{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rيَقُوْلُ رَاجِيْ رَحْمَةَ الْقَدِيْرِ\r\rأَيْ (أَحْمَدُ) الْمَشْهُوْرُ بِالدَّرْدِيْرِيْ\r\rالْحَمْدُ للهِ الْعَلِيِّ الْوَاحِدِ\r\rالعَالِمِ الفّرْدِ الغَنِيِّ الْمَاجِدِ\r\r(يقول) أتى بالمضارع الذي بمعنى الاستقبال على الإصالة (راجي رحمة القدير) مؤمل رحمة الله القدير. والرحمة معناها في الأصل: شفقة القلب، ورقته، مراد بها لازمها، وهي الإفضال، والعطاء، لاستحالة المعنى الأصلي على الله سبحانه وتعالى (أي أحمد) اسم المؤلف (المشهور بالدرديري) أي الذي اشتهر بلقب جدّه الدرديري، فهو أحمد بن محمد بن أحمد الدرديري العدوي، منسوب إلى بني عدي القبيلة المشهورة من قريش. ولد الناظم سنة سبع وعشرين بعد المائة والألف في صعيد مصر، فقيه مالكي، حفظ القرآن قبل الشروع في طلب العلوم، توفي رحمه الله سنة واحد بعد المائتين والألف ليلة الجمعة.\r(الحمد لله) مبتدأ وخبر في محل نصب مقول يقول، والحمد لغة: الثناء بالجميل على وجه اختياري على جهة التعظيم. وشرعا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما ولو على غير الحامد، سواء كان ذلك الفعل قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان أي القلب، أو خدمة بالإركان. وهذا هو الشكر لغة، قال الشاعر:\rأفادتكم النعماء مني ثلاثة\rيدي ولساني والضمير المحجبا\r(العلي) من العلوّ بمعنى الرفعة، وعلوه سبحانه وتعالى معنوي بمعنى تنزهه سبحانه وتعالى عن النقائص واتصافه بالكمالات، (الواحد) في الذات، والصفات، والأفعال. سيأتي معناه في بحث الواحدانية. (العالم) بالواجبات، والجائزات، والمستحيلات. (الفرد) لا ثاني، ولا نظير له في المتفرد في الإلهية (لو كان فيهما ألهة إلا الله لفسدتا) (الغني) أي الذي لا يفتقر إلى محل، ولا مُخصّص، ولا معين، ولا وزير، ولا غير ذلك. (الماجد) هو الكريم، الواسع العطاء، أو الشريف العظيم.\rوَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيْمِ","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الكَرِيْمِ\r\rوَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ\r\rلاَ سِيَّمَا رَفِيْقَهُ فِي الْغَارِ\r\r(وأفضل الصلاة) الصلاة هي الرحمة المقرونة بالتعظيم، وتختص بالأنبياء، والملائكة، فلا تقال لغيرهم إلا تبعا. وإذا أضيفت إلى الله تعالى كما هنا، فمعناها ما ذكر، وإذا أضيفت إلى الأدمي فهي دعاء، وإلى الملائكة فهي استغفار. (والتسليم) أي التحية، وتحية الله تعالى هي تعظيمه تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام. (على النبي) محمد صلى الله عليه وسلم (المصطفى) أي المختار من بين الخلق أجمعين. قال صلى الله عليه وسلم: «واصطفاني من بني هاشم، فأنا خير من خيار». (الكريم) أي ذي الكرم، يقال: رجل كريم أي سخيّ معطاء. ويطلق الكريم من كل شيء على أحسنه، وعلى كل ما يرضى ويحمد.\r(وآله) هم أقاريبه المؤمنون من بني هاشم والمطلب. وفي مقام الدعاء كما هنا، هم أتباعه عليه الصلاة والسلام مطلقا. (وصحبه) هم من اجتمع به في حياته وآمن به. (لا سيما رفيقه) أي لا مثل الذي هو رفيقه. (في الغار) أي غار جبل الثور حين أن هاجرا من مكة إلى المدينة، وهو أبو بكر الصديق، مكثا فيه ثلاثة أيام.\rوَهَذِهِ عَقِيْدَةٌ سَنِيَّةْ\r\rسَمَّيْتُهَا (الخَرِيْدَةَ البَهِيَّةْ)\rلَطِيْفَةٌ صَغِيْرَةٌ فِي الْحَجْمِ\r\rلَكِنَّهَا كَبِيْرَةٌ فِي العِلْمِ\r\rتَكْفِيْكَ عِلْمًا إِنْ تُرِدْ أَنْ تَكْتَفِيْ\r\rلأَِنَّهَا بِزُبْدَةِ الفَنِّ تَفِيْ\r\rوَاللهُ أَرْجُوْ فِي قَبُوْلِ العَمَلِ\r\rوَالنَّفْعِ مِنْهَا ثُمَّ غَفْرَ الزَّلَلِ\r\r(وهذه) أي هذه المنظومة (عقيدة) أي القضية المعتقدة أي في مبحث العقائد الدينية التي يجب على المكلف معرفتها والجزم بها (سنية) أي واضحة في الدلالة على معناها. (سميتها الخريدة البهية) الخريدة في الأصل لؤلؤة لم تثقب، والبهيية من البهاء وهو الضياء","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"(لطيفة) أي دقيقة رقيقة (صغيرة في الحجم) بكسر الحاء وسكون الجيم، أي القدر، وهذه المنظومة إحدى وسبعون بيتا (لكنها) أي المنظومة (كبيرة) أي عظيمة (في العلم) أي المعاني في المدلولة لها، لما اشتملت على ما ذكر من العقائد الحقة التي وجب على المكلف معرفتها ليصح إيمانه على الاتفاق.\r(تكفيك) هذه المنظومة (علما) منصوب على التمييز (إن ترد أن تكتفي) بهذه المنظومة عن غيرها من المطولات (لأنها بزبدة الفن) أي بخلاصة الفن أي فنّ عقائد الإيمان وتسمّى علم التوحيد (تفي) لما اشتملت عليه المنظومة من الواجب، والجائز، والمستحيل في حق الله تعالى، وفي حق الرسل عليهم الصلاة والسلام وفن السمعيات.\rواعلم: أن هذا الفن حده: علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية المكتسبة من أدلتها اليقينية. وثمرته: هي معرفة صفات الله تعالى، ورسله بالبراهين القطعية وهو أصل العلوم الدينية. وأفضلها: جاء به جميع الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري والشيخ أبو منصور الماتريدي أشهر من دوّن كتب هذا العلم، وأقام الأدلة والبراهين حتى شاع أنهما الواضعان لهذا العلم، وعلى مذهبهما جلّ أهل السنة والجماعة.\r(والله أرجو) أي لا أرجو إلا الله. والرجاء تعلق القلب بحصول المرغوب فيه مع الأخذ في الأسباب، فإن لم يأخذ في الأسباب فطمع، وهو مذموم شرعا (في قبول العمل) الذي منه تأليف هذه المنظومة (والنفع) لكل من اعتنى بهذه المنظومة بالتعلم والتعليم أو نحوهما (منها) أي من هذه المنظومة (ثم غفر الزلل) جمع زلة هي المعاصي أي سترها بمحوها من الصحف أو بعدم المؤاخذة بها.\rأَقْسَامُ حُكْمِ العَقْلِ لاَ مَحَالَةَ\r\rهِيَ الوُجُوْبُ ثُمَّ الاِسْتِحَالَةِ\r\rثُمَّ الْجَوَازُ ثَالِثُ الأَقْسَامِ\r\rفَافْهَمْ مُنِحْتَ لَذَّةَ الأَفْهَامِ\r\rوَوَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى الْمُكَلَّفِ","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"مَعْرِفَةُ الله العَلِيِّ فَاعْرِفِ\r\rأَيْ يَعْرِفَ الوَاجِبَ وَالْمُحَالاَ\r\rمَعْ جَائِزٍ فِي حَقِّهِ تَعَالَىْ\r\rوَمِثْلُ ذَا فِيْ حَقِّ رُسْلِ اللهِ\r\rعَلَيْهِمُ تَحِيَّةُ الإِلَهِ\r\r(أقسام حكم العقل) والحكم العقلي هو عبارة عما يدرك العقل ثبوته أو نفيه من غير توقف على تكرر، ولا وضع واضع، كالعلم بأن العالم حادث. وخرج بها الحكم المادي، فهو إثبات أمر لأمر، أو نفيه بواسطة التكرر بينهما على الحس، كالحكم بأن النار محرقة، والماء غير محرقة. وخرج كذلك الحكم الشرعي، فإنه متوقف بوضع الواضع، والواضع هو الله تعالى من حيث التعلق التنجيزي. وحقيقة الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلبا، نحو: (أقيموا الصلاة)، (ولا تقربوا الزنا)، أو تخييرا، نحو: (كلوا واشربوا). (لامحالة) أي لا حيلة، ولا انفكاك من كون أقسامه ثلاثة. (هي الوجوب) هو ما لا يتصور عقلا انتفاؤه، (ثم الاستحالة) هي ما لا يتصور عقلا ثبوته.