى لا تَخَطَّاه الرِّفَاق، ولا يَرَى ... لِقِدْرٍ عِيَالاً دون جارٍ مُجَاوِرِ\rفتى كان أَحْيَا من فتاةٍ حَيِيةٍ ... وأشجع من لَيْثٍ بخفَّانَ خادرِ\rفتى لا تراهُ النَّابُ إلْفاً لِسَقبِها ... إذا اخْتَلَجَتْ بالناس إحْدَى الكبائر\rوكنتَ إذا مولاه خاف ظلاَمة ... أتاكَ فلمْ يقنعْ سِوَاك بِنَاصِرِ\rوقد كنت مَرْهُوبَ السّنان وبِيّن ال ... لِّسَان ومدلاج السُّرَى غيرَ فاترِ\rولا تأخذ الكُومُ الجِلادُ سلاحَها ... لتوبةَ في حدّ الشتاء الصَّنَابِرِ\rوقال بعض الرواة: بينا معاوية يسير إذ رأى راكباً، فقال لبعض شُرَطه: ائتني به وإياك أن تَرُوعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: إياه أردت، فلما دنا الراكب حدَر لثامه فإذا ليلى الأخيلية، فأنشأت تقول: الوافر:\rمعاوِيَ لم أكَدْ آتيك تَهْوي ... برَحْلي نحو ساحتك الركابُ\rتجوبُ الأرضَ نحوك ما تَأنَّى ... إذا ما الأَكَمُ قَنعها السَّرَابُ\rوكنتَ المرتجى وبك استغاثت ... لِتَنْعشها إذا بخل السحابُ\rقال: فقال: ما حاجتُك؟ قالت: ليس مثلي يَطْلُب إلى مثلك حاجة، فتخيّر أنت! فأعطاها خمسين من الإبل؛ ثم قال: أخبريني عن مُضَر، قالت: فاخِرْ بمضر، وحَارِب بقيس، وكاثِرْ بتميم، وناظر بأسد، فقال: ويحك يا ليلى! أكما يقول الناس كان تَوْبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ليس كل الناس يقول حقّاً، الناسُ شجرهُ بَغْي، يحسدون النّعم حيث كانَتْ، وعلى مَنْ كانَتْ؛ كَان يا أمير المؤمنين سَبْطَ البنان، حديدَ اللسان، شَجَى الأقران، كريم المَخْبَر، عفيف المِئزر، جميل النظر، وكان كما قُلت، ولم أتعدّ الحقّ فيه: الطويل:\rبعيدُ الثرى لا يبلغُ القَوْمُ قَعْرَهُ ... أَلدُّ مُلِدٌّ يَغْلِبُ الحق باطِلُهْ\rفقال معاوية: ويحك يا ليلى! يزعم الناس أنه كان عاهراً خارباً، فقالت من ساعتها مرتجلة: الطويل:\rمَعَاذَ إلهي كان والله توبةٌ ... جواداً على العِلاَّت جَمّاً نوافلُهْ\rأغرَّ خَفَاجِيّاً يرى البخلَ سُبّةً ... تحَالِف كفَّاه النَّدَى وأنامِلُهْ\rعفيفاً بَعِيدَ الهَمِّ صُلباً قَنَاتُهُ ... جميلاً محَيّاهُ قليةً غوائِلُة\rوكان إذا ما الضيفُ أَرْغَى بعيرهُ ... لديه أتاه نَيْلُه وفَوَاضِلُهْ","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"وقد علم الجوعُ الذي كان ساريَاً ... على الضيف والجيرانِ أنك قاتلُة\rوأنك رَحْبُ الباع يا تَوْبُ بالقرَى ... إذا ما لئيمُ القوم ضَاقَتْ مَنَازِلُهْ\rيَبيت قريرَ العين مَنْ كان جَارَهُ ... ويُضحِي بخيرٍ ضَيْفُهُ ومُنَازِلُهْ\rفقال لها معاوية: ويحك يا ليلى! لقد جُزْتِ بتوبة قَدْرَه، فقالت: يا أمير المؤمنين، والله لو رأيتَهُ وخبَرْتَهُ لعلمت أني مقصّرة في نَعْتِهِ، لا أبلغ كُنْهَ ما هو له أهل. فقال لها معاوية: في أي سنٍّ كان؟ فقالت: يا أمير المؤمنين: الطويل:\rأتتْهُ المنايا حين تَمَّ تَمَامُهُ ... وأقْصرَ عنه كلُّ قِرْن يُنَاضِلُهْ\rوصار كليثِ الغابِ يَحْمي عَرينَه ... فترضى به أشبالُه وحلائِلُهْ\rعطوفٌ حليمٌ حين يُطْلَبُ حِلْمُهُ ... وسُمٌّ ذُعَافٌ لا تصَابُ مَقَاتلُهْ\rفأمر لها بجائزة، وقال: أي ما قلت فيه أشعر؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ما قلت شيئاً إلا والذي فيه من خِصال الخير أكثر، ولقد أجَدْتُ حيث أقول: الطويل:\rجَزَى الله خيراً والجزاءُ بكَفّهِ ... فتًى من عُقيلٍ سادَ غيرَ مُكَلَّفِ\rفتى كانت الدنيا تَهُون بأسْرِها ... عليه فلم ينفكَّ جَمَّ التَّصَرُّفِ\rينالُ عَلِيّاتِ الأمور بِهَوْنَةٍ ... إذا هي أَعْيَتْ كلَّ خِرْقٍ مُسَوِّف\rهو المِسْك بالأَرْي الضحاكيِّ شِبْتُهُ ... بِدِرْيَاقَةٍ من خَمْر بَيْسَانَ قَرْقَفِ\rويقال: إنها دخلت على مروان بن الحكم فقال: ويحك يا ليلى! أكما نَعَتِّ توبة كان؟ قالت: أصلح اللهُ الأمير! والله ما قلتُ إلا حقّاً، ولقد قصرت، وما رأيت رجلاً قطّ كان أرْبَطَ على الموت جَأْشاً، ولا أَقل انحياشاً حين تحتدم بَرَاكاءُ الحرب، ويَحْمَى الوطيس بالطَّعن والضرب، كان والله كما قلت: الطويل:\rفتى لم يَزَلْ يزداد خَيْراً لَدُن نَشا ... إلى أن عَلاَهُ الشَّيْبُ فوق المسايحِ\rتراه إذا ما الموت حَلَّ بوردِه ... ضَرُوباً على أقْرَانِهِ بالصفائحِ\rشجاعٌ لدى الهيجاء ثَبْتٌ مشَايحٌ ... إذا انْحَازَ عن أقْرَانِه كلُّ سَابحِ\rفعاش حميداً لا ذميماً فعالهُ ... وَصُولاً لقُرْباه يُرَى غيرَ كالحِ\rفقال لها مروان: كيف يكون تَوبة على ما تقولين وكان خارباً؟ والخارب سارق الإبل خاصة، فقالت: واللهِ ما كان خارباً، ولا للموت هائباً، ولكنه كان فتًى له جاهِلية، ولو طال عمره وأَنسأَه الموتُ لارْعَوَى قلبه، ولقضى في حبِّ الله نَحْبه، وأقصر عن لهوه، ولكنه كما قال ابن عمِّه مسلمة بن زيد: الطويل:\rفلله قوم غادروا ابن حُمَيِّرٍ ... قتيلاً صريعاً للسيوف البواترِ\rلقد غادَرُوا حَزْماً وعزماً ونائلاً ... وصَبْراً على اليوم العبوس القُماطرِ\rإذا هابَ وِرْدَ الموت كلُّ غَضَنْفَر ... عظيم الحوايا لُبُّهُ غيْرُ حاضرِ\rمضى قدُماً حتى يلاقِيَ وِرْدَهُ ... وجاد بسَيْبٍ في السنين القواشر\rفقال لها مروان: يا ليلى، أعوذ بالله من درك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، فوالله لقد مات تَوْبة، وإن كان من فتيان العرب وأشدّائهم، ولكنه أدركه الشقاءُ؛ فهلك على أحوالِ الجاهلية، وترك لقومه عداوة.\rثم بعث إلى ناس من عقيل فقال: والله لئن بلغني عنكم أمرٌ أكرهُه من جهة توبة لأصلبنكم على جُذوع النخل، إياكم ودَعْوَى الجاهلية، فإن الله قد جاء بالإسلام، وهَدَم ذلك كلّه.\rوروى أبو عبيدة عن محمد بن عمران المرزباني قال: قال أبو عمرو بن العلاء الشيباني: قدمَتْ ليلى الأخيلية على الحجاج بن يوسف وعنده وجوهُ أصحابه وأشرافهم، فبينا هو جالسٌ معهم إذ أقبلت جارية فأشار إليها وأشارت إليه؛ فلم ثلبث أن جاءت جارية من أجمل النساء وأكملهن، وأتمهنّ خَلْقاً، وأحسنهنّ محاورةً؛ فلمّا دنتْ منه سلّمتْ؛ قالتْ: أتأذنُ أيها الأمير. قال: نعم، فأنشدت: الطويل:\rأحجَّاجُ إن الله أعطاك غايةً ... يُقَصَّرُ عنها منْ أراد مَداها","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"أحجَّاجُ لا يُفْلَلْ سِلاحُك إنما ال ... منايا بكفِّ الله حيثُ يَرَاها\rإذا ورد الحجاجُ أرضاً مريضةً ... تتبَّع أقصى دائها فشفاهَا\rشفاها من الداء العَياء الذي بها ... غُلامٌ إذا هَزَّ القناةَ ثَناها\rإذا سَمِع الحجاجُ صَوْت كتيبةٍ ... أعدَّ لها قَبْلَ النزولِ قِراها\rأعدّ لها مَصْقُولةً فَارِسيَّةً ... بأيدي رجال يَحْلُبون صَراها\rحتى أتت على آخرها. فقال الحجاج لمنْ عنده: أتعرفون مَنْ هذه؟ قالوا: ما نعرفها، ولكن ما رأينا امرأة أطْلَقَ لساناً منها، ولا أجملَ وَجْهاً، ولا أحسن لَفْظاً، فمَنْ هِيَ أصلح الله الأمير؟ قال: هي ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير التي يقول فيها: الطويل:\rولو أن ليلى الأخْيَليّة سَلَّمَتْ ... عليّ ودوني جَنْدَلٌ وصفائحُ\rلسلَّمْتُ تسليمَ البشاشة أو زَقَا ... إليها صدًى من جانب القبر صَائِحُ\rثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعضَ ما قاله فيك توبة، فأنشدته: الطويل:\rنَأَتْكَ بِليلى دارُها لا تَزُورُها ... وشطَّتْ نواها واستمرَّ مَرِيرُها\rوكنتُ إذا ما زُرْتُ ليلى تبرْقَعَتْ ... وقد رَابني منها الغَداةَ سفورُها\rعليّ دِماءُ البُدْن إن كان زَوْجُها ... يَرَى لي ذَنباً غيرَ أني أزورُها\rوأني إذا ما زرْتُها قلت: يا اسْلَمي ... فهل كان في قول اسْلَمي ما يَصِيرُها؟\rحمامةَ بَطْن الوادِيَيْنِ تَرَنّمي ... سقَاك من الغُرِّ الغوادي مَطيرُها\rأبيني لنا لا زال رِيشُك ناعماً ... ولا زِلْتِ في خَضْراءَ دانٍ بَرِيرُها\rوقد تذهب الحاجات يطلبها الفتى ... شَعاعاً وتَخْشَى النفسُ ما لا يَضِيرُها\rأيذهب رَيْعَان الشباب ولم أَزرْ ... عَرَائرَ من هَمْدَانَ بيضاً نُحُورُها؟\rولو أن ليلى في ذُرَى مُتَمَنّع ... بنَجْرَانَ لالتفَّتْ عليَّ قصورُها\rيقرّ بعيني أنْ أرى العِيسَ تَرْتمي ... بنا نحو ليلى وهي تجري صقورُها\rوأشْرِفُ بالغَوْرِ اليَفاع لعلّني ... أرى نَار ليلى أو يَرَاني بَصِيرُها\rأرتنا حِمَام المَوْتِ ليلى، ورَاقَنا ... عيونٌ نَقِيّاتُ الحواشي تُدِيرُها\rحتى أتت على آخرها. فقال: يا ليلى، ما رابه من سفورك؟ فقالت: أيها الأمير، ما رآني قطّ إلا متبرقعة، فأرسل إليّ رسولاً إنه ملمٌّ بنا، فنظر أهلُ الحيّ رسوله فأعدُّوا له وكمنوا؛ ففَطِنْتُ لذلك من أمرهم، فلمّا جاء ألقيت بُرقعي وسَفَرْت فأنكر ذلك، فما زاد على التسليم وانصرف راجعاً. فقال لها الحجاج: لله درّك! فهل كانت بينكما ريبة قط؟ قالت: لا والذي أسأله صلاحك، إلا أني رأيت أنه قال قولاً فظننْتُ أنه خضع لبعض الأمر، فقلت: الطويل:\rوذِي حاجة قلْنا له: لا تبحْ بها ... فليس إليها ما حَيِيتَ سبيلُ\rلنا صاحبٌ لا ينبغي أن نَخُونَهُ ... وأنت لأُخْرى صاحبٌ وخليلُ\rفما كلّمني بشيء بعد ذلك حتى فرَّق الموت بيني وبينه. فقال لها: حاجَتكِ؟ قالت: أن تحملني إلى قتيبة بن مسلم على البريد إلى خراسان، فحملها فاستظرفها قتيبة ووَصلها، ثم رجعت فماتت بساوَة، وقَبْرُها هناك.\rوروى المبرّد أنها لمّا أنشدته الأبيات \" أحجاج إنّ الله أعطاك \" ... إلى قولها: \" غلام إذا هزّ القناة ثناها \" قال لها: لا تقولي غلام، ولكن قولي: همام، ثم قال لها: أي نسائي أحَبُّ إليك أن أُنزلك عندها؟ قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال: أم الجلاس بنتُ سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبي صفْرة العَتَكية. قالت: هذه أحبُّ إليّ. فلمّا كان الغد دخلت إليه فقال: يا غلام، أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، اجعلْها أُدماً. قيل لها: إنما، أمر لك بشاء، فقالت: الأميرُ أكرم من ذلك، فجعلها إبلاً أُدماً استحياء؛ وإنما كان أمر لها بشاء أولاً، والأدم أكرمها.","part":1,"page":396},{"id":397,"text":"وأول هذا الحديث عن رجل من بني عامر بن صعصعة يقال له وَرْقاء قال: كنت عند الحجاج فدخل الآذِن فقال: أصلح الله الأمير! بالباب امرأة تَهْدِرُ كما يَهْدِرُ البعير النادّ، قال: أَدْخِلْها، فلمّا دخلت نَسبها فانتسبَتْ له. فقاد: ما أَتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلافُ النجوم، وقلّةُ الغيوم، وكلَبُ البَرْد، وشدّة الجَهْدِ، وكنت لنا بعد الله الرّفْدَ.\rقال لها: أخبريني عن الأرض. قا لت: الأرض مُغْبَرَّة، والفجَاج مقشعرّة، وأصابتْنا سنون مُجْحِفة مُظْلِمة، لم تَدَعْ لنا هُبَعاً ولا رُبَعاً، ولا عافِطة ولا نافطة أهلكت الرجال، ومزَقت العِيَال، وأفسدت الأموال، وأنشدت الأبيات التي مضت آنفاً، فالتفتَ الحجاج إلى أصحابه. وقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا: لا. قال: هذه ليلى الأخيلية التي تقول: الكامل:\rنحن الأخايلُ لا يزالُ غُلامُنا ... حتى يَدِبَّ على العَصَا مذكورا\rتبْكِي الرماحُ إذا فَقَدْنَ أَكُفَّنا ... حُزْناً وتلقانا الرِّفاقُ بُحورا\rوفي آخر حديثها قال لها: أنشدينا بعض شعرك، فأنشدته: الطويل:\rلعَمْرك ما بالموتِ عارٌ على الفتى ... إذا لم تُصِبْهُ في الحياة المَعَايِرُ\rومن كان ممّا يُحدِثُ الدهر جازعاً ... فلا بُدَّ يوماً أن يُرَى وَهْوَ صَابِرُ\rفلا يُبْعِدَنْكَ الله يا تَوْبُ هالكاً ... لدى الحرب إن دارَت عليك المقادرُ\rفكل جديد أو شباب إلى بِلًى ... وكل امرئ يوماً إلى الله صائرُ\rوكل قَرِيْنَيْ ألفَةٍ لِتَفَرُّقٍ ... شَتَاتٍ وإن ضَنَّا وطال التعَاشُر\rفأقسمت أبكي بعد توبةَ هالكاً ... وأحْفلُ من دارتْ عليه الدوائرُ\rفقال الحجاج لصاحب له: اذهب بها فاقطعْ عني لسانها، فدعا لها بالحجّام ليقطع لسانها. فقالت له: ويحك! إنما قال لك الأمير: اقطع لساني بالعطاء، فارجع إليه فاسْأَله، فسأله فاستشاط غيظاً، وهّم بقطع لسانه، ثم أمر بها فأدخلت فقالت: أيها الأمير، كاد يقطع مِقْولي، وأنشدته: البسيط:\rحجّاجُ أنت الذي ما فوقَه أَحَدٌ ... إلا الخليفةَ والمُسْتَغْفَرُ الصَّمَدُ\rحجّاجُ أَنتَ شهابُ الحَرْب إن لقحتْ ... وأَنْتَ للناس نورٌ في الدُّجَا يَقدُ\rاحتذى الحجاجُ في قوله: \" اقطع لسانها \" قولَ النبي، صلى الله عليه وسلم، لمّا أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حُنَين مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين فسخطها وقال: المتقارب:\rأتجعل نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْ ... دِ بين عُيَيْنَةَ والأقرعِ\rوما كان حِصنٌ ولا حَابسٌ ... يفوقان مِرْداسَ في مَجْمَعِ\rوما كنت إلا امرأً منهُمُ ... ومن تَضَع اليوم لا يرفعِ\rالعُبيد: اسم فرسه، وحصن الذي ذكره، هو أبو عُيَيْنة بن حِصْن بن حذيفة بن بَدْر سيد فزارة، وحابس: أبو الأقرع بن حابس، وقد تقدّم نسبه - فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بإحضاره، فقال: أنت القائل: المتقارب:\rأتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين الأقرع وعيينة.......\rوكان النبي، عليه الصلاة والسلام، كما قال الله، عزَ وجل: \" وما علَّمْناهُ الشِّعْرَ وماينبغي لهُ \" . فقال: قم يا علي فاقطع لسانه. قال العباس: فقلت: يا عليّ، وإنك لَقَاطِعٌ لساني؟ قال: إني مُمْضٍ فيك ما أمرت، فمضى بِي حتى أدخلني الحظائر، فقال: اعتدّ ما بين الأربعين إلى مائة، قلت: بأبي أنت وأمي! ما أَحلمكم وأعلمكم وأعدلكم وأكرمكم! فقال: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أعطاك أربعين، وجعلك من المهاجرين فإن شئت فخُذْها، وإن شئت فخُذْ مائة، وكن من المؤلَفة قلوبهُم. فقلت: أشِرْ عليَّ؟ فقال: إني آمرك أن تأخذ ما أعطاك. فأخذتها.\rوكانت ليلى الأخيلية قد حاجَّت النابغة الجَعْدي فأَفحمته.\rودخلت على عبد الملك ابن مروان وقد أسنّت فقال: ما رأى تَوْبَةُ فيك حتى أحبك؟ قالت: رأى فيّ ما رأى الناسُ فيك حين ولّوك! فضحك عبدُ الملك حتى بدَتْ له سن سوداء كان يُخْفيها.\rوقالت هند بنت أسد الضبابية: الطويل:\rلقد مات بالبيضاء من جانب الحِمَى ... فتى كان زَيْناً للمواكب والشَّرْبِ","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"يلوذُ به الجاني مخافة ما جَنَى ... كما لاَذتِ العَصْماء بالشاهقِ الصعب\rتظلُّ بناتُ العمِّ والخالِ حَوله ... صَوادِيَ لاَ يرْوَيْن بالبارِدِ العَذْبِ\rوقالت أم خالد النميرية تشبب بأثال الكلابي: الطويل:\rإذا ما أتتْنا الريحُ من نحو أرضهِ ... أتتْنا بريَّاه فطابَ هبوبُها\rأتتْنا بِمِسك خالط المِسْك عَنْبَرٌ ... وريح خزامى باكَرَتْهَا جَنُوبُها\rأحِن لذِكراه إذا ما ذَكَرْتهُ ... وتنهلّ عبراتٌ تَفِيضُ غُروبها\rحنينَ أسيرٍ نازح شُدّ قيدُهُ ... وإعوالَ نَفْسٍ غاب عنها حَبِيبُها\rوأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، لأمّ الضحاك المحاربية وكانت تحبُّ رجلاً من الضِّباب حبّاً شديداً: البسيط:\rيا أيها الراكب الغادي لِطيًّتِهِ ... عرَّجْ أبثَّك عن بعض الذي أَجِدُ\rما عالَج الناسُ من وَجْدٍ تَضَمَّنَهُمْ ... إلا وَجَدْتُ به فوق الذي وجَدوا\rحسبي رِضاه وأنّي في مَسَرَّتِه ... وودّه آخر الأيام أجتهد\rوقالت: الطويل:\rهل القلبُ إن لاَقَى الضبَابيَّ خالياً ... لدى الرُكْنِ أو عند الصَّفَا يَتَحَرَّجُ\rوأَزْعَجنا قُرْبُ الفراقِ، وبيننا ... حديثٌ كتنفيس المريضين مُزْعجُ\rحديثٌ لَوَ أنّ اللحمَ يُشْوَى بحرِّه ... غَرِيضاً أَتى أصحابَه وهو منْضَجُ\rوأنشد الزبير بن بكار لحليمة الخُضرية، وقد أنشدها المبرد لنبهان العَبْشَمِيّ وهو أشبه: الطويل:\rيقرُّ بعيني أن أَرى مَن مكانُهُ ... ذُرَى عَقداتِ الأبرعِ المُتَقَاودِ\rوأَنْ أَرِدَ الماءَ الذي شَرِبَتْ به ... سُلَيْمَى وإن ملَّ السُّرى كل واخِدِ\rوألصِقَ أحْشائي ببَرْدِ تُرَابِه ... وإنْ كان مخلوطاً بسمِّ الأَساوِدِ\rوقالت الفارعَة بنت شداد ترثي أخاها مسعوداً: البسيط:\rيا عينُ بَكي لمسعود بن شدَّادِ ... بكاءَ ذِي عَبَرات شَجْوُه بادِي\rمن لا يذابُ له شَحْمُ السَّديفِ ولا ... يَجْفُو العِيالَ إذا ما ضُنَّ بالزادِ\rولا يحل إذا ما حلَّ مُنتبِذاً ... يخشى الرزِيّة بين المالِ والنادِي\rقوال مُحْكَمة، نَقّاضُ مُبْرَمَةٍ ... فتّاحُ مُبْهَمَةٍ، حبَّاس أَوْرَادِ\rقتَّالُ مَسغَبةٍ، وَثَّابُ مَرْقَبَةٍ ... مَنَّاعُ مَغْلَبَة، فكَاكُ أقيادِ\rحَلالُ مُمرِعَة، فَرَّاج مُفْظِعة ... حمّالُ مُضْلِعَة، طَلاَّعُ أنجاد\rحَمَّالُ ألويةٍ، شهَّادُ أنْدية ... شدَّاد أَوهِيَة، فرَّاج أَسْدَادِ\rجمَّاع كل خصال الخير قد علموا ... زَيْنُ القَرِين ونِكْل الظالمِ العادِي\rأبا زُرَارة لا تَبعَدْ فكلُّ فتًى ... يَوْماً رهينُ صفيحاتٍ وأَعْوَادِ\rهلا سقيْتُمْ، بني جَرْمٍ، أسيرَكَم ... نَفْسِي فداؤُك من ذي كرْبة صَادِي\rنعم الفتى، ويمينِ الله، قد علموا ... يَخْلُو به الحيُّ أو يَغْدو به الغَادِي\rهو الفتى يحمدُ الجيرانُ مشهدَهُ ... عند الشتاءِ وقد هَمُّوا بإخماد\rالطاعن الطعنةَ النّجلاَء يَتبَعُها ... مُثعَنْجِراً بعد ما تَغْلي بإزْبَاد\rوالسابئ الزُّقَّ للأضيافِ إن نزلُوا ... إلى ذَرَاهُ وغيثُ المُحْوَجِ الغَادِي\rوالمحسنات من النساء كثير، وقد تفرّق لهنّ في أضعاف هذا الكتاب ما اختير.\rدموع العاشقين\rوأنشد أحمد بن يحيى ثعلب: الطويل:\rومستنجد بالحُزْنِ دَمْعاً كأنه ... على الخدِّ ممّا ليس يَرْقَأ حائرُ\rإذا ديمةٌ منه استقلَّتْ تهلّلتْ ... أوائلُ أخرى ما لهنّ أواخرُ\rمَلاَ مقْلتيه الدمعُ حتى كأَنه ... لِمَا انهلَّ من عينيه في الماءِ ناظر","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"وينظر من بين الدموعِ بمُقْلةٍ ... رمَى الشوقُ في إنسانِها فَهْوَ سَاهِرُ\rوقال آخر - ورُوِيَتْ لقيس بن الملوّح: الطويل:\rنظرْتُ كأني من وراءِ زجاجةٍ ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظرُ\rفعيناي طوْراً يَغْرقانِ من البُكا ... فأَعشى، وطوراً تحسِرانِ فأُبصرُ\rوقال غيلان: الطويل:\rوما شَنَّتا خَرْقاءَ واهية الكُلَى ... سقَى بهما ساقٍ ولمّا تَبَلَّلا\rبأَضيعَ من عينيكَ للدَّمع كلّما ... توهمْتَ رَبعاً أو توسَّمْتَ منزلا\rوقال آخر: الطويل:\rوممّا شجاني أنها يوم ودّعت ... تولت وماءَ الجفن في العين حَائرُ\rفلمّا أعادت من بَعيد بنَظرةٍ ... إليّ التفاتاً أسْلَمَته المحَاجِرُ\rأبو عبَادة البحتري: الوافر:\rوقفْنَا والعيون مُشَغَّلاتٌ ... يُغالِبُ طَرفَها نَظرٌ كَلِيلُ\rنَهَتْه رِقبةُ الواشِين حتى ... تَعَلَّقَ لا يَغيضُ ولا يَسِيلُ\rوأنشد أبو الحسن جحظة: الطويل:\rومن طاعتي إياه أَمْطَرَ ناظري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي بَرْقا\rكأَنَّ دموعي تبْصرُ الوَصلَ هارباً ... فمن أجله تَجْرِي لتدركه سَبْقا\rأخذ البيت الأول المتنبي فقال: المنسرح:\rيبتلُّ خَدّايَ كلّما ابتسمت ... منْ مَطَرٍ بَرْقُهُ ثنايَاهَا\rوقال أبو الشيص، واسمه محمد بن عبيد الله، وهو ابن عمّ دعبل: الوافر:\rوقائلةٍ وقد بَصُرَتْ بِدَمْعٍ ... على الخدّين مُنْحَدِرٍ سَكوبِ\rأتكذبُ في البكاء وأنتَ جَلْدٌ؟ ... قديماً ما جَسَرْتَ على الذنوبِ\rقميصُك والدموعُ تجولُ فيهِ ... وقلبك ليس بالقلب الكَئيبِ\rكمثل قميص يوسف حين جاءوا ... عليه عشيةً بدَمٍ كَذوب\rفقلت لها: فداك أبي وأمي ... رَجَمْتِ بسوء ظنِّك في الغيوبِ\rأما واللَّهِ لو فتّشت قلبِي ... لسرَّك بالعويلِ وبالنحيب\rدموعُ العاشقين إذا تلاقَوْا ... بظهْر الغيب أَلسِنةُ القلوبِ\rمن أخبار العباس بن الأحنف\rوقال بشار بن برد: ما زال فتى من بني حَنِيفة يُدْخِلُ نفسَه فينا ويُخرِجُها منّا حتى قال: الكامل:\rنزف البكاءُ دموعَ عينك فاسْتَعِرْ ... عيناً لغيرك دَمْعُها مِدْرَارُ\rمَنْ ذَا يعيرك عينَه تَبْكي بها ... أرأيت عَيْناً للبكاء تُعَار؟!\rقال: وهذا الذي عناه بشار هو أبو الفضل العباس بن الأحنف بن طلحة بن هارون بن كلدة بن خزيم بن شهاب بن سالم بن حبة بن كليب بن عدي بن عبد الله بن حنيفة، وكان كما قال بعض مَنْ وصفه: كان أحسن خَلْقِ الله إذا حَدّث حديثاً، وأحسنهم إذا حُدِّث استماعاً، وأمسكهم عن مُلاَحاةٍ إذا خُولف، وكان ملوكيّ المذهب، ظاهر النِّعمة، حسنَ الهيئة، وكانت فيه آلاتُ الظَّرْفِ، كان جميلَ الوجه، فَارِه المركب، نظيفَ الثَّوْب، حَسَنَ الألفاظ، كثير النوادر، رطيب الحديث، باقياً على الشراب، كثيرَ المساعدة، شديد الاحتمال، ولم يكن هجّاءً، ولا مدّاحاً، كان يتنزّهُ عن ذلك، ويُشَبَّه من المتقدّمين بعمر بن أبي ربيعة.\rوسُئل أبو نواس عن العباس وقد ضمَّهما مجلس فقال: هو أرق من الوَهْم، وأحسن من الفهم.\rوكان أبو الهُذَيل العلاف المعتزلي إذا ذكره لَعَنه وزنَّاه لأجل قوله: البسيط\rوضعتُ خدِّي لأدنى من يُطِيف بكم ... حتى احْتُقرْتُ وما مِثْلِي بمحتَقَرِ\rإذا أرَدْتُ انتصاراً كان ناصرَكم ... قلبي، وما أنا من قلبي بمُنتصَرِ\rفأكثروا أو أقِلُّوا من ملامكم ... فكل ذلك محمول على القَدرِ\rوقوله في البيت الأوسط كقوله: السريع:\rقلبي إلى ما ضرّني داعِي ... يُكثرُ أَسْقامي وأَوْجاعي\rلَقلّما أبْقَى على ما أرى ... يوشك أن ينعانيَ الناعي\rكيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي؟\rوقيل لعنان جارية الناطفي: من أشعرُ الناس؟ قالت: الذي يقول: الطويل:","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"وأهجركُمْ حتى يقولوا: لقد سَلاَ ... ولستُ بسالٍ عن هواك إلى الحَشْرِ\rولكن إذا كان المحبّ على الذي ... يحبّ شفيقاً نازع الناس بالهَجْرِ\rوقال العباس: الطويل:\rجرى السيلُ فاستبكانيَ السيلُ إذْ جرى ... وفاضَتْ له من مقلتيَّ غروبُ\rوما ذاك إلا أن تيقنْتُ أنهُ ... يمرُّ بوادٍ أنْتِ منه قريب\rيكون أجاجاً دونكُمْ فإذا انتهى ... إليكُمْ تلقَّى طِيَبكُمْ فيَطِيب\rفيا ساكِنِي شَرْقِيّ دجلةَ كلّكُمْ ... إلى القلب من أجل الحبيبِ حبيبُ\rوقال الصولي: ناظرَ أبو أحمد علي بن يحيى المنجم رجلاً يُعْرَف بالمتفقه الموصلي في العباس بن الأحنف والعتّابي، فعمل عليٌّ في ذلك رسالة أنفذها لعلي بن عيسى؛ لأن الكلامَ في مجلسه جَرَى. وكان ممّا خاطبه به أن قال: ما أَهل نفسَه قطّ العتَّابي لتقديمها على العباس في الشعر، ولو خاطبه مخاطبٌ لَدَفَعه وأنكَره؛ لأنه كان عالماً لا يُؤتَى من قلّة معرفة بالشعر، ولم أر أحداً من العلماء بالشعر مثل العتَّابي والعباس، فضلاً عن تقديم العتَّابي عليه لتباينهما في ذلك وإن العتابي متكلِّف، والعباس يتدفق طبعاً؛ وكلامُ هذا سهل عَذْب، وكلامُ ذاك متعقّد كَزُّ، وفي شعر هذا رقّةٌ وحلاوة، وفي شعر ذاك غِلَظ وجَسَاوة، وشِعْرُ هذا في فنّ واحد وهو الغزل؛ وأكْثَرَ فيه وأحسن، وقد افتنَّ العتَّابي فلم يخرج في شيء منه عمَّا وصفْناه.\rوإن من أحسن شعر العتابي قصيدته التي مدح بها الرشيد وأولها: البسيط:\rيا ليلةً ليَ في حورانَ ساهرةً ... حتى تكلَّمَ في الصبح العصافيرُ\rوقال فيها:\rأفي الأمَاقي انقباضٌ عن جفونِهما ... أمْ في الجفون عَنِ الآماقِ تَقْصِيرُ؟\rوهذا البيت أخذه من قول بشار الذي أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله: الوافر:\rجَفَتْ عَيْني عن التغميضِ حتَّى ... كأنَ جفونَها عنها قِصارُ\rفمسخه العتابي، على أن بشاراً أخذه من قول جميل: المتقارب:\rكأنَّ المحبّ لِطول السّهَادِ ... قصيرُ الجفون ولم تَقْصُرِ\rإلاّ أنّ بشاراً أحسن فيه؛ فنازعهما إياه فأساء، وإنَّ حقَّ من أخذ معنًى قد سُبق إليه أن يصنعه أجود من صَنْعَة السابق إليه، أو يزيد عليه، حتى يستحقّه، وأمّا إذا قصّر عنه فهو مسيءٌ مَعِيب بالسرقة، مذموم على التقصير.\rولقد هاجى أبا قابوس النصرانيّ فغُلَّبَ عليه في كثيرٍ ممّا جرى بينهما على ضَعْفِ مُنّة أبي قابوس في الشعر، ثم قال في هذه القصيدة: البسيط:\rماذا عسى مَادِحٌ يُثْنِي عليك وقد ... نادَاك بالوَحْي تقديسٌ وتطهيرُ\rفُتَّ الممادحَ إلا أنَّ ألسننا ... مستعلنات بما تُخْفي الضمائير\rفختم البيت فيها بأثقل لفظة لو وَقعت في البَحر لكدَّرته، وهي صحيحة، وما شيء أملك بالشعر بعد صحَّةِ المعنى من حُسْنِ صِحَّة اللفظ، وهذا عمل التكلف، وسوء الطبع.\rوللعباس بن الأحنف إحسان كثير، ولو لم يكن إلا قوله: الخفيف:\rأنكرَ الناسُ ساطِعَ المِسْكِ من دجْ ... لةَ قد أَوْسَع المشارعَ طِيبا\rفهمُ يحجَبُون منه وما يَدْ ... رُون أنْ قد حَلَلْت منه قريبا\rقاسميني هذا البلاءَ، وإلاّ ... فاجعلي لي من التعزِّي نصيبا\rإنّ بعضَ العتابِ يدعو إلى العَتْ ... بِ، ويؤذِي به المحبُّ الحبيبا\rوإذا ما القلوبُ لم تُضْمر العَطْ ... فَ فلن يَعْطِفَ العِتَابُ القلوبا\rوقوله: الكامل:\rقالت مرضتُ فَعُدْتُها فتبرَّمَتْ ... وَهْيَ الصحيحةُ والمريضُ العائدُ\rتاللهِ لو أَنَّ القلوبَ كقَلْبها ... ما رَقَّ للولد الصغيرِ الوالدُ\rإنْ كان ذنبي في الزيارة فاعْلَمِيٍ ... إني على كَسْبِ الذنوب لَجَاهِدُ\rألقيت بين جفون عيني فُرْقَةً ... فإلى متى أنا سَاهِرٌ يا رَاقِدُ؟\rيقع البلاءُ ويَنْقضِي عن أَهله ... وبلاءُ حُبِّك كل يوم زائِدُ","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"سمَّاك لي ناسٌ وقالوا: إنها ... لَهِيَ التي تَشْقَى بها وتُكابدُ\rفجحدتهم ليكونَ غيرك ظَنّهم ... إني ليعجبني المحبُّ الجاحِدُ\rوقوله: المنسرح:\rإني وإن كنتِ قد أسأت بيَ ال ... يَوْمَ لراجٍ للعَطْفِ منك غدا\rأستمتع الله بالرجاء وإن ... لم أر منكم ما أرتجي أبدا\rوله: الكامل:\rأهْدَى له أحبابه أُترُجَّةً ... فبكى وأشفق من عِيافة زاجرِ\rمتطيراً منها أتَته وجِسْمُها ... لونان بَاطنها خِلاَفُ الظّاهِر\rولئن وفَّى أبو أحمد العباسَ حقّه، لقد ظلم العتّابي ما كان مستحقّه، من سرّ الكلام، وجَوْدَةِ رصف النظام. قال الصولي في نسب العباس - وكان من خؤولته - : هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن قُدامة بن هيمان من بني هفّان بن الحارث بن ذهل بن الديل بن حنيفة. وله يقول الصريع يهجوا: البسيط:\rبنو حنيفةَ لا يَرْضَى الدَّعِيُّ بهمْ ... فاتْرُكْ حنيفةَ واطْلُبْ غيرها نَسَبَا\rاذهبْ إلى عَرَبٍ تَرْضَى بنسبتِهم ... إني أرى لك لوناً يُشبه العربا\rوقال أبو أحمد: قال، العباس: البسيط:\rحُرٌّ دعاهُ الهوَى سِرّاً فَلَبَّاهُ ... طَوْعاً فأَضْحَكَ مَوْلاَهُ وأبكاه\rفشاهَدَتْ بالذي يُخْفي لَوَاحِظُه ... وعَدَّلَتْها بفِيض الدمع عَيْنَاه\rجازَيْتِني إذا رعيتُ الودَّ بعدكِ أن ... وكَّلْتِ طَرْفِي بنجم الليل يرعاه\rاللهُ يشهدُ أني لم أخُنْك هوًى ... كفاك بيّنة أنْ يَشْهَد اللهُ\rوقال: الكامل:\rيا من يُكاتمني تَغيُّر قَلْبِه ... سأكفُّ نفسي قبل أن تتبرّما\rوأصُدّ عنك وفي يديَّ بقيّةٌ ... من حَبْلِ ودِّك قبل أن يتصرَّمَا\rيا للرجال لعاشقين تَواقَفا ... وتخاطَبا من غَيْرِ أنْ يتكلّما\rحتى إذا خافَا العيونَ وأشفقا ... جعلا الإشارةَ بالأنامل سُلّمَا\rوقال: الكامل:\rالله يعلمُ ما أردْتُ بهجركُم ... إلا مساترةَ العدوِّ الكاشحِ\rوعلمْتُ أنّ تسُّري وتباعدي ... أبْقَى لوَصْلِك من دُنوٍّ فَاضحِ\rوقال: الطويل:\rيَهِيمُ بحرّان الجزيرة قَلْبُه ... فيها غَزالٌ فاترُ الطَرْفِ سَاحِرُهْ\rيُؤَازِرُه قَلْبي عليّ وليس لي ... يَدَانِ بمَنْ قلبي عَلَيَّ يُؤَازِرُهْ\rفقر في الغزل\rوقد قال سهل بن هارون: البسيط:\rأعان طَرْفي على قلبي وأعضائي ... بنَظْرَةٍ وَقَفَتْ جسْمِي على دَائي\rوكنتُ غِرَّاً بما يجني على بَدَني ... لا عِلْمَ لي أن بعضِي بعضُ أعدائي\rوقال النظام: الكامل:\rإنَ العيونَ على القلوبِ إذا جَنَت ... كانت بَلِيَّتَها على الأجسادِ\rالبحتري: البسيط:\rولستُ أَعْجَبُ من عِصْيَان قلبكَ لي ... حقّاً إذا كان قلبِي فيك يَعْصيني\rوقال الأصمعي: سمعتُ الرشيد يقول: قَلْبُ العاشق عليه مع مَعْشُوقِه. فقلت: هذا والله يا أميرَ المؤمنين أحْسَنُ من قول عُروة بن حزام لعَفْراء في أبياته التي أنشدها: الطويل:\rوإنّي لتَعْرُوني لذِكْراكِ روعة ... لها بين جِلْدِي والعظام دبيبُ\rوما هو إلا أن أراها فيه فُجاءةً ... فأُبْهَتَ حتى لا أكاد أجِيبُ\rوأُصْرَفُ عن دائي الذي كُنْت أرتئي ... ويقرب مِنّي ذِكْرُه ويَغِيبُ\rويضمر قَلْبي غدرها ويُعِينها ... عليَّ، وما لي في الفؤاد نَصِيبُ\rفقال الرشيد: من قال ذلك وَهْماً، فقد قلته علماً.\rباب الحكمة\rقال علي بنُ عبيدةَ الريحاني: اِحْمِ ودَّكَ فإنه عِرْضُك، وصُنِ الأنس بك فإنه يُغْزِر حظّك، ولا تستكثر من الطمأنينة إلا بعد استحكام الثّقة؛ فإن الأنس سريرةُ العقل، والطمأنينة بذلَة المتحابّين، وليمس لك بعدهما تحفَة تَمْنحها صاحِبَك، ولا حِبَاء تُوجب به الشكر على من اصطفيت.","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"وقال: ما أنصف مَنْ عاتب أخاه بالإعراض على ذَنْبٍ كان منه، أو هجرِه لخلافٍ بما يكْرَه عنده، إذا كان لا يعتدُّ في سالف أيام العشرة إلا بالرضا عنه، ومشاكلته فيما يُؤْنسه منه. فإن كان العاتِب شَكَا جميع ما ستَره من أخيه أو لا، فلقد تُتَمِّمُ الموافقة حظَّ الاغتفار، وإن لم يكن وفَى له بكلّ ما استحقّ منه فليقتصّ مِمَّا وجَب منه عليه لأخيه بقدر ذنبه، ثم العودة إلى الألفة أولى من تشتُّت الشَّمْلِ، وأَشبَهُ بأهل التصافي، وأكرَمُ في الأحدوثة عند الناس.\rوقال: الحياءُ لِبَاسٌ سابغ، وحِجَاب وَاق، وسِتْر من المساوي، وأَخُو العفاف، وحَلِيف الدّين، ومُصَاحب بالصّنع، ورَقيب من العِصْمَة، وعين كَالِئَةٌ تذودُ عن الفساد، وتنْهى عن الفحشاء والأدناس.\rوقال: لا يخلو أحد من صَبْوَةٍ إلا أن يكونَ جَاسِيَ الْخِلْقَةِ، منقوص البِنْية، أو على خلاف تركيب الاعتدال.\rوصف الهوى\rورأى سعيد بن سلم بن قتيبة ابناً له قد شرع في رقيق الشعر وروايته، فأنكر عليه، فقيل له: إنه قد عشق، فقال: دعُوه فإنه يلطُف، وينظُف، ويَظْرُف.\rوقال الفضل بن أحمد بن أبي طاهر واسم أبي طاهر طيفور: وَصَف الهوى قوم وقالوا: إنه فضيلة، وإنه ينتج الحيلة، ويشجع قَلْبَ الجبان، ويسخِّي قَلْبَ البخيل، ويصفِّي ذِهن الغبي، ويطلق بالشِّعر لسات المُفحَم، ويبعث حَزْم العاجز الضعيف، وإنه عزيز تذلُ له عزَّةُ الملوك، وتَضْرع فيه صولَةُ الشجاع، وتَنْقَاد له طاعةُ كل ممتنِع، ويذَلّل كلّ مستصعَب، ويُبرز كل محتجب، وهو داعية الأدب، وأولُ باب به تُفتَّقُ به الأذهان والفطَن، وتستخرج به دقائقُ المكايد والحِيَل، وإليه تستريح الهِمَم، وتسكن نوافِرُ الأخلاق والشِّيَم، يُمتّع جليسه، ويُؤْنس أليفَه، وله سرورٌ يجول في النفس، وفرَحٌ مستكِن في القلب، وبه يتعاطف أَهلُ المودَّة، ويتّصل أهْل الأُلفة، وعليه تتألَّف الأشكال، وله صَوْلاَت على القدر، ومكَايد تُبْطِلُ لطائف الحيل، وظَرْف يَظْهَرُ في الأخلاق والخِلَق، وأرواح تَسْطَع من أهلها، وتَعْبق من ذويها.\rوقال اليماني بن عمرو مولى ذي الرياستين. كان ذو الرياستين يَبْعَثُ بي وبأحداثٍ من أهله إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلَّمُوا منه الحكمة؛ فكنَّا نَأْتيه، وإذا انصرفنا من عنده اعترضَنَا ذُو الرياستين يسألُنا عمّا أفادنا فنخبره؛ فسِرْنا إلى الشيخ يوماً فقال لنا: أنتم أدباء، وقد سمِعْتُم الحكمة، وفيكم أحداث، ولكم نِعَم، فهل فيكم عاشق؟ قلْنا: لا، قال: اعشقوا؛ فإنّ العشق يُطْلِق الغبيّ، ويَفْتَحُ جِبِلَّة البليد، ويسخِّي كفَّ البخيل، ويَبْعَثُ على النظافة وحُسنِ الهيئة، ويَدْعُو إلى الحركة والذكاء، وشرف الهمّة وإياكم والحرام.\rقال: فانصرفنا، فسألنا عمّا أَفادنا في يومنا؛ فهبْناه أَن نخبره، فعزَم علينا. فقلنا له: أمرنا بكذا وكذا، قال: صَدَقَ، أتعلمون من أين أَخذَ هذا الأدب؟ قلنا: لا. قال: إنّ بَهْرَام جور كان له ابن رشَّحَه للملك من بعده، فنشأ ساقطَ الهِمّة، خامل المروءة، دَنيء النفس، سِّيئ الأدب، كليل القريحة، كَهَام الفِكْرِ؛ فغمَّه ذلك، ووكَّل به من المؤدِّبين والمنجّمين والحكماء مَنْ يُلازِمُه ويُعَلّمه، وكان يسألهم فَيحكُون له ما يسوءُه، إلى أن قال له بعض مؤدبيه: قد كنّا نخافُ سوءَ أدبه فحدَث من أَمره ما صِرْنَا إلى اليأس منه، قال: وما ذلك؟ قال: رأى ابنةَ فلان المرزُبان فعَشقها فغلبَتْ عليه، فهو لا يهذِي إلا بأمرها، ولا يتشاغَلُ إلا بذِكرها، فقال بهرام جُور: الآن رَجوتُ صلاحه.\rثم دعا بأبي الجارية فقال: إني مسِرِّ لك سرّاً فلا يَعْدُوَنّك. فضَمن له سَتْره فأعلمه أن ابنَه قد عشقَ ابنته ت وأنه يريد أن يُنكِحها إياه، وأَمره أن يأخذها بإطماعه بنفسها، ومراسلته من غير أَن يراها، أو تَقَع عَينه عليها؛ فإذا استحكم طَمَعه فيهما تجنَّتْ عليه، وهجَرَتْه، فإذا استعتبها أَعلمته أنها لا تَصْلُح إلا لملك، أو مَنْ هِمَّتُه همةُ ملك، وأن ذلك يمنعها من مُوَاصلته، ثم ليعلمه خَبَرَها وخَبَرَه، ولا يُطلِعها على ما أَسَرَّ إليه، فقبل ذلك أبوها منه.","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"ثم قال للمؤدّب: خوِّفْه بي، وشجِّعْه على مراسلة الجارية، ففعل ذلك، وفعلت الجاريةُ ما أمرها به أبوها؛ فلمّا انتهت إلى التجنّي عليه، وعلم الفتى السببَ الذي كرِهَته من أجله أخذَ في الأدب، وطلب الحكمة، والعلم والفروسية، ولعب الصَّوالجة، والرماية، حتى مَهَر في ذلك، ورُفع إلى أبيه أنه يحتاجُ من المطاعم والآلات والدوابّ والملابس والوزراء فوق الذي كان له؛ فسُرَّ الملِك بذلك، وأمر له بما أراد، ودعا بمؤدِّبه، فقال: إنَّ الموضع الذي وَضع ابني نفسَه فيه بحبِّ هذه المرأة لا يُزْرِي به، فتقدمْ إليه أن يرفع أمرَها إليَّ ويسألني أن أزوِّجَه إياها، ففعل، فزوَّجها منه، وأمر بتعجيل نَقْلِها إليه، وقال له: إذا اجتمعت أَنت وهي فلا تُحْدِثْ شيئاً حتى أَصير إليك. فلمّا اجتمعا صار إليه فقال: يا بني، لا يضعنَّ منها عندك مراسَلَتُها إياك، وليست في حِبالِك، فأَنا أمرْتُها بذلك، وهي من أَعظم الناسِ مِنّةً عليك، بما دَعَتك إليه من طلب الحكمة، والتخلُق بأخلاق الملوك، حتى بلَغْتَ الحدَّ الذي تصلحُ منه للمُلْكِ بعدي؛ فزِدْهَا في التشريف والإكرام بقدْرِ ما تستحقّ منك. ففعل الفتى ذلك، وعاش مسروراً بالجارية، وأبوه مسروراً به، وزاد في إكرام المرزبان، ورَفع مرتبته وشرفه بِصيانته لسرّه وطاعته، وأحسن جائزته وجائزة المؤدّب بامتثاله أمره، وعَقَدَ لابنه الملك من بعده. قال اليماني: وكان الشيخ الحسن بن مصعب.\rثم قال ذو الرياستين، قال علي بن بلال: الطويل:\rسيهلك في الدنيا شَفيق عليكُمُ ... إذا غالهُ مِنْ حادِثِ الدَّهرِ غائلُهْ\rويُخْفي لكم حبّاً شديداً ورهْبَة ... وللناس أَشغالٌ، وحبُّك شَاغِلهْ\rكريمٌ يُمِيت السِّرَّ حتى كأنه، ... إذا استخبروه عن حديثك، جَاهِلُهْ\rيَوَدُّ بأن يُمْسِي عليلاً لعلّها ... إذا سمعت عنه بشكوى تُرَاسِلُهْ\rويَرْتَاحُ للمعروف في طَلَب العُلاَ ... لِتُحْمَد يوماً عند لَيْلَى شَمائِلُه\rوذكر أعرابي الهوى فقال: هو أَعظمُ مَسْلَكاً في القَلْب من الرُوح في الجسم، وأَملك بالنفس من النّفس، يَظْهَر ويبطن، ويَكْثُف ويَلْطُف، فامتنعَ عن وَصْفِه اللسانُ، وعَيِيَ عنه البيانُ! فهو بين السَّحْرِ والجفون، لطيفُ المسلك والكُمُون. وأنشد: الطويل:\rيقولون لو دبّرتَ بالعَقْلِ حبَّها ... ولا خَيْرَ في حُبٍّ يُدَبَّر بالعقل\rمن إنشاء الميكالي وشعره\rفصل للأمير أبي الفضل الميكالي: لا زالت الأَيام تَزِيدُ رُتْبَتَه ارتفاعاً، وباعَه اتَساعاً، وعزَتَه غلبةً وامتناعاً، فلا يبقى مجدٌ إلا شيَّدَتْه معاليه ومكارِمُه، ولا ملك إلا افْتَرَعَتْهُ صرائِمُه وصوَارِمُه.\rوله فصل: لا زالت حياة الأحرار بفضله متسِمة، ووجوهُ المكارم بغُرَرِ أيامه مبتسمة، وأهواء الصدور بخِدْمة وُدَه مرتسمة، وغنائم الشكر بين محاسن قوله وفعله مقتسمة.\rوله: الله يُديم رايةَ الأمير الجليل محفوفةً بالفَلْج والنصر، مكنوفة بالغَلبة والقهْر، حتى لا يزاول خَطْباً إلا تذلّلت به صِعَابُه، ولا يُمَارِس أمراً إلا تيسَّرَتْ أسبابُه، ولا يَرُوم حالاً إلا أذْعَن لهيبته وسُلْطانه، وخَضَع لسيفه وسِنانِه، وذلَّ لمعْقد لوائه، ومنثنى عنانه، إلى أن ينالَ من آماليه أَقاصِيهَا، ويَمْلِك من مَبَاغِيه أَزِمَّتها ونواصيهَا ويُسامِي الثريّا بعلوِّ هقته ويناصيها.\rوله فصل: إنما أَشكو إليك زماناً سَلَب ضِعْفَ ما وَهب، وفَجع بأكثَرَ مما أَمْتَع، وأوحش فوق ما آنس، وعنف في نزعِ ما ألبس؛ فإنه لم يُذِقْنَا حلاوة الاجتماع، حتى جَرَّعَنا مرارةَ الفراق، ولم يمتعنا بأنس الالتقاء، حتى غادَرَنا رَهْنَ التلهُّفِ والاشتياق، والحمدُ لله تعالى على كلّ حال يُسيء ويسر، ويَحْلو ويُمر، ولا أَيأس من رَوْح الله في إباحة صُنْع يجعل رَبْعَه مُنَاخي، ويُقَصِّر مدّةَ البِعَاد والتراخي، فأُلاحظ الزمانَ بعين راض، ويُقْبِلُ إليّ حظّي بعد إعراض، وأستأنف بعزَّته عيشاً سابغَ الذيول والأعطاف، رقيقَ المعانىِ والأوصاف، عَذْب الموارِدِ والمناهل، مأمونَ الآفاتِ والغوائل.","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"وله فصل: انا أسأل الله تعالى أَن يردَّ علي بَرْدَ العيش الذي فَقًدْتُه، وفسحة السرور الذي عَهدْتُه؛ فيَقْصر منِ الفراق أَمدُه، ويعلو للالتقاء حكمه ويَدُه، ويَرْجِع ذلك العهدُ الذي رَقَّت غلائله، وصفت من الأقْذَاء مَنَاهله، فلم أتهنأ بعده بأُنس مقيم، ولا تعلّقت يوماً إلا بعيش بَهيم: الطويل:\rفلو تَرْجع الأيامُ بيني وبينهُ ... بذي الأثْلِ صَيْفاً مثل صيفي ومَرْبعي\rأَشُدُّ بأَعناق النوى بعد هذهِ ... مرائرَ إن جاذَبْتُهَا لم تَقَطعِ\rوما على الله بعزيز أن يقرِّبَ بعيداً، ويَهَب طالعاً سعيداً، ويُسَهّل عسيراً، ويفكّ من رقّ الاشتياق أسيراً.