{"pages":[{"id":1,"text":"الكتاب: رسالة في غلطات الصوفية (مطبوع ضمن مجموعه آثار أبو عبد الرحمن سلمي)\rالمؤلف: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري، أبو عبد الرحمن السلمي (المتوفى: 412 هـ)\rالمحقق: عبد الفتّاح أحمد الفاوي محمود\rالناشر: مؤسسه پژوهشي حكمت وفلسفه إيران، تهران - إيران، ومؤسسه مطالعات إسلامي دانشگاه آزاد برلين، برلين - آلمان\rالطبعة: الأولى، 1388 هـ ش= 2009 م\rعدد الأجزاء: 1\r[ملاحظات]\rترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي\rأعده للشاملة: مجاهد صغير أحمد صودهوري","part":3,"page":3},{"id":2,"text":"16. رسالة في غلطات الصوفيّة\rتصحيح\rعبد الفتّاح احمد الفاوى محمود\r\rويراستهء\rمحمد سورى","part":3,"page":461},{"id":4,"text":"سخن ويراستار\r«رسالة في غلطات الصّوفيّة» از آثار كمتر شناخته شدهء ابو عبد الرحمن سلمى است. حاجى خليفه در خلال آثار سلمى از اين رساله نام نبرده، ولى ابن عربى 1 از آن ياد كرده ونور الدين شريبه 2 وزركلى 3 نيز آن را جزو آثار سلمى آورده اند. فؤاد سزگين سه نسخه از اين رساله را معرفى كرده است: (1) دار الكتب المصريهء قاهره، مجموعهء شمارهء 187، برگ 33 ب تا 80 آ، از قرن يازدهم هجرى؛ (2) قونيه، يوسف آغا، نسخهء شمارهء 5606/ 4862 به تاريخ 617؛ (3) رشيد، نسخهء شمارهء 453 با عنوان غرائب علوم الصوفية، رسالهء هشتم، برگ 125 آ تا 128 آ. 4 نسخهء ديگرى را نيز ما يافته ايم كه در ادامه به آن اشاره خواهيم كرد.\rاين رساله را عبد الفتاح محمود به ضميمهء رسالة الملامتيّة چاپ كرده است. 5 ظاهرا مصحح از نسخهء دار الكتب المصريه استفاده كرده؛ زيرا توصيفات شريبه از اين نسخه با\r---\r1. الفتوحات المكّيّة 658/ 2. عبارت ابن عربى چنين است: «ومن نظر منهم إلى ما نظره النّبي صلّى الله عليه وسلّم جعله من أغاليط أهل الطّريق كأبي عبد الرّحمن السّلمي إذ عمل أوراقا فيما غلطت فيه الصّوفيّة وهو مذهبنا».\r2. مقدمهء نور الدين شريبه بر طبقات الصوفية 38 - 37.\r3. الأعلام 99/ 6.\r4. تاريخ نگارش هاى عربى 987/ 1.\r5. أصول الملامتيّة وغلطات الصّوفيّة 199 - 175.","part":3,"page":463},{"id":5,"text":"متن حاضر كاملا تطبيق مى كند. عنوان اين نسخهء خطى كتاب أصول الملامتيّة وغلطات الصّوفيّة است وهمين عنوان مصحح را به اين تصور انداخته كه اين دو، يك كتاب است وكار ابو العلا عفيفى در تصحيح «رسالة الملامتيّة» 1 ناقص است. وى با همين تصور، عنوان رساله را «فصل في غلطات الصّوفيّة» وآن را به عنوان بخش پايانى «رسالة الملامتية» قرار داده است.\rكار عبد الفتاح محمود با وجود بهره گيرى از فقط يك نسخهء خطى ورعايت نكردن معيارهاى تصحيح، در مجموع خوب است؛ هرچند به هيچ وجه نمى توان آن را كار نهايى دربارهء اين رساله دانست. هدف ما از ارائهء دوبارهء اين متن آن است كه فعلا آنچه از آثار سلمى منتشر شده در يك مجموعه گردآورى شود وخود زمينه اى براى تحقيقات جديد در؟؟؟ سلمى را فراهم آورد؛ به ويژه آنكه هنوز بسيارى از محققان بر اين باورند كه «رسالهء غلطات» تاكنون چاپ نشده است.\rدر چاپ حاضر، ما چند كار كرده ايم: حذف مؤخرهء مصحح وهمهء پاورقيهاى او كه به جز چهار مورد با متن رساله بى ارتباط بود؛ تصحيح غلطهاى آشكار؛ پاراگراف بندى وشماره گذارى متن وگذاشتن افزوده هاى خود در داخل><.\rپس از پايان يافتن كار، متوجه شديم نسخه اى از رسالهء «غلطات» در مجموعهء السلميات (نسخهء شمارهء 2118 در كتابخانهء دانشگاه اسلامى امام محمد بن سعود در رياض) نيز وجود دارد، ولى در اين نسخه نيز «غلطات الصّوفية» ذيل يكى ديگر از آثار سلمى به نام «ذكر محن المشايخ الصّوفيّة» قرار گرفته وجزو آن رساله به شمار رفته وخطبهء آن وبند آخر آن دربارهء قائلان به حلول نيز حذف شده است. با دست يافتن به اين نسخه بر آن شديم كه تصحيح عبد الفتاح را كنار گذاشته ودوباره رساله را تصحيح كنيم، ولى تفاوتهاى فراوان اين نسخه با متن عبد الفتاح، ما را بر آن داشت كه فعلا دست نگه داريم وبه آنچه داريم بسنده كنيم تا ديگر نسخه هاى مستقل نيز به دست ما برسد وبا\r---\r1. «رسالة الملامتيّة»، به كوشش ابو العلا عفيفى، در الملامتيّة والصّوفيّة وأهل الفتوّة، قاهره 1945/ 1364 (افست در مجموعهء آثار ابو عبد الرّحمن سلمى 436/ 2 - 402).","part":3,"page":464},{"id":6,"text":"استفاده از آنها هم مشكل اين ادغامها رفع شود وهم متنى انتقادى از مجموعهء اين نسخه ها را فراهم آيد. 1 اگر توفيق الهى يار شود، شايد بتوان براى جلد چهارم مجموعهء آثار ابو عبد الرحمن سلمى اين كار را كرد.