\r(ثم الجواز) هو ما يتصور عقلا ثبوته وانتفاؤه (ثالث الأقسام) للحكم العقلي (فافهم) هذه الأقسام الثلاثة، فإن معرفتها مدار الإيمان بالله، ورسله عليهم الصلاة والسلام. (منحت) بصيغة المفعول أي أعطيت (لذة الأفهام) بفتح الهمزة جمع فهم، وهو الإدراك بمعنى العلم، والمعرفة، فإن من أعطي لذة العلوم والمعارف فقد أعطي خيري الدنيا والآخرة.\r(وواجب شرعا) أي بشرع وهو ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه (على المكلف) أي العاقل البالغ (معرفة الله العلي فاعرف) والمعرفة والعلم بمعنى واحد، هو الإدراك الجازم المطابق للواقع لموجب - بكسر الجيم - أي لمقتض. وشمل هذا التعريف الإدراك الضروري، والنظري؛ كإدراك أن الواحد نصف الاثنين، وإدراك أن العالم حادث. وخرج بالإدراك الجازم الظن، وبالمطابق للواقع إعتقاد أهل الفلاسفة قدم العالم، وبمقتض الاعتقاد.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"(أي يعرف) أي معرفة الله أن يعرف المكلف (الواجب) أي الذي لا يقبل الانتفاء في حقه تعالى (والمحالا) أي المستحيل في حقه تعالى وهو ما لا يقبل الثبوت (مع جائز) أي مع معرفة جائز (في حقه تعالى) وهو ما يقبل الثبوت والانتفاء.\r(ومثل ذا) أي معرفة مثل ذا أي المذكور من الواجب والجائز والمستحيل (في حق رسل الله) بسكون السين على لغة تميم (عليهم تحية الإله) تبارك وتعالى أي صلاته وسلامه.\rفَالوَاجِبُ العَقْلِيُّ مَا لَمْ يَقْبَلِ\r\rالإِنْتِفَا فِيْ ذَاتِهِ فَابْتَهِلِ\r\rوَالْمُسْتَحِيْلُ كُلُّ مَا لَمْ يَقْبَلِ\r\rفِيْ ذَاتِهِ الثُّبُوْتُ ضِدَّ الأَوَّلِ\r\rوَكُلُّ أَمْرٍ قَابِلٌ لِلإِنْتِفَا\rوَلِلثُّبُوْتِ جَائِزٌ بِلاَ خَفَا\r(فالواجب العقلي) من ذات، أو صفة، أو نسبة كذاته تعالى وقدرته تعالى. وكونه تعالى قادرا (ما) أي الأمر الثابت (لم يقبل الانتفا) لا يقبل عقلا انتفاؤه، وزواله (في ذاته) أي بالنظر إلى ذات الواجب بقطع النظر عن علم الله، وقدرته، وإرادته، ومشيئته. وإلا فكل ما علمه الله وجوده من هذه الممكنات الجائزة يجب وجوده ما شاء الله كان. وما لم يشأ لم يكن. (فابتهل) أي فتضرع إلى الله تعالى.\r(والمستحيل) عقلا أي تعريفه: (كل ما) أي أمر من ذات، أو صفة، أو نسبة أمر منتف؛ كذات الشريك له تعالى، والجهل له تعالى، وكونه تعالى جاهلا، (لم يقبل) فاعل لم يقبل، عائد الموصول (في ذاته) أي بالنظر إلى ذاته بقطع النظر عن تعلق علم الله بعدم وجوده، فإيمان فرعون مثلا ليس من المستحيلات، بل من الجائزات، إلا أنه بالنظر إلى علم الله تعالى، وقدرته، ومشيئته، أنه ليس بمؤمن يستحيل إيمانه لذلك الأمر فتنبه!. (الثبوت) منصوب على المفعول به (ضد الأول) أي فالمستحيل ضد الأول وهو الواجب.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"(وكل أمر) والأمر أعم من الشيء، لأن الأمر يطلق على الموجود والمعدوم، بخلاف الشيء لا يطلق إلا على الموجود. (قابل للانتفاء وللثبوت) أي يتصور عقلا وجوده وعدمه في ذاته بقطع النظر لتعلق علم الله تعالى بوجوده، أو انتفائه (جائز بلا خفاء) مثاله تعذيب المطيع، وإثابة العاصي، فإنهما جائزان عقلا، وإنما واجبا شرعا لوعده تعالى ووعيده كما ورد ذلك شرعا.\rثُمَّ اعْلَمَنْ بِأَنَّ هَذَا العَالَمَا\rأَيْ مَا سِوَى اللهِ العَلِيِّ العَالِمَا\rمِنْ غَيْرِ شَكِّ حَادِثٌ مُفْتَقِرُ\r\rلأَنَّهُ قَامَ بِهِ التَّغَيُّرُ\r\rحُدُوْثُهُ وُجُوْدُهُ بَعْدَ العَدَمْ\r\rوَضِدُّهُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالقِدَمْ\r\r(ثم اعلمن) أيها المكلف، بعد معرفتك الأحكام العقليّة الثلاثة، (بأن هذا العالما) المشاهد بجميع أجزائه من جوهر، وهو ما قام بنفسه كالذات، أو عرض وهو ما قام بغيره؛ كالألوان، والأصوات، والحركات (أي ما سوى الله العليّ) هو تعريف العالم، وإنما سمّي ما سوى الله العالم لأنه علامة أي دليل على وجود صانعه (العالما) صفة ثانية نصبت للمدح على القطع أي أمدح العالما.\r(من غير شك) متعلق بما بعده (حادث) أي موجودبعد عدم (مفتقر) إلى محدث يحدثه (لأنه) أي لأن العالم (قام به التغير) من عدم إلى وجود، ومن الوجود إلى عدم، والحركة إلى السكون، وعكسه، وكذلك من الظلمة إلى الضياء. وتمام الدليل أن يقال: العالم متغير، وكل متغير حادث. العالم حادث، وكل حادث يفتقر إلى محدث.العالم مفتقر إلى محدث، ومحدثه هو الله سبحانه وتعالى.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"(حدوثه) أي حدوث العالم (وجوده بعد العدم) أي عبارة عن وجود العالم بعد عدمه، لأنه متغير، وتغيره إما بالمشاهدة، وإما بالدليل، لأن العالم إما عرض، وإما جوهر، والجوهر ملازم للأعراض، وتغير الأعراض ظاهر مشاهد. (وضده) أي ضد الحدوث (هو المسمّى بالقدم) فهو الذي لا ابتداء لوجوده، ولا يسبق وجوده العدم، وهو خاص بالله تعالى. وقد يطلق القدم على ما قد طال وجوده، كما قال تعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) [سورة يس: 39].\rفَاعْلَمْ بِأَنَّ الوَصْفَ بِالوُجُوْدِ\r\rمِنْ وَاجِبَاتِ الوَاحِدِ الْمَعْبُوْدِ\r\rإِذْ ظَاهِرٌ بِأَنَّ كُلَّ أَثَرِ\r\rيَهْدِيْ إِلَى مُؤَثِّرٍ فَاعْتَبِرِ\r\r(فاعلم بأن الوصف) أي اتصافه تعالى (بالوجود) أي بصفة الوجود. ومعناه أنه تعالى لا يقبل العدم أزلا، وأبدا، أي لا ابتداء لوجوده تعالى، ولا انتهاء له. (من واجبات الواحد) أي من بعض واجبات الله الواحد المعبود، فإن الواجبات لله تعالى كثيرة لا تنحصر، لأن صفات كماليّة لا تتناهي، لا يعرفها إلا الله. ويجب على المكلف معرفة صفاته تعالى الواجبة في حقه تعالى عشرين صفة، لما قام الدليل عليه بخصوصه.\r(إذ ظاهر) على كل عاقل (بأن كل أثر) وكل عالم، وما فيه مصنوع، وأثر (يهدي) أي يدل، وكل مصنوع، وأثر يدل (إلى مؤثر) أي صانع. إذ لا يعقل وجود مصنوع وأثر بدون صانع ومؤثر. (فاعتبر) أي فتأمل. اهـ.