\rوله فصل من كتاب إلى أبي منصور عبد الملك الثعالبي: قرأتُ خبرَ سلامته، فسَرَى السرورُ في الجوانح، واهتزَت النفسُ له اهتزازَ الغُصن تحت البارح: الطويل:\rأَليس لأِخبار الأحبّةِ فرحةٌ ... ولا فرحة العطشان فَاجأَهُ القَطْرُ\rيقولون: قد أَوْفَى لوقتِ كتابهِ ... فتَنتشر البشرى وينشرِحُ الصَّدْرُ\rثم سألت الله تعالى أن يحرسَ علينا سلامَته سابغةَ الملابس والمطَارف، موصولة التالِدِ بالطَارِف.\rوله فصل من كتاب تَعْزية عن أبي العباس بن الإمام أبي الطيب: لئن كانت الرزيَّة مُمِضَّة مؤلمة؛ وطُرُقُ العَزاء والسلوة مُبْهمة، لقد حلَّت بساحةِ من لا تَنتفِض بأمثالها مَرَائِرُه، ولا تَضْعُف عن احتمالها بَصَائِره، قد يتلقَّاها بصَدْرٍ فسيح، يحمي أن يبيح الحُرن جنابَه، وصَبْرٍ مشيح، يحمي أن يُحْبِطَ الجَزعُ أجرَه وثوابَه؛ كيف لا وآدابُ الدين من عنده تُلْتَمس؛ وأحكامُ الشرع من لسانه ويده تُستفاد وتُقْتَبس، والعيون تَرْمُقه في هذه الحال لتَجْري على سنَنه، وتأخذَ بآدابه وسُنَنه، فإن تعرت القلوب فبحَسب تماسكه عزاؤُها، وإن حسنت الأفعال فإلى حميد أفعاله ومذاهبه اعتزاؤُها.\rمن شعر الميكالي\rجملة من شعره في تحسين القوافي والغزل: قال: الوافر:\rعذِيري من جفونٍ رامياتٍ ... بسَهْمِ السّحْرِ من عينَيْ غزالِ\rغزاني طَرْفُه حتى سَبَاني ... لأنتصرن منه بمَنْ غَزَالي\rوله أيضاً: المتقارب:\rأَمَا حان أَنْ يشتفي المُستَهامُ ... بزَوْرَةِ وَصلٍ وتأوي لهُ؟\rيجمجم عن سُؤله هَيْبة ... ويعلم عِلمُك تأويلَهُ\rوقال أيضاً: الطويل:\rشكوتُ إليه ما أُلاقي فقال لي: ... رويداً ففي حكم الهوى أنْتَ مُؤْتلي\rفلو كان حقّاً ما ادَّعيتَ من الجوى ... لقلّ بما ألْقَى إذاً أن تموتَ لي\rوقال أيضَاً: الطويل:\rتفرق قلبي في هواه، فعنده ... فريقٌ وعندي شُعبةٌ وفَرِيقُ\rإذا ظَمئَت نفسي أقول لها: اسقِني ... فإن لم يكن راحٌ لديك فَرِيقُ\rوقال أيضاً: مجزوء الرجز:\rشَافَهَ كَفِّي رَشأ ... بقُبْلَةٍ ما شَفَتِ\rفقلت إذ قَبّلَها ... يا ليت كفَي شفتِي\rوقال:البسيط:\rيا شادناً غاب نجم الحسن لولاه ... قد كان يوسف لمّا مات وَلاَّه\rولاّه رقِّيَ ظرفٌ في شمائلهِ ... فاشتطّ في الحكم لولا أنْ تولاّهُ\rارحمْ فتًى مُدنَفاً مَا إنْ يُخَلّصهُ ... من غَمْرَةِ الوَجْدِ إلا أنت وَاللهُ\rقضاء الحاجة\rقال أبو عثمان عمرو بن بَحْرٍ الجاحظُ: حدّثني أبو الهيثم بن السندي بن شاهك قال: قلت في أيام ولايتي الكوفة لرجل من أهلها لا يجفُّ قلمه ولا تستريح يَدُه، ولا تسكُن حركتُه في طلب حوائج الناس، وإدخال المنافع على الضعفاء، وكان رجلاً مفوّهأ: أخبرني عن الشيء الذي هوَّن عليك النصب، وقوَّاك على التَّعبِ، ما هو؟ قال: قد، واللَّهِ، سمعتُ تغريدَ الأطيار بالأسْحَارِ على أفنان الأشجار، وسمعتُ خَفْق أوتارِ العيدان، وترجيحَ أصوات القيَان، فما طَرِبْتُ من صوتٍ قطُ طَرَبي من ثناء حسن، على رجلٍ قد أحسن، ومن شاكر مُنعِم، ومن شفاعة شفيع محتسب لطالب ذاكر.","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"فقال أبو الهيثم: فقلت له: للّه أبوك! لقد خشيت كرماً! فبأي شيء سَهُلَتْ عليك المُعَاوَدة والطلب؟ قال: لا أبلُغ المجهود، ولا أسأل إلا ما يجوز، وليس صدق العذر بأَكره إليّ من إنجاز الوعد، ولست لإكراه السائل بأَكرهَ مني لإجحاف المسؤول، ولا أرى الراغب أوْجَبَ حقاً عليَّ للذي قدم من حُسْنِ ظنه من المرغوب إليه للذي احتمل من كله. قال إبراهيم: ما سمعتُ كلاماً قطّ أشدّ مؤالفة لموضعه، ولا أليق بمكانه، من هذا الكلام.\rبين أسيد بن عنقاء الفزاري وعميله الفزاري\rوروى أبو بكر بن شُقَير النحوي عن أحمد بن عبيد قال: كان أُسيد بن عنقاء الفزاري مِنْ أكبر أهل زمانه، وأشدّهم عارضةً ولساناً، وطال عمرُه، ونكبَه دهرُه؛ فاختلّت حالُه، فخرج يتبقّل لأهله؛ فمرَّ عليه عُمَيلة الفزاري، فسلّم عليه، وقال: يا عمّ؛ ما أصارك إلى ما أرى؟ قال: بُخْلُ مثلك بماله، وصَوْنُ وجهي عن مسألة الناس. قال: أما واللّه لئن بقيتُ إلى غدٍ لأغيرَن من حالك ما أرى، فرجع ابن عَنْقاء إلى أهله فأخبرهم بما قال عُميلة، فقالوا له: غرَّك كلامُ غلامٍ جُنْحَ ظلام فكأنما ألقموا فاهُ حجراً؛ فباتَ متَمَلْمِلاً بين رجاء ويأس، فلقا كان السحَر سَمع رُغاء الإبل، وثُغَاء الشاء، وصهيل الخيلِ، ولَجَبَ الأموال، فقال: ما هذا؟ قالوا: عُمَيلة قد ساق إليك مالَه، فخرج ابن عنقاء له، فقسم مالَه شَطْرَين، وساهمَ عليه، فأنشأ ابن عنقاء يقول: الكامل:\rرآني على ما بي عُمَيلةُ فاشتكى ... إلى ماله حالِي، أَسَرَّ كما جَهَرْ\rدعاني فواساني، ولو ضَنَّ لم يُلَمْ ... على حينَ لا بَدْوٌ يُرَجَّى ولا حَضَرْ\rفقلت له خيراً، وأَثنيت فِعْلَهُ ... وأوفاك ما أوليت مَنْ ذَمّ أو شكرْ\rولمّا رأى المَجْدَ استُعيرتْ ثيابُهُ ... تردّى بثوبٍ سابغ الذيل واتزَرْ\rغلامٌ رماه الله بالحسن يافعاً ... له سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البصرْ\rكأنَّ الثريا عُلِّقَتْ في جبينهِ ... وفي أنفه الشَعْرَى وفي خدِّه القمرْ\rإذا قيلت العوراءُ أغْضى كأنهُ ... ذليلٌ بلا دُلٍّ، ولو شاء لانتصرْ\rكلابي يمدح غنوياً\rوأنشد أبو حاتم عن أبي عبيدة لِلْعَرَنْدَس أحد بني بكر بن كلاب يمدح بني عمرو الغَنَويين، وكان الأصمعي يقول: هذا من المحال، كلابيٌّ يمدح غَنَوياً: البسيط:\rهَيْنُون لَيْنُون أيسارٌ ذوو كرم ... سُوَّاسُ مَكْرُمَةٍ أبناءُ أيسارِ\rإن يُسْألوا العُرْفَ يُعْطُوهُ، وإن خُبروا ... في الجَهْدِ أُدْرِكَ منهم طيبُ أخبار\rلا يَنْطقون عن الأهواء إن نَطَقُو ... ولا يُمارونَ إن مارَوْا بإكثار\rمَنْ تَلْقَ منهم تَقُلْ لاقيتُ سيّدَهم ... مثلَ النجوم التي يسري بها السارِي\rمنهم وفيهم يُعَدُّ الخيرُ متلِداً ... ولا يُعَدُّ نَثَا خِزْيٍ ولا عارِ\rالدهر لا ينصف\rفصل لبعض الكتاب - ما تعجُّبك ممّا لقيت من الحَيْفِ! هل ضمن الدهرُ أن يُنْصِف ولا يَحِيفَ، أو يُبْرِم فلا يَنْقُض، أو يُعَافي فلا يُمْرِض، أو يصفو فلا يكدّر، أو يَفي فلا يَغْدر. قَدر أن تَعْذب لي مَشَارِبُه، وتَلين لي جوانبُهُ، فَحُكْمُ الدنيا لا تترك حامداً لها إلا أسكتته، ولا ضاحكاً إلا أبكتْه، أقوى ما كان بها ثقة، وأشذ ما كان لها مِقَة، وأوكد ما كان رُكوناً إليها، وأعظم ما كان حرصاً عليها.\rالاستخفاف بحقّ النعم\rوقال بعض الكتّاب يصف رجلاً بالذمّ: ما ظنك بمن يعنف بالنعم عنف من ساءَتْهُ مجاوَرَتُها، ويستخفُّ بحقِّها استخفافَ من ثَقُلَ عليه حَمْلُها، ويَطَرِحُ الشكر عليها اطِّراح مَنْ لا يَعْلَمُ أنّ الشكرَ يَرْتَبِطها.\rفقر في المدح\rوقال أبو الشيص: البسيط:\rيا من تمنّى على الدنيا مَبَالِغَها ... هلا سَأَلْتَ أبا بشْر فتُعْطاها؟\rما هبّت الريحُ إلا هَبَّ نَائِلُهُ ... ولا ارْتَقى غاية إلا تخطَّاها\rغيره: الطويل:","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"طِلاَبُ العُلاَ إلا عليك يسِيرُ ... وباعُ الأعادِي عن مَدَاكَ قَصِيرُ\rإذا عُدَّ أهلُ الفضل كنت الذي لهُ ... وللفَضْلِ فيه أولٌ وأخِيرُ\rوقال أبو الحجناء الأصغر نُصيب يصف إسحاق بن صباح: الطويل:\rكأن ابنَ صباحٍ، وكندةُ حَوْلهُ ... إذا ما بَدَا، بَدْرٌ تَوَسَّط أنجما\rعلى أنّ في البدر المحاقَ، وإن ذا ... تمامٌ فما يزداد إلا تتما\rترى المنبر الغربي يهترُّ تحتهُ ... إذا ما علا أعْوادَهُ وتكلّما\rفأنت ابن خير الناس إلاَّ نبوةً ... ومن قبلها كنت السنام المقَدّما\rونُصيب هو القائل في البرامكة، وكان منقطعاً إليهم: الكَامل:\rعند الملوك مَضرَّةٌ ومنافعُ ... وأرى البرامكَ لا تَضُرُّ وتنفعُ\rإن العروق إذا استسرَّ بها الثَّرى ... أثّ النبات بها وطاب المَزرَع\rفإذا جهلتَ من امرئ أعراقَهَ ... وقَديمَة فانظر إلى ما يَصنَع\rأخذ هذا من قول سَلم الخاسر: المنسرح:\rلا تسأل المرءَ عن خلائٍقِه ... في وَجْهِه شاهدّ من الخبرِ\rوقال نُصَيب في بني سليمان بن علي: البسيط:\rبنِي سليمانَ حزْتُم كلَّ مَكرمةٍ ... وليس فوقكَم فَخرٌ لمفتخرِ\rلا تسأل المرءَ يوماً عن خلائقه ... في وجهِهِ شَاهِدٌ ينبِيك عن خَبَرِ\rحَسبُ أمرئ شرفاً أن ساد أُسرَتَهُ ... وأنت سُدْتَ جَميعَ الجنِّ والبشَر\rسأَل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت رجلاً حاجة، فلم يقضها، وسأل آخر، فقضاها، فقال للأول: الطويل:\rذُممت ولَمْ تُحمد، وأبًّتُ بحاجة ... تَوَلّى سواكُمْ شكرَها واصطناعها\rأبى لك فعلَ الخيرِ رأيٌ مقصّرٌ ... ونَفسٌ أضاق الله بالبخل بَاعَها\rإذا ما أرادته على الخيرِ مَرَّةً ... عصاها، وإن هَمَّتْ بشرٍّ أطاعَها\rالجود والعطاء\rقال رجلٌ لهشام بن عبد الملك: قد افتقرْتُ يا أميرَ المؤمنين إلى ظهور حسْن رأيك، فإن رأيتَ إظهارَه بسرور الصَّديق، ورَغم العدوّ، فعلت، قال هشام: أوجزت وملحتَ فيما سألت، فلا تردّ لك طَلِبَة، فما سأله شيئَاً إلا أعطاهُ أكثر منه.\rقال حميد بن بلال: ولي عَمْرو بن مَسعَدة فارس وكرمان، فقال له بعض أصحابه: أيها الأمير، لو كان الحياءُ يظهر سؤالاً لدعاك حيائي من كرمك في جميع أهليك إلى الإقبال عَلَيَّ بما يكثر به حَسَد عدوي، دون أن أسألك، فقال عمرو: لا تَبغ ذلك بابتذالك ماءَ وجهك، ونحن نُغنِيك عن إراقته في خوض السؤال، فَارفع ما تريده في رُقعة يصل إليك سرّاً ففعل.\rوقال رجل من أهل فارس: قدم على محمد بن طيفور، وهو عامل على بلاد أصبهان لبعض أهلها: كم تقدّرون صلات محمد في كلِّ سنة للشعراء والمتوسّلين؟ قالوا: مائة ألف دينار، سوى الخِلع والحُملان.\rوورد عليه يوماً كتابٌ من بعض إخوانه في شأن رجل استماحه له في دَرجِه: أنتَ أعَزَّك الله تعالى أجَلّ من أن يُتَوَسَّلَ بغيرك إليك، وأن يُسْتَماح جُودُك إلا بك، غير أني أذكرك بكتابي في أمر حامله، ما شرَع كرمُك من الشكر وزَرَع إحسانك من الأجر، قِبَل الصادرين والوارِدِين؛ فهنَّاك الله تعالى ذلك، ولازالَت يَدُ الله بجميل إحسانه ونعمته متواترةً عليك.\rفقال محمد للرجل: احتكم لك وله؛ فأخذ منه ألفَ دينار، ولمن كتب له مثلي.\rوقال رجلي لإبراهيم بن المهديّ: قد أوحشني منك ترَدُّدُ غليلِ في صدري أهابُك عن إظهاره، وأجِلّك عن كَشْفه، فقال له إبراهيم: لكني أكشف لك معروفي، وأُظهر إحساني؛ فإن يكن غير هذين في خَلَدِك، فاكتُبْ رقعة يخرج توقيعي سرّاً لتقِفَ على ما تحب، فبلَغ كلامه المهدي فقال: هذا واللّه غاية الكرم.\rوكتب محمد بن طيفور لبعض خاصته بمالٍ وصّاه به، فكتب الرجلُ إليه: قد استغوقَتْ نِعْمَتكَ وجوهَ الشكر لك، وغُرَرَ الحمدِ فيما سلف منك، ولولا فَرْطُ عجزي عن تلقّي ما يجب لك من الحمد لقبلْتُ ما أنفذتَه.","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"فكتب إليه محمد: قد صغَّرَ شكرُك لنا ما أسلفناه إليك؛ فخُذْ ما أنفذْناه ثواباً عن معرفتك بِشُكرِ التافه عندي، وإلاَّ سمح شكرُك بما رأيناك له أهلاً إلى أَنْ يتَّسع قبول مثلك، ما يستحق به جميلَ الدعاء، وجزيلَ الثناء، إن شاء الله تعالى.\rرثاء قرد وثور\rولما مات قِرْدُ زُبيدة بنت جعفر ساءها ذلك، ونالها من الغمّ ما عَرَفه الصغير والكبير من خاصَّتها، فكتب إليها أبو هارون العبديّ: أيتها السيدة الخطيرة؛ إنَّ موقعَ الخَطْب بذهاب الصغير المعجب كموقع السرور بنيْلِ الكثير المفرِح، ومَن جهل قَدْرَ التعزية عن التافِهِ الخفي، عَميَ عن التهنئة بالجليل السَّنيّ، فلا نَقَصَكِ الله الزائدَ في سرورك، ولا حَرَمَكِ أجرَ الذاهب من صغيرك.\rفأمَرَتْ له بجائزة.\rوكتب أبو إسحاق الصابي عن ابن بقية في أيام وزارته إلى أبي بكر بن قريعة يعزِّيه عن ثور أبيض بقوله، وجلس للعزاء عنه تَرَاقُعاً وتحامُقاً: التعزيةُ على المفقود أطال الله بقاءَ القاضي إنما تكونُ بحسب محلِّه من فاقِدِه، من غير أن تُرَاعَى قِيمتُهُ ولا، قَدْرُهُ، ولا ذاتُهُ ولا عينُهُ؛ إذ كان الغرض فيها تبريدَ الغُلَّة، وإخْمَادَ اللَوْعَة، وتسكين الزَّفْرَة، وتَنْفيس الكُزبة، فربَّ وَلَدٍ عاق، وشقيق مُشَاقّ، وذي رحم أصبح لها قاطعاً، ولأهله فاجعاً، وقريب قوم قد قلدَهم عاراً، وناطَ بهم شَنَاراً، فلا لوم على تَرْك التعزية عنه، وأحْرِ بها أن تستحيل تهنئةً بالراحة منه؛ وربَّ مالٍ صامتٍ غيرِ ناطقٍ، قد كان صاحبُه به مستظهراً، وله مستثْمراً، فالفجيعةُ به إذا فقد موضوعه موضعها، والتعزيةُ عنه واقعةٌ منه موقعها. وقد بلغني أن القاضي أصيب بثور كان له، فجلس للعزاء عنه شاكياً، وأَجْهَش عليه باكياً، والتدَم عليه وَالِهاً، وحُكيت عنه حكاياتٌ، في التأبين له، وإقامة النَدبة عليه، وتعديد ما كان فيه من فضائل البقْر التي تفرقتْ في غيره، واجتمعَتْ فيه وَحدَه. فصار كما قال أبو نواس، في مثله من الناس: السريع:\rليس على الله بمستنكَرٍ ... أن يجمع العالم في وَاحِدِ","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"لأنه يَكْرُب الأرض مغمورة ط ويُثيرها مزروعة، ويرقص في الدواليب ساقياً وفي الأرحاء طاحناً، ويحمل الغلاَّتِ مستقلاًّ، والأثقالَ مستخفّاً؛ فلا يَؤُوده عظيم، ولا يعْجزه جسيم، ولا يجري في الحائط مع شقيقه، ولا في الطريق مع رفيقه، إلا كان جَلداً لا يُسبَق، ومبرِّزاً لا يُلحق، وفائتاً لا يُنال شَأْوه وغايتُه، ولا يبلغ مَدَاه ونهايتُه. ويشهدُ الله أن ما ساءه ساءني، وما آلمه آلمني، ولم يَجُزْ عندي في حق ودّه استصغارُ خَطْبٍ جلَّ عنده، فأرَّقه وأمَضَّه وأقلقه، ولا تهوين صعبٍ بلغ منه وأرمضه، وشَفَّه وأمرضه؛ فكتبت هذه الرقعة، قاضياً بها من الحقّ في مصابه هذا بقَدْرِ ما أظهر من إكباره إيّاه، وأبانَ من إعظامه له، وأسأل الله تعالى أن يخصَّه من المعوضة بأفضل ما خصّ به البشر، عن البقر، وأن يُفْرِدَ هذه البهيمة العجماء بأثَرَةٍ من الثواب، يضيفها إلى المكلَّفين من أهل الألباب؛ فإنها وإن لم تكن منهم، فقد استحقت إلا تُفرد عنهم، بأن مسّ القاضي سببُها، وصار إليه منتسبُها، حتى إذا أنجز الله ما وعد به عباده المؤمنين، من تمحيص سيئاتهم، وتضعيف حسناتهم، والإفضاء بهم إلى الجنة التي رَضيَها لهم داراً، وجعلها لجماعتهم قَرَاراً؛ وأورد القاضي - أيّده الله تعالى - مواردَ أهل النعيم؛ مع أَهْل الصراط المستقيم، جاء وثَوْرُه هذا مجنوب معه، مسموح له به؛ وكما أن الجنةَ لا يدخلها الخبث، ولا يكون من أهلها الحدث، ولكنه عَرَق يجري من أعواضهم، كذلك يجعل الله ثَوْر القاضي مركباً من العَنْبَرِ الشِّحري، وماءِ الوَرْد الجُوري؛ فيصير ثوراً له طورا؛ وجُونَةَ عطرٍ له طورا وليس ذلك بمستبعد ولا مستنكر، ولا مستصعَب ولا متعذّر؛ إذ كانت قدرةُ الله بذلك محيطةً، ومواعيده لأمثاله ضامنة؛ بما أعدَّه اللّه في الجنة لعبادِه الصادقين، وأوليائه الصالحين؛ من شهوات أنفسهم وملاذّ أعينهم، وما هو سبحانه مع غامر فضله وفائِض كرمه، بمانعه ذلك مع صالح مساعيه، ومحمود شيَمه؛ وقلبي متعلّق بمعرفة خبره، أدام اللَّهُ عزه فيما ادرعه من شعار الصبر، واحتفظ به من إيثار الآخر، ورفع إليه من السكون لأمْرِ الله تعالى في الذي طَرَقَه، والشكر له فيما أزعجه وأقلقه، فليعرفني القاضي من ذلك ما أكُونُ ضاربَاً معه بسَهمِ المساعدة عليه، وآخذاً بقسطِ المشاركة فيه.\rفصل من جواب أبي بكر: وصل توقيعُ سيّدنا الوزير أطال الله بقاه، وأدام تأييده ونعماه، وأكمل رفعته وعُلاه، وحَرس مهْجته ووَقاه، بالتعزية عن الثور الأبيض، الذي كان للحَرْثِ مثيراً، وللدواليب مُدِيراً، وبالسبْقِ إلى سائر المنافع شهيراً، وعلى شدائد الزمان مساعداً وظَهيراً. لعمرُك لَقد كان بِعَملِه ناهضاً، ولحماقات البقر رافضَاً، وأنّى لنا بمثله وشَرْواه، ولا شروى له؛ فإنه كان من أعيان البقر، وأنفع أجناسه للبشر، مضاف ذلك إلى خَلاّتٍ لولا خَوفي من تجدُّد الحزن عليه، وتهييج الجزَع وانصرافه إليه لعدَدتُها؛ ليعلمَ - أدام الله عزّه - أنّ الحزينَ عليه غير مَلُوم. وكيف يُلام امرؤ فقَد من ماله قطعةً يجب في مثلها الزكاة، ومن خَدم معيشته بهيمة تُعين على الصوم والصلاة، وقد احتذيتُ ما مثّله الوزير من جميل الاحتساب، والصبر على المُصَاب؛ فقلت: \" إنَّا للَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ، قول من علم أنه أملك لنفسه وماله وأهله، وأنه لا يملك شيئَاً دونه؛ إذ كان جلَّ ثناؤه، وتقدَّست أسماؤه، هو الملك الوهّاب، المرتجع ما ارتجع ممّا يعوض عليه نفيس الثواب. وقد وجدت - أيّد الله الوزير - للبقر خاصة فضيلةً على سائر بهيْمة الأنعام، تشهد بها العقولُ والأفهام، وذكَر جملة من فضائلها.\rوكأنَّ أبَا نواس في قوله: السريع:\rليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\rنَظَر في هذا المعنى إلى قول جرير: الوافر:\rإذا غضِبَتْ عليك بنو تميمٍ ... حَسِبْتَ الناسَ كلَّهُمُ غِضابا\rرثاء الأشخاص\rوقالت امرأة من العرب، يقال: إنها امرأةُ العباسِ عمّ النبي صلى الله عليه وسلم، ترثي بنيها: البسيط:\rرَعَوا من المجد أكنافاً إلى أجل ... حتى إذا كملت أظماؤهمْ ورَدُوا\rمَيت بمصر، ومَيتٌ بالعراق، ومَي ... تٌ بالحجاز، مَنايا بينهم بَدَدُ","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"كانت لهم هِمَمٌ فرقن بينهمُ ... إذا القعاديدُ عن أمثالهمْ قعدوا\rبَث الجميل، وتفريغ الجليل، وإع ... طاء الجزيل الذي لم يعطِه أحدُ\rوقال عبدة بن الطبيب في قيس بن عاصم: الطويل:\rعليك سلامُ الله قيس بنَ عاصمٍ ... ورحمتُهُ ما شاء أن يترحَّما\rتحيةَ مَن أَلبَسْتَه منك نعمةً ... إذا زار عن شَحطٍ بلاَدك سلَّما\rفما كان قَيسٌ هُلكُهُ هلْكَ واحِدٍ ... ولكنه بنْيانُ قومٍ تَهَدّما\rوقيس بن عاصم هو القائل: الكامل:\rإني امرُؤٌ لا يَعتَرِي حَسَبي ... دَنَسٌ يُغيِّره ولا أَفنُ\rمن مِنقَر في بيتِ مَكَرمةٍ ... والأصل يَنْبتُ حوله الغصْنُ\rخُطباء حين يقول قائلهمْ ... بِيضُ الوجوهِ أعفّةٌ لُسْنُ\rلا يَفطِنون لِعَيبِ جارِهُم ... وهُمُ لحُسْن جوارِه فُطْنُ\rوقالت أخت الوليد بن طريف الشيباني ترثيه: الطويل:\rأبا شجَر الخابورِ ما لكَ مُورِقاً ... كأنك لم تَجْزَعْ على ابنِ طَريفِ\rفتى لا يَعُدّ الزادَ إلاّ من التّقى ... ولا المالَ إلا من قَناً وسيوفِ\rعليك سلامُ الله وقفاً؛ لأنني ... أرى الموت وَقَّاعاً بكل شريف\rفقدناك فِقْدَان الربيع، وليتنا ... فَدَيْنَاك من فتياننا بأُلوف\rوخرج الوليد في أيام الرشيد، فقتله يزيد بن مَزْيد، وفي ذلك يقول بكر بن النطاح الحنفي: الخفيف:\rيا بني تغلبٍ، لقد فَجَعَتْكُمْ ... من يزيدٍ سيوفُهُ بالوليدِ\rلَوْ سيوفٌ سوى سيوفِ يزيدٍ ... قارَعَتْهُ لاقَتْ خِلافَ السعودِ\rواترٌ بعضُها يُقَتِّلُ بَعْضاً ... لا يَفلُّ الحديدَ غيرُ الحديدِ\rعود إلى المديح\rوكان بكر كثيرَ التعصب لربيعة والمدحِ فيهم، وهو القائل: الطويل:\rومن يَفْتقرْ مِنّا يَعِشْ بحُسامِه ... ومن يفتقرْ من سائر الناس يَسْأَلِ\rونحن وُصِفْنَا دون كل قبيلةٍ ... بشدّةِ بأْس في الكتاب المنزَّلِ\rوإنّا لنَلْهُو بالسيوف كما لَهَتْ ... فتاةٌ بعِقْد أو سِخَابِ قَرَنْفِلِ\rيريد قول اللّه عزّ وجل: \" سَتُدْعَوْنَ إلى قوم أَولي بَأْسٍ شديدٍ \" . جاء في بعض التفاسير أنهم بنو حنيفة قوم مُسيلمة الكذاب.\rوبكر القائل أيضاً في أبي دُلَفَ: الكامل:\rيا عصمة العرب الذي لو لم يكن ... حيّاً لقد كانت بغير عِمَادِ\rإنّ العيون إذا رأَتْك حِدادُها ... رجعت من الإجلال غيرَ حِدَادِ\rوإذا رميت الثغر منك بعَزْمةٍ ... فتَّحْتَ منه مواضعَ الأسداد\rفكأن رمحَك مُنْقَعٌ في عصفُرٍ ... وكأنَّ سيفك سُلَّ من فرْصَاد\rلو صال من غَضَبٍ أبو دلف على ... بِيض السيوف لذُبْنَ في الأغماد\rأَذكى وأَوقد للعداوة والقِرَى ... نارَين؛ نارَ وغًى ونار زناد\rوأبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شنج بن معاوية بن خُزَاعي بن عبد العزّى بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم.\rوقد روِيت الأبيات التي مرت لأخت الوليد بن طريف لعبد الملك بن بجرة النميري.\rوقال أبو هَفّان واسمه منصور بن بجرة، قال: أنشدني دعبل لنفسه: المتقارب:\rوَدَاعُك مثل وَدَاع الربيع ... وفقدُك مثل افتقاد الدِّيَم\rعليك السلام فكم من وفاءٍ ... أفارق منك وكمْ من كَرَمْ\rفقلت: أحسنت، ولكن سرقت البيتين من ربيعيين: الأول من قول القَطَامي: البسيط:\rما للكواعب ودَّعْنَ الحياةَ كما ... وَدَّعْنَني واتَّخَذْنَ الشَّيْبَ ميعادي\rوالثاني من قول ابن بجرة:\rفقدناك فقدان الربيع وليتنا\rوأنشد البيت. فقال: بلى، واللّه سرق الطائي من ابن بجرة بيتاً كاملاً فقال: الطويل:\rعليك سلام الله وقفاً فإنني ... رأيت الكريمَ الحُرَّ ليس له عُمرُ","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"كذا وردت الحكاية من غير وجه، وكان يجب إذا كان من ربيعيين أن يكون فَقَدناك فقدان الربيع لأخت الوليد.\rوقد قار السموأل في قصر العمر: الطويل:\rيقربُ حبُّ الموتِ آجالَنا لنا ... وتَكْرَهه آجالُهُم َفتطولُ\rوقال ابن قتيبة: أخذ النميريَ قوله: أيا أيا شجر الخابور من قول الجن في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الطويل:\rأبعد قتيلٍ بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتزّ العِضَاه بأسْواقِ\rوقد أنشده أبو تمام الطائي للشماخ في أبيات أولها: الطويل:\rجزى الله خيراً من أميرٍ وباركت ... يدُ الله في ذاك الأدِيمِ الممزَّقِ\rومن يَسعَ أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قدمت بالأمس يُسْبَقِ\rقضيتَ أموراً ثم غادرتَ بعدها ... نوافج في أكمامها لم تفتَّق\rوما كنت أخشى أن تكونَ وفاتُه ... بكفَّي سَبَنْتَى أزرق العين مُطرِق\rتظلّ الحَصَان البِكر تلقى جنينها ... نثا خبر فوق المطيّ معلّق\rوقد قال بشار قريباً من قوله: ولا المال إلاَّ من قنا وسيوف: الطويل:\rعلى جَنبات الملك منه مَهَابةٌ ... وفي الدَّرع عَبْلُ الساعدَين قَرُوعُ\rإذا اختزنَ المال البخيلُ فإنما ... خزائنهم خَطِّيةٌ ودُروعُ\rوهذا كقول أبي الطيب المتنبي في فاتك الإخشيدي: الكامل:\rكنا نَظنُّ دِيارَه مَملوءَةً ... ذَهباً فماتَ وكلُّ دَارٍ بَلقعُ\rوإذا المكارمُ والصَّوارمُ والقنا ... وبناتُ أعوَجَ كلُّ شيءٍ يَجمعُ\rومن بارع هذا النحو قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:الطويل:\rوإني لأرباب القبور لغابطٌ ... لسُكنى سعيدٍ بين أهل المقابر\rوإني لمفجوعٌ به إذ تكاثرت ... عداتي ولم أهتف سِواه بنَاصِر\rوكنت كلمغلوبٍ على نَصل سَيفه ... وقد حزَّ فيه نصل حَرَّان باترِ\rأتيناه زوَّاراً فأمجدَنا قرى ... من البَث والداء الدخيل المخامِر\rوأُبنَا بِزَرعٍ قد نما في صدورنا ... من الوجد يُسقَى بالدمُوع البَوادِرِ\rولمّا حضَرنَا لاقتسام تُراثِه ... أصبْنا عظيمات اللُّهى والمآثِرِ\rأي لم نصب مالاً، ولكنا أصبنا فعَالاً.\rمن نوادر الأعراب\rدخلت أعرابية على عبد الله بن أبي بكرة بالبصرة، فوقفت بين السماطين، فقالت: أصلح الله الأمير، وأَمتَعَ به؛ حَدَرتنَا إليك سَنَةُ اشتدّ بلاؤها، وانكشف غطاؤها، أقودُ صِبية صغاراً، وآخرين كباراً، في بلد شاسعة، تَخفِضُنا خافضة، وترفعُنا رافعة، لِمُلماتٍ من الدهر بَرَين عَظْمي، وأذهبْنَ لحمي، وتركْنَني والهة أدورُ بالحضيض، وقد ضاق بي البلدُ العريض، فسألت في أحياءِ العرب: مَن الكاملةُ فضائلُه، المُعْطَى سائلُه، المكفيُّ نَائله، فَدُلِلْت عليك - أصلحك الله تعالى - وأنا امرأة من هوازن؛ وقد مات الوالد، وغاب الرَّافد، وأنْتَ بعد الله غياثي، ومنتهى أمَلي، فافعلْ بي إحدَى ثلاث، أما أن تردّني إلى بلدي، أو تحسن صَفَدي، أو تقيم أوَدي فقال: بل أجمعها لك، فلم يَزَلْ يُجرِي عليها كما يُجْرِي على عياله، حتى ماتت.\rقال العتبي: وقف أعرابيّ بباب عبيد الله بن زياد، فقال: يا أهل الغَضَارة، حَقِبَ السحابُ، وانقشعَ الرِّبَابُ، واستأسدت الذِّئَاب، وردم الثًمَد، وقل الحَفَد، ومات الولد، وكنت كثيرَ العفَاةِ، صخِب السقاة، عقيمَ الدُّلاة، لا أتضاءك للزمان، ولا أحفل بالْحِدثَان، حَيٌّ حِلاَل وعدَدٌ ومالٌ، قتفرَقنا أيْدِي سَبَا. بعد فقد الأبناء والآباء، وكنت حسنَ الشارة، خصيب الدَارَة، سليم الجارةِ وكان محلّي حِمَى، وقومي أسى، وعَزمي جَداً؛ قضى الله ولا رجْعان لما قضى، بِسَوَافِ المال، وشتات الرجال، وتَغَيّر الحال، فأغيثوا مَن شَخْصُه شاهدُه، ولسانُه وَافدُه، وفقْرُه سائقُهُ وقائِدُه.\rومن مقامات الإسكندري، من إنشاء بديع الزمان، قال:","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"حدثنا عيسى بن هشام قال: دخلت البَصرة وأنا من سنيَّ في فَتاء، ومن الزِّيِّ في حِبرٍ ووِشاء، ومن الغنى في بَقَرٍ وشَاء؛ فأتيت المِرْبَد مع رفْقَة تأخذهم العيون، ودخلْنا غير بعيد في بعض تلك المتنزهات، ومشَيْنا في تلك المُتَوَجَّهات، وملكتنا أرضٌ فحللْناها، وعَمَدنا لِقِدَاح اللَهو فأجَلْنَاهَا، مُطَّرِحِينَ للحِشْمَةِ، إذْ لم يكن فينا إلا منَّا، فما كان إلا بأَسْرَع من ارتداد الطَرْف حتى عنَّ لنا سَوَادٌ، تخفِضُه وهاد، وترفعه نِجَاد، وعلمنا أنه يهمّ بنا، فأتلعْنا له، حتى انتهى إلينا سيرُه، ولقينا بتحية الإسلام، ورددنا عليه مقتضى السلام؛ ثم أجال فينا طَرْفه وقال: يا قوم، ما منكُمْ إلا من يلحظني شَزْراً، ويوسعني زَجراً، ولا ينبئكم عني، بأصدقْ مني؛ أنا رجلَ من أهل الإسكندرية، من الثغور الأموية، وقد وطّأ لي الفضل كنَفَه، ورحبت بي عبس، ونَمانِي بيت، ثم جَعْجَعَ بي الدهرُ عن ثمِّهِ ورمِّهِ، وأَتْلانِي زغاليلَ حُمْر الحواصل: الرجز:\rكأنهُمْ حُيَّاتُ أرض مَحْلَةٍ ... فلو يَعَضُّونَ لَذَكَّى سَمُّهُمْ\rإذا نزَلْنَا أرسلوني كاسباً ... وإن رَحَلنَا رَكِبُوني كُلُّهُمْ\rونشرت علينا البيض، وشمسَتْ منا الصُّفْر، وأكلتْنا السُّودُ، وحطمتنا الحمر، وانتابنا أبو مالك، فما تَلَقَّانا أبو جابر إلا عن عُفْر، وهذه البصرة ماؤها هَضوم، وفقيرها مهضوم، والمرءُ من ضِزسِه في شُغل، ومن نفسه في كلّ، فكيف بمن: الوافر:\rيطَوِّف ما ايطَوِّف ثم يَأوي ... إلى زُغْبٍ محَدَّدَة العيونِ\rكَسَاهُنَّ البِلَى شُعْثاً فتمْسِي ... جِيَاع الناس ضامِرَةَ العيونِ\rولقد أصْبَحْنَ اليَوْمَ وقد سَرَّحْنَ الطرف في حيٍّ كمَيْتٍ، وفي بيت كلا بيت، وقلبْنَ الأكفّ على لَيت، فقَضَضْنَ عقد الضلوع، وأفَضْنَ ماء الدموع، وتَدَاعَينَ باسمِ الجوع: مجزوء الكامل:\rوالفَقْر في زَمَنِ اللثا ... مِ لكلِّ في كَرَمٍ عَلاَمَهْ\rوقد اخترتُكم يا سادة، ودلّتني عليكم السعادة، وقلت: قسماً، إن فيهم شِيماً، فهل من فتى يعشّيهنّ، أو يغشِّيهِنّ؟ وهل من حرٍّ يغَذِّيهنّ، أو يردّيهن؟.\rقال عيسى بن هشام: فواللّه ما استأذن على سَمْعِي كلام رائع ابرع ممّا سَمعت، لا جرمَ أنا استَمَحْنا الأوساط، ونَفَضنا الأكمام، وبَحَثنا الجيوب؛ وأنلْتُهُ مُطرَفي، وأخذت الجماعةُ أَخْذي، وقلْنا له: الحقّ بأطفالك، فأعرض عَنَّا بعد شكر وفّاه، ونشرٍ مَلأَ بِهِ فَاهُ.\rومن رسائله إلى بعض الرؤساء: خُلقت - أطال الله بقاء السيد وأدام تأييده - مشروحَ جَنَانِ الصدر، جموح عِنَانِ الحلم، فسيح رُقعة الصدر: الطويل:\rحَمُولاً صبوراً لو تَعَمَّدَني الردى ... لسِرْتُ إليه مشْرِقَ الوَجْهِ راضيا\rألوفاً وفَياً لو رُدِدت إلى الصِّبَا ... لفارقت شَيْبي فوجَعَ القلب باكِيا\rواللّه لأَحيلنَّ السيد على الأيام، ولأكِلَنَّ استحالة رأيه فيَّ على الليالي؛ ولا أزال أصفيه الولاء، وأسنيه الثناء، وأفرش له من صدري الدَّهنَاء، وأُعيره أذناً صماء، حتى يعلم أيّ عِلقٍ باع، وأيّ فتى أضاع، وليقفَنَّ موقف اعتذار، وليعلمنَّ بِنُصح أتى الواشون أم بِحبول، ولا أقول: يا حالف اذكر حِلاًّ ولكن يا عاقِد إذكر حَلاًّ ولست كمن يشكو إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أَذَى رَهطِهِ، ويَسْتَاقُ إلى رمي يزيد لِسِبْطه، ولكني أقول: الطويل:\rهنيئاً مريئاً غيرَ داءِ مخَامِرٍ ... لعَزَّةَ مِنْ أَعراضنا ما اسْتَحَلِّتِ\rوأنا أعلم أنّ السيدَ لا يخرج عن تلك الحلية، بهذه الرُّقْية، وأنّ جوابَه أخشنُ من لقائه، فإن نشط للإجابة فلتكن المخاطبةُ قرأت رقعتك، فهو أخفّ مؤنة، وأقلّ تَبِعة.\rوله إلى الشيخ العميد:","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"أنا - أطال الله بقاء الشيخ العميد - مع إخوان نيسابور، في ضيعة لا فيها أعان، ولا عنها أصان، وشيمة ليست بي تناط، ولا عنّي تمَاط، وحرفة لا عَنّي تزَال، ولا فيها أدَال، وهي الكُدية التي عليّ تبِعتُها وليس لْي منفعَتهإ، فهل للشيخ العميد أن يلطف بصنيعته لطفاً يحط عنه دَرَنَ العار، وشيمة التكسب بالأشعار، ليخفَّ على القلوب ظلُّه ويرتفع عن الأحرار كَلُّه ولا يثقل على الأجفان شَخْصُهً، بإتمام ماكان عَرَضَه عليه من أشغاله، ليعلَقَ بأذياله، ويستفيدَ من خلاله؛ فيكون قد صان العلم عن ابتذاله، والفضلَ عن إذلاله، واشترى حُسنَ الثناء بجاهه، كما يشتريه بماله، والشيخ العميد فيما يوجبه من وَعدٍ يعتمده، ووفاء يَتلو ما يَعده، عالٍ رأيه إن شاء الله.\rرجع إلى المديح\rوقال بعضُ أهل العصر؟ وهو أبو العباس الناشئ، يمدحُ سعد الدولة أبا المعالي شريف بن سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان: البسيط:\rكأنَّ مرآةَ فهمِ الدَهرِ في يدهِ ... يَرَى بها غائبَ الأشياء لم يَغِبِ\rما يرفع الفَلكُ العالي سماءَ عُلاً ... إلا علاها شريفٌ كوكبُ العربِ\rيا من بعَيْنِ الرضا يلقَى مُؤمَلهُ ... والبُخْلُ يُطْبِقُ أجفاناً على الغَضَبِ\rلو يكتب المَلْك أسماء الملوك إذاً ... أعطاك موضع بسم الله في الكُتُبِ\rغرّبت في كل يوم منك مكرمةً ... فليس ذِكْرُك في أرض بمغترِبِ\rبيته الأول كقول القائل: الطويل:\rأطل على الأشياء حتى كأنما ... له من وراء الغَيْب مُقْلَةُ شاهدِ\rوكما قال أبو تمام الطائي: الوافر:\rأطَل على كِلاَ الأفقين حتى ... كأنَّ الأرضَ في عينيه دارُ\rوأفرط ابن الرومي فقال: المنسرح:\rأحَاطَ علماً بكلِّ خافيةٍ ... كأَنما الأرضُ في يديه كُرَهْ\rوقال محمد بن وهيب: الطويل:\rعليمٌ بأعقاب الأمور، كأنما ... يخاطبه من كلّ أمر عواقبُهْ\rوقال بعض شعراء بني عبد الله بن طاهر: المتقارب:\rوقوفك تحت ظلال السيوف ... أقرَّ الخلافة فيَ دارها\rكأنك مطّلع في القلوب ... إذا ما تناجَتْ بأسرارها\rوقال البحتري للفتح بن خاقان: الطويل:\rكأنك عينٌ في القلوب بصيرةٌ ... تَرَى ما عليه مستقيمٌ ومائل\rوقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر: البسيط:\rينال بالظن ما فات اليقين به ... إذا تَلَبّس دون الظَّنِّ ايقانُ\rكأنّ آراءَه والظن يجمعُها ... تريه كل حفي وهْوَ إعلان\rما غاب عن عينه فالقلبُ يذكره ... وإن تَنَمْ عينه فالقلب يَقْظانُ\rوقال أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب يمدح عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير: البسيط:\rإذا أبو قاسمٍ جادَتْ لنا يدُهُ ... لم يحْمَدِ الأجْوَدَانِ البحرُ والمطَرُ\rوإنْ أضاءتْ لنا أنوارُ غُرَّتِه ... تضاءَل الأنورانِ الشمسُ والقمرُ\rوإن مضى رأيه أو حَدُّ عزمته ... تأخّر الماضيانِ السيفُ والقَدَرُ\rمن لم يبت حَذِراً من خوف سَطوَته ... لم يَدرِ ما المُزْعِجَانِ الخوف والحذر\rينال بالظنّ ما يَعْيَا العِيَانُ بهِ ... والشاهدانِ عليه العَيْنُ والأثر\rكأنه الدهر في نُعمى وفي نعمٍ ... إذا تعاقب منه النفع والضرر\rكأنه وزِمامُ الدهر في يدهِ ... يرى عواقبَ ما يأتي وما يَذَرُ\rوأصل هذا قولُ أوسِ بن حَجَر: المنسرح:\rالألمعيُّ الذي يظنّ بك الظنَّ كأن قد رأى وقد سمعَا\rوهذا المعنى قد مرَّ في أثناء الكتاب.\rقال أبو الحسن جحظة ألبرمكي: قلت لخالد الكاتب: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أرقَّ الناس شعراً، قلت: أتعرف قولَ الأعرابي: الطويل:\rفما وَجد أعرابية قَذَفَت بها ... صُروف الليالي حيث لم تَكُ ظَنّتِ\rتمنَّت أحاليبَ الرعاء، وخَيمَةً ... بنَجْدٍ، فلم يُقدَرْ لها ما تمنّتِ\rإذا ذكرتَ ماءَ العضَاهِ وطِيبَهُ ... وريح الصبا من نحو نجدٍ أرنّتِ","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"بأعظم من وجدٍ بليلى وَجدته ... غداة غدَوْنَا غدوة واطمأنَّتِ\rوكانت رياح تحمل الحاجَ بيننا ... فَقَدْ بًخِلَتْ تلك الرياح وضَنّتِ\rفصاح خالد وقال: ويحك! ويلَك يا جحظة! هذا واللهِ أرَقّ من شعرِي.\rفصل لأبي العباس بن المعتز\rلن تكَسب - أعزّك اللهُ - المحامد، وتستوجب الشرفَ، إلا بالحَمْلِ على النفس والجال، والنهوض بحمل الأثقال، وبَذْل الجاهِ والمالِ، ولو كانت المكارمُ تُنَال بغير مؤونة لاشترك فيها السفَل والأحرَار، وتساهَمَها الوُضعَاء مع ذوي الأخطار؛ ولكن الله تعالى خصَّ الكُرماء الذين جعلهم أهْلَها، فخفّف عليهم حملها، وسوغهم فَضْلَها، وحَظَرها على السَّفِلَة لصِغَر أقدارهم عنها، وبُعد طباعهم منها، ونفورِها عنهم، واقشعرارها منهم.\rوقال أبو الطيب المتنبي: البسيط:\rلولا المشقّةُ سادَ الناسُ كلُّهُمُ ... الجُوْدُ يُفْقرُ والإقدامُ قَتَّالُ\rوقال الطائي: الكامل:\rوالحمد شَهْدٌ لا يرى مشتارُه ... يجنيه إلا من نقيع الحَنظلِ\rشْرٌ لحامله، ويسحبهُ الذي ... لم يؤذ عاتقه خفيفَ المحملِ\rآخذه الطائي من قول مسلم بن الوليد، وقيل غيره: البسيط:\rالجودُ أخشن مسًّاً يا بَنِي مطَرٍ ... من أن تبزّكمو كَفَّ مُستلبِ\rما أعلَم الناس أن الجودَ مدفعةَ ... للدَّمِّ لكنه يأتي على النّشبِ\rوقال بعض الأجواد: إنا لنجِد كما يجد البخلاء، ولكنا نصبر ولا يصبرون.\rوقال الجاحظ: قيل لأبي عبّادٍ وزير المأمون، وكان أسرعَ الناس غضباً: إنَّ لقمان الحكَيم قال لابنه: ما الحمل الثقيل؟ قال: الغَضب. قال أبو عباد: لكنه واللَّه أخفُّ عليّ من الريش! قيل له: إنما عنى لقمان أنً احتمالَ الغضَب ثقيل، فقال: لا، واللّه لا يَقوَى على احتمال الغضب من الناس إلا الجمل!.\rوغضب يوماً على بعضِ كتابه، فرماه بدَوَاةٍ كانت بين يديه فشجه فقال أبو عبّاد: صدق الله تعالى في قوله: \" والذينَ إذا ما غَضِبوا هم يَعْقِرون \" . فبلغ ذلك المأمونَ فأحضره وقال له: ويحك! مأ تُحسِن تقرأ آيةً من كتاب الله تعالى؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأحفظ من سورة واحدة ألفَ آية؛ فضحك المأمون وأمر بإخراجه.\rنبذة من لطائف ابن المعتز\rوفضل تحققه بالبديع والاستعارات ممّا تتعيَّن العناية بمطالعتها:\rقال أبو بكر الصولي: اجتمعت مع جماعةِ من الشعراء عند أبي العباس عبد الله بن المعتز، وكان يتحقّق بعلم البَديع تحققاً يَنصُره دعواه فيه لسانُ مذكراته، فلم يَبقَ مَسْلَك من مسالك الشعراء إلا سلك بنا شِعَباً من شِعابه، وأوردنا أحْسَنَ ما قيلَ في بابه، إلى أن قال أبو العباس ما أحسن استعارة أشتمل عليها بيت واحد من الشعر؟ قال الأسدي: قول لبيد: الكامل:\rوغداةِ ريح قد كشفتُ وقَرَّةٍ ... إذ أصبحَتَ بيدِ الشَّمالِ زمامها\rقال أبو العباس: هذا حسن، وغيره أحمد منه، وقد أخذ من قول ثعلبة بن صغَيرة المازني: الكامل:\rفتذَاكرَا ثَقلاً رَثيداً بعدما ... ألقَت ذُكاءُ يمينَها في كَافرِ\rوقول ذي الرمة أعجب إليّ منه: الطويل:\rألا طرقت ميٌّ هَيُوماً بذكرها ... وأيدِي الثّريَّا جُنَّحٌ في المغاربِ\rوقال بعضُنا: بل قول لبيد أيضَاً: الكامل:\rولقد حَمَيْتُ الخيلَ تحمل شِكّتيفُرُط، وِشاحي إن غدوت لجامُها\rقال أبو العباس: هذا حسن، ولكن نَعدل عن لبيد.\rوقال آخر: قول الهذلي: الطويل:\rولو أنني استودَعته لاهتدَتْ ... إليه المنايا عَيْنُها ورَسُولُها\rوقال أبو العباس: هذا حسن، وأحسن منه - في استعارة لفظِ الاستيداع - قول الحصَين بن الحَمام؛ لأنه جمع الاستعارة والمقابلة في قوله: الطويل:\rنطَارِدهُم نستودعُ البيضَ هامَهُمْ ... ويستودِعُونا السّمْهَرِيَّ المُقوَّما\rوقال آخر: بل قول ذي الرُّمة: الطويل:\rأقامَتْ به حتى ذَوَىَ العودُ في الثّرى ... وسَاقَ الثُّريَّا في ملاَءَتِهِ الفَجْرُ","part":1,"page":413},{"id":414,"text":"قال أبو العباس: هذا لعمري نهايةُ الخبرة، وذو الرمة أبدع الناسِ استعارة، وأبرعهم عبارة، إلا أنَّ الصواب حتى ذوى العود والثرى؛ لأن العود لا يَذْوي ما دام في الثرى، وقد أنكره على ذي الرمة غير ابنِ المعتز. قال أبو عمرو بن العلاء: كانت يدي في يد الفرزدق فأَنشدته هذا البيت، فقال: أُرشِدك أم أدَعُك. قال: فقلت: بل أرْشِدْنِي، فقال: إن العود لا يَذوِي في الثّرى، والصوابُ: حتى ذوىَ العود والثرى.\rقال الصولي: وكأنه نبّه على ذي الرمة؛ فقلت: بك قوله: الطويل:\rولمَّا رأيت الليل والشمس حيّةٌ ... حياةَ الذي يقضي حشاشَةَ نَازعِ\rوقال أبو العباس: اقتدحْتَ زَندك يا أبا بكر فأَوْرَى، هذا بارعٌ جداً، وقد سبقَه إلى هذه الاستعارة جرير حيث يقول: الكامل:\rتحيي الروامس ربعها وتجِدّه ... بعد البِلَى فتُمِيتهُ الأَمْطارُ\rوهذا بيت جمع الاستعارةَ والمطابقة، لأنه جاء بالإحياء والإماتة، والبلى والجِدّة، ولكِن ذو الرمة قد إستوفى ذِكْرَ الإحياءِ والإماتة في موضع آخر فأحْسَن، وهو قوله: الطويل:\rونَشْوَانَ من طولِ النُّعاسِ كأنهُ ... بحَبْلَيْن في مَشْطُونةٍ يَترجَّحُ\rإذا مات فوق الرَّحْلِ أحييت روحهُ ... بذكرك والعِيسُ المراسِلُ جُنَّحُ\rفما أحد من الجماعة انصرف من ذلك المجلس إلا وقد غمره من بَحْرِ أبي العباس ما غاض معه مَعِينة، ولم ينهض حتى زودناه من برّه ولطفه نهاية ما اتسعت له حالُه.