\r---\r1. البته در دو مورد مشكوك، ضبط سلميات را در متن آورديم.","part":3,"page":465},{"id":8,"text":"رسالة في غلطات الصّوفيّة","part":3,"page":467},{"id":10,"text":"رسالة في غلطات الصّوفيّة رضي الله عنهم\r(1) قال المؤلّف أبو عبد الرّحمن السّلمي رضي الله عنه: الشّطح للخراسانيّين، لأنّهم يتكلّمون عن أحوالهم وعن الحقائق، وأهل العراق يصفون أحوال غيرهم وليس الواصف بشاطح. والغلط الّذي وقع للقوم وذلك لبلوغهم إلى محلّ من العلم والحال ودرجة سقطوا عنها بالتفاتة، كما قال أبو علي الرّوذباري رحمه الله: «بلغنا في هذا الأمر إلى مكان مثل حدّ السّيف. فإن قلنا كذا ففي النّار، وإن قلنا كذا ففي النّار، وذلك لدقّة المقام ودقّة الحال».\r(2) وإنّما بني هذا الأمر وأسّس على ثلاثة أشياء: أوّلها اجتناب المحارم، والثّاني أداء الفرائض، والثّالث ترك الدّنيا لأهلها. والغلط وقع في ثلاثة أوجه:\r(3) طبقة غلطت في الأصول لقلّة إحكامهم أصول الشرع وضعف فهمهم وإخلاصهم، كما قال الجنيد رحمة الله عليه: «إنّما منعوا من الوصول لتضييع الأصول».\r(4) وطبقة غلطت في الفروع من الآداب والأخلاق والمقامات. وذلك لقلّة معرفتهم بالأصول واتّباعهم حظوظ النّفس والدّنيا ولم يتأدّبوا بمن يروّضهم ويجرّعهم المرارات ويدلّهم على المناهج ويعرّفهم النّفس وعيوبها فتسقط عنهم حظوظها. فمثل هؤلاء مثل من يدخل بيتا مظلما بغير سراج يريد أن يطلب فيه شيئا؛ فمتى يجد ما يطلب؟ ويفسد في تلك الظّلمة أكثر ممّا يصلح.","part":3,"page":469},{"id":11,"text":"(5) وطبقة غلطهم زلّة أو هفوة فإذا يبيّن لهم ذلك عادوا إلى سبيل الرّشد ومكارم الأخلاق ومعالي الأحوال وقبلوا النّصح وتركوا العناد وأذعنوا للحقّ فلا ينقص بتلك الهفوة من مراتبهم شيء.\r(6) وطبقة غلطت في ألفاظ الفقر والغنى: فقوم فضّلوا الغنى على الفقر، وإنّما أشاروا بذلك إلى الغنى بالله عزّ وجلّ، لأنّ الغنى به أجلّ من الافتقار إليه، ولم يشيروا بقولهم «الغنى» إلى الغنى بأعراض الدّنيا.\r(7) وطائفة أخرى توهّمت أنّ هؤلاء إنّما فضّلوا الاستغناء بهذه الأعراض الدّنيويّة ويجعلون لها تأويلات ورووا فيها روايات واحتجّوا في ذلك تحجيجات؛ وهذا بعيد من مراد القوم.\r(8) وطبقة تكلّموا في الافتقار إلى الله وحقيقته، فتوهّمت طائفة أخرى وقالوا: «إنّما يفضّلون هؤلاء قلّة الشّيء وشدّة الحاجة والصّبر على الضّرر». وقالت طائفة أخرى من أهل الدّعاوي: «إنّ الفقير المحتاج الّذي يعدم الصّبر والرّضا لا فضيلة له ولا ثواب على فقره». وغلطوا في ذلك ولم يعلموا أنّ للفقير المضطرّ المحتاج المعدوم للصّبر والرّضا درجة على الغنيّ الّذي يكون غناه بالدّنيا. وزعمت طائفة أنّ الفقر والغنى حالان لا يجب للعبد أن يسكن إليهما بل يعبرهما ولا يقف معهما وهذا لا يكون إلاّ عند أهل الحقائق. وتوهّم قوم أنّ هذه مساواة بين الفقر والغنى وليس كذلك، وإنّما المحقّق في الأحوال يستوي عند الأضداد في حالة وليستا بمستويتين في أصولهما بل حاله يجعلهما عنده شيئا واحدا.\r(9) وطبقة توهّمت أنّ المراد بالفقر العدم وقلّة الشّيء فقط، فاشتغلوا بذلك ولم يطلبوا حقائق الفقر وخفي عليهم أنّ رؤية الفقر في الفقر حجاب الفقير عن حقيقة الفقر. وليس في الفقر حالة أقلّ من العدم وقلّة الشّيء، لأنّ ذلك يشركه فيه المعدمون والسّؤال، وليسوا بمحمودين في ذلك ولا رتبة لهم في الفقر الحقيقي.