\rوَذِيْ تُسَمَّى صِفَةً نَفْسِيَّهْ\r\rثُمَّ تَلِيْهَا خَمْسَةٌ سَلْبِيَّهْ\r\rوَهِيَ القِدَمْ بِالذَّاتِ فَاعْلَمْ وَالبَقَا\r\rقِيَامُهُ بِنَفْسِهِ نِلْتَ التُّقَىْ\r\rمُخَالِفٌ لِلْغَيْرِ وَحْدَانِيَّهْ\r\rفِي الذَّاتِ أَوْ صِفَاتِهِ العَلِيَّهْ\r\rوَالفِعْلُ فَالتَّأْثِيْرُ لَيْسَ إِلاَّ\r\rلِلْوَاجِدِ القَهَّارِ جَلَّ وَعَلاَ","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"(وذي) أي وهذه الصفة وهي صفة الوجود (تسمّى صفة نفسيّة) منسوبة إلى النفس أي الذات، والصفة النفسية هي التي لا تعقل الذات بدونها، وهي صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات، دون معنى زائد على الذات. فخرج بذلك، صفات المعاني، نحو: القدرة، فإن الوصف بها يدل على معنى زائد على الذات (ثم تليها) في الذكر (خمسة سلبيّة) نسبة للسلب أي النفي، إذ مدلول كل واحد من صفات الخمسة سلب أمر لا يليق بذاته تعالى العليّة كما سيأتي.\r(وهي القدم) ومعنى القدم سلب الأوّلية أي لا أول لوجوده تعالى (بالذات) أي القدم الذاتي أي إنه تعالى قديم لذاته، لا لعلة اقتضت وجوده تعالى (فاعلم) ذلك المذكور، ولا تظن أن القدم بمعنى مقابل الجديد، مثل قوله تعالى: (إنك لفي ضلالك القديم)، (والبقا) وهو سلب الآخريّة، أي إنه تعالى لا آخر لوجوده تعالى، (قيامه بنفسه) بمعنى أنه تعالى لا يحتاج إلى محل يقوم فيه، ولا إلى مخصّص أي فاعل. وإنما لا يحتاج إلى محل، لأنه تعالى ذات، والذات يقوم بنفسه، بخلاف العرض، فإنه يقوم بغيره. ولا يحتاج المولى إلى مخصّص يخصّصه، لأنه تعالى قديم. (نلت التقى) أي أدركت التقوى، وهو امتثال المأمورات واجتناب المنهيات.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"(مخالف للغير) أي مخالفته لغيره من الحوادث، فليس الله تعالى بجسم، ولا عرض، ولا متحرك، ولا ساكن، ولا غير ذلك من صفات الحوادث. (وحدانية) هي خامس السلبية، وهي عبارة عن سلب الكثرة في الذات، والصفات، والأفعال (في الذات) أي لا ثاني له في ذاته تعالى اتصالا وانفصالا، حيث لا تعدد، ولا تركيب في ذاته العليّة، ولا نظير، ولا مماثل له في ذاته. فعدم التعدد والتركيب يقال له الكمّ المتصل، وعدم المماثل والنظير يقال له الكمّ المنفصل. (أو صفاته العلية) أي وحدانيته تعالى في الصفات اتصالا وانفصالا، بحيث لا تعدد في صفاته تعالى، فليس له إلا قدرة واحدة، وعلم واحد، وما إلى ذلك. وليس لأحد صفة تماثل صفته تعالى. فأو في قوله أو صفاته بمعنى الواو.\r(والفعل) بالجر معطوف في الذات أي وحدانيته تعالى في الفعل أي إنه متصف بوحدانية الأفعال، فليس ثمّ فعل من الأفعال إلا له تعالى. قال تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) [سورة الصافات: 96]. (فالتأثير) للأشياء أي الاختراء، والإيجاد لها (ليس) أي لا يصلح لأحد (إلا للواحد القهار) أي إلا الله الواحد القهّار (جل وعلا) فلا تأثير لقدرتنا في شيء من أفعالنا، ونسبة العمل إلينا من حيث الكسب والإكتساب، لا من حيث التأثير والإيجاد والاختراع، فاعلم ذلك!.\rوَمَنْ يَقُلْ بِالطَّبْعِ أَوْ بِالعِلَّهْ\r\rفَذَاكَ كُفْرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَّهْ\r\rوَمَنْ يَقُلْ بِالقُوَّةِ الْمُوْدَعَةِ\r\rفَذَاكَ بِدْعِيٌّ فَلاَ تَلْتَفِتِ","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"(ومن يقل) من أهل الضلال (بالطبع) أي بتأثير الطبيعة، بأن يقول: إن الأشياء تؤثر بطبعها وحقيقتها (أو بالعلة) أي بتأثيرها، بأن يقول: إن الشيء علة أي سبب لحصول شيء من غير أن يكون له تعالى فيه اختيار. (فذاك) القائل (كفر) أي ذو كفر أي كافر، لأنه أثبت له تعالى شريكا (عند أهل الملة) الإسلامية. والفرق بين الطبع والعلة بعد العلم باشتراكهما في التأثير وعدم الاختيار في ذلك لله تعالى؛ أن الطبع يتوقف على وجود الشرط، وانتفاء المانع، كالإحراق بالنار، فإنه يتوقف تأثيرها على مماسة النار للشيء المحرق، وانتفاء العلل ونحوه. وأما العلة فلا يتوقف تأثيرها على شيء في ذلك، كحركة الخاتم لحركة الأصبع، فكلما وجدت العلة وجد المعلول.\r(ومن يقل) من أهل الزيغ والعناد (بالقوة المودعة) - بسكون الواو وفتح الدال – أي هذه الأمور العادية من الطبع والعلة تؤثر بواسطة القوة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في تلك الأمور العادية، كأن يقول: إن النار تؤثر الإحراق بقوة أودعها الله فيها (فذاك) القائل (بدعيّ) فليس من أهل السنة، لأن ذلك القائل لم يتمسك سنة السلف الصالح الذين أخذوها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يقال: إنه كفر، لأن ذاك البدعي أثبت له تعالى خلق العبد وخلق قدرته. (فلا تلتفت) لقول المبتدع، بل يجب الإعراض عنه، والتمسك بقول أهل السنة السلف الصالح في أنه لا تأثير لما سوى الله أصلا، لا بطبع، ولا بعلة، ولا بواسطة. وإنما التأثير لله وحده لمحض اختياره تعالى، ولكن الله جعل العلة والطبع من الأمور العادية. فاعلم..!.\rلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا لَزِمْ\r\rحُدُوْثُهُ وَهْوَ مُحَالٌ فَاسْتَقِمْ\r\rلأَنَّهُ يُفْضِيْ إِلَى التَّسَلْسُلِ\r\rوَالدَّوْرُ وَهْوَ الْمُسْتَحِيْلُ الْمُنْجَلِيْ\r\rفَهُوَ الْجَلِيْلُ وَالْجَمِيْلُ وَالوَلِيْ\r\rوَالطَّاهِرُ القُدُّوْسُ وَالرَّبُّ العَلِيْ","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُلُوْلِ وَالْجِهَهْ\r\rوَالإِتِّصَالِ الإِنْفِصَالِ وَالسِّفَهْ\r\r(لو لم يكن) الله تعالى (متصفا بها) بتلك الصفات السلبية الخمسة (لزم حدوثه)، تعالى وتنزه عن ذلك. أما القدم، فلأنه تعالى لو لم يكن قديما، لكان حادثا. وأما البقاء، فلأنه تعالى لو لم يكن باقيا، لم يكن قديما، وإذا لم يكن قديما، لكان حادثا. وأما القيام بالنفس، فلأنه لو قام بغيره، لكان عرضا محتاجا في قيامه للغير، وهو محال. وأما المخالفة للحوادث، فلأنه لو ماثل شيئا منها، لكان حادثا مثلها. وأما الوحدانية، فلأنه لو كان له تعالى مثل ونظير في ذاته أو صفاته، للزم العجز، وكل عاجز حادث. (وهو) أي الحدوث عليه تعالى (محال) لا يقبل الثبوت عقلا (فاستقم) أي اطلب من الله تعالى طريق الاستقامة.\r(لأنه) أي لأن الحدوث (يفضي) أي يؤدي (إلى التسلسل) هو ترتّب الأشياء، وتتابعها إلى ما لا نهاية له. (والدور) أي أو يفضي إلى الدور، وهو توقف شيء على ما يتوقف هو على ذلك الشيء، كما لو أوجد زيد عمرا، وعمرو أوجد زيدا. (وهو) أي الدور، وكذلك التسلسل (المستحيل المنجلي) أي الواضح الذي لا يحتاج إلى الدليل.\r(فهو) سبحانه وتعالى (الجليل) أي العظيم الشأن الذي خضعت لجلاله رقاب الجبابرة. (والجميل) أي المتصف بصفات الجمال والكمال من علم، وحياة، وقدرة، وغيرها. (والولي) أي مالك الخلائق، ومتولي أمورهم. (والطاهر) أي المنَزه عن كل ما يليق به. (القدوس) من القدس، وهو الطهر أي المتنزه عن كل النقائص. (والرب) أي المالك حقيقة والمربّي للخلائق على ما أراده سبحانه وتعالى (العلي) أي المرتفع القدر.