\rوقال ابن المعتز: الكامل:\rلما رأيت الحبَّ يفضحنِي ... ونَمَتْ عليَّ شواهدُ الصَّبِّ\rألقيتُ غيرَكِ فى ظنونهم ... وسَتَرت وَجْهَ الحبِّ بالْحُبِّ\rوقال العباس بن الأحنف في هذا المعنى: البسيط:\rقد جرَّر الناسُ أذيالَ الظنون بنا ... وفرَّق الناسُ فينا قولَهُمْ فِرَقا\rفكاذبٌ قد رمى بالظَّن غيركُم ... وصادقٌ ليس يَدْري أنه صدَقا\rوقريب من هذا المعنى قول الفارضي رضي الله عنه، وإن لم يكن منه: الطويل:\rتخالفت الأقوال فينا تبايناً ... برَجْم أُصولٍ بيننا ما لها أصلُ\rفشنع قومٌ بالوِصَالِ، ولم أصل ... وأرْجفَ بالسلوان قومٌ ولم أسْلُ\rوما صَدَقَ التشنيعُ عنها لشقْوَتي ... وقد كَذَبَتْ عني الأرَاجِيفُ والنقل\rوقال ابن المعتز: الطويل:\rلنا عَزْمَة صمَّاء لا تسمعُ الرُّقى ... تُبيت أُنوفَ الحاسدين علَى رَغْمِ\rوإنّا لنعطي الحقَّ من غير حاكم ... علينا، ولو شِئْنَا لمِلْنا مع الظلمِ\rوقد أخذه أبو العباس من قول أعرابي الطويل:\rألا يا شفاءَ النفسِ ليس بعالمٍ ... بك الناسُ حتى يعلموا ليلةَ القدْرِ\rسوى رَجْمهم بالظنَ والظنُ كاذِبٌ ... مراراً وفيهم مَنْ يُصِيب ولا يَدْرِي\rوقال الحسين بن مطير: الطويل:\rلقد كنتُ جَلْداً قبل أن تُوقِد النوى ... على كَبِدِي ناراً بَطيئاً خُمُودُها\rولو تُرِكتْ نارُ الهوى لتضرَّمَتْ ... ولكنَّ شوقاً كل يوم يَزِيدُها\rوقد كنتُ أرجو أن تموتَ صبابتي ... إذا قَدِمتْ أيامُها وعهودُها\rفقد جعلتْ في حبَّةِ القلبِ والحشَا ... عِهَادُ الهوَى تُولَى بشوقٍ يُعِيدُها\rبمرتَجةِ الأرداف هِيفٌ خُصُورُها ... عِذابٌ ثناياها عجافٌ نهودُها\rوصُفْر تَراقيها، وحُمْرٌ أكفُّهَا ... وسودٌ نواصيها، وبيض خدودُها\rمُخَضَّرة الأوساطِ، زانتْ عقودَها ... بأحْسَن، مّا زيّنتْها عقودُها\rيمنّينَنَا حتى تَرِفَّ قلوبُنا ... رفيفَ الْخُزامَى بات طَلٌّ يَجُودُها\rوفيهنّ مِقْلاق الوِشاح كأنها ... مَهاة بتُرْبَانٍ طوِيلٌ عمودُها\rوقال: الطويل:\rقضى الله يا أسماءُ أنْ لَسْتُ بارحاً ... أُحبّك حتى يُغمض العينَ مُغْمِضُ","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"فحبّك بَلْوَى غير أن لا يَسُرُّني ... وإن كان بَلْوَى أنني لك مُبْغِضُ\rفوا كبداً من لَوْعَةِ البَيْن كلما ... ذكرتُ ومن رفض الهوى حين يرفض\rومن عبرة تُذْري الدموع وزفرة ... تقضقض أطرافَ الحشَا ثم تنهض\rفيا ليتني أقْرَضْت جَلْداً صبابَتي ... وأقرضَني صبْراًعلى الشوق مُقْرِضُ\rإذا أنا رُضْتُ القلب في حُب غيره ... بَدَا حُبُّها من دونه يتعرّض\rوكان الحسين قويّ أَسْرِ الكلام، جَزْلَ الألفاظ، شديدَ العارِضة، وهو القائل في المهدي: الطويل:\rله يومُ بُؤسٍ فيه للناس أبؤُسٌ ... ويومُ نعيمٍ فيهِ للناس أنْعُمُ\rفيُمطر يوم الجودِ مِنْ كفِّه النَّدَى ... ويَقْطرُ يومَ البؤس من كفَه الدمُ\rفلو أن يومَ البُؤْس خلّى عقابهُ ... على الناس لم يصبح على الأرض مُجْرمُ\rولو أنّ يوم الجود خَلَّى نَوَالهُ ... على الأرض لم يصبح على الأرض مُعْدِمُ\rوأنشد أبو هفان له: الخفيف:\rأين أهلُ العتاب بالدَهناء؟ ... أين جيرانُنا على الأحْساء؟\rجاورونا والأرض ملبَسة نَوْ ... رَ الأقاحي تُجَادُ بالأنْواء\rكل يوم بأقحوان جَديد ... تَضْحَكُ الأرضُ من بكاء السماء\rأخذ هذا المعنى دعبل، ونقله إلى معنى آخر، فقال: الكامل:\rأين الشبابُ؟ وأيةً سلكا؟ ... أم أين يُطلَب؟ ضَلَّ، بل هلكا\rلا تَعْجبي يا سَلْمَ مِنْ رجلٍ ... ضَحِك المشيبُ برأْسِه فبَكَى\rوقال مسلم بن الوليد في هذا المعنى: السريع:\rمُستعبر يبكي على دمنةٍ ... ورأسُه يَضْحَك فيه المشيبُ\rوأنشد الزبير بن بكّار: الوافر:\rأُحبّ معاليَ الأخلاق جَهْدِي ... وأكره أنْ أعيبَ وأنْ أُعابا\rوأصفح عن سباب الناسِ حِلْماً ... وشرُّ الناسِ مَنْ حَبَّ السبابا\rوأترك قائل العوراء عَمْداً ... لأِهْلكه وما أَعْيَا الجوابا\rومَنْ هابَ الرجال تهيِّبُوهُ ... ومن حقر الرجالَ فلن يُهابا\rرياضة النفس على الفراق\rوعلى ذكر قوله: الطويل:\rإذا أنا رُضْتُ القلبَ في حُبِّ غيرها\rأنشد الأصمعي لغلام من بني فزارة: الطويل:\rوأُعرِضُ حتى يحسَبَ الناسُ أنما ... بيَ الهَجْرُ، لا والله ما بي لها هَجْرُ\rولكنْ أروضُ النفسَ أنظر هل لها ... إذا فارقتْ يوماً أحبّتَها صَبْرُ\rقال إسحاق الموصلي: قال لي الرشيد: ما أحْسَنُ ما قيل في رياضة النفس على الفراق؟ قلت: قول أعرابي: الطويل:\rوإني لأسْتَحْيِي عيوناً، وأتَّقي ... كثيراً، وأسْتَبقي المودَّة بالهجْرِ\rفأُنذِرُ بالهجران نفسي أرُوضها ... لأعلم عند الهَجْر هل ليَ من صَبْر\rفقال الرشيد: هذا مليح، ولكني أستملح قول أعرابي آخر: الطويل:\rخشيت عليها العَيْنَ من طول وَصْلِها ... فهاجَرْتُها يومين خوفاً من الهَجْرِ\rوما كان هِجْراني لها عن مَلالةٍ ... ولكنني جرَّبْتُ نفسي بالصبرِ\rقال الصولي: قال لي المبرد: عمّك إبراهيم بن العباس أَحزمُ رأياً من خاله العباس بن الأحنف في قوله: المنسرح:\rكان خُروجي من عندكُمْ قدَراً ... وحادثاً من حوادثِ الزمنِ\rمن قبل أن أعرض الفراق على ... قَلْبي، وأن أستعدَّ للحَزَنِ\rوقال عمك إبراهيم: الطويل:\rوناجيتُ نفسي بالفراق أرُوضُها ... فقالت: رُوَيْداً لا أغرُّك من صَبْري\rفقلت لها: فالهَجْرُ والبَيْنُ وَاحِدٌ ... فقالت أأمْنَى بالفراقِ وبالهَجْرِ؟\rفقلت له: إنه نقلَ كلامَ خاله: الطويل:\rعرضْتُ على قلبي الفِراق فقال لي ... من الآن فايْأَسْ لا أَغرك من صَبْري\rإذا صَدّ من أهْوَى رجوتُ وِصالَه ... وفرقةُ مَنْ أهوى أحرُّ من الجَمْرِ\rوقال العباس بن الأحنف: الطويل:","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"أرُوض على الهِجْرَانِ نفسي لعلَّها ... تَماسَكُ لي أسبابُها حين أهجُرُ\rوأعلم أنّ النفسَ تكذِبُ وَعْدَها ... إذا صدق الهجرانُ يوماً وتغدرُ\rوما عرضَتْ لي نظرةٌ مُذْ عرفْتُها ... فأَنظرُ إلا مُثِّلَتْ حين أنظرُ\rوقال المتنبي من المعنى: الطويل:\rحَبَبْتُكَ قَلْبي قبلَ حُبِّيَ مَنْ نأَى ... وقد كان غداراً فكن أنتَ وافيا\rوأَعْلَمُ أنْ البيْنَ يُشْكِيكَ بعدها ... فلستَ فؤادي إن وجدْتُكَ شاكيا\rقال الحاتمي: والذي أراه وأذهب إليه أنّ أحسن من هذا المعنى قول أبي صخر الهذلي: الطويل:\rويمنعني من بعضِ إنكارِ ظُلْمِها ... إذا ظلمت يوماً وإن كان لي عُذْرُ\rمخافةُ أنّي قد علمت لئن بَدَا ... ليَ الهَجْرُ منها ما على هَجْرِها صَبْرُ\rوإني لا أدري إذا النفسُ أشرفت ... على هَجْرِها ما يَبْلغنَ بيَ الهجرُ\rفيا حبَّها زِدْنِي جوًى كل ليلةٍ ... ويا سَلْوَة الأحزان مَوْعِدُكِ الحَشْرُ\rشذور من كلام أهل العصر\rفي مكارم الأخلاق\rابن المعتز - العقلُ غريزة تزيّنها التجارب. وله: العاقلُ من عَقَل لسانه، والجاهلُ من جَهِل قَدره.\rغيره: إذا تم العقلُ نقص الكلام، حُسْنُ الصورة الجمالُ الظاهر، وحسن الخلق الجمالُ الباطن. ما أبينَ وجوه الخيرِ والشرَ في مِرْآةِ العقل إذا لم يُصْدِئها الهوى. العاقلُ لا يَدَعُه ما ستر الله من عيوبه أن يفْرَحَ بما أظهر من محاسنه. بأَيدي العقولِ تُمْسَكُ أعنَة النفوس عن الهوى. أحْر بمن كان عاقلاً أن يكونَ عمّا لا يَعْنِيه غافلاً. التواضعُ من مصايد الشرف. من لم يتَّضِعْ عند نفسه لم يرتفع عند غيره.\rيحيى بن معاذ - التكبُّر على المتكبر تواضع. الحلم حجابُ الآفات. أحيوا الحياءَ بمجاورة من يُسْتَحْيَا منه. مَنْ كساه الحياءُ ثوبَه، ستر عن الناس عَيْبَه. الصبرُ تجرّع الغُصص، وانتَظارُ الفُرَص. قلوبُ العقلاء حصون الأسرار. انفَرِدْ بسرّك ولا تودعْه حازماً فيزل، ولا جاهلاً فيخون. الأناة حُسْنُ السلامة، والعجلة مفتاح الندامة. من حَسُنَ خُلقه وجَب حقه. إنّما يستحقِّ اسم الإنسانية مَنْ حَسُنَ خُلقه. يكاد سيئ الخلق يُعَدُّ من البهائم والسباع.\rأرسطاطاليس - المروءة استحياءُ المرءَ نفسه. المعروف حصْنُ النعم من صروف الزمن. للحازم كنز في الآخرة من علمه، وفي الدنيا من معروفه. لا تستحي من القليل فإن الحرمان أقل منه.\rأبو بكر الخوارَزْمي - الطَرف يجري وبه هُزَال والسيف يمضي وبه انفلال، والحرُّ يُعْطِي وبه إقلال. بَذلُ الجاه أحدُ المالين. شفاعةُ اللسانِ أفضلُ زكاة الإنسان. بَذلُ الجاهِ رِفْدٌ للمستعين. الشفيعُ جناحُ الطالب. التقوى هي العُدّة الباقية، والجُنة الواقية. ظاهرُ التقوى شرفُ الدنيا، وباطنها شرف الآخرة. من عفت أطرافه، حسنت أوصافه. قال أبو الطيب المتنبي الطويل:\rولا عِفَةٌ في سيفهِ وسِنانهِ ... ولكنها في الكَفِّ والفَرْجِ والفمِ\rلقمان - الصَمْتُ حُكْمٌ وقليل فاعِلُه. أرْبعُ كلمات صدرت عن أربعة ملوك كأنما رُمِيت عن قَوْسٍ واحدة؛ قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وندِمْتُ على ما قلت مراراً.\rقيصر: أنا على ردّ ما لم أقل أقدرُ مني على ردِّ ما قلت. ملك الصين: إذا تكلّمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلّم بها ملكتها. ملك الهند: عَجِبْتُ ممن يتكلّمُ بالكلمة إن رُفِعَتْ ضَرَّته، وإن لم تُرْفَع لم تنفعه. ما الدّخان على النار، ولا العَجَاج على الريح، بأدلَّ من ظاهر الرجل على باطنه، وأنشد: الكامل:\rقد يُستدلّ بظاهر عن باطنٍ ... حيث الدخان فثَمَّ مَوْقِدُ نارِ\rمَنْ أَصلح ماله فقد صان الأكرَمين المالَ والعِرْضَ. من لم يجمد في التقدير ولم يَذب في التدبير فهو سديد التدبير. عليك بالقَصْدِ بين الطرفين، لا مَنعَ ولا إسراف، ولا بخل ولا إتراف. لا تكن رطباً فتُعْصَر، ولا يابساً فتكسر، ولا حلواً فتسْتَرط، ولا مرّاً فتُلفَظ.\rالمأمون بن الرشيد - الثناء أكثر من الاستحقاق مَلَقٌ وهذَر، والتقصير عِيّ وحَصَر.","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"إكرامُ الأضياف، من عادة الأشراف. وفي الخبر: لا تتكلَّفوا للضيف فتبغضوه؛ فمن أبغض الضيفَ أبغضه اللِّه. ينبغي لصاحب الكريم أن يصبر عليه إذا جَمَعتهما نَبْوة الزمان، فليس ينتفع بالجوهرة الكريمة من لم ينتظر نَفَاقها.\rمواعظ عقلها بعض أهل العصر\rتتعلّق بهذا الفصل\rأُغْضِ على القَذَى، وإلاّ لم تَرْضَ أبداً. أجْمِل الطلبَ فسيأتيك ما قُدِر لك، صُنْ عرضك، وإلاَّ أخْلَقْت وجهك. جاور الناسَ - بالكفّ عن مساويهم. انْسَ رِفْدَك، ولا تَنْسَ وعدَك، كَذِّبْ أسواء الظنون بأحسنها. أغْنِ من ولَيته عن السرقة، فليس يكفيك من لم تكفه. لا تتكلفْ ما كُفِيتَ فيضيع ما أوليت.\rابن المعتز - لا تسرعْ إلى أرفع موضع في المجلس، فالموضع الذي تُرْفَعُ إليه خيرٌ من الموضع الذي تُحَطُ منه. لا تذكر الميتَ بسوء فتكون الأرض أكتم عليه منك. ينبغي للعاقل أن يُدَاري زمانه مداراةَ السابح للماء الجاري.\rالعتابي - المداراةُ سياسة رفيعة تجْلِبُ المنفعة، وتدفع المضرَّة، ولا يستغني عنها ملك ولا سُوقَة، ولا يدع أحدٌ منها حظَّه إلا غمرته صروف المكاره.\rأخبار العتابي\rوكتب العتابي إلى بعض إخوانه: لو اعتصم شوقي إليك بمثل سلوِّك عني لم أبذل وَجْهَ الرغبة إليك، ولم أتجشّم مرارةَ تماديك، ولكن استخفتْنَا صبابتنا، فاحتملْنا قَسْوَتك، لعظيم قَدْرِ مودّتك، وأنت أحقُّ من اقتصَّ لصلتنا من جفائه، ولشوقنا من إبطائه.\rوله: كتبتُ إليك ونفسي رهينة بشكرك، ولساني علق بالثناء عليك، والغالبُ على ضميري لائمة لنفسي، واستقلالٌ لجهدي في مكافأتك، وأنت - أصلحك اللَّهُ! - في عزِّ الغنى عني، وأنا تحت ذُلِّ الفاقةِ إلى عطفك، وليس من أخلاقك أن تُوليَ جانبَ النَّبوَة منك مَنْ هو عَانٍ في الضَّراعة إليك.\rودخل العتابي على الرشيد فقال: تكلَّم يا عتابي؛ فقال: الإيناسُ قبل الإبساس، لا يُحْمَدُ المرءُ بأول صوابه، ولا يُذَمُّ بأول خطئه؛ لأنه بين كلام زوَّره، أو عِيٍّ حَصره.\rومرَّ العتابي بأبي نُوَاس وهو ينشد الناس: الخفيف:\rذكر الكَرْخَ نازح الأوطان ... فبكى صَبْوَةً ولاَت أَوانِ\rفلمّا رآه قام إليه، وسأله الجلوس، فأتى وقال: أين أنا منك وأنت القائل، وقد أنصفك الزمان: الخفيف:\rقد عَلِقْنا من الخصيب حِبَالاً ... أمَّنتنا طوارقَ الحدثَانِ\rوأنا القائل وقد جار عليَّ، وأساء إليّ: الخفيف:\rلفظتني البلادُ، وانطوت الأك ... فاء دوني، ومَلَّني جِيرَاني\rوالتَقت حَلْقة عليّ من الدَّه ... رِ فماجَتْ بكَلْكَل وجِرانِ\rنازعتْني أحداثُها مُنْيَة النف ... س وهدَّت خطوبُها أرْكاني\rخاشعٌ للهموم معترف القل ... ب كَئيبٌ لنائبات الزمانِ\rمن كلام الأعراب\rقال عبد الرحمن بن أخي الأصمعي: سمعت عمِّي يحدث قال: أرِقْتُ ليلةً من الليالي بالبادية، وكنت نازلاً عند رجل من بني الصَّيْدَاء، وكان واسعَ الرَّحْل، كريم المَحَلّ! فأصبحتُ وقد عزَمْتُ على الرجوع إلى العراق، فأتيت أبا مَثْوايَ، فقلت: إني قد هَلِعْتُ من الغُرْبَة، واشتقْتُ إلى أهلي، ولم أُفِدْ في قَدْمتي هذه كبيرَ علم. وإنما كنت أغتفِرُ وحشة الغربة وجفاءَ البادية للفائدة، فأظهر الجفاوة حتى أبرز غداء له فتغدّيت، وأمر بناقة مَهْرِيَّةٍ كأنها سبيكة لجَيْن فارتحلها واكتفلها، ثم رَكبَ وأَرْدَفني، وأقبلها مطلعَ الشمس؛ فما سِرْنَا كبير مسير حتى لَقِينَا شيخ على حمارٍ، له جُمَّة قد صَبَغها بالوَرْسِ، كأنها قنبيطة، وهو يترنَّم، فسلّم عليه صاحبي، وسأله عن نسبه فاعْتزى أسدياً من بني ثَعْلبة. قال: أتروي أم تقول؟ قال: كُلاًّ قال: أين تؤُمُ؟ فأشار إلى موضعٍ قريبٍ من الموضع الذي نحن فيه فأناخ الشيخ، وقال لي: خُذْ بيد عمّك فأنزله عن حماره، ففعلت، وأَلقى له كساءً قد اكتفل به، ثم قال: أنشدْنا، يرحمك الله، وتصدق على هذا الغريب بأبيات يبثهنّ عنك، ويذكرك بهن، فأنشدني له: الطويل:\rلقد طال يا سَوْداء مِنْكِ المَواعدُ ... ودون الجَدَا المأمولِ منك الفرَاقد","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"تُمَنِّينَنَا بالوصل وَعْداً، وغَيْمكم ... ضَبابٌ، فلا صَحْوٌ، ولا الشَيْمُ جائد\rإذا أنْتَ أُعْطِيتَ الغِنى ثم لم تَجُدْ ... بفَضْلِ الغِنى أُلفِيتَ ما لَكَ حامدُ\rوقلّ غناءً عنك مالٌ جَمَعْتَهُ ... إذا صار ميراثاً ووَاراك لاحِدُ\rإذا أنت لم تَعْرُك بجنبيك بَعْضَ ما ... يَرِيبُ من الأدنى رماكَ الأباعدُ\rإذا الحِلْمُ لم يَغْلِبْ لك الجهلَ لم تَزَلْ ... عليكَ بُروقٌ جَمّةٌ ورواعِدُ\rإذا العزمُ لم يَفْرُجْ لك الشكَّ لم تَزلْ ... جَنِيباً كما استَتْلَى الجنيبةَ قَائِدُ\rإذا أنت لم تترك طعاماً تُحِبُّهُ ... ولا مَقْعَداً تَدْعُو إليه الولائدُ\rتجللْتَ عاراً لا يزالُ يَشُبُّهُ ... عليك الرجال نثرُهم والقَصَائِدُ\rوأنشدني لنفسه: الطويل:\rتَعَزَ فإنَ الصبرَ بالحُرِّ أجملُ ... وليس على رَيْبِ الزمان مُعَوَّلُ\rفلو كان يُغْني أن يُرى المرءُ جازعاً ... لنازلةٍ أو كان يُغْنِي التذلُلُ\rلكان التعزِّي عند كل مُصيبةٍ ... ونازلةٍ بالحرِّ أولى وأجْمَلُ\rفكيف وكلٌّ ليس يَعْدُو حِمامَهُ ... وما لامْرِئ ممّا قضى الله مَزْحَلُ\rفإن تكن الأيامُ فينا تبدَّلَتْ ... بنعمى وبؤسَى والحوادثُ تَفْعلُ\rفما ليّنَت منا قَنَاةً صَلِيبةً ... ولا ذَلَلَتْنَا للذي ليس يَجْمُلُ\rولكن رحَلْناها نفوساً كريمةً ... تُحَمَّل ما لا يستطاعُ فتَحْملُ\rوقَيْنَا بحدِّ العَزْم منا نفوسَنا ... فَصَحَّت لنا الأعراضُ والناسُ هُزَّلُ\rقال: فقمت إليه، وقد نسيت أهلي، وهانَ علي طولُ الغربة، وضَنْكُ العيش، سروراً بما سمعت، ثم قال: يا بني؛ من لم يكن الأدب والعلمُ أحَبَّ إليه من الأهل والولد لم يَنْجُب.\rبين قرشي وعمر بن عثمان\rخاصم بعضُ القرشيين عُمَر بن عثمان بن موسى بن عبيد الله بن معمَر، فأسرع إليه القرشي فقال: على رِسْلك، فإنك لسريعُ الإيقاد، وَشِيكُ الصريمة، وإني والله ما أنا مكافئك دون أن تبلغَ غايةَ التعدّي، فأبلغ غايةَ الإعذار.\rادّعاء\rقال عبد الله بن عبد العزيز، وكان من أفاضل أهل زمانه: قال لي موسى بن عيسى: أنهِيَ إلى أمير المؤمنين، يعني الرشيد، أنك تشتمه، وتَدْعُو عليه، فبأيّ شيء استجزت ذلك. قال: إمّا شَتْمُه فهو واللّه إذاً أكرمُ عليّ من نفسي، وأمّا الدعاء عليه فوالله ما قلتُ: \" اللهم إنه أصبح عبئاً ثقيلاً على أكتافنا، لا تطيقه أبدانُنا، وقَذى في عيوننا، لا تنطبق عليه أجفانُنا، وشجى في حلوقنا، لا تسيغه أفواهنا؛ فاكْفِنا مؤنته، وفرّق بيننا وبينه \" ! ولكني قلت: \" اللهمّ إن كانَ تَسمّى الرشيد ليرشد فأرْشِدْه، أو أتى غير ذلك، فراجع به، اللهم إْن له في الإسلام بالعباس حقّاً على كلِّ مسلم، وله بنبيّك قرابة ورَحِماً، فقرِّبْه من كل خير، وباعِدْهُ من كلّ شرّ، وأَسْعِدْنا به، وأَصْلحْه لنفسه ولنا \" . فقال له: يغفر الله لك يا عبد العزيز، كذلك بلغنا.\rمن أخبار الخليفة الرشيد\rولمّا حج الرشيد سنة ست وثمانين ومائة دخل مكة وعديله يحيى بن خالد؛ فانبرى إليه العُمَري فقال: يا أمير المؤمنين، قف حتى أكُلّمك! فقال: أرسلوا زِمَام الناقة، فأرسلوه، فوقفت فكأنما أوتِدَت، فقال: أقول؟ قال: قل، فقال: اعزل عنّا إسماعيل بن القاسم قال: ولم؟ قال: لأنه يقبل الرشوة، ويُطِيل النَّشوة، ويضرب بالعشوة، قال: قد عزلناه عنك، ثم التفت إلى يحيى فقال: أعندك مثل هذه البديهة؟ فقال: إنه ليجب أن يحسن إليه، قال: إذا عزلنا عنه من يريد عَزْله فقد كافَأْنَاه.\rحُرْمَة الكعبة","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"ولمَا وجَّه عبدُ الملك بن مروان الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير وأَوْصاه بما أراد أن يُوصِيَه، قال الأسود بن الهيثم النخعي: يا أمير المؤمنين، أَوْصِ هذا الغلام الثقفي، بالكعبة ألا يَهْدِم أحجارَها، ولا يَهْتِكَ أستارَها، ولا يُنفِّر أطيارها، وليأخذ على ابنِ الزبير شِعابها، وعِقابها، وأنقابها، حتى يموتَ فيها جوعاً، ويخرج مخلوعاً.\rمن أخبار عبد الله بن طاهر\rوكتبَ عبدُ الله بن طاهر إلى نَصْر بن شبيب وقد نزل به ليحارِبَه في جُنْده، فوجده متحصّناً منه، فكتب إليه: اعتصامُك بالقِلاَل قيَّد عزمَك عن القتَال، والتجاؤُك إلى الحصون ليس ينجيك من المَنُون، ولستَ بمُفْلتٍ من أمير المؤمنين، فإمّا فارس مُطَاعِن، أو راجل مستَأْمن. فلمّا قرأه حصره الرعب عن الجواب، فلم يلبث أن خرج مستَأْمناً.\rمن حكم الفرس\rقال بزرجمهر بن البختكان لبعض الملوك: أَنعم تُشكر، وأَرهِبْ تُحْذَر، ولا تهازل فتحقَر فجعلهنّ الملك نَقْشَ خاتمه بدلاً من اسمه واسم أبيه.\rولما قتل أنوشروان بزرجمهر وجد في منطقته رقعةً فيها مكتوبٌ: إذا كانت الحظوظ بالجدود فما الحِرْص؟ وإذا كانت الأمور ليست بدائمة فما السرور؟ وإذا كانت الدنيا غرَّارة فما الطمأنينة؟.\rقال سقراط: من كثر احتمالُه وظهر حِلمُه قلّ ظلمُه وكثر أعوانه، ومن قلّ همُّه على ما فاته استراحت نفسُه وصفا ذِهْنه وطال عمره. وقال: من تعاهد نفسَه بالمحاسبة أمن عليها المُدَاهنة. وقال: الأمانيُّ حِبَالُ الجهل، والعِشْرَةُ الحسنة وقايةٌ من الأسواء.\rوشَتَمه بعضُ الملوك - وكان على فرس وعليه حُلَل وبِزّة - فقال له سقراط: إنما تفخر عليّ بغير جِنْسك، ولكن ردّ كلّ جنس إلى جنسه وتعال الآن فلنتكلّم.\rوقال سقراط: من أُعطي الحِكْمة فلا يجزع لِفَقْدِ الذهب والفضّة؛ لأن من أعطى السلامة والدَّعة لا يجزع لفَقْدِ الألم والتعب؛ لأن ثمارَ الحكمة السلامة والدّعة، وثمار الذهب والفضة الأَلم والتعب، وقال: القُنية ينبوع الأحزان، فأقلّوا القنية تقلّ همومكم. وقال: القُنْية مخدومة، ومن خدم غير نفسه فليس بحرّ.\rوقال أبو الطيب: الخفيف:\rأبداً تَسْتَرِدُّ ما تَهَبُ الدن ... يا فيا ليتَ جُودَها كان بُخْلاَ\rوكفَتْ كَوْنَ فَرْحَةِ تُورِثُ الهَمَّ وخِلٍّ يُغادِرُ الوَجْدَ خِلاً\rمن حكم الهند\rوفي كتاب الهند: العاقلُ حقيقٌ أنْ تسخو نفسه عن الدنيا، عِلْماً بأنه لا ينالُ أحدٌ منها شيئاً إلا قل إمتاعه به وكَثُر عناؤه فيه، ووبالُه عليه، واشتدت مؤنته عند فِراقِه، وعلى العاقل أن يدوم ذِكْرُه لما بعد هذه الدار، ويتنزه عمّا تسيره إليه نفسه من هذه العاجلة، ويتَنحَّى عن مشاركة الكَفَرةِ والجهال في حبِّ هذه الفانية التي لا يألفها ولا ينخدع بها إلا المغترون.\rوفيه: لا يجدَّن العاقلُ في صحبة الأحباب والأخلاء، ولا يحرصن على ذلك كل الحِرْص. فإن صُحْبَتهم على ما فيها من السرور كثيرةُ الأذى، والمؤنات، والأحزان، ثم لا يفي ذلك بعاقبة الفراق.\rوفيه: ليس من شهواتِ الدنيا ولذاتِها شيء إلا وهو مولِّدٌ أذًى وحُزْناً، كالماء المالح الذي كلّما ازداد له صاحبُه شرباً ازداد عطشاً، وكالقطْعة من العسَل في أَسْفَلها سم للذائق؛ فيه حلاوة عاجله، وله في أسفلها سم ذُعاف، وكأحلام النائم التي تسرُه في منامه، فإذا استيقظ انْقَطَع السرور، وكالبرق الذي يُضِيء قليلاً، ويذهب وشيكاً، ويبقى صاحبُه في الظلام مُقيماً، وكدودة الإبْرِيْسَم ما ازدادَتْ عليه لفاً إلا ازدادَتْ من الخروج بعداً.\rوفيه: صاحبُ الدين قد فكر؛ فَعَلَتْه السكينة، وسكَن فتواضع، وقَنع فاستغْنَى، ورَضي فلم يهتمّ، وخلع الدنيا فَنَجا من الشرور، ورفض الشهوات فصار حراً، وطرح الحسد فظهرت له المحبَة، وسخَتْ نفسه عن كل فَانٍ، فاستَكْمَل العقل، وأبصَر العاقبة، فأَمِنَ الندامة، ولم يُؤْذِ الناسَ فيخافهم، ولم يُذْنِب إليهم فيسألهم العفو.\rوصية عتبة بن أبي سفيان\rلمولاه سعد القصر:","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"وقال سعد القصر مولى عُتبة بن أبي سفيان: وَلأَني عُتْبَة أموالَه بالحجاز، فلما ودَّعته قال: يا سعد، تعاهَدْ صغيرَ مالي فيكبر، ولا تجف كبيره فيصغر؛ فإنه ليس يمْنَعني كثير ما عندي، من إصلاح قليل ما في يدي، ولا يمنعني قليلُ ما عندي من كثير ما ينوبني. قال: فقدمت الحجازَ، فحدثت به رجالاً من قريش، ففرّقوا به الكتبَ إلى الوكلاء.\rمن حكم يزيد بن معاوية\rوقال يزيد بن معاوية لعبيد الله بن زياد: إن أباك كفَى أخاه عظيماً، وقد استكفيتُك صغيراً، فلا تتَّكِلن مني على عُذْر، فقد اتكلت منك على كِفاية، ولأَنْ أقولَ لك: إياك، أحبُّ إليّ من أن أقول: إياي؛ فإن الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك، فلا تُرِحْ نفسَك وأَنت في أدنى حظّك، حتى تَبْلُغ أقصاه؛ واذكرْ في يومك أخبارَ غَدِك، واستَزِدْنِي بإحسانك إلى أهل الطاعة، وإساءتك إلى أهل المعصية، أَزِدْك إن شاء الله تعالى.\rأبو الأسود الدؤلي والعمامة\rذكرت العمامة عند أبي الأَسود الدؤلي فقال: جُنَةٌ في الحرب، ودِثَارٌ في البرد، وكنَّة في الحرِّ، وَوَقَار في النَدِيّ، وشرف في الأحدوثة، وزيادةٌ في القامة، وهي بعد عادةٌ من عاداتِ العرب.\rمن إنشاء ابن العميد\rوكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري: وقفت على ما وصفت من برِّ مولانا الأمير لك، وتَوَفُّره بالفَضْل عليك، وإظهار جميل رَأْيِه فيك، وما أنزله من عارفةٍ لديك؛ وليس العجب أن يتناهى مِثْلُه في الكرم إلى أبْعدِ غاية، وإنما العجَبُ أن يَقْصُر شيء من مساعِيه عن نَيْلِ المجد كلّه، وحِيازة الفضلِ بأَجمعه؛ وقد رجوتُ أن يكونَ ما يغرسه من صنيعةٍ عندك أجدر غرس بالزَكاء، وأضْمَنه للرّيع والنَمَاء، فارْعَ ذلك، واركب في الخِدْمَة طريقة تُبْعدك من الملاَل، وتوسطك في الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تَسْتَرْسِلْ إلى حسن القبول كل الاسترسال؛ فلأن تُدعَى من بعيد خيرٌ من أنْ تُقْصَى من قريب، وليكن كلامُك جواباً تتحرَّز فيه من الخطَلِ ومن الإسهاب، ولا يعجبنّك تَأتي كلمة محمودة فيلج بك الإطنابُ تَوَقُّعاً لمثلها؛ فربما هدمت ما بنتْه الأولى، وبضاعَتك في الشرف مُزْجاة، وبالعقل يزمّ اللسان، ويرام السَّداد، فلا يستفزّنك طَرَبُ الكلام على ما يفسد تمييزك؛ والشفاعة لا تعرض لها فإنها مُخْلِقَةٌ للجاه؛ فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرفَ موقعها، وتحصِّلَ وزنها، وتطالعَ موضعها؛ فإن وجَدتَ النفس بالإجابة سَمْحَة، وإلى الإسعاف هَشّة، فأَظْهر ما في نفسك غير محقّق، ولا توهم أنّ عليك في الرد ما يُوحشك، ولا في المَنع ما يغيظك، وليكن انطلاقُ وجهك إذا دُفِعْت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يَدك، ليخفّ كلامك، ولا يثقل على سامعه منك. أقول ما أقولُ غَيْرَ واعظ ولا مُرشدِ، فقد جَمّل اللَّهُ خصالَك، وحسَّن خلالك، وفضَّلك في ذلك كلّه؛ لكني أُنبّه تنبيه المشارِك له، وأعلم أنِّ للذكرى موضعاً منك لطيفاً.\rوله أيضَاَ: سأَلتَني عمن شفّني وَجْدِي به، وشغفني حُبّي له، وزَعمت أني لو شئت لذهلت عنه، ولو أردت لاعتَضت منه: الكامل:\rزعماً، لعَمرُ أبيك، ليس بمزعَم","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"كيف أَسلُو عنه وأنا أراه، وأَنساهُ وهو لي تُجاه؛ هو أغلب عليّ وأَقربُ إليَّ، من أن يُرخي لي عناني، أو يخِيلني واختياري، بعد إختلاطي بملكه، ونْخِرَاطِي في سِلكِه، وبعد أن ناط حُبَّه بقلبي نَائِط وسَاطَه بدمي سائط. وهو جارٍ مَجْرَى الرُّوح في الأَعضاء، متنَسم تَنَسُّم روح الهواء؛ إن ذهَبْتُ عنه رجعت إليه، وإن هرَبْتُ منه وقَعتُ عليه وما أحِبّ السلوّ عنه مع هنَاتِه، وما أُوثر الخلوَّ منه مع مَلاته؛ هذا على أنه إنْ أَقبل عليّ بَهَتني إقبالُه، وإن أَعْرض عني لم يَطْرُقنِي خياله، يبعد عني مثاله، ويقرب من غيري نَوالُه، ويردُّ عيني خاسئة، ويَثْني يدي خالية، وقد بسط آفات العيون المقاربة، وصدَق مرامي الظنون الكاذبة، وَصلُه يُنْذِرُ بصدِّه، وقُرْبه يُؤْذِن ببعده، يُدْنِي عندما ينزح، ويَأْسُو مثل ما يجرح، محالتُه أحوال، وخلّته خِلال، وحكمه سِجَال، الحُسْنُ في عَوَارِفه، والجَمَالُ من منائحه، والبهاءُ من أُصوله وصِفَاته، والسَّنَاءُ من نعوته وسِماتِه، اسمُه مطابقٌ لمعناه، وفَحْواه موافقٌ لنَجْواه، يتشابه حالاه، ويتضارَع قُطْراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تَنْسَاهُ يستدير.\rوباء الكوفة\rوقع بالكوفة وباءٌ، فخرج الناسُ وتفرّقوا بالنجف، فكتب شريح إلى صديق له خرج بخروج الناس: أما بعد، فإنك بالمكان الذي أَنت فيه بعَيْن من لا يُعْجزه هرَب، ولا يَفُوتُه طلب؛ وإن المكانَ الذي خلَّفْتَ لا يعجِّلِ لأحد حِمامَه، ولا يظلمه أَيّامه، وإنّا وإياك لعلى بساطٍ واحد، وإنّ النجف من ذي قدرة لقريب.\rوهرب أعرابي ليلاً على حمار حِذَاراً من الطاعون، فبينما هو سائر إذ سمع قائلاً يقول: الرجز:\rلن يُسبق اللهُ على حمارِ ... ولا على ذِي مَيْعَةٍ طيارِ\rأَو يأتيَ الحَتفُ على مقدار ... قد يصبح اللهُ أَمام الساري\rفكرّ راجعاً، وقال: إذا كان الله أمام الساري فلاتَ حين مَهرب.\rجوى الشوق\rقال الأصمعي: أخبرني يونس بن حبيب قال: أتى قومٌ إلى ابن عباس بفتًى محمول ضَعفاً، فقالوا: استشفِ لهذا الغلام، فنظر إلى فتًى حُلْو الوجه، عاري العظام، فقال له: ما بك؟ فقال: الطويل:\rبنا من جوى الشوق المبرِّح لَوْعَةٌ ... تكادُ لها نفسُ الشفيق تَذُوبُ\rولكنما أبقَى حُشاشة ما نَرَى ... على ما به عُودٌ هناك صَلِيبُ\rفقال ابنُ عبّاس: أرأيتم وجهاً أعتق، ولساناً أذْلَق، وعُوداً أصلب، وهوًى أغلب، ممّا رأيتم اليوم. هذا قتيل الحبّ، لا قوَد ولا دِيَة!.\rوكان ابنُ عباسٍ، رضي الله عنهما، حَبْرَ قريش وبَحْرَها، وله يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: \" اللهمّ فقِّهْه في الدين وعَلِّمْه التأويل \" . وفيه يقول حسان بن ثابت: الطويل:\rإذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... بملتقطات لا ترَىَ بينها فصلاً\rشفَى وكفَى ما في النفوس؛ فلم يَدَعْ ... لذي لَسَنٍ في القول جِدَّاً ولا هَزْلا\rسموتَ إلى العَلْيا بغير مَشقَّةٍ ... فنِلْتَ ذُرَاها لا دَنِيَّاً ولا وَغْلاَ\rمن أخبار مسلم بن الوليد وشعره\rوقال مسلم بن الوليد: الطويل:\rأُعَاوِدُ ما قدَّمْتُهُ مِنْ رَجائها ... إذا عاودَت باليأسِ فيها المطامِعُ\rرأتنِي غَنيَّ الطَّرْفِ عنها فأعْرضتْ ... وهل خِفتُ إلا أن تثير الأصابع؟\rوما زيّنَتْها النفْسُ لي عن لَجاجةٍ ... ولكنْ جَرَى فيها الهوى وهو طَائع\rفأقسمت أنْسَى الداعياتِ إلى الصِّبا ... وقد فاجأتْها العينُ والسّتْرُ واقع\rفغطتْ بأيديها ثِمَارَ نُحُورِها ... كأيدي الأسارى أثْقلَتْهَا الجوامِعُ\rوكان مسلم أنصارياً صريحاً، وشاعراً فصيحاً، ولقَّب صريعاً أيضاً لقوله: الطويل:\rسأنقاد للَّذَات مُتّبَع الهوى ... لأمْضِيَ همّاً أو أُصيب فتًى مثلي\rهل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... صريعَ حُمَيّا الكأس والأعين النجْلِ؟\rواجتلب له هذا الاسم لأجل هذا البيت؛ وقد قال القطامي: الطويل:","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"صريع غوانٍ راقهنَّ ورُقْنَهُ ... لَدُنْ شبَّ حتى شاب سودُ الذَّوائبِ\rومسلم أول من لطّف البديع، وكسا المعاني حُلل اللفظ الربيع، وعليه يعوّل الطائي، وعلى أبي نواس، ومن بديع شعره الذي امتثله الطائي قوله: الطويل:\rتُساقِطُ يُمْنَاه الندى وشِمالُه الرَّدى وعيونَ القول مَنْطقُهُ الفَصلُ\rكأنّ نَعَم في فِيه تجري مكانَها ... سُلاَفة ما مجَّتْ لأفراخها النَّحْلُ\rله هَضْبَة تَأْوِي إلى ظل بَرْمَكٍ ... مَنُوط بها الآمالُ، أَطْنابُها السُّبْلُ\rعَجُولٌ إلى أن يُوْدِعَ الحمدُ مالهُ ... يَعُدُّ النَّدى غُنْماً إذا اغتُنِمَ البُخْلُ\rوقد حَرَّمَ الأعْراضَ بالبيض والندى ... فأموالُهُمْ نَهْبٌ وأعراضُهُمْ بَسْل\rحباً لا يَطِيرُ الجَهْلُ في عرَصَاتها ... إذا هي حُلتْ لم يَفُتْ حَلَّها ذَحْلُ\rبِكَفِّ أبي العباس يُسْتَمْطَرُ الغِنَى ... وتُسْتَنْزَلُ النُعْمَى ويُسْتَرعَفُ النَصْلُ\rمتى شِئْتَ رَفَعْتَ السُتورَ عن الغِنَى ... إذا أنت زُرْتَ الفَضْلَ أو أَذِنَ الفَضْل\rوقوله أيضاً: الطويل:\rإذا كنت ذا نَفْسٍ جوادٌ ضميرُها ... فليس يضر الجودَ أن كُنْت مُعْدِما\rرآني بعَيْنِ الجود فانتهز الذي ... أردت فلم أفْغَرْ إليه به فَمَا\rظلمتك إنْ لم أجزل الشكرَ بعدما ... جعلتَ إلى شكري نوالَك سُلَّما\rفإنك لم يترك نداك ذخيرةً ... لغيرك من شكري ولا متلوّما\rوقال ليزيد بن مَزْيَد: البسيط:\rمُوفٍ على مُهَجٍ في يوم ذي رَهَجٍ ... كأنه أَجَلٌ يَسْعَى إلى أملِ\rينال بالرِّفْق ما يَعْيَا الرجالُ بهِ ... كالموت مُسْتَعْجِلاً يأْتي على مَهَلِ\rلا يَرْحَلُ الناسُ إلا نحو حَجْرَتِه ... كالبيت يُضْحي إليه مُلْتقى السُّبُلِ\rيَقْرِي المنيَّةَ أرواحَ الكُماةِ كما ... يَقْرِي الضيُوفَ شحومَ الكُوم والبُزُلِ\rيكسو السيوفَ رؤوسَ الناكثين به ... ويجعلُ الهامَ تِيجانَ القَنَا الدُّبُلِ\rقد عَوَّدَ الطيرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بها ... فهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كل مُرْتَحل\rوهذا المعنى كثير.\rأبيات في وصف الجيش\rقال عمرو الوراق: سمعت أبا نُوَاس ينشد قصيدته المديد:\rأيُّها المُنْتابُ عُفُرِهْ ... لستَ مِنْ لَيْلي ولا سَمَرِهْ\rلا أَذودُ الطَّيرَ عن شَجَرٍ ... قد بَلَوْتَ المرَّ من ثَمَرِهْ\rفحسدته عليها، فلمّا بلغ إلى قوله:\rوإذا مَجَّ القَنَا علَقاً ... وتراءى الموتُ في صُوَرِهْ\rراحَ في ثِنْيَيْ مُفاضَتِهِ ... أَسَدٌ يَدْمَى شَبَا ظُفُرِه\rتتأبَّى الطيرُ غَزوته ... ثقةً بالشِّبع من جَزَرهْ\rتحت ظلّ الرمحِ تتبعهُ ... فهي تتلوه على أثره\rفقلت: ما تركت للنابغة شيئاً حيث يقول: الطويل:\rإذا ما غزَوْا بالجيش حَلَّقَ فوقَهُمْ ... عصائب طيْرٍ تهتدِي بعصائبِ\rجَوَانِح قد أيقنّ أنّ قبيلَهُ ... إذا ما التَقى الجمعان أَوَّلُ غالبِ\rفقال: اسكت، فلئن أحسن الاختراع، لما أسأت الاتباع.\rأخذه الطائي فقال: الطويل:\rوقد ظُلِّلت عِقْبانُ راياته ضُحًى ... بعقبانِ طيرٍ في الدماءِ نواهِلِ\rأقامتْ على الراياتِ حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتِلِ\rوقال المتنبي يصف جيشاً: الطويل:\rوذي لَجَبٍ لا ذو الجنَاحِ أمامَهُ ... بِنَاجٍ، ولا الوحْشُ المُثارُ بِسالِم\rتمرُّ عليه الشمس وَهْيَ ضعيفةٌ ... تُطالِعُهُ من بين ريش القَشاعمِ\rإذا ضَوْءُهَا لاقَى من الطيرِ فُرْجَةً ... تَدَوَّرَ فوق البَيْضِ مثلَ الدراهِمِ\rوصف شِعْبُ بَوَّان","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"ونظير قول أبي الطيب في هذا البيت وإن لم يكن في معناه قولُه يصف شِعب بَوّان، وسيأتي، وفي هذا الشِّعب يقول أبو العباس المبرد: كنت مع الحسن بن رجاء بفارس؛ فخرجتُ إلى شِعب بَوّان، فنظرت إلى تُرْبة كأنها الكافور، ورياض كأنها الثوب الموشَّى وماء ينحدر كأنه سَلاسِلُ الفضة، على حصباء كأنها حَصَى الدرّ؛ فجعلت أطوف في جَنباتها، وأدور في عَرَصاتها، فإذا في بعض جدرانها مكتوب: الطويل:\rإذا أشرفَ المكروب من رَأسِ تَلْعَةٍ ... على شِعْبِ بوّانٍ أفاق من الكَرْب\rوأَلهاه بَطْنٌ كالحرير لطافَةً ... ومطَّرِد يَجْرِي من البارد العَذْبِ\rوطيبُ رِياض في بلادٍ مَرِيعَةٍ ... وأغصانُ أشجارٍ جَناها على قُرْبِ\rيدِير علينا الكاسَ من لوِ لَحَظْتَهُ ... بعينك ما لُمْتَ المحبين في الحبّ\rفبالله يا ريحَ الشمال تحمَّلي ... إلى شِعْب بوّان سلامَ فتًى صَبِّ\rقال أبو العباس: فأخبرت سليمان بن وهب بما رأيت، فقال: وقد رأيت تحت هذه الأبيات: الخفيف:\rليت شعري عن الذين تَرَكنَا ... خَلْفَنا بالعراق هل ذَكَرُونا؟\rأم يكون المدَى تطاوَلَ حتى ... قَدُمَ العَهْدُ بيننا فَنسُونَا؟\rإن جفَوْا حرمة الصَّفاء فإنا ... لهمُ في الهوى كما عهدونا\rوشعر المتنبي: الوافر:\rمَغاني الشِّعب طِيباً في المَغاني ... بمنزلة الربيع من الزمانِ\rولكنّ الفتى العَربيَّ فيها ... غرِيبُ الوجه واليدِ واللسانِ\rمَلاعِبُ جِنَةٍ لو سار فيها ... سليمانٌ لسارَ بِتُرْجُمان\rطَبَتْ فُرْسانَنا والخيلَ حتى ... خشِيتُ وإن كَرُمْنَ من الحِرانِ\rغَدَوْنا تَنْفُضُ الأغصانُ فيه ... على أَعْرافِها مِثْلَ الْجُمانِ\rفجِئْتُ وقد حَجَبْنَ الشمسَ عني ... وجئْن من الضياء بما كفانِي\rوألْقَى الشَّرْقُ منها في بَنانِي ... دَنانيراً تَفِرُّ مِن البَنانِ\rومنها:\rيقول بِشِعْبِ بَوَّانٍ حِصاني: ... أعَنْ هذا يُسارُ إلى الطِّعانِ؟\rأبوكُمُ آدمٌ سَنَّ المعاصي ... وعَلّمَكُمْ مُفارقَةَ الجِنانِ\rإنما أردت هذا البيت. ومنها:\rلها ثَمَرٌ تُشيرُ إليكَ منه ... بأشْربةٍ وَقَفْنَ بلا أوانِي\rوأَمْوَاهٌ يَصِلُّ بها حَصاها ... صَلِيلَ الْحَلْيِ في أَيْدِي الغوانِي\rرَجْعٌ إلى وصف الجيش\rوأول من ابتكر هذا المعنى الأول الأفوه الأودي في قوله: الرمل:\rوأرى الطير على آثارنا ... رأْيَ عَيْن ثقةً أَنْ ستُمارْ\rوقال حميد بن ثور وذكر ذئباً: الطويل:\rإذا ما غدا يَوْماً رأيتُ غيابة ... من الطير يَنْظرْنَ الذي هو صانعُ\rفهمّ بأمْرٍ ثم أَزمع غيْره ... وإن ضاق أمرٌ مرةً فهو وَاسِعُ\rوقال مسلم بن الوليد: الطويل:\rوإني لأستحيي القُنوع ومَذْهبي ... فسيح وَأَقلى الشَحَّ إلا على عِرْضِي\rوما كان مثلي يعتريك رَجَاؤهُ ... ولكن أساءت نعمة منْ فتى مَحضِ\rوإني وإشرافي عليك بهمَّتي ... لكالمبتَغي زُبْداً من الماءِ بالمَخْضِ\rأخذه أبو عثمان الناجم فقال: الخفيف:\rلم تُحَصّل بمخْضِك الماء إلاَّ ... زَبَداً حين رمت بالجهل زُبْدا\rفي وصف سفينة\rوقال مسلم أيضاً يصف السفينة: الطويل:\rكَشَفْتُ أهاويلَ الدُّجَى عن مَهُولهِ ... بجاريةٍ محمولةٍ حَاملٍ بِكْرِ\rإذا أقبلَتْ راعَتْ بقُنَّةِ قَرْهَبٍ ... وإن أَدبرتْ راقتْ بقادمَتَيْ نَسْرِ\rأطلَّتْ بمجْدَافينِ يَعْتوِرانِها ... وقوَّمَها كبْحُ اللِّجام من الدُّبْرِ\rكأنَّ الصَّبا تحكي بها حين واجَهَتْ ... نسيمَ الصَّبَا مَشْيَ العروس إلى الخِدْرِ\rفي وصف الأساطيل\rوقال أبو القاسم بن هانئ يصف أسطول المعز بالله: الطويل:","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"أمَا والجوارِي المنشآتِ التي سَرَتْ ... لقد ظاهَرَتْها عُدَّةٌ وعَدِيدُ\rقِبابٌ كما تُرْخَى القبابُ على المَهَا ... ولكنَّ من ضُمَّت عليه أُسُودُ\rوما راع مَلْكَ الروم إلا اطّلاعُها ... تُنَشَّرُ أعلامٌ لها وبُنُود\rولله ممّا لا يرون كتائبٌ ... مُسَوَّمةٌ يجري بها وجنودُ\rأطال لها أنّ الملائكَ خَلْفَها ... فمن وقفتْ خَلْفَ الصفوفِ رُدُودُ\rوأنّ الرياح الذارياتِ كتائبٌ ... وأنّ النجومَ الطالعاتِ سُعودُ\rعليها غَمامٌ مُكْفَهرٌّ صَبِيرُهُ ... له بارقاتٌ جَمَّةٌ ورُعُودُ\rمواخِرُ في طامي العُبَاب كأنها ... لِعزمك بَأْسٌ أو لِكَفِّك جودُ\rأنأفَتْ بها آطامُها وَسَما بها ... بناءٌ على غير العَرَاء مَشِيد\rمن الطير إلا أنهن جوارحٌ ... وليس لها إلاَّ النفوسَ مَصِيدُ\rوليسو بأعلى كَبْكَبٍ وهو شاهِقٌ ... وليس من الصُّفَّاح وهو صَلُودُ\rمن الراسيات الشُّمِّ لولا انتقالُها ... فمنها قِنَانٌ شُمَّخٌ ورُيُودُ\rمن القادحات النارَ تُضْرَمُ للصِّلَى ... فليس لها يومَ اللقاء خُمودُ\rإذا زَفرَتْ غَيْظاً ترامَتْ بمارجٍ ... كما شُبَّ من نارِ الجحيم وقُودُ\rتُعَانِق مَوْجَ البحرِ حتى كأنه ... سَليطٌ له فيه الذُّبَالُ عَتِيدُ\rترى الماء فيها وهو قَانٍ خِضَابهُ ... كما باشَرَتْ رَدْعَ الخَلُوق جُلودُ\rفأنفاسُهن الحامياتُ صواعِقٌ ... وأفواهُهُن الزافراتُ حديدُ\rيُشَبُّ لآلِ الجَاثَلِيقِ سَعِيرُها ... وما هي من آل الطريد بَعِيدُ\rلها شُعَلٌ فوق الغِمَار كأَنها ... دِماءٌ تلقّيها مَلاَحِفُ سُودُ\rوغيرُ المذاكي نَجْرُهَا غيرَ ... أنها مُسَوَّمَةٌ تحت الفوارس قُودُ\rفليس لها إلا الرياحَ أَعِنَّةٌ ... وليس لها إلا العُبَابَ كَدِيد\rترى كلَّ قوداءِ التليلِ كما انثنتْ ... سوالفُ غِيدٍ أعرضت وخُدود\rرحيبةُ مَدِّ الباعِ وهي نضيجة ... بغيرِ شَوًى عذراءُ وهي وَلُود\rتكَبّرْنَ عن نَقْعٍ يُثارُ كأنها ... مَوَالٍ وجُرْدُ الصافنات عَبِيدُ\rلها من شُفوف العَبْقَرِيّ مَلاَبسٌ ... مُفَوَّفَةٌ فيها النُّضَارُ جَسِيدُ\rكما اشتملتْ فوق الأرائك خُرَّدٌ ... أو التَفَعَتْ فوق المنابر صِيدُ\rلبوسٌ تكفُّ المَوْجَ وهو غُطامِطٌ ... وتدرَأُ بَأْسَ اليَمِّ وهو شديد\rفمنه دُروعٌ فوقها وجَواشنٌ ... ومنها خَفَاتينٌ لها وبُرود\rوقال علي بن محمد الإيادي يصف أسطول القائم فأجاد ما أراد: الكامل:\rاِعْجَبْ لأسطول الإمام محمدٍ ... وَلحسنه وزمانه المُستغربِ\rلبِست به الأمواجُ أحسنَ منظر ... يبدو لعين الناظرِ المتعجّبِ\rمن كل مُشرِفَة على ما قابلت ... إشراف صَدْرِ الأجدل المتنصِّبِ\rدَهْمَاء قد لبِسَت ثيابَ تَصَنع ... تَسْبِي العقولَ على ثياب تَرَهُّبِ\rمن كل أبيض في الهواء منشَّر ... منها وأسحمَ في الخليج مُغَيَّبِ\rكمُلاَءة في البرّ يقطع شدّها ... في البحر أنفاسُ الرياح الشذَّب\rمحفوفة بمجاذِف مصفوفة ... في جانبين دُوَيْنَ صُلْبِ صُلّبِ\rكقَوَادم النَّسر المرفرِفِ عُرِّيَتْ ... من كاسيات رِياشه المتهدِّبِ\rتَحْتَثُّها أيدي الرجال إذا وَنَتْ ... بمصعّد منه بُعَيْد مُصَوَّبِ","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"خرقاء تذهبُ إن يدٌ لم تهدها ... في كل أوْبٍ للرياح ومَذْهَبِ\rجَوفاء تحمل موكباً في جَوْفِها ... يومَ الرهان وتستقلّ بمَوْكبِ\rولها جناحٌ يستعار يُطِيرُها ... طوعَ الرياح وراحةِ المتطرِّب\rيعلو بها حدَبُ العُبَاب مُطارةً ... في كل لجّ زاخرٍ مُغْلَوْلَب\rتسمو بأجردَ في الهواء متوَّجٍ ... عريان منسوج الذؤابة شَوْذَبِ\rيتنزّل الملاّحُ منه ذؤابةً ... لو رام يركبها القَطَا لم يَرْكَب\rفكأنما رام استراقَةَ مَقْعَدٍ ... للسمع إلا أنه لم يُشْهَبِ\rوكأنما جنُّ ابنِ دَاودٍ هُمُ ... ركبوا جوانبها بأعْنَفِ مَرْكَب\rسجَروا جواحِمَ نارِها فتقاذفوا ... منها بألْسُن مارج متلهِّبِ\rمن كلّ مسجورِ الحريق إذا انبرى ... من سجنه انْصَلَتَ انصلاتَ الكوكبِ\rعُريان يقدمه الدخانُ كأنهُ ... صبحٌ يكرُّ على الظلام الغَيهَبِ\rولواحق مثل الأهِلّة جُنَحٌ ... لحق المَطَالب فائتات المَهْرَبِ\rيَذهَبْن فيما بينهن لَطافةً ... ويجئن فعل الطائر المتغلِّبِ\rكنضائض الحيّاتِ رُحنَ لواعباً ... حتى يَقَعْنَ ببرك ماء الميزَب\rشرعوا جوانبها مجادفَ أتعبتْ ... شَأْوَ الرياح لها ولمّا تَتْعَبِ\rتنصاع من كَثَبٍ كما نفر القَطَا ... طوراً، وتجتمع اجتماع الرَّبْرَبِ\rوالبحرُ يجمع بينها فكأنه ... ليلٌ يقرِّبُ عقرباً من عَقْرَب\rوعلى كواكبِها أُسود خِلاَفةٍ ... تختالُ في عُدَد السلاح المُذْهَب\rفكأنما البحرُ استعار بزيِّهم ... ثوبَ الجمال من الربيع المعجب\rفي المودة\rكتب العباس بن جرير إلى الفضل بن يحيى: لا أعلم منزلةً توحشني من الأمير ولا توحشه مني، لأنني في المودّة له كنفسه، وفي الطاعة كَيَدِه، وإنما أُلطِفُه من فضله، وقد بعثت بعض ما ظننت أنه يحتاج إليه في سفره. وذكر ما بعث.