\r(10) وطبقة غلطت في التّوسّع في الدّنيا وترك التّوسّع فيها والتّكثّر فيها إلاّ لنبيّ أو صدّيق، لأنّه يعرف الإذن >ف‍< ينفق إذا أذن له في الإنفاق ويمسك إذا أذن له في الإمساك. ولا يعرف ذلك إلاّ نبيّ أو أرباب النّهاية من الأولياء، وعلامتهم أنّهم لا يسكنون إلى ما في","part":3,"page":470},{"id":12,"text":"أيديهم ولا هم يطلبون الزّيادة عليه ويكون القليل والكثير عندهم واحدا ولا يستلذّ أحدهم بالعطاء ولا بالإمساك ويعرف وجوه الحقوق فيها فيضعها بأمر ويمسكها بأمر.\r(11) وطبقة غلطوا في التّقشّف والتّقليل وظنّوا أنّ الرّفق بالنّفس وتناول المباح واسترواح النّفس بحال يسقط العبد عى درجته. وذلك غلط، لأنّ العلّة في ذلك كالعلّة في التّوسّع والتّرفّه سواء. وليس للعبد أن يعمل ذلك إلاّ في وقت ابتداء رياضة أو شدّة مجاهدة أو عند سوء أدب يظهر من النّفس. ثمّ إذا شاء ثبت على ذلك وإن استحلى ملاحظة الخلق له ترك ذلك وعمل في الانقلاع عنه والرّجوع إلى طريق المساواة مع الخلق في المطعم والملبس.\r(12) وطبقة من المتقدّمة عملوا في الكسب وأمروا به وأنكروا على من لم يكتسب. وقد غلطوا، لأن الكسب رخصة وإباحة لمن لم يطق حال التّوكّل، فإنّ التّوكّل حال النّبي صلّى الله عليه وسلّم والكسب سنّته فمن لم يطق حاله ردّ إلى سنّته. والمؤمنون كلّهم مأمورون بالتوكّل. قال الله تعالى: {وعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (5: 23). والتّوكّل هو الثّقة بما وعد الله، فمن خرج عن هذه الدّرجه ردّ إلى حال السّنّة من الكسب. وللكسب شرائط: منها ألاّ يشغل عن أداء الفرائض في أوقاتها، ومنها ألاّ يعتمد على كسبه، ومنها أن يتعلّم من العلم ما لا يتناول معه حراما، وألاّ يأخذ من كسبه شيئا بالرّخص والتّأويلات، وأن يعين إخوانه العاجزين عن الكسب ويتفقّدهم من كسبه. فهذه بعض شرائط الكسب.\r(13) وطبقة من المريدين غلطوا في حال الفترة. وذلك أنّهم لما سمعوا مجاهدة من كان قبلهم من المشايخ الأبرار والسّادة المتقدّمين لما سمّاهم الله بذلك ورفع قدرهم عند خلقه اجتهدوا وعملوا في الاجتهاد مدّة. فلمّا طال بهم الأمر طمعت نفوسهم في الكرامات فلم يجدوها، فلمّا رأوا ذلك كسلوا عن مجاهداتهم فسمّوا ذلك الكسل فترة وهو كسل وخدع، ولو جذبهم الحقّ سبحانه جذبة لما كسلوا فكانت فترتهم رجوعا عن المجاهدة، لأنّ الفترة تكون استرواحا لقلوب المجتهدين وأبدانهم وقتا دون وقت، ثمّ يعودون إلى حال الاجتهاد، كما حكي عن أبي علي الروذباري، أنّه قال: «النّهاية كالبداية والبداية كالنّهاية. فمن ترك في نهايته شيئا ممّا كان يفعل في بدايته فهو مخدوع».\r(14) وطبقة غلطوا في سياحتهم وأسفارهم، فجعلوا أسفارهم لأنفسهم وللقاء المشايخ","part":3,"page":471},{"id":13,"text":"تكبّرا على أبناء جنسهم ممّن لم يسافروا سفرهم. وهذا غلط، ما لهذا سافر القوم وإنّما سافروا لتستبين لهم أخلاقهم فيعلمون ما لا يصلح في درجاتهم فيبدلونه وليلقوا المشايخ. ومن كان قصده في لقاء المشايخ أن يأخذ منهم كلامهم فيروح به على العامة فهو متعنّ في سفره وقصده. ومن كان قصده الافتخار بأنّه رأى فلانا أو فلانا فهو راو مراء. ومن كان قصده التّأدّب بهم والأخذ عنهم والائتمار بأمرهم واعتقاد الحرمة لهم فأولئك هم المسافرون الظّافرون. ومن طلبت منه نفسه إقبال شيخ عليه أو كرامة له فإنّ سفره كسفر من انتقل من العلم إلى الجهل ولا ينتفع بذلك أبدا.\r(15) وطبقة غلطوا في الإنفاق وتوهّموا أنّ المراد من الإنفاق هو البذل والخلق والسّخاء. وليس مراد القوم ذلك ولكنّهم رأوا أنّ التّعلّق بالأسباب قطع عن المسبّب.\r(16) وطبقة غلطوا في المباحات ولم يتكلّفوا مراعاة الأوقات وقالوا: «ليس لنا معلوم. أيّ شيء وجدنا أكلنا وذلك وقتنا». وذلك غلط، لأنّ الوقت إذا فات ليس يدرك. وليس الوقت الّذي يكون معمورا بالأرفاق، إنّما الوقت ما يكون معمورا بالذّكر والإخلاص والرّضا. وعمارة الوقت بالأرفاق وما لا تهوى الأنفس من نزعات الشّيطان، وعمارته بالذّكر من مراد الرّحمن.