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"(منزه) أي هو مطهر (عن الحلول) في مكان من الأمكنة (والجهة) أي منزه عن الجهة من الجهات الست (والإتصال الإنفصال) فلا يقال: إنه تعالى فوق الجرم، ولا تحته، ولا يمينه، ولا شماله، ولا متصل به، ولا منفصل عنه. (والسفه) منزه سبحانه وتعالى عن السفه، وهو وضع الشيء في غير محله. فهو المدبر الحكيم العليم.\rثُمَّ الْمَعَانِيْ سَبْعَةٌ لِلرَّائِيْ\r\rأَيْ عِلْمُهُ الْمُحِيْطُ بِالأَشْيَاءِ\r\rحَيَاتُهُ وَقُدْرَةٌ إِرَادَهْ\r\rوَكُلُّ شَيْءٍ كَائِنُ أَرَادَهْ\r\rوَإِنْ يَكُنْ بِضِدِّهِ قَدْ أَمَرَ\r\rفَالقَصْدُ غَيْرُ الأَمْرِ فَاطْرِحِ الْمِرَا\r\rفَقَدْ عَلِمْتَ أَرْبَعًا أَقْسَامًا\rفِي الكَائِنَاتِ فَاحْفَظِ الْمَقَامَا\r(ثم المعاني) أي ثم يجب عليك معرفة صفاته تعالى التي تسمّى بالمعاني. وإنما سميت بالمعاني، لأن كل واحد منها له معنى موجود قائم بذاته تعالى. (سبعة للرائي) أي الناظر المتأمّل. (أي علمه) وهو الأول منها، أي علمه تعالى. (المحيط بالأشياء) كلها؛ واجبها، وجائزها، ومستحيلها، كليتها، وجزئيتها، على سبيل التفصيل. والعلم صفة أزليّة تنكشف بها الموجودات، والمعدومات على ما هي عليه انكشافا لا يحتمل النقيض بوجه مّا.\r(حياته) وهي صفة أزليّة ذات معنى قائمة بذاته تعالى توجب صحة العلم والإرادة وغيرهما من صفات المعاني. (وقدرة) وهي صفة ذات معنى أزلية قائمة بذاته تعالى يتأتى بها إيجاد الممكن وإعدامه. (إرادة) وهي صفة أزلية ذات معنى قائمة بذاته تعالى يخصص الله تعالى بها الممكن ببعض ما يجوز عليه من وجود، وعدم، ومقدار، وزمان، ومكان، وجهة. (وكل شيء) من الأشياء (كائن) أي موجود، شر أو قبيح، (أراده) أي أراد الله تعالى وجوده، فلا يقع في ملكه تعالى إلا ما يريد، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"(وإن يكن بضده) أي بضد ذلك الكائن (قد أمرا) تبارك وتعالى، ككفر أبي جهل، فإنه كائن بإرادته تعالى، والله تعالى يأمر بضد ذلك الكفر، وهو الإيمان، ونهى عن الكفر. (فالقصد) والمشيئة والإرادة (غير الأمر) أمر الله تعالى أبا جهل بالإيمان، وأراد الله تعالى كفره لحكمة يعلمها، فالقاضي العادل أمر قطع يد ابنه السارق إقامة للعدل والحد، ولا يريد ذلك شفقة ورحمة لابنه. (فاطرح المرا) أي الجدل والنزاع. وذهب المعتزلة باتحاد الأمر، والإرادة، وهو غير صحيح.\r(فقد علمت) من قوله «وكل شيء كائن أراده» (أربعا أقساما) منطوقا، ومفهوما (في الكائنات) أي في الموجودات؛ القسم الأول: مأمور ومراد، كإيمان أبي بكر. والثاني: عسكه، غير مأمور وغير مراد، كالكفر من أبي بكر. والثالث: مأمور وغير مراد، كالإيمان من أبي جهل. والرابع: عكسه، غير مأمور ومراد، ككفر أبي جهل. (فاحفظ المقاما) أي هذا المقام على الوجه المتقدم، فإنه مذهب أهل السنة والجماعة، خلاف ما كان عليه المعتزلة. اهـ.\rكَلاَمُهُ وَالسَّمْعُ وَالأَبْصَارُ\r\rفَهُوَ الإِلَهُ الفَاعِلُ الْمُخْتَارُ\r\r(كلامه) أي كلامه تعالى، وهي صفة ذات معنى أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف، ولا صوت، ولا يوصف بتقديم، ولا تأخير، ولا بداية، ولا نهاية، وهو دال على جميع معلوماته تعالى. وهذه هي الخامسة من صفات المعاني. (والسمع والأبصار) أي السمع والبصر، وهما صفتان ذاتا معنى قائمتان بذاته تعالى أزليتان ينكشف بهما جميع الموجودات إنكشافا تاما يغاير الإنكشاف بالعلم، كما أن الإنكشاف بإحداهما يغاير الإنكشاف بالأخرى. وهما السادسة والسابعة من المعاني. (فهو الإله) أي المعبود بحق (الفاعل) كل ما سوى الله تعالى، فهو المتوحد بالإيجاد والإعدام. (المختار) الذي إن شاء فعل، وإن شاء ترك، وربك يخلق ما يشاء ويختار. اهـ.\rوَوَاجِبٌ تَعْلِيْقُ ذِي الصِّفَاتِ\r\rحَتْمًا دَوَامًا مَا عَدَا الْحَيَاةِ","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"فَالعِلْمُ جَزْمًا وَالكَلاَمُ السَّامِيْ\r\rتَعَلَّقَا بِسَائِرِ الأَقْسَامِ\r\rوَقُدْرَةٌ إِرَادَةٌ تَعَلَّقَا\rبِالْمُمْكِنَاتِ كُلِّهَا أَخَا التُّقَىْ\r\rوَاجْزِمء بِأَنَّ سَمْعَهُ وَالبَصَرَا\r\rتَعَلَّقَا بِكُلِّ مَوْجُوْدٍ يُرَى\r\r(وواجب) عقلا (تعليق ذي الصفات) أي صفات المعاني (حتما) لزوما (دواما) على سبيل الدوام والاستمرار (ما عدا الحياة)، فإنها لا تتعلق بشيء، إذ هي صفة تصحّح لمن قامت به الإدراك من غير أن تطلب زائدا على قيامها بمحلها.\r(فالعلم) مبتدأ (جزما) منصوب معمول تعلقا بعد (والكلام السامي) أي العالي المتنزّه عما لا يليق به (تعلقا) أي العلم والكلام (بسائر الأقسام) للحكم العقلي الثلاثة؛ الواجب، والجائز، والمستحيل. فتعلق العلم تعلق انكشاف أزلا، وأبدا بلا تأمّل، واستدلال، وسبب. وتعلق الكلام تعلق دلالة مستمرة بلا انقطاع أزلا، وأبدا.\r(وقدرة إرادة) بحذف حرف العطف، وهما صفتا التأثير (تعلقا بالممكنات) لا بالواجبات، ولا بالمستحيلات. (كلها) أي كل الممكنات، خلافا للمعتزلة الذين قالوا: إن قدرته تعالى لا تتعلق بأفعال العبد الإختيارية، بل العبد مستقل بخلق فعله الإختياري بواسطة القوة التي أودعها الله فيه. (أخا التقى) أي يا أيها الملازم للتقوى من أهل السنة والجماعة.\r(واجزم) اعتقد اعتقادا جازما (بأن سمعه) تعالى (والبصرا) بصره تعالى (تعلقا) تعلق انكشاف (بكل موجود يرى) يعلم أي بكل موجود معلوم له تعالى قديما كان كذاته تعالى وصفاته، أو حادثا كذوات المخلوقين، وصفاتهم، فيسمع ويرى سبحانه وتعالى الذوات، والصفات من قبل الأصوات، وغيرها، ولا يعرف كيفية ذلك إلا الله تعالى. وسمعنا في العادة يتعلق بالأصوات، وبصرنا كذلك يتعلق بالأجسام، وألوانها. والله أعلم.\rوَكُلُّهَا قَدِيْمَةٌ بِالذَّاتِ\r\rلأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِغَيْرِ الذَّاتِ\r\rثُمَّ الكَلاَمُ لَيْسَ بِالْحُرُوْفِ","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وَلَيْسَ بِالتَّرْتِيْبِ كَالْمَأْلُوْفِ\r\rوَيَسْتَحِيْلُ ضِدُّهَا تَقَدَّمَ\r\rمِنَ الصِّفَاتِ السَّامِخَاتِ فَاعْلَمَا\rلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوْفَا\rبِهَا لَكَانَ بِالسِّوَى مَعْرُوْفَا\r(وكلها) كل صفات المعاني السبعة (قديمة) أي لا أولية لها (بالذات) أي بذات الله تعالى وإن قدمها ذاتي بقدم الذات. وليست من الممكنات (لأنها) أي لأن صفات المعاني (ليست بغير الذات) العلية، بمعنى أنها لا تنفك عنها، فلا يعقل قيام الذات بدونها، وليست بعين الذات، بل المعاني غير الذات، ولا تنفك الذات عنها.