\rوكتب غيره في هذا المعنى: إذا كان اللَّطَفُ دليل محبَّةٍ، ومِيسَم قُربة، كفى قليلُه عن كثيره، وناب يسيرُه عن خطيره، لا سيما إذا كان المقصودُ به ذا همةٍ لا يستعظم نفيساً، ولا يستصغر خسيساً؛ وقد حُزْت من هذه الصفة أجَلَّ فضائلها، وأرفع منازلها.\rوفي هذا المعنى: إن يَد الأنس طويلة بكلّ ما بلغت، منبسطة بكلّ ما أدركت، من حيث يدُ الحشمة قصيرة عن كلّ ما حَوَتْ، مقبوضة دون ما أمَّلَتْ؛ لأن بابَ القول مطلقٌ لذوي الخصوص، محظور عند ذوي الهموم، ولتمكّن ما بيننا عاطيتك من لَطفي ما لا دونه قلّة، ثقةً منك بأنه يَرِد على ما لا فوقَه كَثْرة.\rومن ألفاظ أهل العصر\rفي إقامة رسم الهدية\rفي المهرجان والنيروز:\rلمثل هذا اليوم الجديد والأوانِ السعيد سنةٌ، وعلى مثلي فيها أن يتحف ويُلطف، وعلى مثل سيدنا، ولا مِثْلَ له، أن يَقْبَل ويشرف. لليوم رسمٌ إن أخلَّ به الأولياءُ عُدَّ هفوة، وإن منع منه الرؤساء حُسب جَفْوة، ومولاي يسوّغني الدّالة فيما اقترن بالرّقعة، ويكسبني بذلك الشرف والرفعة. الهدايا تكونُ من الرؤساء مكاثرةً بالفضل، ومن النظراء مقارضة بالمثل، ومن الأولياء ملاطفة بالقُلّ، وقد سلكت في هذا اليوم مع مولاي سبيلَ أَهلِ طبقته من الأرباب، وقد حملت إلى مولاي هدية الملاطف، لا هدية المُحتَفِل، والنفس له، والمال منه.\rولهم في التهنئة بالنيروز والمهرجان\rوفصل الربيع:","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"هذا اليوم غُرَّةٌ في أيام الدهر، وتاجٌ على مفرق العَصْر. أَسْعد الله مولانا بنَوْرُوزِه الوارِد عليه، وأَعاده ما شاء وكيف شاء إليه. أَسعد الله تعالى سيدنا بالنوروز الطالع عليه ببركاته، وأيْمنَ طائرَه في جميعِ أيامه ومتصرّفاته، ولا يزالُ يلبَس الأيامَ ويُبليها وهو جديد، ويقطعُ مسافة نَحْسها وسَعْدها وهو سعيد. أقبل النيروزُ إلى سيدنا ناشراً حُلَله التي استعارها من شيَمتِه، ومُبْدياً حالته التي اتخذها من سَجِيّتهِ، ومستصحباً من أنواره ما اكتساه من محاسن فضلِه وإكرامه، ومن أنظاره ما اقتبسه من جوده وإنعامه. ويوكد الوعد بطُولِ بقائه حتى يمل العمر، ويستغرق الدهر. سيدُنا هو الربيع الذي لا يَذْبل شجرُه، ولا يزول سَحَرُه، ولا ينقطعُ ثمرُه، ولا يُقْلِعُ غَمَامه، ولا تتبدّلُ أيامه؛ فأسعده الله تعالى بهذا الربيع المتشبّه بأخلاقه، وإن لم ينَلْ قدرها، ولم يحمل فَضْلها، ولم يجد بُدّاً من الإقرار بها.\rسيدُنا هو الربيع الذي يتصل مطرُه، من حيث يُؤمَن ضررهُ، ويَدُومُ زهرُه، من حيث يتعجّل ثمرُه؛ فلا زال آمراً ناهياً، قاهراً عالياً، تتهيَّأ الأعيادُ بمصادفة سلطانه، وتستفيدُ المحاسنُ من رياض إحسانِه. أسعد الله سيدنا بهذا النَّوْرُوز الحاضر، الجديد الناضر، سعادةٌ تستمرُّ له في جميع أيامه على العموم دون الخصوص، لتكونَ متشابهات في اكتناف المواهب لها، واتصالِ المسار فيها، لا يفرق إلا بمقدار يزيد التالي على الخالي، ويدرج الآني على الماضي. عرّف الله سيدَنا بركة هذا المهرجان، وأسعدَه فيه، وفي كل زمان وأَوان، وأَبقاه ما شاء في ظلالِ الأماني والأمان. هذا اليومُ من محاسن الدهر المشهورة، وفضائلِ الأزمنة المذكورة، فلقى الله تعالى سيدنا بركة وُرُودِهِ، وأجزل حظَّه من أقسام سعوده، هذا اليومُ من غُرَر الدهور، ومواسم السرور، معظّم في الملك الفارسي، مستظرَف في الملك العربي؛ فوفر الله تعالى فيه على مولاي السعادات، وعرّفه في أيامه البركات، على الساعات واللحظات.\r؟صاحب الشرطة\rوقال الحجاج بن يوسف: دلُوني على رجل للشرطة، فقيل: أي رجل تريد؟ فقال: أُريد رجلاً دائمَ العبُوس، طويلَ الجلوس، سمينَ الأمانة، أعْجَفَ الخيانة، يهونُ عليه سِبَالُ الشريف في الشفاعة! فقالوا: عليك بعبد الرحمن بن عبد الله التميمي، فأرسل إليه يستعمله، فقال: لست أَعمل لك عملاً إلا أن تكفيني ولدكَ، وأهل بيتكَ، وعيالك وحاشيتك، فقال: يا غلام، ناد: مَنْ طلب إليه حاجة منهم فقد برئت منه الذمّة.\rوقال أشجع بن عمرو السُّلمي يمدحُ في هذا المعنى إبراهيم بن عثمان بن نَهيك صاحب شرطة الرشيد، وكان جباراً عنيداً: الكامل:\rفي سيفِ إبراهيمَ خوفٌ واقعٌ ... بذوي النفاق، وفيه أمْنُ الَمسلمِ\rويبيت يَكْلأُ والعيونُ هواجعٌ ... مالَ المُضِيع ومُهْجَةَ المُسْتسلمِ\rشَدّ الخطامَ بأَنفِ كل مُخالفٍ ... حتى استقام له الذي لم يُخْطَم\rلا يُصْلِحُ السلطانَ إلا شِدّةٌ ... تَغْشى البريَّ بفَضْلِ ذَنْبِ المُجْرمِ\rومِنَ الولاة مُفَخَّمٌ لا يَتَّقي ... والسيفُ تَقْطُرُ شَفْرَتَاهُ من الدم\rمَنَعَتْ مهابتُكَ النفوسَ حديثَها ... بالأمر تكرَهُهُ وإن لم تَعْلَمِ\r؟؟من كلام الأعراب\rعذلَتْ أعرابية أباها في الجود وإتلاف ماله، فقالت: حَبْس المالِ، أنْفعُ للعِيَال، مِنْ بِذْل الوَجْه في السؤال؛ فقد قلَّ النوالُ، وكثر البُخَّالُ، وقد أتلفت الطارِفَ والتِّلاد، وبقيت تطلبُ ما في أَيدِي العباد، ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشك أن يسعى فيما يضرّه.\rقال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول: اللهمَّ ارْزُقني عمل الخائفين، وخوفَ العاملين، حتى أتنعّم بترك التنعّم، رجاءً لما وعَدْتَ، وخوفاً ممّا أوعدت.\rوقال آخر: اللهمّ من أراد بنا سوءاً فأَحِطْه به كإحاطةِ القلائد، بأَعناق الولائد، وأَرْسِخْه على هَامَتِه، كرسوخ السِّجيل، على هامِ أصحاب الفيل.","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"وقال بعضُ الأعراب: نالنا وَسْمِيّ، وخلَفَه وَليّ؛ فالأرضُ كأنها وَشْيٌ عبقريّ؛ ثم أتتْنا غُيُوم جَرَاد، بمناجل حِدَادة فخرَّبت البلادَ، وأهلكت العبادَ؛ فسبحان من يُهلك القويّ الأكول، بالضعيف المكول.\rمن أخبار أبي العباس السفاح\rوخالد بن صفوان:\rوقال عمارة بن حمزة لأبي العباس السفاح - وقد أمر له بجوائز نفيسة، وكُسْوَة وصلة، وأَدْنى مجلسه - : وصلك الله يا أمير المؤمنين وبَرَّك، فوالله لئن أَردنا شكْرَك على كُنْهِ صلتك، فإنَ الشكرَ لَيَقْصُرُ عن نعمتك، كما قَصُرْنَا عن منزلتك، غير أن الله تعالى جعل لك فضلاً علينا بالتقصير منّا، ولم تَحرِمْنَا الزيادة منك لِنَقْصِ شكرنا.\rوقال أبو العباس السفاح لخالد بن صفوان: كيف عِلْمُك بأَخْوالي بني الحارث بن كعب؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، هم هامَةُ الشرف، وعِرْنينُ الكَرَم، وفيهم خصالٌ ليست في غيرهم من قومهم، هم أحسنهم أمماً، وأكرمهم شِيَماً، وأَهْناهم طعماً، وأَوْفاهم ذِمماً، وأَبعدهم هِمماً، هم الجَمْرَة في الحَرب، والرأْسُ في كل خطب، وغيرهم بمنزلة العَجْب.\rوعزَّى خالدُ بن صَفْوَان عمر بن عبد العزيز وهنَّأَه بالخلافة، فقال: الحمد لله الذي مَنَّ على الخَلْقِ بك، والحمدُ لله الذي جعل نبوّتكم رَحمة، وخلافتكم عِصْمَة، ومصائبكم أُسوة، وجعلكم قُدْوَة.\rوقال خالدُ بن صَفْوان لبعض الولاة: قدمت وأعطيت كلأً بقِسْطِه من نظرك وَمجْلسك، في صوتك وعَدْلك، حتى كأنك من كل أحد، وحتى كأنك لست من أُحد.\rوقال رجل لخالد: إن أباك كان دَميماً، ولكنه كان حليماً، وإنّ أمّك كانت حسناء، ولكنها كانت رَعْنَاء، فيا جامع شَرِّ أبويه!.\rشذور في المقابح ومساوي الأخلاق\rعلي بن عبيدة الريحاني - أدْنسُ شعارِ المرء جهلُهُ.\rابن المعتز: نعَم الجاهلِ، كالرياض في المزابل. كلما حسُنَتْ نعمةُ الجاهل ازداد فيها قُبْحاً. لسانَ الجاهل مفتاحُ حَتْفه. لا ترى الجاهلَ إلا مُفْرطاً أو مُفَرِّطاً.\rالجاحظ - البخلُ والجُبْنُ غريزةٌ واحدة، يجمعهما سوءُ الظن بالله. البخل يَهْدِمُ مبانيَ الشرف.\rوقال ابن المعتز: لمّا عرف أهلُ النَقْصِ حالَهم عند ذوي الكمال، استعانوا بالكِبْر ليعظِّمَ صغيراً، ويرفَعَ حقيراً، وليس ينفعُ الطمع في وثاق الذل. الغضب يصدئ العقلَ حتى لا يرى صاحبُه صورةَ حَسَنٍ فيرتكبه، ولا صورة قبيح فيجتنبه. الغضبُ ينبئ عن كامن الحقد. من أطاع غضبَه أضاع أدبه. حدَّةُ الغضب تعثر المنطق، وتقطع مادَة الحجَّة، وتفرق الفَهْم. غضب الجاهل في قوله، وغضبُ العاقل في فِعْله. عقوبة الغضبِ تبدأُ بالغضبان: تقبِّح صورتَه، وتثلِّم دِينَه، وتعجل نَدَمه. ما أقبح الاستطالة عند الغِنى، والخضوع عند الفقْر. من يهتك سِتْر غيره تكَشّفَتْ عورات بيته. نفاق المرءِ من ذلّةٍ.\rالشرير لا يظنُ بالناس خيراً لأنه يراهم بعين طبعه. من عدد نعمه محق كرمه. خُلفُ الوعد خُلُق الوَغْد، من أَسرع كَثُر عثَاره.\rفي المفاخراتْ\rفاخر كاتبٌ نديماً، فقال الكاتب: أَنا مَعُونة، وأنت مَؤُونة، وأنا للجدّ، وأنت للهَزْل؛ وأنا للشدة وأنت للَّذة؛ وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم: أنا للنعمة، وأنت للخِدْمة؛ وأنا للحضرة، وأنت للمهنة؛ تقوم وأنا جالس، وتحتشم وأنا مُؤانس؛ تَدْأَب لراحتي، وتَشْقَى لسعادتي؛ فأنا شريك، وأنتَ معِين، كما أنك تابع، وأنا قَرِين.\rوفاخر صاحبُ سيفٍ صاحبَ قلم، فقال صاحبُ القلم: أنا أقتل بلا غرَر، وأنت تقتل على خَطر. فقال صاحب السيف: القلمُ خادمُ السيف إن تم مراده، وإلا فإلى السيفِ مَعَاده.\rقال أبو تمام: البسيط:\rالسيفُ أصدَقُ إنباءً من الكتُب ... في حَدِّهِ الحدُّ بين الجِدِّ واللَّعِبِ\rإبراهيم بن المهدي: البسيط:\rفقد تلينُ ببعض القولِ تَبْذُلُ ... والوصل في جبَل صَعْبٌ مَرَاقِيهِ\rكالخيزران مَنِيعٌ حين تكسِرهُ ... وقد يُرى ليِّناً في كفِّ لاَوِيهِ\rأبو الهَيْذام عامر بن عمارة المرّي يرثي: الطويل:\rسأبكيك بالبيض الرِّقاق وبالقَنَا ... فإنّ بها ما أدرك الواتِرُ الوِتْرَا\rولسنا كمن يَبْكِي أخاه بعَبْرَةٍ ... يُعَصِّرها من ماءِ مُقْلَتِه عَصْرا","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"ولكنني أشْفي فؤادي بغَمْرةٍ ... وأُلهب في قُطْرَيْ جوانبه جَمْرا\rوإنّا أُناس ما تَفيضُ دموعُنا ... على هالكٍ منّا وإن قَصَمَ الظهْرا\rمن وصايا الحكماء\rلقي رجل حكيماً فقال: كيف تَرَى الدهر؟ قال: يُخْلِقُ الأبدان، ويجدِّدُ الآمال، ويقرِّبُ المنيّة، ويباعِدُ الأمْنِيّة. قال: فما حالُ أهله؟ قال: من ظفر به منهم تعب، ومن فاته نَصِب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قَطعُ الرجاء منه، قال: فأيّ الأصحاب أبرّ وأَوْفى؟ قال: العمل الصالح والتقوى. قال: أيهم أضرّ وأَرْدَى؟ قال: النفس والهوى، قال فأين المخرج؟ قال: سلوكُ المَنهَج. قال: وما هو؟ قال: بَذْل المجهود، وترك الراحة، ومداومة الفكرة. قال: أَوْصني. قال: قد فعلت.\rوقال بعض الملوك لحكيم من حكمائه: عِظْني بعِظَة تنفي عني الْخُيَلاء، وتزهّدني في الدنيا. قال: فكَر في خَلْقك، واذْكُر مبدأك ومصيرك، فإذا فعلت ذلك صَغُرَتْ عندك نفسُك، وعَظُم بصغرها عندك عَقْلُك؛ فإن العقلَ أنفعهُما لك عِظَماً، والنفس أَزْينهُما لك صِغَراً؛ قال الملك: فإن كان شيء يُعِينُ على الأخلاق المحمودة فصفتك هذه. قال: صفتي دليل، وفَهْمُك محجَّة، والعلم عليّة، والعمل مَطيّة، والإخلاص زمامها، فخُذْ لعقلك بما يزيّنه من العلم، وللعلم بما يَصُونُه من العمل، وللعمل بما يحقّقه من الإخلاص، وأنت أنت! قال: صدقت.\rباب المديح\rوقال ابن الرومي: البسيط:\rتَغْنَوْنَ عن كل تقريظ بمجدكُم ... غِنَى الظباء عن التكحيل بالكَحَلِ\rتلوح في دُول الأيام دولتكم ... كأنها مِلّةُ الإسلامِ في المِللِ\rوقال أيضاً: البسيط:\rكلُّ الخِصالِ التي فيكُمْ محاسِنكُمْ ... تشابهَتْ منكُمُ الأخلاقُ والخلقُ\rكأنكم شجرُ الأتْرُجُّ طابَ معاً ... حَملاً ونَوْراً، وطاب العودُ والورقُ\rوقال البستي في نحو هذا: الطويل:\rفتى جَمَعَ العلياءَ عِلْماً وعِفَّةً ... وبأساً وجوداً لا يفيق فُواقا\rكما جمع التفاحُ حسناً ونَضْرَةً ... ورائحةً محبوبةً ومَذاقَا\rقال أبو العباس المبرد: حدّثني عجل بن أبي دلف قال: امتدح رجلٌ أبي بكلمةٍ، فوصله بخمسمائة دينار ولم يره، وهي: البسيط:\rمَالِي ومالك قد كلفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدَّارعين قِفِ\rأَمِن رجالِ المنايا خِلْتنِي رجلاً ... أمسِي وأصبحُ مشتاقاً إلى التَّلَفِ\rأرى المنايا على غيري فأكرهها ... فكيف أَمْشِي إليها بارزَ الكَتِفِ؟\rأخِلْتِ أنَ سواد الليل غيَّرني ... وأن قلبيَ في جَنبَيْ أبي دُلَفِ؟\rقلت: هذا كحديث الذي دخل في قوم على شراب فسقوه غير الشراب الذي يشربون، فقال: المتقارب:\rنبيذانِ في مجلس واحد ... لإيثار مُثرٍ على مُقترِ\rفلو كنتَ تفعل فِعلَ الكرام ... فعلت كفعل أبي البَخْتري\rتتَبَّعَ إخوانه في البلاد ... فأغنى المُقلَّ عن المكثر\rفاتصل شعره بأبي البختري فأعطاه ألف دينار ولم يَرَه.\rوالأبيات التي مُدِح بها أبو دلف هي لأحمد بن أبي فنن، وكان شاعراً مجيداً، وهو القائل: الطويل:\rولما أَبتْ عينايَ أن تملكَ البُكَى ... وأن تحبسا سَحَّ الدموعِ السواكب\rتثاءَبت كي لا يُنكِرَ الدمعَ منكرٌ ... ولكن قليلاً ما بقاء التثاؤب\rأعَرّضتماني للهوى ونمتُما ... عليّ؟ لبئس الصاحبانِ لصاحبِ\rوقال: الكامل:\rوحياة هجرك غير معتَمِدٍ ... إلا لقَصدِ الْحِنثِ في الحلفِ\rما أنت أَمْلَحُ مَنْ رأيت ولا ... كلَفي بحبِّك مُنتهَى كَلَفِي\rوقال الصولي: كنا بحضرة أبي العباس المبرد فأنشد هذين البيتين فاستظرفهما وأنشدنا في ذلك: الكامل:\rوحياة غيرك غير معتمد بهِ ... حِنْثاً ولكن مُعْظِماً لحياتكا\rما ينقضي طمَعِي وإن أطمعتني ... في الوعد منك إلى اقتضاء عِدَاتكا\rوقال الخثعمي: الطويل:","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"ولم أر مثلَ الصدِّ أَدعى إلى الهوى ... إذا كان ممن لا يخافُ على وَصْلِ\rوآلَتْ يميناً كالزجاج رقيقةً ... وما حَلَفَتْ إلا لتَحْنَثَ من أَجْلي\rوكان أحمد بن أبي فنن أسود، ولذلك قال: البسيط:\rأَخِلْتَ أنْ سَوَادَ الليل غيرني\rولما أُدخل على المعتزّ وامتدحه قال: هذا الشاعرُ الآدَم، قال بعض من حضر: لا يَضِرْه سوادُه مع بياض أياديك عنده، قال: أجَلْ، ووصله.\rأخذ قوله: البسيط:\rأرى المنايا على غيري فأكرهها\rمن قول أعرابي قيل له: ألا تَغْزو؟ قال: أنا والله أكره الموت على فراشي، فكيف أمشي إليه رَكْضاً؟.\rعلم البديع والاستطراد\rوهذا المذهب الذي سلكه أحمد ضربٌ من البديع يسمَّى الاستطراد، وذلك أنّ الفارس يظهر أنه يستطرد لشيء ويُبْطِنُ غيره، فيكرُّ عليه، وكذلك هذا الشاعر يظهِرُ أنه يذهبُ لمعنى فيعن له آخر فيأتي به، كأنه على غير قصد، وعليه بناه، وإليه كان مَعْزَاه، وقد أكثر المحدَثون منه فأحسنوا في ذلك.\rقال الأصمعي: كنت عند الرشيد فدخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فقال: أنشدني من شعرك، فأنشده: الطويل:\rوآمرةٍ بالبُخْل قلت لها اقْصِرِي ... فليس إلى ما تأمرينَ سبيلُ\rأرى الناس خُلاَّنَ الجوادِ، ولا أرى ... بخيلاً له في العالَمين خَلِيلُ\rومِنْ خير حالاتِ الفتى لو علمتهِ ... إذا نال شيئاً أن يكونَ منيل\rفَعالي فعالُ المُكْثِرين تجمُّلاً ... ومالي كما قد تعلمين قَليلُ\rوكيف أخافُ الفقرَ أو أُحرم الغنى ... ورَأْيُ أمير المؤمنين جميلُ؟\rفقال الرشيد: يا فضل؛ أَعطه عشرين ألف درهم. ثم قال: لله أبيات تأتينا بها يا إسحاق ما أتقن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها! فقال: والله يا أمير المؤمنين، لا قبلتُ منها درهماً واحداً. قال: ولم؟ قال: لأنّ كلامك، والله، خيرٌ من شعري. فقال: يا فضل؛ ادفع إليه أربعين ألفاً. قال الأصمعي: فعلمت أنه أصيد لدراهم الملوك مني.\rومن ذلك قول أبي تمام يصف فرساً: البسيط:\rوسابح هَطلِ التعْدَاءِ هَتَّانِ ... على الجِرَاء أمينٍ غير خَوَّانِ\rأظْمى الفُصوص ولم تَظمأْ قوائمهُ ... فَخَلِّ عَيْنَيك في رَيَّانَ ظمآنِ\rفلو تراهُ مُشيحاً والحصى زِيَمٌ ... بين السنابك من مَثْنى ووُحْدَانِ\rأيقنْتَ إن لم تثبَّت أَن حافِرَهُمن صَخْر تَدْمُرَ أو من وَجْهِ عثمانِ\rوقد احتذى البحتري هذا الحذْوَ في حمدَويْه الأحول، وكان حمدويه هذا عدواً للممدوح، فقال: الكامل:\rوأَغَرَّ َفي الزمنِ البهيم مُحَجَّل ... قد رُحْتُ منه على أغرّ مُحَجَّلٍ\rكالهيكَلِ المبنيِّ إلا أنهُ ... في الحُسْنِ جاء كصورةٍ في هَيْكَلِ\rملَكَ العيونَ؛ فإنْ بَدا أعْطَيْنَهُ ... نَظَرَ المُحِب إلى الحبيب المُقْبلِ\rما إنْ يَعافُ قذًى ولو أورَدْتَهُ ... يوماً خلائقَ حَمْدَوَيْه الأحْولِ\rوفي قصيدته هذه يحكى أن البحتري قال له أصحابه: إنك ستُعاب بهذا البيت؛ لأنك سرقته من أبي تمام ط قال: أعاب من أخذي من أبي تمام؟! والله ما قلتُ شعراً قط إلا بعد أن أحضرت شعره في فكري، قال: وأسقط البيت بعد، فلا يوجد في أكثر النسخ.\rوهذا معنى قد أعجَب المُحدَثين، وتخيَّلوا أنهم لم يُسْبَقُوا إليه، وقد تقدّم لمن قبلهم، قال الفرزدق: الطويل:\rكأن فِقَاح الأزد حولَ ابن مِسْمَع ... إذا جلسوا أَفْواهُ بكْرِ بن وائلِ\rقال الحاتمي: وأتى جرير بهذا النوع فحثا في وَجْهِ السابق إلى هذا المعنى فضلا عمن تلاه؛ فإنه استطرد في بيتٍ واحد، فهجا فيه ثلاثة، فقال: الكامل:\rلما وضعْتُ على الفرزدق مِيسَمِي ... وعلى البعيث جَدَعْتُ أَنْفَ الأخطلِ\rوقيل هذا البيت مما يَرُدّ على الحاتمي، وهو قوله: الكامل:\rأعددت للشعراءَ كأساً مُرة ... فسقيت آخرهمْ بكأس الأولِ\rقال أبو إسحاق: وأوَل من ابتكره السموأل بن عاديَاء اليهودي، وكل أحد تابع له فقال: الطويل:","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"وإنّا أنُاسٌ لا نرى القَتْلَ سُبّةً ... إذا ما رأَتهُ عامرٌ وسلولُ\rيُقَرِّبُ حُبُّ الموتِ آجالنَا لنا ... وتكْرَهُهُ آجالُهُمْ فَتطُول\rوقد قال طرفة في هذا المعنى: الطويل:\rفلو شاء ربي كنت قيسَ بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عَمْرَو بن مَرْثَدِ\rفأصبحتُ ذا مالٍ كثير، وعادني ... بَنُونَ كِرَامٌ سادةٌ لمسَوّدِ\rقيس بن خالد: ذو الجَدَين الشيباني. وعمرو بن مَرْثد: سيد بني قيس بن ثعلبة، فدعا عمرو طرفة لما بلغه ذلك، فقال: أما البنون فإن الله يعطيك، ولكن لا تَرِيمُ حتى تكون من أوسطنا حالاً؛ وأمر بنيه وكانوا عشرة، فدفع إليه كل واحد منهم عشراً من الإبل؟ فانصرف بمائة ناقة.\rوكان ابن عَبْدَلٍ منقطعاً إلى عبد اللّه بن بشر بن مروان، فتأخر عنه بِرُه، وغاب أياماً، ثم أتاه فسأله عن غَيْبَته، فقال: خطبتُ ابنةَ عم لي بالسواد، فزَعمَتْ أنَ لها ديوناً وأَسْلافاً هناك، وأني إذا جمعتها لها صارت إلى محبتي، ففعلت ذلك، فلما استنجزتها كتبت إليّ: الوافر:\rسَيُخْطِئُك الذي أمَّلْتَ مِنَّي ... إذا انتقَصَتْ عليك قُوَى حِبَالي\rكما أخطاك معروفُ ابنِ بشر ... وكنتَ تَعُدُّ ذلك رأْسَ مالِ\rفقال: ما أحسن ما ألطفت بالسؤال! وأجْزل صِلَتَه.\rومن بديع هذا الباب قول بشار بن برد: الطويل:\rخليلي من كَعْبٍ، أَعِينَا أخاكما ... على دَهرِهِ؛ إن الكريمَ مُعِينُ\rولا تَبْخَلا بُخْلَ ابن قَزْعَة؛ إنهُ ... مخافةَ أنْ يُرجى نَدَاهُ حزينُ\rإذا جئتَه في حاجةٍ سدَّ بابَهُ ... فلم تَلْقَه إلا وأنْتَ كمينُ\rفقل لأبي يحيى متى تبلغ العُلاَ ... وفي كل معروفٍ عليك يمين\rوقال بكر بن النطاح يمدح مالكَ بن طَوْق: الطويل:\rعَرَضْتُ عليها ما أرادَتْ من المُنَى ... لترضى فقالت: قم فجئني بكوكب\rفقلت لها: هذا التعنّتُ كلّهُ ... كمن يشتهي لحمَ عنقّاء مُغْرِبِ\rسَلي كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلاَبهُ ... ولا تذهبي يا درّ في كلّ مَذْهَبِ\rفأقسمُ لو أصبحت في عزّ مالك ... وقُدْرَتِه ما رام ذَلك مطلبي\rفتًى شَقيَتْ أموالُه بسماحِهِ ... كما شقِيَتْ قيسٌ بأرماح ثعلبِ\rواعتذر رجلٌ إلى رجل بحضرة عبد الأعلى بن عبد اللّه فلم يُقْبَلْ عذره، فقال عبد الأعلى: أمَا والله لئن كان احتمل إثْمَ الكذب ودناءته، وخضوعَ الاعتذارِ وذِلَته، فعاقبته على الذَّنْب الذاهب، ولم تشكر له إنابة التائب، إنك لممن يُسيء ولا يُحسن.\rوقال الحطيئة: الطويل:\rيَسُوسُونَ أحلاماً بعيداً أناتُهَا ... وإن غضِبوا جاء الحفيظة والجدُّ\rأقلُّوا عليهم لا أَبا لأَبيكُم ... من اللومِ أو سُدُّوا المكان الذي سَدُّوا\rأُولئك قوم إنْ بَنَوْا أَحسنوا البنَا ... وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدُّوا\rوإن كانت النعْماء فيهم جَزَوْا بها ... وإن أنعموا لا كَدّروها ولا كدُّوا\rوإن قال مولاهم على جُلِّ حادث ... من الدهر رُدُّوا فضل أحلامكم ردُّوا\rويعذلني أبناءُ سَعْدٍ عليهمُ ... وما قُلْتُ إلا بالذِي عَلِمَتْ سَعْدُ\rمن أخبار الرشيد\rووَصلَ سعيدُ بن سَلْمٍ إلى الرشيد شاعراً باهلياً، فأنشده قصيدةً حسنة، فاسترابَهُ الرشيد، قال: أسمعك مستحسِناً، وأنكرك متّهماً؛ فإن كنتَ صاحب هذا الشعر فقُلْ في هذين، وأشار إلى الأمين والمأمون وكانا جالسين.\rفقال: يا أمير المؤمنين، حمَلتْني على غير الجَدَد \" هَيبَةُ الخلافة، ووَحْشَة الغُرْبة، ورَوعَة المفاجأة، وجلالة المقام، وصعوبة البديهة، وشرود القوافي، على غير الرويَّة، فليُمْهِلْني أميرُ المؤمنين حتى يتألفَ نافرُ القول.\rفقال الرشيد: لا عليك ألا تقول؛ قد جعلت اعتذارك عِوَض امتحانك. فقال: يا أميرَ المؤمنين، نفَّسْت الخناق، وسهَّلْتَ ميدان السباق، ثم قال: الطويل:","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"بنيتَ بعبد الله بعد محمد ... ذُرَى قُبَّة الإسلام فاخْضَرَّ عودُها\rهما طُنباها بارَك الله فيهماوأنت أميرَ المؤمنينَ عمودُها\rفقال الرشيد: وأَنت بارك الله فيك، سَلْ ولا تكن مسألتك دون إحسانك، فقال: الهنيدة يا أمير المؤمنين! فأمر له بها، وبِخِلعٍ نفيسة، وصِلةٍ جزيلة.\rمن أخبار سليمان بن عبد الملك\rدخل يزيد بن أبي مُسْلم، كاتبُ الحجاج، على سليمانَ بن عبد الملك، فازدَرَاه ونَبَت عينه عنه، فقال: ما رأَت عيني كاليوم قطِّ، لَعن الله امرأ أَجرَّك رَسَنَه، وحكّمك في أمره. فقال: يا أميرَ المؤمنين، لا تَقُلْ ذلك؛ فإنك رأيتَني والأمر عني مُدْبر، وعليك مُقْبِل، فلو رأيتني والأمر عليّ مقبل، وعنك مُدْبِر، لاستعظمتَ منّي ما استصغرتَ، واستكبرتَ ما استقلَلْت.\rقال: عزمت عليك يا ابْنَ أبي مُسلم لتخبرني عن الحجاج، أتراه يَهوِي في جهنم أم قد قرَّبها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لا تَقُلْ هذا في الحجاج، وقد بذل لكم النصيحةَ، وأمَّن دولتكم، وأخاف عدوَّكم، وكأني به يوم القيامة وهو عن يمين أبيك، ويَسار أخيك، فاجعله حيثُ شئت.\rفقال له سليمان: اُعْزُبْ إلى لعنة اللّه! فخرج، فالتفت سليمانُ إلى جلسائه فقال: قاتله اللّه! ما أَحْسَنَ بديهتَهُ، وترفيعه لنفسه ولصاحبه! وقد أحسن المكافأة في الصنيعة، خَلُّوا عنه.\rمن أخبار إبراهيم بن العباس الموصلي\rوشعره\rقال إبراهيم بن العباس الموصلي: والله ما اتّكَلْتُ في مكاتبةٍ قطّ إلا على ما يجلبه خاطري، وَيجِيشُ به صَدْرِي، إلا قولي في فصل وصار ما كان يحْرِرهم يُبْرِزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم. وقولي في رسالة أخرى: \" فأنزلوه من معقل إلى عُقال، وبدّلوه آجالاً بآمال \" ، فإني ألممت في هذا بقول الصريع: البسيط:\rمُوفٍ على مُهَجٍ في يومِ ذي رَهَجٍ ... كأنه أجَلٌ يَسْعَى إلى أملِ\rوفي المعنى الأول يقول أبو تمام: الطويل:\rفإنْ يَبْنِ حيطاناً عليه فإنما ... أُولئك عُقّالاتُهُ لا مَعَاقِلُهْ\rوكان يقول: ما تمنّيت كلامَ أحدٍ أن يكون لي إلا قولَ عبر الحميد بن يحيى: الناس أصنافٌ متباينون، وأطوار متفاوتون، منهم عِلق مضنّة لا يُبَاع، وغلّ مظنَّة لا يبتَاع.\rورد كتاب بعض الكتّاب إلى إبراهيم بن العباس بذمّ رجل ومدح آخر؛ فوقّع في كتابه:. إذا كان للمحسن عن الجزاء ما يُقْنِعهُ، وللمسِيء من النكال ما يَقْمَعه، بَذَل المحسن الواجبَ عليه رغبة، وانقاد المسيء للحقّ رهبةً؛ فوثب الناس يقبّلون يده.\rووقع لرجل مَتَّ إليه بحُرْمة: تقدمت بحرمة مألوفة، ووسيلة معروفة، أقوم بواجبها، وأرْعاها من جميع جوانبها.\rوإبراهيم بن العباس هو القائل: الطويل:\rلنا إبِل كُومٌ يَضِيق بها الفَضا ... وتَغْبَرُّ منها أرْضُها وسماؤُها\rفمن دونها أن تُستباحَ دماؤُنا ... ومن دُوننا أن يُستذمَّ دماؤها\rحمًى وقِرًى فالموتُ دونَ مرامها ... وأيْسَرُ خَطبٍ يومَ حُقَّ فَنَاؤها\rوقاد الصولي: وجدت بخط عبد الله بن أبي سعيد إبراهيم بن العباس أنشده لنفسه: الطويل:\rوعلمتنِي كيف الهوى وجَهِلْتِهِ ... وعَلَّمَكُمْ صَبْري على ظُلْمِكُمْ ظُلْمي\rوأعلمُ مالِي عندكُمْ فيردّني ... هَوَايَ إلى جَهْلي فأرجعُ من عِلْمي\rفقلت: أسبقك إلى هذا أحد؟ فقال: العباس بن الأحنف بقوله: الطويل:\rتجنبَ يَرْتَادُ السلوَّ فلم يَجِدْ ... له عنك في الأرض العريضة مَذْهَبا\rفعاد إلى أنْ راجع الوَصْلَ صاغراً ... وعاد إلى ما تشتهين وأعْتبا\rقال الصولي: وأظن أنّ ابن أبي سعيد غلط في هذه الرواية؛ لأن الأشبه بقول ابن العباس: فعاد إلى أن راجع الوصل صاغراً قوله: البسيط:\rكم قد تجرَّعْتُ من غَيْظٍ ومن حَزَنٍ ... إذا تجدَّدَ حُزْنٌ هَوَّنَ الماضي\rوكم سخِطْتُ وما بَالَيْتُمُ سَخَطي ... حتى رَجَعْتُ بقلبٍ ساخطٍ راضي\rوأنشد له: الطويل:\rلمن لا أرى أعرضْتُ عن كلِّ من أرى ... وصِرْت على قلبي رقيباً لقاتِلِهْ","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"أُدافِعهُ عن سَلْوَةٍ وأردّهُ ... حياءً إلى أوصابه وبَلابِلمهْ\rوقال في هذا النحو: المتقارب:\rوأنت هوى النفسِ من بينهمْ ... وأنت الحبيبُ وأنت المطاعْ\rوما بك إنْ بَعدوا وَحْدَةٌ ... ولا معهم إنْ بعدْت اجتماعْ\rوقال الطائي: الطويل:\rإذا جئتَ لم أحْزَنْ لبُعْدِ مفارقٍ ... وإن غِبْتَ لم أفرحْ بقُرْبِ مقيمِ\rفيا ليتني أفديك من غُرْبَةِ النوى ... بكلِّ أخٍ لي واصل وحميمِ\rوأصل هذا من قول مالك بن مسْمَع للأحنف بن قيس: ما أشتاق للغائب إذا حَضَرْتَ، ولا أنتفع بالحاضر إذا غِبْتَ.\rوقال إبراهيم بن العباس: الطويل:\rتدانَتْ بقوم عن تَنَاءً زيارة ... وشَطَّ بليلى عن دُنُوٍّ مَزَارُها\rوإنَ مُقيماتٍ بِمُنْعَرَجِ اللوى ... لأَقربُ من ليلى وهاتيكَ دَارُها\rوليلَى كمثل النارِ ينفعُ ضوءُها ... بعيداً نَأى عنها ويُحرّقُ جَارُها\rكأنه نظر إلى قول النّظار الفَقْعَسِي: الطويل:\rيقولون هذي أُمُّ عمرٍ وقريبةٌ ... دَنتْ بك أرْضٌ نحوها وسماءُ\rألا إنما بُعْدُ الخليل وقُرْبهُ ... إذا هو لم يُوصَل إليه سواءُ\rوقوله: وليلى كمثل النار كقول العباس بن الأحنف: المنسرح:\rأحْرَمُ منكمْ بما أقولُ وقد ... نال بهِ العاشقون مَنْ عَشِقُوا\rصِرْتُ كأني ذُبَالةٌ نُصِبَتْ ... تُضِيء لِلناسِ وَهْيَ تَحْتَرِقُ\rوقال إبراهيم بن العباس: الوافر:\rأميلُ مع الصديق على ابن عمي ... وآخُذُ للصديق من الشقيقِ\rوإن ألفَيتَنِي حُرّاً مُطَاعاً ... فإنك وَاجدي عَبْدَ الصَديقِ\rأفرّق بين معروفي ومَنِّي ... وأجْمَعُ بين مالي والحقوقِ\rفي رثاء مصلوب\rقال العقيلي يَرْثي صديقاً له أخذ في خِرْبة فقتل وصلب: الطويل:\rلعمري لئن أصبحتَ فوق مشدَّب ... طويلٍ تُعَفِّيكَ الرياحُ مع القَطْرِ\rلقد عشتَ مبسوطَ اليدين مرزّأ ... وعُوفيت عند الموت من ضَغْطَةِ القبرِ\rوأَفْلَتَّ من ضيقِ التراب وغَمِّهِ ... ولم تفقد الدنيا؛ فهل لكَ من شُكْرِ؟\rفما تشتَفي عيناي من دائِم البُكَى ... عليكَ، ولو أني بكيتُ إلى الحشر\rفطُوبَى لمن يبكي أخاه مُجَاهراً ... ولكنني أَبكي لفقدك في سِترِ\rعود إلى أخبار الرشيد\rوكتب محمد بن كثير إلى هارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، لولا حظّ كرم الفعل في مَطَالع السؤال،؛ لأَلهى المَطْلُ قلوبَ الشاكرين ولصرف عيونَ الناظرين إلى حسن المحبة، فأيّ الحالين يُبْعِدُ قولَك عن مجاز فعلك؟.\rفقال هارون الرشيد: هذا الكلامُ لا يحتمل الجواب؛ إذ كان الإقرار به يمنعُ من الاحتجاج عليه.\rقضاء الحاجة\rوقال يحيى بن أكثم للمأمون يذكر حاجةً له قد وعده بقضائها وأغفل ذلك: أنتَ، يا أمير المؤمنين، أكرمُ من أن نعرِّضَ لك بالاستنجاز، ونقابلك بالادِّكار، وأنت شاهدي على وَعْدِك، وأن تأمر بشيء لم تتقدَّمْ أيامه، ولا يقدر زمانه، ونحن أضعفُ من أن يستوليَ علينا صبرُ انتظارِ نعمتك، وأنت الذي لا يؤوده إحسان، ولا يُعْجِزُه كرَم، فعجِّل لنا يا أميرَ المؤمنين ما يزيدك كرماً، وتزدادُ به نعماً، ونتلقَّاه بالشكر الدائم.\rفاستحسن المأمون هذا الكلام، وأمر بقضاء حاجته.\rقدم على المأمون رجل من أبناء الدهاقين وعظمائهم، من أهل الشام، على عِدَة سلَفتْ له من المأمون، من تَوْليته بلده، وأن يضمّ إليه مملكته، فطال على الرجل انتظارُ خروجِ أمْرِ أمير المؤمنين بذلك، فقصد عَمْرَو بن مسعدة وسأله إيصالَ رقعةٍ إلى المأمون من ناحيته، فقال: اُكْتُبْ بما شئت فإني مُوصِلُه، قال: فتولّ ذلك عني، حتى تكون لك نعمتان. فكتب عمرو: إن رأى أميرُ المؤمنين أنْ يفكَّ أسْر عِدَتِه من رِبْقَة المَطْلِ، بقضاء حاجة عَبْدِهِ، والإذْنِ له بالانصراف إلى بلده، فعل مُوَفَّقاً.","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عَمْواً، وجعل يعجب من حُسن لفظها، وإيجازِ المرادِ فيها، فقال له عمرو: فما نتيجتُها يا أميرَ المؤمنين؟ قال: الكتابة له في هذا الوقت بما سأل، لئلاَّ يتأخر فَضلُ استحساننا كلامه، وبجائزة تنفي دناءة المطل.\rومن كلام عمرو بن مسعدة: أعظمُ الناسِ أَجْراً، وأنْبَهُهم ذِكراً، من لم يرضَ بحياة العَدْلِ في دولته، وظهور الحجَّةِ في سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيته في حياته، حتى احتالَ في تخليدِ ذلك في الغابرين بعده، عنايةً بالدين، ورحمةً بالرَّعية، وكفايةً لهم من ذلك ما لو عنوا باستنباطه لكان يعرض أحد الأمرين، إمّا الإكداء عن إصابة الحقّ فيه لكثرة ما يعرض من الالتباس، وإما إصابةُ الرأي بعد طول الفكر، ومقاساةِ التجارب، واستغلاق كثير من الطرق إلى دَرَكه؛ وأسعد الرُعاةِ من دامت سعادةُ الحق في أيامه، وبَعْدَ وفاتِه وانقرَاضِه.\rفي إطالة الخطبة\rوقال رجل لسويد بن مَنْجُوف، وقد أطال الخطبة بكلام افتتحه لصلح بين قوم من العرب: يا هذا، أتيت مرعًى غَيْرَ مَرْعَاك، أفلا أدلُك عليه. قال: نعم. قال: قُلْ: أما بعد فإنّ في الصلح بقاءَ الآجال، وحفظ الأموال، والسلام. فلمِّا سمع القوم هذا الكلام تعانَقُوا وتواهبوا التّرات.\rمن أخبار الأمير أبي مسلم\rقال عبد الله بن مسعود: لما أُمِرَ أبو مسلم بمحاربة عبد الله بن علي، دخَلْتُ عليه فقلت: أيها الأمير، تريد عظيماً من الأمر؟، قال: وما هو؟ قلت: عمَّ أمير المؤمنين وهو شيخُ قومه، مع نَجْدَةٍ، وبأس، وحَزْم، وحسن سياسة. فقال لي: يا ابن شبرمة، أنت بحديثٍ تعلم معانيه، وشِعْرٍ توضح قوافيه، أَعلمُ منك بالحرب؛ إن هذه دولة قد اطردَتْ أعلامها، وامتدّت أيامها، فليس لمناوئها والطامِع فيها يدٌ تنيله شيئاً من الوثوب عليها، فإذا ولَّت أيامها فدَعِ الوزَغ بذَنَبه فيها.\rقال بعض حكماء خراسان: لما بلغني خروج أبي مسلم أتيتُ عَسْكَره لأنظر إلى تدبيره وهيبته، فأقمت فيه أياماً، فبلغني عنه شدة عُجْب، وكِبرٌ ظاهر، فظننت أنه تحلى بذلك لعيّ فيه أراد أن يَسْتُرَه بالصَمْتِ، فتوصَلت إليه بحديث أسمع كلامه، وأغيب عن بصره، فسلمت فردَّ ردّاً جميلاً، وأمر بإدخال قوم يريد تنفيذَهم في وجه من الوجوه، وقد عقدوا لرجل منهم لواءً، فنظر إليهم ساعة متأملاً لهم، وقال: افهموا عني وصيتي إياكم؟ فإنها أجْدَى عليكم من أكثر تدبيركم، وباللّه توفيقكم. قالوا: نعم أيها السالار، ومعناه السيد بالفارسية، فسمعْتُه يقول، ومترجم يحكي كلامه بالفارسية لمن عبَّر له منهم بالعربية: أَشعروا قلوبكم الجرأة فإنها سببُ الظَّفَر، وأكثروا ذِكرَ الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حُصْنُ المحارب، وعليكم بعصبيَّةِ الأشراف، ودَعُوا عصبية الدناءة؛ فإن الأشرافَ تظهر بأفعالها، والدناءة بأقْوَالها.\rوذكر إدريس بن معقل أبا مسلم فقال: بمثل أبي مسلم يُدرَك ثار، ويُنفى عار، ويُؤكد عَهْد، ويُبرم عقد، ويسهّل وَعر، ويُخَاض غَمر، ويُقلع ناب، ويُفتح باب.\rمن أخبار أبي جعفر المنصور\rوقال رجل لأبي جعفر المنصور: أيْنَ ما تُحُدِّثَ به في أيام بني أمية؟ إن الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلومين، ولم تعامل بالعدل في الرعية، وقسمة الفيء بالسويَّة، صار عاقبةُ أمرها بَوارأ، وحاقَ بِوُلاَتها سوءُ العذاب.\rقال: فتنفس ثم قال: قد كان ما تقولُ، ولكنا يا أخي استعجَلْنا الفانية على الباقية، وكأن قد انْقَضَتْ هذه الدار. فقال له الرجل: فانظرْ على أي حالة تنقضي.\rوقال أبو الدوانيق وكان فصيحاً بليغاً: عجباً لمن أَصار عِلمَه غَرَضاً لسِهَامِ الخطايا، وهو عارفٌ بسُرعَةِ المنايا، اللهمّ إن تقض للمسيئين صَفحاً فاجعلني منهم، وإن تَهَبْ للظالمين فسحاً فلا تحْرِمني ما يتطول به المولى على أَخس عبيده.\rمن أخبار الأحنف بن قيس\rسُئِل الأحنف بن قيس عن العقل؟ فقال: رأس الأشياءة فيه قوامُها، وبه تمامُها؛ لأنه سراجُ ما بَطَن، وملاك ما عَلَن، وسائس الجسَدِ، وزينة كل أحد، لا تستقيم الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه.","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"ولما خطب زياد خطبته المشهورة قام الأحنف بن قيس، فقال: الفرس بشَدِّه، والسيف بحده، والمرء بجدِّه، وقد بلغ بك جدّك ما أَرى، وإنما الثناءُ بعد البلاء، فإنا لا نُثْني حتى نَبْلُو.\rعهد الواثق بقلم ابن الزيات\rوكتب ابنُ الزيات عَهْدَ الواثق على مكة بحضرة المعتصم: إذا بعد، فإن أمير المؤمنين قد قلَّدك مكة وزمزم، تُرَاثَ أبيك الأقْدم، وجِدَّك الأكرم، وركْضَة جبريل، وسُقْيَا إسماعيل، وحَفْرَ عبد المطلب، وسِقَايةَ العباس، فعليك بتقوى الله تعالى، والتوسعة على أهل بيته.\rوكتب: لو لم يَكُنْ من فضل الشكر إلا أنك لا تراه إلا بين نعمة مقصورة عليه، وزيادة منتظرة له، ثم قال لمحمد بن رَباح: كيف ترى؟ قال: كأنهما قُرْطان بينهما وَجْه حسن، ومع ذلك ذكر ابن الزيات أمرَ الحرم بتعظيمٍ وتفخيم.\rألفاظ لأهل العصر في التهنئة بالحج\rوتفخيم أمر، الحرم و تعظيم، أمر المناسك والمشاعر، وما يتصل بها من الأدعية:\rقصدَ البيتَ العتيق، والمَطَاف الكريم، والملتَزم النبيه، والمستلَم النزيه. وقف بالمُعَرَّفِ العظيم، ووردَ زمزم والحَطِيم. حَرَمُ الله الذي أوسعه للناس كرامة، وجعله لهم مَثابة، وللخليل خُطة، وللذبيح خُلة، ولمحمد، صلى الله عليه وسلم، قِبْلَة، ولأُمّته كَعْبة، ودعا إليه حتى لبَّى من كل مكان سحيق، وأسرع نحوه من كل فجّ عميق، يعودُ عنه مَنْ وُفِّق وقد قُبلت توبتُه، وغُفرت حَوْبَته، وسَعِدت سفرته، وأنجحت أَوْبَتُه، وحُمِد سَعْيه، وزكا حجه، وتقبل عَجه وثَجه. انصرف مولاي عن الحجّ الذي انتضى له عَزَائمه، وأنضى فيه رَوَاحله، وأتعب نفسه بطلب راحتها، وأَنفق ذخائره بشراء سَعَة الجنّة وساحتها؛ فقد زَكَتْ، إن شاء الله تعالى، أفعاله وتُقبِّلت أعماله، وشكر سعيه، وبلغ هديه. قد أسقطْتَ عن ظَهْرِك الثقلَ العظيمَ، وشهدْتَ المَوْقِف الكريم، ومحصْتَ عن نفسك بالسّعْي من الفجّ العميق، إلى البيت العتيق. حمداً لمن سهّل عليك قضاء فريضة الحج، ورُؤْية المَشْعَر والمَقَام، وبركةَ الأدعية والموسم، وسعادةَ أفنية الحطيم وزمزم، قَصَد أكْرَمَ المقاصد، وشَهِدَ أشرفَ المشاهدة فورد مَشَارعَ الجنّة، وخيَّم بمنازل الرحمة. وقد جُمعت مواهب الله لديك: فالحجُّ أدَّيتَ فرضَه، وحَرَمُ الله وَطِئْتَ أرضَه، والمقام الكريم قُمْتَه، والحجر الأسود استَلَمْتَه، و زُرْتَ قبرَ النبي، صلى الله عليه وسلم، مشافهاً لمشهده، ومشاهداً لمسجده، ومباشراً باديه ومَحْضره، وماشياً بين قبره ومنبره، ومصلّياً عليه حيث صلّى، ومتقرباً إليه بالقرابة العظمى، وعدت وسَعْيُك مشكور، وذَنْبُك مغفور، وتجارتك رابحة، والبركات عليك غَادية ورائحة. تَلَقَّى الله دعاءك بالإجابة، واستغفارك بالرضا، وأملك بالنُجْح، وجعل سَعْيَك مشكوراً، وحجّك مبروراً. عَرَفَ الله تعالى مولاي مناهجَ ما نواه، وقَصَده وتوخاه، ما يسعده في دنياه، ويحمد عُقْبَاه.