\r(17) وطبقة غلطوا في ترك الطّعام والعزلة وتوهّموا أنّ النّفس إذا كسرت بترك الطّعام انكسرت وذلّت ويؤمن شرّها. وذلك غلط، إنّما يؤخذ طريق تذليل النّفس وكسرها من المشايخ والأستاذين حتّى لا يكون على صاحبها ممّا يريده من الخير شرّ، فإنّ الشرّ إذا تولّد من طريق الخير لا يمكن تداركه. والإنسان إذا ترك الطّعام أيّاما أدّاه ذلك إلى خلل يقع في الفرائض، وتقصير يقع في فريضة أضرّ على المريد من تمادي النّفس في كلّ وقت. ويجب على العبد ألاّ يأكل من الطّعام ما يقويه على طلب الشّهوات ولا يتركه حتّى يضعف عن الفرائض بل يستعمل السّنّة في ذلك وهي ما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ثلث للطّعام وثلث للشّراب وثلث للنّفس». والثّلث الّذي هو للنّفس هو لأنفاس العبادة والفهم عن الله سبحانه والرّجوع إليه.\r(18) وطبقة غلطت في العزلة وتوهّمت أنّ العزلة والسّكن في الكهوف والانفراد في","part":3,"page":472},{"id":14,"text":"الجبال والفلوات يؤمنهم من شرور أنفسهم ويوصلهم الانفراد والخلوة إلى ما وصل إليه الأولياء. وغلطوا في ذلك، لأنّ المشايخ دعاهم إلى العزلة والانفراد داعي العلم وقوّة الحال وذلك جذب من الحقّ سبحانه جذبهم إليه فأغناهم به عن كلّ من سواه. فمن لم يكن مصحوبه قوّة الحال وغلبة الوارد ثمّ تكلّف الانفراد والعزلة فقد ظلم نفسه وأدخل بذلك على نفسه ضررا عظيما. وأصله حال النّبي صلّى الله عليه وسلّم، كان إذا دنا منه أوان الوحي يذهب إلى حراء فيخلو فيه الأيّام ذوات العدد وذلك من غلبة الوارد عليه من الوحىّ لمّا دنا وقته.\r(19) وطائفة غلطوا في حبّ أنفسهم وتوهّموا أنّهم يسلمون بذلك من الشّهوات النّفسانيّة. وقد غلطوا فإنّ الأوقات تبدو من الباطن وحبّ الآلة لا يزيل ذلك وإنّما يزيله قطع الشّهوات عن القلب وحبّ الآلة لا يضير مع ذلك.\r(20) وطائفة غلطوا في أنّهم هاموا على وجوههم في البراري والجبال بلا زاد ولا ماء ولا آلة للطّريق وتوهّموا أنّهم يصلون بذلك إلى منازل الصّادقين في حقيقة التّوكّل. وغلطوا، لأنّ القوم الّذين عملوا هذا كانت لهم بدايات ورياضات.\r(21) وطائفة غلطوا في لبس الصّوف والمرقّعات من غير ضرورة، وأخذ الرّكاء والأباريق وتعلّموا شيئا من إشارات القوم وعلومهم فظنّوا أنّهم إذا فعلوا ذلك كانوا منهم. وليس التّحلّي والتّشبّه من الحقيقة بشيء، لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس الإيمان بالتّمنّي ولا التّحلّي». وقال أيضا: «المتشبّه بما لم يعط كلابس ثوبي زور».\r(22) وطائفة أخرى أحرزوا قوتهم وجمعوه، ثمّ عمدوا بعده إلى الصّوم والصّلاة وقيام اللّيل واستماع الورع ولبس الخشن وأكل الخشن وأكثروا البكاء والتّضرّع وظنّوا أنّ ذلك هو المقصود من الأمر وليس بعده شيء. وغلطوا، لأنّ بداية التّصوّف هو الخروج من المعلومات والأكل من الغيب والأخذ منه.\r(23) وطائفة توهّمت أنّ التّصوّف هو القول والرّقص وسماع النّغم والقصائد واتّخاذ الدّعوات والتّكلّف للاجتماعات لما رأوا من بعض الصّادقين انبساطا في السّماع في بعض الأوقات. وغلطت في ذلك ولم تعلم أنّ كلّ قلب تلوّث بشيء من الدّنيا وكلّ نفس فيها","part":3,"page":473},{"id":15,"text":"شيء من البطالة والغفلة لا يصحّ لها السّماع، بل لا يحلّ لها السّماع والآخر أصحّ. قال الجنيد رضي الله عنه لبعض من سأله عن السّماع: «إذا رأيت المريد يحبّ السّماع فاعلم أنّ في نفسه بقيّة من البطالة». 1\r(24) وطائفة غلطت في اسم الحرّيّة والعبوديّة وتوهّمت أنّ الحرّيّة أجلّ من العبوديّة ولم يعلموا أنّ اسم الحرّيّة إنّما أطلقه من أطلقه بشيئين: أحدهما أنّه قال: «لا يكون العبد على الحقيقة عبدا حتّى يكون عما سوى الله حرّا» وهذه طريقة صحيحة. ومنهم من أبقى الحرّيّة وهجنها وقال: «إن الحرّ إذا عمل عمل لطلب جزاء وعوض ولا تخلو معاملة الأحرار عن طلب الأعواض. والعبد ليس له طلب جزاء ولا عوض من سيّده لكن إذا أعطاه أعطاه متفضّلا وإن لم يعطه لم يستحقّ عليه شيئا»، فغلطوا في هذا القول.