\r(ثم الكلام) القديم القائم بذاته تعالى. ويقال الكلام النفسي (ليس بالحروف) ولا بالصوت (وليس بالترتيب) أي متلبسا بالترتيب، فليس فيه تقديم، ولا تأخير. (كالمألوف) من الكلام الحادث، والله سبحانه وتعالى المتفرد بكنه حقيقة ذلك. هذا، وقد يطلق كلام الله على القرآن الذي هو اللفظ المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي عجز الخلق عن الإتيان بمثله، المتعبد بتلاوته، لأن الله تعالى هو الذي أنزله، ورتبه، والذي يكون مدلوله موافقا لمدلول بعض الكلام النفسي.\r(ومستحيل) عليه تعالى (ضد ما تقدم) أي يستحيل عليه تعالى كل ما ينافي ما تقدم (من الصفات) النفسية والسلبيات والمعاني (الشامخات) أي المرتفعان المنزهات عن الحدوث ولوازمه (فاعلما) فيستحيل عليه تعالى العدم، والحدوث، والفناء، والمماثلة للحوادث، وعدم قيامه بنفسه، والتعدد، والعجز، والكراهة، والجهل، والموت، والصمم، والعمى، والبكم. تعالى الله عن ذلك عُلوا كبيرا.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"(لأنه) تبارك وتعالى (لو لم يكن موصوفا بها) أي بتلك الصفات الشامخات (لكان بالسوى) بكسر السين وفتح الواو (معروفا) أي لكان الله معروفا بسواها، يعني لولم يكن متصفا بتلك الصفات الشامخات، لكان متصفا بأضدادها من العجز، والكراهة، وغيرهما. واتصافه تعالى بتلك الأضداد باطل، لما يلزم عليه من الحدوث، والافتقار. اهـ.\rوَكلُّ مَنْ قَامَ بِهِ سِوَاهَا\rفَهْوَ الذِيْ فِي الفَقْرِ قَدْ تَنَاهَىْ\r\rوَالوَاحِدُ الْمَعْبُوْدُ لاَ يَفْتَقِرُ\r\rلِغَيْرِهِ جَلَّ الغَنِي الْمُقْتَدِرُ\r\rوَجَائِزٌ فِي حَقِّهِ الإِيْجَادُ\r\rوَالتَّرْكُ وَالإِشْقَاءُ وَالإِسْعَادُ\r\rوَمَنْ يَقُلْ فِعْلُ الصَّلاَحِ وَجَبَا\rعَلَى الإِلَهِ قَدْ أَسَاءَ الأَدَبَا\r(وكل من قام سواها) أي سوى تلك الصفات الشامخات من الجهل، والعجز، وغيرهما (فهو الذي في الفقر) أي الاحتياج إلى غيره ممن يكمّله (قد تناهى) أي بلغ النهاية في الفقر، وهو أي الاحتياج محال عليه تعالى، لأنه يؤدي إلى الحدوث، فيكون من جملة العالم الحادث المفتقر.\r(والواحد المعبود) بحق (لا يفتقر لغيره) بل غيره مفتقر إليه تعالى (جل) أي وعظم عن الافتقار (الغني) عن كل شيء سواه، لاتصافه بكل كمال، وتنزهه عن كل نقص (المقتدر) على كل شيء، قال تعالى: (إن الله على كل شيء قدير) [سورة البقرة: 20].","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"(وجائز في حقه) تبارك وتعالى (الإيجاد) أي إيجاد الممكنات وهو تعلق القدرة بوجود المقدور، فإن تعلقت بالحياة سمي بالإحياء، وبالموت سمي إماتة، وبالمرزوق سمي رزقا، بفتح الراء وهكذا. (والترك) أي ترك الإيجاد للممكنات، يعني أن إيجاد كل ممكن، أو تركه أمر جائز في حقه تعالى، إن شاء فعل، وإن شاء ترك. ومن ذلك بعثة الرسل، وإثابة المطيع، وتعذيب العاصي شرعا. (والإشقاء) وهو خلق الكفر في العبد - والعياذ بالله - ويسمّى الخذلان، والإضلال. (والإسعاد) وهو خلق الطاعة في العبد، ويسمّى بالهداية، والتوفيق.\r(ومن يقل) من المعتزلة (فعل الصلاح وجبا على الإله) تعالى عن ذلك (فقد أساء الأدبا) اللائق بحقه تعالى، إذ لو وجب شيء من ذلك، لما وقعت في حق العبد محنة، ولا ألم للطفل الصغير، وغيره مما هو واقع في الخارج، ومشاهد.\rحكي: أن الإمام أبا الحسن الأشعري رئيس أهل السنة والجماعة سأل شيخه أبا علي الجبائي رئيس المعتزلة، وهو يقرر مسألة وجوب الصلاح على الله، فقال له الأشعري: ما تقول في ثلاثة إخوة؛ مات أحدهم مطيعا، والآخر عاصيا، والثالث صغيرا؟، فقال الجبائي: الأول يثاب في الجنة، والثاني يعاقب في النار، والثالث لا يثاب ولا يعاقب، فقال الأشعري: فإن قال الثالث: لِمَ أمتّني صغيرا، ولم تبقني إلى أن أكبر، فأطيعك لأثاب بالجنة ؟، أجاب الجبائي: للرب أن يقول: إني كنت أعلم لو كبرت، لعصيت فدخلت النار، فكان الأصلح أن تموت صغيرا. فإن قال الثاني: يا رب، لِم لم تمتني صغيرا لئلا أعصي فأدخل النار، فماذا يقول الرب ؟، فبهت الجبائي، فترك الأشعري مذهب الإعتزال، ودخل فيما هو عليه أهل السنة والجماعة، واشتغل بنشره، والدفاع عنه، وصار إماما لهم، فجزاه الله خيرا.\rوَاجْزِمْ أَخِيْ بِرُؤْيَةِ الإِلَهِ\r\rفِيْ جَنَّةِ الْخُلْدِ بِلاَ تَنَاهِيْ\r\rإِذِ الوُقُوْعُ جَائِزٌ بِالعَقْلِ\r\rوَقَدْ أَتَى فِيْهِ دَلِيْلُ العَقْلِ","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"(واجزم) أي اقطع واعتقد وجوبا (أخي) أي يا أخي في الدين (برؤية الإله) أي برؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى (في جنة الخلد) قال تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) [سورة القيامة: 22-23]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقد قال له الصحب الكرام: يا رسول الله، هل نرى ربنا بوم القيامة؟، «هل تمارون أي تشكون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب»، قالوا: لا، يا رسول الله، قال: «فإنكم ترونه كذلك». (بلا تناهي) للمرئي تبارك وتعالى أي من غير كيف ولا إحاطة، ولهذا قال تبارك وتعالى: (لا تدركه الأبصار. وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) [سورة الأنعام: 103]. فلا يلتفت إلى قول المعتزلة في إنكارهم رؤيته تعالى يوم القيامة، تمسكا بهذه الآية، زاعمين بأن الإدراك معناه الرؤية.\r(إذ الوقوع) أي وقوع الرؤية المذكور (جائز) غير مستحيل (بالعقل) وكذا بالنقل (وقد أتى فيه) أي في ذلك أي رؤيته تعالى (دليل العقل) وهو أن الله تعالى موجود، وكل موجود يصح أن يرى.\rوَصِفْ جَمِيْعَ الرُّسْلِ بِالأَمَانَهْ\r\rوَالصِّدْقِ وَالتَّبْلِيْغِ وَالفَطَانَهْ\r\rوَيَسْتَحِيْلُ ضِدُّهَا عَلَيْهِمْ\r\rوَجَائِزٌ كَالأَكْلِ فِيْ حَقِّهِمْ","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"(وصف) أي يجب عليك أيها المكلف أن تعتقد أن جميع الرسل متصفون (بالأمانة) والعصمة، وهي حفظ الله تعالى بواطنهم وظواهرهم من التلبس بمنهي عنه، ولو نهي كراهة. نعم، قد يفعلون المكروه تشريعا، فيكون في حقهم قربة. وما يوهم خلاف ذلك، فمصروف عن ظاهره، أو من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» (والصدق) في أقوالهم، وأفعالهم مطلقا. فلو جاز عليهم الكذب، للزم الكذب في خبره تعالى، لأن الله صدّقهم بالمعجزات التي أيّدهم تعالى بها، والتي هي بمنزلة قوله تعالى صدق عبدي في كل ما يبلغ عني (والتبليغ) وإيصال الأحكام الشرعية التي أمروا بتبليغها إلى أممهم، قال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) [سورة المائدة : 67]. (والفطانة) وهو الذكاء، وإدراك الأمور الدقيقة، لأنهم بعثوا لإقامة الحجج، وإبطال شبه المخالفين. ولأنا مأمورون بالاقتداء بهم في الأقوال، والأفعال، فيجب في حقهم التنزيه عن كل ما يخل بالمروءة، وكل ما يؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية.\r(ويستحيل ضدها) أي ضد هذه الصفات الأربعة المتقدمة (عليهم) فيستحيل عليهم الخيانة، وهي ضد الأمانة، والكذب وهي ضد الصدق، والكتمان وهي ضد التبليغ، والبلادة وهي ضد الفطانة. (وجائز) عقلا وشرعا (كالأكل) أي مثل الأكل من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية؛ كالأكل، والشرب، والمرض، والنكاح، وغير ذلك. بخلاف ما يؤدي إلى نقص في مراتبهم، فيستحيل عليهم ما يزري من المباح، وما هو مزمن، أو تعافه النفوس؛ كالجذام، والجنون، وما هو مخل للمروءة. (في حقهم) عليهم الصلاة والسلام.\rإِرْسَالُهُمْ تَفَضُّلٌ وَرَحْمَهْ\r\rلِلْعَالَمِيْنَ جَلَّ مُوْلِي النِّعْمَهْ","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"(إرسالهم) أي الأنبياء من آدم إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (تفضل) أي محض تفضل، وإحسان من الله الكريم (ورحمة) من الله سبحانه وتعالى (للعالمين) قاطبة، فلا يكون الإرسال واجبا عليه تعالى، لأنه تعالى هو الفاعل المختار الذي لا يسأل عما يفعل وهو يسألون. وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة، خلافا للمبتدعين الذين يقولون بوجوب فعل الصلاح، والأصلح على الله سبحانه وتعالى. (جل) وعظم (مولي النعمة) أي معطي النعمة التي أجلها نعمة الإيمان، والإسلام، وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام.\rهذا، وإن هذا العلم على ثلاثة أقسام؛ إلهيات، ونبويات، وسمعيات. وقد تم بحث الأولين بهذا البيت. وشرع المؤلف في مبحث الأخير بالبيت الآتي وما بعده. اهـ.\rوَيَلْزَمُ الإِيْمَانُ بِالْحِسَابِ\r\rوَالْحَشْرِ وَالعِقَابِ وَالثَّوَابِ\r\rوَالنَّشْرِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيْزَانِ\r\rوَالْحَوْضِ وَالنِّيْرَانِ وَالْجِنَانِ\r\rوَالْجِنِّ وَالأَمْلاَكِ ثُمَّ الأَنْبِيَا\rوَالْحُوْرِ وَالوِلْدَانِ ثُمَّ الأَوْلِيَا","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"(ويلزم) على المكلف (الإيمان بالحسان) على أعمال العباد في المحشر، وذلك بعد أخذهم الكتب، قال تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا. وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا) [سورة الإنشقاق: 7-12]. وكيفية الحساب؛ فمنه العسير، ومنه اليسير المعبر عنه بالعرض، بأن يعرض الله على عبده بعض ذنبه، ويلقي عليه كتفه، وستره، فيقول الله تعالى: سترتها عليك في الدنيا، وأنا اليوم أغفرها لك. روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، قلت: يا رسول الله فذاك، أليس الله تعالى يقول: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا)؟، قال: «ذلك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك». (والحشر) أي جمع الأجسام، والأرواح، وسوقها إلى المحشر، والموقف بعد بعثهم من قبورهم المسمّى بالنشر. قال الله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا. ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) [سورة مريم: 85-86]. وفي الحديث: «إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة، عراة، غرلا». (والعقاب) في القبر، والحشر، وبعده على الذنوب، والكفر، قال تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) [سورة غافر: 46]. ومآل الكفار الخلود فيها، وأما أرباب المعاصي من المؤمنين فإلى مشيئة الله، فمنهم من يغفر الله له ولا يدخله النار، ومنهم من يطهر فيخرج منها بعد التطهير، ومنهم من تناله الشفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. (والثواب) أي الجزاء على الأعمال الصالحة بالجنة وغيرها من أنواع النعيم.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"(والنشر) أي البعث، والمراد به إحياء الموتى من قبورهم بعد جمع أجزاءهم الأصلية، قال الله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) [سورة المؤمنون: 16]. (والصراط) هو جسر ممدود على متن جهنم، أرق من الشعرة، وأحدّ من السيف كما رواه مسلم. يرده المؤمنون والكفار للمرور عليه. والمارون عليه مختلفون؛ فمنهم: سالم بعمله، ناج من الوقوع في نار جهنم على قدر كفاتهم في الأعمال الصالحة، والإعراض عن المعاصي. ومنهم: غير ناج، بل يسقط في جهنم. فعلى قدر الاستقامة على الصراط المعنوي في الدنيا، يكون الثبات والنجاة على الصراط الحسي في الآخرة. قال الله تعالى: (فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون) [سورة يس: 66]، وفي الحديث الصحيح: «ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجوّزه، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل. ودعواهم يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن يؤتى بعمله، ومنهم المجازى حتى ينجي». (والميزان) توزن به أعمال العباد، ويكون الوزن قبل الصراط، قال الله تعالى: (والوزن يومئذ نالحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) [سورة الأعراف: 8-9]. (والحوض) أي حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة، من شرب منه لا يظمأ أبدا. ويطرد عنه من بدّل وغيّر هذه الشريعة الغراء، كما جاء في الحديث. (والنيران) جمع نار، وهي دار العقاب، قال تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [سورة البقرة: 39]، وهي طبقات، ودركات، أعلاها جهنم لعصاة المؤمنين، فلظى لليهود، فالحطمة للنصارى، فالسعير وفيها الصابئون، فسقر وفيها المجوس، فالجحيم وفيها عبدة الأصنام، فالهاوية وفيها المنافقون. (والجنان) جمع جنة دار الثواب للمؤمنين، وهي درجات؛ أعلاها الفردوس، فالمأوى، فالخلد، فالنعيم، فعدن، فدار السلام،","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"فدار الجلال.