\rقَطَري بن الفُجَاءة\rقال أبو حاتم: أتيت أبا عبيدة ومعي شعر عُرْوة بن الورد، فقال لي: ما معك؟ قلت: شعر عروة، قال: شعر فقير، يحمله فقير، ليقرأه على فقير! قلت: ما معي شعرُ غيره؛ فأنشدني أنت ما شئت، فأنشدني: البسيط:\rيا رُبّ ظِل عُقابٍ قد وقَيْتُ بهِ ... مُهْرِي من الشمس والأبطالُ تَجْتَلِدُ\rوربَّ يوم حمًى أرْعَيْتُ عَقْوَتَهُ ... خَيْلي اقتساراً وأطرافُ القَنا قِصَدُ\rويوم لَهْو لأهل الخَفْضِ ظلّ بهِ ... لهْوي اصْطِلاء الوغى وَنَارُه تقدُ\rمُشَهّراً مَوْقِفي والحربُ كاشِفَةٌ ... عنها القناعَ وبَحْرُ الموت يطَّرِدُ\rوربَّ هَاجِرةٍ تَغْلي مراجِلُها ... مَخَرْتُها بمَطَايا غَارَةٍ تَخِدُ\rتَجتَابُ أوديةَ الأفزاع آمِنةً ... كأنها أسُد يصطادُها أَسد\rفإن أَمُتْ حَتفَ أنفي لا أمُتْ كمداً ... على الطعان وقَصْرُ العاجزِ الكَمَدُ\rولم أقل لم أُساقِ الموتَ شارِبَهُ ... في كأسه والمنايا شُرَّغ وُرُد\rثم قال: هذا والله هو الشعر، لا ما يتعلّلون به من أشعار المخانيث.","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"والشعْرُ لقَطَري بن الفجاءة المازني، وكان يُكْنَى في السلم أبا محمد، وفي الحرب أبا نَعَامةٍ، وكان أطولَ الخوارج أياماً، وأحدّهم شوكة، وكان شاعراً جواداً، وهو القائل أيضاً: الكامل:\rلا يركَنَنْ أحدٌ إلى الإحجامِ ... يوم الوغى متهيّباً لحِمامِ\rفلقد أراني للرماحِ دريئَة ... من عن يميني تارةً وأمامي\rحتى خضَبْتُ بما تحدّر من دمي ... أكنافَ سَرْجِي أو عِنَان لِجامي\rثم انصرفْتُ وقد أصبت ولم أصَب ... جَذَعَ البصيرة قارح الإقدامِ\rباب المديح\rوقال المُسَيب بن عَلَس: المتقارب:\rتبيتُ الملوكُ على عَتْبِها ... وشيبانُ إن غضبتْ تُعْتَبُ\rوكالشهد بالراح ألفاظُهمْ ... وأخلاقُهُمْ منهما أعذبُ\rوكالمِسْك تُرْبُ مقاماتهمْ ... وتربُ أصولهمْ أطيبُ\rوقال آخر: الكامل:\rاذكُرْ مجالسَ من بني أسد ... بَعُدُوا فحنَّ إليهمُ القَلْبُ\rالشرق منزلهُمْ، ومَنْزِلُنا ... غَزبُ، وأين الشرقُ والغربُ؟\rمن كل أبيضَ جُلُ زينتِه ... مسكٌ أحمُّ وصارمُ عَضْبُ\rومُدَجَجٌ يَسْعَى لغارتِه ... وعقيرة بفنائه تَخبُو\rآخر: الوافر:\rرأيتُكُمُ بقيّةَ آل حَرْبٍ ... وهَضْبَتها التي فَوْقَ الهِضَابِ\rتبُارون الرياحَ ندًى وجوداً ... وتمتثلون أفعالَ السحابِ\rيُذَكرُني مقامي اليومَ فيكُمْ ... مقاميَ أمْسِ في ظل الشبابِ\rمكاتبات\rبين سعيد بن عبد الملك وسعيد بن حميد\rكتب سعيد بن عبد الملك إلى سعيد بن حميد: أكره - أطال الله بقاءك! أن أضعَك ونفسي موضع العُذر والقبول، فيكون أحدُنا معذراً مقصراً، والآخر قابِلاً متفضِّلاً، ولكن أذكر ما في التلاقي من الحديد البرّ، وفي التخلُف من قلّة الصبر، وأسألُ الله تعالى أن يوفِّقك وإيانا لما يكونُ منه عقبى الشكر.\rفأجابه: وصل كتابُكَ - أكرمك الله تعالى! - الحاضرُ سرورُه، للطيف موقِعُه، الجميل صدوره ومَوْرِدُه، الشاهدُ ظاهره على صِدقِ باطنه، ونحن - أعزك الله - نجعل جزاءك حسن الاعتراف بفضلك، ومجاراتك التقصير دونك؛ ونرى أن لا عُذرَ في التخلف عنك، وإنْ حالت الأشغال بيننا وبينك. وإن كنتَ سامحتَ في العذر قبل الاعتذار، سَبَقْتَ إلى فضيلة الاغتفار، فلا زلت على كل خير دليلاً، وإليه داعياً، وبه آمراً؛ ولقد التقيْنا قبل وصولِ كتابك لقاءً أحدث وطراً، وهاج شَوقاً، وأرجو أن تتسع لنا الجمعة ما ضاقت به الأيام؛ فتنال حظاً من محادثتك والأنس بك.\rمكانة سعيد بن حميد\rولسعيد بن حميد حلاوة في منظومه ومنثوره، لكنه قليلُ الاختراع، كثير الإغارة على مَنْ سبقه. وكان يقال: لو رجع كلامُ كل أحد إلى صاحبه لبقي سعيد بن حميد ساكتاً.\rوفيه يقول أبو علي البصير: الخفيف:\rرَأسُ من يَدَّعي البلاغةَ منِّي ... ومن الناس، كلُّهُمْ في حِرِ أمِّهْ\rوأخونا ولست أكنى سعيد ب ... ن حميد تُؤَرخ الكُتْب باسمهْ\rهذا المعنى ينظرُ إلى قول منصور الفقيه وإن لم يكن منه: الطويل:\rتَضِيق به الدنيا فينهضُ هارباً ... إذا نحن قلْنا: خيرُنا الباذلُ السَّمْحُ\rفإن قيل: من هذا الشقيُّ؟ أقُلْ لهمْ ... على شَرْطِ كتمان الحديث: هو الفَتْحُ\rوكان سعيدٌ يَهْوَى فضل الشاعرة؛ فعزم مرة على سفر، فقالت له: البسيط:\rكذَبْتَنِي الوُدَّ أن صافَحْتَ مرتحلاً ... كف الفراقِ بكفِّ الصبرِ والجلَدِ\rلا تذكرنَ الهوى والشوقَ لو فُجِعَتْ ... بالشوق نفسُك لم تصبر على البُعُدِ\rوكان سعيد عند بعض إخوانه، فنهض منصرفاً وأَخذ بعضادَتَي الباب، وأنشأ يقول: الطويل:\rسلامٌ عليكُم، حالَتِ الكأسُ بيننا ... وولَّتْ بنا عن كل مرأًى ومَسْمَعِ\rفلم يبقَ إلا أَنْ يصافِحَني الكَرَى ... فيجمع سكراً بين جسْمي ومَضْجعي\rوقال سعيد: الطويل:\rأرَى ألسُنَ الشكوى إليك كليلةً ... وفيهن عن غير الثناء فتورُ","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"تقيمُ على العَتْبِ الذي ليس نافعاً ... وليس لها إلا إليك مَصِيرُ\rوما أنتَ إلا كالزمان تلوَّنَتْ ... نوائبُ من أحداثه وأمورُ\rفإن قلَّ إنْصَافُ الزمانِ وجُودُه ... فمن ذا على جَوْرِ الزمان يُجيرُ؟\rنبذ في السرقات الشعرية\rأما قوله:\rتقيمُ على العَتْبِ الذي ليس نافعاً\rفمن قول المؤمّل: البسيط:\rلا تغضبنَّ على قومٍ تحبّهمُ ... فليس منك عليهمْ ينفعُ الغَضَبُ\rيا جائرينَ علينا في حُكُومَتهمْ ... والجَوْرُ أقبحُ ما يُؤْتَى ويُرْتكَبُ\rلسنا إلى غيركُمْ منكُم نفرُّ إذا ... جُرتُمْ، ولكنْ إليكُمْ منكُمُ الهَرَبُ\rوأول من نبّه على هذا المعنى النابغةُ الذبيانيُّ في قوله للنعمان بن المنذر: الطويل:\rفإنكَ كالليلِ الذي هو مُدْرِكي ... وإن خِلْتُ أنَّ المنتَأَى عنك واسِعُ\rخَطَاطيفُ حُجْنٌ في حبالٍ متينةٍ ... تَمُدُّ بها أيدٍ إليكَ نَوازعُ\rسرقَه أشجع السُّلمي فقال لإدريس بن عبد الله بن الحسين بن علي، وقد بعث إليه الرشيد مَن اغْتَاله في المغرب: الكامل:\rأتظنُّ، يا إدريسُ، أنك مُفْلِتٌ ... كَيْدَ الخلافة أو يقيك حِذَارُ؟\rإنَّ السيوفَ إذا انتضاها عَزْمُه ... طالتْ، وتقصر دونها الأعمارُ\rهيهات إلا أن تَحُلَّ ببلدةٍ ... لا يهتدي فيها إليك نَهَارُ\rوقال سَلْم الخاسر يعتذر إلى المهدي البسيط:\rإني أعز بخيرِ الناس كلهمُ ... وأنت ذاك لما يأتي ويجتنبُ\rوأنتَ كالدهرِ مبثوثاً حبائِلُهُ ... والدهرُ لا مَلْجَأٌ منه ولا هرَبُ\rولو ملكتُ عِنانَ الريحِ أصرفهُ ... في كل ناحيةٍ ما فاتكَ الطَّلَبُ\rفليس إلا انتظاري منك عارِفةً ... فيها من الخوفِ مَنْجَاةٌ ومُنْقَلبُ\rوقول سلم:\rولو ملكت عِنَان الريح أصرفه\rكأنه من قول الفرزدق للحجاج: الطويل:\rولو حملَتْنِي الريحُ ثم طلَبَتْنِي ... لكنتُ كمودٍ أدركَتْهُ مقادِرُهْ\rوقول علي بن جبلة لحُميد الطوسي: الطويل:\rوما لامرئ حاوَلْتَه منك مهرَبٌ ... ولو رَفَعَتْهُ في السماء المَطَالِعُ\rأخذه البحتري فقال: الكامل:\rسُلِبُوا وأشرقتِ الدماءُ عليهمُ ... مُحْمَرّةً فكأنهمْ لم يُسْلَبوا\rفَلَوَ أنّهم ركبوا الكواكبَ لم يكن ... ليجيرَهُمْ من حَدِّ بَأْسِك مَهْرَبُ\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في نحو قول النابغة: الطويل:\rوإني وإن حدّثْتُ نفسي بأنني ... أفوتك إنّ الرأْيَ مني لعازبُ\rلأَنك لي مثلُ المكان المحيط بي ... من الأرض لولا استنهضتْني المذاهبُ\rوأمّا قول سعيد:\rوما أنت إلاّ كالزمان\rوالبيت الذي يليه، فكأنه ألمّ فيه بقول شَمعَل الثعلبي وإن لم يكن المعنى بنفسه: الطويل:\rأَمِنْ جَذْبَةٍ بالرجْل منّي تباشرتْ ... عُدَاتي، ولا عَتْبٌ عليَّ ولا هَجْرُ\rفإن أميرَ المؤمنين وفِعْلهُ ... لكالدهر، لا عارٌ بما صنَعَ الدهْرُ\rوقال رجل من طيئ وكان رجل منهم يقال له زيد من ولد عروة بن زيد الخيل قتلَ رجلاً اسمه زيد فأقاد منه السلطان، فقال الطائي يفتخر على الأسديين: الطويل:\rعلا زَيْدُنا يوم الحمى رَأْسَ زيدكُم ... بأَبْيَضَ مشحوذ الغِرار يَمَاني\rفإن تقتلوا زيداً بزيد فإنما ... أقادكم السلطان بَعْدَ زَمَانِ\rوقول الثعلبي مأخوذ من قول النابغة، وهو أَول من ابتكره: البسيط:\rوعَيَّرَتني بنو ذبيانَ خشيتَهُ ... وما عليَّ بأن أَخشاك مِنْ عارِ\rومن جيد شعر سعيد بن حميد: الطويل:\rأهابُ وأستَحْيِي وارقُب وَعدَهُ ... فلا هو يَبدَاني ولا أنا أَسأَلُ\rهو الشمسُ مَجرَاها بعيدٌ وضوءُها ... قريبٌ، وقلبي بالبعيد موكَّلُ\rوهذا المعنى وإن كان كثيراً مشهوراً فما يكادُ يدانَى في الإحسان فيه.","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"وقد قال أبو عيينة: الطويل:\rغزَتْنِي جيوشُ الحبِّ من كلِّ جانب ... إذا حان من جُنْدٍ قفولٌ غَزَا جُنْدُ\rأقول لأصحابي: هِيَ الشمسُ، ضوءُها ... قريبٌ، ولكنْ في تناولها بُعدُ\rوقال العباس بن الأحنف: المتقارب:\rهي الشمسُ مسْكَنُها في السماء ... فعَزَّ الفؤَاد عَزَاءً جَمِيلاَ\rفلَن تستطيع إليها الصعودَ ... ولنْ تستطيعَ إليكَ النزُولا\rوقال البحتري: الوافر:\rدَنَوْتَ تواضُعاً وعَلَوتَ قَدراً ... فشَأناكَ انحدارٌ وارتفاعُ\rكذاك الشمسُ تَبعُد أن تدانى ... ويَدْنُو الضوءُ منها والشعاع\rوقال ابن الرومي: الكامل:\rوذَخَزتُه للدهر أعْلمُ أنه ... كالدهر فيه لمن يؤول مَآلُ\rورأيتُه كالشمس إن هي لم تُنَلْ ... فالنُّور منها والضياءُ يُنالُ\rوقال المتنبي: البسيط:\rبيضاءُ تُطْمِعُ فيما تحت حُلّتِها ... وعَزََّ ذلك مطلوباً لمن طلبَا\rكأنها الشمسُ يُعْيِي كَفَّ قَابِضِها ... شُعاعها وتَرَاه العينُ مقتربا\rوقال سعيد بن حميد، ويروى لفَضْل الشاعرة: المنسرح:\rما كنتُ أيام كنتِ راضيةً ... عنّي بذاك الرضا بمغتَبِطِ\rعلماً بأنّ الرضا سيَتْبَعُهُ ... منك التجني وكثرةُ السَّخَطِ\rفكل ما ساءني فعَنْ خُلُقٍ ... منك وما سرَّني فعَنْ غَلطِ\rوفي هذا المعنى يقول أبو العباس الهاشمي من ولد عبد الصمد بن علي، ويُعْرَف بأبي الْعِبَرِ: البسيط:\rأبْكِي إذا غَضِبَتْ، حتى إذا رَضِيَتْ ... بكيتُ عند الرضا خوفاً من الغضبِ\rفالموت إن غَضِبَتْ، والموتُ إن رَضِيَتْ ... إن لم يُرِحْنِي سلوٌّ عشْتُ في تَعَبِ\rوقال العباس بن الأحنف: الطويل:\rإذا رَضِيَتْ لم يَهْنِنِي ذلِكَ الرّضا ... لصحة عِلْمي أن سيتبعه عَتْبُ\rوأبكي إذا ما أذْنَبَتْ خوف عَتْبِها ... فأسألها مرضاتها ولها الذَّنْبُ\rوصالُكُمْ هَجْرٌ، وقُرْبُكُمُ قِلًى ... وعطفكُمُ صدٌّ وسَلْمُكُمُ حَرْبُ\rوأنتمْ بحمد الله فيكُمْ فظاظةٌ ... وكلّ ذَلُولٍ من أموركمْ صَعْبُ\rوقال: المنسرح:\rقد كنتُ أبكي وأنتِ راضيةٌ ... حِذَارَ هذا الصدودِ والغَضَبِ\rإن تمّ ذا الهجرُ يا ظَلومُ ولا ... تمّ فما لي في العيش من أرَبِ\rوما أحسن قول القائل: الوافر:\rوما في الأرض أشقى من محبّ ... وإن وجد الهوى حُلوَ المذاقِ\rتراهُ باكياً في كلِّ حينٍ ... مخافةَ فُرْقَةٍ أو لاِشتياق\rفيبكي إن نَأَوْا حذراً عليهم ... ويَبكي إن دَنَوْا خوفَ الفِرَاق\rوتَسْخَنُ عينه عند التنائي ... وتَسْخَن عينه عند التلاقِ\rمن كتاب الله تعالى\rوقال سعيد بن حميد: إذا نزعْتُ في كتابي بآية من كتاب الله تعالى أنرت إظلامه، وزَيَّنتُ أحكامه، وأعذبتُ كلامَه.\rأمثال للعرب والعجم والعامة\rوما يماثلها من كتاب الله تعالى:\rممّا هو أجلّ منها وأعلى، أخرجها أبو منصور عبد الملك الثعالبي.\rقال عليّ رضي الله تعالى عنه: القتْل أنفى للقتل، وفي القرآن: \" وَلكمُ في القصَاصِ حَيَاة يا أُولي الألْبَابِ \" .\rوالعربُ تقول لمن يعيّر غيره بما هو فيه: \" عَيَّرَ بُجَيْر بُجَرَهُ ونَسي بُجَيْرٌ خَبَرَه \" ، وفي القرآن \" وَضَرَبَ لنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ \" .\rوفي معاودة العقوبة عند معاوَدَة الذنب: إن عَادت العَقْرَبُ عُدْنا لها، وفي القرآن: \" وإنْ عُدْتُم عُدْنا \" . \" وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ \" .\rوفي ذَوْق الجاني وبالَ أمره: \" يَدَاك أوْكَتَا، وَفوكَ نَفخ \" . وفي القران: \" ذلك بما قدَّمَتْ يَدَاكَ \" .\rوفي قُرْبِ الغد من اليوم قول الشاعر: الوافر:\rوإن غداً لِنَاظرِه قَرِيب\rوفي القران: \" ألَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ \" .\rوفي ظهور الأمر: قد وضح الأمر لذي عَيْنَين، وفي القرآن: \" الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ \" .","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"وفي الإساءة إلى من لا يقبل الإحسان: \" أَعطِ أخاك تَمْرَةً، فإنْ أبَى فَجَمْرَةً \" .\rوفي القرآن: \" ومَنْ يَعْشُ عنْ ذِكرِ الرَّحمنِ نُقَيّضْ لهُ شيطاناً فَهُوَ لهُ قَرِينٌ \" .\rوفي فَوْت الأمر: \" سَبَقَ السَّيْفُ العَذَل \" ، وفي القرآن العظيم: \" قُضِيَ الأَمْرُ الذي فيه تَسْتَفْتِيَانِ \" .\rوفي الوصول إلى المراد ببَذْلِ الرغائب: \" مَنْ يَنْكَحِ الحَسناءَ يُعْطِ مَهْرَها \" ، وفي القرآن: \" لَنْ تنَالُوا البِرَّ حتى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحبُّونَ \" .\rوفي منع الرجل مُرَاده: الطويل: وَقَدْ حِيلَ بين العَيْرِ والنَّزوَانِ وفي القرآن: \" وَحِيلَ بَيْنَهُم وبَيْنَ ما يَشْتَهونَ \" .\rوفي تَلاَفي الإساءة: \" عادَ غَيْثٌ على ما أَفْسَدَ \" ، وفي القرآن: \" ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَى عَفَوْا \" .\rوفي الاختصاص: \" كل مقام بمقال \" ، وفي القرآن: \" لِكُلِّ نَبإٍ مُسْتَقَرٌّ \" .\rالعجم: \" من احترق كُدَسه تمنّى إحراق أكداس الناس \" ، وفي القرآن: \" وَدُّوْا لوْ تكْفُرُونَ كما كَفَرُوا فتَكُونُونَ سَوَاءً \" .\rالعامة: \" مَنْ حفر لأخيه بئراً وَقَعَ فيها \" ، وفي القرآن: \" ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأهْلِهِ \" .\rومن الشعر: السريع:\rكل امرئ يشبهُهُ فِعْلُهُ ... ما يفعل المرء فهو أهله\rوفي القرآن: \" قُلْ كُلٌ يَعْمَلُ علَى شَاكِلَتِهٍ \" .\rالعامة: \" كُلِ البقلَ ولا تسأل عن المَبْقَلَة \" .\rوفي القرآن: \" لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ \" .\rشعر: الرجز:\rكم مرةً حَفَّتْ بك المَكَارِهْ ... خَارَ لكَ الله وأَنْتَ كارِهْ؟\rوفي القران: \" فَعَسى أَنْ تكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ الله فيه خَيْراً كَثيراً \" العامة: \" المأمول خيرٌ من المأكول \" ، وفي القرآن: \" وللآخِرَةُ خيرٌ لك مِنَ الأُولَى \" العامة: \" لو كان في اليوم خيرٌ ما سلّم علي الصيّاد، وفي القرآن: \" ولو عَلِمَ الله فيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُم \" . المتنبي: الطويل:\rمصائِبُ قوم عند قوم فَوَائد\rوفي القرآن: \" وإنْ تُصِبكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بهَا \" عند الخنازير تنفُق العذرة، وفي القرآن: \" الْخَبِيثَاتُ لِلخَبِيثينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ \" العجم: \" لم يردِ الله بالنملة صلاحاً إذا أَنبت لها جناحاً \" ، وفي القرآن: \" حتى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً \" .\rالعامة: الكلب لا يَصِيد كارهاً، وفي القرآن: \" لا إكْرَاهَ في الدِّينِ \" . العجم: \" كل شاة تُناط برجلها \" وفي القرآن: \" كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ \" .\rجملة من مكاتبات بعض أهل العصر\rأبو القاسم محمد بن علي الإسكافي عن الأمير نوح بن نصر وعن ابنه عبد الملك لأبي طاهر وشمكير بن زياد يَشْكرُه على حَمِيد سيرته:","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"مَنْ حمدناه - أَعَزَّكَ الله تعالى - من أعيان المِلَّةِ الذين بهم افتِخَارُها، وأعوانِ الدولة الذين بهم استظهارُها، بخلَّة ينزع فيها من خلالِ الفَضْل، وخصْلَة يكمل بها من خصال العَدْل. وإنّك - أعزك الله! - من نحمده بالارتقاء في درَج الفضائل، والاستواء في كل الشواكل؛ فإنه ليس من مَحْمَدة إلا وسهمُك فيها فائز، ولا من شدة إلا ومَهْلُك فيها بارز، وذلك - أعزّك الله تعالى! - أمرٌ قد أغنى صِدْقُ خبره عن العِيَان، وكفى بيان أثره تكلّف الامتحان، ولو أعطينا النفوسَ مُنَاها، وسوَّغناها هَواهَا، لأوردنا عليك في ذرور كلِّ شارقٍ جديدَ شُكْر، وجدّدنا لك مع اعتراض كل خاطر جميلَ ذِكر، لكنا للعادة في تَرْكِ الهوى، والثقة بأنك مع صالح آدابك تحلّ الأدنى من الإحماد محل الأوفى، فيُقضى لك بأنه - وإن عظم قدرُه - يسير العدد، وعلى ما هو - وإن تناهى لفظُه - باقي الفَخْر مدى الأبد، وكان ممّا اقتضانا الآن تناولك به أخبارٌ تواترت، وأقوال تظاهرت، بإطباق سكان الحَضْرة ونيسابور من أهل عملك على شُكْرِ ما يتزيد لهم وفيهم من موادّ عدلك، وحسن فَضْلك، حتى لقد ظلوا ولهم في شكر ذلك محافل تُعْقَد، ومشاهد تشْهد، يعجب بها السامعُ والرائي، ويقترنُ بها المؤمنُ والداعي؛ فإن هذا - أعزَك الله - حال يطيب مَسْمَعه، ويلذ موقعه، حتى لقد ملأ القلوبَ بَهجاً، والصدور ثلجاً، حتى استفزَّها فَرْطُ الارتياح، وصِدْق الانشراح، إلى هذا الكتاب أن أعجلْناه، وهذا الشكر أن أجزلْناه. بعد ذكرٍ لك اتصل كل الاتصال، وأجمل كلّ الإجمال، وتضاعف به حظك من الرأي أضعافاً، وأشرف محلك على كل المحال إشرافاً، ونحن نهنيك - أعزّك الله - على التوفيق الذي قسمَه الله لك، والتيسير الذي وكلَه بك، ونبعثك على استدامتها بصالح النيّة، وبصادق البغية، لتدنُوَ من العدل على ما ترعى، وتحسن الهَدْي فيما تتولى. فرأيك أبقاك الله تعالى في إحلال ذلك محله من استبشار به تستكمله، واستثمار له تعجّله إن شاء الله تعالى.\rوكتب إليه يعزّيه: إن أَحقَّ من سلَّم لأمر الله تعالى ورضي بقَدَرهِ، حتى يُمَحّضَ مصطنعاً، ويَخلصَ مُصْطَبراً، وحتى يكون بحيث أمر الله من الشكر إذا وَهب، والرضا إذا سَلب، أنت أعزّك الله تعالى؛ لمحلّك من الشكر والحِجَا، وحظك من الصبر والنُّهى، ثم لمَا ترجعُ إليه من ثبات الجَنان عند النَازِلة، وقوة الأركان لعزّ الدولة الفاضلة، فإنَ لك فيها وفي سَهْمِك الفائز، ومَهَلِك البارز، عِوَضاً عن كلّ مَرْزوء، ودَرَكاً لكلّ مَرْجُوّ، ونسأل لله أن يجعلك من الشاكرين لِفَضْله إذا أبلى، والصابرين لحكمه إذا ابتَلى، وأن يجعل لك لا بِكَ التعزية، ويقيك في نفسك وفي ذَويك الرزيّة، بمنّه وقدرته.\rوله إليه: ترامى إلينا خَبَرُ مصابك بفلان؛ فخلص إلينا من الاغتمام به ما يحصل في مثله ممّن أطاع ووَفى، وخدم ووالى، وعلمنا أن لفقدك مثله لَوْعةَ، وللمصاب به لَذعة؛ فآثرنا كتابنا هذا إليك في تعزيتك، على يقيننا بأن عقلك يُغْنِي عن عِظتِك، ويهدي إلى الأوْلَى بشيمتك، والأزيد في رُتْبتك؟ فَليَحسُنْ - أعزك الله - صبرُكَ على ما أخذه منك، وشكْرُك على ما أبقى لك، وليتمكّن في نفسك ما وفّر لك من ثوابِ الصابرين، وأجزل من ذخَر المحسنين، وليَرِدْ كِتابك بما ألهمك الله تعالى من عزاء، وأبلاَكه من جميل بَلاء، إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"وله إليه جواب: وصل كتابك - أعزك الله تعالى - مفتتَحاً بالتعزية عن فلان، وبوَصْفِ توجّعك للمصيبة، ونحن نحمدُ الله تعالى الذي يُنْعِم فضلاً، ويَحْكُم عَدْلاً، ويَهَبُ إحساناً، ويسلب امتحاناً، على مَجَاري قضيّته كيف حَرَتْ آخذة ومعطية، ومَوَاقع مشيئته كيف مضت سارّة ومسيئة، حَمْدَ عالمين أن لا حكم إلا له، ولا حولَ إلا به، ومستمسكين بما أمر به عند المساءة من الصبر، والمسرّة من الشكر، راجين ما أعدّه الله من الثواب للصابرين، والمزيد للشاكرين. وما توفيقنا إلا باللّه عليه نتوكل وإليه ننيب، وأما وَحْشَتُك - أعزّك الله - للحادث على الماضي، عفا الله عنه، فمثلُك من ذَوي الصفاء والوفاء اختصّ بذلك واهتتم له، وعرف مثلَه فاغتنمَ به؛ فإن الطاعة نسب بين أوليائها، والنعمة سبب بين أبنائها، فلا عجَب أنْ يمسك في هذا العارض ما يمسُّ أولى المشاركة، ويخصّك من الاهتمام ما خصّ ذوي المشابَكة.\rوله إليه أيضاً في أمر غزاة: ورد خَبَرُك، أكرمَك الله تعالى، بنفوذك لوجهك فيمن جمعهم الله تعالى للسَّعْي في سبيله إلى جملتك؛ فأمَّلنَا أن يكون ذلك موصولاً بأعظَم الخيرة، مؤدياً إلى أحسن المغبّة، إلا أنَّا أحسسنا من الغُزَاة الذين بهم تعْتضد، وإياهم تستنجد، فتُورَ نيَّات، وفساد طَوِيَّات، وهذا كما علمت بابٌ عظيم يجبُ الاطلاع بالفكر والرأي عليه، والاحتراس بالجدّ والجهد من الخَطَل فيه. فسبيلُك أن تتأمَل أمرك بعين استقصاء العَوْرَةِ، واستدراك الآخرة، فإن أنْتَ وجدت في عدتك تمامَ القدرة، وفي عُدّتك مقدار الكفاية، ولم تَجِدْ نيّات أولئك الغُزَاة مَدْخُولة، ولا عُرَاهم مَحْلُولة، استخرت الله تعالى في المسير بكلّ ما تقدرُ عليه من الحَزْمِ في أمرك، ثم إن تكن الأخْرى، وكان القوم على ما ذكرت من كَلال البصائر، وضَعْفِ المرائر، عملت على التلوّم لحديثٍ يحدّثك به كِتَابُنَا هذا إن اجتليت ما ذكرته، وإن لم تبلغ بلاغة ما اخترته، فاعتلق بذَيْله.\rمن إنشاء بديع الزمان\rوهذه المقامة من إنشاء البديع، قال عيسى بن هشام: غزَوْت الثغر بقَزْوِين سنة خمس وسبعين، فما اجتزنا حَزْناً، إلا هبطنا بَطنا، حتى وقف بنا المسيرُ على بعض قُرَاها، فقالت الهاجِرة بنا إلى ظِل أثلاَثٍ في حِجْرها عينٌ كلسانِ الشمْعَة، أصفى من الدمعة، تسيح في الرَّضْرَاض، سيح النَضْنَاض؛ فَنِلنا من المَأكْل ما نلْنا، ثم ملْنا إلى الظل فقلْنَا؛ فما مَلكَنا النومُ حتى سمِعْنَا صوتاً أنكرَ من صوتِ الحمار، ورَجْعاً أضعَفَ من رجْع الحُوارِ، يَشْفَعُهما صَوْتُ طَبْل كأنه خارج من ماضِغَيْ أَسد؛ فذَادَ عن القوم رَائد النوم، وفتحت العيون إليه وقد حالت الأشجار دونه، وأصغيتُ فإذا هو يقول على إيقاع صوت الطبل: السريع:\rأَدعو إلى الله فهل من مُجيبْ ... إلى ذَرًى رَحْبٍ وعَيْشِ خصيبْ\rوجنَة عاليةٍ ما تَنِي ... قطوفُها دانية ما تَغيبْ؟\rيا قومُ، إني رجلٌ ثائبٌ ... من بَلدِ الكُفْر وأمري عَجِيبْ\rإنْ أكُ آمَنْتُ فكم ليلةٍ ... جَحَدْتُ فيه وعَبَدْت الصَلِيبْ\rيا ربَّ خِنزير تمشَئْتُهُ ... ومُسْكر أحرَزْتُ منه النَّصيبْ\rثم هداني الله، وانتاشَنِي ... من زَلَةِ الكُفر اجتهادُ المُصيبْ\rفظَلْت أُخْفي الدِّين في أُسْرتي ... وأَعبدُ الله بقَلب مُنِيب\rأَسْجُدُ لِلآَتِ حِذَار العِدَى ... ولا أجي الكعبة خَوْفَ الرقيبْ\rوأسألُ الله إذا جَنَّني ... لَيْلي وأضْنَانيَ يومٌ عَصِيبْ\rرَبِّ كما أنك أنقذتني ... فنجِّني؛ إنيَ فيهم غريب\rثم اتَّخَذْتُ الليلَ لي مركباً ... وما سِوَى العزم أمامي نَجِيب\rوَقَدْكَ مِنْ سيريَ في ليلةٍ ... يكادُ رأسُ الطفل فيها يَشِيبْ\rحتى إذا جُزْت بحر العمى ... إلى حمى الدين نفضت الوَجِيبْ\rوقلت إذ لاح شِعارُ الهدى ... نَصْوٌ من الله وفَتْحٌ قريب","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"ولما بلغ هذا البيت قال: يا قوم، وطِئْت والله بلادكم بِقَلْب لا العِشْق شاقَه، ولا الفَقْرُ ساقَه، وقد تركت وراء ظَهْرِي حدائقَ وأعناباً، وكواعب أتراباً، وخيلاً مُسَوَّمَة، وقناطير مُقَنْطَرة، وعُدَّةً وعديداً، ومراكبَ وعَبيداً، وخرجتُ خروجَ الحثة من جُحْره، وبرزتُ بروزَ الطائر من وَكْره، مُؤْثِراً ديني على دُنْياي، وجامعاً يُمْنَاي إلى يُسراي، واصلاً سيْري بِسُراي، فلو رفعتم النار بشررها، ورميتم الروم بحجرها، وأعنتموني على غَزْوِها مساعدة وإسعاداً، ومرافدة وإرفاداً، ولا شطَطَ، فكل قادر على قُدْرَته، وحَسب ثَرْوَته. ولا أستكثر البَدْرَة، ولا أردّ التمرة، وأقبل الذّرة، ولكل مني سهمان، سَهمٌ أُذلِّقه لِلِّقاء، ؤسهمٌ أفوقه بالدعاء، وأرشُق به أبواب السماء، عن قَوْس الظلماء.\rقال عيسى بن هشام: فاستفزّني رائعُ ألفاظه، وسرَوْتُ جِلْباب النوم، وعدوت إلى القوم، وإذا والله شيخُنَا أبو الفتح الإسكندري، بسيفٍ قد شَهره، وزي قد نكره؛ فلما رآني غَمزني بعينه وقال: رحم الله امرأً أحسن حَدْسه؛ وملك نَفْسه، وأغنانا بفاضل قَوْله، وقسم لنا من نَيله! ثم أخَذ ما أخذ، فقمتُ إليه فقلت: أنت من أولاد بنات الروم؟ فقال: مجزوء الخفيف:\rأنا حَالي مع الزما ... ن كحالي مع النسَبْ\rنسَبي في يَدِ الزما ... ن إذا سامه انقلَبْ\rأنا أُمسي من النبي ... ط وأضْحِي من العَرَبْ\rمن أخبار سليمان بن عبد الملك\rقال سليمانُ بن عبد الملك: ما سألني أحدٌ قط مسألة يثقلُ علي قضاؤها، ولا يخفُّ عليّ أداؤها، بلفظٍ حسنٍ يجمعُ له القلب فهمَه إلا قضيتُها، وإن كانت العزيمة نفذت في منعه، وكان الصواب مستقراً في دفعه، ضناً بالصواب أن يردّ سائله، أو يحرم نائله.\rمن أخبار النعمان بن المنذر\rوالحارث الغساني\rوقال أبو عبيدة: كان أبو قيس بن رِفاعة يَفِد سنةً إلى النعمان بن المنذر اللخمي وسنة إلى الحارث بن أبي شَمِر الغَشَاني، فقال له الحارث يوماً وهو عنده: يا ابن رفاعة، بلغني أنك تفضل النعمان عليَّ! قال: كيف أفضّلُه عليك، أبيتَ اللعنَ؟ فوالله لَقَفَاكَ أحسَنُ من وَجْهه، ولأمك أشرفُ من أبيه، ولآباؤك أشرف من جميع قومه، ولأَمسُك أفضل من يومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحِرمانك أنفع من بَذْلِهِ، ولَقلِيلُكَ أكثر من كثيره، ولثِمادُك أغزرُ من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجدْوَلُكَ أغمر من بحوره، وليومُك أفضل من شَهْرِه، ولشهرُك أشرف من حَوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زَنْدِه، ولجندك أعز من جنده، ولهزلُك أصوب من جده، وإنك لَمِنْ غسَّان أرباب الملوك، وإنه لمن لَخْمٍ كثيري النوكِ! فعَلاَمَ أفضلُه عليك؟ وقد روى مثل هذا الكلام للنابغة الذبياني مع النعمان بن المنذر.\rمن أخبار المهدي\rوقال المفضل الضبي: دخلت على المهدي فقال قبل أن أجلس: أنشدني أربعة أبيات لا تزد عليهنّ، وعنده عبد الله بن مالك الخزاعي، فأنشدته: الطويل:\rوأشعثَ قد قَدَّ السّفَارُ قميصه ... يجرّ شواءً بالعصا غير مُنْضَج\rدعوتُ إلى ما نابني وأجابني ... كريمٌ من الفتيان غيرمزَلَّجِ\rفتى يملأ الشّيزَى ويرْوِي سنانَه ... ويضرب في رأس الكميّ المدجَّج\rفتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوتِ الحيّ بالمتولج\rفقال المهدي: هذا هو، وأشار إلى عبد الله بن مالك، فلمّا انصرفتُ بعثَ إليَّ بألف دينار، وبعثَ إلى عبد الله.بأربعة آلاف.\rمن أخبار أبو الأسود الدؤلي\rتنازع أبو الأسود الدؤلي وامرأته إلى زيادٍ في ابنهما؟ وأراد أبو الأسود أخْذَهُ منها فأبَت وقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وعاؤُه، وحجري فناؤه، وثديي سقاؤه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام؛ فلم أزل بذلك سبعة أعوام، فلمّا استوفى فصالُه، وكملت خصالُه، واستوكعَت أوصالُه، وأمَّلْتُ نفعَه، ورجوت عَطْفَه، أراد أن يأخذه مني كَرهاً، فآدِني أيها الأمير، فقد أراد قهري، وحاول قَسْرِي.","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"فقال أبو الأسود: هذا ابني حملتُه قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في تقويم أوَدِه، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستكمل فتلُه.\rفقالت المرأة: صدق أصلحك الله؛ حمله خِفّاً، وحملته ثِقْلاً، ووضَعه شهوة، ووضعتُه كرهاً.\rفقال زياد: اردُدْ على المرأة ولدَها؛ فهي أحق به منك، ودعني من سَجْعك.\rفي باب الوعظ\rقال الأصمعي: بلغني أنّ بعض الحكماء كان يقولُ: إني لأعظكم، وإني لكثيرُ الذنوب، مسرفٌ على نفسي، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه في طاعة اللّه. وقد بلوتها فلم أجد لها شكراً في الرضاء، ولا صبراً على البَلْوَى. ولو أن أحداً لا يعظ أخاه حتى يحكم أمرَه لترك الأمر؟... ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكيرٌ من النسيان، واعلموا أنّ الدنيا سرورُها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوماً لا يستكملُه، ومنتظر غداً لا يبلغه؟ ولو تنظرون الأجل ومسيره لأبغضتُّم الأمل وغرورَه.\rجمع عبد الملك أهله وولده فقال: يا بني أميّة، ابذُلوا نَدَاكم، وكفوا أذاكم، وأجملوا إذا طلبتم، واغفروا إذا قدرتم، ولا تُلْحِفُوا إذا سألتم، ولا تبخلوا إذا سُئلتم؛ فإن العفو بعد القدرة، والثناء بعد الخبرة، وخير المال ما أفاد حمداً ونَفَى دمّاً.\rمن أخبار هشام بن عبد الملك\rودخل سعيد الجعفري على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أصفك بصفتك، فإن انحرف كلامي فلهيبة الإمام، واجتماعِ الأقوام، وتصرّف الأعوام، ولربّ جوادٍ عثر في أرسانه، وكبا في ميدانه، ورحم الله امرأ قصَّر من لفظه، وألصق الأرض بلحظه، ووعى قولي بحفظه، فخاف هشام أن يتكلّم فيقصّر عن جائزة مثله، فعزم عليه فسكت.\rبين حاتم الطائي وعبد قيس البرجمي\rقال عبد قيس بن خُفاف البُرْجُميُ لحاتم الطائي وقد وفَد عليه في دماء تحمّلها وعجز عن البعض: إنه وقعت بيني وبين قومي دماد فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأملي، فقدَّمت مالي، وكُنْتَ أملي، فإن تحملها فرُبّ حق قضيتَه، وهمٍّ قد كفيتَه، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمُم يومك، ولم أيأس من غدك.\rبين الحمدوني وابن حرب\rقال أبو علي العتابي: حدّثني الحمدوني قال: بعث إليّ أحمد بن حَرْب المهلبي في غداةٍ، السماءُ فيها مُغيمَة، فأتيته والمائدةُ موضوعةٌ مُغَطّاة؟ وقد وافَتْ عُجاب المغنية، فأكلْنَا جميعاً، وجلسنا على شرابنا، فما راعنا إلا داقٌّ يدقّ الباب، فأتاه الغلام فقال: بالباب فلان؛ فقال لي: هو فتًى من آل المهلب، ظريف، نظيف، فقلت: ما نريد غير ما نحن فيه، فأذِن له، فجاءَ يتبختر وقُدامي قَدَحُ شراب فكسره، فإذا رَجلٌ آدَمُ ضَخْم، قال: وتكلم فإذا هو أعيا الناس، فجلس بيني وبين عُجاب، قال: فدعوت بدَواة وكتبت إلى أحمد بن حرب: الخفيف:\rكدّر الله عيشَ من كدر العَي ... شَ! فقد كان صافياً مُستَطَابا\rجاءنا والسماءُ تهطل بالغَي ... ث وقد طابقَ السماعُ الشرابا\rكسر الكاسَ وهْي كالكوكب الدرْ ... رِيّ ضمَّت من المدَام رُضَابا\rقلت لما رُمِيتُ منه بما أك ... ره والدهرُ ما أفَاد أصابا\rعجَّل الله نقمةً لابن حربٍ ... تدعُ الدارَ بعد شهرٍ خرابا\rودفعتُ الرقعة إلى أحمد، فقال: ويحك إلا نفسْتَ فقلتَ بعد حول؟ فقلت: أردت أقول بعد يوم، فخفت أن تصيبني مضرّة ذلك، وفطن الثقيل فنهض، فقال: آذيتَه! فقلت: هو آذاني.\rوقال الحمدوني في طيلسان ابن حرب: الطويل:\rولي طيلسانٌ إن تأمّلت شخصَهُ ... تيقنْتُ أن الدهر يَفْنَى وينقرضْ\rتصدَّعَ حتى قد أَمِنْت انصداعَهُ ... وأَظهرتِ الأيامُ من عمره الغَرَضْ\rكأني لإشفاقي عليه ممرَّضٌ ... أخَا سَقَم مما تَمادَى به المرَضْ\rفلو أنَّ أصحابَ الكلام يَرَونه ... لَمَارَوْك فيه وادَّعَوا أنه عرَضْ\rوقال فيه: البسيط:\rلطيلسان ابن حرب نعمة سبقَتْ ... بها تبينَ فضلي فهو متصِلُ\rقد كنتُ دهراً جهولاً ثم حنّنَنِي ... عليه خوفي من الأقوام إن جهلُوا","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"أظل أجتنب الإخوانَ من حذر ... كأنما بيَ جرحٌ ليس يندملُ\rيا طيلساناً إذا الألحاظ جُلْنَ به ... فَعَلْنَ فِعْلَ سهام فيه تنتضِلُ\rلئن بليتَ فكم أبليتَ من أمم ... تَتْرَى أبادتهمُ أيامُك الأولُ\r؟وكم رآك أخ لي ثم أنشدني: ودّع هريرة إن الركب مرتحلُ وقال فيه: الخفيف:\rيا ابْنَ حربٍ كَسَوْتَنِي طيلساناً ... أَمْرَضتْه الأوجاعُ فَهْوَ سقيمُ\rفإذا ما لبسْتُهُ قلتُ: سُبْحا ... نَك مُحْيِي العظام وهي رَمِيمُ\rطيلسانٌ له إذا هَبَّتِ الري ... حُ عليك بمنكبيَّ هَمِيمُ\rأذكرتْنِي بيتاً لحسانَ فيهِ ... حُرَقٌ للفؤاد حين أقوم\rلو يَدِبُّ الحوليُّ من ولد الذَّرْ ... رِ عليها لأَندَبَتْها الكُلُومُ\rوقال أيضاً: السريع:\rيا قاتَلَ الله ابنَ حرب لقد ... أَطال إتعابي على عَمْدِ\rبطيلسانٍ خِلْتُ أنّ البلى ... يطلبه بالوِتْر والحِقْدِ\rأجدُّ في رَفْوِي له، والبِلَى ... يلهو به في الهَزْلِ والجِدِّ\rذكَرني الجنة لمّا غَدَا ... أصحابُها منها على حَرْدِ\rإن أتهَمَ الرّفَّاء في رفوه ... مضَى به التمزيقُ في نَجدِ\rغنيْته لما مضى رَاحلاً: ... يا واحدِي تتركني وحدي!\rوقال أيضاً فيه: المجتث:\rإنَّ ابنَ حرب كساني ... ثوباً يُطيل انحرافَهْ\rأظل أدفعُ عنه ... وأتَّقي كل آفَه\rفقد تَعَلَمْتُ من خَش ... يتي عليه الثقافَه\rوقال أيضاً: الخفيف:\rطيلسانٌ ما زال أقدم في الده ... ر من الدهر ما لِرَفْويهِ حِيلَهْ\rوترى ضَعفه كضعف عجوز ... رَثّةِ الحال ذات فَقْرٍ مُعِيلَهْ\rغمرتْهُ الرفاع فهو كمِصْرٍ ... سكنته نُزَّاع كلِّ قبيلَهْ\rإنْ أزينْهُ يا ابن حرب بذمي ... فجرير قد زانَ قبلي بَجِيلَهْ\rجرير: ابن عبد الله البجلي، وله صحبة رضي الله عنه وقد قال غسان في هجائه جريراً: الطويل:\rلعمري لئن كانت بجيلةُ زَانَها ... جريرٌ لقد أخزى كُلَيْباً جريرُها\rوقال الحمدوني في معناه الأول: الخفيف:\rيا ابْنَ حرب إني أرى في زوايا ... بيتنا مثل ما كسوتَ جماعَهْ\rطيلسانٌ رَفَوْتُهُ ورفوت الرفْوَ منه حتى رَفَوْتُ رِقَاعَهْ\rفأَطاع البِلى وصار خليعاً ... ليس يعطي الرّفاءَ في الرفو طاعَهْ\rفإذا سائلٌ رآنيَ فيهِ ... ظنّ أني فتى منَ أهل الضيَاعَهْ\rوقال فيه: مجزوء الكامل:\rطَيْلَسانٌ، لابنِ حربٍ ... يتداعى لا مِسَاسا\rقد طَوَى قَرْناً فقرناً ... وأناساً فأَناسا\rلَبِس الأيام حتَّى ... لم تدع فيه لِباسَا\rغاب تحت الحسّ حتى ... لا يُرى إلا قياسَا\rمن رسائل ابن العميد\rكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبي عبد الله الطبري: كتابي وأنا بحالٍ لو لم ينغّص منها الشوقُ إليك، ولم يرنَّق صَفْوها النِّزاعُ نحوك، فعدَدْتُها من الأحوال الجميلة، واعتددت حظِّي منها في النعم الجليلة؛ فقد جمعتُ إليها بين سلامةٍ عامَة، ونعمةٍ تامة، وحَظِيتُ منها في جسمي بصَلاَح، وفي سعْيي بنجاح، لكن ما بقي أن يَصْفُوَ لي عيش مع بُعْدِي عنك، ويخلو ذرْعي مع خلوّي منك، ويَسُوغ لي مطعم ومشرب مع انفرادي دونك، وكيف أطمعُ في ذلك وأنتَ جزءٌ من نفسي، وناظمٌ لشَمْلِ أنسي، وقد حُرِمْت رؤيتَك، وعَدِمْت مشاهدتَك، وهل تسكنُ نفس متشعّبة ذاتُ انقسام، وينفع أنس مُتَشتّت بلا نِظام، وقد قرأت كتابك جعلني الله تعالى فداءك؛ فامتلأتُ سروراً بملاحظة خطِّك، وتأمُّل تصرّفك في لفظك، وما أقرِّظُهما فكل خصالك مقرّظٌ عندي، وما أمدحُهما فكلُّ أمرك ممدوح في ضميري وعَقْدِي، وأَرجو أن تكونَ حقيقةُ أمرك موافقةً لتقديري فيك، فإن كان كذلك وإلاَّ فقد غطّى هواك وما ألقَى على بَصَرِي.","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"وله إلى عضد الدولة يهنئه بولدين: أطال الله بقاءَ الأمير الأجل عضد الدولة، دام عزّه وتأييده، وعلوُّه وتَمْهِيده، وبَسْطَتُه وتَوْطِيده، وظاهرَ له من كلّ خير مزيده، وهنَّاه ما اختصه به على قُرْبِ الميلاد، من توافر الأعداد، وتكثر الأمداد، وتثمّر الأولاد، وأَراه من النجابة في البنين والأسباط، ما أراه من الكرم في الآباء والأجداد، ولا أَخْلَى عينَه من قرّة، ونفسه من مَسرّة، ومتجدّد نعمة، ومستأنف مكرمة، وزيادةٍ في عدده، وفَسْحٍ في أمده، حتى يبلغَ غايةَ مَهلِه، ويستغرق نهاية أمَله، ويستوفي ما بعد حُسْنِ ظنه؛ وعرفه الله السعادةَ فيما بشّرَ عَبْده من طلوع بدرين هما انْبَعَثَا من نورِه، واستنارا من دُوره، وحفَّا بسريره، وجعل وفودَهما متلائمين، وورودهما تَوْأمين، بشيرين بتظاهر النعم، وتواتر القِسم، ومؤذِنَيْن بترادفِ بنين يغصُّ، بجمعهم مُنْخَرق الفَضَاء، ويَشْرَقُ بنورهم أفق العلاَء، وينتهي بهم أمَدُ النماء، إلى غاية تفوتُ غايةَ الإحصاء، ولا زالت السبلُ عامرة، والمناهلُ غامرة، يصافِحُ صادِرهم بالبشر الوارد، وآملِهم بالنيل القاصد.\rمن شعر المتنبي\rوقال أبو الطيب وذكر أبا دلف وأبا الفوارس ابني عضد الدولة: الوافر:\rفلم أَرَ قَبْلَهُ شِبْلَيْ هِزَبْرٍ ... كَشِبْلَيهِ، ولا فَرَسَيْ رهانِ\rفعاش عِيشةَ القَمَرينِ يُحْيا ... بضوئِهما ولا يَتَحاسدانِ\rولا ملَكَا لسِوَى مُلْكِ الأعادي ... ولا وَرِثا سوَى مَنْ يَقْتُلانِ\rوكان ابْنَا عَدُوٍّ كاثَراهُ ... له ياءَيْ حُروفِ أنيْسِيانِ\rدُعاءٌ كالثناءِ بِلا رِياءٍ ... يُؤدِّيهِ الجَنانُ إلى الجَنانِ\rوكتب أبو القاسم الإسكافي عن نوح بن نصر إلى وَشْمَكِير بن زياد في استبطاء وتهنئة: وصل كتابُك ناطقاً مفتَتحه بجميل العُذْر، فيما نقَلَ من المكاتبة، وبعث من المطالعة، ومُعْرِباً مختتَمه عن جُملة خبرِ السلامة التي طبّقت أعمالك، والاستقامة التي عمت أحوالَك، وفهمناه، ولولا أن مواتاتك - أيّدك الله تعالى - فيما تأتي وتذَر، وترتئي وتدبرّ، عادةٌ لنا أورثتناها قرابة ما بين وفاقِنا ووِفاقك، ومُلاَءمة حال أَلجأَتنا لحال استحقاقك، لكنا ربّما ضايَقْنَاك في العُذْر الذي اعتذرت به، وإن كان واضحاً طريقُه، وناقَشْنَاك فيه، وإنْ كان واجباً تَصْدِيقه، لفَرْطِ الأُنْس يَخْلُص إلينا بكتابك، والارتياح بخطابك، اللَّذين لا يؤدِّيان إلا خبرَ سلامةٍ توجِبُ الإحماد، فنحن نأبى إلا إجراءَ تلك العادة، كما عودتَنا، وإلاَّ التجافي عمّا تريد فيه من الزيادة التي أرَدْتَها، ولا ندع مع ذلك أن يصل تسويفُك إلى الإقلال الذي اخترته بإحمادك على الكتاب إذا كتبته، توخّياً لأن تكون مؤهلاً في الحالين لخالصة التنويل، مقدماً في درج التفضيل، موفى حقائق الإيثار، موقَّى لواحِقَ الاستقْصار، ونستعين بالله على قضاء حقوقك، وعلى جميل النية في أمورك، فإن ذلك لا يبلغ إلا بقوَّته، ولا يُدْرَكُ إلا بِحَوْله، وأمّا بعد فقد عفَّى - أعزك الله تعالى - ما أفاد كتابك بخبر السلامة من أنسه، على آثارِ مَنْ سبقه بخبر العلّة من وحْشَة، فأَوجبتنا مقابلهَ موهبة الله تعالى في المحبوب صنع، والمكروه دفع، نستقبلُ به إخلاصَ المواهبِ لنا، ونستديمُ به أخصَّ المراتبِ بنا، فرأيك - أعزَّك الله تعالى - في المطالعة بذكر تستمدُّه في القوة والصحة من مزِيد، والطاعة والكفاية من توفيق وتسديد، موفقاً إن شاء الله تعالى.