\rوطائفة توهّمت أنّ العبد بينه وبين الله بعد باسمه عبدا، فإذا صار حرّا وسقطت عنه العبوديّة قرب منه. وهذا غلط كبير، فإنّ اسم العبوديّة أتمّ لأنّ الله تعالى سمّى أولياءه عباده، 2 وسمّى ملائكته عباده، 3 وسمّى أنبياءه عباده، 4 وقدّم للنّبي صلّى الله عليه وسلّم العبوديّة على النّبوّة في التّشهّد فقال: «وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله»، ولا مقام أبلغ من مقام النّبي صلّى الله عليه وسلّم. وكان يصلّي حتّى تورّمت قدماه فقيل له في ذلك فقال: «أو لا أكون عبدا شكورا».\r(25) وطبقة غلطوا في الإخلاص فظنّوا أنّه قلّة المبالاة، وأن يخرج العبد عن رؤية الخلق ولا يوافقهم في جميع ما يريد أن يعمله حقّا كان أو باطلا. وإنّما وقعوا في هذه لأنّ طائفة من مشايخ القوم سئلوا عن الإخلاص فقالوا: «لا يصفو لأحد الإخلاص حتّى لا يبقى عليه شيء من رؤية الخلق والكون». فغلطت هذه الفرقة وتوهّمت أنّ ذلك يصحّ بالدّعاوي وترك الأدب والتّقليد فتركوا الأدب وتجاوزوا الحدّ وغلبتهم النّفوس والهوى ولم يعلموا أنّ\r---\r1. مناقب الأبرار 359/ 1.\r2. في قوله تعالى: {وعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا} (25: 63). (من هوامش المحقّق).\r3. في قوله تعالى: {عِبادٌ مُكْرَمُونَ} (21: 26). (من هوامش المحقّق).\r4. في قوله تعالى: {واذْكُرْ عِبادَنا} (38: 45). (من هوامش المحقّق).","part":3,"page":474},{"id":16,"text":"العبد المطلوب بالإخلاص هو المهذّب المؤدّب الّذي اجتنب السّيّئات وأقبل على الطّاعات ونازل الأحوال والمقامات حتّى أدّاه ذلك إلى صفاء الإخلاص؛ فأمّا من ضيّع البدايات كيف يصل إلى حقائق الرّعايات؟\r(26) وطبقة غلطت في النّبوّة والولاية وزعمت أنّ الولاية أعلى وأتمّ من النّبوّة، وذلك لأنّهم نظروا إلى قصد موسى للخضر صلوات الله عليهما في قوله تعالى: {فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا} (18: 65) إلى قوله: {صَبْرًا} (18: 67) فتوهّمت هذه الطّائفة أنّ حال الولاية أفضل من حال النّبوّة لرجوع موسى صلوات الله عليه إليه، ولم يعلموا أنّ الله سبحانه {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ} (2: 105). خصّ الأنبياء بالمعجزات على الدّوام ثمّ خصّ مريم بقوله: {وهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} الآية (19: 25)، ولم يكن هذا لأحد من الأنبياء ولم تكن نبيّة ولا هي أفضل من نبي. وآصف بن برخيا كان عنده علم من الكتاب وأتى بعرش بلقيس قبل أن يرتدّ إليه طرفه ولم يكن هذا بنبيّ ولا يدلّ على أنّه أفضل من سليمان بهذا. وقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفرضكم زيد، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذرّ». وهذه تخصيصات ولا تدلّ على الفضائل أجمع.\rوذكروا أنّ الأنبياء يوحى اليهم بواسطة والأولياء يتلقّون علمهم من الحقّ سبحانه. وذلك غلط، لأنّ الأنبياء عليهم السّلام لهم رسالة بالواسطة والتلقّف معا وأنّها بعيدة من الاغترارات، والاغترارات وقعت في أحوال الأولياء لا في أحوال الأنبياء، والولاية والصّدّيقيّة إنّما تمامها بأنوار النّبوّة، ولو ألقي على الخضر ذرّة ممّا شاهد موسى من سماع وكلام أو رؤية النّور لامتحق الخضر عليه السّلام حتّى لا يبقى منه شيء، وحجب علم الخضر عن موسى تهذيبا لا تعليما.\r(27) وطبقة غلطت في الإباحة والحظر وزعمت أنّ الأشياء مباحة في الأصل وإنّما وقع الحظر للتّعدّي، فما لم يقع تعدّ فالأشياء على أصلها، واستدلّت بقوله عزّ وجلّ: {فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وعِنَبًا} (80: 27 - 28) إلى قوله: {مَتاعًا لَكُمْ ولِأَنْعامِكُمْ} (80: 32). هذا على الجملة غير مفصّل، وطمعت نفوسهم بأنّ المحظور على المسلمين مباح لهم ما لم يتعدّوا في","part":3,"page":475},{"id":17,"text":"تناوله، وإنّما أدّاهم إلى ذلك ما سمعوا من بعض المتقدّمين مع إخوانه في دخوله في داره والأكل فيها والأخذ من كيسه يريد به إدخال السّرور عليه والانبساط معه، وما حكي عن بعضهم أنّه كان لا يصحب من يقول: «نعلي وقميصي وثوبي». وإنّما كان ذلك لئلاّ يرى لنفسه ملكا يختصّ به دون من يحضره من إخوانه حتّى أنّه إذا احتاج إليه أخوه أخذه ولبسه ولم ير له عليه فضلا. وليس من يدّعي أنّ أصل الأشياء على الإباحة بأولى ممّن يدّعي أنّها على الحظر فيمتنع من ذلك كلّه.