\r(والجن) هم أجسام لطيفة نارية قادرون على التشكل بأشكال مختلفة، منهم المؤمن، والكافر، ومنهم الشياطين الذين كان شأنهم الإفساد، والإغواء. قال تعالى: (وخلق الجان من مارج من نار) [سورة الرحمن: 15]، (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) [سورة الأحقاف: 29]، (كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) [سورة الكهف: 50]. (والأملاك) جمع ملك بفتح اللام أي الملائكة، هم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مسكنهم السموات، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. والذين يجب على المكلف معرفتهم عشرة، كما في العقيدة، وهم: جبريل أمين الوحي، وميكائيل الموكل بالأرزاق، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وعزرائيل الموكل بقبض الأرواح، ومنكر ونكير الموكلان بسؤال الميت في القبر، ورقيب وعتيد الموكلان بكتابة أعمال العباد، ومالك خازن النار، ورضوان خازن الجنة. وزيد حملة العرش الثمانية، من أنكرهم، أو واحدا منهم، فقد كفر، إلا منكر ونكير، فمن أنكرهما فهو فاسق. (ثم الأنبياء) تفصيلا فيما علم تفصيلا، وهم خمسة وعشرون، وإجمالا، قال الله تعالى: (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك) [سورة غافر: 78]، (والحور) جمع حوراء، هم نساء الجنة شديدة بياض العين، شديدة سوادها، قال تعالى: (وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون) [سورة الواقعة: 22-23]، (والولدان) في الجنة على صورة غلمان الدنيا، وليسوا من أولاد الدنيا الإنسي، قال تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأبارق وكأس من معين) [سورة الواقعة: 17-18]. (والأولياء) جمع وليّ، وهو القائم بحقوق الله وحقوق العباد حسب الطاقة، ويجب اعتقاد كرامتهم كما جاء بذلك الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة. والله أعلم.\rوَكُلُّ مَا جَاءَ مِنَ البَشِيْرِ\r\rمِنْ كُلِّ حُكْمٍ صَارَ كَالضَّرُوْرِيْ\r\rوَيَنْطَوِيْ فِيْ كِلْمَةِ الإِسْلاَمِ","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"مَا قَدْ مَضَى مِنْ سَائِرِ الأَحْكَامِ\r\r(وكل ما) بالجر عطف على قوله بالحساب أي ويلزم الإيمان بكل ما جاء إلى آخره (جاء) ونقل نقلا صحيحا (من البشير) أي النبي البشير صلى الله عليه وسلم (من كل حكم) شرعيا أو اعتقاديا (صار كالضروري) في الاشتهار بين الخاصة والعامة أي ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ كحرمة الزنا، وحل البيع، وحرمة الربا، ووجوب الصلوات الخمس، وخلود الكافرين في النار. فمن كان منكرا شيئا من كل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فقد كفر، إذ يلزم من إنكاره ذلك تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في إخباره عنه. فخرج بذلك، ما ليس معلوما من الدين بالضرورة، وإن كان مجمعا عليه؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع البنت، فلا يكفر منكره.\r(وينطوي) أي يندرج (في كلمة الإسلام) هي لا إله إلا الله محمد رسول الله (ما قد مضى) أي مضى ذكره (من سائر الأحكام) أي من جميع الأحكام أي جميع العقائد الإيمانية مما يرجع إلى الألوهية، والنبوة وجوبا، وجوازا، واستحالة.\rوبيان ذلك أن الجملة الأولى، وهي: «لا إله إلا الله» نفت الألوهية عن غيره تعالى، وأثبتتها له تعالى. ومعنى الإله استغناؤه عن غيره، وافتقار كل ما عداه إليه، والاستغناء يستلزم وجوب وجوده، وقدمه، وبقائه، ومخالفته للحوادث، وقيامه بنفسه، وتنزهه عن النقائص. ويدخل في ذلك السمع، والبصر، والكلام، ولوازمها؛ وهي كونه سميعا، بصيرا، متكلما. فهذه إحدى عشرة صفة من الواجبات له تعالى. وإذا وجبت له تعالى ذلك، استحال على الله تعالى أضدادها، فالمجموع اثنان وعشرون صفة. ويستلزم كذلك أيضا، نفي وجوب فعل شيء من الممكنات على الله تعالى، أو تركه، فهذه ثلاثة وعشرون صفة ينطوي عليها الاستغناء.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وأما الافتقار أي افتقار كل شيء إليه، فيستلزم الحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، ولوازمها؛ من كونه تعالى حيا، قادرا، مريدا، عالما. ويستلزم كذلك الوحدانية، فهذه تسع صفات تجب له تعالى. ويستحيل عليه تعالى أضدادها، فهي ثماني عشرة صفة يجب له تعالى، فإذا ضمت هذه الثمانية والعشرة للثلاثة والعشرين السابقة، كان المجموع واحدا وأربعين صفة لله تعالى من الواجب، والمستحيل، والجائز.\rوأما الجملة الثانية، وهي: «محمد رسول الله» ففيها الإقرار برسالته صلى الله عليه وسلم، ويلزم منه تصديقه في كل ما جاء به، ويندرج منه وجوب صدق الرسل، وأمانتهم، وفطانتهم، وتبليغهم جميع ما أمروا بتبليغه. ويندرج فيه أيضا استحالة أضداد تلك الأربعة. ويندرج فيه أيضا جواز الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العليّة. والله أعلم.\rفَأَكْثِرَنْ مِنْ ذِكْرِهَا بِالأَدَبِ\r\rتَرْقَى بِهَذَا الذِّكْرِ أَعْلَى الرُّتَبِ\r\rوَغَلِّبِ الْخَوْفَ عَلَى الرَّجَاءِ\r\rوَسِرْ لِمَوْلاَكَ بِلاَ تَنَاءِ\r\rوَجَدِّدِ التَّوْبِةَ لِلأَوْزَارِ\r\rلاَ تَيْأَسَنْ مِنْ رَحْمَةِ الغَفَّارِ\r\r(فأكثرن) أيها الطالب الصالح (من ذكرها) أي من ذكر كلمة الإسلام، وهي: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» بعد معرفة عقائد الإيمان التي لا يمكن السير إلى الله، والوصول إليه إلا بعد معرفتها. (بالأدب) فإنه لا شيء أقرب لصفاء القلب من كثرة ذكرها مع القيام بالأدب التي منها؛ تجديد التوبة، والطهارة من الحدث والخبث، والتوجه إلى الله عز وجل برغبة، والاستغفار بأي صفة كانت، وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع استقبال القبلة. (ترقى) بصفاء القلب (بهذا الذكر) المشتمل على الأداب (أعلى الرتب). وأدنى الرتب لوم النفس على ما صدر منها من المخالفات، وأعلاها مرتبة الصديقية ينالها العبد بعد الدخول في مقام الإحسان، وهو «أن تعبد الله كأنك تراه».","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"(وغلب) أيها الذاكر (الخوف) من الله تعالى وسطوته وقهره (على الرجاء) في رحمته، وعفوه، والخوف، والرجاء، لا يخلو منهما أحد سلك الطريق وإنهما مثل جناحي الطائر لفقد أحدهما سقط، إلا أنه في حال الصحة ينبغي تغليب جانب الخوف على جانب الرجاء، وفي حال المرض والإشراف على الموت ينبغي تغليب جانب الرجاء، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى». (وسر) أيها السالك (لمولاك) الذي يراك حيثما كنت (بلا تناء) بغير تباعد عن الطريق المستقيم. والسير هو عبارة عن تعلق قلب العبد بمولاه تبارك وتعالى مع مخالفة النفس وشهواتها.\r(وجدد) أيها العبد السالك (التوبة) والرجوع إلى الله (للأوزار) جمع وزر أي المعصية، قال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [سورة البقرة: 222]، (لا تيأسن) أي لا تقنطن (من رحمة الغفار) قال تعالى: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) [سورة يوسف: 87]. اهـ.