\rألفاظ لأهل العصر في ضروب التهاني\rوما ينخرط في سلكها من ذلك في التهنئة بالمولود وما يجري مجراها من الأدعية، وما يختصُّ منها بالملوك أو الرؤساء:","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"مرحباً بالفارس المصدِّق للظنون، المقرِّ للعيون، المقبل بالطالع السعيد، والخير العَتيد، أنجب الأبناء لأكرم الآباء. أنا مستَبْشِر بطلوع النجم الذي كنّا منه على أَمَل، ومن تطاول استِسْرَارِه الذي كنا منه على وَجَل، إن يشأ الله يجعله مقدمة إخوة في نَسق كالفريد المتَّسق. قد طلع في أفق الحرية أسعدُ نجْم، ونَجَمَ، في حدائق المروءة أذكى نبت. يا بُشْرَاي بطلوع الفارس الميمون جَدُّه، المضمون سَعْده، عليه خاتَمُ الفضل وطابَعُه، وله سَهْمُ الخير وطالِعُه. الحمد لله على طلوع هذا الهلال الذي نَراه إن شاء الله بدراً لا يُضْمرُ السِّرَارُ بَهَاه، ولا يبلغ المَحَاقُ سَناءه وسناه، وقد بَشَّرَتْ قوابله بالإقبال وعُلُو الجَدّ، واقترن قدومُه بالطالع السَّعْد. هنَّاك الله تعالى بقوِّة الظَّهْر، واشتدَاد الأزْر. الفارس المكثِر لسواد الفضل، الموفِّر لحالِ الأهل، المستوفي شرفَ الأرومة، بكرم الأبوة والأمومة، وأبقاه حتى نراه كما رأينا جَدَّه وأباه. عرفت آنِفاً ما كثّر الله به عددَه، وشدَّ عَضُدَه: من طلوع الفارس الذي أَضاء له الأُفق، وطال به باع السعادة، فعظمت النُعْمَى لديِّ، وأَوردتِ البُشرىَ غاية المُنَى عليّ. مرحباً بالفارس القادم، بأعظم المغانم، سَوِيّ الخلق سامِي العِرق يلوح عليه سيماء المجد، وتتجاذبه أطراف الملك والحمد. وردت البُشْرى بالفارس الذي أَوْسَع رباع المجدِ تأهيلاً، ومَنَاكِب الشرفِ ارتفاعاً، وأعْضَاد العزّ اشتداداً.\rوأتتني بُشْرى البشائر، والنعم المحروسة على النظائر، في سُلاَلَة العز وسليله، وابن منبر الملك وسريرِه، والأمير القادم بغُرَّة المكارم، الناهض إلى ذَرْوَة العلياء، بآباء أمراء، وملوك عظماء. مرحباً بالفارس المأمول لشد الظهور، المرجو لسدّ الثغور. الحمد لله الذي شد أَزْرَ الدولةِ، ونظم قلادة الإمرة، ودعم سَرِير العزة، ووطد منابرَ المملكة، بالقمر السعد، وشِبل الأسد الوَرْد. فد تنسمت المكارمُ والمعالي، وتباشرت الخُطَبُ والقوافي، بالفارس المأمولِ لشدّ أزْرِ الملك، وسد ثَغْرِ المجد، وتَطَاولَ السريرُ شَوْقاً إليه، واهتزت المنابِرُ حرصاً عليه. قد افْتَرَ جَفْنُ العالَم عن العينِ البصيرة، واستُغْرِب مضحَكُه عن اللّمعة المُنيرة؛ أما الأمير فالتاج لجبينه يَبْهَى، والركاب بقدمه تزهى، اللهمِّ أرِني هذا الهلالَ بَدراً قد عَلاَ الأقدار قدراً، وبلّغه الله فيه مناه، حتى نراه وأخاه، منِيفينَ على ذرْوَة المجد، آخذَين من أوفر الحظوَةِ بأعْلى الجد.\rولهم: والله يمتع به، ويرزقُ الخيرَ منه، ويحقِّقُ الأملَ فيه. عرف الله تعالى آثار بَركة المولود المسعود، وعَضَّدَ الفضل بالزيادة في عدده، وأقرّ عَيْنَ المجد بالسّادة من ولده. عرفه الله تعالى من سيادة مقدمه، ما يجمعُ الأعداء تحت قَدَمه. عمرك الله تعالى حتى ترى هذا الهلال قمراً باهراً، وبَدراً زاهراً، يَكْثُر به عدد حَفَدتك، ويعظم معه غُصَّة حَسَدتِك، من حيث لا تَهْتِدي النوائبُ إلى أغراضكم، ولا تطمع الحوادثُ إلى انتقاصكم، متعك الله بالولد، وجعله من أقوى العُدَد، ووصَله بإخوة متوافرِي العدَد، شادّي الأزر والعَضُد. هناك الله تعالى مَولده، وقرن باليُمْن مَوْرِدَه، وأراك من بنيه أولاداً بَرَرة وأسباطاً وحفدة، وعرفك بركة قُدُومه، ونجح مقدمه، وسعد طالعه، ويمن طائره، وعمَّرك الله حتى ترى زيادة الله منه كما رأيتها، والله يبلّغك أفضل ما تقسمه السعود، وتَعْلو به الجدود، حتى يستغرق مع إخوته مساعيَ الفضلِ، ويَشيدُوا قواعِدَ الفخر، ويزحموا صُدور الدَّهر، ويضبطوا أطراف الأرض؛ والله يَحْرُسه من نواظر الأيام أن تَرْنُو إليه، وأطماع الليالي أن تتوجه عليه، حتى يستقلَّ بأعباء الخدمة، وينهض بأثْقالِ الدعوة، ويخف في الدفع عن البَيْضة، ويُسْرعَ في حماية الحَوْزَة، واللهُ يديمُ لمولانا من العُمْر أكلاه، ومن العز أهناه، ليُطبقَ العالم بفضله وعَدْله، ويدبِّرَ الأرض بالنجباء من نَسْله.","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"ولهم في ذكر المولود العلوي: غُصْن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شجرهُ أهل أنْ يَحْلُوَ ثمرُه، وفَرْعٌ بين الرسالةِ والإمامةِ مُنتمَاه، خليق أن يُحْمَد بَدْؤُه وعُقْبَاه. مرحباً بالطالع بأيمن طالع، ومَنْ هو من أشْرَفِ المناصب والمنابع، حيث الرسالة والخلافة، والإمامة والزَّعامة، أبقاه الله تعالى حتى يتهنّأ فيه صوانع المنن، ويعد حُسْنُه من بني الحسن.\rولهم في التهنئة بالإملاك والنفاس، وما يقترن به من الأدعية: من اتصَل بمولاي سبَبُه، وشَرُفَ به مَنْصبه، كان حقيقاً بالرغبة إلى الله تعالى في توفيره وتكثيره، وزيادته وتَثْميره، لتزكُوَ منابتُ الفضل، وتَنْمى مغارِس النبل والفخر، وتطيب معادِنُ المجد. بارك الله لمولاي في الأمْر الذي عقده، وأحمده إيّاهُ وأسعده، وجعله موصولاً بنَماءِ العدد، وزكاء الولدِ، واتصال الحبل، وتكثير النسل، واللهُ تعالى يَخِيرُ له في الوُصْلة الكريمة، ويقرنها بالمحبَةِ الجسيمة. قد عظَّم الله بَهجَتي، وضاعف غبْطَتي، بما أتاحه من سرور ممهّد، يجمع شَمل مجدد، فلا زالت النعم به محفوفة، والمَسَارُّ إليه مصروفة، جعل الله هذه الوصلة أكيدة العقدة، طويلة المدّة، سابغة البركة والفَضْل، طيبة الذريّة والنَّسْل. وصلَ الله هذا الاتصال السعيد، والعقد الحميد، بأكمل المواهب، وأحمد العواقب، وجعل شمل مَسَرَّتك ملتئماً، وسببَ أنسك منتظماً. عرَّفك الله تعجيل البركات، وتوالي؛ الخيرات، ولا أخلاك الله من هذه الوُصلة من التهاني بنجباء الأولاد، وكبَتَ بكثرة عددك الحسَّاد. هناك الله مولاي الوصلَة بكثرة العدد، ووفور الوَلد، وانبساط الباع واليد، عَاليَ القدر والجدّ.\rولهم في التهنئة بالولاية والأعمال، وما يتصل بها من الأدعية للوزراء والقضاة والعمال: عرفت أخبارَ البلدِ الذي أحسن الله إلى أهله، وعطف عليهم بفضله، إذ أضيف إلى ما يلاَحِظه مولاي بعين إيالَته، ويشفي خَلَلَه بفَضْلِ أصالته. أنا من سُرّ بالولاية يلبس مولاي طِلالها، ويسحَب أذيالها، بنعم مستفادة، ورُتب مستزادة، سروري بما أعلَمه بكسبه الثناء في كل عملِ يدبّره، من أحدوثه جميلة، ومثوبة جزيلة، ويُؤْثِرُه من إحياء عدل، وإماتَة جَور، وعمارةٍ لسُبُلِ الخيرات، وإيضاح لطرق المكرمات، سيدي يوفِي على الرتب التي يُدعَى لها بحلوله؛ فهنيئهاً لها بتجمّلِها بولايته، وتحلّيها بكفايته. الأعمالُ إن بلغت أقصى الآمال؟ فكفايةُ مولاي تتجاوزُها وتتخطّاها، والرتبُ وإن جلَّت قدراً، وكبرت ذِكْراً، فصناعته تَسْبِقها وتَنْسَؤُها، غير أنَّ للتهاني رسماً لا بدَّ من إقامته، وشرطاً لا سبيلَ إلى نقض عادته. الأعمال وإن بلغت أقصى الآمال فكفايةُ سيدي توفي عليها إيفاء الشمسِ على النجوم، وترتفع عنها ارتفاع السماء على التخوم. سيدي أرفع قَدْراً وأنْبَه ذِكراً من أنْ نُهنِّئه بولاية وإن جل أمرُها وعظم قَدْرُها. قد أعطِيتْ قوسُ الوزارة باريها، وأضيفت إلى كُفئِها وكافيها، وفَسِخَ فيها شرْط الدنيا الفاسد في إهداء حظوظها إلى أوْغَادها، ونُقِض بها حكمها الجائر في العدول بها عن نُجَبَاءِ أولادها. الدنيا أعزّ الله الوزير مهنَّأة بانحيازها إلى رَأْيه وتنفيذه، والممالكُ مغبوطةٌ باتصالها إلى أمره وتدبيره. قد كانت الدنيا مستشرفةً لوزارته، إلى أنْ سعِدَت بما كانت الأيامُ عنه مُخْبِرة، وحَظِيَتْ بما كانت الظنون به مبشَّرة. أنا أهنِّئ الوزارة بإلقائها إلى فَضْلِه مقَادَتها، وبلوغِها في ظلّه إرادتها، وانحيازها من إيالته إلى واضحة الفخر، وتوشحها من كفايته بعزَّة سائدةٍ على وَجْه الدهر. الحمدُ للّه الذي أقرَّ عين الفضل، ووطّأ مِهَادَ المجد، وترك الحساد يتعثرون في ذيول الخَيْبةِ، ويتساقطون في فضول الحَسْرَة؛ وأراني الوزارة وقد استكمل الشيخُ إجلالها، ووفّى لها جمالها: المتقارب:\rفلم تكُ تصلحُ إلاَّ لهُ ... ولم يَكُ يَصْلح إلاَّ لَهَا","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"والقاضي عَلَم العلم شرقاً وغرباً، ونَجْم الفضل غَوْراً ونَجْداً، وشَمْسُ الأدبِ برّاً وبحراً، فسبيلُ الأعمالِ أن تهنأَ إذا رُدَّتْ إلى نظرِه الميمون، وعُصِبت برأيه المأمون. أسعد الله القاضي بما جدّ، له من رأي مولانا وارتضاه، واعتمده لأجل أمر الشريعة وأَمْضَاه، وأَسعد المسلمين والدين بما أصاره إليه، وجمع زمامه في يديه. عرّف الله سيدي من سعادة عمله، أفضَلَ ما ترقَّاه بأَمله، ولقاه من مناجح أمْرِه، أفضل ما انتحَاهُ بفكره. خار الله له فيما تولاّه، وتطوَّقه، وبلَّغه في كلّ حال أملَه وحقّقه، وعرفه من يُمْنِ ما باشر تدبيره الخير والخِيرَة والبركات الحاضرة والمنتظرة، وجعل المناجح إليه أرسالاً، لا تملّ تَوَالِياً واتِّصَالاً. أسعده الله أفضلَ سعادة قُسِمَتْ لوالِي عمل، وأَسهم له أخصَّ بركة أُسْهمَت لمُسَامِي أمل، أحضر الله السداد عَزْمَه، والرشادَ همّة، وكنفه العِصْمَة وأيده، وقَرنَه بالتوفيق ولا أفرده. هنأه الله تعالى الموهبة التي ساقَها إليه، ومدّ رِوَاقَها عليه؛ إذ كانت من عقائل المواهب، مُسْفِرة عن خصائص المراتب، وحلّت فيه محلّ الاستحباب لا الإيجاب، والاستحقاق دون الاتفاق. هنأ الله نعمته الفضل الذِي الولاية أصغر آلاتها، والرياسة بعض صفاتِها.\rولهم في التهنئة بذكر الْخِلَع والأجبية: أُهنئ سيدي مزيد الرِّفْعَة، وجديد الخِلْعَة، التي تَخْلَعُ قلوبَ المنازعين، واللواء الذي يلوي أَيْدِي المنابذين، والحظَّ الذي لو امتطاه إلى الأفلاك لحازَها، أو سَامَى به الجَوْزاء لجازَها. بلغني خبرُ ما تطوعت به سماءُ المجد، وجادت به أَنواءُ الملك، فَصُنْ من الخلع أَسناها، ومن المراكب أبهاها، ومن السيوفْ أَمضاها، ومن الأفراس أجْرَاها، ومن الإقطاعات أنماها. لبس خلعته متجَلِّلاً منها ملابسَ العِز، وامتطى فرسَه فارعاً به ذِرْوَة المجد، وتقلّد سيفه حاصداً بحدِّ طُلَى أعدائه وغَامِطِي نعمائه، واعتنق طوقه متطوّقاً عزَّ الأبد، واعتضد بالسوارين المودِيَينِ بقوة الساعد والعَضُد، وسَاسَ أولياءَه ولواءُ العزِّ عليه خافق، وهو بلسان الظَّفَر والنَّصْرِ ناطق. قد لبس خلعته التي تعمد بها رفعته، وامتطى حُمْلاَنَهُ الذي واصل به إحْسَانه، تمنطق بحُسامه الذي ظاهر أبواب إنعامه، وتختم بخاتميه، اللذين بسطا مِنْ يديه، ووقعَ من دَوَاته، التي أعْلَتْ من درجاته قد زرَّرت عليه سماءُ الشرف عُرَى الخلعة، التي تتراءى صفحاتُ العزِّ على أعطافها، وتمتَرِي مزايا المجدِ من أطرافها، وركب الحُمْلان الذي نتناول قاصيتي المنى من ناصيته، والمركب الذي تُسْتَخْذى حُلَى الثريا لحليته، والسيف والمنطقة الناطقان عن نهاية الإكرام، الناظمان قلائد الإعظام. خلع تخلع قلوب الأعداء من مَقَارِّها، وتعمر نفوس الأولياء بمسارّها، وسيف كالقضاء مَضاءً وحدّاً، ولواء يَخْفق قلوب المنازعين إذا خفق، وحملات تصدع منكب الدَّهْرِ إذَا انطلق.\rولهم في التهنئة بالقدوم من سفر: أُهنئ سيدي ونَفْسِي بما يَسَّرَه الله من قدومه سالماً، وأشكره على ذلك شكراً قائماً؛ غَيْبَةُ المكارم مقرونةٌ بغيبتك، وأَوْبَةُ النعم موصولةً بأَوْبتك، فوصل الله تعالى قدومك من الكرامة، بأضعاف ما قَرَنَ به مسيرَك من السلامة. وهناك أيامَك، وبلّغك محَابّك، ما زِلْتَ بالنية مسافراً، وباتّصال الذكر والفكر لك ملاقياً، إلى أن جمع الله شَمْلَ سروري بأوْبَتك، وسكّن نافِرَ قلبي بعودتك، فأسأل الله أن يسعدك بمقدمك سعادةً تكون فيها بالإقبال، مُقَابلاً، وبالأماني ظافراً، ولا أوحش منه أوطانَ الفضل، ورِبَاع المجد، بمنَه وكرمه.\rمن شعر الشعبي\rقال الهَيْثم بن عدي: أنشدني مجالد بن سعيد شعراً أعجبني، فقلت: من أنشدكه؟ قال: كنا يوماً عند الشعبي فتناشدنا الشعرَ، فلما فرغنا قال: أيُّكم يحسن أن يقولَ مثلَ هذا، وأنشدنا: الطويل:\rخليلي، مهلاً طالماً لم أقلْ مَهْلا ... وما سرفاً مِ الآن قلت ولا جَهْلا\rوإن صِبَا ابن الأربعين سَفَاهةٌ ... فكيف مع اللاتي مُثِلتُ بها مَثْلا؟\rيقول ليَ المُفْتي وهُنَّ عَشِيةً ... بمكّة يَسْحَبْنَ المُهَذَبةَ الشُحْلا","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"تَقِ الله لا تنظرْ إليهنَّ يا فتى ... وما خِلْتُني بالحجِّ ملتمِساً وَصْلا\rفواللّه لا أنسى وإن شَطَّتِ النَّوى ... عرانينَهنّ الشُّمَّ والأعينَ النُّجْلاَ\rولا المسكَ في أعرافهن ولا البُرى ... جَواعل في أوساطها قَصَباً خَدْلا\rخليليَّ لا والله ما قلت مَرحباً ... لأوَّل شَيْبَاتٍ طَلَعْنَ ولا أهلا\rخليليّ إنّ الشيب داء كرِهْتهُ ... فما أحسن المَرْعَى وما أقبح المَحْلا!\rقال مجالد: فكتبت الشعر، ثم قلنا للشعبي: من يقوله؟ فسكت، فحسبنا أنه قائله.\rباب الرثاء\rقال الشَّرْقي بن القَطَامي: لما مات عَمرو بن حُمَمَةَ الدَّوْسِي - وكان أحد من تتحاكمُ العربُ إليه - مَرَّ بقبره ثلاثة نفر من أهل المدينة قادمين من الشام؛ الهِدْم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد، وهو أبو كلثوم بن الهِدْم الذي نزل عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، وعتيك بن قيس بن هَيشَة بن أمية بن معاوية. وحاطب بن قيس بن هيشة ابن معاوية. وحاطب بن هيشة الذي كانت بسببه حرب حاطب، فعَقَروا رواحلهم على قبره، وقام الهِدْم فقال: الطويل:\rلقد ضَمَّتِ الأثراءُ منك مُرَزّأً ... عظيمَ رَمَادِ النارِ مُشْتَرَكَ القِدْرِ\rإذا قلتَ لم تترك مقالاً لقائل ... وإن صُلْتَ كنتَ اللَيْثَ تحمي حِمَى الأجر\rحليماً إذا ما الحِلمُ كان حَزامَةً ... وقوفاً إذا كان الوقوفُ على الجمر\rليبكِيكَ من كانت حياتُك عِزّهُ ... وأصبح لَمَّا مُتّ يُغْضي على الصُّغْر\rسقى الأرضَ ذاتَ الطُول والعرض مُثْجِمُ ... أَحَمُّ الذرى واهي العُرى دائمُ القطْر\rوما بِيَ سُقْيَا الأرضِ لكنَّ تُرْبَةً ... أَضَلَكَ في أحشائها مَلْحَدُ القبْر\rوقام عتيك بن قيس فقال: الطويل:\rبرَغْم العُلاَ والجودِ والمجد والنَّدى ... طَوَاكَ الردَى يا خيرَ حافٍ وناعلِ\rلقد غالَ صَرْفُ الدهر منك مرَزَأً ... نَهُوضاً بأعباء الأمور الأثاقلِ\rيَضُمُ العُفَاةَ الطارقين فِنَاؤُهُ ... كما ضَمَّ أُمُّ الرأس شَعْبُ القبائل\rويَسْرُو دُجَا الهَيْجا مَضاءُ عزيمةٍ ... كما كَشَفَ الصبحُ اطَراقَ الغياطل\rويُسْتَهْزَمُ الجيشُ العَرَمْرَمُ باسمِه ... وإن كان جَرَّاراً كثيرَ الصواهل\rفإمّا تُصِبْنا الحادثاتُ بنكْبَةٍ ... رَمَتْكَ بها إحدى الدواهي الضآبل\rفلا تَبْعَدَنْ إنّ الحتوفَ مواردٌ ... وكلُّ فتى من صَرْفها غيرُ وائل\rوقام حاطب بن قيس فقال: الطويل:\rسلامٌ على القبر الذي ضمَّ أَعْظُمَاً ... تَحُومُ المعالي نحوه فتُسَلِّمُ\rسلام عليه كلّما ذَرَّ شارِقٌ ... وما امتدَّ قِطْع من دُجَى الليل مُظْلِمُ\rفيا قَبْرَ عمرو جاد أَرْضاً تَعَطَّفَتْ ... عليك مُلِثٌ دائِمُ القَطْرِ مُرْزِمُ\rتَضمَّنْتَ جسماً طاب حَيّاً ومَيِّتاً ... فأنت بما ضُمِّنْتَ في الأرضِ مُعْلَمُ\rفلو نَطَقَتْ أرضٌ لقال ترابُها ... إلى قبر عَمْرِو الأزدِ حَلَّ التَكَرُّمُ\rإلى مَرْمَسٍ قد حَلّ بين تُرَابه ... وأحجارِه بَدْرٌ وأَضْبَطُ ضيْغَمُ\rفلا يُبْعدِنْكَ الله حَيّاً ومَيِّتاً ... فقد كنتَ نور الخَطْبِ والخَطْبُ مُظْلِمُ\rلعمرُ الذي حُطَّتْ إليه على الْوَنَا ... حدابيرُ عُوجٌ نيّهَا مُتَهَمِّمُ\rلقد هَدَّمَ العلياءَ موتُكَ جانباً ... وكان قديماً رُكْنُها لا يُهَدَّمُ\rمن كلام الأعراب","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يذكر قومه فقال: كانوا إذا اصطفُوا تحت القَتَام، مطرت بينهم السّهام، بشؤبوب الحِمَام، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت أفواهها الحُتوف، فربّ قِرْن عارِم قد أَحسنوا أدبه، وحَرْبٍ عبوس قد أضحكتها أَسنتهم، وخَطْب مُشمَئِز ذَللوا مناكبه، ويوم عَمَاس قد كشفوا ظُلْمَته بالصبر حتى تتجلى. كانوا البحر لا يُنكَش غِماره، ولا يُنَهْنَه تياره.\rقال العتبي: سئل أعرابي عن حاله عند موته فقال: أجدني مأخوذاً بالنّقلة، محجوجاً بالمهلة، أُفارق ما جمعت، وأقدم على ما ضيَّعْت، فيا حياتي من كريم قدَّم المعذرة، وأَطال النظِرَة، إن لم يتداركني بالمغفرة، ثم قضى.\rوقال بعضُ الرواة: كان يقال: الإخوان ثلاثة؛ أخ يخلصُ لك وُدّه، ويبلغ لك في مهمّك جُهْده، وأخ ذُو نِيَّة يقتصرُ بك على حسن نيته، دون رِفْدِه ومعونته، وأخ يجاملك بلسانه، ويشتغل عنك بشأنه، ويوسِعك من كذبه بأيمانه.\rقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وقفت علينا أعرابية فقالت: يا قوم، تعثر بنا الدهر، إذ قل منا الشكر، وفارقنا الغِنى، وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ فهم بعقل، وأعطى من فَضْل، وواسَى مِنْ كَفَاف، وأَعان على عَفَاف.\rسائل في مسجد الكوفة\rقال أبو بكر الحنفي: حضرتُ مسجد الجماعة بالكوفة، وقام سائلٌ يتكلم عند صلاةِ الظهر ثم عند العصر والمغرب، فلم يُعْطَ شيئاً، فقال: اللهم إنك بحاجتي عالم غير معلّم، واسعٌ غير مكلِّف، وأنت الذي لا يرزؤك نائل، ولا يُحْفيك سائل، ولا يبلغ مِدْحَتَك قائل، أنت كما قال المُثْنُون، وفوق ما يقولون، أسألك صبراً جميلاً، وفرجاً قريباً، ونَصراً بالهدى، وقرّة عين فيما تحب وترضى، ثم ولّى لينصرف، فابتدره الناسُ يعطونه، فلم يأخذ شيئاً، ثم مضى وهو يقول: الكامل:\rما اعتاض باذلُ وجهه بسؤالِه ... عِوَضاً، ولو نال الغِنَى بسُؤَالِ\rوإذا السؤالُ مع النوال وَزَنتهُ ... رجَح السؤَال وخفَّ كلُّ نَوَالِ\rمن إنشاء بديع الزمان\rومن مقامات الإسكندري إنشاء البديع: حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت في بلاد الأهواز، وقُصارايَ لفظة شرود أَصِيدها، أو كلمة بليغة أَستفيدها؛ فأَدَّانِي السير إلى رُقْعَةٍ من البلاد، فسيحة، وإذا هناك قومٌ مجتمعون على رجل يستمعون إليه وهو يخبط الأرض بعصاً على إيقاع لا يختلفُ، وعلمت أنَّ مع الإيقاع لَحْناً، ولم أَبْعُدْ لأَنال من السماع حظاً، أو أسمع من البليغ لَفْظاً، فما زلت بالنظّارة، أَزحَم هذا وأَدفع ذاك، حتى وصَلْتُ إلى الرجل، وصرفت الطرف منه إلى حُزُقَّةٍ كالقَرْنَب، مكفوف في شَمْلة من صوف، يَدُور كالخُذْروف، مُتبرْنِساً بأَطْوَلَ منه، معتمِداً على عصاَ فيها جلاجل، يَضْرِبُ الأرض بها على إيقاعٍ غَنِج، ولفظٍ هَزِج، من صدرٍ حَرِج، وهو يقول: الرجز:\rيا قومُ قد أَثقل دَيني ظَهْري ... وطالبتني طَلَتي بالمَهْرِ\rأَصْبَحتُ من بعد غنًى ووَفْرِ ... ساكنَ قَفْر وحليفَ فَقْرِ\rيا قومُ هل بينكمُ من حُرِّ ... يُعينني على صُروفِ الدهر\rيا قومُ قد عِيل بفَقْرِي صَبْرِي ... وانكشفَتْ عني ذيولُ السِّتْرِ\rوفَضَّ ذا الدهرُ بأيدي البَتْر ... ما كان لي من فضّة وتِبْر\rآوِي إلى بيت كقيدِ الشّبْرِ ... خاملَ قدَرٍ وصغيرَ قِدْرِ\rلو ختم اللهُ بخيرٍ أمري ... أعقبني من عُسْرَة بيُسْرِ\rهل من فتى فيكم كريم النَّجْرِ ... محتسب فِيَّ عظيم الأجر؟\rإن لم يكن مغتنماً للشكر\rقال عيسى بن هشام: فرقَّ له واللّه قلبي، واغرورقت عيني، وما لبثت أن أعطيته ديناراً كان معي، فأنشأ يقول: الرجز:\rيا حُسْنَها فاقِعَةٌ صفراءُ ... معشوقة منقوشةٌ قَوْرَاءُ\rيكاد أَنْ يَقْطُر منها الماءُ ... قد أَثمرَتْها هِمَّةٌ عَلْياءُ\rنَفْسُ فتًى يملِكهُ السَّخَاءُ ... يصرفه فيه كما يَشاء\rيا ذا الذي يعنيه ذَا الثناءُ ... ما يتقصّى قَدْرَك الإطْرَاءُ\rفامْضِ على الله لكَ الجزاء","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"ورحم الله من شدّها في قَرَن بمثلها، وآنسها بأُختها، فناله الناس ما نالوه، ثم فارقهم وتبعتُه، وعلمتُ أنه متعامٍ لسرعة ما عرَف الدينار، فلمّا نظمَتْنَا خَلْوة مددتُ يمْناي إلى يسرى عَضُدَيه، وقلت: واللّه لترينّي سِرَّك، أو لأكشفنّ سِتْرك؛ فكشف عن توْأَمَتي لوْزاْ، وحَدَرت لثامه؛ فإذا هو واللّه شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فقلت: أنت أبو الفتح؟ فقال: لا: المجتث\rأنا أبو قَلَمُونٍ ... في كلِّ لَوْنٍ أكُونُ\rاخْتَرْ من الكسب دُوناً ... فإنّ دَهْرَكَ دُونُ\rزَجِّ الزمان بحُمْقٍ ... إن الزمان زَبونُ\rلا تُخدَعَنّ بعَقْل ... ما العقلُ إلا الجنونُ\rمن شعر كشاجم\rوقال أبو الفتح كشاجم: الكامل:\rما زال حرُّ الشوقِ يغْلِبُ صَبرَها ... حتى تحدَّرَ دَمْعُها المتعَلَقُ\rوجرى من الكحْل السحيق بخدِّها ... خَطٌّ تُؤَثرُهُ الدموعُ السُّبَّقُ\rفكأنَّ مَجْرَى الدمع حِلْيةُ فضّة ... في بعضه ذَهبٌ وبعضٌ مُحْرَقُ\rوقال: السريع:\rما لذّةٌ أكملُ في طيبها ... من قُبلةٍ في إثرها عَضّهْ\rكأنما تأثيرها لمْعَةٌ ... من ذَهبٍ أُجرِيَ في فضّهْ\rخَلَسْتُها بالكُرْهِ من شادِنٍ ... يَعْشَق بَعضِي بالمُنَى بَعْضَهْ\rوقال: الطويل:\rومستهجنٍ مَدْحِي له إن تأكّدَتْ ... له عُقَد الإخلاصِ، والحرُّ يُمْدَحُ\rويَأْبى الذي في القلب إلاّ تبيّناً ... وكلّ إناءٍ بالذي فيه يَرْشَح\rوقال: الكامل:\rوإذا افتخرتَ بأَعظُمٍ مقبورة ... فالناس بين مكذِّب ومُصَدّقِ\rفأَقِمْ لنفسك في انتسابك شاهداً ... بحديثِ مَجْدٍ للقديم محقِّقِ\rوقال: البسيط:\rيا مُسْدِيَ العُرْفِ إسراراً وإعلاناً ... ومُتْبع البِرِّ والإحْسانِ إحسانا\rأَقْلِع سحابَك قد غَرَّقْتَني نِعَماً ... ما أَدْمَنَ الغَيْثُ إلا كانَ طُوفَانا\rهذا مولد من قول أبي نواس: الكامل:\rلا تُسْدِيَنَ إليّ عارفَةً ... حتى أقومَ بشُكْرِ ما سَلَفا\rالبحتري: البسيط:\rأَلحَّ جُوداً ولم تَضْرُرْ سحائِبُهُ ... وربما ضَرَّ في إلْحَاحِه المَطَرُ\rمواهبٌ ما تَجَشَّمْنا السؤالَ لها ... إن الغَمامَ قَليبٌ ليس يُحْتَفَرُ\rوقد أُخِذَ على ذي الرمة قولُه: الطويل:\rألا يا اسلمي يا دار مَيَّ على البِلَى ... ولا زال مُنْهَلاً بجَرْعَائِك القَطْرُ\rقالوا: وأحسن منه قول طرفة: الكامل:\rفَسَقَى ديارَك، غَيْرَ مُفْسِدِها، ... صوبُ الربيع وديمةٌ تَهْمي\rوقد تحرز ذو الرمة مما تؤول عليه بالسلامة في أول البيت.\rوقال كشاجم: الوافر:\rأَيا نَشْوان من خمرٍ بِفيهِ ... متى تَصْحُو وريقُك خَنْدَرِيسُ؟\rأرى بك ما أراه بِذي انتشاءٍ ... ألحَّ عليه بالكاس الْجَلِيسُ\rتورُّدُ وَجْنَةٍ وفتورُ لَحْظٍ ... تُمرّضه وأَعطافٌ تميسُ\rوقال: الطويل:\rوما زالَ يَبْرِي جملةَ الجسم حُبُّها ... وينقصه حتى نَقَصْتُ عن النقصِ\rوقد ذُبْتُ حتى صِرْتُ إنْ أنا زرْتُها ... أمِنتُ عليها أن يَرَى أهْلُها شَخْصِي\rالرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره\rكتب ابن مكرم إلى بعض الرؤساء: نَبَتْ بي غرَّةُ الحداثة، فردَّتني إليك التجربة، وقادَتْني الضرورة، ثِقةً بإسراعك إليّ وإن أَبطأْتُ عنك، وقبولك العذرَ، وإن قصرتُ عن واجبك، وإن كانت ذنوبي سدَّتْ عليّ مسالكَ الصفح عني، فراجِعْ فيَّ مجدك وسؤددك، وإني لا أعرف موقفاً أذل من موقفي، لولا أنّ المخاطبة فيه لك، ولا خطَّة أدنى من خُطَّتي، لولا أنها في طلب رِضاك.\rوهذا المعنى الذي ذهب إليه من الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره قد أكثر الناسُ منه قديماً وحديثاً وسأفيض في طرفٍ من ذلك:","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"وأنشد أبو عبيدة لزياد بن منقذ الحنظلي، وهو أخو المرار العَدَوي، نسب إلى أمة العدوية، وهي فُكَيهة بنت تميم بن الدُّوَل بن جَبَلَة بن عدي بن عبد مناة بن أُد بن طابخة؛ فولدت لمالك بن حنظلة عديّاً ويربوعاً؛ فهؤلاء من ولده يقال لهم بنو، العَدَوّية، وكان زيادٌ نزل بصَنْعَاء فاجتواها ومنزله بنجد، فقال في ذلك قصيدة يقول فيها وذكَرَ قومه: البسيط:\rمُخَدَّمون ثِقَالٌ في مجالسهمْ ... وفي الرحال إذا صاحبْتَهُمْ خَدَمُ\rلم أَلْقَ بعدهُم حيّاً فأُخْبِرَهمْ ... إلا يزيدهمُ حبّاً إليّ هُمُ\rوأراه أول من استثار هذا المعنى.\rوكان ابنُ أبي عَرادة السعدي مع سلم بن زياد بخراسان وكان له مكرِماً فتركه وصحب غيره فلم يحمَد أمره، فرجع إليه، فقال: الطويل:\rعتبتُ على سلمٍ فلما فقدتُه ... وجرّبْتُ أقْواماً بكيتُ على سَلْمِ\rرجعتُ إليه بعد تجريبِ غيره ... فكان كَبُرْءٍ بعد طولٍ من السقْمِ\rوقال مسلم بن الوليد: الوافر:\rحياتك يا ابْنَ سعدان بن يَحْيَى ... حياةٌ للمكارِم والمَعَالِي\rجلبت لك الثناءَ فجاء عَفْواً ... ونَفْسُ الشكرِ مطلقةُ العِقَالِ\rوترجعني إليكَ وإن نَأَتْ بيدِياري عنك تجربةَ الرجالِ\rوأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد للبحتري: الطويل:\rأخٌ لك عاداه الزمان فأصبحت ... مذممةً فيما لديه المطالِبُ\rمتى ما تذوِّقه التجاربُ صاحباً ... من الناس تردُدْهُ إليك التجاربُ\rوأنشد: الطويل:\rحياةُ أبي العباس زَين، لقومه ... لكل امرئ قَاسَى الأمور وجَرَّبا\rونعتِبُ أحياناً عليه ولو مَضَى ... لَكُنُّا على الباقي من الناس أَعْتَبَا\rقال الصولي: جرى ذِكْرُ المكتفي بحضرة الراضي فأطريته وأكثرتُ الثناء عليه، فقال لي: يا صولي، كنتَ أنشدتني لجرير: الطويل:\rأُسَلِّيكَ عن زيد لتسلى، وقد أرى ... بعينيك من زيد قَذًى ليس يَبْرحُ\rفقلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن شكر القليل كان للكثير أشدّ شكراً، وأعظم ذكراً، فأَين أَنا لك من المكتفي؟ فأنشدته للطائي: الكامل:\rكم من وَساعٍ الجُودِ عنديَ والنَّدَى ... لَمّا جرى وجريت كان قَطوفا\rأحسنتُما صَفدِي، ولكن كنتَ لي ... مثلَ الربيع حَيّاً وكان خريفا\rوكِلاَكُما اقْتَعَدَ العُلاَ فركبْتَها ... في الذّروة العليا وجاءَ رَدِيفا\rإن غاض ماءُ الزنِ فِضْتَ، وإن قَسَتْ ... كَبِدُ الزمان عليّ كنتَ رَؤوفا\rوكان المكتفي أول من نادمه الصولي، واختلط به.\rولم يَلِ الخلافة أحد اسمه عليّ إلا عليّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وعليّ بن المعتضد المكتفي بالله، وكان سبب اتصاله به وانقطاعه إليه أنَ رجلاً يعرف بمحمد بن أحمد الماوردي نزع إلى المكتفي بالرَّفة، وكان ألعبَ الناس بالشطرنج، فلمّا تدم عليه بغداد وهو خليفة قال: يا أمير المؤمنين، أنا أعلم الناس بهذه الصناعة، فأقطعني ما كان للرازي الشطرنجي؛ فغاظ ذلك المكتفي، وندب له الصولي فلم يُرَ معه الماوردي شيئاً. فقال له المكتفي: صار ماء وردك بَوْلاً، قال الصولي: فأقبل المكتفي عليّ ورتَّبني في الجلساء، فحجبت يوماً عنه، واتصل بي أن خصمي شمَّت بي، فكتبت قصيدة للمكتفي أقول فيها: الكامل:\rقد ساء ظنُّ الناس بي وتنكّروا ... لَمّا رأوْني دون غيريَ أُحْجَبُ\rإن كان غلْبِيه يُقَرِّبُ أَمرهُ ... دوني فإني عن قريب أُغْلَبُ\rفضحك، وأمر لي بمائتي دينار، واندرجْتُ في خدمته.\rما قيل في بيعة يزيد بن معاوية","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"اجتمعت وفودُ العرب عند معاوية رحمهُ الله تعالى، وكان إذا أراد أن يفعل شيئاً ألقى منه ذَرْءاً إلى الناس، فإذا امتنعوا كفّ، وإن رَضُوا أمضى، فعرض ببيعة يزيد، فقامت خطباء معدّ فشقّقوا الكلام، وأطنبوا في الخطاب، فوثب شاب من غَسَّان قابضاً على قائم سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الحَيْفَ في حكم السيف، وبعد النسيم الهَيف؛ فإنَّ هؤلاء عجزوا عن الصّيال، فعوّلوا على المَقَال، ونحن القاتلون إذا صُلْنَا، والمعجبون إذا قلنا، فمن مال عن القَصْدِ أقمْناه، ومن قال بغير الحقّ وقَمْنَاه، فلينظر ناظرٌ إلى موطئ قَدَمه، قبل أن تَدْحض فيَهْوِي هوِيَّ الحجر من رأس النِّيق؛ فتفرق الناس عن قوله، ونَسُوا ما كانوا فيه من الخطب.\rالإقدام\rوقال المهلّب يوماً لجلسائه: أراكم تعنّفونني في الإقدام، قالوا له: إي واللّه، إنك لسَقوط بنفسك في المهالك، قال: إليكم عني! فواللّه لولا أن آتي الموت مسترسلاً، لأتانِي مستعجلاً؛ إني لستُ آتي الموتَ من حُبّه، إنما آتِيه من بُغْضِه، ثم تمثّل بقول الحُصَين بن الحُمَام المُرِّي: الطويل:\rتأخَّرْتُ أستبقي الحياة فلم أجِدْ ... لنفسي حياة مثلَ أن أتقدَّما\rومن هذا أخذ أبو الطيب المتنبي قوله: الطويل:\rأرى كُلُّنا يَهْوي الحياةَ لنفسِه ... حريصاً عليها مُسْتهاماً بها صَبَّا\rفَحُبُّ الجبانِ النَّفْسَ أَوْرَدَهُ التُّقَى ... وحُبُّ الشجاعِ النفسَ أورده الحَربَا\rوقال أبو دُلَف: البسيط:\rالحربُ تَضْحَكُ عن كَرِّي وإقْدَامي ... والخيلُ تعرفُ آثارِي وأيَّامِي\rسَيْفِي مُدَامِي، ورَيْحَاني مثقفتي، ... وهمَتي مِقَةُ التفضيل لِلْهَامِ\rوقد تجرَّد لي بالحسن منفرداً ... أَمْضَى وأَشْجَع مني يوم إقدامي\rسلَّت لواحظُه سيفَ السَّقامِ على ... جسمي فأصبح جسمي رَبْعَ أسقامِ\rمن أخبار أبي دلف وشعره\rوكان أبو دلف شاعراً مجيداً، وجواداً كريماً جامعاً لآلات الأدبِ والظرف، وله شعرٌ يد في كل فن، وهو القائل: الوافر:\rأحبِّك يا جَنَان؛ فأنتِ مني ... محل الروحِ من جَسَدِ الجَبانِ\rولو أني أقول: مكان روحي ... لَخِفْتُ عليكِ بادِرَةَ الزمانِ\rلإقدامي إذ ما الخيلُ جالَتْ ... وهاب كُماتُهَا حَرَّ الطِّعَانِ\rوكان يتعشق جارية ببغداد فإذا شخَصَ إلى الحضرة زارها، فركب في بعض قَدَماته إليها، فلما صار بالجسر مشَى على طرف طيلسان بعض المارين، فخرقه، فأخذ بعِنانه، وقال: يا أبا دلف، ليست هذه كرخك، هذه مدينة السلام، الذئب والشاة بها في مَربَع واحد! فثنى عنانه متوجهاً إلى الكرخ، وكتب إلى الجارية: الخفيف:\rقَطَعَتْ عن لقائك الأشغالُ ... وهمومٌ أتَتْ عليَّ ثِقَالُ\rفي بلاد يُهَان فيها عزيزُ ال ... قوم حتى تنالَه الأنذالُ\rحيث لا مدفعٌ بسيفٍ عن الضَّي ... م ولا للكُمَاةِ فيها مجالُ\rومقام العزيز في بَلد الهو ... ن إذا أمكن الرحيلُ محالُ\rفعليك السلام يا ظَبْيَة الكَرْ ... خ أقمتم وحان مِنَّا ارتحالُ\rودخل أبو دلف على المأمون بعد الرِّضا عنه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، فقال: خلَّفتُه يا أميرَ المؤمنين أمين غَيْب، نصيح جَيْب، أسداً عاتياً، قائماً على بَرَاثنِه، يسعد به وليُّك، ويَشْقَى به عدوك، رَحْبَ الفِناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد لمن زاغ عن قَصْدِ محجَّتِكَ، قد فقّهه الحَزْم، وأيقظَه العَزْم، فقام في نحر الأمور على ساق التشمير، يُبْرِمها بأَيْدِه وكَيْدِه، ويفلّها بحدِّه وجدِّه؛ وما أشبهه في الحرب إلا بقول العباس بن مرداس: الوافر:\rأكرُّ على الكتيبة لا أُبالي ... أَحَتْفِي كان فيها أَمْ سوَاها\rفقال قائل: ما أفصحه على جَبَلِيَّيتهِ! فقال المأمون: وإنَّ بالجبل قوماً أمجاداً، كراماً أنجاداً، وإنهم ليوفُونَ السيفَ حظه يوم النّزال، والكلام حقه يوم المقال، وإن أبا دلف منهم.\rمن إنشاء الميكالي\rفصل لأبي الفضل الميكالي من كتاب تعزية عن أبي العباس بن الإمام أبي الطيب:","part":1,"page":452},{"id":453,"text":"لئن كانت الرزيَّة بمصيبةٍ مُؤلمة، وطُرُقُ العزاء والسَّلْوة مبهمة، لقد حلَّت بساحةِ من لا تُنتقَضُ بأمثالها مرَائِرُه، ولا تَضْعُفُ عن احتمالها بصائِرُه، بل يتلقّاها بصَدرٍ فسيح يَحْمي أن يَفْتَحَ الحزنُ بابه، وصبرٍ مشيح يحمي أن يُحْبطَ الجزعُ أجره وثوابَه، ولم لا وآدابُ الدينِ من عنده تُلتمس، وأحكامُ الشرع من بَنَانِه ولسانه تستفاد وتُقْتبس؟ والعيونُ ترمُقُه في هذه الحال لتجريَ على سَنَنه، وتأخذَ بآدابه وسُننه، فإن تَعَزَّت القلوب فبحُسْنِ تماسكه عزاؤها، وإن حسُنَت الأفعال فإلى حميدِ أفعاله ومذاهبه اعتزاؤُها.\rوله من تعزية إلى أبي عمرو البحتري: قدَس الله رُوحَه، وسقى ضريحه؛ فلقد عاش نبيه الذكْر، جليلَ القَدْرِ، عَبِقَ الثناء والنَشْر، يتجمل به أهل بلده، ويتباهَى بمكانه ذوو مودَّتِه، ويفتخر الأثَرُ وحاملوه بتراخي بقائه ومُدَّتِه، حتى إذا تسنَّم ذِرْوَة الفضائل والمناقب، وظهرت محاسنُه كالنجوم الثواقب، اختطفته يا المِقْدَار، ومُحِيَ أثره بين الآثار، فالفضل خاشعُ الطَّرْفِ لفَقْدِه، والكَرَمُ خالي الرَّبْع من بعده، والحديثُ يندبُ حَافِظَه ودَارِسَه، وحُسْنُ العهد يبكي كافله وحارسه.\rوله: فأمّا الشكرُ الذي أعارني رداءَه، وقلَدني طَوْقَه وسناءَه؛ فهيهات أن ينتسب إلاَّ إلى عادات فَضْله وإفضاله، ولا يسير إلا تحت رايات عُرفه ونَوَاله، وهو ثوب لا يحلَّى إلا بذكره طِرَازه، واسم له حقيقته ولسواء مجازه، ولو أنه حين ملك رقِّي بأياديه، وأعجز وُسْعِي عن حقوق مكارِمه ومساعيه، خلَّى لي مذهبَ الشكر ومَيدَانه، ولم يجاذبني زِمامَه وعنَانه، لتعلَّقْت عن بلوغ بعض الواجب بعُروَة طَمَع، ونهضت فيه ولو على وَهن وظَلع، ولكنه يَأبئ إلا أن يستولي على أَمدِ الفضائل، ويتسنّم ذرَا الغوارب منها والكواهل، فلا يَدَع في المجد غايَةَ إلا يسبق إليها فارطاً، ويُخلِّفُ من سوَاهُ عنها حسيراً ساقطاً، لتكون المعالي بأسرها مجموعة في ملكِه، منظومةً في سِلكه، خالصةً له من دعوى القسيم وشِركِه.\rوله فصل من كتاب إلى أبي سعيد بن خلف الهمذاني: فأمّا التُّحْفَةُ التي شَفعها بكتابه فقد وصلت، فكانت ضَرَّة لزهرِ الربيع، موفية بحُسْنِ الخطِّ على الوَشْي الصنيع، وليس يهتَدِي لمثل هذه اللطائف في مبرة الإخوان، إلا من يُعَدُّ من أفراد الأقران، ولا يرضَى من نفسه في إقامة شعائِر البرّ دون القران، واللّه يمتّعه بما منَحَهُ من خصائص هي في آذَان الزمان شنوف، وفي جِيده عقد مرصوف.\rالخريمي يعاتب الوليد بن أبان\rوقاد أبو يعقوب الخريمي يعاتب الوليد بن أَبان: الطويل:\rأتعجَبُ مني إن صبرت على الأذى ... وكنت امرأً ذا إرْبةٍ متجمِّلاَ؟\rفإني بحمدِ الله لا رَأْيَ عاجزٍ ... رأيت، ولا أخطَأْت للحقِّ مَفْصِلا\rولكن تدبَّرتُ الأُمورَ؛ فلم أَجِدْ ... سوى الحلم والإغضاء خيراً وأفْضلاَ\rوأُقسم لولا سالِفُ الودِّ بيننا ... وعهدٌ أبَتْ أركانه أن تَزيّلاَ\rوأيامُك الغرُّ اللواتي تقدَّمَتْ ... وأوليتنيها مُنْعِماً مُتَطَوَلا\rرحلْتُ قلوصَ الهَجْرِ ثم اقتعدْتُها ... إلى البعد ما ألفيت في الأرض مَعْمَلا\rوأكْرَمْتُ نفسي والكرامةُ حظُّها ... ولم ترنِي لولا الهوَى متذلِّلا\rوعارضت أطراف الصِّبَا أَبْتَغِي أخاً ... يُعِينُ إذا ما الهَمُّ بالمرء أَعْضَلاَ\rأخاً كأبي عمرو وأَنَّس بمثلِه ... إذا الحرُّ بالمجدِ ارتدَى وتَسَرْبَلاَ\rجزى الله عثمانَ الخُرَيمِيَّ خيرَ ما ... جَزَى صاحباً جَزْلَ المَواهبِ مُفْضِلا\rأخاً كان إن أقبلتُ بالودِّ زادني ... صفاءً وإن أُدبرتُ حَنّ وأقبلا\rأخاً لم يخنِّي في الحياة ولم أبِتْ ... يخوّفنيٍ الأعداءُ منه التنقّلا\rإذا حاولوهُ بالسعاية حاولوا ... به هَضْبَة تأْبى بأنْ تتخَلْخَلا\rيحكّمني في ماله ولسانهِ ... ويركبُ دوني الزاعبي المؤَلّلا","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"كفى جفوةَ الإخوانِ طولَ حياته ... وأَوْرَثَ ممّا كان أَعْطَى وأجزلا\rوبات حميداً لم يكدِّر صنيعَهُ ... ولم أقْلِه طولَ الحياة وما قَلاَ\rوكنت أخاً لو دام عهدُك واصلاً ... نَصوراً إذا ما الشَّرُّ خَبَّ وهَرْوَلاَ\rفغيَّرك الواشون حتى كأنما ... تراني شُجاعاً بين عينيك مُقْبلا\rأبو يعقوب الخُريمي\rوأبو يعقوب هذا إسحاق بن حسان، قال المبرد: كان أبو يعقوب جميل الشعر، مقبولاً عند الكتّاب، وله كلامٌ قوي، ومَذْهَبٌ متوسّط، وكان يرجع إلى نسب كريمٍ في الصُّغْد، وكان له ولا في غطفان، وكان اتصالُه بمولاه أبي عثمان بن خُرَيم المري الذي يقال له خُريم الناعم، وكان أبو عثمان هذا قائداً جليلاً، وسيّداً كريماً. وسُئل خُرَيم عن لَذّة الدنيا، فقال: الأمْنُ فإنه لا عيشَ لخائف، والعافيةُ فإنه لا عيشَ لسقيم، والغنَى فإنه لا عيشَ لفقير. وقيل له: ما بلغ من نعمتك؟ قال: لم ألبس جديداً في صيف، ولا خَلَقاً في شتاء. وفي نسبه في الصُّغْد يقول: الطويل:\rأبا الضُغْدِ باس أن تعيّرني جُمْلُ ... سَفاها ومن أخلاق جارتنا البخلُ\rوما ضرَّنِي أنْ لم تَلِدْني يُحَابر ... ولم تَشْتَمِلْ جَرْم عَلَيَّ ولا عُكْلُ\rيقول فيها:\rودون الندى في كلِّ قلبٍ ثَنِيَّةٌ ... لها مَصْعَدٌ حَزْنٌ ومُنْحَدَرٌ سهلُ\rوودَّ الفَتَى في كل نَيْل يُنيلُه ... إذا ما انقضى لو أنَّ نائلَه جَزْل\rوأعلمُ علماً ليس بالظَّنِّ أنه ... لكلِّ أُناسٍ من ضرائبهم شَكْلُ\rوأنَّ أخِلاَّء الزمانِ غَناؤهم ... قليلٌ إذا ما المرءُ زَلَّت به النَّعْلُ\rتَزَؤَدْ من الدنيا متاعاً لغيرها ... فقد شَمَّرَتْ حَذَّاءَ وانصرم الْحَبْلُ\rوهل أنتَ إلا هامَةُ اليوم أو غَدٍ ... لأمِّك من إحدى طوارقها الثكْلُ\rوقال يتشوّق الحسن بن التخْتَاخ: الطويل:\rأَلاَ مُبلغ عني خليلي ودونهُ ... مطا سَفَرٍ لا يَطْعَمُ النومَ طالِبُهْ\rرسالةَ ثاوٍ بالعراق ورُوحهُ ... بفُسطاط مصر حيث جمَّتْ عجائبُهْ\rله كل يوم حَنَّةٌ بعد رَنّة ... يجيش بها في الصدر شوق يغالبه\rإلى صاحب لا يُخْلِقُ النأيُ عَهْدَهُ ... لناءٍ ولا يَشْقَى به من يُصَاقِبُه\rتَخَيَّره حرّاً نقيّاً ضميرُه ... جميلاً محيّاه كريماً ضرائِبُه\rهو الشهدُ سِلْماً، والذّعافُ عَدَاوَةً ... وبحرٌ على الورّاد تجري غَوارِبُه\rفيا حَسَن الحُسْنِ الذي عَمَّ فضلُه ... وتمّت أَيادِيه وجمَّتْ مناقِبُه\rإليك على بُعْدِ المزار تطلعَتْ ... نوازعُ شَوْقٍ ما تُرَدُّ عوازِبُه\rأرى بعدك الإخوانَ أبناء عَلّةٍ ... لهم نَسبٌ في ودِّهم لا أناسبه\rفهل يَرْجِعَنْ عيشي وعيشكَ مرّة ... ببغداد عَصرٌ مُنْصِفُ لا نُعاتِبُه؟