\r(28) وطبقة تكلّمت في الحلول ولم نسمع هذا إلاّ حكاية، وما شاهد أحد منهم متكلّما بذلك وإنّما هم اخترعوا ذلك من أنفسهم فقالوا: «إنّ الله تعالى اصطفى نسما حلّ فيها بمعنى الرّبوبيّة فأزال عنها معاني البريّة». فمن قال به أو تحقّق فيه أو ظنّ أنّ التّوحيد بدا له بما أشار من هذه المقالة فهو كافر حقّا. وإنّما أخطأت الحلوليّة - إن صحّ عندهم مقالتهم - لأنّهم لم يميّزوا بين القدرة الّتي صفة القادر وبين الشّواهد الّتي دلّت على قدرة القادر وصنعة الصانع، فضاعت عقولهم وافترقوا في قولهم. فمنهم من يقول بالأنوار، ومنهم من يقول بالنّظر إلى الشّواهد المستحسنات بجهل منهم، ومنهم من قال أنّه حالّ في المستحسنات وغير المستحسنات، ومنهم من قال أنّه حالّ في المستحسنات فقط، ومنهم من يقول هذا على الدّوام، ومنهم من يقول وقتا دون وقت، وكلّ هذا كفر وإفك وضلال.\r(29) وطبقة غلطت في فناء البشريّة فتوهّمت فناء البشريّة حتّى تكلّم القوم في الفناء والبقاء فوقعت لهم عند ذلك وساوس فتركوا الطّعام والشّراب وتوهّموا أنّ البشريّة والجثّة إذا ضعفت زالت بشريّتها. وتوهّمت هذه الطّبقة أنّه يجوز أن يكون العبد موصوفا بالصّفات الإلهيّة، وإنّما الّذي ذكر القوم فناء صفات البشرية وذلك أنّ سلطان أنوار الحقّ إذا بدا على البشريّة أزال من الصّفات رعونتها مثل رؤية الأعمال واستحسان الطّاعات والرّجوع من الجهل إلى العلم > ومن العلم< إلى الذّكر.\rوطبقة من أهل الشّام ادّعوا أنّهم يرون الله تعالى بالقلوب في دار الدّنيا كما يرونه في","part":3,"page":476},{"id":18,"text":"الآخرة. وقد ذكر أبو سعيد الخرّاز 1 في كتاب كتبه إليهم ذكر في فصل منه: «وقد بلغني أنّه نبغ بناحيتهم قوم يقولون كذا وكذا». وتوسوس في هذا أيضا جماعة>من أهل البصرة<من أصحاب الصّبيحي 2 وذلك لما كثرت مجاهدتهم وسهرهم وجوعهم وانفرادهم وخلوتهم وتفكّرهم صحبهم الإعجاب فاصطادهم الشّيطان وزيّن لهم ذلك فادّعوا ما ليس لهم. وإنّما أصابهم إبليس بذلك لأنّهم لم يقفوا إلى شيخ ذي علم ومعرفة بمكايد الشّيطان فيبيّن لهم طريق خطئهم ويردّهم إلى الصّواب كما كان سهل بن عبد الله رحمه الله لبعض أصحابه لمّا وقع له ذلك، فقال لسهل: «إنّي أرى الله في كلّ ليلة بعيني رأسي». فقال له سهل: «إذا رأيته اللّيلة فابصق عليه». فلمّا رآه في اللّيلة الثّانية بصق عليه فلم يره بعد ذلك فرجع إلى طريقه وترك تلك الوسوسة. ورؤية القلوب إن صحّت فبمشاهدة الإيمان وحقيقة التّوحيد وصفاء اليقين كما كان لحارثة حين قال: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا». وذلك تحقيق بل ذلك في كلّ غلبة وجد وشكر وانبساط يرد على العبد، ولا يستوي الخبر والعيان بعد قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس الخبر كالمعاينة».\r(30) ومنهم من غلط في حالة الصّفا والطّهارة فزعموا لأنفسهم الصّفا والطّهارة على الكمال وأنّ ذلك لا يزول عنهم، وزعموا أنّ العبد يصفو من جميع الكدورات والعلل يعني البينونة منها. والعبد لا يصفو على الدّوام وإنّما يصفو له وقت دون وقت، والطّهارة تكون لقلب العبد من الحقد والغلّ والغشّ وغير ذلك. وأمّا النّفس فإنّها محلّ العلل ولا يخلو محلّ العلل منها. كيف وقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرّة»، وقال: «إنّما أسهو لأسن»، وقال: «إنّما أنا بشر مثلكم».\r(31) وطبقة غلطت في الجمع والتفرقة فلم يضيفوا إلى الخلق ما أضاف الله إليهم ولم يصفوا أنفسهم بالحركة وظنّوا أنّ ذلك احتراز حتّى لا يكون مع الله شيء سواه فأدّاهم ذلك إلى الخروج عن الملّة وترك الحدود وخرق الشّريعة وأسقطوا اللاّئمة عن أنفسهم عند مجاوزة\r---\r1. في الأصل: الخوارزمي. وما أثبتناه من النسخة السلميات.