\rوَكُنْ عَلَى آلاَئِهِ شَكُوْرًا\r\rوَكُنْ عَلَى بَلاَئِهِ صَبُوْرًا\r\rوَكُلُّ أَمْرٍ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرْ\r\rوَكُلُّ مَقْدُوْرٍ فَمَا عَنْهُ مَفَرْ\r\r(وكن) أيها السالك للطريق إلى الله (على آلائه) جمع إلىً، كمعى وأمعاء أى نعمه تعالى التى أنعمها عليك كنعمة الإيمان وهو أجلها (شكورا) كثير الشكور بالجنان، والأركان، واللسان بأن يعتقد العبد بجانبه أى قلبه أن لا نعمة فى الوجود إلاّ من الله الكريم. وأن يخدم الموالى بأركانه أى جوارحه بالعمل بها كل ما طلب منه من المأمورات. وأن ينطق بلسانه لآ إله إلا الله وسائر الأذكار والواردة. (وكن على بلائه) من المرض وضيق العيش ونحو ذلك (صبورا) قال الله تعالى: (إن الله مع الصابرين) [سورة البقرة: 153 والأنفال : 46]، والصبر حبس النفس على ماتكره.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"(وكل أمر) من الأمور البارزة في الكائنات (بالقضاء) أى بسبب قضاء الله وعلمه (والقدر) وهو إيجاد الله تعالى الأمور على طبق ما أراده وعلمه (وكل مقدور) قدره الله تعالى وأظهره إلى عالم الوجود وفق قضائه وعلمه (فما عنه مفر) أي فليس عن ذلك المقدور مفر، ولا بد من وقوعه.\rوَكُنْ لَهُ مُسَلِّمًا كَيْ تَسْلَمَا\rوَاتْبَعْ سَبِيْلَ النَّاسِكِيْنَ العُلَمَا\r\rوَخَلِّصِ القَلْبَ مِنَ الأَغْيَارِ\r\rبِالْجَدِّ وَالقِيَامِ فِيْ الأَسْحَارِ\r\r(وكن) أيها الطالب (له) تعالى أي لرضاه تبارك وتعالى (مسلما) في كل ما قدره، وقضاه، وأمر به، ونهى عنه، بأن ترضى بذلك من غير اعتراض (كي تسلما) أي تخلص، وتنجو من آفات الدارين (واتبع) أيها السالك (سبيل الناسكين) أي طريق العابدين، وهو مختصر في اعتقاد، وعلم، وعمل على طبق العلم الذي بعث محمد صلى الله عليه وسلم به. (العلماء) العارفين من السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان. وافترق من جاء بعدهم من الأئمة على ثلاث فرق؛ فرقة: نصبت لنفسها لبيان الأحكام الشرعية والعملية، وهم الأئمة المجتهدون والذي استقر منها من المذاهب إلى عصرنا، هم الأئمة الأربعة. وفرقة: نصبت نفسها للاشتغال ببيان العقائد الصحيحة، الإمام أبو الحسن الأشعري والإمام أبو منصور الماتريدي، ومن تبعهما. وفرقة: نصبت نفسها للاشتغال بالعمل والمجاهدات طبقا لما ذهبت إليه الفرقتان المتقدمتان، وهم كثيرون؛ منهم: الإمام أبو القاسم الجنيد سيد أهل الطريق والسلوك إلى الله تعالى.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"(وخلص القلب) الذي هو محل نظر المولى تبارك وتعالى (من الأغيار) جمع غيرة بمعنى السوى أي سوى الله تعالى من كل ما يشغله من كل مال، وزوجة، وولد، وجاه، وغيرها (بالجد) والاجتهاد، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) [سورة العنكبوت: 69]، والمجاهدة تكن بمخالفة النفس في هواها مع الخوف من الله تعالى بعد التوبة (والقيام) لله الواحد (بالأسحار) قال تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) [سورة الذاريات: 17-18].\rوَالفِكْرُ وَالذِّكْرُ عَلَى الدَّوَامِ\r\rمُجْتَنِبًا لِسَائِرِ الآثَامِ\r\rمُرَاقَبًا لِلَّهِ فِي الأَحْوَالِ\r\rلِتَرْتَقِيْ مَعَالِمَ الكَمَالِ\r\rوَقُلْ بِذُلِّ رَبِّ لاَ تَقْطَعْنِيْ\r\rعَنْكَ بِقَاطِعٍ وَلاَ تَحْرِمْنِيْ\r\rمِنْ سِرِّكَ الأَبْهَى الْمُزِيْلِ لِلْعَمَى\r\rوَاخْتِمْ بِخَيْرٍ يَا رَحِيْمَ الرُّحَمَا\r\r(والفكر) أي التفكر في خلق الله تعالى السموات والأرض وغيرهما، قال الله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلىجنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض) [آل عمران: 191]، وفي الحديث: «تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الخالق فتهلك». (والذكر) أي مع ذكر الله تعالى كما في الآية المذكورة (على الدوام) سواء كان بالقلب وهو شأن أرباب النهاية أو باللسان، قالوا: من أعطي الذكر فقد أعطي منشورة الولاية أي الرسوم من الله بأنه ولي الله تعالى، قال تعالى: (فاذكروني أذكركم) [البقرة: 152]، وفي الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير من ملأه». (مجتنبا) ومتباعدا (لسائر الآثام) صغيرة كانت أو كبيرة.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"(مراقبا لله) المراقبة أن تلاحظ أن الحق تبارك وتعالى مطلع عليك عند كل شيء. فهذا مقام ترتقي به إلى مقام أعلى مقام المشاهدة، ثم إلى مقام المعاينة. أشار بهذا قوله صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك». (لترتقي معالم الكمال) وهي الأخلاق المحمدية.\r(وقل) أيها العبد السالك (بذل) وانكسار قلب، وهو من دواعي الإجابة (رب لا تقطعني عنك بقاطع) من القواطع، منها: الأمراض القلبية؛ كالحقد، والحسد، والرياء، والعجب. (ولا تحرمني) أي لا تمنعني.\r(من سرك) أي من إعطائك السر. والمراد به النور الإلهي الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل في نفس الأمر المشار إليه بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) [الأنفال: 29] أي نورا في قلوبكم (الأبهى) نعت أول لسرّك أي من كل نور، أي الأنوار منه (المزيل للعمى) نعت ثان أي سرك الموصوف بالأنوار والمزيل للعمى أي عن الجهل، وطمس البصيرة. فإن السرّ يورث علم اليقين، وهو معرفة الأشياء بالبرهان، وحق اليقين، وهو معرفتها بالمشاهدة. (واختم بخير) في لطف وعافية (يا رحيم الرحماء). هذا، وقد ختم الناظم هذا الكتاب ببراعة حسن الختام. رزقنا الله تعالى وأحبابنا حسن الختام. آمين.\rوَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الإِتْمَامِ\r\rوَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ\r\rعَلَى النَّبِيِّ الْهَاشِمِيِّ الْخَاتِمِ\r\rوَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَكَارِمِ\r\r(والحمد لله) حمد الناظم في آخر هذا الكتاب كما حمد في أوّله (على الإتمام) أي إتمام هذا الكتاب (وأفضل الصلاة والسلام) وإنما صلى وسلم المصنف في آخر كتابه، لأنه ما وصلت نعمة إلينا، ولا سيما نعمة التوحيد إلا بواسطة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"(على النبي الهاشمي الخاتم) للأنبياء والرسل (وآله) من بني هاشم وبني المطلب (الأكارم) الذين اختارهم الله تعالى في صحبة نبيه أولئك هم الصادقون، وأولئك هم المفلحون، فطوبى لمن تبعهم بإحسان. والله أعلم.\rفرغت كتابة هذه التعليقات\rعشية يوم الجمعة، رابع شهر رجب، سنة ألف وأربعمائة وثمانية\rوالحمد لله في المبدأ والختام. اهـ.","part":1,"page":30}],"titles":[{"id":1,"title":"تقريرات الخريدة البهية","lvl":1,"sub":0}]}