\rلَيالِيَ أَرْعَى في جَنَابك رَوْضَةً ... وآوِي إلى حِصْنٍ مَنِيع مراتبُه\rوإذ أنت لي كالشهد بالرَّاح صُفِّقَا ... بماءٍ رِصافٍ صفقتْهُ جَنَائِبُهْ\rعسى ولعلّ الله يجمعُ بيننا ... كما لاءمت صَدْع الإناء مَشَاعِبه\rفقر وفصول في معان شتى\rقال العتابي: حظ الطالبين من الدَرْك، بحسب ما استصحبوا من الصَّبْر.\rبعض الحكماء: الحلم عُدّة للسفيه، وجُنة من كَيْدِ العدو، وإنك لن تقابل سفيهاً بالإعراض عن قوله إلا أذللْتَ نفسه، وفَللْتَ حدَّه، وسَللْتَ عليه سيوفاً من شواهد حِلْمِك عنه، فتولّوا لك الانتقامَ منه.\rوقال آخر: العجلة مكسبة للمذمة، مجلبة للندامة، منفرة لأهل الثقة، مانعة ممن سدَادِ الرغبة.","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"وأتى العتابيَ وهو بالرَّي رجلٌ يودّعه فقال: أين تريد؟ قال: بغداد، قال: إنك تريد بلداً اصطلح أهلُه على صحَّة العلانية، وسَقَم السريرة، كلُّهم يعطيك كلّه، ويمنعك قُلّه.\rوقال يحيى بن خالد لرجل دخل عليه: ما كان خَبَرُك مع فلان؟ قال: قد افتديت مكاشفته واشتريت مكاشرته بألف درهم، فقال يحيى: لا تبرح حتى يكتبَ الفضلُ وجعفر عنك هذا القول.\rقال الأصمعي: سمعتُ أعرابياً يدعو، ويقول: اللهمّ ارزقني عملَ الخائفين، وخَوْفَ العاملين، حتى أتنعّم بتَرْكِ التنعّم، رجاءً لما وعدت، وخوفاً مما أوعدت.\rوللعتابي: أما بعد، فإنه ليس بمستخلَص غَضَارةُ عيشٍ إلا من خلال مكروهه، ومن انتظر بمعاجلة الدرك مُؤَاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته.\rكتب بعض الكتاب إلى أخ له: إن رأيت أنْ تحدِّدَ لي ميعاداً لزيارتك، أتقوّته إلى وقت رؤيتك، ويُؤْنِسُني إلى حين لقائك، فعلت، إن شاء الله.\rفأجابه: أخاف أن أَعِدَك وَعداً يعترضُ دون الوفاء به ما لا أَقدر على دَفْعِه، فتكون الحسرةُ أعظمَ من الفرقة.\rفأجاب المبتدئ: أنا أسرُّ بموعدك، وأكون جَذِلاً بانتظارك، فإن عاق عن الإنجاز عائق، كنتُ قد ربحتُ السرورَ بالتوقع لما أحبّه، وأصبتُ أَجْرِي على الحسرة بما حرمته.\rوكتب أَخٌ إلى أخ له يستدعيه: أما بعد، فإنه من عانى الظمأَ بفُرْقَتِك استوجب الريّ من رؤيتك، والسلام.\rوكتب آخر في بابه: يومُنا يومٌ طاب أوّله، وحَسُنَ مستقبَله، وأَتت السماء بقطَارها، فحلَت الأرضَ بأَنوارِها، وبك تطيب الشّمول، ويُشْفَى الغليل، فإنْ تأخرت عنا فرّقت شَملَنا، وإن تعجلت إلينا نظمت أمرنا.\rقال إسحاق الموصلي: قال لي ثُمامة بن أشرس؟ وقد أُصِبْتُ بمصيبة: لمصيبةٌ في غيرك لكَ ثوابها، خير من مصيبة فيكَ لغيرك أجرها.\rومرّ عُمر بن ذر بابْنِ عياش المنتوف، وكان سَفِه عليه فأَعرض عنه، وتعلق بثوبه، وقال: يا هَناه، إنا لم نجد لك جزاءً إذ عَصَيْتَ الله فينا، خيراً من أن نُطيعه فيك. أخذه من قول عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تُطيع الله فيه.\rوكتب بعض الكتّاب إلى رئيسه: ما رجائي عدلَكَ بزائدٍ على تأميلي فَضْلك، كما أنه ليس خوفي صِيَالك بأكثر من خَشْيَتي نكالَك؛ لأنك لا تَرْضَى للمحسن بصغير المَثَوبَة، كما لا تقنع للمسيء إلا بموجع العقوبة.\rوقال آخر: ما عسيت أن أشكرك عليه من مَوَاعد لم تُشَبْ بمَطْلٍ، ومرافِدَ لم تشن بمنٍّ، وعهد لم يمازجْه مَلَق، ووُدٍّ لم يَشُبْهُ مَذْق.\rوقال آخر: علقت به أسباب الجلالة غير مستشعر فيها بنَخْوة، وترامت له أحوالُ الصرامة غير مستعمل معها السطوة، هذا مع دَمَاثة في غير حَصَرِ، ولينِ جانب من غير خَوَر.\rفصل لابن الرومي: إني لَوَليُّك الذي لم تزل تنقادُ لك مودّتُه من غير طمع ولا جَزع، وإن كنتَ لذي رغبة مَطمعاً، ولذي رَهْبة مهرباً.\rأبو فراس الحمداني: الطويل:\rكذاك الوِداد المَحْضُ لا يرتجى لهُ ... ثوابٌ، ولا يُخْشى عليه عقابُ\rحنيفة تغزو نميراً\rغزَتْ حنيفة نميراً فانتصفوا منهم، فقيل لرجل منهم: كيف صنعَ قومُك؟ قال: اتبعوني وقد أحقبوا كلَّ جُماليّة خيفانة، فما زالوا يَخصِفُون أخفاف، المطيّ بحوافر الخيل، حتى لحقوهم؛ فجعلوا المُرَّان أرْشِيةَ الموتِ، فاشْتَفُوا بها أَرْوَاحَهم.\rدعاء أعرابي\rودعا أعرابي فقال: اللهمّ إن كان رزقي نائياً فقرِّبْه، أو قريباً فيسِّرْه، أو ميسّراً فعجِّلْه، أو قليلاً فكثِّرْه، أو كثيراً فثمِّرْه.\rباب المراسلات\rوكتب عَنْبَسة بن إسحاق إلى المأمون وهو عاملُه على الرّقّة، يصف خروجَ الأعراب بناحية سِنْجار وعَيْثَهُمْ بها: يا أمير المؤمنين، قد قطع سُبُلَ المجتازِين، من المسلمين والمعاهدين، نَفَر من شُذَاد الأعراب الذين لا يرقبون في مؤمنٍ إلا ولا ذِمّة، ولا يخافون من الله حَدّاً ولا عقوبة، ولَوْلاَ ثِقَتِي بسيفِ أمير المؤمنين وحَصْده هذه الطائفة، وبلوغه في أعداء الله ما يَرْدَع قاصِيَهم ودَانِيَهم، لأذَّنْتُ بالاستنجاد عليهم، ولابْتَعَثْت الخيلَ إليهم، وأميرُ المؤمنين مُعَانٌ في أمورِه بالتأييد والنصر إن شاء الله.\rفكتب إليه المأمون: البسيط:","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"أسْمَعْتَ غَيْرَ كَهام السمعِ والبصر ... لا يَقْطَع السيفُ إلاّ في يَدِ الحذرِ\rسيصبح القومُ من سيفي وضارِبِه ... مِثْلَ الهشيم ذَرَتْه الريحُ بالمَطَرِ\rفوجّه عنبسة بالبيتين إلى الأعراب، فما بقي منهم اثنان.\rوكتب المطلب بنُ عبد الله بن مالك إلى الحسن بن سهل في رجل توسل به: طَلَبُ العافين الوسائلَ إلى الأمير - أعزه الله - يُنْبئ عن شروع مواردِ إحسانه، ويَدْعُو إلى معرفة فَضْله، وما أَنصفَه - أعزّه الله تعالى - مَن توسّل إلى معروفه بغيره؛ فَرأيُ الأمير - أعزِّه الله - في التطوّل على من قَصُرَتْ معرِفتهُ عن ذلك بما يريد الله تعالى فيه موفّقاً إنْ شاء الله تعالى.\rفكتب إليه الحسن: وصلك الله بما وصلتني في صاحبك من الأجْرِ والشكر، وأراك الإحسان في قَصْدِكَ إليَّ بأمثاله فرضاً يفيدك شكره، ويعقبك أجره، فرأيك في إتمام ما ابتدأتَ به وإعلامي ذلك مشكوراً.\rوكان المُطّلب ممدَّحاً كريماً، وقد حسد دعبل شرفَه وإنعامه، وغبط إحسانه وإكرامه، إذ يقول: البسيط:\rاِضْرِبْ ندى طلحة الطلحاتَ معتَرفاً ... بلُؤْمِ مُطَّلب فينا وكُنْ حكما\rتَخْلُصْ خزاعةُ من لُؤُم ومن كرم ... فلا تعدّ لها لؤماً ولا كرما\rوأمر طلحة أعْرَفُ من أن يُوصف.\rوما أبعد قول دعبل من قول البحتري لصاعد بن مخلد وأهل بيته: الطويل:\rبني مَخْلَدٍ كُفُّوا تَدَقُّقَ جُوْدكم ... ولا تَبْخَسُونا حَظَّنَا في المَكارمِ\rولا تَنْصُروا مَجْدَيْ قِنانٍ ومخلد ... بأنْ تذهبوا عنّا بسُمْعَة حاتم\rوكان لنا اسْمُ الجُود حتى جَعَلْتُمُ ... تَغُضّونَ منا بالخِلالِ الكرائمِ\rفي الرثاء\rقال الزبير بن بكار: لمّا مات يزيدُ بن مَزيد بأرمينية قام حبيب بن البَراء خطيباً، فقال: أيها الناس، لا تَقْنَطوا من مثله وإن كان قليلَ النظير، وهَبُوهُ من صالح دعائكم مثل الذي أخلَص فيكم من نواله، والله ما تفعل الديمة الهَطْلة في البقعة الجَدْبة ما عملت فينا يدَاه من عدله وندَاه.\rفسرق هذا أبو لُبابة الشاعر فقال: البسيط:\rما بقعةٌ جادَها غَيْثٌ وقَرَّبها ... فأزهرتْ بأَقَاحي النَّبْتِ ألوانا\rأبهى وأحسنُ ممّا أثَّرَتْ يدهُ ... في الشرق والغربِ معروفاً وإحسانا\rفي المدح\rوقال ابن المبارك يمدح يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة: الكامل:\rوإذا تُباع كريمةٌ أو تُشْتَرى ... فسواك بائعُها وأنت المشتري\rوإذا توغَرَتِ المسالكُ لم يكن ... فيها السبيلُ إلى ندَاك بأَوْعَر\rوإذا صَنَعْتَ صنيعةً أتمَمْتَها ... بيدَيْن ليس ندَاهُما بمكدَّر\rوإذا هَمَمْتَ لمُعْتَفِيك بنائلقال الندى فأَطعْتَه لك: أَكْثِرِ\rيا واحدَ العرب الذي ما إن لهم ... من معدَل عنه ولا من مَقْصَرِ\rمن إنشاء بديع الزمان\rكتب البديع أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن يحيى: أما أبو فلان فلا شك أن كتابي يَرِد منه على صَدْرٍ مَحَا اسْمِي من صحيفته، وقطع حَظِّي من وظيفته، ونَسِي اجتماعنا على الحديث والغزل، وتصرفنا في الجد والهَزْل، وتقلبنا في أعطاف العيش، بين الوقار والطيْش، وارتضاعنا ثَدْيَ العشرة؛ إذ الزمان رقيقُ القشرة، وتواعُدنا أن يلحق أحدُنا بصاحبه، وتصافحنا من قبل ألا نصرم الحبل، وتعاهدنا من بعد ألا ننقض العهد، وكأني به وقد اتّخذ إخواناً فلا بأس، فإن كان للجديد لذة فللقدم حُرْمة، والأخوَّة بُرْدَة لا تضيق بين اثنين، ولو شاء لعاشرنا في البَيْن، وكان سألني أن أرتاد له منزلاً ماؤه رَوِيّ، ومرعاه غَذِي، وأكاتبه ليُنْهض إليه راحلته؛ فهاك نيسابور ضَالّته التي نشدتها وقد وجَدْتُها، وخراسان أمنيته التي طلبتها وقد أصَبْتُهَا، وهذه الدولة بغيته التي أرادَها وقد وردتها، فإن صدّقني رائداً، فليَأْتِني قاصِداً.","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"وله إلى بعض إخوانه يعزّيه عن أبيه: وصلَتْ رقعتُك يا سيدي والمصاب لعمر الله كبير، وأنتَ بالجزَع جدير، ولكنك بالعزاءِ أَجدر، والصبرُ عن الأحبة رشد كأنه الغَيُّ، وقد مات الميت فَلْيَحْيَ الحيّ، والآن فاشدُدْ على مالك بالخمس، فأنتَ اليوم غيرُك بالأمس، وكان الشيخُ رحمه الله وكيلك، تَضحك ويبكي لك، وقد موّلك ما ألَف في سراه وسيره، وخلفك فقيراً إلى الله غنياً عن غيره، وسيعجُمُ الشيطان عودَك، فإن استلانك رماك بقوم يقولون: خيرُ المال ما أُتلِف بين الشراب والشباب، وأُنفق بين الحَبَاب والأحباب، والعيش بين القدَاح والأقداح، ولولا الاستعمال، ما أريد المال! فإن أطعتَهم فاليوم في الشراب، وغداً في الخراب، واليوم وَاطَربَا للكَاس، وغَداً واحَرَبَا من الإفلاس، يا مولاي ذلك الخارجُ من العود يسمِّيه الجاهل نَقْراً، ويُسَمِّيه العاقل فقْراً.\rوكذلك المسموع في الناي، هو في الآذان زَمْرٌ، وفي الأبواب سَمْر، فإن لم يجد الشيطان مغمزاً في عودِك من هذا الوجه، رَماك بقوم يمثّلُون الفقرَ حِذَاء عينيك، فتجاهد قلْبَك، وتحاسب بَطْنَك، وتناقش عِرْسك، وتَمْنَع نفسَك، وتتوقّى دنياك بوزرك، وتراه في الآخرهْ في ميزان غَيْرك، لا، ولكن قَصْداً بين الطريقين، وميْلاً عن الفريقين، لا مَنْع ولا إسراف، والبخل فَقْرٌ حاضر، وضرٌ عاجل، وإنما يبخلُ المرء خيفة ما هو فيه: الطويل:\rومن ينفق الساعاتِ في جَمْعِ ماله ... مخافةَ فَقْرٍ فالذي صَنَعَ الفَقْرُ\rوليكن لِلَّه في مالك قسم، وللمروءة قسم؛ فصِلِ الرَّحم ما استطعت، وقدّر إذا قطعت، فلأَنْ تكون في جانب التقدير، خيرٌ من أن تكون في جانب التبذير.\rوله إلى رئيس عناية برجل: كتابي أطال الله بقاء الرئيس، والكاتب مجهول، والكتاب فضول، وبحسب الرأي مَوْقعه، فإن كان جميلاً فهو تَطَوُل، وإن كان شَيْناً فهو تقَوُّل، وأيةً سلك الظنّ فله - أيّده الله تعالى - المنّ، من نيسابور عن سلامةٍ شاملة نسألُ الله تعالى ألا يُلهينا بسكرها، عن شُكرِها، والحمد لله رب العالمين. يقول الشيخ - أيّده الله تعالى - : مَنْ هذا الرجل؟ وما هذا الكتاب؟ فأمّا الرجلُ فخاطِبُ وُدّ أولاً، وموصل شكرٍ ثانياً؛ وأمّا الكتاب فَلِحام أرحام الكرام؛ فإن يعِن الله الكِرامَ؛ تتصِل الأرحام. هذا الشريفُ قد حاربَه زمانُ السوء؛ فأخرجه من البيت الذي بلغ السماءَ مَفْخَراً، ثم طلب فوقه مَظْهَراً؛ وله بعدُ جلالةُ النسب، وطهارةُ الأخلاق، وكرمُ العَهْد، وحضرني فسألته عما وراءه، فأشار إلى ضَالَةِ الأحرار، وهو الكرم مع اليسار، ونبَّه على قَيد الكرام، وهو البِشْر مع الإنعام، وحدَّث عن بَرْدِ الأكباد، وهو مساعدة الزمان للجَوَادِ، ودلَّ على نزهة الأبصار، وهو الثَّرَاء، ومُتْعَة الأسماع، وهو الثناء، وقلّما اجتمعا، وعَزَّ ما وُجِدَا معاً. وذكر أنّ الشيخَ الرئيس - أيّده الله - جماعُ هذه الخيرات، وسألني الشهادةَ له، وبَذْلَ الخط بها، ففعلت، وسألتُ الله إعانته على هِمَته؛ فرأيُ الشيح - أيّده الله تعالى - في الوقوف على ما كتبت، وفي الإجابة - إنْ نَشِطَ - الموفق إن شاء الله.\rوله إلى ابن أخته: وَصَلَ كِتابُك بما ضمّنته من تَظَاهُرِ نعم الله عليك، وعلى أبويك، فسكنت إلى ذلك من حالك، وسألتُ الله بقاءك، وأن يرزقَني لقاءَك، وذكرت مصابك بأخيك، رحمه الله تعالى، فكأنما فتَتَّ عَضُدِي، وطَعْنتَ في كبدي، فقد كنت معتضداً بمكانه، والقدرُ جارٍ لشانه، وكذلك المرء يدبّر، والقضاء يدمّر، والآمال تنقسم، والآجال تَبْتسم، فاللهُ يجعله لك فَرَطاً، ولا يُرِيني فيك سُوءاً أبداً، وأنت إن شاء الله تعالى وارثُ عمره، وسدادِ ثَغْرِه، ونِعْمَ العِوَضُ بقاؤك: الكامل:\rإنَ الأشاءَ إذا أصاب مُشَذِّباً ... منه انْمَهَلَّ ذُراً وأثَّ أسَافِلاَ\rوأبوك سيدي أيّده الله تعالى وألهمه الجميل، وهو الصبر، وأَناله الجزيل، وهو الأجر، وأَمْتَعَهُ بك طويلاً، فما سُؤْتَ بديلاً، وأنت ولدي ما دمت والعلمُ شانك، والمدرسةُ مكانك، والدفتر نَديمك، وإن قصَّرت، ولا إخالك، فغيري خالك.\rوله من كتاب إلى أبي القاسم الداوُدي بسجستان:","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"كتابي - أطال الله بقاء الفقيه - كتابُ مَنْ ينسى الأيام وتذكره، ويطويها وتنشُره، ويبيد أبناء دهره، وراء ظهره، ويخرج أهل زمانه، من ضمانه، فإذا تناولهم بيُمناه، وتسلَّمهم بيسراه، أقسم أنّ صَفْقَته هي الرابحة، وكفته هي الراجحة، وأنا - أيّد الله الفقيه - على قُرْب العهد، بالمهْد، قد قطعت عَرْضَ الأرض، وعاشرت أجناس الناس، فما أحدٌ إلا بالجهل اتّبعته، وبالخبرة بِعْتُه، وبالظّن أخذته، وباليقين نَبَذْتُه، وما حَمْدٌ وضعتهُ في أحد إلا ضيَّعته، ولا مَدْحٌ صَرَفْتُه إلى أحد إلا غربته، ومن احتاج إلى الناس، وزَنَهم بالقِسْطَاسِ، ومن طاف نصف الشرق، فقد لقي رُبعَ الخلق، ومن لم يجد في النِّصْف لَمْحَةً دالّة، لم يجد في الكل غرةً لائحة، وكان لنا صديقٌ يقول: إن عشت تسعين عاماً مت ولم أملك ديناراً؛ لأني قد عشت ثلاثين ولم أملك ثلثها، وهذا لعمري ياس، يُوجبه قياس، وقنوط، بالحجة مَنُوط، ودُعَابة ستكون جِداً، ووراء هذه الجملة مَوجِدَة على قوم، وعَربَدة إلى يوم، والأمير السيد واسعُ مجال الهمم، ثابتُ مكان القَدَم، وأنا في كَنَفِه صائبُ سَهم الأمل، وَافِرُ الجذل، والحمد لله على ما يُوليه، ويُولينا مَعْشَر مَوَاليه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وذرِّيته.\rوله إلى إبراهيم بن حمزة خادم الأستاذ الجليل: قد أتبع قدمَه، إلى الخِدمَة قلمَه، وأتلى لسانَه، في الحاجة بَنَانَه، وقد كان استأذنه في توفير هذا اليوم في مجلس السيد الجليل فأَذِنَ له على عادته السليمة، وشيَمتِه القويمة، ومَنْ وَجد كَلأً رَتَع، ومَنْ صادف غيثاً انتجَعَ، ومن احتاج للحاجات سَأل، وبَقي أن يشفع الأستاذ الجليل بإزاء الحوض عَفَرَهُ، وينظم إلى رَوضِ الإحسان مطره، ويطرِّز أنسَنَا بأبي فلان؛ فقد وُصِفَ لي حتى حننت شوقاً إليه، ووَجْداً به، وشَغفاً له، وغُلُواً فيه، ورَأيهُ في الإصغاء إلى الكرم عالِ، إن شاء الله تعالى.\rومن إنشائه في مقامات أبي الفتح السكندري:","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"حدّثنا عيسى بن هشام قال: حداني إلى سجستان أرب، فاقتعدت طِيَّتَه، وامتطيتُ مَطِيَّتَه، واستخَرْتُ الله تعالى في العَزْمِ حَدَوْتُه أمامي، والحزم جعلته قدَّامي، حتى هداني إليها، ووافيت دروبَها، وقد وافت الشمس غُروبَها، واتفق المبيتُ حيثُ انتهيت؛ ولمّا انتُضِي نَصْلُ الصباح، وبرز جَبينُ المصباح، مضيتُ إلى السوق أتّخذ منزلاً، فحيث انتهيتُ من دائرة البلد إلى نُقْطتها، ومن قلادة السوقِ إلى واسِطَتها، خَرقَ سَمْعِي صوتٌ له من كلِّ عِرقٍ معنى، فانتحيتُ وَفْدَهُ، حتى وقفتُ عنده؛ فإذا رجلٌ على فرسه، مختنق بنَفَسِه، قد ولاني قَذالَه وهو يقول: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرَِّفهُ بنفسي، أنَا باكورةُ اليمن، أنا أحدوثة الزمن، أنا أُدْعِيَّة الرجال، وأُحْجيَّة ربّات الحِجَال، سلُوا عني الجبال وحُزونَها، والبحار وعيونَها، والخيلَ ومتونها، مَنِ الذي ملك أسوارها، وعرف أسرارها، ونهج سَمْتَها، وولج حَرَّتَها؟ وسلوا الملوكَ وخزائنها، والأغلاق ومعادنِها، والعلوم وبواطنِهَا، والخطوبَ ومَغَالِقها، والحروبَ ومضايِقَها، مَن الذي أخذ مختزَنَها، ولم يؤدّ ثمنَها؟ ومن الذي ملك مفاتِحها، وعرف مصالحها؟ أنا والله فعلتُ ذلك، وسفَرتُ بين الملوك الصِّيد، وكشفت أستارَ الخطوب السُّود. أنا والله شهدت حتى مصَارعَ العُشّاق، ومرِضتُ حتى لِمَرضِ الأحداق، وهصَرْتُ الغصونَ الناعمات، وجنَيْت جنى الخدود المورَّدَات، ونَفرْتُ عن الدنيات نفورَ طبْع الكريم عن وجوه اللئام، ونَبوْتُ عن المحرمات نبوَّ سمع الشريفِ عن قبيح الكلام، ولآن لما أسْفرَ صُبْحُ المشيب، وعَلتْني أُبَّهة الكِبَر، عَمدْتُ لإصلاح أمْرِ المعادِ، بإعداد الزَّاد، فلم أرَ طريقاً أهدى إلى الرشاد ممّا أنا سالِكُه، يَراني أحدُكم راكب فرس وهَوَس، فيقول: هذا أبو العجَب، لا، ولكني أبو العجائب، عايَنتها وعانَيْتُها، وأمُّ الكبائر قايَسْتها وقاسَيْتها، وأخو الأعْلاق، صَعْباً أخذتها، وهوناً أضعتها، وغالياً اشتريتها، ورخيصاً بِعتها؛ فقد والله صحِبْتُ لها المواكب، وزاحَمْتُ المناكِبَ، ورَعَيت الكواكبَ، وأنْضَيْتُ الركائب، ولا من عليكم، فما حصلتها إلا لأمري، ولا أَعددتها إلا لنفسي، لكني دُفِعْتُ إلى مكاره نَذَرْتُ معها ألا أدخِرَ عن المسلمين نَفْعَها، ولا بدّ لي أن أخلع رِبْقَة هذه الأمانة من عُنقي إلى أعناقكم، وأعرِضَ دوائي هذا في أسواقكم، فليشْتَرِه مني من لا يتقززُ من موقف العبيد، ولا يأنفُ من كلمةِ التوحيد، ليَصُنْه من أنجَبتْ جدودُه، وسُقي بالماء الطَّاهر عودُه.\rقال عيسى بن هشام: فدُرت إلى وجهه لأعلم عِلْمَه، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندري، وانتظرت إجفالَ النعامة بين يديه، ثم تعرّضت فقلت: كم يُحِلّ دواءك هذا؟ قال: يُحِل الكيسُ ما مست الحاجةُ، فانصرفت وتركته.\rومن إنشائه في هذا الباب: حدّثنا عيسى بن هشام قال: بينا أنا بمدينة السلام، قافلاً من البيت الحرام، أمِيس مَيس الرِّجْلَة، على شاطئ الدّجلة، أتأمّل تلك الطرائف، وأتقصَّى تلك الزخارف، إذ انتهيت إلى حَلْقة رجال مزدحمين، يَلْوِي الطَرَبُ أعناقَهم، ويشق الضحِك أشداقَهم، فساقني الحِرْصُ إلى ما ساقهم، حتى وقَفْتُ بمَسْمَعِ صوتِ رجل دون مَرْأَى وجهه، لشدّة الهَجْمَة، وفَرْطِ الزحمة، وإذا هو قَرَّاد يُرْقِص قردَه، ويُضْحِك مَنْ عنده، فرقصت رَقْص المحرج، وسرت سيرَ الأتْرج، فوق أعناق الناس، يلفظُني عاتقُ هذا لِسُرَّة ذاك، حتى افترشت لِحْيَة رجلين، وقعدت بين اثنين، وقد أشرَقني الخجل برِيقه، وأَرهقني المكانُ لضيقه، فلمّا فرغَ القُرّادُ من شُغْله، وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كساني الرّيب حُلَّته، ووقفت لأرى صورتَه، فإذا أبو الفتح الإسكندري، فقلت: ما هذه الدناءة؟ ويحك! فقال: مجزوء الكامل:\rالذنبُ للأيام لا لِي ... فاعْتِبْ على صَرْفِ اللَّيالِي\rبالحُمْقِ أدركْتُ المُنَى ... ورَفَلْتُ في ثَوْبِ الجمالِ","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"ومن إنشائه في هذا الباب أيضاً: حدثنا عيسى بن هشام قال: كنت بأصفهان أعتَزِم المسيرَ إلى الرَّي، فحللتها حلولَ الفَيّ، أتوقَّع الثقْلَة كل لَمْحة، وأترقِّب الرَّحْلة كلّ صَبْحَة؛ فلما حُمَّ ما توقعته، وأزِف ما ترقَّبته، نُودي للصلاة نداءً سمعتُه، وتعين فَرضُ الإجابة؛ فانسَلَلْتُ من بين الصحابة، أغتنم الجماعة أُدْرِكها، وأخشى فواتَ القافلة أتركها، لكني استعنْتُ ببركة الصلاة، على وَعْثَاء الفَلاة؛ فصِرْتُ إلى أول الصفوف، ومَثَلْتُ للوقوف، وتقدم الإمام للمِحْرَاب، وقرأ فاتحةَ الكتاب، وثنى بالأحزاب، بقراءة حمزة، مدّةً وهمزة، وأتبع الفاتحة بالواقعة، وأنا أتصلَّى بنار الصبر وأتصلَّب، وأتقلى على جمر الغيظ وأتقلَّب، وليس إلا السكوت والصبر، أو الكلامُ والقبر، لِمَا عرفت من خشونة القوم في ذلك المقام، أن لو قطعتُ الصلاة دون السلام، فوقفتُ بقَدَم الضرور على تلك الصورة، إلى انتهاء السورة، وقد قَنِطْت من القافلة، ويَئِسْتُ من الراحلة، ثم حنى قَوْسَه للركوع، بنوعٍ من الخشوع، وضربٍ من الخضوع، لم أَعْهَدْه قبل ذلك، ثم رفع رأسه ويدَه، وقال: سَمِع الله لمن حمده، وقام، حتى ما شكَكْتُ أنه نام، ثم أكَبَّ لوجهه، فرفعت رأسي أَنتهز فُرْصة، فلم أَرَ بين الصفوف - فُرْجة، فعُدْت للسجود، حتى كبَّر للقعود، وقام للركعة الثانية، وقرأ الفاتحة والقارعةَ، قراءةً استَوْفَى فيها عُمْرَ الساعة، واسترق أرواح الجماعة، فلمّا فرَغ من ركعتيه، مال للتحية بأَخْدَعَيْه، فقلت: قد قَرُب الفرج، وآن المخرج، فقام رجل فقال: مَنْ كان منكم يحبُّ الصحابة والجماعة، فليُعِرْني سَمْعه ساعة.\rقال عيسى بن هشام: فلزِمْتُ أَرضي، صيانةً لعرضي، فقال: حقيق عليَّ ألا أقولَ على الله إلا الحق، قد جئتُكم ببشارة من نبيّكم، لكني لا أُؤَدِّيها حتى يطهِّرَ الله هذا المسجد من نَذْلٍ جحد نبوّته، وعَادَى أُمَته.\rقال عيسى بن هشام: فرَبطني بالقيود، وشدَّني بالحبال السُّود، ثم قال: رأيتُه، صلى الله عليه وسلم، في المنام كالشمس تحت الغمام، والبدر ليلة التمام، يسيرُ والنجمُ يَتْبَعه، ويسحبُ الذيْل والملائكة تَرْفَعُه، ثم علّمني دعاءً، وأوصاني أن أُعلِّم ذلك أمَّتَه، وقد كتبتُه في هذه الأوراق بخَلوقٍ ومسك، وزعفران وسُكّ؛ فمن استوهَبَه مني وهَبْتُه، ومن أعطَى ثمنَ القِرْطَاس أخذته.\rقال عيسى بن هشام: فاثثالَتْ عليه الدراهم، حتى حيَّرَته؛ ونظرت فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فقلت: كيف اهتديت إلى هذه الحيلة؟ ومتى اندرجت في هذه القبيلة؟ فأنشأ يقول: المجتث:\rالناسُ حُمْرٌ فجَوِّزْ ... وابْرُزْ عليهمِ وبَرِّزْ\rحتى إذا نِلْتَ منهُمْ ... ما تشتهيه ففزوِزْ\rجارية تبذّ كبار الشعراء\rوصفت لعبد الملك بن مروان جارية لرجل من الأنصار ذات أدب وجمال، فساومه في ابتياعها، فامتنع وامتنعت، وقالت: لا أحتاجُ للخلافة ولا أرغبُ في الخليفة، والذي أنا في ملكه أحبُّ إليّ من الأرض ومَنْ فيها. فبلغ ذلك عبد الملك فأغراه بها؛ فأَضعف الثمن لصاحبها وأَخذها قَسْراً، فما أعجب بشيء إعجابه بها، فلمّا وصلت إليه، وصارت في يديه، أمرها بلزوم مجْلِسه، والقيامِ على رأسه؛ فبينما هي عنده، ومعه ابْنَاهُ الوليد وسليمان، قد أَخلاهما للمذاكرة، فأقبل عليهما فقال: أيُّ بيت قالته العرب أمدح؟ فقال الوليد: قول جرير فيك: الوافر:\rأَلسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأَندَى العالمينَ بُطُونَ راحِ؟\rوقال سليمان: بل قول الأخطل: البسيط:\rشُمْسُ العَداوةِ حتى يُستقادَ لهمْ ... وأَعظمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَرُوا\rفقالت الجارية: بل أمدح بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت: الكامل:\rيُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرَّ كلابُهُمْ ... لا يَسْألون عن السَّوادِ المُقْبِلِ\rفأطرق، ثم قال: أي بيت قالته العرب أرق؟ فقال الوليد: قولُ جرير: البسيط:\rإنّ العيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ ... قَتلْنَنَا ثم لم يُحْيينَ قَتْلاَنا\rفقال سليمان: بل قولُ عمر بن أبي ربيعة: الخفيف:\rحَبَذَا رَجْعُها يَدَيْهَا إليها ... من يَدَيْ دِرْعها تَحُلُّ الإزَارا","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"فقالت الجارية: بل بيت يقوله حسان: الخفيف:\rلو يَدب الحولي من ولد الذ ... رّ عليها لأنْدَبَتْها الكُلومُ\rفأطرق، ثم قال: أي بيت قالته العرب أشجع؟ فقال الوليد: قول عنترة: الكامل:\rإذْ يَتَّقونَ بيَ الأَسِنَةَ لم أَخِمْ ... عنها، ولو أنِّي تَضَايَقَ مَقْدَمي\rفقال سليمان: بل قوله الكامل:\rوأنا المنيَّةُ في المواطن كلِّها ... فالموتُ مني سابق الآجالِ\rفقالت الجارية: بل بيت يقوله كعب بن مالك: الكامل:\rنَصِلُ السيوف إذا قَصُرْنَ بِخَطْوِنا ... قُدُماً ونلحقها إذا لم تلحقِ\rفقال عبد الملك: أحسنْت، وما نرى شيئاً في الإحسان إليك أبْلَغ من رَدِّك إلى أهلك. فأجمل كسْوَتها، وأحسن صِلَتَها، وردها إلى أهلها.\rومثل قول كعب بن مالك قول نَهْشَل بن حَرِّيّ: البسيط:\rإنّا بني نَهْشَل لا ندَّعي لأبٍ ... عنهُ، ولا هو بالأبناء يَشْرينا\rإن تُبْتَدرْ غاية يوماً لِمَكْرُمَةٍ ... تَلْقَ السوابقَ منّا والمُصَلَينا\rإنا لَمِنْ مَعْشَرٍ أَفنَى أوائِلَهمْ ... قولُ الكماةِ: ألا أين المحامونا؟\rلو كان في الألف منا واحدٌ فدَعَوا: ... مَنْ فارسٌ؟ خالَهمْ إياهُ يَعْنُونا\rإذا الكُماة تأبّوا أن ينالهمُ ... حدُّ السيوفِ وصلْناها بأيدينا\rإنما أردت هذا البيت.\rوقولُه:\rلو كان في الألف منا واحد\rأخذه من قول طَرَفَة بن العبد: الطويل:\rإذا القوم قالوا مَنْ فَتىً؟ خِلْتُ أنني ... عُنِيتُ فلم أكْسَلْ ولم أتبلّدِ\rترجمة نَهْشَل بن حَرِّيٍّ\rوكان نهشل شاعم ظريفاً، وهو نَهشَل بن حَرِّيّ بن ضَمْرَة بن جابر بن قَطَن بن نهشَلْ بن دارم، وكان اسم جده ضمرةَ هذا: شِقّةَ، ورد على النعمان بن المنذر فقال: من أنت؟ فقال: أنا شِقّة، وكان قضيفاً نحيفاً دميماً، فقال له النعمان: تَسْمَعُ بالمعيديّ لا أن تراه، والمُعَيْدِي: تصغير المعدِّيِّ، فذهبت مثلاً، فقال: أبيتَ اللعنَ! إن الرجال لا تُكال بالقُفزان، وليست بمُسُوك يسْتَقَى بها من الغُدرَان، وإنما المرءُ بأصغَرَيْه قلبه ولسانه إذا نطق نطق ببيان، وإذا قَاتلَ قاتل بجَنانٍ، فقال: أنت ضَمْرة! ونهْشَل هو الْقائل: الطويل:\rويومٍ كأنَّ المُصْطَلِين بِحَرِّهِ ... وإن لم يكن جَمْرٌ قيامٌ على الجَمْرِ\rأقمْنا به حتى تجلّى، وإنما ... تُفَرَّجُ أيامُ الكريهةِ بالصَّبْرِ\rأمدح بيت\rوكان عبدُ الملك يقول: يا بني أمية، أحسابُكم أعراضُكم، لا تعرضوها على الجهال، فإنّ الذمَّ باقٍ ما بقيَ الدهر؛ والله ما سرَّني أني هُجِيت ببيت الأعشى، وأن لي طلاَعَ الأرض ذَهَباً، وهو قوله في عَلقمة بن عُلاَثة: الطويل:\rيبيتون في المشْتَى مِلاءً بطونهم ... وجاراتُهُمْ غَرْثى يَبِتْنَ خمائصا\rوالله ما يُبَالي مَن مُدِحَ بهذين البيتين ألا يُمْدَحَ بغيرهما، وهما قول زهير: الطويل:\rهنالك إن يُسْتَخبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا ... وإن يُسْألوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا\rعلى مُكْثِريهمْ حقُّ مَنْ يَعْتَريهمُ ... وعند المُقلِّينَ السماحةُ والبَذْلُ\rوقال ابنُ الأعرابي: أمدحُ بيتٍ قاله المحدثُونَ قولُ أبي نواس: الطويل:\rأخذْتُ بحَبْلٍ من حبال محمدٍ ... أمِنْتُ به من طارقِ الحَدَثانِ\rتغطَّيتُ من دهري بظلِّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني\rفلو تُسْأَل الأيامُ عني ما دَرَتْ ... وأين مكاني ما عَرَفْنَ مكاني","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"وهذا كقول - أعرابي، ذكر بعضُ الرواة أنّ مالك بن طَوْق كان جالساً في بَهْوٍ مطلّ على رحبته ومعه جلساؤه، إذ أقبل أعرابي تخُبّ به ناقتُه، فقال: إياي أراد، ونحوي قصد، ولعل عنده أدباً يُنتفع به. فأمر حاجبه بإدخاله، فلمّا مثل بين يديه قال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: الأمل في سَيْب الأمير والوجاء لنائله. قال: فهل قدّمت أمام رغبتك وْسيلة؟ قال: نعم، أربعة أبيات قلتها بظهر البرية، فلمّا رأيت ما بباب الأمير من الأبهة والجلالة استصغرتها، قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك؟ ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتُك أحسن فقد ربحنا عليك، وإلاّ قد نلْتَ مرادك وربحْتَ علينا، قال: قد رضيت، فأنشده: الطويل:\rومازلتُ أخشى الدهر حتى تعلّقت ... يداي بمن لا يَتَّقِي الدهْرَ صاحبُهْ\rفلمّا رآني الدهر تحت جناحه ... رأى مُرْتَقًى صعباً منيعاً مطالبُهْ\rوأني بحيث النجمُ في رأس باذخٍ ... تُظِلُّ الورى أكنافُه وجوانبُهْ\rفتى كسماءِ الغيث والناسُ حولَه ... إذا أجدبوا جادتْ عليهم سحائبُهْ\rقال: قد ظفرنا بك يا أعرابي، والله ما قيمتها إلا عشرة آلاف درهم. قال: فإن لي صاحباً شاركته فيها ما أراه يرضى بيعي، قال: أتراك حدَّثت نفسك بالنكث؟ قال: نعم، وجدتُ النكث في البيع أيسرَ من خيانة الشريك، فأمر له بها.\rأنصف بيت وأصدق بيت\rوأنصف بيتٍ قالته العربُ قولُ حسان بن ثابت لأبي سفيان بن الحارث في جوابه عمّا هجا به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وروى محمد بن عمار عن أبيه قال: أنشد النبيَّ حسانُ بن ثابت قوله: الوافر:\rهَجَوْتَ محمداً، فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاءُ\rفقال النبيّ عليه السلام: جزاؤك الجنة يا حسَّان.\rفلما انتهى إلى قوله:\rفإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعِرْضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ\rقال النبيّ عليه السلام: وقاك الله حَرَّ النار.\rفلمّا قال:\rأتهْجُوهُ ولستَ له بِكُفْءٍ ... فشرُّ كما لخيركما الفداءُ\rقال مَنْ حضر: هذا أنصفُ بيت قالته العرب.\rوأصْدَقُ بيت قالته العرب وأمدحُه قولُ كعب بن زهير في رسول الله، صلى الله عليه وسلم: البسيط:\rتحمله الناقة الأدماء مُعْتَجِراً ... بالبُرْدِ كالبدر جلًّى ليلة الظّلَمِ\rوفي عِطَافَيْهِ أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم\rوقال الأصمعي: والجهال يروون هذا البيت لأبي دهبل، واسمه وهبُ بن ربيعة، في عبد الله بن عبد الرحمن الأزرق والي اليمامة، والصواب ما ذكرناه، وهو بصفات النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أعْلَق، وبمدحه أليق.\rألفاظ لأهل العصر في ذكر النبي\rصلى الله عليه وسلم:","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"سليل أكرم نَبْعة، وقريع أشرف بقعة. جاب بأمّته الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم بالظل بعد الحَرور. وهو خيرَةُ الله من خلقه، وحجّته في أرضه. الهادي إلى حقه، والمُنْبه على حكمه. والداعي إلى رُشدِه، والآخذُ بفرضه. مباركٌ مولده، سعيدةٌ غرّته، قاطعةٌ حجَّتُه، ساميةٌ درجتُه، ساطع صباحُه، متوفد مصباحُه، مُظَفْرةٌ حروبُه، مُيَسَّرة خطوبُه، قد أفردَ بالزعامة وحده، وخُتِمَ بأن لا نبيَّ بعده. يُفصَح بشِعَاره على المنابر، وبالصلاة عليه في المحاضر، وتعمر بذكره صدورُ المساجد، وتستوي في الانقياد له حالة المقر والجاحد. آخر الأنبياء في الدنيا عمراً، وأولهم يوم القيامة ذكراً، وأرجحهم عند الله ميزاناً، وأوضحهم حجَّة وبرهاناً. صدعَ بالرسالة، وبلغ بالدلالة، ونقل الناس عن طاعة الشيطان الرجيم. أرسله الله قمراً للإسلام منيراً، وقدراً على أهل الضلال مبيراً. صلى الله عليه وسلم. خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات. خير مبعوث، وأفضل وارث وموروث. وخير مولود، دعا إلى خير معبود. صلى الله على كاشف الغمّة عن الأمّة. الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، الداعي إلى الصدق، الذي ملك هَوَاديَ الهدى، ودلَّ على ما هو خيرٌ وأبقى صلى الله عليه بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعِقاب. صلى الله على أتمِّ بريّته خيراً وفضلاً، وأطيَبهم فرعاً وأصلاً، وأكرمهم عوداً ونجاراً، وأعلاهم منصباً وفخاراً، وعلى أهله الذين عظمهم توقيراً، وطهّرهم تطهيراً هم مقاليد السعادة ومفاتيحها، ومعارجُ البركةِ ومصابيحها. أعلام الإسلام وأيمان الإيمان. الطيبون الأخيار، الطاهرون الأبرار. الذين أذهب عنهم الأرجاس، وجعل مودتهم واجبةً على الناسِ. هم حَبْل الهدى وشجرة الإيمان، أصلها نبوَّة، وفرعها مروَّة، وأغصانها تنزيل، ورقاتُها تأويل، وخَدَمُهَا ميكال وجبريل.\rولبديع الزمان إلى بعض الأشراف في درج كلام تقدَّم: إن جعلنا نَعُدُّ فخاركم، ونحُدُّ آثاركم، نفد الحصى قبل نفودِها، وفنِيت الخواطرُ، قبل أن تفنى المآثر، ولم لا؟ وإن ذُكِر الشرف فأنتم بنو بَجْدته، أو العلم فأنتم عاقدو إزرته. أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم لابسو جلدته، أو التواضع صبرتم لشدَّته، أو الرأي صُلْتُم بحدّته، وإنَ بيتاً تولى الله عز وجلّ بناءه، ومهّدَ الرسولُ عليه السلام فناءه، وأقام الوصيُّ رضوان الله عليه عماَده، وخدم جبريلُ عليه السلام أهله، لحقيق أن يُصانَ عن مدح لسانٍ قصير.\rوذكر النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، أعرابيٌّ فقال: بأبي وأمي رسول ربّ العالمين، ختمت به الدنيا، وفتحت به الآخرة، صلى الله عليه وسلم، به يَبدأ الذكرُ الجميلُ ويختم.\rإلى هذا المكان أمسكت العنان. والإطنابُ في هذا الكتاب يعظم ويتسع، بل يتّصل ولا ينقطع؛ إذ كان غرضي فيه أن ألمح المعنى من معانيه، ثم أنجرّ معه حيث انجرَّ، وأمرّ فيه كيف مرَّ، وآخذ في معنى آخر غير موصول بشكله، ولا مقرون بمثله، وقد أخلّ نظاماً، وأفرد تؤاماً، نَشْراً لبساط الانبساط، ورغبة في استدعاء النشاط. وهذا التصنيف لا تُدرك غايتُه، ولا تبلغ نهايته، إذ المعاني غير محصورة بعدد، ولا مقصورة إلى أمد. وقد أبرزتُ في الصدر، صفحةَ العُذْر، يجولُ فرِندُها، ويثقبُ زندها، وذلك أني ما ادَّعيتُ فيما أتيتُ إلا ما لا يكون ما تركته أفضل ممّا أدركتُه، وأني لم أسلك مذهباً مخترعاً لم أسبَق إليه، ولا قصدت غرضاً مبتدعاً لم أغلَبْ عليه، ومن ركب مطيّة الاعتذار، واجتنب خطيّة الإصرار، فقد خرج من تَبِعة التقصير، وبرئ من عهدة المعاذير.\rوأمّا بعد، فإن أحق من احتكِم إليه واقتصر عليه الاعترافُ بفضل الإنصاف، وليعلم من يُنْصِف أنّ الاختيارَ ليس يعلم ضرورة، ولا يوقَف له على صورة، فيكثر الإغماض، ويقلّ الاعتراض، ويعلم أنَّ ما لا يقع بهواه، قد يختاره سواه، وكل يَعمل اقتدارَه، ويحسن اختياره، فلو وقع الاجتماع على ما يُرضي ويُسْخِط، ويثبَتُ ويسقَط، لارتفع حجاجُ المختلفين، في أمر الدنيا والدين.