\r2. في الأصل: جماعة من أصحاب الصّبحي. الزّيادة والتصحيح من النسخة السلميات. والصّبيحي هو أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن بكر. راجع عنه طبقات الصّوفيّة شريبة 329 - 331، پدرسن 332 - 335.","part":3,"page":477},{"id":19,"text":"الحدود وهذا لقلّة معرفتهم بالأصول والفروع فلم يفرّقوا بينهما وأضافوا إلى الأصل ما هو مضاف إلى الفرع وأضافوا إلى الجمع ما هو مضاف إلى التّفرقة ولم يحسنوا أن يضعوا الأشياء مواضعها. ولا يتكلم في حقيقة الجمع والتّفرقة إلاّ صدّيق أو زنديق، فأمّا الصّدّيق فيرجع إلى الله تعالى في كلّ شيء بعد معرفة ما يحتاج إليه من الأصول والفروع والحقوق والحظوظ ومنزلة الفرق بين الحقّ والباطل ومتابعة الأمر والنهى ويقوم بشروط الآداب على حدود الاستقامة، والزّنديق لا ينزجر عن شيء من ركوب المعاصي لأنّ جهله وخسرانه أدّاه إلى إضافة أفعاله كلّها إلى الله حتّى أزال بزعمه عنه اللاّئمة في ركوب المآثم بالتّأويل الباطل. نعوذ بالله من الخذلان.\r(32) وطائفة غلطت في القرب والانبساط، فتوهّمت أنّ بينهم وبين الله حالة من القرب والدّنوّ فاحتشمهم عند ذلك التّوهّم بالرّجوع إلى الآداب الّتي كانوا يراعونها والحدود الّتي كانوا يحافظون عليها، وانبسطوا إلى ما كانوا عليه محتشمين وتوهّموا أنّ ذلك من قربهم ودنوّهم. وغلطوا فإنّ الآداب والأحكام خلع من الله على عبيده فمن زاد عليها حفظا ولها حرصا فهو من الله سبحانه في عين الرّعاية والقرب، ومن زال عنه شيء من ذلك بما يظنّه قربا إلى الحقّ فهو بعد منه والعياذ بالله.\r(33) وطبقة غلطت في فناء الأوصاف وهم جماعة من البغداديّين، عندهم أنّ عند فنائهم من أوصافهم دخلوا في أوصاف الحقّ وأضافوا أنفسهم إلى معنى يؤدّيهم بجهلهم إلى القول بالحلول وإلى شبيه من مقالة النّصارى في المسيح. والمعنى الصّحيح في فناء أوصاف العبد والدّخول في أوصاف الحقّ فناؤه من إرادته أجمع ودخوله في مراد الحقّ فلا يكون له مراد مع مراده فيه فما أراد الله به أراده لنفسه فهو فناء أوصافه واتّصافه بالحقّ. وغلطوا في أنّهم ظنّوا أنّ أوصاف الحقّ هو الحقّ وليس كذلك، لأنّه تعالى وتقدّس لا يحلّ في القلوب ولكن يحلّ فيها توحيده وتعظيمه وهيبته.\r(34) وطبقة غلطت في فقد الإحساس فزعمت أنّها تفقد الإحساس عند المواجيد والأذكار القويّة ويخرجون عن أوصاف المحسوسين مع أنّ فقد الحسّ لا يعلمه صاحبه إلاّ بالحسّ. والحسّ صفة البشريّة وقد يغلب عليه الواردات الّتي ترد على الأسرار بقهر","part":3,"page":478},{"id":20,"text":"سلطانها فتغيبه عن حسّه لحظة كالشّمس تطلع على الكواكب فتطمس نورها ولا تزول عن أماكنها. كذلك الحسّ لا يزول ولكن يقهره عليه سلطان الوارد عليه وإنّما يغيب الإنسان عن حسّه بحسّه عند المواجيد الحادّة.\r(35) وطبقة غلطت في الأرواح فقالوا: «الرّوح نور من الله»، وتوهّموا أنّه نور ذاته فزعموا أنّه مخلوق، وقوم قالوا: «الأرواح مخلوقة وروح القدس غير مخلوق»، وقوم قالوا: «أرواح العامّة مخلوقة وأرواح الخاصّة غير مخلوقة»، وقوم قالوا: «للمؤمن ثلاثة أرواح وللكافر روح واحدة وللصّدّيقين خمسة أرواح». وكلّ هذا خطأ وباطل، والصّواب ما قاله الله تعالى: {ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (17: 85) وهي مخلوقة ليس بينها وبين الله نسب ولا سبب إلاّ أنّه خصّها بلطافة الخلقة.\r\rفصل >في أقسام علم الشّريعة<\r(36) وعلم الشّريعة ينقسم على أربعة أقسام: الأول منها علم الرّواية والأنساب، والثّاني علم الدّراية والأحكام، والثّالث علم القياس والإجماع، والرّابع علم الحقائق والاستبصار. فمن غلط في علم الرّواية لم يسأل أحدا من أهل الدّراية، ومن غلط في علم الدّراية لم يسأل أحدا من أهل الرّواية، ومن غلط في علم القياس لم يسأل أحدا من أهل العلمين المذكورين، ومن غلط في علم الحقائق لا يسأل عن غلطه إلاّ عالما منهم كاملا في معناه يجوز أن يكون حجّة، ولا يكون عالما بالحقائق إلاّ بعد أن يكون يحكم الأصول من هذه العلوم الّتي تقدّم ذكرنا لها. فإذا اجتمعت هذه الأقسام الأربعة الّتي ذكرناها في شخص واحد فهو الإمام الكامل والحجّة والقطب، كما قال علي رضي الله عنه لكميل بن زياد: «لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة كيلا تبطل آياته وتدحض حجّته، وأولئك الأقلّون عددا الأعظمون عند الله قدرا».