\rوقال المتنبي: البسيط:\rتَخالَفَ الناسُ حتى لا اتّفاقَ لهمْ ... إلاَّ على شَجَبٍ والخُلْفُ في الشَجَبِ\rفقيل: تَخْلُصُ نَفْسُ المرءِ سالمةً ... وقيل: تَشْرَكُ جِسْمَ المرء في العَطَبِ","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"الشجب: الموت، وهي لفظة معروفة، وإن كانت غير مألوفة عند أهل النقد. وقد أنكرها البحتري على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في مجاذبته إياه حيث يقول: الخفيف:\rوَلَوَ أنَ الحكيم وازنَ في ال ... لَفْظِ واختارَ لم يُقَلْ شَجَبُهْ\rوكان أبو الطيب نظر إلى ما رواه أبو ظبيان، قال: اجتمع نفرٌ من أهل الكلام على رجل من الملحدين، فجعلوا لا يأتون بمسألة إلا سألهم الدليلَ عليهم، وناقضهم فيها، فأعياهم كثرةُ ما يقول ويقولون، فقال بعضهم: أمّا بعد، فإن الموت لا شكَّ فيه، فقال الملحد: ما رأيتُ خاطباً وواعظاً وشاهداً لا يُردّ أوجز منه، وقلّما ترى معنًى إلا وهو يدَافع أو يناقَض، ويُحَارُ به عن سواءِ المحجّة. وقيل: من طلب عيباً وجده. قال أبو عمرو بن سعيد القُطْرُبلي: ليس من بيتٍ إلا وفيه لطاعنٍ مَطْعَن، إلا قول الحطيئةُ: البسيط:\rمَنْ يفعلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جوازيَهُ ... لا يذهبُ العُرْفُ بين الله والناسِ\rوقول طَرَفَةَ بن العبد: الطويل:\rسَتُبْدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبار من لم تُزَوِّدِ\rوقول علي بن زيد: الطويل:\rعن المرء لا تسَلْ وسَلْ عن قرينه ... فكل قرينٍ بالمقارنِ مُقْتَدِ\rوللعلم بذلك قال قتيبة بن مسلم لأبي عيّاش المنتوف، وقد دخل عليه وبين يديه سلة زعفران: أنشدني بيتاً لا يصارف ولا يكذَّب وهي لك، فأنشده ما ليس لطاعن فيه مطعن: الطويل:\rفما حَمَلَتْ من ناقةٍ فوق كورها","part":1,"page":464}],"titles":[{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":1,"sub":0},{"id":9,"title":"بعض ما قاله الرسول الكريم","lvl":1,"sub":0},{"id":12,"title":"بعض ما قاله أبو بكر الصديق","lvl":1,"sub":0},{"id":14,"title":"بعض ما قاله عمر بن الخطاب","lvl":1,"sub":0},{"id":14,"title":"فصول قصار من كلامه رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":15,"title":"ومن كلام عثمان بن عفان","lvl":1,"sub":0},{"id":15,"title":"رضي الله عنه:","lvl":1,"sub":1},{"id":16,"title":"من كلام علي بن أبي طالب","lvl":1,"sub":0},{"id":16,"title":"رضي الله عنه","lvl":1,"sub":1},{"id":20,"title":"من كلام الصحابة والتابعين","lvl":1,"sub":0},{"id":22,"title":"فقر لجماعة الصحابة والتابعين","lvl":1,"sub":0},{"id":22,"title":"رضي الله عنهم","lvl":1,"sub":1},{"id":23,"title":"بعض ما قاله أهل البيت","lvl":1,"sub":0},{"id":23,"title":"فصل لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ","lvl":1,"sub":1},{"id":23,"title":"في ذكر قريش، وبني هاشم","lvl":1,"sub":2},{"id":25,"title":"ألفاظ لأهل العصر في","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"ذكر المصيبة بأبناء النبوة","lvl":1,"sub":1},{"id":25,"title":"عود إلى بعض ما قاله أهل البيت","lvl":1,"sub":2},{"id":31,"title":"رجع إلى ما انقطع","lvl":1,"sub":0},{"id":39,"title":"ألفاظ لأهل العصر في أوصاف الأشراف","lvl":1,"sub":0},{"id":39,"title":"لها في هذا الموضع موقع","lvl":1,"sub":1},{"id":39,"title":"بدء الكتاب","lvl":1,"sub":2},{"id":40,"title":"في البلاغة","lvl":1,"sub":0},{"id":41,"title":"ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن","lvl":1,"sub":0},{"id":41,"title":"رجع إلى البلاغة","lvl":1,"sub":1},{"id":43,"title":"الإطالة والإيجاز","lvl":1,"sub":0},{"id":46,"title":"أوصاف بليغة في البلاغات","lvl":1,"sub":0},{"id":46,"title":"على ألسنة أقوام من أهل الصناعات","lvl":1,"sub":1},{"id":47,"title":"فقر في وصف البلاغة لغير واحد","lvl":1,"sub":0},{"id":48,"title":"ومن كلام أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":48,"title":"في صفة البلاغة والبلغاء","lvl":1,"sub":1},{"id":49,"title":"ومن ألفاظهم","lvl":1,"sub":0},{"id":49,"title":"في وصف النظم والنثر والشعر والشعراء","lvl":1,"sub":1},{"id":51,"title":"وهذه جملة من فصول أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":51,"title":"تليق بهذا الموضع","lvl":1,"sub":1},{"id":55,"title":"وهذه مقطعات لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":55,"title":"في وصف البلاغة","lvl":1,"sub":1},{"id":57,"title":"وصف الكتب","lvl":1,"sub":0},{"id":58,"title":"فقر في الكتب","lvl":1,"sub":0},{"id":58,"title":"جملة من ألفاظ أهل العصر في صفة الكتب","lvl":1,"sub":1},{"id":58,"title":"وتهاديها، وما يتعلق بأسمائها ومعانيها","lvl":1,"sub":2},{"id":60,"title":"نموذج في وصف الكتب","lvl":1,"sub":0},{"id":61,"title":"في محادثة الجليس","lvl":1,"sub":0},{"id":64,"title":"رجع إلى البلاغة","lvl":1,"sub":0},{"id":65,"title":"في الظرف والملح والمزاح","lvl":1,"sub":0},{"id":67,"title":"ما قيل في النسيب والغزل","lvl":1,"sub":0},{"id":74,"title":"في باب الوصف","lvl":1,"sub":0},{"id":75,"title":"وصف الدور والقصور","lvl":1,"sub":0},{"id":77,"title":"ألفاظ لأهل العصر في وصف الماء","lvl":1,"sub":0},{"id":77,"title":"وما يتصل به","lvl":1,"sub":1},{"id":78,"title":"ولهم في مقدمات المطر","lvl":1,"sub":0},{"id":78,"title":"وفي الرعد والبرق","lvl":1,"sub":1},{"id":78,"title":"ويتصل بهذه الأنحاء","lvl":1,"sub":2},{"id":81,"title":"ألفاظ لأهل العصر في ذكر التقى والزهد","lvl":1,"sub":0},{"id":82,"title":"في الحسد","lvl":1,"sub":0},{"id":82,"title":"ألفاظ لأهل العصر في ذكر الحسد","lvl":1,"sub":1},{"id":83,"title":"آداب الجلوس","lvl":1,"sub":0},{"id":84,"title":"سير الملوك وأخبارهم","lvl":1,"sub":0},{"id":85,"title":"قطعة صادرة من أقوال الملوك","lvl":1,"sub":0},{"id":85,"title":"دالة على فضل كرمهم وبعد هممهم","lvl":1,"sub":1},{"id":86,"title":"ومن كلام أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":86,"title":"ومن كلام الملوك الجاري مجرى الأمثال","lvl":1,"sub":1},{"id":90,"title":"فقر تتصل بهذه الأبيات، وفي وصف الشباب","lvl":1,"sub":0},{"id":90,"title":"ويتعلق بهذه الألفاظ ألفاظ لهم","lvl":1,"sub":1},{"id":90,"title":"في نجابة الشباب وترشحهم للمعالي","lvl":1,"sub":2},{"id":92,"title":"ما قيل في الثغر","lvl":1,"sub":0},{"id":94,"title":"وعلى ذكر التوأمين ألفاظ","lvl":1,"sub":0},{"id":94,"title":"لأهل العصر في التهنئة بتوأمين","lvl":1,"sub":1},{"id":95,"title":"في الهجاء","lvl":1,"sub":0},{"id":95,"title":"رجع إلى ما قيل في الثغر","lvl":1,"sub":1},{"id":96,"title":"أملح الشعر وأرقه","lvl":1,"sub":0},{"id":104,"title":"في معان أخرى","lvl":1,"sub":0},{"id":105,"title":"جملة من كلام بديع الزمان الهمداني","lvl":1,"sub":0},{"id":105,"title":"أبي الفضل أحمد بن الحسين","lvl":1,"sub":1},{"id":108,"title":"قطعة من مفردات الأبيات لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":108,"title":"في معان شتى تجري مجرى الأمثال","lvl":1,"sub":1},{"id":112,"title":"أبو العيناء","lvl":1,"sub":0},{"id":115,"title":"هروب إبراهيم بن المدبر من السجن","lvl":1,"sub":0},{"id":116,"title":"أخبار صاحب الزنج","lvl":1,"sub":0},{"id":116,"title":"رجع إلى أخبار أبي العيناء","lvl":1,"sub":1},{"id":116,"title":"ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام","lvl":1,"sub":2},{"id":116,"title":"ومقدماته، وموائده، وآلاته","lvl":1,"sub":3},{"id":120,"title":"ألفاظ تناسب هذا النحو لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":120,"title":"في صفات الفواكه والثمار","lvl":1,"sub":1},{"id":120,"title":"ما قيل في وصف الليل والصيد واللهو","lvl":1,"sub":2},{"id":121,"title":"وصف منبج","lvl":1,"sub":0},{"id":121,"title":"ألفاظ في هذا المعنى لأهل العصر","lvl":1,"sub":1},{"id":121,"title":"الفضل بن سهل","lvl":1,"sub":2},{"id":123,"title":"في وصف الخيل","lvl":1,"sub":0},{"id":128,"title":"ما قيل في المواعد","lvl":1,"sub":0},{"id":129,"title":"في البر والإنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":130,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":130,"title":"في العجز عن الشكر لتكاثر الإنعام والبر","lvl":1,"sub":1},{"id":131,"title":"أبو العتاهية","lvl":1,"sub":0},{"id":133,"title":"عمر بن العلاء","lvl":1,"sub":0},{"id":134,"title":"سبحان الخالق الكريم","lvl":1,"sub":0},{"id":134,"title":"ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال","lvl":1,"sub":1},{"id":135,"title":"من أخبار نصيب وشعره","lvl":1,"sub":0},{"id":136,"title":"في باب المدائح","lvl":1,"sub":0},{"id":137,"title":"ابن أبي دواد","lvl":1,"sub":0},{"id":138,"title":"خالد بن عبد الله القسري","lvl":1,"sub":0},{"id":138,"title":"أبو تمام والأفشين","lvl":1,"sub":1},{"id":139,"title":"أهل النفاق","lvl":1,"sub":0},{"id":139,"title":"ويتعلق بهذه المقامة","lvl":1,"sub":1},{"id":139,"title":"فصل في غرائب التكاتب","lvl":1,"sub":2},{"id":141,"title":"ألفاظ لأهل العصر في التهاني بالبنات","lvl":1,"sub":0},{"id":141,"title":"مديح النساء","lvl":1,"sub":1},{"id":143,"title":"كثير عزة","lvl":1,"sub":0},{"id":144,"title":"في الطول والقصر","lvl":1,"sub":0},{"id":145,"title":"رجع إلى كثير عزة","lvl":1,"sub":0},{"id":145,"title":"فصول قصار","lvl":1,"sub":1},{"id":146,"title":"شذور لأهل الصر في معان شتى","lvl":1,"sub":0},{"id":146,"title":"شمس المعالي ابن وشمكير","lvl":1,"sub":1},{"id":148,"title":"البرامكة","lvl":1,"sub":0},{"id":150,"title":"مذهب التجنيس في الغزل","lvl":1,"sub":0},{"id":152,"title":"فقر في ذكر العلم والعلماء","lvl":1,"sub":0},{"id":153,"title":"استعارات فقهية تليق بهذا المكان","lvl":1,"sub":0},{"id":153,"title":"ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان","lvl":1,"sub":1},{"id":155,"title":"أبو علي البصير","lvl":1,"sub":0},{"id":156,"title":"السفر","lvl":1,"sub":0},{"id":157,"title":"فقر في مدح السفر","lvl":1,"sub":0},{"id":157,"title":"نقيض ذلك في ذم السفر والغربة","lvl":1,"sub":1},{"id":157,"title":"العزل بعد المؤانسة","lvl":1,"sub":2},{"id":158,"title":"جملة من شعر أبي الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":158,"title":"كشاجم في الأوصاف","lvl":1,"sub":1},{"id":159,"title":"وصف المرأة","lvl":1,"sub":0},{"id":161,"title":"ما لا ينقلب من المعاني","lvl":1,"sub":0},{"id":161,"title":"قطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم","lvl":1,"sub":1},{"id":162,"title":"من أخبار الأصمعي","lvl":1,"sub":0},{"id":163,"title":"فقر من كلام الأعراب","lvl":1,"sub":0},{"id":163,"title":"في ضروب مختلفة","lvl":1,"sub":1},{"id":168,"title":"من أخبار أبي نواس","lvl":1,"sub":0},{"id":169,"title":"بشار بن برد","lvl":1,"sub":0},{"id":173,"title":"في المودة والعتاب والصدق والكذب","lvl":1,"sub":0},{"id":173,"title":"فقر في الكذب لغير واحد","lvl":1,"sub":1},{"id":174,"title":"ما قيل في الزفاف","lvl":1,"sub":0},{"id":174,"title":"فقر في الكتاب والقلم والسيف والخط","lvl":1,"sub":1},{"id":176,"title":"من أخبار الكاتب أحمد بن يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":178,"title":"ألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين","lvl":1,"sub":0},{"id":178,"title":"رجع إلى أحمد بن يوسف","lvl":1,"sub":1},{"id":179,"title":"ألفاظ لأهل العصر في صفات الثقلاء","lvl":1,"sub":0},{"id":181,"title":"ما قيل في السكين","lvl":1,"sub":0},{"id":181,"title":"ألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين","lvl":1,"sub":1},{"id":181,"title":"الاستدعاء إلى المؤانسة والمنادمة","lvl":1,"sub":2},{"id":183,"title":"ومن ألفاظهم في الاستدعاء","lvl":1,"sub":0},{"id":183,"title":"ولهم في استدعاء الشراب","lvl":1,"sub":1},{"id":184,"title":"ولهم في الكتابة عن الشراب","lvl":1,"sub":0},{"id":184,"title":"فقر للنبيذيين","lvl":1,"sub":1},{"id":185,"title":"ومن ألفاظهم في صفات","lvl":1,"sub":0},{"id":185,"title":"مجالس الأنس وآلات اللهو وذكر الخمر","lvl":1,"sub":1},{"id":188,"title":"من إنشاء بديع الزمان الهمذاني","lvl":1,"sub":0},{"id":192,"title":"ومن إنشائه في مقامات أبي الفتح الإسكندري","lvl":1,"sub":0},{"id":193,"title":"ما قيل في المزاح","lvl":1,"sub":0},{"id":194,"title":"فقر في هذا النحو لأهل العصر وغيرهم","lvl":1,"sub":0},{"id":194,"title":"الطيرة والزجر","lvl":1,"sub":1},{"id":197,"title":"في موت البنت","lvl":1,"sub":0},{"id":197,"title":"من أخبار ابن الرومي","lvl":1,"sub":1},{"id":200,"title":"رجع","lvl":2,"sub":0},{"id":200,"title":"في العيافة والزجر","lvl":1,"sub":1},{"id":201,"title":"من أخبار الجاحظ","lvl":1,"sub":0},{"id":201,"title":"من أخبار عتبة بن أبي سفيان","lvl":1,"sub":1},{"id":202,"title":"عود إلى الجاحظ","lvl":1,"sub":0},{"id":202,"title":"من حكم علي بن أبي طالب","lvl":1,"sub":1},{"id":202,"title":"عليه الصلاة والسلام","lvl":1,"sub":2},{"id":203,"title":"الجاحظ ورجل من البرامكة في مرضه","lvl":1,"sub":0},{"id":203,"title":"المقامة الجاحظية","lvl":1,"sub":1},{"id":203,"title":"مقامة من إنشاء البديع تتعلق بذكر الجاحظ","lvl":1,"sub":2},{"id":204,"title":"ما قالته الملوك","lvl":1,"sub":0},{"id":205,"title":"من إنشاء الميكالي","lvl":1,"sub":0},{"id":206,"title":"قطعة من شعره في تجنيس القوافي","lvl":1,"sub":0},{"id":208,"title":"ما قيل في الاشتياق","lvl":1,"sub":0},{"id":209,"title":"في الخط","lvl":1,"sub":0},{"id":210,"title":"صنعة الأدب","lvl":1,"sub":0},{"id":210,"title":"أدوات الوراق","lvl":1,"sub":1},{"id":210,"title":"اللذات","lvl":1,"sub":2},{"id":211,"title":"وصف المحبرة والقلم","lvl":1,"sub":0},{"id":213,"title":"من أخبار الخليفة المأمون","lvl":1,"sub":0},{"id":213,"title":"وصف الروض والزهور","lvl":1,"sub":1},{"id":214,"title":"نبذ من النظم والنثر","lvl":1,"sub":0},{"id":214,"title":"في صفات النور والزهر","lvl":1,"sub":1},{"id":218,"title":"جملة من هذا النوع لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":218,"title":"ولهم في هذا المعنى","lvl":1,"sub":1},{"id":219,"title":"ولهم فيما يتعلق بهذا النحو","lvl":1,"sub":0},{"id":219,"title":"في وصف أيام الربيع","lvl":1,"sub":1},{"id":220,"title":"من أخبار المأمون والأمين","lvl":1,"sub":0},{"id":222,"title":"مبايعة المهدي","lvl":1,"sub":0},{"id":222,"title":"أفضل الأوقات لمخاطبة الملوك","lvl":1,"sub":1},{"id":222,"title":"من أخبار المنصور","lvl":1,"sub":2},{"id":223,"title":"من أخبار الرشيد","lvl":1,"sub":0},{"id":223,"title":"من نظم الفضل بن الربيع","lvl":1,"sub":1},{"id":223,"title":"من أخبار أبي العيناء","lvl":1,"sub":2},{"id":223,"title":"قطعة من رسالة أجاب بها أبو الخطاب الصابي عن أبي العباس بن سابور إلى","lvl":2,"sub":3},{"id":224,"title":"من نظم الحمدوني","lvl":1,"sub":0},{"id":226,"title":"من أخبار المأمون","lvl":1,"sub":0},{"id":226,"title":"من أخبار المبرد","lvl":1,"sub":1},{"id":227,"title":"في المدح","lvl":1,"sub":0},{"id":227,"title":"بين جميل وعمر بن أبي ربيعة","lvl":1,"sub":1},{"id":228,"title":"جملة من الفصول القصار لابن المعتز","lvl":1,"sub":0},{"id":229,"title":"من إنشاء ابن العميد","lvl":1,"sub":0},{"id":230,"title":"ما قيل في العتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":231,"title":"ما يتعلق بالأعراب","lvl":1,"sub":0},{"id":231,"title":"من إنشاء بديع الزمان الهمذاني","lvl":1,"sub":1},{"id":233,"title":"عود إلى المأمون","lvl":1,"sub":0},{"id":233,"title":"بين المأمون وإسحاق بن العباس","lvl":1,"sub":1},{"id":234,"title":"في الاستعطاف","lvl":1,"sub":0},{"id":234,"title":"عفو الملوك","lvl":1,"sub":1},{"id":235,"title":"رجع إلى إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":0},{"id":236,"title":"فقر من كلام سهل بن هرون للمأمون","lvl":1,"sub":0},{"id":236,"title":"من ترجمة سهل بن هرون، وأخباره","lvl":1,"sub":1},{"id":237,"title":"من عظات الحسن البصري","lvl":1,"sub":0},{"id":237,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":1},{"id":237,"title":"في التهنئة بإقبال شهر رمضان","lvl":1,"sub":2},{"id":237,"title":"مع ما يتصل بها من الأدعية","lvl":1,"sub":3},{"id":238,"title":"نبذ من ألفاظ بلغاء أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":241,"title":"نبذ من مفردات الأبيات","lvl":1,"sub":0},{"id":241,"title":"في فرائد المدح","lvl":1,"sub":1},{"id":241,"title":"مجالس أهل الحكم","lvl":1,"sub":2},{"id":242,"title":"ومن كلام بلغاء أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":242,"title":"في ذكر السلطان","lvl":1,"sub":1},{"id":244,"title":"بين اللفظ واللحن","lvl":1,"sub":0},{"id":246,"title":"وصف الذوائب","lvl":1,"sub":0},{"id":246,"title":"القصيدة والإنسان","lvl":1,"sub":1},{"id":247,"title":"افتتاح القصائد بالغزل","lvl":1,"sub":0},{"id":248,"title":"بين أبي تمام والبحتري","lvl":1,"sub":0},{"id":251,"title":"حول الغناء","lvl":1,"sub":0},{"id":252,"title":"في صفة القيان","lvl":1,"sub":0},{"id":253,"title":"ومن ألفاظ أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":253,"title":"في مدح الغناء","lvl":1,"sub":1},{"id":253,"title":"في وصف القلم","lvl":1,"sub":2},{"id":255,"title":"العتابي","lvl":1,"sub":0},{"id":259,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":259,"title":"في ذم الكتاب والكتاب والنثر والشعر","lvl":1,"sub":1},{"id":260,"title":"خير الكلام","lvl":1,"sub":0},{"id":264,"title":"فقر في الشعر","lvl":1,"sub":0},{"id":265,"title":"ترجمة الأحنف بن قيس وأخباره","lvl":1,"sub":0},{"id":268,"title":"ترجمة منصور النمري وأخباره","lvl":1,"sub":0},{"id":270,"title":"أخبار ابني المعذل","lvl":1,"sub":0},{"id":273,"title":"ابن راشد","lvl":1,"sub":0},{"id":273,"title":"أخبار عبد الملك بن صالح","lvl":1,"sub":1},{"id":275,"title":"بين الرشيد والخارجين من السجن","lvl":1,"sub":0},{"id":275,"title":"في باب الرثاء","lvl":1,"sub":1},{"id":277,"title":"أخبار قطر الندى","lvl":1,"sub":0},{"id":277,"title":"رجع إلى الرثاء","lvl":1,"sub":1},{"id":277,"title":"ما قالته الشعراء في ريعان الشباب","lvl":1,"sub":2},{"id":278,"title":"من أخبار المأمون ويزيد بن معاوية","lvl":1,"sub":0},{"id":279,"title":"مختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر","lvl":1,"sub":0},{"id":279,"title":"جملة من كلام ابن المعتز","lvl":1,"sub":1},{"id":279,"title":"في الفصول القصار في ذكر السلطان","lvl":1,"sub":2},{"id":280,"title":"ومن كلام أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":280,"title":"وغيرهم في هذا النحو","lvl":1,"sub":1},{"id":280,"title":"من إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":2},{"id":282,"title":"شعر في وصف فص وخاتم","lvl":1,"sub":0},{"id":282,"title":"بين الكلام والصمت","lvl":1,"sub":1},{"id":282,"title":"الحنين إلى الوطن","lvl":1,"sub":2},{"id":282,"title":"ألفاظ لأهل العصر في ذكر الوطن","lvl":1,"sub":3},{"id":285,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":285,"title":"في وصف الأمكنة والأزمنة","lvl":1,"sub":1},{"id":285,"title":"من أدب الميكالي نثرا وشعرا","lvl":1,"sub":2},{"id":285,"title":"فصل لأبي الفضل الميكالي إلى بعض إخوانه","lvl":2,"sub":3},{"id":288,"title":"ترجمة ابن أبي دواد وأخباره","lvl":1,"sub":0},{"id":289,"title":"قطعة من شعر الأعراب في الغزل","lvl":1,"sub":0},{"id":292,"title":"في مجالس المنصور","lvl":1,"sub":0},{"id":293,"title":"من فضائل الشعر","lvl":1,"sub":0},{"id":293,"title":"في المواعيد","lvl":1,"sub":1},{"id":294,"title":"أخبار معاوية بن يسار","lvl":1,"sub":0},{"id":295,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":295,"title":"في ذكر الاستطالة والكبر","lvl":1,"sub":1},{"id":299,"title":"ومن مفردات الأبيات","lvl":1,"sub":0},{"id":299,"title":"في المعايب والمقابح","lvl":1,"sub":1},{"id":300,"title":"اللحن في الكلام","lvl":1,"sub":0},{"id":300,"title":"التعلق بالغلام","lvl":1,"sub":1},{"id":302,"title":"الهوى","lvl":1,"sub":0},{"id":303,"title":"العفة","lvl":1,"sub":0},{"id":304,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":304,"title":"في محاسن النساء","lvl":1,"sub":1},{"id":305,"title":"من إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":0},{"id":310,"title":"ومن ألفاظ أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":310,"title":"في صفة الديار الخالية","lvl":1,"sub":1},{"id":311,"title":"أوصاف في طول الليل والسهر","lvl":1,"sub":0},{"id":312,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":312,"title":"في طول الليل والسهر","lvl":1,"sub":1},{"id":312,"title":"وما يعرض فيه من الهموم والفكر","lvl":1,"sub":2},{"id":316,"title":"من وصف الشراب والكؤوس والسقاة في الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":318,"title":"من المختار من شعر تميم بن المعز","lvl":1,"sub":0},{"id":320,"title":"أحسن ما قالته العرب في الجاهلية","lvl":1,"sub":0},{"id":320,"title":"ومن ألفاظ أهل العصر","lvl":1,"sub":1},{"id":320,"title":"في طلوع الشمس وغروبها","lvl":1,"sub":2},{"id":320,"title":"ومتوع النهار وانتصافه، وابتدائه، وانتهائه","lvl":1,"sub":3},{"id":322,"title":"جملة من كلام ابن المعتز","lvl":1,"sub":0},{"id":322,"title":"في الفصول القصار","lvl":1,"sub":1},{"id":322,"title":"من شعر أبي العباس الناشئ في التعزية","lvl":1,"sub":2},{"id":323,"title":"رجع إلى ابن المعتز","lvl":1,"sub":0},{"id":324,"title":"من أخبار عضد الدولة في شجاع","lvl":1,"sub":0},{"id":324,"title":"عود إلى ابن المعتز","lvl":1,"sub":1},{"id":327,"title":"من أخبار أبي جعفر المنصور","lvl":1,"sub":0},{"id":328,"title":"العفو عند المقدرة","lvl":1,"sub":0},{"id":328,"title":"من أخبار المعتصم","lvl":1,"sub":1},{"id":329,"title":"بين المهلب والحجاج","lvl":1,"sub":0},{"id":330,"title":"بين أبي الصقر وصاعد بن مخلد","lvl":1,"sub":0},{"id":330,"title":"بين أبي العيناء وابن ثوابة","lvl":1,"sub":1},{"id":330,"title":"مكارم أبي الصقر","lvl":1,"sub":2},{"id":330,"title":"بين أبي الصقر وأبي العيناء","lvl":1,"sub":3},{"id":330,"title":"بين أبي العيناء وأحمد بن الخصيب","lvl":1,"sub":4},{"id":331,"title":"أخبار أبي بكر المعروف بسيبويه","lvl":1,"sub":0},{"id":332,"title":"رجع إلى أبي العيناء","lvl":1,"sub":0},{"id":332,"title":"باب الرثاء","lvl":1,"sub":1},{"id":335,"title":"ومن ألفاظ أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":335,"title":"في التعازي وما يتعلق بمعانيها","lvl":1,"sub":1},{"id":338,"title":"من إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":0},{"id":340,"title":"فقر من كلام المتصوفة والزهاد والقصاص","lvl":1,"sub":0},{"id":342,"title":"الرأي والهوى","lvl":1,"sub":0},{"id":343,"title":"من البد بدائه في مجالس الخلفاء","lvl":1,"sub":0},{"id":347,"title":"قضاء الحاجة","lvl":1,"sub":0},{"id":347,"title":"فقر في ذكر المشورة","lvl":1,"sub":1},{"id":347,"title":"في التاريخ والنسب","lvl":1,"sub":2},{"id":348,"title":"فقر وأمثال يتداولها العمال","lvl":1,"sub":0},{"id":348,"title":"أخبار منصور الفقيه","lvl":1,"sub":1},{"id":349,"title":"تغير بعد عسرة","lvl":1,"sub":0},{"id":351,"title":"بين البخل والجود","lvl":1,"sub":0},{"id":351,"title":"ومن أمثال البخلاء","lvl":1,"sub":1},{"id":351,"title":"واحتجاجهم، وحكمهم:","lvl":1,"sub":2},{"id":352,"title":"فقر لابن المعتز وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":352,"title":"في الصديق والصدق","lvl":1,"sub":1},{"id":352,"title":"من إنشاء الحسن بن وهب","lvl":1,"sub":2},{"id":353,"title":"بلاغة عمرو بن مسعدة","lvl":1,"sub":0},{"id":354,"title":"بين الطبع والتكلف","lvl":1,"sub":0},{"id":354,"title":"ملح في باب الشعر","lvl":1,"sub":1},{"id":355,"title":"أخبار معن بن زائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":356,"title":"بين الجبن والحزم","lvl":1,"sub":0},{"id":356,"title":"بين الجهل والعقل","lvl":1,"sub":1},{"id":356,"title":"هجاء بني كليب","lvl":1,"sub":2},{"id":356,"title":"أقوال الأعراب في النثر والشعر","lvl":1,"sub":3},{"id":357,"title":"باب المديح","lvl":1,"sub":0},{"id":358,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":358,"title":"في ضروب الممادح","lvl":1,"sub":1},{"id":360,"title":"ولهم في أدعية","lvl":1,"sub":0},{"id":361,"title":"من صدور الكتب تليق بهذه الأثنية والممادح","lvl":1,"sub":0},{"id":361,"title":"صناعة الكلام","lvl":1,"sub":1},{"id":362,"title":"باب النسيب","lvl":1,"sub":0},{"id":362,"title":"عمران بن حطان","lvl":1,"sub":1},{"id":363,"title":"بين أعرابي وبعض الولاة","lvl":1,"sub":0},{"id":363,"title":"الدنيا وأهلها","lvl":1,"sub":1},{"id":363,"title":"أربع كلمات فيهن صلاح الملك","lvl":1,"sub":2},{"id":363,"title":"بيعة يزيد","lvl":1,"sub":3},{"id":364,"title":"تواضع الرشيد","lvl":1,"sub":0},{"id":364,"title":"المتنبي يصف علة أصابته بمصر","lvl":1,"sub":1},{"id":364,"title":"ألفاظ لأهل العصر في العيادة وما جانسها","lvl":1,"sub":2},{"id":364,"title":"من ذكر التشكي والمرض وتلونه، وسوء أثره، والانزعاج لعوارضه:","lvl":1,"sub":3},{"id":364,"title":"فقر في تهوين العلة بحسن الرجاء","lvl":1,"sub":4},{"id":364,"title":"وذكر المشاركة والاهتمام بحلولها والاستبشار بزوالها:","lvl":1,"sub":5},{"id":365,"title":"ولهم في شكاة أهل الفضل والسؤود","lvl":1,"sub":0},{"id":365,"title":"ولهم في تنسم الإقبال وذكر الإبلال","lvl":1,"sub":1},{"id":365,"title":"فقر في أدعية العيادة والاستشفاء بكتبها","lvl":1,"sub":2},{"id":365,"title":"قطعة من كلام الأطباء والفلاسفة","lvl":1,"sub":3},{"id":366,"title":"فقر في ذكر المرض والصحة والموت","lvl":1,"sub":0},{"id":366,"title":"والحياة لغير واحد:","lvl":1,"sub":1},{"id":366,"title":"الجواب المفحم","lvl":1,"sub":2},{"id":367,"title":"ما قيل في القداح","lvl":1,"sub":0},{"id":368,"title":"نماذج شعرية في وصف منديل وثلج","lvl":1,"sub":0},{"id":369,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":369,"title":"في وصف الثلج والبرد والأيام الشتوية","lvl":1,"sub":1},{"id":369,"title":"نقيض ذلك من كلامهم","lvl":1,"sub":2},{"id":369,"title":"في وصف القيظ وشدة الحر","lvl":1,"sub":3},{"id":369,"title":"العجلة أم الندامة","lvl":1,"sub":4},{"id":369,"title":"قضاء الحاجة","lvl":1,"sub":5},{"id":370,"title":"التقسيم","lvl":1,"sub":0},{"id":371,"title":"قينة تعشق أربعة رجال","lvl":1,"sub":0},{"id":371,"title":"من أخبار ابن المعتز وشعره","lvl":1,"sub":1},{"id":372,"title":"جرير وأهل المدينة","lvl":1,"sub":0},{"id":373,"title":"يزيد بن خالد الكوفي","lvl":1,"sub":0},{"id":373,"title":"بين أحمد بن أبي دواد والواثق","lvl":1,"sub":1},{"id":373,"title":"شبيب بن شيبة وخالد بن صفوان","lvl":1,"sub":2},{"id":374,"title":"بعض ما قيل في عجلان بن سحبان","lvl":1,"sub":0},{"id":374,"title":"دغفل بن حنظلة النسابة","lvl":1,"sub":1},{"id":375,"title":"في ذكر العصا","lvl":1,"sub":0},{"id":375,"title":"الخليل بن أحمد","lvl":1,"sub":1},{"id":375,"title":"في التعزية","lvl":1,"sub":2},{"id":378,"title":"شعر في وصف الشباب والمشيب","lvl":1,"sub":0},{"id":380,"title":"شذور لأهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":380,"title":"في وصف الشيب ومدحه وذمه","lvl":1,"sub":1},{"id":381,"title":"فقر لغير واحد في المشيب","lvl":1,"sub":0},{"id":383,"title":"من أخبار الوليد بن يزيد","lvl":1,"sub":0},{"id":383,"title":"الحجاج وأهل العراق","lvl":1,"sub":1},{"id":384,"title":"فقر في المديح","lvl":1,"sub":0},{"id":384,"title":"الشارب","lvl":1,"sub":1},{"id":385,"title":"التطفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":385,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":1},{"id":385,"title":"في صفة الطفيليين والأكلة وغيرهم","lvl":1,"sub":2},{"id":385,"title":"وصف طائر","lvl":1,"sub":3},{"id":386,"title":"وصف الغلام","lvl":1,"sub":0},{"id":386,"title":"بين خالد بن صفوان وعلي بن الجهم","lvl":1,"sub":1},{"id":387,"title":"تنقل الزمان","lvl":1,"sub":0},{"id":387,"title":"باب الرثاء","lvl":1,"sub":1},{"id":388,"title":"وصف امرأة","lvl":1,"sub":0},{"id":388,"title":"عود إلى كلام الأعراب","lvl":1,"sub":1},{"id":388,"title":"من إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":2},{"id":389,"title":"من رسائل بديع الزمان","lvl":1,"sub":0},{"id":390,"title":"تسامح المأمون","lvl":1,"sub":0},{"id":390,"title":"ألفاظ لأهل العصر","lvl":1,"sub":1},{"id":390,"title":"في التهنة بالإطلاق من الأسر","lvl":1,"sub":2},{"id":390,"title":"باب المديح","lvl":1,"sub":3},{"id":391,"title":"بين السفاح وأبي نخيلة","lvl":1,"sub":0},{"id":392,"title":"ومن مستحسن رثاء الخنساء وليلى","lvl":1,"sub":0},{"id":392,"title":"وغيرهما من النساء:","lvl":1,"sub":1},{"id":398,"title":"دموع العاشقين","lvl":1,"sub":0},{"id":399,"title":"من أخبار العباس بن الأحنف","lvl":1,"sub":0},{"id":401,"title":"فقر في الغزل","lvl":1,"sub":0},{"id":401,"title":"باب الحكمة","lvl":1,"sub":1},{"id":402,"title":"وصف الهوى","lvl":1,"sub":0},{"id":403,"title":"من إنشاء الميكالي وشعره","lvl":1,"sub":0},{"id":404,"title":"من شعر الميكالي","lvl":1,"sub":0},{"id":404,"title":"قضاء الحاجة","lvl":1,"sub":1},{"id":405,"title":"بين أسيد بن عنقاء الفزاري وعميله الفزاري","lvl":1,"sub":0},{"id":405,"title":"كلابي يمدح غنويا","lvl":1,"sub":1},{"id":405,"title":"الدهر لا ينصف","lvl":1,"sub":2},{"id":405,"title":"الاستخفاف بحق النعم","lvl":1,"sub":3},{"id":405,"title":"فقر في المدح","lvl":1,"sub":4},{"id":406,"title":"الجود والعطاء","lvl":1,"sub":0},{"id":407,"title":"رثاء قرد وثور","lvl":1,"sub":0},{"id":408,"title":"رثاء الأشخاص","lvl":1,"sub":0},{"id":409,"title":"عود إلى المديح","lvl":1,"sub":0},{"id":410,"title":"من نوادر الأعراب","lvl":1,"sub":0},{"id":412,"title":"رجع إلى المديح","lvl":1,"sub":0},{"id":413,"title":"فصل لأبي العباس بن المعتز","lvl":1,"sub":0},{"id":413,"title":"نبذة من لطائف ابن المعتز","lvl":1,"sub":1},{"id":413,"title":"وفضل تحققه بالبديع والاستعارات مما تتعين العناية بمطالعتها:","lvl":1,"sub":2},{"id":415,"title":"رياضة النفس على الفراق","lvl":1,"sub":0},{"id":416,"title":"شذور من كلام أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":416,"title":"في مكارم الأخلاق","lvl":1,"sub":1},{"id":417,"title":"مواعظ عقلها بعض أهل العصر","lvl":2,"sub":0},{"id":417,"title":"تتعلق بهذا الفصل","lvl":2,"sub":1},{"id":417,"title":"أخبار العتابي","lvl":1,"sub":2},{"id":417,"title":"من كلام الأعراب","lvl":1,"sub":3},{"id":418,"title":"بين قرشي وعمر بن عثمان","lvl":1,"sub":0},{"id":418,"title":"ادعاء","lvl":2,"sub":1},{"id":418,"title":"من أخبار الخليفة الرشيد","lvl":1,"sub":2},{"id":418,"title":"حرمة الكعبة","lvl":1,"sub":3},{"id":419,"title":"من أخبار عبد الله بن طاهر","lvl":1,"sub":0},{"id":419,"title":"من حكم الفرس","lvl":1,"sub":1},{"id":419,"title":"من حكم الهند","lvl":1,"sub":2},{"id":419,"title":"وصية عتبة بن أبي سفيان","lvl":1,"sub":3},{"id":419,"title":"لمولاه سعد القصر:","lvl":1,"sub":4},{"id":420,"title":"من حكم يزيد بن معاوية","lvl":1,"sub":0},{"id":420,"title":"أبو الأسود الدؤلي والعمامة","lvl":1,"sub":1},{"id":420,"title":"من إنشاء ابن العميد","lvl":1,"sub":2},{"id":421,"title":"وباء الكوفة","lvl":1,"sub":0},{"id":421,"title":"جوى الشوق","lvl":1,"sub":1},{"id":421,"title":"من أخبار مسلم بن الوليد وشعره","lvl":1,"sub":2},{"id":422,"title":"أبيات في وصف الجيش","lvl":1,"sub":0},{"id":422,"title":"وصف شعب بوان","lvl":1,"sub":1},{"id":423,"title":"رجع إلى وصف الجيش","lvl":1,"sub":0},{"id":423,"title":"في وصف سفينة","lvl":1,"sub":1},{"id":423,"title":"في وصف الأساطيل","lvl":1,"sub":2},{"id":425,"title":"في المودة","lvl":1,"sub":0},{"id":425,"title":"ومن ألفاظ أهل العصر","lvl":1,"sub":1},{"id":425,"title":"في إقامة رسم الهدية","lvl":1,"sub":2},{"id":425,"title":"في المهرجان والنيروز:","lvl":1,"sub":3},{"id":425,"title":"ولهم في التهنئة بالنيروز والمهرجان","lvl":1,"sub":4},{"id":425,"title":"وفصل الربيع:","lvl":1,"sub":5},{"id":426,"title":"صاحب الشرطة","lvl":1,"sub":0},{"id":426,"title":"من كلام الأعراب","lvl":1,"sub":1},{"id":427,"title":"من أخبار أبي العباس السفاح","lvl":1,"sub":0},{"id":427,"title":"وخالد بن صفوان:","lvl":1,"sub":1},{"id":427,"title":"شذور في المقابح ومساوي الأخلاق","lvl":1,"sub":2},{"id":427,"title":"في المفاخرات","lvl":1,"sub":3},{"id":428,"title":"من وصايا الحكماء","lvl":1,"sub":0},{"id":428,"title":"باب المديح","lvl":1,"sub":1},{"id":429,"title":"علم البديع والاستطراد","lvl":1,"sub":0},{"id":430,"title":"من أخبار الرشيد","lvl":1,"sub":0},{"id":431,"title":"من أخبار سليمان بن عبد الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":431,"title":"من أخبار إبراهيم بن العباس الموصلي","lvl":1,"sub":1},{"id":431,"title":"وشعره","lvl":1,"sub":2},{"id":432,"title":"في رثاء مصلوب","lvl":1,"sub":0},{"id":432,"title":"عود إلى أخبار الرشيد","lvl":1,"sub":1},{"id":432,"title":"قضاء الحاجة","lvl":1,"sub":2},{"id":433,"title":"في إطالة الخطبة","lvl":1,"sub":0},{"id":433,"title":"من أخبار الأمير أبي مسلم","lvl":1,"sub":1},{"id":433,"title":"من أخبار أبي جعفر المنصور","lvl":1,"sub":2},{"id":433,"title":"من أخبار الأحنف بن قيس","lvl":1,"sub":3},{"id":434,"title":"عهد الواثق بقلم ابن الزيات","lvl":1,"sub":0},{"id":434,"title":"ألفاظ لأهل العصر في التهنئة بالحج","lvl":1,"sub":1},{"id":434,"title":"وتفخيم أمر، الحرم و تعظيم، أمر المناسك والمشاعر، وما يتصل بها من","lvl":1,"sub":2},{"id":434,"title":"قطري بن الفجاءة","lvl":1,"sub":3},{"id":435,"title":"باب المديح","lvl":1,"sub":0},{"id":435,"title":"مكاتبات","lvl":1,"sub":1},{"id":435,"title":"بين سعيد بن عبد الملك وسعيد بن حميد","lvl":1,"sub":2},{"id":435,"title":"مكانة سعيد بن حميد","lvl":1,"sub":3},{"id":436,"title":"نبذ في السرقات الشعرية","lvl":1,"sub":0},{"id":437,"title":"من كتاب الله تعالى","lvl":1,"sub":0},{"id":437,"title":"أمثال للعرب والعجم والعامة","lvl":1,"sub":1},{"id":437,"title":"وما يماثلها من كتاب الله تعالى:","lvl":1,"sub":2},{"id":438,"title":"جملة من مكاتبات بعض أهل العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":440,"title":"من إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":0},{"id":441,"title":"من أخبار سليمان بن عبد الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":441,"title":"من أخبار النعمان بن المنذر","lvl":1,"sub":1},{"id":441,"title":"والحارث الغساني","lvl":1,"sub":2},{"id":441,"title":"من أخبار المهدي","lvl":1,"sub":3},{"id":441,"title":"من أخبار أبو الأسود الدؤلي","lvl":1,"sub":4},{"id":442,"title":"في باب الوعظ","lvl":1,"sub":0},{"id":442,"title":"من أخبار هشام بن عبد الملك","lvl":1,"sub":1},{"id":442,"title":"بين حاتم الطائي وعبد قيس البرجمي","lvl":1,"sub":2},{"id":442,"title":"بين الحمدوني وابن حرب","lvl":1,"sub":3},{"id":443,"title":"من رسائل ابن العميد","lvl":1,"sub":0},{"id":444,"title":"من شعر المتنبي","lvl":1,"sub":0},{"id":444,"title":"ألفاظ لأهل العصر في ضروب التهاني","lvl":1,"sub":1},{"id":444,"title":"وما ينخرط في سلكها من ذلك في التهنئة بالمولود وما يجري مجراها من","lvl":1,"sub":2},{"id":447,"title":"من شعر الشعبي","lvl":1,"sub":0},{"id":448,"title":"باب الرثاء","lvl":1,"sub":0},{"id":448,"title":"من كلام الأعراب","lvl":1,"sub":1},{"id":449,"title":"سائل في مسجد الكوفة","lvl":1,"sub":0},{"id":449,"title":"من إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":1},{"id":450,"title":"من شعر كشاجم","lvl":1,"sub":0},{"id":450,"title":"الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره","lvl":1,"sub":1},{"id":451,"title":"ما قيل في بيعة يزيد بن معاوية","lvl":1,"sub":0},{"id":452,"title":"الإقدام","lvl":1,"sub":0},{"id":452,"title":"من أخبار أبي دلف وشعره","lvl":1,"sub":1},{"id":452,"title":"من إنشاء الميكالي","lvl":1,"sub":2},{"id":453,"title":"الخريمي يعاتب الوليد بن أبان","lvl":1,"sub":0},{"id":454,"title":"أبو يعقوب الخريمي","lvl":1,"sub":0},{"id":454,"title":"فقر وفصول في معان شتى","lvl":1,"sub":1},{"id":455,"title":"حنيفة تغزو نميرا","lvl":1,"sub":0},{"id":455,"title":"دعاء أعرابي","lvl":1,"sub":1},{"id":455,"title":"باب المراسلات","lvl":1,"sub":2},{"id":456,"title":"في الرثاء","lvl":1,"sub":0},{"id":456,"title":"في المدح","lvl":1,"sub":1},{"id":456,"title":"من إنشاء بديع الزمان","lvl":1,"sub":2},{"id":460,"title":"جارية تبذ كبار الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":461,"title":"ترجمة نهشل بن حري","lvl":1,"sub":0},{"id":461,"title":"أمدح بيت","lvl":1,"sub":1},{"id":462,"title":"أنصف بيت وأصدق بيت","lvl":1,"sub":0},{"id":462,"title":"ألفاظ لأهل العصر في ذكر النبي","lvl":1,"sub":1},{"id":462,"title":"صلى الله عليه وسلم:","lvl":1,"sub":2}]}