\r\rفصل في الشّطح\r(37) وهو عبارة عن وصف ما يبدو في القلب من الأنوار والفضائل. والشّطح في لغة العرب هو الحركة. يقال: شطح يشطح إذا تحرّك. ويقال للبيت الّذي تحرك فيه الدّقيق: مشطاح. قال الرّاجز:","part":3,"page":479},{"id":21,"text":"قف بشطّ الفرات مشرعة ال ... خيل قبيل الطّريق بالمشطاح 1\rوإنّما سمّي بذلك لكثرة ما تحرك فيه من الدّقيق الّذي ينخلونه. فصحّ أنّ الشّطح لفظة مأخوذة من الحركة، لأنّها حركة أسرار الواجدين إذا قوي وجدهم فيعبّرون عن ذلك بعبارة يستغربها السّامع فمنكر عليه ومفتون به هالك ومن سالم فيه ناج. ويقال: «شطح الماء في النّهر»، إذا علا الماء حتّى يفيض من حافّتيه. كذلك المريد الواجد إذا قوي وجده ولم يطق حمل ما يرد على قلبه من أنوار الحقائق شطح بذلك على لسانه فيبرزه بعبارة مستغربة مشكلة على الفهوم الجاهلة به، لا على فهوم أربابه فسمّي بذلك الاصطلاح شطحا. والأسلم لمن لا يعرف مراميهم ومقاصدهم ومصادرهم ومواردهم ترك الإنكار عليهم ويكل أمورهم إلى الله عزّ وجلّ ويرجع بالغلط على نفسه فإنّه أسلم وأحسن في باب الرّعاية والفتوّة والحرّيّة وبالله التوفيق.\r\rفصل فيه الرّدّ على القائلين بالحلول\r(38) قال صاحب الكتاب: ما قال بالحلول أحد من أئمّة القوم ومشايخهم ومن يرجع منهم إلى دين، وإنّما أطلق هذا القول قوم من أهل الشّام وليس لهم في التّصوّف قدم ولا لهم مع مشايخهم ذكر. قال سيّد القوم أبو القاسم الجنيد بن محمّد: «اعلموا - رحمكم الله - أنّ الحقّ سبحانه لا يوصف بالحلول في الأمكنة ولا ينعت بمرور الأزمنة. كان الحقّ تعالى ولا شيء موجود ولا شخص معبود؛ فكيف يصير بحالة كان في الأزل عنها غنيّا؟ وكيف ينتقل بانتقال الفناء جلّ وتعالى أن يوصف بشيء من هذه العلل؟ وقال ذو النّون المصري: «الحلول لا يلحق الأغيار المخترعة والهياكل المبتدعة. وكيف يحوي الحقّ مكان أو يضمّه أوان ولا مكان ولا أوان ولا زمان؟ جلّ وتعالى عن ذلك». وقال ابن عطاء: «تبطل ذلك الاستحالة، لأنّه يستحيل أن يشاكل القديم المحدث أو يساويه أو يقترن به لأنّ الحلول لا\r---\r1. تكملة الأبيات من كتاب اللّمع، > طبعة عبد الحليم محمود، < ص 453 هي:\rبالطّواحين من حجارة بطريـ ... ق بدير الغزلان دير الملاح\rوإذا لاح بالمسنّاة ظبي ... قد كساه الإشراق ضوء الصّباح\rفاقر ذاك الغزال منّي سلاما ... كلّما صاح صائح بفلاح\r(من هوامش المحقّق).","part":3,"page":480},{"id":22,"text":"يكون إلاّ بين الأشكال». وقال أبو عمرو الدّمشقي: «كيف يجوز أن يحلّ الحقّ في شخص هو أنشأه ملازما للنقص وكان عنه مستغنيا، وهو القاهر بجبّاريّته البائن بصفاته عن صفات خليقته. كان ولا مكان ولا زمان وهو الآن كما كان». وقال الحسين بن منصور الحلاّج: «الحقّ تعالى أوجد الهياكل على رسم العلل منوطة بالآفات فانية في الحقيقة، وإنّما الأرواح فيها إلى أجل معدود، وقهرها بالموت وربطها في وقت إتمامها بالعجز وصفاته تعالى بائنة عن هذه الأوصاف من كلّ الوجوه. فكيف يجوز أن يظهر الحقّ فيما أوجده بهذا النّقص والعلّة؟ كلاّ وحاشا». وثبت أنّ الحقّ سبحانه وتعالى ألزم في كتابه وصف العبوديّة للخلق أجمع فقال: {وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} (51: 56)، وقال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا} (19: 93). فكيف يجوز أن يحلّ فيما ألزمه وصف النّقص وهو العبوديّة فيكون مستعبدا معبودا؟\rنجزت «غلطات الصّوفيّة»، والحمد لله منشئ البريّة وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدّين وحسبنا الله ونعم الوكيل.\r***","part":3,"page":481}],"titles":[{"id":4,"title":"سخن ويراستار","lvl":1,"sub":0},{"id":8,"title":"رسالة في غلطات الصوفية","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"فصل: في أقسام علم الشريعة","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"فصل: في الشطح","lvl":2,"sub":1},{"id":21,"title":"فصل فيه الرد على القائلين بالحلول","lvl":2,"sub":0}]}